ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
الفهرس
الفهرس ٥
بسم الله الرحمن الرحيم ١٣
سورة البقرة ١٥
من الآية ٥٩ إلى آخر السورة ١٥
( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) ١٧
قال: كنت أفديك ٧٦
( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) : ١٠٠
( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) : ١٢٠
فقال: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ ١٦٠
( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ) : علما جبلين بمكّة ٢٠١
( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ) : ٢٥١
( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : ٣٠٣
( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) : ٣٥٠
( إِلَّا بِما شاءَ ) ، أي: بما يوحى إليهم ٤١٣
( وَقالُوا سَمِعْنا ) قولك ٤٧٦
بسم الله الرحمن الرحيم
ألحمد لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا وآله الطيّبين الطاهرين، ولاسيّما بقيّة الله في الأرضين، واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
النسخ التي أستفدنا منها في الربع الأوّل من التفسير
١ ـ نسخة موجودة في جامعة طهران، برقم ١٤، ورمزها (أ).
٢ ـ نسخة إلى آخر سورة المائدة، كتبت في حياة المؤلّف، بل في نفس سنة تأليف الكتاب.
وكانت هذه النسخة ضمن مخطوطات الأستاذ الشانهچي، ثمّ نقلت إلى مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد الإمام الرضا ـ عليه السّلام ـ وهي الأصل.
٣ ـ نسخة أخرى إلى نهاية سورة المائدة أيضا، نسخت هي الأخرى في نفس سنة التأليف. محفوظة في المكتبة المركزية بجامعة طهران، برقم ٧٣٥٣، ورمزها (ر).
ولا بد من توضيح مسألة: وهي أنّ متن النسخة ٢ (الأصل)، هو نفسه في النسخة ١ (أ)، مع شيء من الاختلاف في العبارات والمواضع التي حذفت وأبدلت بغيرها في الحاشية.
وقد كانت هذه الحواشي تذيل بعبارات مثل: منه، منه سلّمه الله، منه دام ظلّه العالي، منه أدام الله بقائه، أو صح.
ويلاحظ في الحاشية كلمات: «بلغ» و «بلغ قبالا».
وفي الواقع، فإن النسخة (٣)، هي عين النسخة (٢) التي توجد التصحيحات
والحواشي في متنها.
أمّا الإختلاف الموجود بين النسخة الأولى (أ)، والنسختين الأخريين، فهو يوضح أن نسخة التأليف الأوّل هي نفسها، ولكن، وبعد إنهاء الربع الأوّل من التفسير، أدعاء المفسّر النظر فيها وأدخل عليها بعض التصحيحات وأكملها.
كان ذلك بعدما تداولت الأيدي النسخة غير المصحّحة واستنسختها، حيث بقيت على تلك الحال.
وعلى هذا الأساس، جعلت النسخة ٢، التي تمَّ تصحيحها من قبل المفسِّر، أصلا.
وخلال التحقيق في سائر النسخ الموجودة، التي تحتوي على الربع الأوّل، لوحظ أنّ النسخة المرقّمة (٢٣٤٨) الموجودة في مكتبة آية الله المرعشي ـ دام ظلّه ـ، مطابقة لنسخة جامعة طهران برقم (١٤). وجميع النسخ ـ مع الأخذ بنظر الاعتبار المتن والحاشية ـ مطابقة للنسخة الأصل.
ولا بدّ من القول: إنّنا قد اعتمدنا في حلّ غوامض النسخة الأصل، على نسخة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، برقم (١٢٠٧٣).
حسين الدّرگاهي
سورة البقرة
من الآية ٥٩ الى آخر السورة
( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ )
أجمع(١) المفسِّرون على أنّ المراد بالقرية هاهنا، بيت المقدس. ويؤيّده قوله في موضع آخر: أدخلوا الأرض المقدّسة.
وقال ابن زيد: إنّها أريحا، قرية قريب بيت المقدس. وكان فيها بقايا من قوم عاد: وهم العمالقة. ورأسهم عوج بن عنق.(٢) أمروا به بعد التّيه.
( فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) واسعا بما شئتم، من أنواع طعام القرية.
وقيل(٣) : إنّ هذه إباحة لهم منه، لغنائمها وتملّك أموالها، إتماما للنّعمة عليهم.
ونصبه على المصدر، أو على الحال من الواو.
( وَادْخُلُوا الْبابَ ) ؛ أي: باب القرية الّتي أمروا بدخولها.
وقيل(٤) : باب القبّة الّتي كانوا يصلّون إليها.
وقيل(٥) : باب حطّة، من بيت المقدس. وهو الباب الثّامن.
ورجّح البيضاويّ(٦) الاحتمالين الأوّلين، بأنّهم لم يدخلوا بيت المقدس، في حياة موسى عليه السّلام.
وفيه(٧) : إنّهم أمروا بدخول الباب، بعد خروجهم من التّيه.
__________________
(١) أ: جمع
(٢) ر. مجمع البيان ١ / ١١٨.
(٣) نفس المصدر ١ / ١١٩.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٨
(٥) مجمع البيان ١ / ١١٩.
(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٨.
وقد توفّي موسى وهرون فيها، على ما مرّ سابقا.(١)
( سُجَّداً ) ، أي: مخبتين. أو ساجدين لله، شكرا على إخراجهم من التّيه.
( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، أي: مسألتنا. أو أمرت حطّة. وهي فعلة من الحطّ(٢) ، كالجلسة.
وقرئ بالنّصب، على الأصل، بمعنى: حطّ عنّا(٣) ذنوبنا، حطّة.
قال البيضاويّ(٤) : أو على أنّه مفعول «قولوا»، أي: قولوا هذه الكلمة.
وفيه(٥) : أنّه لا يكون مفعول القول، إلّا جملة مفيدة، أو مفردا يفيد معناها(٦) . كقلت شعرا. فالصّواب أن يقال حينئذ: معناه «قولوا أمرا حاطّا لذنوبكم.» وقيل(٧) : معناه: أمرنا حطّة، أي: أن نحطّ في هذه القرية. ونقيم بها.
وفي عيون الأخبار(٨) ، بإسناده إلى الحسن بن خالد، عن الرّضا، عليّ بن موسى ـ عليهما السّلام ـ عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لكلّ أمّة صدّيق وفاروق وصدّيق هذه الأمّة وفاروقها، عليّ بن أبي طالب. إنّ عليّا(٩) سفينة نجاتها وباب حطّتها.
وفي كتاب الخصال(١٠) ، في مناقب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وتعدادها، قال عليّ ـ عليه السّلام: وأمّا العشرون: فإنّي سمعت رسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول [لي](١١) : مثلُك في أمّتي، مثل باب حطّة في بني إسرائيل. فمن دخل [في](١٢) ولايتك، فقد دخل الباب، كما أمره الله ـ عزّ وجلّ.
وفيه(١٣) ، يقول أمير المؤمنين في حديث طويل ونحن باب حطّة.
وفي كتاب التّوحيد(١٤) ، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في خطبة: أنا باب حطّة.
__________________
(١) يأتي عن تفسير القمي، في تفسير سورة المائدة ـ إن شاء الله.
(٢) العبارة الأخيرة، ليس في أ. (٣) أ: منّا
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٨. (٦) يوجد في أ.
(٧) نفس المصدر. (٨) عيون أخبار الرضا ـ ٢ / ١٢، صدر ح ٣٠.
(٩) المصدر: إنّه. (١٠) الخصال / ٥٧٤.
(١١) يوجد في المصدر. (١٢) يوجد في المصدر.
(١٣) نفس المصدر. (١٤) التوحيد ١٦٤ ـ ١٦٥، ضمن ح ٢.
وفي روضة الكافي(١) ، خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وهي خطبة الوسيلة، قال فيها ـ عليه السّلام: ألا وإنّي فيكم، أيّها النّاس! كهارون في آل فرعون وكباب حطّة في بني إسرائيل].(٢)
[وفي مجمع البيان](٣) : وروي عن الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: نحن باب حطّتكم.
( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ ) بسجودكم ودعائكم.
وقرئ بالياء(٤) . وابن عامر بالتّاء، على البناء للمفعول.
و «خطايا» أصله خطائي، كخطائع.
فعند سيبويه أبدلت الياء الزّائدة، همزة، لوقوعها بعد الألف. واجتمعت همزتان، فأبدلت الثّانية ياء. ثمّ قلبت ألفا وصارت الهمزة بين ألفين، فأبدلت ياء.
وعند الخليل، قدّمت الهمزة على الياء، ثمّ فعل بهما ما ذكر.
( وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) (٥٨) ثوابا.
جعل الامتثال توبة(٥) للمسيء وإحسانا. وأخرجه عن صورة الجواب، إشعارا بأنّ الزّيادة، تفضّل منه تعالى، كما قال تعالى(٦) :( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) .
[وفي شرح الآيات الباهرة(٧) : قال الإمام ـ عليه السّلام: قال الله تعالى: واذكروا، يا بني إسرائيل!( إِذْ قُلْنَا ) لأسلافكم( ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) وهي أريحا، من بلاد الشّام.
وذلك حين خرجوا من التّيه.( فَكُلُوا مِنْها ) ، أي: من القرية،( حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) واسعا، بلا تعب.( وَادْخُلُوا الْبابَ ) ـ باب القرية ـ( سُجَّداً ) . مثّل الله تعالى على الباب، مثال محمّد وعليّ. وأمرهم أن يسجدوا لله، تعظيما لذلك المثال. ويجدّدوا على أنفسهم، بيعتهما وذكر موالاتهما. ويذكروا العهد والميثاق المأخوذين عليهم، لهما.( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، أي: قولوا إنّ سجودنا لله، تعظيما لشأن محمّد وعليّ. واعتقادنا بولايتهما، حطّة لذنوبنا ومحو لسيّئاتنا. قال الله ـ عزّ وجلّ:( نَغْفِرْ لَكُمْ ) بهذا الفعل( خَطاياكُمْ ) السّالفة ونزيل عنكم
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٠.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ. والحديث في مجمع البيان ١ / ١١٩.
(٤) قيل في أنوار التنزيل ١ / ٥٨: وقرأ نافع بالياء.
(٥) أ: توجّه.
(٦) فاطر / ٣٠.
(٧) شرح الآيات الباهرة / ٢٠.
آثامكم الماضية.( وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) من كان فيكم لم (يقارف(١) ) الذّنوب الّتي قارفها(٢) من خالف الولاية و (ثبت)(٣) على ما أعطى الله من نفسه، من عهد الولاية. فإنّا نزيد(٤) بهذا الفعل، زيادة(٥) درجات ومثوبات. [و](٦) ذلك قوله تعالى( وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) ](٧)
( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) ، أي: فخالف الّذين عصوا. ففعلوا غير ما أمروا أن يفعلوه. وقالوا غير ما أمروا أن يقولوه. واختلف في ذلك الغير: فقيل: إنّهم قالوا بالسّريانيّة: هطا سمقاثا(٨) . ومعناه حنطة حمراء فيها شعيرة وكان قصدهم في ذلك الاستهزاء ومخالفة الأمر(٩) وقيل: إنّهم قالوا حنطة، تجاهلا واستهزاء. وكانوا قد أمروا أن يدخلوا الباب، سجّدا. وطؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك. فدخلوه زاحفين على أستاههم. فخالفوا في الدّخول، أيضا.
( فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) :
كرّره مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارا بأنّ الإنزال عليهم، لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه، أو على أنفسهم، بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها.
( رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) (٥٩): عذابا مقدّرا من السّماء، بسبب فسقهم.
و «الرّجز» في الأصل، ما يعاف عنه. وكذلك الرّجس. وقرئ بالضّمّ وهو لغة فيه. والمراد به الطّاعون. روى أنّه مات به في ساعة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم وشيوخهم. وبقي الأبناء. فانتقل عنهم العلم والعبادة. كأنّه يشير إلى أنّهم عوقبوا بإخراج
__________________
(١) المصدر: يفارق.
(٢) المصدر: فارقها.
(٣) المصدر: تثبّت.
(٤) المصدر: نزدهم.
(٥) المصدر: بزيادة.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) ر: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا صمقاثا.
أ: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هطا سمقاثا. وقال بعضهم: حطا سمقاثا.
مجمع البيان ١ / ١١٩: إنّهم قالوا بالسريانيّة: هاطاسماقاتا. وقال بعضهم حطا سماقاتا.
(٩) أ: الأمور.
الأفاضل من بينهم(١) .
قال النّبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ في الطّاعون(٢) : إنّه رجز. عذّب به بعض الأمم الّذين قبلكم.
[وفي أصول الكافي(٣) : أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله، عن محمّد بن الفضيل(٤) ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: نزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بهذه الآية على محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ هكذا: فبدّل الّذين ظلموا آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ حقّهم، قولا غير الّذي قيل لهم، فأنزلنا على الّذين ظلموا آل محمّد حقّهم، رجزا من السماء بما كانوا يفسقون.
وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : قال الإمام ـ عليه السّلام: إنّهم لم يسجدوا كما أمروا.
ولا قالوا بما أمروا. ولكن دخلوها مستقبليها بأستاههم(٦) . وبدّلوا(٧) حطّة. فقالوا: حنطة حمراء ينقّونها(٨) أحبّ إلينا من هذا الفعل.
فأنزل الله على الّذين [ظلموا و](٩) بدّلوا ما قيل لهم ولم ينقادوا لولاية(١٠) محمّد وعليّ وآلهما الطّيبين الرّجز. قال الله تعالى:( فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ، أو غيّروا وبدّلوا( ، رِجْزاً مِنَ السَّماءِ، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) ، أي: يخرجون عن أمر الله وطاعته.
قال: والرّجز الّذى أصابهم، أنّه مات منهم في بعض يوم مائة وعشرون ألفا. وهم من علم الله تعالى منهم أنّهم لا يؤمنون ولا يتوبون. ولم ينزل الرّجز على من علم الله أنّه يتوب أو يخرج من صلبه ذرّية طيّبة توحّد الله وتؤمن بمحمّد وتعرف موالاة عليّ وصيّه وأخيه].(١١)
( وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ) لـمّا عطشوا في التّيه.
( فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ) :
اللّام فيه، للعهد، على ما روى أنّه كان حجرا طوريّا مربّعا حمله(١٢) معه.
وكان
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٥٨، مجمع البيان ١ / ١٢٠
(٢) تفسير الطبري ١ / ٢٤٢.
(٣) الكافي ١ / ٤٢٣، ح ٥٨.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: الفضل.
(٥) شرح الآيات الباهرة / ٢٠.
(٦) المصدر: مستقبلوها بسيئاتهم.
(٧) كذا في المصدر وفي الأصل ور: قالوا. (٨) المصدر: ينفقونها.
(٩) ليس في المصدر. (١٠) المصدر: بولاية.
(١١) ما بين المعقوفتين، ليس في أ. (١٢) أ: معمله.
ينبع(١) من كلّ وجه ثلاث أعين. تسيل كلّ عين في جدول إلى سبط. وكانوا ستّمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلا.
أو حجرا أهبطه آدم من الجنّة. فتوارثوه حتّى وقع إلى شعيب. فدفعه إليه مع العصا.
أو الحجر الّذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة. ففرّ(٢) به. فقال له جبرئيل: يقول الله تعالى: ارفع هذا(٣) الحجر. فإن لي فيه قدرة ولك معجزة. فحمله في مخلاته.
وقيل: كانت حجرة فيها اثنتا عشرة حفرة وكان الحجرة من الكران وهي حجارة رخوة كأنّها مدرة. وكان يخرج من كل حفرة عين ماء عذب فرات، فيأخذونه. فإذا فرغوا وأراد موسى حمله، ضربه بعصاه، فيذهب الماء.
أو للجنس، أي: اضرب الشيء الّذي يقال له الحجر.
قال الحسن: وهذا أظهر في الحجّة. وأبين في القدرة.
روى أنّهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة. فحمل حجرا في مخلاته. فحيثما نزلوا، ألقاه. وكان يضربه بعصاه، فينفجر. ويضربه بها، فييبس.
فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا.
فأوحى الله إليه: لا تقرع الحجارة. وكلّمها تعطك. لعلّهم يعتبرون.
وروي أنّه كان ذراعا في ذراع.
وروى أنّه كان على شكل رأس الإنسان. والعصا كانت عشرة أذرع على طول موسى، من آس الجنّة. وله شعبتان تتّقدان في الظّلمة(٤) .
[وفي مجمع البيان:(٥) وعن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ثلاثة أحجار من الجنّة: مقام إبراهيم وحجر بني إسرائيل والحجر الأسود].(٦)
( فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ) :
__________________
(١) أ: يتبع.
(٢) أ: ففسر.
(٣) أ: إليّ هذا.
(٤) توجد الفقرات الماضية في الكشاف ١ / ١٤٤، مجمع البيان ١ / ١٢٠ ـ ١٢١ وأنوار التنزيل ١ / ٥٨.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٠٣.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
«الانفجار»: الانشقاق. والانبجاس أضيق منه. فيكون أوّلا انبجاس، ثمّ يصير انفجارا. أو الانبجاس عند الحاجة إليه. والانفجار عند الاحتياج إليه. أو الانبجاس عند الحمل. والانفجار عند الوضع. فلا منافاة بينه وبين ما ذكر في سورة الأعراف(١) : «فانبجست».
والجملة جواب شرط محذوف. تقديره: فإن ضربت، فقد انفجرت. أو معطوفة على محذوفة. تقديره: فضرب، فانفجرت، كما مرّ في قوله( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) وقرئ عشرة (بكسر الشّين وفتحها). وهما لغتان.
( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ) : كلّ سبط،( مَشْرَبَهُمْ ) : عينهم الّتي يشربون منها.
( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) ، على تقدير القول، أي: وقلنا لهم.
( مِنْ رِزْقِ اللهِ ) : يريد به ما رزقهم الله، من المنّ والسّلوى وماء العيون. وقيل: الماء وحده. لأنّه شرب. ويؤكل ما ينبت به(٢) .
[وفي كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ (ره):(٣) روى موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام. قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في أثناء كلام طويل: فإنّ موسى ـ عليه السّلام ـ قد أعطي الحجر: فانبجست منه أثنتا عشرة عينا.
قال له عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك. ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا نزل الحديبية وحاصره أهل مكّة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك. وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه الظّمأ وأصابهم ذلك حتّى التفّت خواصر الخيل. فذكروا ذلك له ـ عليه السّلام.
فدعا بركوة يمانيّة. ثمّ نصب يده المباركة فيها. فتفجّرت من بين أصابعه عيون الماء. فصدرنا وصدرت الخيل رواء. وملأنا كلّ مزادة وسقاء. ولقد كنّا معه بالحديبية. وإذا ثمّ قليب جافّة. فأخرج ـ صلّى الله عليه وآله ـ سهما من كنانته. فناوله البراء بن عازب. فقال له: اذهب بهذا السّهم إلى تلك القليب الجافّة. فاغرسه فيها. ففعل ذلك. فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، من تحت السّهم. ولقد كان يوم الميضاة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوّته ،
__________________
(١) الأعراف / ١٦٠
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٩.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٢٥.
كحجر موسى، حيث دعا بالميضاة. فنصب يده فيها. ففاضت بالماء. وارتفع حتّى توضّأ منه ثمانية آلاف رجل. وشربوا حاجتهم. وسقوا دوابّهم. وحملوا ما أرادوا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى أبي الجارود، زياد بن المنذر. قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ إذا خرج القائم من مكّة، ينادي مناديه: ألا لا يحمل أحد(٢) طعاما ولا شرابا وحمل معه حجر موسى بن عمران. وهو وقر بعير. فلا ينزل(٣) منزلا إلا انفجرت منه عيون. فمن كان جائعا، شبع، ومن كان ظمآنا، روي، ورويت دوابّهم، حتّى ينزلوا النّجف، من ظهر الكوفة.
وفي الخرائج والجرائح(٤) ، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ مثله. وزاد في آخره: فإذا نزلوا ظاهره انبعث منه الماء واللّبن، دائما. فمن كان جائعا، شبع. ومن كان ظمآنا، روي.
وفي أصول الكافي(٥) ، عن أبي سعيد الخراسانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ وذكر مثل ما في كمال الدّين وتمام النّعمة، إلّا قوله ورويت دوابّهم (الخ)](٦)
( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (٦٠): لا تعتدوا حال إفسادكم.
وإنّما قيّده وإن كان العثيّ لا يكون إلّا فسادا. لأنّه يجوز أن يكون فعل ظاهره الفساد، وباطنه المصلحة، كقتل الخضر الغلام وخرقه السّفينة. فبيّن أنّ فعلهم، هو الفساد، ظاهرا وباطنا. ويقرب منه العبث. غير أنّه يغلب فيما يدرك حسّا.(٧) وجعل بعضهم الحال، مؤكّدة.
فإن قيل كيف يجتمع ذلك الماء الكثير في ذلك الحجر الصّغير؟
أجيب بأنّ ذلك من آيات الله الباهرة والأعاجيب الظّاهرة الدّالّة على أنّه من فعل الله. فإنّه لـمّا أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشّعر وينفر الخلّ ويجذب الحديد ،
__________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة / ٦٧٠ ـ ٦٧١، ح ١٧.
(٢) المصدر: أحدكم.
(٣) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: ولا ينزل.
(٤) تفسير نور الثقلين ١ / ٨٤، نقلا عن الخرائج والجرائح، مع اختلاف بسيط.
(٥) الكافي ١ / ٢٣١، ح ٣.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) أ: حيّا.
لم يمتنع أن يخلق في حجر، أو أحدث في كلّ حجر، قوّة بجذب الماء، من تحت الأرض، أو يجذب الهواء من الجوانب ويصير الماء بقوة التّبريد ونحو ذلك.
ولي هناك فائدة يجب أن ينبه عليها. فأقول: الممتنع إمّا ممتنع بأيّ اعتبار أخذ، أو باعتبار طبيعته، وحقيقته، مع قطع النّظر عن غيره، أو باعتبار العادات والرّسوم. فالأوّل، كشريك البارئ. والثّاني، ككون الكبير في الصّغير. والثّالث، ككون الحنطة خلّا.
والممتنع بالقياس إليه تعالى، هو الأوّل دون الثّانيين. فتأمّل! فإنّه يحتاج إلى لطف تأمّل.
[وفي شرح الآيات الباهرة:(١) قال الإمام ـ عليه السّلام: واذكروا، يا بني إسرائيل!( إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ ) ، طلب لهم السّقيا، لـمّا لحقهم العطش في التّيه، وضجّوا بالنّداء إلى موسى، وقالوا هلكنا بالعطش، فقال موسى: «إلهي بحقّ محمّد سيّد الأنبياء وبحقّ عليّ سيّد الأوصياء وبحقّ فاطمة سيّدة النّساء وبحقّ الحسن سيّد الأولياء وبحقّ الحسين سيّد الشّهداء وبحقّ عترتهم وخلفائهم الأزكياء لـمّا سقيت عبادك هؤلاء الماء. اعتبار فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى:( اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ) .
فضربه بها.( فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ) ، أي: كلّ قبيلة، من بني أب، من أولاد يعقوب( مَشْرَبَهُمْ ) فلا يزاحم الآخرين في مشربهم.
[قال الله تعالى :](٢) ( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ ) الّذى اتاكموه!( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) ، أي: ولا تعثوا(٣) وأنتم مفسدون عاصون.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من أقام على موالاتنا أهل البيت، سقاه الله من محبّته، كأسا لا يبغون به بدلا ولا يريدون سواه كافيا ولا كالئا ولا ناصرا. ومن وطّن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا، جعله الله يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كلّ من تضمّنته تلك العرصات أبصارهم عمّا يشاهدون من درجاته(٤) وإن كلّ واحد منهم ليحيط بما له من درجاته كإحاطته في الدّنيا يتلقاه(٥) بين يديه.
ثمّ يقول له: وطّنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمّد وآله الطّيّبين، قد جعل الله إليك ومكّنك في تخليص كلّ من يجب تخليصه من أهل الشّدائد في هذه العرصات. فيمدّ
__________________
(١) شرح الآيات الباهرة / ٢١.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: تسعوا.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: درجاتهم.
(٥) المصدر: تتلقّاه.
بصره فيحيط به. ثمّ ينتقد(١) من أحسن إليه أو برّه في الدّنيا، بقول أو فعل أو ردّ غيبة أو حسن محضر أو إرفاق(٢) ، فينتقده(٣) من بينهم، كما ينتقد الدّرهم الصّحيح من المكسور. يقال له: اجعل هؤلاء في الجنّة، حيث شئت. فينزلهم جنان ربّنا.
ثمّ يقال له: وقد جعلنا لك ومكّنّاك في إلقاء من تريد في نار جهنم. فيراهم.
فيحيط بهم. فينتقده(٤) من بينهم، كما ينتقد الدّينار من القراضة. ثمّ يصيّره في النّار. [ثمّ يقال له: صيّرهم من النّار، حيث تشاء. فيصيّرهم إلى حيث يشاء من مضايق النّار].(٥) فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله: إذا كان أسلافكم إنّما دعوا إلى موالاة محمّد وآله الطّيّبين، فأنتم يا من شاهدتموه، فقد وصلتم إلى الغرض والمطلب الأفضل، إلى مولاة محمّد وآله. ألا فتقرّبوا إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بالتّقرّب إلينا. ولا تتقرّبوا من سخطه، تباعدوا(٦) من رحمته بالازورار(٧) عنّا](٨) ( وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ) : يريد به ما رزقوا في التّيه، من المنّ والسّلوى وبوحدته أنّه لا يتبدّل، كقولهم: طعام مائدة الأمير واحد. يريدون أنّه لا يتغيّر ألوانه. ولذلك أجموا، أو ضرب واحد. لأنّهما معا طعام أهل التّلذّذ. وهم كانوا فلاحة. فنزعوا إلى عكرهم. واشتهوا إلى ما ألفوه.(٩) وقيل(١٠) : إنّه كان ينزل عليهم [المنّ وحده. فملّوه. فقالوا ذلك. فأنزل عليهم](١١) السّلوى، من بعد ذلك.
( فَادْعُ لَنا رَبَّكَ ) : سله، لأجلنا، بدعائك إيّاه.
( يُخْرِجْ لَنا ) : يظهر لنا.
وجزمه، بأنّه جواب الأمر المذكور.
( مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ) : من إسناد الفعل إلى القابل. و «من» للتّبعيض. والعائد
__________________
(١) المصدر: فينقذ.
(٢) المصدر: إنفاق.
(٣) المصدر: فينقده.
(٤) المصدر: فينقده.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: وتتباعدوا.
(٧) الأصل ور: بالازوراء.
(٨) ما بين القوسين ليس في أ.
(٩) أ: القوه.
(١٠) مجمع البيان ١ / ١٢٤.
(١١) ليس في أ.
إلى الموصول، محذوف.
( مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها ) :
بيان وقع موقع الحال. وقيل: بدل بإعادة الجار. والبقل ممّا أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطائبه الّتي تؤكل. والفوم، الحنطة. ويقال للخبز. ومنه فوموا لنا، أي :
اخبزوا. وقيل: الثّوم. ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود: وثومها. وقرئ قثّائها. (بالضّمّ) وهو لغة فيه(١) .
واختلف في أنّ سؤالهم هذا، هل كان معصية؟
فقيل: لا لأنّ الأوّل كان مباحا. فسألوا مباحا آخر.
وقيل: بل كان معصية. لأنّهم لم يرضوا بما اختاره الله لهم. وبذلك ذمّهم على ذلك. وهو أوجه.(٢) ( قالَ ) ، أي: الله أو موسى.
( أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى ) : أقرب منزلة.
وأصل الدّنوّ، القرب في المكان. فاستعير للحسنة، كالعبد في الشّرف والرّفعة.
فقيل: بعيد المحل، بعيد الهمّة.
وقرئ أدناء، من الدّناءة.
وحكى الأزهريّ،(٣) عن أبي زيد: الدنيّ (بغير همزة الخسيس).
( بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) :
يريد به المنّ والسّلوى. فإنّه خير في اللّذة والنّفع وعدم الحاجة إلى السّعي.
( اهْبِطُوا ) :
وقرئ بالضّمّ، أي: انحدروا من التّيه. يقال: هبط الوادي، إذا نزل به. وهبط منه، إذا خرج منه.
( مِصْراً ) :
أراد به مصرا من الأمصار. وهو البلد العظيم. وأصله القطع، لانقطاعه بالعمارة عمّا سواه. وقيل(٤) : أصله الحدّ بين الشّيئين.
__________________
(١) يوجد الفقرات الماضية، في أنوار التنزيل ١ / ٥٩.
(٢) ر. مجمع البيان ١ / ١٢٤.
(٣) ر. مجمع البيان ١ / ١٢٢.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٩.
قال الشّاعر(١) :
وجاعل الشّمس مصرا لا خفاء به |
بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا |
أو العلم. وصرفه لسكون وسطه، أو على تأويل البلد. ويؤيّده أنّه غير منوّن في مصحف ابن مسعود. وقيل: أصله مصرائيم.(٢) فعرب.(٣) فصرفه للتّصرّف في العجميّة، بالتّعريب(٤) .
( فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) :
جعلت الذّلّة والمسكنة محيطتين بهم مشتملتين(٥) عليهم. فهم كما يكون في القبّة من ضربت عليه أو الصقتا(٦) بهم، حتّى لزمتاهم ضربة لازب، كما تضرب الطّين على الحائط، فيلزمه مجازاة فهم على كفران النّعمة، فاليهود أذلّاء أهل مسكنة: إمّا على الحقيقة، وإمّا لتصاغرهم وتفاقرهم مخافة أن تضاعف عليهم الجزية.
والمراد بالذّلّة، الهوان بأخذ الجزية، وبالمسكنة، كونهم بزيّ الفقراء. فترى المثريّ منهم يتمسكن مخافة أن تضاعف عليهم الجزية. أو المراد بالذّلّة، ما يشمل المعنيين، وبالمسكنة فقر القلب. لأنّه لا يوجد يهوديّ غنيّ النّفس. وقال النّبيّ(٧) ـ صلّى الله عليه وآله: الغنى، غنى النّفس.
( وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) :
رجعوا به من باء إذا رجع. أو صاروا أحقّاء بغضبه، من باء فلان بفلان، إذ كان حقيقا بأن يقتل به.
وأصل البوء، المساواة.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما سبق، من ضرب الذّلّة والمسكنة والبوء بالغضب، كائن لهم.
( بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ ) بسبب كفرهم بالمعجزات، أو بالكتب المنزلة وآية الرّجم والّتي فيها نعت محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من الكتب وقتلهم الأنبياء، كزكريّا ويحيى وغيرهما ـ عليهم السّلام ـ بغير حقّ عندهم، إذ
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٢٢. والشاعر، عدي بن زيد، على ما ذكر في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: مصرائم.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٥٩.
(٤) أ: بالتعريف.
(٥) أ: مشتملة.
(٦) أ: التصقتا.
(٧) مجمع البيان ١ / ١٢٤.
لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم. وإنّما حملهم على ذلك اتّباع الهوى. وهذا أشنع من أن يقتلوه بشيء يعتقدونه(١) جرما حقّا باعتقادهم الفاسد.
( ذلِكَ ) ، أي: الكفر بالآيات وقتل الأنبياء، صدر عنهم.
( بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) (٦١) بسبب عصيانهم وتماديهم فيه.
فإنّ التّمادي في ضعاف الذنوب، يؤدّي إلى شدادها، كما أنّ المواظبة على صغار الطّاعات، يؤدّي إلى تحرّي كبارها.
قال صاحب الكشّاف(٢) : كرّر الإشارة، للدّلالة على أنّ ما لحقهم، كما هو بسبب الكفر والقتل، فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله.
وفيه نظر(٣) . لأنّه لو كان التّكرير لذلك، لكفى فيه أن يقول وبما عصوا. وقال: وعلى تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى الكفر والقتل، يجوز أن تكون «الباء» بمعنى مع، أي: ذلك الكفر والقتل، مع ما عصوا. والأحسن ما قرّرناه، لرعاية اتّساق الكلام.
وإنّما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين، على تأويل ما ذكر، أو ما تقدّم، للاختصار. ونظيره في الضّمير قول رؤبة :
فيه خطوط من سواد وبلق |
كأنّه في الجلد توليع البهق |
فإن قيل كيف يجوز التّخلية بين الكفّار وقتل الأنبياء؟ أجيب بأنّه إنّما جاز ذلك، لينال أنبياء الله سبحانه من رفع المنازل والدّرجات، ما لا ينالونه بغير القتل. قال الشّيخ الطّبرسيّ(٤) : وليس ذلك بخذلان لهم، كما أنّ التّخلية بين المؤمنين والأولياء والمطيعين وبين قاتليهم، ليست بخذلان لهم. (هذا كلامه.) والأجود التّفصيل، بأنّه ليس بخذلان، بمعنى إنزال العذاب وسوء عاقبة الدّار وغير ذلك مما ينبئ عن خذلان الآخرة وحرمان المثوبة. والمرويّ عن الحسن أنّ من(٥) قتل من الأنبياء، قد قتل بغير قتال. وأنّ الله لم يأمر نبيّا بالقتال، فقتل فيه.
والمذكور في مجمع البيان(٦) . «أنّ الصّحيح، أنّ النّبيّ إن كان لم يؤدّ الشّرع الّذي أمر بتأديته، لم يجز أن يمكّن الله سبحانه من قتله. لأنّه لو مكّن من ذلك، لأدّى إلى أن يكون
__________________
(١) أ: يعتقدوه.
(٢) الكشاف ١ / ١٤٦.
(٣) أ: نظرا.
(٤) مجمع البيان ١ / ١٢٥.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل ور: ما
(٦) مجمع البيان ١ / ١٢٥.
المكلّفون غير مزاحي العلّة في التّكليف وفيما لهم من الألطاف والمصالح. فأمّا إذا أدّى الشّرع، فحينئذ يجوز أن يخلّي الله بينه وبين قاتليه. ولم يجب عليه المنع من قتله» والملازمة(١) الّتي ادّعاها، منع بأنّه يجوز أن يكون إزاحة العلل بإرسال النّبيّ وإظهار المعجزة على يده وقتله بسوء صنيعهم بعد ثبوت نبوّته وإعجازه ناشئ من تهاونهم في نصره وتآزرهم على دفعه. فهم مفوّتون تبليغه بسوء فعلهم. فهم غير معذورين بعدم تبليغه.
[وفي أصول الكافي(٢) : يونس، عن ابن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وتلا هذه الآية( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) قال: والله ما قتلوهم بأيديهم.
ولا ضربوهم بأسيافهم. ولكنّهم سمعوا أحاديثهم، فأذاعوها. فأخذوا عليها. فقتلوا. فصار قتلا واعتداء ومعصية].(٣)
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بألسنتهم. يريد به المتديّنين بدين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ المخلصين منهم والمنافقين.
وقال صاحب الكشّاف(٤) : «يريد المنافقين»، لانخراطهم في سلك الكفرة.
والأوّل أولى، لعموم الفائدة.
( وَالَّذِينَ هادُوا ) :
تهوّدوا. يقال: هاد وتهوّد، إذا دخل في اليهوديّة. و «يهود» إمّا عربيّ من هاد، إذا تاب سمّوا بذلك، لـمّا تابوا من عبادة العجل، أو من هاد إذا مال، لأنّهم مالوا عن الإسلام وعن دين موسى، أو من هاد إذا تحرّك، لأنّهم كانوا يتحرّكون عند قراءة التوراة، وإمّا معرّب يهوذا. وكأنّهم سمّوا باسم أكبر أولاد يعقوب ـ عليه السّلام.
واليهود اسم جمع، واحده يهوديّ، كالزّنجيّ والزّنج والرّوميّ والرّوم.
( وَالنَّصارى ) :
قال سيبويه(٥) : جمع نصران كالنّدامى.
وقيل(٦) : جمع نصريّ، مثل مهريّ ومهارى.
__________________
(١) أ: وعلى الملازمة.
(٢) الكافي ١ / ٣٧١، ح ٦.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) الكشاف ١ / ١٤٦.
(٥) مجمع البيان ١ / ١٢٦، بتصرف في النقل.
(٦) تفسير البحر المحيط ١ / ٢٣٩.
و «الياء» في نصرانيّ للمبالغة، كما في أحمريّ. سمّوا بذلك لأنّهم(١) نصروا المسيح، أو لأنّهم(٢) كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة.
وعلى تقدير أن يكون اسم القرية نصران، يحتمل أن يكون الياء للنّسبة.
[وفي عيون الأخبار(٣) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفي آخره قال: فقلت له: فلم سمّي النّصارى، نصارى؟
قال: لأنّهم من قرية اسمها النّاصرة(٤) ، من بلاد الشّام. نزلتها مريم وعيسى ـ عليهما السّلام ـ بعد رجوعهما من(٥) مصر.
وفي كتاب ثواب(٦) الأعمال(٧) ، بإسناده إلى حنان بن سدير. قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة، لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه ـ إلى قوله ـ ورجلان(٨) من بني إسرائيل. هوّدا قومهما. ونصّراهما.
وبإسناده إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ(٩) ، عن أبي الحسن الماضي ـ عليه السّلام ـ حديث طويل يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن قال «إنّ في النّار لواديا يقال له سقر. وإنّ في ذلك الوادي لجبلا. وإنّ في ذلك الجبل، لشعبا. وإنّ في ذلك الشّعب، لقليبا. وإنّ في ذلك القليب، لحيّة. وذكر شدّة ما في الوادي وما بعده من العذاب. وإنّ في جوف تلك الحيّة سبع(١٠) صناديق. فيها خمسة من الأمم السّالفة. واثنان من هذه الأمّة»، قلت، جعلت فداك! ومن الخمسة؟ ومن الاثنان؟
قال: أمّا الخمسة: فقابيل الّذي قتل هابيل ـ إلى قوله ـ ويهودا(١١) الّذي هوّد اليهود.
وبولس الّذي نصّر النّصارى].(١٢)
( وَالصَّابِئِينَ ) :
__________________
(١ و ٢) ليس في أ.
(٣) عيون الأخبار ٢ / ٧٩، ذيل ح ١٠.
(٤) المصدر: ناصرة.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: عن.
(٦) الأصل ور: عقايد. وهو خطأ.
(٧) ثواب الأعمال / ٢٥٥، ضمن ح ١.
(٨) المصدر: اثنان.
(٩) نفس المصدر / ٢٥٥ ـ ٢٥٦.
(١٠) المصدر: لسبع.
(١١) كذا في المصدر وفي الأصل ور: يهود.
(١٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
قيل: قوم بين النّصارى والمجوس. لا دين لهم.
وقيل(١) : أصل دينهم، دين نوح.
وقيل(٢) : هم عبدة الملائكة.
وقيل(٣) : عبدة الكواكب من صبأ، إذا خرج. وقرأ نافع، بالياء ـ وحدها. إمّا لأنّه خفّف الهمزة. أو لأنّه من صبا، إذا مال. لأنّهم مالوا من سائر الأديان، إلى دينهم، أو من الحقّ إلى الباطل.(٤) قال الشّيخ الطّبرسيّ(٥) : والفقهاء، بأجمعهم، يجيزون أخذ الجزية [منهم].(٦) وعندنا لا يجوز ذلك. [لأنّهم ليسوا بأهل كتاب](٧)
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ) قال: الصّابئون قوم لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمين. وهم يعبدون الكواكب والنّجوم].(٩)
( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً ) :
من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ، مصدّقا بقلبه بالمبدأ والمعاد، عاملا بمقتضى شرعه. ومن تجدّد منه الإيمان وأخلصه.
( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) الّذي وعدهم، على إيمانهم وعملهم.
( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٦٢) حين يخاف الكفّار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثّواب.
و «من»، مبتدأ، خبره «فلهم أجرهم.» والجملة خبر «إنّ»، أو بدل من اسم «إنّ» وخبرها «فلهم أجرهم.» و «الفاء» لتضمّن المسند إليه، معنى الشّرط. وقد منع سيبويه دخولها في خبر «إنّ»، من حيث أنّها لا تدخل الشّرطيّة. وردّ بقوله تعالى(١٠) :( إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) .
( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) :
__________________
(١ و ٢ و ٣ و ٤) أنوار التنزيل / ٦٠.
(٥) مجمع البيان ١ / ١٢٦.
(٦) يوجد في أور.
(٧) يوجد في أ، فقط.
(٨) تفسير القمي ١ / ٤٨.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) الجمعة / ٨.
مفعال من الوثيقة. وهو ما يوثق به من يمين أو عهد أو غير ذلك. يريد به العهد، باتّباع موسى والعمل بالتّوراة.
( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) : حتّى قبلتم الميثاق.
و «الطّور» في اللّغة، الجبل.
قال العجّاج(١) :
داني جناحيه من الطّور فمرّ |
تقضّي البازي إذا البازي كسر |
وقيل(٢) : إنّه اسم جبل بعينه. ناجى الله عليه موسى ـ عليه السّلام.
روي(٣) أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ لـمّا جاءهم بالتّوراة، فرأوا ما فيها من التّكاليف الشّاقّة، كبرت عليهم وأبوا قبولها. فأمر جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بقلع(٤) الطّور. فظلّله فوقهم، حتّى قبلوا.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال الصّادق ـ عليه السّلام: لـمّا أنزل الله التّورية على بني إسرائيل لم يقبلوه فرفع الله عليهم جبل طور سيناء فقال لهم موسى ـ عليه السّلام ـ إن لم تقبلوه وقع عليكم الجبل. فقبلوه. وطأطئوا رؤوسهم](٦)
( خُذُوا ) على إرادة القول،( ما آتَيْناكُمْ ) من الكتاب،( بِقُوَّةٍ ) : بجدّ وعزيمة.
روى العيّاشيّ(٧) ، أنّه سئل عن(٨) الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن قول الله تعالى( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ) ، أبقوّة بالأبدان؟ أم بقوّة بالقلوب؟
فقال: بهما، جميعا.
( وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ) :
قيل(٩) : معناه ادرسوه ولا تنسوه. أو تفكّروا فيه، فإنّه ذكر بالقلب(١٠) . أو اعملوا به.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٢٧.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) تفسير القمي ١ / ٤٩ الكشاف ١ / ١٤٧، مجمع البيان ١ / ١٢٨، أنوار التنزيل ١ / ٦١.
(٤) أ: بقطع.
(٥) تفسير القمي ١ / ٤٨.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٤٥، ح ٥٢.
(٨) كذا في المصدر وفي النسخ. ولعلها زائدة.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٦١.
(١٠) كذا في المصدر وفي النسخ. والظاهر: للقلب.
والمرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(١) أنّ معناه: اذكروا ما في تركه من العقوبة.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (٦٣) :
متعلّق «بخذوا»، أي: لكي تتّقوا، أو «باذكروا»، أي: رجاء منكم أن تكونوا متّقين، أو «بقلنا المقدّر»، أي: قلنا خذوا. واذكروا إرادة أن تتّقوا.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : قال الإمام ـ عليه السّلام: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لهم: واذكروا( إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ ) وعهودكم، أن تعملوا بما في التّوراة وما في الفرقان الّذى أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمّد وعليّ والطّيّبين من آلهما، أنّهم أفضل الخلق والقوّامون بالحقّ، وأخذنا ميثاقكم لهم أن تقرّوا به وأن تؤدّوه إلى أخلافكم وتأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم، ليؤمننّ بمحمّد نبيّ الله ويسلمون له ما يأمرهم به في عليّ وليّ الله عن الله وما يخبرهم به من أحوال خلفائه بعده القوّامون بحقّ الله، فأبيتم قبول ذلك واستكبرتموه، «فرفعنا فوقكم الطور» الجبل. أمرنا جبرئيل أن يقطع منه قطعة، على قدر معسكر أسلافكم. فجاء بها، فرفعها(٣) فوق رؤوسهم.
فقال موسى ـ عليه السّلام ـ لهم: إمّا أن تأخذوا بما أمرتم به فيه وإلا ألقى عليكم هذا الجبل؟
فالجئوا إلى قبوله كارهين، إلّا من عصمه الله من العباد. فإنّه قبله طائعا مختارا.
ثمّ لـمّا قبلوه سجدوا لله عفروا. وكثير منهم عفّر خدّيه لا إرادة الخضوع لله ولكن نظرا إلى الجبل، هل يقع أم لا؟ وآخرون سجدوا طائعين مختارين.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: احمدوا الله معاشر شيعتنا على توفيقه إيّاكم. فإنّكم تعفّرون في سجودكم، لا كما عفّره كفرة بني إسرائيل، ولكن كما عفّره خيارهم. وقال ـ عزّ وجلّ:( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ) ، أي: ما آتيناكم (من) هذه الأوامر والنّواهي، من هذا الأمر الجليل، من ذكر محمّد وعليّ وآلهما الطّيّبين( بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ) (٤) ممّا آتيناكم. واذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به وشديد عقابنا على
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٤٥، ح ٥٣، مجمع البيان ١ / ١٢٨.
(٢) شرح الآيات الباهرة / ٢٢.
(٣) المصدر: فرفعنا.
(٤) كذا في المصدر وفي هامش الأصل. وفي الأصل ور: فيما.
إبائكم،( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) المخالفة الموجبة للعقاب(١) ، فتستحقّوا بذلك جزيل الثّواب](٢) ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) : أعرضتم عن الوفاء بالميثاق، بعد أخذه.
( فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ) بالتّوبة، بعد نكثكم الميثاق الّذي وواثقتموه،( وَرَحْمَتُهُ ) بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ يدعوكم إلى الحقّ ويهديكم إليه،( لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٦٤) المغبونين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط والضّلال في فترة من الرّسل، أو بهما و «ولو» في الأصل، لامتناع الشيء، لامتناع غيره.
فإذا أدخل على لا أفاد إثباتا وهو امتناع الشيء لثبوت غيره. والاسم الواقع بعده عند سيبويه، مبتدأ، خبره واجب الحذف، لدلالة الكلام عليه وسدّ الجواب مسدّه، وعند الكوفيّين، فاعل فعل محذوف.
( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ) لـمّا اصطادوا السّموك فيه.
و «السّبت» مصدر. سبتت اليهود، إذا عظّمت يوم السّبت. وأصله: القطع. أمروا بأن يجرّدوه للعبادة فاعتدى ناس منهم في زمن داود. واشتغلوا بالصّيد.
( فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) (٦٥): مبعدين عن كلّ خير.
والخساء، هو الصّغار والطّرد.
وقرئ قردة. (بفتح القاف وكسر الرّاء) وخاسين (بغير همزة).
[وفي أصول الكافي:(٣) عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام: وكان من السّبيل والسّنّة الّتي أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ بها موسى ـ عليه السّلام ـ أن جعل عليهم السّبت فكان من أعظم السّبت. ولم يستحلّ أن يفعل فيه(٤) . ذلك من خشية الله. أدخله [الله](٥) الجنّة. ومن استخفّ بحقّه واستحلّ ما حرّم الله عليه، من العمل الّذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله ـ عزّ وجلّ ـ النّار. وذلك حيث استحلّوا الحيتان، واحتبسوها، وأكلوها يوم السّبت، غضب الله عليهم، من غير أن يكونوا أشركوا بالرّحمن، ولا شكّوا في شيء ممّا جاء به موسى
__________________
(١) المصدر: العقاب.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) الكافي ٢ / ٢٨ ـ ٢٩، مقطع من ح ١.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) يوجد في المصدر.
ـ عليه السّلام. قال الله ـ عزّ وجلّ:( لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: سيكون قوم يعيشون على لهو وشرب الخمر والغناء. فبينما هم كذلك، إذ مسخوا من ليلتهم وأصبحوا قردة وخنازير. وهو قوله: واحذروا أن تعتدوا، كما اعتدى أصحاب السّبت، فقد كان أملى لهم، حتّى أشروا. وقالوا: إنّ السّبت لنا حلال. وإنّما كان حرّم على أوّلينا. وكانوا يعاقبون على استحلالهم السّبت. فأمّا نحن فليس علينا حرام. وما زلنا بخير منذ استحللناه.
وقد كثرت أموالنا. وصحّت أجسامنا. ثمّ أخذهم الله ليلا وهم غافلون. فهو قوله :واحذروا أن يحلّ بكم مثل ما حلّ بمن تعدّى وعصى.
وفي كتاب الخصال(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام. قال: المسوخ من بني آدم، ثلاثة عشر صنفا ـ إلى أن قال ـ فأمّا القردة، فكانوا قوما [من بني إسرائيل كانوا](٣) ينزلون على شاطى البحر اعتدوا في السّبت. فصادوا الحيتان. فمسخهم الله قردة.
وفيه(٤) أيضا ـ عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام. قال: سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن المسوخ.
فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل ـ إلى أن قال ـ وأمّا القردة، فقوم اعتدوا في السّبت.
وفيه(٥) ـ أيضا ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل في بيان الأيّام.
وفي آخره قال بعض مواليه: قلت: فالسّبت؟
قال: سبتت الملائكة لربّها(٦) يوم السّبت فوحّدته(٧) لم يزل واحدا أحدا(٨) .
وفي عيون الأخبار(٩) ، عن محمّد بن سنان، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث
__________________
(١) تفسير القمي.
(٢) الخصال / ٤٩٣، مقطع من ح ١.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) نفس المصدر / ٤٩٤، مقطع من ح ٢.
(٥) نفس المصدر / ٣٨٤، ذيل ح ٦١.
(٦) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: بربّها.
(٧) المصدر: فوجدته.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) عيون الأخبار ٢ / ٩٤.
طويل، يقول فيه: وكذلك حرّم القرد. لأنّه مسخ مثل الخنزير وجعل عظة وعبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته وصورته. وجعل فيه شبه(١) من الإنسان، ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه.(٢)
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ اليهود أمروا بالإمساك يوم الجمعة. فتركوا يوم الجمعة. وأمسكوا يوم السّبت. فحرّم عليهم الصّيد يوم السّبت.
وبإسناده(٤) إلى عبد الله بن يزيد بن سلام، أنّه قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد سأله عن الأيّام الأسبوع: فالسّبت؟
قال: يوم مسبوت. وذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ في القرآن:(٥) ( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) فمن الأحد إلى [يوم](٦) الجمعة، ستّة أيّام. والسّبت معطّل.
قال: صدقت يا محمّد.(٧) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة](٨)
( فَجَعَلْناها ) ، أي: المسخة والعقوبة.
وعن الباقر ـ عليه السّلام(٩) : فجعلنا الأمّة.
[وفي مجمع البيان(١٠) : «فجعلناها»: الضّمير يعود إلى الأمّة الّتي مسخت. وهم أهل أيلة، قرية على شاطئ البحر. وهو المرويّ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام].(١١)
( نَكالاً ) : عبرة، تنكل المعتبر بها، أي: تمنعه. ومنه النّكل، للقيد.
( لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها ) :
لما قبلها من الأمم وما بعدها، إذ ذكرت حالهم، في زبر الأوّلين، واشتهرت قصّتهم في الآخرين، أو لمعاصريهم ومن بعدهم، أو لما يحضرها من القرى وما تباعد عنها، أو لأهل
__________________
(١) المصدر: شبها.
(٢) المصدر: عليهم.
(٣) علل الشرائع / ٦٩، ح ١.
(٤) نفس المصدر / ٤٧١.
(٥) ق / ٣٨.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: يا رسول الله.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) مجمع البيان ١ / ١٣٠.
(١٠) نفس المصدر ونفس الموضع.
(١١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
ملك القرية وما حواليها، أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم وما تأخّر منها.
( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) (٦٦) من قومهم، أو لكلّ من سمعها.
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) : سمّيت بقرة، لبقرها الأرض. والهاء ليست للتّأنيث. وإنّما هي لتدلّ على الوحدة، كالبطّة والدّجاجة والإوزّة والحمامة.
وأوّل هذه القصّة، قوله تعالى(١) :( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ ) . وإنّما فكّت عنه وقدّمت عليه، لاستقلاله بنوع آخر من مساوئهم. وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السّؤال وترك المسارعة في الامتثال.
وقصّته على
ما رواه العيّاشيّ،(٢) مرفوعا إلى الرّضا ـ عليه السّلام: أنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل.
ثمّ جاء يطلب بدمه. فقال(٣) لموسى ـ عليه السّلام: إنّ سبط آل فلان قتل.(٤) فأخبرنا من قتله.
قال: آتوني ببقرة.
والمرويّ عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ(٥) في سبب قتله: أنّه قتله ليتزوّج بنته. وقد خطبها. فلم ينعم له. وقد خطبها غيره من خيار بني إسرائيل. فأنعم له فحسده ابن عمّه الّذي لم ينعم له. فعقد له قتله. ثمّ حمله إلى موسى ـ إلى آخر الحديث.
والمذكور في الكشّاف(٦) وغيره(٧) ، أنّه كان فيهم شيخ موسر. فقتل ابنه بنو أخيه، طمعا في ميراثه. وطرحوه على باب المدينة. ثمّ جاؤوا بدمه. فأمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها، ليحيى فيخبّرهم بقاتله.
( قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ) : مكان هزء، أو أهله، أو مهزوء بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء، استبعادا لما قاله، أو استخفافا به.
وقرئ هزء (بضمّتين وبسكون الزاء، بالهمزة في الصّورتين وبضمّتين والواو.)
__________________
(١) البقرة / ٧٢.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٤٦، ح ٥٧.
(٣) المصدر: فقالوا.
(٤) المصدر: قتل فلانا.
(٥) تفسير القمي ١ / ٤٩.
(٦) الكشاف ١ / ١٤٨.
(٧) مجمع البيان ١ / ١٣٤.
( قالَ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) . (٦٧) :
لأنّ الهزء في مقام الإرشاد، جهل وسفه.
والعياذ واللّياذ، من واد واحد.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ) :
لمّا رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته، فسألوا عنها بما المطلوبة بها الحقيقة. وإلّا، فالمقصود، بيان الحال والصّفة.
( قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) : لا مسنّة ولا فتيّة.
يقال فرضت البقرة فروضا، من الفرض وهو القطع، كأنّها فرضت سنّها.
وتركيب البكر للأوّليّة. ومنه البكرة والباكورة.
( عَوانٌ ) : نصف.
قال الطّرمّاح :
طوال مثل أعناق الهوادي |
نواعم بين أبكار وعون |
( بَيْنَ ذلِكَ ) ، أي: ما ذكر من الفارض والبكر. ولذلك أضيف إليه البين. فإنّه لا يضاف إلّا إلى متعدّد.
وفي رواية العيّاشيّ،(١) مرفوعا إلى الرّضا ـ عليه السّلام: أنّهم لو ذبحوا أي بقرة أرادوا، لأجزأتهم. ولكن شدّدوا على أنفسهم، فشدّد الله عليهم.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة. فلا يلزمه تأخير البيان، عن وقت الحاجة.
قيل(٢) : ويلزمه النّسخ، قبل الفعل. فإنّ التّخصيص، أو التّقييد، إبطال للتّخيير الثّابت بالنّصّ. وفيه نظر. لأنّ كون التّخيير فيه، حكما شرعيّا ممنوع، إذ الأمر بالمطلق لا يدلّ إلّا على إيجاب ماهيّته من حيث هي بلا شرط. لكن لـمّا لم تتحقّق الماهيّة من حيث هي، إلا في ضمن فرد معيّن، جاء التّخيير، عقلا من غير دلالة النّصّ عليه.
( فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ) (٦٨) أي: ما تؤمرونه، يعني: ما تؤمرون به. فحذف الجار.
وأوصل الفعل. ثمّ حذف العائد المنصوب من قوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به |
فقد تركتك ذا مال وذا نسب |
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٤٦، ح ٥٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٢.
أو أمركم بمعنى: مأموركم.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟ قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ) :
الفقوع، أشدّ ما يكون من الصّفرة وأنصعه. يقال في التّأكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال: أسود حالك وحانك.(١) وفي إسناده إلى اللّون وهو صفة صفراء لملابسته بها، فضل تأكيد. كأنّه قيل: صفراء شديدة الصّفرة صفرتها. فانتزع من الصّفرة، صفرة وأسند الفقوع إليها. فهو من قبيل جدّ جدّه وجنونك مجنون.
