دائرة المعارف الحسينية معجم الشعراء الناظمين في الحسين (عليه‌السلام) الجزء الأوّل

مؤلف: محمد صادق محمد الكرباسي
الإمام الحسين عليه السلام

دائرة المعارف الحسينية

معجم الشعراء

الناظمين في الحسين (عليه‌السلام )

الجزء الأوّل



دائرة المعارف الحسينية

معجمُ الشعراء

الناظمين في الحسين (عليه‌السلام )

الجزء الأول

محمد صادق محمد الكرباسي

المركز الحسيني للدراسات

لندن - المملكة المتّحدة


الطبعة الأولى

١٤١٩ ه - ١٩٩٩ م


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(١)

( الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (٢) آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (٥) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي و (٦) لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (٧) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ (٨) ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) ) .

( صَدَقَ اللَّهُ (١٠) الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (١١) ) .

____________________

١- سورة النمل / ٣٠.

٢- سورة النمل / ٥٩.

٣- سورة آل عمران / ٣٣ - ٣٤.

٤- سورة الحاقة / ٤٠.

٥- سورة الشعراء / ١٠٧.

٦- سورة الأعراف / ٦٢.

٧- سورة الشورى / ٢٣.

٨- سورة الإسراء / ٢٦.

٩- سورة الروم / ٣٨.

١٠- سورة آل عمران / ٩٥.

١١- سورة البقرة / ٢٥٥.


قال الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : ((إنّ الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة ، وإمام خير ويمن ، وعزّ وفخر ، وبحر علم وذخر))(١) .

وصدق رسوله الكريم

____________________

١- عيون أخبار الرضا ١ / ٦٢ ، وقريب منه في فرائد السمطين / ٤٢.


مقدمة الناشر

الشعر صنيع الشاعر ، ولا شعر بلا شاعر تفتقت قريحته عن كلام منظوم في أبيات موزونة مقفّاة ، والشاعر ابن بيئته يتأثّر بها وبهمومها وقضاياها ، ويحملها في فؤاده ليصوغها شعراً ، والشاعر يؤثّر في بيئته وبني جلدته وحتى الأجيال اللاحقة به.

فالشاعر إن قال حماساً ألهب المشاعر وجيّش النفوس ، وإن قال رثاءً أحزن الأفئدة والجوارح وأبكى العيون ، وإن قال غزلاً هيّج العواطف وأثلج صدور العشّاق ، وإن ضمّن شعره أحداثاً جرت في عهده بقي شعره تاريخاً تخلّده الأزمنة ، ويعود إليه البحّاثة للاستشهاد به كما يستشهدون بكتب التاريخ والسير.

ولأنّ هذه الموسوعة أرادها واضعها حاوية لكلّ ما يتعلّق بالإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، ونهضة الحسين (عليه‌السلام ) ، فهي لن تكتمل من دون ذكر الشعراء الذين نظموا شعراً في الحسين (عليه‌السلام ) ونصرته ، ونصرة أهدافه ومبادئه ؛ حيث لا يخفى على أحد ما للشعراء الحسينيين من دور هامّ في نشر أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وتسليط الضوء على مظلوميته على مرّ الأزمنة والعصور.

إذ لم يخلُ زمان ولا مكان من شعراء نظموا شعراً في الحسين (عليه‌السلام ) ، وأهل بيته وأنصاره ، حتى غدت معظم مجالس العزاء تُفتتح بأبيات من الشعر ، وتُختتم بأبيات من الشعر الفصيح والعامي على السواء ، ناهيك عن اللطميات الحسينية ، وهي قصائد تُقرأ في عاشوراء بأطوار متعدّدة.

لقد أكرم الأئمّة (عليهم‌السلام ) الشعراء الذين نظموا في الحسين (عليه‌السلام ) ، فها هي كتب التاريخ تحدّثنا عن إكرام الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام ) للشاعر دعبل الخزاعي عندما أنشده قصيدته التائية الخالدة التي مطلعها :


تجاوَبنَ بالإرنانِ والزّفراتِ

نوائحُ عُجمُ اللفظِ والنَّطقاتِ

وكان تأثّر الإمام الرضا (عليه‌السلام ) بالغاً لدرجة أنّ بعض أبياتها أبكى الإمام (عليه‌السلام ) حتى الإغماء ثلاث مرّات ، ولمـّا فرغ دعبل من إنشادها دخل الإمام (عليه‌السلام ) الدار وبعث مع الخادم إلى دعبل صرّة فيها عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه - كان الإمام الرضا (عليه‌السلام ) يومها ولياً لعهد المأمون - لكنّ دعبل رفض أخذ المبلغ طالباً منه أن يهب له ثوباً من ثيابه ، فأنفذ إليه الإمام بجبة خزّ مع المبلغ.

هذا الجزء من دائرة المعارف الحسينية ، هو الجزء الأوّل من معجم الشعراء الناظمين في الحسين (عليه‌السلام ) ، يحتوي على ترجمة موجزة لكلّ شاعر من هؤلاء الشعراء ، وهو بالتحديد يحوي تراجم لأربعة وأربعين شاعر ، على أن تصدر تراجم الشعراء الآخرين تباعاً في أجزاء لاحقة بإذن الله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.

١٠ / شوال / ١٤١٩ه

٢٩ / ١ / ١٩٩٩م


قسم

تراجم الشعراء الناظمين في الإمام الحسين (عليه‌السلام )

بالعربيّة الفصحى



بسم الله الرحمن الرحيم

أحمدك اللّهمّ يا سابغ الفضل والنعم

وأصلّي عليك يا نبي العرب والعجم

وسلام عليكم يا صفوة الخلق والأمم

لندن

محمد صادق صيف

١٤١٧ ه - ١٩٩٦ م



تمهيد

دور الشعراء

بعد ما وضعنا دواوين الشعر ، شعرنا بالحاجة إلى التعريف عن الشاعر ؛ حيث يظلّ مجهولاً عند الكثير من القرّاء بدونه ، وتبقى قيمة الشعر محدودةً بعدم معرفة قائله ؛ فلذا بادرنا إلى ترجمة الشاعر بأقلّ ما يمكن ، للإحاطة به من الناحية الأدبية - جانب الشعر - ، ولا يخفى على أحد دور الشعراء في نشر أهداف الإمام الحسين (عليه‌السلام ) على مدى العصور والأجيال ، وهو دور مشرف.

فالشاعر المهدف سيظلّ اسمه خالداً مع أنصار الحسين (عليه‌السلام ) الذين بذلوا مُهَجَهم دونه ، ودون أهدافه السامية حيث أنّ النصرة هي نصرة الأهداف ، ولا تنحصر بالنزول إلى ساحة الوغى ، بل هي من أبرز مصاديقها وأشرف أنواعها.

وأمّا الشاعر الذي يستخدم فنّ التعبير في نصرة أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) وأهدافه ، ويتّخذ من نفسه إذاعة جوّالة ؛ لنشر مفاهيم تلك النهضة المباركة التي عنْوَنها الإمام (عليه‌السلام ) بقوله : (( إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي ))(١) .

وأطلق من خلالها أُسس الحياة الكريمة التي منها قوله المدوّي : (( إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ))(٢) .

تلك الحقيقة التي امتازت بصدق العمل ، وحرية الضمير.

فالشاعر المخلص والموالي يشعر بالذنب ، إن لم يشترك مع سيّده الحسين (عليه‌السلام ) في ترسيخ تلك الأُسس التي تنازل لأجلها الإمام (عليه‌السلام ) عن حياته ، وحياة أعزّ المقرّبين لديه.

____________________

١- مقتل الحسين - للمقرّم / ١٣٩.

٢- اللهوف / ٥٠.


والشاعر عندما ينظم في الحسين (عليه‌السلام ) يرى أنّه في ساحة الجهاد يواكب سيّده ، وينصره بالكلمات بدل السيوف والرماح ، وذلك حين لم يحظَ بالمشاركة في معركة الكرامة بكربلاء عام ٦١ه ، وإلى هذا المعنى يشير مهيار الديلمي(١) في قوله - من المتقارب - :

وما فاتني نصركم باللسان

إذا فاتني نصركم باليدِ(٢)

وأمّا الشريف المرتضى(٣) ، فرغم أنّه يرى بأنّ في نظم الشعر انتصاراً للإمام (عليه‌السلام ) ؛ إلّا أنّه لا يقتنع بهذا الحدّ حيث يقول - من الخفيف - :

لستُ أرضى في نصرِكم وقد احتج

تم إلى النصرِ منّي الأشعارا

غيرَ أنّي متى نصرتُكم بطعنٍ

أو بضربٍ أسابقُ النصّارا(٤)

ويقول في قصيدة أُخرى - من السريع - :

ولم أكن أقنعُ في نصرِكم

بنظمِ أبياتٍ من الشعرِ(٥)

ويقول الخوارزمي(٦) في نصره للإمام الحسين (عليه‌السلام ) بنظم الشعر - من الوافر - :

وإنّ موفقاً إن لم يُقاتل

أمامكَ يابنَ فاطمةَ البتولِ

فسوفَ يصوغُ فيكَ مجرّات

تُنقلُ في الحزونِ وفي السهولِ(٧)

____________________

١- مهيار الديلمي : هو مهيار بن مرزويه الديلمي ، المتوفّى عام ٤٢٨ه ، من كبار شعراء القرن الخامس الهجري ، راجع ترجمته في هذا المعجم فصل الميم.

٢- ديوان القرن الخامس / المقطوعة ٩.

٣- الشريف المرتضى : هو علي بن الحسين بن موسى ، المتوفّى عام ٤٣٦ه ، وهو من كبار علماء وشعراء القرن الخامس الهجري ، راجع ترجمته في هذا المعجم فصل العين.

٤- ديوان القرن الخامس / المقطوعة ٢٦.

٥- ديوان القرن الخامس / المقطوعة ٣٠.

٦- الخوارزمي هو : الموفّق بن أحمد الخوارزمي ، المتوفّى عام ٥٦٨ه ، تلميذ الزمخشري ، كان من أعلام الحنفية وخطبائها ، له مؤلّفات منها مقتل الحسين (عليه‌السلام ) ، مناقب علي بن أبي طالب ، مناقب أبي حنيفة ، وكتاب الأربعين في أحوال سيّد المرسلين (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ومسانيد على البخاري.

٧- ديوان القرن السادس / المقطوعة ٧٢.


ويقول ابن أبي الحديد(١) - من الطويل - :

ويا حسرتا إذْ لمْ أكن في أوائل

مِن النّاس يُتلى فضلُهُم في الأواخرِ

فأنْصُرُ قوماً إن يكنْ فاتَ نصرُهم

لدى الرَّوعِ خَطّاري(٢) فما فاتَ خاطري(٣)

وهكذا جاءت قوافل الشعراء ، وسجّلت موقفها تجاه نهضة أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) في وجه الظلم والطغيان ، وظلّت تقتدي به وتعتبره مثلاً أعلى للإباء والتضحية ، ورمزاً للحرية والكرامة.

هذا وقد أدرك الطّغاة منذ اليوم الأوّل بأنّ في الشعر حركة إعلامية قويّة تفوق كلّ الوسائل الإعلامية الأُخرى ، وجرت سيرتهم إلى يومنا هذا على استخدامها كوسيلة عُظمى في الإعلام.

فهذا صدام حسين(٤) رئيس جمهورية العراق كان قد منع التداول بالشعر الدارج (الشعبي) في العراق ؛ بحجّة أنّ تداوله يضعف من اللغة الفصحى ، ولكنّه رجع عن قراره هذا حين أعلن الحرب ضدّ إيران فاستخدم الشعراء ، وبالأخصّ الناظمين باللهجة الدارجة ؛ حيث إنّ قدرة الإثارة فيها كبيرة جدّاً بالنسبة إلى الشعب العراقي ، وخلع عليهم الجوائز ، وطلب منهم أن ينظموا قصائد حماسية في الحرب ؛ لتهيج النفوس ضدّ إيران.

وإذا ما راجعنا التاريخ نجد أنّ حرب صفين التي وقعت بين الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وأنصاره من جهة ، ومعاوية بن أبي سفيان وأتباعه من جهة أُخرى عام ٣٧ه ، فإنّ للشعر فيه دوراً كبيراً ، إعلاميّاً وحماسيّاً ، فإنّ ديوان(٥) هذه

____________________

١- ابن أبي الحديد : هو عبد الحميد بن محمد بن محمد المدائني ، ولد سنة ٥٨٦ه ، من علماء المعتزلة ، اشتهر بشرحه لنهج البلاغة ، توفّي ببغداد سنة ٦٥٥ه.

٢- الخطّار : خَطّرَ الرمح : اهتز ، والخطّار : الطعّان بالرمح.

٣- راجع ديوان القرن السابع من هذه الموسوعة.

٤- صدام : هو ابن حسين المجيد التكريتي ، ولد عام ١٣٤٦ه في تكريت ، انتمى إلى حزب البعث العراقي ، تولّى الرئاسة عام ١٣٩٩ه.

٥- إنّ من الجدير بهذه الأشعار أن تُجمع ضمن كتاب ، تحت عنوان ( ديوان صفين ) ، كما بالإمكان أن توضع مسرحية شعرية في ذلك كما هو مألوف الآن في الملاحم ، وهذا يوصلنا إلى أنّ هذا النوع من المسرح كان بالفعل قائماً في الحرب.


الحرب كما في رواية ابن مزاحم(١) (٢) الراوي لفصول هذا القتال ، وفيها يحمل إلينا ٥٠٢ مقطوعة شعريّة ل- ١٩٥ شاعراً ، منها ١٦١ مقطوعة من الرجز ، والباقي من سائر الأوزان(٣) .

وهذا الكم الهائل من الشعر في حرب واحدة يؤكّد لنا الدور الإعلامي للشعر من جهة ، والدور الحماسي في الحرب من جهة أُخرى.

وإذا ما رجعنا القهقرى فنجد أنّ المعلّقات السبع أو العشر ما هي إلّا نتيجة للحركة الإعلاميّة التي انبثقت في سوق عكاظ المؤتمر السنوي للشعر ، وذلك للإعلان عن فوز أشعرهم ، وأقدرهم على نظم الشعر بالقدح المعلّى.

ويشير ابن رشيق(٤) إلى دور الشعراء ومكانتهم لدى الشعوب قائلاً : كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنّأتها ، وصنعت الأطمعة ، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر ، كما يصنعون في الأعراس ، ويتباشر الرجال والولدان ؛ لأنّه - الشاعر - حماية لأعراضهم ، وذبّ عن أحسابهم ، وإشادة بذكرهم ، وكانوا لا يُهنَّؤون إلّا بغلام يولد ، أو شاعر ينبغ فيهم ، أو فرس تنتج(٥) .

وقال الجاحظ عن مكانة الشاعر ودوره : كان الشاعر في الجاهلية يُقدّم على الخطيب ؛ لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ، ويُفخّم شأنهم ، ويهوِّل على عدوّهم ومَنْ غزاهم ، ويُهيَّب من فرسانهم ، ويخوّف من كثرة عددهم ، فيهابهم شاعر غيرهم ، ويراقب شاعرهم(٦) .

وما ندوات الشعر التي كان السلاطين والملوك ، والأمراء والوزراء

____________________

١- راجع كتاب صفين - لنصر بن مزاحم.

٢- ابن مزاحم : هو نصر بن مزاحم بن سيار المنقري ، المتوفّى ٢١٢ه ، مؤرّخ إمامي ، كوفي النشأة ، سكن بغداد ، له مؤلّفات ثمانية منها : الغارات ، عين الوردة ، الجَمَلْ.

٣- الأوزان التي استخدمت في حرب صفين هي : الوافر ، الخفيف ، البسيط ، المتقارب ، الكامل ، الرمل ، المنسرح ، السريع ، الهزج.

٤- ابن رشيق : هو الحسن بن رشيق القيرواني (٣٩٠ - ٤٥٦ه) ، ولد في ضواحي تونس العاصمة ، ثمّ انتقل إلى قيروان ، وتوفّي في ضواحي صقلية.أديب وناقد ، وباحث كاتب ، تربو آثاره على ثلاثين مؤلّفاً ، منها : قراظة الذهب ، الشذوذ ، ميزان العمل.

٥- العمدة ١ / ٧٨.

٦- البيان والتبيين ١ / ٤٥.


يعقدونها في البلاطات والقصور إلّا لكسب أكثر عدد ممكن من الشعراء الذين يرجون منهم القيام بحركة الدعاية ، والبث الإعلامي المنشود للخطّ وللسلطان ، وبالتالي تُعطى لهم السنايا والعطايا بسخاء وكرم حسب مقدرة الشاعر على الدور الذي أوكل إليه.

ومن هنا يتّضح لنا دور الشعراء الحسينيين في إحياء ذكرى عاشوراء على مرّ العصور من جهة ، ودورهم في ترسيخ المبادئ التي نهض الإمام الحسين (عليه‌السلام ) لأجلها في وجه الطغيان والطاغية.

فإذا ما أخلص الشاعر نيّته ، وجعل نصب عينيه تلك الأهداف السامية ، فلا شك أنّه مسجّل في ديوان الحسين (عليه‌السلام ) ، ويستحق أن يحمل وسام الأنصار.

وأخيراً نصل إلى السبب الحقيقي من وراء اضطهاد الشعراء الحسينيين على يد سلاطين القمع والإرهاب ، ووزراء السجن والتعذيب ، كما نصل إلى السبب من وراء اغتيال الشعر الحسيني ، بل شعر مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام ) بشكل عام من كتب التاريخ والتراث والأدب والسيرة ، وإبعاده من نوادي أدب ومجالس الشعر ، فكلّما كان الشاعر جادّاً في نشر تلك الأهداف الحسينية ، بل المحمدية كلّما كانت معاناته أدهى وأعظم ، وكلّما كان الشعر بديعاً فتح طريقه إلى القلوب والأذهان كلّما كان اغتياله أسرع وأشدّ.

إذاً ، فالشاعر لا بدّ وأن يكون ملتزماً مهدفاً ، يضع الأُمّة على الطريق الصحيح ، ومسارها السوي ، ويجنّبها الانحراف والانزلاق حيث إنّ الشعوب تنظر إلى الشعراء بأنّهم رسل السّلام والمحبّة ، ورجال الفكر والثقافة ، فلا بدّ أن يتحمّلوا مسؤولياتهم بأحسن وجه ، وبشكل دقيق ، ويتجنّبوا الكذب والدجل ، ويبتعدوا عن أبوب السلاطين والملوك.

ومن المعروف أنّ حبل الكذب قصير(١) ، كما إنّ الملك لو دام لأحد لما وصل إلى غيره.

____________________

١- يقول جوبلز لدى حديثه عن الدعاية والإعلام : إنّ الدعاية الطيّبة لا حاجة بها إلى الكذب ، بل يجب أن تنأى عنه ، وليس ثمة ما يدعو لتزييف الحقائق.

والدعاية الكذوب تقدّم ضدّ نفسها برهاناً على أنّها تدافع عن قضية خاسرة ، وهي لا تنجح على طول الخطّ.وإنّما تنجح الدعاية في آخر المطاف حينما تدافع عن حقّ وعدل ، والحقّ يحتاج إلى مَنْ يُعبّد الطريق أمامه.

راجع الإعلام والدعاية ، نظريات وتجارب / ١٥٧.


الشعر فنّ له قدسيته ومكانته لدى جميع الشعوب وفي كلّ الأعصار والأمصار ، فلولا قدسيته لما عدّ الشعراء في مصاف الأنبياء والرسل على العهد الجاهلي ، ولما خلد ذكر تلك الزمرة التي قامت بواجباتها ، بينما أُهمل أولئك الذين تسكّعوا على أبواب الأمراء والوزراء ، وتراكضوا خلف الدرهم والدينار( فأمّا الزَبَدُ فَيَذهَبُ جفاءً وأمّا ما يَنفَعُ الناسَ فَيَمكُثُ في الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْربُ اللهُ الأمْثالَ ) (١) .

وما زال الشاعر يرضي ربّه وضميره فهو مؤيّد من قبل الله (جلّ وعلا) ، وقد قال الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لحسّان(٢) : (( لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ))(٣) .

وقال الإمام الصادق (عليه‌السلام ) لهشام(٤) : (( يا هشام ، لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ))(٥) .

وإلى هنا نكتفي ونترك التفاصيل إلى محلّها(٦) .

____________________

١- سورة الرعد / ١٧.

٢- حسّان : هو ابن ثابت ابن المنذر الخزرجي الأنصاري ، المتوفّى عام ٥٤ه ، شاعر مُخضرم ، اختصّ بالرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد الإسلام ، عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام.

٣- بحار الأنوار ٢١ / ٣٨٨.

٤- هشام : هو ابن الحكم الكوفي ، مولى بني كندة ، وكان عند بني شيبان بالكوفة ، ولد بالكوفة ، ونشأ بواسط ، وسكن بغداد عام ١٩٩ه ، وفي حدود هذه السنة توفّي بها.

كان من أصحاب الأئمّة الصادق والكاظم والرضا (عليهم‌السلام ).له مؤلّفات منها : الإمامة ، القدر ، الدلالات على حدوث الأشياء.

٥- بحار الأنوار ١٠ / ٢٩٣.

٦- راجع باب المدخل إلى الشعر الحسيني من هذه الموسوعة.


الشعر والشعراء

لقد سبق وتحدّثنا في باب المدخل إلى الشعر الحسيني(١) أنّ أوّل ما نظم من الشعر هو بحر الرجز(٢) ، وقد سنَّه لأوّل مرّة جدّ(٣) الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مضر(٤) بن نزار بن معد بن عدنان ، وقد ذكرنا أيضاً في تاريخ الشعر وتطوّره ، وادّعاء البعض بأنّ الشعر العربي يعود إلى ألفي عام قبل الإسلام ، إلّا أنّه لم يتمكّن من إثبات مدّعاه.

وعلى كلٍّ ، فإنّ مضر بن نزار له وجود على أرض الواقع ، ولا بدّ من التمسّك به كأوَّل مَنْ نظم إلى أن يبرز اسم آخر في قباله.

هذا وقد توصّلنا أيضاً في مقدّمة باب الشعر الفارسي بأنّه بدأ بعد الإسلام(٥) ، وتحدّثنا عن شعر البوذيين في ديوان الأبوذية(٦) ومدى تقدّمهم في الشعر ، وفي غيرها من أبواب الشعر غير العربي بكلا نوعيه ؛ الغربي والشرقي ، ومع هذا فيظلّ مضر على الأقل يحتفظ بوسام السبق في نظم الشعر العربي ؛ فهو أبو الشعراء العرب إن لم يكن الأب المطلق للشعر والشعراء.

____________________

١- راجع المدخل إلى الشعر الحسيني فصل الرجز من هذه الموسوعة.

٢- الرجز : نوع من الشعر ، يُنظم بتكرار ( مستفعلن ) ست مرّات ، ويأتي تامّاً ومشطوراً ومنهوكاً.

٣- يعتبر مضر الجدّ السابع عشر للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).( راجع باب الحسين ، نسبه ، نسله ) من هذه الموسوعة.

٤- مضر : اسمه عمر ، وأُمّه سودة بنت عك ، وقيل غير ذلك ، كان آية في الذكاء ، وكان على الحنفية الإبراهيمية.

٥- راجع باب الشعر الفارسي ، الجزء الأوّل من هذه الموسوعة ، وذكرنا أنّ هناك مَنْ يريد نسبة الشعر إلى بهرام الخامس ، الملقّب بكور (٤٢٠ - ٤٣٨م) ، إلّا أنّه لم يفلح.

٦- راجع ديوان الأبوذية ، الجزء الأوّل - المقدّمة - ؛ حيث ذكرنا ذلك عند بيان وجه التسمية بالأبوذية ، وتطرّقنا إلى الشعر البوذي وتاريخه.


وبما أنّ البحث في القِدم وعن عهد الجاهلية ، فإنّ أوّل مَنْ نظم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في تلك العصور هو قس بن ساعدة الأيادي ، المتوفّى قبل الهجرة ب-٢٣ عاماً ، أي قبل البعثة النبوية الشريفة بعشر سنوات ، واعتبر شعره من التنبؤ الذي عُرف به ، وسيأتي التفصيل عنه في ترجمته إن شاء الله تعالى(١) ، وقد أوردنا شعره في ديوان القرن الأوّل(٢) .

ولو أطللنا على عصر البعثة النبوية لوجدنا أنّ أوّل مَنْ نظم في الإسلام هو أبو طالب بن عبد المطلب القرشي ، المتوفّى عام ٣ ق.ه(٣) ، وأشعاره في ابن أخيه ، واعترافاته بنبوّته كثيرة ، راجع بشأنها في محلّه(٤) ، وأمّا عن أوّل مَنْ نظم بعد الهجرة النبوية إلى المدينة ، فهي الأبيات المعروفة التي أُنشدت لاستقبال الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يوم وروده إلى المدينة وهي : ( طلع البدر علينا )(٥) .

وأمّا عن أوّل مَنْ نظم في الحسين (عليه‌السلام ) في عصر الإسلام وبعد الهجرة ، فهو الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) وقد سبق ذكره في ديوان القرن الأوّل(٦) ، ولعلّ حسان بن ثابت سبقه ، وذلك حين رأى الحسنين على كتفي الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )(٧) .

____________________

١- معجم الشعراء حرف القاف من هذه الموسوعة.

٢- ديوان القرن الأوّل ٢ / ١٢٨.

٣- راجع ترجمته في مقدمة معجم الأنصار قسم ( الهاشميون ) من هذه الموسوعة.

٤- من تلك المراجع ، ديوان أبي طالب جمع وتحقيق عبد الحق العاني ، وقد ذكرنا قسماً منها في مقدّمة معجم تراجم الأنصار ، فصل ( الهاشميون ) من هذه الموسوعة.

٥- البداية والنهاية ٣ / ١٥٦ ، قال البيهقي : أخبرنا أبو عمرو الأديب ، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول : سمعت ابن عائشة يقول : لمـّا قدم رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) المدينة جعلن النساء والصبيان يقلن : الأبيات - من مجزوء الرمل - :

طلع البدر علينا

مِن ثنيّات الوداع

وجبَ الشكر علينا

ما دعا لله داع

٦- ديوان القرن الأوّل ١ / ١٧١ ، ١٧٢ ، ٢١٩.

٧- ديوان القرن الأوّل ٢ / ٢٥٦ ، ولا يخفى أنّ لبابة بنت الحارث الهلالية المتوفّاة قبل عام ٣٢ه نظمت في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) أبياتاً ، راجع بشأنها ديوان القرن الأوّل ٢ / ٢٦٧ ، كما إنّ سودة بنت عمارة الهمدانية أنشأت يوم معركة صفين أبياتاً ، وذكرت الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، راجع ديوان القرن الأوّل ٢ / ٢٥٣ ، ونظم عوف بن قطن

=


وأمّا عن أوّل مَنْ نظم فيه بعد استشهاده فهي السيدة زينب (عليها‌السلام )(١) ، وقد أوردنا رثاءها في ديوان القرن الأوّل(٢) .

إذاً ، بدأ الشعر في الحسين (عليه‌السلام ) من قس بن ساعدة الأيادي ، ولم ينتهِ بعد ولن ينتهي ، وقد فصلنا القول في محلّه عن أوّل الراثين على الإمام الشهيد فليراجع(٣) .

وهكذا بدأ الشعر الحسيني ، وبدأ معه التراكم في عدد الناظمين ، وتفاقم هذا العدد الهائل من هؤلاء الشعراء ؛ ليكوِّن هذا المعجم الذي بين يديك.

____________________

= الضبي ، المتوفّى عام ٣٦ه في يوم الجمل في الإمام (عليه‌السلام ) أيضاً ، راجع ديوان القرن الأوّل ٢ / ٢٥٤ ، وبشر بن منقذ الشني ، المتوفّى حدود عام ٥٠ه ؛ فإنّه نظم فيه وفي أخيه وأبيه في معركة صفين ، راجع ديوان القرن الأوّل ١ / ٢٤٣ ، وكعب بن زهير المازني ، المتوفّى عام ٤٥ه ، راجع ديوان القرن الأوّل ١ / ١٣٣.

١- السيدة زينب : هي ابنة الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) (٥ - ٦٢ه) تزوّجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، حضرت واقعة كربلاء عام ٦١ه ، وكانت لها مشاركة فاعلة في نهضة أخيها الحسين (عليه‌السلام ).

٢- ديوان القرن الأوّل ١ / ٢٢١.

٣- راجع باب الأوائل من هذه الموسوعة حيث ذكرنا أنّ أوّل الراثين من الهاشميين النساء السيدة زينب (عليها‌السلام ) ، ومن الرجال الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) ، ومن غير الهاشميين عبد الله بن عفيف الأزدي ، وذلك في الثالث عشر من محرّم ٦١ه ، كما ذكرنا أنّ أوّل الراثين على قبره هو عقبة بن عمرة السهمي على ما اشتهر بين المؤرّخين.


طبقات الشعراء

لا شك أنّ في كلّ مجموعة - سواء كانت علمية ، أو أدبية ، أو سياسية ، أو اجتماعية أو غيرها - طبقات مختلفة ، وقد قال الله تبارك وتعالى :( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) (١) .

وقد صنّفوا الشعراء كغيرهم(٢) إلى أصناف مختلفة وطبقات متنوّعة ، هذه التصنيفات قد تكون على حساب القرون أو العصور ، كتصنيفهم إلى شعراء القرن الأوّل والثاني وهلمّ جرّا ، أو تصنيفهم إلى شعراء جاهليين ومخضرمين (١٣ق.ه - ٤١ه) ، ثمّ إلى شعراء العصر الأموي (٤١ - ١٣٢ه) والعباسي (١٣٢ - ٦٥٦ه) مثلاً ، وقد استخدم هذا النمط عدد كبير من المتأخّرين ، منهم الأستاذ عمر فروّخ(٣) في كتاب تاريخ الأدب العربي.

وقد يكون تصنيفهم على شكل مشاركاتهم العلمية ، كتصنيفهم إلى شعراء فقهاء ، وشعراء نحويين ، وشعراء لغويين ، وما إلى ذلك(٤) .

ومنهم مَنْ أفرزهم حسب المناطق والأقطار كما فعل الثعالبي(٥) في يتيمة الدهر(٦) .

____________________

١- سورة الزخرف / ١٩.

٢- راجع كشف الظنون ١ / ٣٢٠ - ٣٢٢.

٣- فروّخ : هو عمر بن عبد الله ، وهو عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة ، وعضو المجمع العلمي العربي في دمشق ، وعضو جمعية البحوث الإسلامية في بومباي.لهُ مؤلفات عديدة.توفّي سنة ١٤٠٧ه.

٤- راجع نهاية معجم الأدباء - لياقوت الحموي.

٥- الثعالبي : هو عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري ، المتوفّى حدود عام ٤٢٩ه.كان أديباً لغوياً.له مصنّفات منها : يتيمة الدهر ، وفقه اللغة ، وسرّ الأدب.

٦- ولقد خصّص العديد من المؤلّفين معاجمهم ببلد معين ، كما هو الحال في شعراء كربلاء - لسلمان طعمة ، وشعراء الغري - لعلي الخاقاني.

ومنهم مَنْ خصّص معجمه بأكثر من ذلك حيث ترجم للشعراء الشعبيين لبلد معين ، ومن ذلك : شعراء الكوفة الشعبيين - لكامل الجبوري ، والشعراء الشعبيون من كربلاء - لسلمان طعمة.


وقد يكون على حساب الأغراض الشعرية السائدة ، كما في قولهم شعراء الرثاء وشعراء التصوّف وما شابه ذلك ، وهذا الأسلوب اعتمده جمع من المؤلّفين.

ومنهم مَنْ قسّمهم على ما اشتهروا به ، كقولهم الشعراء الفرسان ، وشعراء البلاط ، والشعراء الصعاليك وأمثال ذلك(١) .

وقد يناط تصنيفهم حسب الرتبة الأدبية في الشعر ، فيحدّد طبقته بالأولى والثانية والثالثة ؛ لتكون الطبقة الأولى هي الطبقة المتفوّقة ، وقد سلك هذا المنحى ابن سلام الجمحي(٢) حيث صنّف الشعراء الإسلاميين إلى عشر طبقات.

وهناك مَنْ صنّفهم بشكل آخر كابن شهر آشوب(٣) حيث صنّف شعراء أهل البيت (عليهم‌السلام ) على أربع طبقات ؛ المجاهرون والمقتصدون ، والمتّقون والمتكلّفون(٤) إلى غيرها من اعتبارات ومميّزات(٥) .

____________________

١- راجع كتاب المجاني الحديثة حيث جُزِّئ الكتاب إلى خمسة أجزاء ، خُصّص كلّ جزء بمجموعة من الشعراء يجمعهم عنوان واحد.

ولمزيد البيان ننقل من كتاب تاريخ التراث العربي / ١٤٩ - ١٦٣ بعض النماذج : كتاب الشعراء القدماء والإسلاميّين - لعلي بن يحيى المنجم ، المتوفّى عام ٢٧٥ه ، كتاب أسماء فحول الشعراء - لأحمد بن عبدة العبدي ، المتوفّى نحو عام ٣٠٠ه ، كتاب الشعراء المشهورين - للحسن بن بشر الآمدي ، المتوفّى عام ٣٥٣ه ، كتاب المماليك الشعراء - لعلي بن الحسين الأصفهاني ، المتوفّى عام ٣٥٦ه ، كتاب الشعراء الندماء - لمحمد بن أحمد المتيم ، المتوفّى في نهاية القرن الرابع الهجري ، المحمدون من الشعراء - لعلي بن يوسف القفطي ، المتوفّى عام ٦٤٦ه ، كتاب الإماء الشواعر - لعلي بن الحسين الأصفهاني ، المتوفّى عام ٣٥٦ه ، كتاب النساء الشواعر - لناجي بن عبد الواحد بن الطراح ، المتوفّى بعد عام ٧٢٠ه.

مضافاً إلى كتاب مَنْ نُسب إلى أنّه من الشعراء ، أو كتاب مَنْ يسمّى من الشعراء عمرواً ، كتاب ألقاب الشعراء ، كتاب كُنى الشعراء ، معجم ألقاب الشعراء - للعاني ، إلى غيرها.

٢- ابن سلام : هو محمد بن سلام بن عبد الله الجمحي بالولاء (١٥٠ - ٢٣١ه) ، من أئمّة الأدب من أهل البصرة ، مات ببغداد ، له مؤلّفات منها : طبقات الشعراء ، بيوتات العرب ، غريب القرآن.

٣- ابن شهر آشوب : هو محمد بن علي بن شهر آشوب (٤٨٨ - ٥٨٨ه) من أعلام الإمامية ومحدّثيهم من أهل ساري بمازندران ، سكن بغداد والموصل ، ثمّ حلب فتوفّي بها ، له مؤلّفات منها : مناقب آل أبي طالب ، الفصول ، أسباب نزول القرآن.

٤- معالم العلماء / ١٤٦.

٥- وهناك مَنْ وضع كتابه على الأسماء كما في كتاب : المحمدون من الشعراء وأشعارهم.


ولكن بعد دراسة سريعة ودقيقة في آن واحد وجدنا أنّ الخضوع لهذه التقسيمات قد يسبب لنا الكثير من المتاهات التي نحن في غنىً عنها ؛ ولكي نجمع بينها ولمزيد الفائدة فقد وضعنا جدولاً خاصّاً بذلك ، سنستعرضه في آخر المطاف من معجم الشعراء إن شاء الله تعالى.

وأمّا الحديث عن تاريخ وضع هذه التقسيمات ، فليس في المصادر التي اطّلعنا عليها ما يدلّ على رصد هذا المعنى ، إلّا بعض الاحتمالات التي لم تقترن بالدليل.

ومن المعلوم أنّ وضع المعاجم عن الشعراء سابق على تدوين طبقاتهم ، ومن الطبيعي أن تخضع مسألة أخبار الشعراء إلى عملية التطوير فيتدرّج الحديث عن طبقتهم.

وهذا لا يختصّ بأخبار الشعراء ، بل أعمّ منه ؛ ولذا فعندما يضع واصل بن عطاء(١) كتابه طبقات أهل الجهل والعلم ، لا بدّ وأن يتأثّر غيره في سلوك مسلكه لدى وضعه عن موضوعات أُخرى ، ومنها أخبار الشعراء.

وهناك مَنْ يريد القول بأنّ هذا الفنّ مستورد من الفرس ، وأنّه متوغّل في القدم إلى ما قبل الميلاد ؛ حيث نُسب إلى الملك لهراسب بن كوغان(٢) القرن ١٣ ق.ه (القرن ٦ ق.م) كتاب طبقات الكتّاب ، وأضاف بأنّه من مصادر ابن الكلبي(٣) ، إلّا أنّه بعيد جدّاً.

وقد نسب هذا القول إلى

____________________

١- واصل بن عطاء : الغزّال المعتزلي (٨٠ - ١٣١ه) ولد في المدينة ونشأ بالبصرة ، من أئمّة البلاغة والمتكلّمين ، وهو الذي نشر مذهب الاعتزال في الآفاق.له مؤلّفات منها : أصناف المرجّئة ، السبيل إلى معرفة الحقّ ، المنزلة بين المنزلتين.

٢- لهراسب بن كوغان بن كيموس : أولاه الملك كيخسرو بن سياوش بن كيقبا ، ثالث ملوك الكيانيانية الفرس ، الحكم إلّا أنّه زهد عنه ، ولمـّا ظهر زرداشت في القرن ٦ق.م تدين بدينه ، ولكن ابنه الملك كستاسب تولّى الحكم بعد مهراب بن كيوجي ، وأصبح خامس ملوك الكيانيانية ، وهم السلسلة الحاكمة الثانية من ملوك الفرس في عصر التاريخ ، حكموا بعد سلسلة الماد التي انتهى حكمها عام ٥٥٠ق.م (١١٧٢ق.ه).

٣- ابن الكلبي : هو هشام بن محمد بن السائب الكوفي ، المتوفّى عام ١٤٦ه ، ولد وتوفّي بالكوفة ، من أئمّة علم الأنساب ، كان من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما‌السلام ) ، له نيف وخمسون ومئة كتاباً ، منها : جمهرة الأنساب ، بيوتات قريش ، الأقاليم.


الطبري(١) في تاريخه(٢) إلّا أنّنا لم نعثر عليه فيه.

وممّا يؤيد عدم صحته ، ما ذهب إليه فرنز كاسكل(٣) حيث صرّح لدى ترتيبه لكتاب جمهرة النسب للكلبي بوصفه أحد مصادر ابن الكلبي ، أنّ كتاب طبقات الكتّاب من الكتب المنحولة من أواخر العصر(٤) الساساني(٥) .

ولكن الذي يظهر أنّ في القرن الثاني الهجري كانت ولادة هذا النوع من التدوين بالنسبة للشعراء ، ولعلّ أوّل كتاب حمل هذا الاسم هو كتاب ( طبقات الشعراء - لمحمد بن سلام الجمحي ) المتوفّى عام ٢٣١ه والذي يحتوي على طبقات الشعراء الجاهليين ، وطبقات الشعراء الإسلاميين.

ثمّ تلاه كتاب ( طبقات الشعراء - للحسن بن عثمان الزيادي )(٦) ، المتوفّى عام ٢٤٣ه ، وآخر لدعبل بن علي الخزاعي(٧) بالاسم ذاته ، والذي ألّفه عام ٢٤٦ه(٨) .

وأمّا الحديث عن مقياس التفاضل والترجيح بين الشعراء ، ففي الحقيقة

____________________

١- الطبري : هو محمد بن جرير بن يزيد (٢٢٤ - ٣١٠ه) ، ولد بآمل طبرستان ، وسكن الرّي والكوفة ثمّ بغداد وتوفّي بها ، مؤرّخ ومفسّر ، له مؤلّفات منها : أحاديث غدير خم ، جامع البيان ، حديث الطير.

٢- تاريخ الطبري : المسمّى بتاريخ الأمم والملوك.

٣- فرنز كاسكل.

٤- العصر الساساني : حكم الساسانيون الفرس ما بين عام ٣٩٨ق.ه - ١٠ه (٢٢٤ - ٦٣١م).

٥- تاريخ التراث العربي ، قسم الشعر ١ / ١٤٩ عن جمهرة النسب ١ / ٧٥.

٦- الزيادي : أبو حسان الحسن بن عثمان بن حماد البغدادي (١٥٦ - ٢٤٣ه) ، أديب ، إخباري ، قاضي ، من مؤلّفاته : الأدباء والأُمّهات ، ألقاب الشعراء ، عروة بن الزبير.

٧- دعبل بن علي الخزاعي الكوفي : (١٤٨ - ٢٤٦ه) من كبار شعراء العرب ، إمامي المذهب ، من أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عليهما‌السلام ) ، سكن بغداد بعد الكوفة ، له ديوان شعر معروف ضاع ، إلّا أنّ عبد الصاحب بن عمران الدجيلي جمع شعره ، وله كتاب الواحدة.

٨- ومنها كتاب أخبار الشعراء وطبقاتهم - لمحمد بن حبيب ، كتاب طبقات الشعراء - لأبي المنعم ، كتاب طبقات الشعراء الجاهليين - للفضل بن الحباب الجمحي المتوفّى عام ٣٠٥ه ، كتاب طبقات العرب والشعراء - لعبد العزيز بن يحيى الجلودي المتوفّى عام ٣٣٢ه ، كتاب طبقات الشعراء - لإسماعيل بن يحيى اليزيدي المتوفّى بعد عام ٣٧٥ه ، كتاب الإحصاء لطبقات الشعراء - لعبد الله بن عبد العزيز البكري المتوفّى عام ٤٨٧ه إلى غيرها.


أنّه يخضع إلى الذوق.

ومن المعلوم أنّه مختلف ، ولم يوضع له معيار معيّن يرجع إليه ، وما دام كذلك دخلت فيه الأهواء والأغراض ؛ ولذلك أجاب بشار بن برد(١) عندما سُئل عن الأخطل(٢) والفزردق(٣) وجرير(٤) قائلاً : لم يكن الأخطل مثلهما ، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه(٥) .

وفي هذا السياق ذكر ابن رشيق : كان الرواة يتعصّبون لشعراء أقطارهم(٦) .

وهناك تجمعات أو أفراد توزّع الأوسمة والألقاب ، كالإمارة والعمادة وأمثالهما على عدد من الشعراء ، بل على غيرهم أيضاً بمقتضى سياساتها القومية أو العرقيّة ، أو الإقليمية أو المذهبية وما إلى ذلك بغض النظر عن تأهّلهم العلمي أو الأدبي والفني.

إنّ عملية التعادل والترجيح كما اصطلح عليه الرجاليون هي في الواقع تأتي فيما بين الأقران ، دون من اتسعت الهوة بينهما.

وفي الحقيقة : فإنّ عملية التفاضل هذه صعبة للغاية ؛ إذ لا بدّ أن يكون الحكم ممّنْ هو في منزلتهم ، أو على مقربة منهم ، وهو ما يعبّر عنه الفقهاء بأهل الخبرة لدى حديثهم عن تشخيص الأعلم.

والحاصل : إنّ في الموازنة بين الشعراء يشترط أن يستقصي(٧) الحكم

____________________

١- بشّار : هو ابن برد العقيلي بالولاء ، أصله من طخارستان ، غربي نهر جيحون ، (٩٥ - ١٦٧ه) نشأ في البصرة ومات فيها ، وقدم بغداد وأدرك الدولتين الأموية والعباسية.له ديوان معروف في ثلاثة أجزاء.

٢- الأخطل : هو غياث بن غوث التغلبي (١٩ - ٩٠ه) من كبار شعراء الأمويين ، نشأ على المسيحية في أطراف الحيرة بالعراق ، ثمّ اتصل بالأمويين وسكن دمشق ، وله ديوان معروف.

٣- الفرزدق : هو همام بن غالب الدارمي التميمي (نحو ١١ه - ١١٠ه) ، من كبار شعراء أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، ولد في البصرة ونشأ في باديتها ، من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه‌السلام ) ، توفّي بالبصرة.

٤- جرير : هو ابن عطية بن حذيفة الخطفي الكلبي (٢٨ - ١١٠ه) ، من كبار الشعراء ، ولد ومات في اليمامة ، جمع شعره في جزأين ، ونقائضه مع الفرزدق في ثلاثة أجزاء.

٥- تاريخ الأدب العربي ١ / ٤٦.

٦- العمدة - لابن رشيق ١ / ٨٠.

٧- نعم ، يجوز للحَكَم أن يفضّل أحد الشاعرين على الآخر في كلّ ما نظما ، أو اطّلع على أعمالهما الشعرية جميعاً ، أو يفضّل أحدهما على الآخر في مقطوعتين مثلاً.


كلّ الشعراء المميّزين ، ثمّ يطّلع على جميع أعمالهم ، وسائر أغراضهم ؛ ليمكنه الحكم بطبقته وأشعريته ، ولا بدّ أن يجعل معيار الأفضلية هو مدى مراعاته لأوجه البلاغة والبديع ، مضافاً إلى الموجة الشاعرية التي تدغدغ المشاعر ، وتحرّك العواطف دون أمور أُخرى(١) ، فكلّما كانت النسبة أكبر كانت منزلة الشاعر أسمى ، مع مراعاة الكم النسبي لأعمال الشاعر.

ولعلّ الأفضل فصل الأغراض بعضها عن بعض ، وموازنة أعمال الشعراء في مجال تلك الأغراض ، وعليه تحدد طبقة الشاعر في ذلك الغرض دون غيره ، وربما كان هذا هو الأقرب إلى الحقيقة.

وهناك شرطان هامان أشار إليهما الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) في نقد الشعر هما ؛ الإحاطة بجميع الشعراء ، والثاني أن لا يكون النظم لرغبة أو رهبة ، حيث يقول (عليه‌السلام ) : (( لو أنّ الشعراء المتقدّمين ضمّهم زمان واحد ، ونصبت لهم رايةٌ فجَروا معاً علمنا مَنْ السابق منهم ، وإن لم يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا رهبة...))(٢) .

ولعلّهم عبّروا عن عملية تقييم الشعر هذه بالنقد أو النقد الجمالي ، ونأمل أن تقوم مؤسسات أدبية بتقييم الشعر ، ووضع مسابقات في هذا الشأن ، وتوزيع الأوسمة بغرض نمو الحسّ الأدبي وتقدير الشعراء ، شرط أن تكون مجرّدة من الانتماءات والمصالح بكافة أشكالها.

هذا ولابن سلام مقولة جميلة بدأ كلامه عن الشعر بها ، وفيها يضرب الحكم بالمثال ؛ لتقريب الصورة في تقييم الشعر ، ويشبهه بالدينار تارة ، وبالحسناء تارة أُخرى ، ويحدّد فيهما أهمية المقيّم أيضاً فيقول : وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم ، كسائر أصناف العلم والصناعات ، منها ما تثقّفه العين ، ومنها ما تثقّفه الأذن ، ومنها ما تثقّفه اليد ،

____________________

١- جاء في تاريخ الأدب العربي ١ / ٤٦ كان النقّاد يتّخذون لتفضيل شاعر على آخر مقاييس مختلفة : منهم مَنْ قدّم الشاعر لتقدّمه في الزمن ، ومنهم مَنْ يقدّم الشاعر لجودة معناه ، أو لحسن لفظه ، ومنهم مَنْ قدّم الشاعر لهوى أو عصبية...، ومن النقّاد مَنْ يختار الشعر ويقدّم صاحبه على خفة الروي ، أو على غرابة المعنى ، أو نيل قائله ، أو على ندرته ؛ لأنّ صاحبه لم يقل غيره ، وعلى سوى ذلك.

٢- العمدة - لابن رشيق ١ / ١١١ عن ديوان ابن رشيق القيرواني / ٣٣٥.


ومنها ما يثقّفه اللسان من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممّن يبصره ، ومن ذلك الجهبذة(١) بالدينار والدرهم لا يعرف جودتهما بلون ولا مس ، ولا طراز ولا حس ولا صفة ، ويعرفها الناقد عند المعاينة ، فيعرف بهرجها(٢) وزائفها ، وستّوقها(٣) ومفرَّغها(٤) ....

والشعر الذي يحمل جمال اللفظ والمعنى سيجري في الآفاق مجرى الأمثال ، كما في كثير من شعر المتنبي ، كما سيبقى خالداً خلود الحياة.

وفي ذلك يقول دعبل - من الطويل - :

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمره

ويكثرُ من أهلِ الرواياتِ حامله

يموتُ رديء الشعرِ من قبلِ أهله

وجيّده يبقى وإن ماتَ قائله(٥)

هذا وقد فصّلنا الحديث عن ذلك في محلّه(٦) .

____________________

١- الجهبذة : بالكسر ، النقّاد الخبير.

٢- البهرج : الباطل الرديء.

٣- الستوق : البهرج إذا لبس بالفضة ، أو الدرهم المصنوع من النحاس ومطلي بالفضة.

٤- المفرغ : ما فرغ من الدنانير والدراهم داخله.

٥- العمدة - لابن رشيق ١ / ٢٣٦ عن ديوان دعبل / ١٧٨.

٦- راجع باب المدخل إلى الشعر الحسيني من هذه الموسوعة.


الشعر والإلقاء

هما موهبتان الأولى ملكة ، ولعلّ بعضهم اعتبرها فنّاً وراثياً ، ولكنّ الصحيح أنّ البيئة العائلية هي التي تورث وليس الفنّ ذاته ، وأمّا الإلقاء فهو كسبي ممارسي ، وقد يساعده في ذلك بعض المواهب الوراثية ، كامتلاكه حنجرة ذات أوتار عالية ، وصوت موسيقي يتناسب وإلقاء الشعر.

وهما فنّان منفصلان ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، قد يجتمعان في شخص واحد فيزيده كمالاً ، وهناك الكثير من الشعراء لا يقدرون على الإلقاء ، وهذا وإن كان عيباً إلّا أنّه لا يقدح بشعره وشاعريته.

وللإلقاء دور كبير في إيصال رسالة الشاعر إلى الجماهير ، فقد يلقي مَنْ لا تخصّص له بهذا الفنّ شعر المتنبي فيسبب النفرة عن المتنبي وشعره ، بينما يلقي آخر أبياتاً قد كثرت زحافاتها إلّا أنّه يصلحها بالمد والإدغام ، فتتحسّن صورتها بشكل يجعل المستمع توّاقاً إلى حفظها وتداولها ، إلّا أنّه لمـّا يواجّه الحقيقة فيهجرها ، كما هو الحال في عدد من الأشعار التي يتداولها المطربون في هذه الأيّام.


الناظم والشاعر

لقد فصّلنا الكلام عن الشعر والنظم في المدخل إلى الشعر الحسيني ، ولا يجوز لنا إعادته ثانية إلّا مجملاً ؛ لتوضيح المقام فنقول : إنّ الشعر في مصطلح الأدباء المعتدلين ما حرَّك الشعور الإنساني ، بل مطلق الشعور مع مراعاة الوزن والقافية اللتان هما من لوازم ذلك ، وأمّا إذا التزم بالوزن والقافية فقط فهو النظم.

فعلى هذا بينهما عموم وخصوص من وجه ، فكلّ شعر نظم وليس العكس ، ولعلّ صعوبة قرضه أو الإبداع فيه تكمن في هذا الجانب بالذّات ، وربما إلى هذا أشار الجاحظ(١) في قوله - من الرجز - :

الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سلّمه

إذا ارتقى فيهِ الذي لا يعلمه

زلّت بهِ إلى الحضيضِ قدمه

يريدُ أن يعربهُ فيعجمه(٢)

فالاشتقاق اللفظي لكلّ من الاتجاهين للقائم بهما يكون شاعراً وناظماً ، وبينهما أيضاً عموم وخصوص من وجه ، وربما حمل لنا هذا الاشتقاق معنى زائداً على الأصل ، فربما أطلق الناظم على مَنْ كانت له محاولات شعرية ، أو كان بدائياً ، أو كان مقلاً جدّاً ، أو نظم على بيتين أو ثلاث ولم يتجاوزهما إلى القصائد والمطوّلات ، والشاعر مَنْ كانت له ملكة النظم ، أو اجتاز المرحلة البدائية ، أو نظم في معظم الأغراض ولم يقتصر نتاجه على المثنويات أو ما شابه ذلك ، وربما جمع الشاعر كلّ هذه الصفات مع عامل تحريك الشعور.

____________________

١- الجاحظ : هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي البصري ، ولد عام ١٣٦ه ، وكان من رجال الدولة العباسية ، توفّي سنة ٢٥٥ه ، ولَهُ كتب عديدة منها : العثمانية ، وكتاب الحيوان ، والبيان والتبيين.

٢- دائرة المعارف - للبستاني ١٠ / ٤٧٤.


وقد عرّف بعضهم الشعر بالكلام الذي يهيج به العواطف وتستلذه الأذن ، فإن استعمل غزلاً وتشبيباً أغرى الأفئدة بالهوى ، وسهّل للجسد احتمال الجوى(١) ، وإن سيق على طريق الحماسة هاج النفس لاقتحام الردى ، وتلتل(٢) بالقلب لخوض نيران الوغى ، وإن أنشد في حثّ أو طلب ، أو استعطاف أو استعصاء حرّك العواطف وهيّجها ، واستولى عليها وميّلها(٣) ، فمَنْ كان قادراً على ذلك فهو الشاعر.

وهناك مَنْ يرى أنّ الناظم هو القادر على نظم الشعر حسب القواعد العروضية ولو بتكلّف ، فإذا ما أصبح لديه ملكة النظم أصبح شاعراً.

وعليه فإنّ الشاعر مَنْ كانت له قريحة موهوبة دون مَنْ يصطنع الشعر ؛ ولذلك نجد أنّ الجاحظ يقول في ما يقوله عن أصحاب الفنّ إلى أن يصل إلى الشاعر : ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابياً(٤) ؛ لأنّه ينظم على السليقة والقريحة دون مراجعة الأوزان العروضية ودراستها ، وربما كان الشاعر لا يميّز بين هذه التسميات العروضية ولا يجيدها ، بل إنّه قادر على أن يصنّفها بأذنه الموسيقية ، وقريحته الذاتية دون تكلّف ، وكثيراً ما سألت شاعراً مجيداً عن وزن بيت أو قصيدة ، فأجابني بعدم معرفته للأوزان ، وأنّه لا يتعامل مع الشعر على هذا الشكل.

وكثيراً ما يطلق الشاعر على الناظم وبالعكس ، كما هو الحال بين النظم والشعر فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق.

وربما تطرّق البعض فقال : إنّ الرجز ليس بشعر وبذلك يخرج ناظمهُ من حلبة الشعراء ، ولا يخفى أنّ لنا كلاماً حول شعر الرجز والحرّ أوردناه في محلّه(٥) .

وتوجد في هذا المعجم ترجمة مَنْ لم ينظم إلّا بعض الأراجيز الحماسية

____________________

١- الجوى : شدّة الوجد من حزنٍ أو عشق.

٢- تلتل : دفع.

٣- دائرة معارف القرن العشرين ٥ / ٣٩٠.

٤- البيان والتبيين ١ / ٦٨.

٥- راجع المدخل إلى الشعر الحسيني من هذه الموسوعة.


في ساحة الحرب ، وهذا لا يمكن أن نسمّيه شاعراً(١) ، كما لا يمكن تجاهله وهو الذي حدا بنا إلى إيضاح الفرق بين الشاعر والناظم ، فهو لا شك من القسم الثاني دون الأوّل ، وأمثال هؤلاء قليلون ؛ ولذلك أعرضنا عن تسميته بمعجم الشعراء والناظمين ، واقتصرنا في التسمية على معجم الشعراء من باب الغلبة.


الترجمة

ترجم من الصيغ الرباعية على زنة دحرج ، ومعناه التوضيح والتفسير ، يُقال : ترجم عنه ، إذا أوضح أمره ، وترجم الرجل ، ذكر سيرته ، وأخلاقه ونسبه ، والجمع منه تراجم ، وترجمة الكتاب فاتحته ؛ لأنّ فيه ما يفصح عمّا بداخله ، ويُطلق أيضاً على تحويل اللغة إلى أُخرى ؛ لأنّ فيه تفسيراً وتوضيحاً لتلك اللغة ، وتفصيل الكلام موكول إلى محلّه(١) .

ومن الخليق بيانه هنا ، أنّ ترجمة الأعلام بشكل عام سبقت العصر الإسلامي قروناً متمادية ، وقد اشتهر عدد من الأعلام بمعرفتهم بأخبار العرب وأنسابهم ، ولم يكن كلّ من التاريخ والأنساب مستقلاً عن الآخر ، بل كان يعدّ كلاهما علماً واحداً.

وكان التاريخ يعتمد على أعلامه دون أحداثه ، فإذا ما ذكروا شخصيّة ما ، وشخّصوا نسبه ذكروا سيرته وأخباره والتي هي التاريخ بذاته ؛ حيث إنّ التاريخ صنيع هذه الشخصيات.

وقد رتَّب بعض المؤرّخين مصنّفاتهم التاريخيّة على هذا المنوال حتى في العصور المتأخّرة عن عهد صدر الإسلام ، كابن عساكر(٢) والخطيب البغدادي(٣) ، فكلاهما اعتمدا على ذكر الشخصيات التي سكنت ، أو نشأت في دمشق أو بغداد فترجماها وبيّنا تاريخها وصنيعها ، ومع هذا سمّيا كتابيهما بتاريخ دمشق وتاريخ بغداد.

وبمرور الزمان وتطوّر العلوم انفصل التاريخ

____________________

١- راجع الجزء الأوّل من الموسوعة (البداية).

٢- ابن عساكر : هو أبو القسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي ، صاحب كتاب تاريخ دمشق ، وكتاب الأربعين ، توفّي بدمشق عام ٥٧١ه.

٣- الخطيب البغدادي : هو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الأشعري ، المعروف بالخطيب ؛ لأنّه كان يخطب بجامع بغداد في الجمعات والأعياد ، ولَهُ مصنّفات أشهرها كتاب تاريخ بغداد ، ولد سنة ٣٩٢ه ، وتوفّي سنة ٤٦٣ه ، ودُفن ببغداد.


عن الأنساب وارتفع شأن الأوّل في العصر الأموي ، بينما انحسر شأن الثاني لأسباب سياسية ، وكان لمعاوية(١) بن أبي سفيان اليد الطولى في تحريف مسار الأوّل وطمس معالم الثاني ؛ فاتّخذ من الأوّل مطيّة لنشر ما يقوّي شوكته ، فبذل المال لهذا الشأن ، وأمر بتدوين ما يحلو له ، وإسقاط ما لا يرتضيه ، بل وتحريفه ، وبذل محاولة جادّة للتخلّص من الأنساب باعتباره الأداة الهدّامة لتاريخه وتاريخ بني قومه.

واعتبر المراقبون بأنّ عملية إلحاقه ابن زياد بأبيه أبي سفيان كانت وثيقة بعدم الاعتراف بالأنساب ، وقد تحدّثنا عن علم الأنساب ، وعلم التاريخ ، وتطوّرهما في محلّه(٢) .

وأخذ علم الأنساب يتقلّص شيئاً فشيئاً من ناحية ، وأخذ يتمحور في بيان النسب دون غيره إلى أن نعاه السيد شهاب الدين المرعشي(٣) بقوله : إنّ علماء هذا الفنّ الجليل قد نفذوا وذهبوا إلى رحمة الله تعالى ، وكنت ممّن أدركت أواخر علماء النسب ، واستفدت من قدسيّ أنفاسهم ، فيا أسفاً على فقدان أعلام النسب ورجالاته(٤) .

ولا يخفى أنّ عقيل بن أبي طالب(٥) كان أقدم الناس وأبرزهم بأخبار

____________________

١- معاوية : هو ابن صخر بن حرب ، ولد سنة ٢٠ قبل الهجرة ، مؤسس الدولة الأموية ، خاض حرباً ضدّ أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) عُرفت بحرب صفين ، توفّي سنة ٦٠ه في دمشق وفيها دُفن.

٢- راجع مقدّمة باب السيرة الحسينية ، ومقدّمة باب الحسين نسبه ونسله من هذه الموسوعة.

٣- المرعشي : هو أبو المعالي شهاب الدين بن محمود المرعشي النجفي ، المولود عام ١٣١٥ه في النجف الأشرف ، والمتوفّى عام ١٤١١ه في قم المقدّسة وهو النسابة الفقيه ، تولّى المرجعية في إيران بعد وفاة السيد حسين البروجردي عام ١٣٨٠ه إلى جانب أقرانه.

٤- لباب الأنساب / ٧.

٥- عقيل : هو أبو زيد عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، المولود عام ٤٣ق.ه ، والمتوفّى عام ٦٠ه.

قال عنه الصفدي في نكت الهميان : إنّه كانت لعقيل طنفسة (بساط) تُطرح في مسجد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ويجتمع إليه في علم النسب وأيّام العرب ، وكان أسرع الناس جواباً ، وأخطرهم مراجعة في القول ، وأبلغهم في ذلك ( لباب الأنساب / ٩ ).


العرب وأنسابهم في صدر الإسلام ؛ حيث كان من المخضرمين في ذلك ، وكان المرجع الأوّل في هذا العلم.

هذا وقد ظهر إلى جانب هذا العلم - إثر وفاة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وتراكم الأحاديث المنقولة عنه ، والصراع حول صحة النسبة إليه - علم الرجال الذي يبحث عن الأعلام أيضاً ، إلّا أنّه من ناحية الوثاقة والاعتماد في النقل ، ويعتبر عبد الله الكناني(١) هو المؤسس لهذا العلم ، وهو أوّل مَنْ صنّف فيه(٢) .

ومن المعلوم ، أنّ هذه العلوم والفنون أخذت تتميّز بعضها عن الآخر ، وتتولّد منها علوم أُخرى ، وتتطوّر حسب الحاجة حتى أصبح لكلّ منها اختصاص وعلماء وأرباب.

وفي خضمّ هذه انبثق علم الترجمة ؛ ليستقلّ بنفسه باعتباره فنّاً يجمع بين ذكر مشخّصات الرجل ، كتاريخ الولادة والوفاة والنشأة ، وبين تاريخ الرجل ونشاطه العلمي والثقافي والاجتماعي والسياسي ، وسرد مؤلّفاته أو بعض أشعاره وما إلى ذلك من الأمور التي لها علاقة بالرجل ، فمن هنا جاء فنّ الترجمة ، وتبعته فكرة المعاجم.

____________________

١- الكناني : هو أبو محمد عبد الله بن جبلة بن حيان بن الحرّ ، المتوفّى عام ٢١٩ه ، ذكره النجاشي في رجاله / ١٥٠ وقال عنه : كان فقيهاً ثقة مشهوراً ، له كتب منها : كتاب الرجال ، وبيت جبلة بيت مشهور بالكوفة.

٢- تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام / ٢٣٣.


المعجم

المعجم : مصدر ميمي من عجّم ، أو أعجم الكتاب إذا أزال عجمته وإبهامه بوضع النقاط والحركات ، أو فسره وبيَّنه ، وهي من كلمات الضدّ ، استخدم في كلّ ما من شأنه الإفصاح عن شيء ؛ سواء كان عِلْماً ، أو شخصاً أو ما إلى ذلك.

فإذا قلت : معجم اللغة ، أردت بيان معاني كلماته ، وإذا قلت : معجم الشعراء ، أردت بيان حالهم ، والجمع منه معاجم ، وقد سبق الكلام عنه بشيء من التفصيل(١) .

ولا يخفى أنّ فكرة وضع المعاجم جاءت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريّين ، ولكنّ التسمية بالمعجم بدأت على ما يظهر في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجري ، حين قام أبو عمرو الزاهد محمد بن عبد الواحد ، المعروف بغلام ثعلب ، والمتوفّى عام ٣٤٥ه باستخدام كلمة المعجم كاسم لمصنّفه في تراجم الشعراء ، فسمّاه معجم الشعراء(٢) .

وتبعه بعد ذلك عدد من أعلام القرن الرابع المتأخّرين عنه فأخذوا منه فكرة التسمية وطبّقوها على مؤلّفاتهم ، ومنهم النقّاش(٣) والطبراني(٤) ،

____________________

١- راجع الجزء الأوّل من هذه الموسوعة المسمّى ب- (البداية).

٢- غلام ثعلب : لقب اشتهر به محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المطر الباوردي الإمامي ، المولود عام ٢٦١ه ، أحد أئمّة اللغة المكثرين في التصنيف.كانت ولادته في أبيورد من نواحي خراسان ، وكانت صناعته تطريز الثياب ، صحب ثعلباً النحوي زماناً حتى لقّب بغلام ثعلب ، توفّي في بغداد ، أملى من حفظه في اللغة نحو ثلاثين ألف ورقة ( الأعلام - للزركلي ٦ / ٢٥٤ ).

٣- النقاش : هو أبو بكر محمد بن الحسن الموصلي ، المتوفّى عام ٣٥١ه ، والذي له ثلاثة معاجم :

أ - المعجم الكبير ، ب - المعجم الأوسط ، ج - المعجم الصغير ، وكلّها في القراءات القرآنية ( كشف الظنون ٢ / ١٧٣٧ ).

٤- الطبراني : هو أبو القاسم سليمان بن أحمد ، المتوفّى عام ٣٦٠ه ، صاحب المعاجم

=


والإسماعيلي(١) والمرزباني(٢) ، والهمداني(٣) والقناني(٤) ، ثمّ شاع استعماله إلى يومنا هذا(٥) .

وعلى أيّة حالٍ ، فإنّ الغرض من وراء وضع المعاجم عن الشخصيات هو معرفة أخبارهم ، وإحياء ذكراهم ، وتكريم ذواتهم.

وفي هذا المضمار يقول الشاعر - من الطويل - :

إذا عرفَ الإنسانُ أخبارَ مَنْ مضى

تخيّلته قد عاشَ حيناً من الدهرِ

وقد عاشَ كلّ الدهرِ مَنْ كان عالما

كريماً حليماً فاغتنم أطولَ العمرِ(٦)

____________________

=

الثلاثة :

أ - المعجم الكبير ، ب - المعجم الأوسط ، ج - المعجم الصغير ، وكلّها في الحديث ( كشف الظنون ٢ / ١٧٣٧ ).

١- الإسماعيلي : هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ، المتوفّى عام ٣٧١ه ، له معجم الشيوخ ( كشف الظنون ٢ / ١٧٣٥ ).

٢- المرزباني : هو أبو عبد الله محمد بن عمران الخراساني البغدادي ، المتوفّى عام ٣٨٤ه ، صاحب معجم الشعراء ( الذريعة ٢١ / ٢١٧ ).

٣- الهمداني : هو أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد بن الفرج بن بلال ، المولود عام ٣٠٧ه ، والمتوفّى عام ٣٩٨ه ، له معجم الصحابة ( معجم المؤلّفين ١ / ٣١٨ ).

٤- القناني : هو أبو الفرج محمد بن علي بن يعقوب بن إسحاق بن أبي قرّة الكاتب ، من أعلام القرن الرابع ، له كتاب معجم رجال أبي المفضّل ( رجال النجاشي / ٢٨٣ ).

٥- هذا وقد فصّلنا الكلام عن هذا الموضوع في الجزء الأوّل من دائرة المعارف الحسينية ، المسمّى بالبداية.

٦- النور السافر / ٢.


هذا المعجم

لقد قمنا بدراسة واسعة لعدد كبير من المعاجم التي تولّت عملية ترجمة الشعراء ، قبل أن نضع هذا المعجم لمحاولة القيام بالأفضل في هذا الحقل ، وكان كالتالي :

١ - إنّ الحدّ الأوسط والذي يمكن من خلاله إعطاء فكرة غير مجحفة في حقّ الشاعر لا يتمّ عادة إلّا من خلال عشر صفات ؛ ليتسنّى استعراض جوانب مختلفة من نتاجه الأدبي.

وهذا ما حدا بنا أن نلتزم بهذا المقدار(١) حدّ الإمكان ، ولكن هناك فوارق وتجاوزات لا بدّ من الإشارة إليها هنا وهي :

أ - قد يبخل التاريخ في إعطاء صورة واضحة عن الشعراء ، بسبب الاضطهادات المتكرّرة التي أعدمت الكثير من نتاجهم الأدبي ، وصادرت عيون أشعارهم ، بل وسترت جميع الوثائق التاريخية ، أو بعضها بستائر الحقد والجهل ، وعندها نضطرّ إلى ثبت كلّ ما بحوزتنا من المعلومات ؛ لملأ الخلاء الذي واجهناه في مسيرة الترجمة.

وهذا بحدّ ذاته يعتبر تجاوزاً لما ألزمنا به أنفسنا من البحث عن جانب الشعر دون غيره ، وفي هذه الحالة نفضّل البحث عن حياته الأدبية - في جانب النثر - بالدرجة الأولى إن وجد ، ثمّ التطرّق إلى سيرته الذاتية وغيرها.

وهذا لا يعدّ خرقاً في الحقيقة ، بل محاولة لمعرفة شخصيّة الشاعر ، والخروج به من دائرة الجهل بالقدر الممكن.

وقد لا نوفّق للحصول على هذا القدر من المعلومات عن شخصيته ، أو

____________________

١- ومن الجدير ذكره : أنّنا التزمنا بالعشر صفحات بغض النظر عن الهوامش ، فلا ينتقض بما إذا جاء التعليق في الهامش على ترجمة أحدهم ، وتسبب بزيادة عدد الصفحات ؛ إذ العبرة بالمتن حسب صفحاتنا قبل الطبع وقبل التعليق.


قد يتّفق إنّنا قد تطرّقنا إليها في مجال آخر فلا نودّ إعادة تلك المعلومات وثبتها في حقلين ؛ تجنّباً من التكرار الممل والمعيب معاً ، فعندها نخضع للأمر الواقع وننتظر أن يكشف لنا المستقبل ما يمكن كشفه.

وإذا ما اتّفق أنّ المترجم له وردت ترجمته في أكثر من مجال في هذه الموسوعة ، كالشاعر الخطيب ، والشاعر المؤلّف ، والشاعر من أنصار الحسين (عليه‌السلام ) فهذا بالطبع يترجم في كلّ هذه الحقول ، ولكن نوعية الترجمة تختلف اختلافاً كلّياً ؛ فترجمة الشاعر تخصّص بالجانب الأدبي من الشعر دون غيره ، وترجمة الخطيب تقتصر على الجانب الخطابي وهكذا.

ومع هذا فإنّ هناك بعض المعلومات لا بدّ وأن تتكرّر ؛ لأنّها ملازمة لمعرفة تلك الشخصية ، كالاسم والنسب ، وتاريخ الولادة وبلدها ، والنشأة وتاريخ الوفاة ، وهذا هو القاسم المشترك بين التراجم كلّها.

ب - هناك شخصيات تأخذ مساحة أكبر من الذي حدّدناه للجدل القائم في الشخص مثلاً ، أو في نتاجه الأدبي ونسبته إليه ، أو في معتقده فيما إذا ساعدنا ذلك على كشف الغموض عن حياته الأدبية ، وعندها نترك العنان لحدّ التواصل إلى المقصود مع مراعاة عدم الإسهاب في ذلك.

٢ - من خلال دراستنا للمعاجم الأخرى لفت انتباهنا أنّ بعض أصحاب المعاجم أخذتهم الحمية في ترجمة بني قومه أو طائفته ، أو بلدته أو قوميّته أو ما إلى ذلك ، فأسهب إلى حدّ الإفراط ، وتحدّث عن الواحد منهم بعشرات الصفحات حتى كادت ترجمته تكوّن مجلداً مستقلاً ، بينما أجحف في حقّ غيره دون أن يقدّم سبباً مقنعاً لذلك.

وقد لاحظت من أحدهم كيف يميّز بين المترجمين ويجعلهم في درجات مختلفة حسب الترتيب التالي : بنو قومه ، بنو بلدته ، بنو قوميّته ، بنو المهجر ، ولا يتورّع من الطعن في غيره.

وقد زاد استغرابي حين قرأت لبعضهم عن شخصيّة ليست من بني قوميّته فتعرّض لأمور أقلّها أنّها لا تطابق ، وقول الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( ليس لعربي على عجمي فضل إلّا بالتقوى ))(١) ، وهذا لا اختصاص بقوميّة دون أخرى ، بل

____________________

١- بحار الأنوار ٧٣ / ٣٥٠.


وجدته عند أكثر الأطرف من الرجال لا يليق بهم ذلك.

والأغرب من ذلك أنّه كثيراً ما وجدت المترجم يمدح المترجم له في نتاجه الأدبي ، ورغم ذلك يطعن فيه وفي نتاجه من جهة كونه من أبناء طائفة أُخرى ، ويختلف معه عقائدياً ، وقد نسي قول الله تبارك وتعالى :( إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُم ) (١) .

وهناك مَنْ يذكر أبناء مدينته فيطيل الكلام في مدحه ، ويكرّر الألفاظ الفضفاضة دون جدوى ، ولمـّا يصل إلى آخر من غير مدينته فيأتيه العسر والبخل والشح معاً فتتكرّم أنامله بتحرير بعض الأسطر الجافة ، فتأتي ترجمة الشخص مقتضبة جدّاً ، قد لا تتجاوز في بعض الأحيان حتى نصف الصفحة ، وقد نسي قول الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( الناس سواء كأسنان المشط ))(٢) .

وهذا ما جعلني أن آخذ جانب الحياد ، وأنظر إلى الشاعر من زاوية الأدب ، ومن منطلق الشعر ؛ لأقف موقفاً يصدق معه ( لا تأخذني فيه لومة لائم ).

٣ - امتنعت عن نقل أيّة معلومة من شأنها التنقيص بحقّ المترجم ؛ لأنّني لست في صدد دراسة سيرته الذاتية لألقي الضوء الكاشف على كلّ جوانب حياته حتى السلبية منها ، وإنّما أقتصر على دارسة حياته الأدبية - جانب الشعر - فقط ، وقد امتعضت ممّا شاهدته في بعض المعاجم القديمة والحديثة على حدّ سواء من التطرّق إلى ما لا يرتضيه ذو الفكر السليم ، والأولى بنا أن نستر ما ستره الله تعالى.

نعم ، هناك بعض الاستثناءات لا بدّ لي من الإشارة إليها ، ولعلّها تنحصر في مَنْ شاع ظلمه وأصبح طاغية ، بل أصبح الظلم بعينه ، أصاب ظلمه العباد والبلاد ، أو أنّه أخذ يسيء ويهجو رمزاً عقائدياً ، كالرسول محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، أو أهل بيته الذين فرض الله علينا مودّتهم ، وطهّرهم تطهيراً ، فعندها نجوّز لأنفسنا كشف سجلّه المليء بالظلم والانحراف ، وحنيئذ تنقلب الآية فلا يغتفر لِمَنْ يكتم ذلك ، كما هو الحال في يزيد البارحة واليوم ، قال

____________________

١- سورة الحجرات / ١٣.

٢- بحار الأنوار ٧٥ / ٢٥١.


تعالى :( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّا مَنْ ظُلِمَ ) (١) .

٤ - نحاول جهد الإمكان أن نتجنّب نقل شعر الهجاء في ترجمة الشاعر إلّا إذا جدبت المعلومات في حقّه ، أو اقتضت الضرورة ، وكذا الحال في شعر المدح ، وبالأخص مدح الملوك والسلاطين إلّا لحكمة أو ما شابه ذلك ، ويستثنى من ذلك مدح الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والأئمّة (عليهم‌السلام ).

كما نحاول عدم نقل الشعر ذي الاتجاه الديني لاكتفائنا بما نقلناه في ديوان القرون ، والمهم التعرّف على الشاعر من خلال بقيّة أغراضه إلّا في حالة جدب المعلومات أو ضرورة ذلك.

٥ - إنّ اختيار عيّنات من الشعر بغرض ثبتها في ترجمة الشاعر ليس بالأمر الهيّن ، وبالأخصّ فيما إذا كان الشاعر مكثراً ، فربما أخذ منّا يوماً كاملاً ، كما أنّ الحصول على شعر المقل في بعض الأحيان يكون كخرط القتاد(٢) ؛ لأنّ المصادر شحيحة فلا بدّ من بقر بطون الكتب والمؤلّفات للحصول على بعض الأبيات.

والأصعب من ذلك محاولة إعطاء صورة صحيحة وكاملة عن الشاعر من خلال قراءة مختارات من شعره ضمن عشرة صفحات ، وهذا ما يجعلنا أن نقول بأنّ الاختيار أمر شاقّ ، ويزيد في ذلك عدم إمكانية إرضاء القرّاء لاختلاف أذواقهم ، ولكنّها تبقى محاولة في طريقها الصحيح إن شاء الله.

٦ - لقد كان أمامنا خياران في ترتيب المعجم ، تنظيمه حسب سنة وفاة الشاعر ، أو تنظيمه حسب الحروف الهجائية ، وقد عدلنا عن الأوّل لأسباب(٣) ، أهمها :

أنّ الغالب في الناس عدم حفظ تاريخ وفاة الشاعر ، وهذا يسبب إرباكاً لهم لدى الحاجة إلى مراجعة ترجمته ، وإمكانية وضع

____________________

١- سورة النساء / ١٤٨.

٢- مثل يُضرب للأمر دونه موانع ، والخرط : هو قشر الورق عن الشجر اجتذاباً بالكفّ.والقتاد شجر لَهُ شوك أمثال الأبر ( المنجد / ٩٨٤ ).

٣- من تلك الأسباب عدم العثور على تاريخ وفاته ، أو وقوع الاختلاف في تاريخ وفاته.


فهرس لذلك يخفف من الصعوبة هذه ، ولكنّها لا تصل إلى حدّ السهولة المطلوبة حيث إنّ الباحث لا بدّ وأن يراجع الفهرس أوّلاً ؛ ليصل إلى موضع ترجمته في المعجم ، بينما عند الترتيب وفق الحروف الهجائية يمكنه الرجوع إلى المعجم مباشرة.

هذا وقد اعتمدنا في عنوان الترجمة على الاسم الثلاثي ، أي ذكر اسمه واسم أبيه ولقبه المعروف به ، مراعين في ذلك ترتيب الحروف الهجائية في الأسماء الثلاثة جميعاً ، وإذا خفي على الباحث اسم الشاعر ، وكان على معرفة بلقبه فعليه حينئذ مراجعة الفهرسة للحصول على اسمه الثلاثي.

٧ - إنّ كثيراً من أسماء الأعلام تأتي مركّبة ، وهو الذي أربك أصحاب التراجم في التعامل معها في ترتيب معاجمهم ، وكان سبباً لاختلافهم في موضع ثبتها لها.

وفي الحقيقة أنّ الاسم المركّب على شكلين : فقد يكون المضاف جزءاً حقيقياً لا يمكن فصله ، بل يتغيّر معناه فيما إذا جُرّد عن المضاف إليه ، فهذا مما لا شك في عدم إمكان تجريده كما في عبد الله ، وما يمكن فصله كعبد الحسين.

ومن الجدير ذكره أنّ هناك مَنْ اشتهر بالمضاف إليه ، ولكن جاء في واقعة مركّباً كعبد المجيد الذي قد يشتهر بمجيد تخفيفاً على اللسان ؛ وذلك لأنّ المجيد من أسماء الله التي لا تستخدم كعلم للإنسان ، ولذلك تبقى السجلات تحمل كلمة العبودية كجزء لا يتجزّأ من علم تلك الشخصيّة ، وعليه الاعتماد في ترتيب المعجم.

وهناك من أسماء الله قد توضع علماً للإنسان باعتبار معناها اللغوي كالجواد مثلاً ، فعندها لا بدّ من مراعاة التسمية ثمّ الشهرة ، وفي مثل هذه التسميات مناقشة فقهية وعقائدية تطرّقنا إليها بشيء من التفصيل في محلّه(١) .