وعن الحسن(٢) : سوداء شديدة السّواد. وبه فسّر قوله تعالى(٣) :( جِمالَتٌ صُفْرٌ ) .
وقال الأعشى(٤) :
تلك خيلي منه وتلك ركابي |
هنّ صفر أولادها كالزّبيب |
ولعلّه عبّر بالصّفرة عن السّواد، لأنّها من مقدّماته، أو لأنّ سواد الإبل يعلوه صفرة.
وفيه أنّ الصّفرة بهذا المعنى، لا يؤكّد بالفقوع. وأنّ الإبل وإن وصفت به، فلا يوصف به البقر.
( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) (٦٩)، أي: يوقعهم في السّرور (بالفتح) وهو لذّة في القلب، عند حصول نفع، أو توقعه من السّرّ (بالضّمّ) كأنّه يحصل لهم من رؤيتها نفع، أو توقعه.
وروي عن الصّادق ـ عليه السّلام(٥) ـ أنّه قال: من لبس نعلا صفراء، لم يزل مسرورا حتّى يبليهما، كما قال الله تعالى( صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) .»
وعن أمير المؤمنين(٦) ـ عليه السّلام: أنّ من لبس نعلا صفراء، قلّ همّه لقوله تعالى( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) .
( قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ) ؟ :
كرّر السّؤال الأول، لزيادة الاستكشاف. وقوله:( إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا ) : اعتذار عنه، أي: إنّ البقر الموصوف بالتّعوين وفقوع الصّفرة، كثير. فاشتبه علينا.
__________________
(١) أ: حافك. ر: حائك. (٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٢.
(٣) المرسلات / ٣٣. (٤) أنوار التنزيل ١ / ٦٢.
(٥) الكافي ٦ / ٤٦٦، ح ٥ ـ ٦ مجمع البيان ١ / ١٣٥.
(٦) الكشاف ١ / ١٥٠.
وقرئ الباقر. وهو اسم لجماعة البقرة، والأباقر والبواقر(١) .
و «يتشابه» (بالياء والتّاء)، و «يشابه» (بالياء والتّاء) وتشديد الشّين، بإدغام تاء التّفاعل فيها.
و «تشابهت» (مخفّفا ومشدّدا) إمّا بزيادة الألف في باب التّفعيل، أو بإلحاق التّاء السّاكنة بالمضارع، إلحاقا له بالماضي.
و «تشبه» بحذف إحدى التّائين، من مضارع تفعل. و «يشبه» بالتّذكير، ومتشابه ومتشابهة ومشتبه ومتشبّه ومشتبهة.
( وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ) (٧٠) إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل.
روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٢) أنّه قال: وأيم الله! لو لم يستثنوا، ما بيّنت لهم آخر الأبد.
واحتجّ به الأشاعرة، على أنّ الحوادث، بإرادة الله تعالى. وأن الأمر قد ينفكّ عن الإرادة. وإلّا لم يكن للشّرط بعد الامر معنى! والكراميّة والمعتزلة على حدوث الإرادة.(٣) ويردّ عليهم: أنّ هذا إنّما يمكن الاستدلال به، إذا كان من كلامه تعالى، لا على سبيل الحكاية. وليس كذلك. فإنّه حكاية لما يقولونه. ويحتمل أن لا يكون حقّا في نفس الأمر. وإذا قام ذلك الاحتمال، لم يمكن الاستدلال. ولو سلم، فيردّ على الأشاعرة، وجوه من النّظر :
الأوّل: أنّ الآية يحتمل أن يكون المراد بها أنّه إن شاء الله هدايتنا. لكنّا مهتدين على سبيل الجزم. ولو لم يشأ، يحتمل الاهتداء وعدمه.
[الثّاني: أنّه إنّما يتمّ لو كان الإرادة والمشيئة بمعنى واحد. وهو ممنوع. فلو دلّت الآية على أنّ الحوادث بمشيّة الله، فلم تدلّ على أنّها بإرادته].(٤) الثّالث:(٥) أنّ قولهم: دلّت الآية على أنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة، ممنوع.
والملازمة الّتي ادّعوها في بيانه، ممنوعة. لأنّ معنى الشّرط بعد الأمر، أنّه تعالى لو شاء هدايتهم، لهداهم، أي: لو لم يشأ، لم يهدهم. وذلك لا ينافي أنّه شاء أمرهم، فأمرهم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦٢.
(٢) الكشاف ١ / ١٥١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أ: الثاني.
والحاصل أنّ الأمر لا ينفكّ عن الإرادة بمعنى أنّه لا يجوز أن يأمر ولا يريد. والآية لم تدلّ على الجواز بهذا المعنى، كما قرّرنا. بل التّحقيق أنّ أمره كاشف عن إرادته. وأمّا أنّ مراده هل ينفكّ عن إرادته أم لا؟ فشيء آخر يستحقّ في موضعه.
وعلى المعتزلة والكراميّة: أنّه يحتمل أن يكون التّعليق باعتبار التّعلّق، أو كان المعنى لو كان شاء الله هدايتنا الآن، لنهتدي. والحقّ أنّ الأمر لا ينفك عن الإرادة، بالمعنى الّذي حقّقته. وأنّ الإرادة حاثّة من صفات الفعل. وسنحقّق ذلك في موضع آخر ـ ان شاء الله.
( قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ) ، أي: لم تذلّل للكراب وسقي الحرث.
و «لا ذلول» صفة البقرة، بمعنى غير ذلول.
و «لا» الثّانية. مزيدة(١) لتأكيد الأولى.
والفعلان، صفتا «ذلول»، كأنّه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
وقرئ لا ذلول (بالفتح)، أي: هناك، أي: حيث هي: كقولك: مررت برجل لا بخيل ولا جبان، أي: هناك، أي: حيث هو.
و «تسقي» من السّقي.
( مُسَلَّمَةٌ ) :
سلّمها الله من العيوب، أو أهلها من العمل، أو خلص لونها من سلم له كذا إذا خلص له، أي: لم يشب صفرتها شيء من الألوان.
( لا شِيَةَ فِيها ) : لا لون فيها يخالف لون جلدها. فهي صفراء كلّها. حتّى قرنها وظلفها.
وهي في الأصل، مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لون آخر.
( قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ ) ، أي: الحقّ البيّن الّذي لا يشتبه علينا.
وقرئ الآن (بالمدّ) على الاستفهام، ولآن (بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللّام.)(٢) ( فَذَبَحُوها ) :
__________________
(١) أ: تزايدة.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
فيه اختصار. والتّقدير: فحصلوا البقرة المنعوتة، فذبحوها.
( وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) (٧١) لتطويلهم في السّؤال وكثرة مراجعاتهم.
وروي(١) أنّهم كانوا يطلبون البقرة الموصوفة، أربعين سنة
، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها إذ روي أنّه كان في بني إسرائيل شيخ صالح، له عجلة. فأتى بها الغيضة. وقال: أللّهمّ إنّي أستودعكها لابني حتّى تكبر. وكان برّا بوالديه. فثبت. وكانت من أحسن البقرة وأسمنها. ووحيدة بتلك الصّفات. فساوموها اليتيم وأمّه حتّى اشتروها بملء مسكها ذهبا. وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير.
وفي رواية العيّاشيّ:(٢) أنّه قال الرّضا ـ عليه السّلام: قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعض أصحابه: إنّ هذه البقرة ما شأنها؟
فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه. وإنّه اشترى سلعة، فجاء إلى أبيه. فوجده نائما والإقليد تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك. واستيقظ أبوه.
فأخبره. فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوض لما فاتك.
قال: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: انظروا إلى البرّ ما بلغ بأهله.
وروي أنّ ذلك الشّابّ من بني إسرائيل، قد رأى محمّدا وعليّا في منامه وأحبّهما.
وقالا له: لأنّك تحبّنا نجزيك ببعض جزائك في الدّنيا. فإذا جاءك بنو إسرائيل يريدون شراء البقرة منك، فلا تبعها إلّا برضى من أمّك.
فلّمّا أرادوا شراءها، كلّما زادوا في ثمنها، لم ترض أمّه، حتّى شرطوا على أن يملئوا ثور(٣) بقرة عظيمة في ثمنها، فرضيت.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. والحديث بتمامه مذكور في شرح الآيات الباهرة، منقولا عن التّفسير المنسوب إلى الحسن العسكريّ ـ عليه السّلام.(٤) وقد ذكرته بتمامه في تفسيرنا الموسوم بالتّبيان. وعلى الله التّكلان.
و «كاد» من أفعال المقاربة. وضع لدنوّ الخبر، حصولا فإذا دخل عليه النّفي، قيل معناه الإثبات، مطلقا. وقيل ماضيا. والحقّ أنّه كسائر الأفعال. ولا ينافي قوله تعالى
__________________
(١) الكشاف ١ / ١٥٣.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٤٦، ح ٥٧، بتفاوت+ مجمع البيان ١ / ١٣٦.
(٣) الظاهر: مسك.
(٤) تفسير العسكري / ١٣١.
( وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ) ، قوله( فَذَبَحُوها ) لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنّهم ما قاربوا أن يفعلوا حتّى انتهت سؤالاتهم. وانقطعت تعلّلاتهم. ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل.(١) ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ) :خاطب الجمع، لوجود القتل فيهم.
( فَادَّارَأْتُمْ فِيها ) : اختصمتم في شأنها، إذ الخصمان يدفع بعضهم بعضا.
وأصل الدّرء: الدّفع. ومنه الحديث ادرؤوا الحدود بالشّبهات، وقول رؤبة.
أدركتها قدّام كلّ مدرة |
بالدّفع عنّي درء كلّ غنجة(٢) |
فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى تدافعتم بأن طرح قتلها كلّ عن نفسه إلى صاحبه.
وقيل(٣) : الدّرء: العوج. ومنه قول الشّاعر :
فنكّب عنهم درء الأعادي |
وداووا بالجنون من الجنون |
وأصله: تدارأتم. فأدغمت التّاء في الدّال. واجتلبت لها همزة الوصل.
( وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) (٧٢) :
مظهره وأعمل مخرج، لأنّه حكاية مستقبل، كما أعمل باسط ذراعيه. لأنّه حكاية حال ماضية.
( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ ) :
عطف على «ادّارأتم» وما بينهما اعتراض.
والضّمير للنّفس. وتذكيره على تأويل الشّخص، أو القتيل.
( بِبَعْضِها ) ، أي: بعض كان.(٤) [وقيل(٥) : بأصغريها.
وقيل(٦) : بلسانها.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
(٢) هو الظاهر. وفي الأصل ور: غنيجة. وفي أ: عيجة. وفي المصدر (مجمع البيان ١ / ١٣٧): عنجه.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) يوجد في أبعد هذه العبارة: وفيه أقول أخذ مستندها غير معلوم.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
وقيل(١) : بفخذها اليمنى.
وقيل(٢) : بالاذن.
وقيل(٣) : بالعجب. وهو اصل الذنب وفي الأحاديث الآتية: أنّ الضرب بذنبها].(٤) نقل(٥) أنّه لما ضرب ببعضها قام حيا وأوداجه تشخب دما. قال: قتلني فلان ابن عمّي. ثم قبض.
[وفيما يأتي من الخبر، أنّه عاش بعد ذلك سبعين سنة].(٦) ( كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى ) : يدلّ على ما حذف، أي: فضربوه، فحيى.
والخطاب مع من حضر حياة القتيل، أو نزول الآية.
( وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٧٣): لكي بكمل عقلكم وتعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس، قدر على إحياء الأنفس.
وفي الآية مع ما ذكر في بيانه من الأحاديث الدّلالة على انّ التّموّل والغنى من عند الله، ينبغي أن يطلب منه، لا بمخالفة أمره، كما ناله الفتى من بني إسرائيل ولم ينله القاتل ابن عمّه.
[وفي عيون الأخبار(٧) : حدّثني(٨) أبي ـ رضي الله عنه. قال: حدّثني(٩) عليّ بن موسى بن جعفر بن أبي جعفر الكميدانيّ ومحمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ. قال: سمعت أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له. ثمّ أخذه فطرحه(١٠) على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل. ثمّ جاء يطلب بدمه.
فقالوا لموسى ـ عليه السّلام: إنّ سبط آل فلان قتلوا فلانا. فأخبرنا من قتله؟
قال: ائتوني ببقرة.
( قالُوا: أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ) ؟
( قالَ: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .
__________________
(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٦٣.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكشاف ١ / ١٥٣+ مجمع البيان ١ / ١٣٧.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) عيون الأخبار ٢ / ١٣ ـ ١٤، ح ٣١.
(٨ و ٩) المصدر: حدّثنا.
(١٠) المصدر: وطرحه.
ولو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. ولكن شدّدوا، فشدّد الله عليهم.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ) ؟
( قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) ، يعني: لا صغيرة ولا كبيرة،( عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ) ».
ولو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، أجزأتهم. ولكن شدّدوا، فشدّد الله عليهم.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ) ؟
( قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) .
ولو أنّهم عمدوا إلى أيّ بقرة، لأجزأتهم. ولكن شدّدوا، فشدّد الله عليهم.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ) .
( قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) .
فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل.
فقال: لا أبيعها إلّا بملء مسكها ذهبا.
فجاءوا إلى موسى ـ عليه السّلام. فقالوا له ذلك. فقال: اشتروها. فاشتروها.
وجاؤوا بها. فأمر بذبحها. ثمّ أمروا بأن يضربوا(١) الميّت، بذنبها. فلمّا فعلوا ذلك، حيي المقتول. وقال: يا رسول الله! إنّ ابن عمّي قتلني دون من يدّعي عليه قتلي. فعلموا بذلك قاتله.
فقال: رسول(٢) الله، موسى [بن عمران](٣) ـ عليه السّلام ـ لبعض(٤) أصحابه: إنّ هذه البقرة لهابنا.
فقال: وما هو؟
فقال: إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّا بأبيه و [إنّه](٥) اشترى تبيعا(٦) . فجاء إلى أبيه. والأقاليد(٧) تحت رأسه. فكره أن يوقظه. فترك ذلك البيع. فاستيقظ أبوه. فأخبره.
__________________
(١) المصدر: أن يضرب.
(٢) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: لرسول.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: بعض.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: بيعا.
(٧) المصدر: ورأى أنّ المقاليد.
فقال له: أحسنت! خذ هذه البقرة. فهي لك عوضا لما فاتك.
قال: فقال له رسول الله، موسى [بن عمران](١) ـ عليه السّلام. انظروا إلى البرّ، ما يبلغ(٢) بأهله.
وفي كتاب الخصال، مثله سواء.(٣)
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم، خطب امرأة منهم. فأنعمت له. وخطبها ابن عمّ لذلك الرّجل. وكان فاسقا رديئا. فلم ينعموا له.
فحسد ابن عمّه الّذي أنعموا له. فقعد له. فقتله غيلة. ثمّ حمله إلى موسى ـ عليه السّلام.
فقال: يا نبيّ الله! هذا ابن عمّى. قد قتل.
فقال موسى: من قتله؟
قال: لا أدري.
وكان القتل في بني إسرائيل، عظيما جدّا. فعظم ذلك على موسى. فاجتمع إليه بنوا إسرائيل.
فقالوا: ما ترى؟ يا نبيّ الله! وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة. وكان له ابن بارّ. وكان عند ابنه، سلعة.
فجاء قوم يطلبون سلعته. وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه. وكان نائما وكره ابنه أن ينبّهه وينغّص عليه نومه. فانصرف القوم: فلم يشتروا سلعته.
فلمّا انتبه أبوه قال له: يا بنيّ! ما صنعت في سلعتك؟
قال: هي قائمة. لم أبعها. لأنّ المفتاح كان تحت رأسك، فكرهت أن أنبّهك وأنغّص عليك نومك.
قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عمّا فاتك من ربح سلعتك.
وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه. وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: بلغ.
(٣) بل في تفسير العياشي ١ / ٤٦، ح ٥٧، وكذلك عنه في البحار ١٣ / ٢٦٣، بعد نقله الحديث عن عيون الأخبار. والظاهر أنّ هذا سهو من صاحب تفسير نور الثقلين، كما يبدو من ملاحظة تفسيره ١ / ٨٨ (!)
(٤) تفسير القمي ١ / ٤٩ ـ ٥٠.
(٥) المصدر: رجالهم.
فلمّا اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجّوا قال لهم موسى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) .» فتعجّبوا. و( قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ) ؟» إنا نأتيك بقتيل. فتقول اذبحوا بقرة! فقال لهم موسى:( أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .
فعلموا أنّهم قد أخطأوا. فقالوا:( ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا، ما هِيَ ) ؟»( قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) (الفارض الّتي قد ضربها الفحل. ولم تحمل. والبكر الّتي لم يضربها.)( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها ) ؟
( قالَ إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها ) ، أي: لونها شديد الصّفرة(١) ،( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) إليها.
( قالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا. وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ ) ، أي، لم تذلّل( وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ) ، أي: لا تسقي الزّرع.( مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ) ، أي، لا نقط فيها إلّا الصّفرة.
( قالُوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ ) (٢) هي بقرة فلان. فذهبوا يشتروها.
فقال: لا أبيعها إلّا بملء جلدها ذهبا.
فرجعوا إلى موسى. فأخبروه.
فقال لهم موسى: لا بدّ لكم من ذبحها بعينها. فاشتروها(٣) بملء جلدها ذهبا، فذبحوها.
ثمّ قالوا: ما تأمرنا؟ يا نبيّ الله! فأوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إليه: قل لهم: اضربوه ببعضها. وقولوا من قتلك.
فأخذوا الذّنب، فضربوه به. وقالوا: من قتلك؟ يا فلان! فقال: فلان بن فلان. (ابن عمّه(٤) الّذي جاء به.) وهو قوله:( فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى. وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
__________________
(١) المصدر: شديدة الصفرة.
(٢) يوجد في المصدر بعدها: فذبحوها. وما كادوا يفعلون.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: ابن عمى.
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .
وفي شرح الآيات الباهرة(١) : قال الإمام ـ عليه السّلام: فألزم موسى ـ عليه السّلام ـ أهل القبيلة(٢) بأمر الله، أن يخلف خمسون رجلا من أماثلهم بالله القويّ الشّديد، إله بني إسرائيل مفضّل محمّد وآله الطّيّبين على البرايا أجمعين، إنّا ما قتلنا.
ولا علمنا له قاتلا. ثمّ بعد ذلك أجمع(٣) بنو إسرائيل(٤) على أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ يسأل الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يحييّ المقتول، ليسألوه من قتله. واقترحوا عليه ذلك.
قال الإمام ـ عليه السّلام: فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: يا موسى! أجبهم إلى ما اقترحوه. وسلني أن أبيّن لهم القاتل، ليقتل ويسلم غيره من التّهمة والغرامة. فإنّي أريد إجابتهم إلى ما اقترحوه، توسعة الرّزق(٥) على رجل من خيار أمّتك دينه الصّلاة على محمّد وآله الطّيّبين والتّفضيل لمحمّد وعليّ بعده على سائر البرايا، أن أغنيه في الدّنيا ليكون ذلك بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد وآله.
فقال موسى ـ عليه السّلام: يا ربّ! بيّن لنا قاتله.
فأوحى الله تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إنّ الله يبيّن لكم ذلك بأن أمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول، فيحيى. أفتسلمون(٦) لربّ العالمين ذلك؟
ثمّ قال الإمام ـ عليه السّلام: فلمّا استقرّ الأمر، طلبوا هذه البقرة. فلم يجدوها، إلّا عند شابّ من بني إسرائيل، أراه الله تعالى في منامه محمّدا وعليّا، فقالا: إنّك كنت لنا محبّا ومفضّلا. ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدّنيا. فإذا راموا منك شراء بقرتك، فلا تبعها، إلّا بأمر أمّك.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: فما زالوا يطلبون على النّصف ممّا تقول أمّه ويرجع إلى أمّه، فتضعف الثّمن، حتّى بلغ ملء مسك ثور أكبر ما يكون دنانير. فأوجبت لهم البيع.
فذبحوها. وأخذوا قطعة منها. فضربوه بها. وقالوا: أللّهمّ بجاه محمّد وآله الطّيّبين لـمّا أحييت هذا الميّت. وأنطقته ليخبرنا عن قاتله. فقام سالما سويّا.
فقال: يا نبيّ الله! قتلني هذان ابنا عمّي. حسداني على ابنة عمّي. فقتلاني.
__________________
(١) شرح الآيات الباهرة / ٢٢ ـ ٢٣.
(٢) المصدر: القتلة.
(٣) المصدر: امر.
(٤) المصدر: بني إسرائيل.
(٥) المصدر: للرزق.
(٦) المصدر: فتسلموا.
فقال بعض بني إسرائيل لموسى ـ عليه السّلام: لا ندري أيّهما أعجب: إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق، أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟
فأوحى الله إليه: يا موسى! قل لبني إسرائيل: من أحبّ منكم أن أطيّب في الدّنيا عيشه وأعظّم في جناني محلّه وأجعل لمحمّد وآله الطّيّبين فيها منادمته، فليفعل كما فعل هذا الفتى: إنّه كان قد سمع من موسى ابن عمران ذكر محمّد وعليّ وآلهما الطّيّبين فكان عليهم مصلّيا، ولهم على جميع الخلائق من الملائكة والجنّ والإنس مفضّلا. فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: فقال الفتى: يا نبيّ الله! كيف أحفظ هذه الأموال؟ وكيف لا أحذر عداوة من يعاديني فيها وحسد من يحسدني من أجلها؟
فقال له: قل عليه(١) من الصّلاة على محمّد وآله الطيبين ما كنت تقول، قبل أن تنالها.
فقالها الفتى. فما رامها حاسد، أو لصّ، أو غاصب، إلّا دفعه الله ـ عزّ وجلّ ـ بلطفه.
فلمّا قال موسى ـ عليه السّلام ـ للفتى ذلك، قال المقتول المنشور: أللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به هذا الفتى، من الصّلاة على محمّد وآله الطيّبين والتّوسّل بهم، أن تبقيني في الدّنيا متمتّعا بابنة عمّي وتخزي أعدائي وحسّادي وترزقني منها كثيرا(٢) طيّبا.
قال: فأوحى الله إليه: يا موسى! إنّه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل، ستّون سنة. وقد وهبت له بمسألته وتوسّله بمحمّد وآله الطّيّبين، سبعين سنة تمام. مائة وثلاثين سنة صحيحه حواسّه، ثابتة فيها جنانه وقوّته وشهواته. يتمتّع بحلال هذه الدّنيا. ويعيش.
ولا يفارقها. ولا تفارقه. فإذا حان حينه، حان حينها. وماتا جميعا. فصارا إلى جناني. وكانا زوجين فيها ناعمين.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: فضجّوا إلى موسى ـ عليه السّلام ـ وقالوا: افتقرت القبيلة ودفعت إلى التّلف وأسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا؟ فادع الله تعالى لنا بسعة الرّزق.
فقال موسى ـ عليه السّلام: يا ويحكم! ما أعمى قلوبكم! أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة وما رزقه الله تعالى من الغنى! أو ما سمعتم دعاء(٣) المقتول المنشور وما أثمر
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: أولادا كثيرا.
(٣) ليس في المصدر.
له من العمر الطّويل والسّعادة والتّنعّم والتّمتّع بحواسّه وساير بدنه وعقله؟ لم لا تدعون الله تعالى بمثل دعائهما وتتوسّلون إلى الله تعالى بمثل وسيلتهما؟ ليسدّ فاقتكم ويجبر كسركم ويسدّ خلّتكم.
فقالوا: أللّهمّ إليك التجأنا وعلى فضلك اعتمدنا. فأزل فقرنا، وسدّ خلّتنا، بجاه محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والطّيّبين من آلهم.
فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى! قل لهم: ليذهب رؤساؤكم إلى خربة بني فلان، ويكشفوا في موضع كذا وجه الأرض قليلا، ويستخرجوا ما هناك، فإنّه عشرة آلاف ألف دينار، ليردّوا على كلّ من دفع من(١) ثمن البقرة ما دفع، لتعود أموالهم. ثمّ ليتقاسموا بعد ذلك ما فضل، وهو خمسة آلاف ألف دينار. على قدر ما دفع كلّ واحد منهم في هذه المحنة، لتتضاعف أموالهم، جزاء على توسّلهم بمحمّد وآله الطّيّبين واعتقادهم لتفضيلهم.
ثمّ قال ـ عزّ وجلّ:( وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ، أي: يريكم سائر آياته، سوى هذه من الدّلالات على توحيده ونبوّة موسى ـ عليه السّلام ـ نبيّه وفضل محمّد على الخلائق سيّد إمائه وعبيده وتثبيت(٢) فضله وفضل آله الطّيّبين، على سائر خلق الله أجمعين، لعلّكم تعقلون وتتفكّرون أن الّذي يفعل هذه العجائب، لا يأمر الخلق إلّا بالحكمة. ولا يختار محمّدا وآله إلّا لأنّهم أفضل ذوي الألباب].(٣) .
( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ) :
القساوة: الغلظ مع الصّلابة، كما في الحجر.
وقساوة القلب، مثل في نبوه(٤) عن الاعتبار، وأنّ المواعظ لا تؤثّر فيه. ثمّ لاستبعاد القسوة ونحوه. ثمّ أنتم تمترون.
( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) ، يعني: إحياء القتيل، أو جميع ما عدّد من الآيات. فإنّها ممّا توجب لين القلب.
( فَهِيَ كَالْحِجارَةِ ) في قسوتها.
( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) : منها، يعني: أنّها في القساوة مثل الحجارة [أو زائدة عليها، أو أنّها
__________________
(١) المصدر: في.
(٢) المصدر: ثبت.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أ: بثوه.
مثلها، أو مثل ما هو أشدّ منها قسوة، كالحديد. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ويعضده قراءة الحجرّ بالفتح، عطفا على الحجارة](١) .
وإنّما لم يقل أقسى، لما في أشدّ من المبالغة. والدّلالة على اشتداد القوتين واشتمال المفضّل على زيادة واو للتخيير أو للتّرديد، بمعنى أنّ من عرف حالها شبّهها بالحجارة، أو بما هو أقسى منها.
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ. وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ. وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) : تعليل للتّفضيل. فإنّ الحجارة ينفعل. فإنّ منها لما يتفجّر منه الأنهار.
والتّفجر: الفتح بسعة. ومنها ما ينبع منه الماء. ومنها ما يتردّى من أعلى الجبل انقيادا لما أراد الله تعالى به. وقلوب هؤلاء لا تتأثّر عن أمر الله تعالى.
والخشية مجاز من الانقياد.
( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (٧٤): وعيد على ذلك.
وقرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وخلف وأبو بكر، بالياء والباقون، بالتّاء(٢) .
وقد ورد عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال:(٣) لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب. وإنّ أبعد النّاس من الله، القاسي القلب.
[وفي كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ:(٤) وقال أبو محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام: لـمّا نزلت هذه الآية( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) في حقّ اليهود والنّواصب، فغلظ ما(٥) وبّخهم به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الألسن والبيان منهم. يا محمّد! إنّك لمجنون. فتدّعي(٦) على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه إنّ فيها خيرا كثيرا نصوم ونتصدّق ونواسي الفقراء.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّما الخير ما أريد به وجه الله وعمل على ما أمر الله تعالى. فأمّا ما أريد به الرّياء والسّمعة ومعاندة رسول الله ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٣٩.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) الاحتجاج ١ / ٥٠.
(٥) المصدر: على اليهود ما.
(٦) المصدر: إنّك تهجونا وتدّعي.
وآله ـ وإظهار الغنى له والتّمالك والشّرف، فليس بخير. بل هو الشّرّ الخاصّ.(١) ووبال على صاحبه. يعذّبه الله به أشدّ العذاب.
فقالوا له: يا محمّد! أنت تقول هذا ونحن نقول: بل ما ننفقه إلّا لإبطال أمرك ودفع رئاستك ولتفريق أصحابك عنك. وهو الجهاد الأعظم. نؤمل به من الله الثّواب الأجلّ الأجسم.(٢)
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة. وفيه إلزامهم على الوجه الأعظم.
وفي الخرائج والجرائح،(٣) روي عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ في قوله تعالى( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) : قال إنّه يقول: يبست قلوبكم، معاشر اليهود! كالحجارة اليابسة. لا ترشح برطوبة، أي: أنّكم لا حقّ الله تؤدّون، ولا بأموالكم تتصدّقون، ولا بالمعروف تتكرّمون، ولا للضّيف تقرون، ولا مكروبا تغيثون، ولا بشيء من الإنسانية تعاشرون، وتواصلون. أو( أَشَدُّ قَسْوَةً ) : أبهم على السّامعين. ولم يبيّن لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، وهو لا يريد به أنّه لا أدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السّامع حتّى لا يعلم ما ذا أكل. وإن يعلم أن قد أكل أيّهما.
( وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ ) ، أي: قلوبكم في القساوة بحيث لا يجيء منها خير، يا يهود! في الحجارة ما يتفجّر الأنهار، فيجيء بالخير والنّبات لبني آدم. و( إِنَّ مِنْها ) ، أي: من الحجارة( لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ) دون الأنهار. وقلوبكم لا يجيء منها الكثير من الخير ولا القليل.( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ) ، أي: من الحجارة، إن أقسم عليها باسم الله تهبط. وليس في قلوبكم شيء منه.
فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّ الحجارة ألين من قلوبنا؟ وهذه الجبال بحضرتنا.
فاستشهدها على تصديقك. فإن نطقت بتصديقك، فأنت المحقّ.
فخرجوا إلى أوعر جبل. فقالوا: استشهده.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أسألك يا جبل! بجاه محمّد وآله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه.
__________________
(١) كذا في المصدر وفي الأصل ور. ولعله: الخالص.
(٢) المصدر: العظيم.
(٣) تفسير نور الثقلين ١ / ٩٠، ح ٢٤٥، نقلا الخرائج والجرائح.
فتحرّك الجبل. وفاض الماء. ونادى: أشهد أنّك رسول الله. وأنّ قلوب هؤلاء اليهود، كما وصفت، أقسى من الحجارة.
فقال اليهود: علينا تلبس. أجلست أصحابك خلف هذا الجبل، ينطقون بمثل هذا؟ فإن كنت صادقا، فتنحّ من موضعك إلى ذي القرار. ومر هذا الجبل، يسير إليك.
ومره أن ينقطع بنصفين، ترتفع السّفلى وتنخفض العليا.
فأشار إلى حجر مد حرج. فتدحرج. ثمّ قال لمخاطبه: خذه. فقرّبه. فسيعيد عليك ما سمعت. فإنّ هذا جزء من ذلك الجبل.
فأخذه الرّجل. فأدناه من أذنه. فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل.
قال: فإنّني بما اقترحت.
قال: فتباعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى فضاء واسع، ثمّ نادى: أيّها الجبل! بحقّ محمّد وآله الطّيّبين، لـمّا اقتلعت من مكانك بإذن الله وجئت إلى حضرتي.
فتزلزل الجبل. وصار(١) مثل الفرس الهملاج. فنادى: أنا سامع لك، ومطيع أمرك.
فقال: هؤلاء اقترحوا على أن أمرك إن تنقطع من أصلك، فتصير نصفين، فينحطّ أعلاك ويرتفع أسفلك.
فانقطع نصفين. وارتفع أسفله. وانخفض أعلاه. فصار فرعه أصله.
ثمّ نادى الجبل: أهذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به تؤمنون؟
فقال رجل منهم: هذا رجل تتأتّى له العجائب. فنادى الجبل: يا عدوّ الله! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى حيث كان وقوف الجبل فوقهم كالظّلل فيقال هو رجل تتأتّى له العجائب. فلزمتهم الحجّة ولم يسلموا؟
وفي مجمع البيان(٢) : وروى عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: إنّ حجرا كان يسلّم عليّ في الجاهليّة، وإنّي لأعرفه الآن.
وفي كتاب الخصال(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: كان فيما أوصى
__________________
(١) المصدر: سار. وهو الظاهر.
(٢) مجمع البيان: ١ / ١٤٠ ـ ١٤١.
(٣) الخصال ١٢٥ ـ ١٢٦، مقطع من ح ١٢٢.
به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام: يا عليّ! ثلاث يقسين القلب :استماع اللهو، وطلب الصّيد، وإتيان باب السّلطان.
وفيه(١) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: ولا يطول عليكم الأمل(٢) ، فتقسو قلوبكم.
عن أبي عبد الله، عن أبيه(٣) ـ عليهما السّلام. قال: أوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى موسى ـ عليه السّلام: لا تفرح بكثرة المال ـ إلى قوله ـ وترك ذكري يقسي القلوب.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة. قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: ما جفّت الدّموع إلّا لقسوة القلوب. وما قست القلوب إلّا لكثرة الذّنوب.
وفي أصول الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عمرو ابن عثمان، عن عليّ بن عيسى رفعه. قال: فيما ناجى الله ـ عزّ وجلّ ـ به موسى ـ عليه السّلام: يا موسى! لا يطول في الدّنيا أملك، فيقسو قلبك. والقاسي القلب، منّي بعيد.
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) : قال الإمام ـ عليه السّلام ـ في تأويل ذلك: وقلوبهم لا يتفجّر(٧) منها الخيرات ولا تنشقّ فيخرج منها قليل من الخيرات وإن لم يكن كثيرا.
ثمّ قال ـ عزّ وجلّ:( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) إذا أقسم عليها باسم الله وبأسماء أوليائه، محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والطّيّبين من آلهم ـ صلّى الله عليهم. وليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: وهذا التّقريع من الله تعالى لليهود والنّواصب. واليهود جمعوا الأمرين واقترفوا الخطيئتين. فغلظ على اليهود ما وبّخهم به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وقال جماعة من رؤسائهم: يا محمّد! إنّك مجنون. تدّعي على قلوبنا ما الله(٨) يعلم منها خلافه. وإن فيها خيرا كثيرا، نصوم ونتصدّق ونواسي الفقراء.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّه ما في قلوبنا شيء من مواساة الفقراء ومعاونة الضّعفاء؟ وإنّ الأحجار ألين من قلوبنا. وأطوع لله منّا. وهذه الجبال
__________________
(١) نفس المصدر: ٦٢٢.
(٢) المصدر: الأمد.
(٣) نفس المصدر / ٣٩، ح ٢٣.
(٤) علل الشرائع / ٨١، ح ١.
(٥) الكافي ٢ / ٣٢٩، ح ١.
(٦) تأويل الآيات الباهرة / ٢٤ ـ ٢٥.
(٧) المصدر: لا تنفجر. (٨) المصدر: فالله.
بحضرتنا، هلمّ بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك وتكذيبنا؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: نعم. فهلمّوا بنا إلى أيّها شئتم استشهده ليشهد لي عليكم.
قال: فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه.
فقالوا: يا محمّد! هذا الجبل. فاستشهده! فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أيّها الجبل! إنّي أسألك بجاه محمّد وآله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم خفّف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم إلّا الله ـ عزّ وجلّ ـ، وبحقّ محمّد وآله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم تاب الله تعالى على آدم وغفر خطيئته وأعاده إلى مرتبته، وبحقّ محمّد وآله الطّيّبين الّذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس في الجنّة مكانا عليّا، لـمّا شهدت لمحمّد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود، في ذكر(١) قساوة قلوبهم وتكذيبهم في جحودهم لقول محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
قال: فتحرّك الجبل. فتزلزل.(٢) وفاض عنه الماء. ونادى: يا محمّد! أشهد أنّك رسول الله ربّ العالمين، وسيّد الخلائق أجمعين صلّى الله عليك وآلك إلى العالمين والخلائق أجمعين. وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود أقسى من الحجارة. لا يخرج منها خير. وقد يخرج من الحجارة الماء سيلا وتفجيرا. وأشهد أنّ هؤلاء الكاذبون عليك بما به قذفوك من الفرية على ربّ العالمين.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: وأسألك، أيّها الجبل! أمرك الله بطاعتي فيما التمسه(٣) منك بجاه محمّد وآله الطّيّبين الّذين بهم نجّى الله تعالى نوحا من الكرب العظيم وبهم برّد الله النار على إبراهيم وجعلها عليه سلاما ومكّنه في جوف النّار على سرير وفراش وبرد(٤) وأنبت مواليه من الأشجار الخضرة النّضرة الزهرة(٥) وعمّر ما حوله من انواع ما لا يوجد إلّا في الفصول الأربعة من جميع السّنة.
قال: فقال الجبل: بلى. أشهد، يا محمّد! لك بذلك. وأشهد أنّك لو اقترحت على
__________________
(١) المصدر: ذكره في.
(٢) المصدر: وتزلزل.
(٣) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: التمسته.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: بئر.
(٥) المصدر: آنس هيئة.
ربّك أن يجعل رجال الدّنيا قرودا وخنازير، لفعل. وأن يجعلهم ملائكة، لفعل وأن يقلب النّيران جليدا والجليد نيرانا، لفعل. وأن يهبط السّماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السّماء، لفعل. وأن يصيّر أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلّها ضرب طرف الكبش(١) ، لفعل. وأنّه قد جعل الأرض والسّماء طوعك والبحار والجبال تنصرف(٢) بأمرك. وسائر ما خلق الله من الرّياح والصّواعق وجوارح الإنسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة. وما أمرتها به من شيء ائتمرت.
تمّ كلامه صلوات الله عليه. فقالت اليهود بعد: أنت تلبس علينا واقترحوا عليه أشياء أن يفعلها الجبل المشار إليها فأجابهم إليها.
قال الإمام ـ عليه السّلام: فتباعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى فضاء واسع. ثمّ نادى الجبل: يا أيّها الجبل! بحقّ محمّد وآله الطّيّبين الّذين بجاههم ومسألة عباد الله بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية تنزع النّاس كأنّهم أعجاز نخل خاوية، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة واحدة في قوم صالح حتّى صاروا كالهشيم المحتضر، لـمّا انقلعت من مكانك بإذن الله وجئت إلى حضرتي.
قال: فتزلزل(٣) الجبل، وصار كالقدح الهملاج، حتّى دنى من إصبعه. فلصق بها.
ووقف. ونادى: ها أنا سامع لك مطيع، يا رسول الله! وإن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين، فمرني بأمرك.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ هؤلاء المعاندين اقترحوا عليّ أن أمرك أن تنقلع(٤) من أصلك، فتصير نصفين، ثمّ ينحطّ أعلاك، ويرتفع أسفلك، وتصير ذروتك أصلك، وأصلك ذروتك.
فقال الجبل: أفتأمرنى بذلك، يا رسول الله؟
قال: بلى.
قال: فانقطع الجبل نصفين. وانحطّ أعلاه إلى الأرض. وارتفع أسفله فوق أعلاه.
__________________
(١) المصدر: ظرف الكيش. وفي هامش المصدر: صرة كصرة الكيس (خ ل). وكذلك في تفسير البرهان ١ / ١١٤.
(٢) المصدر: تتصرّف.
(٣) المصدر: فتحرّك.
(٤) المصدر: تنقطع.
فصار فرعه أصله، وأصله فرعه.
ثمّ نادى الجبل: معاشر اليهود! هذا الّذي ترون دون معجزات موسى الّذي تزعمون أنّكم به مؤمنون.
فنظر اليهود بعضهم إلى بعض. فقال بعضهم: ما عن هذا محيص. وقال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت. ومبخوت(١) تتأتّى له(٢) العجائب. فلا يغرّنّكم ما تشاهدون منه.
فناداهم الجبل: يا أعداء الله! أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى؟ هلّا قلتم لموسى إذا قلب العصا ثعبانا وانفلق له البحر طرقا ووقف الجبل كالظّلّة فوقكم: إنّك تؤتى لك العجائب. فلا يغرّنا ما نشاهده منك؟
فألقمهم الجبل بمقالة الصّخور وألزمهم(٣) حجّة ربّ العالمين. (انتهى)](٤)
( أَفَتَطْمَعُونَ ) :
الخطاب لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمؤمنين.
( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) ، أي: اليهود.
( وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) : من أسلافهم،( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ) ، أي: التوراة، أو حين كلّم موسى،( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) : يغيّرونه أو يأوّلونه بما يشتهون،( مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ) : ولم يبق لهم فيه ريبة.
( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٧٥) أنّهم مبطلون.
فإذا كان أخبار هؤلاء وأسلافهم بهذه الحالة، فما طمعكم بجهّالهم وسفلتهم؟
( وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، أي: اليهود.
( قالُوا: آمَنَّا ) ، أي: قال منافقوهم: آمنّا بأنّكم على الحقّ، ورسولكم هو المبشّر به في التوراة.
( وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا ) ، أي: الّذين لم ينافقوا عاتبين على من نافق.
( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) وبيّنه في التوراة، من نعت محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو الّذين نافقوا لأعقابهم إظهارا، للتّصلّب في اليهوديّة ومنعا لهم عن إبداء ما
__________________
(١) المصدر: فوتآله
(٢) المصدر: لك.
(٣) المصدر: فالقاهم الجبل بمقالتهم الزور ولزومهم.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وجدوا في كتابهم، فيتناول الفريقين.
فالاستفهام على الأوّل، تقريع، وعلى الثّاني، إنكار ونهي.
( لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) ليحتجّوا بما فتح الله عليكم، حال كونه ثابتا عند ربّكم، أي: من جملة ما ثبت عند ربّكم، أي: من جملة ما أنزل الله في كتابه.
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٧٦)، إمّا من كلام اللائمين، وتقديره «أفلا تعقلون أنّهم يحاجّوكم فيغلبون به عليكم»، أو متّصل بقوله أفتطمعون.
والمعنى: أفلا تعقلون حالهم. وأن لا مطمع لكم في إيمانهم.
[وفي مجمع البيان(١) :( تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) . (الآية) وروي عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين. إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التّوراة من صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فنهاهم كبراؤهم عن ذلك. وقالوا: لا تخبروهم بما في التّوراة من صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فيحاجّوكم به عند ربّكم. فنزلت هذه الآية].(٢)
( أَوَلا يَعْلَمُونَ ) هؤلاء( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ) من الكفر وما فتح الله وتحريف الكلم وغيره؟
( وَما يُعْلِنُونَ ) (٧٧) من الإيمان وغير ما فتح الله وتأويلاتهم وتحريفاتهم؟
( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ) ، اي: التّوراة( إِلَّا أَمانِيَ ) : استثناء منقطع.
والأمانيّ، جمع أمنيّة. وهي في الأصل: ما يقدّره الإنسان في نفسه.
( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) (٧٨): لا علم لهم.
روي أنّ رجلا قال للصّادق(٣) ـ عليه السّلام: إذا كان هؤلاء العوامّ(٤) من اليهود(٥) ، لا يعرفون الكتاب إلا ما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٤٢.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) الاحتجاج ٢ / ٢٦٣.
(٤) ليس في ر.
(٥) ر: اليهود من العوامّ.
بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا؟ يقلّدون علماءهم. فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.
فقال ـ عليه السّلام: بين عوامّنا وعلمائنا وبين عوامّ اليهود وعلمائهم، فرق من جهة وتسوية من جهة: أمّا من حيث استووا، فإنّ الله قد ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذمّ عوامّهم. وأمّا من حيث افترقوا، فلا.
قال: بيّن لي ذلك، يا بن رسول الله! قال ـ عليه السّلام: إنّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصّراح وبأكل الحرام والرّشاء وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشّفاعات والعنايات والمضايقات.(١) وعرفوهم بالتّعصّب الشّديد الّذي يفارقون به أديانهم. وأنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم.
وعرفوهم يقارفون المحرّمات واضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ما يفعلونه، فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله. فلذلك ذمّهم لـمّا قلّدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته ولا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه. ووجب عليهم النّظر بأنفسهم، في أمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذ كانت دلالته أوضح من أن تخفى وأشهر من أن لا تظهر (ص) لهم. وكذلك عوامّ أمّتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظّاهر والعصبية الشّديدة والتّكالب على حطام الدّنيا وحرامها وإهلاك من يتعصّبون عليه. وإن كان لإصلاح أمره مستحقّا. وبالرّفق(٢) والبر والإحسان على من تعصّبوا له. وإن كان للإذلال والإهانة مستحقّا. فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم الله تعالى بالتّقليد لفسقة فقهائهم.
وأمّا من كان من الفقهاء، صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلدوه. وذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة، لا جميعهم. فأنّ من يركب(٣) من القبائح والفواحش، مراكب فسقة فقهاء(٤) العامّة، فلا تقبلوا منهم عنّا(٥) شيئا.
ولا كرامة لهم.(٦)
__________________
(١) المصدر: المضانعات.
(٢) المصدر: بالزخرف.
(٣) المصدر: فانّه من ركب.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: منّا عنه.
(٦) ليس في المصدر.
( فَوَيْلٌ ) ، أي: تحسر وهلك.
مصدر. لا فعل له.
( لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ ) ، أي: المحرّف.
( بِأَيْدِيهِمْ ) : تأكيد.
( ثُمَّ يَقُولُونَ: هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) ، أي: يحصلوا غرضا من أغراض الدّنيا. فإنّه قليل بالنّسبة إلى عقابهم.
( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ) من المحرّف.
( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (٧٩) من الرّشى.
[وفي كتاب الاحتجاج،(١) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ بإسناده إلى أبي محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ ) : إن الأمّيّ، منسوب إلى أمّه، أي: كما هو خرج من بطن أمّه لا يقرأ ولا يكتب.( لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ) المنزل من السّماء، ولا المتكلّم(٢) به. ولا يميّزون بينهما،( إِلَّا أَمانِيَ ) ، أي: إلّا أن يقرأ عليهم.
ويقال لهم: إنّ هذا كتاب الله وكلامه. لا يعرفون إن قرئ من الكتاب، خلاف ما هم فيه.( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) ، أي: ما يقرأ عليهم رؤساؤهم، من تكذيب محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ في نبوّته وإمامة عليّ، سيّد عترته. وهم يقلّدونهم. مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) .
قال ـ عليه السّلام: قال الله تعالى: هذا القوم من اليهود، كتبوا صفة، زعموا أنّها صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. وهي خلاف صفته. وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النّبيّ المبعوث في آخر الزّمان، أنّه طويل عظيم البدن والبطن، أهدف، أصهب الشّعر.
ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ بخلافه. وهو يجيء بعد هذا الزّمان، بخمسمائة سنة. وإنّما أرادوا بذلك، لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم. وتدوم لهم إصاباتهم. ويكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وخدمة عليّ ـ عليه السّلام ـ وأهل خاصّته.
فقال الله ـ عزّ وجلّ:( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ. وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) » من هذه الصّفات المحرّمات المخالفات، لصفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ ـ عليه السّلام ـ الشّدة لهم من العذاب، في أسوء بقاع جهنم. وويل لهم الشّدّة من العذاب، ثانية مضافة
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ٢٦١.
(٢) المصدر: لا المتكذّب.
إلى الأولى، ممّا يكسبونه من الأموال الّتي يأخذونها إذا ثبتوا(١) أعوانهم على الكفر بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ والجحد لوصيّه وأخيه عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وليّ الله.
والحديث طويل. أخذت منه ما به كفاية. وتركت الباقي، خوف الإطالة.
وفي مجمع البيان(٢) : وروى الخدريّ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: أنّه واد في جهنم. يهوي فيه الكافر، أربعين خريفا، قبل أن يبلغ قعره.
وفيه(٣) : وقيل كتابتهم بأيديهم، أنّهم عمدوا إلى التّوراة. وحرّفوا صفة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ليوقعوا الشّك بذلك للمستضعفين من اليهود.
وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام].(٤)
( وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) محصورة قليلة.
روي أنّ بعضهم قالوا: نُعذّب بعدد أيّام عبادة العجل، أربعين يوما. وبعضهم قالوا: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة. وإنّما نعذّب مكان كل ألف سنة، يوما(٥) .
( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً ) : وعدا.
( فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ؟ ) :
جواب شرط محذوف، أي: إن اتّخذتم عند الله عهدا. فلن يخلف الله عهده.
وقيل: لا تقدير في مثله. ولكن ضمن الاستفهام معنى الشّرط، فأجيب بالفاء.
( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) ؟ (٨٠) :
«أم» معادلة لهمزة الاستفهام، بمعنى: كلا الأمرين كائن على سبيل التّقرير، للعلم بوقوع أحدهما، أو منقطعة، بمعنى: بل تقولون.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قوله( وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) قال(٧) : قال بنو إسرائيل: لن تمسّنا النّار. ولن نعذّب إلّا الأيّام المعدودات الّتي عبدنا فيها العجل.
فردّ الله عليهم(٨) : قل يا محمّد لهم:( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ؟ أَمْ تَقُولُونَ
__________________
(١) كذا في الأصل ور. ولعله: إذا ثبتوا، أو إذ أثبتوا، أو إذا أثبتوا. (كما في تفسير البرهان ١ / ١١٩.)
(٢) مجمع البيان ١ / ١٤٦.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكشاف ١ / ١٥٨+ أنوار التنزيل ١ / ٦٥ ـ ٦٦.
(٦) تفسير القمي ١ / ٥١. (٧) ليس في المصدر. (٨) المصدر: فرد الله عليهم فقال: وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة. قل
عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) ؟»](١)
( بَلى ) : إثبات لما نفوه من مساس النّار لهم، زمانا مديدا ودهرا طويلا، على وجه أعمّ، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم. ويختصّ بجواب النّفي.
( مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ) :
والفرق بينها وبين «الخطيئة»، أنّها قد يقال فيما يقصد بالذّات. و «الخطيئة» تغلب فيما يقصد بالعرض. لأنّها من الخطأ.
و «الكسب»: استجلاب النّفع وتعليقه بالسّيّئة، على طريق التّهكّم.
( وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) :
والمراد بها الشّرك. لأنّه ما عداه لا يستحقّ به الخلود في النّار، عندنا.
فالمراد بالإحاطة، الاستيلاء عليه، حتّى لا يخلو عنها شيء من جوانبه، كما هو شأن المشرك. فانّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق القلب والإقرار باللسان، فلم تحط الخطيئة به.
( فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ) : ملازموها في الآخرة، كما أنّهم ملازمو أسبابها في الدنيا.
( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٨١) لأن نيّاتهم في الدنيا أنّهم لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدا. فبالنيات خلّدوا.
[وفي اصول الكافي:(٢) محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد الله بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن صالح(٣) المزني، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله(٤) ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:(٥) ( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) قال: إذا جحد امامة أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ( فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
وفي كتاب التوحيد(٦) : حدثنا احمد بن زياد بن حفص الهمداني ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا علي بن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول :](٧) لا يخلد الله في النار إلّا أهل الكفر والجحود
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ١ / ٤٢٩، ح ٨٢.
(٣) المصدر: صباح.
(٤) عن أحدهما.
(٥) البقرة / ٨١.
(٦) التوحيد / ٤٠٧، ح ٦.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وأهل الضلال والشرك.
[وفي الكافي(١) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام. قال: إذا جحد إمامة أمير المؤمنين، فأولئك أصحاب النّار، هم فيها خالدون].(٢)
وقوله :
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٨٢) :
بناء على ما جرت عادته سبحانه، على أن يقرن الوعد بالوعيد، لترجى رحمته، ويخشى عذابه. ولمّا جاز أن يكون عطف العمل على الإيمان(٣) ، لزيادة الاهتمام، والإشعار بأنّه أدخل أجزاءه، لم يدلّ على خروجه من مسمّاه، مع أنّه معارض بقوله تعالى(٤) :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) . فإنّه لا نزاع في أنّ إقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة، داخلان تحت العمل الصّالح.
[وفي أصول الكافي(٥) ، بإسناده إلى أبي هاشم. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إنّما خلّد أهل النّار في النّار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدا. وإنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا، أن لو أبقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا. فبالنّيّات خلّد هؤلاء وهؤلاء. ثمّ تلا قوله تعالى(٦) ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) قال: على نيّته].(٧)
( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) :
إخبار في معنى النّهي. وهو أبلغ من التصريح، لما فيه من إيهام أنّ المنهيّ سارع إلى الانتهاء. فهو يخبر عنه. وتنصره قراءة «لا تعبدوا». وعطف قولوا عليه، فيكون على إرادة القول.
وقيل(٨) : معنان «أن تعبدوا». فلمّا حذفت، أن رفع كقوله(٩) :
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٢٩، ح ٨٢.
(٢) ما بين المعقوفتين، يوجد في أ، فقط.
(٣) في هامش النسخة الأصل: فيه رد على البيضاوي (منه)
(٤) البقرة / ٢٧٧.
(٥) الكافي ٢ / ٨٥، ح ٥.
(٦) الإسراء / ٨٤
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٦٦.
(٩) هذا البيت من معلقة طرفة بن العبد البكري، ويوجد في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الشاهد ٣٣٣ (٢ / ٣٦٢)
ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الواغى(١) |
وأن أشهد اللّذّات، هل أنت مخلدي؟ |
وتنصره قراءة «أن لا تعبدوا» ويحتمل أن تكون «أن»، مفسّرة. وأن تكون مع الفعل، بدلا من الميثاق. أو معمولا له بحذف الجارّ. وإن ادّعى في حذف حرف التّفسير، أنّ فيه نظرا.
وقيل(٢) : إنّه جواب قسم، دلّ عليه المعنى، كأنّه قيل: وإذ أقسمنا عليهم(٣) لا تعبدون وقرئ «بالتّاء»(٤) ، حكاية لما خوطبوا به، و «بالياء» لأنّهم غيّب.
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) ، متعلّق بمضمر. تقديره: وتحسنون، أو أحسنوا.
والإحسان الّذي أخذ عليهم الميثاق، هو ما فرض على أمّتنا، أيضا، من فعل المعروف بهما والقول الجميل وخفض جناح الذّلّ لهما والتّحنّن(٥) عليهما والرّأفة بهما والدّعاء بالخير لهما وما أشبه ذلك.
وفي الكافي(٦) : سئل الصّادق ـ عليه السّلام: ما هذا الإحسان؟
قال: أن تحسن صحبتهما. وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا ممّا يحتاجان إليه، وإن كانا مستغنيين. أليس الله يقول(٧) :( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) ؟
وفي التّفسير المنسوب إلى الإمام ـ عليه السّلام:(٨) قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أفضل والديكم وأحقّهما ببرّكم(٩) ، محمّد وعلى.
وقال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام:(١٠) سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: أنا وعليّ، أبوا هذه الأمّة. ولحقّنا عليهم، أعظم من حقّ أبوي ولادتهم. فإنّا ننقذهم إن أطاعونا من النّار، إلى دار القرار. ونلحقهم من العبوديّة، بخيار(١١) الأحرار.
__________________
(١) كذا في كلا المصدرين. وفي النسخ: ألا أيّهذا اللائمي أحظر الوغى.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٦.
(٣) المصدر: قال حلّقناهم.
(٤) المصدر: وقرأ نافع وابن عامر وابو عمرو وعاصم ويعقوب «بالتاء».
(٥) أ: التحسّن.
(٦) الكافي ٢ / ١٥٧، ح ١.
(٧) آل عمران / ٩٢.
(٨) تفسير العسكري / ١٥٤.
(٩) المصدر: لشكركم.
(١٠) نفس المصدر ونفس الموضع.
(١١) أ: لخيار.
( وَذِي الْقُرْبى ) من آبائكم وأمّهاتكم.
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله:(١) من رعى حقّ قرابات أبويه، أعطي في الجنّة ألف ألف درجة.
ثمّ فسّر الدّرجات. ثمّ قال: ومن رعى حقّ قرابة(٢) محمّد وعليّ، أوتي من فضائل الدّرجات وزيادة المثوبات، على قدر زيادة(٣) فضل محمّد وعليّ، على أبوي نسبه.(٤)
( وَالْيَتامى ) :
جمع يتيم، كندامى، جمع نديم. وهم الّذين فقدوا آباءهم المتكفّلين بأمورهم.
وروي(٥) أنّ(٦) أشدّ من يتم هذا اليتيم، يتم يتيم غاب عن إمامه(٧) . لا يقدر على الوصول إليه. ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به، من شرائع دينه. ألا فمن كان من شيعتنا، عالما بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا، يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا، كان معنا في الرّفيق الأعلى.
( وَالْمَساكِينِ ) :
جمع مسكين(٨) . والمسكين، مفعيل من السّكون، كأنّ الفقّر، أسكنه.
( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) ، أي: قولا حسنا.
وسمّاه «حسنا»، للمبالغة.
وقرئ حسنا (بفتحتين) وحسنا (بضمّتين) ـ وهو لغة الحجاز ـ وحسنى.
[قيل على أنّه مصدر.(٩) وفيه نظر، إذ كون فعلى مصدرا سماعيا(١٠) ولم ينقل من العرب «حسنى»، مصدر «حسن»، كما قال أبو حيّان: و «الأحسن»، أنّه صفة لموصوف محذوف، أي: كلمة حسنى، أو: مقالة حسنى].(١١) قيل على أنّه اسم تفضيل(١٢) ،( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) ، أي: معروفا.
__________________
(١) نفس المصدر / ١٥٥.
(٢) المصدر: قربى.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: نفسه.
(٥) نفس المصدر / ١٥٧.
(٦) المصدر: و.
(٧) المصدر: يتيم ينقطع عن إمامه.
(٨) ليس في أ.
(٩) مجمع البيان ١ / ١٤٩.
(١٠) الأصل ور: سماعي.
(١١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
روى جابر، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى( قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) قال(١) : قولوا للنّاس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم. فإنّ الله يبغض اللّعّان السّبّاب الطّعّان على المؤمنين الفاحش المتفحّش السّائل الملحف. ويحب الحليم العفيف المتعفّف.
واختلف أنّه هل هو عامّ في المؤمن والكافر؟ أو هو خاصّ في المؤمن :
والأوّل مرويّ عن الصّادق ـ عليه السّلام.(٢)
[وفي كتاب الخصال(٣) ، عن أبي عبد الله، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ في قول الله تعالى( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) » قال: نزلت في أهل الذّمّة. ثمّ نسخها قوله تعالى(٤) ( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) . (الآية)
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تهذيب الأحكام(٥) : أحمد بن محمّد [بن عيسى]،(٦) عن الحسين بن سعيد، عن أبي عليّ. قال: كنّا عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام. فقال رجل: جعلت فداك! قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) هو الناس(٧) جميعا.
فضحك. وقال: لا! عنى: قولوا محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى أهل بيته ـ عليهم السّلام.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) ، عن حريز عن سدير(٩) . قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: أطعم رجلا سائلا لا أعرفه مسلما؟
قال: نعم! أطعمه ما لم تعرفه بولاية ولا بعداوة. أنّ الله يقول:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) .
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٥٠.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) عنه في تفسير الصافي ١ / ١٥٢.
(٤) التوبة / ٢٩.
(٥) تهذيب الأحكام ٣ / ٥٥، ذيل ح ١٩٠.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: للناس.
(٨) تفسير العياشي ١ / ٤٨، ح ٦٤ وله تتمة.
(٩) المصدر: برير. والظاهر هي خطأ. ويحتمل أن يكون: بريد. لأن سدير وبريد، كلاهما من أصحاب الصادق ـ عليه السّلام. وبرير من أصحاب أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ (ر. رجال النجاشي / ١١٢+ تنقيح المقال ١ / ١٦٤ ـ ١٦٦، ١٦٧)
عن عبد الله بن سنان(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سمعته يقول: اتقوا الله. ولا تحملوا النّاس على أكتافكم. إنّ الله يقول في كتابه:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )
وفي أصول الكافي(٢) ، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: (حديث طويل) إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فرض الإيمان على جوارح ابن آدم. وقسّمه عليها. وفرّقه فيها. وفرض الله على اللّسان القول والتّعبير عن القلب، بما عقد عليه. وأقرّ به. قال الله ـ تبارك وتعالى ـ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) .
وبإسناده(٣) إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) قال: قولوا للنّاس حسنا. ولا تقولوا إلّا خيرا، حتّى تعلموا ما هو.
وفي مصباح الشّريعة(٤) : قال الصّادق ـ عليه السّلام: ولا تدع النّصيحة في كلّ حال. قال الله ـ عزّ وجلّ:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) .»](٥)
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) :
يريد بهما، ما فرض عليهم في ملّتهم.
( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ ) :
يريد به من أقام اليهوديّة على وجهها، ومن أسلم منهم.
( وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) (٨٣)، أي: عادتكم الإعراض عن الوفاء والطّاعة.
وفي هذه الآية، دلالة على ترتيب الحقوق. فبدأ الله سبحانه بذكر حقه وقدمه، على كلّ حقّ. لأنّه المنعم بأصول النّعم. ثمّ ثنّى بحقّ الوالدين. وخصّهما بالمزيّة. لكونهما سببا للوجود. وإنعامهما بالتّربية. ثمّ ذكر ذوي القربى. لأنّهم أقرب إلى المكلّف من غيرهم. ثمّ ذكر حقّ اليتامى لضعفهم، والفقراء لفقرهم.
( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ) ، على نحو ما سبق.
و «السفك»: الصّبّ.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٦٥ وله تتمة.
(٢) الكافي ٢ / ٣٣ ـ ٣٥، مقاطع من ح ١.
(٣) نفس المصدر ٢ / ١٦٤، ح ٩.
(٤) شرح فارسى مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة ١ / ٢٥٧.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) :
والمراد به، أن لا يتعرّض بعضهم بعضا بالقتل والإجلاء عن الوطن.
وجعل قتل الرّجل غيره قتل نفسه، لاتّصاله به نسبا أو دينا، أو لأنّه يوجبه قصاصا.
وقيل(١) : المراد به أن لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم.
وقيل(٢) : لا تفعلوا ما يصرفكم(٣) عن الحياة الأبديّة. فإنّه القتل في الحقيقة.
ولا تقترفوا ما يمنعكم(٤) عن الجنّة الّتي هي داركم. فإنّه الجلاء الحقيقيّ.
( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ) بالميثاق. واعترفتم بلزومه.
( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) (٨٤) :
توكيد قولك(٥) أقرّ فلان شاهدا على نفسه.
وقيل(٦) معناه: وأنتم تحضرون سفك دمائكم [وإخراج أنفسكم من دياركم].(٧) وقيل(٨) : يشهد كلّ واحد على إقرار غيره.
وقيل(٩) : معناه: وأنتم، أيّها الموجودون! تشهدون على إقرار أسلافكم. فيكون إسناد الإقرار إليهم، مجازا.
قال بعض المفسّرين(١٠) : نزلت الآية، في بني قريظة. وقيل: نزلت في أسلاف اليهود.
( ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) :
استبعادا لما أسند إليهم، من القتل والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق عنهم وإقرارهم وشهادتهم.
و «أنتم»، مبتدأ و «هؤلاء»، خبره، على معنى «أنتم بعد ذلك هؤلاء الشّاهدون»، يعني: أنّكم قوم آخرون، غير أولئك المقرّين. تنزيلا لتغيّر الصّفة، منزلة تغيّر
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦٧.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) المصدر: ما بردّكم ويصرفكم.
(٤) المصدر: ما يمنعون به.
(٥) أ: لقولك.
(٦) مجمع البيان ١ / ١٥٢.
(٧) ليس في أ.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع، باختلاف في اللفظ.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٦٧.
(١٠) مجمع البيان ١ / ١٥٢.
الذّات، كما تقول: «رجعت بغير الوجه الّذي خرجت به» وعدهم باعتبار ما أسند إليهم، حضورا وباعتبار ما سيحكى عنهم، غيبا.
( تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ) :
إمّا حال، والعامل معنى الإشارة. أو بيان لهذه الجملة.
وقيل(١) : هؤلاء، تأكيد أو بدل(٢) . والخبر، هو الجملة.
وقيل(٣) : بمعنى «الّذين» والجملة صلة والمجموع، هو الخبر، كقوله(٤) :
عدس ما لعباد عليك إمارة |
نجوت وهذا تحملين طليق |
وقرئ «تقتلون» (على التّفعيل، للتّكثير.)( تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) :حال من فاعل «تخرجون»، أو من مفعوله، أو كليهما. ويحتمل أن يكون اعتراضا لبيان أنّ إخراجهم ظلم وعدوان.
والتّظاهر: التّعاون والظّهير: المعين.
والإثم: الفعل القبيح الّذي يستحقّ به اللّوم. وقيل(٥) : هو ما تنفّر منه النّفس.
ولم يطمئنّ إليه القلب. ومنه قول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لنواس بن سمعان، حين سأله عن البرّ والإثم، فقال: «البرّ»، ما اطمأنّت إليه نفسك. «والإثم» ما حكّ في صدرك. و «العدوان»، الإفراط في الظّلم.
وقريء بحذف إحدى التّائين وبإثباتهما.
و «تظهرون»، بمعنى تتظهّرون.
( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ ) :
روي(٦) أنّ قريظة، من اليهود. كانوا حلفاء الأوس، من المشركين. والنّضير، من اليهود. كانوا حلفاء الخزرج، من المشركين. وكانت قريظة والنّضير، أخوين، كالأوس والخزرج. فافترقوا. فكانت الخزرج مع النّضير وقريظة مع الأوس. فإذا اقتتل(٧) الحلفاء ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦٧.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) مجمع البيان ١ / ١٥٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) الكشاف ١ / ١٦١+ مجمع البيان ١ / ١٥٣.
(٧) أ: أقتل.
عاون كلّ فريق حلفاءه، في القتل وتخريب الدّيار وإجلاء أهلها. وإذا أسر أحد من الفريقين، جمعوا الأسراء حتّى يفدوهم بمثلهم ممّن أسره الفريق الآخر منهم، تصديقا لما في التوراة. فالأوس والخزرج، أهل شرك. يعبدون الأوثان. لا يعرفون جنّة ولا نار ولا قيامة ولا كتابا. فأنّب الله اليهود، بما فعلوه من مخالفة التوراة، في القتل والإجلاء والموافقة في المفاداة.
وقيل(١) : معناه: وإن يأتوكم أسارى في أيدي الشّياطين، تتصدّون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ، مع تضييعكم أنفسكم، كقوله تعالى:(٢) ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) .
والأوّل أقرب، بحسب اللّفظ، وسياق الكلام.
وقرأ حمزة(٣) : أسرى. وهو جمع أسير، كجريح وجرحى. وأسارى جمعه، كسكرى وسكارى. وقيل: هو ـ أيضا ـ جمع أسير. وكأنّه شبّه بالكسلان وجمع جمعه.
ووجه الشّبه: أنّ كّلا منهما، محبوس عن كثير من تصرّفه.
وقيل(٤) : الأسارى: الّذين هم في الوثاق. والأسرى: الّذين هم في اليد. وإن لم يكونوا في الوثاق.
وقرئ(٥) : تفدوهم.
( وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ ) :
متعلّق بقوله( وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ) ، تعلّق الحال بعاملها، أو صاحبها.
والنكتة في إعادة تحريم الإخراج. وقد أفاده( لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ) بأبلغ وجه. وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل، أنّهم انقادوا حكما في باب المخرج. وهو الفداء. وخالفوا حكما. وهو الإخراج. فجمع مع الفداء، معرفة الإخراج، ليتّصل به قوله «أفتؤمنون» (إلى آخره)، أشدّ اتصال. ويتّضح كفرهم بالبعض، وإيمانهم بالبعض، كمال الاتّضاح، حيث وقع في حقّ شخص واحد.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٦٧.
(٢) البقرة / ٤٤.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) مجمع البيان ١ / ١٥٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
والضّمير، للشّأن، كما في قوله(١) ( هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) أو مبهم، ليفسّره إخراجهم، كقوله(٢) :( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) ، أو راجع إلى ما دلّ عليه تخرجون من المصدر.
و «إخراجهم»، تأكيد. ويحتمل أن يكون راجعا إلى إخراجهم. لأنّه مبتدأ، قدّم عليه الخبر. فالمرجع مقدّم رتبة.
( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ) ، كالفداء.
( وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) ، كحركة القتل والإجلاء.
( فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) ، كقتل قريظة وسبيهم وإجلاء النضير.
وأصل الخزي: ذلّ يستحى منه. ولذلك يستعمل في كلّ منهما.
( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ) ، من عذاب غيرهم، من نظائرهم. لأنّ عصيانهم أشدّ من عصيانهم.
( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (٨٥) :
تأكيد للوعيد: أي: الله تعالى بالمرصاد. لا يغفل عن أفعالهم.
[وفي أصول الكافي(٣) ، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. أنّه قال: الوجه الرّابع من الكفر: ترك ما أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ به. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ. وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ. وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ. تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ. وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ. فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ ) . فكفرهم بترك ما أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ به. ونسبهم إلى الإيمان. ولم يقبل(٤) منهم.
ولم ينفعهم عنده. فقال:( فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب علل الشرايع(٥) ، بإسناده إلى عبد الله بن يزيد بن سلام(٦) . أنّه سأل
__________________
(١) الإخلاص / ١.
(٢) المؤمنون / ٣٧.
(٣) الكافي ٢ / ٣٩٠.
(٤) المصدر: لم يقبله.
(٥) علل الشرائع / ٤٧٠.
(٦) المصدر: أبي عبد الله بن يزيد.
رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: أخبرني عن القيامة، لم سمّيت القيامة؟
قال: لأنّ فيها قيام الخلق للحساب.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) (الآية)(٢) فإنّها نزلت في أبي ذرّ ـ رحمه الله ـ وعثمان بن عفّان. وكان سبب ذلك، لـمّا أمر عثمان بنفي أبي ذرّ ـ رحمه الله ـ إلى الرّبذة، دخل عليه أبو ذرّ ـ رضى الله عنه. وكان عليلا متوكّئا على عصاه، وبين يدي عثمان، مائة ألف درهم، قد حملت إليه من بعض النّواحي، وأصحابه حوله ينظرون إليه، ويطمعون أن يقسّمها فيهم.
فقال أبو ذرّ لعثمان: ما هذا المال؟
فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إلىّ من بعض النّواحي. أريد أن أضمّ إليها مثلها. ثمّ أرى فيها رأيي.
قال أبو ذرّ: يا عثمان! أيّما أكثر؟ مائة ألف درهم، أو أربعة دنانير؟
فقال عثمان: بل مائة ألف درهم.
فقال أبو ذر: أما تذكر أنا وأنت قد دخلنا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عشاء(٣) ، فرأيناه كئيبا حزينا. فسلّمنا عليه. فلم يردّ علينا السّلام. فلمّا أصبحنا أتيناه.
فرأيناه ضاحكا مستبشرا. فقلنا له: بآبائنا وأمّهاتنا! دخلنا عليك(٤) البارحة، فرأيناك كئيبا حزينا. ثمّ عدنا إليك اليوم، فرأيناك ضاحكا(٥) مستبشرا.
فقال: نعم! كان قد بقي عندي من فيء المسلمين، أربعة دنانير، لم أكن قسّمتها.
خفت أن يدركني الموت، وهي عندي. وقد قسّمتها اليوم. واسترحت منها.
فنظر عثمان إلى كعب الأحبار. وقال له: يا أبا إسحاق! ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء؟
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٥١ ـ ٥٤.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: عشيّا.
(٤) المصدر: إليك.
(٥) المصدر: فرحا.
فقال لا! ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ما وجب عليه شيء.
فرفع أبو ذرّ عصاه، فضرب بها رأس كعب. ثمّ قال له: يا ابن اليهوديّة الكافرة! ما أنت والنّظر في أحكام المسلمين؟ قول الله أصدق من قولك، حيث قال(١) :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ. هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) .
فقال عثمان: يا أبا ذرّ! إنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك. ولو لا صحبتك لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لقتلتك.
فقال كذبت، يا عثمان! أخبرني حبيبي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: «لا يفتنونك يا أبا ذرّ! ولا يقتلونك» وأمّا عقلي فقد بقي منه ما أحفظ(٢) حديثا سمعته من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيك وفي قومك.
قال: وما سمعته(٣) من رسول الله فيّ وفي قومي؟
قال: سمعته(٤) يقول حديثا سمعته من رسول الله إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلا، صيّروا مال الله دولا، وكتاب الله دغلا، وعباده خولا، والفاسقين حزبا، والصّالحين حربا.
فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمّد! هل سمع أحد منكم هذا من رسول الله؟
فقالوا: لا! ما سمعنا هذا من رسول الله.
فقال عثمان: ادع عليّا.
فجاء أمير المؤمنين ـ عليه السّلام. فقال له عثمان: يا أبا الحسن! انظر ما يقول هذا الشّيخ الكذّاب.
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: مه، يا عثمان! لا تقل كذّاب. فإنّي سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ.
فقال أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: صدق أبو ذرّ. فقد سمعنا هذا من
__________________
(١) التوبة / ٣٤.
(٢) المصدر: أحفظه.
(٣) المصدر: فقال: وما سمعت.
(٤) المصدر: سمعت.
رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
فبكى أبو ذرّ، عند ذلك. فقال: ويلكم! كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال، ظننتم أنّى أكذب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
ثمّ نظر إليهم. فقال: من خيركم(١) ؟
فقالوا: أنت تقول إنّك خيرنا.
قال نعم! خلّفت حبيبي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في هذه الجبّة، وهي عليّ بعد.(٢) وأنتم قد أحدثتم أحداثا كثيرة. والله سائلكم عن ذلك. ولا يسألنى.
فقال عثمان: يا أبا ذر! أسألك بحقّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه.
فقال أبو ذر: والله لو لم تسألني بحقّ محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أيضا، لأخبرتك.
فقال: أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها؟
فقال: مكّة حرم الله وحرم رسوله. أعبد الله فيها، حتّى يأتينى الموت.
فقال: لا! ولا كرامة لك.
قال: المدينة حرم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
قال: لا. ولا كرامة لك.
قال(٣) : فسكت أبو ذرّ.
فقال عثمان: أيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟
قال: الرّبذة الّتي كنت فيها على غير دين الإسلام.
فقال عثمان: سر إليها.
فقال أبو ذرّ: قد سألتني، فصدقتك. وأنا أسألك، فأصدقني.
قال: نعم! قال: أخبرني لو بعثتني في بعث من أصحابك إلى المشركين، فأسروني، فقالوا لا نفديه إلّا بثلث ما تملك.
__________________
(١) المصدر: فقال من خيركم؟ فقالوا: من خيرنا؟ فقال: أنا.
(٢) المصدر: وهو عنّي راض.
(٣) ليس في المصدر.
قال: كنت أفديك.
قال: فإن قالوا لا نفديه إلّا بنصف ما تملك.
قال: كنت أفديك.
قال: فإن قالوا لا نفديه إلّا بكلّ ما تملك؟
قال: كنت أفديك.
قال: أبو ذرّ: الله أكبر! قال لي حبيبي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوما: يا أبا ذرّ! كيف أنت إذا قيل لك أيّ البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها، فتقول مكّه حرم الله وحرم رسوله، أعبد الله فيها حتى يأتيني الموت، فيقال لك لا ولا كرامة لك، فتقول فالمدينة حرم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيقال لك لا ولا كرامة لك، ثمّ يقال فأيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها، فتقول الربذة الّتي كنت فيها على غير دين الإسلام، فيقال لك سر إليها؟
فقلت: إنّ هذا لكائن؟ يا رسول الله! قال: إي! والّذي نفسي بيده إنّه لكائن.
فقلت: يا رسول الله! أفلا أضع سيفي(١) على عاتقي، فأضرب به قدما قدما؟
قال: لا اسمع، واسكت، ولو لعبد حبشيّ. وقد أنزل الله فيك وفي عثمان آية.
فقلت: وما هي. يا رسول الله! قال: قوله ـ تبارك وتعالى ـ( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ. وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى، تُفادُوهُمْ. وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ. أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ].(٢)
( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ. فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) بأن يهون عليهم.
«واختلف في الخفّة والثّقل :
__________________
(١) المصدر: سيفي هذا.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
فقيل: إنّه يرجع إلى تناقص الجواهر وتزايدها.
وقيل: إنّ الاعتماد اللازم سفلا، يسمّى ثقلا، والاعتقاد اللازم المختصّ بجهة العول، يسمّى خفّة.»(١) والمراد به في الآية، المعنى الشّامل للخفّة، بحسب تناقض الأجزاء، وبحسب انتقاص الكيفيّة.
[وللنّقص، الجزية في الدّنيا والتّعذيب في الآخرة].(٢) ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (٨٦) بدفعهما عنهم(٣) .
وفي الآية، دلالة على أنّ من آمن ببعض أحكام الله وكفر ببعض آخر، مع معرفته(٤) بأنّهما حكم الله، كافر خالد في العذاب لا تخفيف في عذابه ولا نصر له فيه.
ولا شكّ أنّ النّواصب، أكثرهم بهذه الصّفة. فهم أجدر بأن ينصب لهم علم الكفر.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) ، أي: أرسلنا على أثره الرّسل(٥) ، يتبع الآخر الأوّل، في الدّعاء إلى ما دعا الأوّل. لأنّ كلّ نبيّ بعث من بعد موسى، إلى زمن عيسى، فإنّما بعث على إقامة التوراة.
من قفّاه، إذا أتبعه. وقفّاه به: أتبعه إيّاه من القفا، نحو ذنبه من الذّنب.
والرّسل على ما ذكره صاحب الكشّاف(٦) وغيره هم: يوشع وإشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزيز وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريّا ويحيى وغيرهم.
( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ) المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل.
و «عيسى» بالعبريّة: إيشوع. و «مريم» بمعنى الخادم. وهو بالعربيّة من النّساء، كالزّير من الرّجال. قال رؤبة :
قلت لزير لم تصله مريمه |
ضليل أهواء الصّبيّ تندمه |
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٥٤.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: عنه.
(٤) أ: معرفة.
(٥) ليس في أ.
(٦) الكشاف ١ / ١٦١.
والزّير (بكسر الزّاي) من الرّجال، الّذي يحبّ محادثة النّساء ومجالستهنّ. ووزنه مفعل، إذ لم يثبت فعيل.
( وَأَيَّدْناهُ ) : قوّيناه.
قيل(١) : قرئ آيدناه، على وزن أفعلناه.
( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) : «بالرّوح المقدّسة، كقولك: حاتم الجود. ورجل صدق.
والمراد، جبرئيل ـ عليه السّلام. وقيل: روح عيسى ـ عليه الصلاة والسّلام.
ووصفها به، لطهارته عن مسّ الشّيطان، أو لكرامته على الله تعالى. ولذلك أضافه إلى نفسه تعالى، أو لأنّه لم تضمّه الأصلاب ولا الأرحام الطّوامث، أو الإنجيل، أو اسم الله الأعظم الّذي كان به يحيي الموتى.
وقرا ابن كثير: القدس (بالإسكان)، في جميع القرآن.»(٢)
[وفي أصول الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين ابن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن جابر الجعفيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. ذكرناه بتمامه أوّل الواقعة. وفيه يقول: هم رسل الله ـ عليهم السّلام ـ وخاصّة الله من خلقه. جعل فيهم خمسة أرواح. أيّدهم بروح القدس.
فبه عرفوا الأشياء.
وبإسناده(٤) إلى المنخّل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: سألته عن علم العالم.
فقال لي: يا جابر! إنّ في الأنبياء والأوصياء، خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوّة وروح الشّهوة. فبروح القدس، يا جابر! عرفوا ما تحت العرش، إلى ما تحت الثّرى.
ثمّ قال: يا جابر! إنّ هذه الأربعة الأرواح، يصيبها الحدثان، إلّا روح القدس.
فإنّها لا تلهو ولا تلعب.
وبإسناده(٥) إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٥٥+ أنوار التنزيل ١ / ٦٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٨.
(٣) الكافي ١ / ٢٧١ ـ ٢٧٢، ضمن ح ١.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٧٢، ح ٢.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
ـ عليه السّلام. قال: سألته عن علم الإمام، بما في أقطار الأرض وهو في بيته، مرخى عليه ستره؟
فقال: يا مفضّل! إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ جعل في النّبيّ ـ عليه السّلام ـ خمسة أرواح: روح الحياة. فبه دبّ ودرج، وروح القوّة. فبه نهض وجاهد، وروح الشّهوة. فبه أكل وشرب وآتى النّساء من الحلال، وروح الإيمان. فبه آمن وعدل، وروح القدس. فبه حمل النّبوّة. فإذا قبض النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ انتقل روح القدس. فصار إلى الإمام. وروح القدس، لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ولا يلعب.(١) والأربعة الأرواح، تنام وتغفل وتلهو وتزهو. وروح القدس كان يرى به].(٢)
( أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ) : بما لا تحبّه.
ووسطت الهمزة، بين الفاء وما تعلّقت به، توبيخا لهم، على تعقيبهم ذلك بهذا، وتعجيبا من شأنهم. ويتحمل أن يكون استئنافا.
و «الفاء» للعطف، على مقدّر.
( اسْتَكْبَرْتُمْ ) عن الإيمان واتباع الرّسل؟
( فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ ) ، كموسى وعيسى.
( وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) (٨٧)، كزكريّا ويحيى.
وفي التّعبير بالمضارع، استحضار للحال الماضية في النّفوس، ورعاية للفواضل، ودلالة على أنّهم بعد فيه. فإنّهم يحومون حول محمّد، لولا أنّي أعصمه منهم.
[وفي أصول الكافي،(٣) بإسناده إلى منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.
قال: «[ا فكلّما](٤) جاءكم» محمّد( بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ) بموالاة عليّ( اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً ) من آل محمّد( كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) ؟»
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) ، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: أمّا قوله( أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ) (الآية)، قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: ذلك مثل موسى والرّسل من بعده وعيسى. ضرب مثلا لأمّة محمّد. وقال(٦) الله لهم: فإن
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) الكافي ١ / ٤١٨، ح ٣١.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٤٩، ح ٦٨.
(٦) المصدر: ضرب لأمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ مثلا. فقال.
( جاءَكُمْ ) محمّد( بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ) بموالاة عليّ( اسْتَكْبَرْتُمْ ) (١) ( فَفَرِيقاً ) من آل محمّد( كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) فذلك تفسيرها، في الباطن.
وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ ـ رحمه الله ـ عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليّ، عن عمّار بن مروان، عن منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال:( أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ ) (٣) »، محمّد،( بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ ) بموالاة عليّ( اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً ) [من آل محمّد](٤) ( كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) ].(٥)
( وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ) : جمع أغلف، أي: هي خلقة وجبلة مغشّاة بأغطية. لا يصل إليها ما جاء به محمّد. ولا تفقّهه. مستعار من الأغلف الّذي لم يختن.
وقيل(٦) : أصله [غلف](٧) جمع غلاف، [ككتب وكتاب وحمر وحمار](٨) فخفّف.
والمعنى: أنّها أوعية العلم. لا تسمع علما إلّا وعته ولا تعي ما يقول(٩) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو نحن مستغنون بما فيها، عن غيره.
وروي(١٠) في الشّواذّ، غلف (بضمّ اللّام) عن أبي عمرو.
( بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ) :
ردّ لما قالوا، يعني: أنّها خلقت على الفطرة، والتّمكّن من قبول الحقّ. ولكنّ الله خذلهم بسبب كفرهم. فهم الّذين غلفوا قلوبهم، بما أحدثوا من الكفر الزّائغ عن الفطرة. وتسبّبوا بذلك، لمنع الألطاف، أو هم كفرة ملعونون، فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله؟
( فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ) (٨٨): فإيمانا قليلا يؤمنون.
و «ما» مزيدة للمبالغة في التّقليل. وهو إيمانهم ببعض الكتاب، كالمفاداة.
__________________
(١) المصدر: استكبرتم بموالاة عليّ.
(٢) تاويل الآيات الباهرة / ٢٥.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) ما بين القوسين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٦٨ ـ ٦٩.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) المصدر وأ: تقول.
(١٠) مجمع البيان ١ / ١٥٧.
وقيل(١) : معناه «ويؤمنون وهم قليل.» وقيل(٢) : يجوز أن يكون القلّة، بمعنى العدم.
( وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : هو القرآن.
( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ) من كتابهم، لا يخالفه.
وقرئ «مصدّقا»، على الحال، لتخصيصه بالوصف. وهو من عند الله. وجواب «لمّا» محذوف. وهو، «كذّبوا به واستهانوا بمجيئه.»( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، أي: يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم. قالوا: أللّهمّ انصرنا بالنّبيّ المبعوث في آخر الزّمان الّذي نجد نعته في التوراة.
ويقولون لاعدائهم من المشركين: قد أظلّ زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا. فنقتلكم معه، أو يفتحون عليهم. ويعرّفونهم أنّ نبيّا يبعث منهم. وقد قرب زمانه.
و «السّين»، للمبالغة كما في استعجب واستحجر، أي: يسألون أنفسهم الفتح عليهم، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم. والشيء بعد الطّلب، أبلغ، كقولهم: مر مستجلا، أي: مر طالبا للعجلة من نفسه. [( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا ) : من نعت محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ( كَفَرُوا بِهِ ) حسدا وخوفا على الرّئاسة.( فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) (٨٩).
اللّعن، هو الإقصاء والابعاد. وأتى بالمظهر للدّلالة على أنّهم لعنوا لكفرهم.
فيكون اللّام، للعهد. ويجوز أن يكون للجنس. ويدخل فيه دخولا أوليّا].(٣)
روى العيّاشي(٤) ، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: [في قوله( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) ](٥) قال: كانت اليهود تجد في كتبها، أنّ مهاجر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما بين عير وأحد. فخرجوا يطلبون المواضع فمرّوا بجبل، يقال له «حدّاد». فقالوا: «حدّاد وأحد سواء». فتفرّقوا عنده.
فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك وبعضهم بخيبر. فاشتاق الّذين بتيماء إلى بعض إخوانهم.
فمرّ بهم أعرابي من قيس. فتكاروا منه. وقال لهم: أمرّ بكم ما بين عير وأحد؟
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٩، باختلاف بسيط في اللفظ.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٤٩، ح ٦٩.
(٥) ليس في أ.
فقالوا له: إذا مررت بهما فآذنّا بها(١) .
فلمّا توسّط بهم أرض المدينة، قال لهم: ذلك عير. وهذا أحد.
فنزلوا عن ظهر إبله. وقالوا له: قد أصبنا بغيتنا. فلا حاجة لنا إلى إبلك.(٢) فاذهب حيث شئت. وكتبوا إلى إخوانهم الّذين بفدك وخيبر، إنّا أصبنا الموضع. فهلمّوا إلينا.
فكتبوا إليهم، إنّا قد استقرّت بنا الدّار، واتّخذنا بها(٣) الأموال، وما أقربنا منكم. فإذا كان ذلك، فما أسرعنا إليكم.
واتّخذوا بأرض المدينة أموالا.(٤) فلمّا كثرت أموالهم بلغ ذلك تبّع. فغزاهم.
فتحصّنوا منهم.(٥) فحاصرهم. [وكانوا يرقّون للضّعفاء أصحاب تبّع ويلقون إليهم باللّيل التّمر والشّعير. فبلغ ذلك تبّع. فرّق لهم].(٦) وآمنهم فنزلوا عليه.
فقال لهم: إنّي قد استطبت بلادكم، ولا أراني إلّا مقيما فيكم.
فقالوا له:(٧) [إنّه] ليس ذلك لك. إنّها مهاجر نبيّ. وليس ذلك لأحد حتّى يكون ذلك.
فقال لهم: فإنّي مخلّف فيكم من أسرتي، من إذا كان ذلك، ساعده ونصره.
فخلّف [فيهم](٨) حيّين الأوس والخزرج. فلمّا كثروا بها، كانوا يتناولون أموال اليهود. فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ لنخرجنّكم من ديارنا وأموالنا.
فلمّا بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود.
وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ، ما عَرَفُوا ) [من نعت محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٩) ( كَفَرُوا بِهِ ) [حسدا وخوفا على الرئاسة](١٠) ( فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) .
[وفي روضة الكافي(١١) ، مثله، سواء.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١٢) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن
__________________
(١) المصدر: فارنا.
(٢) المصدر: بغتينا فلا حاجة لنا في إبلك.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: الأموال. (٥) المصدر: منه. وهو الظاهر.
(٦) ليس في أ.
(٧ و ٨) يوجد في المصدر.
(٩ و ١٠) يوجد في أ، فقط.
(١١) الكافي ٨ / ٣٠٨، ح ٤٨١. (١٢) تفسير القمي ١ / ٣٢ ـ ٣٣.
أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنّصارى. يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، يَعْرِفُونَهُ ) ، يعني: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) . لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أنزل عليهم في التّوراة والإنجيل والزّبور، صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصفة أصحابه ومبعثه ومهاجرته. وهو قوله تعالى(١) :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً. يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً. سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ) . فهذه صفة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في التوراة والإنجيل وصفة أصحابه.
فلمّا بعثه الله ـ عزّ وجلّ ـ عرفه أهل الكتاب، كما قال ـ جلّ جلاله:( فَلَمَّا جاءَهُمْ، ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ ) .
فكانت اليهود، يقولون للعرب، قبل مجيء النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: أيّها العرب! هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة. ويكون مهاجرته بالمدينة. وهو آخر الأنبياء.
وأفضلهم. في عينيه حمرة. وبين كتفيه خاتم النّبوّة الشّملة. ويجتزئ بالكسرة والتّمرات.
ويركب الحمار العريّ. وهو الضّحوك القتّال. يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي من لاقى.
يبلغ سلطانه منقطع الخفّ والحافر. لنقتلنّكم به، يا معشر العرب! قتل عاد.
فلمّا بعث الله نبيّه بهذه الصّفة، حسدوه وكفروا به، كما قال الله:( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ ) .
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ، يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا. كَفَرُوا بِهِ ) .
قال: كان قوم فيما بين محمّد وعيسى ـ صلّى الله عليهما. وكانوا يتوعّدون أهل الأصنام، بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله. ويقولون: ليخرجنّ نبيّ. فليكسرنّ أصنامكم.
وليفعلنّ بكم وليفعلن. فلمّا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كفروا به.
وفي أصول الكافي(٣) ، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله
__________________
(١) الفتح / ٢٩.
(٢) الكافي ٨ / ٣١٠، ح ٤٨٢.
(٣) الكافي ٢ / ٣٨٩ ـ ٣٦٠.
ـ عليه السّلام. قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر، في كتاب الله ـ عزّ وجلّ.
قال: الكفر في كتاب الله، على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود. [والجحود](١) على وجهين ـ إلى قوله ـ أمّا الوجه الآخر من الجحود، على معرفة. وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده. وقد قال الله ـ عزّ وجلّ ـ(٢) ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) . وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا. فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ. فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) ].(٣)
( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) :
«ما» نكرة، موصوفة بالجملة الّتي بعده. مميّز لفاعل «بئس» المستكنّ فيه.
ومعناه: بئس شيء باعوا به أنفسهم، أو شروا به أنفسهم، بحسب ظنّهم، فإنّهم ظنّوا أنّهم أخلصوا أنفسهم من العقاب، بما فعلوا.
( أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) : هو المخصوص بالذّمّ.
( بَغْياً ) : طلبا لما ليس لهم وحسدا، تعليل للكفر.
( أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ ) ، أي: لأن ينزّل الله، أي: حسدوا لذلك.
( مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) : على من اختاره للرّسالة.
( فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ) : فصاروا أحقّاء بغضب مترادف.
( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ) (٩٠) لهم، بخلاف عذاب العاصي فانّه طهرة لذنوبه.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : روى محمّد بن يعقوب ـ رحمه الله ـ عن عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن منخّل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: نزل جبرئيل بهذه الآية على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هكذا.( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) في عليّ( بَغْياً ) . (الآية).
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن جابر. قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية،(٦) من قول الله( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ ) ، قال: تفسيرها في الباطن: لما
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) النمل / ١٤.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) تأويل الآيات الباهرة / ٢٥.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٥٠، ح ٧٠.
(٦) المصدر: عن.
جاءهم ما عرفوا في عليّ كفروا به فقال الله [فيهم: «( فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ ) في باطن القرآن.
قال أبو جعفر](١) فيه: يعني بني أميّة. هم الكافرون في باطن القرآن.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: نزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هكذا:( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) في عليّ «( بَغْياً ) . وقال الله في عليّ:( أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) ، يعني: عليّا. قال الله:( فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ) ، يعني: بني أميّة. و( لِلْكافِرِينَ ) ، يعني: بني أميّة، «( عَذابٌ مُهِينٌ ) ].(٢)
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) : يعمّ جميع ما جاء به أنبياء الله.
( قالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) ، أي: بالتوراة.
( وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ) :
قال ابن الأنباريّ(٣) : تمّ الكلام عند قوله( بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) : ثمّ ابتدأ بالإخبار عنهم.
وصاحب الكشّاف(٤) ، على أنّه حال عن الضّمير في «قالوا»، أي: قالوا ذلك والحال أنّهم يكفرون بما وراء التوراة.
والأوّل، أقرب.
و «وراء»، في الأصل، مصدر. جعل ظرفا. ويضاف إلى الفاعل. فيراد ما يتوارى به، وهو خلفه. وإلى المفعول، فيراد به، ما يواريه، وهو قدّامه. ولذلك عدّ من الأضداد.
وقال الفرّاء: معنى وراءه، سواه، كما يقال للرّجل: «يتكلّم بالكلام الحسن، ما وراء هذا الكلام»، شيء يراد، ليس عند المتكلّم به شيء، سوى ذلك الكلام.
( وَهُوَ الْحَقُ ) ، أي: ما وراءه. أي: القرآن الحقّ.
( مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ) ، أي: التوراة.
[وفي تفسير العيّاشيّ:(٥) قال جابر: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: نزلت هذه الآية على
__________________
(١) يوجد في المصدر: وهاهنا ـ أيضا ـ موجود بين المعقوفتين.
(٢) ما بين المعقوفتين، ليس في أ.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٦١.
(٤) الكشاف ١ / ١٦٥.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٥١، ح ٧١.
محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ هكذا، والله: «( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ ) (١) » في عليّ، يعني: بني أميّة،( قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا ) ، يعني: في قلوبهم بما أنزل الله عليه.
( وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ) بما أنزل الله في عليّ.( وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ) ، يعني: عليّا].(٢)
و( مُصَدِّقاً ) ، حال مؤكدة يتضمّن ردّ مقالتهم. فإنّهم لـمّا كفروا بما يوافق التوراة، فقد كفروا بها. ثمّ اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء، مع ادّعائهم الإيمان بالتوراة. والتوراة لا تسوغه بقوله :
( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٩١) :
وإسناد القتل إليهم، مع أنّه فعل آبائهم، لأنّهم راضون به، عازمون عليه.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
قال: قال الله في كتابه، يحكي قول اليهود،( إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ ) . (الآية) فقال:( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .» وإنّما أنزل هذا، في قوم من(٤) اليهود، وكانوا على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يقتلوا الأنبياء بأيديهم، ولا كانوا في زمانهم. وإنّما قتل(٥) الّذين كانوا من قبلهم. فجعلهم الله منهم.
وأضاف إليهم، فعل أوائلهم، بما تبعوهم وتولّوهم].(٦)
( وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ. ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ) (٩٢):( وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ) ، يجوز أن يكون حالا، أي: عبدتم العجل، وأنتم واضعون العبادة غير موضعها. وأن يكون اعتراضا، بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظّلم.
( وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ) ، أي :قلنا لهم. خذوا ما أمرتم به في التوراة بجدّ. واسمعوا، سماع طاعة.
( قالُوا سَمِعْنا ) قولك.( وَعَصَيْنا ) أمرك.
__________________
(١) المصدر:( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) (النحل / ٢٤)
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٥١.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: إنّما قتل أوائلهم الذين كانوا من قبلهم. فنزلوا بهم أولئك القتلة.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) : تداخلهم حبّه. ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم فيه، كما يتداخل الصّبغ، الثّوب والشّرب أعماق البدن.
و( فِي قُلُوبِهِمُ ) بيان لمكان الإشراب.
( بِكُفْرِهِمْ ) : بسبب كفرهم. لأنّهم كانوا مجسّمة، أو حلوليّة. ولم يروا جسما أعجب منه. فتمكّن في قلوبهم، ما سوّل لهم السّامريّ.
[وفي تفسير العيّاشيّ:(١) عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) قال: فعمد موسى. فرد(٢) العجل من أنفه إلى طرف ذنبه.
ثمّ أحرقه بالنّار فذرّه في اليمّ.
قال: فكان أحدهم ليقع في الماء وما به إليه من حاجة، فيتعرّض لذلك الرّماد، فيشربه. وهو قول الله( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) ].(٣)
( قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ ) بالتوراة. لأنّه ليس فيها عبادة العجاجيل.
وإضافة الأمر إلى إيمانهم، تهكّم، كما قال قوم شعيب(٤) :( أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ ) .
وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
والمخصوص بالذّمّ، محذوف، أي: هذا الأمر، أو ما يعمّه وغيره، من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث، إلزاما(٥) عليهم.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٩٣) :
تشكيك في إيمانهم. وقدح في صحّة دعواهم له.
وكرّر رفع الطّور، لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى. وتلك الزّيادة التّنبيه على أنّ طريقهم مع الرّسول، طريقة أسلافهم مع موسى ـ عليه السّلام.
( قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً ) :
والمراد بالدّار الآخرة، الجنّة. وخالصة منصوب على الحال، من الدّار، أي: خاصّة بكم كما قلتم لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا.
( مِنْ دُونِ النَّاسِ ) ، أي: سائر النّاس، أو المسلمين.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٥١، ح ٧٣.
(٢) المصدر: فبرّد.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) هود / ٨٧.
(٥) أ: التزاما.
و «اللّام»، للعهد.
( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (٩٤).
لأنّ من أيقن أنّه من أهل الجنّة، اشتاق إليها، وتمنّى سرعة الوصول إلى النّعيم، والتّخلّص من الدّار ذات النّوائب، كماقال أمير المؤمنين ويعسوب الدّين(١) ، وهو يطوف بين الصّفين في غلالة، فقال ابنه الحسن ـ عليه السّلام: ما هذا بزيّ المحاربين؟ يا بنيّ! إنّ أباك لا يبالي وقع على الموت، أو وقع الموت عليه.
وقال عمّار ـ رضي الله عنه ـ بصفّين(٢) : الآن ألاقي محمّدا وحزبه.
وقال حذيفة، حين احتضر(٣) : جاء حبيب على فاقة. لا أفلح من ندم، أي: التّمنّي.
[وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه ـ عليهما السّلام: أنّ رجلا قام إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين! بما عرفت ربّك؟
قال: بفسخ العزائم.
إلى أن قال: فبما ذا أحببت لقاءه؟
قال لـمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه، علمت بأنّ الّذى أكرمني بهذا ليس ينساني، فأحببت لقاءه.
عن جعفر بن محمّد(٥) ، عن أبيه ـ عليهما السّلام. قال: أتى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل فقال له: مالي لا أحبّ الموت؟
فقال له: ألك مال؟
قال: نعم.
قال: فقدّمته؟
قال: لا.
قال: فمن ثمّ لا تحبّ الموت].(٦)
__________________
(١) الكشاف ١ / ١٦٦+ مجمع البيان ١ / ١٦٤.
(٢) الكشاف ١ / ١٦٧.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٦٦.
(٤) الخصال ١ / ٣٣، ح ١.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٣، ح ٤٧.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وأمّا ما روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال(١) : «لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ، نزل به. ولكن ليقل: أللّهمّ أحيني ما دامت الحيوة خيرا لي. وتوفّني إذا كانت الوفاة، خيرا لي»، فإنّما نهى عن التّمنّي للضّرّ. لأنّه يدلّ على الجزع. والمأمور به الصّبر وتفويض الأمور إليه.
( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (٩٥): والمراد( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) ، ما أسلفوا من موجبات النّار، من الكفر بمحمّد، وما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان. ولمّا كانت اليد العاملة، مختصّة بالإنسان، آلة لقدرته. بها عامّة صنائعه(٢) ومنها أكثر منافعه، عبّر بها عن النّفس، تارة، والقدر، أخرى.
وقوله( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) من المعجزات. لأنّه إخبار بالغيب.
وروى الكلبيّ(٣) ، عن ابن عبّاس، أنّه قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول لهم(٤) : إن كنتم صادقين في مقالتكم، فقولوا «اللهمّ أمتنا». فو الّذي نفسي بيده! لا يقولها رجل إلّا غصّ بريقه. فمات مكانه.
وروي عنه ـ عليه السّلام ـ(٥) أيضا ـ أنّه [قال :](٦) لو أنّ اليهود تمنّوا الموت، لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النّار.
( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ) :
من وجد، بمعنى علم. المتعدّي إلى مفعولين، في قولهم: وجدت زيدا ذا انخفاض.(٧) ومفعولاه، هم أحرص.
وتنكير «حياة»، لأنّه أريد فرد من أفرادها. وهي الحياة المتطاولة. وقرئ باللام.
( وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) :
محمول على المعنى. فكأنّه قال: أحرص من النّاس ومن الّذين أشركوا
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٦٤.
(٢) ر: على صنايعه.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٦٤.
(٤) ر: لكم.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) أ: انخفظاظ. الأصل ور: انخفاظ.
وإفرادهم بالذّكر، للمبالغة. فإنّ حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلّا الحياة العاجلة، والزّيادة في التّوبيخ والتّقريع. فإنّه لـمّا زاد حرصهم وهو مقرون بالجزاء على حرص المنكرين، دلّ ذلك على علمهم بأنّهم صائرون إلى النّار.
ويجوز أن يراد: وأحرص من الّذين أشركوا. فحذف، لدلالة الأوّل عليه. وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته.
( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ) على أنّه أريد بالّذين أشركوا اليهود. لأنّهم قالوا: عزير بن الله، أي: ومنهم ناس يودّ أحدهم. وهو على الأوّلين، بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف.
( لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) :
حكاية لودادتهم.
و «لو» بمعنى ليت. وكأنّ أصله «لو عمّر». فأجرى على الغيبة، لقوله تعالى «يود»، كقولك: حلف بالله، ليفعلنّ.
( وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) :
الضّمير لأحدهم.
و «أن يعمّر»، فاعل «مزحزحه»، وما أحدهم ممّن يزحزحه من النّار تعميره، أو لما دلّ عليه يعمّر. و «أن يعمّر» بدل، أو مبهم. و «أن يعمّر»، موضّحه.
وأصل «سنة» سنوة. لقولهم: سنوات. وقيل: سنهة، كجبهة. لقولهم: سانهة وتسنّهت النّحل، إذا أتت عليها السّنوات.
و «الزّحزحة»: التّبعيد.
( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) (٩٦)، فيجازيهم.
وفي هذه الآية، دلالة على أنّ الحرص على طول البقاء، لطلب الدّنيا ونحوه، مذموم. وإنّما المحمود، طلب البقاء للازدياد في الطّاعة، وتلافي الفائت بالتّوبة والإنابة، ودرك السّعادة بالإخلاص في العبادة. وإلى هذا المعنى
أشار أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ(١) في قوله: بقيّة عمر المؤمن، لا قيمة له. يدرك بها ما فات. ويحيي بها ما أمات.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٦٦.
( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) :
قال ابن عبّاس(١) : سبب نزول هذه الآية، ما روى أنّ ابن صوريا وجماعة من اليهود أهل فدك، لـمّا قدم النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ المدينة، سألوه. فقالوا: يا محمّد! كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النّبيّ الّذي يأتي في آخر الزّمان.
فقال: تنام عيناي. وقلبي يقظان.
قالوا: صدقت، يا محمّد! فأخبرنا عن الولد يكون من الرّجل والمرأة.
فقال ـ صلّى الله عليه وآله: أمّا العظام والعصب والعروق، فمن الرّجل. وأمّا اللّحم والدّم والشّعر والظّفر، فمن المرأة.
قالوا: صدقت، يا محمّد! فما بال الولد يشبه أعمامه وليس فيه من شبه أخواله شيء؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شيء؟
فقال: أيّهما علا ماؤه، كان الشّبه له.
قالوا: صدقت، يا محمّد! قالوا: أخبرنا عن ربّك، ما هو؟
فأنزل الله سبحانه( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) (إلى آخره.) فقال له ابن صوريا: خصلة واحدة، إن قلتها آمنت بك واتّبعتك. أيّ ملك يأتيك بما ينزل الله عليك؟
فقال: جبرئيل.
قال: ذاك عدوّنا. ينزل بالقتال والشّدّة والحرب. وميكائيل ينزل باليسر والرخاء. فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك، لآمنّا بك.
[وفي كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ ـ رحمه الله(٢) : وقال أبو محمّد ـ عليه السّلام ـ قال جابر بن عبد الله: سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عبد الله بن صوريا، غلام أعور يهوديّ ـ تزعم اليهود أنّه أعلم يهوديّ بكتاب الله وعلوم أنبيائه ـ عن مسائل كثيره.
تعنّت فيها فأجابه عنها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بما لم يجد إلى إنكار شيء منها سبيلا.
فقال له: يا محمّد! من يأتيك بهذه الأخبار عن الله تعالى؟
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٦٧.
(٢) الاحتجاج ١ / ٤٦.
قال: جبرئيل.
قال: لو كان غيره يأتيك بها، لآمنت بك. ولكن جبرئيل عدوّنا من بين الملائكة. فلو كان ميكائيل، أو غيره سوى جبرئيل يأتيك بها، لآمنت بك.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ولم اتّخذتم جبرئيل عدوّا؟
قال: لأنّه ينزل بالبلاء والشّدّة على بني إسرائيل. ودفع دانيال عن قتل بخت نصر، حتّى قوى أمره وأهلك بني إسرائيل. وكذلك كلّ بأس وشدّة لا ينزلها إلّا جبرئيل وميكائيل يأتينا بالرّحمة.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ويحك! أجهلت أمر الله؟ وما ذنب جبرئيل إن أطاع الله، فيما يريده الله بكم. أرأيتم ملك الموت أهو عدوّكم؟ وقد وكّله الله تعالى بقبض أرواح الخلق. أرأيتم الآباء والأمّهات إذا وجروا الأولاد الدّواء الكريه لمصالحهم، يجب أن يتّخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك؟ لا! ولكنّكم بالله جاهلون.
وعن حكمته غافلون. وأشهد أنّ جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان. وله مطيعان. وأنّه لا يعادي أحدهما إلّا من عادى الآخر. وأنّه من زعم أنّه يحبّ أحدهما ويبغض الآخر، فقد كذب. وكذلك محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ، أخوان، كما أنّ جبرئيل وميكائيل، أخوان. فمن أحبّهما، فهو من أولياء الله. ومن أبغضهما، فهو من أعداء الله. ومن أبغض أحدهما وزعم أنّه يحبّ الآخر، فقد كذب وهما منه بريئان. والله تعالى وملائكته وخيار خلقه منه براء.
وقال أبو محمّد ـ عليه السّلام: كان سبب نزول قوله تعالى( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) (الآيتين)، ما كان من اليهود أعداء الله من قوله من قول السيّئ، في جبرئيل وميكائيل، ومن كان من أعداء الله النّصّاب، من قول أسوء منه، في الله وفي جبرئيل وميكائيل وسائر ملائكة الله. أمّا ما كان من النّصّاب، فهو أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا كان لا يزال يقول في عليّ ـ عليه السّلام ـ الفضائل الّتى خصّه الله ـ عزّ وجلّ ـ بها والشّرف الّذي أهّله الله تعالى له. وكان في كلّ ذلك يقول: أخبرني به جبرئيل، عن الله. ويقول في بعض ذلك، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل، عن يساره. يفتخر جبرئيل على ميكائيل، في أنّه عن يمين عليّ ـ عليه السّلام ـ الّذي هو أفضل من اليسار، كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدّنيا يجلسه الملك عن يمينه، على النّديم الآخر الّذي يجلسه عن يساره. ويفتخران على إسرافيل الّذي خلفه بالخدمة، وملك الموت الّذي أمامه بالخدمة.
وأنّ اليمين والشّمال، أشرف من ذلك، كافتخار حاشية الملك، على زيادة قرب محلّهم من ملكهم.
وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول في بعض أحاديثه: إنّ الملائكة أشرفها عند الله، أشدّها لعليّ بن أبي طالب حبّا. وإنّه قسم(١) الملائكة فيما بينهما، والّذي يشرّف(٢) عليّا على جميع الورى بعد محمّد المصطفى.
ويقول مرّة: إنّ ملائكة السّماوات والحجب ليشتاقون إلى رؤية عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ كما تشتاق الوالدة الشّفيقة إلى ولدها البارّ الشّفيق، آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم.
فكان هؤلاء النّصّاب يقولون: إلى متى يقول محمّد: جبرئيل وميكائيل والملائكة؟
وكلّ ذلك تفخيم لعليّ، وتعظيم لشأنه. ويقول الله تعالى لعليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ خاصّ من سائر الخلق. برئنا من ربّ ومن ملائكة ومن جبرئيل وميكائيل هم لعلىّ بعد محمّد، مفضّلون. وبرئنا من رسل الله الّذين هم لعليّ بعد محمّد، مفضّلون.
وأمّا ما قاله اليهود. فهو أنّ اليهود، أعداء الله. لـمّا قدم النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ المدينة، أتوا بعبد الله بن صوريا. فسأله عن أشياء. فأجابه إلى أن قال: بقيت خصلة، إن قلتها، آمنت بك واتّبعتك. أيّ ملك يأتيك بما تقوله عن الله؟
قال: جبرئيل.
قال ابن صوريا: ذلك عدوّنا من بين الملائكة. ينزل بالقتل والشّدّة والحرب.
ورسولنا ميكائيل. يأتي بالسّرور والرّخاء. فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك، آمنا بك. لأنّ ميكائيل كان يشدّ ملكنا. وجبرئيل كان يهلك ملكنا. فهو عدوّنا لذلك.
فقال سلمان الفارسيّ ـ رضى الله عنه: فما بدوّ عداوته لكم؟
قال: نعم، يا سلمان! عادانا مرارا كثيرة. وكان من أشدّ ذلك علينا، أنّ الله أنزل على أنبيائه أنّ بيت المقدس يخرّب على يد رجل، يقال له «بخت نصر» وفي زمانه. وأخبرنا بالحين الّذي يخرّب فيه. والله يحدث الأمر بعد الأمر. فيمحو ما يشاء. ويثبت. فلمّا بلغنا ذلك الحين الّذى يكون فيه هلاك بيت المقدس، بعث أوائلنا رجلا من أقرباء بني إسرائيل وأفاضلهم، نبيّا كان يعدّ من أنبيائهم، يقال له «دانيال»، في طلب بخت نصر، ليقتله.
__________________
(١) ر: قسيم.
(٢) ر: شرّف.
فحمل معه وقر مال لينفقه في ذلك. فلمّا انطلق في طلبه، لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوّة ولا منعة. فأخذه صاحبنا ليقتله. فدفع عنه جبرئيل. وقال لصاحبنا: إن كان ربّكم هو الّذي أمر بهلاككم، فإنّه لا يسلّطك عليه. وإن لم يكن هذا، فعلى أيّ شيء تقتله؟
فصدّقه صاحبنا. وتركه. ورجع إلينا. وأخبرنا بذلك. وقوى بخت نصر. وملك قرانا. وخرّب بيت المقدس. فلهذا نتّخذه عدوّا. وميكائيل عدوّ لجبرئيل.
فقال سلمان: يا بن صوريا! بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم. أرأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر؟ وقد أخبر الله تعالى، في كتبه، على ألسنة رسله، أنّه يملك ويخرّب بيت المقدس. أرادوا بذلك تكذيب أنبياء الله في أخبارهم؟ أو اتّهموهم في إخبارهم؟ وصدّقوهم في الخبر عن الله؟ ومع ذلك أرادوا مغالبة الله؟ هل كان هؤلاء ومن وجوه، إلا كفّار بالله؟ وأيّ عداوة يجوز أن تعتقد لجبرئيل وهو يصدّ به عن مغالبة الله ـ عزّ وجلّ ـ وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى؟
فقال ابن صوريا: قد كان الله أخبر بذلك على ألسن أنبيائه. ولكنّه يمحو ما يشاء ويثبت.