وأمّا الشكل الآخر من الأسماء المركّبة ، فهي التي لا يوجب تجريد

____________________

١- راجع مقدّمة باب معجم مَنْ سُمّي بالحسين من هذه الموسوعة.


الجزء الأوّل منها إلى تغيير في المعنى ، أو ما شابه ذلك ؛ فإنّه على نوعين :

الأوّل : ما شاع تسميته مركباً ، كمحمد علي فالاعتماد عليه.

والثاني : الأسماء المركّبة ، مثل محمد إبراهيم ، ومحمد حسين وأضرابهما ، فالاعتماد فيها على الحقيقة إن توصّلنا إليها ، ثمّ على الشهرة ، فتوضعان في حرف الميم إن كانت حقيقة التسمية أو الشهرة مركباً ، وإلّا فيوضع الأوّل في حرف الألف ، والثاني في حرف الحاء ، خلافاً لبعض المؤلّفين حيث حذفوا المضاف من هذه الأسماء في ترتيب معاجمهم ، وأشاروا إليها لدى الحديث عن تلك الشخصيّة(١) .

وأمّا بالنسبة إلى الأعلام المركبة المشابهة للكُنى ، فتثبت كما هي ؛ إذا ثبت علميتها خلافاً لبعض المؤلّفين حيث اعتمد على الجزء الثاني منها ، وأثبت مثلاً أبو بكر ، وأبو القاسم في بكر والقاسم(٢) ، ولكنّنا أثبتناهما في حرف الألف.

نعم ، إذا كانت كُنية فالاعتماد حينئذ على الاسم دون الكُنية.

كما إنّنا لا نُراعي في ترتيب المعجم الاعتبارات الدينية التي سلك عليها بعض المؤلّفين ، من تقديم ما شمل على العبودية لاسم الجلالة على غيرها من أسماء الله تعالى ، فيقدّمون عبد الله على عبد الحميد مثلاً(٣) ، وهنا مَنْ يقدّم في حرف العين عبد الله ، وأمثال ذلك على عامر وأمثاله لاعتبارات دينية.

وهناك مَنْ يقدّم مَنْ سُمّي بمحمد على كلّ الأسماء فيبدأ معجمه بهم(٤) .

كما إنّ هناك مَنْ يقدّم الأب على الابن باعتبار الرتبي(٥) ، فيقدّم أبو بكر على ابن بكر مثلاً.

وبما أنّ هذه الاعتبارات توجب إرباك المحقّق والباحث ، أعرضنا عنها

____________________

١- راجع طبقات أعلام الشيعة - للطهراني.

٢- راجع الأعلام - للزركلي.

٣- راجع تهذيب التهذيب.

٤- راجع الوافي بالوفيات.

٥- راجع الكُنى والألقاب.


ونتعامل مع العلم بترتيب الحروف الهجائية دون غيرها من الاعتبارات.

ولا يخفى أنّ هذا الأسلوب لا يختصّ بهذا المعجم فحسب ، بل يشمل كلّ المعاجم في هذه الموسوعة.


لكلّ جواد كبوة

ويُقال أيضاً : الجواد قد يكبو ، هذا المثال صادق تماماً على الشاعر العبقري الذي يرتجل الشعر ارتجالاً ، فربما اصطدم بلحظة لا يقدر فيها على نظم الشعر ، بل قد يتوقّف عند الصدر ويعجز عن إلحاق العجز به ، شأنه شأن الكاتب ، بل شأن كلّ محترف في عمله تأتيه ساعة يشعر بالعجز.

وفي ذلك يقول الفرزدق : أنا عند الناس أشعر الناس ، وربما مرّت عليّ ساعة وزع(١) ضرس أهون عليّ من أنْ أقول بيتاً واحداً.

وقال العجاج(٢) : لقد قلت أرجوزتي التي أوّلها :

بكيتُ والمحتزن البكي(٣)

وإنّما يأتي الصبا(٤) الصبي

أطرباً وأنتَ قنسري(٥)

والدهرُ بالإنسانِ دواري

وأنا بالرّمل(٦) في ليلة واحدة ، فانثالت على قوافيها انثيالاً ، وإنّي لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.

____________________

١- الوزع : الزجر ، ويصح «وجع» أيضاً.

٢- العجاج : هو عبد الله بن رؤبة بن لبيد السعدي التميمي ، المتوفّى عام ٩٠ه ، ولد في الجاهلية ، وقال الشعر فيها ثمّ أسلم ، وهو أوّل مَنْ رفع الرجز وشبهه بالقصيد ، وهو والد رؤبة الراجز المشهور ، وله ديوان شعر في جزأين.

٣- البكي : الكثير البكاء.

٤- الصِبا : بالكسر الشوق.

٥- القنسري : الكبير المسن.

٦- الرمل : اسم موضع.


وقال أبو يعقوب الخريمي(١) : خرجت من منزلي أريد الشماسية(٢) ، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ(٣) ، فرجعت والله وما أمكنني بيت واحد.

ويقول الشاعر - من الطويل - :

وق-د يقرضُ الشعرُ البكي(٤) لسانه = وتعيي القوافي المرء وهو خطيبُ(٥)

٨ - من الجدير ذكره أنّ المعجم يحتوي على أقسام مختلفة ، كلّ قسم تضمّن ترجمة مجموعة من الشعراء ، فلا بدّ من مراجعة القسم المطلوب ، وقد ميّزنا كلاً منها في بداية كلّ جزء من أجزاء المعاجم.

والأقسام هي كالآتي :

قسم مَنْ نظم بالعربية الفصحى.

قسم مَنْ نظم بالعربية الدارجة.

قسم مَنْ نظم بالفارسية.

قسم مَنْ نظم بألأوردو.

وهكذا...

والسبب لفصل الأقسام يعود إلى أنّ نمط الترجمة حيث يختلف الأمر بين الأقسام ، وحتى لا تتغيّر الموجة عند القارئ ، ولا يتأثّر باختلاف سياق الترجمة ، وضع لكلّ قسم معجماً خاصّاً به.

٩ - ولا يخفى أنّ هذا المعجم خاصّ بمَنْ نظم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ولو بنصف بيت ، ولا مجال لترجمة مَنْ لم ينظم في الإمام شيئاً ، فهو ضمن دائرة المعارف الحسينية ، وليس عامّاً ليشمل كلّ الشعراء

____________________

١- الخريمي : هو إسحاق بن حسان بن قوهي ، المتوفّى عام ٢١٢ه ، أصله من خراسان ، ولد في الجزيرة وسكن بغداد ، كان من شعراء الدولة العباسية.

٢- الشماسية : بفتح أوّله وتشديد ثانيه ، صحراء كانت في أعلى بغداد.

٣- أبو التختاخ :

٤- البكي : المقل غير المعطاء.

٥- البيان والتبيين : ١/١٤٣.


والناظمين ، ولكن قد نترجم شاعراً لم يرد شعره في الدواوين الموضوعة ضمن هذه الموسوعة ؛ وذلك لأنّ عدداً من الشعراء نظموا في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، أو نهضته المباركة ، أو أهل بيته أو أنصاره إلّا أنّ أشعارهم اختفت ، ولم تصلنا سوى أخبارها ، فنقوم بترجمته رغم عدم العثور على شعره الحسيني على أمل اكتشافها في المستقبل.

١٠ - لم نتوقّف عن ترجمة الأحياء من الشعراء كما جرى ديدن الكثير من المترجمين في هذا الحقل ، شأنه شأن الحقول الأُخرى ؛ للصدمة التي أصابتهم من جرّاء ذلك ، ولعلّها تكمن في التخوّف من الأمور التالية :

أ - عدم إمكانية إرضاء صاحب الترجمة ، وربما أدّى ذلك إلى القطيعة فيما إذا كانا على صلة مسبقة ، وقديماً قالوا : رضى الناس غاية لا تُدرك(١) .

ب - عدم إمكانية استيفاء ترجمته ؛ لأنّه لا زال على قيد الحياة ، فلم تكتمل سيرته وصورته ، ولم يتوقف عطاؤه ، فلربما واصل تطوّره الأدبي وحاز قصب السبق ، فتظل ترجمته قاصرة وناقصة.

ج - قد تعوق المصالح السياسية أو الاجتماعية في إعطاء صورة واضحة عن سيرته وهو على قيد الحياة.

ولكنّنا تجاوزنا ذلك بروح رياضية عالية ؛ حيث وضعنا نصب أعيننا العديد من الأمور ، والتي منها :

أ - ضرورة تكريم الرجل في حياته ومواكبة سيرته ؛ طمعاً لمزيد من العطاء ، وحتى لا يشملنا هجاء الشاعر في قوله - من البسيط - :

ال-مرءُ م-ا دامَ حيّاً يستهانُ به = ويعظمُ الرزءُ فيهِ حين يُفتقدُ(٢)

ب - ثبت المعلومات في أوانها ؛ حتى لا تصبح عرضة للنسيان.

ج - أخذ المعلومات من منابعها الصافية ؛ لترتفع نسبة وثاقتها نسبة

____________________

١- وفي حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه‌السلام ) لعلقمة : (( يا علقمة ، إنّ رضى الناس لا يُملك ، وألسنتهم لا تُضبط )) (البحار ٦٧ / ٢).

٢- مقدّمة ريحانة الأدب ١ / ١٣.


عالية ، كما عالجنا حدّ الإمكان تلك السلبيات التي قد تقف سدّاً لذلك بالشكل الآتي :

أ - تجنّب السلبيات والاقتصار على الجانب الإيجابي في ظلّ الأدب.

ب - عدم اللجوء إلى استخدام أدوات المدح أو الذم لدى التعريف بالشاعر ، من ألقاب وصفات قد تؤدّي إلى المزايدات ، بل نقتصر على بيان الحقائق وسرد الوقائع ولا نتعدّاهما.

ج - التحلّي بسعة الصدر لقبول النقد البناء والإعراض عن غيره.

١١ - من الشعراء مَنْ اختار لنفسه اسماً مستعاراً ؛ ليستر به شخصيّته خوفاً على حياته ، أو حياة ذويه حيث لا زالت هناك سلطات تلاحق مَنْ نظم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) باعتباره رمز الرفض والإباء ، فقد أعرضنا عن ترجمته تحت اسمه المستعار إلى أن تزول الغمّة عن شخصه ، أو ينكشف لنا حقيقة اسمه ، وإلّا فسنلحق ترجمته بآخر المعجم إن شاء الله تعالى.

ومن الجدير الإشارة إليه أيضاً أنّ هناك إرباكاً ربما سيحصل بالنسبة إلى بعض الأسماء المستعارة ، ولكنّا قدر الإمكان سنحاول الوصول إلى حقيقتها ، أو إرجاءها على الأقل إلى آخر المطاف ، ومن تلك مثلاً ( إبراهيم رفاعة ) والذي نشر شعره في بعض الصحف العربية الصادرة في طهران(١) ، فبعد التحقيق تبيّن أنّ هذه الشخصية الأدبية انتحل هذا الاسم بشكل مؤقت لأسباب خاصّة ، وقد رأينا أنّه من الضروري الإشارة إلى ذلك ؛ كي لا يلتبس الأمر على القارئ الكريم أو الباحث النبيل.

وأخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أنّنا نحتمل أن يكون قد سقطت ترجمة بعض الشعراء رغم كلّ المحاولات الحثيثة والاستقصاء الممكن ، ومع هذا نأمل الحصول على أسماء بعض الشخصيّات التي فاتتنا ترجمتها من خلال التحقيق والتنقيب ، إلى جانب ظهور شخصيّات أُخرى جديدة على الساحة

____________________

١- مجلة التوحيد - السنة ٣ ، العدد ١٨ / ١٩٦.


الأدبية ممّا لم يتمّ وضع ترجمتها في محلّها ، والتي سنضطر إلى وضعها في حقل المستدركات.

وفي نهاية الأمر ربما لم يستحسن البعض هذا الأسلوب الذي تبنيناه في ترجمة الشخصيّات بشكل عام ؛ سواء الشعراء أو الخطباء أو المؤلّفين أو غيرهم ، وربما ينتقدوا فيها مسألة عدم الحداثة ، وأوردوا عليها بأنّه أسلوب قديم على أقل التقادير ، وربما أثاروا مسألة عدم انتهاجنا المنهج العلمي (الأكاديمي) في دراسة شخصيّة المترجم له في الاتجاه المحدّد له وتحليله.

وفي الحقيقة أنّ تبنّي هذه المنهجية لم يأتِ عن فراغ ، بل عن قناعة ودراسة ، وبالإجمال : إنّ هذا النوع من الترجمة لا شك أنّه أقرب إلى الواقع الذي لا بدّ أن يتعرّف عليه كلّ مَنْ أراد معرفة هذه الشخصيّة أو تلك ، بعيداً عن التحليلات التي قد تبعد الإنسان عن واقعه وحقيقته.

مضافاً إلى أنّه أسرع الطرق إلى معرفة تلك الشخصيّة دون لف أو دوران ، بالإضافة إلى ذلك فإنّنا تجنّبنا مسألة الحكم على تلك الشخصيّة ، وتركنا الأمر إلى القارئ والباحث.

وإذا ما لوحظت مسألة أُخرى أنّنا نعمل في إطار موسوعي ومعجمي الذي ينبغي فيه الاختصار والإيجاز ، وهذا يتطلب منّا أن لا نختار إلّا ما اخترناه ، ومع هذا فلم نترك الأمر سدى ، بل عالجناه في مكان آخر لدى المقارنات والدراسات التي نختتم بها الأبواب الرئيسية من هذه الموسوعة ، والله من وراء القصد.


نهاية المطاف

لقد اختلف الأدباء والكتّاب حول استخدام حرف الجر ( من ) ، أو ( في ) مع كلمة ( تخرّج ) فيما إذا أنهى الشخص دراساته العليا لدى تخصّصه بعلم من العلوم ، فمنهم مَنْ قال على سبيل المثال : تخرّج زيد من كلّية الآداب ، ومنهم مَنْ قال : تخرّج زيد في كلّية الآداب ، وبما أنّ الجامعة والكلّية والتخرّج مصطلحات جديدة واكبت تقنين العلوم عبرها ؛ فلذلك وقع الخلاف فيه ، والنصوص القديمة خالية منها.

ولقد اختارت المدرسة العراقية بتوجيه لغوِّيها المشهور مصطفى جواد(١) استخدام حرف ( في ) بينما ظلّت المدارس الأُخرى تستخدم حرف ( من ).

وبما أنّ أمر هذه المسألة يتعلّق بالصرف والنحو ، واللغة والذوق ، فنقول بعد أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار : أنّ مادة ( خ - ر - ج ) يتعدّى بالحروف التالية من ، في ، على ، الباء ، عن ، إلى ، اللام ، ولكن شاع استخدامه مع الأوّل ، ثمّ الثاني ، ثمّ الثالث ، وللمثال نقول :

١ - خرج زيد من البيت - وهي لابتداء الغاية.

٢ - خرج زيد في الفقه - أي نبغ فيه.

٣ - خرج زيد على الأمير - أي ثار ضدّه.

٤ - خرج زيد بردائه - أي متلبّساً به.

٥ - خرج زيد عن طوره - أي تجاوز حدّه ، أو تجاوز المألوف.

____________________

١- هو مصطفى بن جواد بن مصطفى بن إبراهيم التركماني (١٣٢٥ - ١٣٨٩ه) ، شاعر وكاتب ولغوي عراقي ، له مؤلّفات منها : سيّدات البلاط العباسي ، معجم البلدان العراقية التاريخية.


٦ - خرج زيد إلى الحرب - أي توجه نحو ساحة الوغى.

٧ - خرج زيد ليلعب - أي خرج لأجل اللعب.

ورغم إمكانية تقدير حرف ( من ) في بعضها إلّا أنّ جواز عدم التقدير كان في الأمر.

هذا في صيغة الثلاثي المجرد ، وأمّا إذا أريد أن يُبنى منه صيغة المزيد من باب التفعّل ، أي بزيادة حرفين على المجرّد ؛ ليصبح ( تخرّج ) بتشديد الراء فإنّ هذا الباب يأتي للأغراض التالية :

١ - للدلالة على المطاوعة ، مثل : علّمته فتعلم.

٢ - للدلالة على التكلّف ، مثل : تشجّع ، أي تكلّف ؛ ليكون شجاعاً ، أو تكلّف الشجاعة.

٣ - للدلالة على التظاهر بالشيء ، مثل : تزّهد ، أي أظهر الزهد.

٤ - للدلالة على الطلب ، مثل : تعظّم ، أي طلب لأنّ يكون عظيماً.

٥ - للدلالة على التمهّل ، مثل : تجرّع الماء ، أي شرب الماء شيئاً فشيئاً.

٦ - للدلالة على أنّ الفاعل جانب الفعل ، مثل : تهجّد ، أي جانب الهجود.

٧ - للدلالة على أنّ الفاعل اتّخذ المفعول فعلاً ، مثل : توسّدته ، أي اتخذته وسادة.

ومن المعلوم أنّ هذه المعاني لا تُطابق مع الفعل ( تخرّج ) فيما نحن فيه إلّا في الدلالة الأولى حيث يمكن القول : خرّجته في الأدب فتخرّج ، كما ورد في اللغة.

وبما أنّ أصل الفعل ومادّته الأصلية يستخدم مع ( من ) فيما إذا كان متعلّقه المكان ؛ فنرجّح استخدام ( من ) بدل ( في ).

وهذا لا يعني نفي صحة استخدام ( في ) ولكنّه مفضول ، وادّعاء أنّ استخدام ( من ) يعني الانفصال عن الشيء مردود ؛ بأنّه إن كان المراد الانفصال النهائي فهو غير حاصل ، ولا مقصود فيما استخدم مع الثلاثي المجرّد ، كما لو قلت : خرجت من البيت ، حيث لا تريد انفصاله عنه نهائياً ، بل فترة عدم تواجده في البيت.


مضافاً إلى أنّ نتيجة التخرّج هو الانفصال عن هذه الكلّية التي تعلّم فيها ؛ إذ المفروض أنّ المتخرّج لا يعاود الدراسة فيها ثانية.

نعم ، يصح أن يُقال : تخرّجت في الفقه من كلّية الشريعة ، كما يصح أن يُقال : تخرّجت في كربلاء من كلّية الآداب ، أو تخرّجت في الصيف من كلّية الاقتصاد ، ولا نرجّح القول : تخرّجت في كربلاء ، أو تخرّج في كلّية الشريعة إلّا بالتقدير ، وإنّما جاز في المثال الأوّل ؛ لأنّه أراد بالجزء الأوّل تحديد الموضوع ، وبالجزء الثاني تحديد المعهد ، وإنّما جاز ذلك في المثال الثاني رغم أنّ متعلّقه المكان ؛ لأنّه أراد تحديد المدينة والمعهد معاً.

ولو قيل : بأنّ كلاً من الحرفين يأتي بمعنى الحرف الآخر فيصح على كلا الوجهين.

فنقول : بأنّه لا يخرجه عن الضعف ؛ إذ أنّ الغالب في حرف ( في ) الظرفية ، وفي حرف ( من ) ابتداء الغاية ، وإلّا فهو جائز ، والله أعلم.

واستناداً إلى ما قدّمناه فقد استخدمنا حرف ( من ) مع كلمة ( تخرّج ) في هذا المعجم كما في غيره من هذه الموسوعة.


شعراء قيد الدرس

ومن خلال متابعاتنا الحثيثة في مسير علمنا الحسيني ، واطلاعنا على الاضطهاد الذي مورس بالنسبة إلى تراث أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وإلى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام ) منذ القرن الأوّل الهجري وإلى يومنا هذا والذي قد أشرنا إلى جملة منها في مقدّمات دواوين القرون ، يمكننا الجزم بأنّ الشعر الحسيني قد تعرّض لعملية الاغتيال ، وقد تمكّنا من تحديد بعض الموارد والتي قد أثبتناه في محلّه(١) .

وقد ساقنا هذا الاستقصاء إلى القول بأنّ عدم الاكتراث بشكل عام قد تحالف مع الاضطهاد الذي مارسه الطرف الآخر ، فأصبح نتاج عدد غير قليل من الشعراء الذين نظموا في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) أثراً بعد عين.

وقد حاولنا الإشارة إلى الموارد المحتملة ذات النسبة العالية تاركين ما انخفضت نسبته ، بأمل أن يولي القارئ والباحث اهتمامه بذلك ، علّنا نحصل على جلّها إن لم نتمكّن الحصول على كلّها.

ومن تلك الموارد(٢) :

١ - إبراهيم بن إبراهيم بن فخر الدين البازوري العاملي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري ، ولد في البازورية(٣) ، ونشأ بها ، وأخذ المبادئ بها ، ثمّ أكمل دراسته في بلاده ، انتقل إلى طوس (المشهد) وتوفّي بها.

____________________

١- راجع مقدّمات دواوين القرون.

٢- سنذكرهم حسب الحروف الهجائية مواكبين مع تراجم الشعراء ، وعليه فسنذكر هنا كلّ مَنْ اسمه إبراهيم.

٣- البازورية : بلدة على ساحل البحر الأبيض من توابع مدينة صور.


قال عنه الحرّ العاملي(١) : كان فاضلاً صدوقاً ، صالحاً شاعراً أديباً من المعاصرين ، وله ديوان شعر صغير عندي بخطّه من جملة ما اشتريته من كتبه - بعد وفاته - ، وله - كتاب - رحلة المسافر وغنية المسامر(٢) .

ونقل الحرّ العاملي والأمين خمسة قصائد من شعره ، كلّها في مدح ورثاء علماء جبل عامل ، مطلع إحداها من البسيط :

اقضوا عليّ أهيلَ الودِّ أو زوروا

إلى متى وعدكم لي بالوفا زورُ(٣)

ومطلع ثانيها من البسيط :

قد أضرمتْ في الحشا من هجركم نار

يا جيرةً في الهوى بعدَ الوفا جاروا(٤)

ومن ثالثة من البسيط :

لا زالَ إنسانُ عينِ الدهرِ ما رشفت

شمسُ الضحى من ثغورِ الزهرِ ريقَ ندا(٥)

ومن رابعة من الطويل :

إذا تليتُ في الناسِ آياتِ ذكركم

لها سجدتْ أخيارها وطغامُها(٦)

ومن خامسة من البسيط :

الثامنُ الضامنُ الجنّاتِ أجمعها

يومَ القيامةِ من جودٍ لزوارِ(٧)

____________________

١- الحرّ العاملي : هو محمد بن الحسن العاملي ، يصل نسبه إلى الحرّ بن يزيد الرياحي شهيد كربلاء (١٠٣٣ - ١١٠٤ه) ، ولد في مشغرة وتوفّي في طوس ، من كبار علماء الإمامية ومحدّثيها ، له مؤلّفات بلغت ٥٥ مؤلّفاً ، أشهرها : وسائل الشيعة ، إثبات الهداة ، الفصول المهمّة ، وله ديوان شعر.

٢- أمل الآمل ١ / ٢٥.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٠٧ وهي في مدح الشيخ زين الدين بن حسن العاملي صاحب المعالم.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١٠٧ وهي أيضاً في مدح الشيخ زين الدين.

٥- أمل الآمل ١ / ٢٦ ، أعيان الشيعة ٢ / ١٠٧ ، وهي في مدح السيد حسين بن محمد الموسوي العاملي.

٦- أمل الآمل ١ / ٢٦ ، وهي في مدح الشيخ زين الدين بن محمد العاملي.

٧- أمل الآمل ١ / ٢٦ وهي في رثاء الشيخ محمد بن الحسين البهائي العاملي.


٢ - إبراهيم الحرّ الصوري العاملي من شعراء القرن الثاني عشر الهجري ، وهو ليس من أسرة الحرّ العاملي مؤلّف وسائل الشيعة(١) ، ولعلّ أباه كان يُسمّى حرّاً ، فهو إذاً إبراهيم ابن الحرّ الصوري.

كان شاعراً مجيداً ، وعالماً فاضلاً من أهل صور جبل عامل بلبنان ، ردّ على قصيدة الشيخ عبد الغني النابلسي(٢) ، المتوفّى عام ١١٣٦ه والتي في التصوّف ، وهي من الهزج ومطلعها :

وجودي حلّ عن جسمي

وعن روحي وعن عقلي

فجاء الردّ من المترجم له بقصيدة من الهزج أيضاً وأوّلها :

رويداً يا أخا الفضل

مزجت الشَهْد بالخلِ

أذعت السرّ يا هذا

شربت الجورَ بالعدلِ

فتحتَ القفلَ يا شامي

فقدتَ العلمَ بالجهلِ

إلى أن يقول في آخرها :

لقد حازت بهِ ألبا

بُ أهلِ العلمِ والعقلِ

وأصحابَ النُهى طرا

مع الأملاكِ والرسلِ(٣)

٣ - إبراهيم بن علي بن الحسن الحرّ العاملي الشامي من شعراء القرن ١٢ه.

قال عنه الحرّ العاملي المتوفّى عام ١١٠٤ه : عالم فاضل ، ماهر معاصر ، أديب شاعر ، سكن قسطنطنية.

وله مؤلّفات منها : كتاب الصبح المبني عن حيثية المتنبي ، رأيت هذا الكتاب وفيه فوائد كثيرة غير أحواله - المتنبي(٤) -.

٤ - إبراهيم بن حسن بن محمد علي بن يوسف بن محمد بن

____________________

١- تاريخ جبل عامل / ٢٨٦.

٢- النابلسي : هو عبد الغني بن إسماعيل المولود عام ١٠٥٠ه ، شاعر أديب ، وعالم متصوّف ، ولد وتوفي بدمشق ، له مصنّفات من أشهرها : الحضرة الإنسيّة ، ذخائر المواريث ، نفحات الأزهار ، توفّي عام ١١٤٣ه.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٢٢.

٤- أمل الآمل ١ / ٣٠ ، أعيان الشيعة / ١٩٥.


إسماعيل بن إبراهيم عزّ الدين العاملي المتوفّى عام ١٣٣٣ه ، درس في مدرسة حنويه قرب صور اللبنانية ، ثمّ هاجر إلى النجف بعد وفاة جدّه الشيخ محمد علي مؤسس مدرسة حنويه ، ثمّ رجع إلى مسقط رأسه بعد وفاة والده ، وتولّى إدارة شؤون المدرسة.

كانت له مصنّفات في النحو والمنطق ، وله ديوان شعر كبير.

قال عنه الأمين(١) : لم يتّفق لنا الوقوف عليه.

وكان جدّه وأبوه ممّن نبغ في الشعر والأدب(٢) .

٥ - إبراهيم بن سعيد (سعد) بن الطيّب الرفاعي المتوفّى عام ٤١١ه.

قال عنه أبو غالب(٣) : ما رأيت قطّ أعلم منه ، وكان شاعراً حسن الشعر جيّده ، ومن شعره من الكامل :

وأحبّة ما كنتُ أحسبُ أنّني

أبلى بينهم فبنتُ وبانوا

نأتِ المسافةُ فالتذكّرُ حظّهم

منّي وحظّي منهمُ النسيانُ(٤)

كان من أدباء الإمامية ، سكن واسط العراق فاضطُهد.

وقال أبو نعيم(٥) : رأيت جنازة أبي إسحاق الرفاعي مع غروب الشمس تخرج إلى الجبّانة ، وخلفها رجلان فحدّثت بها شيخنا أبا الفتح ابن المختار النحوي(٦) فقال : سَمَّى لك الرّجُلين ؟

فقلت : لا.

فقال : كنت أنا أحدهما وأبو غالب بن

____________________

١- الأمين : هو محسن بن عبد الكريم العاملي (١٢٨٤ - ١٣٧١ه) ، ولد في شقراء وتوفّي في بيروت ، ودفن في صحن السيّدة زينب (عليها‌السلام ) بدمشق ، من علماء الإمامية.له مؤلّفات جمّة ، منها : المجالس السنية ، خطط جبل عامل ، أصدق الأخبار.

٢- راجع تاريخ جبل عامل / ٢٤٤ ، ٢٨٩ ، أعيان الشيعة ٢ / ١٢٧.

٣- أبو غالب : هو ابن بشران.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١٤٧ عن معجم الأدباء / ١٥٥ - ١٥٧.

٥- أبو نعيم : هو أحمد بن علي ابن أخي سدّة المقرئ.

٦- أبو الفتح :


بشران الآخر ، وما صدّقنا أنّا نَسْلَمُ خوفاً أن نُقْتل.

ومن عجائب ما اتّفق أنّ هذا الرجل توفّي وكان على هذا الوصف من الفضل فكانت هذه حاله ، وتوفّي في غدٍ يوم وفاته رجل من حشو العامّة يُعرف بِدَناءَة ، كان سواديّاً فأُغلق البلد لأجله ، وصلّى عليه الناس كافّة ، ولم يوصل إلى جنازته من كثرة الزحام(١) .

٦ - إبراهيم بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن (عليه‌السلام ) ، المستشهد في ذي القعدة من عام ١٤٥ه.

كان أديباً شاعراً ، متضلّعاً باللغة العربية وأسرارها ، عارفاً بأخبار العرب وأيّامهم وأشعارهم ، وكان مجاهداً شجاعاً ، عالماً بالدين والرواية ، من أصحاب الإمام الصادق (عليه‌السلام ).

٧ - إبراهيم بن علي الجصّاني : كان من شعراء جصّان(٢) وفقهائها ، وشاعراً أديباً ، وخطيباً مفوّهاً ، ينظم الشعر باللهجتين الفصحى والدارج ، له ديوان من ثلثمئة صفحة(٣) .

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ١٤٠ عن معجم الأدباء ١ / ١٥٧.

٢- جصّان : قضاء تابع لمحافظة الكوت جنوب العراق ، تقع على نهر الغرّاف ، أغلبية سكّانها من الأكراد الفيليين ، اشتهرت بالفواكه والتمور ، وبالأخص التمر الأشرسي.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٨٤ عن مجلة العرفان العدد ١٠ - ١١ / ٥٤٤.


٨ - إبراهيم بن محمد حمام الجبشيتي العاملي المتوفّى عام ١٣٣٤ه.

قال الأمين : كان أديباً شاعراً ، مغرماً بالتاريخ وجمع الأشعار واختيارها ، وله مجموعة اختيار فيها قصائد ومقاطيع.

له نظم جيّد وغزل جميل ، وكان يحذو بشعره حذو قدماء الشعراء ، كأبي تمّام(١) والمتنبي(٢) ، وقد أدركته حرفة الأدب ، وقد عيّن معلّماً للمدرسة الابتدائية التي في الزوارية ، ونقل إلى طيردبا(٣) في زمن الأتراك - العثمانيين - وتوفّي بتلك المدّة أيام الحرب.

٩ - إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلّب بن أبي صفرة العتكي الأزدي الواسطي البغدادي (٢٤٤ - ٣٢٢ه) ، ولد في واسط وتوفّي في بغداد ١٢ / ربيع الأوّل.

قال المرزباني : كان يقول من الشعر المقطعات في الغزل والنسيب وما جرى مجراهما كما قال المتأدّبون.

____________________

١- أبو تمام : هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي (١٨٨ - ٢٣١ه) من فحول الشعراء ، ولد في ضواحي حوران بسورية ، وسكن مصر وبغداد وتوفّي في الموصل.له ديوان الحماسة ، مختار أشعار القبائل.

٢- المتنبي : هو أحمد بن علي بن حسن الجعفي الكوفي (٣٠٣ - ٣٥٤ه) من فحول الشعراء وحكمائهم ، ولد في الكوفة ، قصد حلب والقاهرة ثمّ بغداد ، وزار بلاد فارس.قُتل بالنعمانية بين بغداد وكربلاء.له ديوانه المعروف باسمه.

٣- طيردبا : قرية على فرسخ من صور إلى جهة الشرق.


١٠ - إبراهيم بن محمد بن علي بن مطهر بن نوفل التعلبي الأدفوني الصعيدي المصري قطب الدين ، المتوفى يوم عرفة من عام ٧٣٧ه.

قيل عنه : إنّه كان في شبابه يتعاطى الغناء ، ثمّ عكف على حفظ كتاب الله واستمر في ذلك ، ولازم الصلاة والتلاوة والعبادة.

كان من أتباع أهل البيت (الشيعة) ، ومن شعره قصيدة - من الخفيف - أوّلها :

ظهرَ النورُ عند رفعِ الحجاب

فاستنارَ الوجودُ من كلّ باب

وأتانا البشيرُ يخبرُ عنهم

ناطقاً عنهم بفصلِ الخطاب(١)

١١ - إبراهيم بن محمد معصوم بن فصيح بن أولياء الحسيني القزويني ، ويقال له : محمد إبراهيم ، المتوفّى عام ١١٤٥ه.

قال ولده(٢) : له قصائد في مدائح الأئمّة ومراثيهم (عليهم‌السلام ) بالعربية والفارسية ، وفي تتمّة الأمل : له أشعار بالعربية ، منها : قصيدة عارض بها قصيدة البهائي(٣) ، وفي صاحب الزمان (عليه‌السلام ).

له تواليف وتصانيف حسنة ، منها : مقامات كمقامات الحريري(٤) ، مجاميع تتضمّن رسائل من العلوم

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ٢١٧ عن الطالع السعيد في فضلاء الصعيد.

٢- ولده : هو حسين بن إبراهيم المتوفّى عام ١٢٠٨ه ، عالم فاضل ، وفقيه عارف ، من مصنّفاته : معارج الأحكام ، الدرّ الثمين ، اللآلئ الثمينة.

٣- البهائي : هو محمد بن الحسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي الحارثي (٩٥٣ - ١٠٣١ه) ، من أعلام الإمامية ، له عدّة مصنّفات ، منها : الجامع العباسي ، الكشكول ، تشريح الأفلاك.ولد في بعلبك وتوفّي في أصفهان ودُفن في طوس.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ٢٢٨.


وأشعاراً وفوائداً(١) .

١٢ - إبراهيم بن نصر الله بن إبراهيم بن يحيى بن محمد بن سليمان الطيبي العاملي ، المتوفّى عام ١٢٧٠ه.

قال عنه الأمين : كان عالماً صالحاً ، شاعراً أديباً ، وقد ختم الله له بالشهادة فقُتل في قرية عثرون من جبل عامل.

____________________

١- أعيان الشيعة ٤ / ٢٣٢.

وهناك عدد من الشعراء يحملون اسم إبراهيم إلّا أنّ احتمال نظمهم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ضعيف ؛ إمّا لأنّه ليس على خلاف في المعتقد ، أو أنّه تخصّص بغرض من الأغراض الشعرية ، أو أنّ تخصّصه بعلم من العلوم كالنحو فنظم فيه دون غيره أو غيرها.


حرفُ الألف



(١)

آمال بنت عبد القادر الزهاوي

١٣٦٥ه = ١٩٤٦م

هي الأديبة آمال بنت عبد القادر بن صالح بن محمد فيضي بن أحمد البابان الخالدي الزهاوي(١) ، ولدت في بغداد عام ١٣٦٥ه(٢) ، ونشأت في عائلة مثقّفة حيث كان جدّها الشيخ محمد فيضي(٣) مفتي بغداد ، والذي كان شاعراً ، وعمّها الشاعر جميل صدقي الزهاوي(٤) ، والشاعر إبراهيم أدهم الزهاوي(٥) ، وابن عمّ والدها عبد القادر الزهاوي(٦) .

التحقت بالمدارس الحديثة ، وتدرّجت في مراحلها حتى تخرّجت من كلّية الأداب ، قسم اللغة العربية (جامعة بغداد).

____________________

١- الزهاوي : نسبة إلى زهاو التي كانت إمارة مستقلة ، وهي اليوم من أعمال إيران ، والنسبة إليهم جاءت من أُمّ الشيخ محمد فيض ؛ حيث كانت منها.

٢- معجم البابطين ١ / ٥١٨.

٣- محمد فيضي : هو ابن الملّا أحمد بابان مفتي بغداد ، كردي الأصل ، كان أجداده البابان من أمراء السليمانية ، توفّي بعد عام ١٢٧٩ه.

٤- جميل الزهاوي : هو ابن محمد فيضي بن أحمد بابان (١٢٧٩ - ١٣٥٤ه) ، شاعر نحى منحى الفلاسفة ، يعدّ من طلائع نهضة الأدب العربي في عصره ، ولد وتوفّي ببغداد ، نظم بالعربية والفارسية ، وتولّى العديد من المناصب في بغداد ، له عدد من الدواوين ، منها : ترجمة رباعيات الخيام إلى جانب ديوانه.

٥- إبراهيم الزهاوي : هو ابن صالح بن محمد فيضي بن أحمد (١٣٢٠ - ١٣٨٢ه) ، أديب شاعر ، ولد وتوفّي في بغداد ، له من المؤلّفات بالإضافة إلى ديوان شعره كتاب أبطال اللانهاية ، في الفلسفة.

٦- عبد القادر الزهاوي : أديب شاعر ، وصحافي معاصر ، وكاتب قدير من مواليد بغداد.


بَنَتْ شخصيتها الأدبية من خلال البيئة الأدبية التي عاشتها في البيت وبين العائلة ، حيث تقول : الحديث عن الشعر كان يدور أمامي ، والكتب مرصوفة في مكتبات البيت الكبيرة ، وهناك تتناثر كتب الشعر بما في ذلك ديوان ( المواكب ) لجبران خليل جبران(١) .

إذاً ، فأنا قد قرأت الشعر وأنا أتهجّى حروف الأبجدية.

ويبدو أنّها نظمت الشعر منذ نعومة أظفارها ، وقد بدأت بنظم الشعر العمودي إلّا أنّها تحوّلت إلى الشعر الحرّ ، وقد تأثّرت بكلمات جبران خليل جبران ، وجبرا إبراهيم جبرا(٢) .

بدأت بالشعر القومي ، ثمّ استخدمت الأساطير الإغريقية(٣) ، ثمّ تحوّلت إلى أساطير شرقية وعربية ، وتقول : وقد كتبت مؤخّراً مجموعة قصائد ، هي مراثي سياسية للمرحلة ، كما كتبت قصائد تأمّلية صوفية بعنوان : ( من فيوضات آمال الزهاوي ) ، وقصيدة تصويرية بعنوان : ( جدارا ).

كتبت في الصحافة السورية والعراقية ، كجريدة البعث ، ومجلة الطليعة ، ومجلة ألف باء ، ثمّ أنشأت شركة عشتار للطباعة والنشر ، وقد أصدرت من خلالها عدداً من مؤلّفاتها ودواوينها ، ويبلغ مجموعة مؤلّفاتها أحد عشر مؤلّفاً ، طُبع سبعة منها :

١ - الفدائي والوحش ، ٢ - الطارقون بحار الموت ، ٣ - دائرة في الضوء ، دائرة في الظلمة ، ٤ - أخوة يوسف ، ٥ - التداعيات ، ٦ - يقول قس بن ساعدة ، ٧ - جداراً.

وأمّا دواوينها غير المطبوعة فهي :

١ - أزهار اللوتس ، ٢ - تاريخ بني عذرة ، ٣ - الشتات ،

____________________

١- جبران خليل جبران (١٣٠٠ - ١٣٥٠ه) ، مفكّر لبناني ، وأديب شاعر ، ولد في بشري - لبنان - وتوفّي في نيويورك - أمريكا - ، يعدّ من أركان الحركة الأدبية في المهجر ، رئيس الرابطة القلمية بنيويورك.

٢- جبرا إبراهيم جبرا : ولد عام ١٣٤١ه (١٩٢٣م) في بيت لحم - فلسطين - ، درس في القدس ، وأكمل دراسته في بريطانيا ، كاتب وشاعر معاصر ، نشرت له عدد من الأبحاث والمقالات باللغتين العربية والانكليزية في الصحف البريطانية واللبنانية ، في مؤلّفاته ديوان تموز في المدينة ، ورواية باسم صراخ في ليل طويل.

٣- الإغريق : هم اليونانيون.







ولها أشعار في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ذكرناها في موضعها.


(٢)

آمنة بنت محمد باقر الوحيد

نحو ١١٦٠ - نحو ١٢٤٣ه = نحو ١٧٤٧ - نحو ١٨٢٧م

هي الشاعرة آمنة بنت محمد باقر (الوحيد البهبهاني)(١) بن محمد أكمل بن محمد صالح الحائرية ، ولدت في كربلاء في حدود عام ١١٦٠ه ، ونشأت على والدها العالم الفقيه ، والأصولي المتتبّع.

وبعد أن أخذت مبادئ العربية والإسلامية على فاضلات زمانها ، تلمذت على أبيها وعلى أخويها الشيخ محمد علي(٢) المتوفّى عام ١٢١٦ه ، والشيخ عبد الحسين(٣) المتوفّى عام ١٢٤٥ه ، وتخرّجت على أبيها عالمة فقيهة ، كما يصفها الأمين في الأعيان(٤) .

تزوّجت السيد علي الطباطبائي(٥) ، وأنجبت من الأبناء السيد محمد

____________________

١- الوحيد البهبهاني : من كبار فقهاء الشيعة (١١١٨ - ١٢٠٥ه) ، توفّي في كربلاء ، ودُفن في الرواق الشرقي من الحضرة الحسينية ممّا يلي قبور الشهداء.لَهُ الكثير من المصنّفات ، منها : رسالة في الإجماع ، الفوائد الجديدة ، رسالة في الاستصحاب.

٢- محمد علي : هو ابن محمد باقر بن محمد أكمل ، ولد في مدينة كربلاء المقدّسة سنة ١١٤٤ه ، قرأ على والده.له العديد من المؤلّفات والمصنّفات ، منها : مقامع الفضل ، ورسالة إثبات إمامة الأئمّة الاثني عشر.مات في كرمانشاه.

٣- عبد الحسين : هو ابن محمد باقر بن محمد أكمل ، ولد في مدينة بهبهان بإيران ، قرأ على أبيه الوحيد البهبهاني ، وبعد وفاة والده ألحّ عليه السيد محمد مهدي الشهرستاني ، والسيد علي صاحب (الرياض) بالصلاة في مقام والده في كربلاء ، فصلّى مدّة شهرين ، ثمّ ترك الإمامة تورّعاً.لَهُ حاشية على كتاب المعالم.

٤- مستدرك أعيان الشيعة ٥ / ٦٢.

٥- الطباطبائي : هو علي بن محمد علي بن أبي المعالي الصغير ، ولد في مدينة الكاظمية المقدّسة سنة ١١٦١ه ، وكان من أجلّاء علماء كربلاء المقدّسة ، مات سنة ١٢٣١ه ودُفن جنب الوحيد البهبهاني.لَهُ تصانيف كثيرة ، منها : رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل ، وقد اشتهر به.


المجاهد(١) ، والسيد محمد مهدي(٢) ، فكانت من عائلة كلّهم فقهاء ؛ الأب والأخ ، والزوج والأبناء ، بل كانوا من المراجع.

ويصفها الصالحي(٣) قائلاً : كانت متفقّهة بالدين ، خطيبة متكلّمة ، أديبة شاعرة ، ترتقي المنبر ، وتملك صوتاً جهورياً ، ومقدرة عالية على الخطابة.

قضت حياتها بالوعظ والإرشاد ، والعبادة والصلاح ، وتصدّرت في الحائر الشريف للتدريس ، وكانت النساء يفدن إلى مجلسها للتتلمذ عليها.

وكان زوجها السيد علي الطباطبائي يأمر النساء بالاقتداء بها ، والرجوع إليها في أحكام الدين.

ولها ديوان شعر صغير يحتوي على مجموعة من الشعر الجيّد في مدح ورثاء الأئمّة الأطهار (عليهم‌السلام ) ، وأكثرها في رثاء سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) وواقعة الطفّ الخالدة ، رأيته عند حفيدها السيد محمد علي الطباطبائي(٤) الذي كان يحفظ بعضاً منه ويقرؤه لنا(٥) .

وقد أصاب قبرها ما أصاب قبر نجلها السيد محمد المجاهد من هدم وتخريب.

____________________

١- محمد المجاهد : هو محمد بن علي بن محمد علي الطباطبائي ، المشهور بالمجاهد ؛ لقيادته جيشاً لمحاربة الروس الغزاة ، ودفعهم عن الحدود الإيرانية ، توفّي في قزوين عائداًً من جهاد الروس سنة ١٢٤٢ه.كان قبره مزاراً ، وكان يُتبرّك به ، لكنّه أُزيل بصورة مهينة سنة ١٤٠٠ه من قبل مدير بلدية كربلاء المدعو عباس بن أحمد العامري على عهد الرئيس أحمد حسن البكر المتوفّى عام ١٤٠٢ه ، ودُفنت عظامه في مقبرة المدينة.

٢- محمد مهدي : ويُقال له مهدي ، وهو ابن علي بن محمد علي الطباطبائي ، درس على والده الوحيد البهبهاني ، وكان محضر درسه يُشار إليه بالبنان ، ولد في كربلاء المقدّسة ، توفّي سنة ١٢٦٠ه.

٣- الصالحي : هو عبد الحسين بن حسن البرغاني القزويني ، ولد في مدينة كربلاء المقدّسة ، كاتب باحث صحفي ، لَهُ عدّة مؤلّفات ، منها : كربلاء في حاضرها وماضيها.

٤- الطباطبائي : هو محمد علي بن مهدي بن محمد علي بن محمد مهدي بن علي الطباطبائي (صاحب الرياض) ، كان من رجال ثورة العشرين ، راجع ترجمته في فصل النهضة العلمية من باب أضواء على مدينة الحسين من هذه الموسوعة ، ولد سنة ١٣٠٢ه وتوفّي سنة ١٣٨١ه.

٥- ترجمة خاصة أرسلها الصالحي ، هذا وقد ترجمها في دائرة المعارف تشيع ١ / ٢٣٥.


وقد حاولنا جهد الإمكان الحصول على ما أمكن من أشعارها ؛ حيث اتصلنا بالأستاذ الصالحي الذي يملك معلومات عنها، إلّا أنّ بُعده الجغرافي عن مكتبة جدّه البرغاني الموجودة في كربلاء المقدّسة حال دون الحصول على أشعارها ، وجرت محاولات للحصول عليها مباشرة لكنّنا لم نفلح نظراً لظروف العراق الحالية ، وفي حال حصولنا عليها سنستدركها في الأجزاء القادمة إن شاء الله.


(٣)

آمنة بنت محمد علي الحائرية

١٢٠٢ - ١٢٦٩ه = ١٧٨٧ - ١٨٥٢م

هي السيدة آمنة بنت محمد علي بن عبد الكريم(١) بن محم-د يحيى ب-ن محمد شفيع(٢) بن محمد رفيع القزوينية ، ولدت عام ١٢٠٢ه في قزوين(٣) ، ونشأت بها على أبيها الشيخ محمد علي الذي كان من العلماء ، وأخذت مبادئ العربية والإسلامية من أخيها الشيخ عبد الوهاب(٤) القزويني ، وتتلمذت على أبيها أيضاً.

ولمـّا تزوّجت من الشيخ محمد صالح البرغاني الحائري(٥)

____________________

١- الشيخ عبد الكريم القزويني : له من المؤلّفات كتاب نظم الغرر ونضد الدرر ، ترجم إلى الفارسية وفقد الأصل العربي.

٢- محمد شفيع : صاحب كتاب تتميم أبواب الجنان ، وهو متمم لكتاب أبواب الجنان من تأليف والده رفيع الدين محمد بن فتح الله الواعظ القزويني المتوفّى سنة ١٠٨٩ه.

قال الحرّ العاملي في أمل الآمل ٢ / ٢٧٦ عن محمد شفيع : عالم زاهد ، صالح واعظ بعد أبيه بجامع قزوين ، له تتمّة أبواب الجنان لأبيه ، من المعاصرين.

٣- قزوين : مدينة إيرانية مشهورة ، اتّخذها ملوك إيران عاصمة لهم ، استحدثها سابور ذو الأكتاف ، بينها وبين الرّي ٢٧ فرسخاً.

٤- عبد الوهاب : هو ابن محمد علي صاحب كتاب (حجية الإجماع) ، وكتاب هداية المسترشدين ، ألّفه سنة ١٢٤٢ه ، أجاز له المحقّق القمّي والسيّدين صاحبي (رياض المسائل) و(مفتاح الكرامة).

٥- الحائري : هو ابن محمد بن محمد بن محمد تقي ، ولد في برغان بإيران سنة ١٢٠٠ه.كان من علماء الإمامية وخطبائها.له مصنّفات كثيرة ، وثلاثة تفسيرات ؛ صغيرة ومتوسطة وكبيرة ، مات عند رأس الحسين (عليه‌السلام ) بكربلاء سنة ١٢٧١ه وعنده دُفن.


عام ١٢١٩ه حضرت عليه الفقه والأصول ، وقد أخذت الحكمة والفلسفة العالية من حوزة الشيخ الحكمي(١) في المدرسة الصالحية ، كما تتلمذت على الشيخ أحمد الإحسائي(٢) .

هاجرت إلى كربلاء المقدّسة واستوطنتها ، وتلمذت على أعلامها ، ولمـّا بلغت درجة الاجتهاد أمر زوجها النساء بالاقتداء بها ، والرجوع إليها في أحكام الدين ، وشكّلت حلقة كبيرة للتدريس كان يحضرها أعلام نساء كربلاء ، وأخذن منها الفقه والأصول ، وكذلك في قزوين.

لها شهادات علمية وإجازات مفصّلة من زوجها الشيخ محمد صالح البرغاني والشيخ أحمد الإحسائي ، كما أجازها أخوها الشيخ عبد الوهاب القزويني ، ولها مراسلات مع أبي الثناء محمود الآلوسي(٣) بشأن ابنتها قرّة العين(٤) .

كانت من بيت علم وصلاح حيث كان أبوها وأخوها وزوجها وجدّها الأُمّي السيد حسين القزويني(٥) من العلماء.

كما إنّ ابنتها فاطمة المعروفة بقرّة العين كانت أيضاً من العالمات إلّا أنّها انحرفت عن مسار أُمّها وأبيها وأجدادها.

____________________

١- الحكمي : هو آقا ابن جعفر بن محمد تقي القزويني (١١٨٤ - ١٢٨٥ه) ، ولد وتوفّي في قزوين ، درس في قزوين وكربلاء ، كان من علماء الإمامية وفلاسفتهم.

٢- الإحسائي : هو ابن زين الدين بن إبراهيم المطيرفي ، إليه تنسب فرقة الشيخية ، ولد سنة ١١٦٦ه ، له أكثر من مئة مصنّف ، منها (شرح الجامعة الكبيرة) مات سنة ١٢٤١ه.

٣- الآلوسي : هو محمود بن عبد الله الحسيني ، كان من علماء العامّة ببغداد ، ويُلقّب بأبي الثناء ، ولد سنة ١٢١٧ه ببغداد وفيها توفّي سنة ١٢٧٠ه ، له روح المعاني في التفسير ، وله مؤلّفات كثيرة وأشعار.

٤- قرّة العين : هي فاطمة بنت محمد صالح البرغاني ، وقيل : أنّ اسمها (تاج زرين) ، وقيل : (طاهرة) ، ولدت في قزوين سنة ١٢٣٣ه وانتقلت إلى كربلاء المقدّسة ، كانت فقيهة وعالمة ، انحرفت عن جادة الإمامية ودعت إلى الفرقة البابية ، قُتلت خنقاً سنة ١٢٦٨ه.

٥- القزويني : هو ابن الأمير إبراهيم بن معصوم القزويني ، صاحب كتاب معارج الأحكام في شرح ومسالك الأفهام وشرايع الإسلام ، وهو من مشايخ السيد محمد مهدي بحر العلوم ، توفّي سنة ١٢٠٨ه ، وهو جدّ سادات آل الحاج السيد جوادي في قزوين.


كانت السيدة آمنة بالإضافة إلى علمها وفضائلها ، أديبة شاعرة ، لها ديوان باسم ديوان آمنة الحائرية ، موجود في مكتبة البرغاني في كربلاء ، وكانت تنظم بالعربية والفارسية.

ومن آثارها أيضاً ملحمة طويلة تحتوي على ٤٨٠ بيتاً تطلقها عن لسان السيدة زينب الكبرى في بيان ما جرى على أخيها الحسين (عليه‌السلام ) وأهل بيته وأنصاره في واقعة كربلاء(١) .

نقول هنا ما قلناه في آمنة البهبهاني بخصوص عدم الحصول على أشعارها لذات الأسباب المتقدّمة.

____________________

١- راجع مستدرك أعيان الشيعة ٢ / ٧.


(٤)

إبراهيم بن أحمد السامرائي

١٣٤١ -...ه = ١٩٢٣ -...م

هو الشاعر إبراهيم بن أحمد بن راشد بن حبيب بن مرتضى بن عبد العزيز بن خضر بن عباس(١) .

ولد عام ١٣٤١ه(٢) في العمارة(٣) ونشأ بها ، كما تلقّى دراسته الابتدائية والإعدادية بها ، ثمّ أكمل دراسته الثانوية والجامعية ببغداد(٤) ، ثمّ واصل دراساته العليا في باريس ، وتخرّج من جامعة سوربون حاملاً الشهادة العليا (دكتوراه) منها في اللغات السامية ، وفقه اللغة العربية.

ثمّ عاد إلى بغداد وعمل مدرّساً في كلّية الآداب بجامعة بغداد ، وتدرّج حتى وصل إلى درجة الأُستاذية حتى عام ١٤٠٠ه(٥) ، وبعدها هاجر إلى الأردن فعمل بالجامعة الأردنية ، ثمّ انتقل إلى اليمن وعمل بجامعة صنعاء.

وأخيراً عاد إلى الأردن وسكنها ، وهو الآن عضو في المجمع اللغوي بالقاهرة وعمان ، وفي المجمع الهندي وفي الجمعية اللغوية الفرنسية.

نظم الشعر منذ شبابه حتى كوّن ديواناً سمّاه ألحاني.له اهتمامات أدبية ولغوية ، وأبحاث متفرّقة وتحقيقات وترجمات تجاوزت الثمانين.

____________________

١- تاريخ شعراء سامراء / ٤٦.

٢- جاء في شعراء بغداد ١ / ١٣ أنّ ولادته كانت في عام ١٣٣٩ه (١٩٢٠م).

٣- العمارة : مدينة في جنوب العراق ، وهي مركز محافظة ميسان ، تشتهر بزراعة الأرز ومحصول التمور.

٤- في شعراء بغداد : أنّه التحق بدار المعلّمين ، ثمّ عيّن مدرّساً على الملاك الثانوي.

٥- الموافق لعام ١٩٨٠م ، وفي شعراء بغداد أنّه ذهب خلال هذه الفترة إلى تونس للتدريس ، فقضى عاماً ثمّ رجع إلى بغداد.


ومن مؤلّفاته : لغة الشعر بين جيلين ، فقه اللغة المقارن ، التطوّر اللغوي ، اللغة والحضارة ، معجم أبي العلاء المعري(١) وغيرها.

كما حقّق كتاب نزهة الألباء في طبقات الأدباء للأنباري(٢) ، أصول اللغة العامية البغدادية(٣) .

ومن شعره القصيدة العينية - من الخفيف - التي عنونها بإرفاق الشتات ، يقول في أوّلها :

لم تُفِدْ فضلَ حاجة طمعا

لا ولا عفْتَ ساحةً جزعا

أترى عنك نفحةٌ نفرت

غابَ في إثرها شذى سطعا

مَنْ تكن أنتَ إن دجى عُمُر

أتراه من قبل قد لمعا

ليس هذا ما شمت غادية

مِلتَ عنها وبرقها خدعا

ومضت جدّة عثتْ فخبت

ضقتَ فيها ولم تكن سَبُعا

ومنحتَ الهوى بها بدعا

ولزمتَ الأسى لها شرعا

أرفيقٌ وقد رضيتُ به

أتصبّى له وما سمعا

وصديقٌ وأين معدته

لاح في سوءِ عصرِنا بِدعا

يَتأبّى عنّي ولا عجب

إن رآني مستوحشاً فَزِعا

قَد صرفنا عن كلّ واعدة

ولكم نَبْتلي بما اتّسعا

وحملنا على مكابدة

فلقينا في حزمنا الهلعا(٤)

رُبَّ ساعٍ إلى منازلة

خابَ فيما بدا له وسعى

ثمّ أمسى يشقى بغربته

ليس فيها ما خيلَ أو طلعا(٥)

         

____________________

١- المعري : هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان ، ولد في معرة النعمان عام ٣٦٣ه ، وتوفّي عام ٤٤٩ه ، شاعر فيلسوف ، فقد بصره وهو في الرابعة من عمره ، له عدّة مصنّفات ، منها (اللزوميات) و(رسالة الغفران).

٢- الأنباري : هو عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله النحوي (٥١٣ - ٥٧٧ه) ، سكن بغداد وتوفّي بها ، كان فقيهاً نحويّاً ، وواعظاً كاتباً ، مصنّفاته فاقت المئة والثلاثين.

٣- أعلام العراق الحديث ١ / ٢٩.

٤- الهلع : الحرص.

٥- معجم البابطين ١ / ٨٨.




وقال يشكو تبعثر الإخوان في البلدان - من مجزوء الكامل - :

إنْ كنتَ في بلدٍ شفيق

ورويتَ من وادي العقيقِ

فلأنتَ أضيعُ مَنْ تكون

وأنتَ في البلدِ الشقيقِ(١)

____________________

١- من رسالة الشاعر إلى المؤلّف.


ومن الجدير ذكره : أنّه جرت مراسلات عديدة مع الشاعر ، ولكنّنا لم نحضَ بشعره ؛ حيث اعتذر بالغربة والمرض والانشغال حسب آخر رسالة وصلتنا من طرفه ، وذلك في أوائل عام ١٤١٨ه.

وعلى كلٍّ ، فالسامرائي كما ورد وصفه في شعراء بغداد : من الشخصيات العلمية الرقيقة الهادئة ، تعشق العلم فنال نصيباً وافراً منه ، وولع بالبحث فوفّق في كلّ ما عمله من تحقيق(١) ، نشر بعض قصائده في الصحف العربية ، منها : مجلة العلم الجديد.

وأخيراً اطّلعت على قصيدة له بعنوان مع الثمانين ، أرسلها إلى صديقه عبد الغني الخليلي ، وقدّمها بهذه الكلمات : لقد بلغت الثمانين من العمر ، فهل لي أن أقول : دخلت في أرذل العمر ، فلو كان لي أن أقول ، لقلت لا بلغتها.

____________________

١- شعراء بغداد ١ / ١٣.




وجاء تاريخها كما في مجلة الموسم : ٢٩ / ٩ / ١٩٩٦م (٢١ / ٥ / ١٤١٧ه)(١) ، ويبدو أنّه يعاني الغربة كثيراً ، رغم أنّه على جوار من وطنه العراق ، ويعيش في بلد يشترك مع وطنه بالعقيدة واللغة ، ولكنّ الغربة غربة حتى إذا ابتعد المرء عن ربع أهله ، وهي أعزته.

فكيف به إذا بلغ الثمانين وهو يعيش على بوابة وطنه ، بأمّل أن يعود إلى تلك الربوع بأسرع ما يمكن ؟

إنّه يُسلّي نفسه بكلمة قالها الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في أمثاله : (( طوبى للغرباء )).

حيث ورد

____________________

١- مجلة الموسم الهولندية ٣٢ / ٢٨٩.


في رسالته إلى صديقه عبد الغني الخليلي : تحيّة طيبة.وبعد ، فكيف أقول وأنا أتسلّم سلاماً غريباً ، أقول ما قاله الرسول الكريم : (( طوبى للغرباء )).

أخي : أهديك قصيدة لي ، وقد بلغت الثمانين ، وأنا أطوي رحلة العمر....

وفي الختام نهديه هذا البيت - من البسيط - :

ليس الغريبُ غريبُ الأهلِ والوطن

بل الغريبُ غريبُ العلمِ والأدبِ


(٥)

إبراهيم بن حسن التوبلي

القرن ١٣ - القرن ١٤ه = القرن ١٩ - القرن ٢٠م

هو الشيخ إبراهيم بن حسن بن علي التوبلي البحراني ، ولد في توبلي(١) في القرن الثالث عشر ، وتوفّي في القرن الرابع عشر الهجري حسب ما يُستفاد من سيرة معاصريه.

وصفه التاجر(٢) : بالعالم الفقيه ، والفاضل النبيه ، والأديب البارع ، والكامل الكريم المؤتمن.

وقال : رأيت له منظومة نواحة طويلة في رثاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وغير ذلك من القصائد في رثاء أهل البيت (عليهم‌السلام ).

ومن المؤسف أنّ الذين ترجموه اقتصروا على جوانب بسيطة من شخصيته ، ولم تنجح محاولاتنا الحثيثة في البحرين وغيرها في العثور على نتاجاته ، ولا زلنا نأمل في الحصول على أشعاره وسيرته.

____________________

١- تُوبلي : بالضم ، قرية شمال مدينة عيسى على بعد نحو سبع كيلومترات من جنوب المنامة عاصمة البحرين.

٢- التاجر : هو محمد علي بن سلمان بن أحمد بن عباس التاجر ، أسس مكتبة تجارية باسم المكتبة العباسية في البحرين عام ١٣٣٩ه.

وكان عضواً إدارياً في المدرسة الجعفرية عندما تأسست عام ١٣٦٥ه ، وكان من مؤسسي دائرة الأوقاف الجعفرية ، ودائرة أموال القاصرين ، ومن المساهمين في بناء مدرسة الهداية الخليفية ، وكان من العلماء الأدباء ، له كتاب عقد اللآل في تاريخ أوال.

ولا يخفى أنّ سلمان بن أحمد - كما سيأتي في ترجمة إبراهيم بن محمد آل نشرة - ولد عام ١٣٠٧ وتوفّي عام ١٣٤٢ه.

٣- موسوعة شعراء البحرين ١ / ٣ عن منتظم الدرّين في أعيان الإحساء والقطيف والبحرين ١ / ٤ ، له ترجمة في أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين ٣ / ٤٦١.


(٦)

إبراهيم بن حسن قفطان(١)

١١٩٩ - ١٢٧٩ه = ١٧٨٥ - ١٨٦٢م

هو الشاعر الشيخ إبراهيم بن حسن بن علي بن عبد الحسين بن نجم السعدي الرباحي ، ولد في الحسكة(٢) عام ١١٩٩(٣) ه ، ونشأ بها في ظلّ والده.

وأخذ مبادئ العربية والإسلامية من فضلائها ، وتتلمذ على الشيخ علي

____________________

١- القفطان : قيل أنّها كلمة أعجمية تعني الجبّة البيضاء ، ولكن لم يثبت أعجمتها.

نعم ، جاء في المنجد ( الخفتان ) بالفتح نوع من الثياب وهي فارسية ، ولعلّها تحرّفت.

ويقول دهخدا : إنّ كلمة قفطان لم تستخدم في العربية قبل القرن ١٦ الميلادي (بدأ القرن الميلادي هذا عام ٩٠٦ه) إلّا أنّ ابن بطوطة المتوفّى عام ٧٧٩ه قال في رحلته / ٩٣ : وكنت أرى - أبو عبد الله الخليل - لابساً بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوّة بالقفطان.

ولا يخفى أنّ القمّي ذكرها في الكُنى والألقاب مضمومة القاف ، فإذا كان أصلها خفتان حرّفت حركاتها وحروفها.

ووجه النسبة أنّ جدّهم الأعلى كان يلبس هذا ألنوع من الجبّة ؛ فقيل له أبو قفطان ، ولُقّب أولادهم بها كما يذكر الأمين في الأعيان ٢ / ١٢٥ نقلاً عن بعض أحفاده.

وأمّا في لسان العرب ١١ / ٢٥٧ فيقول : إنّ القفط هو شدّة لحاق الرجل بالمرأة ، أي شدّة احتفازه ، والنسبة إليه قفطي بالفتح ، وهو الكثير الجماع ، ولم يذكر لها تثنية بالمعنى الذي ذكروه ، وربما كان القفط بمعنى المكافأة ، والله العالم.

٢- الحسكة : بكسر الحاء ، وسكون السين ، وهي منطقة واسعة في وسط الفرات الأوسط بالعراق ، تبتدئ من غرب الديوانية وتمتدّ إلى السماوة شرقاً وإلى عفك شمالاً ، وتُقلب إلى الحسچة ، ولنا في ذلك كلام أوردناه في مقدّمة الشعر الدارج فليراجع.

٣- ماضي النجف وحاضرها ٣ / ٩٦ ، وهناك مَنْ ذكر أنّه ولد في النجف وليس بصحيح.


ابن جعفر كاشف الغطاء(١) ، وأخيه الشيخ حسن(٢) ، وعلى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر(٣) ، كما حضر على الشيخ مرتضى الأنصاري(٤) .

وتخرّج على علماء النجف شاعراً أديباً ، وكاتباً قديراً ، وعالماً فاضلاً.

له من المؤلّفات : كتاب الرهن في الفقه ، وكتاب أقل الواجبات في حجّ التمتّع ، وكتاب حلّيّة المتعة ، وكتاب قاطعة النزاع في أحكام الرضاع(٥) ، وديوان شعر جمعه بخطّه(٦) .

قال عنه كاشف الغطاء(٧) : كان أديباً حسن الخطّ ، له إلمام بالعلوم الدينية ، وله مراجعات ومطارحات مع شعراء عصره كعبد الباقي العمري(٨)

____________________

١- كاشف الغطاء : هو علي بن جعفر بن خضر المالكي ، المتوفّى عند مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) عام ١٢٥٣ه ، والمدفون في النجف.فقيه أصولي ، وقد درس عنده الشيخ مرتضى الأنصاري.له مؤلّفات منها الخيارات.

٢- الشيخ حسن : هو ابن جعفر بن خضر آل كاشف الغطاء المالكي (١٢٠١ - ١٢٦٢ه) ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، وقد تتلمذ عليه الشيخ مرتضى الأنصاري ، وله مؤلّفات عديدة ، منها : أنوار الفقاهة.

٣- صاحب الجواهر : هو الشيخ محمد حسن بن باقر بن عبد الرحيم النجفي ، المتوفّى في النجف عام ١٢٦٦ه ، مؤلّف كتاب جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام الذي اشتهر به ، وعُرف نسله بالجواهري نسبة إلى كتاب الجواهر هذا ، وكان من فقهاء الإمامية وأعلامها.

٤- الأنصاري : هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين (١٢١٤ - ١٢٨١ه) ، ولد في مدينة دزفول الإيرانية ، ودرس في كربلاء والنجف ، وتوفّي في النجف.كان من أعلام الإمامية ، اشتهر بكتابيه الرسائل في الأصول ، والمكاسب في الفقه.

٥- إكرام البررة ١ / ٦٢.

٦- شعراء الغري ١ / ٢٨ عن عبقات الأنوار للكهنوي في ترجمة الشيخ علي بن جعفر كاشف الغطاء.

٧- كاشف الغطاء : هو علي بن محمد رضا بن موسى (١٢٦٨ - ١٣٥٠ه) ، ولد في النجف وتوفّي بها ، من علماء الإمامية وأجلائهم.له مؤلّفات قيّمة ، منها : النوافح العنبرية ، نهج الصواب.

٨- العمري : هو عبد الباقي بن سليمان بن أحمد ، شاعر ولد في الموصل بالعراق سنة ١٢٠٤ه ، وتوفّي عام ١٢٧٩ه.له ديوان شعر سمّاه الباقيات الصالحات ، وقد قرظه القفطان بقصيدة - من الكامل - مطلعها :

ل-لهِ درّ ن-ظامُ عبد الباقي = هو سلك درّه حلية الأعناق


وغيره ، ومدائح ومراث لعلماء عصره(١) .

وقال عنه النقدي(٢) : شعره من الطبقة الوسطى(٣) .

وأمّا الأمين فقد قال : له شعر كثير في التهاني ومدائح ومراثي علماء النجف وأدبائها ، وله أيضاً في مراثي الأئمّة (عليهم‌السلام ) ومدائحهم كثيرة ، في اللغتين الفصحى والعامية ، وقد برع من أقسام الشعر العامي بالمواليا ، ومدح به الشيخ جعفر كاشف الغطاء كثيراً(٤) .

ولمـّا بلغ من العمر ثمانين عاماً توفّاه الله في النجف عام ١٢٧٩ه كما في التكملة(٥) .

وقال الجعفري(٦) : أنّه توفّي عام ١٢٧١ه(٧) ، والأوّل هو المشهور.

وقد ذكر ابن الأمين(٨) تعليقاً على كلام والده بأنّه ولد عام ١١٩٩ه وتوفّي عام ١٢٧٩ه : إنّه ذكر في المستدركات أنّ هذا التاريخ لأبيه ، وأنّ المترجم مجهول تاريخ الولادة والوفاة(٩) .

ولكن مَنْ ترجمه من أبناء النجف أثبتوا ما أثبتناه.

ومن شعره : هذه الموشّحة - من الرجز - التي نظمها على غرار موشّحة القزويني البغدادي(١٠) .

____________________

١- الحصون المنيعة ٩ / ١٧٧.

٢- النقدي : هو جعفر بن محمد (١٣٠٣ - ١٣٦٩ه) ، ولد بالعمارة وتوفّي بالكاظمية.من قضاة الإمامية وشعرائها.سكن كربلاء والنجف والحلّة.له مؤلّفات ، منها : منن الرحمان ، الدروس الأخلاقية ، الحجاب والسفور.

٣- الروض النضير / ٣٦٣.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١٢٦.

٥- تكملة أمل الآمل ، وعنه ماضي النجف وحاضرها ١ / ٩٨.

٦- الجعفري : هو حسن بن جعفر كاشف الغطاء (١٢٠١ - ١٠٦٢ه) من علماء الإمامية وفضلائها الأصوليين.له كتاب أنوار الفقاهة ، الإمامة ، الزكاة.

٧- نبذة الغري ، وعنه ماضي النجف وحاضرها ١ / ٩٨.

٨- ابن الأمين : هو حسن بن محسن بن عبد الكريم العاملي ، ولد عام ١٣٢٦ه.كاتب لبناني معاصر ، وباحث قدير.له دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ، الغزو المغولي ، الموسوعة الإسلامية.

٩- هامش أعيان الشيعة ٢٠ / ١٢٥.

١٠- البغدادي : هو السيد صالح بن مهدي بن رضا القزويني ، ولد في النجف سنة

=


ولتهن يا صالح يا ذا السؤدد

وسيداً قد فاقَ كلَّ سيّد

وحصنَ عزّ للعلى مشيد

ونجم علمٍ بهداهُ نهتدي

نالَ بجديهِ فريدَ الشرف

فالنظمُ في عدّ علاه لا يفي

أعظم بهِ من سؤددٍ ومفخر

أولى الوفود من جميلٍ رفده

وأصلُ كلّ مفخرٍ من عندهِ

حازَ العلى بجّدهِ و جَدّه

منْ أمرَ الباري الورى بودّهِ

كم نسجتْ كفّاهُ أسنى مطرف(١)

لعالمٍ وناظمٍ ومعتفي(٢)

فكم حشى آذاننا من ذرر(٣)

وسكن لفترة الحلّة فراسل الشيخ محمد بن جعفر كاشف الغطاء(٤) عام ١٢٤٤ه بالأبيات التالية - من الوافر - :

ربوع الجامعينَ استوقفيني

سقاكِ مضاعفُ الغيثِ الهتون(٥)

أُجدّد للهوى عهداً وأقضي

على رغمِ العذولِ(٦) بها شؤوني

يحرّكني الهوى شوقاً إليها

فيُمسي في معاهدها سكوني

ألا مَنْ مبلغِ منّي سلاما

إلى حيّ بجانبها قطينِ

أَنِسْتُ بأهلها و أقمتُ فيهم

زماناً أتّقيه ويتّقيني

وأطعمني الهوى شهداً(٧) وغنّت

بهِ ورقُ السرورِ على الغصونِ

____________________

= ١٢٠٨ه ، كان من فقهاء الإمامية وشعرائها ، تتلمذ على يد الشيخ محمد حسن صاحب جواهر الكلام ، توفّي في بغداد سنة ١٣٠٦ه ، ودُفن في النجف.

١- المطرف : بفتح الميم وكسرها ، والجمع مطارف : رداء من خزّ ذو أعلام.

٢- المعتفي : مَنْ يُنفق الفضلة من ماله.

٣- شعراء الغري ١ / ٣٠ عن مجموعة الشيخ إبراهيم بن صادق العاملي.

٤- كاشف الغطاء : هو الشيخ محمد بن جعفر بن خضر (١١٩٥ - ١٢٤٧ه) ، تأتي مرتبته في العلم والفضيلة بعد أخويه الشيخ موسى والشيخ علي ، وقد سكن الحلّة إلى أن توفّي بها بالطاعون ، فحُمل جثمانه إلى مسقط رأسه النجف.

٥- الهتون : تتابع المطر وانصبابه ، وقيل : هو المطر فوق الهطل.

٦- العذول : الكثير العذل ، الملامة.

٧- الشهد : بضم الشين وفتحها ، ومنه الجمع شهاد : العسل ما دام لم يُعصر من شمعه.


أهيمُ إذا سمعتُ حنينَ ليلي

إليّ فأبلغوا ليلي حنيني(١)

وكان الشاعر رغم أدبه وفقهه يمتهن الكتابة والخطّ للارتزاق كأخيه الشيخ أحمد(٢) ، وتوجد آثاره في خزائن الكتب والنجف.

وعلى ذكر أخيه فإنّه نقل عن الشاعر بأنّه نزل أبو الدبيغ(٣) لزيارة نسيبه السيد عسكر فوجدها خلية من الأنيس وغير مسكونة ، فكتب إلى صديقيه الأخوين السيد محمد(٤) وحسين(٥) الزوين بهذه الأبيات من - الوافر - :

شكوتُ لسيدي مقامَ أرضٍ

تجنّبَ أهلُها العيشَ الرغيد

نزلتُ أبا ادبيغ فانْدبغنا

به مذ كظّنا(٦) البردُ الشديد

ترى سبخاءَ أو بيضاءَ ملحاً

وأوجهنا من الدخانِ سود(٧)

____________________

١- ماضي النجف وحاضرها ٣ / ٩٨.

٢- أحمد : هو ابن حسن بن علي بن نجم السعدي الرباحي النسب ، المعروف بقفطان ، ولد في مدينة النجف سنة ١٢١٧ه ، وتوفّي فيها سنة ١٢٩٣ه ، وهو من أدبائها ومشاهيرها.

٣- أبو الدبيغ : من ضواحي الجعارة في الفرات الأوسط من العراق.

٤- محمد : هو ابن حسن بن حبيب الزوين ، كان والده السيد حسن من فضلاء النجف ، وله ثلاثة أبناء محمد هذا والسيدين حسين وشريف.

٥- حسين : هو ابن حسن بن حبيب الزوين المتوفّى بعد عام ١٢٥١ه ، كان من فضلاء الأسرة ، وخلف من الأبناء السيد جعفر الزوين المتوفّى عام ١٣٠٧ه.

٦- كظّ : لازم.

٧- أعيان الشيعة ٢ / ١٢٥ ، عن مجلة الحضارة ، عن مجموعة الفاضل الشبيبي.


وكان الشيخ مهدي كاشف الغطاء(١) يهديه كلّ سنة عباءتين ؛ عباءة شتائية في الشتاء تقيه البرد ، وعباءة خاچية(٢) في الصيف ، فتأخّرت الهدية الثانية فخاطبه بالأبيات الثلاثة - من الرمل - :

دخلت باحورة(٣) الصيفِ التي

كنت قد أجّلت (بشتي)(٤) عنده

____________________

١- كاشف الغطاء : هو ابن علي بن جعفر ، ولد سنة ١٢٢٦ه ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، له مؤلّفات عديدة منها : كتاب في الخيارات.توفّي سنة ١٢٨٩ه ودُفن في مقبرة العائلة في النجف.

٢- خاچية : كلمة دارجة في جنوب ووسط العراق ، تُطلق على العباءة الرقيقة المصنوعة من الصوف ، وتعتبر من أحسن العباءات وأثمنها ، تُرتدى في الصيف ، وهي محرّفة أصلها خواجية نسبة إلى خواجه ، وهي كلمة فارسية بمعنى الشيخ المحترم ، والرجل العظيم.

٣- الباحور : شدّة الحرّ.

٤- بشت : كلمة دخيلة ودارجة في جنوب ووسط العراق ، تُطلق على العباءة الشتوية السميكة المصنوعة من الصوف.


فإذا جاءَ الشتاءُ تبدله

بعباء كي تقيني برده

وهلمّ الأمر جرّا كلّما

جاءُ وقتٌ قلتُ فيما بعده(١)

وله قصائد يمدح فيها أهل البيت (عليهم‌السلام ) ويرثيهم ، منها ما هو في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، فقد نقلناها في ديوان القرن الثالث عشر.

ومن تلك قصيدة يمدح فيها الإمامين العسكريين(٢) حين توجّه إلى زيارتهما في سامراء ، يقول فيها - من الكامل - :

يا راكباً تطوي المهامةَ عيسه(٣)

وتجوب كلّ تنوفة(٤) ومكانِ

يقتادها الشوقُ الملحّ على السّرى

بأزمةٍ فضلاً عن الأرسانِ(٥)

فكأنّهُ كالبدرِ بينَ نجومه

في فتيةٍ من أكرمِ الفتيانِ

ومسافر نحو الزيارةِ قاصدا

هلّا مننتَ على المسيء الجاني

ورحمتَ حالَ متيّمٍ قعدت به

إذ قمتم يدَ دهرهِ الخوّانِ

ببلوغِ مألكةٍ(٦) إلى ساداته

خيرِ البريةِ إنسها والجانِ

لعلي الهادي المكرّم وابنه(٧)

و القائمِ(٨) الخلفِ العظيمِ الشانِ

____________________

١- شعراء الغري ١ / ٤٢.

٢- العسكريان : هما علي بن محمد الهادي وابنه الحسن بن علي العسكري ، وهما الإمامان العاشر والحادي عشر من أئمّة الشيعة الإمامية.ولد الهادي عام ٢١٢ه واستشهد سنة ٢٥٤ه ، وولد العسكري سنة ٢٣٢ه واستشهد سنة ٢٦٠ه.

٣- العيس : الواحد أعيس ، والواحدة عيساء : الإبل البيض ، يُخالط بياضها سواد خفيف ، وهي من كرام الإبل.

٤- التنوفة : البرّية لا ماءُ فيها ولا أنيس.

٥- الأرسان : واحدها : الرسن ، حبل يوضع على رأس الدابة.

٦- المألكة : الرسالة.

٧- ابنه : إشارة إلى الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه‌السلام ).

٨- القائم : إشارة إلى حفيده الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر (عليه‌السلام ) ، وهو الإمام الثاني عشر من أئمّة الشيعة الإمامية ، وهو حيّ ينتظر خروجه ؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما تُملأ ظلماً وجوراً ، ولد سنة ٢٥٥ه.


خزّان(١) علمِ اللهِ أبوابِ الهدى

ركنِ الولاءِ معالمِ الإيمانِ(٢)

وله في التقى والصلاح - من الطويل - :

تمسّكتُ بالتقوى لدى كلّ مطلب

ومَنْ يتّقِ اللهَ استتمتْ مطالبه

وكم هدّدتني بالليالي جحافل

من العسرِ تعدو بالشتاتِ سباسبه(٣)

وحكت على عزمي كلاكلُ(٤) روعها(٥)

وقد كادَ أن ينقضّ منهُ جوانبه

فعارضها ثبتُ الجنانِ بصارم

من العزمِ ماضٍ لا تفلّ مضاربه

أقولُ لها والحربُ قامت قناته(٦)

وبالصبرِ يستدني السلامةَ صاحبه

حذاركِ من بأسِ امرئٍ لا تروعه

على الدهرِ من قبلِ العظامِ نوائبه(٧)

تعوّدَ مسّ الضرّ في الدهرِ مذ نشأ(٨)

فما الرعبُ لو دارت عليهِ مصائبه

إليكِ عن القرمِ(٩) الهجانِ(١٠) الذي له

يدُ البطشِ تدميراً على مَنْ يُغالبه(١١)

وله من أبيات - من الطويل - نقلها الأمين :

____________________

١- خزّان : قال الإمام محمد بن علي الباقر (عليه‌السلام ) في وصف أهل البيت (عليهم‌السلام ) : (( هم ولاة أمر الله ، وخزّان وحي الله ، وورثة كتاب الله ، وهم المصطفون بسرّ الله ، والأمناء على وحي الله ، هؤلاء أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة...))( بحار الأنوار ٢٦ / ٢٥١ ).