قال سلمان: فإذا لا يتّقنوا بشيء ممّا في التّوراة، من الأخبار عمّا مضى وما يستأنف، فإنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت. وإذا لعلّ الله قد كان عزل موسى وهارون عن النّبوّة. وأبطلا في دعواهما؟ لأنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت. ولعلّ كلّما أخبراكم أنّه يكون، لا يكون. وما أخبراكم أنّه لا يكون، يكون. وكذلك ما أخبراكم عمّا كان، لعلّه لم يكن.
وما أخبراكم أنّه لم يكن، لعلّه كان. ولعلّ ما وعده من الثّواب، يمحوه. ولعلّ ما توعّد به من العقاب، يمحوه. فإنّه يمحو ما يشاء ويثبت. إنّكم جهلتم معنى( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) فلذلك أنتم بالله كافرون. ولإخباره عن الغيوب مكذّبون وعن دين الله منسلخون.
ثم قال سلمان: إنّي أشهد أنّ من كان عدوّا لجبرئيل، فإنّه عدوّ لميكائيل. وإنّهما جميعا عدوّان لمن عادهما. سلمان لمن سالمهما.
فأنزل الله تعالى عند ذلك موافقا لقول سلمان:( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) » في مظاهرته لأولياء الله على أعداء الله، ونزوله بفضائل عليّ وليّ الله من عند الله،( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ) ، فإن جبرئيل نزّل هذا القرآن( عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ ) ، بأمره،( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) من سائر كتب الله، «وهدى» من الضلالة،( وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) بنبوّة محمّد وولاية عليّ و
من بعدهما من الأئمّة، بأنّهم أولياء الله حقّا، إذا ماتوا على موالاتهم لمحمّد وعليّ وآلهما الطّيّبين.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى أنس بن مالك، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، قال فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعبد الله بن سلام، وقد سأله عن مسائل: أخبرني بهنّ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ آنفا.
قال: هل خبّرك جبرئيل.
قال: نعم.
قال: ذلك عدوّ اليهود من الملائكة.
قال: ثمّ قرأ هذه الآية:( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ ) ](٢)
وفي «جبرئيل»، ثمان لغات: قرئ بهنّ أربع في المشهورات: جبرئيل، كسلسبيل، قراءة حمزة والكسّائيّ. وجبرئيل (بكسر الرّاء وحذف الهمزة)، قراءة ابن كثير. وجبرئيل، كحجمرش، قراءة عاصم برواية أبي بكر. وجبرئيل، كقنديل، قراءة الباقين.
وأربع في الشّواذّ. جبرائيل وجبرائيل، جبرال وجبرين.
ومنع صرفه للعجمة والتّعريف. ومعناه عبد الله.
( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ) ، أي: جبرئيل نزّل القرآن.
والإرجاع إلى غير المذكور، يدلّ على فخامة شأنه. كأنّه لتعيّنه وفرط شهرته، لم يحتجّ إلى سبق ذكره.
( عَلى قَلْبِكَ ) :
فإنّه القابل الأوّل للوحي. ومحلّ الفهم والحفظ. وكان حقّه على قلبي. لكنّه جاء على حكاية كلام الله تعالى. كأنّه قال: قل ما تكلّمت به من قولي.( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ) .
( بِإِذْنِ اللهِ ) : بأمره.
__________________
(١) علل الشرائع ٩٤ ـ ٩٥، ح ٣.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
حال من فاعل «نزّل».
( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٩٧) :
أحوال من مفعوله. وجواب الشّرط.
فإنّه نزّله على وجهين :
أحدهما: أنّ من عادى منهم جبرئيل، فلا وجه له. فإنّه نزّل(١) كتابا مصدّقا لما بين يديه من الكتب. فلو أنصفوا، لأحبّوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحّح المنزل عليهم.
والثّاني: أنّ من عاداه، فالسّبب في عداوته أنّه نزل عليك بالوحي، وهم كارهون له.
وقيل(٢) : جواب الشّرط محذوف، مثل: فليمت غيظا، أو فهو عدوّ لي. وأنا عدو له، كما قال:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ) (٩٨)، أي: من كان معاديا لله، أي: يفعل فعل المعادي، من المخالفة والعصيان، فإنّ حقيقة العداوة، طلب الإضرار به، وهذا يستحيل على الله تعالى.
وقيل:(٣) المراد به معاداة أوليائه.
صدر الكلام بذكره، تفخيما لشأنهم. وإفراد الملكين بالذّكر، لفضلهما. كأنّهما من جنس آخر.
ووضع الظّاهر، موضع الضّمير، للدّلالة على أنّه تعالى عاداهم لكفرهم. وأنّ عداوة الملائكة والرّسل، كفر. فكيف بعداوة أمير المؤمنين ويعسوب الدّين وإمام المتّقين؟
قرأ نافع، ميكائيل، كميكاعل. وأبو عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص، ميكال، كميعاد. وقرئ ميكئيل وميكائيل وميكال.
( وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ ) (٩٩)، أي: المتمرّدون من الكفرة.
و «الفسق» إذا استعمل في نوع من المعاصي، دلّ على أعظمه. كأنّه متجاوز عن
__________________
(١) أ: نزّله.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٧٢.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٦٧.
حدّه.
قال ابن عبّاس(١) : إنّ ابن صوريا قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: يا محمّد! ما جئتنا بشيء نعرفه. وما أنزل عليك بآية بيّنة فنتّبعك لها. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
( أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ) :
الهمزة حرف استفهام للإنكار. ويحتمل أن تكون للتّقرير.
وقال بعضهم(٢) : يحتمل أن تكون زائدة، كزيادة الفاء، في قولك: أفالله لتفعلنّ.
والأوّل أصحّ.
والواو للعطف، على محذوف تقديره «أكفروا بالآيات وكلّما عاهدوا.» وقرئ بسكون الواو، على أنّ التّقدير «إلّا الّذين فسقوا»، أو «كلّما عاهدوا» وقرئ عوهدوا وعهدوا(٣) .
( نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) : نقضه.
وأصل النّبذ: الطّرح. لكنّه يغلب فيما ينسى.
وإنّما قال «فريق»، لإنّ بعضهم لم ينقض.
وقرئ نقضه.
[وفي روضة الكافي(٤) ، في رسالة أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى سعد الخير: وكلّ أمّة قد رفع الله عنهم علم الكتاب، حين نبذوه. وولّاهم عدوّهم، حين تولّوه. وكان من نبذهم الكتاب، أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده. فهم يروونه ولا يرعونه. والجّهال يعجبهم للرّواية. والعلماء يحزنهم تركهم للرّعاية. وكان من نبذهم الكتاب، أن ولّوه الّذين لا يعلمون. فأوردوهم الهوى. وأصدروهم إلى الرّدى. وغيّروا عرى الدّين ـ إلى إن قال ـ عليه السّلام: ثمّ اعرف أشباههم، من هذه الأمّة الّذين أقاموا حروف الكتاب وحرّفوا حدوده. فهم مع السّادة والكبرة. فإذا تفرّقت قادة الأهواء، كانوا مع أكثرهم دنيا. وذلك مبلغهم من العلم. لا يزالون كذلك في طمع وطبع. لا يزال يسمع صوت إبليس، على ألسنتهم، بأباطل كثيرة(٥) .
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٦٨.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ٧٢.
(٤) الكافي ٨ / ٥٢ ـ ٥٤، مقاطع من ح ١٦.
(٥) المصدر: بباطل كثير.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة](١)
( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (١٠٠) :
ردّ لما يتوهّم أنّ الفريق هم الأقلّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارا، فهم يؤمنون به خفاء.
( وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : كعيسى ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله.
( مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ) من التوراة،( نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ ) ، أي: التوراة. لأنّ كفرهم بالرّسول المصدّق لها، كفر بها فيما تصدّقه.
وقيل(٢) : المراد بكتاب الله، القرآن.
( وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) :
مثل لإعراضهم عنه، بالإعراض عمّا يرمى به وراء الظّهر، لعدم الالتفات إليه.
( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١٠١) أنّه كتاب الله، يعني: أنّ علمهم به رصين(٣) . ولكن يتجاهلون عنادا.
قال الشّعبيّ:(٤) هو بين أيديهم يقرءونه. ولكن نبذوا العمل به.
قال سفيان بن عيينة:(٥) أدرجوه في الحرير والدّيباج وحلّوه بالذّهب والفضّة.
ولم يحلّوا حلاله. ولم يحرّموا حرامه. فذلك النّبذ. هذا إذا حمل الكتاب على التوراة. وأمّا إذا حمل على القرآن، فإنّه لما جاءهم الرّسول بهذا الكتاب، فلم يقبلوه، صاروا نابذين له.
واعلم: أنّه تعالى دلّ بالآيتين، على أنّ جلّ اليهود، أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها، كمؤمني أهل الكتاب. وهم الأقلّون المدلول عليهم بقوله:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) .
وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطّي حدودها، تمرّدا وفسوقا. وهم المعنيّون بقوله: نبذ فريق منهم.
وفرقة لم يجاهروا بنبذها، لكن نبذوا لجهلهم بها. وهم الأكثرون.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٦٩+ أنوار التنزيل ١ / ٧٢.
(٣) أ: رزين. وهو الظاهر. وما في المتن، موافق أنوار التنزيل.
(٤ و ٥) مجمع البيان ١٦٩ / ١.
وفرقة تمسّكوا بها ظاهرا، ونبذوها خفية، عالمين بالحال، بغيا وعنادا. وهم المتجاهلون.
( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ ) : معطوف على «نبذ»، أي: نبذوا كتاب الله. واتّبعوا كتب السّحر الّتي تقرؤها، او تتبعها الشّياطين من الجنّ، أو الإنس، أو منها.
( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) ، أي: على عهد سليمان.
قيل(١) : كانوا يسترقون السّمع، ويضمّون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة، وهم يدوّنونها، ويعلّمون النّاس. وفشى ذلك في عهد سليمان، حتّى قيل: إنّ الجنّ يعلم الغيب. وإن ملك سليمان تمّ بهذا العلم. وإنّه تسخّر به الإنس والجنّ والرّيح له.
وروى العيّاشيّ،(٢) بإسناده، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: لـمّا هلك سليمان، وضع إبليس السّحر. ثمّ كتبه في كتاب. وطواه. وكتب على ظهره: «هذا ما وضع آصف بن برخيا، من ملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم. من أراد كذا وكذا فليقل كذا وكذا.» ثمّ دفنه تحت السّرير. ثمّ استأثره لهم. فقال الكافرون: ما كان يغلبنا سليمان إلّا بهذا. وقال المؤمنون: هو عبد الله ونبيّه. فقال الله في كتابه:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا ) . (إلى آخره.)
( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ) : تكذيب لمن زعم ذلك.
وعبّر عن السّحر، بالكفر، ليدلّ على أنّه كفر. وأنّ من كان نبيّا، كان معصوما عنه.
( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ) باستعماله.
وقيل(٣) : بما نسبوا إلى سليمان من السّحر.
وقيل(٤) : عبّر عن السّحر، بالكفر.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي(٥) : ولكن (بالتّخفيف)، ورفع الشّياطين.
( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) إغواء وإضلالا.
والجملة حال عن الضّمير في «كفروا.»
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٧٣.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٥٢، ح ٧٤.
(٣ و ٤) مجمع البيان ١ / ١٧٤.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٧٠.
والمراد بالسّحر، ما يستعان في تحصيله بالتّقرّب إلى الشّيطان، ممّا لا يستقلّ به الإنسان. وذلك لا يستتبّ إلّا لمن يناسبه في الشّرارة وخبث النّفس. فإنّ التّناسب شرط في التّضامّ والتّعاون. وبهذا يتبيّن(١) السّاحر عن النّبيّ.
وأمّا ما يتعجّب منه كما يفعله أصحاب الحيل، بمعونة الآلات والأدوية، أو يريك صاحب خفّة اليه، فليس بسحر. وتسميته سحرا، على التّجوّز، أو لما فيه من الدّقّة. لأنّه في الأصل لما خفي سببه.
( وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) :
عطف على السّحر. والمراد بها واحد. والعطف لتغاير الاعتبار. أو لأنّه أقوى منه.
أو على ما تتلوا.
قيل(٢) : هما ملكان أنزلا لتعليم السّحر، ابتلاء من الله تعالى للنّاس، وتمييزا بينه وبين المعجزة.
وقيل(٣) : رجلان سمّيا ملكين، باعتبار صلاحهما. ويؤيّده قراءة الملكين.
(بالكسر) وما روي(٤) أنّهما مثّلا بشرين. وركّب فيهما الشّهوة. فتعرّضا لامرأة يقال لها زهرة. فحملتهما على المعاصي والشرك. ثمّ صعدت إلى السّماء بما تعلّمت منهما. فمحكيّ عن اليهود.
وقيل(٥) : «ما أنزل» نفي معطوف على «ما كفر [سليمان](٦) »، تكذيب لليهود في هذه القصّة.
( بِبابِلَ ) : ظرف، أو حال من الملكين، أو من الضّمير في أنزل. والمشهور أنّه بلد من سواد كوفة.
( هارُوتَ وَمارُوتَ ) : عطف بيان للملكين. وضع صرفهما، للعجمة والعلمية.
ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر ـ كما زعم بعضهم ـ لانصرفا.
ومن جعل «ما» نافية، أبدلهما من «الشّياطين»، بدله البعض. وما بينهما اعتراض. وقرئ بالرّفع، على تقدير «هما هاروت وماروت».
__________________
(١) أ: تبيّن.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٧٣.
(٤) عيون أخبار الرضا ١ / ٢١١، ح ٢+ تفسير نور الثقلين ١ / ١٩٠+ أنوار التنزيل ١ / ٧٣.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٧٣.
(٦) يوجد في المصدر.
( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ ) :
فمعناه على الأوّل: ما يعلّمان أحدا حتّى ينهياه ويقولا له: إنّما نحن ابتلاء من الله.
فمن تعلّم منّا وعمل به كفر. ومن تعلّم وتوقّى عمله ثبت على الإيمان. فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به.
وعلى الثّاني: ما يعلّمانه حتّى يقولا إنّا مفتونان. فلا تكن مثلنا.
( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ، أي: من السّحر، ما يكون سبب تفريقهما.
( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) :
لأنّ الأسباب كلّها مؤثّرة بأمره تعالى.
( وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا ) :
قيل(١) أي: اليهود.
( لَمَنِ اشْتَراهُ ) ، أي: استبدله بكتاب الله،( ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) : نصيب.
( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) باعوا أو اشتروا، على ما مرّ.
( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (١٠٢) قبحه(٢) على اليقين(٣) .
والمثبت لهم، أوّلا على التّوكيد القسميّ العقل الغريزيّ، أو العلم الإجماليّ بقبح الفعل، أو ترتّب لعقاب من غير تحقيق. فلا منافاة بين ما سبق وبين هذا.
[وفي عيون الأخبار(٤) : حدّثنا محمّد بن القسم المفسّر المعروف بأبي الحسن الجرجاني ـ رضى الله عنه. قال: حدّثنا يوسف بن محمّد بن زياد وعليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه الصّادق جعفر بن محمّد ـ عليهم السّلام ـ في قول الله تعالى( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ) ، قال: «( اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا ) كفرة «الشّياطين» من السّحر والنّيرنجات( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) الّذين يزعمون أنّ سليمان به ملك ونحن ـ أيضا ـ به نظهر(٥) العجائب، حتّى ينقاد لنا النّاس. وقالوا: كان
__________________
(١) ليس في المصدر: والقول يوجد في أنوار التنزيل ١ / ٧٤.
(٢) ليس في ر.
(٣) أ: التعيين.
(٤) عيون الأخبار ١ / ٢٦٦ ـ ٢٧١، ح ١.
(٥) المصدر: فظهر.
سليمان كافرا ساحرا ماهرا. بسحره ملك ما ملك، وقدر على(١) ما قدر. فرد الله ـ عزّ وجلّ ـ عليهم. فقال:( وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ) . ولا استعمل السّحر [، كما قال هؤلاء الكافرون.( وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا. يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) ](٢) الذي نسبوه إلى سليمان وإلى ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
وكان بعد نوح ـ عليه السّلام ـ قد كثر السّحرة المموّهون(٣) . فبعث الله تعالى ملكين إلى نبيّ ذلك الزّمان، يذكر ما يسحر به السحرة. وذكر ما يبطل به سحرهم، ويردّ به كيدهم. فتلقّاه النّبيّ، عن الملكين. وأدّاه إلى عباد الله، بأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ وأمرهم(٤) أن يقفوا به على السّحرة. وان يبطلوه. ونهاهم أن يسحروا به النّاس. وهذا كما يدلّ على السّمّ ما هو، وعلى ما يدفع به غائلة السّمّ.
ثمّ قال ـ عزّ وجلّ:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ، حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ ) ، يعني: أنّ ذلك النّبيّ ـ عليه السّلام ـ أمر الملكين، أن يظهرا للنّاس بصورة بشرين، ويعلّماهم ما علّمهما(٥) الله من ذلك. فقال الله ـ عزّ وجلّ:( وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ) ذلك السّحر وإبطاله،( حَتَّى يَقُولا ) للمتعلّم:( إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ) وامتحان للبلاء(٦) ، ليطيعوا الله فيما يتعلّمون من هذا، ويبطلوا به كيد السّحرة. ولا يسحروهم. «فلا تكفر» باستعمال هذا السّحر وطلب الإضرار به ودعاء النّاس إلى أن يعتقدوا أنّك به تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلّا الله ـ عزّ وجلّ. فأنّ ذلك كفر. قال الله تعالى: «فيتعلّمون»، يعني: طالبي السّحر، «منهما»، يعني: ممّا كتبت الشّياطين على ملك سليمان، من النّيرنجات وما(٧) أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، «يتعلّمون من» هذين الصّنفين،( ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) . هذا من يتعلّم للإضرار(٨) بالناس. يتعلّمون التضريب بضروب الحيل والتمائم والإيهام، وأنّه قد دفن في موضع كذا، وعمل كذا لتحبّب المرأة إلى
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: والمموّهون.
(٤) المصدر: فأمرهم.
(٥) الأصل ور: علّمهم.
(٦) المصدر: للعباد. وهو الظاهر.
(٧) المصدر: مما.
(٨) المصدر: من يتعلّم الإضرار.
وأشار في الهامش إلى أنّه في بعض النسخ كما موجود في المتن هنا.
الرّجل والرّجل إلى المرأة، أو(١) يؤدي إلى الفراق بينهما.
ثمّ قال ـ عزّ وجلّ:( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) ، أي: ما المتعلّمون لذلك(٢) بضارّين به من أحد، إلّا بإذن الله، يعني: بتخلية الله وعلمه. وإنّه لو شاء، لمنعهم بالجبر والقهر.
ثمّ قال:( وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) . إذا تعلّموا ذلك السّحر، ليسحروا به، ويضرّوا، قد تعلّموا ما يضرّهم في دينهم ولا ينفعهم فيه. بل ينسلخون عن دين الله بذلك. ولقد علّم هؤلاء المتعلّمون لمن اشتراه بدينه الّذي ينسلخ عنه بتعلّمه،( ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) ، أي: من نصيب في ثواب الجنّة.
ثمّ قال تعالى:( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) . ورهنوا(٣) بالعذاب،( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) أنّهم قد باعوا الآخرة، وتركوا نصيبهم من الجنّة. لأنّ المتعلّمين لهذا السّحر الّذين يعتقدون أنّ لا رسول ولا إله ولا بعث ولا نشور. فقال:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) . لأنّهم يعتقدون(٤) أنّها إذا لم تكن آخرة، فلا خلاق لهم في دار بعد الدّنيا. وإن كان بعد الدّنيا، آخرة. فهم مع كفرهم بها، لا خلاق لهم فيها.
ثمّ قال:( وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) (٥) » إذ باعوا الآخرة بالدّنيا ورهنوا بالعذاب الدّائم أنفسهم،( لَوْ [كانُوا ]) (٦) ( يَعْلَمُونَ ) أنّهم قد باعوا أنفسهم بالعذاب. ولكن لا يعلمون ذلك، لكفرهم به، فلمّا تركوا النّظر في حجج الله، حتّى يعلموا أنّهم عذّبهم على اعتقادهم الباطل وجحدهم الحقّ.
قال يوسف بن محمّد بن زياد وعليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما: إنّهما قالا: فقلنا للحسن، أبي القائم ـ عليه السّلام(٧) : فإنّ قوما عندنا، يزعمون أنّ هاروت وماروت ملكان اختارتهما(٨) الملائكة لـمّا كثر عصيان بني آدم، وأنزلهما مع ثالث لهما، إلى الدّنيا(٩) ، وإنّهما قد افتتنا بالزّهرة، وأرادا الزّنا بها، وشربا الخمر، وقتلا النّفس المحرّمة، وإنّ الله ـ عزّ
__________________
(١) المصدر: و.
(٢) المصدر: بذلك. وهو الظاهر.
(٣) المصدر: رهنوها. وهو الظاهر.
(٤) المصدر: لأنّهم يعتقدون أنّ لا آخرة فهم يعتقدون.
(٥) المصدر: أنفسهم بالعذاب.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: للحسن بن عليّ.
(٨) المصدر: اختارهما الله.
(٩) المصدر: دار الدنيا.
وجلّ ـ يعذّبهما ببابل، وإنّ السّحرة منهما يتعلّمون السّحر، وإنّ الله تعالى مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الّذي هو الزّهرة.
فقال الإمام ـ عليه السّلام: معاذ الله من ذلك. إن (الملائكة)(١) معصومون محفوظون من الكفر والقبائح، بألطاف الله تعالى. قال الله تعالى فيهم(٢) : «( لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ. وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) . وقال ـ عزّ وجلّ(٣) :( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. وَمَنْ عِنْدَهُ ) ، يعني: الملائكة، «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ. وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ . وقال الله تعالى(٤) في الملائكة ـ أيضا:( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ. وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى. وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) .
ثمّ قال ـ عليه السّلام: لو كان كما يقولون، كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه على(٥) الأرض. وكانوا كالأنبياء في الدنيا و(٦) كالأئمّة. فيكون من الأنبياء والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ قتل النّفس والزّنا.
ثمّ قال ـ عليه السّلام: أو لست تعلم أنّ الله تعالى لم يخل الدّنيا قطّ من نبيّ(٧) أو إمام من البشر؟ أو ليس الله يقول(٨) :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) (٩) ، يعنى: إلى الخلق،( إِلَّا رِجالاً (نُوحِي ) (١٠) ( إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) ؟ فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض، ليكونوا أئمّة وحكّاما. وإنّما(١١) أرسلوا إلى أنبياء الله.
قالا: فقلنا: فعلى هذا(١٢) ، لم يكن إبليس ـ أيضا ـ ملكا؟
فقال: لا! بل كان من الجنّ. أما تسمعان الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(١٣) :
__________________
(١) المصدر: ملائكة الله.
(٢) التحريم / ٦.
(٣) الأنبياء / ١٩.
(٤) الأنبياء / ٢٨ ـ ٢٦.
(٥) المصدر: في.
(٦) المصدر: أو.
(٧) المصدر: من بني قط.
(٨) النحل ٤٣ ويوسف / ١٠٩ والأنبياء / ٢٥ والحج / ٥٢.
(٩) المصدر: قبلك من رسول.
(١٠) المصدر: يوحي.
(١١) المصدر: إنما كانوا.
(١٢) المصدر: هذا أيضا.
(١٣) الكهف / ٥٠.
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، كانَ مِنَ الْجِنِ ) ؟ فأخبر ـ عزّ وجلّ ـ أنّه كان من الجنّ. وهو الّذي قال الله تعالى(١) :( وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) .
قال الإمام الحسن بن عليّ ـ عليه السّلام: حدّثني أبي، عن جدّي، عن الرّضا، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ اختارنا معاشر آل محمد واختار النّبيّين واختار الملائكة المقرّبين. وما اختارهم إلّا على علم منه بهم، أنّهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته، وينقطعون به عن عصمته، وينتهون به إلى المستخفّين بعذابه(٢) ونقمته.
قالا: فقلنا له: فقد روى(٣) أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ لـمّا نصّ عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالإمامة، عرض الله تعالى ولايته في السّماوات على فئام من النّاس وفئام من الملائكة، فأبوها. فمسخهم الله ضفادع.
فقال ـ عليه السّلام: معاذ الله! هؤلاء المكذّبون لنا المفترون علينا الملائكة هم رسل الله. فهم كسائر أنبيائه(٤) ورسله، إلى الخلق. أفيكون منهم الكفر بالله؟
قلنا(٥) : لا قال: فكذلك الملائكة. إنّ شأن الملائكة لعظيم وإنّ خطبهم لجليل.
حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رضي الله عنه(٦) ـ قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم. قال: سمعت المأمون يسأل الرّضا ـ عليه السّلام ـ عمّا يرويه النّاس من أمر الزّهرة، وإنّها امرأة، فتن بها هاروت وماروت.
وما يروونه من أمر سهيل. وإنّه كان عشّارا باليمن.
فقال الرّضا ـ عليه السّلام: كذبوا في قولهم إنّهما كوكبان، وإنّما كانتا دابّتين من دوابّ البحر. فغلط النّاس. وظنّوا أنّهما كوكبان. وما كان الله تعالى ليمسخ أعداءه أنوار مضيئة، ثمّ يبقيها ما بقيت السّماوات والأرض. وإنّ المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام، حتّى ماتت. وما يتناسل منها شيء. وما على وجه الأرض مسخ اليوم. وانّ التي وقع عليها اسم المسوخة(٧) مثل القرد والخنزير والدّبّ وأشباهها، إنّما هي مثل ما مسخ الله تعالى على
__________________
(١) الحجر / ٢٧.
(٢) المصدر: لعذابه.
(٣) المصدر: روي لنا.
(٤) المصدر: أنبياء الله.
(٥) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: قلت.
(٦) نفس المصدر ١ / ٢٧١، ح ٢.
(٧) المصدر: المسوخيّة.
صورها قوما غضب الله عليهم ولعنهم بإنكارهم توحيد الله وتكذيبهم (رسل الله). وأمّا هاروت وماروت، فكانا ملكين علّما النّاس [السحر](١) ليحترزوا به من سحر السّحرة ويبطلوا به كيدهم. وما علّما أحدا من ذلك شيئا إلّا قالا له( إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ. فَلا تَكْفُرْ ) فكفر قوم باستعمالهم لـمّا أمروا بالاحتراز منه. وجعلوا يفرّقون بما يعملون(٢) بين المرء وزوجه. قال الله تعالى:( وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) ، يعني: بعلمه.
عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. في تعداد الكبائر وبيانها، من كتاب الله. وفيه(٣) : يقول الصّادق ـ عليه السّلام: والسّحر، لأنّه تعالى يقول:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: إنّ سليمان بن داود ـ عليهما السّلام ـ أمر الجنّ(٥) . فبنوا له بيتا من قوارير. فبينما هو (متّك)(٦) على عصاه ينظر إلى الشّياطين كيف يعملون وينظرون إليه إذ حانت منه التفاتة، فإذا هو برجل معه في القبّة. ففزع منه. وقال: من أنت؟
فقال: أنا الّذي لا أقبل الرّشا. ولا أهاب الملوك. أنا ملك الموت. فقبضه وهو متك(٧) على عصاه. فمكثوا سنة يبنون وينظرون إليه. ويد أبون(٨) له، ويعملون، حتّى بعث الله الإرضة. فأكلت منسأته. وهي العصا. فلمّا خرّ تبيّنت الإنس، أن لو كان الجنّ يعلمون الغيب، ما لبثوا سنة في العذاب المهين. فالجنّ تشكر الإرضة بما عملت بعصا سليمان.
قال: فلا تكاد تراها في مكان إلّا وجد عندها ماء وطين. فلمّا هلك سليمان، وضع إبليس السّحر. وكتبه في كتاب. ثمّ طواه. وكتب على ظهره: «هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود، من ذخائر كنوز العلم. من أراد كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا.» ثمّ دفنه تحت سريره. ثمّ استأثره لهم. فقرأه. فقال الكافرون: ما كان
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: تعلّموه.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٨٦، مقطع من ح ٣٣.
(٤) تفسير القمي ١ / ٥٤ ـ ٥٥.
(٥) المصدر: الجنّ والانس.
(٦) المصدر: متكئ. وهو الظاهر.
(٧) المصدر: متكئ.
(٨) المصدر: يدانون.
سليمان يغلبنا إلّا بهذا. وقال المؤمنون: بل هو عبد الله ونبيّه. فقال الله ـ جلّ ذكره:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ. وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ) .
وما روى في كتاب الخصال(١) ، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام. قال: إنّ المسوخ من بني آدم، ثلاثة عشر ـ إلى أن قال ـ وأمّا الزهرة، فكانت امرأة فتنت هاروت وماروت. فمسخها [الله](٢) كوكبا(٣) .
وعن جعفر بن محمّد(٤) ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام. قال: سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن المسوخ. فقال: هي(٥) ثلاثة عشر ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ وأمّا الزّهرة، فكانت امرأة نصرانيّة. وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل. وهي الّتي فتن بها هاروت وماروت. وكان اسمها ناهيد(٦) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى محمّد بن الحسن بن علان، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام. حديث طويل. يقول فيه: ومسخت الزّهرة. لأنّها كانت امرأة، فتن بها هاروت وماروت.
بإسناده(٨) إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمّد ـ عليهم السّلام. حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام: وأمّا الزّهرة. فإنها كانت امرأة تسمّى ناهيد. وهي الّتي تقول النّاس إنّه افتتن بها هاروت وماروت.
وبإسناده(٩) إلى عليّ بن جعفر، عن مغيرة، عن أبي عبد الله ـ عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام. حديث طويل يقول فيه ـ عليه السّلام: وأمّا الزّهرة، فكانت امرأة فتنت(١٠) هاروت وماروت. فمسخها الله ـ عزّ وجلّ ـ زهرة(١١) .
وفي تفسير عليّ بن ابراهيم(١٢) ، حدّثنى أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن
__________________
(١) الخصال / ٤٩٣.
(٢) يوجد في ر والمصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) نفس المصدر / ٤٩٤.
(٥) المصدر: هم.
(٦) المصدر: وكان اسمها ناهيل والناس يقولون ناهيد.
(٧) علل الشرائع: ٤٨٥ ـ ٤٨٦، مقطع من ح ١.
(٨) نفس المصدر / ٤٨٦، ذيل ح ٢.
(٩) نفس المصدر / ٤٨٨ ـ ٤٧٧.
(١٠) المصدر: فتن بها.
(١١) متقدم على حديث تفسير على بن إبراهيم السابق.
(١٢) تفسير القمي / ٥٤ ـ ٥٨.
رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: سأله عطاء ونحن بمكة، عن هاروت وماروت. فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: إنّ الملائكة كانوا ينزلون من السّماء إلى الأرض، في كلّ يوم وليلة، يحفظون أعمال(١) أوساط أهل الأرض، من ولد آدم والجن، فيكتبون(٢) أعمالهم. [و] يعرجون بها إلى السّماء.
قال: فضجّ أهل السماء، من معاصي أهل الأرض.(٣) فتؤامروا(٤) فيما بينهم ممّا يسمعون ويرون من افترائهم الكذب على الله ـ تبارك وتعالى ـ وجرأتهم عليه. ونزّهوا الله ممّا يقول فيه خلقه ويصفون. فقال طائفة من الملائكة: يا ربّنا! أمّا(٥) تغضب ممّا يعمل خلقك في أرضك وممّا يصفون فيك الكذب ويقولون الزّور ويرتكبون المعاصي؟ وقد نهيتهم عنها. ثمّ أنت تحلم عنهم وهم في قبضتك وقدرتك وخلال عافيتك.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: فأحبّ الله أن يري الملائكة القدرة، ونفاد أمره في جمع خلقه، ويعرّف الملائكة ما منّ به عليهم ممّا(٦) عدله عنهم من صنع خلقه، وما طبعهم عليه من الطّاعة، وعصمهم من الذّنوب.
قال: فأوحى الله إلى الملائكة، ان انتدبوا(٧) منكم ملكين، حتّى أهبطهما إلى الأرض. ثمّ أجعل فيهما من طبائع المطعم والمشرب والشّهوة والحرص والأمل، مثل ما جعلته في ولد آدم. ثمّ أختبرهما في الطّاعة لي.
قال(٨) : فندبوا لذلك هاروت وماروت. وكانا أشدّ(٩) الملائكة قولا في الغيب لولد آدم واستئثار غضب الله عليهم.
[قال :](١٠) فأوحى الله إليهما، أن «اهبطا إلى الأرض. فقد جعلت فيكما من طبائع
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: ويكتبون.
(٣) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: أهل أوساط الأرض. وكذا في تفسير العياشي ١ / ٥٢ وتفسير الصافي ١ / ١٢٧.
(٤) كذا والظاهر: فتآمروا.
(٥) المصدر وتفسير العياشي: ما.
(٦) المصدر: وممّا.
(٧) المصدر: انتحبوا. تفسير العياشي: اندبوا. وقيل في هامشه: وفي بعض النسخ «انتدابوا» وهو بمعناه. واستظهره المجلسي ـ ره ـ في البحار.
(٨) ليس في المصدر ويوجد في العياشي.
(٩) المصدر والعياشي: من أشدّ.
(١٠) يوجد في المصدر وفي العياشي ـ أيضا.
المطعم والمشرب(١) والشّهوة والحرص والأمل، مثل ما جعلت في ولد آدم(٢) .» قال: ثمّ أوحى الله إليهما: «انظرا أن لا تشركا بي شيئا. ولا تقتلا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحق(٣) . ولا تزنيا. ولا تشربا الخمر.» قال: ثمّ كشط عن السّماوات السّبع، ليريهما قدرته. ثمّ أهبطهما إلى الأرض، في صورة البشر ولباسهم. فهبطا ناحية بابل. فرفع(٤) لهما بناء مشرف(٥) . فأقبلا نحوه. فإذا بحضرته امرأة جميلة حسناء متزيّنة عطرة مسفرة مقبلة(٦) نحوهما.
قال: فلمّا نظرا إليها وناطقاها وتأمّلاها(٧) ، وقعت في قلوبهما موقعا شديدا، لموضع الشّهوة الّتي جعلت فيهما. فرجعا إليها، رجوع فتنة وخذلان. وراوداها عن نفسها.
فقالت لهما: إنّ لي دينا أدين به. وليس أقدر في ديني على أن أجيبكما، إلى ما تريدان، إلّا أن تدخلا في ديني الّذي أدين به.
فقالا لها: وما دينك؟
قالت: لي إله من عبده وسجد له، كان علىّ(٨) السّبيل، إلى أن أجيبه، إلى كلّ ما سألني.
فقالا لها: وما إلهك؟
قالت: إلهي هذا الصّنم.
قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: «هاتان خصلتان ممّا نهينا عنه(٩) ، الشّرك والزّنا. لأنّا إن سجدنا لهذا الصّنم وعبدناه، أشركنا بالله. وإنّما نشرك بالله لنصل إلى الزّنا.
وهو ذا نحن نطلب الزّنا. فليس نخطأ إلّا بالشّرك.» فائتمرا بينهما. فغلبتهما الشّهوة الّتي جعلت فيهما.
فقالا لها: فإنّا نجيبك إلى ما سألت.
__________________
(١) المصدر: الطعام والشراب.
(٢) الفقرة الأخيرة، ليس في العياشي.
(٣) «إلّا بالحق»، ليس في المصدر.
(٤) كذا في الأصل ور والعياشي. وفي المصدر: فوقع.
(٥) كذا في الأصل ورو العياشي. وفي المصدر: مشرق
(٦) كذا في الأصل ورو العياشي. وفي المصدر: مقبلة مسفرة.
(٧) ر: فلمّا نظر إليهما وناطقاهما وتأمّلاهما.
(٨) المصدر: لي.
(٩) المصدر: نهانا عنهما.
فقالت: فدونكما. فاشربا هذا الخمر. فإنّه قربان لكما عنه(١) وبه تصلون إلى ما تريدان.
فائتمرا بينهما. فقالا: هذه ثلاث خصال ممّا نهانا عنها ربّنا، الشرك والزّنا وشرب الخمر. وإنّما ندخل في شرب الخمر والشّرك، حتّى نصل إلى الزّنا.
فائتمرا بينهما. فقالا: ما أعظم بليتنا(٢) بك. وقد أجبناك إلى ما سألت.
قالت: فدونكما. فاشربا من هذا الخمر. واعبدا هذا الصّنم. واسجدا له.
فشربا الخمر. وعبدا الصّنم. ثمّ راوداها عن نفسها. فلمّا تهيّأت لهما، وتهيّئا لها، دخل عليهما سائل يسأل. فلمّا أن رآهما ورأياه، ذعرا منه.
فقال لهما: إنّكما لمريبان(٣) ذعران. فقد خلوتما(٤) بهذه المرأة العطرة الحسناء. إنّكما لرجلا سوء.
وخرج عنهما. فقالت لهما: لا وإلهي! ما تصلان الآن إليّ. وقد اطّلع هذا الرّجل على حالكما. وعرف مكانكما. ويخرج الآن ويخبر بخبركما. ولكن بادرا إلى هذا الرّجل.
فاقتلاه قبل أن يفضحكما ويفضحني. ثمّ دونكما فاقضيا حاجتكما. وأنتم مطمئنّان آمنان.
قال: فقاما إلى الرّجل. فأدركاه. فقتلاه. ثمّ رجعا إليها. فلم برياها. وبدت لهما سوآتهما. ونزع عنهما رياشهما. وأسقط في أيديهما.
قال: فأوحى الله إليهما: إنّما أهبطتكما إلى الأرض، مع خلقي ساعة من النّهار.
فعصيتماني بأربع من معاصي كلّها قد نهيتكما عنها. [وتقدّمت إليكما فيها].(٥) فلم تراقباني.
ولم تستحيا منّي. وقد كنتما أشدّ من نقم على أهل الأرض بالمعاصي. واستجرّ(٦) غضبي وأسفي عليهم. ولمّا جعلت فيكما من طبع خلقي وعصمتي إيّاكما من المعاصي، فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما اختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة؟
فقال أحدهما لصاحبه: نتمتّع من شهواتنا(٧) في الدّنيا، إذ صرنا إليها إلى نصير، إلى عذاب الآخرة.
__________________
(١) المصدر: عنده.
(٢) المصدر: البلية.
(٣) المصدر: لامرآن.
(٤) المصدر: فدخلتما.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: للمعاصي. واستنجر.
(٧) المصدر: شهواتها.
فقال الآخر: إنّ عذاب الدّنيا، له مدّة وانقطاع. وعذاب الآخرة، قائم لا انقضاء له. فلسنا نختار عذاب الآخرة الدّائم الشّديد، على عذاب الدّنيا المنقطع الفاني.
قال: فاختارا عذاب الدّنيا. وكانا يعلّمان النّاس السّحر، في أرض بابل. ثمّ لـمّا علّما النّاس السّحر، رفعا من الأرض إلى الهواء. فهما معذّبان منكّسان معلّقان في الهواء، إلى يوم القيامة.
فهو موافق لمذهب العامّة.
وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام:( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ ) بولاية الشّياطين،( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) .
وفي كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ ـ رحمه الله(٢) ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه قال السّائل له ـ عليه السّلام: فمن أين علم الشّياطين السّحر؟
قال: من حيث عرف الأطباء الطّب، بعضه تجربة وبعضه علاج.
قال: فما تقول في الملكين هاروت وماروت؟ وما يقول النّاس بأنهما يعلّمان النّاس السّحر؟
قال: إنّهما موضع ابتلاء وموقف فتنة بتسبيحهما اليوم، لو فعل الإنسان كذا وكذا، لكان كذا وكذا. ولو يعالج بكذا وكذا، لصار كذا أصناف السّحر فيتعلّمون منهما ما يخرج عنهما. فيقولان لهم:( إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ) . فلا تأخذوا عنها ما يضرّكم ولا ينفعكم.
قال: أفيقدر السّاحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب والحمار، أو غير ذلك؟
قال: هو أعجز من ذلك. وأضعف من أن يغيّر خلق الله. إنّ من أبطل ما ركّبه الله وصوّره وغيّره، فهو شريك الله في خلقه. تعالى عن ذلك علوّا كبيرا].(٣)
( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا ) بالرّسول وما جاء به،( وَاتَّقَوْا ) بترك المخالفة،( لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (١٠٣) جهلهم، لترك التّدبّر، أو(٤) العمل
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٩٠، ح ٤٤٠.
(٢) الاحتجاج ٢ / ٨٢، مع اختلاف قليل.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) ر: و.
بالعلم.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) :
[في أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه الطّيّار(٢) ، عن ابن أبي عمير، عن جميل. قال: كان الطّيّار يقول لي: إبليس ليس من الملائكة. وإنّما أمرت الملائكة بالسّجود لآدم.
فقال: إبليس لا اسجد فما لإبليس يعصي حين لم يسجد، وليس هو من الملائكة؟
قال: فدخلت أنا وهو، على أبي عبد الله ـ عليه السّلام: قال: فأحسن والله في المسألة.
فقال: جعلت فداك! أرأيت ما ندب الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه المؤمنين من قوله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، أدخل في ذلك المنافقون معهم؟
قال: نعم. والضّلّال وكلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة. وكان إبليس ممّن أقرّ بالدّعوة الظّاهرة، معهم.
وفي روضة الكافي(٣) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن عليّ بن حديد، عن جميل بن درّاج. قال سأل الطّيّار أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ وأنا عنده. فقال له: جعلت فداك! أرأيت(٤) قوله ـ عزّ وجلّ ـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) في غير مكان من مخاطبة المؤمنين؟ أيدخل في هذا المنافقون؟
قال: نعم. يدخل في هذا المنافقون والضّلّال وكل من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة.
وقد تقدّم هذان الحديثان](٥)
( لا تَقُولُوا راعِنا. وَقُولُوا انْظُرْنا ) :
كان المسلمون يقولون لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا ألقى عليهم شيئا من العلم: راعنا(٦) ، يا رسول الله!، أي: راقبنا. وتأنّ بنا حتّى نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة(٧) يتسابّون بها عبرانيّة، كما قال الباقر ـ عليه السّلام(٨) ـ وهي راعينا. فلمّا سمعوا
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤١٢، ح ١.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) الكافي ٨ / ٢٧٤، ح ٤١٣. مع تلخيص في أوائل الحديث.
(٤) المصدر: رأيت.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أ: راعنا، افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون.
(٧) ر. مجمع البيان ١ / ١٧٨.
(٨) ليس في ر.
بقول(١) المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبوا به الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهم يعنون به تلك المسبّة، فنهي المؤمنون عنها. وأمروا بما هو في معناها. وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا، وانتظرنا من نظره إذا انتظره.
وقرئ «أنظرنا»، من الإنظار، بمعنى الإمهال، و «راعونا» على لفظ الجمع، للتّوقير، و «راعنا» (بالتّنوين)، أي: قولا ذا رعن، نسبة إلى الرّعن. وهو الهوج(٢) ، لمشابهة قولهم راعينا.
( وَاسْمَعُوا ) ، أي: أحسنوا الاستماع لما يكلّمكم به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ويلقي عليكم من المسائل بآذان(٣) واعية وأذهان حاضرة، حتّى لا تحتاجوا إلى الاستعارة وطلب المراعاة.
أو: واسمعوا، سماع(٤) قبول وطاعة. لا يكن مثل سماع اليهود، حيث قالوا: سمعنا وعصينا.
او: واسمعوا ما أمرتم به بجدّ، حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه.
( وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١٠٤)، يعني: للّذين تهاونوا بالرّسول، عذاب موجع مؤلم.
( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ) :
نزلت تكذيبا لجمع من الكافرين يظهرون مودّة المؤمنين ويزعمون أنّهم يودّون لهم الخير.
والمودة: محبّة الشيء، مع تمنّيه. ولذلك يستعمل في كلّ منهما.
و «من»، للتّبيين. لأنّ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) جنس، تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون.
( أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) :
مفعول «يودّ».
و «من» الأولى، مزيدة للاستغراق، والثّانية، للابتداء.
والمراد بالخير، ما يعمّ الوحي والعلم والنّصرة.
__________________
(١) ليس في ر. وأ: يقول.
(٢) أ: الهرج.
(٣) ر: بإذن.
(٤) ر: إسماع.
( وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ) :
روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وعن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام(١) : أنّ المراد برحمته هاهنا، النّبوّة.
وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : روى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ ـ رحمه الله ـ عمّن رواه، بإسناده عن أبيّ بن صالح، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي الحسن الرّضا، عن أبيه موسى، ان أبيه جعفر ـ صلوات الله عليهم ـ في قوله تعالى( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ) ، قال: المختصّون(٣) بالرّحمة، نبيّ الله ووصيّه وعترتهما. إنّ الله تعالى خلق مائة رحمة: فتسع وتسعون رحمة عنده مذخورة لمحمّد وعليّ وعترتهما. ورحمة واحدة، مبسوطة على سائر الموجودين].(٤)
( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (١٠٥) :
فيه إشعار بأنّ النّبوّة من فضله، وأنّ كلّ خير نال عباده في دينهم أو دنياهم، فإنّه من عنده، ابتداء منه، إليهم، وتفضّلا عليهم، من غير استحقاق منهم لذلك عليه. فهو عظيم الفضل ذو المنّ والطّول.
( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) :
نزلت لـمّا قال المشركون، أو اليهود: ألا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر، ثمّ ينهاهم عنه. ويأمرهم بخلافه؟
والنّسخ»، في اللّغة، إزالة الصّورة عن الشيء وإثباتها في غيره، كنسخ الظّلّ للشّمس. ومنه التّناسخ. ثمّ استعمل في كلّ منهما، كقولك: نسخت الرّيح الأثر. ونسخت الكتاب.
ونسخ الآية، بيان انتهاء التّعبّد بها :
إمّا بقراءتها فقط، كآية الرّجم. فقد قيل: إنّها كانت منزلة فرفع لفظها(٥) . فقط، دون حكمها.
أو بالعكس، كقوله(٦) :( إِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ ) .
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٧٩.
(٢) تأويل الآيات الباهرة / ٢٥ ـ ٢٦.
(٣) المصدر: المختصّ.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) مجمع البيان ١ / ١٨٠.
(٦) الممتحنة / ١١.
(الاية) فهذه الاية ثابتة في الخطّ، مرتفعة الحكم.
أو بهما، كما روي عن أبي بكر، قال: كنّا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم. فإنّه كفر بكم.» فرفع وإنساؤها إذهابها، عن القلوب.
و «ما»، شرطيّة جازمة، لننسخ. منتصبة به على المفعوليّة.
( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) ، أي: بما هو خير للعباد في النّفع والثّواب، أو مثلها في الثّواب.
[وقرأ ابو عمرو(١) بقلب الهمزة ألفا].(٢)
[وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن شاهويه بن عبد الله الجلاب. قال: كتب إليّ أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر. وقلقت لذلك. فلا تغتمّ. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. وصاحبك بعدك أبو محمّد ابني. وعنده ما تحتاجون إليه. يقدّم ما يشاء الله ويؤخّر ما يشاء.(٤) ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) وقد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن عمر بن يزيد. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) ».
فقال: كذبوا. ما هكذا هي إذا كان ينسخها. نأت بمثلها ينسخها(٦) .
قلت: هكذا قال الله؟
قال: ليس هكذا قال الله ـ تبارك وتعالى.
قلت: فكيف قال؟
قال: ليس فيها ألف ولا واو. قال:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) . يقول: ما نميت من إمام، أو ننسه ذكره، نأت بخير منه من صلبه مثله.
وفيه(٧) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٧٥.
(٢) ليس في أ.
(٣) الكافي ١ / ٣٢٨، ح ١٢.
(٤) المصدر: ما يشاء الله.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٥٦، ح ٧٨.
(٦) المصدر: «فعال: كذبوا ما هي إذا كان ينسى وينسخها أو يأت بمثلها لم ينسخها.» وهو الظاهر.
(٧) نفس المصدر ١ / ٥٥، ح ٧٧.
( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) قال: النّاسخ ما حوّل. وما ينسيها، مثل الغيب الّذي لم يكن بعد، كقوله(١) : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
قال: فيفعل الله ما يشاء. وما يحوّل ما يشاء، مثل قوم يونس إذ بدا له. فرحمهم.
ومثل قوله(٢) : فتولّ عنهم فما أنت بملوم.
قال: أدركتهم رحمته].(٣)
( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١٠٦). فهو يقدر على النّسخ والإتيان، بمثل المنسوخ، وبما هو خير منه؟
( أَلَمْ تَعْلَمْ ) :
الخطاب للنّبيّ. والمراد هو وأمّته، لقوله:( أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : يملك أموركم. ويدبّرها على حسب ما يصلحكم. وهو أعلم بما يتعبّدكم به من ناسخ أو منسوخ؟
( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (١٠٧) الفرق بين «الوليّ» و «النّصير»، أنّ «الوليّ» قد يضعف عن النصرة.
و «النّصير» قد يكون أجنبيّا عن المنصور.
( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ؟ ) :
لمّا بيّن لهم أنّه مالك أمورهم، ومدبّرها على حسب مصالحهم، من نسخ الآيات وغيره، وقرّدهم على ذلك بقوله «ألم تعلم»، أراد أن يوصيهم بالثّقة به فيما هو أصلح لهم، ممّا يتعبّدهم به وينزل عليهم، وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحته آباء اليهود على موسى، من الأشياء الّتي كانت عاقبتها وبالا عليهم.
قيل(٤) : نزلت في أهل الكتاب، حين سألوا أن ينزّل [الله](٥) عليهم كتابا من السّماء. وقيل: في المشركين، لـمّا قالوا لن نؤمن لرقيّك حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه.
( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ ) ومن ترك الثّقة بالآيات المنزلة وشكّ فيها واقترح غيرها.
__________________
(١) الرعد / ٣٩.
(٢) الذاريات / ٥٤.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٧٦.
(٥) يوجد في المصدر.
( فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) (١٠٨)، أي: الطّريق المستقيم حتّى وقع في الكفر، بعد الإيمان.
( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ) :
روى(١) أنّ فنحاص بن عازورا وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر، بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم؟ ولو كنتم على حقّ ما هزمتم. فارجعوا إلى ديننا. فهو خير لكم، وأفضل. ونحن أهدى منكم سبيلا.
فقال عمّار: كيف نقض العهد فيكم؟
قالوا: شديد.
قال: فإنّي عاهدت أن لا أكفر بمحمّد ما عشت.
فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبا.
قال حذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، وبالقرآن اماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا.
ثمّ أتيا رسول الله. وأخبراه. فقال: أصبتما خيرا. وأفلحتما، فنزلت.
وعن ابن عبّاس(٢) : أنّها نزلت في حيّ بن أخطب وأخيه أبي ياسر بن أخطب.
وقد دخلا على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين قدم المدينة. فلمّا خرجا قيل لحيّ: هو نبيّ.
قال: هو هو.
فقيل: فما له عندك؟
قال: العداوة إلى الموت.
وهو الّذي نقض العهد. وأثار الحرب يوم الأحزاب.
وقيل(٣) : نزلت في كعب بن الأشرف.
( حَسَداً ) : علّة ود(٤) .
( مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) :
امّا متعلّق بودّ، أي: تمنّوا ذلك من عند أنفسهم، وتشبيههم لا من قبل التّديّن والميل مع الحقّ، أو بحسدا، أي: حسدا منبعثا من أصل نفوسهم.
__________________
(١) الكشاف ١ / ١٧٦.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٨٤.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) ليس في أ.
( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ ) بالمعجزات والنّعوت المذكورة في التوراة.
( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ) :
«العفو»: ترك عقوبة المذنب. و «الصّفح»: ترك تثريبه.
( حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) الّذي هو الإذن في قتالهم، وضرب الجزية عليهم، أو قتل قريظة، وإجلاء بني النضير.
قيل(١) : إنّ هذه الآية، منسوخة. فقال بعضهم: بقوله(٢) :( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ، وبعضهم: بآية السّيف. وهو قوله(٣) :( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ».
والمرويّ عن الباقر ـ عليه السّلام، أنّه قال(٤) : لم يؤمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بقتال، ولا أذن له فيه، حتّى نزل جبرئيل بهذه الآية(٥) :( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) وقلّده سيفا.
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١٠٩)، فيقدر على الانتقام منهم.
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) : عطف على «فاعفوا». كأنّه أمرهم بالصّبر والالتجاء إلى الله، بالعبادة والبرّ.
( وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ ) ، كصلاة، أو صدقة. وقرئ(٦) [تقدموا](٧) من أقدم،( تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ ) ، أي: ثوابه.
( إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (١١٠): لا يضيع عنده عمل عامل.
وقرئ(٨) بالياء. فيكون وعيدا. «وَقالوا» عطف على «ودّ» والضّمير لأهل الكتاب.
( وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً ) : جمع هائد، كعوذ وعائذ وباذل وهو جمع للمذكّر والمؤنّث، على لفظ واحد.
والهائد: التّائب الرّاجع إلى الحقّ.
__________________
(١) ر. أنوار التنزيل ١ / ٧٦.
(٢) التوبة / ٢٩.
(٣) التوبة / ٥.
(٤) مجمع البيان ١ / ١٨٥.
(٥) الحج / ٣٩.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٧٦.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع.
وقيل(١) : مصدر. يصلح للواحد والجمع، كما يقال: رجل صوم وقوم صوم.
وقيل(٢) : أصله يهود: فحذفت الياء الزّائدة.
وعلى ما قلنا، فتوحيد الاسم المضمر وجمع الخبر، لاعتبار اللّفظ والمعنى.
( أَوْ نَصارى ) : سبق تحقيقه. والكلام على اللّفّ بين قولي الفريقين. والتّقدير: وقالت اليهود: لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا. والنّصارى لن يدخل الجنّة، إلّا من كان نصارى، ثقة بأن السامع يرد إلى كلّ فريق قوله، وأمنا من الالتباس، لما علم من التّعادي بين الفريقين وتضليل كلّ واحد منهما، صاحبه.
( تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ) :
إشارة إلى الأمانيّ المذكورة. وهي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربّهم وأن يردّوهم كفّارا. وأن لا يدخل الجنّة غيرهم.
أو إلى ما في الآية على حذف مضاف، أي: أمثال تلك الأمنيّة المذكورة في الآية، أمانيّهم.
والجملة اعتراض.
والأمنيّة: أفعولة من التّمنّي، كالأضحوكة والأعجوبة والجمع الأضاحيك والأعاجيب.
( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) على اختصاصكم بدخول الجنّة.
والبرهان والحجّة والدّلالة والبيان، بمعنى واحد. وقد فرّق عليّ بن عيسى، بين الدّلالة والبرهان، بأن قال: «الدّلالة» قد ينبئ عن معنى فقط. لا يشهد لمعنى آخر. و «البرهان» ليس كذلك. لأنّه بيان عن معنى ينبئ عن معنى آخر. وقد نوزع في هذا الفرق. وقيل: «إنّه محض الدّعوى(٣) ».
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١١١) في دعواكم. فإنّ كلّ قول لا دليل عليه غير ثابت.
وفي هذه الآية، دلالة على فساد التّقليد في الأصول. الا ترى أنّه لو جاز التقليد لما أمروا بأن يأتوا فيما قالوا ببرهان؟
وفيها ـ أيضا ـ دلالة على جواز المحاجّة في الدّين.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٨٦.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٨٦.
وفيها ـ أيضا ـ دلالة على أنّه لا حجّة في إجماع يخلو عن معصوم. وإلّا لجاز لهم أن يقولوا البرهان. إنّا أجمعنا على ما قلنا. فالمتمسّكون بالإجماع المذكور، أضلّون من محرّفي أهل الكتاب.