٢- ماضي النجف وحاضرها ٣ / ٩٩.

٣- السباسب : مفردها سبسب ، وهي المفازة ، الأرض البعيدة المستوية.

٤- الكلاكل : واحدها كلكل : الصدر ، أو ما بين الترقوتين ، والكلاكل : الجماعات.

٥- الروع : الفزع.

٦- القناة : العصا ، الرمح ، القامة.

٧- النوائب : واحدها النائبة وهي المصيبة.

٨- نشا : شبَّ.

٩- القرم : الفحل إذ تُرِك عن الركوب والعمل ، ويُطلق على السيد تشبيهاً بالقرم من الإبل لعظم شأنه وكرمه ، والقرم : العظيم.

١٠- الهجان : من كلّ شيء خيارُهُ وخالصه ، ومن الإبل : البيض الكرام ، ورجل هجان : كريم حسيب.

١١- شعراء الغري ١ / ٣٤.


له في الهدى دينٌ ولي غيرَ دينه

فريقانِ إنّي منجد(١) وهو متّهم(٢)

وله قصيدة في تعاسة حاله كشاعر وأديب ، قد أرسلها إلى الشيخ عبد الحسين الجواهري(٣) يقول في أوّلها - من المديد - :

سلفا(٤) كلّفتني شغفا(٥)

شغفاً كلّفتني سلفا

فتحرّيتُ هواكَ ولو

إنّه يعقبني التلفا

ليتَ طرفاً شحّ عن أرب

لكَ فيهِ لم يكن طرفا

يا أبا الفزعِ الشريفِ ومَنْ

سادَ في أقرانهِ الشرفا

لمْ لا تستعطفنَ أباً

كلّما استعطفتهُ عطفا

إنّما أنتَ الصريف(٦) فلا

تكُ في بابِ الرجا خزفا

أهلُ بيتي يبتغونَ لهم

كلّ يومِ من يدي علفا

كم أعاني في معاشهم

باختلاسِ القرض والحرفا

يحسبونَ الخبزَ مؤتدما

بحشيشِ الهندبا(٧) سرفا

غيرَ أنّ الهمّ انحلني

في عيالٍ عكّفٍ ضعفا(٨)

____________________

١- المنجَّد : الذي أتى نجد ، أو نزل فيها ، والمتّهم : الذي أتى تهامة أو نزل فيها.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ١٢٧.

٣- الجواهري : هو ابن محمد حسن بن باقر ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، تتلمذ على يد الشيخ مرتضى الأنصاري ، توفّي سنة ١٢٧٣ه ودُفن في مقبرة العائلة في النجف.

٤- السلف : سلف سلوفاً : مضى وتقدّم وسبق ، والسلف : كلّ عمل صالح قدّمته.

٥- الشغف : الولع الشديد.

٦- الصريف : الفضة الخالصة ، والصرف : الخالص من كلّ شيء.

٧- الهندباء : بفتح الدال وكسرها ، بقل زراعي من المركّبات اللُّسَينية ينبت برّياً في أوروبا وآسيا الغربية ، ورقه أزرق ، مرّ الطعم قليلاً ، يدخل في التوابل ويُطبخ أيضاً ، والهندباء البرّية : نبتة عشبية معمّرة من المركّبات ، وأوراقها مسننة تشبه قواضم الأسد.

٨- شعراء الغري ١ / ٥١.


ومن شعره الحرّ الذي كان يسمّى بنداً(١) ، وفيه يرثي الشيخ موسى بن جعفر كاشف الغطاء(٢) :

أخرس الناعي لساني

وشجاني...

فلعمري لست أدري

____________________

١- راجع باب مقدّمة الشعر من الموسوعة في فصل الشعر الحرّ والبند.

٢- كاشف الغطاء : وجّده خضير ، والشيخ موسى كان من فقهاء الإمامية وأعلامها ، أوقع الصلح بين الدولة العثمانية والدولة الإيرانية سنة ١٢٣٧ه ، توفّي سنة ١٢٤١ه.


ما مقالي...

قد أراعتني بتخفيق لواها

وعلتني بصقيلات ظماها

فهي لا تصغي

إلى طور عتابي...

وطوتني بالأسى...

طي جوابي

يا لحاها(١) الله كم تجرح قلبي

بمواض(٢) مزّقت أحناء لبّي...

ورمتني كمداً

فتّ بأعضائي

وأروى قبس الوجد بأحشائي

فسحب العين تهمي(٣)

فوق خدي

كلّما أبرق وجدي

من معيني في حنيني

وسؤالي من ضلالي(٤)

وهي طويلة اكتفينا بهذا المقطع منها ، وأمّا بالنسبة إلى شعره الدارج فلم نعثر عليه ، رغم أنّ الخاقاني ذكر بأنّ له قصائد في اللهجتين ، وقد برع في

____________________

١- لحى الشجرة : قشرها ، ولحى فلاناً : لامه وسبَّهُ وعابَهُ ، يُقال (لحا الله فلاناً) : أي قبَّحهُ ولعنَهُ.

٢- مواض : واحدها ماضي وهو السيف ، وكذلك الزمان المنصرم.

٣- تهمي : تمطر.

٤- شعراء الغري ١ / ٣٠.


شعر المواليا ، وقد مدح بهما الشيخ جعفر كاشف الغطاء(١) .

وقال عنه حرّز الدين(٢) : عالم أصولي ماهر ، وأديب كامل شاعر ، له شعر مدوّن في المجاميع المخطوطة ، جيّد يعدّ نظمه من الطبقة الوسطى حسب ما أراه.

وقيل : هو أمتن من أبيه علماً وأدباً ، ووجدنا له نوادر ظريفة ، وشعراً كثيراً ، وقد رثى الحسين (عليه‌السلام ) بعدّة قصائد(٣) .

____________________

١- كاشف الغطاء : هو ابن خضر بن يحيى ، وهو أبو الأسرة الجعفرية ، ولد سنة ١١٥٦ه ، من فقهاء الإمامية المبرزين ، اشتهر بكتابه كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء ، توفّي سنة ١٢٢٨ه.

٢- حرز الدين : هو محمد بن علي بن عبد الله (١٢٧٣ - ١٣٦٥ه) ، ولد وتوفّي في النجف ، من العلماء المؤلّفين ، اشتهر بكتابين معارف الرجال ومراقد المعارف.

٣- معارف الرجال ١ / ٢١.


(٧)

إبراهيم بن حسن النقشبندي

القرن ٩ - ٥١٩ه = القرن ١٥ - ١٥٠٩م

هو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن حسن النبيسي(١) الشبستري(٢) النقشبندي(٣) .

ولد في شبستر إيران في القرن التاسع(٤) ، ونشأ بها وأخذ مبادئ العربية والإسلامية ، ثمّ هاجر إلى نبيس من بلاد الشام.

قال عنه الحنبلي(٥) : توفّي في عام ٩١٥ه(٦) الشيخ العلّامة النبيسي الشبشري ، ونبيس قرية في حلب والشبشر من بلاد العجم قاله النجم(٧) .

وقال : كان من فضلاء عصره ، وله مصنّفات في الصرف ، وقصيدة تائية في النحو لا نظير لها في السلاسة ، وله تفسير من أوّل

____________________

١- نبيس : قرية من قرى حلب وجاء في أعيان الشيعة ٢ / ١٢٧ ( البنيسي ) نقلاً عن الشذرات فهو تصحيف.

٢- شبستر : قرية من قرى تبريز الإيرانية.

٣- النقشبندي : نسبة إلى الطريقة الصوفية المعروفة التي أسسها بهاء الدين محمد بن أحمد الفاروقي المتوفّى عام ٧٩١ه ، ويبدو أنّ شاعرنا كان على النقشبندية.

٤- ولعلّ ولادته كانت في حدود منتصف القرن.

٥- الحنبلي : هو عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد (١٠٣٢ - ١٠٨٩ه) ، ولد بدمشق وتوفّي في مكة في سفرة الحجّ ، من أعلام الحنابلة بدمشق ، من مصنّفاته : متن المنتهى ، التاريخ على السنين ، وشذرات الذهب.

٦- وقيل أنّه مات سنة ٩١٧ه ، وعلى رأي ٩١٩ه ، وعلى رأي رابع ٩٢٠ه (ريحانة الأدب ٣ / ١١١).

٧- النجم : أراد به الغزي ، وسيأتي ترجمته.


القرآن إلى سورة يوسف ، ومصنّفات في التصوّف ، وقُتل في أرزنجان ، قتله جماعة من الخوارج(١) .

وقال الطهراني(٢) معلّقاً على النسبة : الشبشر(٣) تصحيف شبستر البلد ، القريبة من تبريز في أذربيجان ، أو زنجان من بلاد المسلمين التي توجد فيها الخوارج الذين يبغضون علياً (عليه‌السلام ) ويقتلون محبّيه ومحبّي أولاده.

وأمّا أرزنجان من بلاد أرمينية قرب أرزن(٤) الروم ، فأهلها الأرمن(٥) كما في معجم البلدان(٦) .

وأورد الأمين ترجمته ملقّباً بالبنيسي الشيشتري(٧) فغير صحيح ؛ حيث إنّه نقل عن الذهبي وابن خليفة والطهراني وكلّهم لم يذكروه بهذه النسبة ، ممّا يظهر أنّ البنيسي تصحيف النبيسي والشبشتري تصحيف الشبشري أو الشبستري(٨) .

قال ابن الخليفة(٩) : التائية في النحو للشيخ إبراهيم الشبستري

____________________

١- شذرات الذهب ٨ / ٦٨ ، عام ٩١٥ه عن الكواكب السائرة في مناقب أعيان المئة العاشرة - لنجم الدين محمد بن محمد الغزي ١ / ١١٠ ، وفي ريحانة الأدب ٣ / ١١١ أنّه مات أثناء السفر إلى مكة ، أو أنّه قُتل على يد الخوارج.

٢- الطهراني : هو محسن بن علي (١٢٩٣ - ١٣٨٩ه) ، ولد بطهران وتوفّي في النجف ، من علماء الإمامية ، باحث ومحقّق ، له كتاب النقد الطيف ، مصفى المقال ، بالإضافة إلى الذريعة ، وطبقات أعلام الشيعة.

٣- ولا يخفى أنّه لم نحصل على مثل هذه التسمية في فرهنگ آباديها ومكانهاي مذهبي كشور.

٤- كذا في معجم البلدان ، وفي بستان السياحة / ٩٩ ( أرزنة الروم ).أقول : ولعلّها أرض الروم المعروفة اليوم ؛ لأنّ مؤلّف البستان يقول : تقع على بعد فرسخ من نهر الفرات.

٥- وجاء في لغت نامه ٤ / ١٨١٣ ، وفيها أقلية مسلمة.

٦- الذريعة ٣ / ٢٠٢ ، معجم البلدان ١ / ١٥٠.

٧- أعيان الشيعة ٢ / ١٢٧.

٨- ولو صح لكان تصحيفاً لشوشتر ؛ إذ قد تُقلب الواو ياءً في الكلمات المستعربة.

٩- ابن الخليفة : هو مصطفى بن عبد الله (١٠٠٤ - ١٠٦٧ه) المعروف بالكاتب الچلبي ، وحاجي خليفة ، ولد وتوفّي بقسطنطنية ، تولّى الكتابة بها في الجيش ، ثمّ سكن بغداد ، تولّى الكتابة بها ، له مصنّفات منها : تحفة الكبار ، ميزان الحقّ ، واشتهر بكتابه كشف الظنون.


المتوفّى سنة ٩١٧ه ، نظم فيها الكافية ، وزاد عليها وسمّاها نهاية البهجة ، ثم شرحها شرحاً لطيفاً ممزوجاً ، وكان فريداً في الصناعة والنظم.

يُقال له : سيبويه الثاني.

والتائية في نظم ايساغوجي له أيضاً سمّاها موزون الميزان ، ثمّ شرحها أيضاً ، وكلتاهما في غاية البلاغة(١) .

وقال ابن خليفة أيضاً : نهاية البهجة تائية في النحو ، للشيخ الفاضل إبراهيم الشبستري النقشبندي - من الطويل - أوّلها :

تيمّنتُ بسمِ اللهِ مبدي البريّه

مفيضُ الجدى مُعطي العطايا السنيّه(٢)

ثمّ شرحها ، وأوّلها : ( الحمد لله حمداً بآلائه وفيّاً ) ، وقد نظمها في غرّة محرّم سنة ٩٠٠ه(٣) حيث قال في تاريخها :

فرغتُ وقد أبدى المحرّم غرّة = لتسعمائة من هجرةِ النبويّه(٤)

ويقول ابن خليفة عن نظم ايساغوجي : موزون الميزان ، تائية في نظم ايساغوجي للشيخ الفاضل إبراهيم الشبستري ، أوّلها :

( بحمدٍ لفيّاضِ الحدا(٥) وتحيّه )

ثمّ شرحها ، وأوّلها : ( الحمدُ للهِ الذي كرّمَ نوعَ الإنسانِ )(٦) .

ومن الغريب قول الطهراني قولاً عن ابن خليفة تحت عنوان نهاية البهجة ملقّباً بـ ( المستبشري ) ، ثمّ تعليقاً بقوله : ( أقول: المستبشري هنا تصحيف الشبستري ) ، مع العلم أنّ ابن خليفة ذكره الشبستري ، وكذا نقل عنه تحت عنوان موزون الميزان أنّ وفاته سنة ٩٢٠ه ، والحال أنّه لم يذكر وفاته

____________________

١- كشف الظنون ١ / ٢٦٧.

٢- الأعيان ٢ / ١٣٨ ، ريحانة الأدب ٣ / ١١١.

٣- كشف الظنون ٢ / ١٩٨٧.

٤- الذريعة ٣ / ٢٠١.

٥- الحدا : مخففة الحداء : من حدا بالإبل حدواً ، إذا زجرها وغنّى لها ؛ ليحثّها على السير ، وهو كناية عن قول الشعر أرجوزةً.

٦- كشف الظنون ٢ / ١٩٠١.


هناك ، ولعلّ النسخة التي اطّلع عليها الطهراني كانت مغلوطة.

نعم ، جاء في ذيل كلمة ايساغوجي(١) ، ومن شرحه : ونظم الشيخ إبراهيم الشبستري المتوفّى عام ٩٢٠ه ، وهي تائية ثم شرحها(٢) .

وعلى كلٍّ ، فالذي يظهر أنّ الشاعر له منظومتان : أحدهما في النحو ، وهي التي سمّاها بنهاية البهجة تقع في ٢٣ ورقة(٣) ، وفيها يقول :

وبعد فإنّ النحو علمٌ مبين

بكيفيةِ الترتيبِ في العربيه(٤)

والثانية في المنطق والمسمّاة موزون الميزان.

وله أيضاً شرحهما ، أي شرح نهاية البهجة وسمّاه معيار الأدب(٥) ، وشرح موزون الميزان.

وله إضافة إلى ذلك ثلاثة مؤلّفات أُخرى ؛ أحدهما في التفسير ، وثانيها في الصرف ، وثالثها في التصوّف ، فالمجموع سبعة.

ويظهر من كتابه عن التصوّف ، ومن تلقيبه بالنقشبندي أنّه كان من المتصوّفة النقشبندية(٦) ، وذهب كلّ من الأمين والطهراني إلى تشيّعه.

هذا وقد اتّضح ممّا قدّمناه أنّهم اختلفوا في عام وفاته بين ثلاثة أقوال ٩١٥ ، ٩١٧ ، ٩٢٠ه ، ولكنّه اشتهر بالأوّل(٧) .

____________________

١- إيساغوجي : يونانية تعني الكلّيات الخمس : الجنس ، النوع ، الفَصل ، العرض الخاص ، العرض العام ، وهو باب من أبواب التسعة في المنطق ، وقد صنّف فيه جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين ، وهذا الأصل الذي نظمه شاعرنا هو تأليف أثير الدين مفضل بن عمر الأبهري المتوفّى حدود عام ٧٠٠ه ، وهو مشتمل على ما يجب استحضاره من المنطق ، وجاءت التسمية من باب المجاز ؛ وذلك لإطلاق اسم الجزء على الكلّ ، أو المظروف على الظرف ، أو تسمية الكتاب باسم مقدّمته ، وقد شرح عدد كبير من علماء المنطق ومنهم شاعرنا.

٢- كشف الظنون ١ / ٢٠٨.

٣- الأعلام ١ / ٣٥ عن مخطوطات الظاهرية تحت رقم ٨٣٨٢ ، قسم النحو / ٥٤٠.

٤- الذريعة ٣ / ٢٠١.

٥- إيضاح المكنون ٢ / ٥١٥ ، وفيه أنّه توفّي عام ٩١٥ه.

٦- النقشبندية : للتفصيل راجع باب مدينة كربلاء فصل الحركة الفكرية من الموسوعة.

٧- راجع الأعلام للزركلي ١ / ٣٥ ، معجم المؤلّفين ١ / ٣٨.


كما اتضح أنّه قُتل في أرزنجان ، ومن الطبيعي أنّه دُفن بها.

وذكر الغزي(١) أنّ ممّن أخذ عنه الشيخ أبو الفتح السيستري نزيل الشميصاتية بدمشق ، وكان يحفظ قصيدته التائية(٢) ، وذكر بأنّ له ابناً باسم عبد الله كان من العلماء الأفاضل ، ومن شعراء اللغتين العربية والفارسية ، دخل بلاد الروم ، وله مؤلّفات(٣) .

هذا كلّ ما توصّلنا إليه.

لقد بذلنا جهداً وسيعاً ، من خلال الاتصال بأصدقاء لنا في المحطّات والمدن التي حطّ فيها المترجم ، والمكتبات العامّة والخاصّة ، للحصول على نماذج من أشعاره ولم نفلح ، على أمل أن نستدرك ذلك حالما تتوفّر لدينا نتاجاته الأدبية.

هذا وقد وصلنا أخيراً - ونحن على أبواب الانتهاء من طباعة هذا الجزء - مصوّرة عن نسخة الظاهرية من كتابه نهاية البهجة ننقل منها بعضاً من قصيدته النحوية - والتي هي من الطويل - وذلك لسدّ النصاب الذي حدّدنا به أنفسنا ، وقد أنشأها عام ٨٩٩ه ، وهذه أوّلها :

تيمنتُ بسم اللهِ مبدي البرية

مفيضُ(٤) الجَدى(٥) مُعطي العطايا السنيةِ

وأحمده حمداً يوافي بنعمة

وُجوداً وَجوداً(٦) منهُ عمّت وخَصَّتِ

لهُ الفتحُ يومَ الخفضِ(٧) والرفعُ بيننا

جزاءً بعدلٍ أو عطاءً بمنّةِ

لأنتَ الـمُنى في منتجى كلّ عابد

وأين سواكَ المستعانُ لحاجةِ

____________________

١- الغزي : هو محمد نجم الدين بن محمد بدر الدين القرشي ، ولد عام ٩٧٧ه ، من أعلام دمشق ومؤلّفيها ، ومن مصنّفاته : الحلّة البهية ، المنحة النجمية ، نظم العيقان.وله شعر كثير أكثر في النحو والصرف.توفّي عام ١٠٦١ه بدمشق.

٢- الكواكب السائرة ١ / ١١٠.

٣- الكواكب السائرة ١ / ٢١٧.

٤- تفيض الجفن : سال بالدمع ، ويُقال : ماء فيض أي كثير.

٥- الجَدى : العطية.

٦- وجود الأولى ضدّ العدم ، والواو من أصل الكلمة ، وجود الثانية الواو فيه للعطف ، والجود ضدّ البخل.

٧- يوم الخفض : أراد به يوم القتال والحرب ، وفي البيت تورية لطيفة.


وظلّ النّواصي(١) في يديك مقودة

بنورِ اهتداءٍ أو بنارِ ضَلالةِ

فندعوكَ يا ربّ اهتداءَ طريقة

بدعوةِ خيرِ الأنبياء استنارتِ

صراطاً سويّاً مستقيماً ينيرنا(٢)

بصحبٍ وأتباعٍ وآلٍ وعترةِ

وهذا كتابٌ ناظمٌ لمسائل

بها حاجةُ الطلابِ في النحو مَسَّتِ

وبالنطقِ والفَحوى حوى كلّ نكتة

بتحريرها كُتبُ النُحاةِ تَقَصَّتِ

كتابٌ جزيلٌ خُصَّ من بَين كُتبهم

بأحْسن ترتيبِ وأزين حليةِ

سديدُ المعاني واثقُ اللفظِ مُبَهج

مسمّى لأمرٍ مّا نهاية بهجةِ

شموس معانٍ عن مغاني قرايحٍ(٣)

تجلّتْ وبالنّظم القويم تَحلّتِ

نفائس آراءٍ نتايج فكرةٍ

عرايسُ أنظارٍ عليّ تَجلّتِ

تراكيبُ عن قيدِ التنافرِ أُطلقت

وعن شوبِ(٤) تعقيدِ المعاني تَصفَّتِ

وعن كلّ أطنابٍ يملّ تخلّصت

وعن كلّ إيجازٍ يُخلُ تخلتِ

وبالضعفِ تأليفاتها ما تعللت

وبالحشو منظوماتها ما تحشّتِ

وما شابها ما لا يزادُ ضرورة

وما شانها تركُ المرادِ لحاجةِ

وعن كلّ إيرادٍ على الحدّ أو على

القواعدِ في كُتبِ النحاةِ تفصّتِ(٥)

وإنّي أراها أعجزَ اللهُ دونها

قرايحَ أربابِ الذكا والرويةِ(٦)

كرومُ(٧) حديدٍ والورى من ورائه

فلم يستطيعوا النقبَ فيه بحيلةِ

وليس لهم أن يُظهروهُ بحجّةٍ

وإن بذلوا مجهودهم ألفَ حجّةِ

وهذا شروعي فيه باللهِ واثقا

لتسديدِ قولي واستقامةِ فكرتي

وإنّي لأرجو الله أن يُحتدى(٨) به

ويجعلُ لي في يومِ لا ظلّ ظُلّتي(٩)

____________________

١- إشارة إلى قوله تعالى :( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِ لّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ) (هود / ٥٦).

٢- في الأصل : ( يبذر فا ) غير مفهموم فأبدلناه بكلمة ( ينيرنا ).

٣- القريحة : ملكة يقتدر الكاتب أو الشاعر على الإجادة في الكتابة أو النظم.

٤- الشوب : ما خلط بغيره.

٥- فصّ الشيء من الشيء : انتزعه وافترزه.

٦- الروية : النظر والتفكر في الأمور.

٧- الكُروم : بالضم ، جسم بسيط ، وهو معدن رمادي فاتح ، لامع ، صلب ، يدخل في الفولاذ اللامتصدي ، ويستعمل في طلي بعض المعادن.

٨- احتدى الليل النهار : تبعه.

٩- الظِلة : بالكسر العزّ ، المنعة ، الكنف والرفاهية ، والظُلة : ما يستظل به من الحرّ والبرد.


وبعد فإنّ النحو علمٌ مُبَيِّنٌ

لكيفيةِ التركيبِ في العربيةِ

وغايتهُ صونُ اللسانِ عن الذي

يخالفُهُ تركيبُ أهلِ السليقةِ(١)

وموضوعهُ الألفاظُ من حيثُ رُكّبت

لتأديةِ المعنى بغيرِ مزيّةِ(٢)

وذلكَ إمّا مُفردٌ أو مركّبٌ

بالإسنادِ أو بالمزجِ أو بالإضافةِ

فمفردهُ الموضوعُ سُمّي كلمة

كقايمةٍ والتاءُ حرفُ الزيادةِ

وما فيهِ تركيبٌ يُرادُ لذاته

بالإسنادِ يُدعى بالكلامِ كثبتِ

وأقسامها اسمٌ وفعلٌ وحرفهم

حروفُ المعاني لا الهجا والزيادةِ

وأقسامهُ اسمانِ واسمٌ وفعلُه

واسمٌ وفعلُ الغيرِ بالسببيةِ

وكلّ كلامٍ جملةٌ دونَ عكسه

كشرطيةٍ والجملةِ القسميةِ

ويقول في خاتمتها :

فرغتُ وقد أبدى المحرّمُ غرةً

لتسعٍ مئينٍ هجرةٍ نبويةِ

فَثَمّ بتلكَ النظمِ عقدٌ توشحتُ(٣)

جيادَ الأماني منهُ بعد عطالةِ(٤)

وإنّي وإن لم يُرض تثبيط همّتي

ببيداء قُفرٍ بالمكارهِ حُفّتِ

ونحوي محوي في طرقِ مودّتي

وصرفي فيها صرف كأسٍ تصفّتِ

ولكنّني دون ارتوائي بمشربي

بنهرِ علومِ الرسمِ حلّت بليتي

وما هو إلّا مثلُ نهرٍ بهِ ابتلت

فريقُ عَدَتنا حالهم فتعدّتِ

فطوبى لذي حدسٍ(٥) وسطوةِ جدبة(٦)

يجوزُ بهِ ريان لم يتلفت

وتعساً لمستسقٍ اكتب عليه ما

يزيد به إلّا غليل(٧) حلويَّةِ

____________________

١- السليقة : الطبيعة.

٢- المزية : الزيادة ، الفضيلة.

٣- توشح به : تقلد به ولبسه.

٤- العطالة : القصور ، خاصة في الأجسام تشير إلى أنّ الأجسام قاصرة عن تغيير حركتها ، أو سكونها من نفسها ، ومبدأ العطالة أنّ الجسم إذا كان ساكناً ، أو في حركة منتظمة مستقيمة ولم تفصل به قوّة ما ، فإنّه يبقى على ما هو عليه.

٥- الحدس : سرعة الانتقال في الفهم والاستنتاج ، وحدس في الأرض : أسرع ، أو ذهب على غير هداية.

٦- الجدب : ضدّ الخصب.

٧- الغليل : العطش الشديد.


وما إن أرى منهُ ارتوائي سائغا

وهذا الذي منهُ اغترفْتُ بغرفةٍ

وكانَ لعلمِ النحو بالحفظِ حاجة

فأدرجْتُه في سلكِ تلكَ القَصيدةِ

عليكَ بهِ يا طالبَ النحو إنّه

كفيل بما يغنيك في العربيةِ

ويا ناظراً فيهِ اعتبر غيرَ عابر

كخطفة برقٍ أو كهبّةِ نسمةِ

ولا تنظرن بالسخطِ وامنن بنظرة

بعينِ رضىً عن كلّ عيب كليلةِ(١)

وأحمدُ ربّي للفراغِ مصلّيا

على أحمدَ المختار خيرِ البريةِ

حوى القلم المملي نهاية بهجة

بما ذاقَ من سلسالِ هذي القصيدةِ

وحلى قراطيساً تخّلت بنسخها

بتعليقها الموجودِ عن أصلِ نسخةِ

قصيد جرت كالسلسبيل(٢) سلاسلا

سبيل بساتين العلومِ الجليلةِ

لآلٍ رماها موجُ بحرٍ فضائل

إلى ساحلِ النظمِ القويمِ بقوّةِ

سديدٌ معانيها بديعٌ بيانها

إلى نحوها قد أوجبتْ صرف همّتي

نسختُ لمخدومٍ خدمتُ لدرسه

عزيز مخاديم سليم غريزةِ

وقرّة عين السعدِ سيد عصره

ومولى مواليهِ بفضلٍ ورتبةِ

حبا لطفهُ ربّي أولي الفضلِ والنهى

فمن ذا ربوا قدراً بربوةِ رفعةِ

وظلّ ذلولاً عايذ المجدِ عنده

وضلّ ذليلاً عائذٌ بتعنّتِ

مُر بي مليكُ الأرضِ شرقاً ومغربا

معلّم سلطانِ الملوكِ بسطوةِ

مراد العُلى والتاج والسيف والعطا

سرور سرير الملكِ كاملُ دولةِ

أدام إلهي ملكه مع عمر من بتدبيره

أركان ذا الملك شدةِ

به أسعد الأيام أسعد جَدّه

وَجَدّله أثوابَ مجدٍ وَعزةِ

وعُمّرَ ذا المخدومِ مع إخوةٍ رمَوا

مراقي فضلٍ نائلي كلّ نعمةِ

وبنفعه ربّي بهذي وحفظها

ويوتيه فضلاً منه كلّ فضيلةِ

وإنّي من العُبدان(٣) في بابِ سعدهم

ملازمُ دعواتٍ ليومٍ وليلةِ

ربيب عطاياهم ومنظورُ لطفهم

بتسليم مخدومين أشرف خدمةِ

وداعيهُمُ المدعوّ بالمصطفى انتمي

إلى الصادقِ المقرئ أُنيلُ لرحمةِ

ويكرمهُ في مقعدِ الصدقِ ربّنا

ويغفرُ لي مَعْ والديَّ برأفةِ

____________________

١- الكليل : الضعيف ، يُقال بصر كليل إذا كان ضعيفاً ، وسيف كليل إذا لم يقطع.

٢- السلسبيل : اللين ، الخمر ، الماء العذب السهل المساغ.

٣- العبدان : مفرده العبد.


ولـمّـا انتهى نسخي دعوتُ مؤرّخا(١)

فقلتُ ألا فابهج نهايةَ بهجةِ(٢)

____________________

١- مجموعة الجملة بعد مؤرّخاً يصبح ٨٩٩ فيما إذا اعتبر نهاية النهاية والبهجة هاءً.

٢- نهاية بهجة / الورقة ١ - ٢ و ٢٢ - ٢٣.


(٨)

إبراهيم بن حسون ياس

١٣٣٣ - ١٤٠٢ه = ١٩١٥ - ١٩٨٢م

هو الشاعر إبراهيم بن حسون الشيخ حمزة آل ياس الهنداوي الزبيدي ، ولد عام ١٣٣٣ه في قضاء الهندية(١) (طويريج) في محلّة الشيخ حمزة من عائلة كريمة المحتد ، أخذ مبادئ العربية والإسلامية عن فضلاء بلدته والذي منهم والده(٢) ، ثمّ تتلمذ على السيد محيي الدين(٣) القزويني ، وأخيه السيد مهدي(٤) القزويني.

منذ صباه برزت عليه علائم الذكاء ، وما أن شبَّ حتى ولع بالأدب والشعر ، واللغة وأصولها ، فاتّصل بفضلاء مدينته ، وحضر مجالسهم حتى صقلت مواهبه ، فأخذ ينظم الشعر بعدما أكثر من ممارسته قراءة وحفظاً ، وبذل جهوداً حثيثة.

وسعى جاهداً من أجل تحصيل العلوم العصرية بنفسه ، أو ما يُسمّى بالتعليم الذاتي ، فدخل دورات عديدة للاستفادة والاغتراف من معين الثقافة حتى تأهّل للعمل في مدارس التعليم الابتدائي.

____________________

١- الهندية : من توابع محافظة الحلّة (بابل) سابقاً ، وكربلاء المقدّسة لاحقاً ، تقع وسط العراق ، تبعد عن كربلاء حدود ٢٠ كيلومتراً شرقاً.

٢- كان والده من رجال الدين المعروفين على صعيد مدينة الهندية.

٣- محيي الدين : هو ابن هادي بن صالح بن مهدي الحسيني الحلّي ، ولد في طويريج الهندية ، وانتقل إلى النجف الأشرف للدراسة ، تتلمذ على العلمين الكاظمين الخراساني واليزدي.

٤- مهدي : هو ابن هادي بن صالح بن مهدي الحسيني الحلّي (١٣٠٧ - ١٣٦٦ه) ولد في قضاء طويريج (الهندية) ، درس على أخويه الباقر والجواد في الهندية ، ثمّ على السيد كاظم اليزدي ، والشيخ هادي كاشف الغطاء في النجف.توفّي في طويريج ودُفن في النجف ، وكان عالماً وأديباً.


وما أن أُتيحت له الفرصة حتى حاضر في الثانوية الهندية في مادة اللغة العربية ، وفي عام ١٣٧٩ه انخرط مع غيره بدورة رجال الدين التي أنشأتها وزارة المعارف أيّام العهد القاسمي(١) ، فعين مدرّساً(٢) للدين والعربية في مدينة الكوت(٣) .

وبما أنّه كان عضواً في حزب الاستقلال(٤) ذو النزعة القومية ، فقد شارك احتفالاتهم بشعره السياسي.

وأخيراً سكن بغداد إلى أن وافته المنية ، ونُقل جثمانه إلى النجف.

قال عنه القزويني(٥) : إضافة لشموخه بالصناعتين(٦) كان جليساً لا يُمَلُّ حديثه ، ظريف مستطاب النكتة ، ملِمٌّ بالشواهد الشعرية ، واسع الاطلاع ، محبوب لدى جميع عارفي مكانته(٧) .

وذكر لي السيد جودت القزويني(٨) أنّه كان ينظم بالقريض وبالدارج

____________________

١- العهد القاسمي في (١٤ / ٧ / ١٩٥٨م) ٢٦ / ١٢ / ١٣٧٧ه ، قاد عبد الكريم قاسم انقلاباً على النظام الملكي في العراق وأعلنها جمهورية ، أُطيح به بتاريخ (٨ / ٢ / ١٩٦٣م) ١٤ / ٩ / ١٣٨٣ه.

٢- وذلك في متوسطة الشرقية في الكوت ، ثمّ انتقل إلى إعدادية الكوت.

٣- الكوت : مركز محافظة واسط ، تقع جنوب العراق.

٤- حزب الاستقلال : تأسس في (٢ / ٤ / ١٩٤٦م) ٢٩ / ٤ / ١٣٦٥ه في بغداد ، وضمّت هيئته المؤسسة كلاً من محمد مهدي كبة ، داود السعدي ، خليل كنه ، إسماعيل غانم ، فاضل معلّه ، علي القزويني ، عبد المحسن الدوري ، رزوق شماس وعبد الرزاق الظاهر ، وكان مقرّه في شارع الكيلاني ، راجع الأحزاب السياسية في العراق / ١٤٤ ، تاريخ العراق السياسي المعاصر ١ / ١١٥.

٥- القزويني : هو السيد أحمد بن عبد الحميد بن أحمد (١٣٤٧ - ١٤١٢ه) ، أديب شاعر ، ولد في الهندية ، انتمى إلى حزب الاستقلال العراقي ، لقّب بشاعر حزب الاستقلال ، تولّى رئاسة بلدية الهندية عام ١٣٧٣ه.من مؤلّفاته : الإمام الحسن ، جناية السياسة على الأدب ، ديوان شعر باسم تراث الأديب.

٦- الصناعتان : القريض والدارج.

٧- طرف وظرف أدبية (مخطوط).

٨- القزويني : جودت بن كاظم الحسيني ، ولد في بغداد عام ١٣٧٢ه ، تخرّج في كلّية الآداب من جامعة بغداد عام ١٣٩٥ه ، حصل على الشهادة العُليا (دكتوراه) من جامعة سوَس في لندن عام ١٤١٧ه ، أديب شاعر ، وكاتب معاصر.له العديد من المؤلّفات ، منها : أعلام العراق بأقلامهم ، المجموعة الشعرية.


وله قصائد في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وفي الحقيقة فإنّ الفضل في الحصول على ترجمته رغم اختصارها يعود له.

ومن شعره وهو - من الكامل - :

الشعرُ سلَّمُ كُلِّ معنى راقي

تجري بهِ الأفكارُ جَري عتاقِ

مضمارهُ لُغةُ البيانِ فإنْ جرى

روَّى الظِما كالسلسلِ الرقراقِ

لكنّهُ لا يستجيبُ لدعوة

قسراً بلا أملٍ ولا أشواقِ

لم أدّعِ قَدْ جِلتُ من فرسانه

يوماً ، وإن أعيا الحسودُ لحاقي

لكنّني ما قُلتُه مُتَملقا

يوماً ولا استعملتهُ لنفاقِ

مرآة نفسي بل نتيجةُ فكرتي

إنّي لها ممّا يشينُ لواقِ

ويظهر من أبياته أنّه لم يمدح أحداً ، ولم يستخدم شعره وسيلة لمآربه ، ويقول في أُخرى - من الكامل - عن معالي الأخلاق:

الصدقُ والإخلاصُ والإيمان

تنبيكَ كيف يُخلَّدُ الإنسانُ

وَتُريكَ أنّ الحيّ ليس بجسمه

يحيا وإن طالتْ بهِ الأزمانُ

وبأنّ مفهومَ الحياةِ عقيدة

ضَمنَ الخلودَ لأهلها الإيمانُ

كم ميّتٍ ونراه حيّاً ماثلا

لعيوننا لم تُخْفِهِ الأكفانُ

وهناكَ أحياءٌ لسوء فعالهم

قبلَ المماتِ طواهُمُ النسيانُ(١)

كما ذكر لي الشيخ محمد تقي الموصلي(٢) بأنّ له ديواناً كبيراً باللهجة الدارجة ، أكثره في الإمام الحسين (عليه‌السلام ).

وكتب إليّ السيد سلمان طعمة(٣) عنه قائلاً : استهواه الأدب عامّة

____________________

١- طرف وظرف أدبية (مخطوط) عند السيد جودت القزويني.

٢- الموصلي : هو الشيخ محمد تقي بن محمد باقر الموصلي من فضلاء النجف الذين سجنوا في ظلّ النظام الحاكم ، وأخيراً هرب من العراق وسكن بيروت ، وقد صاهره ابن المترجم الدكتور عبد السّلام ، توفّي في طهران لدى زيارته إلى إيران في ١٣ / شوال / ١٤١٨ه.

٣- سلمان : ابن هادي آل طعمة ابن محمد مهدي الموسوي ، ولد في كربلاء المقدّسة سنة ١٣٥٣ه ، مؤرّخ وأديب معاصر ، لَهُ مصنّفات كثيرة منها : كربلاء في الذاكرة ، الناظمين في الحسين (عليه‌السلام ).


والأدب الشعبي وشعره خاصّة ، فبرع في كتابة القصائد الشعبية ، وتناول فيها مختلف الأغراض ، فاشتهر بها وذاع صيته.

ولقد دأب شاعرنا منذ مطلع الستينات (الثمانينات الهجرية) على نظم المراثي الحسينية الجميلة ، ليلة العاشر من محرّم من كلّ سنة ، ولم يُطبع للشاعر ديوان بعد ، رغم انتشار قصائده(١) .

لقد اتصلنا كراراً بابن المترجم وصهره ، ومجموعة من أصدقائه دون جدوى ، حيث لم يكن ميسوراً لهم إمدادنا بنماذج من أشعاره لظروف خاصّة ، ولا زلنا بانتظار أن يسعفونا ريثما تحين فرصة مناسبة ، وعندها سوف نستدرك ذلك إن شاء الله.

____________________

١- وتأتي ترجمته في معجم الشعراء الخاصّ بالشعر الدارج (الشعبي) إن شاء الله.


(٩)

إبراهيم بن حسين بحر العلوم

١٢٤٨ - ١٣١٩ه = ١٨٣٢ - ١٩٠١م

هو السيد إبراهيم بن حسين بن رضا بن محمد بن مهدي بن مرتضى الطباطبائي الحسني ، ولد في النجف عام ١٢٤٨ه ، ونشأ بها على أبيه وفي أسرته العلمية ، وترعرع في مجلس العلم والأدب ، تتلمذ على علماء أسرته ومدينته ، وكان أكثر تتلمذه على أبيه(١) في كافة العلوم.

قال عنه الشرقي(٢) : نشأ وفيه ميل فطري للآداب فعكف عليها في أبان شبابه ، وكان مُغرى بغريب اللغة وشواردها ، ذو حافظة قويّة للغاية ، مفضلاً لأسلوب الطبقة الأولى ، طبقة البداوة على الأساليب الصناعية الحادثة(٣) .

أخذ الأدب والشعر عن أبيه ، وما أن بلغ العشرين إلّا وبرع في العلوم الأدبية ، وبدأ بنظم الشعر.

____________________

١- أبوه : هو حسين بن رضا بن محمد مهدي الشهير ببحر العلوم ، ولد في النجف عام ١٢٢١ه ، تتلمذ على الشيخ صاحب الجواهر ، هاجر من النجف وسكن كربلاء ، ثمّ سافر إلى إيران وعاد إلى النجف وفيها مات سنة ١٣٠٦ه ، وكان من مشاهير الإمامية وعلمائها.

٢- الشرقي : هو علي بن جعفر بن محمد حسن (١٣٠٨ - ١٣٨٤ه) ، ولد في النجف وتوفّي في بغداد ، أديب شاعر ، وكاتب سياسي ، سكن بغداد وتولّى رئاسة المجلس التمييز الجعفري ، وعضوية ومجلس الأعيان ، فوزيراً ، من مؤلّفاته : البطائح ، الألواح التاريخية ، ذكرى سعدون.

٣- شعراء الغري ١ / ١١٥ عن مقدّمة ديوان السيد إبراهيم الطباطبائي حيث قدم عليه الشيخ علي الشرقي.


عدّه الخاقاني(١) من أشهر مشاهير شعراء عصره ومن شيوخ الأدب(٢) ، وعبّر عنه السماوي(٣) : فتىً يترنّم بشعره إذا أنشده ، وقال : فأنشد يوماً قصيدته التي يرثي بها الشيخ جعفر الشوشتري(٤) ، وجعل يترنّم بقوله فيها - من الكامل - :

فمَنْ استنزلَ النجمَ من أبراجها

واستنزلَ الأقمارَ من هالاتها

وكان في محفل من الأدباء وفيهم السيد جعفر الحلّي(٥) ، فطلب الحلّي سيگارة من بعض الجالسين ، وقال معرضاً للمترجم - من الهزج - :

ألا مَنْ يقتلُ البقَّ

فإنّ البقَّ آذاني

إذا طنطنَ في الجو

يصمّ الصوتُ آذاني

ففطن لذلك المترجم وقطع الإنشاد ، وقال :

فقل زمجرةَ الليث

بها وقر(٦) آذاني

ودع طنطنةُ البقّ

لكابي(٧) الشعرِ خزيانِ(٨)

____________________

١- الخاقاني : هو علي بن عبد علي بن علي الحميري (١٣٣٠ - ١٣٩٨ه) ، ولد في النجف وتوفّي في بغداد ، أديب كاتب ، وصحفي ماهر ، أنشأ مجلة البيان ، ومن مؤلّفاته : شعراء كربلاء ، وشعراء الموصل ، وشعراء البصرة.

٢- شعراء الغري ١ / ١١٤.

٣- السماوي : هو محمد بن طاهر بن حبيب (١٢٩٢ - ١٣٧٠ه) ، ولد في السماوة وتوفّي في النجف ، سكن كربلاء وتولّى قضائها كما سكن غيرها ، مؤلّف باحث ، وشاعر أديب ، له كتاب إبصار العين ، مجالي اللطف.

٤- الشوشتري : هو جعفر بن حسين التستسري (الشوشتري) من بني النجار ، من فقهاء الإمامية وأعلامها ، درس في النجف وكربلاء والكاظمية ، توفّي عام ١٣٠٣ه ، له مؤلّفات اشتهر منها الخصائص الحسينية ، وله ترجمة في أعلام كربلاء ، وفي معجم من ألّف في الحسين ، من هذه الموسوعة.

٥- الحلّي : هو أبو يحيى جعفر بن محمد بن محمد حسن ، ويرجع نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، ولد في الحلّة سنة ١٢٧٧ه ، وهو من أدباء الإمامية المبرزين ، له ديوان شعر بعنوان (سحر بابل وسجع البلابل) ، وتوفّي سنة ١٣١٥ه ودُفن في النجف الأشرف.

٦- وقر أذنه : ثقلت ، أو ذهب سمعه كلّه ، وصمّت أذنه فهي موقورة.

٧- الكابي : هو الذي خمدت ناره فكبى ، أي خلى من النار ، أراد عدم قدرته على نظم الشعر.

٨- خزيان : المستحي ، المفتضح ، والمؤنث خزيى ، مثل عطشان عطشى.


وقبض على يد الحلّي وأراد صفعه ، فارتجل الحلّي معتذراً - من السريع - :

رأيتُ إبراهيم رؤيا بها

أضحى كإسماعيلها(١) جعفر

ها أنذا جئتك مستسلما

يا أبتِ افعل بي ما تؤمر(٢)

فضحك المترجم لحسن اعتذار الحلّي وسري(٣) عنه(٤) .

ولا يخفى أنّ الشيخ محمد السماوي تخرّج عليه كما تخرّج عليه الشيخ عبد الحسين الحويزي(٥) الحائري(٦) ، والشيخ عبد المحسن(٧) الكاظمي(٨) .

وقال عنه كاشف الغطاء : كان فاضلاً كاملاً ، أديباً شاعراً وماهراً ، وله الشعر الرائق في الفنون المختلفة من المديح والرثاء ، والغزل والنسيب ، وكان يحذو في شعره حذو السيد الرضي(٩) والأبيوردي الأموي(١٠) .

وقد جمع

____________________

١- إسماعيل : تشبيه بالنبي إسماعيل بن إبراهيم الخليل (عليه‌السلام ) في قصّة الذبح.

٢- إشارة إلى قوله تعالى في سورة الصافات / ١٠٢ :( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) .

٣- سري عنه : انجلى عنه الغمّ أو الغضب.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١٣٠عن الطليعة ١ / ٥ ، وشعراء الغري ١ / ١١٧ عن الحصون المنيعة ٩ / ١٧٧.

٥- الحويزي : هو عبد الحسين بن عمران ، ولد في النجف الأشرف حدود ١٢٨٩ه ، من فحول الشعراء ، له ديوان شعر باسم (ديوان الحويزي) ، سكن كربلاء المقدّسة وبها مات سنة ١٣٧٦ه.

٦- شعراء الغري ١ / ١١٧.

٧- عبد المحسن : هو ابن محمد بن علي ، ولد سنة ١٢٨٨ه في بغداد ، وهو من شعراء العراق المبرزين ، طاف البلدان واستقر في مصر ، ومات فيها سنة ١٣٥٤ه ودُفن في القاهرة.

٨- أعيان الشيعة ٢ / ١٣٠.

٩- الرضي : هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى ، ولد سنة ٣٥٩ه من أئمّة الأدب والفقه ، جمع نهج البلاغة للإمام علي (عليه‌السلام ) ، توفّي سنة ٤٠٦ه.

١٠- الأموي : هو محمد بن أحمد بن محمد القرشي ، ولد في أبيورد بخراسان ، وله مصنّفات عديدة منها (طبقات العلماء في كل فن) ، إضافة إلى ديوان شعره ، مات مسموماً في أصفهان سنة ٥٠٧ه.


شعره بعد وفاته ولده السيد حسن(١) في ديوان بعد أن ذهب الكثير منه(٢) .

وقال عنه أبو المجد : أكثر شعره في الغزل والنسيب ، لا مليح إلّا وله من تشبيه أوفر نصيب ، لكنّه يسلك في شعره الحزن ، ويستعمل حوشي(٣) الكلام ، ويتنكّب السهل ولا يستعذب منهل العذوبة والانسجام ، وربما استعمل من نكات البديع أحسن أجناسه ، وهو الجناس.

كان قوي الحافظة ، جزل الأداء ، يرتجل الشعر ، وربما دُعي لمناسبة مفاجأة فيقول القصيدة بطولها ، ويمليها بعد حين على كاتبه الخاصّ باسترسال(٤) .

____________________

١- السيد حسن : ولد في النجف عام ١٢٨٢ه وتوفّي بها عام ١٣٥٥ه ، كان من العلماء والأدباء.

٢- الحصون المنيعة ٧ / ١٤٠ ، وفي معارف الرجال ١ / ٣٣ ( إنّ له ديوان شعر ).

٣- الحوشي من الكلام : الوحشي الغريب.

٤- حلي الدهر : العاطل ، لمحمد رضا بن محمد حسين الأصفهاني ، المتوفّى عام ١٣٦٢ه ، كما في أدب الطفّ ٨ / ١٦٣ ، وشعراء الغري ١ / ١١٨.


يقول الخاقاني عن ديوانه : إنّه لم يكفل كلّ شعره ، ومن ذلك قوله - من الرمل - :

طابت الفيحا(١) بمثواكم وفاحت

وغدت بالعنبرِ الوردي وراحت

يا بروحي أفتدي أرواحكم

لجنانِ الخلدِ راحت فاستراحت

ويضيف الخاقاني قائلاً : يوجد عند حفيده السيد حسين بحر العلوم(٢) نسخة من ديوانه المخطوط ، وفيها زيادات منها التشطير التالي - من الرمل - :

____________________

١- الفيحا : تخفيف الفيحاء : الواسعة من الدور.

٢- بحر العلوم : هو حسين بن محمد تقي بن حسن بن إبراهيم ، ولد في النجف سنة ١٣٤٧ه ، درس على والده والسيد أبو القاسم الخوئي ، من علماء الإمامية له ديوان شعر.


قل لِمَنْ والى علي المرتضى

بولي الله قد نلتَ النجاة

أيّها الخائفُ من سيئة

لا تخافنَّ عظيمَ السيئات

حبّهُ الإكسيرُ(١) لو ذرّ على

ميّت حلّت به روح الحياة

سرّه المخفي لو يظهرفي

سيئاتُ الخلقِ صارت حسنات

____________________

١- الإكسير : يونانية الأصل ، مادة كيمياوية مصنّعة عُرفت عند أهل الكيمياء القدامى ، قيل : إنّها إذا احتكّت بالزئبق حوّلته فضّة ، وإذا احتكّت بالنحاس حوّلته ذهباً ، ثمّ استخدمت الكلمة لكلّ جسم من شأنه تكميل الأجسام الأخرى.




وله قصائد كثيرة في أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وبالأخصّ في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نقلناها في بابه.


وله في رثاء أحد أعلام كربلاء السيد علي نقي الطباطبائي(١) المتوفى عام ١٢٨٩ه ، معزّياً السيد علي(٢) بن رضا الطباطبائي بحر العلوم للقرابة التي بينهما - من الكامل - :

منْ للمدارسِ بعده فلقد

أمست بها تتناوبُ النوبُ

ذهبَ الذي تزهو العلومُ به

فامتازَ عمّا دونهُ الذهبُ

قل للرياسةِ بعده احتجبي

فلقد تساوى الرأسُ والذنبُ

ميتٌ لهُ العلياءُ نادبة

دونَ الورى والمجدُ ينتحبُ

لم يجرِ ذكرُ حديثه بفمي

إلّا انثنيتُ ومدمعي سربُ

أبكلّ يومٍ ظفرُ نائبة

في مهجةِ العلياءِ ينتشبُ

قم بي نعزّي مَن بني مضر

حبراً لهُ بحرُ العلومِ أبُ

طودٌ رسا في يعربٍ فغدت

تأوي إليهِ العجمُ والعربُ

شمخت إلى الشرفِ الأشمِّ به

شمُّ(٣) المعاطسِ(٤) معشرٌ نجبُ

يتهللونَ بأوجهٍ شرقت

لولا رضى الرحمانِ ما غضبوا

تلقى الأماني البيضَ إن نزلوا

وترى المنايا السودَ إن ركبوا

إن طاولوا طالوا بمجدهم

أو غالبوا بنوالهم غلبوا

يتذاكرونَ بكلّ منقبة

حتى إذا ذُكرَ الندى طربوا

طلبوا بجِدِّهم العلومَ وقد

نالوا لعمري فوقَ ما طلبوا

ضربوا بمدرجةِ العلى قببا

أطنابها المعروفُ والأدبُ

سارت بأفقِ سمائها شهب

عثرت بلمعِ سنائها الشهبُ

____________________

١- الطباطبائي : هو ابن حسن بن محمد المجاهد ، ولد في كربلاء عام ١٢٢٦ه ، تتلمذ على السيد مهدي الطباطبائي ، والشيخ محمد حسين الأصفهاني ، ومن تلامذته الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق ، ولَه مؤلّفات عديدة مشهورة منها كتاب القضاء ، ومزيج الاحتياج - شعر -.توفّي في كربلاء المقدّسة.

٢- علي الطباطبائي : هو حفيد السيد محمد مهدي المشهور ببحر العلوم ، ولد حدود عام ١٢٢٤ه ، وله كتاب (البرهان القاطع) مات سنة ١٢٩٨ه.

٣- شُمّ : جمع شمّاء : السيد ذو الأنفة والكريم.

٤- المعاطس : واحده المعطس بفتح الطاء وكسرها الأنف ، وشُمّ المعاطس دلالة على الرفعة والمنزلة العالية.


يابن الأُلى لبسَ الزمانُ بهم

أبراد عزّ كلّها قشبُ

إن غابَ بدرٌ عنكَ محتجب

وافاكَ بدرٌ ليس يحتجبُ(١)

وكتب إلى أخيه السيد محسن(٢) قصيدة رقيقة - من الطويل - أيّام إقامته في الكاظمية(٣) يقول فيها :

عرضتُ ألوكُ الودَّ ذا مدمعٍ يجري

إلى ابن أبي العليا أخي الكوكبِ الدرّي

أكفكفُ دمعي واليراعُ(٤) بأنملي

يُحبّر أسنى ما يجودُ بهِ فكري

فأنثرُ في الطرسِ الدموعَ لئالئا

وأمزجُ نظمَ الشعرِ باللؤلؤ النثرِ

فرائد في الأوراقِ سمط(٥) نظامها

يروقُ كأمثالِ العقودِ على النحرِ

ومن نكدِ الأيامِ أنّ صروفها

ترامت بذي فخرٍ سما كلّ ذي فخرِ

أغرٌّ نمتهُ للمكارمِ سادة

بسؤددها تُنمى إلى السادةِ الغرِّ

مناقبهُ لم يحصَ بالحصرِ عدّها

لعمرِ أبي جلّت عن العدّ والحصرِ

فلا غرو إن أمست تلوحُ زواهرا

بأفقِ سماءِ المجدِ كالأنجمِ الزهرِ

مليكٌ يعيدُ العسرَ يسراً بجوده

فلا زلتُ من جداوه أرفلُ باليسرِ

هو الغيثُ إلّا أن يظنُ بصوبه

هو الليثُ إلّا أن ينهنهُ(٦) بالزجرِ

يرنحُ عطفيهِ ارتياحاً متى جرى

حديث العلى والسيفِ والفيلقِ المجرِ

ترامت به النزلُ الرواسمُ في السرى

ألا رميت منها القوائمَ بالعقرِ

وطارت به تحتَ القطيعِ مروعة

ترّفُ هواديهِ كقادمةِ النسرِ

فسرَّ العدى ضيمٌ عراني إذ غدا

سري بني فهر(٧) على نصب يسري

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ١٣١.

٢- محسن : هو ابن حسين بن محمد رضا الطباطبائي بحر العلوم ، من علماء الإمامية وأدبائها ، توفّي في النجف سنة ١٣١٨ه عن اثنين وسبعين سنة ، من أساتذته الشيخ مرتضى الأنصاري.

٣- سكن الكاظمية بعد وفاة عمّه السيد علي بن رضا بحر العلوم عام ١٣٠٤ه.

٤- اليراع : القلم ، والقلم المصنوع من القصب.

٥- السِمْط : بكسر السين وسكون الميم : الخيط ما دام الخرز ، أو اللؤلؤ منتظماً فيه.

٦- النَّهنَهَة : الكفَّ ، وتقول : نهنهت فلاناً إذا زجرته فتنهنَهُ أي كففته ، ونهنَهَهُ عن الشيء : زَجَرهُ.

٧- بني فهر : نسبة إلى قبيلة فهر وهي أصل قريش ، وهو فهر بن غالب بن النَّضْر بن كنانة ، وقريش كلّهم ينسبون إليه.


وما هو إلّا الصقرُ صادف فرصة

ليكسرَ في فتخا(١) فحلق عن وكرِ

فجد رعاكَ اللهُ في طلبِ العلى

فخيرُ بني الدنيا امرؤ فازَ بالخيرِ

ولا تن عن نيلِ الأماني فربما

يكونُ فديتَ الصبرَ عاقبةَ الصبرِ

ومن شيمِ الضرغامِ يظفرُ بالمنى

ولو حلَّ ما بين النواجذِ والظفرِ

حطمت من الخطبِ الملمِّ فقاره

فما زالَ طولُ الدهرِ محدودبَ الظهرِ

ومثلكَ يدعى للخطوبِ إذا انبرت

بقارعةٍ توري وحاسمةٍ تبري

فيابن الكماةِ(٢) الصيدِ حلوا من العلى

مقاماً كبا من دونهِ كوكبُ الغفرِ

طلبت اقتناء المجد من غير أهله

ورمت مرام العزّ من مطلبٍ وعرِ

فلا ترعَ للأوباش سمعاً بمعوز

فتزدادَ في الآفاقِ ضرّاً على ضرِّ

وحد عن قبيحٍ حسّنتهُ بمكرها

فأبناءُ هذا الدهرِ تبطشُ بالمكرِ

تغربت والأيام شيمة غدرها

تبيتُ مع الأمجادِ فاقدةَ البرِّ

ولا برحت تقصي غطارفةَ(٣) الورى

كما قد غدت تدني زعانفةَ الدهرِ

رحلت فخلّفت الغروبَ دواميا

على الخدِّ تجري والقلوب على جمرِ

فديناكَ كم للعودِ نرقبُ طلعة

يفوقُ طلوعَ البدرِ بالمنظرِ النضرِ

وبيض ليالٍ كلّما عنّ ذكرها

تشوبُ سوادَ العينِ بالأدمعِ الحمرِ

إلى كم أخا العلياء تترك حسداً

من الغي لم تبرح تفتّشُ عن سرّي

عداها الحجى(٤) هل كيفَ تنكرُ إنّني

أخو الصخرةِ الصماءِ في الحادثِ النكرِ

يطولُ وجيزُ الشعرِ فيكَ فهل ترى

أقصرُ عن مدحٍ يطولُ بهِ شعري(٥)

____________________

١- فتخا أصابعه : ثناها ولينها ، مفاصله استرخت ولانت وضعفت ، والفتخاء : العُقاب اللّينة الجناح.

٢- الكماة : واحدها الكمي ، الشجاع ، ولابس السلاح ؛ لأنّه يكمي نفسه ، أي يسترها بالدرع والبيضة.

٣- الغطارفة : واحدها الغطريف وهو الشاب الظريف ، السخي ، السيد ، الشريف ، الحَسَن ، السَّري.

٤- الحجى : العقل والفطنة.

٥- شعراء الغري ١ / ١٢٣.


توفّي في النجف يوم الثلاثاء السادس من محرّم عام ١٣١٩ه(١) ، ودُفن مع أبيه وجدّه قرب مقبرة الشيخ الطوسي(٢) .

____________________

١- هناك مَنْ ذكر أنّه توفّي عام ١٣١٣ه ، راجع ديوان القرن الرابع عشر من هذه الموسوعة.

٢- راجع أدب الطفّ ٨ / ١٦٤ ، وأعيان الشيعة ٢ / ١٢٩.


(١٠)

إبراهيم بن حسين العلوي

١٣٤٢ - ١٣٨١ه = ١٩٢٣ - ١٩٦٢م

هو الشاعر إبراهيم بن حسين(١) بن محمد علي بن مهدي بن جواد بن هاشم(٢) الموسوي العلوي ، ولد في كربلاء عام ١٣٤٢ه(٣) ، ونشأ بها نشأة صالحة في بيت عُرف بالفضل والأدب.

التحق بالمدارس الحديثة ، وتدرّج بها حتى أنهى المرحلة المتوسطة ، ثمّ توظَّف في قسم الشؤون المالية بعين التمر(٤) ، ثمّ انتقل إلى وظيفة أُخرى بكربلاء ، ثمّ بغداد إلى أن استوطنها ؛ حيث تولّى وظيفة بوزارة التربية.

وخلال هذه الفترة لم يُفارق كتب الأدب والشعر ، بل ولع بمطالعتها ، وراح يقرأ للشعراء القدامى والمحدثين ، ويتابع إبداعاتهم ، وظلّ يعشق الأدب والشعر ، ويحفظ الكثير من عيون الشعر العربي ، ممّا صقلت نفسه ، وبرزت مع الأيام قريحته الأدبية ، فنظم الشعر وأجاد.

قال عنه طعمة : وقد عوّض الشاعر انقطاعه عن استكمال تعليمه بالمدارس الحكومية ، وذلك بانكبابه على ذخائر الكتب الأدبية ، يعبّ منها ما يشبع نهمه وظمأه.

لقد أظهر اهتماماً واضحاً في عالم الفكر والأدب ، فكان الشاعر المطبوع ، والكاتب المبدع في أسلوبه الكتابي ، وقد صُدم صدمة عاطفية مؤلمة في موطنه ؛ فتركت على محيّاه سمة حزنٍ لا تزول(٥) .

____________________

١- حسين العلوي : كان شاعراً ينظم باللهجتين الفصحى والدارجة ، توفّي عام ١٣٦٤ه ، ولد وتوفّي في كربلاء ، وكان له التأثير المباشر في صقل موهبة ابنه المترجم له.

٢- وتُعرف أسرته أيضاً بآل سيد جواد السيد هاشم.

٣- جاء في أعلام العراق الحديث / ٣٤ أن ولادته عام ١٣٤١ه.

٤- عين التمر : منطقة تقع على بعد ٨٦ كلم جنوبي غربي كربلاء ، وهي منطقة سياحية وزراعية ، وعلى مقربة منها موضع يُقال له : شفاثا ، ولها تاريخ قديم ، وفيها عيون ماء عذبة.

٥- شعراء كربلاء ١ / ٣ (مخطوط).


وعن شاعريته يضيف طعمة قائلاً : شاعر مطبوع ، ولكنّه مقلّ في النظم ، وكان قد قام بجمع شعره في كراس صغير دوّنه بخطّ يده ، إلّا أنّ شظف العيش الذي كان يعاني منه حال دون تحقيق رغبته بطبع مجموعته الشعرية في حياته ، فتركها أثراً مخطوطاً لدى أسرته ، يتميّز شعره بالتهاب المشاعر ، واتقاد العواطف ، ورهافة الحس ، وجمال الصورة.

وللشاعر قصائد ومقطوعات نظمها في شتى المناسبات والأغراض الدينية والاجتماعية ، ويقول عنها طعمة : بيد قلتها نتذوّق منها حلاوة البت لطف الأداء ، وسلامة الذوق ، وحسن الاختيار ، والتلاعب بالألفاظ ، فشعره نابع من الأعماق ، متدفق مليء بالقدرات الإيمائية(١) .

هذا وله مضافاً إلى مجموعته الشعرية تلك ، كتاب مع الرصافي الثائر(٢) ، وكتاب نظرة إجمالية في حياة المتنبي(٣) وغيرها(٤) .

وله مساهمات أدبية أُخرى من تقريظ ، وتقديم على بعض الدواوين وكتب الأدب ، كما حقّق كتاب ما يقرأ من آخره كما يقرأ من أوّله(٥) ، ونشرت له الصحف العراقية بعض قصائده ومقالاته الأدبية.

____________________

١- شعراء كربلاء ١ / ٤.

٢- طبع بمطبعة المعارف ببغداد عام ١٩٥٩م في ٩٤ صفحة.

٣- طبع بمطبعة المعارف ببغداد عام ١٩٥٩م.

٤- شعراء من كربلاء ٢ / ١٠٨.

٥- لمؤلّفه يحيى بن علي التبريزي.


وله مساجلات مع شعراء عصره ، منها مع الطالقاني محمد حسن(٣) ، واليعقوبي محمد علي(٤) .

____________________

١- قيس : هو ابن الملوح بن مزاحم العامري ، وهو من شعراء نجد ، كان هائماً بحبّ ليلى ، فسُمّي بالمجنون ، مات وحيداً سنة ٦٨ه.

٢- ليلى : هي أُمّ مالك بنت سعد بن مهدي بن ربيعة العامرية من بني كعب بن ربيعة ، توفّيت نحو عام ٦٨ه.

٣- الطالقاني : هو ابن عبد الرسول بن مشكور القاضي الحسيني ، ولد في النجف سنة ١٣٥٠ه ، وهو من أدباء النجف ، وقد حقّق ديوان السيد موسى الطالقاني.

٤- اليعقوبي : هو ابن يعقوب التبريزي الشهير باليعقوبي ، ولد في النجف عام ١٣١٣ه وتوفّي بها عام ١٣٨٧ه ، كان أديباً شاعراً ، وخطيباً مؤلّفاً ، عمل عميداً لجمعية الرابطة الأدبية أكثر من ثلاثين عاماً ، له عدّة مؤلّفات منها ديوان اليعقوبي والبابليات وغيرهما.


مداعبات ومساجلات لطيفة كان الشعراء ولا زالوا يمارسونها فيما بينهم ، وتظهر من خلالها قوّتهم الأدبية وإبداعهم الفنّي ، وكانوا يرون في ذلك تسلية ممتعة يحاولون فيها التفاخر والتعريض بالآخرين ، وهي في الحقيقة مسابقة أدبية جميلة قد يشترك فيها أكثر من اثنين ، وربما تجاوز الثلاثة والأربعة.




وله قصيدة تقريض لديوان الشاعر الكربلائي كاظم منظور(١) ، وقد نظمها على الطريقة المشجّرة ؛ حيث التزم أن يبدأ كلّ بيت بحرف من حروف اسم الشاعر ، فجاءت بالترتيب الشيخ كاظم منظور ، وهي أربعة عشر حرفاً ، وختمها ببيت آخر وأصبحت خمسة عشر بيتاً ذكرناها في محلّها(٢) .

وله قصيدة في الإمام موسى(٣) بن جعفر (عليه‌السلام ) ألقاها في إحدى محافل الكاظمية ، وهي من البسيط :

للهُ رزؤكَ فيهِ الدمعُ ينسكب

فقد أُصيبَ بحامي عزّها العربُ

كنتَ الكفيلُ لها في كلّ معضلة

تطيشُ من صولها الأقلامُ والكتبُ

يابنَ الهداةِ الميامينَ الذين جلوا

ظلمَ العصورِ بصبحِ الرشدِ مَنْ وجبوا

فما البليغُ وإن غالى بمدحته

ببالغٍ نعتهم يوماً إذا نُدبوا

وقد ترفّعَ عن نظمِ المديحِ بهم

مجدٌ بهِ شادت الآياتُ والكتبُ

ومثلُ أعراقهم طابت فروعهم

فإن زكى الأصلُ يزكو الفرعُ والعقبُ

جلّت رزيتكم فينا الغداةَ كما

كانت مكارمكم في الناسِ تكتسبُ

يا ناشدَ الفضلِ قد زالت معالمه

بعدُ ابن جعفر قد حلّت بهِ النوبُ

____________________

١- منظور : كاظم بن حسّون بن عبد عون الكربلائي الشمّري ، ولد في مدينة كربلاء سنة ١٣٢٠ه ، وهو من شعراء المنبر الحسيني الذي يُشار لهم بالبنان ، وأكثر شعره باللهجة الدارجة ، حملت دواوينه عنوان (المنظورات الحسينية) مات سنة ١٣٩٠ه.

٢- راجع ديوان القرن الرابع عشر من هذه الموسوعة ، المنظورات الحسينية ١ / ٩.

٣- موسى : ابن جعفر بن محمد الكاظم (عليه‌السلام ) ، الإمام السابع من أئمّة الشيعة الإمامية الاثني عشر ، ولد سنة ١٢٨ه ، واستشهد سنة ١٨٣ ، ومزاره في مدينة الكاظمية المشرّفة قرب بغداد.


للهِ رزؤكَ يابنَ المصطفى فلقد

أضحى لهُ الدينُ يعلو ركنهُ العطبُ

للهِ خطبٌ أصابَ الدينَ وانفصمت

عُرى المكارمِ منهُ والهدى وصبُ

يا آلَ طه أ للإسلامِ غيركم

راعٍ وهل ناصرٌ للدينِ ينتدبُ ؟

هذا ، ولفظ الشاعر أنفاسه الأخيرة وهو في عزّ شبابه ، وذلك ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة في بغداد ، ونعته كافة الصحف والمجلّات العراقية(١) ، ورثاه جمع من الشعراء ، منهم سلمان طعمة بقصيدة - من الخفيف - مطلعها :

سمرٌ موحشٌ وحزنٌ ثقيلُ

أخرسَ النطقَ فاليراعُ كليلُ(٢)

____________________

١- الأشواق الحائرة / ٧٥.

٢- أخذنا معظم الترجمة من شعراء كربلاء ١ / ٣ - ٩.


(١١)

إبراهيم بن الحصين الأسدي

أوائل القرن ١ - ٦١ه = الربع الأوّل من القرن ٧ - ٦٨٠م

هو إبراهيم بن الحصين ، أو الحسين الأسدي المستشهد عام ٦١ه.

من المؤسف أنّنا لم نحصل على أيّ شيء عن حياته العامّة فكيف عن حياته الشعرية ، وكلّ ما لدينا أنّه قاتل مع الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) يوم عاشوراء ، واستشهد بين يديه ، وارتجز مقطوعتين من شعر الرجز ؛ إحداها دالية تحتوي على أربعة أبيات ، وثانيها جاءت قافيتها على حرف القاف تحتوي على ستة أبيات(١) .

وإذا ما راجعنا بعض المصادر فإنّها تنسب الأبيات الستة إلى نافع(٢) بن هلال(٣) تارة ، وإلى زهير(٤) بن القين(٥) ، وأكثر المصادر أغفلوا عن ذكره تماماً.

وكان لا بدّ وأن نذكره هنا ؛ لأنّ هناك مَنْ نسب إليه هذين الرجزين ، ومن الجدير ذكره أنّ له ترجمة في الأنصار من هذه الموسوعة.

____________________

١- راجع ديوان القرن الأوّل من هذه الموسوعة قافية الدال والقاف المفتوحتين.

٢- نافع : هو ابن هلال بن نافع بن جمل المذحجي المرادي ، استشهد مع الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في كربلاء عام ٦١ه ، كان من القرّاء وحفظة الحديث ، راجع باب تراجم الأنصار من هذه الموسوعة.

٣- كما في أسرار الشهادة / ٢٨٤ و٢٩٧.

٤- زهير : هو ابن القين بن قيس الأنماري البجلي ، استشهد مع الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في كربلاء عام ٦١ه ، وهو من وجوه الكوفة وأعيانها ، راجع باب تراجم الأنصار من هذه الموسوعة.

٥- كما في هامش مقتل الحسين - لبحر العلوم / ٤٠٥ عن ينابيع المودّة / باب ٦١.


(١٢)

إبراهيم بن حيدر فران

١٣٣٨ - ١٤٠٣ه = ١٩٢٠ - ١٩٨٣م

هو الشاعر إبراهيم بن حيدر فران النبطي العاملي.

ولد في النبطية عام ١٣٣٨ه ، ونشأ بها على الولاء والصلاح ، ودرس في بلدته ، ثمّ أكمل دراسته في العاصمة بيروت ، وعيّن معلّماً عام ١٣٥٩ه في مدرسة النبطية ، واستمر في التعليم بها حتى عام ١٣٧٢ه حيث هاجر بعدها من لبنان إلى أبيدجان(١) ؛ لمزاولة الأعمال الحرّة والتجارة ، وبما أنّه لم يوفّق بها هاجر إلى الغابون(٢) عام ١٣٩٧ه ، وظلّ يكافح ويعمل إلى أن توفّي بها عام ١٤٠٣ه.

خلّد ذكراً حسناً حيث استطاع بثقافته وشخصيّته أن يجمع شمل المهاجرين اللبنانيين ، وتوجيههم إلى ما هو الأفضل ، وتنظيم حياتهم الاجتماعية ، وكلّ هذا لم يشغله عن ممارسة المطالعة والقراءة والحفظ ، فقد تمكّن منذ أن كان معلّماً وحتى أن أصبح تاجراً مزاولة الشعر حفظاً ونظماً حتى كوَّن ديواناً ، إلّا أنّه لا زال مخطوطاً ينتظر اليوم الذي يرى النور ، فيه من الشعر الديني والولاء ، والشعر الاجتماعي والأخواني إلى غيرها من الأغراض.

ومن شعره الولائي قصيدة - من الخفيف - في الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يقول في أوّلها :

____________________

١- أبيدجان : عاصمة دولة ساحل العاج الإفريقية.

٢- الغابون : إحدى دول قارة أفريقيا تقع على المحيط الأطلسي ، عاصمتها ليبرفيل ، استقلّت عن فرنسا سنة ١٣٨٠ه.


سالكُ البيدِ طِرْ فديتكَ واحمل

شوقَ قلبي لـمَنْ وراءَ البيدِ

وتحدّث عن مدنفٍ(١) ليس تخبو

في حشاهُ نارُ المعنّى(٢) العميدِ(٣)

صبحهُ حالكُ الحواشي كئيب

ودجاهُ في الهمِّ والتسهيدِ

لم يهيّج كوامنَ الوجدِ فيه

سحرُ طرفٍ ولا التفاتةُ جيدِ

بل نفوسٌ في نصرةِ الحقِّ طارت

وشهيدٌ ألوى وراءَ شهيدِ

هتفَ الحقُّ بالجنودِ فكانوا

لحماهُ السامي أعزّ جنودِ

طلّقوا خسةَ الحياةِ وباتوا

من ذُرى المجدِ في قرانٍ سعيدِ

شهداءُ من هاشمٍ شرعَ الله

لهم في السماءِ أسمى البنودِ

رفعوا من دمائهمِ فوقَ هام

الدهرِ تاجُ الفخارِ تاجُ الخلودِ

أخذَ الناسُ من سناهُ منارا

هادياً في دُجى الليالي السودِ

هم نجاةُ الشقي من شرَك

الغيّ وغوثُ الداعي ورشدُ الرشيدِ

كلّما صنتُ حبّهم في فؤادي

خانني خاطري فباحَ قصيدي(٤)

إلى أن يقول في مقطوعتها الأخيرة :

لستَ منّي يا قلبُ إن كنتَ تسلو

عن عليّ وذكرهِ لستَ منّي

وإذا لم تفضِ على الكونِ شعرا

عَلوياً يروى ويؤثرُ عنّي

تتغنّى بهِ الطيورُ فيهتزّ

لمعناهُ كلّ روضٍ أغنّ

ويدوّي صداهُ في كلّ قصر

هاشمي الهوى وفي كلّ ظعنِ

كيفَ لا يستبي فؤادي هواه

وهو إن تهتُ يهدني ويصنّي

حُبهُ جَنّةٌ منورّةٌ غنّاء

تزهو بكلّ لونٍ ولحنِ

حبّهُ للنفوسِ آيةُ حسن

تتباهى بهِ على كلّ حسنِ

حُبّهُ في الحياةِ رمزُ جهاد

حُبّهُ ثورةٌ على كلّ غبنِ

وانعتاقٌ من عالمٍ ليس يرضى

العيشَ فيه سوى الذليلِ القنِّ

يا إمامَ الدنيا أتقبلُ منّي

دمعةً تقرحُ الجفونَ وتضني

____________________

١- دَنِفَ المريض : ثقل مرضه ودنا من الموت.

٢- المعنّى : المكلَّف بما يشق عليه.

٣- العميد : الشديد الحزن ، والذي هدَّه العشق ، وعميد الوجع : مكانُهُ.

٤- مستدرك أعيان الشيعة ٧ / ٦.


بعثتها ذكراكَ خيرُ رسول

من فؤادي المضنى الكئيبَ لعيني

هي زلفى إلى رضاكَ ليوم

ليس فيه غيرُ الرضى منكَ يُغني(١)

____________________

١- مستدرك أعيان الشيعة ٧ / ٧.


ورغم محاولات طرقنا في بيوت متكرّرة عبر الاتصال بأقارب المترجم وأصدقائه ، فلم نحصل على أكثر ممّا وصلنا إليه ، كما اتصلنا بالسيد حسن الأمين فلم يزد عمّا كتبه في مستدرك أعيان الشيعة.


(١٣)

إبراهيم بن صادق العاملي

١٢٢١ - ١٢٨٤ه = ١٨٠٦ - ١٨٦٧م

هو الشاعر إبراهيم بن صادق بن إبراهيم بن يحيى(١) بن محمد بن سليمان بن نجم المخزومي الطيبي ، ولد في قرية الطيبة(٢) عام ١٢٢١ه ، ونشأ بها نشأة طيّبة إلّا أنّه لم يشتغل بالعلوم الإسلامية إلى أن توفّي والده عام ١٢٥٢(٣) ه ، فانصرف إلى طلب العلم(٤) .

وعلى أثرها هاجر إلى النجف الأشرف فأخذ من فضلائها ثمّ من أعلامها كالشيخين الحسن(٥) والمهدي(٦) ابنا جعفر كاشف الغطاء ، والشيخ مرتضى الأنصاري ، واتصل بأعيان الدولتين العثمانية والإيرانية ، وتخرّج من جامعة النجف عالماً فاضلاً ، وأديباً

____________________

١- ويبدو أنّ المترجم له هو أوّل مَنْ عُرف بآل صادق ، وقبل ذلك كانوا يعرفون بآل يحيى ( الكرام البررة ١ / ١٧ ).

٢- الطيبة : قرية تابعة لقضاء مرجعيون في الجنوب اللبناني على حدود فلسطين المحتلة.

٣- جاء في أعيان الشيعة ٧ / ٣٥٧ أنّه توفّي سنة ١٢٥٠ه بقرية الطيبة ، وهو من علماء جبل عامل وأدبائها ، تتلمذ على السيد علي الأمين ، وله مؤلّفات عديدة ، منها : التحفة الخليلية في الكليات الطبية.

٤- جاء في ديوان الشعر العاملي المنسي ٢ /٠٠٠ أنّه تلقّى العلم في بلاده ، ثمّ بعد عامين من وفاة والده هاجر إلى النجف الأشرف.

٥- حسن : هو ابن جعفر بن خضر الجناجي المالكي ، ولد سنة ١٢٠١ه ، كان من فقهاء الإمامية وأعلامها ، ومن مصنّفاته ( أنوار الفقاهة ) ، توفّي سنة ١٢٦١ه ، ودُفن في النجف الأشرف.

٦- مهدي : هو ابن جعفر بن خضر الجناجي المالكي ، وهو أحد الأخوة الثمانية ، لم يُعرف عنه اشتغاله بغير التدريس.


شاعراً ، وعاد إلى بلاده عام ١٢٧٩ه عبر دمشق ، فسكن الخيام(١) عام ١٢٨٠ه ، وفي عام ١٢٨١ه انتقل إلى مسقط رأسه إلى أن توفّاه الله في كوانين(٢) ، ودُفن عند أبيه وجدّه الشيخ يحيى(٣) .

قال عنه مغنية(٤) : كان من العلماء الأفاضل إلّا أنّه تغلب عليه الشعر(٥) .

وقال عنه الصدر(٦) : عالم فاضل ، محقّق أديب ، شاعر مفلق ، كانت النجف تزهو بأدبه وشعره ، وله في بيت كاشف الغطاء الشعر الذي تتحير به العقول والألباب(٧) .

ونقل الأمين عن ابنه الشيخ عبد الحسين الصادق(٨) في شعره : فبعثر بالعراق ، وغرب عنّا علمه ، فتعذّر علينا جمعه ، وما عندنا منه سوى نزر قليل منه هذه القوافي المرسلة.

وعلّق الأمين على ذلك قائلاً : ونحن قد رأينا في القديم مجموعة بخطّه عند ولده فيها جميع شعره كما رآها غيرنا ، والله أعلم أين ذهبت ، وخطّه في غاية الجودة ، وهو شاعر مكثر مجيد(٩) .

____________________

١- الخيام : قرية تابعة لقضاء مرجعيون في جنوب لبنان.

٢- كوانين : والمعروف عنها كونين وهي قرية قرب بنت جبيل في جنوب لبنان.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٤٤ ، ويحيى توفّي سنة ١٢٠٢ه بقربة الطيبة ودُفن فيها ، وكان عالماً فاضلاً ، أديباً شاعراً.

٤- مغنية : هو محمد بن مهدي بن محمد آل مغنية العاملي ، ولد سنة ١٢٥٣ه ، وهو من أدباء جبل عامل ، كان حيّاً عام ١٢٨٨ه ، توفّي في قرية طير دبا التابعة لمدينة صور.

٥- جواهر الحكم ودرر الكلم ، كما في أعيان الشيعة ٢ / ١٤٤.

٦- الصدر : هو أبو محمد الحسن صدر الدين ابن الشريف الهادي الموسوي ، ولد في مدينة الكاظمية سنة ١٢٧٢ه ، تتلمذ على الشيخ محمد الحسين الكاظمي ، مات سنة ١٣٥٤ه ، بلغت مؤلّفاته ٨٢ مؤلّفاً منها تبيين الرشاد ، الدر النظيم ، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام.

٧- تكملة أمل الآمل / ٧٤.

٨- الصادق : هو ابن إبراهيم بن صادق العاملي النباطي ، ولد في النجف سنة ١٢٨٢ه ، وقيل : ١٢٨٣ه ، وهو من الشعراء المبرزين ومن الفقهاء ، توفّي في النبطية بلبنان سنة ١٣٦١ه.

٩- أعيان الشيعة ٢ / ١٤٥.


وقال الطهراني بعد إطراء بيته : قرض الشعر جرياً على عادة آبائه الذين ملؤوا الطوامير بشعرهم ، واتصل بولاة الدولة العثمانية وبعض وزراء الدولة الإيرانية ، وكانت له صلة بأعلام النجف من عرب وعجم ، وقد مدح هؤلاء بشعره وأبهرهم بنثره.

ومن شعره القصيدة العينية التي كانت مكتوبة على ضريح الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام )(١) .

وقال عنه كاشف الغطاء : كان فقيهاً أصولياً ، أديباً شاعراً ، خفيف الروح ، رفيق الحاشية ، وله في أولاد أحفاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء المدايح الأنيقة ، والمراثي الرشيقة ، وأكثر شعره فيهم ، وله شعر كثير مجموع أيام إقامته في العراق ومكثه بالجبل إلى أن أدركه الأجل(٢) .

وقال الخاقاني عن شعره : شاعر مجيد مطبوع ، رقيق الأسلوب ، قوي الديباجة ، مشرق اللفظ ، أخّاذ في سبكه ومتانته(٣) .

له منظومة في الفقه تجاوز أبياتها ألفاً وخمسمئة ، بيت أوّلها :

الماءُ أمّا مطلقٌ(٤) وذاك ما

يسبقُ للفهمِ حتى ما قيلَ ما(٥)

هذا ، وقد يفهم من كلام الأمين أنّه جمع ديوانه بنفسه وكان عند ابنه.

____________________

١- الكرام البررة ١ / ١٨.

٢- الحصون المنيعة ٩ / ١٧٨ ، كما في شعراء الغري ١ / ٦٩ ، وجاء في معارف الرجال ١ / ٢٤ أنّه توفّي عام ١٢٨٨ه.

٣- شعراء الغري ١ / ٧٩.

٤- الماء المطلق : في مقابل الماء المضاف ، يصح التطهّر للعبادة بالماء المطلق ولا يصح بالمضاف ، ويُعرف بتحوّل المطلق إلى المضاف بتغيّر لونه وطعمه ورائحته.

٥- أعيان الشيعة ٢ / ١٤٥.


وأمّا عينيته التي مدح بها أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، وسبق أشرنا إليها فهي تزيد على مئة وخمسين بيتاً ، نذكر منها بعض الأبيات - من الكامل - :

هذا ثرى حطّ الأثيرُ لقدره

ولعزّه هامُ الثريا يخضَعُ

وضريحُ(١) قدسٍ دونَ غاية مجده

وجلالهُ خفضَ الضراحُ الأرفعُ

أنّى يقاسُ بهِ الضراحُ علاً وفي

مكنونهِ سرُّ المهيمنِ مودعُ

جدثٌ عليهِ من الإلهِ سرادقٌ(٢)

ومِنَ الرضى واللطفِ نورٌ يسطعُ

ودّت دراريّ الكواكب أنّها

بالدرِّ من حصبائهِ تترصّعُ

إلى أن يقول :

ولكَ المناقبُ كالكواكبِ لم تكن

تُحصى وهل تُحصى النجومُ الطلّعُ

____________________

١- الضريح : القبر ، وسُمّي ضريحاً ؛ لأنّه يُشَقُ في الأرض شقّاً ، والمضرحيٌّ من الصقور.ما طال جناحاه وهو كريم ، والمضرحيُّ : الرجل السيد في قومه الكريم.

٢- السرادق ، واحدها سردق ، وجمع الجمع سرادقات : الفسطاط الذي يمدّ فوق صحن البيت ، الخيمة ، والكلمة فارسية الأصل.


فالدهرُ عبدٌ طايعٌ لكَ لم يزل

وكذا القضا لكَ من يمينكَ أطوعُ(١)

وله في مدح الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) والإمام الحسين (عليه‌السلام ) ورثائهما قصائد ذكرنا ما يختصّ بالإمام الحسين (عليه‌السلام ) في باب الشعر.

____________________

١- أدب الطفّ ٧ / ١٧٨ - ١٧٩ ، أعيان الشيعة ٢ / ١٤٦ ، ولأنّ القصيدة طويلة فإنّ الأمين لم يشر إلى البيتين الأخيرين.






وقد خمّس قصيدة للشيخ عبد الحسين محيي الدين(١) - من

____________________

١- عبد الحسين : هو ابن قاسم آل محيي الدين النجفي ، ولد في النجف ، وكان من علمائها وشعرائها ، ومن آثاره منظومة في النحو ، مات سنة ١٢٧١ه.


البسيط - منها المقطوعة التالية :

بني علي(١) نرى الأفضال مجملها

فيكم وعنكم بكم نروي مفصلها

يا أبحراً يمّم العافونَ منهلها

إنّ الرياسةَ أنتم أهلها ولها

همتم بها مثلما هامت بكم ولها(٢)

____________________

١- بنو علي : إشارة إلى أولاد الشيخ علي بن جعفر بن خضر الجناجي المالكي آل كاشف الغطاء ، وهم مهدي ، محمد ، جعفر ، حبيب ، وعباس.

٢- شعراء الغري ١ / ١١٠.


(١٤)

إبراهيم بن العباس الصولي

١٧٦ - ٢٤٣ه = ٧٩٢ - ٨٥٧م

هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد(١) بن صول(٢) تكين الصولي.

ولد في خراسان أو بغداد عام ١٧٦(٣) ه ، ونشأ ببغداد وتأدّب بها ، وقرّبه المعتصم(٤) والواثق(٥) والمتوكّل العباسي(٦) .

قال عنه ابن خلكان :

____________________

١- كان محمد من رجال الدولة العباسية ودعاتها ( معجم الأدباء ١ / ١٦٦ ).

٢- في معجم الأدباء ١ / ١٦٥ إنّ صول كان مولى يزيد بن المهلّب ، وكان تركيّاً مجوسيّاً ، وفي الأنساب للسمعاني ٣ / ٥٦٧ إنّ صول كان من ملوك جرجان ، ثمّ رأس أولاده من بعده في الكتبة ، وتقلّد الأعمال السلطانية ، و( صول ) و ( فيروز ) أخوان تركيّان ملكان بجرجان يدينان المجوسيّة ، فلمّا دخل يزيد بن المهلّب جُرجان أمَّتها فأسلم صول على يده ، ولم يزل معه حتى قُتل يوم العقر.

٣- جاء في معجم الأدباء ١ / ١٦٥ وقيل : سنة ١٦٧ه.

٤- المعتصم : هو المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد وهو ثامن حكّام بني العباس ، ولد عام ١٧٩ه وكان أُميّاً ، وحكم من عام ٢١٨ه حتى عام ٢٢٧ه ، بنى مدينة سرّ مَنْ رأى واتّخذها عاصمة له.

٥- الواثق : هو هارون بن محمد المعصتم بالله ، وهو تاسع حكّام بني العباس ، ولد في بغداد عام ٢٠٠ه ومات في سامراء عام ٢٣٢ه بمرض الاستسقاء ، حكم في الفترة ما بين ٢٢٧ و٢٣٢ه.

٦- المتوكّل : هو المتوكّل على الله جعفر بن محمد المعتصم بالله ، هو عاشر حكّام بني العباس ، ولد عام ٢٠٦ه وتولّى الحكم عام ٢٣٢ه ، واغتاله ابنه الأكبر المنتصر عام ٢٤٧ه ، حاول نقل عاصمته إلى دمشق لكنّه عاد إلى سامراء ، وله جولات في محاربة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ومطاردة شيعتهم ، وحاول محو قبر الإمام الحسين (عليه‌السلام ) مرّات عديدة.

وللمزيد راجع فصل تاريخ المرقد الحسيني من باب تاريخ المراقد من هذه الموسوعة.


كان أحد الشعراء المجيدين ، وله ديوان شعر كلّه نُخَبٌ(١) ، وهو صغير وله نثر بديع ، فمن ذلك(٢) ( أمّا بعد ، فإنّ لأمير المؤمنين أناة(٣) ، فإن لم تغن عَقَّب بعدها وعيداً ، فإن لم يغن أغنت عزائمه والسّلام ).

وهذا الكلام ينشأ فيه بيت شعر له أوّله - من الطويل - :

أناةٌ فإن لم تغن عَقَّبَ بعدها

وعيداً فإن لم يُغنِ أغنَت عزائمه(٤)

وقال الزركلي(٥) : كاتب العراق في عصره ، وأصله من خراسان ، وكان جدّه محمد من رجال الدولة العباسية ودعاتها ، تنقّل في الأعمال والدواوين إلى أن مات متقلّداً ديوان الضياع والنفقات بسامراء.

قال المسعودي : لا يعلم فيمَنْ تقدّم وتأخّر من الكتاب أشعر منه(٦) .

وقال القمّي(٧) : هو ابن أخت العباس بن الأحنف(٨) ، وكان كاتباً بليغاً ، وشاعراً مجيداً ، وكان يكتسب في حداثته(٩) بشعره، ورحل إلى الملوك

____________________

١- النخب : المختار من كلّ شيء.

٢- كتب الكتاب إلى بعض الخارجين على الخليفة العباسي يتهدّدهم ويتوّعدهم.

٣- الأناة : الحلم والوقار.

٤- وفيات الأعيان ١ / ٤٤.

٥- الزركلي : هو خير الدين بن محمود بن محمد الدمشقي ، ولد في دمشق عام ١٣١٠ه ، ساهم في إنشاء المملكة الأردنية الهاشمية ، تقلّب في المناصب الرسمية والدبلوماسية ، له مصنّفات منها : عامان في عمان ، وموسوعة الأعلام.توفّي في القاهرة عام ١٣٩٦ه.

٦- الأعلام ١ / ٤٥.

٧- القمي : هو عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم ، من علماء الإمامية ومحدّثيها ومؤرّخيها ، ولد في قم المقدّسة عام ١٢٩٤ه ، له مصنّفات عديدة منها : سفينة بحار الأنوار ، الكُنى والألقاب ، ومنتهى الآمال.توفّي في النجف الأشرف عام ١٣٥٩ه ودُفن بها.

٨- الأحنف : هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة الحنفي اليمامي ، شاعر غزل رقيق ، نشأ في بغداد ومات خارج البصرة عام ١٩٢ه.

٩- الحداثة : أوّل الأمر وابتداؤه ، مقتبل الحياة ، وأيام الشباب.


والأمراء ومدحهم طلباً لجدواهم(١) .

وله مكاتبات قد دوّنت ، وفصول حسان من كلامه قد جُمعت ، ومن كلامه : ( مثل أصحاب السلطان مثل قوم علوا جبلاً ثمّ وقعوا منه ، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم في الارتقاء ).

يروي عن الإمام(٢) الرضا (عليه‌السلام )(٣) .

قال الحموي(٤) : كان إبراهيم وأخوه عبد الله(٥) من وجوه الكتاب ، وكان عبد الله أسنّهما(٦) وأشدّهما تقدّماً ، وكان إبراهيم آدبهما وأحسنهما شعراً ، وكان إذا قال شعراً اختاره وأسقط رذله(٧) وأثبت نُخبته(٨) .

ومن شعره - من البسيط - :

سقياً ورعياً لأيامٍ لنا سلفت

بكيتُ منها فصرتُ اليومَ أبكيها

كذاكَ أيامنا لا شكَنندبها(٩)

إذا تقضّت(١٠) ونحنُ اليومَ نشكوها(١١)

____________________

١- الجدوى : العطية.

٢- الإمام الرضا : هو علي بن موسى بن جعفر ، الثامن من أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، ولد سنة ١٤٨ه ومات في خراسان بالسمّ سنة ٢٠٣ه وفيها دُفن.

٣- الكُنى والألقاب ٢ / ٤٣٢.

٤- الحموي : هو ياقوت بن عبد الله ، وهو رومي الجنس ، ولد في مدينة حماة سنة ٥٧٤ه ، له مصنّفات عديدة منها : إرشاد الألبّاء إلى معرفة الأدباء ، ومعجم الأدباء.مات في حلب سنة ٦٢٦ه.

٥- عبد الله : هو ابن عباس بن محمد بن صول ، ولد قبل سنة ١٧٦ه وكان من الكتّاب ، مات في القرن الثالث الهجري ، وهو جدّ الأديب أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي.

٦- أسنَّ الرجل : شاخ.

٧- الرَذْل : الجمع منه أرذال ورُذال ورذول ورَذلون ، وهو ما قبح من الشيء.

٨- معجم الأدباء ١ / ١٦٦.

٩- ندَبَ : عدّد محاسن الميّت ، ومنه أيضاً البكاء على الفقيد.

١٠- تقضّى الشيء : انصرم وفني وزال.

١١- الكُنى والألقاب ٢ / ٤٣٢.


وقال في الأخوّة والصداقة - من الخفيف - :

يا صديقي الذي بذلتُ لهُ الْو

دَّ وأنزلتهُ على أحشائي

إنّ عيناً أقذيتها(١) لتراعي

كَ على ما بها من الأقذاءِ(٢)

ما بها حاجةٌ إليكَ ولكنْ

هي معقودةٌ بحبلِ الوفاءِ(٣)

وقال الحموي : وتعجّب دعبل الخزاعي من قوله - من السريع - :

إنّ امرءاً ضنَّ(٤) بمعروفه

عَنّي لمبذولٌ لهُ عذري

ما أنا بالراغبُ في خيره

إن كانَ لا يرغبُ في شكري(٥)

وقال في رثاء ابنه - من مجزوء الكامل - :

كنتَ السوادَ لناظري(٦)

فبكى عليكَ الناظرُ

____________________

١- أقذى العين : جعل فيها القذى وهو التبن ونحوه.

٢- الإقذاء : ما يقع في العين من أذى.

٣- العقد الفريد ٢ / ٢٣٠.

٤- ضنَّ : بخل.

٥- معجم الأدباء ١ / ١٦٨.

٦- وفي وفيات الأعيان ١ / ٤٧ ( كنتَ السوادَ لمقلتي ).وقد سبقه إلى هذا أحد الثلاثة ، الإمام علي (عليه‌السلام ) ، أو السيّدة فاطمة (عليها‌السلام ) ، أو حسّان بن ثابت في رثائهم للرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، حيث نسب المجلسي إلى الإمام علي (عليه‌السلام ) في البحار ٢٢ / ٥٤٨ قوله :

كنتَ السوادَ لناظري

فبكى عليكَ الناظرُ

كما نسب ابن شهر آشوب إلى السيدة فاطمة (عليها‌السلام ) في المناقب ١ / ٢٤٣ قوله :

=


مَنْ شاءَ بعدكَ فليمت

فعليكَ كنتُ أحاذرُ(١)

وله أيضاً في الصديق - من البسيط - :

أولى البرية طراً(٢) أن تواسيه

عندَ السرورِ لِمَنْ واساكَ في الحزنِ

إنّ الكرامَ إذا ما أسهلوا ذكروا

مَنْ كانَ يألفهم في المنزلِ الخشنِ(٣)

وله في الشكوى من الإخوان(٤) - من المجتث - :

لو قيلَ لي خذ أمانا

من أعظمِ الحدثانِ(٥)

لما أخذتُ أمانا

إلّا من الخُلّانِ(٦)

وقال في النفاق - من مجزوء الكامل - :

خَلِّ النفاقَ لأهله

وعليكَ فالتمسِ الطريقا

وارغب بنفسكَ أن تُرى

إلّا عَدُوّاً أو صديقا(٧)

وذكر الحموي له أيضاً في الصديق - من الوافر - :

أميلُ مع الصديقِ على ابنِ أُمّي

وأقضي للصديقِ على الشقيقِ(٨)

وأفرِقُ بين معروفي وَمَنّي

وأجمعُ بينَ مالي والحقوقِ

فإن ألفيتني حرّاً مطاعا

فإنّكَ واجدي عبدَ الصديقِ(٩)

____________________

=

كنتَ السوادَ لمقلتي

يبكي عليكَ الناظرُ

وقد جاء البيت في ديوان حسّان / ٩٤ ، منسوباً إلى حسّان كالتالي :

كنتَ السوادَ لمقلتي

يبكي عليكَ الناظرُ

وجاء البيت الثاني في جميع المصادر متّحد اللفظ.

١- تاريخ الأدب العربي ٢ / ٢٨٠.

٢- طرّاً : جميعاً.

٣- الكُنى والألقاب ٢ / ٤٣٢ ، وفيّات الأعيان ١ / ٤٦.

٤- تاريخ الأدب العربي - لفروخ ٢ / ٢٨٠.

٥- الحدثان : النوائب والمصائب.

٦- الخلّان : الأصدقاء.

٧- معجم الأدباء ٣ / ١٧٤.

٨- الشقيق : الأخ من الأب والأم.

٩- معجم الأدباء ١ / ١٧٤.


وله أيضاً في الهمّ والحزن - من البسيط - :

كم قد تجرّعتُ من حزنٍ ومن غصص

إذا تجدّدَ حزنٌ هوّنَ الماضي

وكم غضبتُ فما باليتم غضبي

حتى رجعتُ بقلبٍ ساخطٍ راضي(١)

وكان إذا نزلت به نازلة أنشد البيتين التاليين فيفرّج الله عنه ، وهما - من الكامل - :

ولربّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى

ذرعاً وعندَ اللهِ منها المخرجُ

ضاقتْ فلمّا استحكمتْ حلقاتُها

فرُجتْ وكانَ يظنّها لا تُفرجُ(٢)

ومن أخباره أنّه كتب شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه : ( فلانٌ ممّن يزكو(٣) شكره ، ويعنيني أمره ، والصنيعةُ عندهُ واجدة موضعها ، وسالكة طريقها ) ، فختمها بهذا البيت - من الطويل - :

وأفضلُ ما يأتيهِ ذو الدينِ والحجى

إصابةُ شُكرٍ لم يصنعْ معهُ أجرُ(٤)

____________________

١- الكنى والألقاب ٢ / ٤٣٢.

٢- تاريخ الأدب العربي ١ / ٢٨٠ ، وفيات الأعيان ١ / ٤٦ ، الكنى والألقاب ٢ / ٤٣٣.

٣- زكا : صلح.

٤- معجم الأدباء ١ / ١٧٨.




وقال الجهشياري(١) : رأيت دفتراً بخطّ إبراهيم بن العباس الصولي فيه شعره ، وفيه يصف غليظ ما هو فيه من الحبس ، وثقل الحديد والقيد ، ويذكر فيه موسى بن عبد الملك(٢) وحبسه في قصيدة طويلة - من الرمل -.

____________________

١- الجهشياري : هو أبو عبد الله محمد بن عبدوس بن عبد الله الكوفي ، المتوفّى عام ٣٣١ه ، ولي إمارة الحجّ العراقي عام ٣١٧ه ، ومات ببغداد مستتراً ، له كتب منها : كتاب الوزراء والكتاب ، وأخبار المقتدر العباسي ، وأسماء العرب والعجم والروم وغيرهم.

٢- ابن عبد الملك : هو أبو عمران موسى بن عبد الملك الأصبهاني ، المتوفّى عام ٢٤٦ه ، تولّى ديوان السواد أيام المتوكّل العباسي ، وكان مترسلاً وله ديوان رسائل.


وقد كتب أحمد بن مدبر(١) بخطّه في ظهر هذا الدفتر موجّهاً كلامه إلى الصولي - من الوافر - :

أبا إسحاق إن تكن الليالي

عطفت عليكَ بالخطبِ الجسيم

فلم أرَ صرفَ هذا الدهر يجري

بمكروهٍ على غيرِ الكريم(٢)

ولا يخفى أنّ للصولي ديوان شعر جمعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي(٣) الشطرنجي(٤) ، وله مصنّفات منها : كتاب ديوان رسائله ، كتاب الدولة ، كتاب الطبيخ ، كتاب العطر ، وديوان شعره(٥) .

قال الأمين : عدّه ابن شهر آشوب من شعراء الشيعة(٦) مادحي أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وذكره صاحب نسمة السحر فيمَنْ تشيّع وشَعر(٧) ، ويعدّ من شعراء أبي الحسن الرضا (عليه‌السلام ) وله فيه مدائح ، أشهرها حين عهد له المأمون(٨) بالخلافة ، وله قصيدة رثى بها أبا عبد الله الحسين (عليه‌السلام )

____________________

١- ابن مدبر : هو أحمد بن محمد بن عبيد الله أبي الحسن الكاتب الضبي.روى عنه المرزباني محمد بن عمران صاحب معجم الشعراء (٢٩٧ - ٣٨٤ه).تولّى ابن مدبر الخراج بمصر فحبسه أحمد بن طولون سنة ٢٦٥ه ومات ، أو قتل في سجنه سنة ٢٧٠ه.

٢- معجم الأدباء ١ / ١٩٧.

٢- الصولي : وجدّه عبد الله بن العباس بن محمد بن صول ، كان شاعراً وكاتباً ومؤرّخاً ، صنّف أخبار الغدير من ملوك عصره في بغداد ، تركها إلى البصرة ، وفيها مات سنة ٣٣٥ه ، وقيل : إنّه مات سنة ٣٣٦ه.

٤- تاريخ الأدب العربي ٢ / ٢٨١.

٥- معجم الأدباء ١ / ١٩٨.

٦- معالم العلماء / ١٥٣.

٧- نسمة السحر : أشار إليه الطهراني في الذريعة ٢٤ / ١٥٤ بعنوان ( نسمة السحر بذكر مَنْ تشيّع وشَعَر ) ، وهو لضياء الدين يوسف بن يحيى بن المؤيد بالله محمد بن المنصور قاسم من أولاد إبراهيم طباطبائي.

وفي الأعلام للزركلي ٨ / ٢٥٨ ، إنّه يوسف بن يحيى بن الحسين ابن الإمام المؤيّد بالله محمد ابن الإمام القاسم الصنعاني ، وكتابه ( نسمة السحر في ذكر مَنْ تشيّع وشعر ) ، ولد سنة ١٠٧٨ ، ومات سنة ١١٢١.

والصحيح ما أشار إليه الطهراني ؛ فهناك نسخة مصوّرة في مكتبة المؤلّف.

٨- المأمون : هو عبد الله بن هارون بن محمد المهدي ، سابع مَنْ حكم بني العباس ولد

=


وأنشدها بين يدي الرضا (عليه‌السلام ) ، ولم يذكر الأصبهاني(١) إلّا مطلعها.

هذا وقد أثبتناها في باب الشعر من هذه الموسوعة ، ويذكر صاحب النسمة : إنّ إبراهيم الصولي كان صديقاً لإسحاق(٢) بن إبراهيم أخي زيدان الكاتب(٣) المعروف ، فنسخ له شعره في الرضا (عليه‌السلام ) وقت منصرفه عن خراسان ، وفيه شيء بخطّه ، فكانت النسخة عنده إلى أن ولي إبراهيم ديوان الضياع للمتوكّل.

وكان قد تباعد ما بينه وبين إبراهيم فعزله إبراهيم عن ضياع كانت بيده ، وطالبه بمال وشدّد عليه ، فدعا إسحاق بعض مَنْ يثق به وقال له : امض إلى إبراهيم فأعلمه أنّ شعره في الرضا كلّه عندي بخطّه وغير خطّه ، فإن لم يترك المطالبة عنّي لأوصلنّه إلى المتوكّل ، فصار الرجل إلى إبراهيم برسالته ، فضاقت به الدنيا حتى أسقط عنه المطالبة ، وأحرق إسحاق كلّ ما عنده من شعره بعد أن حلف كلّ منهما لصاحبه.

ويقول الباقطاني(٤) : حدّثني علي بن يمين المنجم(٥) أنّي كنت السفير بينهما حتى أخذت الشعر وأحرقه إبراهيم(٦) .

____________________

= سنة ١٧٠ه ، ولي الخلافة بعد خلع أخيه الأمين سنة ١٩٨ه ، مات سنة ٢١٨ه.

١- الأغاني ١٠ / ٦٣ - لأبي فرج الأصفهاني علي بن الحسين بن محمد بن أحمد ، ويرجع نسبه إلى أمية بن عبد شمس ، ولد بإصبهان (أصفهان) سنة ٢٨٤ه ، ومات سنة ٣٥٦ه.

٢- إسحاق : هو أبو محمد بن النديم إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي ، وهو من أشهر ندماء الخلفاء ، تفرّد بصناعة الغناء ، ومن كتبه (الندماء) ، مات سنة ٢٣٥ه.

٣- الكاتب : هو زيدان بن إبراهيم بن ميمون التميمي ، كان يكتب بين يدي يحيى بن أكتم بن محمد التميمي (١٥٩ - ٢٤٢ه) ، وقيل : إنّه كان غلاماً جميلاً متناهي الجمال.

٤- الباقطاني : هو حسين بن علي ، من رواة القرن الثالث الهجري.

٥- المنجم : وكنيته أبو الحسن ، ولد سنة ٢٠١ه ، وكان نديم المتوكّل العباسي ، وكان راوياً للأشعار والأخبار من كتبه : شهر رمضان ، والردّ على الخليل ، في العروض ، مات في سامراء سنة ٢٧٥ه.

٦- عيون أخبار الرضا ١ / ١٥٩ ، نسمة السحر ١ / ١٩.


روى البيهقي(١) عن الصولي(٢) عن أحمد بن إسماعيل بن الخضيب(٣) قال : لمـّا ولي الرضا (عليه‌السلام ) العهد خرج إليه إبراهيم بن العباس - الصولي - ، ودعبل بن علي - الخزاعي - ، وكانا لا يفترقان ، ورزين بن علي(٤) - الخزاعي - أخو دعبل فقُطع عليهم الطريق ، فالتجأوا إلى أن ركبوا إلى بعض المنازل حميراً كانت تحمل الشوك.

فقال إبراهيم - من الهزج - :

أُعيدت بعدَ حمل الشو

كِ أحمالاً من الخزفِ

نشاوى(٥) لا من الخمرة

بل من شدّةِ الضعفِ

ثمّ قال لرزين بن علي أجز(٦) هذا فقال :

فلو كنتم على ذاك

تصيرون إلى القصفِ(٧)

تساوت حالكم فيه

ولا تبقوا على الخسفِ

ثمّ قال لدعبل أجز يا أبا علي فقال :

إذا فاتَ الذي فات

فكونوا من ذوي الظرفِ

وخفّوا نقصفُ اليوم

فإنّي بائعٌ خفّي(٨)

____________________

١- البيهقي : هو الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي ، كان بنيسابور ، توفّي بعد عام ٣٥٢ه ، وكان من مشايخ الصدوق.

٢- الصولي : هو أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول تكين ، له تصانيف منها : كتاب الوزراء ، وأخبار ابن هرمة ، مات بالبصرة سنة ٣٣٥ه.

٣- ابن الخضيب : هو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخضيب ، كان أديباً من الأنبار ، وكان كاتباً لدى عبيد الله بن عبد الله بن طار المتوفّى عام ٣٠٠ه.

٤- رزين : هو ابن علي بن رزين الخزاعي ، كان من شعراء هذه الأسرة ، وله أبيات متفرّقة ، ولدعبل أخيه فيه أبيات ، مات في مصر بعد أن استوطنها ، وذلك في القرن الثالث الهجري.

٥- النشوان : الجمع نشاوى وهو السكران.

٦- الإجازة في الشعر : أن تتمّ مصراع غيرك.

٧- القصف : الإقامة في الأكل ، أو الشرب واللهو.

٨- عيون أخبار الرضا ١ / ١٥٣ ، وعنه بحار الأنوار ٤٩ / ٢٣٤.


وقد سبق وقلنا أنّه مدح الإمام الرضا (عليه‌السلام ) ، وكذلك فعل دعبل فوهب لهما عشرين ألف درهم(١) من الدراهم التي عليها اسمه ، والتي كان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت ، وكانت هذه الدراهم مع إبراهيم إلى أن توفّي (رحمه‌الله ) ، فكان كفنه وجهازه منها(٢) .

ولا يخفى أنّه توفّي في منتصف شهر شعبان من عام ٢٤٣ه بسامراء(٣) .

قال عنه الفروخ : إنّه شاعر مقلّ ؛ لأنّه يختار شعراً وينقّحه ، وربما نظم القصيدة ثمّ رجع فيها بالحذف حتى لا يدع منها إلّا البيتين أو البيت ؛ ولذلك كان شعره مقطّعات ، قلّ إن زادت على عشرة أبيات.

وفنون شعره المدح والهجاء ، والغزل والحماسة والأدب ، ولكنّه لم يكتسب بالمديح(٤) ؛ ولذلك قال دعبل عنه : لو تكسّب إبراهيم بن العباس لتركنا في غير شيء(٥) .

____________________

١- الدرهم الشرعي : يعادل نحو ٩٧ / ٢ غراماً من الفضة.

٢- عيون أخبار الرضا ١ / ١٥٣ ، وعنه بحار الأنوار ٤٩ / ٢٣٤.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٦٨ ، تاريخ شعراء سامراء / ١٤ ، وفيه : أنّه كان يتولّى ديوان الضياع عند وفاته.

٤- تاريخ الأدب العربي ٢ / ٢٧٩.

٥- الأعلام ١ / ٤٥


(١٥)

إبراهيم بن عبد الحسين العُرَيِّض

١٣٢٨ -....ه = ١٩٠٨ -.....م

هو الشاعر إبراهيم بن عبد الحسين بن إبراهيم العريض(١) بن علي بن سالم المنامي البحراني.

ولد عام ١٣٢٨ه(٢) في مدينة بومباي(٣) - الهند - من أبوين عربيين ، والده من البحرين وأُمّه من كربلاء المقدّسة(٤) عندما كان والده هناك.

ويعمل في تجارة اللؤلؤ ، وبعد شهرين من ولادته توفّيت أُمّه ، فعاش يتيماً تحت رعاية أبيه ، وأسرة هندية محافظة.

ونشأ في الهند ، وتعلّم هناك ، وهو يتكلّم بالإضافة إلى لغته العربية ، الإنكليزية ، والأردوية ، والفارسية.

انتقل إلى البحرين عام ١٣٤٦ه(٥) فعمل في شركة امتيازات النفط المحدودة رئيساً لقسم الترجمة فيها ، وتنقّل في وظائف أُخرى حتى استقر به المقام في وزارة الخارجية بدولة البحرين.

وهو أديب بارع ، وشاعر قادر ، له مصنّفات منها : الأساليب الشعرية ، الشعر وقضيته في الأدب العربي ، الشعر والفنون الجميلة.

ومن دواوينه : العرائس ، أرض الشهداء ، قبلتان ، شموع(٦) .

____________________

١- العريض : بضم العين وفتح الراء وكسر الياء المشدّدة.

٢- جاء في موسوعة شعراء البحرين ١ / ٧ أنّ ولادته كانت عام ١٣٢٦ه.

٣- بومباي : مرفأ هندي ، عاصمة ولاية مهاراشترا الهندية ، كانت مقرّاً عامّاً لشركة الهند الشرقية منذ ١٦٦٨م.

٤- مجلة كتابات ١٧ / ١٠ ، وفيها : إنّ الوالدين أقاما السنتين الأولى من حياتهما الزوجية في البحرين.

٥- كانت سفرته الأولى إلى البحرين وهو في الرابعة عشر من عمره.

٦- جريدة عاشوراء اللندنية العدد ٥ السنة ٢ / ٧.


له مقالات نشرت في عدد من الصحف منها جريدة الراعي(١) النجفية(٢) ، وفي عام ١٤١٧ه أقامت له سعاد الصباح(٣) حفلاً تكريمياً في البحرين ، وغطّت جريدة الأيام(٤) البحرانية ذلك الاحتفال ، وأصدرت ملحقاً خاصّاً به.

هذا وقد صدرت له عدد من المؤلّفات الأدبية بالإضافة إلى ما ذُكر : جولة في الشعر العربي المعاصر ، اللمسات الفنيّة.

ورغم أنّ لغته الأولى كانت الهندية ؛ حيث تأثّر بالمربّية وبيوتات أقاربها ، إلّا أنّه تمكّن من التقاط بعض الكلمات العربية بين الفينة والأُخرى من الضيوف العرب الوافدين على أبيه في المهجر ، ثمّ نمّاها عندما سافر إلى البحرين برفقة عمّه عام ١٣٤٠ه(٥) لصيفية واحدة إلى أن رجع إلى البحرين.

وفي البحرين اتّصل بأدباء سوريين ممّا كان له أثر كبير في تكوين شخصيته الأدبية ، وقد أسس مدرسة أهلية في البحرين تولّى الإشراف عليها ممّا زاد في اختلاطه بالأدباء ، وكان له إلمام بقراءة الكتب الأدبية وحتى غير العربية منها ، كالأردوية والإنكليزية ، وقد تشبّع بأدبياتها لاسيما الانكليزية حيث بهره أدبها(٦) .

____________________

١- جريدة أدبية اجتماعية أسبوعية ، كانت تصدر صبيحة كلّ جمعة في اثنتي عشرة صفحة ، صدر العدد الأوّل منها غرّة ربيع الثاني ١٣٥٣ه ، رأس تحريرها وإدارتها جعفر الخليلي ، ثمّ غيّر اسمها إلى الهاتف ونقلها إلى بغداد.

٢- هكذا عرفتهم ١ / ١٣١.

٣- الصباح : هي سعاد بنت محمد من العائلة الحاكمة في الكويت ، ولدت سنة ١٣٦١ه ، لها اهتمامات اجتماعية وإنسانية متعدّدة ، ولها مؤلّفات عديدة ، منها (التخطيط والتنمية في الاقتصاد الكويتي ودور المرأة) ، ولها دواوين شعر منها (إليك يا ولدي).

٤- جريدة الأيام العدد ٢٠٧٣ ، التاريخ ٢ / ١٠ / ١٩٩٤م (١٤١٤ه).

٥- الموافق لعام ١٩٢٢م.

٦- موسوعة شعراء البحرين ١ / ٧.








(١٦)

إبراهيم بن عبد الرسول الحُمُوزي

١٣١٥ - ١٣٧٠ه = ١٨٩٧ - ١٩٥١م

هو الشيخ إبراهيم بن عبد الرسول بن حسين الحموزي.

ولد في النجف عام ١٣١٥ه ، ونشأ بها على أبيه نشأة ثقافية ودينية ، وتلقّى عنده مبادئ العربية والإسلامية ، وأخذ من فضلاء النجف وعلمائها ، وكان على جانب من الذكاء ، فجمع بين العلم والأدب ، وكان فصيح اللسان ، وبليغ البيان ، عذب الأسلوب.

كان عضواً في الهيئة الإدارية لمنتدى النشر في النجف ، وكان يُمارس التبليغ والإرشاد في المناطق الجنوبية في العراق ، وخاصّة في قرى ومدن الناصرية ، وعند عشيرة آل شدود(١) .

وقد توفّاه الله وهو في سفرته الإرشادية هذه في الثامن من شهر رمضان المبارك عام ١٣٧٠ه ، ونُقل جثمانه إلى النجف ودُفن بها.

قال الأمين في المستدرك : خطيب ، فقيه ، أديب ، شاعر ، ولد في النجف ونشأ بها ، ودرس على أبيه وعلى جملة من أكابر العلماء في النجف(٢) .

قال عنه الخاقاني : فقيه فاضل ، وشاعر مقبول ، عنى والده بتربيته ، وكان له بروز واحترام بين أخدانه ، حصل على خبرة واسعة في العلم والأدب ، وناديه كان يضمّ جمعاً كبيراً من رجال الفضل.

أحببته كما أحبّه الناس

____________________

١- آل شدود : وهم فرع من فخذ العليات من عشائر بني مالك وأصله من طيء ، سكنت العليات (المجرة) من ناحية عكيكة من سوق الشيوخ في جنوب العراق ، ورأس الفرع الحاج خلف والحاج علوان ابنا مغامس بن نابت آل شدود.

٢- مستدرك أعيان الشيعة ٣ / ٩.


لتقواه وحسن سيرته وفضله ، ولقد اجتمعت معه قبل وفاته بخمسة عشر يوماً فطلبت منه أن يقدّم لي ما جمعه من الشعر المنسي، كما يهيئ لي ما نظمه هو ، فاعتذر بأنّه مشغول ، وأنّه سيقوم بما طلبت ، ولم يعرف أنّه شاعر ؛ لأنّه كان ينظم ولا يذيع ، وله شعر جيد في أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وفي إخضاع النفس وكسر سورتها(١) .

وقال شبّر(٢) عنه : ابن العالم الجليل الشيخ عبد الرسول فقيه فاضل ، ومن رجال الفضل والكمال ، ولا زلت أذكر أحاديثه العذبة في ديوان الحاج عباس دوش(٣) ، وكان بعدما تفرّغ من تلاوة قصّة الحسين (عليه‌السلام ) يسترسل فيتحدّث عن مواقف الإسلام، وبطولات أعلام الإسلام ساعات من الليل ، والكلّ يصغي إليه بشوق ولهفة ؛ لحسن بيانه وفصحاة لسانه.

نمت فيه ملكاته العلمية والأدبية ، مضافاً إلى خلقه العالي ، وتمسّكه بآداب الإسلام ، وكنت أتذكّره والابتسامة لا تُفارق شفتيه ، وقد حباه الله بوجه مقبول ، تقرأ عليه اللوذعية والوداعة معاً(٤) .

وذكره الطهراني فمدحه وأثنى عليه(٥) .

هذا ولم تصلنا غير قصيدة واحدة في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) أوردناها في بابه ، وأمّا سائر شعره فلا زال الكتمان يلفّ جوانبه.

وقد اتصلنا بعدد من كبار السنّ من أهالي النجف والناصرية ممّن لهم باع بالأدب ؛ للحصول على المزيد من ترجمته ونظمه دون جدوى ، ونأمّل أن يسعفنا المستقبل.

____________________

١- شعراء الغري ١ / ١٤٨ ، والسورة : السطوة والحدّة.

٢- شبر : هو جواد بن علي بن محمد ، ولد في النجف سنة ١٣٣٥ه ، وهو من الخطباء المفوّهين ، اعتُقل في عهد صدام حسين ، ولا زال في السجن ، لَهُ مؤلّفات عديدة ، منها : إلى ولدي ، مقتل الحسين.

٣- ديوان : نستظهر من العبارة أنّه أراد منزل عباس دوش ، حيث ينقسم البيت النجفي إلى داخلي (دخلاني) وخارجي (براني) ، ويستخدم الأخير كديوان يستقبل فيه صاحب المنزل ضيوفه ، وهو يكون منفصلاً بشكل عام عن المنزل الداخلي.

٤- أدب الطفّ ١٠ / ٣٠.

٥- نقباء البشر ١ / ١٦.


(١٧)

إبراهيم بن عبد الزهراء العاتي

١٣٦٨ -....ه = ١٩٤٩ -....م

هو إبراهيم بن عبد الزهراء بن عاتي بن حبيب بن بركة العيسى.

ولد في النجف عام ١٣٦٨ه ، ونشأ بها على أبيه(١) الشيخ نشأة طيّبة ، والتحق بالمدارس الحديثة فأكمل دراسته الثانوية والإعدادية في النجف ، وتأثّر بأجوائها الأدبية والعلمية ، ثمّ إنّه التحق بجامعة دمشق - سوريا - وأكمل بها دراسته الفلسفية والاجتماعية ، وتخرّج من جامعة عين شمس بالقاهرة عام ١٤٠٤ه ، وحصل على درجة مرتبة الشرف الأولى (الدكتوراه) في الفلسفة.

عمل أستاذاً في جامعة قسطنطنية ، وجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بالجزائر ، وأستاذاً ورئيساً لقسم الفلسفة بكلّية الآداب والتربية في جامعة ناصر بليبيا.

وأخيراً انتقل إلى لندن ، وهو الآن يعمل أستاذاً بكلّية الشريعة ، ومديراً لقسم الدراسات العليا والبحوث في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية.

له من المؤلّفات : تصوّرات العالم في الفكر الإسلامي ، الزمان في الفكر الإسلامي ، كما له عدد من الأبحاث نُشرت عبر المجلّات العربية الصادرة من لندن وليبيا والجزائر.

وأمّا عن نظمه ، فيذكر أنّ موهبته الشعرية قد تفتّحت منذ وقت مبّكر

____________________

١- أبوه : ولد في النجف سنة ١٣٤٣ه ، نشأ على أبيه الشيخ عاتي آل عيسى ، وعلى نخبة من أفاضل النجف ، توفّي سنة ١٤٠٦ه ، له ترجمة في الموسوعة في حرف العين ، من باب معجم الشعراء هذا.


حينما كان طالباً في إعدادية النجف ، أي العقد الثاني من عمره ، متأثّراً بشاعرية والده ، وبالجو الأدبي الذي كانت تعيشه مدينة النجف ، فصار يُلقي قصائده في الندوات الأدبية التي كانت تُعقد هناك.

ورغم تخصّصه الفلسفي فقد استمر في كتابة الشعر ونظمه ، وقد نُشرت بعض قصائده عبر العديد من الصحف والمجلّات العربية.


وله قصيدة - من البسيط - في ذكرى ميلاد الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) نظمها في ١٣ / رجب / ١٤١٦ه(١) تحت عنوان ( مولد النور ) ، وهذه أوّلها :

لا تسأل القلبَ عن لحنٍ يُردّدُه

ذكرى الأحبّةَ تشجيه وَتسعدُه

الذكرياتُ غراسِ الروحِ أحملها

والعُمُر يعْهدُها سقياً وتعهده

نشرتُ حُبّي على الأيامِ فانبثقت

حواملُ الزهرِ حتى طابَ مشهده

مجلى العواطفِ ميّاسٌ(٢) برونقه

القلبُ يزرعهُ والحبُّ يحصده

ولي هوى قد قضيتُ العمرَ أحملُه

لِمَنْ تخايلَ حولَ النورِ مولدُه

وجهٌ أطلّت على الأكوانِ طلعته

فانجابَ ليلٌ وولّى منهُ رُقَّده

لـمّا استفاقَ أطلّ الفجرُ مبتسما

ونضّرَ البيدَ مزداناً تورّدُه

يرنو إلى الكعبةِ الغرّاءِ تحضنُه

ومن سنى الغيبِ أملاكٌ تهدهده(٣)

نورٌ تحدّرَ من نورٍ فهل عجب

أن يلتقي رَبَّهُ والنورُ مسجده

____________________

١- الموافق لعام ١٩٩٥م.

٢- تميس الرجل : مشى وهو يتمايل ويتبختر ، فهو مائس وميّاس.

٣- هدهدت الأمَّ الصّبيَ : حركته لينام.






(١٨)

إبراهيم بن عبد الله الجيلاني

نحو ١٠٥٠ - ١١١٩ه = نحو ١٦٤٠ - ١٧٠٧م

هو الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن عطاء الله الأصفهاني الزاهدي الجيلاني (الگيلاني)(١) .

ولد في لاهيجان(٢) نحو عم ١٠٥٠ه ، ونشأ فيها على أبيه الذي كان من أعلام لاهيجان ، وتتلمذ عليه وعلى أعلام بلدته، واشتغل بالتدريس والتأليف وسائر المهام الدينية والاجتماعية إلى أن توفّاه الله بها ، وكان ابن أخيه في أصفهان ، فلمّا وصل إليه خبر وفاته رثاه بقصيدة فارسية.

وصفه ابن أخيه الشيخ الحزين(٣) : بالمحقّق الحقّاني ، مظهر شوارق الأنوار ، والمؤيد بتأييدات الملك الجبّار ، جامع العلوم الدينية ، والمعارف اليقينية ، وحاوي الكمالات الصورية والمعنوية.

قرأ على والده الذي كان مرجع أفاضل گيلان ، وصل حديث فضائله ومناقبه بالأعالي والأداني ، حسن التقدير والتحرير ، وفي الشعر والإنشاء وكشف اللغز والمعنى بغير نظير ،

____________________

١- ولا يخفى أنّه غير الشيخ تاج الدين إبراهيم المعروف بزاهد الجيلاني ، مرشد الشيخ صفي الدين إسحاق الأردبيلي ، جدّ السلاطين الصفوية - راجع أعيان الشيعة ٢ / ١١٣.

٢- لاهيجان : من توابع مقاطعة جيلان الإيرانية ، واقعة على خطّ طول شمال جنوب ٤٤ درجة ، يحدّها من الشمال بحر خزر ، ومن الجنوب مقاطعة قزوين.

٣- الحزين : هو الشيخ محمد علي بن أبي طالب بن عبد الله الجيلاني ، كان عالماً فاضلاً ، وأديباً شاعراً ، توفّي عام ١١٨١ه في بنارس بالهند ، وترك من المؤلّفات ما يربو على الثلاثين ، منها : أخبار أبي الطيّب المتنبي.


وكان حسن الخطّ عارفاً بأنواعها ، وله مصنّفات(١) منها : رافعة الخلاف ، وهو حاشية على كتاب مختلف الشيعة للعلّامة الحلّي(٢) ، وكاشفة الغواشي ، وهو حاشية على كتاب الكشّاف(٣) للزمخشري(٤) ، ورسالة في توضيح كتاب أقليدس في الرياضيات، وله ديوان شعر سمّاه بالقصائد الغرّاء في مدح أهل العباء(٥) .

وذكره المدرّس(٦) فأثنى عليه وعلى(٧) أخيه أبي طالب(٨) .

هذا وقد حاولنا مراراً عبر إخوة لنا في إيران الحصول على ديوانه في مكتبات أصفهان وقم وطهران ، إلّا أنّهم بعد جهد جهيد أخبرونا بعدم عثورهم عليه ، ونأمل أن نتمكّن من الحصول على نظمه.

____________________

١- تذكرة العاشقين : في ترجمة عمه إبراهيم الجيلاني.

٢- الحلّي : هو الحسن بن يوسف بن علي بن المطهّر ، المتوفّى عام ٧٢٦ه ، من أعلام الإمامية وفقهائها ، له مصنّفات منها : التبصرة ، الألفين ، والتذكرة.

٣- الكشّاف : كتاب ( الكشّاف في تفسير القرآن ) ، وهو من أشهر كتب الزمخشري.

٤- الزمخشري : هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي ، ولد في زمخشر من قرى خوارزم سنة ٤٦٧ه ، له مؤلّفات كثيرة منها : أساس البلاغة ، والمقدّمات.مات في جرجانية من قرى خوارزم سنة ٥٣٨ه.

٥- الذريعة ١٧ / ٨٦ رقم ٤٥٩ ، أدب الطفّ ٧ / ٣١٦ عن أعيان الشيعة ٢ / ١٨١.

٦- المدرّس : هو محمد علي بن محمد طاهر التبريزي الخياباني ، المتوفّى في شوال ١٣٧٣ه ، ولُهُ مصنّفات عديدة ، منها : حياض الزلائل في رياض المسائل ، والدرّ الثمين أو ديوان المعصومين.

٧- أبو طالب : ابن عبد الله الجيلاني ، المتوفّى عام ١١٢٧ه بأصفهان ، كان من العلماء الأفاضل ، له من المؤلّفات كتاب تفسير آية( قُلْ الرُوحُ مِن أمْر رَبِّي ) .

٨- ريحانة الأدب ٢ / ٣٥٦.


(١٩)

إبراهيم بن عبد الله الغراش

١٣٦١ -...ه = ١٩٤٢ -....م

هو الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن محمد(١) بن إبراهيم الغراش القطيفي.

ولد في أوّل محرّم من عام ١٣٦١ه(٢) في القطيف ونشأ بها ، وتتلمذ على يد علمائها وفضلائها ودرس المبادئ ، وهاجر إلى النجف الأشرف ، ثمّ رجع إلى بلاده خطيباً فاضلاً ، وأديباً شاعراً.

كوّن من أشعاره ونظمه ديوان شعر أكثرها في مدح أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وله قصائد في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نقلناها في قسم الأشعار.

ترجمه حبيب آل جميع(٣) بقوله : التحق ببعض المعلّمين للقرآن والكتابة فألمّ ببعض القرآن حفظاً ؛ إذ كان ضعيف البصر لا يستطيع أن يقرأ الكتابة ، وفي نفس الوقت اشتغل بطلب العلم فكان حريصاً على تلقّي دروسه مهمّا كلّفه الحال ، ولا زال حتى اشرأبت نفسه طموحاً إلى الهجرة إلى جامعة العلم في النجف الأشرف ؛ لينهل من نميرها الفيّاض ، فهاجر برفقة شقيقه الشيخ مبارك(٤) في ١٣ / جمادي الأولى / ١٣٨٥ه.

____________________

١- في شعراء القطيف جاء : ( عبد الله بن إبراهيم ) ، وفي الأزهار الأرجية ١ / ١٦٥ ( عبد الله بن محمد بن إبراهيم ).

٢- شعراء القطيف المعاصرون / ١٥٧ ، خطباء المنبر الحسيني ١ / ٩٥.

٣- آل جميع : ولد عام ١٣٨٥ه في قرية الأوجام بالقطيف ، وهو باحث وكاتب ، له مؤلّفات عديدة منها : تربية الطفل وفق منظور الإسلام ، والعباس بن علي رمز الولاء والوفاء.

٤- مبارك : هو ابن عبد الله بن محمد القطيفي ، وهو خطيب حسيني ، ولا زال حيّاً.


وقد عاد إلى مسقط رأسه ، ثمّ هاجر إلى النجف مرّة ثانية في بداية عام ١٣٩١ه بصحبة الخطيب الشيخ حسن موسى الصفّار(١) .

ثمّ إنّه ترك النجف بسبب الأوضاع الأمنية فسكن صفوى(٢) بطلب من المؤمنين وذلك عام ١٣٩٣ه ، وقام بمهامه الدينية والاجتماعية من إقامة الصلاة ، وبيان الأحكام الشريعة إلى أن هاجرها عام ١٣٩٦ه وسكن القطيف وأقام بواجبه الديني هناك أيضاً.

حاول من جديد أن يتلحق بإحدى مراكز العلم ؛ ليواصل دراسته إلّا أنّه في هذه المرّة اختار مدينة قم المقدّسة ، وذلك عام ١٤٠٠ه إلّا أنّه لم يتمكّن الإقامة بها للظروف الأمنية التي عصفت بالمنطقة(٣) ؛ فرجع إلى مسقط رأسه واستمر بتوجيه الناس.

ويذكر آل جميع أيضاً : إنّه تتلمذ على الشيخ علي بن منصور المرهون(٤) ، والشيخ حسين(٥) بن فرج(٦) آل عمران ، وعلى الشيخ فرج نفسه(٧) .

وأمّا عن شعره وشاعريته فيقول آل جميع : إنّ له موهبة شعرية جيّدة عُرف بها في أواسط القطيف ، فاهتم بهذه الموهبة وغذّاها بحفظه المستمر

____________________

١- الصفّار : هو ابن موسى بن رضي القطيفي ، ولد في مدينة القطيف في المنطقة الشرقية سنة ١٣٧٦ه ، خطيب مفوّه ، وكاتب قدير ، له مؤلّفات عديدة منها : مسؤولية المرأة ، النفس منطقة الخطر.

٢- صفوى : من مدن القطيف في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية.

٣- حيث نشبت الحرب العراقية الإيرانية في ١٢ ذي القعدة ١٤٠٠ه الموافق ٢٢ / ٩ / ١٩٨٠م.

٤- المرهون : هو علي بن منصور بن علي ولد سنة ١٣٣٤ه ، ودرس في النجف ، له مصنّفات عديدة منها : قصص القرآن.

٥- حسين : هو ابن فرج بن حسن القطيفي ولد سنة ١٣٥٩ه ، تتلمذ في النجف على يد السيد عبد الصاحب الحكيم ، وفي قم تتلمذ على السيد مهدي الروحاني ، والشيخ جواد الآمالي ، عاد إلى بلاده وهو من علماء القطيف.

٦- فرج : هو ابن حسن بن أحمد القطيفي ولد سنة ١٣٢١ه ، درس في النجف ، ثمّ عاد إلى المنطقة الشرقية ، ومن مصنّفاته موسوعته : الأزهار الأرجية في الأثار الفرجية.

٧- وفي رسالة وصلتني منه مؤخّراً أنّه تلمذ على الشيخ محمد الهاجري ، أحد أعلام كربلاء المقدّسة والإحساء ، له ترجمة في باب أضواء على مدينة الحسين (عليه‌السلام ) فصل النهضة العلمية من هذه الموسوعة.


لشعر الحديث ، فكان متأثّراً بالشاعر إليا أبو ماضي(١) ، وخاصّة ملحمته الطلاسم(٢) ، وقد تأثّر في الشعر القديم بعنترة العبسي(٣) وزهير(٤) بن أبي سلمى من الجاهليين.

وكان مولعاً بالنحو فحفظ الكثير من الشواهد الشعرية التي مرّت عليه من خلال دراسته النحو ، وخاصّة ألفية ابن مالك(٥) ، وكانت هذه الأمور بالإضافة إلى ملازمة أستاذيه الشيخ فرج آل عمران ، والشيخ منصور البيات(٦) ، الأثر الكبير في نمو موهبته الشعرية ، وكان الشيخ العمران يشرف على القصائد التي ينظمها(٧) ، كما كان الشيخ منصور البيات ينقّح شعره في أوّل الأمر.

واقتصر شعره على رثاء ومدح أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وله بعض الأخوانيات كما تجاوزها إلى بعض الأغراض التقليدية الأُخرى، كالوعظ والإرشاد في المناسبات الدينية والاجتماعية ، ومن الناحية الشكلية يغلب على شعره النهج التقليدي في القصيدة الكلاسيكية(٨) .

ومن أوائل نظمه قصيدة أخوانية أنشأها في ١٧ / ربيع الأوّل / ١٣٩١ه ، بمناسبة ارتداء صديقه الخطيب الشيخ حسن الصفّار العمامة - من البسيط - يقول في أوّلها :

____________________

١- أبو ماضي : هو ابن ضاهر ، ولد في قرية المحيدثة بلبنان سنة ١٣٠٦ه ، وهو من كبار شعراء المهجر ، هاجر إلى أمريكا واشتغل بالصحافة ، وأصدر جريدة السمير ، له دواوين عديدة منها : تذكار والخمائل ، مات في ولاية بروكلن الأميركية سنة ١٣٧٧ه.

٢- الطلاسم : قصيدة فلسفية رباعية الأشطر ، وهي كبرى قصائده حيث تحتوي على ٢٨٤ بيتاً ، عُرفت باسم ( لست أدري ) أيضاً ، وقد قلّد الخيّام في ذلك.

٣- العبسي : هو ابن شداد بن عمرو من شعراء الجاهلية ، شهد حرب داحس والغبراء ، ويُنسب إليه ديوان شعر ، مات نحو عام ٢٢ ق.ه.

٤- زهير : هو ابن ربيعة بن رياح المزني المضري ، ولد في عائلة ينظم أهلها الشعر ، وهو من أئمّة الأدب في الجاهلية ، له معلّقة ، وله ديوان شعر ، مات سنة ١٣ ق.ه.

٥- ابن مالك : هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجياني الأندلسي الشافعي ، اشتهر بالفقه والنحو ، وألفيته اشتهرت بألفية ابن مالك ؛ لأنّها تحوي على ألف بيت في شرح قواعد النحو والصرف ، توفّي بدمشق سنة ٦٧٢ه.

٦- البيات : هو ابن عبد الله القطيفي ، ولد سنة ١٣٢٥ه ، وهو من شعراء المنطقة الشرقية وعلمائها ، له تأليفات في التوحيد والنبوّة.

٧- راجع الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية ١٠ / ١٦٥.

٨- من مجموعة حبيب آل جميع ، المرسلة إلينا من قبله.


العلمُ نورٌ بهِ الألبابُ تعتصم

حقّاً وتنجابُ عن إشراقهِ الظلمُ

فكن لهُ ساعياً بالجدِّمجتهدا

وخلِّ عنكَ أُناساً منهُ قد سئموا

فالناسُ قسمانِ إن تسأل أجبكَ فذو

علمٍ ومَنْ في بحارِ الجهلِ مرتطمُ

فحاربَ الجهلَ تظفر بالـمُنى أبدا

وانصر ذوي العلمِ إذ هم للهُدى علمُ

وله قصيدة - من الخفيف - أنشأها في ذكرى ميلاد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول في مطلعها :

فجرُ هدى الأنامِ عمَّ ضياه

فالوجودُ اكتسى بنورِ سناه

إلى أن يقول :

كم رسولٍ من عندهِ وكتاب

جاءَ في الناسِ داعياً بهداه

لم يزل لطفهُ مدى الدهرِ سار

هذهِ رسلُهُ وذي أنبياه

هذهِ سنّةُ الإلهِ إلى أن

جاءَ خيرُ الأنامِ من مبتداه

فاستنارَ الوجودُ إذ خلا فيه

مَنْ غدا للوجودِ قطبُ علاه

إذ هو البدئ للخليقةِ جمعا

وهو الختمُ قد سمى معناه

فاستقامَ الرشادُ وانهدمَ الكفـ

ـر بليثٍ من الرحيمِ قواه

أحمدُ المصطفى وزينُ المعالي

سيّدُ الرسلِ لا يداني علاه

طهرَ الكونُ حين ميلادِ طه

فجرهُ شعَّ واستطارَ ضياه

ولدَ المصطفى فراحَ سرورا

يزدهي الكونُ من جمالِ بهاه

وغدت مكةَ الحجيجَ ضياء

بعضهُ يغمرُ الوجودَ سناه

شمخت رفعةً وفاقت جلالا

حيثُ فيهِ الإسلامُ رفّ لواه

أصبحت للهدى هدى الله مهدا

فتسامت أجواؤها بضياه

وغدت مهبطاً لجبريلَ لـمـّا

بعثَ اللهُ أحمداً بهداه

جاء يحيي الوجودَ إذ كانَ ميتا

ناشرُ العدلِ بعد طولٍ طواه

فأقامَ الرشادَ وانتعشَ العقل

بعدَ أن كانَ في غطيطٍ(١) كراه

حررَ العقلَ والضميرَ جميعا

وسمى الفكرُ حين أعلى بناه

أيها الهاتفُ الذي لم ترعه

كثرةَ المرجفينِ من أعداه

____________________

١- الغطيط : مصدر غطّ النائم ، إذا نخر في نومه ، والبعير إذا هدر في الشقشقة.


أنت حقاً مزلزلُ الشرك والكفر

مجيرُ الإنسان من بلواه

أنت للخاطئينَ كهفٌ منيع

ولِمَنْ أظلمت سماهُ سماه(١)

وله قصيدة - من الكامل - في ميلاد السيدة الزهراء (عليها‌السلام ) يقول فيها :

هنّ الوجودُ بليلةٍ غراء

مرّت بهِ فتبوأ الفخرا

مرّت بهِ لكنّها خلدت فيه

ولولاها لما قرّا

فيها السّلامُ من السّلامِ أتى

والأمنُ منهُ للورى طُرّا

شمسُ الرشادِ بفجرها بزغتْ

وبصبحها صبحُ الهدى طُرّا

قد شرِّفت من نورِ خالقها

أضحى سناهُ يخجلُ البدرا

أنّى وفيها ذو الجلالِ حبى

طه الرسولَ بخالدِ الذكرى

حيثُ البشيرُ أتاهُ مبتهجا

معهُ الملائكُ تحملُ البشرا

جبريلُ من ربِّ السماءِ أتى

ولهُ خديجة رسلها تترى

وتوالتِ الأفراحُ واتصلت

بجنانها فأقيمتِ الذكرى

والكلُّ يهتفُ بالهنا فرحا

شَرُقَ الوجودُ بمولدِ الزهرا

أُمُّ الهداةِ إلى الرشادِ وَمَنْ

بالفضلِ فاقت مريمَ العذرا

إلى أن يقول :

وأسألْ أباها المصطفى فله

عن فضلِها يثلجُ الصدرا

كم قالَ إنّ اللهَ يغضبُ إن

تغضبُ ويرضى في رضى الزهرا(٢)

ولها بيومِ الحشرِ مرتبة

عندَ الإلهِ فشاعهُ الذكرا

وهي الشفاعةُ للذين هم

جاءَ الإله بحبّها أجرا

____________________

١- من مجموعة الباحث السعودي حبيب آل جميع.

٢- ذكر الفيروز آبادي في كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ٣ / ١٨٩ عن كنز العمال ٦ / ٢١٩ قول رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ): (( إنّ الله (عزَّ وجلّ) يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها )) ، ونقل قريباً منه عن مستدرك الصحيحين ٣ / ١٥٣ ، وميزان الاعتدال للذهبي ٢ / ٧٢ ، وذخائر العقبى / ٣٩ ، وقريب منه ما رواه ابن الأثير في أُسد الغابة ٥ / ٥٢٢ ، وابن حجر في الإصابة ٨ / ١٥٩ ، وتهذيب التهذيب ١٢ / ٤٤١ ، وكنز العمال أيضاً ٧ / ١١١.


وله غديرية(١) - من الخفيف - يقول في أوّلها :

يخلدُ المجدُ في النفوسِ الأبيه

حيثُ فيها الوفاءُ والحرّيهْ

فالإبا الزم إن كنتَ حرّاً وإلّا

أنتَ مستعبدُ لدنيا دنيهْ

واقتحمْ للعُلا المهالكَ تسعد

بحياةٍ سعيدةٍ سرمديهْ

والزم الحقّ نهجهُ بثبات

في مقامِ العُلا بحسنِ السجيه

واقتفِ السالفينَ مَنْ حرّروا الـ

ـعقلَ بدينٍ أصولهُ عقليه

أيقظ الفكرَ من جهالةِ قوم

زعموا شرعةَ الهدى رجعيه

إلى أن يصف ما قام به الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) في يوم الغدير قائلاً :

فاستوى فوقَ منبرٍ كوّنوه

من حِدوجِ(٢) وكورِ(٣) إبلِ السريه

آخذاً في يمينهِ كفُّ رشد

للبرايا من الذنوبِ نقيه

كفُّ مَنْ شيّدَ الهدى بكمال

وكيانَ الضلالِ هدَّ قويه(٤)

كفُّ جودٍ تفيضُ منها العطايا

فهي بالجودِ في عطاها سخيه

هي غوثٌ إن عمّ في الناسِ جدب

وهي في الحربِ في عداهِ رزيه

كفُّ ليثٍ غضنفرٍ ذي ثبات

إن يصادمَ ليوثَ أُسْدٍ جريه

باسماً ثغرهُ إذا شبّتِ الحرب

ببيضَ السيوفِ والسمهريهْ(٥)

وإذا ما دجى الظلامُ تجلّتْ

فيهِ للهِ خشيةٌ قلبيه

فيفيضُ الدموعَ مُتَّهمَ النفس

بتقصيرها وكانت تقيه

يعبدُ اللهَ مخلصاً بخشوع

ووليُ الإلهِ يُرضي وليّه

إلى أن يختمها بقوله :

ولعمري يوم الغديرِ على ما

قد ذكرنا لواضحُ الحجّيه

____________________

١- غديرية : نسبة إلى غدير خم على مقربة من مكة حين قال النبي الأكرم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعد عودته من حجّة الوداع في علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) : (( مَنْ كنت مولاه فهذا عليّ مولاه )).

٢- حدوج : واحدها الحدج ، وهو الحمل.

٣- الكور والمكور : رحل البعير.

٤- قويه : منصوب على البدلية لكيان ، والضمير يعود إلى الكيان نفسه ، والمعنى أنّه هدّ القوي من كيان الضلال.

٥- السمهر : الرمح.


حيثُ فيهِ الرسولُ بلّغَ وحيا

في علي عن الإلهِ البريهْ

قالَ هذا إمامكم بايعوه

وأطيعوا واعصوا النفوسَ الشقيه

راقبوا اللهَ فيهِ حيث ارتضاه

فارتضوهُ كما ارتضاهُ وليه

فأجابوا وبايعوهُ ولكن

بنفاقٍ إذ لازموا العصبيه

حيثُ قد أوّلوا النصوصَ عنادا

منهمُ بالسياسةِ الهمجيه

أوجبت فيهم تمزّقَ شمل

وانحرافاً وخيبةً أبديه

وله قصيدة - من الكامل - في رثاء الإمام الحسن العسكري (عليه‌السلام )(١) .

هدَّ الهدى رزءٌ جليلٌ مفجع

فالشهبُ من فلكِ الهدايةِ وقّعُ

وتكوّرتْ شمسُ الضحى مذ أُلبس

الإسلامُ ذُلاً دائماً لا ينزعُ

والبدرُ بُرقعَ بالسوادِ لعظمه

والمجدُ دُكّ شمامهُ المترفّعُ

والدينُ أصبحَ ثاكلاً من هوله

ينعى وليسَ لهُ مجيبٌ يسمعُ

ينعى لآلِ محمدٍ بدراً خبا

بالسمِّ أعداهُ حشاهُ قطّعُوا

ويلٌ لهم من جدّهِ ماذا جنوا

في نجلهِ والعهدُ فيهِ ضيّعوا

وبغوا لهُ كلّ الغوائلِ إذ غدا

عن جدّهِ بالحقِّ جهراً يصدعُ

كم مشكلٌ لولاهُ ماسطاع لهُ

حلاً ولكن خبطَ عشوا أزمعُ

من ذاك مذ قد أبصروا أنّ

السما من كفّ ضليلِ النصارى تهمعُ(٢)

ظلّت عقولهمُ وحادوا عن هدى

من ربّهم إذ قولهُ لم يسمعوا

باعوا الهدى إذ إنّهم لا يعلموا

أنّ الأعادي كيدها لا يُصدعُ

إلّا بمَنْ ولّاه طه أمرهم

ومن المهيمنِ علمهُ يُستودعُ

فهناكَ جاؤوا يصرخونَ لِمَنْ غدا

في السجنِ بغياً منهمُ يُستودعُ

قالوا لهُ قم يابنَ طه مسرعا

فانهارَ دينَ اللهِ ليلٌ أسفعُ(٣)

حتى إذا ما جئتهم زال العمى

وبدا لهم نورُ الهداية يلمعُ

____________________

١- العسكري : هو الإمام حسن بن علي بن محمد ، الإمام الحادي عشر من أئمّة الإمامية الاثني عشر ، ولد في المدينة المنوّرة سنة ٢٣٢ه ، وهو والد الإمام الحجّة المنتظر ، استشهد في سامراء سنة ٢٦٠ه.

٢- همع : الماء والمطر سالَ.

٣- السفع : السواد والشحوب ، وقيل السواد المُشَربُ حُمرة.


وسربت منهُ النصارى عارها

إذ لم يفد ما دبّروهُ وشنّعوا

كم كربةٍ عن دينِ أحمدَ ردَّها

لكن أعاديهِ ببغي أسرعوا

إلى أن يقول في آخرها :

يابنَ الهدى طالَ الصدى فاشحذ

شبا(١) عضبٍ(٢) لهُ الأرواحُ طوعاً تخضعُ

____________________

١- شبا الشيء : علا.

٢- العضب : السيف القاطع.


(٢٠)

إبراهيم بن علوان النصيراوي

١٣٧٦ -....ه = ١٩٥٦ -....م

هو الشيخ إبراهيم بن علوان النصيراوي.

ولد في العمارة(١) عام ١٣٧٦ه ونشأ بها ، والتحق بالمدارس الحديثة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، ثمّ هاجر إلى النجف عام ١٤١١ه ؛ ليلتحق بجامعتها العلمية ، فأخذ من فضلائها وأعلامها ، كالسيد أبو القاسم الخوئي(٢) ، والشيخ علي الغروي(٣) ، ثمّ هاجرها بسبب الظروف الأمنية القاسية إلى إيران ، والتحق بجامعة قم العامرة.

عندما كان في مسقط رأسه كان يرتاد الأندية الحسينية ، ومجالس العلماء والأدباء ، ويشترك في المناسبات الدينية والاجتماعية بقراءة القرآن وبعض الكلمات ، ممّا خلقت له أرضية ؛ ليتوجه نحو العلم والأدب ، وباختياره التخصّص بالخطابة الحسينية ، والممارسة للشعر والأدب حفظاً وإلقاءً

____________________

١- العمارة : مدينة عراقية تقع في الجنوب ، أُطلق عليها اسم ميسان ، وذلك في عهد حكومة الرئيس أحمد حسن البكر الذي حكم من عام ١٣٨٨ه إلى عام ١٤٠٠ه.

٢- الخوئي : هو ابن علي أكبر بن هاشم الموسوي ، ولد في مدينة خوي الإيرانية سنة ١٣١٧ه ، وهو من علماء الإمامية وفقهائها ، له مصنّفات عديدة اشتهر منها (معجم رجال الحديث) ، توفّي سنة ١٤١٣ه ودُفن في النجف ، تولّى المرجعية شبه العامّة بعد وفاة السيد محمود الشاهرودي عام ١٣٩٤ه.

٣- الغروي : من أبرز تلامذة السيد أبو القاسم الخوئي ، له تقريرات درسه في اثني عشر جزءاً باسم التنقيح ، من علماء الإمامية ، اغتيل في الرابع والعشرين من شهر صفر عام ١٤١٩ه لدى عودته من زيارة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) إلى مقرّ إقامته في النجف.


ومطالعة.

نمت يوماً بعد يوم تلك الأرضية التي كانت قد ظهرت أيام دراسته في المدارس الثانوية في العمارة ؛ حيث اشترك في مسابقة طلّابية للشعر على مستوى المدارس الثانوية في العراق فكان الفائز الثاني ، وذلك عام ١٣٩٨ه ، ممّا يظهر أنّ قدرته على النظم كانت قد صُقلت في تلك الفترة الزمنية.

وقد اعتبر الشاعر نفسه هذه المشاركة هي أوّل شعره الذي يعتمد عليه حيث يقول : نظمتُ الشعر أيضاً في هذه المرحلة من عمري - العقد الثاني - إلّا أنّه شعر ركيك يحتاج إلى الإصلاح ، شأنه شأن كلّ بداية ، ثمّ ترقّى الأمر حتى كانت لي مشاركات في المدرسة.

وقد اخترنا من تلك القصيدة أوّلها - من الوافر - حيث يقول :

لسانُ الفكرِ دعني بانطلاق

وذرني أشتكي ممّا أُلاقي

وأعلنها على الأيامِ حربا

تحطّم كلَّ عرشٍ للنفاقِ

لتنخرطَ الخيانةُ من حفوف

أبت إلّا التقدّمَ بالشقاقِ

وأسقيها لكم كأساً مليّا

لتعرفَ نكهةَ الطعمِ المذاقِ

أُريقُ الكأسَ من بعدِ امتلاء

فوا أسفي على الكأسِ المراقي(١)

وللشاعر ديوان شعر حسيني سمّاه ( حديث كربلاء ) يحتوي على أرجوزة تتضمّن ١١٧٢ بيتاً ، يبدو أنّه انتهى منها بتاريخ ٨ / محرّم / ١٤١١ه كما يظهر من تاريخ المدخل على الديوان.

ويذكر في المقدّمة عن سبب اختياره الرجز قائلاً : راودتني فكرة الكتابة عن الإمام الحسين بن علي (عليه‌السلام ) وكان الأمل يحدو بي لتحقيق ذلك ، ثمّ تجسّد الأمل حقيقة باقتصار الحديث عن واقعة الطفّ ، والحديث عنه ذو أبعاد متعدّدة : سياسية واجتماعية ، ودينية واقتصادية ، وكلّها عوالم رافقت ثورة الحسين (عليه‌السلام ) فأخذت جانب السرد التاريخي لوقائع الأحداث ، وحاولت أن أنظم ذلك شعراً ، وحدّدت بحر الرجز لذلك ميداناً ؛ لأنّ الأرجوزة لا تلتزم قافية بعينها ، بل تنتقل بين القوافي حروفاً وحركات(٢) .

____________________

١- رسالة الشاعر إلى المؤلّف.

٢- حديث كربلاء / ١٢.


ونُشر للشاعر بعض القصائد في الرثاء عبر مجلة النور(١) اللندنية ، وله بعض المؤلّفات الأُخرى في النحو وفي التراجم(٢) .

____________________

١- النور : مجلّة شهرية إسلامية عامّة ، صدرت عن مؤسسة الإمام الخوئي في لندن ، وتناوب على رئاسة تحريرها عدد من الكتّاب ، وفي عهد رئيس تحريرها السيد عبد الحسن الأمين استقلّت عن مؤسسة الإمام الخوئي عام ١٤١٦ه.

٢- سيأتي الحديث عنها في معجم مَنْ ألّف في الحسين من هذه الموسوعة.


هذا ، وقد أرّخ صدور الديوان للسيد مصطفى جمال الدين(١) عام ١٤١٥ه وهي - من الوافر - :

نشيدكَ في فمِ الدنيا معطّرْ

وصوتكَ فوقَ جرحِ الحقِّ كبّرْ

وحلّقَ كي يعانقُ كلّ نجم

فغطّى البدرَ نورٌ منهُ أزهرْ

ولامَسَ ماءَ دجلة وهو يجري

فصارَ لشاربيهِ الماءُ كوثر

ومسّ الأرضَ فانتشرت حصاها

وروداً واستحالَ الرملُ سكّر

وفاحَ بأفقنا فاهتزَّ نخل

من الفيحاءِ حيثُ زها وأثمر

____________________

١- جمال الدين : مصطفى بن جعفر بن عناية الله ، ولد بقرية المؤمنين بسوق الشيوخ ، التابعة لمحافظة الناصرية عام ١٣٤٦ه ، وهو من شعراء العراق وأدبائه ، مات سنة ١٤١٧ه ، وله ديوان شعر باسم ( الديوان ) ، ومؤلّفات منها : الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة ، والبحث النحوي عند الأصوليين.


على بُعد يُشمّ الطيبُ أرخْ

لمسكُ الشعرِ بالديوانِ ينشرْ

كما رثاه بعد نحو سنة في قصيدة - من الخفيف - أوّلها :

لا تقلْ ماتَ بل تخطّى الدروبا

ليرى والنجومُ وهجاً سكوبا

ليرى والنجومُ تخبو نهاراً

شامخاً زادهُ المغيبُ لهيبا

ماثلاً يملأ العيونَ وجودا

خالداً والرحيلُ كانَ كذوبا

مسّهُ الموتُ فاستحى منهُ جسما

ضمَّ في قلبهِ المعنى قلوبا

خرستْ ألسنُ الفصاحةِ حزنا

وذوى غصنها وكانَ رطيبا

وله قصيدة - من الرمل - يخاطب بها صديقاً له في سجون العراق أنشأها عام ١٤١٧ه :

أيّها الصامدُ في قعرِ السجون

لكَ وجهٌ لم يزل ملءُ جفوني

لم تزل بسمتكَ الحلوةُ في

خاطري تلعنُ بالدهرِ الخؤون

صوتكَ العذبُ يحاكي أُذني

وبه أسلو إذا اشتدّتْ شجوني

أنتَ في قلبي جرحٌ نازف

وإذا أقسمتُ بالجرحِ يميني

أنتَ يا خلّي طيفٌ قد سرى

من أمامي اصطادهُ ألفُ كمين

وشهابٌ رحتُ أدنو نحوه

فاختفى عن طالبٍ فيهِ ضنين

أيّ نفسٍ حملتها فتية

أيّ نورٍ شعّ من خيرِ جبين

وصمودٌ لم يجد سجّانه

فيهِ حرفاً لشكاهُ أو للين

هكذا أنتَ أمامي ماثل

توأمَ المجدِ وليثاً في عرين

جبلٌ تزَّلزلُ الدنيا وما

حادَ في تحريكهِ بعدُ سكون

كبّلوا منكَ يداً طاهرة

فتحرّرتَ من الذلِّ المهين

وعجيبٌ لأصيلٍ قيّدت يده

الحرةُ كفّاً لهجين

هذا وقد حاولنا الحصول على المزيد من شعر المترجم له المتنوع الأغراض منه مباشرة فلم نحظ بذلك ، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّه مقلّ حيث لا ينظم إلّا في المناسبات التي تستحوذ اهتمامه.


(٢١)

إبراهيم بن علي البلادي

أواخر القرن ١١ - بعد ١١٥٠ه = أواخر القرن ١٧ - بعد ١٧٣٧م

هو الشيخ إبراهيم بن علي بن حسن بن يوسف بن حسن بن علي البلادي البحراني ، ولد في البحرين في أواخر القرن الحادي عشر ، ونشأ في حجر أبيه على التقى والفضيلة ، وتتلمذ على علماء عصره.

وهو شيخ جليل ، وعالم فقيه ، وأديب شاعر ، ومؤلّف قدير ، عُرف من مؤلّفاته اثنان :

١ - جامع الرياض في مدح النبي وآله الحفّاظ ، الذي وصفه الطهراني بقوله : كبير ، فيه أربع عشرة روضة بعدد المعصومين (عليهم‌السلام ) ، وقد سمّى الناظم بعض تلك الروضات بأسماء خاصّة ، منها :

الروضة التي في مدح صاحب الزمان (عليه‌السلام ) فإنّه سمّاها ببستان الإخوان في مدح صاحب الزمان.

ورأيته بخطّ تلميذه الشيخ عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد البحراني الأصبعي الشويكي(١) تاريخه ١١٤٩ه ، وذكر أنّه نقله من جامع الرياض.

وقال : إنّ الناظم له هو أبو الرياض(٢) مولانا وشيخنا الصفي الوفي ، المؤتمن الشيخ إبراهيم ابن المقدّس العالم العامل ، العلّامة الفردوسي الشيخ علي ابن الشيخ حسن البلادي البحراني.

ومنها : الروضة في مدح أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، رأيت نسخة منه قابلها الناظم مع أصله ، وكتب شهادة

____________________

١- الشويكي : ويلقّب بالخطّي ، وفي الأعيان ٨ / ٧٠ أنّه الشوبكي بالباء ، كان حيّاً في سنة ١١٥٠ه ، كان عالماً وأديباً شاعراً ، له ديوان جواهر النظام في مدح السادة الكرام (عليهم‌السلام ) ، تتلمذ على الشيخ محمد بن عبد الرحيم الشريف النجفي.

٢- الظاهر أنّ هذه ليست بكُنيته ، ولعلّها نسبة إلى كتابه جامع الرياض ، أو لأنّ له روضات في المعصومين (عليهم‌السلام ).


المقابلة بخطّه في يوم الجمعة ١٧ جمادى الأولى عام ١١٥٠ه(١) .