( بَلى ) : اثبات لما نفوه، من دخول غيرهم الجنّة.
( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) :
من(١) أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، أو قصده وتوجّهه له،( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) في عمله،( فَلَهُ أَجْرُهُ ) الّذي يستوجبه ثابتا،( عِنْدَ رَبِّهِ ) : لا يضيع ولا ينقص.
والجملة جواب «من»، إن كانت شرطيّة، وخبرها، إن كانت موصولة.
و «الفاء» لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط. فيكون الرّدّ بقوله «بلى» وحده، أو يكون «من أسلم»، فاعلا لفعل محذوف، أي: بلى يدخلها من أسلم.
ويكون قوله «فله أجره»، كلاما معطوفا على يدخلها «من أسلم».
( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١١٢) في الآخرة.
وهذا ظاهر على قول من يقول: أنّه لا يكون على أهل الجنّة خوف ولا حزن في الآخرة. وأمّا على قول من قال: بعضهم يخاف ثمّ يأمن، فمعناه أنّهم لا يخافون فوت جزاء أعمالهم. لأنّهم يكونون على ثقة، بأنّ ذلك لا يفوتهم.
[وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ حديث طويل، عن النّبي ـ صلّى الله عليه وآله. وفيه: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأصحابه: قولوا( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) أي: نعبد واحدا. لا نقول كما قال الدّهريّة: «إنّ الأشياء لا بدو لها وهي دائمة.» ولا كما قال الثّنويّة الّذين قالوا: «إنّ النّور والظّلمة هما المدبّران.» ولا كما قال مشركوا العرب: «إنّ أوثاننا آلهة.» فلا نشرك بك شيئا. ولا ندعو من دونك إلها، يقول هؤلاء الكفّار. ولا نقول كما تقول النّصارى واليهود: «إنّ لك ولدا.» تعاليت عن ذلك علوّا كبيرا.
قال: فذلك قوله.:( وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) .
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الاحتجاج ١ / ٢٥.
وقالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفّار: ما قالوا؟
قال الله: يا محمّد!( تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ ) الّتي يمنّونها بلا حجّة.( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) وحجّتكم على دعواكم،( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) كما أتى محمّد ببراهينه الّتي سمعتموها.
ثمّ قال:( بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، يعني: كما فعل هؤلاء الّذين آمنوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا سمعوا براهينه وحجّته( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) في عمله لله،( فَلَهُ أَجْرُهُ ) ، ثوابه( عِنْدَ رَبِّهِ ) ، يوم فصل القضاء،( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) حين يخاف الكافرون بما يشاهدونه من العقاب،( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) عند الموت. لأنّ البشارة بالجنان، تأتيهم.
وفيه(١) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: فالجدال بالّتي هي أحسن: قد قرنه العلماء بالدّين والجدال بغير الّتي هي أحسن، محرّم وحرّمه الله على شيعتنا.
وكيف يحرّم(٢) الجدال جملة وهو يقول:( وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) .، قال الله تعالى:( تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) ؟» فجعل(٣) علم الصّدق والإيمان بالبرهان وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالّتي هي أحسن والّتي ليست بأحسن؟
وفي كتاب الخصال(٤) ، في احتجاج عليّ ـ عليه السّلام ـ على النّاس، يوم الشورى. قال: نشدتكم بالله! هل فيكم أحد قال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مثل ما قال لي؟: أهل ولايتك يخرجون يوم القيامة من قبورهم، على نوق بيض شراك نعالهم نور يتلألأ. قد سهلت عليهم الموارد. وفرجت عليهم(٥) الشّدائد. واعطوا الأمان.
وانقطعت عنهم الأحزان، حتّى ينطلق بهم إلى ظلّ عرش الرّحمن. فوضع(٦) بين أيديهم مائدة. يأكلون منها حتّى يفرغ من الحساب يخاف النّاس ولا يخافون ويحزن النّاس ولا يحزنون غيري.» قالوا: أللّهمّ لا!](٧)
( وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ) ، أي: أمر يصحّ ويعتدّ به. وهذه
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٤.
(٢) المصدر: يحرّم الله.
(٣) المصدر: فجعل الله.
(٤) الخصال / ٥٥٨ ـ ٥٥٩.
(٥) المصدر ور: عنهم.
(٦) المصدر: توضع.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
مبالغة عظيمة. لأنّ المحال والمعدوم، يقع عليهما اسم الشيء. فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به، إلى ما ليس بعده. وهذا كقولهم أقلّ من لا شيء.
( وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ ) :
قال ابن عبّاس(١) : لـمّا قدم وفد نجران من النّصارى على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أتتهم أحبار اليهود. فتنازعوا عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فقال رافع بن حرملة: «ما أنتم على شيء.» وجحد نبوّة عيسى. وكفر بالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران: «ليست اليهود على شيء.» وجحد نبوّة موسى. وكفر بالتّوراة. فأنزل الله هذه الآية.
( وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ ) :
الواو للحال. والكتاب للجنس، أي: قالوا ذلك، والحال أنّهم من أهل العلم والتّلاوة للكتب.
وحقّ من حمل التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، أو آية، أن لا يكفر بالباقي. لأنّ كلّ واحد من الكتابين، مصدّق للثّاني، شاهد بصحته. وكذلك كتب الله جميعا، متواردة في تصديق بعضها بعضا.
( كَذلِكَ ) ، مثل ذلك الّذي سمعت به على ذلك المنهاج.
( قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) ، كعبدة الأصنام والمعطّلة، قالوا لكلّ أهل دين: «ليسوا على شيء» وهذا توبيخ عظيم لهم، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم، في سلك من لا يعلم.
و( مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) ، يحتمل احتمالين: أحدهما أنّه مفعول مطلق لقال والآخر أنّه مفعوله، يعني: أنّ قولهم، مثل قولهم في الفساد، ومقولهم مثل مقولهم في الدّلالة على أنّ ما عدا دينهم، ليس بشيء.
فان قيل: لم وبّخهم؟ وقد صدقوا فإنّ كلا الدّينين بعد النّسخ ليس بشيء.
قلت: لم يصدقوا ذلك. وإنّما قصد كل فريق، إبطال دين الآخر، من أصله والكفر بنبيّه وكتابه، مع أن ما لم ينسخ منهما، حقّ واجب القبول والعمل به، مع الإيمان بالنّاسخ.
( فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) : بين الفريقين ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٨٨.
( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) :
هي مصدر. إلّا أنّه صار كالعلم، على وقت، بعينه. وهو الوقت الّذي يبعث الله ـ عزّ وجلّ ـ فيه الخلق. فيقومون من قبورهم، إلى محشرهم. تقول: قام يقوم قياما وقيامة، مثل: عاذ يعوذ عياذا وعياذة.
( فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (١١٣) بما يقسم لكلّ فريق، ما يليق به من العذاب.
وقيل(١) : بأن يكذّبهم، وأن يدخلهم النّار.
وقيل(٢) : بأن يريهم من يدخل الجنّة عيانا، ومن يدخل النّار عيانا.
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ ) :
الآية عامّة لكلّ من خرّب مسجدا، أو سعى في تعطيل مكان مرشّح للصّلاة. وإن نزلت في الرّوم، لما غزوا بيت المقدس وخرّبوه وقتلوا أهله حتّى، كانت أيّام عمر، وأظهر المسلمين عليهم، وصاروا لا يدخلونها(٣) إلّا خائفين، على ما روى عن ابن عبّاس(٤) .
وقيل(٥) : خرّب بخت نصر بيت المقدس. وأعانه عليه(٦) النّصارى.
والمرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٧) : أنّها نزلت في قريش، حين منعوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ دخول مكّة والمسجد الحرام.
[وروى عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام(٨) : أنّه أراد جميع الأرض لقول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا].(٩)
( أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) :
ثاني مفعولي «منع» لأنّك تقول: منعته كذا.
ويجوز أن يحذف حرف الجرّ، مع «أن.» ولك أن تنصبه مفعولا له(١٠) ، بمعنى: منعها كراهة أن يذكر.
( وَسَعى فِي خَرابِها ) بالهدم، أو التّعطيل.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٧٧.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٨٨.
(٣) أ: لن يدخلونها.
(٤) مجمع البيان ١ / ١٨٩.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) ر: على ذلك. وهو الظاهر.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٨) نفس المصدر ١ / ١٩٠.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) ليس في أ.
( أُولئِكَ ) ، أي: المانعون،( ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ) ، أي :
ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها، إلّا بخشية وخضوع، فضلا عن أن يجرءوا على تخريبها.
أو ما كان الحقّ أن يدخلوها، إلّا خائفين من المؤمنين، أن يبطشوهم، فضلا عن أن يمنعوهم منها.
أو ما كان لهم في علم الله تعالى، أو قضائه، فيكون وعدا للمؤمنين بالنّصرة واستخلاص المساجد منهم. وقد أنجز وعده.
( لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) :
قال قتادة(١) : المراد بالخزي، أن يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون.
وقال الزّجّاج(٢) : المراد به السبّي والقتل، إن كانوا حربا، وإعطاء الجزية، إن كانوا ذمّة.
وقال أبو عليّ(٣) : المراد به، طردهم عن المساجد.
وقال السّديّ(٤) : المراد به خزيهم إذا قام المهديّ وفتح قسطنطنيّة. فحينئذ يقتلهم.
والكلّ محتمل. واللّفظ بإطلاقه يتناوله.
( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (١١٤) بظلمهم وكفرهم.
( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) :
«اللّام»، للملك. و «المشرق» و «المغرب»، اسمان لمطلع الشّمس ومغربها.
والمراد بهما ناحيتا(٥) الأرض، أي: له الأرض، كلّها. لا يختص به مكان دون مكان(٦) . فإن منعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام والأقصى، فقد جعلت لكم الأرض مسجدا.
( فَأَيْنَما تُوَلُّوا ) : ففي أي مكان فعلتم التّولية، أي: تولية وجوهكم،( فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) ، أي: جهته الّتي أمر بها، أو فثمّ ذاته، أي: عالم مطّلع بما يفعل فيه.
__________________
(١) ر. مجمع البيان ١ / ١٩٠.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٥) أ: ناحيتي.
(٦) أ: آخر.
( إِنَّ اللهَ واسِعٌ ) بإحاطته بالأشياء، أو برحمته،( عَلِيمٌ ) (١١٥) بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن، كلّها.
قيل(١) : إنّ اليهود أنكروا تحويل القبلة عن بيت المقدس. فنزلت الآية ردّا عليهم.
وقيل(٢) : كان للمسلمين التّوجّه حيث شاءوا، في صلاتهم. وفيه نزلت الآية. ثمّ نسخ بقوله(٣) ( فَوَلِّ وَجْهَكَ ) (إلى آخره).
وقيل(٤) : نزلت الآية في صلاة التّطوّع على الرّاحلة، تصلّيها حيثما توجّهت، إذا كنت في سفر. وأمّا الفرائض، فقوله:( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ، يعني: أنّ الفرائض لا تصلّيها إلّا إلى القبلة. وهو المرويّ عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام. قالوا: وصلّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إيماء على راحلته أينما توجّهت به، حيث خرج إلى خيبر، وحين رجع من مكّة، وجعل الكعبة خلف ظهره.
وروى عن جابر(٥) ، قال: بعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ سريّة كنت فيها. فأصبتنا ظلمة. فلم نعرف القبلة. فقال طائفة منّا: «قد عرفنا القبلة، هي هاهنا، قبل الشّمال.» فصلّوا. وخطّوا خطوطا. وقال بعضنا: «القبلة هاهنا. قبل الجنوب.» فخطّوا خطوطا. فلمّا أصبحوا وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلمّا قفلنا(٦) من سفرنا، سألنا النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن ذلك. فسكت. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
[في كتاب الخصال(٧) ، في سؤال بعض اليهود عليّا ـ عليه السّلام ـ عن الواحد إلى المائة: قال له اليهوديّ. فأين(٨) وجه ربّك؟
فقال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام(٩) : يا بن عبّاس! ائتني بنار وحطب.
فأتيته بنار وحطب. فأضرمها. ثمّ قال: يا يهوديّ! أين يكون وجه هذه النّار؟
فقال: لا أقف لها على وجه.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٩١.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) البقرة / ١٤٤ و/ ١٤٩ و/ ١٥٠.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) النسخ: غفلنا.
(٧) الخصال / ٥٩٧.
(٨) المصدر: فأين يكون.
(٩) المصدر: فقال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ لي.
قال: ربيّ(١) عزّ وجلّ على(٢) هذا المثل.
( وَلِلَّهِ ) (٣) ( الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) .
وفيه(٤) ، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ، في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة، مع مائة من النّصارى، بعد وفاة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فسأله عنها، فأجابه. فكان فيما سأله، أن قال له: أخبرني عن وجه الرّبّ ـ تبارك وتعالى.
فدعا ـ عليه السّلام ـ بنار وحطب. فأضرمه. فلمّا اشتعلت قال عليّ ـ عليه السّلام: أين وجه هذه النّار؟
قال(٥) : هي وجه من جميع حدودها.
قال عليّ ـ عليه السّلام: هذه النّار مدبّرة مصنوعة، لا يعرف وجهها. وخالقها لا يشبهها.( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) . لا يخفى على ربّنا خافية.
وفي كتاب علل الشرائع(٦) : حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور رحمه الله؟ قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمّه عبد الله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سألته عن الرّجل يقرأ السّجدة وهو على ظهر دابّته.
قال: يسجد حيث توجّهت به. فإنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يصلّي على ناقته، وهو مستقبل المدينة. يقول الله ـ عزّ وجلّ:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) : وسأله معاوية بن عمّار، عن الرّجل يقوم في الصّلاة، ثمّ ينظر بعد ما فرغ، فيرى أنّه قد انحرف عن القبلة، يمينا أو شمالا.
فقال له: قد مضت صلاته. وما بين المشرق والمغرب قبلة. ونزلت هذا الآية في قبلة المتحيّر:( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) .
وفي كتاب الاحتجاج، للطّبرسيّ ـ رحمه الله(٨) : قال أبو محمّد ـ عليه السّلام: قال
__________________
(١) المصدر: فإنّ ربّي.
(٢) المصدر: عن.
(٣) المصدر: له.
(٤) نفس المصدر / ١٨٢.
(٥) المصدر: قال النصراني.
(٦) علل الشرائع / ٣٥٨ ـ ٣٥٩، ح ١.
(٧) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٧٩. (٨) الاحتجاج ١ / ٤٥.
رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لقوم من اليهود: أو ليس قد ألزمكم في الشّتاء أن تحترزوا من البرد بالثّياب الغليظة، وألزمكم في الصّيف أن تحترزوا من الحرّ. فبدا له في الصّيف حين أمركم، بخلاف ما كان أمركم به في الشّتاء؟
فقالوا: لا فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: وكذلك الله تعبّدكم في وقت، لصلاح يعلمه بشيء، ثمّ بعّده في وقت آخر، لصلاح آخر، يعلمه بشيء آخر. فإذا أطعتم الله في الحالين، استحققتم ثوابه.
فأنزل الله تعالى:( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ. إِنَّ اللهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ) ، يعني: إذا توجّهتم بأمره، فثمّ الوجه الّذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه(١) : قال السّائل: من هؤلاء الحجج! قال: هم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومن حلّ محلّه من أصفياء الله الّذين قال( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) الّذين قرنهم الله بنفسه وبرسوله وفرض على العباد من طاعتهم، مثل الّذي فرض عليهم منها لنفسه.
وفيه(٢) : قال ـ عليه السّلام ـ أيضا ـ في الحجج: وهم وجه الله الّذي قال:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) .
وفي كتاب المناقب، لابن شهر آشوب(٣) : أبو المضاء، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قوله تعالى:( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) قال: عليّ ـ عليه السّلام].(٤)
( وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) :
نزلت لـمّا قالت اليهود: «عزير بن الله»، والنّصارى: «المسيح بن الله»، ومشركوا العرب: «الملائكة بنات الله.» وعطفه على «قالت اليهود»، أو «منع»، أو مفهوم قوله «ومن أظلم» وقرأ ابن عامر بغير واو، والباقون بالواو(٥) .
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٣٧٥.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) المناقب ٣ / ٢٧٢.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) مجمع البيان ١ / ١٩٢.
[وفي كتاب علل الشرائع(١) ، بإسناده إلى سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لم يخلق الله شجرة إلّا ولها ثمرة تؤكل. فلمّا قال النّاس: «اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً »، ذهب نصف ثمرها. فلمّا اتخذوا مع الله إلها، شاك الشّجر].(٢)
( سُبْحانَهُ ) :
روى عن طلحة بن عبيد الله(٣) ، أنّه سأل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن معنى قوله «سبحانه» فقال: «تنزيها له عن كلّ سوء».
( بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) :
ردّ لما قالوا، أو استدلال على فساده بأنّه خالق ما في السّموات وما في الأرض الّذي من جملته الملائكة وعزير والمسيح.
( كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ) (١١٦)، مطيعون. لا يمتنعون عن مشيئته. وكلّ من كان بهذه الصّفة، لم يجانس مكوّنه الواجب لذاته. ومن حقّ الولد أن يجانس والده. فلا يكون له ولد.
وإنّما جاء بما الّذي لغير أولي العلم، تحقيرا لشأنهم.
وتنوين «كلّ»، عوض عن المضاف إليه، أي: كلّ ما فيهما، أو كلّ من جعلوه ولدا له.
وفي الآية، دلالة على أنّ من ملك ولده أو والده، انعتق عليه. لأنّه تعالى نفى الولد، بإثبات الملك. وذلك يقتضي تنافيهما. وهو المرويّ عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام.(٤)
( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) :
يقال: بدع الشيء، فهو بديع، كقولك: برع الشيء، فهو بريع. و( بَدِيعُ السَّماواتِ ) من إضافة الصّفة المشبّهة، إلى فاعلها، أي: بديع سماواته وأرضه.
وقيل(٥) : البديع بمعنى المبدع، كما أنّ السّميع، في قول الشّاعر :
«أمن ريحانة |
الدّاعي السّميع» |
، بمعنى المسمع.
وهو دليل آخر على نفي الولد.
__________________
(١) علل الشرائع ٢ / ٥٧٣.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) مجمع البيان ١ / ١٩٢.
(٤) ر. وسائل الشيعة / ١٦، باب ٧ من أبواب العتق، ح ١ ـ ٩.
(٥) ر. أنوار التنزيل ١ / ٧٨.
وتقريره: أنّ الوالد، عنصر الولد المنفعلة بانفصال مادّته عنه. والله سبحانه، مبدع الأشياء كلّها. فاعله على الإطلاق. منزّه عن الانفعال. فلا يكون والدا. وهذا التّقرير يصحّ على التّقديرين. لأنّ كونه تعالى مبدعا، يلزمه كون مخلوقه بديعا وبالعكس.
والإبداع اختراع الشيء، لا عن شيء، دفعة. وهو أليق بهذا الموضع من الصّنع الّذي هو تركيب الصّورة بالعنصر والتّكوين الّذي يكون بتغيّر وفي زمان غالبا.
وقرئ بديع، مجرورا على البدل، من الضّمير في «له»، ومنصوبا، على المدح.
[وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن سدير الصّيرفيّ. قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) » فقال(٢) أبو جعفر ـ عليه السّلام: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه، على غير مثال كان قبله. فابتدع السّماوات والأرض(٣) ، ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون. أما تسمع لقوله تعالى(٤) ( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) ؟
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة](٥) ( وَإِذا قَضى أَمْراً ) : إذا أراد إحداث أمر،( فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (١١٧) :
من كان التّامّة، أي، أحدث، فيحدث. وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال. بل حصول ما تعلّقت به إرادته، بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع، بلا توقّف.
وفيه تقرير لمعنى الإبداع. وإيماء إلى دليل آخر. وهو أنّ اتخاذ الولد ممّا يكون بأطوار. وفعله تعالى مستغن عن ذلك.
قيل(٦) : كان سبب ضلالتهم، أنّ أرباب الشّرائع المتقدّمة، كانوا يطلقون الأب على الله تعالى، باعتبار أنّه السّبب الأوّل، حين(٧) قالوا: «إنّ الأب، هو الرّبّ الأصغر.
والله سبحانه وتعالى هو الأب الأكبر.» ظنّت الجهلة منهم، أنّ المراد به معنى الولادة.
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٥٦، صدر ح ٢.
(٢) المصدر: قال.
(٣) المصدر: الأرضين.
(٤) هود / ٧
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٧٩.
(٧) المصدر: حتى.
فاعتقدوا ذلك تقليدا. ولذلك كفر قائله. ومنع منه مطلقا جسما، لمادّة الفاسد.
[وفي كتاب نهج البلاغة(١) : يقول لما(٢) أراد كونه، قال(٣) : «كُنْ فَيَكُونُ » لا بصوت يفزع(٤) ولا نداء يسمع. وإنّما كلامه سبحانه، فعل منه، إنشاء(٥) . ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا. ولو كان قديما، لكان إلها ثانيا.
وفيه(٦) : يقول ولا يلفظ(٧) . ويريد ولا يضمر.
وفي كتاب الاحتجاج(٨) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ولا أجده يلفظ بشقّ فم(٩) . ولكن كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) . بمشيئة، من غير تردّد في نفس.
وفي كتاب الإهليلجة(١٠) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: فالإرادة للفعل، إحداثه،( فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) بلا تعب وكيف.
وفي عيون الأخبار(١١) ، بإسناده إلى صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه. فإرادة الله، هي الفعل. لا غير ذلك.( يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف. لذلك(١٢) ، كما أنّه بلا كيف.
وفيه(١٣) حديث طويل، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أيضا ـ يقول فيه: و «كن» منه صنع. وما يكون به المصنوع].(١٤)
( وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ، أي: جهلة المشركين، أو المتجاهلون من أهل الكتاب.
( لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ ) كما يكلّم الملائكة، أو يوحي إلينا بأنّك رسوله. وهذا استكبار منهم.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٢٧٤، ضمن خطبه ١٨٦.
(٢) المصدر: لمن.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: يقرع.
(٥) المصدر: أنشاه.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٧) المصدر: يقول ولا يلفظ. ويحفظ ولا يتحفّظ.
(٨) الاحتجاج ٢ / ١٥٦.
(٩) ر: ولا احمده بلفظ. لشق فم. المصدر: ولا اخذه بلفظ شق فم.
(١٠) بحار الأنوار ٣ / ١٩٦.
(١١) عيون الأخبار ١ / ١١٩، ذيل ح ١١.(١٢) المصدر: كذلك.
(١٣) نفس المصدر ١ / ١٧٣ ـ ١٧٤. (١٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ) وحجّة على صدقك. وهذا جحود لأن ما أتاهم آيات استهانة.
( كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من الأمم الماضية،( مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) :
فقالوا: «أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً » وغير ذلك.
( تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) ، أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم، في العمى والعناد.
وقرئ بتشديد الشّين.
( قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (١١٨): اي: يطلبون اليقين، أو يوقنون. الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد.
( إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ ) ، مؤيّدا به،( بَشِيراً وَنَذِيراً ) : فلا عليك إن كابروا.
( وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ) (١١٩)، أنّهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت.
وقرأ نافع ويعقوب «ولا تسأل»، على لفظ النّهي، مبيّنا للفاعل. وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام(١)
وفيه، حينئذ، إشارة إلى تعظيم عقوبة الكفّار. كأنّها لا يقدر أن يخبر عنها، أو السّامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السّؤال.
و «الجحيم»: المتأجّج من النّار. من جحمت النّار يجحم جحما، إذا اضطرمت.
( وَلَنْ تَرْضى ) ، وإن بالغت في إرضائهم،( عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى، حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) : كأنّهم قالوا: «لن نرضى عنك حتّى تتّبع ملّتنا»، إقناطا منهم لرسول الله، عن دخولهم في الإسلام. فحكى الله ـ عزّ وجلّ ـ كلامهم. ولذلك قال تعالى:( قُلْ ) تعليما للجواب،( إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى ) . لا ما تدعون إليه.
( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ) ، أي: أقوالهم الّتي هي أهواء وبدع،( بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) : من الوحي، أو الدّين المعلوم صحّته بالبراهين الصّحيحة ،
__________________
(١) ر. مجمع البيان ١ / ١٩٦.
( ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (١٢٠) يدفع عنك عقابه.
وفي هذه الآية، دلالة على ان من علم الله تعالى منه، أنّه لا يعصي يصحّ وعيده.
لأنّه علم أنّ نبيّه ـ عليه السّلام ـ لا يتّبع أهواءهم. والمقصود منه التّنبيه على أنّ حال أمّته فيه، اغلظ من حاله. لأن منزلتهم، دون منزلته.
وقيل(١) : الخطاب للنّبيّ والمراد أمّته.
( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) :
قيل(٢) : يريد مؤمني أهل الكتاب، أو مطلقهم.
[وفي أصول الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد بن محمّد(٤) ، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد. قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) .
قال: هم الأئمّة ـ عليهم السّلام. وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : روى محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد. قال :سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) قال: هم الأئمّة ـ صلوات الله عليهم. والكتاب، القرآن المجيد. وإن لم يكونوا هم، وإلّا فمن سواهم؟](٦)
( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) ، بمراعاة اللّفظ عن التّحريف، والتدبّر في معناه، والعمل بمقتضاه.
وروى عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(٧) أنّ حقّ تلاوته هو الوقوف عند ذكر الجنّة والنّار. يسأل في الأولى ويستعيذ من الأخرى.
والجملة خبر للموصول، على التّقدير الأوّل(٨) ، وحال مقدّرة على التّقدير الثّاني [لأهل الكتاب والتّقدير الثّالث].(٩)
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٩٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٨٠.
(٣) الكافي ١ / ٢١٥، ح ٤.
(٤) المصدر: أحمد بن محمد.
(٥) شرح الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٣.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) مجمع البيان ١ / ١٩٨.
(٨) أ: الاوّل لأهل الكتاب.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) : بكتابهم، دون المحرّفين.
( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ ) : بالكتاب. وهم أكثر اليهود. وقيل(١) : هم جميع الكفّار.
( فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (١٢١)، حيث اشتروا الضّلالة بالهدى.
( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) (١٢٢)( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) (١٢٣) :
مضى تفسيرها.
وقيل في سبب تكريرها ثلثة أقوال(٢) :
الأوّل: أنّ نعم الله سبحانه لـمّا كانت أصول كلّ نعمة، كرّر التّذكير بها، مبالغة في استدعائهم، إلى ما لزمهم(٣) من شكرها، ليقبلوا إلى طاعة ربّهم المظاهر عليهم.
والثّاني: أنّه لـمّا باعد بين الكلامين، حسن التّنبيه والتّذكير، إبلاغا في الحجّة، وتأكيدا للتّذكرة.
والثّالث: أنّه لـمّا ذكر التوراة وفيها الدّلالة على شأن عيسى ـ عليه السّلام ـ ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ في النّبوّة، والبشارة بهما، ذكّرهم نعمته عليهم بذلك وما فضّلهم به، كما عدّد النّعم في سورة الرّحمن وكرّر قوله( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) .
فكلّ تقريع جاء بعد تقريع، فإنّما هو موصول بتذكير نعمة غير الأولى.
( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ) : كلّفه بأوامر ونواه.
و «الابتلاء» في الأصل، التّكليف بالأمر الشّاقّ، من البلاء، لكنّه لـمّا استلزم الاختيار بالنّسبة إلى من يجهل العواقب، ظنّ ترادفهما.
والضّمير لإبراهيم. وحسن لتقدّمه لفظا. وإنّ تأخّر رتبة. لأنّ الشّرط أحد التقدمين(٤) .
و «الكلمات» قد يطلق على المعاني. فلذلك فسّرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة عشرة منها في قوله(٥) ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ) وعشرة في قوله(٦) :( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ) (إلى
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ١٩٨.
(٢) مجمع البيان ١ / ١٩٨ ـ ١٩٩.
(٣) أ: لزم.
(٤) ر: التقديرين.
(٥) التّوبة / ١١٢.
(٦) المؤمنون / ١٠ ـ ١.
آخر الآيتين) وعشرة في قوله(١) :( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) (إلى قوله)( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ) وروى عشرة في سورة( سَأَلَ سائِلٌ ) (إلى قوله)( وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) . فجعلت أربعين.
وبالعشر الّتي هي من سنّته: خمسة منها في الرّأس، وخمسة منها في البدن.
فأمّا الّتي في الرّأس: فأخذ الشّارب، وإعفاء اللّحى، وطمّ الشعر، والسّواك، والخلال.
وأمّا الّتي في البدن: فحلق الشّعر من البدن، والختان، وتقليم الأظفار، والغسل من الجنابة، والطهور بالماء.
فهذه الحنفيّة الظّاهرة الّتي جاء بها إبراهيم ـ عليه السّلام. فلم تنسخ، ولا تنسخ، إلى يوم القيامة. وبمناسك الحجّ، وبالكوكب، والقمرين، وذبح الولد، والنّار، والهجرة، وبالآيات الّتي بعدها. وهي قوله( إِنِّي جاعِلُكَ ) (إلى آخره)(٢) .
وكان سعيد بن المسيّب يقول(٣) : كان إبراهيم أوّل النّاس أضاف(٤) الضّيف، وأوّل النّاس قصّ شاربه واستحدّ، وأوّل(٥) النّاس رأى الشّيب(٦) .
فلمّا رآه قال: يا ربّ! ما هذا؟
قال: هذا الوقار.
قال: يا ربّ! فزدني وقارا.
وهذا أيضا
رواه السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ولم يذكر أوّل من قصّ شاربه، واستحدّ. وزاد فيه: وأوّل من قاتل في سبيل الله، إبراهيم. وأوّل من أخرج الخمس، إبراهيم. وأوّل من اتّخذ النّعلين، إبراهيم. وأوّل من اتّخذ الرّايات، إبراهيم.
وقرئ إبراهيم ربّه على أنّه دعا ربّه بكلمات، مثل:( أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) ،( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) ، ليرى هل يجيبه؟
وروى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه ـ رحمه الله ـ في كتاب النّبوّة(٧) ، بإسناده ،
__________________
(١) الأحزاب / ٣٥.
(٢) ر. تفسير القمي ١ / ٥٩+ مجمع ١ / ٢٠٠.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٠٠.
(٤) أ: أصناف.
(٥) ليس في أ.
(٦) أ: الشهب.
(٧) مجمع البيان ١ / ٢٠٠.
مرفوعا إلى المفضّل بن عمر، عن الصّادق ـ عليه السّلام. قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ) ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات الّتي تلقاها آدم ـ عليه السّلام ـ من ربّه.
فتاب عليه. وهو أنّه قال: «يا ربّ! أسألك بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، إلّا تبت عليّ.» فتاب الله عليه. إنّه هو التّوّاب الرّحيم.
فقلت: يا بن رسول الله! فما يعني بقوله «فأتمّهنّ»؟
فقال: أتمّهنّ إلى القائم، اثنى عشر إماما، تسعة من ولد الحسين عليهم السّلام.
قال المفضّل: فقلت له: يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) ؟
قال: يعني بذلك الإمامة. جعلها الله في عقب الحسين ـ عليه السّلام ـ إلى يوم القيامة.
فقلت له: يا بن رسول الله! فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين، دون ولد الحسن، وهما جميعا ولدا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة؟
فقال: إنّ موسى وهارون نبيّان مرسلان أخوان، فجعل الله النّبوّة في صلب هارون، دون صلب موسى. ولم يكن لأحد أن يقول: «لم فعل الله ذلك؟» وإنّ الإمامة خلافة الله ـ عزّ وجلّ. ليس لأحد أن يقول: «لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن؟» لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ هو الحكيم في أفعاله.( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) »(١)
( فَأَتَمَّهُنَ ) : فأدّاهنّ كملا وقام بهنّ حقّ القيام.
وفي القراءة(٢) الأخيرة الضّمير المستتر لربّه، أي: أعطاه جميع ما سأل.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٣) ، رواه بأسانيد عن صفوان الجمّال، قال: كنّا بمكّة فجرى الحديث في قول الله( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) .
قال: أتمّهنّ بمحمّد وعليّ والأئمّة من ولد عليّ ـ صلّى الله عليهم ـ في قول الله
__________________
(١) الأنبياء / ٢٣.
(٢) أ: وفي القراءة لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن. (!)
(٣) تفسير العيّاشي ١ / ٥٧، ح ٨٨.
«ذرّية بعضها من بعض. والله سميع عليم»](١) ( قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) : جملة مستأنفة، إن أضمر ناصب «إذ».
والتّقدير: فما ذا قال له ربّه حين أتمّهنّ. فأجيب بأنّه قال: إنّي (إلى آخره.) أو بيان للابتلاء. فيكون الكلمات، ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت وغير ذلك. وإن كان ناصبه «قال»، فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها.
و «جاعل» من جعل المتعدّي إلى مفعولين.
و «الإمام»، اسم لمن يؤتمّ به في أقواله وأفعاله ويقوم بتدبير الإمامة وسياستها والقيام بأمورها وتأديب جنايتها وتوليد ولايتها وإقامة الحدود على مستحقّها ومحاربة من يكيدها ويعاديها. وقد يطلق على المقتدى به في أقواله وأفعاله.
( قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) :
عطف على الكاف، عطف تلقين، أي: وبعض ذرّيّتي، كما تقول: «وزيدا»، في جواب: «سأكرمك.» والذّرّيّة: نسل الرّجل. فعليّة أو فعلولة، من الذّرّ، بمعنى التّفريق والأصل ذرّيّة، على الأوّل. وعلى الثّاني، ذرورة. قلبت راؤها الثّالثة ياء، كما في تقضيّت. ثمّ أبدلت الواو والضّمّة. أو فعليّة أو فعولة من الذّرء، بمعنى الخلق. فخفّفت الهمزة.
وقرئ ذرّيّتي (بالكسر) وهي لغة. وبعض العرب، بفتح الذّال.
( قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١٢٤) :
والعهد والإمامة، كما روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام
(٢) ـ، أي: لا يكون الظّالم إماما للنّاس. واستدلّ أصحابنا بهذه الآية، على أنّ الإمام لا يكون إلّا معصوما عن القبائح. لأنّ الله سبحانه نفى أن ينال عهده الّذي هو الإمامة، ظالم. ومن ليس بمعصوم، فقد يكون ظالما. إمّا لنفسه، أو لغيره.
لا يقال: إنّما نفى أن يناله ظالم في حال ظلمه، فإذا تاب لا يسمّى ظالما، فيصحّ أن يناله، لأنّا نقول: إنّ الظّالم وإن تاب فلا يخرج من أن تكون الآية قد تناولته في حال كونه ظالما. وقد حكم عليه بأنّه لا ينالها. والآية مطلقة غير مقيّدة بوقت دون وقت. فيجب أن تكون محمولة على الأوقات، كلّها. فلا ينالها الظّالم، وإن تاب فيما بعد.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٠٢.
[وفي عيون الأخبار(١) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام: إنّ الإمامة خصّ الله ـ عزّ وجلّ ـ بها إبراهيم الخليل ـ صلوات الله عليه وآله ـ بعد النّبوّة والخلّة، مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها(٢) وذكره. فقال ـ عزّ وجلّ:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .
فقال الخليل ـ عليه السّلام ـ مسرورا(٣) بها:( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ؟» قال الله ـ عزّ وجلّ:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .
فأبطلت هذه الآية، إمامة كلّ ظالم، إلى يوم القيامة. وصارت في الصّفوة.
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور عنه. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: وقد كان إبراهيم ـ عليه السّلام ـ نبيّا، وليس بإمام، حتّى قال الله:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ؟» فقال الله:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، من عبد صنما أو وثنا، لا يكون إماما.
محمّد ابن الحسن(٥) ، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام. قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ اتّخذ إبراهيم عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا، وإنّ الله اتّخذه نبيّا، قبل أن يتّخذه رسولا. وإنّ الله اتّخذه رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. وإنّ الله اتّخذه خليلا، قبل أن يجعله إماما. فلمّا جمع له الأشياء، قال:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .
قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ؟( قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .» قال: لا يكون السّفيه، إمام التّقي.
عليّ بن محمّد(٦) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسين، عن إسحاق بن عبد العزيز أبي السّفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: سمعته يقول: إنّ الله اتّخذ إبراهيم عبدا، قبل أن يتّخذه نبيّا. واتّخذه نبيّا، قبل أن يتّخذه رسولا. واتّخذه
__________________
(١) عيون الأخبار ١ / ٢١٧.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: سرورا.
(٤) الكافي ١ / ١٧٥.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
رسولا، قبل أن يتّخذه خليلا. واتّخذه خليلا، قبل أن يتّخذه إماما. فلمّا جمع له هذه الأشياء وقبض يده، «قال» له: يا إبراهيم!( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .» فمن عظمها في عين إبراهيم «قال»: يا ربّ!( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .»
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: قد حظر على من ماسّه الكفر تقلّد ما فوّضه إلى أنبيائه وأوليائه، بقوله لإبراهيم( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما بقوله(٢) :
( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .» فلمّا علم إبراهيم أنّ عهد الله تبارك اسمه بالإمامة، لا ينال عبدة الأصنام، قال(٣) :( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) .»
وفي مجمع البيان(٤) :( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال مجاهد: العهد الإمامة. وهو المرويّ عن الباقر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) ، رواه بأسانيد عن صفوان الجّمال. قال: كنّا بمكّة، فجرى الحديث في قول الله [( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ ) .» قال: أتمهنّ بمحمّد وعليّ والأئمة من ولد عليّ ـ صلّى الله عليهم ـ في قول الله( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .»](٦) .
ثمّ قال:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .
قال:( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) ؟
( قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .» قال: يا ربّ! ويكون من ذرّيّتي ظالم؟
قال: نعم! فلان وفلان وفلان ومن اتّبعهم.
قال: يا ربّ! فعجّل لمحمّد وعليّ ما وعدتني فيهما. وعجّل نصرك لهما.
[وإليه أشار](٧) بقوله(٨) :( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. وَلَقَدِ
__________________
(١) تفسير نور الثقلين ١ / ١٢١، ح ٣٤٤، نقلا عن الاحتجاج.
(٢) لقمان / ١٣.
(٣) إبراهيم / ٣٥.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٠٢.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٥٧ ـ ٥٨.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) البقرة / ١٣٠.
اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) .» فالمّلة، (الإمام)(١) . فلمّا أسكن ذرّيّته بمكّة قال(٢) :( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) إلى (قوله)( مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ ) (٣) .» فاستثنى «من آمن» خوفا بقوله(٤) «لا»، كما قال له في الدّعوة الأولى:( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .»
وفيه(٥) : عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، أى: لا يكون إماما ظالما.
وفيه(٦) : عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) قال: فقال لو علم الله أنّ اسما أفضل (منه)، لسمّانا به.
وفي شرح الآيات الباهرة(٧) : وجاء في التّأويل ما رواه الفقيه ابن المغازليّ، بإسناده عن رجاله، عن عبد الله بن مسعود. قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أنا دعوة أبي إبراهيم.
قال: قلت كيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟
قال: إنّ الله أوحى إلى إبراهيم( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .» فاستخفّ به الفرح.
فقال: يا ربّ!( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) أئمّة مثلي؟
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: يا إبراهيم! إنّي لا أعطيك عهدا لا أفي لك به.
قال: يا ربّ! وما العهد الّذي لا تفي به؟
قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك عهدا.
فقال إبراهيم عندها:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) .» ثمّ قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: فانتهت الدّعوة إليّ وإلى عليّ. لم يسجد أحدنا لصنم. فاتّخذني نبيّا. واتّخذ عليّا، وصيّا. وفي معنى هذه الدّعوة قوله تعالى، حكاية
__________________
(١) المصدر: الامامة. وهو الظاهر.
(٢) إبراهيم / ٣٧.
(٣) البقرة / ١٢٦.
(٤) المصدر: أن يقول به. وهو الظاهر.
(٥) نفس المصدر ١ / ٥٨، ح ٨٩.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٩٠.
(٧) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٦.
عن قول إبراهيم ـ عليه السّلام ـ( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .»](١)
( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ ) ، أي: الكعبة، غلب عليها، كالنّجم على الثّريّا.
( مَثابَةً لِلنَّاسِ ) ، أي: مرجعا يثوب إليه أعيان الزّوّار وأمثالهم. أو موضع ثواب يثابون بحجته واعتماره. أو موضع لا ينصرف منه أحد إلّا وينبغي أن يكون على قصد الرّجوع إليه. وقد ورد في الخبر أنّ من رجع من مكّة وهو ينوى الحجّ، من قابل زيد في عمره. ومن خرج من مكّة وهو لا ينوي العود إليها، فقد قرب أجله(٢) .
( وَأَمْناً ) ، أي: موضع أمن. والحمل للمبالغة. وذلك لأنّه لا يتعرّض لأهله. أو يأمن حاجّه من عذاب الآخرة. لأنّ الحجّ يجبّ ما قبله. أو لا يؤاخذ الجاني الملتجئ إليه.
والحمل على العموم أولى.
[وفي تهذيب الأحكام(٣) : محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: فإذا دخلت المسجد، فارفع يديك، واستقبل البيت، وقل أللّهمّ (إلى قوله) أللّهمّ إنّي أشهدك أنّ هذا بيتك الحرام الّذي جعلته مثابة للنّاس وأمنا مباركا وهدى للعالمين].(٤)
( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) : على إرادة القول، أو عطف على المقدّر العامل في «إذا» واعتراض معطوف على مضمر تقديره «توبوا اليه واتخذوا» و «مقام إبراهيم»: الحجر الّذي فيها اثر قدميه.
والمراد باتّخاذه مصلّى، الصّلاة فيه، بعد الصّلاة، كما روى عن الصّادق ـ عليه السّلام(٥) ـ أنّه سئل عن الرّجل يطوف بالبيت طواف الفريضة ونسي أن يصلّي ركعتين عند مقام إبراهيم.
فقال: يصلّيهما. ولو بعد أيّام. إنّ الله تعالى قال: واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) ر. من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٤١، ح ٦١٤+ مجمع البيان ١ / ٢٠٣.
(٣) تهذيب الأحكام ٥ / ١٠٠، ضمن ح ٣٢٧.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٠٣+ وسائل الشيعة ٩ / ٤٨٥، ح ١٩.
وروى عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام(١) ـ أنّه قال: نزلت ثلاثة أحجار من الجنّة: مقام إبراهيم، وحجر بني إسرائيل، والحجر الأسود، استودعه الله إبراهيم ـ عليه السّلام ـ حجرا أبيض. وكان أشدّ بياضا من القراطيس. فاسودّ من خطايا بني آدم.
[وفي كتاب التّوحيد(٢) ، بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيّ.
قال: قال محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام: يا جابر! ما أعظم فرية أهل الشّام، على الله ـ عزّ وجلّ؟ يزعمون أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ حيث صعد إلى السّماء، وضع قدمه على صخرة بيت المقدس. ولقد وضع عبد من عباد الله، قدمه على صخرة(٣) . فأمرنا الله تعالى أن نتّخذه مصلّى.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضل، عن أبي الصّباح الكنانيّ. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل نسي أن يصلّي الرّكعتين عند مقام إبراهيم ـ صلّى الله عليه ـ في طواف الحجّ والعمرة.
فقال: إن كان بالبلد، صلّى ركعتين عند مقام إبراهيم. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) .» وإن كان قد ارتحل، فلا آمره أن يرجع.
وفي تهذيب الأحكام(٥) : روى موسى بن القاسم، عن محمّد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله الأبزاريّ. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل نسي فصلّى ركعتي طّواف الفريضة في الحجر.
قال: يعيدهما خلف المقام. لأنّ الله تعالى يقول:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) ، يعني بذلك: ركعتي طواف الفريضة.
موسى بن القسم(٦) ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي بصير.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ١ / ٥٩، ح ٩٣+ مجمع البيان ١ / ٢٠٣.
(٢) التوحيد / ١٧٩، صدر ح ١٣.
(٣) المصدر: حجرة.
(٤) الكافي ٤ / ٤٢٥، ح ١.
(٥) تهذيب الأحكام ٥ / ١٣٨، ح ٤٥٤.
(٦) نفس المصدر ٥ / ١٤٠، ح ٤٦١، وفيه: موسى بن القاسم.
قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة، خلف المقام. وقد قال الله تعالى:( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) حتى ارتحل.
فقال: وإن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه. ولا آمره أن يرجع. ولكن يصلّي حيث ما(١) يذكر.
موسى بن القاسم(٢) ، عن صفوان بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة، إلّا خلف المقام، لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ) .» فإن صلّيتهما في غيره، فعليك إعادة الصّلاة].(٣)
وروى في سبب النّزول، عن ابن عبّاس(٤) وعليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أيضا: أنّه لـمّا أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكّة، وأتت على ذلك مدّة، ونزلها الجرهميّون، وتزوّج إسماعيل امرأة منهم، وماتت هاجر، فاستأذن إبراهيم سارة أن يزور إسماعيل. فأذنت له. وشرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم ـ عليه السّلام ـ إذ قد ماتت هاجر. فذهب إلى بيت إسماعيل.
فقال لامرأته. أين صاحبك؟ قالت: ليس هاهنا. ذهب يتصيّد.
وكان إسماعيل يخرج من الحرم. فيصيد. ثمّ يرجع.
فقال إبراهيم: هل عندك ضيافة؟
قالت: ليس عندي شيء. وما عندي أحد.
فقال لها إبراهيم ـ عليه السّلام: إذ جاء زوجك، فاقرئيه السّلام، وقولي له فليغيّر عتبة بابه.
وذهب إبراهيم ـ عليه السّلام. فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه. فقال لامرأته :
هل جاءك أحد؟
قالت: جاءني شيخ، صفته كذا وكذا. (كالمستخفّة بشأنه).
قال: فما قال لك؟
قالت: قال لي اقرئي زوجك السّلام وقولي له فليغيّر(٥) عتبة بابه.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) نفس المصدر ٥ / ١٣٧، ح ٤٥١.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤.
(٥) ر: وقولوا فليغيّرنّ.
فطلّقها. وتزوّج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء أن يلبث. ثمّ استأذن أن يزور إسماعيل. فأذنت له واشترطت عليه أن لا ينزل. فجاء ابراهيم حتّى انتهى إلى باب إسماعيل.
فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيّد. وهو يجيء الآن إن شاء الله.
فانزل يرحمك الله.
قال لها: هل عندك ضيافة؟
قالت: نعم.
فجاءت باللّبن واللّحم. فدعا لهما(١) بالبركة. فلو جاءت يومئذ بخبز أو برّ أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله برّا وشعيرا وتمرا(٢) .
فقالت: انزل حتّى أغسل رأسك.
فلم ينزل. فجاءت بالمقام. فوضعته على شقّه الأيمن. فوضع قدمه عليه فبقى أثر قدمه عليه. فغسلت شقّ رأسه الأيمن. ثمّ حولت المقام إلى شقّه الأيسر. فغسلت شقّ رأسه الأيسر. فبقى أثر قدمه عليه.
فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السّلام. وقولي له: قد استقامت عتبة بابك.
فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه. فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟
قالت: نعم. شيخ أحسن النّاس وأطيبهم ريحا. فقال لي كذا وكذا. وقلت له كذا. وغسلت رأسه. وهذا موضع قدميه على المقام.
فقال لها إسماعيل ذاك إبراهيم.
وفي رواية أخرى، عنه ـ عليه السّلام(٣) ـ أنّ إبراهيم استأذن سارة أن يزور إسماعيل. فأذنت له على أن لا يلبث عنها، وأن لا ينزل من حماره.
فقيل له، فكيف كان ذلك! فقال: إنّ الأرض طويت له.
وروى عبد الله بن عمر(٤) ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: الرّكن
__________________
(١) أ: لهم.
(٢) ر: كان أكثر أرض الله برّا او شعيرا او تمرا.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤+ بحار الأنوار ١٢ / ١١١، ح ٣٨، نقلا عن قصص الأنبياء.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٠٤.
والمقام، ياقوتتان من ياقوت الجنّة. طمس الله نورهما. ولو لا أنّ نورهما طمس، لأضاء ما بين المشرق والمغرب.
واستدلّ أصحابنا بهذه الآية، على أنّ صلاة الطّواف فريضة، مثل الطّواف، بأنّ الله تعالى أمر بذلك. وظاهر الأمر، يقتضي الوجوب. ولا صلاة واجبة عند مقام إبراهيم، غير صلاة الطّواف، بلا خلاف. والاستدلال بها، معاضد بالرّوايات الواردة، عن الأئمّة ـ عليهم السّلام.
( وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ) : أمرناهما،( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ) : بأن طهّرا.
ويجوز أن يكون «أن» مفسّرة، لتضمّن العهد معنى القول، يريد طهّراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به، أو أخلصاه.
( لِلطَّائِفِينَ ) حوله،( وَالْعاكِفِينَ ) المقيمين عنده، أو المعتكفين فيه.
( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (١٢٥)، أي: المصلّين، جمع راكع وساجد.
[وفي كتاب علل الشّرائع(١) : حدّثنا محمّد بن الحسن ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد وعبد الله، ابني محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد الله بن عليّ الحلبيّ. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ أتغتسل(٢) النّساء إذا أتين البيت؟
قال: نعم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) .» فينبغي للعبد أن لا يدخل (إلّا) وهو طاهر. قد غسل عنه العرق والأذى.
وتطهّر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وقوله( طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) قال الصادق ـ عليه السّلام: يعني نحّ عنه(٤) المشركين.
وقال: لـمّا بني إبراهيم ـ عليه السّلام ـ البيت وحجّ النّاس، شكت الكعبة إلى
__________________
(١) علل الشرائع / ٤١١، ح ١.
(٢) كذا في المصدر وفي الأصل: أيغتسلن.
(٣) تفسير القمي ١ / ٥٩.
(٤) المصدر: نحّيا عن.
الله ـ تبارك وتعالى ـ ما تلقى من أنفاس المشركين(١) . فأوحى الله إليها قرّي كعبتي. فإنّي أبعث في آخر الزّمان قوما يتنظّفون بقضبان الشّجر ويتخلّلون.
وفي مجمع البيان(٢) : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ لله ـ عزّ وجلّ ـ في كلّ يوم وليلة، عشرين ومائة رحمة، ينزل على هذا البيت: ستّون منها للطّائفين، وأربعون للمصلّين(٣) ، وعشرون للنّاظرين].(٤)
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا ) : معطوف على «إذ جعلنا.» والإشارة إلى «البلد» أو المكان.
( بَلَداً آمِناً ) : ذا أمن، كقوله تعالى(٥) ( فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) ، أو أمنا أهله، كقوله: ليله نائم.
والمراد بالبلد، مكّة.
والمراد بكونه «آمنا»، أنّه لا يصاد(٦) طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، كما روى عن الصّادق ـ عليه السّلام(٧) ـ أنّه قال: من دخل الحرم، مستجيرا به(٨) ، فهو آمن من سخط الله ـ عزّ وجلّ. ومن دخله من الوحش والطير، كان آمنا من أن يهاج، أو يؤذى، حتّى يخرج من الحرم.
وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم فتح مكّة(٩) : إنّ الله تعالى حرّم مكّة يوم خلق السّموات والأرض. فهي حرام إلى أن تقوم السّاعة. لم تحلّ لأحد قبلي. ولا تحلّ لأحد بعدي. ولم تحلّ لي إلّا ساعة من النّهار.
فهذا الخبر وأمثاله المشهورة في روايات أصحابنا، يدلّ على أنّ الحرم كان آمنا قبل دعوة إبراهيم. وإنّما تأكّدت حرمته بدعائه ـ عليه السّلام(١٠) . وبعضهم قالوا(١١) : إنّما صار حرما بدعاء إبراهيم. وكان قبل ذلك كسائر البلاد. واستدلّوا عليه بقول النّبيّ ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) المصدر: أيدي المشركين وأنفاسهم.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٠٤.
(٣) المصدر: للعاكفين. وأشار في هامش المصدر أنّه في بعض النسخ «للمصلين.»
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الحاقة / ٢١ والقارعة / ٧.
(٦) أ: يصار.
(٧) الكافي ٤ / ٢٢٦، ح ١+ مجمع البيان ١ / ٢٠٦.
(٨) أ: بالله.
(٩) الكافي ٤ / ٢٢٦، ح ٤+ مجمع البيان ١ / ٢٠٦.
(١٠) ر. مجمع البيان ١ / ٢٠٦.
(١١) نفس المصدر ونفس الموضع.
وآله ـ إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ حرّم مكّة. وإنّي حرّمت المدينة.
والجواب: أنّه يحتمل أنّه(١) يكون حرّمه بغير الوجه الّذي كانت حراما قبله، لجواز كونها حراما قبل، بمعنى كونها ممنوعا من الاصطلام(٢) والانتقاك، كما لحق غيرها من البلاد. وصارت حراما بعد دعاء إبراهيم ـ عليه السّلام ـ بتعظيمه على ألسنة الرّسل(٣) وغير ذلك.
( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) :
«من آمن» بدل من أهله، بدل البعض.
( قالَ وَمَنْ كَفَرَ ) : مبتدأ متضمّن معنى الشّرط.
( فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ) [خبره. والجملة معطوفة على محذوف، أي: من آمن مرزوق. ومن كفر فأمتّعه قليلا].(٤) ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ ) (٥) : أدفعه وأسوقه إليها في الآخرة.
( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١٢٦) :
المخصوص محذوف، أي: العذاب.
و «قليلا» منصوب على المصدر، أو الظّرف.
وقرئ بلفظ الأمر، في «فأمتّعه» و «أضطرّه»، على أنّه من دعاء إبراهيم.
والضّمير في «قال» راجع إليه(٦) .
[وفي كتاب علل الشّرائع(٧) : أبي ـ رضى الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ، بإسناده. قال: قال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ في الطّائف: أتدري لم سمّي الطّائف؟
قلت: لا!
__________________
(١) أ: أن. وهو الظاهر.
(٢) كذا في ر. وفي الأصل: الاضطلام.
(٣) ر: الرجل.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) يوجد في أبعد ذكر الآية: وبئس خبره والجملة معطوفة على محذوف، أي: من آمن مرزوق. ومن كفر، فأمتّعه قليلا. ثمّ أضطرّه إلى عذاب النار.
(٦) ر: إليها.
(٧) علل الشرائع / ٤٤٢، ح ١.
قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ دعا ربّه أن يرزق(١) أهله من كلّ الثّمرات.
فقطع له(٢) قطعة من الأردنّ.
فأقبلت، حتّى طافت بالبيت سبعا. ثمّ أقرّها الله في موضعها. فإنّما سمّيت الطّائف للطّواف(٣) بالبيت.
وبإسناده(٤) إلى أحمد بن محمّد. قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام: أتدري لم سمّي الطّائف الطّائف(٥) ؟
قلت: لا! قال: لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمّا دعاه إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أن يرزق أهله من الثّمرات(٦) ، أمر بقطعة من الأردنّ، فسارت بثمارها، حتّى طافت بالبيت. ثمّ أمرها أن تنصرف إلى هذا الموضع الّذي سمّي بالطّائف(٧) . فلذلك سمّي الطّائف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ كان نازلا في بادية الشّام.
(إلى أن قال) فقال إبراهيم ـ عليه السّلام ـ لـمّا فرغ من بناء البيت والحجّ(٩) :( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً ) (١٠) ( آمِناً. وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ».
قال: ثمرات القلوب، أي: حبّبهم إلى النّاس، ليأتوا(١١) ويعودوا إليهم.
وفي تفسير العيّاشى(١٢) : عن عبد الله بن غالب، عن أبيه عن رجل، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في(١٣) قول إبراهيم ـ عليه السّلام ـ( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ ) : إيّانا عنى بذلك وأولياءه وشيعة وصيّه.
__________________
(١) ر: يرزقه.