ومن الجدير ذكره : إنّ الروضة في مصطلح الأدباء والشعراء هو الديوان المشتمل على ثمان وعشرين قصيدة على قوافي الحروف الهجائية ، كما يظهر من عنوان الديوان أنّه في الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والأئمّة الطاهرين (عليهم‌السلام ) ، وقد جعلها أربعة عشر(٢) بأسماء المعصومين (عليهم‌السلام ) ، والذي منهم الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ؛ ولذلك استظهر الطهراني أنّ له في كلّ معصوم روضة في جامع الرياض(٣) .

وكُنيته بأبي الرياض جاءت من ديوانه هذا ، المشتمل على رياض في المعصومين الأربعة عشر (عليهم‌السلام ) ، ويظهر أيضاً من التسمية أنّه وضع لكلّ معصوم روضة ، أيّ ثمان وعشرين قصيدة ، والله العالم.

ويذكر الأميني(٤) : أنّ فيه أيضاً ١٣٢ دوبيتاً في أبواب خمسة : التوحيد ، والنبوّة ، والإمامة ، والعدل ، والمعاد ، وميمية من ١٠٨ بيتاً في الأصول الخمسة(٥) .

٢ - الاقتباس والتضمين من كتاب الله المبين : وهذا ديوان آخر نظمه في العقائد ، وقال عنه الطهراني : وهو في إثبات عقائد الدين ، منظومة في أصول الدين من التوحيد إلى المعاد ، مع الردّ على المخالفين في كلّ مسألة ، في غاية المتانة وهي - من المنسرح - وأوّلها :

الحمدُ للهِ ربّنا أبدا

والشكرُ منّا لفضلهِ سرمدا

واللهُ في الملكِ لا شريكَ له

وأنّهُ لم يلد ولن يولدا

رتبه على خمس أبواب :

١ - في ذكر الواجب تعالى ، وما يصح عليه وما يمتنع ، وحدوث القرآن ، وثبوت الحسن والقبيح.

____________________

١- الذريعة ٥ / ٥٧ رقم ٢١٤.

٢- المعصومون : هم الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وابن عمّه أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، وابنته فاطمة (عليها‌السلام ) ، وابناهما الحسن والحسين (عليهما‌السلام ) ، والتسعة من أولاد الحسين (عليهم‌السلام ) ، آخرهم الإمام المهدي (عليه‌السلام ).

٣- الكواكب المنتشرة / ٥.

٤- الأميني : هو عبد الحسين بن أحمد الأميني ، ولد في تبريز سنة ١٣٢٠ه ، وتوفّي في طهران سنة ١٣٩٠ه ، ودُفن في النجف الأشرف ، من علماء الإمامية ومحقّقيها ، اشتهر بكتابه (الغدير).

٥- الغدير ١١ / ٣٨٤.


٢ - في ذكر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

٣ - في ذكر أمير المؤمنين (عليه‌السلام ).

٤ - في ذكر سائر الأئمّة (عليهم‌السلام ).

٥ - في معاد الأرواح والأجساد ، وتبكيت(١) الخصام ، والردّ عليهم في الأصول والفروع.

رأيت نسخة منه في خزانة كتب سيّدنا الحسن صدر الدين بالكاظمية ، وأُخرى في مكتبة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء(٢) في النجف ، وهي بخطّ تلميذ الناظم الشيخ عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد الشويكي الخطّي ، كتبها سنة ١١٤٩ه(٣) .

ويظهر من كلامه هذا ومن التسمية أنّه ضمّن جملة من الآيات المرتبطة بأصول الدين الخمسة ، كما أنّه ذكر في الفصل الخامس عن الأئمّة الأحد عشر والذي منهم الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وبهذا يكون قد ذكر الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في كلّ من ديوانيه الرياض والاقتباس.

ذكره الأمين ومجّده(٤) ، ووصفه التاجر(٥) : بالعالم العامل ، والفقيه النبيه ، والأديب الكامل ، والحليم الذكي(٦) .

____________________

١- بكت الرجل : غلبه بالحجة.

٢- كاشف الغطاء : هو ابن عباس بن علي بن جعفر ، ولد سنة ١٢٩٠ه ، وهو من أعلام النجف وأدبائها ، له مؤلّفات ومنظومات كثيرة ، منها : منظومة في أحوال الزهراء (عليها‌السلام ).

٣- الذريعة ٢ / ٣٦٦ ، رقم ١٠٨٤ ، وجاء التاريخ في أعيان الشيعة ٢ / ١٢٣ (عام ١١٤١ه).وجاء تاريخها في الكواكب المنتشرة / ٣ ، كما نقل عنه بهذا العنوان تلميذه عبد الله بن محمد بن حسين بن محمد الشويكي الخطّي في آخر مجموعة من أشعار نفسه في سادس جمادى الأُخرى ١١٤٩ه.

٤- أعيان الشيعة ٣ / ١٢٣.

٥- التاجر : هو الشيخ محمد علي بن سلمان وقد مضت ترجمته.

٦- موسوعة شعراء البحرين ١ / ٢١ عن منتظم الدرّين.


ومن الجدير ذكره أنّ المترجم له كان من بيت علم وأدب وفضيلة ؛ حيث كان والده الشيخ علي(١) من أعلام عصره ؛ حيث ذكره البحراني(٢) بقوله : كان فاضلاً ولاسيما في العربية والمعقولات ، مدرّساً إماماً في الجمعة والجماعة(٣) ، كما أنّ جدّ المترجم له الشيخ حسن كان من

____________________

١- علي : هو ابن حسن بن يوسف البلادي البحراني ، كان معاصراً للشيخ سليمان بن عبد الله الماخوري المتوفّى سنة ١١٢١ه.

٢- البحراني : هو الشيخ يوسف بن أحمد بن إبراهيم الدرازي ، المولود سنة ١١٠٧ه ، من أعلام الإمامية وفقهائها ، له مصنّفات عديدة منها : الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة ، توفّي بالحائر سنة ١١٨٦ه ، ودُفن عند رجلي الشهداء بالرواق الحسيني.

٣- لؤلؤة البحرين / ٧٤ ، رياض الجنة / الروضة الرابعة.


الفضلاء.

وأمّا جدّه الأعلى الشيخ يوسف بن الحسن(١) فقد ذكره الحرّ العاملي بقوله : فاضل متبحّر ، شاعر أديب من المعاصرين(٢) ، ومن شعر المترجم له قصيدة - من الوافر - في العقائد :

بدأتُ بحمدِ مَنْ خلقَ الأناما

وأشكرهُ على النّعما دواما

هو الموجودُ خالقنا وجوبا

ولم أثبت لموجدنا انعداما

لقد خلقَ الورى إظهارَ كنز

تستَّرَ فاستفضَّ لهُ الختاما(٣)

أصولٌ خمسةٌ للدينِ منها

لهُ العدلُ الذي في الحكمِ داما

وثاني الخمسةُ التوحيدُ فيه

ونفي شريكهُ أبداً دواما

وثالثها النبوّةُ وهي لطف

عظيمٌ دائمٌ عمَّ الأناما

ورابعها الإمامةُ وهي لطف

من الباري بهِ الدينُ استقاما

وخامسها المعادُ لكلِّ جسم

وروحٍ والدليلُ عليه قاما

وإن إلهنا في الحكمِ عدلٌ

يخاصمُ كلَّ مَنْ ظلمَ الأناما

وإنَّ النّارَ والجنّاتِ حقّ

على رغمِ الذي جحد القياما

وإنَّ المؤمنين لهم جنان

ونار الكافرين علت ضراما

وإنَّ الرّسلَ أوَّلهم أبوهم

وذلكَ آدمُ خصّوا السَّلاما

وأفضلهم أولوا العزمِ الأجلّا

ومَنْ عرفوا لربِّهم المقاما

وهم نوحٌ وإبراهيمُ موسى

وعيسى والأمينُ أتى ختاما

____________________

١- قال الأميني في الغدير ١١ / ٣٨٤ نقلاً عن لؤلؤة البحرين / ١٢١ ، إنّه لمـّا توفّي الشيخ يوسف ، ودُفن في مقبرة المشهد - مسجد في البحرين - اتّفق انهدام إحدى بناءيه وسقوطها على قبره ، فمرّ الشيخ عيسى آل عصفور بامرأة جالسة عند المنارة تتعجّب من سقوطها ، فقال الشيخ عيسى في ذلك - من المتقارب - :

مررتُ بامرأةٍ قاعده

تحولقُ في هيئةٍ عابده

وتسترجعُ اللهَ في ذا المنار

فما بالها في الثرى راقده

فقلتُ لها يابنةُ الأكرمين

رأيتِ أموراً بلا فائده

ثوى تحتها يوسفي الكمال

فخرّت لهيبته ساجده

٢- أمل الآمل ٢ / ٣٤٩.

٣- في إشارة إلى الحديث القدسي الدائر على الألسن : كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أُعرف ؛ فخلقت الخلق لكي أُعرف.


محمّدهم وأحمدهم تعالا

وأعلاهمُ وقاراً واحتشاما

فأشهدُ مخلصاً أن لا إله

سوى الله الذي خلقَ الأناما

وأنَّ محمّداً للنّاسِ منه

نبيٌّ مرسلٌ بالأمرِ قاما

وأشهدُ أنّهُ ولّى عليّا

وليَّ اللهِ للدِّينِ اهتماما

وصيَّرهُ الخليفةَ يومَ ( خم )

بأمرِ اللهِ عهداً والتزاما

ونصَّ على الأئمَّةِ من بنيه

هناكَ على المنابرِ حينَ قاما

فواخاهُ النبيّ وفي البرايا

بحكمِ اللهِ صيَّرهُ إماما

وعظَّمهُ ولقَّبهُ بوحي أمير

المؤمنينَ فلن يراما

وزوَّجهُ البتولَ لها سلام

من اللهِ الوصول ولا انصراما

فكانَ لها الفتى كفواً كريما

فأولدها أئمّتنا الكراما

هذا كلّ ما أمكننا الحصول عليه من نظمه ، رغم محاولتنا الجادة في اتّجاهات ثلاث ؛ البحرين ، العراق ، إيران ، ولكنّنا نأمل أن يكشف المستقبل لنا المزيد من شعره وترجمته.

____________________

١- الغدير ١١ / ٣٨٢ عن ديوان الشيخ البلادي (مخطوط).


(٢٢)

إبراهيم بن علي القرشي

٩٠ - ١٧٦ه = ٧٠٩ - ٧٩٢م

هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة بن هذيل بن ربيع بن عامر بن صبح بن عدي بن قيس بن الحارث بن فهر القرشي الفهري المدني الحجازي ، ويُطلق عليه ابن هرمة.

ولد الشاعر عام ٩٠ للهجرة(١) بالسيالة(٢) من قرى المدينة المنوّرة ، ونشأ في مسقط رأسه(٣) وفي المدينة المنورة ، واتّصل بشعراء عصره وأدبائه.

ففي أخباره أنّه لقي جريراً(٤) والفرزدق فأثنيا على شاعريته ، ونوّها

____________________

١- وقيل : إنّه ولد عام ٧٠ للهجرة ، كالبغدادي في خزانة الأدب ١ / ٣٨٤ ، ولكنّ الأرجح أنّه ولد عام ٩٠ للهجرة ؛ لقوله في قصيدة - من البسيط - يمدح بها المنصور عام ١٤٠ه :

إنّ الغوانيّ قد أعرضنَ مقليهْ

لمـّا رمى هدفَ الخمسين ميلادي

كما نقله أبو الفرج الأصبهاني عن البلاذري في الأغاني ٤ / ٣٦٧ ، وأعيان الشيعة ٢ / ١٨٩.

٢- السيالة : بتخفيف الياء ، وهي أوّل مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة.

٣- وقال ثعلب ( أحمد بن يحيى ) : إنّه تربّى في ديار تميم ، وإنّه تعلّم طريقتهم في قلب الهمزة عيناً كقوله - من البسيط - :

أعَنْ تغنَّتْ على ساقٍ مطوقة

ورقاءُ تدعو هديلاً فوقَ أعواد

عن مجالس ثعلب ١ / ٨١.

٤- جرير : هو ابن عطية بن حذيفة الخطفي ، ولد في اليمامَة سنة ٢٨ه ، ومات فيها سنة ١١٠ه ، وهو شاعر معروف ، له ديوان شعر.


بفنه(١) .

وينقل أنّ جريراً قدم المدينة فأتاه ابن هرمة وابن أذينة(٢) فأنشداه ، فقال جرير : القرشي(٣) أشعرهما والعربي(٤) أفصحهما.

قال الجاحظ : فنونه المدح والهجاء ، والفخر والحكمة ، وله أوصاف بدوية في السحاب ، وفي الأثافي(٥) والرماد ، وفي الكلاب عند مجيء الضيوف ، وله أيضاً في الحكمة(٦) .

وقال الأصمعي(٧) وابن الأعرابي(٨) : ختم الشعراء بابن هرمة(٩) ، وأضاف الأصمعي قائلاً : الحكم الخضري(١٠) وابن ميادة(١١) ، ورؤبة(١٢)

____________________

١- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٣.

٢- ابن أذينة : هو عروة بن يحيى الملقّب بأُذينة بن مالك بن الحارث الليثي ، من أهل المدينة ، ويُعدّ من الفقهاء والمحدّثين ، ولكن غلب عليه الشعر ، مات نحو عام ١٣٠ه.

٣- القرشي : إشارة إلى ابن هرمة.

٤- العربي : إشارة إلى ابن أُذينة.

٥- الأثافي : الحجر يوضع عليها القدر.

٦- تاريخ الأدب العربي ٢ / ٩٧ عن البيان والتبيين - للجاحظ ١ / ٥١.

٧- الأصمعي : هو أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيب بن علي بن أصمع الباهلي ، ولد عام ١٢٢ه ، تعلّم في البصرة على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي ، وأبي عمرو بن العلاء البصري ، عهد إليه هارون الرشيد بتعليم الأمين ، ومن كتبه : الأصمعيات ، وكتاب خلق الإنسان ، وكتاب الأضداد.مات عام ٢١٦ه.

٨- ابن الأعرابي : هو أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي ، ولد عام ١٥٠ه ، مات في سامراء عام ٢٣١ه ، وهو من أكابر علماء اللغة ، وله كتاب : أسماء الخيل وفرسانها ، وكتاب النوادر ، وتاريخ القبائل.وكان شاعراً.

٩- أعيان الشيعة ٢ / ١٨٩.

١٠- الخضري : هو الحكم بن معمر بن قنبر الخضري ، المتوفّى نحو عام ١٥٠ه كان شاعراً ، عدّه الأصمعي من طبقته.

١١- ابن ميادة : هو الرماح بن أبرد الذبياني ، المتوفّى عام ١٤٩ه ، شاعر من مخضرمي الدولة الأموية والعباسية ، كان هجّاءً ، إلّا أنّ شعره رقيق.

١٢- رؤبة : هو ابن عبد الله العجاج بن رؤبة التميمي السعدي ، المتوفّى عام ١٤٥ه ، شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية ، وهو شاعر راجز من الفصحاء المشهورين.


وابن هرمة ، وطفيل الكناني(١) ومكين العُذْري(٢) كانوا على ساقة(٣) الشعراء ، وتقدّمهم ابن هرمة بقوله - من المنسرح - :

لا أُمتِع العُوذ بالوصالِ ولا

أبتاعُ إلّا قريبة الأجلِ(٤)

ويقول عنه عبد القادر البغدادي(٥) : ابن هرمة آخر الشعراء الذين يحتجّ بشعرهم.

وقال ابن رشيق(٦) : إنّه من أوائل مَنْ فتقوا أكمام البديع(٧) .

ويقول عنه الخطيب البغدادي : هو شاعر مفلق(٨) ، فصيح مسهب مجيد ، محسن القول ، سائر الشعر(٩) .

____________________

١- الكناني : هو طفيل بن عامر بن وائلة ، المتوفّى عام ٨٢ه ، كان شاعراً شجاعاً ، خرج على الحجّاج وقُتل في وقعة الزاوية.

٢- مكين : لم نحصل على اسم مكين في مجمل المعاجم ، وربما كانت صفة لِمَنْ استقر في بني عذرة ، أو من بني عذرة ، وربما أراد المتكلّم الشاعر جميل بن عبد الله بن معمر العذري القضاعي الذي مات سنة ٨٢ه.

٣- الساقة : المؤخرة.

٤- الأغاني ٥ / ٢٧٣ وفيه أنّ ابن الكوسج مولى آل حنين لمـّا سمع ذلك أجابه بقوله - من المنسرح - :

ما يشربُ الباردَ القراحَ ولا

يذبحُ من جفرةٍ ولا حملِ

كأنّه قردةٌ يلاعبها

قردٌ بأعلى الهضابِ من مللِ

فقال ابن هرمة : لئن لم أوتِ به مربوطاً لأفعلنّ بآلِ حنين ولأفعلنّ ، فوهبوا لابن الكوسج مئة درهم وربطوه ، وأتوا به ابن هرمة فأطلقه ، فقال ابن الكوسج : واللهِ لئن عادَ لمثلها لأعودنَّ.

٥- البغدادي : هو عبد القادر بن عمر ، المولود ببغداد عام ١٠٣٠ه ، والمتوفّى في القاهرة عام ١٠٩٣ه ، أتقن اللغات الفارسية والتركية إلى جانب العربية ، وله (خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب).

٦- ابن رشيق : هو أبو الحسن علي بن عبد الغني المقري الضرير الحصري ، الشاعر المشهور ، كان عالماً بالقراءات وطرقها ، له كتاب في شعراء عصره ، توفّي سنة ٤٨٨ه.

٧- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ٥ ، العمدة ١ / ٢٦٢.

٨- المفلق : الحاذق بالأمر.

٩- تاريخ بغداد ٦ / ١٢٧ ، أدب الطفّ ٤ / ٥.


وقال عمر فروخ : إنّ شعره جزل الألفاظ ، متين السبك ، قديم المعاني مرّة ، ومحدث مرّة ، وفي شعره شيء من الصناعة(١) .

وسنذكر نماذج من روائع شعره بعد البيان عن عقيدته ، وموجز عن حياته.

إنّه أدرك الدولتين الأموية والعباسية(٢) ومدح خلفاءهما ، وكان ممّن اشتهر بالانقطاع إلى الطالبيين(٣) .

ويقول الأمين : إنّه كان ممّن اشتهر بالانقطاع إلى الطالبيين في العصر الأموي والعباسي ، عصر الملك العضوض(٤) ، وإكثاره من مدائح الطالبيين ورثائهم.

منها : قصائد كثيرة في عبد الله(٥) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وزيد(٦) بن الحسن بن علي ، ومراثٍ في الحسين (عليه‌السلام ).

قيل : وبعضها مذكور في معجم البلدان ، وله قصائد تُعرف بالهاشميات يرويها الرواة ، وكان المنصور(٧) يعرفه بالتشيّع لآل أبي طالب ؛ لاشتهار ذلك عنه، وتجاهره به ، كما يدّل عليه خبره الآتي معه.

وقال ابن عساكر في تاريخه : إنّه قيل له في دولة بني العباس : ألست القائل - والأبيات من المتقارب - :

ومهما أُلامُ على حبّهم

فإنّي أحبّ بني فاطمه

بني بنتِ مَنْ جاء بالمحكما

ت وبالدين والسنن القائمه(٨)

____________________

١- تاريخ الأدب العربي - لعمر فروخ ٢ / ٩٧.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٣ ، مجالس المؤمنين ٢ / ٥٤٨ عن تذكرة ابن المعتز.

٣- تاريخ بغداد ٦ / ١٢٨.

٤- العضوض : الكثير العض ، وهي إشارة إلى تكالب الرجال على الحكم فصاروا يعضّون عليه بالنواجذ ؛ لئلا يفلت من أيديهم.

٥- عبد الله : هو أبو محمد الطالبي ، عندما خرج ابنه محمد ذو النفس الزكية ضدّ الحكم العباسي ، اعتقله - عبد الله - المنصور العباسي ، ونقله إلى الكوفة فمات سجيناً عام ١٤٥ه.

٦- زيد : هو أبو الحسن الهاشمي ، وقيل : أبو الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام السجّاد علي بن الحسين (عليه‌السلام ) ، وكان يلي صدقات رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، مات عام ١٢٠ه.

٧- المنصور : هو أبو جعفر عبد الله بن محمد العباسي ، ثاني حكّام بني العباس ، ولد عام ٩٥ه ، وحكم منذ عام ١٣٦ه حتى وفاته عام ١٥٨ه.

٨- الأغاني ٤ / ٣٨٠ ، في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام / ٢٠٣ ( والسنة القائمة ).


ولست أُبالي بحبّي لهم

سواهم مِن النعمِ(١) السائمه(٢)

فقال : أعضّ الله قائلها بهنِ(٣) أُمّه.

فقال له مَنْ يثق به : ألست قائلها ؟

قال : بلى ، ولكن بهنِّ أُمّي خير من أنْ أُقتل(٤) .

ويظهر ممّا نقله الأمين في الأعيان : ( وله مراثٍ في الحسينعليه‌السلام ) ، وقوله : ( وله قصائد تُعرف بالهاشميات ) أنّ هذه الأبيات لم تصلنا ؛ فإنّ ديوانه الذي جمعه الأستاذان محمد نفّاع وحسين عطوان(٥) لم يوجد فيه إلّا بيت واحد ذكر فيه الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وهذا ينافي قول الأمين : ( وله مراثٍ في الحسين ) ، أو ( له قصائد تُسمّى بالهاشميات ).

كما يُنافي قولهم : ( إنّه ممّنْ اشتهر بالانقطاع إلى الطالبيين )(٦) ، فلا بدّ أن يكون قد ضاع بعض أشعاره ، أو أخفته يد الحقد على أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، كما كان دأب الأمويين والعباسيين تجاه أهل البيت (عليهم‌السلام ) ومعالمهم ، وكلّ الذي ذكر في ديوانه عن الطالبيين مدحاً ، أو ذماً بعض الأبيات في :

١ - إبراهيم(٧) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مقطوعة

____________________

١- النَعَم : بفتح النون والعين ، والجمع أنعام ، وهي الإبل ، وتُطلق على البقر والغنم.

٢- السائمة : الماشية والإبل الراعية.

٣- الهن : فرج المرأة.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٣ عن تاريخ دمشق - لابن عساكر ، وجاء في تهذيبه ٢ / ٢٤٢ ، وفيه عن ذيل أمالي القالي : بعد ذكر الأبيات والحوار سأله بعد ذلك رجل مَنْ قائلها ؟

قال : مَنْ عضّ ببظر أُمّه.

قال ابنه : يا أبتِ ألست قائلها ؟

قال : بلى.

قال : فلِمَ تشتم نفسك ؟

قال : أليس الرجل يعضّ بظر أُمّه خير له من أن يأخذه ابن قحطبة ؟

٥- عطوان : كاتب ومؤلّف معاصر ، له عدّة أبحاث ، من مؤلّفاته : رواية الشاميين.

٦- جاء في أعيان الشيعة ٢ / ١٩٣ أنّه اشتهر بالانقطاع إلى الطالبيين في العصر الأموي والعباسي ، عصر الملك العضوض ، وإكثاره من مدائح الطالبيين ورثائهم ، منها : قصائد كثيرة في عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وزيد بن الحسن بن علي ، ومراث في الحسين (عليه‌السلام ).

وأضاف : كان معروفاً بالتشيّع عند الأمويين والعباسيين ، وكانوا مع ذلك يكرمونه لشعره.

٧- إبراهيم بن الحسن : ويُكنّى بأبي الحسن ، وأُمّه فاطمة بنت الحسين ، حُبس في الهاشمية في عهد المنصور ، وهو أوّل مَنْ مات في الحبس سنة ١٤٥ه ، وهو ابن سبع وستين سنة.


من ثلاثة أبيات(١) .

٢ - إبراهيم(٢) بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، مقطوعة من أربعة أبيات(٣) .

٣ - الحسن(٤) بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، مقطوعة من خمسة أبيات(٥) .

٤ - الحسن(٦) بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، مقطوعات من بيتين وأربعة وثلاثة أبيات(٧) .

٥ - العباس(٨) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، مقطوعتين ؛ الأولى من بيت ، وأُخرى من أربعة أبيات(٩) .

____________________

١- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٥٩ - ١٦٠.

٢- إبراهيم : ولا يخفى أنّ عبد الله بن الحسن المجتبى لم يعقب ، كما في سرّ السلسلة وعمدة الطالب ، وقد ورد في كتب الرجال إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ابن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، المقتول عام ١٤٥ه في عهد المنصور ، لعلّه هو المراد عنه.

٣- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٩٣ - ١٩٤ ، في تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام / ٢٠٢ عن تذكرة الشعراء - لابن المعتزّ ( أنّ له قصائد كثيرة في مناقب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي وزيد بن الحسن ).

٤- الحسن : هو ممّنْ حضر الطفّ عام ٦١ه ، وأُسر وكان به جراح ، وانتزعه خاله أسماء بن خارجة من بين الأسرى ، وزوجته فاطمة بنت الحسين (عليه‌السلام ) ، وهو المعروف بالحسن المثنى دسّ إليه سليمان بن عبد الملك السمّ فمات سنة ٩٧ه وعمره ثلاث وخمسون سنة.

للمزيد راجع تراجم الهاشميين من هذه الموسوعة.

٥- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٩٩ - ٢٠٠.

٦- الحسن بن زيد : عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه‌السلام ) ، وقال السيد أحمد بن المهنا في عمدة الطالب في المقصد الأوّل : إنّه يُكنّى (أبو محمد) ، كان أمير المدينة من قبل المنصور الدوانيقي.

٧- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٨٢ - ١٨٣ و ٢٠٥ - ٢٠٦ و ٢٢٢ - ٢٢٣.

٨- العباس : لا يخفى أنّ الحسن المثنى لم يكن له ولد باسم العباس ، والصحيح هو العباس بن الحسن المثلث ، كما جاء في مقاتل الطالبيين / ١٧٩ ، وتوفّي في حبس المنصور الدوانيقي عام ١٤٥ه ، وهو ابن خمسة وثلاثين عاماً.

٩- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ٦٤ و ١٣٤ - ١٣٥.


٦ - عبد الله(١) بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقطوعتين من ١٣ ، وأُخرى من ١٥ بيتاً(٢) .

٧ - محمد(٣) بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مقطوعات من ٨ و١٦ و٤ أبيات(٤) .

٨ - معاوية(٥) بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب مقطوعة من بيتين(٦) .

وهذه المقطوعات التي تحتوي على ٨٤ بيتاً ليس كلّه مدحاً ، ففيها الذمّ وفيها غير ذلك ، ممّا لا يُناسب وانقطاعه إلى الطالبيين ، كما ولا يُناسب قولهم ، وله قصائد تُعرف بالهاشميات.

فالمتيقن : إنّ ديوانه خالٍ عن هذا ، إمّا لعدم استقصاء جامعه ، أو هناك عوامل لاختفائها من الساحة لحقد أو اضطهاد أو ما شابه ذلك.

وأمّا الكلام عن شعره فله قصيدة لعلّها من أروع قصائده حيث إنّها خلت من الحروف المعجمة(٧) ، وهي أربعون بيتاً ، أثبت منها اثني عشر بيتاً(٨) - من البسيط - ، ومنها :

دعا الحمام حماماً سدّ مسمعه

لمـّا دعاهُ ودهرٌ طامحُ الأملِ

____________________

١- عبد الله بن معاوية : ويُكنّى بأبي معاوية ، وأُمّه أسماء أُمّ عون بنت العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ، كان شاعراً ، خرج بالكوفة سنة ١٢٧ه.

٢- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٥٦ - ١٥٩ و ٢٢٦ - ٢٢٩.

٣- محمد : يُكنّى أبو عبد الله ، وأُمّه هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وهو محمد ذو النفس الزكية ، ولد عام ٩٣ه ، وقُتل عام ١٤٥ه بعد أن خرج من المدينة في عهد المنصور.

٤- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٦٢ - ١٦٣ و ١٦٦ - ١٧٠ و ٢٢١ - ٢٢٢.

٥- معاوية : ولد سنة ٤٥ه ، وكان شاعراً ، مات نحو ١١٠ه.

٦- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١١٤.

٧- الحروف المعجمة : الحروف الخالية من التنقيط ، ولا يخفى أنّ التاء المربوطة لا تعدّ من الحروف المعجمة ؛ لأنّها لا تلفظ تاءً عند الوقف عليها ؛ ولذلك تعدّ في حساب الجمل هاءً ، كما تعدّ في القوافي هاءً.

٨- راجع الأغاني ٤ / ٣٧١.


طموح ٌ سارحةٌ حومٌ ملمعة

وممرعُ(١) السرِّ سهلٌ ماكدُ(٢) السهلِ

وحاولوا ردّ أمرٍ لا مردّ له

والصرمُ(٣) داءٌ لأهلِ اللوعةِ الوُصلِ

أحلكَ اللهُ أعلى كلّ مكرمة

واللهُ أعطاكَ أعلى صالحَ العملِ

سهلٌ مواردهُ سمحٌ مواعده

مسودٌ لكرامٍ سادةٍ حملِ(٤)

ومن أخباره أنّه التقى بعبد الله بن مصعب الزبيري(٥) فقال له : يابن مصعب ، أتفضّل عليَّ ابن أُذينة ، أما شكرت قولي في أباك - من الطويل - :

فما لكَ مختلاً عليكَ خصاصة(٦)

كأنّكَ لم تنبت ببعضِ المنابتِ

كأنّكَ لم تصحب شعيبَ(٧) بن جعفر

ولا مصعباً ذا المكرماتِ ابن ثابتِ

فقال : أبا إسحاق أقلني(٨) (٩) .

وفي رواية أُخرى أنّه قال : أقلنيها يا أبا إسحاق ، وهلمّ نروي من شعرك ما شئت ، فروى له هاشمياته(١٠) .

ويذكر أنّ ابن جامع(١١) غنّى للرشيد(١٢) بأبيات لابن هرمة - من الطويل - ، منها :

____________________

١- الممرع : الأرض الخصبة.

٢- مكد بالمكان : أقام به وثبت فهو ماكد.

٣- الصُرم : القطيعة.

٤- شعر إبراهيم بن هرمة القرشي / ١٧٧ ، الأغاني ٤ / ٣٧٢.

٥- الزبيري : هو أبو بكر عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، ولد عام ١١١ه في المدينة ، ولي اليمامة في عهد المهدي العباسي ثمّ الهادي ، تولّى ولاية المدينة وعمره ٧٠ عاماً في عهد هارون الرشيد ، مات بالرقة عام ١٨٤ه وهو في صحبة الرشيد.

٦- جاء الشطر في بعض المصادر : رأيتكَ مختلاً لمْ تنبت ببعضِ المنابتِ.

٧- شعيب : هو ابن جعفر بن الزبير بن العوّام ، ولد في القرن الأوّل الهجري.

٨- أقال : صفح وعفا وتنازل : وفي البيع : فسخَ.

٩- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٠ ، الأغاني ٤ / ٣٧٤.

١٠- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٣ ، وفيه يعلّق الأمين : وهذا يدلّ على أنّ الناس كانت تتحامى رواية هاشمياته ، أي تتجنّب.

١١- ابن جامع : هو أبو القاسم إسماعيل بن جامع السهمي القرشي ، ويُعرف أيضاً بابن أبي وداعة ، ولد في المدينة ، وكان من أكابر المغنّين والملحّنين ، اتصل بهارون الرشيد ، ومات عام ١٩٢ه.

١٢- الرشيد : هو هارون بن محمد بن المنصور العباسي ، خامس حكّام العباسيين ، حكم ما

=


هاجَ شوقاً فراقكَ الأحبابا

فتناسيتَ أو نسيتَ الربابا

فاستحسنه الرشيد واستعاده مراراً ، وشرب عليه أرطالاً حتى سكر ، ولا سمع غيره ، ولا أقبل على أحد ، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار(١) .

وقال الصدر : هو أوّل مَنْ فتق البديع في شعره(٢) .

وكان المنصور العباسي يبغضه بغضاً شديداً ؛ لحبّه الطالبيين وانقطاعه إليهم ، ولكن المنصور حين انتقل إلى مدينة السّلام(٣) عام ١٤٥ه(٤) كتب إلى أهل المدينة أن يفد عليه خطباؤهم وشعراؤهم ، فجاؤوه وكان قد جلس وراء ستر رقيق ، وحاجبه أبو الخصيب قائم ، وهو يقول : يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب.

فيقول المنصور : أخطب.

ويقول الحاجب : وهذا فلان الشاعر.

____________________

= بين عام ١٧٠ و١٩٣ه ، ولد بالرّي سنة ١٤٩ه ، وتوفّي سنة ١٩٣ه ودُفن بخراسان.

١- الأغاني ٥ / ٢٧٥ ، ويُذكر أنّه لمـّا رأى ذلك من الرشيد ، قال ابن هرمة لمخارق : يا مخارقُ ، أنت فسيلة منّي ، وحسني لك وقبحي عليك ، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد ، وقد صنعت صوتاً على طريقة صوته الذي غنّاه أحسن صنعة منه وأجود وأشجى ، وإنّما يغلبني عند هذا الرجل بصوته ولا مطعن على صوتك ، فإذا كان غداً يأمر الرشيد ابن جامع فيردّد الصوت الذي غنّاه ويأمر له بالجائزة ، فإذا فعل فلا تدعه يتنفس فغنّي له ما أنشأته : ( يا دارُ سعدى بالجزعِ من ملل ).

فلمّا أنشده للرشيد من غدٍ ، قال : أحسنت والله ، لِمَنْ هذا الصوت ؟

فقال مخارق : لإبراهيم فجعل يستثنه ويطلب منه إعادته ، ثمّ أمر لإبراهيم بجائزة سنية ، وأمر لمخارق بمثلها.

٢- تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام / ٢٠٢.

٣- مدينة السّلام : هي بغداد ، وسمّيت بدار السّلام ؛ لأنّ أحد ملوك الفرس اختطّها فاعتلّ ، فقالوا : ما الذي يأمر الملك أن تُسمّى به هذه المدينة ؟

فقال : ( هلد وه وروز ) ، أي خلوَّها بسلام - هلد = خلّوا ، وه = جيّد ، الواو : حرف عطف ، روز = أيام الفرح والخير - ، فحكي ذلك للمنصور فقال : سمّيتها مدينة السّلام.

وقيل : سمّيت بذلك ؛ لأنّ نهر دجلة الذي يشِقّ وسطها يُسمّى وادي السّلام.

٤- جاء في تاريخ الطبري ٤ / ٤٩٤ إنّ المنصور انصرف إلى بغداد عام ١٤٩ه ، ومثل ذلك في معجم البلدان ١ / ٤٥٧ ، والمنصور : هو عبد الله بن محمد بن علي ، ثاني ملوك بني العباس ، ولد سنة ٩٥ه ومات سنة ١٥٨ه.


فيقول المنصور : انشد.

وكان ابن هرمة يقول : لم تكن في الدنيا خطبة أبغض إليّ من خطبة تقرّبني منه.

وكان ابن هرمة آخر مَنْ بقي من الشعراء ، فقال الحاجب للمنصور : هذا ابن هرمة ، فسمع ابن هرمة المنصور يقول : لا مرحباً ولا أهلاً ، ولا أنعم الله به عيناً.

فقال ابن هرمة : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ذهبت والله نفسي.

ثمّ قال في نفسه : إن لم أشتدّ هلكت.

فقال الحاجب أبو الخصيب لابن هرمة : أنشد.

فأنشد ابن هرمة - من الطويل - :

سرى ثوبهُ عنكَ الصبا المتخايل

وقربَ للبينِ الخليطُ المزايلُ

حتى انتهى إلى قوله :

لهُ لحظاتٌ في خوافي سريرة

إذا كرّها فيهِ أعقابٌ ونائلُ

فأُمّ الذي آمنته تأمنُ الردى

وأُمّ الذي حاولت بالثكل ثاكلُ(١)

فقال المنصور : يا غلام ارفع عنّي الستر.

فرفعه ثمّ قال لابن هرمة : تمّم القصيدة.

فلمّا فرغ منها قال : ادنُ ، فدنى.

ثمّ قال : اجلس ، فجلس.

فقال : يا إبراهيم ، قد بلغني عنك أشياء لولاها لفضّلتك على نظرائك ، فأقرّ لي بذنوبك أعفها عنك.

فقال ابن هرمة في نفسه : هذا رجل فقيه يريد أن يقتلني بحجّة فقال : يا أمير المؤمنين ، كلّ ذنب بلغك ممّا عفوته عنّي فأنا مقرّ به ، فضربه بالمخصرة(٢) فقال - من الرجز - :

____________________

١- الثاكل : الأُمّ التي مات ابنها أو قتل.

٢- المخصرة : الجمع مخاصر : ما يُتَوكأ عليها كالعصا.


أصبرُ من ذي ضاغطٍ عركرك

ألفى بواني ذورهِ للمبركِ(١)

فضربه ثانياً :

فقال - من الرجز - :

أصبرُ من عودٍ بجنبهِ جلب

قد أثّرَ البطانُ فيهِ الحقب(٢)

فقال المنصور : قد أمرت لك بعشرة آلاف درهم وخلعة ، وألحقتك بنظرائك من طريح بن إسماعيل(٣) ورؤبة بن العجاج(٤) ، ولئن بلغني عنك ما أكره لأقتلنّك.

قال ابن هرمة : نعم.

فأتى المدينة فأتاه رجل من الطالبيين فسلّم عليه ، فقال : تنحَ عنّي لا تشط(٥) بدمي(٦) .

ومن غرر أقواله - من المنسرح - :

ما رغبةُ النفسِ في الحياةِ وإن

عاشت طويلاً فالموتُ لاحقها

يوشكَ مَنْ فرّ مِنْ منيّته

في بعضِ غراتهِ(٧) يوافقها

مَنْ لم يمت عبطة(٨) يمت هرما

الموتُ كأسٌ والمرءُ ذائقها

وله أيضاً - من الطويل - :

____________________

١- الضاغط : انفتاق في إبط البعير ، والعركرك : الجمل الغليظ ، والبواني : الشعب.

٢- العود : المسنّ من الإبل ، والجلب : بريء الجرح ويبس ، والبطان : حزام البطن ، والحقب : الحزام يلي حقو البعير ، أو حبل يشدّ به الرحل في بطنه.

٣- ابن إسماعيل : هو أبو الصلت طريح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد الثقفي ، شاعر الوليد بن يزيد الأموي ، وانتقل إلى العباسيين ، وعاش إلى أيام الهادي العباسي ، مات عام ١٦٥ه.

٤- العجاج : أبو الجحاف رؤبة بن العجاج التميمي السعدي ، ولد عام ٦٦ه ومات عام ١٤٥ه ، وهو شاعر رجّاز من مخضرمي الدولة الأموية والعباسية.

٥- شط : جار عليه.

٦- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٤.

٧- الغرة : الغرور.

٨- العبطة : يُقال : اعتبط الرجل ، إذا مات شاباً من غير مرض ، وأصل العبيط الطري من كلّ شيء.


وإنّي وإن كانت مراضاً(١) صدوركم

لملتمسُ البقيا سليمٌ لكم صدري

وإنّ ابنَ عمِّ المرءِ مَنْ شدَّ أزره

وأصبحَ يحمي غيبهُ وهو لا يدري(٢)

وكان ابن هرمة جواداً كريماً(٣) متلافاً(٤) ، وكانت له كلاب إذا أبصرت الأضياف لم تنبح عليهم ، وبصبصت(٥) بأذنابها بين أيديهم ، فقال يمدحها - من الكامل - :

ويدلّ ضيفي في الظلامِ على القرى(٦)

إشراقُ ناري أو نبيحُ كلابي

____________________

١- المرض : الجمع مراض : مَنْ بهِ مرض.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٥ عن مجموعة الأمثال الشعرية ، وهذه الأبيات لم يذكرها جامع ديوانه ؛ ولعلّ ذلك لأنّها تُنسب إلى أُميّة بن أبي الصلت أيضاً.

٣- الكُنى والألقاب ١ / ٤٥٠ ، وأورد الأمين في أعيان الشيعة ٢ / ١٩٤ عن كرمه ما موجزه : إنّ رجلاً مرّ بمنزل ابن هرمة ولم يجد إلّا ابنته تلعب فقال : أين أبوك ؟

قالت : وفد إلى بعض الملوك.

فطلب منها أن تنحر له ناقة فلم تجدها ، ثمّ طلب شاة فلم تجدها ، فطلب دجاجة فلم تجدها ، وأخيراً سألها بيضة.

قالت : والله ما عندنا.

فقال : فباطل ما قال أبوك - من المنسرح - :

كم ناقةٍ وجأتُ منحرها

بمستهلِّ الشبوبِ أو جملِ

قالت : فذلك الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء.

وفي الأغاني ٥ / ٢٧٠ إنّ ابن أُذينة قال لها : هل من قرى ؟

قالت : لا والله.

فقال : فأين قول أبيك - من المنسرح - :

لا أمتعُ العودَ بالفصالِ ولا

أبتاعُ إلّا قريبةَ الأجلِ

قالت : بذاك والله أفناها.

فلمّا أخبر أباها ضمّها إليه ، وقال : بأبي أنتِ وأُمّي ، أنتِ والله ابنتي حقّاً ، الدار والمزرعة لك.

٤- المتلاف : الشديد الإتلاف ، ويذكر مرقع قال : كنت مع ابن هرمة في سقيفة أُمّ أذينة ، فجاءه راعٍ بقطيعةٍ من غنم يشاوره فيما يبيع منها.

فقلت له : يا أبا إسحاق ، أين غرب عنك قولك - من المنسرح - :

لا غنمي مدّ في الحياةِ لها = إلّا لدركِ القرى ولا إبلي

وقولك - من المنسرح - :

لا أمتعُ العوذَ بالفصالِ ولا = أب-تاع إلّا ق-ريبةَ الأجلِ

فقال لي : ما لك أخزاك الله ! مَنْ أخذ منها شيئاً فهو له ، فانتهبناها حتى وقف الراعي وما معه منها شيء ( الأغاني ٥ / ٢٧١ ).

٥- بصبص الكلب : إذا حرّك ذيله.

٦- القِرَى : ما يُقدَّم للضيف.


حتى إذا واجهنَهُ وعرفنَه

فدينَهُ ببصابصِ الأذنابِ

وجعلنَ ممّا قد عرفنَ يقدنه

ويكدنَ أن ينطقنَ بالترحابِ(١)

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ١٩٤ ، وفي شعر أبي هرمة / ٧٠ جاء قبله بيتان - من الكامل - :

باللهِ ربّكَ إن دخلتَ فقل لها

هذا ابن هرمةَ واقفاً بالبابِ

ومكاشحٌ لولاكَ أصبحَ جانحا

للسلمِ يرقى حيّتي وضبابي


(٢٣)

إبراهيم بن علي الكفعمي

أوائل قرن ٩ - ٩٠٥ه = أواخر قرن ١٤ - ١٤٩٩م

هو تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل الحارثي الهمداني ، الخارفي العاملي ، الكفعمي اللويزي ، الجبعي الحائري ، المتوفّى حدود عام ٩٠٠ه.

ولد في كفرعيما(١) في أوائل القرن التاسع(٢) ، ونشأ بها وهاجر إلى اللويزة(٣) وغيرها ، ثمّ هبط كربلاء متعلّماً ومستجيراً بأبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ) حياً وميتاً ، كما يظهر من أبياته ووصيّته ، وجاء في الشعر العاملي الحديث(٤) أنّه توفّي سنة ٩٠٥ه ، ودُفن بكربلاء(٥) .

____________________

١- كفرعيما : بعين مهملة ساكنة وميم وألف ، قرية خراب من ناحية الشقيف قرب جبشيت في جنوب لبنان.

٢- ولا يصح قول الأمين في أعيان الشيعة ٢ / ١٨٤ أنّ ولادته سنة ٨٤٠ه ؛ حيث إنّه فرغ من تأليف كتابه حياة الأرواح سنة ٨٤٣ه ، وله مجموعة كبيرة فرغ من بعضها عام ٨٤٨ه ، وبعضها الآخر سنة ٨٤٩ه ، وبعضها في سنة ٨٥٢ه ، ولعلّه عندما يقول في أبياته الغديرية - من المتقارب - :

بشيخٍ كبيرٍ لهُ لمـّة

كساها التعمّرُ ثوبَ القتير

إنّه كان هرماً ، وكان تأليف كتابه المصباح والذي هذه القصيدة من جملتها كان سنة ٨٩٤ه ، فالظاهر أنّ قول الأمين ولادته سنة ٨٤٠ه تصحيف ، والله العالم - راجع الغدير ١١ / ٢١٦.

٣- اللويزة : بلفظ تصغير لوزة ، قرية من قرى جبل لبنان من أعمال ناحية الريحان ، وإليها يُنسب بعض العلماء ، ومنهم المترجم له.

٤- الشعر العاملي الحديث / ٧٣.

٥- الغدير ١١ / ٢١٥ ، عن كشف الظنون ٢ / ٦١٧ أنّه توفّي بكربلاء ودُفن بها ، وذلك عام ٩٠٥ه.


ينتهي نسبه إلى التابعي العظيم الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني(١) ، العلوي المذهب ، كما أنّ الشيخ البهائي من أحفاد أخيه الشيخ شمس الدين محمد المتوفّى سنة ٨٨٦ه(٢) .

وقد تتلمذ المترجم له على والده الشيخ زين الدين علي ، والسيد حسين بن مساعد الحسيني الحائري(٣) ، والسيد علي بن عبد الحسين الموسوي(٤) ، والشيخ علي بن يونس النباطي البياضي(٥) .

وكان إلى جانب فقاهته وروعه ، شاعراً بارعاً ، له مجموعة كبيرة من الشعر في الأعمال ، والمدح والرثاء لأهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وفي علم البديع وغيره.

وقد نقلنا أشعاره الحيسنية في باب الأشعار ، وهذه نماذج أُخرى من شعره ، فقد نُقل عنه بيتان إن قُرئا طرداً كان مدحاً ، وإن قُرِئا عكساً كان ذمّاً ، وهما - من الكامل الأخذّ - :

شكروا وما نُكثتْ لهم ذمم

ستروا وما هُتكتْ لهم حرمُ

صبروا وما كملتْ لهم قمم(٦)

نصروا وما وهنتْ لهم هممُ(٧)

هذا هو المدح ، وأمّا الذمّ فكالتالي مقلوباً :

نكثوا وما شُكرتْ لهم ذمم

هتكوا وما سُترتْ لهم حرمُ

____________________

١- الهمداني : هو أبو زهير الكوفي ، كان من أصحاب الإمام علي (عليه‌السلام ) ومن الرواة ، مات سنة ٦٥ه.

٢- الغدير ١١ / ٢١٣ عن رياض العلماء ٣ / ٤١٤.

٣- ابن مساعد : صاحب كتاب تحفة الأبرار في مناقب أبي الأئمّة الأطهار (عليهم‌السلام ) ، ولد في كربلاء المقدّسة ، وهو من مشاهير النسّابة ، كان حيّاً إلى عام ٩١٧ه.

٤- الموسوي : صاحب كتاب رفع الملامة عن علي (عليه‌السلام ) في ترك الإمامة ، ويُلقّب أيضاً بسلطان الموسوي الحسيني.

٥- البياضي : وهو عاملي صاحب كتاب الصراط المستقيم في إمامة علي (عليه‌السلام ) ، واللمعة في المنطق وغيرهما ، توفّي سنة ٨٧٧ه.

٦- في الأعيان : ( وما كلّت لهم ).

٧- أدب الطفّ ٤ / ٣٣٨ عن شعراء من كربلاء لسلمان هادي آل طعمة / ١٦ ، عن مجموعة خطّية للسيد عبد الحسين آل طعمة الكليدار ، وذكرها الأمين في أعيان الشيعة ٢ / ١٨٨ ، وجاء الشطر الأخير هكذا ( وهنوا وما نُصرتْ لهم هممُ ).


كملوا وما صبرتْ لهم قمم

وهنوا وما نُصرتْ لهم هممُ(١)

جاء في هامش كتابه المصباح تعليقاً من المؤلّف نفسه على سبعة أبيات من قصيدته الغديرية الرائية ، التي أورد في نهايتها ذكر الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ونقلناها في بابه.

أوّلاً نذكر الأبيات السبعة ، ثمّ تعليق الناظم المؤلّف - من المتقارب - :

زكيّ سنّي سريّ وفيّ

وليّ بهيّ عليّ خبير

شفيعٌ سنيعٌ(٢) سميعٌ مطيع

ربيعٌ منيعٌ رفيعٌ وقور

شهيدٌ سديدٌ سعيدٌ شديد

رشيدٌ حميدٌ فريدٌ حصور

حبيبٌ لبيبٌ حسيبٌ نسيب

أديبٌ أريبٌ نجيبٌ ذكور

عظيمٌ عليمٌ حكيمٌ حليم

كريمٌ صميمٌ رحيمٌ شكور

جليلٌ جميلٌ كفيلٌ نبيل

أثيلٌ(٣) أميلٌ دليلٌ صبور

خليفٌ شريفٌ ظريفٌ لطيف

حصيفٌ منيفٌ عفيفٌ غيور

ثمّ يقول :

وهذي الصفاتُ وهذي النعوت

لحامي الغريّ الإمامُ الأمير(٤)

وأمّا تعليقه عليها فهي كالآتي : هذه الأبيات السبعة يتّفق في كلّ بيت منها بحسب التقديم والتأخير أربعين ألف بيت وثلاثمئة وعشرين بيتاً ، مع صحة الوزن والمعنى والروي إلّا في القافية الأخيرة ؛ وذلك لأنّ اللفظين الأوّلين لهما صورتان ، فهما في مخروج(٥) الثالث ستة ، وهي في الرابع أربعة وعشرون ، وهي في الخامس مئة وعشرون ، وهي في السادس

____________________

١- جاء العكس في الأعيان كما ذكرناه ، ومن الممكن عكسه كلّياً هكذا دون أن يختلّ الوزن والمعنى :

حرمٌ لهم هُتكتْ وما ستروا

ذممٌ لهم نُكثتْ وما شكروا

هممٌ لهم وهنتْ ما نصروا

قممٌ لهم كملت وما صبروا

٢- السنيع : الحسن الأخلاق والجمال.

٣- الأثيل : الأصيل وصاحب النسب الشريف.

٤- مصباح الكفعمي / ٧١٠.

٥- مخروج : أي حاصل ضرب.


سبعمئة وعشرون ، وهي في السابع خمسة آلاف وأربعون ، وهي في الثامن أربعون ألفاً وثلثمئة وعشرون بيتاً.

ومن هنا اعلم أنّ صور النكس في الوضوء مئة وعشرون ، وإن أعدنا الترتيب بين الرجلين فسبعمئة وعشرون مسألة فقهية.

وقال : رأيت بعض علمائنا متعجّباً من كثرة صور النكس ، وكونها تبلغ إلى العدد المذكور ، فأمرني بإيضاح ذلك ، فبادرت إلى امتثال أمره ، ورقّمت في قسم عدم الترتيب بين الرجلين مئة وعشرين مسألة فقهية ، وفي قسم اعتبار الترتيب سبعمئة وعشرين مسألة ، وجعلت كلّ مسألة من القسمين سطراً واحداً ؛ ليحصل سرعة إدراك الفرق بين المسألة وما يليها.

وذكر الشهيد (قدس‌سره )(١) لنفسه في هذا المعنى هذا البيت وهو - من المتقارب - :

لقلبي حبيبٌ مليحٌ(٢) ظريف

بديعٌ جميلٌ رشيقٌ لطيف

ولغيره في المعنى - من المتقارب - :

عليٌ إمامٌ جليلٌ عظيم

فريدٌ شجاعٌ كريمٌ عليم

فإنّ في كلّ بيت من هذين يتّفق فيه بحسب التقديم والتأخير أربعون ألفاً وثلاثمئة وعشرون بيتاً.

وقال : وهذان البيتان والقصيدة وأبياتها في البحر المتقارب ، هو فعول فعول ثماني مرّات ، فبيت الشهيد ثمان قوافي تخصّ كلّ قافية منها من العدد المذكور بخمسة آلاف وأربعين بيتاً ، إلّا أنّ قافيتي ظريف ونظيف متّفقتان من العدد المذكور بعشرة آلاف وثمانين بيتاً ، والبيت الثاني كذلك ، إلّا أنّ قافية كريم وعظيم وعليم متّفقة فيه ، بخلاف الثاني فيختّص المتّفقة بخمسة عشر ألفاً ومئة وعشرين بيتاً.

وأمّا أبيات القصيدة السبعة ، ففي كلّ بيت سبع قواف متّفقة فيكون في

____________________

١- الشهيد : هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مكي بن محمد النباطي الجزيني العاملي ، المعروف بالشهيد الأوّل ، صاحب كتاب اللمعة الدمشقية ، ولد عام ٧٣٤ه ، واستشهد بدمشق على التشيّع عام ٧٨٦ه.

٢- المليح : الحسن.


كلّ بيت من السبعة خمسة وثلاثون ألف بيت ومئتان وثمانون بيتاً ، متّفقة كلّها في المعنى والوزن والروي.

وأمّا القافية الأخيرة من الأبيات السبعة ففي كلّ قافية منها ما قلناه ، وهو خمسة آلاف وأربعون ، واستخراج هذا العدد يعسر على كثير من الناس(١) .

ومن مناجاته قصيدة من مئة وعشرة أبيات - من الطويل - جاء أوّلها :

إلهي لكَ الحمدُ الذي لا نهاية

لهُ ويُرى كلّ الأحانينِ(٢) باقيا

وشكراً يفوتُ العدَّ والرمل والحصى

ونجمَ السما والقطرَ ثمّ(٣) الأواديا(٤)

وله أرجوزة تبلغ مئة وخمسة وعشرين بيتاً جاء أوّلها :

الحمدُ للهِ الذي هداني

إلى الطريقِ الرشدِ والإيمانِ

ثمَ صلاةُ اللهِ ذي الجلال

على النبي المصطفى والآلِ(٥)

وله قصيدة في مدح النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجمع أسماء سور القرآن ، تبلغ أربعين بيتاً - من الكامل - منها :

يا خاتماً فلقَ الصباحَ كوجهه

والناسُ منهُ مكبّرٌ ومهلّلُ

أبياتها ميقاتُ(٦) موسى عدّة

والكفعمي بمدحهِ يتعجّلُ

ويقول عنه الأمين : بما أنّه التزم إيراد جميع أسماء سور القرآن ؛ فأصبحت ركيكة من حيث النظم(٧) .

____________________

١- هامش المصباح / ٧١٠.

٢- حين : جمعها أحيان ، وجمع الجموع أحانين.

٣- الأوادي : جمع الجموع لوادي.

٤- المصباح / ٣٧٩.

٥- المصباح / ٤٦٦ وفيه بيتين يذكر فيهما الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في مولده واستحباب صومه ، ذكرناهما في باب الأشعار.

٦- الميقات : الموعد المحدّد بزمن ، وقد يُستعار للموضع الذي جُعل وقت للاجتماع فيه ، وفي ميقات موسى قال تعالى :( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً... ) ( سورة الأعراف / ١٤٢).

٧- أعيان الشيعة ٢ / ١٨٧.


وله جمع فيه أسماء الكتب المعروفة - من الخفيف - منها :

و فصاحُ الألفاظِ فيهِ تلقى

وشذورُ العقودِ والمرجانِ

وهو قوتُ القلوبِ نهجُ الجنان

وكنوزُ النجاحِ والبرهانِ(١)

وله رسالة كتب بها إلى قاضي القضاة أبي العباس القرقوري(٢) في شأن أُستاذ دار قاضي القضاة الأمير علاء الدين(٣) ، ولو جمع بعض كلماتها متسلسلة لكانت قصيدة تذكر مقطوعة منها ليكمل بيتاً فقط.

كتب إليه : يقبل الأرض ، وينهي ( سلام ) عبد لكم ( محبّ ) وعلى المقة منكب ، ( لو بدا ) للناظرين ( عشر ) معشار ( شوقه ) وغرامه ( لطبق ) ذلك ( ما بين ) آفاق ( السماوات ) السبع ( والأرض ) ، إلى آخر كلامه.

فلو جمعت الكلمات التي بين الأقواس لكان البيت التالي - من الطويل - :

سلامُ محبّ لو بدا عشرُ شوقه

لطبّقَ ما بينَ السماواتِ والأرضِ

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ١٨٧.

٢- القرقوري :

٣- علاء الدين :


وله أيضاً - من الطويل - :

وقائلةٌ عظْ خلفَ سوءٍ أجبتها

فكيفَ وأنّى ينجحُ الوعظُ في الخلفِ

جماعاتُ سوءٍ قد وقفنَ بلا خفا

على السبعِ والخمسينَ من سورةِ الكهفِ

إشارة إلى آية :( وَمَنْ أَظلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً (١) أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفي آذانِهِمْ وَقْراً (٢) وإنْ تَدْعُهُمْ إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدوا إذاً أبَداً ) (٣) .

وله معارضاً هذين البيتين - من الكامل - :

وإذا السعادةُ لاحظتكَ عيونها

نمْ فالمخاوفُ كلهنَّ أمانُ

فاصطدْ بها العنقاءَ(٤) فهي حبالة(٥)

واقتدْ بها الجوزاءَ(٦) فهي عنانُ

فأمّا ما قاله المترجم له في ذلك :

وإذا السعادةُ ألبستكَ قشيبها(٧)

فاهجمْ فإنّ لظى الجحيمِ جنانُ

فاصرعْ بها الأعداءَ فهي ذوابل(٨)

واقطعْ بها البيداءَ(٩) فهي حصانُ

وقال أيضاً :

وإذا السعادةُ لفعتكَ(١٠) ثيابها

نمْ فالتعازي كلهنَّ هناءُ

فاذبحْ بها الأعداءَ فهي مهند

وامتحْ(١١) بها الآبارَ فهي(١٢) رشاءُ(١٣)

____________________

١- الأكنة : ومفردها كنان ، وهو ستر الشيء ووقاؤه.

٢- الوقر : الصُمّ.

٣- سورة الكهف / ٥٧.

٤- العنقاء : طائر أسطوري.

٥- الحبالة : والجمع حبائل وهي المصائد.

٦- الجوزاء : ويراد به برج الجوزاء.

٧- القشيب : الجديد.

٨- الذوابل : جمع ذابلة ، ومذكّرها ذابل ، وهو الهزبل والدقيق.

٩- البيداء : الصحراء.

١٠- لفع الثوب : اشتمل به وتغطى.

١١- مَتَحَ : استخرجَ.

١٢- الرشاء : الحبل عموماً ، أو حبل الدلو بالخصوص.

١٣- أعيان الشيعة ٢ / ١٨٩.



وقال أيضاً - من الوافر - :

وناري في الوفاءِ لها انتساب

إلى نارِ(١) الخليلِ وليس تخفى

ويشهدُ بالوفاءِ كتاب ربّي

ففيهِ أنّ إبراهيمَ وفّى(٢)

وله أيضاً - من الكامل - :

يا أيّها المولي الذي أفضاله

كالقطرِ منهلاً على الفقراءِ

أنتَ المؤمّلُ والرجاءُ أميرنا

أبقاكَ ربُّ الخلقِ في النعماءِ

وله أيضاً - من الخفيف - :

لا تلمني إذا وقيتُ(٣) الأواقي(٤)

فالأواقي لماءِ وجهي أواقي(٥) (٦)

وكانت له أبيات في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نقلناها في باب الأشعار من هذه الموسوعة.

____________________

١- النار : استعار الشاعر قوله تعالى :( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (سورة الأنبياء / ٦٨ - ٦٩].

٢- وفّى : استعار الشاعر قوله تعالى :( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (سورة النجم / ٣٧).

٣- وقى : صان.

٤- الأواقي : جمع أوقية وهي زنة سبعة مثاقيل وزنة : أربعين درهماً ، ويعادل ٨٠ / ١٥٨ غراماً.

٥- الأواقي : جمع واقية.

٦- نقلنا هذه الأبيات من أعيان الشيعة ٢ / ١٨٩.


(٢٤)

إبراهيم بن عيسى الحاريصي

أوائل قرن ١٢ه - ١١٨٥ه = أوائل قرن ١٨ - ١٧٧١م

هو الشيخ إبراهيم بن عيسى الحاريصي العاملي.

ولد في أوائل القرن الثاني عشر الهجري بحاريص(١) من قرى جبل عامل ، ونشأ بها وقرأ على فضلائها ، والتحق بمدرسة جويا(٢) ، وإلى ذلك يشير في قوله - من الوافر - :

إليك فريدة رقت وراقت

بجيدِ الدهرِ قد أمستْ حليّا

هديةُ شاعرٍ داعٍ مراع

أجادَ بكِ ابن نصّارِ الرويّا

فتى حاريصٌ مغناةٌ ولكن

تلقّى العلمَ وفراً من جويّا

وكانَ لهُ بها شيخٌ جليل

جميلٌ حازَ علماً أحمديّا

وفي تبنين(٣) ما يرجو وأنتم

لهُ ذاك الرجا ما دامَ حيّا(٤)

يقول عنه الأمين : عالم فاضل ، شاعر مجيد ، يعدّ في طليعة شعراء جبل عامل في ذلك العصر ، اختصّ بالشيخ ناصيف بن نصّار(٥) أمير أمراء جبل عامل ، ولد وله قصائد في أمراء الصعبية(٦) بجبل عامل ، وهما الشيخ علي

____________________

١- حاريص : قرية بقرب تبنين من منطقة جبل عامل.

٢- جويا : بجيم مضمومة وواو مفتوحة ، مدينة في ساحل صور من لبنان.

٣- تبنين : بكسر التاء وسكون الباء ، وهي من توابع مدينة صور اللبنانية.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١١٦ ، خطط جبل عامل / ٢٦٨.

٥- ابن نصار : هو ابن الأحمد العاملي ، وهو شيخ مشايخ جبل عامل ، قُتل سنة ١١٩٥ه في الحرب التي جرت بينه وبني عسكر الجزار ، قرب قرية يارون ودُفن فيها.

٦- كانت إمرة جبل عامل لثلاث طوائف ، إحداها آل صعبية حيث كانوا يشرفون على بلاد الشقيف من جبل عامل الواقعة شمال نهر الليطاني.


الفارس(١) والشيخ حيدر(٢) الفارس ، وقد جمع قصائده فيهما في كتاب يعود تاريخ بعضها إلى عام ١١٧٦ه ، وبعضها الآخر إلى عام ١١٨٣ه.

وتدلّ قصائده على اطّلاع واسع ، وعلم بالوقائع التاريخية القديمة ، ومعرفة برجال التاريخ ، وفي شعره كثير من الحكم والأمثال ، وجرت بينه وبين الشيخ عبد الحليم النابلسي(٣) مساجلات شعرية ومعارضات ، ومناقضات ومفاخرات ومطارحات.

____________________

١- علي : ابن أحمد ابن الفارس الصعبي ، المتوفّى سنة ١٢٠٠ه ، وهو من أمراء مقاطعة الشقيف ، ويُقال : إنّه من ذرّية الملك الأفضل نور الدين الأيوبي.

٢- حيدر : هو ابن أحمد ابن الفارس الصعبي ، المولود في القرن الثاني عشر الهجري.

٣- النابلسي : هو ابن عبد الله الشويكي ، وهو من أهل نابلس بفلسطين ، له رسالة في علم الكلام وشرح السنوسية ، اختصّ بمدح الشيخ ظاهر العمر ، مات في عكّا سنة ١١٨٥ه.


وإنّ كثيراً من أبياته وإن كانت في مدح الأمراء إلّا أنّ فيها حِكَماً كثيرة جديرة بالاهتمام ، ومن ذلك ما جاء في قصيدته التي مدح بها أمير حاكم النبطية(٤) وناحية الشقيف الشيخ علي الفارس - من البسيط - :

أقرن بقولكَ فعلاً ما بهِ خلل

لا يصدقُ القولُ حتى يصدقُ العملُ

عزَّ الزمانُ وعلياه إذا حسب الـ

أفعالَ والقولَ لا يقضي بهِ أملُ

بما سما الأسودُ العبسي(١) مرتبة

وصارَ ممّنْ بهِ الساداتُ تحتفلُ

ولِمَ حديثُ العطايا لابنِ زائدة(٢)

مدوّنٌ و هو في الآفاقِ منتقلُ

ويلُ البخيلِ وويلٌ للجنانِ فقد

صارَ مشوقين كلٌّ بُرْجهُ زحلُ(٣)

____________________

١- العبسي : هو عنترة بن شداد بن عمرو العبسي من فرسان العرب في الجاهلية ، ومن شعراء الطبقة الأولى ، وله معلّقة كان مغرماً بابنة عمّه (عبلة) ، مات نحو ٢٢ ق.ه.

٢- ابن زائدة : هو معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر الشيباني ، المتوفّى عام ١٥١ه ، كان من أشهر أجواد العرب ، وأحد الشجعان الفصحاء.

٣- زحل : كوكب يُضرب به المثل في العلو والبعد.


إنْ مدَّ كفاً إلى العلياءِ أقعدها

عجزٌ وأقعدهُ عن نيلها فشلُ(١)

ومنها من قصيدة أُخرى يتحدّث فيها عن العزم والشجاعة - من البسيط - جاء في أوّلها :

جرّد من العزمِ سيفاً واركبِ الحذرا

واجعل فؤادكَ في يومِ الوغى حجرا

و غالبِ الدهرَ لا ترهبْ بوائقه(٢)

واعلمْ بأنّ الفتى من غالبِ القدرا

وغالبِ الخصمَ لا تشفقْ عليه ولا

تركنْ إليهِ فلا يعفو إذا قدرا

وإن أردتَ خليلاً لا يغشّكَ في

نصيحةٍ فاتخذهُ صارماً ذكرا

بدونهُ ليسَ للساعي بلوغُ منى

و لم يزلْ للعُلى والعزِّ مفتقرا

منْ لا حسامَ لهُ لا يرتقي شرفا

و ليسَ يدركُ في حاجاتهِ وطرا

بهِ سما الأسودُ العبسي مرتبة

عليا و كانَ على الساداتِ مفتخرا(٣)

فهو الكفيلُ بما ترجوهُ من ظفر

يومَ الوغى حينَ ترمي نارُها شررا

إلى أن يقول ، ونِعْمَ ما يقول عن الأجل والموت :

لا بدّ للمرءِ من يومٍ وإن بعدت

عنهُ المنونُ كذا أمرُ الإلهِ جرى

فاصرفْ زمانكَ فيما تستطيلُ به

على الفريقينِ أعني البدو والحضرا

واشكُ الزمانَ إذا منهُ رأيتَ جفا

إلى فتى لم يزلْ للحقِّ منتصرا(٤)

وله في أُخرى - من الوافر - :

إلى كسبِ المحامدِ مدّ باعا

وحاذر أن تذلّ وأن تراعا

وأن تعنو لخصمكَ في عراك

وإن ترجو من الضدّ انتفاعا

وأن تخشى ملمـّاتِ الليالي

وأن لا تستعدَّ لها دفاعا

وكن أقسى من الجلمودِ(٥) قلبا

إذا كشفَ الزمانُ لكَ القناعا

وخذ بالجدِّ في إدراكِ آت

ولا تطلب لِما فاتَ ارتجاعا

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ١١٧.

٢- بأقه بؤوقاً وابنأَق عليه الويلُ : أصابَه وفاجأه.

٣- تكرر معه هذا المعنى في المقطوعة السابقة.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١١٨.

٥- الجلمود : الصخر الأصم.


ولا تعتب على الأيامِ إنّي

أراهنّ اتصالاً وانقطاعا

فما العليا تتمُّ لغيرِ حرّ

شرى في سوقها قوماً وباعا

وليس المرءُ كلّ المرء إلّا

فتى عنهُ حديثَ الحمدِ شاعا

ويقول عن السيف والقوّة - من البسيط - :

بالمشرفية(١) ترقى أشرفَ الرتب

وتخجلُ الخصمَ بالخطّيةِ(٢) السلبِ

لا يكشفُ الكربةَ السوداءَ غيرُ فتى

ماضي المضاربِ للأرواحِ منتهبِ

يدبّ في غربهِ(٣) ماءُ الردى وبه

نيلُ المـُنى وبلوغُ القصدِ والأربِ

فكلّ مَنْ فاه بالعليا وليس له

ماضي الغرارِ فمنسوبٌ إلى الكذبِ

وله أيضاً من أُخرى في ذات المعنى - من الكامل - :

بالسيفِ يفتحُ كلّ بابٍ موصد

وبهِ من العليا بلوغ المقصدِ

مَنْ لم يكن بينَ الورى ذا صارم

فهو البعيدُ عن الفخارِ السرمدِ

لا حقَّ إلّا للحسامِ وكلّ مَنْ

طلب الحقوقَ بغيرهِ لم ينجدِ

فإذا بدا لكَ حاجة فاستقضها

بغرارِ ماضي الشفرتينِ مهندِ

وإذا العُلا مَرضت فإنّ طبيبها

سيفٌ لهُ في الهام أبلغَ مغمدِ(٤)

____________________

١- المشرفية : من أجود أنواع السيوف تُنسب إلى موضع في اليمن ، وقيل : إنّها تُنسب إلى قرى على مشارف الشام.

٢- الخطية : الرماح المنسوب إلى الخط ، وهو مرفأ للسفن بالبحرين حيث تُباع الرماح.

٣- الغرب : الدلو العظيمة.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ١١٨.


ومن شعره في الحرب والكرامة - من الطويل - :

فما العزّ إلّا مرهفُ الحدّ والقنا

إذا اشتدَّ في يومِ الوغى الطعنُ والضربُ

وأقبلتِ الفرسانُ فوقَ شوازب(١)

مسومةٌ شعثٌ يضيقُ بها الرحبُ

ودارت رحى الموتِ الزؤامِ(٢) وما بها

سوى الهامِ مطحونٌ وماضي الشبا(٣) قطبُ

ونكسّتِ الشوسُ(٤) النبودَ وأنشبت

بليثِ الشرى(٥) الضاري مخالبها الحربُ

ومزّقتِ الأبطالُ كلّ ممزّق

مثقفةٌ(٦) سمرٌ ومرهفةٌ قضبُ

وثارَ عجاجُ الصافناتِ(٧) ولم يزل

يمدُّ إلى أن أظلمَ الشرقُ والغربُ

وزادَ الظما بالدارعينَ وما لهم

وإن أجهدوا من غيرِ كأسِ الردى شربُ(٨)

____________________

١- الشوازب : الخيول الضامرة.

٢- زأم : مات موتاً سريعاً.

٣- الشبا : حدُّ كل شيء.

٤- الأشوس : الشديد البأس.

٥- الشرى : الخيار من كلّ شيء.

٦- ثقَّفَ الرمح : قومَّه وسوّاه.

٧- الصافنات : وصوافن وصفون ، الخيل إذا وقفت على ثلاث قوائم.

٨- أعيان الشيعة ٢ / ١١٩.


وله في الجود والكرم من قصيدة - من الكامل - يقول فيها :

والجودُ يُحيي كلّ ذكرٍ خامل

إنّ البخيلَ بمالهِ لم يحمدِ

لولا نوالُ بنانِ راحةِ حاتم(١)

لم يعلُ قدراً فوقَ أرفعَ أمجدِ(٢)

____________________

١- حاتم : هو أبو عدي حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي القحطاني ، المشهور بالجود والكرم ، وكان من شعراء العرب وفرسانها ، مات سنة ٤٦ق.ه.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ١١٨ - ١١٩.


وقد اعتمدنا في ترجمة الشاعر على أعيان الشيعة ؛ لعدم اطلاعنا على


ترجمة ضافية له في غيره(١) .

هذا وتوفّي المترجم له في يوم السبت السادس عشر من شهر شعبان عام ١١٨٥ه(٢) في بلدته(٣) ، وقد أثبتنا شعره الحسيني في بابه.

____________________

١- وجاء في خطط جبل عامل - للأمين / ١٣٤ ، أنّ الشيخ إبراهيم الحاريصي من شعراء حكّام بلاد بشارة في جنوب لبنان.

٢- وفي تاريخ جبل عامل - لمحمد جابر آل صفا : أنّ المترجم له توفّي عام ١١٨٣ه.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ١١٦.


(٢٥)

إبراهيم بن مالك الأشتر

نحو ٢١ - ٧١ه = نحو ٦٤١ - ٦٩٠م

هو إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر النخعي المذحجي ، المتوفّى عام ٧١ه.

ليس لدينا عن ولادته ونشأته شيء يمكن الركون إليه إلّا ما جاء في كتاب صفين لابن مزاحم ، من أنّ غلاماً شاباً من يحصب(١) خرج إلى مالك الأشتر فارتجز بأبيات ، فنادى مالك الأشتر ابنه إبراهيم يوم صفين عام ٣٧ه وقال له : خذ اللواء فغلام لغلام ، فتقدّم(٢) .

ممّا يدلّ أنّه كان آنذاك غلاماً ، والغلام في اللغة : هو الصبي من حين يولد إلى أن يشبّ(٣) ، والشاب هو مَنْ أدرك سنّ البلوغ إلى الثلاثين(٤) .

ومعنى هذا أنّه كان آنذاك نحو ستة عشر سنة ، فتكون على هذا ولادته حدود عام ٢١ه ، وبما أنّ أباه مالك كان آنذاك في المدينة حيث حضر قبلها ، أي عام ١٥ه معركة اليرموك ، فكانت ولادة ابنه إبراهيم في المدينة ، ونشأ على أبيه ، وصاحب علياً (عليه‌السلام ) منذ صباه ، وأخذ من مناهله ومناهل حوارييه ، وشبّ على الشجاعة وعلوّ النفس والإيمان.

يقول الأمين : كان إبراهيم فارساً شجاعاً ، شهماً مقداماً ، رئيساً على النفس ، بعيد الهمة ، وفيّاً شاعراً فصيحاً ، موالياً لأهل البيت (عليهم‌السلام ) ، كما كان

____________________

١- يحصب : بالفتح ثم السكون ، وكسر الصاد ، مخلاف فيه قضى ريدان باليمن ، يزعمون أنّه لم يبن قط مثله ، بينه وبين ذمار ثمانية فراسخ ، وهي الآن قرب صنعاء.

٢- وقعة صفين / ٤٤٠.

٣- المعجم الوجيز / ٤٥٤.

٤- المعجم الوجيز / ٣٣٢.


أبوه متميّزاً بهذه الصفات(١) .

وقال الزركلي : قائد شجاع ، شهد مع مصعب(٢) بن الزبير الوقائع ، وولي له الولايات ، وقاد جيوشه في مواطن الشدّة ، وآخر ما وجهه فيه حرب عبد الملك بن مروان الأموي بمسكن ، فقتل عام ٧١ه ، ودُفن بقرب سامراء(٣) .

وجاء في المرآة : إنّه كان سيّد النخع وفارسها(٤) .

وقد قام مع المختار بن عبيدة الثقفي(٥) بأخذ الثأر من قتلة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) وأهل بيته وأنصاره ، وقاد معركة خازر(٦) ضدّ الأمويين ، وقتل عبيد الله بن زياد(٧) .

وجاء في المنجد : قائد شجاع من أصحاب مصعب بن الزبير ، قاد جيش المختار الثقفي في معركة الخازر في شمال العراق ، فقضى فيها على الحصين بن نمير وعبيد الله بن زياد ، قُتل بمسكن قرب سامراء(٨) .

وأمّا عن شاعريته : فقد كان شاعراً فصيحاً ، وأديباً بارعاً ، ولقد وصلنا من شعره شيء قليل ، منه ما أنشأه في صفين عندما ناداه أبوه للبراز لغلام من

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠٠.

٢- مصعب : هو أبو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي ، ولد سنة ٢٦ه ، تولّى ولاية العراق والكوفة ، قُتل في معركة الجاثليق سنة ٧١ه في عهد عبد الملك بن مروان.

٣- الأعلام ١٠ / ٥٨.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠٠ عن مرآة الجنان.

٥- الثقفي : هو أبو إسحاق بن أبي عبيد بن مسعود ، ولد في الطائف سنة واحد للهجرة.حكم الكوفة ستة عشر شهراً ، وقُتل في قصرها سنة ٦٧ه.

٦- خازر : نهر يقع في شمال العراق بين مدينة أربيل والموصل ، بين نهر الزاب الأعلى والموصل ، وعنده وقعت معركة خازر عام ٦٦ه.

٧- جاء في العقد الفريد ٥ / ١٥٢، أنّه لمـّا التقى عبيد الله بن زياد وإبراهيم بن مالك الأشتر بالزاب قال : مَنْ هذا الذي يُقاتلني ؟

قيل له : إبراهيم بن الأشتر.

قال : لقد تركته أمس صبيّاً يلعب بالحمام.

٨- المنجد في الأعلام / ٤٨.


يحصب ، وقال مالك : غلام لغلام - من الرجز المشطور - :

يا أيّها السائلُ عنّي لا تُرَعْ

أقدِمْ فإنّي من عرانينِ(١) النخع

كيفَ ترى طعنَ العراقي الجذَع(٢)

أطيرُ في يومِ الوغى ولا أقع

ما ساءكم سَرٌّ وما ضَرٌّ نفع(٣)

أعددتُ ذا اليوم لهولِ المـُطَّلعْ(٤)

ومن شعره بيتان بعثهما إلى أبي عطاء السندي(٥) ، وسأله أن يضيف إليها بيتين - من البسيط - :

وبلدةٌ يزدهي(٦) الجنّان(٧) طارقها

قطعتها بكنازِ(٨) اللحمِ معتاطه(٩)

وهناً وقد حلّقَ النسرانِ(١٠) أو كربا

وكانتِ الدلو بالجوزاءِ(١١) مُنْتاطه(١٢)

فقال أبو العطاء :

فانجاب عنهما قميصُ الليلِ فابتكرت

تسيرُ كالفحلِ تحتَ الكورِ(١٣) لطاطه(١٤)

____________________

١- العرنين : السيد والشريف.

٢- الجذع : الشاب الحدث.

٣- أي ما ساءكم سرّنا وما ضرّكم نفعنا.

٤- وقعة صفين / ٤٤١ ، دائرة المعارف الشيعية العامة ٢ / ١٣١.

٥- السندي : هو أفلح بن يسار السندي ، مات عقب موت المنصور العباسي الذي توفّي سنة ١٥٨ه ، وهو شاعر عاصر الدولتين الأموية والعباسية ، مدح الأمويين وهجا العباسيين وبني هاشم ، وكانت في لسانه عجمة ولثغة ؛ فتبنّى وصيفاً سمّاه ( عطاء ) وروّاه شعره ، وجعل إذا أراد إنشاد شعره أمره فأنشد عنه ، وكان أبوه سندياً عجمياً لا يفصح.

٦- يزدهي : يستخف.

٧- الجِنَّان : بكسر الجيم وتشديد النون : اسم جمع للجِنّ.

٨- كناز اللحم : ناقة كناز ، أي كثيرة اللحم صلبة.

٩- اعتط الثوب : شقَّهُ من غير بيونه ، والعود تثنى من غير كسر بيّن ، واعتط الرجل إلى الأرض صرعه وغلبه ، والعطاط : الشجاع.

١٠- النسران : كوكبان في السماء معروفان على التشبيه بالنسر الطائر ، يُقال لكلّ واحد منهما نسر أو النّسر ، ويصفونهما فيقولون : النسر الواقع والنسر الطائر.

١١- الدلو والجوزاء : من الأبراج الاثني عشر.

١٢- المنتاطة : المتباعدة.

١٣- الكور : الرحل بأداته ، وهو ما يذلل به البعير ويُوطَأ.

١٤- اللطاطة : الناقة جعلت ذنبها بين فخذيها عند العدو.


في أينقٍ كلّما حثّ الحداةَ(١) لها

بدت مناسمها(٢) هوجاءَ(٣) حطاطه(٤)

وجاءه عبد الله بن الزبير الأسدي(٥) وقيل : عبد الله بن عمرو الساعدي(٦) فقال : إنّي قد مدحتك بأبيات فاسمعهنّ.