(٢) المصدر: لهم.
(٣) المصدر: لطوفه.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٥) المصدر: طائفا.
(٦) المصدر: من كلّ الثمرات.
(٧) المصدر: الطائف.
(٨) تفسير القمي ١ / ٦٠ و ٦٢.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) كذا في المصدر. وفي الأصل ور وتفسير البرهان ١ / ١٥٥: البلد.
(١١) المصدر: لينتابوا إليهم.
(١٢) تفسير العياشي ١ / ٥٩، ح ٩٦.
(١٣) ليس في المصدر.
قال:( وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ ) قال: عنى بذلك من جحد وصيّه ولم يتّبعه من أمّته. وكذلك والله هذه(١) الأمّة](٢)
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) :
حكاية حال ماضية، تقديره: واذكر إذ يرفع.
و «القواعد»، جمع قاعدة. وهي الأساس. صفة غالبة. ومعناها الثّابتة. ومنه قعدك الله، أي: أسأل الله أن يقعدك، أي: يثبتك. ورفعها البناء عليها. لأنّها إذا بني عليها، نقلت عن هيئة الانخفاض، إلى هيئة الارتفاع. وتطاولت بعد التّقاصر. ويحتمل أن يراد بها ساقات البناء. فإنّ كلّ ساق قاعدة، يوضع فوقه، ويرفعها بناؤها. لأنّه إذا وضع ساق فوق ساق، فقد رفع السّاقات.
ويجوز أن يكون المعنى: وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت، أي: استوطأ، يعني: جعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء.
وقيل(٣) : المراد، رفع مكانته، وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء النّاس إلى حجّه.
روى عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام ـ أنّه قد كان آدم بناه. ثمّ عفا أثره. فجدّده إبراهيم ـ عليه السّلام(٤) .
وقال مجاهد(٥) : بل انشأه إبراهيم ـ عليه السّلام ـ بأمر الله ـ عزّ وجلّ.
وكان الحسن(٦) يقول(٧) : أوّل من حجّ البيت إبراهيم.
وفي أكثر الرّوايات، أنّ أوّل من حجّ البيت آدم ـ عليه السّلام(٨) .
ويمكن الجمع، بأنّه كان مطاف آدم البيت المعمور ومطاف إبراهيم الكعبة: كما روى أنّ الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنّة له بابان من زمرد شرقيّ وغربيّ.
وقال لآدم أهبطت لك ما يطاف به، كما يطاف حول عرشي. فتوجّه آدم من أرض الهند
__________________
(١) المصدر: حال هذه.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٨٢.
(٤) ر. الكافي ٤ / ١٩٠ ـ ٢١٢+ مجمع البيان ١ / ٢٠٧.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٠٧.
(٦) النسخ: الحسن ـ عليه السّلام. والظاهر يراد به الحسن المجتبى ـ صلوات الله عليه ـ ولكن مستظهر من ظاهر الكلام، في المصدر، هو الحسن البصري.
(٧) مجمع البيان ١ / ٢٠٧.
(٨) ر. علل الشرائع ١ / ٤٠٠ و ٤٢٠.
إليه ماشيا. وتلقّته الملائكة. فقالوا: برّ حجّك، يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك، بالفي عام.
وحجّ آدم أربعين حجّة من أرض الهند، إلى مكّة، على رجليه. فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيّام الطّوفان إلى السّماء الرّابعة. فهو البيت المعمور. ثمّ أنّ الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه. وعرّفه جبرئيل مكانه. أو كان بناه آدم أولا، ثمّ زال أثره، ثمّ أمر إبراهيم ـ عليه السّلام ـ بالبناء ورفع القواعد.
وإسماعيل كان يناوله الحجارة. ولكّنه لـمّا كان له مدخل في البناء، عطف عليه(١) .
وقيل(٢) : كانا يبنيان في طرفين، أو على التّناوب، يقولان :
( رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ) :
على تقدير الحال. وقرئ بإظهار «يقولان.»( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ) لدعائنا.
( الْعَلِيمُ ) (١٢٧) بنيّاتنا.
وقصّة مهاجرة إسماعيل وهاجر، على ما رواه الشّيخ الطّبرسيّ، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام، عن الصّادق ـ عليه السّلام(٣) . قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ كان نازلا في بادية الشّام. فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارّة من ذلك غمّا شديدا. لأنّه لم يكن له منها ولد. فكانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمّه. فشكا ذلك إبراهيم إلى الله ـ عزّ وجلّ. فأوحى الله إليه إنّما مثل المرأة، مثل الضّلع المعوج. إن تركته استمتعت به. وإن رمت أن تقيمه كسرته. وقد قال القائل في ذلك.
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها |
ألا إنّ تقويم الضلوع انكسارها |
ثمّ أمره أن يخرج إسماعيل وأمّه عنها.
فقال: أي ربّ إلى أيّ مكان؟
__________________
(١) علل الشرائع ٢ / ٤٠٠، ح ١ و ٤٠٧، ح ٢ و ٤٢١، ح ٣+ البحار ٩٩ / ٥٤، ح ٦ و ٦١، ح ٣١+ الكشَّاف ١ / ١٨٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٨٢.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٠٧.
قال: إلى حرمي وأمني وأوّل بقعة خلقتها من أرضي. وهي مكّة.
وأنزل عليه جبرئيل، بالبراق. فحمل عليه هاجر وإسماعيل وإبراهيم. فكان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع، إلّا قال: يا جبرئيل! إلى هاهنا(١) ! فيقول جبرئيل: لا! امض(٢) حتّى وافى مكّة.
فوضعه في موضع البيت. وقد كان إبراهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتّى يرجع إليها.
فلمّا نزلوا في ذلك المكان، كان فيه شجر. فألقت هاجر على ذلك الشّجر، كساء كان معها. فاستظلّت تحته. فلمّا سرّحهم إبراهيم ووضعهم وأراد الانصراف عنهم إلى سارة، قالت له هاجر: لم تدعنا في هذا الموضع الّذي ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع؟
فقال إبراهيم ـ عليه السّلام: ربّي الّذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان.
ثمّ انصرف عنهم. فلمّا بلغ كدى وهو جبل بذي طوى، التفت إليهم إبراهيم.
فقال:( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) (إلى قوله)( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) .» ثمّ مضى. وبقيت هاجر. فلمّا ارتفع النّهار عطش إسماعيل. فقامت هاجر في الوادي، حتّى صارت في موضع المسعى. فنادت: هل في الوادي من أنيس؟
فغاب عنها إسماعيل فصعدت على الصّفا. ولمع لها السّراب في الوادي. وظنّت أنّه ماء. فنزلت في بطن الوادي. وسعت. فلمّا بلغت المروة، غاب عنها إسماعيل. ثمّ لمع لها السّراب، في ناحية الصّفا. وهبطت إلى الوادي، تطلب الماء. فلمّا غاب عنها إسماعيل، عادت حتّى بلغت الصّفا. فنظرت إلى إسماعيل، حتّى فعلت ذلك سبع مرّات. فلمّا كان في الشّوط السّابع وهي على المروة، نظرت إلى إسماعيل، وقد ظهر الماء من تحت رجليه.
قعدت حتّى جمعت حوله رملا. وإنّه كان سائلا. فزمّته بما جعلت حوله. فلذلك سمّيت زمزم. وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات. فلمّا ظهر الماء بمكّة، عكفت الطّيور والوحوش على الماء. فنظرت جرهم إلى تعكّف الطّير، على ذلك المكان. فاتّبعوها حتّى نظروا إلى امرأة وصبيّ نزلا في ذلك الموضع، قد استظّلا بشجرة قد ظهر لهم الماء.
فقال لهم(٣) جرهم: من أنت؟ وما شأنك وشأن هذا الصّبيّ؟
قالت: أنا أمّ ولد إبراهيم خليل الرّحمن. وهذا ابنه. أمره الله أن ينزلنا هاهنا.
__________________
(١) المصدر: إلى هاهنا؟ إلى هاهنا؟
(٢) المصدر: لا امض! لا امض!
(٣) المصدر: لها. وهو الظاهر.
فقالوا لها: أتأذنين أن نكون بالقرب منكم؟
فقالت: حتّى أسأل إبراهيم.
قال: فزارهما إبراهيم، يوم الثّالث. فقالت له هاجر: يا خليل الله! إنّ هاهنا قوم من جرهم. يسألونك أن تأذن لهم حتّى يكونوا بالقرب منّا. أفتأذن لهم في ذلك؟
فقال إبراهيم: نعم.
فأذنت هاجر لجرهم. فنزلوا بالقرب منهم. وضربوا خيامهم. وأنست هاجر وإسماعيل بهم.
فلمّا زارهم إبراهيم في المرّة الثّانية، ونظر إلى كثرة النّاس حولهم، سرّ بذلك سرورا شديدا. فلمّا تحرّك إسماعيل وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كلّ واحد منهم شاة وشاتين. فكانت هاجر وإسماعيل يعيشان بها. فلمّا بلغ مبلغ الرّجال، أمر الله تعالى إبراهيم أن يبني البيت.
فقال: يا ربّ! في أيّ بقعة؟
قال في البقعة الّتي أنزلت على آدم القبّة.
فأضأت الحرم.
قال: ولم تزل القبّة(١) الّتي أنزلها على آدم قائمة، حتّى كان أيّام الطّوفان، في زمن نوح. فلمّا غرقت الدّنيا، رفع الله تلك القبّة وغرقت الدّنيا، ولم تغرق مكّة. فسميّ البيت العتيق. لأنّه أعتق من الغرق.
فلمّا أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ إبراهيم أن يبني البيت، لم يدر في أيّ مكان يبنيه.
فبعث الله جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فخطّ له موضع البيت. وأنزل عليه القواعد من الجنّة.
وكان الحجر الّذي أنزله الله على آدم، أشدّ بياضا من الثّلج. فلمّا مسّته أيدى الكفّار، اسودّ.
قال: فبنى إبراهيم البيت. ونقل إبراهيم الحجر من ذى طوى. فرفعه في السّماء، تسعة أذرع. ثمّ دلّه على موضع الحجر. فاستخرجه إبراهيم. ووضعه في موضعه الّذي هو فيه. وجعل له بابين: بابا إلى المشرق، وبابا الى المغرب. فالباب الّذي إلى المغرب، يسمّى المستجار. ثمّ ألقى عليه الشجر(٢) والإذخر. وعلّقت هاجر على بابه كساء كان معها.
__________________
(١) أ: القّبة الّتي أنزل القبة المصدر: القبّة الّذي أنزلها.
(٢) كذا في الأصل. وفي المصدر: الشيخ. أ: الشيخ. ر: الشبح.
فكانوا يكونون(١) تحته. فلمّا بناه وفرغ، حجّ إبراهيم وإسماعيل. ونزل عليهما جبرائيل، يوم التّروية، لثمان خلت من ذي الحجّة. فقال: قم يا إبراهيم! فارتو من الماء. لأنّه لم يكن بمنى وعرفات.
فسمّيت التّروية لذلك. ثمّ أخرجه إلى منى. فبات بها. ففعل به ما فعل بآدم.
فقال إبراهيم ـ عليه السّلام ـ لـمّا فرغ من بناء البيت:( رَبِّ اجْعَلْ ) (إلى آخر الآية.)
[وفي كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أنزل الحجر الأسود لآدم من الجنّة. وكان البيت، درّة بيضاء. فرفعه الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى السّماء. وبقي أسّه، فهو بحيال هذا البيت.
يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون إليه أبدا. فأمر الله إبراهيم وإسماعيل ببنيان(٣) البيت، على القواعد.
وبإسناده(٤) ، إلى محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر، عن آبائه ـ عليهم السّلام: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إلى جبرئيل ـ عليه السّلام: أنا الله الرّحمن الرّحيم. إنّي قد رحمت آدم وحوّاء لـمّا شكيا إليّ ما شكيا. فاهبط عليهما بخيمة من خيم الجنّة. فإنّي قد رحمتهما لبكائهما ووحشتهما ووحدتهما. فاضرب الخيمة على التّرعة الّتي بين جبال مكّة.
قال: والتّرعة مكان البيت وقواعده الّتي رفعتها الملائكة، قبل آدم. فهبط جبرئيل على آدم ـ عليه السّلام ـ بالخيمة على مقدار مكان البيت وقواعده. فنصبها.
قال: وأنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ آدم من الصّفا. وأنزل حوّاء من المروة.
وجمع بينهما في الخيمة. (إلى أن قال) ثمّ أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أوحى إلى جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بعد ذلك: أن اهبط إلى آدم وحوّاء. فنحّهما عن موضع قواعد بيتي. وارفع قواعد بيتي لملائكتي وخلقي، من ولد آدم.
فهبط جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على آدم وحوّاء. فأخرجهما من الخيمة. ونحّاهما عن ترعة البيت. ونحّى الخيمة عن موضع التّرعة. (إلى أن قال) فرفع قواعد البيت الحرام ،
__________________
(١) كذا في المصدر وفي جميع النسخ. ولعل الصواب: يكنّون.
(٢) علل الشرائع / ٣٣٩، ضمن ح ١.
(٣) المصدر: يبنيان.
(٤) نفس المصدر / ٤٢٠ ـ ٤٢٢، مقاطع من ح ٣.
بحجر من الصّفا وحجر من المروة. وحجر من طور سيناء وحجر من جبل السّلام. وهو ظهر الكوفة. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى جبرئيل ـ عليه السّلام: أن ابنه وأتمّه.
فاقتلع جبرئيل ـ عليه السّلام ـ الأحجار الأربعة، بأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ من موضعها(١) ، بجناحه. فوضعها حيث أمره الله تعالى، في أركان البيت، على قواعده(٢) الّتى قدّرها الجّبار ـ عزّ وجلّ جلاله. ونصب أعلامها.
ثمّ أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى جبرئيل: ابنه وأتمّه من حجارة من أبي قبيس.
واجعل له بابين، بابا شرقا وبابا غربا.
[قال :](٣) فأتمّه جبرئيل ـ عليه السّلام. فلمّا فرغ، طافت الملائكة حوله. فلمّا نظر آدم وحوّاء إلى الملائكة يطوفون حول البيت، انطلقا. فطافا سبعة أشواط. ثمّ خرجا يطلبان ما يأكلان.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن أبي الورقاء(٥) . قال: قلت لعليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام: ما أوّل شيء نزل من السّماء(٦) ؟
قال: أوّل شيء نزل من السّماء إلى الأرض، فهو البيت الّذي بمكّة. أنزله الله ياقوتة حمراء. ففسق قوم نوح في الأرض. فرفعه الله(٧) حيث يقول:( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ) .»
وفي الكافي(٨) : بإسناده إلى أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال في حديث طويل: السّكينة ريح تخرج من الجنّة. لها صورة كصورة وجه(٩) الإنسان، ورائحة طيّبة. وهي الّتي نزلت على إبراهيم. فأقبلت تدور حول أركان البيت، وهو يضع الأساطين.
وبإسناده(١٠) إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: أمر الله تعالى إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أن يحجّ، ويحجّ بإسماعيل(١١) معه، ويسكنه الحرم.
__________________
(١) المصدر: مواضعها. وهو الظاهر.
(٢) المصدر: قواعدها.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٦٠، ح ١٠٠.
(٥) كذا في المصدر وفي الأصل ور: أبي الورد.
(٦) المصدر: أوّل شيء نزل من السماء ما هو؟
(٧) ليس في المصدر.
(٨) الكافي ٣ / ٤٧١ ـ ٤٧٢، ضمن ح ٥.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) نفس المصدر ٤ / ٢٠٢ ـ ٢٠٣، ضمن ح ٣.
(١١) المصدر: إسماعيل. وهو الظاهر.
فحجّا على جمل أحمر وما معهما، إلّا جبرئيل ـ عليه السّلام ـ (إلى قوله) فلمّا كان من قابل أذن الله لإبراهيم ـ عليه السّلام ـ في الحجّ وبناء الكعبة. وكانت العرب تحجّ إليه. وإنّما كان ردما، إلّا أنّ قواعده معروفه. فلمّا صدر النّاس، جمع إسماعيل الحجارة وطرحها في جوف الكعبة.
فلمّا أذن الله له في البناء، قدم إبراهيم ـ عليه السّلام. فقال: يا بنيّ! أمرنا الله ببناء الكعبة وكشفا عنها.
فإذا هو حجر واحد أحمر. فأوحى الله تعالى إليه: ضع بناءها عليه.
وأنزل الله أربعة أملاك، يجمعون إليه الحجارة. فكان إبراهيم وإسماعيل يضعان الحجارة والملائكة تناولهما، حتّى تمّت اثني عشر ذراعا، وهيّئا له بابين بابا يدخل منه وبابا يخرج منه. ووضعا عليه عينا وسرحا(١) من حديد على أبوابه.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، خوف الإطالة.
وبإسناده(٢) إلى عقبة بن بشير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام. قال: إنّ الله تعالى أمر إبراهيم ببناء الكعبة، وأن يرفع قواعدها، ويري النّاس مناسكهم. فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، كلّ يوم ساقا(٣) ، حتّى انتهى إلى موضع الحجر الأسود.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: فنادى أبو قبيس إبراهيم ـ عليه السّلام: «إنّ لك عندي وديعة.» فأعطاه الحجر. فوضعه موضعه.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٤) إلى سعيد بن جناح، عن عدّة من أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: كانت الكعبة على عهد إبراهيم ـ عليه السّلام ـ تسعة أذرع. وكان لها بابان. فبناها عبد الله بن الزّبير. فرفعها ثمانية عشر ذراعا. فهدمها الحجّاج. وبناها(٥) سبعة وعشرين ذراعا.
وروى عن ابن أبي نصر(٦) ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
__________________
(١) المصدر: عتبا وشرحا. وفي هامش الأصل: عتبا وشريحا ـ خ ل.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢٠٥، صدر ح ٤.
(٣) المصدر: ساقا.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٢٠٧، ح ٧.
(٥) المصدر: فبناها.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٨.
قال: كان طول الكعبة يومئذ تسعة أذرع. ولم يكن لها سقف. فسقّفها قريش، ثمانية عشر ذراعا. فلم تزل ثمّ كسرها الحجّاج على ابن الزّبير. فبناها سبعة وعشرين ذراعا(١) .
محمّد بن يحيى(٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن سعيد بن عبد الله الأعرج، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ قريشا في الجاهليّة هدموا البيت. فلمّا أرادوا بناءه، حيل بينهم وبينه، والقى في روعهم الرّعب، حتّى قال قائل منهم: ليأتي كلّ رجل منكم بأطيب ماله. ولا تأتوا بما اكتسبتموه من قطيعة رحم أو حرام.
ففعلوا. وخلّي(٣) بينهم وبين بنائه. فبنوه حتّى انتهوا إلى موضع الحجر الأسود.
فتشاجروا فيه أيّهم يضع الحجر الأسود في موضعه، حتّى كاد أن يكون بينهم شرّ. فحكموا أوّل من يدخل باب المسجد. فدخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فلمّا أتاهم، أمر بثوب فبسط. ثمّ وضع الحجر في وسطه. ثمّ أخذت القبائل بجوانب الثّوب. فرفعوه. ثمّ تناوله ـ صلّى الله عليه وآله. فوضعه في موضعه فخصّه الله به.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ساهم قريشا في بناء البيت. فصار لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من باب الكعبة إلى النّصف ما بين الرّكن اليمانيّ إلى الحجر الأسود.
وفي رواية أخرى(٥) كان لبني هاشم من الحجر الأسود، إلى الرّكن الشّاميّ.
وبإسناده إلى أبان بن تغلب(٦) . قال: لـمّا هدم الحجّاج الكعبة، فرّق الناس ترابها. فلمّا صاروا إلى بنائها، فأرادوا أن يبنوها، خرجت عليهم حيّة، فمنعت النّاس البناء، حتّى هربوا. فأتوا الحجّاج. فأخبروه. فخاف أن يكون قد منع بناءها. فصعد المنبر.
ثم أنشد(٧) النّاس. وقال: أنشد الله عبدا عنده ممّا ابتلينا به علم لـمّا أخبرنا به.
قال: فقام إليه شيخ. فقال: إن يكن عند رجل(٨) ، فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة. فأخذ مقدارها ثمّ مضى.
__________________
(١) المصدر: وجعلها سبعة وعشرين ذراعا.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢١٧، ح ٣.
(٣) المصدر: فخلّي.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٢١٨، ح ٥.
(٥) نفس المصدر ٤ / ٢١٩.
(٦) نفس المصدر ٤ / ٢٢٢، ح ٨.
(٧) المصدر: نشد.
(٨) المصدر: أحد علم.
فقال الحجّاج: من هو؟
قال: عليّ بن الحسين.
فقال: معدن ذلك.
فبعث إلى عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ فأتاه. فأخبره ما كان من منع الله إيّاه البناء.
فقال له عليّ بن الحسين: يا حجّاج! عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل. فألقيته في الطّريق. وأنهيته(١) . كأنّك ترى أنّه تراث لك اصعد المنبر وانشد النّاس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئا إلّا ردّه.
قال: ففعل وانشد(٢) النّاس، الّا يبقى منهم أحد عنده شيء، إلّا ردّه.
قال: فردّوه.
فلمّا رأى جمع التّراب، أتى على بن الحسين ـ صلوات الله عليه ـ فوضع الأساس. وأمرهم أن يحضروا.
قال: فتغيّبت عنهم الحيّة. وحضروا، حتّى انتهوا إلى موضع القواعد.
قال لهم عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام: تنحّوا.
فتنحّوا. فدنا منها. فغطّاها بثوبه. ثمّ بكا. ثمّ غطّاها بالتّراب، بيد نفسه. ثمّ دعا الفعلة.
فقال: ضعوا بناءكم.
فوضعوا البناء. فلمّا ارتفعت حيطانها، أمر بالتّراب. فقلب. فألقى في جوفه.
فلذلك صار البيت، مرتفعا يصعد إليه بالدّرج.
وبإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٣) . قال: إنّ قريشا لـمّا هدموا الكعبة، وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته، حتّى دعوا رجلا، فقرأه. فإذا فيه: «أنا الله ذو بكّة. حرّمتها يوم خلقت السّماوات والأرض. ووضعتها بين هذين الجبلين. وحففتها بسبعة أملاك حفّا.»
محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب ،
__________________
(١) المصدر: انتهبته. وهو الظاهر.
(٢) المصدر: فأنشد.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٢٢٥، ح ١.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٢١٠، ح ١٥.
عن معاوية بن عمّار. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الحجر: أمن البيت هو؟ أو فيه شيء من البيت؟
فقال: لا! ولا قلامة ظفر. ولكن إسماعيل دفن أمّه فيه، فكره أن يوطى(١) .
فحجر عليه حجرا. وفيه قبور أنبياء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثنى أبي عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: لـمّا بلغ إسماعيل، مبلغ الرّجال، أمر الله إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أن يبني البيت.
فقال: يا ربّ! في أي بقعة؟
قال: في البقعة الّتي أنزلت على آدم القبّة.
فأضاء لها الحرم. فلم تزل القبّة الّتي أنزلها الله على آدم، قائمة، حتّى كان أيّام الطّوفان، أيّام نوح ـ عليه السّلام. فلمّا غرقت الدّنيا، رفع الله تلك القبّة. وغرقت الدّنيا، إلّا موضع البيت. فسمّى(٣) البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق.
فلمّا أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أن يبني البيت، لم يدر(٤) في أيّ مكان يبنيه. فبعث الله جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فخطّ له موضع البيت. فأنزل [الله](٥) عليه القواعد من الجنّة. وكان الحجر الّذي أنزله الله على آدم، أشدّ بياضا من الثّلج. فلمّا مسّته(٦) أيدي الكفّار، اسودّ.
فبنى إبراهيم البيت. ونقل إسماعيل الحجر، من ذي طوى. فرفعه في السماء(٧) ، تسعة أذرع. ثمّ دلّه على موضع الحجر. فاستخرجه إبراهيم ـ عليه السّلام. ووضعه في موضعه الّذي هو فيه الآن(٨) . فلمّا بنى، جعل له بابين: بابا إلى المشرق، وبابا إلى المغرب.
والباب الّذي إلى المغرب يسمّى المستجار. ثمّ ألقى عليه الشّجر والإذخر. وعلّقت هاجر على بابه كساء كان معها. وكانوا يكنّون تحته.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١) المصدر: توطأ.
(٢) تفسير القمي ١ / ٦٠ ـ ٦٢.
(٣) المصدر: فسميّت.
(٤) المصدر: ولم يدر.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: لمسته.
(٧) المصدر: إلى السماء.
(٨) المصدر: الاوّل.
وفي مجمع البيان(١) : وروي عن الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّ إسماعيل أوّل من شقّ لسانه بالعربيّة. وكان أبوه يقول له، وهما يبنيان البيت: يا إسماعيل! هاى(٢) ابن، أي: أعطني حجرا.
يقول له إسماعيل بالعربيّة. يا أبة! هاك حجرا.
فإبراهيم يبني. وإسماعيل يناوله الحجارة].(٣)
( رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) : مخلصين لك، من أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم، إذا استسلم وانقاد.
وقرئ على لفظ الجمع، على أنّ المراد أنفسهما وهاجر، أو أنّ التّثنية من مراتب الجمع.
( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) ، أي: واجعل بعض ذرّيّتنا.
والتّخصيص بالدّعاء. لأنّهم أحقّ بالشّفقة. ولأنّهم إذا صلحوا، صلح بهم الأتباع. وخصّا بعضهم، لما أعلما أنّ في ذرّيّتهما ظلمة، وعلما أنّ الحكمة الإلهيّة لا تقتضي الاتّفاق على الإخلاص والإقبال على الله تعالى. فإنّه ممّا يشوش المعاش. ولذلك قيل: لولا الحمقى، لخربت الدّنيا.
وقيل(٤) : المراد بالأمّة، أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. ويحتمل أن يكون «من» للتّبيين.
وروي عن الصّادق ـ عليه السّلام(٥) . أنّ المراد بالأمّة، بنو هاشم، خاصّة.
[وفي الكافي(٦) ، بإسناده إلى أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام: ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه، فقال(٧) ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ثمّ أخبر عن هذه الأمّة وممّن هي. وإنّها من ذرّيّة إبراهيم، ومن ذرّيّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ، الّذين وجبت لهم الدّعوة ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٠٧.
(٢) المصدر: هات.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أور.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٨٢.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢١٠.
(٦) الكافي ٥ / ١٣ ـ ١٤، ح ١.
(٧) آل عمران / ١٠٤.
دعوة إبراهيم وإسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه، أنّه أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا].(١)
( وَأَرِنا ) :
رأى، بمعنى أبصر، أو عرف. ولذلك لم يتجاوز مفعولين.
( مَناسِكَنا ) :
المواضع الّتي تتعلّق النّسك بها، لنفعله عندها ونقضي عباداتنا فيها، على حدّ ما يقتضيه توفيقنا عليها.
وقال عطاء ومجاهد: معنى مناسكنا: مذابحنا. والأوّل أقوى.
و «النّسك»، في الأصل، غاية العبادة. وشاع في الحجّ لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة. وقرأ ابن كثير ويعقوب، «أرنا» قياسا على فخذ في فخذ.
( وَتُبْ عَلَيْنا ) :
قالا تلك الكلمة على وجه التّسبيح والتّعبّد والانقطاع إلى الله، ليقتدي بهما النّاس فيها(٢) .
وقيل(٣) : إنّهما سألا التّوبة على ظلمة ذرّيّتهما.
وقيل(٤) : معناه ارجع علينا بالرّحمة. فليس فيها دلالة على جواز الصّغيرة عليهم ـ كما لا يخفى.
( إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ ) : القابل للتّوبة عن عظائم الذّنوب، أو الكثير القبول للتّوبة، مرّة بعد أخرى.
( الرَّحِيمُ ) (١٢٨): بعباده، المنعم عليهم بالنّعم العظام وتكفير الآثام.
وفي هذه الآية دلالة على أنّه يحسن الدّعاء، بما يعلم الدّاعي، أنّه يكون لا محالة.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
قال: قلت: أخبرني عن أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من هم؟
قال: أمّة محمّد، بنو هاشم خاصّة.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أور: فيهما.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢١٠.
(٤) نفس المصدر، ببعض الاختلاف.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٦٠، ح ١٠١.
قلت: فما الحجّة في أمّة محمّد أنهم أهل بيته الّذين ذكرت دون غيرهم؟
قال: قال الله( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) فلمّا أجاب الله إبراهيم وإسماعيل، وجعل من ذرّيّتهما أمّة مسلمة، وبعث فيها رسولا منها، يعنى: من تلك الأمّة، يتلوا عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ردف إبراهيم دعوته الأولى، بدعوته الأخرى. فسأل لهم تطهيرا من الشّرك ومن عبادة الأصنام، ليصحّ أمره فيهم ولا يتّبعوا غيرهم.
فقال:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ. فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي. وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .فهذه دلالة على أنّه لا يكون الأئمّة والأمّة المسلمة الّتي بعث فيها محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا من ذرّيّة إبراهيم، لقوله ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) ].(١)
( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ ) : في الأمّة المسلمة،( رَسُولاً مِنْهُمْ ) ولم يبعث من ذرّيّتهما غير محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فهو المجاب به، دعوتهما، كما قال ـ صلّى الله عليه وآله(٢) : أنا دعوة أبي إبراهيم ـ عليه السّلام، وبشرى عيسى ـ عليه السّلام ـ يعني: قوله(٣) ( وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) ) ورؤيا أمّي وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف من بني زهرة. رأت في المنام أنّها وضعت نورا، ضاء به قصور الشّام من بصرى.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وأمّا قوله( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ) (الآية) فأنّه يعني ولد إسماعيل ـ عليه السّلام. ولذلك قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنا دعوة أبي إبراهيم.
وفي الخصال(٥) ، عن أبي أمامة. قال: قلت: يا رسول الله! ما كان بدء أمرك؟
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) تفسير القمي ١ / ٦٢+ مجمع البيان ١ / ٢١٠+ الكشاف ١ / ١٨٨+ بحار الأنوار ١٥ / ٢٥٦، ح ٨ و ٢٧١، ح ١٦.
(٣) الصّف / ٦.
(٤) تفسير القمي ١ / ٦٢.
(٥) الخصال / ١٧٧، ح ٢٣٦.
قال: دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمّي أنّه خرج منها شيء، أضاءت منه قصور الشّام](١)
( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ) : يقرأ عليهم آياتك الّتي توحى بها إليه،( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ) ، أي: القران،( وَالْحِكْمَةَ ) : ما يكمل به نفوسهم، من المعارف والأحكام.
( وَيُزَكِّيهِمْ ) عن الشّرك والمعاصي.
( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) الّذي لا يغلب على ما يريد.
( الْحَكِيمُ ) (١٢٩): المحكم له.
( وَمَنْ يَرْغَبُ ) ، أي: لا يرغب،( عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ) :
إنكار لأنّ يكون أحد يرغب عن ملّته الواضحة الغرّاء.
( إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) : إلّا من أذلّها واستخفّ بها.
قال المبرّد(٢) : وتغلب «سفه» بالكسر، متعدّ وبالضّمّ، لازم.
وقيل(٣) : أصله سفه نفسه (بالرّفع.) فنصب على التّمييز، نحو: غبن رأيه، أو سفه في نفسه. فنصب بنزع الخافض. والمستثنى في محلّ الرّفع، بدلا من الضّمير في «يرغب». لأنّه في معنى النّفي.
روى(٤) ان عبد الله بن سلام، دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام. فقال: لقد علمنا صفة محمّد في التوراة. فأسلم سلمة. وأبى مهاجر أن يسلم. فأنزل الله هذه الآية.
( وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ ) : اخترناه بالرّسالة.
( فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (١٣٠) :
قيل(٥) : وإنّما خصّ الآخرة بالذّكر وإن كان في الدّنيا كذلك، لأنّ المعنى من الّذين يستوجبون على الله سبحانه الكرامة وحسن الثّواب. فلمّا كان خلوص ذلك(٦) في الآخرة دون الدّنيا، وصفه بما ينبئ عن ذلك.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢١٢.
(٣ و ٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢١٢.
(٦) «ذلك» ليس في أوفي المصدر: خلوص الصواب.
( إِذْ قالَ ) :
ظرف لاصطفيناه، أي: اخترناه في ذلك الوقت، أو انتصب بإضمار «اذكر»، استشهادا على ما ذكر، من حاله. كأنّه قيل: اذكر ذلك الوقت، لتعلم أنّه المصطفى الصّالح الّذي لا يرغب عن ملّة مثله.
( لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ) : اخطر ببالك النّظر في الدّلالة المؤدّية إلى المعرفة.
( قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) (١٣١)، أي: فنظر وعرف.
وقيل: أسلم، أي: أذعن وأطع(١) .
وقيل: يحتمل(٢) أن يكون المراد: أثبت على الانقياد.
( وَوَصَّى بِها ) ، أي: بالملّة، أو الكلمة. وهي( أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) .
وقرئ: وأوصى.
( إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ) :
عطف على إبراهيم. داخل في حكمه.
والمعنى: ووصّى بها يعقوب بنيه ـ أيضا.
وقرئ بالنّصب، عطفا على بنيه.
والمعنى: ووصّى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب.
[وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: كان يعقوب وعيص توأمين. فولد عيص، ثمّ ولد يعقوب. فسمّي يعقوب، لأنّه خرج بعقب أخيه عيص.
والحديث طويل. أخذت منه موضوع الحاجة].(٤)
( يا بَنِيَ ) :
على إضمار القول، عند البصريّين، وعند الكوفيّين، يتعلّق بوصيّ. لأنّه في معنى القول.
وفي قراءة أبيّ وابن مسعود: أن يا بنيّ.
( إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ) : أعطاكم الدّين الّذي هو صفوة الأديان. وهو دين
__________________
(١ و ٢) ليس في أ.
(٣) علل الشرائع ١ / ٤٣، ح ١.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
الإسلام. ووفّقكم الأخذ به،( فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (١٣٢): لا يكن موتكم على حال إلّا على حال كونكم ثابتين على الإسلام.
فالنّهي راجع إلى كونهم على خلاف الإسلام، في حال الموت. والنّكتة في إدخال النّهي على الموت، إظهار أنّ الموت على غير الإسلام، كلا موت. والموت الحقيقيّ هو موت السّعداء. وهو الموت على الإسلام.
[وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ أبي استودعني ما هناك. فلمّا حضرته الوفاة، قال لي: «ادع لي شهودا.» فدعوت له أربعة من قريش.
فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر.
قال: اكتب! هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدّين.
فلا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون. وأوصى محمّد بن عليّ، إلى جعفر بن محمّد أمره، أن يكفّنه في برده الّذي كان يصلّي فيه الجمعة. (الحديث).
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام. حديث طويل. ذكره في باب اتّصال الوصيّة من لدن آدم ـ عليه السّلام. يقول فيه ـ عليه السّلام: وقال الله ـ عزّ وجلّ(٣) :( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ) وقوله(٤) :( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ) لنجعلها في أهل بيته( وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ) لنجعلها في أهل بيته.
وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : روي صاحب شرح الأخبار، بإسناد يرفعه. قال: قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ. فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) بولاية عليّ ـ عليه السّلام.
ويؤيّده ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب الكليني ـ رحمه الله(٦) ـ عن أحمد بن
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٠٧، ح ٨.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢١٦، ح ٢.
(٣) البقرة / ١٢٧.
(٤) الانعام / ٨٤.
(٥) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٣.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع.
محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام.
قال: ولاية عليّ مكتوبة في صحف الأنبياء. ولم يبعث الله نبيّا إلّا عرّفه نبوّة محمّد ووصيّه عليّ ـ صلوات الله عليهما].(١)
( أَمْ كُنْتُمْ ) :
«أم» هي المنقطعة. ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ما كنتم.
( شُهَداءَ ) : جمع شهيد. بمعنى الحاضر.
قيل(٢) : إنّ اليهود قالوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ألست تعلم أنّ يعقوب أوصى بنيه باليهوديّة يوم مات؟ فنزلت ردّا عليهم، أي: ما كنتم حاضرين.
( إِذْ حَضَرَ ) :
وقرئ حضر (بكسر الضّاد.) وهي لغة.
( يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ) . فالخطاب لليهود.
وقيل(٣) : الخطاب للمؤمنين، يعني: ما شاهدتم ذلك.
وإنّ ما حصل لكم العلم به، من طريق الوحي.
( إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ) :
تقريرا لهم على التوحيد والإسلام.
و «ما» عامّ في كلّ شيء. فإذا علم، فرّق «بما» و «من» ويمكن أن يقال:( ما تَعْبُدُونَ ) سؤال عن صفة المعبود، كما تقول: ما زيد تريد؟ أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصّفات؟
( قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ ) :
وقرأ أبيّ بطرح آبائك. وقرئ أبيك، إمّا بالإفراد وكون إبراهيم وحده عطف بيان له، أو بالجمع بالياء والنّون.
( إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) :
عطف بيان لآبائك.
وعدّ إسماعيل من ابائه. لأنّ العرب تسمّي العمّ، أبا، كما تسمّي الخالة، أمّا ،
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٨٣، باختلاف في بعض الألفاظ.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
لانخراطهم(١) في سلك واحد. وهو الأخوّة، ووجوب تعظيمها. وفي الحديث(٢) : عمّ الرّجل صنو أبيه، أي: لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النّخلة.
( إِلهاً واحِداً ) :
بدل من «إله آبائك»، كقوله(٣) :( بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ) ، أو على الاختصاص، أي: نريد بإله آبائك إلها واحدا.
( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (١٣٣) :
حال من فاعل «نعبد»، أو من مفعوله، لرجوع الهاء إليه في له.
ويجوز أن يكون جملة معطوفة على «نعبد»، وأن يكون جملة اعتراضيّة مؤكّدة إن جاز وقوع الاعتراض في الآخر، كما هو مذهب البعض، أي: ومن حالنا إنّا له مسلمون مخلصون بالتّوحيد، أو مذعنون.
وروى العيّاشيّ(٤) ، عن الباقر ـ عليه السّلام: أنّها جرت في القائم ـ عليه السّلام.
وقال بعضهم(٥) في توجيه الحديث: لعلّ مراده ـ عليه السّلام ـ إنها جارية في قائم آل محمّد: فكل قائم منهم يقول حين موته ذلك لبنيه ويجيبونه بما أجابوا به.
أقول: ويمكن أن يكون مراده ـ عليه السّلام ـ بكون الآية جارية في القائم ـ عليه السّلام ـ كون الوصيّة والتّقرير بالقائم ـ عليه السّلام ـ داخلين في وصيّة يعقوب وتقريره لبنيه، أي: وصّى بنيه وقرّرهم بالإقرار بالقائم ـ عليه السّلام ـ فيما أوصاه وقرّره.
ويؤيّد هذا التّوجيه ما كتبه صاحب نهج الإمامة، قال: روى صاحب شرح الأخبار، بإسناده يرفعه. قال: قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيّ إنّ الله اصطفى لكم الدّين فلا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون بولاية عليّ ـ عليه السّلام. [على ما مرّ في شرح الآيات الباهرة].(٦)
( تِلْكَ ) أي: الأمّة المذكورة الّتي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما والموحّدون،( أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) : قد مضت.
( لَها ما كَسَبَتْ ) : لا ينفعهم إلّا ما كسبوا من أعمال الخير.
__________________
(١) أ: لانحزاطهما. وهو الظاهر.
(٢) الكشّاف ١ / ١٩٣.
(٣) العلق / ١٦.
(٤) تفسير العيّاشي ١ / ٦١، ح ١٠٢.
(٥) هو الفيض الكاشاني في تفسير الصافي ١ / ١٩٢.
(٦) ليس في أ.
( وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ ) : لا ينفعكم إلّا ما كسبتم منها.
( وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٣٤): لا تؤاخذون بسيّئاتهم(١) ، كما لا تثابون بحسناتهم.
والمقصود نفي الافتخار(٢) بالأوائل ونحوقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله(٣) : يا بني هاشم! لا يأتي النّاس بأعمالهم وتأتوني(٤) بأنسابكم.
( وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا ) ، أي: قالت اليهود: كونوا هودا، تهتدوا.
وقالت النصارى: كونوا نصارى، تهتدوا.
( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) ، اي: بل نكون(٥) ملّة إبراهيم، أي: أهل ملّته.
وقيل(٦) : بل نتّبع ملّة إبراهيم. وقرئ بالرّفع، أي: ملّته ملّتنا، أو أمرنا ملّته، أو نحن ملّته، بمعنى أهل ملّته.
( حَنِيفاً ) : حال من المضاف إليه، كقولك: رأيت وجه هند قائمة.
«والحنيف»: المائل من كلّ دين باطل، إلى دين الحقّ. و «الحنف»: الميل في القدمين. و «تحنّف»، إذا مال.
روى العيّاشيّ(٧) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: الحنيفيّة، هي الإسلام.
وعن الباقر ـ عليه السّلام(٨) ـ قال: ما أبقت الحنيفيّة شيئا حتّى أنّ منها قصّ الشّارب وقلم الأظفار والختان.
( وَما كانَ ) إبراهيم،( مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٣٥): تعريض بأهل الكتاب وغيرهم. لأنّ كلّا منهم يدّعي اتّباع إبراهيم. وهو على الشّرك.
( قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ) : خطاب بالكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحقّ. وإلّا فأنتم على الباطل. وكذا قوله( بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) يجوز أن يكون على معنى «بل اتّبعوا أنتم ملّة إبراهيم وكونوا أهل ملّته». والأظهر أنّ الخطاب للمؤمنين.
__________________
(١) أ: بشأنهم.
(٢) أ: الأنهار.
(٣) الكشاف ١ / ١٩٤.
(٤) أ: فأتونا. ر: تأتونا.
(٥) أ: تكون.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٨٤.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٦١، ح ١٠٣.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٠٤.
ويؤيّده ما نرويه في تأويله. وهوما رواه محمّد بن يعقوب(١) ، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان، عن سلام بن عمرة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ(٢) ـ( قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) قال: إنّما عنى بذلك عليّا وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السّلام. وجرت بعدهم في الأئمّة.
ثمّ رجع(٣) القول من الله في النّاس. فقال:( فَإِنْ آمَنُوا ) ، يعني: النّاس( بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) ، يعني: عليّا وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السّلام ـ والأئمّة،( فَقَدِ اهْتَدَوْا. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) ، يعني: النّاس. (انتهى).
ومعناه أنّ الله سبحانه أمر الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ أن يقولوا آمنا بالله (وما بعدها) لأنّهم المؤمنون بما أمروا به حقّا وصدقا. ثمّ قال مخاطبا للأئمّة، يعني: النّاس:( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) بكم وبما آمنتم به.( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) ومنازعة ومحاربة لك، يا محمّد!( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .
( وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) وهو القرآن.
( وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ) : جمع سبط. وهو الحافد. وهم حفدة يعقوب، ذراريّ أبنائه الاثني عشر.
روى العيّاشيّ(٤) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: هل كان ولد يعقوب أنبياء؟
قال: لا! ولكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء(٥) . لم(٦) يكونوا يفارقوا(٧) الدّنيا إلّا سعداء. تابوا وتذكّروا ما صنعوا.
والمراد بما أنزل على هؤلاء الصّحف.
( وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى ) : التوراة والإنجيل،( وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ ) : جملة المذكورين وغيرهم،( مِنْ رَبِّهِمْ ) : متعلّق بالإيتاء. وكلمة «من»، ابتدائيّة.
__________________
(١) الكافي ١ / ٤١٥، ح ١٩.
(٢) البقرة / ١٣٦.
(٣) المصدر: يرجع.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٦٢، ح ١٠٦.
(٥) أ: الأبناء.
(٦) أ: كم.
(٧) أ: يشارع.
( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) : لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنّصارى، ولوقوع أحد في سياق النّفي وعمومه أضيف إليه «بين». وقيل(١) : لأنّه في معنى الجماعة.
( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (١٣٦): منقادون في جميع ما أمر به ونهى عنه.
وفي الخصال(٢) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: إذا قرأتم «( قُولُوا آمَنَّا ) فقولوا: أمنا «إلى قوله» مسلمون.
وفي الفقيه(٣) ، في وصاياه لابنه محمّد بن الحنفيّة: وفرض على اللّسان الإقرار والتعبير [عن القلب](٤) بما عقد عليه. فقال ـ عزّ وجلّ:( قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) .
(الآية.)( فَإِنْ آمَنُوا ) ، أي: سائر النّاس،( بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ ) من باب التّبكيت. لأنّ دين الحقّ واحد. لا مثل له. ولو فرض أنّهم حصلوا دينا آخر، مثل دينكم في الصّحّة والسّداد، فقد اهتدوا. ونظيره قولك للرّجل الّذي تشير عليه: هذا هو الرّأي الصّواب. فإن كان عندك رأي أصوب منه. فاعمل به. وقد علمت أنّه لا أصوب من رأيك. والمراد تبكيته.
ويجوز أن يكون الباء، للاستعانة، أي: فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم الّتي آمنتم بها، أو المثل مقحم كما في قوله(٥) :( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ) ، أي: عليه.
وقرئ بحذفه. وقرأ أبيّ: بالّذي آمنتم به.
( فَقَدِ اهْتَدَوْا ) إلى الحقّ.
( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) عمّا أنتم عليه،( فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ) : في كفر، على ما رواه الطّبرسيّ، عن الصّادق ـ عليه السّلام(٦) .
وأصله المخالفة والمناوأة. فإنّ كلّ واحد من المتخالفين، في شقّ غير شقّ الآخر.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢١٧.
(٢) الخصال ٢ / ٦٢٩، ح ٤٠٠.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٨٢.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) الأحقاف / ١٠.
(٦) مجمع البيان ١ / ٢١٨.
( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ) : تسلية للمؤمنين. ووعد لهم بالحفظ والنّصر.
( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالكم،( الْعَلِيمُ ) (١٣٧) بنيّاتكم.
( صِبْغَةَ اللهِ ) :
مصدر منتصب عن قوله «آمنا به». وهي فعلة من صبغ، كالجلسة من جلس.
وهي الحالة الّتي يقع عليها الصّبغ.
والمعنى: تطهير الله. لأنّ الإيمان يطهّر النّفوس.
والأصل فيه أنّ النّصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر. يسمّونه المعموديّة.(١) ويقولون هو تطهير لهم. فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك، قال الآن صار نصرانيّا حقّا. فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا. وصبَغَنا الله بالإيمان، صبغةً لا مثل صبْغَتَنا. وطهّرنا به لا مثْل تطهيرنا، أو يقولوا أصبَغَنا الله بالإيمان صبغته ولم يصبغ صبغتكم.
فهو من باب المشاكلة. كما تقول لمن يغرس الأشجار: أغرس كما يغرس فلان. تريد رجلا يصطنع الكرام.(٢) [( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) : لا أحسن من صبغته.
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) ، فقال: هي الإسلام.
وفي اصول الكافي(٤) ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) ، قال: صبَغ المؤمنين بالولاية في الميثاق.
وبإسناده. إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٥) ـ في الحسن، في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) ، قال: الإسلام.
__________________
(١) كذا في أ. وفي الأصل ور: العمودية.
(٢) يوجد في أ: بعد هذه العبارة: «وفسّرها الصادق ـ عليه السّلام ـ بالإسلام.» وهي مشطوب في الأصل.
(٣) معاني الأخبار / ١٨١، ح ١.
(٤) الكافي ١ / ٤٢٢، ح ٥٣.
(٥) نفس المصدر ٢ / ١٤، ح ١.
حميد بن زياد(١) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) قال: الصّبغة هي الإسلام.
والحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.
وبإسناده(٢) إلى حمران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) قال: الصّبغة هي الإسلام].(٣)
وفي شرح الآيات الباهرة: وروى الشيخ محمّد بن يعقوب(٤) ، عن محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) قال صبغ المؤمنين(٥) بالولاية في الميثاق.
وأقول: يظهر من تلك الأخبار(٦) ، أنّ الإسلام لا يتحقّق بدون الولاية. وقد ذكرنا لك مرارا، ما يدلّك على هذا.
( وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ) (١٣٨) :
معطوف على( آمَنَّا بِاللهِ ) وتعريض بهم، أي: لا نشرك به كشرككم.
وقيل(٧) :( صِبْغَةَ اللهِ ) ، بدل من( مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ) ، أو نصب على الإغراء. بمعنى: عليكم صبغة الله. ويردّهما هذا العطف، للزوم فكّ(٨) النّظم وإخراج الكلام عن التئامه.
( قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ ) :
قرئ: أتحاجّونا (بإدغام النّون)، يعني: تحاجّونا في شأن الله واصطفائه النّبيّ من العرب دونكم؟ وتقولون: لو أنزل الله على أحد، لأنزل علينا. لأنّا أهل الكتاب والعرب عبدة الأوثان. ونحن أسبق في النّبوّة. لأنّ الأنبياء كلّهم كانوا منّا.
( وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ ) لا اختصاص له بقوم دون قوم. يصيب برحمته من يشاء.
( وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ) فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) الكافي ١ / ٤٢٢، ح ٥٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المؤمنون.
(٦) أ: الخبرين.
(٧) مجمع البيان ١ / ٢١٩، باختلاف في اللفظ.
(٨) أ: قلت.
( وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) (١٣٩): موحّدون. نخلصه بالإيمان والطّاعة، دونكم.
والحاصل، أنّ إعطاء الكرامة إمّا بالتّفضّل وكونه ربّا، أو بالعمل، أو بالإخلاص. والأوّلان مشتركان بيننا وبينكم. والأخير مختصّ بنا. فدعواكم الأحقّيّة، ساقطة. لا وجه لها. بل نحن أحقّ.
( أَمْ تَقُولُونَ ) : يحتمل على قراءة التّاء، أن تكون «أم»، معادلة للهمزة، في «أتحاجّوننا» بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجّة في حكم الله؟ أم ادّعاء اليهوديّة والنّصرانيّة على الأنبياء؟ والمقصود إنكارهما والتّوبيخ عليهما معا. وأن تكون منقطعة بمعنى «بل أتقولون».
والهمزة على قراءة الياء، لا تكون إلّا منقطعة.
( إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى ) ولم يكونوا مسلمين؟
( قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ ) وأنّه شهد لهم بالإسلام، في قوله(١) ( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ) .
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ ) ، أي: شهادة الله لإبراهيم بالحنيفيّة.
و «من» فيه، كما في قولك: «هذه شهادة منّي لفلان»، إذا شهدت له.
والمعنى أنّ أهل الكتاب، لا أحد أظلم منهم. لأنّهم كتموا هذه الشّهادة وهم عالمون بها. أو أنّا لو كتمنا هذه الشّهادة، لم يكن أحد أظلم منّا. فلا نكتمها. أو الأعمّ من المعنيين. وفي الأخيرين تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمّد ـ عليه السّلام ـ بالنّبوّة، في كتبهم.
والآية تدلّ على كفر من كتم شهادة الله بالولاية، وعلى كفر أهل الخلاف.
تقريره أنّ نصّ النّبيّ على شيء، شهادة الله عليه. فكتمان نصّ النّبيّ، كتمان شهادة الله وكتمان شهادة الله، أشدّ الظّلم. فهو إمّا الكفر، أو أشدّ منه. وعلى كلا التّقديرين، يلزم المدّعي. ويدلّ عليه – أيضا ـ ما رواه في الفقيه(٢) ، عن الحسن بن محبوب [عن أبى أيّوب ،](٣) عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في أثناء خبر. قال :
__________________
(١) آل عمران / ٦٧.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٧٦، ح ٢٣٦.
(٣) يوجد في المصدر.
فقلت له: أرأيت من جحد الإمام منكم ما له(١) ؟
فقال: من جحد اماما من الله(٢) وبرئ منه ومن دينه، فهو كافر مرتدّ عن الإسلام.
لأنّ الإمام من الله ودينه دين الله. ومن برئ من دين الله، فهو كافر. ودمه مباح في تلك الحال، إلّا أن يرجع ويتوب إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ممّا قال.
[وفي عيون الأخبار(٣) ، بإسناده إلى أبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: وإن سئلت عن الشّهادة فأدّها. فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) . وقال الله ـ عزّ وجلّ:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ ) ].(٤)
( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (١٤٠): وعيد لهم. وقرئ بالتّاء.
( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٤١): قيل(٥) : التّكرير للمبالغة في التّحذير، والزّجر عمّا استحكم في الطّبائع، من الافتخار بالآباء والاتّكال عليهم، أو الخطاب فيما سبق لهم. وفي هذه الآية لنا، تحذيرا عن الاقتداء بهم، أو المراد بالأمّة في الأوّل، الأنبياء، وفي الثّاني، أسلاف اليهود والنّصارى.
( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ) الّذين خفّ أحلامهم واستمهنوها بالتّقليد والإعراض عن النّظر ـ يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.
وفائدة تقديم الإخبار، توطين النّفس وإعداد الجواب. وفي المثل قبل الرّمي يراش السّهم.
( ما وَلَّاهُمْ ) : ما صرفهم،( عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ) وهي بيت المقدس.
( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) : بلاد المشرق والمغرب(٦) ، أو الأرض كلّها.
( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١٤٢): وهي ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة.
__________________
(١) المصدر: ما حاله له. أ: ما حاله.
(٢) المصدر: برئ من الله.
(٣) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٥ ،
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٨٦.
(٦) أ: الشرق والغرب.
وفي تفسير الإمام ـ عليه السّلام(١) ـ عند قوله ـ عزّ وجلّ ـ( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) وفي الاحتجاج(٢) عنه ـ عليه السّلام ـ أيضا. قال: لـمّا كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمكّة، أمره الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يتوجّه نحو بيت المقدس، في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها، إذا أمكن، وإذا لم يمكن، استقبل بيت المقدس، كيف كان. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يفعل ذلك، طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة. فلمّا كان بالمدينة وكان متعبّدا(٣) باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة سبعة عشر شهرا(٤) .
وجعل قوم من مردة اليهود يقولون: والله ما يدري(٥) محمّد كيف صلّى(٦) حتّى يتوجّه(٧) إلى قبلتنا في صلاته بهدينا ونسكنا؟
فاشتدّ ذلك على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لما اتّصل به عنهم. وكره قبلتهم. وأحبّ الكعبة. فجاءه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: يا جبرئيل! لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس، إلى الكعبة. ولقد(٨) تأذّيت(٩) بما يتّصل بي من قبل اليهود، من قبلتهم.
فقال جبرئيل ـ عليه السّلام: فسل(١٠) ربّك أن يحوّلك إليها. فإنّه لا يردّك عن طلبتك، ولا يخيّبك من بغيتك.
فلمّا استتمّ(١١) دعاءه، صعد جبرئيل ـ عليه السّلام. ثمّ عاد من ساعته. فقال: اقرأ، يا محمّد!( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) . (الآيات).
فقالت اليهود عند ذلك: ما ولّاهم عن قبلتهم الّتي كانوا عليها؟
فأجابهم الله بأحسن جواب. فقال:( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) وهو يملكهما.
وتكليفه التّحوّل(١٢) إلى جانب، كتحويله لكم إلى جانب آخر.
__________________
(١) ر: تفسير العسكري / ٢٢٥ ـ ٢٢٧.
(٢) الاحتجاج ١ / ٤٣.
(٣) «وكان متعبدا» ليس في أ.
(٤) أ: وكان متعبدا سبعة عشر شهرا. المصدر: سبعة عشر شهرا أو سنة عشر شهرا.
(٥) المصدر: درى.
(٦) المصدر: يصلى. وهو الظاهر.
(٧) أ: حتى صار يتوجه.
(٨) المصدر: فقد. وهو الظاهر.
(٩) أ: ناديت.
(١٠) المصدر فاسأل.
(١١) أ: استقيم.
(١٢) المصدر: التحويل. وهو الظاهر.
( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) هو مصلحهم(١) ومؤدّيهم بطاعته(٢) إلى جنّات النعيم.