قال : إنّي لست أعطي الشعراء.

قال : اسمعها منّي وترى رأيك.

فقال : هات إذن.

فأنشده - من الكامل - :

اللهُ أعطاكَ المهابةَ والتُّقى

وأحلّ بيتكَ في العديدِ الأكثرِ

وأقرَّ عينكَ يومَ وقعةَ خازر

والخيلُ تعثرُ بالقنا المتكسرِ

من ظالمينَ كفتهمُ آثامهم

تركوا العافيةَ وطيرَ حسرِ

ما كان أجرأهم جزاهم ربّهم

شرّ الجزاءِ على ارتكابِ المنكرِ

إنّي مدحتكَ إذ نبا(٧) بي منزلي

وذممتُ أخوانَ الغنى من معشري

وعرفتُ أنّكَ لا تخيبُ مدحتي

ومتى أكن بسبيلِ خير أشكرِ

فهلمّ نحوي من يمينكَ نفحة

إنّ الزمانَ ألحّ يا ابنَ الأشترِ

فقال له إبراهيم : كم ترجو أن أعطيك.

قال : ألف درهم ، فأعطاه عشرين ألفاً(٨) .

وعندما استقرت لإبراهيم موصل وأطرافها(٩) بعد أن هزم الجيش

____________________

١- الحادي : والجمع حُداة ، وهو الذي يسوق الإبل ويتغنّى لها.

٢- المنْسِم : والجمع مناسم ، هو كالظفر للإنسان ، أو هو طرف خُفّ البعير والنعامة ونحوها.

٣- الحطاطة : السريعة في السير.

٤- الأغاني ٢٧ / ٣٣٥ - ٣٣٧ ، أعيان الشيعة ٢ / ٢٠٢.

٥- الأسدي : هو أبو كثير بن الأشم بن الأعشى ، وهو شاعر كوفي المنشأ والمنزل ، توفّي نحو ٧٥ه ، وكان من شعراء بني أُمية ، أسره مصعب بن الزبير وأخذه إلى الكوفة وأحسن إليه ، ثمّ عمي عبد الله ومات في خلافة عبد الملك بن مروان.

٦- الساعدي : لم نعثر على ترجمته في مظانّ الكتب.

٧- نبا : جفا وأعرض ونفر.

٨- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠١ ، الأغاني ١٤ / ٢٥٣ - ٢٥٤.

٩- جاء في كتب التاريخ : أنّ إبراهيم الأشتر عندما قضى على الجيش الأموي في خازر ، وقتل عبيد الله بن زياد وأصحابه ، وهزم مَنْ بقي منهم ، أقام بالموصل ، وأنفذ عماله إلى نصيبين وسنجار ، ودارا وقرقيسيا ، وحران والرها ، وسميساط وكفرتوثا وغيرها.


الأموي مدحه سراقة البارقي(١) بأبيات - من الطويل - منها :

أتاكم غلامٌ من عرانينَ مذحج

جريءٌ على الأعداءِ غيرُ نكولِ(٢)

جزى اللهُ خيراً شرطةَ اللهِ أنّهم

شفوا من عبيد الله حرّ غليلي(٣)

ويذكره يزيد بن المفرغ الحميري(٤) حين يهجو ابن زياد بقوله - من البسيط - :

إنّ الذي عاشَ ختاراً(٥) بذمّته

وعاشَ عبداً قتيلَ اللهِ بالزابِ(٦)

العبدُ للعبدِ لا أصلٌ ولا طرف

ألْوتُ(٧) بهِ ذاتَ أظفارٍ وأنيابِ

إنّ المنايا إذا ما زرنَ طاغية

هتكنَ عنهُ ستوراً بينَ أبوابِ

هلّا جموعُ نزارٍ إذ لقيتهم

كنتُ امرأً من نزارٍ غيرَ مرتابِ

لا أنتَ زاحمتَ عن ملكٍ فتمنعه

ولا مددتَ إلى قومٍ بأسبابِ

ما شُقّ جيبٌ ولا ناحتكَ نائحة

ولا بكتكَ جيادٌ عندَ أسلابِ

لا يتركُ اللهُ أنفاً تعطسونَ بها

بينَ العبيدِ شهوداً غيرَ غيابِ

أقولُ بعداً وسحقاً عندَ مصرعه

لابنِ الخبيثةِ وابنِ الكودنِ(٨) الكابي(٩) (١٠)

____________________

١- البارقي : هو سراقة بن مرداس بن أسماء بن خالد البارقي الأزدي ، شاعر عراقي ، يماني الأصل ، أسره المختار عام ٦٦ه ، ثمّ أطلق سراحه ، وكانت بينه وبين جرير مهاجاة ، وكان قد أدرك عصر النبوّة ، وشهد اليرموك ، ومات في الشام عام ٧٩ه.

٢- النكول : التراجع والجبن.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠١.

٤- الحميري : هو أبو عثمان يزيد بن زياد بن ربيعة ، الملقّب بمفرغ الحميري ، شاعر غزل ، ومديح وهجاء ، من أهل الحجاز ، واستقر بالبصرة ، وهو صاحب البيت الشائع - من مجزوء الكامل - :

العبدُ يُقرعُ بالعصا

والحرُ تكفيهِ الملامه

مات عام ٦٩ه.

٥- الختّار : الغادر والخبيث والفاسد ، والذي يغدر أقبح الغدر.

٦- الزاب : إشارة إلى نهر الزاب الأعلى الذي وقعت عنده معركة خازر.

٧- لاتَ : نقصه حقّه ، وصرفه عن الشيء ، والخبر كتمه ، أو عمّاه عليه.

٨- الكودن : الفيل ، والدابة للحمل الثقيل ، والبرذون الهجين.

٩- الكابي : المرتفع ، وأيضاً : التراب الذي لا يستقر على وجه الأرض.

١٠- أعيان الشيعة ٣ / ٢٠١.


وبقي إبراهيم الأشتر على ولاية الموصل والجزيرة وأطرافها(١) حتى بعد أن استولى مصعب بن الزبير(٢) على الكوفة ، بل أقرّه عليها.

ولمـّا تولّى عبد الملك بن مروان(٣) الحكمَ الأموي بدمشق كتب إلى إبراهيم الأشتر يدعوه إلى نفسه ، ويجعل له ولاية العراق ، ولكنّه رفض ذلك ، وخرج لمواجهة الجيش الأموي بقيادة محمد بن مروان الأموي(٤) ، فالتقيا بأرض مسكن ، وقُتل فيها إبراهيم الأشتر(٥) ، فافتخر شاعر الشام يزيد بن الرقاع العاملي(٦) - من الطويل - :

ونحنُ قتلنا ابن الحواري مصعبا(٧)

أخا أسد والمذحجي(٨) اليمانيا

____________________

١- ومن تلك نصبين ، سنجار ، دارا ، قرقيسيا ، حران ، وغيرهما ( دائرة المعارف الشيعية العامّة ٢ / ١٢٢ ).

٢- ابن الزبير : هو مصعب بن الزبير بن العوام ، ولد عام ٢٦ه وقُتل في معركة دير الجاثليق عام ٧١ه ، وهو الذي حارب المختار الثقفي وانتصر عليه عام ٦٧ه ، تولّى ولاية العراق من طرف أخيه عبد الله بن الزبير.

٣- ابن مروان بن الحكم ولد عام ٢٦ه ، وهو خامس حكّام بني أُميّة ، تولّى الحكم من أبيه عام ٦٥ه ، وقضى على حركة مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله ، مات بدمشق عام ٨٦ه بعد أن حكم ٣١ عاماً.

٤- الأموي : هو محمد بن مروان بن الحكم الأموي ، وهو أخ الحاكم الأموي عبد الملك بن مروان ، ووالد مروان آخر ملوك بني أُميّة ، كان والياً على الموصل والجزيرة ، وأرمينيا وأذربيجان ، مات عام ١٠١ه.

ونقل البلاذري في أنساب الأشراف ١١ / ٢٦ : أنّ محمد بن مروان أخذ جارية كردية لإبراهيم الأشتر فواقعها فولدت على فراشه مروان بن محمد الجعدي ؛ فلذلك قيل لمروان ابن أمة النخعْ.

٥- وقام عبد الله بن زياد بن ظبيان ، وداوود بن قحزم القيسي ، وبسطان بن معقلة بن هبيرة الشبياني ، وعمر بن ضيعة ، بحمل رأس إبراهيم الأشتر إلى عبد الملك بن مروان الأموي.

٦- العاملي : هو يزيد بن زيد بن مالك بن الرقاع العاملي ، نسبة إلى عاملة بنت وديعة القُضاعية أُمّ معاوية بن الحارث.

وجاء في تاريخ الأمم والملوك : أنّ البيتين للبعيث اليشكري.

٧- مصعب : هو مصعب بن الزبير بن العوام الخويلدي الأسدي القرشي.

٨- المذحجي : هو إبراهيم بن مالك الأشتر.


ومرّت عقابُ الموتِ منّا لمسلم(١)

فأهوت لهُ طيراً فأصبحَ ثاويا(٢) (٣)

ويرثيه ابن الزبير الأسدي(٤) بأبيات من الطويل :

سأبكي وإن لم تبكِ فتيانُ مذحجِ

فتاها إذا ليلُ التمامِ تأوّبا

فتىً لم يكن في حرّةٍ الحربِ جاهلا

ولا بمطيعٍ في الوغا مَنْ تهيبا

أبانَ أنوفَ الحيّ قحطان قَبْلَه

وأنفَ نزارٍ قد أبانَ فأوعبا

فمَنْ يكُ أمسى خائناً لأميره

فما خانَ إبراهيمُ في الموتِ مصعبا(٥)

ويزعم ابن عبد ربّه(٦) قائلاً : من الرافضة الحسينية ، وهم أصحاب إبراهيم بن الأشتر ، وكانوا يطوفون بالليل أزقة الكوفة وينادون : يا لثارات الحسين ؛ فقيل لهم : الحسينية(٧) .

وسبحان الله ! فإنّ الزاعم لا يمكن إلّا أن يفضح نفسه ؛ فقد قال في مكان آخر من كتابه : ثمّ إنّ المختار لمـّا قتل ابن مرجانة(٨) وعمر بن سعد ، جعل يتبع قتلة الحسين بن علي ومَنْ خذله فقتلهم أجمعين ، وأمر الحسينية وهم الشيعة أن يطوفوا في أزقة المدينة بالليل ويقولوا : يا لثارات الحسين(٩) .

____________________

١- مسلم : هو ابن عمرو الباهلي ، وكان على ميسرة جيش إبراهيم الأشتر.

٢- الثاوي : المقيم في المكان والميت ، والمدفون.

٣- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠٣ ، تاريخ الأمم والملوك ٣ / ٥٢٢ ، أنساب الأشراف ١١ / ٩.

٤- ابن الزبير : الظاهر هو عبد الله بن الزبير بن عمر الرسان الكوفي الأسدي ، المتوفّى عام ١٤٥ه ، وهو أخو فضيل ، وهو غير ابن الزبير عبد الله بن الزبير بن الأشم ، المتوفّى عام ٥٧٥ أخو مصعب.

٥- أنساب الأشراف ١١ / ٨.

٦- ابن عبد ربّه : هو أحمد بن عبد ربّه بن حبيب الأندلسي (٢٤٦ - ٣٢٨ه) ، أديب شاعر من أهل قرطبة ، غلب عليه الاشتغال في أخبار الأدب وجمعها ، اشتهر بكتابه العقد الفريد.

٧- العقد الفريد ٢ / ٢٤٩.

٨- ابن مرجانة ، هو عبيد الله بن زياد بن أبيه ، وأُمّه مرجانة ، قُتل عام ٦٧ه في معركة الخازر على يد إبراهيم الأشتر ، كان والياً على العراق عندما قتل يزيد بن معاوية الإمام الحسين (عليه‌السلام ) في كربلاء عام ٦١ه.

٩- العقد الفريد ٥ / ١٥٣.


فهو يناقض نفسه في كثير من موارد بحثه ، ولسنا هنا بصدد بيان ذلك ، ولعلّنا نبسط الكلام حوله في مكان آخر من هذه الموسوعة(١) .

ولكن لا بأس بإيراد نكتة واحدة هنا ، وهو : أنّ أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام ) كلّهم يستحسنون الأخذ بالثأر من قتلة الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وهذا لا يعني أنّهم كانوا فرقة بهذا الاسم ، وإنّما هو من افتراء مرتزقة الأمويين(٢) .

هذا ولإبراهيم الأشتر أبيات في قتاله مع الجيش الأموي في خازر ذكرناها في باب الأشعار الحسينية من هذه الموسوعة ؛ ولأجل تلك جاءت ترجمته هنا.

ولنا في باب مَنْ تخلّف عن معركة كربلاء ترجمة موجزة له ، مع بيان أسباب تخلّفه ، ولا يخفى أنّ أخاه إسحاق(٣) كان مع الحسين (عليه‌السلام ) في معركة الطفّ ، وله رجز ذكرناه في باب الأشعار.

ولإبراهيم الأشتر أربعة ذكور هم : النعمان ومالك(٤) ومحمد(٥) وخولان(٦) ، كلّهم موالون لأهل البيت النبوي (عليهم‌السلام ).

وذكر ابن عبد ربّه أنّ محمد بن مروان بن الحكم تزوّج أمة كانت لابنة إبراهيم بن مالك الأشتر ، وقيل : إنّ الأمة كانت لمصعب بن الزبير(٧) .

____________________

١- لنا بحث في التسمية بالحسينية في باب المشاريع التي باسم الإمام الحسين (عليه‌السلام ) من هذه الموسوعة.

٢- وقد افترى ابن عبد ربّه على أتباع مدرسة أهل البيت ، ونقل عن الشعبي في اتّحاد الشيعة مع اليهود ، وكلّها افتراء على الشيعة الإمامية ، بل فضّل اليهود والنصارى عليهم.راجع العقد الفريد ٢ / ٢٤٢.

٣- إسحاق : هو ابن مالك بن الحارث النخعي الأشتر ، كان شيخاً عندما برز إلى القتال بين يدي الإمام الحسين (عليه‌السلام ).راجع باب تراجم الأنصار غير الهاشميين من هذه الموسوعة.

٤- أعيان الشيعة ٢ / ٢٠٢.

٥- تاريخچه كربلاء / ٥٦ ، وفيه أنّه كان يقود فرقة لأخذ الثأر من قتلة الحسين (عليه‌السلام ).

٦- تنبيه الخواطر / المقدّمة د.

٧- العقد الفريد ٥ / ٢١١.


أمّا النعمان : فكان فارساً شجاعاً كأبيه وجدّه ، وله رياسة ، قُتل مع يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة عام ١٠٢ه ، حين خرج على يزيد(١) بن عبد الملك بن مروان أيام حكومته ، وقد خلعه وحاربه مسلمة(٢) بن عبد الملك بن مروان بالعقر على شاطئ الفرات.

وكان قد أتى ابن المهلّب ناس من أهل الكوفة كثير فجعل على مذحج ربع أسد ، النعمان بن إبراهيم بن الأشتر ، فلمّا قُتل يزيد ابن المهلّب(٣) انهزم أصحابه ، واجتمع آل مهلّب بالبصرة ، ثمّ ركبوا البحر حتى إذا كانوا بحيال كرمان خرجوا من سفنهم ، وحملوا عيالاتهم وأموالهم على الدواب ، والمقدّم عليهم المفضل بن المهلّب(٤) .

وبكرمان فلول كثيرة فاجتمعوا إليه ، وبعث مسلمة مدرك بن ضبّ الكلبي(٥) في طلبهم ، فأدرك المفضّل في عقبة ومعه الفلول فعطفوا عليه فقاتلوه ، واشتدّ قتالهم فقُتل من أصحاب المفضّل النعمان بن إبراهيم بن الأشتر النخعي(٦) ، ويبدو أنّ النعمان كان أكبر أبنائه حيث كُنّي بأبي النعمان(٧) .

وأمّا خولان : فهو جدّ أبو الحسين ورام بن أبي فراس عيسى بن

____________________

١- يزيد : الأموي (٧١ - ١٠٥ه) ، تاسع مَنْ حكم من الأمويين ، وذلك عام ١٠١ه ، ولد في دمشق ، ومات في أربد أو بالجولان ، وحُمل إلى دمشق.

٢- مسلمة : الأموي غزى القسطنطنية أيام ولاية أخيه سليمان عام ٩٦ه ، وولّاه أخاه يزيد إمرة العراقيين ثمّ أرمينية ، غزا الترك والسند عام ١٠٩ه ، مات بالشام عام ١٢٠ه.

٣- يزيد : ابن المهلّب بن أبي صفرة الأزدي (٥٣ : ١٠٢ه) ، قائد أموي ، ولي خراسان بعد وفاة أبيه عام ٨٣ه ، تولّى عدّة ولايات ، سكن البصرة بعد أن هرب من السجن بعد وفاة عمر بن عبد العزيز.

٤- المفضّل : ابن المهلّب بن أبي صفرة الأزدي ، سكن البصرة ، ولّاه الحجاج خراسان عام ٨٥ه ، ثمّ ولّاه سليمان بن عبد الملك جند فلسطين ، كان من الشجّاع إلّا أنّه قُتل على أبواب قندابيل بالسند عام ١٠٢ه.

٥- مدرك الكلبي : كان قائداً أموياً عندما قاتل يزيد بن عبد الملك الأموي آل مهلّب عام ١٠٢ه في العراق.

٦- أعيان الشيعة ١٠ / ٢٢٤ عن الكامل في التاريخ - لابن الأثير.

٧- دائرة المعارف الشيعية العامّة ٢ / ١٣٠.


أبي النجم بن ورام بن حمدان بن خولان بن إبراهيم بن مالك الأشتر ، وكان ورام من أعلام الإمامية ، له كتاب تنبيه الخواطر ، المعروف بمجموعة ورام ، توفّي عام ٦٥٠ه في الحلّة.

وأمّا محمد : فكان مع أبيه يُقاتل لأخذ الثأر ، وهو الذي تعاون مع أبيه في بناء مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام )(١) ، وشيّد أوّل قبّة للإمام الحسين (عليه‌السلام ) عام ٦٦ه ، ويُذكر أنّ محمداً كان من قوّاد المختار كأبيه(٢) .

وأمّا مالك : فكان فارساً مغواراً ، قاتل الأمويين مع آل المهلّب عام ١٠٢ه ، ولمـّا قُتل المفضّل ابن المهلّب وقُتل معه أخوه النعمان بن إبراهيم الأشتر طلب الحسن الحضرمي(٣) الأمان من مسلمة بن عبد الملك الأموي لمالك بن إبراهيم الأشتر ، وكان مسلمة بالحيرة.

فلمّا جاءه الحضرمي بمالك قال له : هذا مالك بن إبراهيم بن الأشتر.

فقال له مسلمة : انطلق.

قال له الحضرمي : أصلحك الله ، لِمْ لَمْ تشتمه كما شتمت صاحبه(٤) .

قال : أجللتكم عن ذلك.

قال الحضرمي : فإنّه أحبّ إلينا أن تشتمه ، فهو والله أشرف أباً وجدّاً ، وأسوأ أثراً من الشام....

وكان الحضرمي يقول بعد ذلك : ما تركه إلّا حسداً من أن يعرف صاحبنا ؛ فأراد أن يرينا أنّه قد حقّره(٥) .

____________________

١- تاريخچه كربلاء / ٦٥ ، مدينة الحسين ١ / ٢٣ عن تاريخ إيران وعراق - للسيد علي خان ، رحلة عراقية / ٩٩.

٢- راجع باب تاريخ المراقد من هذه الموسوعة.

٣- الحضرمي : هو الحسن بن عبد الرحمان بن شراحيل (رستم) الحضرمي ، كان من المقرّبين لحكّام وأمراء بني أُميّة ، وبالأخصّ في عهد يزيد بن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥ه).

٤- صاحبه : هو عبد الرحمان بن محمد ، والذي طلب له الأمان محمد بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، ولمـّا جيء به إلى مسلمة شتمه قائماً ، وقال له : صاحب خلاف وشقاق ، ونفاق ونفار في كلّ فتنة ، مرّة مع حائك كندة ، مرّة مع صلاح الأزد ، ما كنت بأهل أن تؤمن ، ثمّ قال له : انطلق.

٥- تاريخ الأمم والملوك ٤ / ٨٨.


وكان لإبراهيم أخ غير شقيق ، وهو عبد الرحمان(١) بن عبد الله يُقاتل معه في معركة خازر الجيش الأموي عام ٦٧ه(٢) .

وأمّا إبراهيم : فقد ترجمه الأعلمي(٣) بقوله : كان شجاعاً ظاهر الشجاعة ، واري زناد الشهامة ، ونافذ حدّ الصرامة ، مستمرّاً في محبّة أهل البيت عن ساقيه ، ملتقّياً راية النصح لهم بكلتي يديه ، وحاز فضيلة يوم الفتح ، وكان فارساً شهماً مقداماً ، رئيساً رفيعاً ، شاعراً فصيحاً ، موالياً لأهل البيت ، عالي الهمّة والنفس ، ولم يكن شاكّاً في دينه ، ولا ضالّا في اعتقاده كأبيه(٤) .

هذا وذكر أخباره الدربندي(٥) في أسرار الشهادة(٦) وفيه : أنّه قتل من قتلة الحسين (عليه‌السلام ) قوماً كثيراً ، منهم ابن زياد(٧) وشبث(٨) بن الربعي ، والخولي(٩) بن

____________________

١- عبد الرحمن : والظاهر أنّ أُمّ إبراهيم تزوّجت أوّلاً بمالك الأشتر الذي استشهد عام ٣٩ه ، ثمّ بعبد الله التي أولدت منه عبد الرحمن.

٢- تاريخ الأمم والملوك ٣ / ٤٨٠.

٣- الأعلمي : هو محمد حسين بن سليمان بن ولي الدين الحائري ، ولد سنة ١٣٢٠ه في قرية مهرجان بإيران ، تتلمذ على السيد أبي الحسن الأصفهاني والشيخ محمد حسين النائيني ، والشيخ ضياء الدين العراقي وغيرهم ، وكان أحد أساتذة الحوزة العلمية في كربلاء ، مات سنة١٣٩١ه ف-ي قم بإيران.

٤- دائرة المعارف الشيعية العامّة ٢ / ١٣٠.

٥- الدربندي : هو آقا بن عابد بن رمضان الشيرواني الحائري، من فقهاء الإمامية ومؤلّفيها في كربلاء ، له خزائن الأحكام ، خزائن الأصول ، ورسالة عملية ، مات بطهران عام ١٢٨٦ه ودُفن في كربلاء.

٦- أسرار الشهادة / ٥٦٧.

٧- ابن زياد : هو عبيد الله بن زياد بن أبيه ، ولد بالبصرة سنة ٢٨ه ، وفي ولايته للبصرة والكوفة استشهد الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، قُتل في معركة الخازر سنة ٦٧ه ، له ترجمة في باب مَنْ قاتل الحسين (عليه‌السلام ) من هذه الموسوعة.

٨- شبث : هو أبو عبد القدوس بن ربعي التميمي اليربوعي ، ولد في الجاهلية ، ارتد عن الإسلام ثمّ عاد إليه ، اشترك في قتل الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، قُتل في الكوفة سنة ٧٠ه ، له ترجمة في باب من قاتل الحسين من هذه الموسوعة.

٩- الخولي : هو ابن يزيد الأصبحي ، قاد كتيبة لحرب الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، تولّى حمل رأس الإمام (عليه‌السلام ) إلى الكوفة ، قتله المختار الثقفي حرقاً عام ٦٦ه ، له ترجمة في باب مَنْ قاتل الحسين في هذه الموسوعة.


يزيد ، وعمرو(١) بن الحجاج ، وأبحر(٢) بن كعب ، وسنان(٣) بن أنس.

ولمـّا قُتل إبراهيم بن مالك الأشتر في مسكن(٤) حرق الأمويون جثته إلّا أنّ جماعة قاموا بجمع ما تبقّى منه ورماده فواروه.

وفي عام ١٧١ه شيّدوا عليه قبّة من الجص والآجر(٥) ، وقصده الناس وتوالوا على بنائه(٦) ، وكانت قبّته قائمة حتى التسعينات (١٣٩٠ه) حيث شاهدناها أثناء سفرنا إلى سامراء ، وتقع على بعد حوالي كيلومتر واحد من طريق بلد ، سامراء الحديث ، وهي على يمين الذاهب إلى سامراء(٧) .

هذا وقد نظم الشيخ محمد علي الأردوبادي(٨) في مدح المختار الثقفي ، وذكر فيها أيضاً إبراهيم الأشتر ، قائلاً - من الكامل - :

____________________

١- ابن الحجاج : يرجع في نسبه إلى زبيدة ، كان قائد كتيبة في جيش يزيد بن معاوية الذي قاتل الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، قُتل سنة ٦٦ه ، له ترجمة في باب مَنْ قاتل الحسين من هذه الموسوعة.

٢- أبحر : يرجع في نسبه إلى تميم ، اشترك في سلب الإمام الحسين (عليه‌السلام ) بعد استشهاده يوم عاشوراء ، أسره إبراهيم الأشتر ، وقُتل قبل عام ٧١ه ، له ترجمة أيضاً.

٣- سنان : هو النخعي ، شارك في قتل الإمام الحسين مباشرة وطعنه ورماه ، أسره المختار بعد أن هرب ، وقتله حرقاً سنة ٦٦ه ، له ترجمة أيضاً.

٤- مَسْكِن : بالفتح ثمّ السكون وكسر الكاف ونون مضمومة ، وهو موضع قريب من أوانا على نهر دُجيل عند دير الجاثليق بالعراق.

٥- تاريخ سامراء - للمحلّاتي / ١٩٨ ، دائرة المعارف الشيعية العامّة ٢ / ١٣٤.

٦- وجاء في تاريخ مدينة سامراء - للسامرائي ٣ / ١٣٠ : توجد في جنوب مدينة الدجيل الحالية قبّة مربّعة الشكل من تحت ، ومدوّرة من فوق ، مبيّضة بالجص ، تُعرف هذه القبّة بقبّة الشيخ إبراهيم ، وقد نُقش على حجر فوق باب القبلة ما يلي (هذا قبر المرحوم السيد إبراهيم بن مالك الأجدر (الأشتر) النخعي علمدار رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ١٠٨٩ ه).والظاهر أنّ هذا البناء على عهد العثمانيين.

٧- راجع تاريخ المراقد من هذه الموسوعة.

٨- الأردوبادي : هو أبو القاسم بن محمد تقي بن محمد قاسم التبريزي النجفي ، من فقهاء الإمامية وأدبائها في النجف ، ولد في تبريز عام ١٣١٢ه ، له مصنّفات كثيرة منها : حياة سبع الدجيل ، الكلمات التامات ، توفّي في كربلاء عام ١٣٨٠ه ودُفن في النجف.


عظمَ الجراحُ فلم يصب أعماقه

إلّاك يا حُيّيت من مسبارِ(١)

في نجدةٍ ثقفية يسطو بها

في الردعِ من نخعٍ هزبرٍ(٢) ضاري

الندبُ إبراهيم مَنْ رضخت له

الصيدُ الأباةُ بملتقى الآصارِ(٣)

مَنْ زانهُ شرفُ الهدى في سؤدد

وعُلاً يفوحُ بها أريجُ(٤) نجارِ(٥)

إلى أن يقول في آخر قصيدته الغراء :

هبّت عليكَ نسائمٌ قدسية

حيَّتْ ثَراكَ برحمةٍ ويسارِ

وسقى لإبراهيمَ مضطجعَ الهدى

ودقّ الغمام المرزمِ(٦) المكثارِ

ما نافحَ الروضَ النسيمُ مشفعا

سجع البلابلِ فيهِ شدو هزارِ

يتلو كما يُتلى بكلّ صحيفة

مرّ العشيِّ وكرّة الأبكارِ(٧)

____________________

١- المسبار : الجُرح.

٢- الهِزبر : بكسر الهاء وفتح الزاي وسكون الباء ، الغليظ الضخم والشديد الصلب ، وبكسر الهاء وسكون الزاي وفتح الباء : الأسَد.

٣- الإصار : وتد الطنب يشدّ بها الخيمة ، وإصرَ الخيمة جعل لها إصاراً ، وآصره : جاوره أي كانت إصار بيت الواحد جنب إصار بيت الآخر ، وهو إشارة إلى التقاء الجيشين.

٤- الأريج : الرائحة الطيبة.

٥- النِجار : بكسر النون وضمها : الأصل والحسب.

٦- المرزم : الغيث الذي لا ينقطع رعده.

٧- الغدير ٢ / ٣٤٦ - ٣٤٨.


(٢٦)

إبراهيم بن محمد بري

١٣٣٦ - ١٤١٧ه = ١٩١٧ - ١٩٩٧م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد بن حسن بري العاملي.

ولد في تبنين(١) ونشأ بها ، والتحق بالمدارس الرسمية ، ثمّ انتقل إلى بيروت ، والتحق بالكلّية العاملية عام ١٣٥٦ه(٢) ، ثمّ بالكلّية اليسوعية والتي تخرّج منها حاملاً شهادة الآداب العليا ، وبعدها عُيّن مساعداً قضائياً في العدلية ، ونظم الشعر أثناء وظيفته ، ممّا سبّب له الكثير من المتاعب ، وعُرض على المجلس التأديبي ؛ لنظمه قصيدة عروبية في عصر جمال عبد الناصر(٣) .

بدأ ينظم الشعر في سنّ مبكّرة ؛ إذ كان في الرابعة عشر من عمره ، وكان لأخيه الشيخ عبد الله(٤) بري دور في تقوية موهبته الشعرية حيث توسّم في أخيه نواة شاعر ، فمدّه بالكتب والدواوين الشعرية والقصائد ، وحثّه على مطالعتها وحفظها حتى تمكّن من نظم الشعر.

____________________

١- تبنين : وهي من نواحي مدينة صور بجنوب لبنان.

٢- الموافق لعام ١٩١٧ه.

٣- جمال عبد الناصر : اشترك في إسقاط الحكم الملكي في مصر سنة ١٣٧١ه ، ولد في أسيوط عام ١٣٢٧ه ، قاد الثورة على النظام الملكي في مصر وأعلنها جمهورية ، وتولّى رئاستها وذلك عام ١٣٧٨ه ، وفي عهده احتلت إسرائيل سيناء ، وهو من دعاة الحركة القومية العربية ، مات في القاهرة سنة ١٣٩٠ه.

٤- عبد الله بن محمد بري : أديب وكاتب ، عمل في التجارة ، هاجر إلى الولايات المتّحدة الأميركية ، ولا زال يمارس بها الأعمال الحرّة.


نشر شعره في عدد من المجلّات ، أبرزها مجلّة العرفان(١) .

صدرت له ستة دواوين : مارد النيل(٢) ، عيناك ، للنبي وآله(٣) ، بدأنا نكتب التاريخ(٤) ، من هنا أشرقت الشمس ، ردّها يا زمان ، إلى جانب خمسة دواوين لا زالت تنتظر النور وهي : أزهار لوز ، قصائد في البراعم ، هكذا رثيتهم ، أيّامي في القضاء ، لِمَنْ أكتب.

وبالإضافة إلى النظم ، فقد مارس الكتابة في جريدة المكشوف البيروتية ، وراح ينشر فيها كتاباته الوطنية.

وله أيضاً مقالات كثيرة عالج فيها الشؤون اللبنانية بتكليف من الإذاعة اللبنانية.

ومن شعره قصيدة - من الخفيف - تحت عنوان محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول في أوّلها :

سبّحِ اللهَ فالضياءُ توقدْ

وعلى الكونِ نسمةٌ من محمدْ

سبحِ اللهَ ، فالسمواتُ ضجّت

بالتسابيحِ للرسولِ المؤيدْ

وعلى الأرضِ هينماتٌ(٥) لدانٌ(٦)

لم تكن قبلُ في البريةِ تُعهدْ

____________________

١- مجلّة العرفان : أصدرها الشيخ أحمد عارف بن علي بن سليمان الزين ، المولود في قرية شحور بصيدا سنة ١٢٩٨ه ، ومات في محراب الإمام علي بن موسى الرضا بأرض طوس سنة ١٣٨٠ه ، أصدر العرفان في بيروت سنة ١٣٢٧ه ، ونقلها إلى صيدا سنة ١٣٣٠ه ، توقّفت مرّات لظروف قاهرة ، وكانت تعنى أساساً بشؤون الإمامية.

٢- طبع عام ١٩٦١م (١٣٨٠ه).

٣- كما في كتاب عاشوراء في الأدب العاملي المعاصر / ١٧١.

٤- طبع عام ١٩٧٨م (١٣٩٨ه).

٥- الهينمة : الصوت الخفي.

٦- لدان : ليّنة مرضيّة.


هدهدت مهجةُ الليالي كسالى

واستحالت في القفرِ درّاً وعسجدْ

ووراءُ الوراءِ رجعُ حداء

يوقظُ المجدَ كلّما يترددْ

ومن الأرضِ للسماءِ بريد

ينقلُ الوحي حينَ يهوي ويصعد(١)

وله من قصيدة أُخرى - من الكامل - تحت عنوان أفعى اليهود يقول فيها :

أفعى اليهودِ إلى الحدودِ تلفّتي

فالأُسدُ رابضةٌ بخطّ النارِ

إنذارنا آتٍ فإمّا ترحلي

عن أرضنا أو تُقتلي فاختاري

فبدايةُ المشوارِ يسهلُ أمرها

والصعبُ عند نهايةِ المشوارِ

هي جولةٌ تأتي ونشهدُ بعدها

فوقَ الحضيضِ مذابحَ الكفّارِ

ليعودَ صوتُ الحقِّ يهتفُ داويا

الأرضُ أرضي والديارُ دياري

أمرانِ ينزلنا القضاءُ عليهما

سحقُ العدى أو لبسُ ثوبَ العارِ

إنذارنا آتٍ ويا دنيا اشهدي

إنّا رصاصةُ ذلك الإنذارِ(٢)

____________________

١- للنبي وآله / ١١.

٢- مارد النيل / ٧٥.


وله عن أرض الجنوب المقاوم ضدّ الاحتلال الإسرائيلي يقول من قصيدة - من الوافر - تحت عنوان : أنا بنت الفداء :

على أرضِ الجنوبِ زرعتُ عمري

وشيعتُ الحياةَ بلا تأنِّ

هنا قصفوا هنا قتلوا شقيقي

هنا بالفأسِ شجّوا رأسَ ابني

هنا شهداؤنا ركبوا خيولا

ومرّوا بالحدودِ بدونَ إذن

مشيتُ وألف قافلةٍ ورائي

ستمضي للجهادِ وألفُ ظعن

أنا باسمِ البلادِ خلقتُ جيلا

يثيرُ الرعبَ في إنسٍ وجنّ

وكم ليلٍ سهرتُ ، وكم ليال

تمرّ ولم يقر بالنومِ جفني

تناديني البلادُ وكلّ واد

أراهُ يطلبُ التحريرَ منّي(١)

وله قصيدة - من الوافر - في معرفة الله تحت عنوان : ( عرفت الله ) يقول في أوّلها :

____________________

١- بدأنا نكتب التاريخ / ٢٤.


عرفتُ اللهَ في نبضِ القلوب

وفي صمتِ المساءِ لدى الغروبِ

وفي الأنسامِ(١) تنفحي حياة

إذا انهلت من الأفقِ الرحيبِ

عرفتُ اللهَ يحضرُ في ضميري

بساعاتِ الخطيئةِ والذنوبِ

وفي الماءِ الذي أحسوهُ(٢) طهرا

فيطفئ ما بصدري من لهيبِ

عرفتُ اللهَ في إشراقِ شمس

وفي قمرِ يميلُ إلى المغيبِ

عرفتُ اللهَ في عينيكَ لمـّا

أحدقُ في عيونكَ يا حبيبي

فألمحُ في سوادهما حنانا

وأنساماً تهبُّ من الجنوبِ

ولستُ أرى بشخصكَ أيّ عيب

لأنّكَ قد سموت عن العيوبِ

عرفتُ اللهَ إشراقاً بأفقي

يبدّدُ ظلمةَ اليأسِ الرهيبِ

أسيرُ على الدروبِ فالتقيه

بجنبي إذ أسيرُ على الدروبِ

عرفتُ اللهَ حينَ سمعتُ عيسى

يكلّمهُ على خشبِ الصليبِ

إلهي كيفَ تتركني غريبا

وأنتَ أبو المعذَّبِ والغريبِ

عرفتُ اللهَ من آياتِ طه

تهلُّ عليهِ من لدنِ الغيوبِ

تكلّمنا فننصتُ في خشوع

لنبرةِ ذلكَ الصوتِ الحبيبِ

عرفتُ اللهَ إيماناً وحبّا

وطهراً ذابَ من مهجِ القلوبِ(٣)

____________________

١- الأنسام : جمع النسم مصدر النسيم ، وهي الريح اللينة ، الروح.

٢- الحسو : الشرب شيئاً بعد شيء.

٣- من هنا أشرقت الشمس / ٥٠.


وله قصيدة - من الخفيف - أنشأها بمناسبة يوم الغدير ، يقول في أوّلها مخاطباً الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) :

هبْ لي النطقَ يا إمام البيان

فعسى الحرفُ ينجلي عن لساني

هبْ لي النطقَ كي يصيرَ قصيدي

طيّبُ اللفظِ مستساغُ المعاني

إنّ في لفظكَ الفصيحَ عقودا

تزدري بالعقيقِ والمرجانِ

وحروفٌ على شفاهكَ سالت

أينَ منها أزاهرُ الأقحوانِ

بعضها يشبهُ اللجينَ(١) وبعض

يخجلُ الماسَ في رقابِ الحسانِ

يا علي البيانِ نهجكَ أمسى

لغةَ النطقِ في فمِ الإنسانِ(٢)

ويقول من قصيدة أُخرى - من الخفيف - في الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :

وانبرتْ دعوةُ النبوةِ تطوي

مهجةَ الأرضِ فدفداً(٣) إثرَ فدفدْ

معجزاتٌ تزفّها معجزات

إنّ هذا الفتى رسولٌ مؤكّدْ

الجماهيرِ ظلُّهِ أينَ يمضي

والهاتفاتُ باسمهِ حيثُ يوجد

يلمسُ الداءَ في العليلِ فيبرا

والجراحاتُ في يديهِ تضمّد

سفّه اللاتَ واستخفَ بعزّى

وبدينِ الأوثانِ لم يتقيّد

ونراهُ على الترابِ يُصلّي

وبآلاءِ ربّهِ يتهجّد

وبقرآنهِ البلاغةُ تتلو

سوراً تخلبُ الجمانَ المنضّد

كلّ آي بها يفيضُ بيانا

يالبيتِ الأُميّ أصبحَ معهد

تتآخى جحافلُ العربِ فيه

وعلى عهدهِ الخناصرُ(٤) تعقد

____________________

١- اللُجَيْن : الفضّة.

٢- للنبي وآله / ٩٤.

٣- الفدفد : الفلاة ، المكان المرتفع.

٤- الخناصر : واحدها خنصر ، وهي الأصبع الصغرى ، و( الخناصر تعقد ) ، وهو من باب

=


لا قوّي لهُ امتلاكُ ضعيف

لا ولا الطفلةُ البريئةُ توأد

وإذا روَعُ القبائلِ ثأر

بثّه المصطفى برأي مسدد(١)

وعن الله يقول في قصيدته - من مجزوء الكامل - تحت عنوان ( الله ) :

اللهُ يا صوتَ الرجاء

في موكبٍ حلو الحداء

يا زارعَ الدنيا بأز

هارِ المحبةِ والإخاء

يا نورَ أجفانِ الصبا

ح وضوءُ قنديلِ المساء

يا ساكبَ الخيراتِ من

كَفٍّ تذوبُ مع العطاء

يا مرشدَ النجمَ المحيَّـ

رِ في متاهاتِ الفضاء

يا ساهراً والناسُ تر

قَدُ بينَ أحضانِ الرخاء(٢)

وله قصائد في الإمام الحسين أوردناها في محلّه.

وقد توفّي في لبنان في شهر ذي الحجّة من عام ١٤١٧ه(٣) .

____________________

=

ضرب الأمثال ، أي أنّ العقد معتبر ومصان وموثق ، فيُقال : (هذا أمر تُعقد عليه الخناصر).

١- مارد النيل / ١٧١.

٢- للنبي وآله / ٧.

٣- الموافق لشهر نيسان عام ١٩٩٧م.


(٢٧)

إبراهيم بن محمد التبريزي

١٣١٣ - ١٣٨١ه = ١٨٩٥ - ١٩٦١مِ

هو السيد إبراهيم بن محمد(١) بن عبد الكريم الموسوي الدروازئي التبريزي ، ولد في النجف عام ١٣١٣ه حيث كان والده هاجر إليها مع أهله قبل عام ، ونشأ على أبيه ، وترعرع في بيت علم وفضيلة ، عُرف بالزهد والتقى ، وفيها بدأ بتعلّم القراءة والكتابة.

فلمّا بلغ عمره ثمان سنوات كان والده قد عزم على الرجوع إلى بلاده حيث نال قسطاً وافراً من العلم والمعرفة.

فلمّا وصل أرض الآباء والأجداد تبريز ، اشتغل بالعلوم العربية والإسلامية على فضلائها ، ثمّ على علمائها.

ولمكانة والده العلمية والاجتماعية فقد تولّى تدريسه جمع من علماء تبريز إلى جانب والده ، ومن أولئك الشيخ أبو الحسن الأنگجي(٢) .

ثمّ هاجر إلى النجف وحضر على الشيخ محمد حسين الغروي(٣) ، والشيخ ضياء الدين العراقي(٤) ، إلّا أنّه لم

____________________

١- محمد ، ولعلّه جاء مركباً (محمد مهدي) ، ويلقّب أباه بمولانا التبريزي ، وكان من علماء تبريز ، ولد عام ١٢٩٣ ، وتوفّي في ١٨ / ٥ / ١٣٦٣ه ، من مؤلّفاته : براهين الحقّ ، طريق الهداية ، مصباح الوسائل.

٢- أبو الحسن الأنگجي : هو ابن محمد بن محمد علي الحسيني ، المتوفّى عام ١٣٥٧ه ، كان من علماء الإمامية ومدرّسيها ، له من المصنفات : إزاحة الالتباس ، كتاب الحجّ ، حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري.

٣- محمد حسين الغروي : هو ابن محمد حسن معين التجار النجواني الأصفهاني (١٢٩٦ - ١٣٦١ه) من أعلام الإمامية ، كان فقيهاً أصولياً ، أديباً شاعراً ، وفيلسوفاً متكلّماً من مؤلّفاته : الأنوار القدسية ، كتاب صلاة الجماعة ، نهاية الدراية.

٤- ضياء الدين العراقي : هو ابن محمد المولد في أراك إيران ، المتوفّى في النجف

=


يتمكن من مواصلة البقاء فيها ؛ وذلك لأنّ والده قد رحل من الدنيا في ١٨ من شهر جمادي الأولى عام ١٣٦٣ه ، وطلب منه أهالي تبريز ملء الفراغ الذي خلّفه رحيل والده ، فرجع إلى بلاده ملبّياً طلب المؤمنين ، واشتغل بالمهام الاجتماعية والدينية ، ومارس التدريس بها.

فكان يدرّس الفقه والأصول ، والعقائد والتفسير وعلوم الأدب ، حيث كان ضليعاً باللغة العربية وآدابها ، كان كثير الحفظ للأشعار العربية والفارسية ، كما كان حافظاً لمقامات الحريري ، وكانت له مقدرة هائلة في الاستشهاد بالشعر والنصوص الأدبية ، وكان ينظم الشعر بالعربية حتى كوّن ديواناً.

ولم يذكر مترجموه أنّه نظم بالفارسية ، وله العديد من المؤلّفات منها في الفقه كما له كتاب تحفة الأخبار في علائم آخر الأعصار ، إلى جانب حاشية على كتاب المطوّل(١) وكتاب المغني(٢) .

ومن مؤلّفاته أيضاً : كتاب التفسير الوجيز ، وكتاب اللطائف الأدبية.

انحرفت صحته فنُقل إلى العاصمة طهران ، إلّا أنه توفّي بها بنوبة قلبية في التاسع من شهر رجب عام ١٣٨١ه ، ونُقل جثمانه إلى مدينة قم فدُفن بها ، ورثاه جمع من الشعراء باللغتين العربية والفارسية.

ومن القصائد العربية التي رُثي بها قوله - من الكامل - :

جزعاً لقد أبت الخطوبٌ هدونا

وعد الدموع تفيضُ منك شجونا

إلى أن يقول :

مَنْ للإمامةِ والصلاحِ وللتقى

وغدا الإمامُ لدى المنونِ(٣) رهينا

____________________

=

عام ١٣٦١ه ، من أعلام الإمامية وفقهائها البارزين ، من مؤلّفاته : مقالات الأصول ، شرح التبصرة.

١- كتاب المطوّل في البلاغة والمعاني والبيان ، وصفه مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (٧١٢ - ٧٩١ه) ، وهو شرح على تلخيص المفتاح - لمحمد بن عبد

الرحمان القزويني الدمشقي (٦٦٦ - ٧٣٩ه).

٢- كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب في النحو - وضعه عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبدالله بن هشام الأنصاري (٧٠٨ - ٧٦١ه).

٣- المنون : الموت.


مَنْ للمساكينِ العفاةِ وقد غدى

رهنُ الردى(١) مَنْ لم يخب مسكينا

مَنْ ذا يداني في السيادةِ معشرا

ورثوا العلى عن جدّهم ياسينا(٢)

دفنوا وأيّ يتيمٍ دُرٍّ غادروا

تحتَ الجنادلِ(٣) مطبقاً محزونا

هيهاتَ يأتيكَ الزمانُ بمثله

أنّى وجدت بهِ الزمان ضنينا(٤)

وقد أُقيمت له مجالس التأبين في كلّ من قم وطهران وتبريز ؛ تخليداً لذكره ، وأبّنه العلماء ، ورثاه الخطباء والشعراء.

وممّا وصلنا من شعر قصيدة - من الكامل - يستنهض الإمام المهدي (عليه‌السلام ) ، ويتوسّل به إلى الله سبحانه وتعالى في أحداث تبريز وأذربيجان :

يا حجّةَ الرحمانِ يابن العسكري

يا مَنْ بيُمْنِ وجودهِ رزق الورى

يا مَنْ بهِ السبعُ الشدادُ(٥) تشيّدت

والأرضُ قد قرّت وما تحتَ الثرى

واللهِ قد طالَ النوى(٦) بعدَ المدى(٧)

ضاقَ الصدرُ وغارَ صَبرٌ يُصبرا

مَنْ للشريعةِ والهدى ومَنْ الذي

نشكو إليهِ سواكَ يا خيرَ الورى

العروةُ الوثقى قد انفصمت وحبـ

لُ الدينِ منقطعٌ وما اعتصم العرى

أحكامُ دينِ اللهِ فينا عُطّلت

شرعُ النبي محمدٍ قد غيرا

قُرآنكم قد ضُيعتْ أحكامه

ويُبدَّلُ المعروفُ منهُ منكرا

أركانُ دينِ المصطفى هُدمت فلا

عينٌ بقتْ منهُ ولا أثرٌ يُرى

وجهُ البسيطةِ(٨) مُمْتلي ظلما

وقد بانَ أغبرار الأفق ممّا قد نرى

____________________

١- الردى : الهلاك.

٢- ياسين (يس) : من أسماء الرسول محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ومنه قوله تعالى :( يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (سورة يس / ١ - ٣).

٣- الجندل : الصخر العظيم.

٤- الضنين : البخيل.

٥- السبع الشداد : هي السماوات السبع ، ومن قوله تعالى :( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ) ( سورة النبأ / ١٢).

٦- النوى : البعد.

٧- المدى : الغاية والمنتهى.

٨- البسيطة : الأرض.


يا أيّها الملكُ العزيزُ المقتدر

عجّل بنا ضاقَ القضاءُ فما جرى

اللهُ أكبرُ أيُّ أمرٍ قد جلا

سبحانَ ربّي من قضاءٍ قدرا

إلى آخر القصيدة(١) .

هذا وله قصائد في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) أوردناها في محلّه.

____________________

١- راجع كنجينة دانشمندان ٦ / ٥٢.


(٢٨)

إبراهيم بن محمد جواد

١٣٥٦ -....ه = ١٩٣٧ -....م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد آل جواد.

ولد في الفوعة(١) عام ١٣٥٦ه ونشأ بها ، والتحق بالمدارس الرسمية ، وأكمل الثانوية الصناعية عام ١٣٧٧ه(٢) ، والثانوية العامّة الفرع الأدبي عام ١٣٨٢ه ، وتخرّج في كلّية الشريعة - جامعة دمشق - عام ١٣٨٨ه ، ومنذ عام ١٣٨١ه توظّف في شركة المحروقات.

أمّا عن علاقته بالشعر فيقول الشاعر : كنت منذ الصغر مغرماً بسماعه ، مولعاً بإنشاده ، ومهما نسيت فلن أنسى ذلك اليوم ؛ وجدت نفسي فيه على منبر عال ألقي قصيدة ترحيبية صغيرة من نظم أخي الأكبر ، الأديب الشاعر الشيخ جواد(٣) محمد جواد بين يدي الشيخ حبيب آل إبراهيم(٤) الذي استحسن إلقائي ، ورباطة جأشي ، فتقدّم إليّ وصافحني ، واحتضنني مقبّلاً وجنتي(٥) .

____________________

١- الفوعة : قرية تابعة لمحافظة ادلب السورية.

٢- الموافق لعام ١٩٥٧م.

٣- جواد : الشيخ من مواليد قرية الفوعة عام ١٣٤١ه ، درس على يد أستاذه الشاعر أحمد رشيد مندو ، والسيد حسن اللواساني ، والشيخ حبيب آل إبراهيم ، والسيد عبد الصاحب العاملي ، وهو إمام وواعظ مسجد الحي الشرقي في الفوعة.

٤- آل إبراهيم : هو ابن محمد بن الحسن المهاجر العاملي ، ولد في قرية حنوية من توابع صور ، من علماء الإمامية وأدبائها ، كان مفتي الديار البعلبكية ، له مصنّفات منها (منهج الحقّ) ، مات سنة ١٣٨٤ه.

٥- رسالة الشاعر إلى المؤلّف.


بمثل هذه التشجيعات تمكّن الشاعر أن يبرز بين أقرانه ؛ ليكون شاعراً ومؤلّفاً.

ويضيف الشاعر عن تاريخ بدايات نظمه ، وانطلاقاته الأدبية قائلاً : إنّني لم أحاول جادّاً أن أجرّب حظّي مع نظم في مراحل الشباب التي تلت ، وفي المرّات القليلة التي حاولت فيها بعد ذلك - خلال دراستي الجامعية وبعدها - كان الفشل حليفي في كلّ مرّة إلى أن تفجّر هذا النبع فجأة ، ودون توقّع ، وبلا بذل جهد كبير ، ليس من شك في تعدد وقدم العوامل التي لعبت الدور الأساسي ، ومنها المطالعة المستمرة الهادفة التي كوّنت المخزن الفكري والأدبي ، ومنها التعلّق الشديد بقراءة الشعر بشكل مبكر.

كانت انطلاقته هذه بعد عام ١٤٠٩ه ، وكوّن خلال هذه الفترة ثلاثة مجاميع شعرية تحت العناوين التالية : ١ - عرس الشهادة ، ٢ - واستمر النشيد ، ٣ - قيثارة الولاء.

مضافاً إلى ديوان شعر حرّ باسم : من خارج الشعر.

وله من المؤلّفات : كتاب خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي(١) ، وكتاب فاطمة الزهراء صوت الحقّ وصرخة الصدق ، وكتاب زينب بنت الرسالة ولسان الثورة.

وله مقالات في عدد من المجلّات مثل : الثقافة الإسلامية(٢) ، وجريدة كيهان العربي(٣) .

____________________

١- مجلة الموسم ١٣ / ٣٧٩.

٢- مجلّة الثقافة الإسلامية : تصدر عن الملحقية الثقافية في سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في دمشق.

٣- جريدة كيهان العربي : تصدر في طهران عن مؤسسة كيهان للمطبوعات.



وله قصيدة - من الكامل - أنشأها في ذكرى ميلاد الإمام الصادق (عليه‌السلام )(١) يقول فيها :

زكتِ البطونُ وطابتِ الأصلاب

إذ لم تخالط طهرها الأوشابُ(٢)

من قبلُ آدمَ شعشعت أنواركم

وبفضلها اكتحلتْ لهُ أهدابُ(٣)

لتمجِّدَ اللهَ العظيمَ حفيّة

والعرسُ منتصباً هو المحرابُ

يا آلَ طه قد رنوتُ لمدحكم

عجزَ البيانُ وقصّرَ الإعرابُ

هل في الكواكبِ مَنْ سما لمكانكم

هل طأطأت لسواكمُ الأقطابُ

يا آلَ بيتَ(٤) محمدٍ مَنْ مثلكم

والفضلُ ما شهدت بهِ الأغرابُ(٥)

____________________

١- الصادق : جعفر بن محمد بن علي (عليهم‌السلام ) ، وهو الإمام السادس من أئمّة أهل البيت الاثني عشر (عليهم‌السلام ) ، ولد سنة ٨٣ه ، واستشهد سنة ١٤٨ه ، ودُفن في البقيع.

٢- الأوشاب : وأحدها الوِشْب : أخلاط الناس وأوباشهم.

٣- في فضائل الخمسة من الصحاح الستّة - للفيروزآبادي ١ / ٢٠٣ ، عن الرياض النضرة ٢ / ١٦٤ ، روى سلمان قال : سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم (عليه‌السلام ) بِأربعة عشر ألف عام ، فلمّا خلق الله آدم (عليه‌السلام ) قسم ذلك النور جزأين ، فجزء أنا وجزء علي )).

وفيه قال : أخرجه أحمد في المناقب (أقول) وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ١ / ٢٣٥ نقلاً عن ابن عساكر في تاريخه مسنداً عن سلمان.

٤- من الأغلاط الشائعة آل البيت (عليهم‌السلام ) ، والصحيح أهل البيت ، وآل الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ؛ لأنّ للبيت أهلاً ، وللرجل آل.

٥- وفي المثل : ( والفضل ما شهدت به الأعداء ).


إلى أن يقول :

يا سادسَ الأمناءِ أنتَ وليَّنا

وأمامُ وحدتنا وفيكَ نثابُ

لولا جهادك ما استقامت شرعة

لولا جوابكَ ما استقامَ جوابُ

لولا بيانكَ ما سمت أفهامنا

لولا لسانكَ سُدّتِ الأبوابُ

لولا عزائمكَ الكريمةَ ما ازدهت

أمجادنا و تزاحم الخُطّابُ

أنتَ الذي أبقيتَ دينَ محمد

حيّاً فلا نُصُبٌ ولا أربابُ

فلطالما ناديتَ فيهم قائما

ولطالما قعدوا و كانَ عتابُ

ولطالما هاديتَ فيهم قاعدا

و لطالما قاموا فكانَ شغابُ(١)

طربَ الذين تَثَفَنَتْ(٢) جبهاتهم

وتحرّرت أفهامهم فأجابوا

أما العبيدُ فليسَ يطربهم ندى

إنّ العبيدَ فقاعةٌ(٣) و هبابُ(٤)

لا زالَ صوتُكَ هاتفاً مستنهضا

هممَ الرجالِ ليُنقذَ المحرابُ

يا أُمّةَ الإسلامِ أنتم قدوة

الخيرِ في أعطافكم وثابُ

إلى أن يقول في خاتمتها :

تلكم ترانيمُ النبوّةِ صاغها

للشعرِ قلبٌ ملؤهُ استعذابُ

يا ربّ آجرني على إنشادها

ولِمَنْ يؤمِّنْ أجرهُ و ثوابُ

يا ربّ جلّلني بستركَ إنّني

يا ربَّ جعفرَ(٥) عبدُكَ الأوّابُ

واقبل دعائي يا إلهي تائبا

وارحم مشيبي فاسمكَ التوابُ(٦)

هذا كلّ ما تمكّنا اختياره من شعره ؛ وذلك لأن أكثر نظمه جاء في المناسبات الخاصّة التي نتجنّبها عادة.

____________________

١- شغب العَوم : هيّج الشرّ عليهم.

٢- تَثَفَّنت : غلظت من كثرة السجود.

٣- الفقاعة : نفّاخ تعلو الماء أو الخمر ، والجمع فقاقيع.

٤- الهباب : الريح السريعة والزائلة ، ولعلّه تصحيف عن الحباب : وهي الفقاقيع التي تعلو الماء والخمر.

٥- إشارة إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه‌السلام ).

٦- مجلة الثقافة الإسلامية ، سنة ١٤١٣ ه ٤٥ / ٦٨.


(٢٩)

إبراهيم بن محمد حسن حاوي

١٣٣٠ -....ه = ١٩١٢ -....م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد حسن حاوي العاملي.

ولد في مزرعة مشرف(١) عام ١٣٣٠ه(٢) ، جبل على الطيب ، ونشأ بها على حبّ الأدب والشعر ، ثمّ دخل الكتّاب بمسقط رأسه ، وتلقّى دروسه الأولى بها ، ولم يتمكّن من الالتحاق بالمدارس الحديثة ، إلّا أنّه تمكّن بفطانته أن يبني مستقبله الأدبي.

ويذكر المباني الأولى لتعليمه في قوله - من الكامل - :

يا سائلاً عنّي وعن شعري وعن

علمي وما أحرزتُ من آدابِ

علمي الحياةُ وطولها و مراسها

وثقافتي الأولى من الكتّابِ

ولا ننسى هنا الحاج علي وزني(٣) الذي زرع فيه حبّ الأدب والشعر الذي دعمه ، وواكب مسيرته الأدبية إلى أن تمكّن وهو في الخامسة عشرة من النظم ، وبدأت قريحته منذ ذلك الوقت تنفتح ، فأنشأ عن الطبيعة ونظم في المناسبات.

عاش الشاعر حياتين ؛ حياة الوطن ، وحياة الاغتراب التي صقلت نفسيته

____________________

١- مَزرعةُ مُشْرف : قرية في ساحل صور ، شمالي وادي عاشور ، على قمة الجبل ، منسوبة إلى الشيخ مشرف من أمراء آل علي الصغير الذي كان في زمن الأمير بشير الشهابي.

٢- حيث يذكر الأستاذ محمد كامل سليمان في مقدّمة ديوان الشاعر ( لوافح ونوافح ) المؤرّخة في ١٥ / ٨ / ١٩٨٢م أنّ عمره بلغ السبعين - ديوان لوافح ونوافح / ١٢.

٣- علي الوزني أحدُ أعيان مسقط رأسه ، كان على علاقة بالشاعر.


الأدبية ، وخلقت فيه مشاعر الحنين إلى الوطن إلى جانب الغربة التي قد تكون مدعاة لبناء شخصيته المعطاءة ، ويحدّثنا عن تلك الغربة ويقول - من الخفيف - :

تائهاً في مجاهلِ الأرضِ دوما

نازحاً عن ذويهِ مثل الشريدِ

يتغنّى لسانهُ بنشيد

كان سلواهُ وهو خيرُ نشيدِ

نحنُ قومٌ لنا المهاجرَ مأوى

وَدْنانا(١) في الكونِ كلّ بعيدِ

نحنُ بالجسمِ في المهاجرِ لكن

تخفقُ الروحُ في ربوعِ الجدودِ

إذاً ، اغترب كغيره من أبناء عاملة إلى السنغال بأفريقيا ، وبدأ حياته الثانية هناك إلّا أنّه لم يفترق عن الشعر طول حياته حتى كوّن ديواناً كبيراً ، سمّاه ( ديوان لوافح ونوافح ) ، باعتبار أنّ قسماً منه كان من وحي الاغتراب والذي عبّر عنه باللوافح ، والقسم الآخر كان من وحي الوطن فسمّاه بالنوافح.

والملاحظ من شعره أنّه بين لفحة(٢) الغربة ونفحة(٣) الوطن ، وفيها الكثير من القصائد والمقطوعات التي يحنّ فيها إلى وطنه ، ويتذكّر بيته المطلّ على البحر من جهة ، وعلى الوادي من جهة أُخرى ، ويصفه وصفاً رائعاً ويقول - من الكامل - :

بيتي المعمرُ فوقَ كتفِ الواد

بيتُ الهوى والشعرِ والإنشادِ

مُلئت زواياهُ الدواري ضجّة

ما بينَ زقزاقٍ وطيرٍ شادِ

ولقد تخيّرَ وحدةً عن جيرة

فغدا مَمَرّاً للنسيمِ الهادي(٤)

ويقول من قصيدة - من الوافر - تحت عنوان : أُفتّش عن شبابي :

رأتني ذاتَ يومٍ في اكتئاب

أهرولُ في الذهابِ وفي الإيابِ

فقالت : ما دعاكَ لمثلِ هذا

فقلت لها : أُفتّش عن شبابي

أُفتّشُ عن شبابٍ مَرَّ حلما

وعمرٌ طولُهُ مَرَّ السحابِ

____________________

١- الدندانة : ما اسودّ من نباتٍ أو غيره لقدمه ، كناية عن الأصالة والقدم.

٢- اللفح : هبَّة ريح حارّة.

٣- النفح ِ: هبّة ريح باردة.

٤- راجع مقدمة ديوان لوافح ونوافح / ٧ - ١٢.


أُفتّشُ عن زمانٍ كنتُ فيه

وديعاً ساذجاً غضّ الإهابِ(١)

أُفتّشُ عن ليالٍ كنتُ فيها

غريراً لا أُبالي بالصعابِ

فيسعدني من الأيامِ قوت

يقيتُ وفي سواهُ لستُ عابي

وأحلامٌ وآمالٌ عراض

أعيشُ بها بظاهرةِ السَّرابِ

كذلكَ لذّةُ الدنيا دواما

تحسُّ بها لُحيظاتِ الغيابِ

ألا مِن مُرجعٌ أيامَ عُمرٍ

ذهبنَ وباللُيَيْلاتِ(٢) العِذابِ(٣)

____________________

١- الإهاب : الجلد.

٢- اللييلات : جمع لييلة تصغير ليلة.

٣- ديوان لوافح ونوافح / ٣٠٤.


ويتحدّث عن الاغتراب في قصيدة - من الوافر - وهو في السنغال عام ١٣٨٢ه :

اقضِ بمضجعي ونفى رقادي

حديثٌ للتغرّبِ عن بلادي

فقمتُ أشدّ للترحالِ عزما

بعيدُ القصدِ في نيلِ المرادِ

ركبتُ البحرَ معسولَ الأماني

وبالإيمانِ معموراً فؤادي

وآمالي العريضةَ رأسُ مالي

وعوني همَّتي والصبرُ زادي

هناكَ وفي بلادٍ صرتُ فيها

قليلُ الصحبِ موفورُ الأعادي

حططتُ بساحةِ الأبطالِ رَحلي

وأشحذتُ العزيمةَ للجهادِ

فقاومتُ الطبيعةَ وهي خصم

لهُ بأسٌ مُلحُّ في العنادِ

وفي حالاتها كيّفتُ حالي

و همتُ لعيشها في كلِّ وادِ

فعمَّرتُ القصورَ بفضلِ جدّي

وشدتُ بأرضها ذاتَ العمادِ

ولي وطنٌ يعاودني هواه

و يكثرُ من تذكرةٍ سُهادي

____________________

١- استعارة قرآنية من سورة المؤمنون / ٢٣.

٢- المغنطيس : لغة في المغناطيس (يونانية) ، معدن فيه قوّة تجذب الحديد ، وبعض المعادن الأخرى.

٣- ديوان لوافح ونوافح / ٣١٠.


اتخذتُ هدى أمانيه سبيلا

لكشفِ ملمّةٍ ولدفعِ عادي

إلى أن يقول في آخرها :

وإنّي من بلادِ العربِ جزء

وبضعتها متى نادى المنادي

سأبقى ما حييتُ فتىً كريما

حميدَ الذكرِ مشكورَ الأيادي

سأتركُ سيرةَ الأخلاقِ تروى

لِمَنْ بعدي وتعمرُ كلّ نادي

سأرفعُ عالياً بالفخرِ رأسي

إذا ذكرتْ أناسٌ بالسدادِ

طريقاً عبَّدَتْهُ لي جدود

سأجعلهُ سبيلاً للرشادِ(١)

ومن حكمياته - من الكامل الأخذّ - :

____________________

١- ديوان لوافح ونوافح / ٩٦ - ٩٧.


يا حاملَ السلم بالعرض

شذذتَ يا هذا عن الفرضِ

خالفتَ عُرفَ الناسِ عن عمد

فأنتَ لا ترضى ولا تُرضي(١)

وله قصيدة - من الكامل - فازت بالجائزة الثانية في إذاعة لندن عام ١٣٦٥ه(٢) تحت عنوان : ( أمل الفلاح ) ، يقول في أوّلها وهو في كولك(٣) :

لا الهمُّ يصرفني ولا التنكيد

عمّا أرومُ من العُلا وأريدُ

فالأرضُ أرضي والخلائقُ عيلتي

فأنا أمُنّ عليهمُ وأجودُ

ما قامَ ركنُ للحضارةِ شامخ

إلّا وكنتُ مع البناةِ أشيدُ

فالصبرُ درعي والقناعةُعُدّتي

وعليّ من نسجِ الجهادِ بُرودُ

إلى أن يقول :

في كلّ يومٍ من حياتي منظر

لي مثل هذا لا يزالُ يعودُ

وهناك حيثُ أرى الحياةَ سكينة

والبرُّ ليسَ لبعدهِ تحديدُ

وهناك حيثُ أرى الطبيعةَ طلقة

وتحوطني بين الحقولِ ورودُ

ويقول في آخرها :

يا أيّها الأقوامُ إنّي عامل

والمجدُ دأبي فاعملوا لتسودوا

وتقدّموا ليشدَّ بعضاً بعضكم

بالصفِّ إذ بأس العَدوِّ شديدُ

وتوحّدوا جمعاً فإنّا لم نسدْ

ما لم يمتنُّ صفَّنا التوحيدُ(٤)

وله هذه الأبيات الثلاثة - من البسيط - :

بينَ الدفاترِ والأوراقِ والكتب

أعيشُ مغتبطاً في أرفعِ الرُتبِ

أجني ثمارَ العلى بالجدِّ مجتهدا

ولا أقول إذا فاخرتُ كان أبي

فالفلُّ(٥) لي طلبٌ والدينُ حسب

ويا لسعْدي لو إنّ العلمَ من نسبي(٦)

____________________

١- ديوان لوافح ونوافح / ٣٥.

٢- الموافق لعام ١٩٤٦م.

٣- كولك : مدينة سنغالية سكن فيها المترجم له.

٤- ديوان لوافح ونوافح / ١٤٨ - ١٤٩.

٥- الفُل : ثلمة السيف ، كناية عن الشجاعة.

٦- ديوان لوافح ونوافح / ٣٠٦.


وله في الحكمة - من السريع - :

قل للفتى الفذّ أبي حازم

إن جزتَ مأجوراً على ربعهِ

لا يستوي في صنعةٍ شاعر

وشاعرٌ يُنشئُ من طبعهِ

ولا فتى يمتحُ من جمعه

مثلُ الذي يغرفُ من نبعهِ(١)

وله قصائد في الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) منها قصيدته - من الكامل - التي أنشأها بمناسبة ذكرى ميلاده يقول في أوّلها :

أيّ الفضائلِ من خصالك أذكر

يا أيّها الهادي البشيرُ المنذرُ

عرّفتكَ أقوامٌ فقالوا مرسل

وجفاكَ أقوامٌ فقالوا يسحرُ

وكلاهما جهلوا عُلاكَ وما دروا

أيّ الحقائقِ في صفاتكِ تجدرُ

ضلّت فلاسفةُ الزمانِ وما اهتدتْ

للكشفِ عمّا في صفاتكَ مُضمرُ(٢)

وله أُخرى وهي - من الكامل - نظمها عام ١٣٨٦ه وأوّلها :

ما أطيبَ الدنيا وما أحلاها

ماذا جرى يا قوم في مجراها(٣)

وأُخرى وهي - من الكامل - أنشأها عام ١٣٦٧ه مطلعها :

قالوا النبوّةَ أن تكون مؤيّدا

باللهِ عبرَ الوحي والتنزيلِ(٤)

وله قصائد في سبطه الإمام الحسين (عليه‌السلام ) وبعض أنصاره أوردناها في محلّه.

____________________

١- ديون لوافح ونوافح / ٩٣.

٢- المصدر نفسه / ١٧٩.

٣- المصدر نفسه / ٢٢٨.

٤- المصدر نفسه / ٢٠١.


(٣٠)

إبراهيم بن محمد حسن النصار

١٣٤٨ -....ه = ١٩٢٩ -....م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد حسن بن جاسم بن حسن بن علي بن محسن بن راشد نصار الأخباري.

ولد عام ١٣٤٨ه في كربلاء ونشأ بها في أسرة محافظة ، والتحق بالمدارس الحديثة ، ولمـّا أنهى الابتدائية التحق بالحوزة العلمية ، ودرس مبادئ العربية والإسلامية على جمع من الأفاضل ، منهم : الشيخ علي فليح(١) ، والشيخ علي الإحسائي(٢) ، والشيخ جعفر العتابي(٣) .

ثمّ انتقل إلى النجف والتحق بمدرسة كاشف الغطاء ، وعاد بعدها إلى كربلاء ؛ لمواصلة دراسته الدينية والعلمية ، ولكن سرعان ما انصرف إلى مزاولة التجارة والأعمال الحرّة ، وانتقل بعدها إلى بغداد.

وكان في كربلاء يشارك الأدباء والشعراء محافلهم الأدبية وندواتهم الشعرية حتى قوي عوده ، وأخذ ينشأ القصيدة تلو الأخرى حتى كوّن ديواناً لا زال مخطوطاً ، إلّا أنّه نشر العديد من قصائده في مجلّة الثقافة الجديدة البغدادية ، ومجلّة الورود اللبنانية.

وهو لا زال يواكب حركة التجديد للأدب العربي ، وهو إلى جانب ذلك له اطّلاع بالأدب الفارسي حيث ترجم بعض القصائد الفارسية إلى العربية.

____________________

١- فليح : كان من فضلاء كربلاء ، لعلّه من أحفاد الشيخ فليح ، المتوفّى سنة ١٢٩٦ه الذي كان نجله محمد شاعراً ، قُتل سنة ١٢٩٥ه.

٢- الإحسائي : ولعلّه علي بن محمد بن عبد الله العيثان ، المتوفّى عام ١٤٠١ه من أعلام كربلاء.

٣- العتابي : كان من منطقة الجنوب العراقي سكن كربلاء ، ويذكر أنّه كان يمارس التدريس في مدرسة المهدية ، ومدرسة الخطيب.


ومن شعره المترجم من الفارسية تحت عنوان : أيّها الزاهد - البيتان الأوّلان من السريع ، والباقي من مجزوء الرمل - :

وربّ كأسٍ صيغَ من عسجد(١)

يصدعهُ السقطُ من الجلمدِ(٢)

فالكأسُ لا ينقصُ إبريزه(٣)

والحجبُ التافهُ لم يزددِ

* * *

أيّها الزاهدُ لا نر

جو كما ترجو ثوابا

إنّنا مرآةُ ذات

لحبيبٍ عنكَ غابا

إن تكن جئتَ من المعبـ

دِ ترتادُ نزالا

فمن الحانةِ شَمَّرْ

نا للقياكَ الثيابا

* * *

كنتُ بالأمسِ أعاني

من تباريح(٤) السياقِ(٥)

فتشابكت وروحي

أبتغي منها فراقي

وبقاءُ الروحِ يعني

إنّ سوءَ الحظِّ باقي(٦)

____________________

١- العسجد : الذهب ، أو الجوهر كالدر والياقوت.

٢- الجلمد : الصخر.

٣- الإبريز : الذهب الخالص ، والكلمة يونانية الأصل.

٤- التبريح : الشدّة ، المشقّة ، كلفة المعيشة ، والجمع تباريح.

٥- السياق : ما يُساق في مهر المرأة.

٦- شعراء كربلاء ١ / ١٨.







هذا وللشاعر شعر ملمّع بالفارسية ؛ حيث ينظم بالفارسية أيضاً ، كما أنّه نظم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) فأودعناه في ديوان القرن الخامس عشر.


(٣١)

إبراهيم بن محمد الحمّار

١٣١١ - ١٣٩١ه = ١٨٩٣ - ١٩٧١م

هو الملا إبراهيم بن محمد بن حسين الحمّار الكويكبي القطيفي.

ولد في الرابع عشر من شهر محرّم الحرام عام ١٣١١ه في قرية الكويكب التابعة للقطيف(١) ، ونشأ في بيئة دينية وكريمة بين أبوين كريمين.

أخذ المبادئ الأولية للعلوم العربية والإسلامية من فضلاء منطقته ، وامتهن الخطابة ، وكان ذا أدب رفيع حيث قام بنظم الشعر ممّا كوّن ديواناً غنيّاً فيه قصائد عن الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، نقلناها في باب الشعر من هذه الموسوعة.

وقال عنه الشيخ المرهون(٢) : كان معروفاً بالخير والصلاح ، والتقى والورع ، والمحافظة على أوامر المولى جلّ اسمه.

وأسرته (آل حمّار) بالتشديد من أكرم الأُسر القطيفية ، ذات السمعة الطيّبة ، والصيت الطائر ، احتلّت مكاناً هامّاً في دنيا التجارة ، ومارست كثيراً من الأعمال الحيوية ، وأياديها البيضاء في أفعال الخير معروفة.

وقد تعرّفت على الكثير من رجالها ، فوجدت منهم الأماثل الذين يسارعون في الخيرات(٣) .

وقال المرجاني(٤) : إنّه شاعر ، له ديوان شعر في مراثي أهل

____________________

١- القطيف : من مدن المنطقة الشرقية في السعودية.

٢- المرهون : علي بن منصور بن علي آل مرهون ، ولد عام ١٣٣٤ه ، له مصنّفات عديدة منها : لقمان الحكيم ، أعمال الحرمين ، وله ديوان شعر باسم ( المرهونيات ).

٣- شعراء القطيف المعاصرين / ٩٠.

٤- المرجاني : هو حيدر بن صالح الكاتب المعاصر الذي تولّى الأمانة العامّة لجميعة

=


البيت (عليهم‌السلام ) ومدائحهم ، وإنّ شعره رقيق قوي ، امتاز بالرّقة والقوّة(١) ، يحتوي على شعره القريض والدارج ، ويغلب عليه الشعر الدارج(٢) .

هذا وقد جرت محاولات واتصالات عديدة جدّاً مع أبناء وأحفاد وأصدقاء الشاعر في القطيف ، إلّا أنّهم أخبرونا بأنّهم لم يحتفظوا بشعره.

وذكر لنا بعض أحفاده أنّ ديوانه قد أُرسل إلى النجف للتنقيح والطباعة منذ سنوات ولم نعلم عنه شيئاً.

____________________

= التوجيه الديني في النجف ، كما كان عضواً في اتّحاد المؤلّفين والكتّاب العراقيين ، وله مؤلّفات عديدة منها : جولة في شواطئ الخليج ، تراث النجف ، خطباء المنبر الحسيني.

١- خطباء المنبر الحسيني ١ / ٨٦.

٢- نقلاً عن الشيخ حسن بن موسى الصفّار والذي مضت ترجمته.


(٣٢)

إبراهيم بن محمد الحنفي

١٠٥٤ - ١١٢٠ه = ١٦٤٥ - ١٧٠٨م

هو السيد إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن حسين بن حمزة الحسيني الحنفي(١) الدمشقي.

ولد في دمشق عام ١٠٥٤ه ، ونشأ على أبيه(٢) الذي كان من الأعلام ، وتخرج عليه وعلى شقيقه السيد عبد الرحمان(٣) ، واستكثر من الشيوخ حضوراً عليهم ، واستجازة منهم ، وبلغ عدد شيوخه ثمانين شيخاً ، واشتهر بابن حمزة.

أخذ عن الشيخ شهاب الدين(٤) بعضاً من صحيح البخاري(٥) .

سافر إلى مصر وأخذ عن علمائها ، وتولّى نقابة الأشراف فيها عام ١٠٩٣ه ، كما تولّى بدمشق نيابة محكمة الباب الكبرى والقسمة العسكرية ، وتولّى النقابة بدمشق عدّة مرّات.

كما سافر إلى الروم وإلى غيرها ، وسافر إلى بيت الله الحرام ، وبعد

____________________

١- نفحة الريحانة ٢ / ٨٨.

٢- أوه : قال عنه كحالة في معجم المؤلّفين ١١ / ١٦٣، ولد (محمد) سنة ١٠٢٤ه في دمشق وتوفّي بها عام ١٠٨٥ه ، وكان محدّثاً مفسّراً ، فقيهاً أديباً ، نحوياً وشاعراً ، تولّى نقابة الأشراف بدمشق.

٣- عبد الرحمان : ولد سنة ١٠٤٨ه في دمشق ومات فيها سنة ١٠٨١ه ، أديب دمشق في عصره ، له كتاب (الحدائق والغرف).

٤- شهاب الدين : هو أحمد بن علي بن مفلح من علماء دمشق في القرن الحادي عشر.

٥- البخاري : محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ، ولد في بخارى سنة ١٩٤ه ، جمع أحاديث النبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) من نحو ألف شيخ ، مات سنة ٢٥٦ه.


الرجوع منها توفّي في شهر صفر وهو في منزل يسمّى ذات الحجّ(١) ، ودُفن بها وذلك عام ١١٢٠ه.

له من المؤلّفات : البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف في جزأين(٢) ، وحاشية على شرح الألفية لابن الناظم(٣) .

وكان من أعلام دمشق وعلمائها ، وكان يدرّس صحيح البخاري في داره لمدّة ثلاثة أشهر ، ثمّ درّس في المدرسة الماردانية بالصالحية ، والمدرسة الأمجدية على الشرف القبلي ، وبالمدرسة الجوزية(٤) .

وذكروا أنّ له نظماً جيّداً ، وله أرجوزة إلّا أنّنا لم نتمكّن من استحصالها رغم تكليف طرفنا في دمشق للتفتيش عنها في مكتبات الشام ، وبالأخصّ في المكتبة الظاهرية التي قيل إنّها موجودة فيها.

____________________

١- ذات الحج : عين ماء في الطريق ما بين مكة والشام.

٢- طبع في جزأين في حلب ، ويقع الجزء الأوّل منه في ٣٢٧ صفحة ، والثاني في ٣١٢ صفحة ، وقد لخّص فيه وصنّف أبي البقاء العكبري وزاد عليه.

٣- لم تمهله المنية لإكماله.

٤- راجع معجم المطبوعات العربية والمعربة ١ / ٨٨ عن خلاصة الأثر ٢ / ١٠٥.الأعلام - للزركلي ١ / ٦٨ عن سلك الدرر ١ / ٢٢ والأزهرية ١ / ٣٢٣.


(٣٣)

إبراهيم بن محمد شرارة

١٣٤١ - ١٤٠٣ه = ١٩٢٢ - ١٩٨٣م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد بن عبد الله شرارة العاملي.

ولد في بنت جبيل(١) عام ١٣٤١ه وفيها دُفن.

نشأ بها والتحق بمدارسها ، وتتلمذ في العلوم العربية على الشيخ علي شرارة(٢) ، وفي مطلع شبابه هاجر من مسقط رأسه إلى أفريقيا الغربية ؛ للعمل إلّا أنّ إقامته بها لم تطل ، فرجع وسكن بيروت ، وتعاطى التجارة إلى أن توفّي بها.

شارك مجتمعه في مناسباتهم الدينية واحتفالاتهم الثقافية والأدبية.

قال عنه الأستاذ عباس بيضون(٣) في تأبينه : لقد قام إبراهيم وآخرون بنقل الأدب العاملي من سلفية مفرّقة إلى نفحة معاصرة ، كانت تهبّ من حواضر الأدب يومذاك في مصر ولبنان والمهجر ، ولعلّ صدى الرومانطيقية(٤) في لبنان

____________________

١- بنت جبيل : مركّبة من أنثى الابن ومصغر جبل ، وهي اليوم قضاء مستقل ، وهي من أمّهات بلاد جبل عامل بلبنان وعلى حدود فلسطين ، ألحقت سابقاً بمرجعيون وثمّ بصور.

٢- شرارة : هو علي بن أحمد بن أمين (١٣٠٢ - ١٣٧٥ه) ، تتلمذ على السيد نجيب فضل الله ، والشيخ موسى مغنية ، ثمّ تولّى مهنة التعليم في المدارس الرسمية ، نظم الشعر ومارسه.

٣- بيضون : هو الدكتور عباس ، أديب لبنان معاصر ، وشاعر صحفي ، مارس مهنة التعليم في بداية الأمر.

٤- الرومانطيقية : رومنطيقية أو رومانسية ، وهي حركة أدبية وفنيّة عرفتها أوروبا ، دعت إلى تغليب مبادئ الحرية والذاتية على القواعد الكلاسيكية والعقلانية الفلسفية ، بشّر بها في فرنسا شاتوبريان ، وازدهرت مع لامارتين وهوغو ودي موسّه.


ومصر.

تسلل إلى أدباء جبل عامل الشبّان آنذاك ؛ ليؤثّر في كلامهم ونتاجهم ، وتؤثّر الرقة الوافدة في اللغة العريقة الموروثة من شيوخ تشرّبوا الشعر من منابعه الأولى ، وسلكوه من أعرق مسالكه ، وأوغلها في الزمن ، وأشركوا فيه مشاغل أُخرى تشمل المكتبة العربية القديمة بشتى فروعها.

والأغلب أنّ شعر إبراهيم ينضمّ إلى تراث واسع لم يُكتب له أن ينتظم في التراث اللبناني بكلّيته ؛ فقد كان هذا الأدب يتداول بين عائلات ثقافية ، ومنتديات أبرزها المنتدى الحسيني ، وأماسي سمر ، ومجالس أدب ، وكان مكتفياً بتداوله هذا متآلفاً معه(١) .

وقد صدرت له مجموعة شعرية صغيرة عام ١٣٨٦ه بعنوان ( في قرانا ) ، أمّا بقيّة شعره فقد ظلّ مخطوطاً.

ومن شعره قصيدة في رثاء السيد محسن الأمين ، المتوفّى عام ١٣٧١ه ، يقول في مطلعها - من الخفيف - :

أيّ رزءٍ دهى وخطبٌ دهاهم

حلّ في موطني فهدّ الدعائم(٢)

وأُخرى في رثاء السيد عبد المطلب(٣) الأمين ، المتوفّى عام ١٣٩٤ه ، يقول في أوّلها - من البسيط - :

بحورُ شعركَ ما الشطآن والجزر

هل عند شقراء(٤) من أخبارها خبرُ

تريدني أن أرود الشمسَ أحملها

على خيوطِ سراجٍ زيتهُ عكرُ

مَنْ عاذري وذبالات(٥) المنى نضبت

وليس ينبتُ في بستاني العذرُ

أنا المنهنه(٦) ما خمري وما قدحي

أنا المغرّدُ ما غصني وما الشجرُ

____________________

١- مستدرك أعيان الشيعة ١ / ٦.

٢- أعيان الشيعة ١٠ / ٤٤٥.

٣- عبد المطلب : هو ابن محسن بن عبد الكريم بن علي الأمين الحسيني العاملي ، ولد في دمشق عام ١٣٣٣ه ، اشتغل بالسلك الدبلوماسي ، جمع شعره في ديوان صغير باسم شعر عبد المطلب الأمين ، ودُفن في مدينة شقراء.

٤- شقراء : من توابع مدينة مرجعيون بجبل عامل.

٥- الذُبالة : الفتيلة التي تُسرج.

٦- النهنهةُ : الكفُّ والمنع والزجر.


عشقتُ حتى كأنّ العشقَ أتلفني

وذبتُ فالوجدُ لا يبقي(١) ولا يذرُ(٢)

ويقول عنه ناصر(٣) شرارة لدى تحدّثه عن الشعر العاملي : إنّ إبراهيم شرارة طائر غرّد داخل سربه العاملي ، لكنّ هذا لم يجعله بالضرورة واحداً في جوقة كنيسية تردّد نفس الكلام وذات اللحن.

لقد كان طائراً عاملياً بحقّ ، ولكن كان لصوته صدى مميّز ، ولرفيف جناحه اختلاجات لا تشبه اختلاجات قلبه ؛ ولعلّ مقدرة إبراهيم شرارة على انتزاع تمايزه الفني من دون أن يترتّب على ذلك خروجه من المؤسسة العاملية الشعرية القديمة ، لعلّ هذا بحدّ ذاته

____________________

١- استعارة قرآنية من قوله تعالى في سورة المدثر / ٢٦ - ٢٨ :( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ) .

٢- أعيان الشيعة ٨ / ١١٢.

٣- ناصر : كاتب وصحفي لبناني معاصر.


هو واحد من أهم خصائص الشاعر ومميّزاته(١) .

____________________

١- مستدرك أعيان الشيعة ١ / ٦.


يقول الشاعر محمد علي شمس الدين(١) عن ديوان المترجم ( في قُرانا ) : إنّ الشاعر حين يستنطق الريف يدخل معه في خطاب رومانسي ، وينتقل به من العين إلى الوجدان ، من الوصف إلى العلن(٢) .

وقال محمد فرحات(٣) عن هذا الديوان : تبدو قصائد إبراهيم شرارة ناتجة عن تراث بيئته اللغوي العريق - جبل عامل - ، وتراث التحديث العربي في صورته اللبنانية ، شعر ما بين الحربين(٤) العالميتين(٥) .

____________________

١- شمس الدين : شاعر لبناني ، ولد في قرية بيت ياحون سنة ١٣٦١ه ، له ترجمة في الموسوعة في باب تراجم الشعراء.

٢- مستدرك أعيان الشيعة ١ / ٦.

٣- فرحات : هو ابن رضا فرحات ، ولد في النجف سنة ١٣٥٦ه ، له ديوان شعر اسمه (جراح جنوبية) ، ومسرحية شعرية بعنوان (سلام للعصافير) ، راجع الموسوعة باب تراجم الشعراء.

٤- نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٣٣٢ه (١٩١٤م) ، وانتهت عام ١٣٧٧ه (١٩١٨م) ، كما نشبت الثانية عام ١٣٥٨ه (١٩٣٩م) ، وانتهت عام ١٣٦٤ه (١٩٤٥م).

٥- مستدرك أعيان الشيعة ١ / ٦.


توفّي في بيروت عام ١٤٠٣ه على تلك الأشواق التي حملت جثمانه إلى مسقط رأسه ببنت جبيل ؛ ليدفن بها ومعه صكّ الخلاص في قصيدة رائية ، يتجلّى فيها ولاؤه لأمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، ومنها قوله - من الخفيف - :


يا علياً يا فيصلاً في يمين

اللهِ يا وثبةً تخوضُ الغمارا

أنتَ من زرعِ أُمّتي من عطايا

وطني تنتخي وتحمي الذمارا

هات وحّدْ صفوفنا واجمع

العربَ سبيلاً وأُمّةً و ديارا

لا حدوداً لا ظلمةً لا سجونا

لا دخيلاً بها و لا استعمارا

يا ابنَ عمِّ النبي ، تقفو خطاه

وعلى الدربِ ، حيثُ طه أنارا

قدَّرَ اللهُ منذ أن بدأ الخلق

فتوحاً ، لدينه ، وانتشارا

واصطفى أحمداً رسولاً أمينا

صَدَقَ اللهُ فيهِ حين اختارا

رفّةٌ من جناح جبريلَ ، لولاها

تشقّ السما وتنزلُ غارا

لقرأنا نهجاً كقرآنِ طه

وكآي ابنِ مريمَ للنصارى

غفرَ اللهُ لي ، وحُبّك أوحى لي

غلوّي ، وزيّنَ الأفكارا

يا إمامَ الأحرارِ.نوّرْ لنا الدربَ

فأنتَ اصطفيتنا أحرارا

كلّ عامٍ لنا ، ببابكَ ، طابت

وقفةٌ عندهُ وَ طِبتَ مزارا

جئتَ للكونِ مرّةً ، هو يرجو

منكَ في الدهرِ لو أتيتَ مرارا

مرّة والرجاءُ أن يوغلَ في الدّنيا

ولن يَبْلغَ الرجاءُ القرارا

واحداً في الزمانِ..وهو مجيء

واحدٌ ، ما أَعيدَ دهرٌ و دارا

يا إمامَ الثوّارِ ، تنهَدُ جبارا

وفي اللهِ تصرعُ الجبارا

كلّ يومٍ لنا بدربكَ زحف

للمعالي تمضي لها إعصارا

يا علياً ، وماجَ في حَبَكِ الصبح

قريضي...ولألأ الأنوارا

أعطني من لدنكَ زهوَ القوافي

و عَجيباً إن لم تسِلْ أنهرا

أعطني من لدنكَ جمرَ المروءات

فألظى ، و قد عصرتُ النارا

أجدُ الفيءَ من جناحيكَ يحويني

فآوي ، و قد هداتُ قرارا

هات منكَ الرحيق..نسكرُ صاحين

على سكبهِ..ونصحو سكارى

نشأ الشعرُ في رياضِ معانيكَ

فأعطى..وِأطعمَ الأثمارا

خطرةٌ من سناكَ تلهمُ روحي

خطرةٌ من ضحاكَ..تهدي الحيارى(١)

____________________

١- مستدرك أعيان الشيعة ١ / ٧ - ٨.


(٣٤)

إبراهيم بن محمد صالح الخالصي

النصف الأخير من ق١٢ - ١٢٤٦ه = النصف الأخير من ق١٨ - ١٨٣٠م.

هو الشيخ إبراهيم بن محمد صالح الخالصي(١) الكاظمي.

لسنا متأكّدين بأنّ ولادته ونشأته كانتا في قرية الخالص ؛ إذ يُحتمل أن تكونا في الكاظمية.

تتلمذ على السيد محسن الكاظمي(٢) وغيره من أعلام الكاظمية حتى أصبح من أعلام الأُمّة ، وتخرّج فقيهاً أصولياً ، له مؤلّفات في الفقه والأصول وغيرهما.

ذكر الطهراني بأنّ آثاره قد ضاعت ، ثمّ يقول : رأيت بعض مراثيه في آخر مقتل كبير في خزانة كتب شيخ الشريعة(٣) الأصفهاني(٤) .

توفّي بمرض الطاعون الذي كان سارياً في تلك الأيام ، وذلك عام ١٢٤٦ه.

وقد حاولنا جهد الإمكان الحصول على ترجمته من المهتمين بأعلام ورجال الكاظمية ، فضلاً عن كتب التراجم ، ولم نجد مرادنا.

____________________

١- الخالصي : ليس له ارتباط بعائلة الخالصي والذي اشتهر منهم الشيخ محمد مهدي الخالصي ، المتوفّى عام ١٣٤٣ه والذي كان من زعماء ثورة العشرين.

٢- الكاظمي : هو السيد محسن بن حسن الحسيني الأعرجي (١١٣٠ - ١٢٢٧ه) من علماء الإمامية ، له كتاب المحصول في شرح وافية الأصول ، المهذّب الصافي ، المعتصم.

٣- شيخ الشريعة : هو الشيخ فتح الله بن محمد النمازي الشيرازي الملقّب شريعة مدار ، ولد في مدينة أصفهان سنة ١٢٦٦ه ، من علماء الإمامية ومراجعها ، تتلمذ على السيد حيدر الأصفهاني ، وعلى الشيخ أحمد السبزواري وغيرهما ، توفّي سنة ١٣٣٩ه في النجف الأشرف ، من مؤلّفاته : إنارة الحالك ، إبانة المختار ، قاعدة الطهارة.

٤- الكرام البررة ١ / ١٨ ، معجم المؤلّفين ١ / ٩٧.


(٣٥)

إبراهيم بن محمد العطار

قبل ١١٦٠ - ١٢٣٠ه = ١٤٤٤ - ١٥١٤م

هو السيد إبراهيم بن محمد بن علي بن سيف الدين بن رضاء الدين بن سيف الدين(١) الحسني(٢) البغدادي.

ولد في بغداد قبل عام ١١٦٠ه ، ونشأ على والده نشأة ثقافية حيث كان من أعلام الإمامية إلى أن توفّي عام ١١٧١ه(٣) .

وأخذ مبادئ العربية والإسلامية بها على فضلائها ، ثمّ التحق بجامعة النجف ، وحضر حلقة درس السيد مهدي بحر العلوم(٤) ، وهناك اتصل بعدد من الشعراء ، كالشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والشيخ محمد رضا النحوي(٥) ، والسيد محمد الزيني(٦) ،

____________________

١- سيف الدين : هو ابن رميثة بن رضاء الدين بن محمد علي بن عطيفة بن رضاء الدين بن علاء الدين بن مرتضى بن محمد بن حميضة بن محمد نجم الدين الشريف من أمراء مكة.

٢- ينتمي من جهة الأب إلى الإمام الحسن (عليه‌السلام ) ، ومن جهة الأُمّ إلى الإمام الحسين (عليه‌السلام ).

٣- وفي الكواكب المنتشرة ٦ / ٦٨٤ إنّه مات عام ١١٧٠ه ، وهو من علماء بغداد.

٤- بحر العلوم : هو ابن مرتضى بن محمد الحسيني الطباطبائي من ذرية الحسن المثنى ، ولد في كربلاء سنة ١١٥٥ه ، من مشاهير الإمامية وأعلامها ، تتلمذ على والده والشيخ يوسف البحراني والوحيد البهبهاني ، ومن مصنّفاته المصابيح في الفقه ، توفّي في النجف سنة ١٢١٢ه.

٥- النحوي : هو ابن أحمد بن حسن بن علي الخواجه الحلّي ، وهو من أدباء النجف وأعلامها ، جُمع شعره إلى جانب شعر والده وأخيه الهادي في ديوان ، مات في النجف سنة ١٢٢٦ه.

٦- الزيني : هو ابن أحمد زين الدين ويرجع نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى ، ولد في

=


والسيد صادق الفحام(١) ، والشيخ محمد الجامعي(٢) ، واحتلّ مكانة في صفوفهم(٣) .

وصفه السماوي بقوله : كان فاضلاً فقيهاً مشاركاً ، وتقياً زاهداً ناسكاً ، وله شعر ينمّ عن أدب ومعرفة باللغة(٤) .

والمترجم هو والد السيد حيدر(٥) الذي ينتسب إليه السادة الحيدريون في الكاظمية وبغداد ، وهم معروفون بالفضل والعلم والأدب.

وقال عنه النقدي(٦) : كان من ذوي الفضيلة والكمال ، أديباً جيّد الشعر ، حي الشعور ، له مطارحات كثيرة مع أهل عصره ، وشعره الغالب عليه الحسن والرقة(٧) .

وقال عنه شبر(٨) : شاعر مجيد معروف ، تجوّل في مختلف أغراض

____________________

= النجف سنة ١١٤٨ه ، وهو من أدبائها وأعيانها ، برع في نقل الشعر الفارسي إلى العربية ، له ديوان شعر ، توفّي سنة ١٢١٦ه.

١- الفحّام : هو ابن علي ، وقيل : محمد علي بن الحسين بن هاشم الحسيني الأعرجي ، ولد في الحلّة سنة ١١٢٤ه ، وكان من مشاهير الأدباء في النجف، مات فيها سنة ١٢٠٥ه.

٢- الجامعي : هو محمد بن يوسف بن جعفر بن علي ، المتوفّى عام ١٢١٩ه ، كان عالماً وشاعراً وأديباً ، تولّى القضاء ، له مؤلّفات منها : النفحة المحمدية في شرح اللمعة الدمشقية.

٣- أدب الطفّ ٦ / ١٨٩.

٤- الطليعة من شعراء الشيعة كما في الأعيان ٢ / ٢١٣ ، وشعراء بغداد ١ / ٩٩.

٥- حيدر : هو ابن إبراهيم المترجم له ، ولد سنة ١٢٠٥ه ، له مصنّفات عديدة منها : العقائد الحيدرية في الحكمة النبوية ، وكان شاعراً ، توفّي سنة ١٢٦٥ه ، ودُفن في الكاظمية.

٦- النقدي : هو الشيخ جعفر بن محمد بن عبد الله الربعي النوازي ، ولد في مدينة العمارة العراقية سنة ١٣٠٣ه ، وهو من علماء الإمامية وأدبائها ، من مؤلّفاته : زينب الكبرى ، مات في الكاظمية سنة ١٣٧٠ه ، ودُفن في النجف.

٧- الروض النضير / ٣٤٦ ، كما في أدب الطفّ ٦ / ١٩٠ ، وشعراء بغداد ١ / ٩٩.

٨- شبّر : هو السيد جواد بن علي بن محمد ، ولد في مدينة النجف سنة ١٣٣٢ه ، وكان من خطباء النجف وشعرائها ، من مصنّفاته : أدب الطفّ ، في عشرة أجزاء.


الشعر ، وأصاب منها الحظّ الأوفر ، وشعره يوقفك على علاقاته مع العلماء والأسر ، ويطلعك على كثير من الصور التي قد لا تجدها عند غيره(١) .

وقال عنه الخاقاني : شاعر مجيد معروف ، تجوّل في مختلف أغراض الشعر ، وأصاب منها الحظّ الأوفر(٢) .

هذا ، وقد كوّنت قصائده في المناسبات ، ومطارحات مع الشعراء ديوان شعر يحتوي على أربعة آلاف بيت تقريباً ، موجودة في مكتبة السيد هادي(٣) الحيدري(٤) ، جمعه نجله السيد حيدر المار الذكر ، وله ابن آخر عُرف بالسيد باقر(٥) العطار.

والمترجم له كُفّ بصره في أواخر عمره ، وأثّرت على حياته النفسية ، ممّا دعاه أن يظهر شكواه ، ويلتجأ إلى أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ويخاطبهم بهذه القصيدة - من الوافر - التي يقول في أوّلها :

أيبريني السقامُ وحسنُ ظنّي

ببرئي فيكمُ لا بل يقيني

وأخشى أن أُضامَ وفي يقيني

وعلمي أنّ حبّكمُ يقيني

ويظهر عجز الأطباء عن ذلك ، وهو لا زال يأمل البرء عبر الأئمّة الهداة (عليهم‌السلام ) :

على مَ صددتمُ عنّي وأنتم

على الإحسانِ قد عوّدتموني

لقد عجزت أطبائي ومالي

سواكمُ منقذٌ فاستنقذوني

إلى أن يقول :

أبيتُ وللأسى نارُ قلبي

فهل من قائلٍ يا نارُ كوني(٦)

____________________

١- أدب الطفّ ٦ / ١٩١.

٢- شعراء بغداد ١ / ١٠٠.

٣- هادي : ابن مهدي بن أحمد بن حيدر بن إبراهيم بن محمد العطار الحسني.

٤- شعراء بغداد ١ / ١٠٠ ، مجلة الغري النجفية ، السنة ٩ / ٥٤١.

٥- باقر : هو ابن المترجم له ، كان أديباً وشاعراً ، توفّي سنة ١٢٣٥ه ودُفن في النجف الأشرف.

٦- استعارة قرآنية من قصّة إبراهيم (عليه‌السلام ) مع نار نمرود ، قال تعالى :( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ( سورة الأنبياء / ٦٩ )


متى يُجلى قذى عيني وتحظى

عقيبَ الفحصِ بالفتحِ المبينِ

فدونكم بني الزهراءِ نظما

يفوقُ قلائدَ الدرِّ الثمينِ

أرومُ بهِ جلاءَ العينِ منكم

بعينِ عنايةِ اللهِ المعينِ

عليكم أشرفُ الصلواتِ ما أنـ

ـشدت ورقٌ على ورقِ الغصونِ

وما سارت مهجّنة إليكم

وسارَ بذكركم حادي الظعونِ(١)

وله قصائد حسينية أودعناها في محلّها.

وله قصيدتان يرثي بهما السيد مرتضى الطباطبائي الحائري(٢) المتوفّى عام ١٢٠٤ه ، والد السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي، يذكر فيهما جواره للإمام الحسين (عليه‌السلام ).

فأمّا الدالية - من الكامل - والتي مطلعها :

أرأيتَ هذا اليومَ ما صنعَ الردى

بدعائمِ التقوى وأعلامِ الهدى

إلى أن يقول :

ما سارَ عن دارِ الفناءِ مسارعا

إلّا ليغتنمَ النعيمَ السرمدا

ومَنْ اغتدى جارُ الشهيدِ بكربلا

أضحى بجنّاتِ النعيمِ مخلّدا

ليقرّ عيناً حيثُ حلَّ ببقعة

أمسى ثراها للنواظرِ(٣) إثمدا(٤)

ويقول في الرائية - من المتقارب - والتي مطلعها :

مصابٌ أذالَ الدموعَ الغزارا

وأجّج بينَ الحشى منهُ نارا

إلى أن يقول :

وهل يخشى أن يُضامَ امرؤ

بحامي الحمى والنزيلُ استجارا

ومَنْ قد أناخَ برحلِ الحسين

يُنوِّءُ في الخلدِ مثوى ودارا(٥)

____________________

١- أدب الطفّ ٦ / ١٨٩ ، شعراء بغداد ١ / ٩٩.

٢- الحائري : هو ابن محمد من ذرية الحسن المثنى ، كان من أعلام الإمامية وفضلائها ، له مجلّد في شرح بعض مباحث صلاة الكفاية ، دُفن عند مزار الشهداء بكربلاء.

٣- الأثمد : حجر يُكتحل به ، يعرفه علماء الكيمياء باسم ( انيموان ).

٤- أعيان الشيعة ٢ / ٢١٥.

٥- أعيان الشيعة ٢ / ٢١٤.


ومن شعره في التأريخ : هذا البيت من قصيدة ِ- من الكامل - سبق ذكرها في وفاة السيد مرتضى الطباطبائي وهو :

إن رمتَ تاريخَ الشريفِ المرتضى

فهلمّ أرِخْ قد قضى علمُ الهدى

وذلك عام ١٢٠٤ه(١) .

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ٢١٥.


ومن شعره في التأريخ - من المتقارب - قوله في تأريخ وفاة السيد مرتضى الطباطبائي أيضاً :

فبشراهُ إن كانَ تأريخه

تبوأ جنّاتِ عدنٍ ديار(١)

وقال في تأريخ ولادة السيد علي بن أبي طالب ، المولود عام ١٢١٤ه قصيدة - من السريع - يقول فيها :

يا طالباً تأريخَ ميلادِ مَنْ

أصبحَ أقصى بغيةِ الطالبِ

دونكَ تأريخاً بليغاً أتى

ببيتِ شعرٍ للهنا جالبِ

ما مرّ بي عيدٌ كعيد أتى

بهِ علي بن أبي طالب(٢)

قال الطهراني : ترجمه ابنه السيد حيدر في كتابه البارقة الحيدرية(٣) ، وقال : رأيت له في مكتبة الشيخ محمد السماوي مجموعة بخطّ المترجم ، جمع فيها مراثي والده ، ومنها مرثية له(٤) .

هذا وقد اختلف في عام وفاته ؛ فقال الطهراني : إنّه توفّي حدود عام ١٢١٥ه ، وقال الأمين : إنّه توفّي عام ١٢٢٧ه ، وقال شبّر : توفّي عام ١٢٣٠ه ، ونقل شبّر عن السماوي : بأنّه توفّي عام ١٢٤٠ه(٥) ، وأظنّه تصحيف ؛ حيث لم يعلّق عليه.

ويؤكّد شبّر على أنّه توفّي في ١٢٣٠ه ، بقوله : وذكره السيد الأمين في الأعيان أنّه توفّي عام ١٢١٥ه وهو غير صحيح(٦) ، إلّا أنّ نسبة القول إلى الأمين غير صحيح ، بل الموجود في الأعيان هو ١٢٢٧ه كما عرفت وفاته في عام ١٢١٥ه منسوب إلى الطهراني ، إلّا أنّه لم يحدّد ، بل قال : بعد عام ١٢١٥ه.

وفي أخباره أنّ الشيخ علي بن أحمد الظالمي(٧) سافر يوماً إلى بغداد

____________________

١- شعراء بغداد ١ / ١٠٨.

٢- شعراء بغداد ١ / ١٠٢.

٣- ألّفه في نقض ما أبرمه الكشفية والردّ على طريفة الشيخية.

٤- الكرام البررة ١ / ٢٢.

٥- ونقل الخاقاني عنه أيضاً ، كذلك راجع شعراء بغداد ١ / ٩٩.

٦- أدب الطفّ ٦ / ١٩٠.

٧- الظالمي : وهو شيباني من بطن فزارة ، من أدباء النجف ، كان من معاصري سلمان آل محمد زعيم الخزاعل ، مات بعد عام ١١٧١ه.


وحلَّ ضيفاً على السيد محمد العطار(١) - والد المترجم له - فلم يقم السيد بواجبه تجاه الضيف ؛ لعدم معرفته به ، فرجع الشيخ غضباناً ، فأرسل السيد إبراهيم - صاحب الترجمة - إلى الشيخ الظالمي أبياتاً - من الرجز - يعتذر بها إليه :

يا أيّها الشيخُ علي الذي

بفضلهِ أقرّ كلّ عالمِ

إنّي لمعذورٌ إذا ما تهتُ عن

رشدي ولم أحفل بلومِ لائمي

ماذا عليكَ يا علي القدر لو

نبّهتني ما أنتَ إلّا ظالمي(٢)

____________________

١- العطار : من أدباء الإمامية كان حيّاً عام ١١٧١ه.

٢- ماضي النجف وحاضرها ٣ / ١٢.


وله قصيدة - من البسيط - يشكو فيها من زمانه وأهله :

بأيّ شرعٍ ذوو الأموالِ قد غصبوا

حقوقنا ودعونا مستحقّينا

أما تلوا آية القربى(١) أما نظروا

إلى النصوصِ التي قد أُنزلت فينا

ما عذرهم ليتَ شعري يوم عرضهم

ماذا إذا سُئلوا(٢) عنّا يقولونا

بأيّ وجهٍ يلاقونَ النبي غدا

وهو الخصيمُ لباغينا وطاغينا

أعزز على جدّنا المختار لو نظرت

عيناهُ ما صنعت أيدي الجفا فينا

ما بالهم إن رأوا من شكلنا

أحداً صدّوا بأوجههم عنّا مولّينا

وإن رأوا أحداً ممّن يشاكلهم

كادوا إلى الأرضِ إجلالاً يخرّونا

يستسهلونَ ملاقاةَ المنونِ ولا

يرونَ يوماً من الأيامِ مسكينا

ولا يؤدّونَ ممّا يكنزون(٣) من

الأموالِ ما كانَ مفروضاً ومسنونا

وإن همُ أنفقوا(٤) شيئاً على أحد

إمّا يراءونَ فيهِ أو يمنّونا

وإن همُ دفعوا جنساً إلى أحد

ما كان لو باعهُ بالفلسِ مغبونا

____________________

١- إشارة إلى قوله تعالى في سورة الشورى / ٢٣ ، عن لسان النبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) :( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، وقوله تعالى في سورة الأنفال الآية / ٤١ :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... ) .

٢- إشارة إلى قوله تعالى في سورة الصافات / ٢٤ :( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) .

٣- إشارة إلى قوله تعالى في سورة التوبة / ٣٤ :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .

٤- إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة / ٢٤٦ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ... ) .


تأبى الشياطينُ أن يعطوا موافقة

لهم إلّا لعنَ اللهُ الشياطينا

ولا يزالون مشغولينَ من شغف

بحبِّ دنياهم حتى نسوا الدينا

ويظهرونَ التشكّي إن رأوا أحدا

منّا مخافةَ أن نبدي تشكّينا

لو أنّهم شاهدوا فرعونَ(١) أو شهدوا

زمانهُ ما اغتدوا إلّا فراعينا

يفنى الزمانُ وتبلى فيهِ أنفسنا

وليس نحظى بشيءٍ من أمانينا

وا حرَ قلباهُ قد كادت تفيضُ جوى

منّا النفوسُ وتدنو من تراقينا

وإنّ أيّامنا اسودّت بأعيننا

ممّا نقاسيه فضلاً عن ليالينا

يا نفسُ لا تجزعي ممّا نكابده

في دهرنا وتأسيّ في موالينا

إن يعوزونا فإنّ اللهَ يرزقنا

أو يفقرونا فإنّ اللهَ يغنينا(٢)

وله قصيدة يرثي أخاه السيد أحمد العطار(٣) ، وهي من غرر شعره - من الكامل - مطلعها :

للهِ رزءٌ حزنهُ لا ينفد

يفنى الزمانُ وذكرهُ يتجددُ

إلى أن يقول :

ما للنوائبِ لا تزالُ سهامها

أبداً إلى مهجِ الكرامِ تسدّدُ

هنّ الليالي لا تزالُ بنقضِ ما

قد أبرمتهُ ذوو المعالي تجهدُ

اليومَ بيتُ الفخرِ خرّ عماده

وانقضّ من أفقِ الهدايةِ فرقدُ

اليومَ هدّمَ هادمُ اللذاتِ(٤) ما

هو من بناءِ المكرماتِ مشيّدُ

اليومَ صوّحَ ندبُ أنديةِ الندى

وعفا برغمِ المجدِ ذاكَ المعهدُ

اليومَ جدّدَ حزننا في أحمد

ناهيكَ حزناً لا يزالُ يجدّدُ

____________________

١- فرعون : وهو فرعون موسى بن عمران الذي ورد ذكره في القرآن الكريم بكثرة ، ويرى أكثر علماء الآثار المصريين أنّ فرعون مصر في عهد النبي موسى (عليه‌السلام ) هو رمسيس الثاني ، ثالث فراعنة مصر من الطبقة التاسعة عشرة من حكّام مصر.

٢- شعراء بغداد ١ / ١٠٩.

٣- العطار : ولد ببغداد سنة ١١٣١ه ، تتلمذ على السيد مهدي بحر العلوم ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء وغيرهما ، وهو من أدباء الإمامية وشعرائها ، مات في النجف الأشرف سنة ١٢١٥ه.

٤- جاء في بحار الأنوار ٧٩ / ١٦٧ عن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) أنّه قال : (( أكثروا من ذكر هادم اللذات )).

فقيل : يا رسول الله ، فما هادم اللذات.

قال : (( الموت )).


بكّرَ النعي بهِ فظلَّ الناسُ من

دهشِ المصابِ بهِ تقومُ وتقعدُ

لا كان في الأيامِ يومُ مصابهِ

ما يومهُ إلّا العبوسُ الأنكدُ(١)

____________________

١- شعراء بغداد ١ / ١٠٤ - ١٠٥.


(٣٦)

إبراهيم بن محمد الكوفي

٤٠٠ - ٤٦٦ه = ١٠٠٩ - ١٠٧٣م

هو السيد إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي(١) بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي السجّاد (عليهم‌السلام ) الكوفي.

ولد عام ٤٠٠ه في الكوفة ، ونشأ بها على أبيه وعلى فضلاء أسرته في مركز العلم.

قال عنه ياقوت الحموي(٢) : أبو علي إبراهيم ، والد أبي البركات عُمر النحوي ، صاحب كتاب شرح اللمع(٣) ، له معرفة حسنة بالنحو واللغة ، والأدب وحظّ من الشعر جيّد ، ندر مثله(٤) .

وقال ابن عساكر بعدما لقّبه بالعدوي الزيدي : قدم إلى دمشق هو وأولاده عمر وعمّار ، ومعد وعدنان ، وسكن بها مدّة ، وما أظنّه حدّث فيها بشيء ، ثمّ رجع إلى الكوفة وحدّث بها عن الشريف زيد بن جعفر العلوي الكوفي(٥) .

____________________

١- وفي الشجرة المباركة / ١٣٤ : إنّ عقب حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد من رجل واحد - هو - علي بن عقيلية ، وعقبه من ثلاثة بنين ؛ الحسين ومحمد الأقوص الأحدب وزيد أبو الحسين الأحول.

ولم يذكر أحمد بن علي فتأمّل ، ولكن في الفخري / ٤٨ : قال : فمن عقب دانقين محمد بالكوفة ، وهو ابن أحمد بن علي دانقين.

٢- ياقوت الحموي : أبو عبد الله شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي ، ولد في بلاد الروم سنة ٥٧٤ه ، له مصنّفات عديدة منها (معجم الأدباء) ، مات في حلب سنة ٦٢٦ه.

٣- أبو البركات : هو عمر بن إبراهيم بن محمد الكوفي العلوي ، المتوفى سنة ٥٣٩ه عن سبع وسبعين سنة.

٤- معجم الأدباء ٢ / ١٠ ، ١٥ / ٢٦٠.

٥- الكوفي : هو أبو الحسن من مشايخ ابن الغضائري ، ويُقال : إنّه مات على مذهب الزيدية ، توفّي سنة ٤٥٥ه.


وروينا من طريقه عن سفينة مولى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مرفوعاً : (( ليس لنبي أن يدخل بيتاً مزوّقاً ))(١) .

وقال السمعاني(٢) : سمعت أبا البركات عمر بن إبراهيم سمعت والدي يقول : كنت بمصر ، وضاق صدري بها فقلت - من الطويل - :

فإن تسأليني كيفَ أنتَ فإنَّني

تنكَّرْتُ دَهْري والمعاهِدَ(٣) والحُبّا(٤)

وأصبحتُ في مصر كما لا يَسُرُّني

بعيداً من الأوطانِ منتزحاً(٥) عزبا(٦)

وإنّي فيها كامرئ القيس(٧) مِرَّة(٨)

وصاحِبِهُ لـمّا بكى ورأى الدَّربا(٩)

فإنْ أنْجُ من بابَيْ زُوَيّلا(١٠) فتوبة

إلى اللهِ أن لا مَسَّ خُفِّي لها تُرَبا

وقال : وما كنت ضيّق اليد ، وكان قد حصل لي من المستنصر(١١) خمسة آلاف دينار(١٢) مصرية(١٣) .

____________________

١- تهذيب تاريخ دمشق الكبير ٢ / ٢٩٦ ، بغية الوعاة - للسيوطي / ١٨٨.

٢- السمعاني : هو أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن المنصور المروزي الشافعي ، جال البلدان في طلب العلم ، توفّي سنة ٥٦٢ه.

٣- المعهد : المكان الذي لا يزال القوم يرجعون إليه.

٤- في معجم الأدباء : ( والصبرا ) وهو تصحيف.

٥- المنتزح : البعيد جدّاً.

٦- العزب : الذي ليس له أهل.

٧- امرؤ القيس : هو ابن عانس بن المنذر بن امرئ القيس الكندي ولد في حضرموت ، وهو شاعر مخضرم ، انتقل إلى الكوفة ومات فيها نحو ٢٥ه.

٨- المرّة : القوّة والاحتمال.

٩- الدرب : باب السكة الواسع ، وكل مدخل إلى البلاد.

١٠- باب الزويلة : محلة في القاهرة لها بابان بناها بدر الجمالي قائد جيش المستنصر الفاطمي ، وبدر هذا ولد سنة ٤٠٥ه في أرمينيا ، ومات في القاهرة سنة ٤٨٧ه.

١١- المستنصر بالله الفاطمي ثامن حكام الفاطميين ، هو معد بن علي الظاهر ، حكم ما بين ٤٢٧ - ٤٨٧ه ، ولد في القاهرة سنة ٤٢٠ه وفيها مات.

١٢- كان القائد العسكري أبو الحسين جوهر الكاتب الصقلي الذي دخل القاهرة بجيش المعزّ لدين الله (٣٤١ - ٣٦٥ه) ، هو أوّل مَنْ ضرب الدينار المعزّي ، وكان يعادل خمسة عشر درهماً ونصفاً ، وفي عهد الحاكم بالله (٣٨٦ - ٤١١ه) كان الدينار المصري يعادل ١٨ درهماً.

١٣- معجم الأدباء ٢ / ١٠ ، الوافي بالوفيات ٦ / ١١٩.


ويظهر أنّ سفره إلى مصر كان في الربع الثاني من القرن الخامس الهجري ، ويذكر أنّه توقّف بها مدّة على نفقة الفاطميين ، ثمّ رجع إلى الكوفة.

وأضاف السمعاني : إنّ أبا البركات قال له : إنّ أبي مرض إمّا بدمشق أو بحلب(١) ، فرأيته يبكي ويجزع ، فقلت له : يا سيدي ، ما هذا الجزع ؛ فإنّ الموت لا بدّ منه ؟

فقال : أعرف ، ولكنّي أشتهي أن أموت بالكوفة ، وأُدفن بها حتى إذا أُنشرتُ يوم القيامة أخرج رأسي من التراب فأرى بني عمّي ، ووجوها أعرفها.

فقال أبو البركات : فبلغ ما أراد ، فتوفّي في شوال سنة ٤٦٦ه - بالكوفة - ودُفن بمسجد السهلة عن ست وستين سنة(٢) .

ومن شعره قصيدة - من الرجز - يحنّ إلى بلد الأجداد ، ويفتخر بهم ، وجاء أوّلها :

أرْخِ لها زمامها والأنْسُعا(٣)

وَرُمْ بها من العُلا ما شَسَعا(٤)

واجْلُ بها مغترباً عن العِدا

توطِئْكَ من أرضِ العِدا متّسعا

يا رائدَ الظعنِ بأكنافِ العِدا(٥)

بلّغ سلامي إن وصلتَ لعلعا(٦)

____________________

١- حلب : مدينة كبيرة في سوريا ، قيل : سُمّيت بحلب ؛ لأنّ النبي إبراهيم (عليه‌السلام ) كان يحلب فيها غنمه في الجمعات ، ويتصدّق به ، فيقول الفقراء : حلبَ حلبَ.

٢- معجم الأدباء ٢ / ١٠ - ١١.

٣- النسعة : حبل من أدم يكون عريضاً على هيئة أعنّة النعال تشدّ به الرحال.

٤- شسع : انفرج.

٥- في التهذيب : ( بأكناف الحمى ).

٦- لعلع : اسم موضع في الجزيرة العربية ، وقيل : اسم منزل بين الكوفة والبصرة.


وحيّ خِدراً بأثيلاتِ(١) الغَضا(٢)

عهدتُ فيهِ قمراً مبرقعا

كانَ وقوعي في يديهِ وَلَعا

وأوَّلُ العِشْقِ يكونُ ولعا

ماذا عليها لو رثت لساهر

لولا انتظارُ طيفها ما هجعا

تمنَّعَتْ من وصلهِ فكلّما

زادَ غراماً زادها تمنُّعا(٣)

ويقول الأمين عن معتقده : إنّ ولده أبو البركات عمر كان زيدياً جارودياً(٤) ، ولا يبعد كون الأب كذلك ، وقد وصفه ابن عساكر بالعلوي الزيدي ، ولكنّ الظاهر إنّ المراد كونه من نسل زيد لا زيدي المذهب ، وكيف كان فهو شيعي كما يظهر للمتأمّل في أحواله(٥) .

وقال عنه الداودي(٦) : ومنهم قاضي حمص ، أو علي إبراهيم بن محمد بن أحمد ذنيب بن علي دانقين ، وأولاده أبو البركات عمر وهو المعروف بالشريف عمر بالكوفة ، ومعد وهاشم(٧) وعمّار وعدنان ، وكان أبو البركات عالماً وعلت سِنّه ، وتفرّد برواية أشياء لم يشاك فيها أحد في زمانه ، وكان يروي عن خاله ابن معية(٨) وله عقب(٩) .

____________________

١- الأثيل : منبت شجر الأراك ، وأُثيل : مصغر موضع قرب المدينة ، وبه عين ماء لآل جعفر بن أبي طالب (عليهم‌السلام ).

٢- الغضا : شجر من الأَثل خشبه من أصلب الخشب ، ومن الأثل اتُخذ منبر الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ).

٣- أعيان الشيعة ٢ / ٢٥٤ ، تهذيب تاريخ دمشق ٢ / ٢٩٧ ، معجم الأدباء ٢ / ١٢.

٤- الجارودية : نسبة إلى أبي الجارود زياد بن أبي زياد المنذر الهمداني الكوفي ، قيل : إنّ الإمام محمد بن علي الباقر (عليه‌السلام ) سمّاه (سرحوب) ، وهو شيطان أعمى يسكن البحر ، كناية عن تحوّله إلى المرجئة ، وهو من أئمّة الزيدية ، توفّي سنة ١٥٠ه.

٥- أعيان الشيعة ٢ / ٢٥٣.

٦- الداودي : هو أبو العباس جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين بن عنبة الأصغر الحسني ، من علماء الإمامية ومن مشاهير النسّابة ، له مصنّفات عديدة ، منها ( بحر الأنساب في نسب بني هاشم ) ، مات بكرمان سنة ٨٢٨ه.

٧- وكما ترى أنّ عمدة الطالب أضاف (هاشم) إلى أولاد أحمد بن محمد الكوفي ( عمدة الطالب / ٢٦٣ ).

٨- ابن معية : هو عبد الجبار بن معية الحسني النسابة.

٩- عمدة الطالب / ٢٦٣ ، رياض العلماء ٣ / ٧١.


كانت ولادة أبو البركات بالكوفة عام ٤٤٢ه ، ووفاته في شعبان عام ٥٣٩ه ، ويظهر من كلام تلميذه السمعاني أنّ له كتاباً صغيراً باسم تصحيح الأذان ( بحي على خير العمل ) حيث وجده عنده ، ولكنّه لم يسمح له بمطالعته ، ويذكر أنّه لـمّا توفّي صلّى عليه حوالي ثلاثون ألفاً(١) .

هذا كلّ ما أمكننا الحصول عليه في كتب التراجم والأدب والمعاجم.

____________________

١- معجم الأدباء ١٥ / ٢٩٥.


(٣٧)

إبراهيم بن محمد نشرة

أواخر القرن ١٢ه - بعد ١٢٥٠ه = أوائل الربع الأخير من ق١٨ - بعد ١٨٣٤م.

هو الشيخ إبراهيم بن محمد بن حسين آل نشرة الماحوزي البحراني.

ولد في البحرين أواخر القرن ١٢ه ونشأ بها ، وأخذ مبادئ العربية والإسلامية من فضلائها ، وقال عنه حفيده الشيخ محمد علي(١) آل نشرة المعروف بالتاجر البحراني : كان عالماً فاضلاً ، وأديباً كاملاً ، وشاعراً قديراً ، وورعاً صالحاً.

وجلّ شعره في أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، ولم أعثر له على ذكر في الكتب إلّا ما يوجد من شعره في بعض المجاميع الخطّية المحتكرة لدى مالكيها ، وقد وقفت له على قصيدتين ، والثالثة قد مسختها أيدي النسّاخ فجعلها أثراً بعد عين(٢) .

والظاهر أنّ القصيدتين هما اللتان ذكرهما البلادي(٣) في رياض المدح والرثاء ؛ إحداها الميمية والتي هي في رثاء الإمام الحسين (عليه‌السلام ) والتي أوردناها في ديوان القرن الثالث عشر ، والثانية نونية وهي في مدح الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) والتي سنذكرها.

ولدى ذكره لها قال : ولجد

____________________

١- محمد علي : مضت ترجمته في ترجمة الشاعر إبراهيم بن حسن التوبلي.

٢- شعراء الغري ١ / ١٢٤ عن منتظم الدرين في تراجم أعيان القطيف والإحساء والبحرين ، كذا في شعراء الغري ، ولكن جاء في الذريعة ٢٣ / ٣ : منتظم الدرر للشيخ محمد علي التاجر البحراني المعاصر ، ساكن المنامة ، فيه تراجم أعيان العلماء وغيرهم من السنة والشيعة وغيرهم من القطيف والإحساء في أربع مجلّدات بقلمه.

٣- البلادي : هو حسين بن علي بن الحسن آل الشيخ سليمان البلادي البحراني القطيفي ، توفّي سنة ١٣٨٧ه.


الشيخ سلمان التاجر المقدّم ذكره ، أعني به الأوّاه الحليم ، الشيخ إبراهيم آل نشرة البحراني ، المجاور بالنجف الأشرف حيّاً وميّتاً (تغمده الله بغفرانه وأسكنه فسيح جنانه)(١) .

ويظهر من هذا النص أنّ المترجم كان قد سكن النجف وتوفّي بها ، كما يظهر أنّ الشيخ سلمان التاجر سبطه(٢) ، ولا يخفى أنّ هذا السبط ولد عام ١٣٠٧ه وتوفّي عام ١٣٤٢ه.

وقد سمّاه السيد جواد شبر ( سليمان )(٣) ، وذكر في ترجمته أنّه أديب وكاتب وشاعر ، له عدّة مؤلّفات ، منها : رسالة في جواب أسئلة السيد عبد القادر المسقطي(٤) ، رسالة في شرح المزهار ، رسالة في أسرار اللغة العربية ، نظم كتاب جوامع الكلم لغستاف لوبون(٥) الفيلسوف الفرنسي(٦) .

هذا ، وذكر له البلادي أربع وثلاثون قصيدة(٧) .

وذكر الخاقاني قائلاً : ابن نشرة هذا ، رأيت له ذكراً متكرّراً في المجاميع التي تكفل مراثي الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد حشر بين الشعراء النجفيين الذين عاشوا في النصف الأوّل من القرن الثالث عشر الهجري ، ورأيت بعضها ، وقد تقدّم عهد كتابتها على عام ١٢٥٠ه ، تشير إلى ذكر اسمه مشفوعاً بلفظه (حفظه الله) ، ومن ذلك تبيّن لي أنّه كان حيّاً في هذا العام(٨) .

وتبعه في ذلك شبر ، وذكر أنّه توفّي بعد سنة ١٢٥٠ه(٩) .

____________________

١- رياض المدح والرثاء / ٣٣٢.

٢- السبط : يطلق غالباً على ابن البنت ، وإنّما استظهرنا أنّه سبطه وليس بحفيده ؛ لأنّ سليمان هذا جدّه أحمد ، وجدّ أبيه عباس ، وهم معروفون بالتاجر ، وهذا اسمه إبراهيم ومعروف بآل نشرة.

٣- أدب الطفّ ٩ / ٨٤.

٤- المسقطي : لا يبدو أنّه كان شخصية معروفة ، بل هو أحد الأشراف المؤمنين من أهالي مسقط ، والذي وجّه بعض الأسئلة الدينية على المترجم له.

٥- لوبان : عالم اجتماع ، ومن فلاسفة فرنسا المشهورين ، ولد سنة ١٢٥٧ه ، ومات سنة ١٣٥٠ه.

٦- هامش رياض المدح والرثاء / ٣٥٦ تعليق حسن عبد الأمير محمد.

٧- رياض المدح والرثاء / ٣٥٦ - ٤٤٦.

٨- شعراء الغري ١ / ١٢٥.

٩- أدب الطفّ ٦ / ٣١٨.


وعن شاعريته قال الخاقاني : يظهر أنّه تأثّر بالأدب النجفي خاصّة الميمية منه ؛ فقد جاءت مرنة السبك ، قويّة الانسجام(١) .

والميمية هي في رثاء الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد ذكرناها في بابه ، وأمّا النونية التي في مدح الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) فهي - من الكامل - :

حيا الحيا تلكَ المعاهد والدمن(٢)

وسقى العهادَ(٣) عهودَ(٤) غمدان(٥) اليمن

وافتر ثغرُ البرقِ في أرجائها

فرحاً بدمعِ المعصراتِ(٦) إذا هتن(٧)

هي مربعُ الرشأ(٨) الذي بجماله

كم مدنفاً حلف الأسى مثلي افتتن

رشأ رخيم الدلّ مه صادني

طرفٌ غضيضٌ قد تكحّلَ بالوسن

ريانُ لولا البردِ يمسكُ عطفه

في مشبهٍ من لينهِ سالَ البدن

قسماً بسينِ سوادِ عنبرِ خاله

و بما حوى الغصنُ المهفهفُ من رعن

لو ذقتُ طعمَ الصاب من هجرانه

لا و الذي فلقَ النوى ما ملتُ عن

يا قلبُ أنتَ عصيتني وأطعته

فاصبر على مرّ النوى فلعلّ أن

أعذول ليس العذلُ منكَ يروعني

فيمَنْ فتنت به ولا تدري بمَنْ

خفّض عليكَ فلو رأيتَ جماله

أصبحتَ مثلي في الكآبةِ والحزن

متعزّزٌ متذللٌ متمنّع

جاز البديعِ من الجمالِ بكلّ فن

من لام عارضه ونون حواجب

إن رمتُ رؤيته يجاوبني بلن

لولا رسيس(٩) هوى لهُ يقتادني

ما اقتادني حلو اللمى حمرُ الوجن

لله من سعدي وقوّة طالعي

لو كانَ لي في لثمِ مبسمهِ أذن

ما بعتهُ روحي سوى بوصاله

وأراهُ يمنعني المثمن(١٠) والثمن

____________________

١- شعراء الغري ١ / ١٢٥.

٢- الدمنة : الموضع القريب من الدار.

٣- العهاد : المطر.

٤- العهود : الزمان.

٥- غمدان : قصر في صنعاء اليمن نُسب بناؤه إلى النبي سليمان (عليه‌السلام ) ، أو الزّباء.

٦- المعصرات : السحائب تعتصر المطر.

٧- هتنت السماء : صبّت مطرها ، وقيل الهتن هو من المطر فوق الهطل.

٨- الرشأ : الظبي إذا قوي وتحرّك ومشى مع أمّه.

٩- الرسيس : الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه ، وأيضاً رسيس الخمر : أصلها.

١٠- المثمّن : الشيء الذي يباع مقابل ثمن معين.


يا حاملَ السيفِ الصقيلِ وطرفه

في جفنهِ يفري السوابغَ(١) والجنن(٢)

اللهُ في نفسِ امرء بكَ مُغرم

حلف الأسى يا صاحبَ الوجهِ الحسن

جادَ الحيا زمناً بوصلكَ جادَ لي

يا حبّذا لو عادَ ذيّاك(٣) الزمن

أيامُ كنتُ عن الوشاةِ بمعزل

نجلو عتيقَ الراحِ في كأس ودن(٤)

و أقولُ للساقي فديتكَ هاتها

وإذا سكرتُ من الشرابِ إلى غن

والعودُ بينَ محرّكٍ ومحرّق

في روضةٍ غنّا بها شاد أغن(٥)

أيام نلتُ بها المسرَّةَ مثلما

نلتُ السعادةَ في ولاءِ أبي الحسن

صمصامهُ(٦) الدينُ الحنيفُ ودرعه

ربّ العلى قطبُ النهى محي السنن

ربَّ السماحةِ والرجاحةِ والـ

ـفصاحةِ و الوصي المؤتمن

صنو النبي المصطفى ووزيره

و شهابهُ في الحادثاتِ إذا دجن

أسداً إذا اقتحمَ الجلادَ مشمرا

عن ساعديهِ ترى الأسودَ تروغ عن

هو قالعُ البابِ القموص(٧) بساعد

لو رامَ إمساكُ النجومِ لهُ هون

هو فلكُ نوحٍ(٨) والذي لولاهُ لا

صبحٌ أضاءَ ولا دجى ليلٍ دجن

هو عيبةُ العلمِ الذي من بعضهِ الـ

ـعلمُ المحيطُ بما استبانَ وما بطن

يا واحدَ الدنيا وبيتَ قصيدها(٩)

ومفيدَ أربابِ الذكاءةِ والفطن

____________________

١- السوابغ : مفردها سابغة : الدرع الواسعة الكبيرة.

٢- الجنن : مفردها جُنّة : الدرع والترس.

٣- ذيّاك : تصغير ذاك.

٤- الدن : إناء الخمر ، وهي راقود عظيم لا يقعد إلّا أن يحفر له.

٥- الأغن : ذو النغة ، وهي إخراج الصوت من الخياشيم.

٦- الصمصامة : السيف لا ينثني.

٧- القموص : من القمص وهو الدرع ، والشاعر يشير إلى باب قلعة خيبر الذي اقتلعه الإمام علي (عليه‌السلام ) بساعده ، وكان عظيماً لا يفتحه إلّا عدد كبير من الرجال.

٨- أخذ أبو ذرّ الغفاري يوماً بباب الكعبة وقال : أيّها الناس ، مَنْ عرفني فأنا مَنْ عرفتم ، ومَنْ أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) يقول : (( مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح مَنْ ركبها نجا ومَنْ تخلف عنها غرق )).فضائل الخمسة من الصحاح الستة - للفيروز آبادي عن مستدرك الصحيحين ٢ / ٣٤٣ ، كنز العمال ٦ / ٢١٦ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٦٨ وغيرها.

٩- بيت القصيد : أحسن بيت في القصيدة.


أصبحتَ في العلياءِ غيرَ مزاحم

علماً تُقادُ لكَ المعالي بالرسن(١)

لو كانَ معبودي سوى ربّ السما

لعبدتكَ ذاتكَ حالَ سرّي و العلن

أنتَ الذي من فوقِ منكبِ أحمد

بالرجلِ دستَ غداةَ نكّستَ الوثن

شيّدتَ دينَ الحقِّ منكَ بصارم

خرَّت لهُ شمُّ الأنوفِ على الذقن

وبضعتَ عرقَ الشركِ منكَ بمبضع(٢)

أجرى النجيعَ(٣) و نبضهُ المؤذي سكن

ونسفتَ طودَ(٤) الغي بعدَ شبابه

حتى عفا وكسرتَ ألويةَ الفتن

مَنْ مثلُ حيدرة الكمي إذا سطا

كلٌّ لسطوةِ بأسهِ يتسترن

قلْ للذي جحدَ الوصي ولاءه

كن كيفَ شئتَ فشأن صفقتكَ الغبن

أجهلتَ رتبةَ حيدرٍ من أحمد

قل لي وحقّكَ هل أتى(٥) نزلتْ بمَنْ

قسماً بمعبودٍ لهُ فرضُ الولا

عن حبّهِ يومُ المعادِ لتسألن(٦)

هذا الذي شملَ الورى من فضله

جودٌ ومعروفٌ وألطافٌ ومَنّ

ومواهبٌ علقتْ بأعناقِ الورى

منّا فلا كعبٌ(٧) يُقالُ ولا معن(٨)

____________________

١- الرسن : الحبل يشدّ به الدابة.

٢- بضعت : قطعت.

٣- النجيع : الدم.

٤- الطود : الجبل.

٥- أراد سورة هل أتى ، ففي فضائل الخمسة من الصحاح الستة ١ / ٣٠٣ عن نور الأبصار - للشبلنجي / ١٠٢ في خبر طويل أنّ الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) لـمّا علم بجوع أهل البيت (عليهم‌السلام ) ذهب إلى فاطمة (عليها‌السلام ) وضمّها إليه ، وقال : (( واغوثاه ! )).

فهبط جبرئيل (عليه‌السلام ) وقال : يا محمد ، خذ ضيافة أهل بيتك.

قال : (( وما آخذ يا جبريل ؟ )).

قال :( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً - إلى قوله -وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ) .

٦- في حلية ألأولياء - للأصبهاني ١ / ٦٣ في خبر طويل أنّ رسول ألله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) بعث على ألأنصار فأتوه فقال لهم : (( يا معشر الأنصار ، ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ؟ )).قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : (( هذا علي فأحبّوه بحبّي ، وأكرموه بكرامتي ؛ فإنّ جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم عن ألله عزّ وجلّ )).

٧- كعب : هو ابن مامة بن ثعلبة ألآيادي ، كريم من أجواد الجاهلية ، يضرب به المثل في الكرم والإيثار.

٨- معن : هو ابن زائدة الشيباني من أشهر أجواد العرب الشجعان الفصحاء ، أدرك العصرين الأموي والعباسي ، تولّى ولاية سجستان ، وقُتل فيها عام ٢٥٨ ه.


قلْ للذي نظمَ المديحَ لغيره

متمثلاً بالصيفِ ضيّعتِ اللبن(١)

يا والدَ السبطينِ دعوةُ موجع

صبٍّ عليهِ تراكمت ظلمُ المحن

لي من ودادي فيكَ يا كهفَ الورى

شغفٌ ينازعني أكادُ لهُ أُجن

ورسيسُ(٢) شوقٍ لو تقسّمَ بعضه

ملأ البسيطةَ من دمشقَ إلى عدن

جاورتُ قدسكَ لائذاً متنصّلا

والحرُّ يحمي جارهُ أن يُمتحن

مالي غداةَ الحشرِ غيركَ شافع

إن لم تكن أنتَ الشفيعُ فمَنْ و مَنْ(٣)

ورجاي منكَ الفوزَ في يومِ الجزا

مع والديَّ وليسَ ما أرجوهُ ظن

وإليكَ إبراهيمُ(٤) زفَّ خريدة

عذبت كأنّ مذاقها في الذوقِ من

وعليكَ صلّى(٥) اللهُ يا علمَ الهدى

ما غرَّدت ورقُ الحمامِ على(٦) فنن(٧)

ولا يخفى أنّ القصيدة الميمية التي في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) نسبها محبوبة(٨) إلى الشيخ إبراهيم قفطان(٩) وقال : وفي رياض المدح والرثاء

____________________

١- قوله : ( في الصيف ضيعت اللبن ) مثل يُضرب لمَنْ يطلب شيئاً قد فوّته على نفسه ، ويُقال : إنّ دختنوس بنت لقيط كانت امرأة لعمرو بن عُدس وكان شيخاً فأبغضته فطلّقها وتزوجها فتىً جميل الوجه ، وأجدبت السنة فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة فقال : ( في الصيف ضيعت اللبن ) ؛ فجرى مجرى المثل.

٢- الرسيس : الثابت.

٣- في تاريخ بغداد ١٢ / ٣٥٨ ، عن أُمّ سلمة قالت : كانت ليلتي من رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) فأتته فاطمة ومعها علي ، فقال له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) : (( أنت وأصحابك في الجنّة ، أنت وشيعتك في الجنّة...)).

٤- إبراهيم : يريد الشاعر نفسه.

٥- في فضائل الخمسة ١ / ٢٦٨ عن الصواعق المحرقة / ٨٧ قال : ويروى : (( لا تصلّوا عليَّ الصلاة البتراء )).فقالوا : وما الصلاة البتراء ؟ قال : (( تقولون : اللّهمّ صلّ على محمد وتمسكون ، بل قولوا : اللّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد )).

٦- الفنن : الغصن.

٧- شعراء الغري ١ / ١٢٦ ، رياض المدح والرثاء / ٣٣٢.

٨- محبوبة : هو جعفر بن باقر بن جواد ، ولد في حدود سنة ١٣١٤ه قرأ على يد الشيخ راضي العبودي الجهلاوي ، والسيد أبو القاسم الخوئي ، والشيخ ضياء الدين العراقي ، والشيخ النائيني ، توفّي سنة ١٣٧٧ه ودُفن في النجف.

٩- إبراهيم : هو ابن حسن بن علي نجم الدين السعدي ، المتوفّى عام ١٢٧٩ه مضت ترجمته.


نسبها إلى الشيخ إبراهيم آل نشرة البحراني المجاور بالغري وهو اشتباه(١) .

هذا وقد طلبنا من بعض الإخوان(٢) المزيد من قصائده فوافانا بأربعة قصائد في مدح الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، وعزي مصدرها إلى مجموع قديم في الإحساء ، يوجد عند بعض أبنائها ، وله جزيل الشكر والامتنان ، أولى القصائد - من الكامل -: جاء أوّلها :

طيفٌ ألمّ لحلوةٍ عند السحرْ

فقضى بهِ المشتاقُ وهناً من وطرْ

وأتى بأثوابِ الظلامِ مسربلا

يمشي من الرقبا هناك على حذرْ

وجلى لنا كأساً وأسفرَ وجهه

فرأيتُ شمساً تجتلي عند السَّحرْ

طيفٌ لباهرةِ الكمالِ غريرة

ذلَّ المحبَّ لها وباحَ بما سترْ

هيفاءُ ناعمةُ الثيابِ قوامها

غصنٌ ولكن ما يفيقُ من السكر

جادَ الأقاحُ لها بثغرٍ أشنب

والروضُ جادَ لوجنتيها بالزهر

ليلٌ على شمسٍ على غصنٍ على

دعصٍ(٣) يباكرهُِ الرذاذُ من المطرْ

فرعٌ كمسودِّ الظلامِ وتحته

وجهٌ كمبيضِّ الصباحِ إذا ظهرْ

غرّاءُ واضحةُ الجبينِ خريدة

كالماءِ جسماً ضمَّ قلباً كالحجرْ

نادمتُها والليلُ رطبٌ ذيلُه

والدهرُ صافي الحالِ خالٍ من كدرْ

فجبينها مصباحنا ورضابها

صهباؤنا و غناؤها نغم الوترْ

في روضةٍ حاكت بها أيدي الحيا

أبرادُ أزهارٍ هنالك تنتشرْ

من أبيضٍ يققٍ(٤) وأصفرَ فاقعٍ

أو أحمرٍ قانٍ وأخضرَ في الأثرْ

ما زالَ يبسمُ ثغرهُ متضاحكا

لـمّا رأى دمعَ الغمامِ قد انهمرْ

والماءُ في جنباتها أسيافه

تستلُّ لامعةً هناكَ و تشتهر

والطلُّ راسلَ قطرهُ فتقلّدت

بعقودها أجيادُ أغصانِ الشجر

وعلى فروعِ البانِ كلُّ مطوّق

طرباً يغرّدُ ساجعاً عند السحرْ

____________________

١- ماضي النجف وحاضرها ٣ / ٩٩.

٢- لقد طلبنا من بعض الأصدقاء فأرسل إلينا ترجمته فكان فيها هذه القصائد الأربع والتي كانت جديدة علينا ، وجاء عليها أنّ التنقيب هو من عمل حبيب آل جميع.

٣- الدعص : الأرض السهلة ، الرمح ، كثيب الرمح المجتمع.

٤- اليقق : بكسر القاف الأولى شديد البياض ناصعه.


وإذا النسيمُ سرى عليلاً خِلته

عندَ العتابِ لنا بداخلهِ غِيَرْ

عتبٌ أرقُ من الشمولِ شمائلا

فيكادُ يذهبُ بالخواطرِ إنْ خطرْ

لم أدرِ من خمرِ الهوى أم عتبها

أم ريقها المعسولِ خامرني السُّكرْ

للهِ حكمُ غرامها كم عاشق

أرادهُ مقتولاً وكم صبٍّ أسرْ

إلى أن يقول :

لكَ يا عليّ مراتبٌ لا ترتقى

هضباتها ومناقبٌ لا تنحصر

يا بدرَ أُفقَ الحقِّ نوركَ ساطع

يُجلى بهِ ليلُ الظلامِ إذا اعتكر

يا سيفَ دينَ اللهِ حدّكَ قاطع

ساط على الأعداءٍ ماضٍ كالقَدَر

ويقول في قصيدة أُخرى أيضاً - من الكامل - :

وقل السّلام عليكَ خير مَنْ احتفى

وأجلّ من لبسِ الزمانِ نعالا

وأعزّ من لبّى وطافَ وخير مَن

يوماً مشى ومن امتطى الأجمالا

فهو الأمانةُ والأمينُ ومَنْ غدا

خيرُ البريّةِ في الزمانِ خصالا

وهو الذي اتّخذَ النبيّ لنفسه

وبفضلهِ نطقَ الكتابُ وقالا

فاسأل بهِ الأحزابَ(١) والأحقافَ(٢) والـ

ـفرقانَ(٣) والأعرافَ(٤) والأنفالا(٥)

وهو المؤمَّرُ يومَ خمٍ في الورى

وبذا لأطرافِ العلى قد نالا

____________________

١- إشارة إلى الآيات التي نزلت في الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في سورة الأحزاب ، وقد عدّها السيد صادق الشيرازي في علي في القرآن ٢ / ١٤١ - ١٧٦ ، خمس عشرة آية وهي (٦ ، ٩ ، ٢٣ ، ٢٥ ، ٣٣ ، ٤٠ ، ٤٣ ، ٤٩ ، ٥٣ ، ٥٦ ، ٥٧ ، ٥٨ ، ٥٩ ، ٧٠ ، ٧٢).

٢- إشارة إلى سورة الأحقاف وعدّها الشيرازي ٢ / ٢٦٥ - ٢٦٩ ، اثنين (١٢ ، ٢٩).

٣- إشارة إلى سورة الفرقان وعدّها الشيرازي ٢ / ٧٤ - ٨٢ ، سبع آيات (٢٥ ، ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٥٠ ، ٥٤ ، ٧٤).

٤- إشارة إلى سورة الأعراف ، وعدّها الشيرازي ١ / ٢٠٦ - ٢٢١ ، اثنى عشرة آية (١٦ ، ٤٢ ، ٤٣ ، ٤٤ ، ٤٦ ، ٤٨ ، ٥٤ ، ١٦٠ ، ١٦١ ، ١٧٢ ، ١٧٨ ، ١٨١).

٥- إشارة إلى سورة الأنفال ، وعدّها الشيرازي ١ / ٢٢٢ - ٢٢٥ ، سبعة عشر آية (٨ ، ١٥ ، ١٧ ، ٢٠ ، ٢٤ ، ٢٥ ، ٢٧ ، ٢٩ ، ٣٠ ، ٣٢ ، ٣٣ ، ٣٤ ، ٤١ ، ٤٥ ، ٦٢ ، ٦٤ ، ٧٥).


إلى أن يقول :

وإليك بكراً لو تجلّت للدجى

لجلاهُ صبحُ جبينها وأجالا

راقت ورقّت كالنسيمِ شمائلا

شملت معاني حسنها إكمالا

يرجو بها إبراهيمُ عندكَ زلفة

ذاكَ الذي بكَ لا يخافُ نكالا

فاشفع لهُ ولوالديهِ غداً إذا

حُشرَ الأنامُ وزلزلوا زلزالا

فلقد وقفتُ على هداكَ قرائحا

ورفضتُ في مدحي لكَ الغزّالا

ويقول في قصيدة أُخرى - من الكامل - مطلعها :

سفرَ الصباحُ نقابه فتبلّجا

وانجابَ عنهُ رواقٌ متورّم الدجى

إلى أن يقول :

عج بالغري(١) مصلياً ومسلما

ومنادياً ومناجياً ومعرّجا

والثم ثرى أكنافَ تربةَ حيدر

لتنالَ ما أمّلتَ فيهِ مع الرجا

أكنافَ مشكور الوقائعِ أروعِ

حامي الحقائق مصقعاً أوفى الحجا

أكنافَ أطهر لا يزالُ ترابه

عطرُ الشذا متضوّعاً متأرّجا

أكنافَ أنزع لا يضامُ نزيله

يوماً ولم يفزع لخطبٍ إن فجا(٢)

إلى أن يختمها بقوله :

وإليكَ بكراً لو تجلّت للدجى

لجلاهُ صبحُ جبينها متبلجا

جاءت تخطر في فضول ردائها

حسناً وناعمة الشباب خدلجا(٣)

كم يا أميرَ المؤمنين لعبدكَ المشغوف

إبراهيم عندكَ من رجا

فاشفع لهُ وأبيه عبدكَ ناصر(٤)

إذ فيكَ محضُ وداده لن يمزجا

____________________

١- الغري : من أسماء مدينة النجف في العراق ، وفيها مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

٢- فجا : فجيت الناقة فجاً عظم بطنها ، والفجا : المتّسع بين الشيئين.

٣- الخدلَّجة : المرأة الريّاء ، الممتلئة الذراعين والساقين.

٤- ناصر : يفهم من كلامه أنّ أباه كان يسمّى بناصر ، والله العالم ، أو إنّ القصيدة لإبراهيم بن ناصر فهو إذاً غيره ، أو إنّ ناصر إشارة إلى نصرة أبيه لأهل البيت (عليهم‌السلام ).


وفي الرابعة يقول - من مجزوء الكامل - :

ورقُ الأراكةِ غرّدتْ

حينَ الغصونُ تأوّدتْ

والطلُّ قلّد قطره

أجيادها فتقلدتْ

والدوحُ جعدت الصَّبا

أوراقهُ فتجعدتْ

والروضُ يبسمُ ثغره

فتفضّضت وتعسجدتْ

إلى أن يقول :

هيفاءُ تهزأ بالقنا

أعطافها إن أوّدتْ

بيضاءُ قد صبغَ الحيا

وجناتها فتورّدتْ

حسناءُ بالحسنِ البديـ

ـع وبالجمالِ تفرّدتْ

قاسمتها شرخَ(١) الشبا

ب بهِ عهوداً أكّدتْ

لم أنسها يومَ الكثيـ

ـب وقبلة قد أسعدتْ

إن أحرقتْ قلبي أسى

فبريقها قد برّدتْ

لعذولتي في حبِّها

لم أصغِ مهما فَنّدَتْ(٢)

____________________

١- الشرخ : أوّل الشباب وريعانه.

٢- مجموعة قديمة في الإحساء.


(٣٨)

إبراهيم بن محمد الوائلي

١٣٣٢ - ١٤٠٨ه = ١٩١٤ - ١٩٨٨م

هو الشاعر إبراهيم بن محمد بن حرج الوائلي ، وعُرف بآل حرج(١) ، أو حرج الوائلي.

ولد عام ١٣٣٢ه في البصرة ، ونشأ عند أخواله من بني حطيط(٢) ، وتعلّم مبادئ العربية والإسلامية بها ، ثمّ صاحب والده(٣) إلى النجف ودرس عنده الكثير من العلوم العربية.

وأرعاه والده ونمّى فيه قدراته حتى نظم الشعر وهو ابن عشرين عاماً ، ونشر بعض شعره في الصحف فاشتهر في الأوساط الأدبية ، واشتغل بالتعليم في المدارس الأهلية ببغداد عام ١٣٥٩ه.

وفي عام ١٣٦٤ه التحق بكلّية دار العلوم بجامعة فؤاد الأوّل في القاهرة وتخرّج منها عام ١٣٦٨ه ، ثمّ تخرّج من قسم الدراسات العليا في الآداب ، ولم ينقطع عن قرض الشعر أيام دراسته بالقاهرة ، بل نظم هناك ما يزيد على الألف بيت(٤) .

وبعدما رجع إلى

____________________

١- آل حرج : ينتسبون إلى قبائل غزّة من بكر بن وائل ، يقطن الكثير منهم في الغرّاف جنوب العراق ، وقد نزح جدّهم الأعلى حرج من الغرّاف إلى النجف في النصف الأوّل من القرن ١٢ه.

٢- بني حطيط : عشيرة عراقية تعدّ من حجام ، إحدى عشائر بني مالك بالعراق ، وأكثرهم يسكنون في منطقة الحمّار التابعة لناحية الچبايش ، وأراضيها معروفة باسمها (أراضي بني حطيط) ، وفي العمارة والبصرة في ناحية المهارشة والعشار وغيرها.

٣- والده : هو الشيخ محمد بن حرج ، يصل نسبه إلى قبائل غزّة من بكر بن وائل ، وكان من فضلاء النجف ، وهو معروف بالنخوة والشجاعة.

٤- شعراء الغري ١ / ١٥٢.


بغداد عمل كأستاذ مساعد في كلّية الآداب ببغداد ، وكان يقوم بتدريس النحو(١) ، توفّي في ٢٥ رمضان(٢) عام ١٤٠٨ه ، شارك بنظمه في المناسبات الاجتماعية والدينية(٣) .

ومن شعره قصيدة نظمها في القاهرة عام ١٣٦٨ه ، وهو يحنّ بها إلى وطنه ، وهي بعنوان ( بغداد ) يقول في أوّلها - من الكامل - :

بغدادُ إن طالَ الفراقُ وشفّني

ظمأ فحسب تعلتي ذكراكِ

أنا إن بعدتُ فلي خيالٌ هائم

عبرَ الفضاءِ يطوفُ في مغناكِ

وجوانحٌ لم تحوِ في أعماقها

ما يستجيبُ لهُ الهوى إلّاكِ

روحٌ تهيمُ على شواطئ دجلة

وتحومُ فوقَ جمالها الضحّاكِ

وتعودُ يحملها الجوى خفّاقة

لتصيخَ منّي للنشيدِ الباكي

إلى أن يقول :

بغدادُ يا طيفَ المهوّم إن دجا

ليلٌ ويا ألفَ الشعورِ الذاكي

كم في صباحكِ قد بعثتُ خواطري

شعراً ورحتُ أبثهُ لمساكِ

وكم احتوتني والليالي سمحة

لحظاتُ صفو لم ترق لولاكِ

ثمّ يقول في أواخرها :

بغدادُ والألمُ الدفينُ يهزّني

فإذا شكوتُ فلستُ أوّل شاكي

لي مثلُ ما للشاعرين تعتّب

لو تستجيبُ لعاتبٍ أُذناكِ

أتبيتُ دنياكِ الضحوكُ مدلة

وعلى مآسيها تبيتُ قراكِ

فتذكّري الريفَ الحزينَ ومَنْ به

والقاطنينَ صوامعَ النسّاكِ

الحاصدينَ من السهولِ رمالها

و النائمينَ على الطوى الفتّاكِ

واللابسينَ من الشتاءِ عراءه

في حين طابَ لسامرٍ مشتاكِ

والزارعينَ ودونَ ما جهدوا وذا

رصد يبثُ لهم من الأشراكِ

ريفٌ لو أدركت حياتكَ أنّها

ضيفٌ عليهِ لساءها مجراكِ

____________________

١- هامش فلسطين في الشعر النجفي المعاصر / ١٤٧.

٢- الموافق ١٥ / نيسان / ١٩٨٨م.

٣- هكذا عرفتهم ١ / ١٥ و٢ / ٧١.


يشقى ليحرسَ منكِ ليلاً باسما

و يعيشُ في غلسٍ(١) لكي يرعاكِ

بغدادُ هذا اللحنُ نجوى شاعر

ما اهتاجهُ في الذكرياتِ سواكِ

أنّاتُ قلبٍ إن أثاركِ شجوها

أو لم يثركِ فإنّها ذكراكِ(٢)

وله في المنتدى الأدبي الذي كان يُقام أيام الأربعاء في النجف ، وهي من قصيدة في رثاء السيد مير علي أبو الطبيخ(٣) - من الخفيف - :

منتدى العلم في الغريين أخفى

الموتُ رمزَ الفخارِ من أعضائه

شاعرٌ مرهفُ الأحاسيسِ ليس الـ

بعضُ من ندّه ومن أكفائه

حدّثَ الناسُ عن سواه فصولا

وحديثُ الزمان عن أربعائه(٤)

ومن نظمه وهو في القاهرة عام ١٣٦٩ه ، موشحة عن فلسطين واحتلال اليهود لها وممارستها اللاإنسانية ، وهي بعنوان : ( نهاية الملحمة ) حيث يذكّر الشعوب بنهاية مصير أرض فلسطين ، وقد ألقاها في احتفال أقيم لذكرى شهداء فلسطين في نادي المحامين بالقاهرة ، وقال في أوّلها - من الرمل - :

يا شعوباً نسيت أمجادها

واحتواها عالمُ الوهمِ الذميم

اسألي القبّة مَنْ ذا شادها

فأضاءت حلكَ الليلِ البهيم

إلى أن يقول :

علّمتني الحقدَ والحقدُ مشين

أممٌ تسعى لتهويدِ العرب

فتنفّستُ عن الحقدِ الدفين

ثورةً تزكو بأنفاسِ اللهب

وسأبقى ثائراً في كلّ حين

كلّما أبصرتُ عبّادَ الذهب

والعصابات بوادي أورشليم(٥)

تتغنّى بأناشيدِ الظفر

____________________

١- الغَلس : ظلمة آخر الليل.

٢- شعراء الغري ١ / ١٦٧ - ١٦٩.

٣- أبو الطبيخ : هو ابن عباس بن راضي الموسوي ، ولد في النجف عام ١٣٠٨ه ، درس على أخواله من آل الشيخ راضي ، وهو من شعراء النجف وأدبائها ، له ديوان شعر باسم ( الأنواء ) ، مات ودُفن في النجف سنة ١٣٦١ه.

٤- هكذا عرفتهم ١ / ١٥.

٥- أورشليم : الاسم العبري لمدينة القدس المحتلة.


وحواليها من الغربِ الأثيم

بشَرٌ ينكرُ تأريخ البشر

ثمّ يقول :

يا شعوباً سجّلت خذلانها

وتناست ثورةَ الأمسِ القريب

قد أطاعت في الدجى ربّانها

وهو بين الموجِ يطفو ويغيب

أيّ صبحٍ فتحت أجفانها

بنتُ إسرائيلَ في تلِّ أبيب(١)

وأفقنا فإذا بالحائرين

في صحاري البيدِ في دنيا القفار

إيه يا مَنْ سيّروا هذا السفين

أنتم أولى بأمواجِ البحار

* * *

روّعت حيفا(٢) بأشتاتِ الطغام(٣)

فانحنى يبكي عليها الكرمل(٤)

وانطوت يافا(٥) على الداءِ الجسام

فشكا القدسُ و ناحَ المجدل(٦)

وعلى الرملةِ(٧) واللد(٨) السّلام

يا شعوباً خابَ فيها الأمل

لا وربّي ما لهاتيكِ الشعوب

أي ذنبٍ لا ولا ثمّ عتاب

إنّما يعرفُ أسرارَ الذنوب

مازجُ العلقمَ بالشهدِ المذاب

* * *

____________________

١- تل أبيب : مدينة حديثة ، ومرفأ قرب يافا في فلسطين المحتلة ، اتّخذها اليهود عاصمة لكيانهم.

٢- حيفا : من مدن فلسطين تقع على ساحل بحر الشام أو البحر الأبيض.

٣- الطغام : والواحدة طغامة ، أوغاد الناس للواحد والجمع ، والعامة تقول أوباش ، والطغامة : الأحمق.

٤- الكرمل : بكسر الكاف وسكون الراء وكسر الميم ، قرية في آخر حدود الخليل من ناحية فلسطين.

٥- يافا : مدينة على ساحل البحر الأبيض بين قيسارية ، وعكّا من أعمال فلسطين.

٦- المجدل : مجدل جاد ، أو مجدل عسقلان ، بلدة جنوبي القدس هجرها أهلها بعد الاحتلال الإسرائيلي.

٧- الرملة : من مدن فلسطين ، قام سليمان بن عبد الملك بتمصيرها.

٨- اللّد : قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين ، يُقال : إنّ ببابها يدرك عيسى بن مريم الدجّال فيقتله.


ألفُ وعدٍ لم يفِ الخصمُ به

ولبلفور(١) بوعدٍ قد وفى

فتغاضينا ولم ننتبه

لشباكٍ نُصبت طي الخفا

يا بلاداً لم نجد من مشبه

لكِ في ظلّ ركاب الحلفا !