وجاء(٣) قوم من اليهود إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالوا: يا محمّد! هذه القبلة بيت المقدس. قد صلّيت إليها أربع عشرة سنة. ثمّ تركتها(٤) . أفحقّا كان ما كنت عليه، فقد تركته إلى باطل؟ فإنّ ما يخالف الحق فهو(٥) باطل. أو كان(٦) باطلا(٧) ، فقد كنت عليه طول [هذه](٨) المدّة؟ فما(٩) يؤمننا أن تكون الآن على باطل.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: بل ذلك كان حقّا. وهذا حقّ يقول الله تعالى:( قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وإذا عرف صلاحكم، يا أيّها العباد! في استقبال(١٠) المشرق أمركم به، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به، وإن(١١) عرف صلاحكم في غيرهما، أمركم به. فلا تنكروا تدبير الله تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم.
ثمّ قال لهم(١٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لقد تركتم العمل يوم السّبت. ثمّ عملتم به في سائر الأيام(١٣) . ثمّ تركتموه في السّبت. ثمّ عملتم بعده. أفتركتم الحقّ إلى باطل؟
أو الباطل إلى حقّ؟ او الباطل إلى باطل؟ أو الحقّ إلى الحقّ؟ قولوا: كيف شئتم؟ فهو قول محمّد وجوابه لكم.
قالوا: بل ترك العمل في السّبت، حقّ. والعمل بعده، حقّ.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته، حقّ.
ثمّ قبلة الكعبة في وقتها، حقّ.
فقالوا: يا محمّد! فبدا(١٤) لربّك فيما كان أمرك به بزعمك من الصّلاة إلى بيت المقدس، حين نقلك إلى الكعبة؟
__________________
(١) أور: مصلحتهم.
(٢) المصدر: وهو أعلم بمصلحتهم وتؤدّيهم طاعتهم.
(٣) المصدر: قال أبو محمد: وجاء.
(٤) المصدر: تركتها الآن.
(٥ و ٦ و ١٢) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: باطلا كان ذلك.
(٨) يوجد في المصدر.
(٩) أ: فلا يؤمننا.
(١٠) المصدر: استقبالكم.
(١١) ر: وإذا.
(١٣) المصدر: ثم عملتم بعده سائر الأيّام.
(١٤) المصدر: أفبدا. وهو الظاهر.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ما بدا له عن ذلك. فإنّه العالم بالعواقب والقادر على المصالح. لا يستدرك على نفسه. غلطا. ولا يستحدث رأيا، بخلاف المتقدّم.
جلّ عن ذلك. ولا يقع عليه ـ أيضا ـ مانع يمنعه عن(١) مراده. وليس يبدو إلّا لمن كان هذا صفته(٢) . وهو ـ عزّ وجلّ ـ يتعالى عن هذه الصّفات، علوّا كبيرا.
ثمّ قال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أيها اليهود! أخبروني عن الله، أليس يمرض ثمّ يصحّ ويصحّ ثمّ يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أليس يحيي ويميت؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟
قالوا: لا! قال: فكذلك الله تعبّد نبيّه محمّدا بالصّلاة إلى الكعبة، بعد أن كان تعبّد بالصّلاة إلى بيت المقدس. وما بدا له في الأوّل.
[ثم](٣) قال: أليس الله يأتي بالشّتاء في أثر الصّيف والصّيف بعد الشّتاء(٤) ؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟
قالوا: لا! قال: فكذلك لم يبد له في القبلة.
ثمّ قال: أليس قد ألزمكم في الشّتاء أن تحترزوا من البرد بالثّياب الغليظة، وألزمكم في الصّيف [أن تحترزوا من الحرّ. فبدا له في الصّيف](٥) حتى(٦) أمركم بخلاف ما كان أمركم به في الشّتاء؟
قالوا: لا! فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: فكذلكم الله في(٧) تعبّدكم في وقت، لصلاح يعلمه بشيء. ثم تعبده(٨) في وقت آخر، لصلاح آخر(٩) ، يعلمه بشيء اخر فإذا أطعتم الله في الحالين استحققتم ثوابه. وأنزل(١٠) الله( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ )
__________________
(١) المصدر: من.
(٢) أ: صفته. المصدر: وصفه.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) والصيف في أثر الشتاء.
(٥) ليس في أ.
(٦) المصدر: حين. وهو الظاهر.
(٧) ليس في ر والمصدر.
(٨) المصدر: تعبّدكم. وهو الظاهر.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) المصدر: فأنزل.
إذا(١) توجّهتم بأمره، فثمّ الوجه الّذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: يا عباد الله! أنتم المرضى(٢) والله ربّ العالمين كالطّبيب. وصلاح المريض(٣) فيما يعلمه الطّبيب ويدبّره. لا فيما يشتهيه(٤) ويقترحه.
ألا فسلّموا لله أمره، تكونوا من الفائزين (انتهى)
وهذا الخبر، كما تراه، يدل على نفي البداء لله تعالى.
وقد روى محمّد بن يعقوب(٥) ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيّان بن الصّلت. قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: ما بعث الله نبيّا إلّا بتحريم الخمر وأن يقرّ لله بالبداء.
فوقع(٦) التّنافي بين الخبرين.
وقد روى عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال(٧) : «لو علم النّاس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا(٨) عن الكلام فيه.»
فينبغي التّكلّم في الجمع بين الخبرين :
فأقول: البداء له معنيان :
الأوّل ـ أن يبدو له رأي غير الرّأي الأوّل لمفسدة في الرّأي الأوّل، أو لمحمدة في الرّأي الثّاني، لم يعلم به سابقا. وهو بهذا المعنى، منفيّ عنه تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
وهو المراد في الخبر الأوّل.
والثّاني ـ أن يكون في علمه السّابق أنّ الصّلاح في وقت معيّن، في الفعل الفلانيّ. وإذا جاز ذلك الوقت، فالمصلحة في الشيء الفلاني. وكان في علمه السّابق تغيير(٩) ذلك الشيء، إذا جاء وقته. أو كان مقرّرا في علمه السّابق أنّ زيدا(١٠) إن لم يعمل بالخيرات، مات في وقت كذا، وإن عمل، مات في وقت بعده، مع علمه بوقوع أحدهما. لكن كان ذلك العلم مخزونا عنده، لا يبديه لأحد من ملائكته وأنبيائه وأئمّته. والبداء إنّما يكون بهذا المعنى.
__________________
(١) المصدر: يعنى إذا.
(٢) المصدر: كالمرضى. وهو الظاهر.
(٣) المصدر: فصلاح المرضى.
(٤) المصدر: ويدّبره به. لا فيما يشتهيه المريض.
(٥) الكافي ١ / ١٤٨، ح ١٥.
(٦) أ: فرفع.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٢.
(٨) أ: ما قروا ر: وما مروا.
(٩) بغير.
(١٠) أ: أنّ الصلاح في وقت معيّن في الفعل الفلاني أنّ زيدا.
فالبداء في الحقيقة في علم الملك أو النّبيّ أو الإمام، بمعنى الظّهور، لأحدهم، غير ما ظهر لهم أوّلا، لا في علمه تعالى بذلك المعنى. وهو المراد حيث أثبت له البداء ـ تعالى الله عمّا يقول الظّالمون.
يؤيّد هذا المعنى مارواه محمّد بن يعقوب(١) ، عن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار. قال: سمعت أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: العلم علمان: فعلم عند الله مخزون. لم يطّلع عليه أحد من خلقه. وعلم علّمه ملائكته ورسله. فما علّمه ملائكته ورسله، فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. وعلم عنده مخزون، يقدّم منه ما يشاء ويثبت ما يشاء.
وأيضا، قد روى عن الصّادق ـ عليه السّلام(٢) ـ أنّه قال: إنّ لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو. من ذلك يكون البداء وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه.
( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً ) ، أي: مثل ذلك الجعل العجيب، جعلناكم أمّة.
وروى الصّدوق، يعني: أئمّة(٣) .
( وَسَطاً ) ، أي: خيارا.
وقيل(٤) . للخيار وسط. لأنّ الاطراف يتسارع إليها الخلل.
وقال الصّدوق(٥) : أي: عدلا وواسطة بين الرّسول والنّاس.
( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) ، يعني: يوم القيامة.
( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) :
روى في التفاسير(٦) : أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء. فيطالب الله الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلغوا وهو أعلم. فيؤتى بأمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله.
فيشهدون. فتقول الأمم: من أين عرفتم؟
فيقول علمنا ذلك بإخبار الله، في كتابه النّاطق، على لسان نبيّه الصّادق.
__________________
(١) الكافي ١ / ١٤٧، ح ٦.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٨.
(٣) بل القمي في تفسيره ١ / ٦٣.
(٤) الكشاف ١ / ١٩٨.
(٥) بل القمي في تفسيره ١ / ٦٣.
(٦) ر. تفسير القمي ١ / ١٩١+ الكشاف ١ / ١٩٩+ نور الثقلين ١ / ٤٨٢.
فيؤتى بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فيسأل عن حال أمّته. فيزكيّهم. ويشهد بعدالتهم. وذلك قوله:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) .
[وفي كتاب بصائر الدّرجات(١) : عبد الله بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ.
قال: في كتاب بندار بن عاصم، عن الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) قال: نحن الشّهداء على النّاس، بما عندهم من الحلال والحرام، وبما صنعوا(٢) منه.
وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن(٤) بن عليّ الوشا، عن أحمد بن عائذ، عن عمر بن أذينة، عن يزيد العجليّ. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) . فقال: نحن الأمّة الوسط. ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن يزيد العجليّ. قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .
قال: نحن الأمّة الوسط].(٦) ونحن شهداء الله ـ تبارك وتعالى ـ على خلقه وحجته في أرضه وسمائه.
[والحديثان طويلان. أخذت منهما موضع الحاجة.
وبإسناده الى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل يقول فيه ـ عليه السّلام(٧) :](٨)
__________________
(١) بصائر الدرجات / ٨٢، ح ١.
(٢) المصدر: ضيعوا.
(٣) الكافي ١ / ١٩٠، ح ٢.
(٤) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: الحسين.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٩١، ح ٤.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) الكافي ١ / ٢٥١، ح ٧.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ. وفيه بعد «عليه السّلام» توجد عبارة. والظاهر زائدة. وهي: وفي حديث ليلة القدر عنه ـ عليه السّلام.
لقد قضى(١) أن لا يكون بين المؤمنين اختلاف. ولذلك جعلهم شهداء على الناس.
ليشهد محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ علينا. ولنشهد على شيعتنا. وليشهد شيعتنا على الناس.
[وفي مجمع البيان(٢) ، بعد ان نقل رواية يزيد بن معاويه، قال وفي رواية أخرى قال: إلينا يرجع الغالي. وبنا يلحق المقصر.
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني(٣) ، في كتاب شواهد التنزيل بقواعد التفضيل.
بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي، عن عليّ ـ عليه السّلام: إنّ الله تعالى إيّانا عنى بقوله:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) [ويكون الرسول عليكم شهيدا](٤) فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ شاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه. وحجّته في أرضه. ونحن الّذين قال الله تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي بصير. قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: نحن نمط الحجاز.
فقلت: وما نمط الحجاز؟
قال: أوسط الأنماط. إنّ الله يقول:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) .» ثمّ قال: إلينا يرجع الغالي. وبنا يلحق المقصّر.
عن أبي عمرو الزّبيريّ(٦) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: قال الله:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) . فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى. إنّ من لا يجوز شهادته في الدّنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية؟ كلا لم يعن الله مثل هذا من خلقه، يعني: الأمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) . وهم الأمّة الوسطى. وهم خير أمّة أخرجت للنّاس](٧)
[وفي كتاب المناقب، لابن شهر آشوب(٨) : أبو الورد، عن أبي جعفر
__________________
(١) أ: قضى الأمر.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٢٤.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) يوجد في أ.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٦٣، ح ١١١.
(٦) نفس المصدر، ح ١١٤.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ. (٨) المناقب ٤ / ١٧٩.
ـ عليه السّلام ـ](١) ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) [قال: نحن.
وفي رواية حمدان بن أعين(٢) ، عنه ـ عليه السّلام: إنّما أنزل الله:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ) ، يعني: عدولا( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) ](٣) ويكون الرسول شهيدا عليكم.» قال: ولا يكون شهداء على النّاس إلّا الأئمة ـ عليهم السّلام ـ والرسول. فاما الأمّة فانّه غير جائز أن يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا على حزمة بقل.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٤) ، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ. قال: حدّثنا الحسن بن جعفر بن إسماعيل الأفطس. قال: حدّثنا أبو موسى المسرقانيّ(٥) عمران بن عبد الله. قال: حدّثنا عبد الله بن عبيد(٦) القادسيّ. قال حدّثنا: محمّد بن عليّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ، قال: نحن الأمّة الوسط. ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه].(٧)
( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ) : هي بيت المقدس، أي: غيّرناه إلى الكعبة.
وقيل(٨) : هي الكعبة. لأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يصلّي بمكّة إلى الكعبة. ثمّ أمر بالصّلاة إلى صخرة بيت المقدس، بعد الهجرة، تآلفا لليهود. ثمّ حوّل الى الكعبة. وينافيه ما رويناه سابقا، من أنّه ـ عليه السّلام ـ كان يصلّي بمكّة إلى بيت المقدس.
( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) : يرتدّ عن دينه، إلفا لقبلة آبائه.
وذلك أنّ هوى أهل المدينة كان في بيت المقدس. فأمرهم بمخالفه(٩) ليبيّن من يوافق محمّدا فيما يكرهه؟ وقال: «لنعلم.» ولم يزل عالما بذلك؟ إمّا لأنّ المراد ليعلم رسول الله
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) ليس في أ.
(٤) تفسير الفرات / ١٣.
(٥) المصدر: المرقانىّ.
(٦) المصدر: جيد.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) تفسير البحر المحيط ١ / ٤٢٣.
(٩) أ: بمخالفة. ولعل الصواب: بمخالفته.
والمؤمنون والإسناد إلى ذاته لأنّهم خواصّه. أو لأنّ المراد ليتميّز التّابع من النّاكص، بوضع العلم موضع التّميّز. لأنّ العلم يقع به التّميّز. أو لأنّ المراد لنعلم علما يتعلّق به الجزاء. وهو(١) أن يعلمه موجودا حاصلا. والأخير روى في التّفسير المنسوب إلى الإمام ـ عليه السّلام(٢) ـ وفي الاحتجاج(٣) ـ أيضا.
[وفي تهذيب الأحكام(٤) : الطّاطريّ، عن محمّد بن أبي حمزة، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سألته عن قوله ـ عزّ وجلّ ـ( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) ، أمره به؟
قال: نعم! إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يتقلّب(٥) وجهه في السّماء.
فعلم الله ـ عزّ وجلّ. ـ ما في نفسه. فقال:( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ) ](٦)
( وَإِنْ كانَتْ ) :
«إن» هي المخفّفة الّتي تلزمها الّلام الفارقة. والضّمير في «كانت» للصّلاة إلى بيت المقدس، أو لما دلّ عليه قوله «وما جعلنا القبلة» من الرّدّة، أو التّحويلة، أو الجعلة.
( لَكَبِيرَةً ) لثقلية شاقّة،( إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) وعرف أن الله يتعبّد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلى طاعته في مخالفة هواه.
وفي الكشّاف(٧) ، أنّه يحكى عن الحجّاج، أنّه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟
فقرأ قوله.
( إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) ثمّ قال: وعليّ منهم وهو ابن عمّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وختنه على ابنته. وأقرب النّاس إليه، وأحبّهم.
[وفي كتاب الاحتجاج(٨) ، للطّبرسيّ ـ ره ـ متّصلا باخر الكلام السّابق، أعني :قوله ـ عليه السّلام ـ «وقصده إلى مصالحكم» فقيل: يا بن رسول الله! فلم أمر بالقبلة
__________________
(١) أ: الخبر او هو.
(٢) تفسير العسكري / ٢٢٧.
(٣) الاحتجاج ١ / ٤٥.
(٤) تهذيب الأحكام ٢ / ٤٣.
(٥) ر: تقلّب. المصدر: ينقلب.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) الكشاف ١ / ٢٠١. (٨) الاحتجاج ١ / ٤٦.
الأولى؟
فقال: لما قال ـ عزّ وجلّ:( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ) وهي بيت المقدّس،( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ) ، إلّا لنعلم ذلك منه وجودا، بعد أن علّمناه، سيوجد ذلك إنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة. فأراد الله أن يبيّن متّبع محمّد، فمن خالفه باتّباع القبلة الّتي كرهها. ومحمّد يأمر بها. ولمّا كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس، أمره بمخالفتها والتّوجّه إلى الكعبة، ليبيّن من يوافق محمّد فيما يكرهه فهو يصدّقه ويوافقه. ثمّ قال:( وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) إنّما كان التّوجّه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت، كبيرة إلّا على من يهدي الله. نعرف أنّ الله يتعبّد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة].(١) ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) ، أي: صلاتكم.
روى العيّاشيّ(٢) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن الإيمان، أقول هو وعمل؟ أم قول بلا عمل؟
فقال: الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل المفترض من الله، مبيّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حجّته، يشهد لها الكتاب. ويدعو إليه. ولمّا أن صرف نبيّه إلى الكعبة، عن بيت المقدس، قال المسلمون للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: أرأيت صلاتنا الّتي كنّا نصلّي إلى بيت المقدس، ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا؟ وهم يصلّون إلى بيت المقدس.
فأنزل الله:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) . فسمّى الصّلاة إيمانا. فمن لقى الله حافظا لجوارحه، موقنا(٣) كلّ جارحة من جوارحه ما فرض الله عليه لقى الله مستكملا لإيمانه. وهو(٤) من أهل الجنّة. ومن خان في شيء منها وتعدّى ما أمر الله فيها، لقى الله ناقص الإيمان.
وقرئ ليضيّع (بالتّشديد).
( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ ) : لا يضيع أجورهم.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٦٣.
(٣) المصدر: موفيا. وهو الظاهر.
(٤) ليس في المصدر.
( رَحِيمٌ ) (١٤٣): لا يترك ما يصلحهم.
[وفي تهذيب الأحكام(١) : عنه عن وهب(٢) ، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قوله( سَيَقُولُ السُّفَهاءُ، مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) . فقلت له: الله أمره أن يصلّي إلى بيت المقدس؟
قال: نعم ألا ترى أن الله يقول:( وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) ؟
قال: إنّ بني عبد الأشهل أتوهم وهم في الصّلاة وقد صلّوا ركعتين إلى بيت المقدس. فقيل لهم: «إنّ نبيّكم قد صرف إلى الكعبة.» فتحوّل النّساء مكان الرّجال والرّجال مكان النّساء. وصلّوا الرّكعتين الباقيتين إلى الكعبة. فصلّوا صلاة واحدة إلى قبلتين. فلذلك سمّي مسجدهم مسجد القبلتين.
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح عن القسم بن يزيد. قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. وذكر حديثا طويلا يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فرض الإيمان على جوارح ابن آدم. وقسّمه عليها. وفرّقه فيها. وقال فيما فرض على الجوارح من الطّهور والصّلاة بها. وذلك أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمّا صرف نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الكعبة عن بيت المقدس، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) . فسمّى الصّلاة، إيمانا](٤)
( قَدْ نَرى ) : ربّما وأصل الرّؤية، إدراك الشيء بالبصر. ويستعمل بمعنى العلم.
( تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ) : تردّده تطلّعا على الوحي، في موضعي مفعولي نرى، أو مفعولاه أو هو ممّا لمفعول واحد.
وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقع في روعه ويتوقّع من ربّه أن يحوّله
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٢ / ٤٣، ح ١٣٨.
(٢) المصدر: وهيب.
(٣) الكافي ٢ / ٣٤ ـ ٣٧، ح ١.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
إلى الكعبة، قبلة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ وأقدم القبلتين. وأدعى للعرب إلى الإيمان ولمخالفته اليهود. وذلك يدلّ على كمال أدبه، حيث انتظر ولم يسأل.
( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ) : فلنمكّننّك من استقبالها، من قولك: ولّيته كذا، إذا صيّرته واليا له، أو فلنحوّلنّك تلى(١) جهتها.
( تَرْضاها ) : تحبّها. وتتشوّق إليها، لمقاصد دينيّه، وافقت مشيئة الله تعالى وحكمه.
والرّضا والمحبّة، نظيران. ويظهر الفرق بأنّ ضدّ المحبّة، البغض. وضدّ الرّضا، السّخط.
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ، أي: نحوه.
قال الشّاعر(٢) :
وقد أظلّكم من شطر ثغركم |
هول له ظلم يغشاكم قطعا |
أي: من نحو ثغركم وتلقاءه.
وقيل(٣) . جانبه. لأنّ الشّطر في الأصل، لما انفصل عن الشيء من شطر، إذا انفصل. ودار شطوره(٤) : أي: منفصلة عن الدّور. ثمّ استعمل جانبه وإن لم ينفصل كالقطر.
وقيل(٥) : شطر الشيء(٦) ، نصفه من شطرت الشيء، جعلته نصفين.
والحرام: المحرّم، كالكتاب، بمعنى المكتوب والحساب، بمعنى المحسوب، أي: محرّم فيه القتال، أو ممنوع من الظّلم أن يتعرّضوه.
وذكر المسجد دون الكعبة، لأنّ البعيد يكفيه مراعاة الجهة، بخلاف القريب.
والنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان حينئذ في المدينة، بعد أن صلّى إلى بيت المقدس ستّة عشر شهرا. ثمّ وجّه إلى الكعبة، في رجب، بعد الزّوال، قبل قتال بدر، بشهرين، وقد صلّى بأصحابه في مسجد بني سلمة، ركعتين من الظّهر. فتحول في الصّلاة. واستقبل الميزاب. وتبادل الرّجال والنّساء صفوفهم. فسمى المسجد، مسجد القبلتين.
( وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ ) في الأرض، في بر، أو بحر، أو سهل، أو جبل، في بيت المقدس ،
__________________
(١) أ: إلى. ر: يلي.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٢٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٨٨.
(٤) المصدر: شطور.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٢٦.
(٦) المصدر: شطر كلّ شيء.
وفي غيره.
( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) :
تخصيص الخطاب بالنّبيّ، أوّلا، وتعميمه، ثانيا، لتعظيمه ـ عليه السّلام ـ والتّصريح بعموم الحكم.
وفيه تأكيد لأمر القبلة، وتخصيص للامة على المتابعة، وسلوك طريق الاستدراج، رفق بالمأمورين.
[وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: إذا استقبلت القبلة بوجهك، فلا تقلّب وجهك عن القبلة، فتفسد صلاتك. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ في الفريضة:( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وصلّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى البيت المقدّس، بعد النّبوّة، ثلاث عشرة سنة بمكّة وتسعة عشر شهرا بالمدينة. ثمّ عيّرته اليهود.
فقالوا له: إنّك مانع لقبلتنا.
فاغتم لذلك غمّا شديدا. فلمّا كان في بعض اللّيل، يخرج ـ عليه السّلام ـ يقلّب وجهه في آفاق السّماء. فلمّا أصبح صلّى الغداة. فلمّا صلّى من الظّهر، ركعتين، جاء جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له:( قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) . (الآية) ثمّ أخذ بيد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فحوّل وجهه إلى الكعبة. وحوّل من خلفه وجوههم، حتّى قام الرّجال مقام النّساء والنّساء مقام الرّجال. فكان آخر صلاته إلى بيت المقدس(٣) . وبلغ الخبر مسجدا بالمدينة، وقد صلّى أهله من العصر، ركعتين. فحوّلوا نحو القبلة. فكانت آخر صلاتهم إلى بيت المقدس وأوّلها إلى الكعبة(٤) . فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
فقال المسلمون: صلاتنا إلى بيت المقدس تضيع، يا رسول الله؟
فأنزل الله ـ عزّ وجلّ:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) ، يعني: صلاتكم إلى
__________________
(١) الكافي ٣ / ٣٠٠، ح ٦.
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٧٨، ح ٨٤٣.
(٣) المصدر: فكان أول صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة.
(٤) المصدر: فكانت أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة.
بيت المقدس ـ وقد أخرجت الخبر في ذلك على وجهه، في كتاب النّبوّة.
وروى زرارة(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لا صلاة إلّا إلى القبلة.
قال: قلت: أين حدّ القبلة؟
قال: ما بين المشرق والمغرب، قبلة كلّه.
قال: قلت: فمن صلّى لغير القبلة، أو في يوم غيم في غير الوقت؟
قال: يعيد.
قال: في حديث آخر ذكره له(٢) : ثمّ استقبل بوجهك إلى القبلة. ولا تقلّب وجهك عن القبلة. وذكر كما نقلنا عن الكافي](٣)
( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) : علماء اليهود. وقيل: هم والنصارى.(٤) ( لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) ، أي: التّحويل، أو التّوجيه،( الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) . لأنّه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبيّ في صفاته كذا وكذا وكان في صفاته، أنّه يصلي إلى القبلتين.
( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) (١٤٤): وعد للمطيعين ووعيد لغيرهم.
وقرئ بالتاء.
قال ابن عبّاس(٥) : أوّل ما نسخ من القرآن، فيما ذكر لنا، من شأن القبلة.
وقال قتادة(٦) : نسخت هذه الآية ما قبلها.
والأقوى أنّه ممّا نسخ السّنّة بالقرآن. كما قاله جعفر بن مبشر(٧) . لأنّه ليس في القرآن ما يدلّ على التّعبّد بالتّوجّه إلى بيت المقدس.
ومن قال(٨) : إنّها نسخت قوله( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) ففيه أنّ هذه الآية عندنا مخصوصة بالنّوافل في حال السّفر. روى ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام(٩) .
وليست منسوخة.
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) نفس المصدر.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) ر. مجمع البيان ١ / ٢٢٧.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٩) ر: تفسير العياشي ١ / ٥٦ ـ ٥٧، ح ٨٠ ـ ٨٢.
واختلف في صلاة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى بيت المقدس: فقال قوم: كانت صلاته ـ عليه السّلام ـ بمكّة إلى الكعبة. فلمّا هاجر إلى المدينة، أمر بالصّلاة إليه. ثمّ حوّل إلى الكعبة ـ أيضا.
وقال آخرون: كانت صلاته بمكّة ـ أيضا ـ إلى بيت المقدس. إلّا أنّه يجعل الكعبة بينه وبينها. ولا يصلّي في مكان لا يمكن هذا فيه.
وقال آخرون: كان يصلّي بمكّة وبعد قدومه المدينة، إلى بيت المقدس. ولم يكن عليه أن يجعل الكعبة بينه وبينهما، ثمّ أمر بالتّوجّه إلى الكعبة(١) ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ ) : الّلام موطّئة للقسم، أي: والله.
( الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) من علماء اليهود والنّصارى. وقيل(٢) : جميع أهل الكتاب.
( بِكُلِّ آيَةٍ ) برهان وحجّة على أنّ الكعبة قبلة،( ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ) : جواب القسم المضمر. سادّ مسدّ الشّرط. سواء قدّر القسم مقدّما على الشّرط، فتعيّن كون الجواب له. ولا يصحّ جعله جزاء للشّرط أو مؤخّرا عنه فيسوغ الأمران بقرينة ترك الفاء. وهو لازم في الماضي المنفيّ. وفيه من القطع بعدم المتابعة، ما ليس في جعله جزاء للشرط وإن أكّد بالقسم.
والمعنى: ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها(٣) بحجّة. وإنّما خالفوك عنادا.
( وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ) : قطع لطمّعهم. فإنّهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا، لكنّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريرا له وطمعا في رجوعه وقبلتهم وإن تعدّدت، لكنّها تتّحد بالاتصاف بالبطلان ومخالفة الحقّ، أو(٤) الافراد للاشعار بأنّ الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ لو تبع، لا يمكن له المتابعة إلّا لواحد.
( وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) :
فانّ اليهود يستقبل بيت المقدس والنّصارى مطلع الشّمس. لا يرجى توافقهم، لتصلّب كلّ حزب فيما هو. وفيه تسلية للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ بأنّ عنادهم لا يخصّه، وردّ لاعتلالهم، لأنّه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب فيما ورثوه عن أنبياء الله، وأنّ
__________________
(١) ر: الكشاف ١ / ٢٢٠+ مجمع البيان ١ / ٢٢٧ ـ ٢٢٨.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٢٨.
(٣) أ: لشبهته تنزيلها.
(٤) ر: و.
بيت المقدس لم يزل كان قبلة الأنبياء، فهو أولى بأن يكون قبلة، أي: فكما جاز أن يخالف بين جهتيهم للاستصلاح، [جاز أن يخالف بجهة ثالثة في زمان آخر للاستصلاح].(١) ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) على سبيل الفرض والتّقدير.
( إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (١٤٥): أكّد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه، تعظيما للحقّ المعلوم، وتحريضا على اقتفائه، وتحذيرا عن متابعة الهوى، وتأكيدا للاجتناب عنه.
( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) ، يعني: علماءهم.
( يَعْرِفُونَهُ ) :
قيل(٢) : الضّمير لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أو للعلم، أو القرآن، أو التّحويل.
( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) ، أي: يعرفون بأوصافه، كمعرفة أبنائهم. لا يلتبسون عليهم بغيرهم.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن محمّد بن داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. فيه يقول ـ عليه السّلام: فأمّا أصحاب المشئمة، فهم اليهود والنّصارى.
يقول الله ـ عزّ وجلّ:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) . يعرفون محمّدا والولاية في التوراة والإنجيل، كما يعرفونه أبناءهم في منازلهم.( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أنّك الرّسول إليهم.( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنّصارى يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ) ، يعني: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) . لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ [قد](٥) أنزل عليهم في التوراة
__________________
(١) ليس في ر.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ٨٩.
(٣) الكافي ٢ / ٢٨٣، ح ١٦.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٢ ـ ٣٣.
(٥) يوجد في المصدر.
والإنجيل والزّبور، صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصفة أصحابه ومبعثه ومهاجرته(١) .
وهو قوله تعالى(٢) :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) . تراهم ركعا سجّدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. سيماهم في وجوههم من أثر السّجود. ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل» فهذه صفة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في التوراة والإنجيل وصفة أصحابه، فلمّا بعثه الله ـ عزّ وجلّ ـ عرفه أهل الكتاب، كما قال ـ جلّ جلاله(٣) :( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ ) .
( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (١٤٦): تخصيص لمن عاند.
واستثناء لمن آمن.
( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) : كلام مستأنف.
و «الحقّ» إمّا مبتدأ، خبره «من ربّك»، والّلام للعهد، والإشارة إلى ما عليه الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله.
أو «الحقّ» الّذي يكتمونه، أو للجنس، والمعنى: أنّ الحقّ ما ثبت أنّه من الله تعالى، كالّذي أنت عليه، لا ما لم يثبت، كالّذي عليه أهل الكتاب.
وإمّا خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحق ومن ربّك، حال، أو خبر بعد خبر.
وقرئ بالنّصب، على أنّه بدل من الأوّل، أو مفعول يعلمون.
( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (١٤٧)، أي: الشّاكّين في أنّه من ربّك، أو في كتمانهم الحقّ عالمين به.
والمراد إمّا تحقيق الأمر، وأنّه بحيث لا يشك فيه ناظر، أوامر الأمّة باكتساب المعارف المزيحة للشّكّ على الوجه الأبلغ. وإلّا فالشّكّ غير متوقّع من الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله. ولا يكون بقصد واختيار في غيره.
( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ) ، أي: ولكلّ أمّة قبلة، أو لكلّ قوم جهة وجانب من الكعبة.
والتّنوين بدل الإضافة.
( هُوَ مُوَلِّيها ) : أحد المعفولين محذوف، أي: هو مولّيها وجهه، أو الله تعالى مولّيها وجهه.
__________________
(١) المصدر: هجرته.
(٢) الفتح / ٢٩.
(٣) البقرة / ٨٩.
وقرئ «لكلّ وجهة» (بالإضافة).
والمعنى: وكلّ وجهة الله تعالى مولّيها أهلها.
والّلام مزيدة للتّأكيد، جبر الضّعف العامل.
وقرأ ابن عامر «مولّا»، هو مولّا تلك الجهة قد وليها.
( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) من أمر القبلة وغيره، ممّا يوجب السّعادة. وأعظمها الولاية.
بل ينحصر فيها. كما يأتي في الخبر.
( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) ، أي: يجمعكم للحساب، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة، يجعل صلاتكم كأنّها إلى جهة واحدة، أو الخطاب لأصحاب القائم ـ عليه السّلام ـ على ما رواه أبو جعفر محمّد بن بابويه ـ رحمه الله ـ في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى سهل بن زياد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ.
قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى ـ عليهم السّلام. إنّي لأرجو أن تكون(٢) القائم من أهل بيت محمّد الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٣) فقال ـ عليه السّلام ـ يا أبا القاسم ما منّا الا وهو قائم بأمر الله عزّ وجلّ وهاد إلى دين الله. ولكن القائم الذي يطهّر الله ـ عزّ وجلّ ـ به الأرض من اهل الكفر والجحود ويملؤها عدلا وقسطا، هو الّذي تخفى على النّاس ولادته ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته. وهو سمي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وكنيّه. وهو الّذي تطوى له الأرض ويذلّ به كلّ صعب.
يجتمع إليه أصحابه(٤) عدّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض. ذلك(٥) قول الله ـ عزّ وجلّ:( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً. إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص، أظهر الله أمره.
فإن أكمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن الله ـ عزّ وجلّ. فلا يزال يقتل أعداء الله، حتّى يرضى الله تعالى.
قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيّدي! كيف يعلم أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد رضى؟
قال: يلقي في قلبه الرّحمة. فإذا دخل المدينة، أخرج الّلات والعزّى. فأحرقهما.
__________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة ٢ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨، ح ٢.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يكون.
(٣) ر: ظلما وجورا.
(٤) المصدر: ويجتمع إليه من أصحابه. (٥) المصدر: وذلك.
وبإسناده(١) إلى أبي خالد الكابليّ، عن سيّد العابدين، عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام. قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، عدّة أهل بدر.
فيصبحون بمكّة. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) . وهم أصحاب القائم ـ عليه السّلام.
وبإسناده(٢) إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: لقد نزلت هذه الآية، في المفتقدين من أصحاب القائم ـ عليه السّلام ـ قوله ـ عزّ وجلّ:( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) . إنّهم ليفتقدون من(٣) فرشهم(٤) ليلا.
فيصبحون بمكّة. وبعضهم يسير في السّحاب. يعرف اسمه(٥) واسم أبيه وحليته ونسبه.
قال: فقلت: جعلت فداك! أيّهم أعظم إيمانا؟
قال: الّذي يسير في السّحاب نهارا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس(٧) ، عن أبي خالد الكابليّ. قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام. والله لكأنّي أنظر إلى القائم وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد(٨) حقّه.
(إلى أن قال) هو والله المضطرّ في كتاب الله، في قوله:( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ ) . فيكون أوّل من يبايعه جبرئيل، ثمّ الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلا. فمن كان ابتلي بالمسير [وافى. ومن لم يبتل بالمسير](٩) فقد عن فراشه. وهو قول أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: «هم المفقودون عن فرشهم.» وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ:( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) قال: الخيرات: الولاية.
[وفي روضة الكافي(١٠) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر عن أبي خالد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٥٤، ح ٢١.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٦٧٢، ح ٢٤.
(٣) المصدر: عن. وهو الظاهر.
(٤) أ: المفتقدون عن عرشهم.
(٥) المصدر: باسمه. وهو الظاهر.
(٦) تفسير القمي ٢ / ٢٠٥.
(٧) ر: يونس بن مالك.
(٨) المصدر: ينشد الله.
(٩) ليس في ر. (١٠) الكافي ٨ / ٣١٣، ح ٤٨٧.
الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) قال: الخيرات: الولاية. وقوله ـ تبارك وتعالى ـ( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) ، يعني: أصحاب القائم، الثّلاثمائة والبضعة عشر رجلا.
قال: وهم، والله! الأمة المعدودة.
قال: يجتمعون، والله! في ساعة واحدة. قزع كقزع الخريف.
وفي مجمع البيان(١) : قال الرّضا ـ عليه السّلام: وذلك، والله! أن لو قام قائمنا، يجمع الله إليه جميع شيعتنا، من جميع البلدان.
وفي شرح الآيات الباهرة :](٢) وذكر الشّيخ المفيد، في كتاب الغيبة(٣) ، بإسناده، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. أنّه قال: المعنى بهذا الخطاب، أصحاب القائم ـ عليه السّلام.
قال بعد ذكر علامات ظهوره: ثمّ يجمع الله له(٤) أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة رجلا، عدّة أهل بدر. يجمعهم الله له على غير ميعاد. قزعا كقزع الخريف. وهي، يا جابر! الآية الّتي ذكرها الله في كتابه:( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) . [إن الله على كلّ شيء قدير](٥) ».
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١٤٨): فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع.
( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ) للسّفر.
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) إذا صلّيت.
( وَإِنَّهُ ) ، اي: هذا الامر،( لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (١٤٩): وقرأ أبو عمرو بالياء.
( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) :
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٣١.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) بل غيبة النعماني / ٢٨٢ وكذلك عنه في البحار ٥٢ / ٢٣٩، ضمن ح ١٠٥+ تفسير البرهان ١ / ١٦٢، ح ٤. ولم نجده في غيبة المفيد. وقد ورد في البحار ٥١ / ١٣٩، ح ١٣، هكذا: غيبة النعماني: روى الشيخ المفيد في كتاب الغيبة عن
(٤) المصدر: فيجمع الله عليه.
(٥) يوجد في المصدر.
تكرير هذا الحكم، لتعدّد علله. فإنّه ذكر للتّحويل، ثلاث علل: تعظيم الرّسول بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإلهيّة على أن يولّي كلّ صاحب دعوة جهة يستقبلها، ودفع حجج المخالفين. وقرن بكلّ علّة معلولها. كما يقرن المدلول بكلّ واحد من دلائله، تقريرا وللتّأكيد. لأنّ القبلة لها شأن. والنسخ من مظانّ الفتنة.
( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) : علّة لولّوا.
والمعنى: أنّ التّولية عن الصّخرة إلى الكعبة، تدفع احتجاج اليهود بأنّ المنعوت في التوراة، قبلة الكعبة والمشركين بأنّه يدّعي ملّة إبراهيم ويخالف قبلته.
( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : استثناء من «النّاس»، أي: لا يكون لأحد حجّة إلّا للمعاندين.
( مِنْهُمْ ) : فإنّهم يقولون: ما تحوّل إلى الكعبة إلّا ميلا إلى دين قومه وحبّا لبلده.
وبدا له. فرجع إلى قبلة آبائه. ويوشك إلى دينهم أن يرجع. وسمّى هذه حجّة. لأنّهم يسوقونها مساقها. كقوله تعالى(١) :( حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ ) .
قيل(٢) : الحجّة بمعنى الاحتجاج.
وقيل(٣) : الاستثناء للمبالغة في نفي الحجّة، رأسا، كقوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفيهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
للعلم بأنّ الظالم لا حجّة له. وقرئ(٤) : «ألا الّذين ظلموا منهم»، على أنّه استيناف بحرف التّنبيه.
( فَلا تَخْشَوْهُمْ ) فإنّ مطاعنهم لا تضرّكم.
( وَاخْشَوْنِي ) : ولا تخالفوني في ما أمرتكم به.
( وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١٥٠) :
إمّا علّة لمحذوف، أي: أمرتكم لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم، أو معطوف على علّة مقدّرة، أي: اخشوني لأحفظكم عنهم ولأتمّ نعمتي عليكم، أو على لئلّا يكون.
( كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ )
__________________
(١) الشورى / ١٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٠.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
إمّا متّصل بما قبله، أي: ولأتمّ نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة، كما أتممّها بإرسال الرّسل، أو بما بعده، أي: كما ذكرتكم بالإرسال. فاذكروني.
( يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ ) : يحملكم على ما به تصيرون أزكياء.
( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (١٥١) بالفكر والنّظر. ولا طريق له سوى الوحي.
وتكرير الفعل للدّلالة على أنّه جنس آخر.
( فَاذْكُرُونِي ) بالطّاعة.
( أَذْكُرْكُمْ ) بالثّواب.
( وَاشْكُرُوا لِي ) ما أنعمت به عليكم.
( وَلا تَكْفُرُونِ ) (١٥٢) بجحد النّعم وعصيان الأمر.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ، بإسناده إلى أبي الصّباح بن نعيم العابديّ(٢) ، عن محمّد بن مسلم. قال ـ في حديث طويل يقول في آخره: تسبيح فاطمة الزّهراء، من ذكر الله الكثير الّذي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) .
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القسم(٤) بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال ـ في حديث طويل :
الوجه الثّالث من الكفر، كفر النّعم. قال:( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله(٦) ( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) يقول: ذكر الله لأهل الصّلاة، أكبر من ذكرهم إيّاه. ألا ترى أنّه يقول( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) ؟
وفي روضة الكافي(٧) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل.
__________________
(١) معاني الأخبار / ١٩٤، ذيل ح ٥.
(٢) المصدر: العائذيّ.
(٣) الكافي ٢ / ٣٩١، ح ١.
(٤) أور: القاسم.
(٥) تفسير القمي ٢ / ١٥٠.
(٦) العنكبوت / ٤٥.
(٧) الكافي ٨ / ٧، ح ١.
يقول فيه ـ عليه السّلام: والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين. واعلموا أنّ الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين، إلّا ذكره بخير. فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته.
وفي مجمع البيان(١) : وروي عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام. قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الملك ينزل الصّحيفة من أوّل النّهار وأوّل اللّيل. يكتب فيها عمل ابن آدم. فاملوا في أوّلها خيرا وفي آخرها. فإنّ الله يغفر لكم ما بين ذلك ـ إن شاء الله. فإنّه يقول:( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) .
وفي كتاب الخصال(٢) ، فيما أوصى به النّبيّ، عليا ـ عليه السّلام: ثلاث لا تطيقها هذه الأمّة: المواساة للأخ في ماله، وانصاف النّاس من نفسه، وذكره الله على كلّ حال. وليس هو «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر.» ولكن إذا ورد على ما يحرّم الله عليه، خاف الله عنده وتركه.
وعن أبي حمزة الثّماليّ(٣) . قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: بلاء وقضاء ونعمة. فعليه في البلاء من الله الصّبر، فريضة. وعليه في القضاء من الله التّسليم، فريضة. وعليه في النّعمة من الله الشّكر، فريضة.
وعن أبي حمزة الثّماليّ،(٤) عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام: ومن قال الحمد لله، فقد أدّى شكر كلّ نعم الله تعالى.
وفيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه(٥) : اذكروا الله في كلّ مكان. فإنّه معكم.
وعن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث(٦) : وشكر كلّ نعمة، الورع عمّا حرّم الله تعالى.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ) عن المعاصي وحظوظ النّفس.
( وَالصَّلاةِ ) الّتي هي عماد الدّين.
( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (١٥٣) بالنّصرة وإجابة الدّعوة.
وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: ومن
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٣٤.
(٢) الخصال ١ / ١٢٥.
(٣) نفس المصدر ١ / ٨٦، ح ١٧.
(٤) الخصال ١ / ٢٩٩، ح ٧٢.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٦١٣، ضمن ح أربعمائة.
(٦) نفس المصدر ١ / ١٤، ح ٥٠.
(٧) شرح فارسى لمصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ٥٠٢ ـ ٥٠٣.
استقبل البلايا(١) بالرّحب، وصبر على سكينة ووقار، فهو من الخاصّ. ونصيبه ما قال الله ـ عزّ وجلّ:( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الفضيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: قال: يا فضيل! بلّغ من لقيت من موالينا عنّا السّلام. وقل لهم: إنّي أقول إنّي لا أغني عنكم من الله شيئا إلّا بورع. فاحفظوا ألسنتكم. وكفّوا أيديكم. وعليكم بالصّبر والصّلاة.( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) .
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ ) ، أي: هم أموات.
( بَلْ أَحْياءٌ ) ، أي: بل هم أحياء.
( وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) (١٥٤) ما حالهم.
والآية نزلت في شهداء بدر، كانوا أربعة عشر.
وفي مجمع البيان(٣) : بل أحياء. قيل فيه أقوال: الرّابع ـ أنّ المراد، أحياء لما نالوا من جميل الذّكر والثّناء، كما روي عن أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ من قوله: هلك خزّان الأموال. والعلماء باقون ما بقي الدّهر.
أعيانهم مفقودة. وآثارهم في القلوب موجودة.
وفيه(٤) : روى الشّيخ أبو جعفر في كتاب تهذيب الأحكام، مستندا إلى عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن الحسين بن أحمد، عن يونس بن ظبيان. قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ جالسا. فقال: ما يقول النّاس في أرواح المؤمنين؟
قلت: يقولون تكون في حواصل طيور خضر، في قناديل تحت العرش.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: سبحان الله! المؤمن أكرم على الله من(٥) أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر. يا يونس! المؤمن إذا قبضه الله تعالى، صيّر روحه في قالب
__________________
(١) المصدر: البلاء.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٦٨، ح ١٢٣.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٣٦.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٣٦+ تهذيب الأحكام ١ / ٤٦٦، ح ١٧١.
(٥) المصدر: من ذلك.
كقالبه في الدّنيا. فيأكلون ويشربون. فإذا قدم عليهم القادم، عرفوه بتلك الصّورة الّتي كانت في الدّنيا.
وعنه(١) ، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أرواح المؤمنين. فقال: في الجنّة على صور أبدانهم. لو رأيته لقلت فلان.
وفي حديث(٢) : أنّه يفسح له مدّ بصره. ويقال له: نم، نومة العروس.
( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) ، أي: ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم، هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء؟
( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) ، أي: بقليل من ذلك بالقياس إلى ما وقاهم عنه، أو بالنّسبة إلى ما يصيب معانديهم في الآخرة والإخبار به قبل الوقوع للتّوطين.
( وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ) :
عطف على «شيء» أو «الخوف»
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى محمّد بن مسلم. قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ لقيام(٤) القائم ـ عليه السّلام ـ علامات تكون من الله ـ عزّ وجلّ ـ للمؤمنين.
قلت: فما هي؟ جعلني الله فداك.
قال: ذلك قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) ، يعني: المؤمنين قبل خروج القائم ـ عليه السّلام ـ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) .
قال:( لَنَبْلُوَنَّكُمْ ) (٥) ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ) من ملوك بني فلان، في آخر سلطانهم.
«والجوع» بغلاء أسعارهم.( وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ ) قال: كساد(٦) التّجارات وقلّة الفضل.
ونقص من الأنفس قال: موت ذريع. ونقص من الثمرات لقلّة(٧) ريع ما يزرع.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٣٦.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة ٢ / ٦٤٩ ـ ٦٥٠، ح ٠٣
(٤) المصدر: قدّام.
(٥) المصدر: يبلوهم.
(٦) أ: فساد.
(٧) المصدر: قال قلة. (ظ.)
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) عند ذلك بتعجيل خروج القائم ـ عليه السّلام.
[ثمّ](١) قال لي: يا محمّد! هذا تأويله. إنّ الله ـ عزّ وجلّ. ـ يقول(٢) :( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الثّماليّ، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( لَنَبْلُوَنَّكُمْ ) (٤) ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) قال: ذلك جوع خاصّ وجوع عامّ. فأمّا بالشّام، فإنّه عامّ. وأمّا الخاصّ، بالكوفة. يخصّ. ولا يعمّ. ولكنّه يخصّ بالكوفة، أعداء آل محمد ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ فيهلكهم الله بالجوع. وأمّا الخوف فإنّه عامّ بالشّام. وذلك الخوف إذا قام القائم ـ عليه السّلام. وأمّا الجوع فقبل قيام القائم ـ عليه السّلام. وذلك قوله:( لَنَبْلُوَنَّكُمْ ) (٥) ( بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ) وفي كتاب علل الشرائع، بإسناده إلى سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ في كتاب عليّ ـ عليه السّلام ـ إنّ أشدّ النّاس بلاء النّبيّون، ثمّ الوصيّون، ثمّ الأمثل فالأمثل. وإنّما ابتلي(٦) المؤمن على قدر أعماله الحسنة. فمن صحّ دينه وصحّ عمله، اشتدّ بلاؤه. وذلك أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يجعل الدّنيا ثواب المؤمن(٧) ، ولا عقوبة الكافر. ومن سخف دينه وضعف عمله، فقد قلّ بلاؤه. والبلاء أسرع إلى المؤمن المتّقي، من المطر إلى قرار الأرض.
وفي نهج البلاغة(٨) . إنّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السّيّئة، بنقص الثّمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكّر متذكّر ويزدجر مزدجر.
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) (١٥٥)( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) (١٥٦): الخطاب للرّسول، أو لمن يتأتّى منه البشارة.
و «المصيبة» تعمّ ما يصيب الإنسان من مكروه.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) آل عمران / ٧.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٦٨، ح ١٢٥.
(٤ و ٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليبلونّكم الله.
(٦) المصدر: يبتلى. (ظ)
(٧) المصدر: توابا لمولمن.
(٨) نهج البلاغة / ١٩٩.
( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) : «الصّلاة» في الأصل، الدّعاء، ومن الله التّزكية والمغفرة. وجمعها للتّنبيه على كثرتها وتنّوعها.
والمراد بالرّحمة، اللّطف والإحسان.
[( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (١٥٧) للحقّ والصّواب، حيث استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى](١)
وفي كتاب الخصال(٢) ، عن عبد الله بن سنان. قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: قال الله تعالى: «إنّي أعطيت الدّنيا بين عبادي فيضا فمن أقرضني قرضا، أعطيته بكلّ واحدة منها عشرة إلى سبعمائة ضعف وما شئت من ذلك. ومن لم يقرضني منها قرضا، فأخذت(٣) منه قسرا أعطيته.
ثلاث خصال لو أعطيت(٤) واحدة منهنّ ملائكتي، لرضوا: الصّلاة، والهداية، والرّحمة.» إنّ الله تعالى يقول:( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) . واحدة من الثلاث ورحمة اثنتين( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) ثلاث.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا.
وعن أبي عبد الله(٥) ، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أربع خصال من كنّ فيه كان في نور الله الأعظم: من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ )
(الحديث)
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن أبي المفضّل الشيباني(٧) ، عن هارون بن فضل. قال: رأيت أبا الحسن عليّ بن محمّد، في اليوم الّذي توفّى فيه أبو جعفر ـ عليه السّلام. فقال:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) . مضى أبو جعفر ـ عليه السّلام.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الخصال ١ / ١٣٠، ح ١٣٥.
(٣) أ: قد أخذت.
(٤) ر: لو أعطيت منها.
(٥) نفس المصدر: ١ / ٢٢٢، ح ٤٩.
(٦) الكافي ١ / ٣٨١، ح ٥.
(٧) أ: المنشائيّ. المصدر: الشهبانيّ.
فقيل له: وكيف عرفت؟
قال: لأنّه قد دخلني ذلّة(١) لم أكن اعرفها.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: ما من عبد يصاب بمصيبة، فيسترجع عند ذكر المصيبة ويصبر حين تفاجئه إلا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه. وكلّما ذكر مصيبة فاسترجع عند ذكر المصيبة، غفر الله له كلّ ذنب فيما بينهما.
عليّ(٣) ، عن أبيه(٤) ، عن ابن أبي عمير، عن داود بن رزين، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: من ذكر مصيبة ولو بعد حين، فقال:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) .
والحمد لله ربّ العالمين. أللّهمّ أجرني على مصيبتي. وأخلف عليّ أفضل منها» كان له من الأجر، مثل ما كان عند أوّل صدمته.
عليّ بن محمّد عن صالح(٥) بن أبي حمّاد، رفعه. قال: جاء أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ إلى الأشعث بن قيس، يعزّيه بأخ له. فقال له(٦) : إن جزعت فحقّ الرّحم أتيت، وإن صبرت فحقّ الله أديت، على أنّك إن صبرت جرى عليك القضاء، وأنت محمود، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم.
فقال له الأشعث:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) .
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: أتدري ما تأويلها؟
فقال الأشعث: لا. أنت غاية العلم ومنتهاه.
فقال له: أمّا قولك( إِنَّا لِلَّهِ ) فإقرار منك بالملك. وأمّا قولك( وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) فإقرار منك بالهلاك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وسئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام: ما بلغ من حزن يعقوب؟
__________________
(١) المصدر: لأنّه تداخلني ذلة لله.
(٢) الكافي ٣ / ٢٢٤، ح ٥.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٦.
(٤) ليس في أور.
(٥) نفس المصدر ٣ / ٢٦١، ح ٤٠.
(٦) المصدر: يعزّيه بأخ له يقال له عبد الرحمن. فقال له أمير المؤمنين.
(٧) تفسير القمي ١ / ٣٥٠.
قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها.
وقال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع. فمنها قال وا أسفا على يوسف.
وفي نهج البلاغة(١) : وقال ـ عليه السّلام ـ وقد سمع رجلا يقول:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) ـ فقال: انّ قولنا( إِنَّا لِلَّهِ ) ، إقرار على أنفسنا بالملك. وقولنا( وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) ، إقرار على أنفسنا بالهلاك.
وفي مجمع البيان(٢) : وفي الحديث: من استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه.
وقال ـ عليه السّلام(٣) : من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا وإن تقادم(٤) عهدها، كتب الله له من الأجر مثل يوم أصيب.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٥) :](٦) وذكر الشّيخ جمال الدّين ـ قدّس الله روحه ـ في كتاب نهج الحقّ(٧) ، عن ابن مردويه، من طريق العامّة، بإسناده إلى ابن عبّاس. قال: إنّ أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ لـمّا وصل إليه ذكر قتل عمّه حمزة قال:( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) . فنزلت هذه الآية:( بَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) . (الآية) وهو القائل عند تلاوتها:( إِنَّا لِلَّهِ ) إقرار بالملك.( وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) إقرار بالهلاك.
( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ) : علما جبلين بمكّة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٨) ، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سمّي الصّفا صفا، لان المصطفى آدم، هبط عليه. فقطع للجبل اسم
__________________
(١) نهج البلاغة / ٤٨٥، ح ٩٩.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٣٨.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) ر: تقدّم.
(٥) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٨.
(٦) ليس في أ.
(٧) هو أبو منصور جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر الحلي ـ قدس الله روحه ـ الملقب بالعلامة، الذي جمع من العلوم ما تفرق في جميع الناس، وأحاط من الفنون بما لا يحاط بقياس، مروج المذهب والشريعة في المائة السابعة ورئيس العلماء الشيعة من غير مدافعة. صنف في كلّ علم كتبا ومنها «نهج الحق وكشف الصدق.» مرتبا على مسائل في التوحيد والعدل والنبوة والامامة.
(٨) علل الشرائع ١ / ٤٣١ ـ ٤٣٢، ح ١.
من اسم آدم ـ عليه السّلام. يقول الله ـ عزّ وجلّ(١) :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ) . وقد هبطت حوّاء على المروة. وإنّما سمّيت المروة مروة لأنّ المرأة هبطت عليها. فقطع للجبل اسم من اسم المرأة.
( مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) : أعلام مناسكه. جمع شعيرة. وهي العلامة.
( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ) :
«الحجّ» لغة، القصد والاعتمار الزّيارة. فغلبا شرعا على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين.
( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) :
قيل(٢) : كان أساف على الصّفا ونائلة على المروة. وكان أهل الجاهليّة إذا سعوا، مسحوهما. فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام، تحرّج المسلمون أن يطوفوا (بهما)(٣) لذلك.
فنزلت والإجماع على أنّه مشروع في الحجّ والعمرة. والخلاف في وجوبه.
وذهب بعض العامة إلى عدم وجوبه.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) ، روى عن زرارة ومحمّد بن مسلم، أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفر ـ عليه السّلام: ما تقول في الصّلاة في السّفر، كيف هي؟ وكم هي؟
فقال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(٥) :( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) . فصار التّقصير في السّفر، واجبا، كوجوب التّمام في الحضر.