أنتِ آمنتِ بمَنْ لم يؤمنوا

بسوى الدّسِ وفَرِّق تَسُد(٢)

فإذا دنياكِ ليلٌ أدكن

ليس للفجرِ بهِ من موعد

* * *

نبعةٌ قد غُرست في لندن

و تلقّت من نيويوركَ الظلال

وسقتها بصبيبٍ نتن

يدُ جنبول(٣) وعاشت في الرمال

ثمّ ألقت ظلّها في الأردن

وترامى شوكها حولَ القنال

وأراها في غدٍ أو بعدِ غد

سوفَ تمتدُّ بشرّ مستطير

وبنو قومي في صمت الأبد

لا يُبالونَ وإن ساءَ المصير(٤)

* * *

وله موشّحة تحت عنوان ( الأندلس الثانية ) عن فلسطين ، والتي نظمها في القاهرة عقب النكبة عام ١٣٦٧ه (١٩٤٨م) ، وهو يخاطب الجيوش العربية ، ويقول - من السريع - :

مواكبُ النصرِ ودنيا الظفر

كيفَ تلاشى الأملُ المنتظرْ

أيستنيمُ الشرقُ مستخذيا

وفي زواياهُ يدبّ الخطرْ

بالأمسِ كنا نتحدّى الورى

لـمّا زحفنا زحفةً واحدهْ

فاصطبغتْ بالدمِ تلكَ الذرى

تشهدُ أنّا أمةٌ خالدهْ

____________________

١- بلفور : هو أرثر بن جيمس ، ولد سنة ١٢٦٤ه ، وهو وزير خارجية بريطانية ، أعطى عام ١٣٣٥ه وعداً لليهود بإنشاء وطن قومي لهم ، مات عام ١٣٤٩ه.

٢- فرّق تسُد ، وهي سياسة اتّبعتها بريطانيا في بلاد المسلمين ، وهي سياسة معاوية بن أبي سفيان.

٣- جنبول : أوجون بول ، جاء في المنجد في الأعلام : لقب سخري ، يُطلق على كلّ إنكليزي دلالة على بلادته.

٤- شعراء الغري ١ / ١٦٤ - ١٦٦ ، فلسطين في الشعر النجفي المعاصر / ١٤٩ ، مجلّة الرسالة القاهرية عام ١٩٥٠م.


واليوم قد عادت بنا القهقرى

سياسةٌ موتورةٌ حاقدهْ

ثمّ يقول مستعرضاً أمجاد المسلمين في الفروسية والانتصار ، ويربط ذلك بأطماع الصهاينة من اليهود الذين كانوا يحلمون بأرض فلسطين أرض الميعاد فيقول :

بالأمسِ كنّا وصهيلُ الجيادْ

ترنّ في الآفاقِ أصداؤهُ

وحلمُ صهيونَ بأرضِ المعادْ

طارت على الساحلِ أشلاؤهُ

واليوم عدنا وحديثُ الجهادْ

طيفٌ وفي الرملةِ أنباؤهُ(١)

____________________

١- فلسطين في الشعر النجفي المعاصر / ١٤٧ عن ديوان إبراهيم الوائلي - مخطوط -.



ومن شعره الديني موشحة في مدح النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، وقد نظمها عام ١٣٦٨ه بالقاهرة بعنوان ( في رمال التيه ) بمناسبة المولد النبوي(٢) الشريف ، ويقول في أوّلها - من مجزوء الرمل - :

أيّ حلمٍ طافَ بالأم

سِ على جفنِ الزمانِ

ورحيقٌ عاطرُ التحـ

ـفة من كرمِ الجنانِ

خضلُ الأنسامِ واشـ

ـتف(١) نداهُ المشرفانِ

غيرَ أنّ الحلمَ الرف

اف(٢) ولّى غير وانِ

والرحيقُ العذبُ قد جـ

ـفّ على ثغرِ الأماني

أترى يرجعُ بعد الـ

ـيوم طيفٌ قد توارى

وفي نهايتها يستعرض محنة الشرق والمشاكل السياسية فيها ، فيقول - من مجزوء الرمل - :

محنةُ الشرقِ وما أفـ

ـظع ما يشكو ويلقى

من خطوبٍ كالحات

لم تذر عدلاً ورفقا

يرقصُ الغربُ على الأش

لاء مزهواً وتشقى

مثلما يندفعُ الم

وج على أجسادِ غرقى

قد مللنا العيشَ ذلا

يتغشانا ورقا

أترى يشرقُ بعد الي

وم فجرٌ قد توارى(٣)

وله قصيدة - من البسيط - في الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) نظمها عام

____________________

١- اشتف : شرب كلّ ما في الإناء.

٢- الرفاف : ما تحطّم من التبن ، إشارة إلى تحطّم وتبخّر الأحلام.

٣- شعراء الغري ١ / ١٦١ - ١٦٣.


١٣٦٤ه بمناسبة مولده(١) تحت عنوان ( من وحي الإمام ) مطلعها :

صهرُ النبوّة حسبي منكَ إيحاء

دنياك صوتٌ ودنيا الناسِ أصداء(٢)

وللشاعر قصائد أُخرى منها في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد أثبتناها في محلّه.

هذا وقد وصفه الخاقاني بقوله : امتاز الوائلي في شعره بظواهر كانت تبدو عليه من الصغر ، منها : رصانة التعبير ، وقوّة الديباجة ، وفخامة اللفظ ، وتصوير الفكرة الجديدة(٣) .

وقال عنه الصغير(٤) : شاعر كبير ، وأديب إنساني لامع ، ضليع في النحو واللغة والأدب ، له عدّة مؤلّفات خطّية ومقالات نقدية ، طُبع له الشعر السياسي العراقي في القرن التاسع عشر ، كما له ديوان مخطوط(٥) .

____________________

١- ولد الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) في ١٣ رجب عام ٢٣ق.ه.

٢- شعراء الغري ١ / ١٥٥.

٣- شعراء الغري ١ / ١٥٥.

٤- الصغير : هو محمد حسين بن علي بن حسين آل جويبر الخاقاني ، ولد في النجف سنة ١٣٥٩ه ، له مؤلّفات عديدة منها ( الشيوعية دراسة مقارنة في ضوء الإسلام والفلسفات الحديثة ).

٥- فلسطين في الشعر النجفي المعاصر / ١٤٧.


(٣٩)

إبراهيم بن مهدي إبراهيم

١٣٣٤ - ١٤٠٦ه = ١٩١٦ - ١٩٨٦م

هو الشاعر السيد إبراهيم بن مهدي إبراهيم الحسيني العاملي.

ولد عام ١٣٣٤ه في بلدة الدوير(١) ، ونشأ بها يتيم الأُمّ إلّا أنّ أباه عوّضه بحنانه وعنايته ورعايته فلقّنه مبادئ العلوم ، وبالأخصّ الصرف والنحو والبلاغة والأدب.

وكان بيته بيت علم وأدب ، وقد مارس الأدب منذ نعومة أظافره ، وكانت له بالطبع محاولات شعرية ، فلمّا بلغ من العمر خمسة عشر عاماً نظم عن وطنه لبنان مقطوعته العينية التي سنذكرها.

وبعد أن أتمّ تعليمه مارس مهنة التعليم ، وظلّ ينتقل بين المدارس الخاصّة والرسمية نحو أربعين عاماً ، ولكنّه لم يفارق الأدب والشعر ، بل ظلّ يمارس الشعر مطالعةً وحفظاً ونظماً ، ويشارك مجتمعه بنشاطه الأدبي خمسين عاماً حتى كوّن ديوانه ( الخماسيات ) وقصائد أُخرى.

عاش كلّ حياته توّاقاً إلى التغيير ، ناقماً على الوضعين السياسي والاجتماعي اللذين جعلا من أبناء جبل عامل على هامش الحياة السياسية في لبنان إلى أن توفّي بها في ١ / ١٢ / ١٤٠٦ه(٢) .

وأوّل مقطوعة نظمها كانت في جبل عامل هي - من الكامل - :

خفف شكاتكَ واستهلِ الأدمعا

يا عاملُ قد آن أن تتفجعا

قضتِ السياسةُ أن تعيشَ بعزلة

وقضى الدخيلُ بأن تظلّ موزّعا

ويظلُّ نشؤوكَ واهياً مستضعفا

بينَ الأنامِ وتائهاً ومضيعا

____________________

١- الدوير : بلدة تابعة لقضاء النبطية في جنوب لبنان.

٢- الموافق ل- ٨ / ٧ / ١٩٨٦م.


كم ذا سألتُ الشامَ رغمَ تألّمي

ماذا فعلتِ بعاملٍ وبنا معا

أتركتني أغضي الجفونَ على القذى

وبغيرِ حضنكَ ما استطبتُ المضجعا(١)

وله في الحزن من قصيدة - من البسيط - رثى بها أخيه السيد محمد علي :

إن كانَ حزني في الأحشاءِ مستعرا

هيهات تفلحُ في إظهارهِ المقلُ

أو كان شعري موقوفاً على ألم

لا ، لا إلامَ نداءُ القلبِ أمتثلُ

عيّاً وقفتُ وأشعاري غدت صورا

للجسمِ فهي على الأناتِ تشتملُ

لم ينسني زمني المشؤوم كارثة

منها النهارُ سوادُ الليلِ يكتحلُ

لا تحسبوا الدهرَ تغربني مباهجه

فالدهرُ عندي سمّ شابهُ عسلُ(٢)

ومن شعره قصيدة - من مجزوء الكامل - يخاطب بها الثائر بوجه

____________________

١- الخماسيات / ٧.

٢- المصدر نفسه / ١٢٩ ، وكان تاريخ إنشائها ٢٨ / ٩ / ١٩٨٥م (١٤٠٥ه).


إسرائيل ، نظمها عام ١٣٩٠ه يقول فيها :

جفف دموعَ الثاكلات

بأخذِ ثأركَ من عدانا

وتخلَّ عن عمرِ الزهور

ولبّ داعيةِ الحزانى

وامسح عن الوطنِ السليب

كآبةً غطّت سمانا

واسقِ بالكأسِ التي

جرعتها هوناً هوانا

وأبح لنفسكَ ما أباحَ

الغيرُ و استعدِ الزمانا

واسبح على هامِ الأثير

محلّقاً فوقَ حمانا

واصرع بوقفتكَ العدو

ولا تدعهُ حيث كانا(١)

____________________

١- الخماسيات / ١٣٣.





وله قصائد في الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته ، منها قصيدة في ذكرى مولد الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - من الكامل - مطلعها :

أنشدتُ من وحي الضميرِ قصيدي

فملكتُ روعةَ وحيهِ المنشودِ(١)

وثانية في مولد الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) - من الكامل - مطلعها :

قلمي رجوتكَ أن تفي بمرامي

وتتيهُ إعجاباً على الأقلامِ(٢)

____________________

١- الخماسيات / ٣٥.

٢- المصدر نفسه / ٤١.


وثالثة في مولد السيدة فاطمة الزهراء (عليها‌السلام ) - من الكامل - مطلعها :

وحي الضميرِ بثاقبِ الأفكار

أضفى على قلمي سنا أشعاري(١)

كما إنّه نظم في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) ، وقد أثبتناه في محلّه.

____________________

١- الخماسيات / ٤٧.


(٤٠)

إبراهيم بن ناصر مبارك

١٣٢٥ - ١٣٩٩ه = ١٩٠٧ - ١٩٧٩م

هو الشيخ إبراهيم بن ناصر بن عبد النبي بن يوسف آل إبراهيم آل مبارك الهجيري التوبلي البحراني.

ولد في الهجير(١) البحرانية عام ١٣٢٦ه(٢) ، ونشأ في حجر أبيه وتتلمذ عليه وعلى أخيه الشيخ محمد حسين(٣) مبادئ العربية والإسلامية.

وفي عام ١٣٤٩ه انتقل من الهجير إلى عالي(٤) واستوطنها ، وفيها تتلمذ على الشيخ خلف بن أحمد آل عصفور إلى أن توفّي عام ١٣٥٥ه ؛ فرحل إلى النجف وأخذ من فضلائها وأعلامها كالشيخ الخاقاني(٥) ، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(٦) ، والسيد أبو الحسن الأصفهاني(٧) ، والشيخ

____________________

١- الهجير : من قرى تُوبلي ، ويُقال : هجر البحرين ، وهي قاعدة البحرين.

٢- جاء في موسوعة شعراء البحرين ١ / ٣٧ : أنّه توفّي عام ١٣٢٥ه ، وقد اعتمدنا على كتابة مقدّمة نجل المؤلّف على ديوانه المراثي المخطوط.

٣- محمد حسين : هو ابن ناصر بن عبد النبي البحراني المبارك من علماء البحرين في القرن الرابع عشر الهجري.

٤- العالي : بلدة تقع في المنطقة الوسطى على بعد حوالي ١٢ كيلومتراً جنوب المنامة عاصمة البحرين.

٥- الخاقاني : هو جاسم بن هادي.

٦- كاشف الغطاء : هو ابن علي بن محمد رضا الجناحي المالكي ، ولد سنة ١٢٩٤ه ، وهو من أعلام الإمامية ، له مصنّفات كثيرة منها (الدين والإسلام) ، وله ديوان شعر ، مات في مدينة كرند الإيرانية سنة ١٣٧٣ه ودُفن في النجف.

٧- الأصفهاني : هو ابن محمد بن عبد الحميد الموسوي البهبهاني ، ولد سنة ١٢٨٤ه ، وهو من أعلام الإمامية ومراجعها ، توفّي سنة ١٣٦٥ه.


عبد الجليل الولي(١) ، والشيخ محمد رضا آل ياسين(٢) ، والسيد محسن الحكيم(٣) ، والشيخ خلف العصفوري(٤) .

وبقي بها بضع سنوات ثمّ عاد إلى عالي عالماً ومؤلّفاً وشاعراً ، واشتغل بالتدريس والإرشاد وإقامة الصلاة ، وبلغت مؤلّفاته ستة عشر مؤلّفاً منها في العقيدة ، ومنها في الفلسفة والفقه والسيرة ، ومنها في الأدب والشعر.

ومن تلك : الحاشية على ديوان أبي البحر الخطي(٥) ، ديوان المراثي ديوان شعره الكبير(٦) ، وديوان آخر باسم السوانح.

____________________

١- الولي : لم أعثر على ترجمته.

٢- آل ياسين : هو ابن عبد الحسين الكاظمي ، ولد سنة ١٢٩٧ه ، من علماء الإمامية ، له مصنّفات عديدة منها (لغة الراغبين في فقة آل ياسين) ، وله ديوان شعر ، مات سنة ١٣٧٠ه.

٣- الحكيم : هو ابن مهدي بن صالح الحسني الطباطبائي ولد سنة ١٣٠٦ه ، له مصنّفات عديدة منها : مستمسك العروة الوثقى ، حقائق الأصول ، توفّي سنة ١٣٩٠ه ودُفن في النجف ، كان من مراجع الإمامية وعلمائها.

٤- العصفوري : هو ابن أحمد بن محمد الدرازي الشاخوري البحراني ، ولد سنة ١٢٨٥ه ، وله تصانيف عديدة منها : (الأنوار الجعفرية) و(منتخب الفوائد) ، مات بعد عام ١٣٣٨ه.

٥- الخطي : هو جعفر بن محمد بن الحسن بن علي بن ناصر ، المتوفّى بعد عام ١٠٢٨ه ، كان شاعراً أديباً ، وعالماً فاضلاً.

٦- توجد نسخة مصوّرة منه في مكتبة المؤلّف بلندن.


وله في العتب قصيدة ميمية - من الطويل - يعاتب فيها صديقه الشيخ عبد الحميد الخنيزي(١) :

أخو الودّ إنّا قد حمدنا إلهنا

بأنّكَ فينا صاحبَ الفكرِ حازمُ

و لكنّني أشكو إليكَ ملمة

غدا القلبُ من نيرانها يتضرمُ

مضاضةَ قلبٍ لو أبثكَ وجدها

لخيلِ أنّ العذرَ منكَ مظالمُ

تنزّهتَ عن أمثالِ ذلكَ جانبا

ولم أعتقد هذا وربّكَ عالمُ

سوى أنّني من بعضِ ذلك أنفة

تجرّعها قلبي أسى وهو كاظمُ(٢)

ومن حكمياته قصيدة - من الرمل - قال في أوّلها :

ليس مَنْ يحيى حقيقياً بالحياة

إن تناست نفسهُ سرّ الممات

أو تناسى سرّ ما عاشَ له

و الذينَ شاركوهُ في الحياة

ليس مَنْ عاشَ خلياً أبلها

بل هو المضنى بما جاءَ وفات

ليس مَنْ يكفيكَ أمراً كافيا

بل هو الكافي مهمّاتِ الكفات

ليس مَنْ أسعرَ حرباً بطلا

بل هو المبطلُ إدراكَ الديات

____________________

١- الخنيزي : هو الشيخ عبد الحميد بن علي.

٢- موسوعة شعراء البحرين ١ / ٤٢.


ليس مَنْ حذلقةِ(١) السنِّ فتى

بل هو الأروعُ حرّ الموهبات

ليس مَنْ لم يعصِ يُدعى ورعا

بل هو التاركُ كلّ الشبهات

ليس مَنْ لم يكبُ يُدعى حازما

بل هو الجافي طريقَ الكبوات(٢)

وله أيضاً من قصيدة - من البسيط - :

بي من بلا الدهرِ تطويقٌ وتقليد

ومن تآويلهِ مدٌّ وتشديدُ

يراودُ الحبَّ قلبي وهو طيّعه

و كيفَ يعصي وأسبابُ الهوى رودُ(٣)

مآخذُ القهرِ من أين المناصُ لنا

منهُ وممّا جنتهُ الخردُ(٤) الخودُ(٥)

تكسّرت وأشارت لي فملتُ لها

والقلبُ منقبضٌ والطرفُ ممدودُ

جاءت وطرتها من فوقِ غرّتها

فالشمسُ طالعةٌ والليلُ موجودُ

الخدّ حدّ لهُ في القلبِ تخديد

و القدُّ عودٌ لهُ في النفسِ تقديدُ

ولو دنونا لهم قالوا لنا

ابتعدوا ولو دعونا لهم قلنا لهم عودوا(٦)

ويقول في قصيدة أُخرى - من البسيط - في الصفات الحسنة والسيئة :

مَنْ يسمعُ الحقّ إنّ الحقّ هتّاف

وكانَ للهِ في الراجينِ ألطافُ

مَنْ يفعلُ الخيرَ لم يعدم نوافله

فدولةُ الخيرِ بينَ الناسِ أسلافُ

مَنْ يعدمُ الحلمَ لم يسلم لهُ خلق

إنّ الجنونَ بغيرِ الحلمِ أصنافُ

لا يحمدُ الناسُ من مرء مروّته

حتى يكونَ لهُ عدلٌ وإنصافُ

ولا يسودُ زعيمٌ في عشيرته

حتى يكونَ لهُ بذلٌ و إسعافُ

لا تحتقر سرّ مَنْ تبدو دمامته

فأحسنُ الدرِّ ما تحويهِ أصدافُ

ليس الجبانُ الذي يخشى منيّته

إنّ الجبانَ الذي هالتهُ أرجافُ(٧)

____________________

١- حذلق الرجل : أظهر وادّعى الحذق ، وهي المهارة.

٢- موسوعة شعراء البحرين / ٩٨.

٣- الرود : يُقال : ريح رود ، أي لينة الهبوب.

٤- الخرد : الجارية ، والبكر لم تُمس قط.

٥- الخود : المرأة الشابة.

٦- موسوعة شعراء البحرين / ١٢٢.

٧- المصدر نفسه / ١٦٩.


وقال من قصيدة في التفكر في خلق الله - من مجزوء الكامل - :

الفكرُ يصبحُ في انطلاق

وعلى صبوحٍ واغتباقِ(١)

والكونُ في تصريفه

آتٌ بآياتٍ لباقِ

تفنى الخلائقُ كلّها

لكنّ وجه اللهِ باقي

إن كانَ آخري الفناء

فليس ينفعني إباقي

إن كانَ حكمُ اللهِ قدر

أي شيء منهُ واقي

والمرءُ ماضٍ في الطريـ

ـق وليس يدري ما يلاقي

والكونُ إمضاءُ الحكيـ

ـم على اختلافٍ وانتساقِ

من بسمةٍ فوقَ الشفا

هِ ودمعةٍ فوقَ المراقِ

ما بينَ باكٍ بالضحى

وضاحكٍ تحتَ الرواقِ(٢)

وقال يذكر الشيب والموت في قصيدة - من مجزوء الكامل - :

الشيبُ من نذرِ الحرام

والموتُ مستبقُ الأنامِ

وجميعُ أعناقِ الأنام

مطوّقاتٌ بالحمامِ

فإذا تصبّحَ بالكرام

فقد تغبّقَ باللئامِ

إذ لا يماني لايبا

لي لا يحابي بالسّلامِ

____________________

١- الأغتباق : العشى.

٢- موسوعة شعراء البحرين / ١٧٧.


لم يعشه نورُ النها

رِ و لا يتعتعُ(١) بالظلامِ

لا يختشي لمعَ السيو

فِ ولا يُخوَّفُ بالسهامِ

يغدو فيصرعُ مَنْ يلا

قيه ويرمي كلّ رامي(٢)

وله أيضاً من قصيدة - من الكامل - :

و صلتُ كزورةٍ طيفها المتخيّل

حذرَ الرقيبِ فانهلنَ وعلل(٣)

غفلَ الرقيبُ فأمكنتها فرصة

قد لا يطولُ زمانها فتعجل

وإذا وجدتَ صدودها فلعلّه

كانت هي الأدرى بها فتجمل

و عجبتُ إذ سمحَ الزمانُ لآمل

ماقي زمانكَ بغيةً لمؤمل

حكمَ الزمانُ على الكرامِ وحكمه

ماضٍ بأن لا يكرموا فتقبل

فكأنّهم غرماؤه لم يستخفوا

منهُ إلّا بلغة المتسول

أمكا اللئام فإنّهم أبناؤه

ومحلّهم من نفسهِ لم يجهل(٤)

____________________

١- تعتع الشيء : حرّكه بعنف وقلقله.

٢- موسوعة شعراء البحرين / ١٩٩.

٣- علله : سقاه سقياً بعد سقي.

٤- موسوعة شعراء البحرين / ١٨٩.


ونختم ترجمته بأبيات من قصيدة - من البسيط - في رثاء الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ويذكر فيها وصيّه علياً (عليه‌السلام ) :

إذا سرى البرقُ من نجدٍ بتذكار

فقدِ تذكّرتُ ما للدارِ من جارِ

حديثاً ذو شجونٍ يابنَ جارتنا

فعُدْ عليَّ بإيرادٍ وإصدارِ

واضرب لنا مثلاً بالمصطفى وعلي

المرتضى فربيبُ الدارِ للدارِ

وانسبْ ذراعاً بما فيها إلى عضد

والصنو للصنو في طيعٍ وآثارِ

زكّاهُ أكرمهُ ربّاهُ علّمه

مغيّباتٍ مضامينَ وأقدارِ(٤)

إلى أن يقول :

فالمصطفى مصطفى ممّا برى الباري

والمرتضى مرتضى ممّا ذرى الذاري

أميرُ سلمِ وإسلامِ مسلّمة

لهُ ولايةُ أبرارٍ وفجّارِ

لا يقبلُ اللهُ من عبدٍ عبادته

إلّا بهِ وتذكر منهُ يا حارِ(٥)

____________________

١- بكت : ضرب ، غلبه بالحجة ، قرعه وعنفه.

٢- القتام : الظلام ، الأسود.

٣- موسوعة شعراء البحرين / ٢٠٣.

٤- في حلية الأولياء ١٠ / ٨٦ : إنّ رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) قال : (( مَنْ سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي ، فليوالِ علياً من بعدي وليوالِ وليّه ، وليقتدِ بالأئمّة من بعدي ؛ فإنّهم عترتي خُلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي للقاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي )).

٥- إشارة إلى القول المحكي عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ) ، وقد نظم فيه السيد الحميري شعراً - من المنسرح - منها :

=


عنى بهِ الحارث بن الأعورِ الهمدا

ني(١) ومَنْ خيرُ أنصارٍ وأخيارِ

إلى أن يقول :

ماتَ الرسولُ فماتت كلّ كائنة

وكدّرت صفوةَ الدنيا بأكدارِ

وأصبحت حكاتُ الكونِ ساكنة

والأرضُ مؤذنةً منهُ بتسيارِ

وأظلمت صفحاتُ الجو وانطبقت

دوائرُ الأفقِ واصطكت بإعصارِ(٢)

ولا يخفى أنّ والده توفّي عام ١٣٣٠ه فكفله أخوه الشيخ محمد حسين ، ثمّ ماتت أُمّه عام ١٣٣٤ه فعاش يتيم الأبوين ، وإلى ذلك يشير بقوله - من الطويل - :

أرواحُ من يتمٍ لفقرٍ لغربة

تمضِ الحشايا من مغبّتها مضّا

تطفّلت في أهلي فلم أرَ منهم

سوى كبدٍ حرّى وأفئدةٍ مرضى(٣)

توفّي في بلدة عالي التي استوطنها قبل أن يسافر إلى النجف ، ليلة الرابع من شهر رجب بالسكتة القلبية(٤) .

وكان إلى جانب علمه وفقاهته ، وأدبه وشعره ، ينظم باللهجة الدارجة أيضاً.

____________________

=

يا حار همدان مَنْ يمت يرني

من مؤمنٍ أو منافقٍ قبلا

يعرفني طرفهُ وأعرفه

بعينهِ واسمهُ وما فعلا

أقولُ للنارِ وهي توقدُ للعر

ض ذَريهِ لا تقربي الرجلا

ذريهِ لا تقريبهِ إنّ له

حبلاً بحبلِ الوصي متّصلا

١- الهمداني : هو ابن عبد الله بن كعب الخارفي الحوتي ، ويُقال له : الحارث بن عبيد ، مات سنة ٦٥ه ، وكان شديد الولاء للإمام علي (عليه‌السلام ) ، ومن رواة حديثه.

٢- موسوعة شعراء البحرين ١ / ١٥١.

٣- ديوان المرائي للشاعر.

٤- أخذنا ترجمته من نجله الشيخ علي المبارك.


(٤١)

إبراهيم بن نصر الموصلي

النصف الأوّل من القرن ٦ - ٦١٠ه = النصف الأوّل من القرن ١٢ - ١٢١٣م.

هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم ظهير الدين بن نصر بن عسكر الشافعي الموصلي ، المعروف بقاضي السلامية.

المولود بالسندية(١) - العراق - في النصف الأوّل من القرن السادس الهجري ، والمتوفّى بالسلامية(٢) - العراق - يوم الخميس ثالث ربيع الثاني عام ٦١٠ هجرية.

درس في بغداد في المدرسة النظامية(٣) على الوزير عون الدين يحيى بن محمد الحنبلي(٤) ، ودرس في الموصل على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الموصلي(٥) حتى أصبح فقيهاً بارعاً ، وأديباً

____________________

١- السَّنديَّة : بكسر أوّله ، وسكون ثانيه ، بلفظ نسبة المؤنث إلى السند : قرية من قرى بغداد على نهر عيسى بين بغداد والأنبار.

٢- السلامية : من نواحي الموصل ، كانت تقع على نهر الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل ، بينهما مسافة يوم ، فالموصل كانت تقع على الجانب الغربي منها ، وقد خربت السلامية القديمة التي كان الشيخ أبي إسحاق قاضياً بها ، وأنشأت بالقرب منها بلدة أُخرى سمّوها باسمها أيضاً.

قال الدكتور مصطفى جواد : تبعد عن الموصل ٥ فراسخ ، أي زهاء ٢٧ كيلومتراً.

٣- النظامية : تمّ الانتهاء من بناء المدرسة عام ٤٥٩ه ببغداد ، وقام بإنشائها خواجه نظام الملك الطوسي ، أحد أشهر وزراء العهد السلجوقي ، وقد صرف عليها مئتي ألف دينار من ماله الخاص ، وكان يدرس فيها نحو ستة آلاف طالب.

٤- الحنبلي : هو ابن محمد بن هبيرة بن سعد ، المكنّى بأبي مظفر ، المتوفّى عام ٥٥٥ه.

٥- الموصلي : ويُقال له : الكعبي الجهني ، من فقهاء الشافعية ، ولد بالموصل عام ٤٦٠ه وسكن بغداد ، ثمّ عاد إلى الموصل وتوفّي فيها عام ٥٥٢ه.


شاعراً ومحدّثاً فاضلاً ، تولّى القضاء في السلامية(١) بموصل العراق ؛ ولذلك اشتهر بقاضي السلامية.

ورثى الإمام الحسين (عليه‌السلام ) رغم كونه على المذهب الشافعي بأبيات ذكرناها في قسم الأشعار.

ومن شعره الذي يصف نفسه فيه - من السريع - :

لا تنسبوني يا ثقاتي إلى

غدرٍ فليس الغدرُ من شيمتي

أقسمتُ بالذاهبِ من عيشنا

وبالمسرّاتِ التي ولّتِ

إنّي على عهدكم لم أحل

وعقدةُ الميثاقِ ما حلّتِ(٢)

____________________

١- مجلّة البلاغ : العدد ٢ / السنة ١ / الصفحة ٧ / التاريخ : ربيع الأول ١٣٨٦ه.

٢- أدب الطفّ ٢٤ / ٤.


ومن حكيم شعره - من البسيط - :

جودُ الكريمِ إذا ما كانَ عن عدة

وقد تأخّرَ لم يسلم من الكدرِ

إنّ السحائبَ لا تُجدي بوارقها

نفعاً إذا هي لم تمطر على الأثرِ

وماطلُ الوعدِ مذمومٌ وإن سمحت

يداهُ من بعدِ طولِ المطلِ بالبُدرِ(١)

يا دوحةَ(٢) الجودِ لا عتبٌ على رجل

يهزّها وهو محتاجٌ إلى الثمرِ(٣)

ونقل من شعره أيضاً في هذا الباب - من الطويل - :

أقولُ لهُ صلني فيصرفُ وجهه

كأنّي أدعوهُ لفعلٍ محرّمِ

فإن كانَ خوفُ الإثمِ يكرهُ وصلتي

فمن أعظمُ الآُثامِ قتلةُ مسلمِ(٤)

ذكره ابن خلكان(٥) في الوفيات ، وابن الدميثي(٦) في تاريخه ، وابن المستوفي في تاريخه(٧) ، والشافعي(٨) في الطبقات ، والصفدي(٩) في الوافي ، والعماد(١٠) في الخريدة ، ودهخدا(١١) في لغت نامه ، وشبّر في الأدب ،

____________________

١- البدرة : عشرة آلاف ، ومن المال الكمية العظيمة منه.

٢- الدوحة : الشجرة العظيمة.

٣- أدب الطفّ ٤ / ٢٥.

٤- الوافي بالوفيات ٦ / ١٥٥.

٥- ابن خلكان : هو أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (٦٠٨ - ٦٨١ه) ، صاحب كتاب ( وفيّات الأعيان ).

٦- ابن الدبيثي : أبو عبد الله محمد بن سعيد بن محمد ، (٥٥٨ - ٦٣٢ه) ، مؤرّخ بغدادي ، له كتاب ( ذيل تاريخ بغداد ).

٧- ابن المستوفي : هو شرف الدين المبارك بن أبي الفتح أحمد بن المبارك اللخمي الأربلي ، له تاريخ أربل في أربع مجلدات ، كما له ديوان شعر ، توفّي في الموصل عام ٦٣٧ه.

٨- الشافعي : هو عثمان بن عبد الرحمن الموصلي (٥٧٧ه - ٦٤٣ه) ، كان من أهل الإفتاء ، له مؤلّفات منها : الفتاوى ، وكتاب الطبقات ، ويسمّى بطبقات الشافعية أيضاً.

٩- الصفدي : هو صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (٦٩٦ - ٧٤٦ه) ، مؤرّخ فلسطيني ، اشتهر بكتابه ( الوافي بالوفيّات ).

١٠- الأصفهاني : أبو عبد الله عماد الدين محمد بن محمد صفي الدين بن نفيس الدين حامد ، ولد في أصفهان سنة ٥١٩ه ، وهو أديب وكاتب ، ويلقّب بعماد الدين ، له مصنّفات عديدة منها : البرق الشامي ، نصرة الفترة وحضرة الفطرة ، خريدة القصر ، ديوان الرسائل ، مات سنة ٥٩٧ه.

١١- دهخدا : هو علي أكبر بن خان بابا الطهراني (١٢٩٧ - ١٣٧٥ه) ، مؤرّخ ولغوي

=


والخاقاني في شعراء الموصل ، وجواد في مجلّة البلاغ وأثنوا عليه.

قالوا ابن الدبيثي : روى بإربل(١) عن أبي البركات عبد الرحمان بن محمد الأنباري النحوي(٢) شيئاً من مصنّفاته ، سُمِع منه ببغداد ، وسمع منه جماعة من أهلها(٣) .

ووصفه عماد الدين الأصفهاني بالشاب الفاضل(٤) .

وأورد ابن المستوفي ما جرى بينهما من المكاتبات والشعر(٥) .

ووصفه ابن خلكان بالفقيه الفاضل ، وقال : وغلب عليه النظم ، ونظمه رائق ، وكان له ولد(٦) ، اجتمعت به في حلب وأنشدني من شعره وشعر أبيه كثيراً ، وكان شعره جيّداً ، ويقع له المعاني الحسنة(٧) .

وقال عنه دهخدا : أبو إسحاق السلامي هو من علماء الموصل وقضاتها ، درس الفقه في الموصل ، ثمّ هاجر إلى بغداد وتوقّف بها مدّة ، ثمّ رجع إلى السلامية وتولّى القضاء بها ، وكان شاعراً بارعاً ، ورد شعره كثيراً في المجاميع(٨) .

وأمّا شبّر فإنّه نقل عن ابن خلكان وغيره ، وظاهر نقله جاء بشكل يتصوّر أنّ رؤية ابنه في حلب كانت مع عماد الدين الأصفهاني الكاتب ، المتوفّى عام ٥٩٧ه(٩) ، ولكنّ الصحيح أنّ ابن خلكان المتوفّى عام ٦٨١ه

____________________

= إيراني ، له مؤلّفات أشهرها : لغت نامه ، أبو ريحان ريحاني ، ترجمة روح القوانين.

١- إربل : مدينة تقع بين الزابين في شمال العراق ، وتعدّ من أعمال الموصل.

٢- النحوي : يلقّب كمال الدين ، ويكنّى بأبي البركات عبد الرحمان بن محمد بن أبي الوفاء ، المتوفّى في بغداد عام ٥٧٧ه ، قرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي وغيره.

٣- وفيات الأعيان ١ / ٣٧ عن ذيل تاريخ بغداد - لابن الدميثي.

٤- خريدة القصر :

٥- وفيات الأعيان ١ / ٣٨.

٦- ابن قاضي السلامية ، كان شاعراً كما يظهر من نقل ابن خلكان ، وكان بحلب إلّا أنّنا لم نتمكّن من الحصول على اسمه وترجمته.

٧- وفيات الأعيان ١ / ٣٧ - ٣٨.

٨- لغت نامه - دهدخدا ١ / ٣٦٨.

٩- أدب الطفّ ٤ / ٢٥.


هو الذي رأى ابنه في حلب ؛ حيث إنّ عصره هو المناسب لأن يلتقي به.

عنونه عدد من مترجميه بقاضي السلامية كالصفدي(١) ، وأمّا ابن خلكان فقد عنونه بابن عسكر الموصلي ، بينما عنونه دهخدا تارة بقاضي السلامية ، وأُخرى بأبي إسحاق السلامي.

ورغم التصريح بأنّ له شعراً كثيراً إلّا أنّنا لم نتمكّن من الحصول عليه.

____________________

١- الوافي بالوفيات ٦ / ١٥٤.


(٤٢)

إبراهيم بن يحيى الطيبي

١١٥٤ - ١٢١٤ه = ١٧٤١ - ١٧٩٩م

هو الشيخ إبراهيم بن يحيى(١) بن محمد بن سليمان(٢) المخزومي القرشي(٣) العاملي الطيبي.

ولد بطيبة(٤) عام ١١٥٤ه ونشأ بها وقرأ على علمائها ، وهاجر إلى شقراء ودرس بمدرستها(٥) عند السيد موسى بن حيدر بن أحمد الحسيني إلى أن توفّي عام ١١٩٤ه.

ولـمـّا استولى الجزار(٦) على جبل عامل بعد قتل الأمير ناصيف هرب المترجم له عام ١١٩٥ه مع مَنْ هرب من قبضة الجزار إلى بعلبك ، فظلّ بها عشرين يوماً ، ثمّ تردّد بينها وبين دمشق لفترة ، وبعدها سافر إلى العراق وتتلمذ على السيد مهدي بحر العلوم ، والشيخ جعفر

____________________

١- توفّي والده عام ١٣٠٢ه ، وكان من الأعلام الأدباء.

٢- جاء نسبه في الكرام البررة ١ / ٢٥ هكذا : إبراهيم بن يحيى ابن الشيخ فياض بن عطوة المخزومي القرشي الطيبي العاملي.

٣- كذا في علماء دمشق وأعيانها ١ / ٨٦.

٤- طيبة : بلدة تقع في جنوب لبنان على الحدود مع فلسطين المحتلة ، تخرّج منها الكثير من علماء الإمامية.

٥- كانت بشقراء مدرسة يتولّى شؤونها السيد موسى بن حيدر الأمين جدّ السادة الأمين ، وكان بها يومذاك أكثر من ثلاثمئة طالب ، منهم السيد جواد العاملي مؤلّف كتاب مفتاح الكرامة.

٦- الجزار : هو أحمد باشا ، ولد نحو منتصف القرن الثاني عشر الهجري في البوسنة ، في أوّل أمره التحق بمماليك مصر ، ثمّ تعاون مع العثمانيين ، فأوكلت إليه عدد من الولايات منها : عكّا وصيدا وبيروت ، لقّب بالجزار ؛ لأنّه كان سفّاكاً ، مات في دمشق ١٢١٩ه.


صاحب كشف الغطاء ، ثمّ توجّه إلى مشهد الإمام الرضا (عليه‌السلام )(١) إلّا أنّه عاد بعدها ليهبط دمشق ويستوطنها ، وكان يتردّد على بعلبك ، ومات بدمشق ودُفن بمقبرة باب الصغير(٢) .

يقول الأمين : لقد ضاع شعره الذي نظمه قبل هروبه من جبل عامل ، ولعلّ أقدم أشعاره بعد ذلك هو ما جاء في تأريخ قتل الأمير ناصيف على يد عسكر الجزار عام ١١٩٥ه حيث يقول - من الكامل - :

قُتل ابن نصّار فيا للهِ من

مولى شهيدٍ بالدماءِ مضرّج

وتداولتنا بعدهُ أيدي العدى

من فاجرٍ أو غادرٍ أو أهوج

هي دولةٌ عمّ البلادَ الظلمُ في

تاريخها اللهُ خيرُ مفرّج

وأقدم منه تأريخه حجّه إلى بيت الله الحرام ١١٩٢ه - من مجزوء الكامل - :

يا مَنْ حباني حجّة

تستوجبُ الشكرَ الجميلا

راجيكَ إبراهيمُ في

تأريخها يبغي القبولا

نعم ، لقد عُثر على بعض قصائده في مدح الأمير الشيخ علي الفارس الصعبي عام ١١٨٠ه ، وعام ١١٨٣ه و١١٨٤ه.

ولـمّا وصل بعلبك نظم قصيدة خلال العشرين يوماً التي قضاها بها ، ذكر فيها المحن التي لاقاها خلال هروبه من عسكر الجزّار ، ويتشوّق إلى الأهل والأوطان ، ويقول في أوّلها - من الطويل - :

غريبٌ يمدُّ الطرفَ نحو بلاده

فيرجعُ بالحرمانِ وهو همولُ

إذا ذكرَ الأوطانَ فاضت دموعه

كما استبقت يومَ الرهانِ خيولُ

وإن ذكرَ الأحبابَ حنّ إليهم

كما حنَّ من بعدِ الفطامِ فصيلُ

همُ الأهلُ لا برقُ المودّةِ خلب(٣)

لديهم ولا ربعُ الودادِ محيلُ

____________________

١- الرضا : هو الإمام الثامن من أئمّة الشيعة الإمامية علي بن موسى بن جعفر ولد سنة ١٤٨ه ، ومات مسموماً بأرض طوس بإيران سنة ٢٠٣ه على يد المأمون العباسي.

٢- جاء في تكملة أمل الآمل / ٨٥ : أنّه وجد بخطّ بعض البغداديين أنّه توفّي عام ١٢٢٠ه.

٣- الخُلّب : السحاب لا مطر فيه ، فكأنّه يخدع ، والبرق الخُلّب الذي يكون في سحاب غير ممطر.


مساميحُ أمّا ما حوتهُ أكفهم

فنزرٌ وأمّا جودهم فجزيلُ

فيا روضة فيحاء لي من لبابها

ولا فخرَ فرعُ طيبٍ وأصولُ

إلى أن يقول :

وممّا شجا قلبي وأجرى مدامعي

وألقى عليَّ الهمّ وهو ثقيلُ

نزولي وقد فارقتكم في عصابة

سواءٌ لديهم عالمٌ وجهولُ

وكيفَ يطيبُ العيشُ بينَ معاشر

جوادهمُ بالأبيضين(١) بخيلُ

سواسية لا يأمنُ الجورَ جارهم

ولو أنّهُ للنيّرين سليلُ

إلى أن يذكر نزوله ببعلبك :

وأنزلني في بعلبكَ وقلّما

أقام بها لولا القضاءُ نبيلُ

ترابٌ لها من بلدةٍ لو وردتها

سقتكَ بكأسِ الهمِّ وهو قتولُ(٢)

قال عنه حافظ وأباظة(٣) : شاعر فاضل ، أديب مطبوع ، نظم فأكثر حتى اشتهر بالشعر ، وورث أولاده وأحفاده عنه شاعريته ، لا يخلو شعره من نكتة بديعة ، أو كناية لطيفة ، أو إشارة إلى واقعة.

اهتم بالتخميس فخمّس جملة من القصائد المشهورة كالبردة(٤) ، ورائية أبي فراس الحمداني(٥) في الفخر ، وعينية ابن زريق البغدادي(٦) ، وكافية السيد

____________________

١- الأبيضان : الكلمة تطلقُ تارة على اللبن والماء ، أو الخبز والماء.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ٢٤٨.

٣- حافظ وأباظة : هما محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة ، من مؤرّخي سوريا المعاصرين ، ولهما كتاب (تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري).

٤- إشارة إلى لامية كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني ، المتوفّى سنة ٢٦ه ، في مدح النبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والتي يقول فيها - من الطويل - :

بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبول

متيّمٌ إثرُها لم يفدِ مكبولُ

٥- الحمداني : هو الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي ، ولد سنة ٣٢٠ه ، كان فارساً وشاعراً ، اشتهر برومياته في الأسر ، له ديوان شعر ، قُتل سنة ٣٥٧ه ، وأمّا رائيته التي من الطويل فمطلعها :

لعلَّ خيالُ العامريةِ زائر

فيُسعَدَ مهجورٌ ويُسعَدَ هاجرُ

٦- البغدادي : هو أبو علي الحسن بن زريق الكاتب الكوفي ، كان كاتباً في ديوان الرسائل ، سكن الكرخ من بغداد ، مات في الأندلس نحو عام ٤٢٠ه ، اشتهر

=


الرضي(١) المكسورة ، وزاد عليها مخمّساً وجعلها في مدح النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) ، ورائية ابن منير(٢) المعروفة بالتترية.

وقيل : خمّس أكثر قصائد الشريف الرضي المشهورة ، وديوان أبي فراس كلّه ، ونظم محبوكات عارض بها ارتقيات(٣) الصفي الحلّي(٤) في مدح الشيخ علي بن أحمد فارس الصعبي من أمراء جبل عامل(٥) .

ومن قصائده التي يتشوّق إلى طيبة وجبل عامل ، قصيدته التائية التي يقول فيها - من الكامل - :

مَنْ لي بردِّ مواسمِ اللذات

والعيشِ بينَ فتى وبين فتاةِ

ورجوعِ أيامٍ مضينَ بعامل

بينَ الجبالِ الشمِّ والهضباتِ

عهدي بهاتيكَ المعاهد والدمى

فيهنَّ مثلُ الحورِ في الجنّاتِ

والروضُ أقبحُ والجنابُ ممنّع

والوردُ صافٍ والزمانُ مواتي

والشملُ مجتمعٌ وإخوانُ الصفا

أحنى من الآباءِ والأُمّهاتِ

____________________

= بقصيدته العينية - من البسيط - التي مدح فيها ملك الأندلس ، ومنها :

لا تعذليهِ فإنّ العذلَ يولِعُه

قد قُلتِ حقّاً ، ولكن ليس يَسمَعَهُ

جاوزْتِ في لومهِ حدّاً أضرَّ به

من حيثُ قدّرتِ أنّ اللومَ يَنفعَهُ

١- الرضي : هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى العلوي الحسيني ، ولد في بغداد ٣٥٩ه ، له ديوان شعر ، مات في بغداد سنة ٤٠٦ه ، ومطلع قصيدته الكافية المكسورة - من الطويل - وكان قد نظمها وله من العمر خمس عشرة سنة :

لقد جَثَمَتْ تعبيسَةٌ في المضاحِك

تمُدّ بأضْباعِ الدُّموعِ السّوافِكِ

٢- ابن منير : هو أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي ، ولد بطرابلس سنة ٤٧٣ه ، وهو من مشاهير شعراء طرابلس ، له ديوان شعر ، مات بحلب سنة ٥٤٨ه ، ومطلع قصيدته التترية - من مجزوء الكامل - :

عذبّتُ طرفي بالسهر

وأذبتُ قلبي بالفكر

٣- الأرتقيات : وهي ٢٩ قصيدة على عدد حروف الهجاء محبوكة الطرفين ، حروف أوائل أبياتها كحروف رويها ، فالقصيدة الهمزية مثلاً يبدأ في كلّ بيت منها بالهمزة ويختم بها ، وهكذا إلى آخر الحروف ، وتسمّى قصيدة (الروضة) أيضاً.

٤- الحلّي : هو صفي الدين عبد العزيز بن سرايا بن أبي الحسن علي الطائي السُنبسي ، ولد في الحلّة سنة ٦٧٧ه ، وهو من أعلام الإمامية وأدبائها ، له ديوان شعر ، مات ببغداد سنة ٧٥٠ه ، وقيل ٧٥٢ه.

٥- علماء دمشق وأعيانها ١ / ٨٧.


إذ لا ترى إلّا كريماً كفّه

والوجهُ عين حيا وعين حياةِ

إلى أن يتألّم ويأمّل أن يرى تلك الديار ويقول :

لهفي على تلكَ الديارِ وأهلها

لو كان تنفع غلّتي لهفاتي

يا ليتَ شعري هل أرى ذاك الحمى

حالَ من الفتيانِ والفتياتِ

سرعانَ ما درجت أويقاتُ اللقا

إنّ البروقَ سريعةُ الخطواتِ

أشكو إلى الرحمانِ بُعد أحبّة

عصفَ الزمانُ بهم وقُربُ عداةِ

خطبٌ دعاني للخروجِ من الحمى

فخرجتُ بعد تلوّمٍ وأناةِ

وتركتهُ خوفَ الهوانِ وربما

ألقى الغريبُ عصاهُ بينَ عصاةِ(١)

قال عنه الطهراني : هو من مشاهير عصره في العلم والأدب ، اتصل بالسيد مهدي بحر العلوم ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء وغيرهما ، ودرس الفقه والأصول ، وبرع في الأدب والشعر ، وله ديوان جليل ، رأيت عدّة نسخ منه(٢) .

وله منظومة في الكلام سمّاها الدرّة المضيئة(٣) ، تظهر منها براعته في علم الكلام(٤) ، وله الصراط المستقيم في الفقه ، والجمانة النضدية.

وأمّا ديوانه كان يحتوي على سبعة آلاف وخمسمئة بيت ، ضاع أكثره(٥) ، وله في شكوى الزمان قصيدة يقول في أوّلها - من الطويل - :

تذكّرتُ والمحزونُ جمُّ التذكّر

مسرةَ أيامٍ مضينَ وأعصرِ

إذا الدهرُ سمحٌ والشبيبةُ عودها

رطيبٌ وصفو العيشِ لم يتكّدرِ

نديرُ كؤوسَ الودِّ تطفحُ بالصفا

ونأوي إلى روضٍ من العيشِ أخضرِ

منازلنا مأوى الغريبِ و ظلّنا

ترفُّ حواشيهِ على كلّ مصحرِ(٦)

قال الصدر(٧) : إنّه فرّ من بلاده من ظلم الجزّار وأقام بدمشق ، ولمـّا

____________________

١- أعيان الشيعة ٢ / ٢٤٥ ، تكملة أمل الآمل / ٨٧.

٢- الذريعة ٩ / ١٦.

٣- المصدر نفسه ١ / ٤٩٢ ، ٨ / ١٠٧.

٤- الكرام البررة ١ / ٢٥.

٥- علماء دمشق وأعيانها ١ / ٨٧.

٦- أعيان الشيعة ٢ / ٢٤٧.

٧- الصدر : هو أبو محمد حسن بن هادي بن محمد علي الموسوي الكاظمي ، ولد في مدينة الكاظمية سنة ١٢٧٢ه ، وهو من علماء الإمامية ، مات سنة ١٣٥٤ه.


غلب أحمد الجزّار على دمشق تركها الشيخ فهاجر إلى العراق ، وكان سكن بغداد ، والرجل من أجلّاء العلماء والمتكلّمين ، والأدباء والمشاهير والشعراء المجيدين ، ومن منظومته في الكلام قوله - من الرجز - :

ولا نقل كلامهُ قديم

فإنّهُ شركٌ بهِ عظيمُ(١)

لأنّه مركّبٌ من أحرف

حادقةٍ حروفها غيرُ خفي

وكلّ ما يذكرهُ الجمهور

من الكلامِ فريةٌ وزورُ(٢)

وقوله غلب الجزّار على دمشق لا يصح ، بل إنّه غلب على جبل عامل كما سبق وذكرنا.

____________________

١- إشارة إلى خلق القرآن ، حيث افترقت المذاهب الإسلامية على أقوال ، وذهبت الإمامية إلى القول بخلق القرآن ، ورفضت دعوى قدمه.

٢- تكملة أمل الآمل / ٨٦.


وأمّا عن الأخير فيقول الطهراني : وقد شاهدت - كتاب - الكشّاف الذي تملكه في يزد ، كان بتاريخ ١٢٠٥ه(١) .

وقال أيضاً في عام ١٢٠٧ه في الغرض نفسه مؤرّخاً - من البسيط - :

يا ربِّ يا ربِّ أنتَ المستعانُ على

عامٍ شديدٍ على الفجّارِ والبرره

عامٌ كأنّ على وجهِ الفقيرِ به

من المجاعةِ في تاريخهِ غبره(٢)

ويظهر أنّ التأريخ الثاني كان لحصول الغلاء ، والأوّل كان لانقضائه.

وله قصائد في مدح ورثاء الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته ذكرها الأمين في الأعيان ، وقد حُذفت من الطبعة الثانية بحجّة غير مقبولة نصّ عليها الناشر بقوله : نشر المؤلّف في الطبعة الأولى معظم شعر المترجم حفظاً له من

____________________

١- الكرام المبررة ١ / ٢٦.

٢- أعيان الشيعة ٢ / ٢٤٨ ، وهنا استخدام استعارة قرآنية من سورة عبس.


الضياع بعد أن عنى بجمعه ، وقد رأينا بعد أنّ حُفِظَ الشعر وطُبع أن نقتصر منه في هذه الطبعة على ما يدلّ عليه - الناشر -(١) .

ومن تلك القصيدة التي مدح فيها الإمام الحسن (عليه‌السلام ) والتزم فيها الجناس في القافية بين كلّ بيتين منها - من الرمل - :

يا نزولاً بينَ جمعٍ والمصلّى

قتلُ مثلي في هواكم كيفَ حلّا(٢)

عَقَدَ الصبُ بكم آماله

ليتَ شعري مَنْ لذاك العقدُ حلّا(٣)

قالَ لي العاذلُ أضناكَ الهوى

فانتجع غيرَ هواهم قلتُ كلّا(٤)

فانثنى عنّي وما زالَ المنى

من فتى أمسى على الأحبابِ كلّا(٥)

أيّها البارقُ سلهم عن دمي

إن توسّطتَ حماهم كيفَ طُلّا(٦)

واسقِ جيرانَ اللوى والمنحنى

وابلاً تحيا بهِ الأرضُ وطلا(٧)

لا ترم منّي سلوّاً بعدهم

نأيهم والهجرُ سلّ الصبرَ سلّا(٨)

ما على طيفهم لو زارني

وأماطَ الحزنَ عن قلبي وسلّا(٩)

لي قلبٌ سبقَ الناسَ إلى

حبّهم واعتاقهُ السقمُ فصلّى(١٠)

عجباً كيفَ استباحوا مهجتي

وهي مغنى خيرُ مَنْ صامَ وصلّى(١١)

حسنُ الأخلاقِ سبطُ المصطفى

مفزعُ الناسِ إذا ما الخطبُ جلا(١٢)

طالما أذهبُ عن ذي فاقة

بنداهُ ظلمةُ الفقرِ وجلى(١٣)

____________________

١- هامش أعيان الشيعة ٢ / ٢٣٨ طبعة دار التعارف - بيروت.

٢- حلّ خلاف حرم ، جاز.

٣- حل العقد : فسخه.

٤- كلّا : أداة زجر ونفي.

٥- الكَلْ : العائل ، ومنه قولهم : أصبح كلّا على مولاه.

٦- طل الدم : هُدر.

٧- الطلّ : المطر الضعيف ، خلاف الوابل.

٨- سلّ الشيء : انتزعه وأخرجه برفق.

٩- سلاه : طابت نفسه ، وكشف عنها الهم.

١٠- صلّى اللحم : شواه.

١١- صلى : أقام الصلاة.

١٢- جلا : ظهر.

١٣- جلا : خرج.


ماجدٌ تسري المعالي إن سرى

وتنادي بحلولٍ حيثُ حلّا(١)

وقعَ اللهُ بهِ قدرَ العلى

وبهِ جيدُ الهدى والدينِ حلى(٢)

أيّ راعٍ لا يراعي أحدا

غير مَنْ يرعى لدينِ اللهِ إلا(٣)

حجّةُ اللهِ الإمامُ المجتبى

ذو الأيادي خيرُ خلقِ اللهِ إلا(٤)

خيرُ حبلٍ مدّهُ اللهُ لمَنْ

صدّهُ الشيطانُ عنهُ وأزلا(٥)

نشرَ العدلَ فكم من ظبية

تمتطي في مهمهٍ(٦) ذئباً أزلا(٧)

ذو بنانٍ كشآبيب(٨) الحيا

أنهلَ الحران(٩) منهن وعلّا(١٠)

خفّضَ البخلَ ومَنْ دان به

وبناءُ الجودِ والإحسانِ علّى(١١)

رفعتهُ قدرةُ اللهِ إلى

ما تمنّى فدنا ثمّ تدلّى(١٢)

دوحةُ العلمِ الإلهي التي

فرعها في جنّةِ الخلدِ تدلى(١٣)

سيدي يا حجّةَ اللهِ الذي

لأمورِ الإنسِ والجنِ(١٤) تولى(١٥)

فازَ واللهِ وما خابَ فتى

بكم يا خيرةَ اللهِ تولّى(١٦)

____________________

١- حلّ بالمكان : أقام به.

٢- حلا : من الحلو ، وهو الجميل.

٣- الإلّ : العهد.

٤- إلّا : أداة استفهام.

٥- زلّ عن الحقّ : انحرف عنه.

٦- المهمه : الصحراء ، المفازة البعيدة ، البلد القفر.

٧- أزل إليه نعمة : أسداها وأعطاها.

٨- الشآبيب : واحدها شأب ، وهي الدفعة من المطر ، وأوّل ما يظهر من الحُسن ، وهو حَسنُ شآبيب الوجه ، أي أوّل ما يظهر من حسنه.

٩- الحران : شديد العطش.

١٠- علّ : شرب ثانية أو تباعاً.

١١- علّى الشيء : رفعه.

١٢- تدلّى : اقترب.

١٣- تدلّى : استرسل وتعلق.

١٤- في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة - لابن حجر ٢ / ٤٧٥ : عن سلمان الفارسي أنّ الجنّ آمنوا على يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه‌السلام ).

١٥- تولّى الأمر : تقلده وقام به.

١٦- تولّى الرجل : أحبّه وتبعه.


حبّكم شغلَ فؤادي في الملا

ونجيّ القلبِ مني إن تخلّى(١)

مفزعي أنتم إذا ما مفزعي

صدّ عنّي يومَ حشري وتخلّى(٢)

ألحقَ اللهُ بكم أشياعكم

وأعاديكم جحيمِ النارِ صلى(٣)

وسقى صوبَ الحيا أجداثكم

وعليكم سلّمَ اللهُ وصلّى(٤)(٥)

ومن شعره الديني قصيدة في مدح الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) مطلعها - من الرمل - :

حبّذا أعلامُ نجدٍ ورباها

وغصونٌ تتثنّى في ذراها(٦)

ومن أُخرى في مدح أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) يقول في مطلعها - من الطويل - :

سلامٌ بهِ تغدو الصبا وتروح

ويعبقُ في ذاكَ الحمى ويفوحُ(٧)

هذا ، وقد ترجمه السماوي في الطليعة ، وكاشف الغطاء في الحصون المنيعة وغيرهما.

وخلف المترجم أبناء وحفدة كلّهم شعراء وأدباء ، ومن أبنائه الشيخ نصر الله ، والشيخ صادق ، ومن أحفاده الشيخ إبراهيم بن نصر الله ، والشيخ إبراهيم بن صادق وأبنائهم(٨) .

____________________

١- تخلى : مضى ، والمعنى : أنّ القلب إذا مضى منّي فنجي هو حبّكم.

٢- تخلى عنه : تركه.

٣- صلى النار : أدخله وأثواه فيها ، قاسى حرّها واحترق بها.

٤- الصلاة من الله على الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وآله : هي الرحمة عليهم.

٥- أدب الطفّ ٦ / ٦١.

٦- علماء دمشق وأعيانها ١ / ٨٧ ، أعيان الشيعة ٢ / ٢٣٨.

٧- أعيان الشيعة ٢ / ٢٤٠.

٨- هامش أدب الطفّ ٦ / ٥٨.


(٤٣)

إبراهيم بن يوسف مرتضى

١٣٦٠ -...ه = ١٩٤١ -....م

هو السيد إبراهيم بن يوسف مرتضى(١) الحسيني العاملي.

ولد في دير قانون رأس العين(٢) عام ١٣٦٠ه من أبوين شريفين ونشأ بها ، ثمّ التحق بالمدارس الحديثة بها ، ثمّ انتقل إلى صور لإكمال دراساته العصرية ، ثمّ عمل في حقل التعليم في مدارس قرى المنطقة.

وفي الثمانينات(٣) ترك التعليم وتوجّه إلى النجف ؛ ليلتحق بحوزتها العامرة ، وقضى فيها مدّة خمسة عشر عامّاً مكبّاً على الدراسة حيث تتلمذ على فضلائها وأعلامها ، كالسيد محمد باقر الصدر(٤) ، والسيد أبو القاسم الخوئي ، وقد مارس التدريس بها إلى جانب دراساته العليا.

ولكنّه رجع إلى مسقط رأسه بعد مقتل السيد الصدر عام ١٤٠٠ه واضطراب الأوضاع ، وهناك تولّى المهام الدينية والاجتماعية من قبل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى(٥) ،

____________________

١- بيت مرتضى : بيتان في لبنان عُرفا ببيت مرتضى ليس بينهما قرابة ، اشتهر منهم بيت مرتضى والذين هم من بعلبك ، وأمّا شاعرنا هذا فهو من بيت مرتضى من جنوب لبنان ، وهم من السادة الحسينيين.

٢- دير قانون : من قرى جبل عامل - لبنان - ، من أعمال مدينة صور ، تقع على ساحل البحر الأبيض.

٣- الموافق للستينات الميلادية.

٤- الصدر : هو محمد باقر بن حيدر بن إسماعيل الصدر (١٣٥٣ - ١٤٠٠ه) من علماء الإمامية ، استشهد في ٢٤ / جمادى الأولى ، له مؤلّفات منها : اقتصادنا ، فلسفتنا ، البنك اللاربوي في الإسلام.

٥- المجلس الشيعي : مجلس رسمي يهتم بقضايا الطائفة الإمامية في لبنان ، أسسه السيد موسى الصدر قبل عام ١٣٧٠ه.


وإلى جانب ذلك قام بتدريس ثلّة من الشباب المؤمن ، إلّا أنّ الظروف الأمنية الصعبة في الجنوب اللبناني جعلته يهاجر إلى أبيدجان(١) ، بعد عام ونصف قضاها في لبنان متحمّلاً مسؤولياته كعالم دين ، ولا زال يمارس مسؤولياته الدينية والاجتماعية والثقافية في أبيدجان.

أمّا عن شعره : فذكر لي أنّه بدأ بنظم الشعر أثناء ممارسته التعليم في المدارس الرسمية قبل هجرته إلى النجف ، وذلك عندما كان في أواخر العقد الثاني من عمره.

وقد نظم في كلّ الأغراض الشعرية آنذاك ، إلّا أنّه عدل عن ذلك فيما بعد وخصّص معظم نظمه في الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) وأهل بيته الأطهار (عليهم‌السلام ) إلى جانب المناسبات الإسلامية وغيرها ، وكوّن ديوانين من الشعر :

أحدهما ، بل أولاهما : ظلّت في ضمن مكتبته في النجف ؛ حيث لم يتمكّن من اصطحابه معه ، وكان معظمه من وحي النجف ، أي ما بين عام ١٣٨٥ه و١٤٠٠ه.

وثانيهما : ديوان شعر من نظم ما بعد الهجرة من النجف ، وهي من وحي لبنان وساحل العاج ، وهو لا زال مخطوطاً ، ومعظمهُ في النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) والآل (عليهم‌السلام ) ، وعلى الأخص شهيد كربلاء أبي عبد الله الحسين (عليه‌السلام ).

وله إلى جانب ذلك بعض الكتابات في موضوعات إسلامية إلّا أنّها لا زالت مخطوطة.

ومن شعره غير الحسيني قصيدة أنشأها في مولد الرسول الأعظم (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) - من الكامل - يقول في أوّلها :

عبقٌ يفوحُ بجوها و سماها

وسناً يذوبُ بسهلها وذراها

هذا يعطّرُ بالأريجِ شعابها

و بذا تلألأ روعة علياها

فتسيرُ أنفاسُ النسيمِ بليلة

همساتها خلفَ الهضابِ تناهى

وتسيلُ من رئةِ الصباحِ يسوقها

شوقٌ لتلثمِ الورودِ و شفاهها

وتذوبُ في وهجِ العناقِ بقبلة

كعروسِ صبّ عانقت لفتاها

وترينُ أورادَ الخميلِ بسكرها

وشافها حَبَبُ الندى يغشاها

وكأنّما موجُ النسيمِ سحائب

تشكو لصاديهِ الغصونُ هواها

وكأنّما الأوراقُ أشرعةٌ بها

قد أبحرت جذلاً بكلّ حباها

____________________

١- أبيدجان : عاصمة ساحل العاج في أفريقيا.


إلى أن يقول في آخرها :

بوركت مكة إيهِ منتجع الهدى

وحمى الفضيلةِ بل معينُ سقاها

أيّ الولائد يوم سعدكِ أنجبتْ

خيرَ الأنامِ محمّداً و بناها

ليحرّر العقلَ الضليل من الأذى

و الرقّ طُرّاً في القيودِ عماها

ويحيل من شعبٍ تطاول ليلُه

شعباً يطاول بالعلاء علاها

يا عيدُ غادرتِ الفضيلة أهلها

والشعب أدرج في سجلِ شقاها

وتبدلّت تلكَ المفاخرُ جلة

والناسُ تخبطُ في أشدّ بلاها

عذراً إليكَ رسالةً مفتوحة

وعظيم عذري لا أقلُّ لطاها

وله قصيدة أُخرى - من البسيط - في المولد النبوي الشريف أُلقيت بالمناسبة في احتفال أُقيم بأبيدجان عام ١٤٠٩ه وهي :

غمائمَ النور هلّي وامطري أدبا

في موسم الشعر في ذكرى الهدى ذهبا

وحوّلي الحرف في دنيا مآثرِه

نموذجاً من فريد الشعرِ ما كتبا

فثورةُ الشعر في مدحِ الهدى عصفت

تزجي الغرائبَ والإبداعَ و العجبا

وماردُ الشعر أضحى يومَ مولده

من قمقم الحرف في الأجواء منتصبا

يغدو القوافي ويُذْكي نارها أبدا

ويُطْلِقُ النَّغَمَ العِرفانَ ملتهبا

ويوقظُ الوترَ المشدودَ يرسله

معزوفة تذهب التغمام(١) والنَّصبا(٢)

عكاظ(٣) ماذا وشعر السوق سلعتُه

قُبِّحْتَ سوقاً يبيعُ الشعرَ والأدبا

هنا القريضُ هنا نفحُ الشذا أبدا

هنا المعاني هنا رِيّ الصَّدا عَذُبا

هنا الجمالُ هنا الإبداعُ قد شربت

منهُ القوافي كؤوساً والهوى شربا

قيامةُ الشعر قامت يومَ مولده

في كلّ صقع فهبّ الكونُ و اضطربا

وأَقبلت تملأ الدنيا بشائره

مدائحاً تخرقُ الآفاق و الحجبا

فالدينُ في فَرحٍ والكفرُ في ترح

والطيرُ في مرحٍ في الغصن قد طربا

والروضُ رحَّب مزهوّاً بمقدمه

والنهرُ أوشك من واديه أن يثبا

____________________

١- التغمام : من الغم وهو الحزن.

٢- النصب : التعب.

٣- عكاظ : من أسواق العرب الشهيرة قبل الإسلام ، وهي سوق موسمية تجتمع فيه القبائل لمدّة شهر يتفاخرون ويتبارون بما تجود به قرائح شعرائهم.


يا فرحةَ الأعين الجذلى وقُرَّتها

وبلسم المدنفِ(١) العاني إذا لَغِبا(٢)

إليكَ حبّي وتقديري وما ملكت

يداي بعضٌ من الحقّ الذي وجبا

وله أبيات - من الخفيف - أنشأها بمناسبة مولد الإمام أمير المؤمنين (عليه‌السلام ) ، وقد ألقاها في نهاية كلمته بالمناسبة :

أشرقَ البيتُ واستطال الضياء

وبدا الأفقُ مشرقاً والفضاء

وزها الركنُ فرحة والمصلّى

وصفا الجو واستطابَ الهواء

وبدا واجمُ الحطيمِ جذولا

بشرهُ اليوم بَيِّنٌ و الرجاء

يومَ جادَ الزمانُ بخير طفل

بعدَ طاها وباركتهُ السماء

بوليدٍ لم تعرفُ الأرضُ مثلا

لهُ لا لا ولا وَلَدْنَ النساء

لِعليٍ ومَنْ كمثلِ عَلي

لا يسامى جرى بهذا القضاء

بإمامٍ ما أنجبَ الدهرُ عِدْلا

لهُ زوجاً فكانتِ الزهراء

ومن قصيدة من البسيط - في مولد الإمام المهدي (عليه‌السلام )(٣) يقول في أوّلها :

هذي الخمائلُ في ذكراه تَأْتَلِق

والغصنُ رحَّب والأزهارُ و الورقُ

والطيرُ شادٍ على الأفنان(٤) مغتبط

مرفرفٌ راقصٌ لاهٍ بها نَزِقُ

والنهرُ سار وسارَ الخيرُ يصحبه

جذلان يسرعُ في الوادي وينطلقُ

والكونُ رحَّبَ كلّ الكون في فرح

والنورُ فاضَ وفاضَ الوهجُ والأَلْقُ

في كلّ ساح وناحٍ ذابَ لؤلؤه

والجو أشرفَ والأرجاءُ والأفقُ

في مولد وارف الأفياء يغمره

عطرُ الولاءِ لآلِ البيتِ و العبقُ

في مقدمِ القائم المهدي ومولده

هذي الحناجرُ بالترحابِ تنطلقُ

____________________

١- المدنف : المريض.

٢- لَغِبَ : تعبَ بشدة.

٣- المهدي : هو الإمام الثاني عشر من أئمّة الإمامية محمد بن الحسن العسكري ، ولد بسامراء في النصف من شعبان ٢٥٥ه ، وغاب عن الأنظار سنة ٢٦٠ ، وسيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعدماً مُلئت ظلماً وجوراً.

٤- الأفنان : الأغصان.


إلى أن يقول :

تغيرُ تزحفُ في صبحٍ وفي غسق

سيّان ذاكَ لديها الصبحُ و الغسقُ

فيها الليوثُ رجالُ(١) الحربِ من حضر

فيها الأشاوسُ فيها مَنْ لها خُلقوا

يمضون حتى يكون الفتحُ غايتهم

والأرضُ تُفتحُ(٢) والآمالُ تصطفقُ

ويورثُ العيشُ بعد الجدب(٣) في رغد

ويُمحى الخوفُ والبأساءُ والقَلَقُ

ويُطلقُ الكونُ من أسْرٍ أضَرَّ به(٤)

وتعتقُ النفسُ والأرواحُ تنعتقُ

وينشرُ العدلُ في الأرجاء رايتَه

ويأمنُ البحرُ والأجواءُ والطرقُ(٥)

عَجِّلْ فديتكَ يا ابنَ الأكرمينَ فها

كلّ الأراذل قد طالت لهم عنقُ

ولننتقل إلى شعره السياسي بعدما قدّمنا بعض العيّنات من الشعر الديني ، ومن ذلك قصيدة - من مجزوء الرمل - تحت عنوان ( قدس قسطال(٦) الأنين ) التي أنشأها في التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام ١٤١٧ه ، وقد ألقاها في مدينة أبيدجان الذي يقول في أوّلها :

قدسُ قدسُ المجد أنت

أنتِ قدسُ الأقدسين

أنت فوق المدح أنت

فوقَ وصف الواصفين

أنتِ كهفُ الله أنت

أنتِ كهفُ العالمين

ولعشّاق المنايا

ولكلّ الصامدين

أنتِ تبقين وتبقي

نَ ملاذُ اللائذين

رغم أنف الكفرِ لا بَلْ

رغم كلّ الحاقدين

وستبقين وتبقي

نَ على مرّ السنين

رغم كلّ الكرب والبل

وى و كيد الكائدين

____________________

١- في نسخة : ( ليوث ) بدل ( رجال ).

٢- في نسخة : ( وتفتح الأرضُ ).

٣- في نسخة : ( في حصب وفي رغد ) بدل ( بعد الجدب في رغد ).

٤- وقال الشاعر محمد علي آل كمونة - من البسيط - :

عجّل لعلكَ من أسرِ أضرَّ بنا تفكّنا وتولي دفنَ قتلانا

٥- في نسخة : ( وتأمن السبل والآفاق والطرق ).

٦- القسطال : قوس قزح ، حمرة الشفق ، ومنه أيضاً كثرة الغبار.


إلى أن يقول :

قدس أصبحتِ بيتم

بين قومٍ مجرمين

لا تنادِ اليوم يا قد

سُ فلا راعٍ أمين

خانكِ الأعراب يا قد

سُ فسل عنهم رابين(١)

أين عزّ المسلمين

أين عهدُ المسلمين

أفال حُرَّ أبيٌّ

وغيورٌ لا يلين

أفلا ليثٌ هصور

يقتل الوحش اللعين

يقتدي بالصيد بالأح

رار جيل الصامدين

بالغيارى ينسفون ال

أرضَ تحت المعتدين

بالأُباة الشوس عشّا

ق المنايا الثائرين

وجنود الليل أشبا

لِ الليالي الساهرين

____________________

١- رابين : هو إسحاق رابين ، رئيس وزارة إسرائيل السابق ، وفي عهده جرت مباحثات الصلح في أوسلو بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني ، وقّع مع ياسر عرفات والرئيس الأميريكي بيل كلينتون في أمريكا اتفاقية أُوسلو ، اغتيل عام ١٤١٦ه في تل أبيب.




الـمـُستَدْرَك



موضعها الطبيعي

بعد رقم (٣)

(٤٤)

إبراهيم بن أحمد الحضراني

١٣٣٨ -...ه = ١٩٢٠ -....م

هو الشاعر إبراهيم بن أحمد بن محمد الحضراني(١) اليمني ، ولد في بلدة خربة أبو يابس(٢) وذلك عام ١٣٣٨ه ، وترعرع في مسقط رأسه ودخل الكتاتيب ، وأخذ بدايات تعليمه من مشايخ بلدته ، وكان لوالده(٣) الأثر البالغ في ترسيخ ولاء أهل البيت (عليهم‌السلام ) عبر المقطوعات الشعرية التي كانت متداولة ، والتي منها ما ينسب إلى الصاحب بن عباد(٤) من البسيط :

لا عذّبَ اللهُ أُمّي أنّها شربت

حبَّ الوصي وغذّتنيه باللبنِ(٥)

وكانَ لي والدٌ(٦) يهوى أبا حسن

فصرتُ من ذا وذي(٧) أهوى أبا حسن

فكان لهاتين وأمثالهما من المقطوعات الولائية الأثر البالغ في بناء شخصيته الولائية والأدبية.

____________________

١- الحضراني : نسبة إلى حضران قرية في جبل الشرق من مدينة آنس.

٢- خربت أبو يابس : تابعة إدارياً لمدينة عنس (عنز).

٣- كان والده يعيش في تعز ويعمل في كنف ولي العهد اليماني أحمد بن يحيى حميد الدين من أئمّة الزيدية.

٤- الصاحب بن عباد : هو إسماعيل بن عباد ، الملقّب بالصاحب (٣٢٦ - ٣٨٥ه) الطالقاني الأصفهاني ، تولّى الوزارة للبويهيين ، كان شاعراً أديباً ، وعالماً فاضلاً ، وسياسياً محنّكاً ، مؤلّفاً قديراً ، من مؤلّفاته : عنوان المعارف ، الإقناع في العروض ، أحوال عبد العظيم.

٥- تردد في اليمن : ( واستقتنيه باللبن ).

٦- جاء ( أب ) بدل ( والد ).

٧- جاء في ترجمته ( وإنّني مثله أهوى أبا حسن ).


هاجر شاعرنا إلى مدينة ذمار(١) والتي كانت مركزاً لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، وفيها أخذ من فنون الفقه على يد السيد إسماعيل السوسوة(٢) .

ودرس فقه المذاهب الأُخرى عند الشيخ أحمد بن عبد الوهاب الوريث(٣) ، والشيخ علي بن حمود الديلمي(٤) ، والشيخ أحمد سلامة(٥) .

ثمّ إنّه انصرف إلى الأدب حيث استذوقها منذ نعومة أظفاره ، واستطعمها مع الرضاعة ، فاستهوى مجالس الأدباء والتردد عليهم ، وبدأ بمراسلتهم ، فراسل أُستاذه الوريث ، وكانت أوّل قصيدة - من مجزوء الرمل - نشرت ، وهذه مطلعها :

أيّها القائمُ بال

أمرِ الذي يرضي الكتاب

دَمُ لَيْلِ الجهلِ في الأُمْـ

ـ مَةِ بَدراً لَن يغاب

ثمّ إنّه انتقل إلى مدينة تعز(٦) حيث كان والده مقيماً بها ، وهناك التحق بمدرستها العلمية ، ودرس الأدب عند الأديب أحمد بن عثمان القدسي(٧) وغيره من الشعراء والأدباء ، واتّصل بأمثال السيد محمد الكوكباني(٨) ، والسيد يحيى بن الهادي(٩) .

كما تردد على عدد من المفكّرين ، كالسيد أحمد الشامي(١٠) ؛ ومن هنا جاء اتصاله بالأحرار(١١) في اليمن ، وكان يمدّهم

____________________

١- ذمار : مدينة تقع جنوب العاصمة صنعاء ، وشرق مدينة الحديدة الساحلية ، وهي قاعدة المحافظة.

٢- السوسوة : من علماء أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم‌السلام ) ، والمدرسين في مدينة ذمار.

٣- الوريث : كان رئيس مجلة الحكمة اليمانية ، وهو أحد المفكّرين الأدباء ، وبيت معروف بالفضل والأدب في مدينة ذمار.

٤- الديلمي : من العلماء الأفاضل ومدرسي الفقه بمدينة ذمار.

٥- سلامة : من العلماء الأفاضل ومدرسي الفقه والحديث بمدينة ذمار.

٦- تعز : قاعدة محافظة في جنوب اليمن تقع في منتصف طريق صنعاء وعدن تقريباً.

٧- القدسي : من المشايخ الفضلاء والأدباء والشعراء بمدينة تعز.

٨- الكوكباني : من أشراف الزيدية.

٩- الهادي : من أشراف الزيدية ، حاكم مدينة صبر آنذاك.

١٠- الشامي : هو أحمد بن محمد ، ولد في مدينة الضالع باليمن عام ١٣٤٢ه ، أديب شاعر ، سياسي كاتب ، تولّى المناصب في الدولة ، كالوزارة والسفارة ، تولّى سفارة لندن وباريس ، من آثاره : تاريخ اليمن الفكري ، النفس الأولى ، شعراء اليمن.

١١- الأحرار : حركة كانت تطالب بالإصلاح في اليمن عُرفت بحركة الدستور.


بشعره ، وكانت أوّل قصيدة نشرت له في صوت اليمن التي تتولّاها المعارضة ، وذلك تحت عنوان نشيد الأحرار - من مجزوء الخفيف - والتي مطلعها :

إن يكنْ بادَ مجدنا

وهوى ركنه المشيد

وفي عام ١٣٦٧ه قام الأحرار بانقلاب فاشل(١) ، فأُلقي القبض عليه في مجموعة كبيرة من الأحرار إلّا أنّه أُفرج عنه ولو بعد حين.

تولّى مهام إدارية منها : عضو الوفد اليمني في الجامعة العربية بالقاهرة ، ومستشار ثقافي في سفارة اليمن بالكويت ، وفي وزارة الثقافة باليمن ، من نتاجه الشعري المطبوع : ديوان القطوف الدواني.

هذا وله قصائد في الإمام الحسين (عليه‌السلام ) أوردناها في ديوان القرن الخامس عشر.

____________________

١- عُرفت بثورة ٤٨ ، التي نشبت في شهر بيع الثاني من عام ١٣٦٧ه بزعامة عبد الله بن أحمد الوزير ، وعلى أثرها اعتقل عدد كبير من الأدباء والمفكّرين والشعراء ، منهم أحمد الشامي الذي يذكر في مقدّمة كتابه تاريخ اليمن الفكري ١ / ٩ : ساقتني الأقدار مع قافلة العلماء والأدباء والوجهاء إلى معتقلات جمّة ، وكان السجن يضمّ الخيرة من رجالات اليمن علماً وأدباً ، وبينهم فطاحل الحفّاظ والفقهاء والقرّاء ، والشعراء والأدباء ، وزهرة شبّان صنعاء وذمار ، واب وتعز من طلبة العلم.وبعد مضي عامين سُمح بدخول الكتب إلينا ، وتحوّل السجن إلى جامعة علم وأدب.ومنها تخرّج عدد من الأدباء والشعراء والمؤلّفين، وفيها صنّف المصنّفات ، ومن نتائجها كان كتاب تاريخ اليمن الفكري.




هذا ما أمكن الحصول عليه.


الفهرس

مقدمة الناشر ٧

تمهيد ١٣

الشعر والشعراء ١٩

طبقات الشعراء ٢٢

المعجم ٣٦

لكلّ جواد كبوة ٤٥

نهاية المطاف ٥٠

شعراء قيد الدرس ٥٣

آمال بنت عبد القادر الزهاوي ٦٣

إبراهيم بن حسن التوبلي ٨٧

الـمـُستَدْرَك ٣٦١

الفهرس ٣٦٩


دائرة المعارف الحسينية معجم الشعراء الناظمين في الحسين (عليه‌السلام) الجزء الأوّل

دائرة المعارف الحسينية معجم الشعراء الناظمين في الحسين (عليه‌السلام) الجزء الأوّل

مؤلف: محمد صادق محمد الكرباسي
الناشر: المركز الإسلامي للدراسات
تصنيف: الإمام الحسين عليه السلام
الصفحات: 369