[قالا: قلنا: إنّما قال الله ـ عزّ وجلّ:( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) ولم يقل: «افعلوا» فكيف أوجب(٦) ذلك كما أوجب التّمام في الحضر؟](٧) فقال ـ عليه السّلام: أو ليس قد قال الله ـ عزّ وجلّ ـ في الصّفا والمروة:( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) . ألّا ترون أنّ الطّواف بهما واجب مفروض؟ لأنّ الله ـ عزّ وجلّ. ـ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه ـ عليه السّلام. وكذلك التّقصير في السّفر. شيء صنعه النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وذكره الله ـ تعالى ذكره ـ
__________________
(١) آل عمران / ٣٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٢.
(٣) المصدر: بينهما.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٧٨، ح ١٢٦٦.
(٥) النساء / ١٠١.
(٦) ر: وجب.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
في كتابه.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن معاوية بن حكيم، عن محمّد بن أبي عمير، عن الحسن بن عليّ الصّيرفيّ، عن بعض أصحابنا. قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن السّعي بين الصّفا والمروة، فريضة أم سنّة؟
فقال: فريضة.
قلت: أو ليس قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ؟
قال: كان ذلك في عمرة القضاء. إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصّفا والمروة. فسئل عن رجل(٢) ترك السّعي حتّى انقضت الأيّام وأعيدت الأصنام.
فجاءوا إليه. فقالوا: يا رسول الله! إنّ فلانا لم يسع بين الصّفا والمروة. وقد أعيدت الأصنام. فأنزل الله ـ عزّ وجلّ:( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ، أي: وعليهما الأصنام.
وفي علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ لـمّا خلّف(٤) إسماعيل بمكّة، عطش الصّبيّ. وكان فيما بين الصّفا والمروة، شجرة. فخرجت أمّه حتّى قامت على الصّفا.
فقالت: هل بالوادي من أنيس؟
فلم يجبها أحد. فمضيت حتّى انتهت إلى المروة. فقالت: هل بالوادي من أنيس؟
فلم تجب(٥) . ثمّ رجعت إلى الصّفا. فقالت كذلك. حتّى صنعت ذلك سبعا.
فأجرى الله سنّته(٦) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٧) إلى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: صار السّعي بين الصّفا والمروة، لأنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عرض له إبليس، فأمره جبرئيل
__________________
(١) الكافي ٤ / ٤٣٥، ح ٨.
(٢) المصدر: من الصفا والمروة. فتشاغل رجل. (ظ)
(٣) علل الشرائع ٢ / ٤٣٢، ح ١.
(٤) أ: خلّفت.
(٥) المصدر: فلم يجبها.
(٦) المصدر: ذلك سنّته.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٤٣٢، ح ١.
ـ عليه السّلام. فشدّ عليه. فهرب منه. فجرت به السّنّة، يعني: الهرولة.
وبإسناده(١) إلى حمّاد، عن الحلبيّ. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام: لم جعل السّعي بين الصّفا والمروة؟
قال: لأنّ الشيطان تراءى لإبراهيم ـ عليه السّلام ـ في الوادي. فسعى. وهو منازل الشيطان.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أقام بالمدينة، عشر سنين، لم يحجّ. ثمّ أنزل الله تعالى(٣) عليه:( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) .
فأمر المؤذّنين أن يؤذّنوا بأعلى أصواتهم بأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يحجّ في عامه هذا. فعلم به من حضر في المدينة وأهل العوالي والأعراب. واجتمعوا لحجّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وإنّما كانوا تابعين ينتظرون(٤) ما يؤمرون. ويتبعونه. أو يصنع شيئا، فيصنعونه.
فخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في أربع بقين من ذي القعدة. فلمّا انتهى إلى ذي الحليفة، زالت الشّمس. فاغتسل. ثمّ خرج حتّى أتى المسجد الّذي عند الشجرة. فصلّى فيه الظّهر. وعزم بالحجّ مفردا. وخرج حتّى انتهى إلى البيداء، عند الميل الأوّل. فصفّ له سمطان(٥) . فلبّى بالحجّ مفردا. وساق الهدي ستّا وستّين، أو أربعا وستّين، حتّى انتهى إلى مكّة، في سلخ أربع من ذي الحجّة. فطاف بالبيت سبعة أشواط.
ثمّ صلّى ركعتين، خلف مقام إبراهيم ـ عليه السّلام. ثمّ عاد إلى الحجر. فاستلمه. وقد كان استلمه في أوّل طوافه. ثمّ قال:( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) . فابدأ بما بدأ الله تعالى(٦)
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٤٣٣، ح ٢.
(٢) الكافي ٤ / ٢٤٥، ح ٤.
(٣) الحج / ٢٧.
(٤) المصدر: ينظرون.
(٥) المصدر: سماطان.
(٦) يوجد في أبعد: ثم صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ثم عاد.
وانّ المسلمين كانوا يظنّون [أنّ](١) السّعي بين الصّفا والمروة، شيء صنعه المشركون.
فانزل الله تعالى:( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ. فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال في حديث طويل: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: أبدأ بما بدأ الله تعالى به. فأتى الصفا. فبدأ بها.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إنّ رسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: ابدأ بما بدأ الله.
ثمّ صعد على الصّفا. فقام عليه مقدار ما يقرأ الإنسان(٤) سورة البقرة.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
ابن محبوب(٥) ، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبيد بن زرارة. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل طاف بالبيت أسبوعا طواف الفريضة، ثمّ سعى بين الصّفا والمروة أربعة أشواط ثمّ غمزه بطنه، فخرج، وقضى حاجته، ثمّ غشى أهله.
قال: يغتسل، ثمّ يعود، فيطوف ثلاثة أشواط، ويستغفر ربّه، ولا شيء عليه.
قلت: فإن كان طاف بالبيت طواف الفريضة، فطاف أربعة أشواط، ثمّ غمزه بطنه، فخرج فقضى حاجته، فغشى أهله؟
فقال: أفسد حجّة. وعليه بدنة، ويغتسل، ثمّ يرجع، فيطوف أسبوعا، ثمّ يسعى ويستغفر ربّه.
قلت: كيف لم تجعل عليه حين غشى أهله قبل أن يفرغ من سعيه، كما جعلت عليه هديا حين غشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه؟
قال: إنّ الطّواف فريضة. وفيه صلاة والسّعي سنّة من رسول الله ـ صلّى الله
__________________
(١) المصدر: عن.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢٤٨، ح ٦.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٧.
(٤) ليس في أ.
(٥) نفس المصدر ٤ / ٣٧٩، ح ٧.
عليه وآله.
قلت: أليس الله يقول:( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) ؟
قال: بلى. ولكن قد قال فيهما:( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً. فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ) فلو كان السّعي فريضة، لم يقل( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) .
قوله ـ عليه السّلام: والسعي سنة، أي: ليس وجوبه كوجوب الطّواف، وإن كان هو واجبا من سنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن ابن أبي عمير، عن معاويه بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين فرغ من طوافه وركعتيه قال: ابدأ بما بدأ الله ـ عزّ وجلّ ـ به من إتيان الصّفا. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، رفعه. قال: ليس لله منسك أحبّ إليه من السّعي. وذلك أنّه يذلّ فيه الجبّارين.
أحمد بن محمّد(٣) ، عن التّيمليّ، عن الحسين بن أحمد الحلبيّ، عن أبيه، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: قال: جعل السّعي بين الصّفا والمروة، مذلّة للجبّارين.
( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) ، أي: فعل طاعة فرضا كان أو نفلا.
و «خيرا» نصب على أنّه صفة مصدر محذوف، أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه، أو بتعدية الفعل لتضمّنه معنى أتى.
وقرأ يعقوب والكسائيّ وحمزة «يطّوّع». وأصله يتطوّع. فأدغم مثل يطّوّف.
( فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ ) : مثيب على الطّاعة،( عَلِيمٌ ) (١٥٨): لا تخفى عليه طاعة.
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ) ، كأحبار اليهود ،
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٤٣١، ح ١.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٤٣٤، ح ٤.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٥.
( ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) ، كالآيات الشّاهدة على أمر محمّد ـ عليه السّلام.
( وَالْهُدى ) : وما يهدي إلى وجوب اتّباعه والإيمان به.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى ) في عليّ.
وعن حمران(٢) بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ ) ، يعني بذلك نحن، والله المستعان.
عن بعض أصحابنا(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: قلت له: أخبرني عن قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ ) .
قال: نحن يعني بها. والله المستعان. إنّ الرّجل منّا إذا صارت إليه لم يكن له، أو لم يسعه، إلّا أن يبيّن للنّاس من يكون بعده.
( مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ ) : لخّصناه لهم.
( فِي الْكِتابِ ) : في التوراة.
على ما سبق في الحديث، يشمل القرآن ـ أيضا.
( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) (١٥٩)، أي: الّذين يتأتّى منهم اللّعن عليهم، من الملائكة والثّقلين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) قال :كلّ من قد لعنه الله من الجنّ والإنس، نلعنهم.
وفي كتاب الاحتجاج(٥) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن أبي محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. فيه: قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام: من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدّجى؟
قال: العلماء، إذا صلحوا.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٧١، ح ١٣٦.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٣٧.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٣٩.
(٤) تفسير القمي ١ / ٦٤.
(٥) الاحتجاج ٢ / ٢٦٤.
قيل: فمن شرّ خلق الله بعد إبليس وفرعون وثمود وبعد المتسمّين بأسمائكم وبعد المتلقّبين بألقابكم والآخذين لأمكنتكم والمتآمرين(١) في ممالككم.
قال: العماء، إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل الكاتمون للحقائق. وفيهم قال الله ـ عزّ وجلّ:( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) . (الآية)
وفي مجمع البيان(٢) : وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن عبد الله بن بكير، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله( أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) قال: نحن هم. وقد قالوا(٤) هو امّ الأرض](٥)
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه،( وَأَصْلَحُوا ) ما أفسدوا بالتّدارك،( وَبَيَّنُوا ) ما بيّنه الله في كتابهم، لتتمّ توبتهم.
وقيل(٦) : ما أحدثوه من التّوبة ليمحو به سمة الكفر، عن أنفسهم، ويقتدي بهم أضرابهم،( فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) بالقبول والمغفرة.
( وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١٦٠): المبالغ في قبول التّوبة وإفاضة الرّحمة.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) ، أي: ومن لم يتب من الكاتمين حتّى مات،( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١٦١)، يعني: استقرّ عليهم لعنة الله ولعنة من يعتدّ بلعنه من خلقه.
وقيل(٧) : الأوّل لعنهم أحياء، والثّاني لعنهم أمواتا.
__________________
(١) أ: المتأخرين.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٤١.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٧٢، ح ١٤١.
(٤) قيل في هامش المصدر: وقال المجلسي ـ ره ـ (البحار ١ / ٨٩): ضمير «هم» راجع إلى «اللاعنين». قوله: «وقد قالوا»، إمّا كلامه ـ عليه السّلام. فضمير الجمع راجع إلى العامّة، أو كلام المؤلف، أو الرواة. فيحتمل إرجاعه إلى أهل بيت ـ عليهم السّلام ـ أيضا.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٩٢.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٩٢ ـ ٩٣.
وقرئ(١) برفع الملائكة والنّاس وأجمعون، عطفا على محلّ اسم «الله». لأنّه فاعل في المعنى، كقولك: اعجبني ضرب زيد وعمرو، أو فاعلا لفعل مقدّر، أي: ويلعنهم الملائكة.
( خالِدِينَ فِيها ) : أي: في اللّعنة، أو النّار. وإضمارها قبل الذّكر، تفخيما لشأنها وتهويلا، أو اكتفاء بدلالة اللّعن عليها.
( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) (١٦٢): أي: لا يمهلون، أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة.
وفي الآية، دلالة على كفر من كتم ما أنزل في عليّ ـ عليه السّلام ـ بناء على ما سبق من الخبر.
( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) :
خطاب عامّ، اي: المستحقّ للعبادة منكم، واحد لا شريك له. يصحّ أن يعبد ويسمّى إلها.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ، تقرير للواحدانيّة. وإزاحة لأن يتوهّم أنّ في الوجود إلها ولكنّه لا يستحقّ العبادة منهم.
( الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) (١٦٣) كالحجّة عليها. فإنّه لـمّا كان مولى النّعم كلّها، أصولها وفروعها وما بسواه، إمّا نعمة، أو منعم عليه، لم يستحقّ العبادة أحد غيره. وهما خبران آخران لقوله «إلهكم» أو لمبتدأ محذوف.
قيل(٢) : لـمّا سمعه المشركون، تعجّبوا. وقالوا: إن كنت صادقا، فأت بآية نعرف بها صدقك. فنزلت.
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) :
وإنّما جمع السّموات وأفرد الأرض، لأنّها طبقات متفاصلة بالذّات، مختلفة بالحقيقة، بخلاف الأرضين.
( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) : تعاقبهما، كقوله(٣) : جعل( اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً )
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٣.
(٣) الفرقان / ٦٢.
( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ ) ، أي: ينفعهم، أو بالّذي ينفعهم.
والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذّكر، لأنّه سبب الخوض فيه والاطّلاع على عجائبه. ولذلك قدّمه على ذكر المطر والسّحاب. لأن منشأهما البحر، في غالب الأمر. وتأنيث الفلك، لأنّه بمعنى السّفينة.
وقرئ بضمّتين، على الأصل، أو الجمع. وضمّة الجمع، غير ضمّة الواحد، عند المحققين.
( وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ ) :
من الأولى، للابتداء. والثّانية، للبيان.
و «السّماء» يحتمل الفلك والسّحاب وجهة العلو.
( فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) بالنبات.
( وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ) عطف على «أنزل». كأنّه استدلّ بنزول المطر وتكوّن النّبات به وبثّ الحيوانات في الأرض، أو على أحياء. فإنّ الدّوابّ ينمون بالخصب ويعيشون بالماء.
و «البثّ»: النّشر والتّفريق.
( وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ) في مهابّها وأحوالها.
وقرأ حمزة والكسائيّ على الإفراد.
( وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) : لا ينزل ولا يتقشّع، مع أنّ الطّبع يقتضي أحدهما حتّى يأتي أمر الله.
وقيل(١) : المسخّر(٢) للرّياح تقلّبه في الجوّ، بمشيئة الله تعالى. واشتقاقه من السّحب.
لأنّ بعضه يجرّ بعضا.
( لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١٦٤)، يتفكّرون فيها. وينظرون إليها، بعيون عقولهم.
والكلام المجمل، في الاستدلال بهذه الأمور، إنّها ممكنة وجد كلّ منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة، إذ كان من الجائز، مثلا: أن لا تتحرّك السّموات، أو بعضها كالأرض، وأن تتحرّك بعكس حركتها، وبحيث تصير المنطقة دائرة مارّة بالقطبين، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلا، أو على هذا الوجه لبساطتها
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٩٣.
(٢) المصدر: مسخّر.
وتساوى أجزائها، فلا بدّ لها من موجد قادر حكيم، يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته، متعاليا عن معارضة غيره، إذ لو(١) كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه، فإن توافقت إرادتهما، فالفعل إن كان لهما، لزم اجتماع المؤثّرين على أثر واحد، وإن كان لأحدهما، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجّح وعجز الآخر المنافي للإلهيّة، وإن اختلفت، لزم التّمانع والتّطارد، كما أشار إليه بقوله(٢) :( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) .
وفي أصول الكافي(٣) : بعض أصحابنا، رفعه عمّن رفعه، عن هشام بن الحكم.
قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر ـ عليه السّلام: يا هشام! إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أكمل للنّاس الحجج بالعقول، ونصر النبيّين بالبيان، ودلّهم على ربوبيّته بالأدلة. فقال:( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
وفي كتاب الإهليلجة(٤) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: ثمّ نظرت العين إلى العظيم مثل السّحاب المسخّر بين السّماء والأرض والجبال. يتخلّل الشّجر فلا يحرّك منها شيئا ولا يقصّر منها غصنا ولا يتعلّق منها يعترض الرّكبان فيحول بين بعضهم وبين بعض من ظلمته وكثافته يحمل من ثقل الماء وكثرته ما لا يقدر على صفته مع ما فيه من الصّواعق الصّارعة والبروق اللّامعة والرّعد والثّلج والبرد(٥) ما لا يبلغ الأوهام نعته ولا تهتدي القلوب إليه. فخرج مستقّلا في الهواء يجتمع بعد تفرّقه وينفجر بعد تمسّكه ـ إلى ان قال عليه السّلام ـ ولو أنّ ذلك السّحاب والثّقل من الماء هو الّذي يرسل نفسه بعد احتماله، لما مضى به ألف فرسخ وأكثر وأقرب من ذلك وأبعد ليرسله قطرة بعد قطرة بلا هزّة ولا فساد ولا ضار به إلى بلدة وترك أخرى.
وفي عيون الأخبار(٦) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. يقول فيه: إنّي لـمّا نظرت إلى جسدي، فلم يمكنني فيه زيادة ولا نقصان في العرض أو الطّول ودفع
__________________
(١) ليس في ر.
(٢) الأنبياء / ٢٢.
(٣) الكافي ١ / ١٣، ح ١٢.
(٤) بحار الأنوار ٣ / ١٦٤، مع اختلاف في النقل.
(٥) المصدر: البرد والجليد.
(٦) عيون الاخبار ١ / ١٠٨، ح ٢٨.
المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا. فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وإنشاء السّحاب وتصريف الرّياح ومجرى الشّمس والقمر والنّجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا ومنشئا.
وفي كتاب التوحيد(١) : قال هشام فكان من سؤال الزّنديق أن قال: فما الدّليل عليه؟
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: وجود الأفاعيل التي(٢) دلّت على أنّ صانعا صنعها.
ألا ترى انّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد(٣) علمت أنّ له بانيا؟ وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده.
وفي اصول الكافي، مثله، سواء(٤) .
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً ) من الرّؤساء الّذين كانوا يطيعونهم، أو الأعمّ منهم، ومن كلّ ما يتّخذونهم أندادا.
( يُحِبُّونَهُمْ ) : يعظّمونهم. ويطيعونهم.
( كَحُبِّ اللهِ ) : كتعظيمه(٥) والميل إلى طاعته.
أي: يسوّون بينه وبينهم في المحبّة والطّاعة، أو يحبّونهم كما ينبغي أن يحبّ الله، من المصدر المبنيّ للمفعول. وأصله من الحبّ. استعير لحبّة القلب. ثمّ اشتقّ منه الحبّ.
لأنّه أصابها ورسخ فيها.
ومحبّة العبد لله، إرادة طاعته والاعتناء بتحصيل مرضاته. ومحبّته للعبد، إرادة إكرامه واستعماله وصونه عن المعاصي.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) : لأنّه لا تنقطع محبّتهم لله بخلاف محبّة الأنداد. فإنّها لأغراض فاسدة موهومة، تزول بأدنى سبب.
( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : ولو يعلم هؤلاء الّذين ظلموا باتّخاذهم الأنداد،( إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ) : إذا عاينوه يوم القيامة.
وأجرى المستقبل مجرى الماضي، لتحقّقه، كقوله(٦) : ونادى أصحاب الجنّة.
( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) :
__________________
(١) التوحيد / ٢٤٤.
(٢) ليس في الكافي.
(٣) المصدر: مشيّد مبنيّ.
(٤) الكافي ١ / ٨١، ح ٥.
(٥) أ: لتعظيمه.
(٦) الأعراف / ٤٤.
سادّ مسدّ مفعولي «يرى» وجواب «لو» محذوف، أي: لندموا أشدّ النّدم.
وقيل(١) : هو متعلّق الجواب. والمفعولان محذوفان. والتقدير: «ولو يرى الّذين ظلموا أندادهم لا تنفع، لعلموا أنّ القوّة لله كلّها. لا ينفع ولا يضرّ غيره.» وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب(٢) : «ولو ترى» على أنّه خطاب للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما.
وابن عامر(٣) : «إذ يُرون» على البناء للمفعول.
ويعقوب(٤) : «إنّ» (بالكسر) وكذا.
( وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ) (١٦٥) :
على الاستئناف، أو إضمار القول.
( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) :
بدل من «إذ يرون»، أي: إذ تبرّأ المتّبعون، من الأتباع. وقرئ بالعكس، أي: تبرّأ الاتباع من الرّؤساء.
( وَرَأَوُا الْعَذابَ ) ، أي: رائين له.
والواو للحال. وقد مضمرة. وقيل: عطف على تبرّأ.
( وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ) (١٦٦) :
يحتمل العطف على «تبرّأ» و «رأوا» و «الحال» و «الأسباب» الوصل الّتي كانت بينهم من الاتّباع والاتّفاق، على الدين والأغراض الدّاعية إلى ذلك.
وأصل السّبب، الحبل الّذي يرتقى به الشّجر.
وقرئ «تقطّعت»، على البناء للمفعول.
( وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا ) :
«لو» للتّمنّي. ولذلك أجيب بالفاء، أي: ليت لنا كرّة إلى الدّنيا، فنتبرّأ منهم.
( كَذلِكَ ) : مثل ذلك الأداء الفظيع،( يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) ندمات.
وهي ثالث مفاعيل يرى، إن كان من رؤية القلب. وإلّا فحال.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٩٤.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
( وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) (١٦٧) :
أصله «وما يخرجون». فعدل به إلى هذه العبارة، للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرّجوع إلى الدّنيا.
وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه(١) ـ بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من بطنان العرش: أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود(٢) ـ عليه السّلام. فيأتي النّداء من عند الله ـ عزّ وجلّ: لسنا إيّاك أردنا. وإن كنت لله خليفة.
ثمّ ينادى ثانية(٣) : أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام. فيأتي النّداء من قبل الله ـ عزّ وجلّ: يا معشر الخلائق! هذا عليّ بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجّته على عباده. فمن تعلّق بحبله في دار الدّنيا، فليتعلّق بحبله في هذا اليوم يستضيء(٤) بنوره ويتبعه(٥) إلى الدّرجات العلى من الجنّات.
قال: فيقوم النّاس(٦) الّذين قد تعلّقوا بحبله في الدّنيا. فيتّبعونه إلى الجنّة.
ثمّ يأتي النّداء من عند الله ـ جلّ جلاله: ألا من أئتمّ(٧) بإمام في دار الدّنيا، فليتّبعه إلى حيث يذهب(٨) .
فحينئذ يتبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا. ورأوا العذاب. وتقطّعت بهم الأسباب. وقال الّذين اتّبعوا: لو أنّ لنا كرّة فنتبرأ منهم كما تبرّؤوا منّا. كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم. وما هم بخارجين من النّار.
وفي أصول الكافي(٩) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن ثابت، عن جابر، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ ) .
قال: [هم](١٠) والله أولياء فلان وفلان. اتخذوهم أئمّة من دون الإمام الّذي جعله
__________________
(١) أمالي الشيخ الطوسي ١ / ٦١ و ٩٧.
(٢) المصدر: داود النبيّ ـ عليه السّلام.
(٣) المصدر: مناد ثانية.
(٤) أو المصدر: ليستضيء.
(٥) المصدر: ليتبعه.
(٦) المصدر: أناس.
(٧) المصدر: ائتمّ.
(٨) المصدر: يذهب به.
(٩) الكافي ١ / ٣٧٤، ح ١١.
(١٠) يوجد في المصدر.
الله للنّاس إماما. ولذلك قال:( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا. كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) .
ثمّ قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: هم، والله، يا جابر! أئمّة الضّلال وأشياعهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ في قوله( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْداداً. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ. وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) ، قال: هم آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله.
وعن منصور بن حازم(٢) . قال قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام:( وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ؟
قال: أعداء عليّ ـ عليه السّلام. هم المخلّدون في النّار، أبد الآبدين ودهر الدّاهرين.
وفي الكافي(٣) : أحمد بن أبي عبد الله عن عثمان بن عيسى، عمّن حدثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) قال: هو الرّجل يدع ماله لا ينفعه(٤) في طاعة الله، بخلا. ثمّ يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله، أو معصية الله. فإن عمل به في طاعة الله، رآه في ميزان غيره. فرآه حسرة، وقد كان المال له. وإن عمل به في معصية الله، قوّاه بذلك المال، حتّى عمل به في معصية الله.
وفي نهج البلاغة(٥) : وقال ـ عليه السّلام: إنّ أعظم الحسرات يوم القيامة، حسرة رجل كسب مالا في غير طاعة الله. فورثه رجلا(٦) . فأنفقه في طاعة الله سبحانه. فدخل به الجنّة. ودخل به الأوّل النّار.
وفي مجمع البيان(٧) :( أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) فيه أقوال: (إلى قوله) والثّالث
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٧٢، ح ١٤٣.
(٢) نفس المصدر / ٧٣، ح ١٤٥.
(٣) الكافي ٤ / ٤٢، ح ٢.
(٤) المصدر: ينفقه. (ظ)
(٥) نهج البلاغة ٥٥٢، حكمة ٤٢٩.
(٦) المصدر: رجل.
(٧) مجمع البيان ١ / ٢٥١.
ما رواه أصحابنا عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: هو الرّجل يكسب(١) المال.
ولا يعمل فيه(٢) خيرا. فيرثه من يعمل فيه عملا صالحا. فيرى الأوّل ما كسبه، حسرة في ميزان غيره.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً ) :
نزلت في قوم، حرّموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس(٣) .
و «حلالا»، مفعول «كلوا»، أو صفته مصدر محذوف، أو حال من( مِمَّا فِي الْأَرْضِ ) .
و «من» للتّبعيض، إذ لا يؤكل كلّ ما في الأرض.
( طَيِّباً ) : يستطيبه الشّرع، أو الشّهوة المستقيمة، أي: لا تأكلوا على امتلاء المعدة والشّهوة الكاذبة.
( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) : لا تقتدوا به في اتّباع الهوى، فتحرّموا الحلال وتحللوا الحرام.
[وفي مجمع البيان(٤) :](٥) وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام: أنّ من خطوات الشّيطان، الحلف بالطّلاق، والنّذور في المعاصي، وكلّ يمين بغير الله تعالى.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول:( لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) قال: يحلّ(٧) يمين بغير(٨) الله، فهي من خطوات الشّيطان.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة، بتسكين الطّاء. وهما لغتان في جمع خطوة. وهي ما بين قدمي الخاطي.
وقرئ بضمّتين وهمزة، جعلت ضمّة الطّاء، كأنّها عليها. وبفتحتين على أنّه جمع خطوة. وهي المرة من الخطو.
( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (١٦٨): ظاهر العداوة، عند ذوي البصيرة، وإن كان
__________________
(١) المصدر: يكتسب.
(٢) أ: به.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٥٢.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٥٢.
(٥) ليس في أ.
(٦) تفسير العيّاشيّ ١ / ٧٤، ح ١٥٠.
(٧) ليس في أ.
(٨) أ: غير.
يظهر الموالاة لمن يغويه. ولذلك سمّاه وليّا في قوله(١) :( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) .
( إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ) :
بيان لعداوته ووجوب التّحرّز عن متابعته. واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشّرّ، تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم.
و «السّوء» و «الفحشاء» ما أنكره العقل واستقبحه الشّرع. والعطف لاختلاف الوصفين. فإنّه سوء لاغتمام العاقل به وفحشاء باستقباحه إيّاه.
وقيل(٢) : «السوء» يعمّ القبائح، و «الفحشاء» ما تجاوز الحدّ في القبح من الكبائر.
وقيل(٣) : الأوّل ما لا حدّ فيه. والثّاني ما شرّع فيه الحدّ.
( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (١٦٩)، كاتّخاذ الأنداد وتحليل المحرّمات وتحريم المحلّلات.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ ) :
الضّمير للنّاس. وعدل عن الخطاب معهم للنّداء على ضلالتهم. كأنّه التفت إلى العقلاء. وقال لهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ما ذا يجيبون.
( قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا ) : وجدنا،( عَلَيْهِ آباءَنا ) :
نزلت في المشركين. أمروا باتّباع القرآن وسائر ما أنزل الله من الحجج والآيات فجنحوا إلى التّقليد.
وقيل(٤) : في طائفة من اليهود. دعاهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الإسلام. فقالوا ذلك. وقالوا: إنّ آباءنا كانوا خيرا منّا.
( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (١٧٠) :
الواو للحال، أو العطف. والهمزة للرّدّ والتّعجيب. وجواب «لو» محذوف، أي :لو كان آباؤهم جهلة لاتّبعوهم.
( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ) على حذف مضاف. تقديره: ومثل داعي الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق، أو مثل الّذين كفروا ،
__________________
(١) البقرة / ٢٥٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٥.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٥٣+ أنوار التنزيل ١ / ٩٥.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٩٥.
كمثل بهائم الّذي ينعق.
والمعنى: أنّ مثل الّذين كفروا في دعائك إيّاهم، أي: مثل الدّاعي لهم إلى الإيمان، كمثل النّاعق في دعائه المنعوق به من البهائم الّتي لا تفهم. وإنّما تسمع الصّوت.
وكما أنّ الأنعام لا يحصل لها من دعاء الدّاعي إلّا السّماع دون تفهّم المعنى، فكذلك الكفّار لا يحصل لهم من دعائك إيّاهم إلى الإيمان إلّا السّماع دون تفهّم المعنى. لأنّهم يعرضون عن قبول قولك. وينصرفون عن تأمّله. فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه. وهذا كما تقول العرب فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى كخوفه من الأسد. وأضاف الخوف إلى الأسد، وهو في المعنى مضاف إلى الرّجل.
قال(١) :
فلست مسلّما ما دمت حيّا |
على زيد بتسليم الأمير |
يراد بتسليمي على الأمير.
قيل(٢) : هو تمثيلهم في اتّباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصّوت ولا تفهم ما تحته، أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالنّاعق في نعقه وهو التّصويت على البهائم.
والأوّل ـ هو المرويّ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ على ما في مجمع البيان(٣) .
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) : رفع على الذّمّ.
( فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١٧١)، أي: بالفعل للإخلال بالنّظر.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) لـمّا وسع الأمر على النّاس كافّة وأباح لهم ما في الأرض، سوى ما حرّم عليهم أمير المؤمنين منهم أن يتحرّوا طيّبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها. فقال :( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ) على ما رزقكم وحلّل(٤) لكم،( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) (١٧٢)، إن صحّ أنّكم تخصّونه بالعبادة وتقرّون أنّه مولى النّعم. فإنّ عبادته لا تتمّ إلّا بالشّكر. فالمعلّق بفعل العبادة، هو الأمر بالشّكر، لإتمامه. وهو عدم عند عدمه.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٥٥.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) أ: أحلّ.
وعن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله(١) : يقول الله تعالى: أنّي والإنس والجنّ في نبأ عظيم، أخلق. ويعبد غيري وأرزق. ويشكر غيري.
( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ) أكلها والانتفاع بها. وهي الّتي ماتت من غير ذكاة.
والحرمة المضافة إلى العين، تفيد عرفا حرمة التّصرّف فيها مطلقا، إلّا ما استثني، كما سيجيء.
( وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ) :
إنّما خصّ اللّحم بالذّكر، لأنّه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتّابع له.
( وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ) ، أي: رفع به الصّوت عند ذبحه للصّنم.
والإهلال، أصله، رؤية الهلال. لكن لما جرت العادة أن يرفع الصّوت بالتّكبير، إذ رئي، سمّي ذلك إهلالا. ثمّ قيل لرفع الصّوت، وإن كان لغيره.
وفي كتاب عيون أخبار الرّضا ـ عليه السّلام(٢) ـ في باب ذكر ما كتب به الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله من العلل: وحرّم الميتة لما فيها من فساد الأبدان والآفة. ولمّا أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يجعل سبب التّحليل(٣) وفرقا بين الحلال والحرام.
وحرّم الله الدّم، كتحريم الميتة، لما فيه من فساد الأبدان. ولأنّه يورث الماء الأصفر ويبخر الفم وينتن الرّيح ويسيء الخلق ويورث القسوة للقلب وقلّة الرّأفة والرّحمة، حتّى لا يؤمن أن يقتل ولده ووالده وصاحبه.
وحرّم الخنزير لأنّه مشوّه جعله الله تعالى عظة للخلق وغيره وتخويفا ودليلا على ما مسخ على(٤) خلقته لأنّ غذاءه أقذر الأقذار، مع علل كثيرة. وكذلك حرّم القرد(٥) . لأنّه مسخ مثل الخنزير. وجعل عظة وعبرة للخلق، دليلا على ما مسخ على خلقته وصورته.
وجعل فيه شبها من الإنسان ليدلّ على أنّه من الخلق المغضوب عليه.
وحرّم ما أهل به لغير الله للّذي أوجب الله ـ عزّ وجلّ ـ على خلقه من الإقرار به
__________________
(١) الكشّاف ١ / ٢١٤+ أنوار التنزيل ١ / ٩٦.
(٢) عيون أخبار الرضا ٢ / ٩١ ـ ٩٢، ح ١.
(٣) المصدر: سببا للتحليل. (ظ)
(٤) ر: من.
(٥) النسخ: القردة.
وذكر اسمه على الذّبائح المحلّلة. ولئلا يسوّي(١) بين ما تقرب به إليه وبين ما جعل عبادة للشّياطين والأوثان. لأنّ في تسمية الله ـ عزّ وجلّ ـ الإقرار بربوبيّته وتوحيده. وما في الإهلال لغير الله من الشّرك(٢) والتّقرّب به إلى غيره، ليكون ذكر الله تعالى وتسميته على الذّبيحة فرقا بين ما أحلّ الله وبين ما حرّم الله.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده الى محمّد بن عذافر، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له لم حرّم الله ـ عزّ وجلّ ـ الخمر والميتة والدّم ولحم الخنزير؟
فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سوى ذلك من رغبة فيما أحلّ لهم ولا زهد فيما حرّم(٤) عليهم. ولكنّه ـ عزّ وجلّ ـ خلق الخلق، فعلم ما تقوم(٥) به أبدانهم وما يصلحهم. فأحلّه لهم. وأباحه. وعلم ما يضرّهم. فنهاهم عنه.
وحرّمه عليهم. ثمّ أحلّه للمضطرّ في الوقت الّذي لا يقوّم بدنه إلّا به. فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك. ثمّ قال: أمّا الميتة فإنّه لم ينل أحد منها إلّا أضعف(٦) بدنه(٧) وأوهنت قوّته وانقطع نسله. ولا يموت آكل الميتة إلّا فجأة.
وأمّا الدم، فإنه يورث اكله الماء الأصفر. ويورث الكلب وقساوة القلب وقلّة الرّأفة والرّحمة، حتّى لا يؤمن على حميمه. ولا يؤمن على من صحبه.
وأمّا الخنزير، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ مسخ قوما في صور شتّى، مثل الخنزير والقرد والدّبّ. ثمّ نهى عن أكل المثلة لكي ما ينتفع بها ولا يستحفّ بعقوبته.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الخصال(٨) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: عشرة أشياء من الميتة: ذكيّة العظم والشّعر والصّوف والرّيش والقرن والحافر والبيض والإنفحة واللّبن والسّنّ.
وفي الكافي(٩) : محمّد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن
__________________
(١) المصدر: يساري.
(٢) المصدر: من الشرك به.
(٣) علل الشرائع ٢ / ٤٨٤، ح ١.
(٤) المصدر: حرّمه.
(٥) المصدر: يقوّم. (ظ)
(٦) المصدر: لضعف.
(٧) المصدر: أو.
(٨) الخصال ٢ / ٤٣٤، ح ١٩.
(٩) الكافي ٦ / ٢٥٩، ح ٧.
عاصم بن حميد، عن عليّ بن المغيرة(١) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: جعلت فداك، الميتة ينتفع بشيء منها؟
قال(٢) : لا.
قلت: بلغنا أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مرّ بشاة ميتة، فقال: ما كان على أهل هذه الشّاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها.
[قال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة، زوجة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله.
وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها. فتركوها، ماتت. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ما كان على أهلها إذ لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها].(٣) ، أي: تذكى(٤) .
( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) :
قيل(٥) : «الباغي»: المستأثر على مضطرّ آخر. و «العادي»: المتجاوز سدّ الرّمق.
وفي كتاب معاني الأخبار(٦) ، بإسناده إلى البزنطيّ عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) قال: الباغي الّذي يخرج على الإمام العادل. والعادي الّذي يقطع الطّريق لا تحلّ لهما الميتة.
وفي الكافي(٧) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) قال: الباغي، باغي الصّيد. والعادي، السّارق. ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها. هي حرام عليهما. ليس هي عليهما كما هي على المسلمين.
وفي من لا يحضره الفقيه(٨) : روى عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الرّضا ـ عليه السّلام. قال: قلت يا بن رسول الله! فما معنى قوله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) ؟ قال: العادي، السّارق. والباغي، الّذي يبغي الصّيد بطرا ولهوا. لا ليعود به على عياله.
__________________
(١) أ: أبي المغيرة.
(٢) المصدر: فقال.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) النسخ: تزكّى.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٩٦.
(٦) معاني الأخبار / ٢١٣، ح ١.
(٧) الكافي ٣ / ٤٣٨، ح ٧، وله تتمة.
(٨) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢١٧، ح ١٠٠٧.
ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا. هي حرام عليهما في حال الاضطرار. كما هي حرام عليهما في حال الاختيار.
وبالاضطرار يحلّ عموم المحرّمات، يدلّ عليه ما رواه.
في الكافي(١) : عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الرّجل والمرأة يذهب بصره، فيأتيه الأطبّاء، فيقولون: نداويك شهرا، أو أربعين ليلة مستقليا. كذلك يصلّي.
فرخّص في ذلك. وقال:( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وفي رواية محمّد بن عمرو بن سعيد، رفعه، عن امرأة أتت عمر. فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّى فجرت. فأقم عليّ(٣) حدّ الله ـ عزّ وجلّ.
فأمر برجمها. وكان [عليّ](٤) أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حاضرا. فقال: سلها كيف فجرت؟
فسألها. فقالت: كنت في فلاة من الأرض. فأصابني عطش شديد. فرفعت لي خيمة. فأتيتها. فأصبت فيها رجلا أعرابيّا فسألته ماء. فأبى عليّ أن يسقيني إلّا أكون(٥) أن أمكّنه من نفسي. فولّيت منه(٦) هاربة. فاشتدّ بي العطش، حتّى غارت عيناي وذهب لساني. فلمّا بلغ منّي العطش، أتيته فسقاني ووقع عليّ.
فقال عليّ ـ عليه السّلام: هي الّتي قال الله ـ عزّ وجلّ:( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) . هذه غير باغية ولا عادية. فخلّى سبيلها.
فقال عمر: لولا عليّ لهلك عمر.
ويجب تناول المحرّم، عند الاضطرار.
قال الصّادق ـ عليه السّلام(٧) : من اضطرّ إلى الميتة والدّم ولحم الخنزير، فلم يأكل من ذلك حتّى يموت، فهو كافر.
( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) في تناوله.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لما فعل ،
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤١٠، ح ٤.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٥، ح ٦٠.
(٣) المصدر: فيّ.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) ليس في المصدر. وعدم وجودها أبلغ.
(٦) المصدر: عنه. (ظ)
(٧) نفس المصدر ٣ / ٢١٨، ح ١٠٠٨.
( رَحِيمٌ ) (١٧٣)، بالرّخصة فيه.
فإن قلت: إنّما يفيد القصر على ما ذكر، وكم من محرّم لم يذكر.
قلت: المراد، قصر الحرمة على ما ذكر ممّا استحلّوه، لا مطلقا، أو قصر حرمته على حال الاختيار. كأنّه قيل: إنّما حرّم عليكم هذه الأشياء، ما لم تضطرّوا إليها.
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) : عوضا حقيرا،( أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ) : إمّا في الحال، لأنّه أكلوا ما يتسبّب إلى النّار. أو في المآل، أي: يوم القيامة.
ومعنى «في بطونهم» ملئ بطونهم. يقال: أكل في بطنه، وأكل في بعض بطنه.
( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : عبارة عن غضبه عليهم.
( وَلا يُزَكِّيهِمْ ) : ولا يثني عليهم.
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) . (١٧٤)( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ) في الدّنيا.
( وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ ) في الآخرة، بكتمان الحقّ.
( فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) (١٧٥) :
تعجّب من حالهم، في الالتباس بموجبات النّار، من غير مبالاة.
و «ما» تامّة مرفوعة بالابتداء. وتخصيصها كتخصيص شرّ أهرّ ذا ناب، أو استفهاميّة وما بعدها الخبر، أو موصولة وما بعدها صلة. والخبر محذوف.
وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) فقال: ما أصبرهم على فعل ما يعملون أنّه يصيّرهم إلى النّار.
وفي مجمع البيان(٢) : قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) ، فيه أقوال: أحدها ـ أنّ معناه ما أجرأهم على النّار، رواه عليّ بن إبراهيم بإسناده، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٢٦٨، ح ٢.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٥٩.
والثّاني ـ ما أعملهم بأعمال أهل النّار. وهو المرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
( ذلِكَ ) ، أي: العذاب،( بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ ) ، أي: بسبب أنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، فرفضوه بالكتمان والتّكذيب.
( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ ) :
الّلام فيه إمّا للجنس واختلافهم إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض آخر، أو للعهد.
والإشارة، إمّا إلى التوراة، و «اختلفوا» بمعنى تخلّفوا. عن المنهج المستقيم، في تأويلها، أو خلّفوا خلاف ما أنزل الله مكانه، أي: حرّفوا فيها، أو «اختلفوا» بمعنى أنّ بعضهم آمنوا به وبعضهم حرّفوه عن مواضعه، وإمّا إلى القرآن. واختلافهم قولهم سحر وتقوّل وكلام علّمه بشر وأساطير الأوّلين.
( لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) (١٧٦): لفي خلاف بعيد عن الحق(١) .
( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) :
«البرّ»، كلّ فعل مرضيّ.
والخطاب لأهل الكتاب. فإنّهم أكثروا الخوض في أمر القبلة، حين حوّلت.
وادّعى كلّ طائفة أنّ البرّ هو التّوجّه إلى قبلته. فردّ الله عليهم. وقال ليس البرّ ما أنتم عليه.
فإنّه منسوخ. ولكن البرّ ما نبيّنه واتّبعه المؤمنون.
وقيل(٢) : عامّ لهم وللمسلمين، أي: ليس البرّ مقصورا بأمر القبلة، أو ليس البرّ العظيم الّذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها. وقرأ حمزة وحفص: ليس البرّ (بالنّصب(٣) .)( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ) ، أي: ولكنّ البرّ الّذي ينبغي أن يهتمّ به، برّ من آمن، أو لكنّ ذا البرّ من آمن. ويؤيّده قراءة: ولكنّ البارّ.
والمراد بالكتاب، الجنس، أو القرآن.
__________________
(١) «عن الحق»، ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٧.
(٣) «البرّ» هو منصوب. فعلى أيّ شيء نصبه حمزة وحفص. وهل المقصود في النصب، الإقامة والرفع؟
وقرأ نافع وابن عامر: ولكن (بالتّخفيف.) ورفع البرّ.
( وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ) ، على حبّ المال، أو على حبّ الله، أو على حبّ الإيتاء.
والجارّ والمجرور، في موضع الحال.
( ذَوِي الْقُرْبى ) :
قدّمه لأنّه أفضل. كما روى عنه ـ عليه السّلام(١) : صدقتك على المسكين، صدقة، وعلى ذي رحمك، اثنتان صدقة وصلة.
وفي مجمع البيان(٢) : ذوي القربى، يحتمل أن يكون المراد(٣) قرابة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [كما في قوله(٤) :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) ].(٥) وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام.
( وَالْيَتامى ) : جمع يتيم. وهو من الأطفال من فقد أبوه.
( وَالْمَساكِينَ ) : جمع المسكين. وهو الّذي أسكنته الخلّة. وأصله دائم السّكون، كالمسكير: دائم السّكر.
( وَابْنَ السَّبِيلِ ) : المسافر. سمّي به لملازمته السّبيل، كما سمّي القاطع، ابن الطّريق. وقيل(٦) : الضّيف.
( وَالسَّائِلِينَ ) : الّذين ألجأتهم(٧) الحاجة إلى السّؤال.
قال ـ عليه السّلام: للسّائل حقّ وإن جاء على فرسه.
وفي من لا يحضره الفقيه(٨) ، في الحقوق المرويّة، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام: وحقّ السّائل إعطاؤه على قدر حاجته. وحقّ(٩) المسئول إن أعطى فاقبل منه بالشّكر والمعرفة بفضله. وإن منع فاقبل عذره.
( وَفِي الرِّقابِ ) : في تخليصها، كمعاونة المكاتبين وفكّ الأسارى وابتياع الرّقاب
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٩٧.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٦٣.
(٣) المصدر: أراد.
(٤) الشورى / ٢٣.
(٥) ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٩٨.
(٧) النسخ: ألجاهم.
(٨) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٨١.
(٩) المصدر: وأمّا حقّ.
لعتقها.
( وَأَقامَ الصَّلاةَ ) المفروضة.( وَآتَى الزَّكاةَ ) :
المراد منها الزكاة المفروضة. والغرض من الأوّل، إمّا بيان مصارفها، أو نوافل الصّدقات.
( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ) : عطف على( مَنْ آمَنَ ) .
( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ) : نصب على المدح. ولم يعطف لفضل الصّبر على سائر الأعمال.
وعن الأزهريّ(١) : «البأساء» في الأموال، كالفقر. و «الضّرّاء» في الأنفس، كالمرض.
في عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى الحارث بن الدّلهاث، مولى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سمعت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه ـ إلى قوله ـ وأمّا السّنّة من وليّه، فالصّبر(٣) على البأساء والضّرّاء. فإنّ الله يقول:( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ) قال: في الجوع والخوف والعطش والمرض.
( وَحِينَ الْبَأْسِ ) قال(٥) : عند القتل.
( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) في الدّين واتّباع الحقّ وطلب البرّ.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (١٧٧) عن الكفر وسائر الرّذائل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ لأنّ هذه الشّروط، شروط الإيمان وصفات الكمال. وهي لا توجد إلّا فيه وفي ذرّيّته الطّيّبين ـ صلوات الله عليهم أجمعين.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٩٨.
(٢) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٠٠، ح ٩.
(٣) المصدر: في.
(٤) تفسير القمي ١ / ٦٤.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٢٤٩.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ) .: كان في الجاهليّة بين حيّين. من أحياء العرب دماء. وكان لأحدهما طول على الآخر. فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد والذّكر بالأنثى. فلمّا جاء الإسلام، تحاكموا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فنزلت. وأمرهم ان يتباوؤا.
[وفي تفسير العيّاشيّ(١) : محمّد بن خالد البرقيّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ) : هي لجماعة المسلمين. ما هي للمؤمنين خاصّة(٢) ](٣) .
وعن سماعة بن مهران(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله( الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ) فقال: لا يقتل حرّ بعبد. ولكن يضرب ضربا شديدا، ويغرّم دية العبد. وإن قتل رجل امرأة. فأراد(٥) اولياء المقتول أن يقتلوا، أدّوا نصف ديته إلى أهل الرّجل.
وفي تهذيب الأحكام(٦) : صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: قلت: قول الله تعالى( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى ) .
قال: قال: لا يقتل حرّ بعبد. ولكن يضرب ضربا شديدا. ويغرّم ثمن العبد.
وفي مجمع البيان(٧) : نفس الرّجل، لا تساوي نفس المرأة. بل هي على النّصف منها. فيجب إذا أخذت النّفس الكاملة بالنّاقصة، أن يردّ فضل ما بينهما.
وكذلك رواه الطّبريّ في تفسيره(٨) ، عن عليّ ـ عليه السّلام.
وفيه(٩) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ لا يقتل حرّ بعبد. ولكن يضرب ضربا
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٥٧، ح ١٥٩.
(٢) المصدر: ا هي جماعة المسلمين؟ قال: هي للمؤمنين خاصّة.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٥٧.
(٥) ر: فأرادوا.
(٦) تهذيب الأحكام ١٠ / ١٩١، ح ٧٥٤.
(٧) مجمع البيان ١ / ٢٦٥.
(٨) تفسير الطبري ٢ / ٦٢، باختلاف في اللفظ.
(٩) مجمع البيان ١ / ٢٦٥.
شديدا، ويغرّم دية العبد.
( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) ، أي: شيء من العفو. لأنّ «عفا»(١) لازم. وفائدته الإشعار بأنّ بعض العفو كالعفو التّامّ، في إسقاط القصاص.
وقيل(٢) : «عفا» بمعنى ترك وشيء مفعول به. وهو ضعيف إذ لم يثبت. «عفا الشيء» بمعنى تركه. بل إعفاءه وعفا، يعدّى بعن الى الجاني والى الذّنب. قال الله تعالى(٣) :( عَفَا اللهُ عَنْكَ ) وقال عفا [الله](٤) عنها. وإذا عدّي به إلى الذّنب، عدّي إلى الجاني باللّام. وعليه ما في الآية. كأنّه قيل: فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه، يعني :
وليّ الدّم. وذكره بلفظ الأخوّة الثّابتة بينهما، من الجنسيّة والإسلام، ليرقّ له ويعطف عليه.
( فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ) ، أي: فليكن اتّباع أو فالأمر اتّباع.
والمراد: وصيّة العافي بأن يطالب الدّية بالمعروف، فلا يعنف. والمعفوّ عنه، بأن يؤدّيها بإحسان. وهو أن لا يمطل ولا يبخس.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم عن أبيه(٦) ، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ) .
قال: ينبغي للّذي له الحقّ، أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية.
وينبغي للّذي عليه الحقّ، أن لا يمطل(٧) أخاه إذا قدر على ما يعطيه. ويؤدّي إليه بإحسان.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ في(٨) قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ) .
قال: هو الرّجل يقبل الدّية. فينبغي للطّالب أن يرفق به ولا يعسره. وينبغي للمطلوب أن يؤدّي إليه بإحسان(٩) ولا يمطله، إذا قدر.
__________________
(١) ر: العفو.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٩.
(٣) التوبة / ٤٣.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) الكافي ٧ / ٣٥٨، ح ١.
(٦) ليس في الأصل.
(٧) ر: لا يمطل عليه.
(٨) المصدر: عن.
(٩) «إليه بإحسان»، ليس في أ.
أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن سماعة(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ) ، ما ذلك الشيء؟
فقال: هو الرجل يقبل الدّية. فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ الرجل الّذي له الحقّ، أن يتّبعه بمعروف، ولا يعسره. وأمر الّذي عليه الحقّ، أي يؤدّي إليه بإحسان، إذا أيسر.
( ذلِكَ ) ، أي: الحكم المذكور في العفو والدّية،( تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) لما فيه من التّسهيل والنّفع.
وقيل(٢) : كتب على اليهود القصاص، وحده، وعلى النّصارى العفو، مطلقا.
وخيّرت هذه الأمّة بينهما، وبين الدّية، تيسيرا عليهم.
( فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١٧٨) :
وفي الحديث السّابق(٣) : قال سماعة: قلت: أرأيت قوله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
قال: هو الرّجل، يقبل الدّية، أو يصالح، ثمّ يجيء بعد، فيمثّل، أو يقتل. فوعده الله عذابا أليما.
عليّ بن ابراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
فقال: هو الرّجل يقبل الدّية، أو يعفو، أو يصالح، ثمّ يعتدي، فيقتل. فله عذاب أليم، كما قال الله ـ عزّ وجلّ.
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) :
كلام في غاية الفصاحة والبلاغة. من حيث جعل الشيء محلّ ضدّه. وعرّف القصاص ونكّر الحياة، ليدلّ على أنّ في هذا الجنس من الحكم، نوعا من الحياة عظيما.
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ ) يحتمل أن يكونا خبرين «لحياة»، وأن يكون أحدهما خبرا
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ٣٥٩، ح ٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٩٩.
(٣) الكافي ٧ / ٣٥٩، ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٧ / ٣٥٨، ح ١.
والآخر صلة له، أو حالا عن الضّمير المستكنّ فيه.
وقرئ «في القصص»، أي: فيما قصّ عليكم من حكم القتل حياة، أو في القرآن حياة القلوب.
( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) : ذوي العقول الكاملة.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١٧٩) في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له، أو عن القصاص، فتكفّوا عن القتل.
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ بإسناده إلى عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في تفسير قوله تعالى( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) (الآية): ولكم، يا أمّة محمّد! في القصاص حياة. لأنّ من همّ بالقتل، يعرف(٢) أنّه يقتصّ منه، فكفّ لذلك عن القتل، كان حياة للّذي(٣) كان همّ بقتله، وحياة لهذا الجانيّ الّذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من النّاس، إذا علموا أنّ القصاص واجب لا يجسرون على القتل، مخافة القصاص،( يا أُولِي الْأَلْبابِ ) ، أولي العقول( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) ، قال: يعني: لولا القصاص، لقتل بعضكم بعضا.
وفي نهج البلاغة(٥) : فرض الله الإيمان تطهيرا من الشّرك، والقصاص حقنا للدّماء.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٦) ، بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام. قال: قلت: أربعا أنزل الله تعالى تصديقي(٧) بها في كتابه ـ إلى قوله عليه السّلام ـ قلت: القتل يقلّ القتل. فأنزل الله( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) .
( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) ، أي: أسبابه وأمارته،( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) ، أي: مالا كثيرا، لما روى عن عليّ ـ عليه السّلام(٨) : أنّه دخل على مولى له في مرضه. وله سبعمائة درهم، أو ستّمائة.
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ٥٠.
(٢) المصدر: فعرف. (ظ)
(٣) ليس في المصدر. (ظ)
(٤) تفسير القمي ١ / ٦٥.
(٥) نهج البلاغة / ٥١٢، قطعتان من كلمه ٢٥٢.
(٦) أمالي الشيخ ٢ / ١٠٨.
(٧) أ: تصديقا.
(٨) ر. مجمع البيان ١ / ٢٦٧.
فقال: ألا أوصي؟
فقال: إنّما قال الله سبحانه( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) وليس لك مال كثير.
( الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) :
مرفوع «بكتب» وتذكير فعلها للفصل، أو على تأويل أن يوصي، أو الإيصاء.
ولذلك ذكر الرّاجع في قوله «فمن بدّله».
والعامل في «إذا» مدلول «كتب» لا «الوصيّة» لتقدّمه عليها.
وقيل(١) : مبتدأ، خبره «للوالدين». والجملة جواب الشّرط، بإضمار الفاء، كقوله :
من يفعل الحسنات الله يشكرها.
وردّ بأنّه لو صحّ، فمن ضرورات الشّعر. وكان هذا الحكم، أي: وجوب الوصيّة، في بدء الإسلام. فنسخ بآية المواريث.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قوله( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) قال: هي منسوخة. نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. ويجوز الوصيّة للوارث(٣) .
قال الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زيادة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٥) ، عن ابن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الوصيّة للوارث.
فقال: تجوز.
ثمّ تلا هذه الآية:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : روى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى(٧) ، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٠.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٧٧، ح ١٦٧.
(٣) المصدر: نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث. فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما إثمه على الّذين يبدّلونه، يعني: بذلك الوصية.
(٤) الكافي ٧ / ١٠، ح ٥.
(٥) أ: أبي نصير.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٧٥، ح ٦١٥.
(٧) «عن محمد بن عيسى»، ليس في ر.
ـ عليه السّلام ـ في قول الله تعالى:( الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ، قال: هو الشيء جعله الله ـ عزّ وجلّ ـ لصاحب هذا الأمر.
قال: قلت: فهل لذلك حدّ؟
قال: نعم.
قلت: وما هو؟
قال: أدنى ما يكون، ثلث الثّلث.
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن الزّهراء ـ عليها السّلام ـ في حديث طويل. تقول فيه للقوم: وقد منعوها ما منعوها. وقال:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) (٢) () . وقال:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) .(٣) وقال:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) .
وزعمتم أن لا حظ [لي](٤) ولا إرث [من أبي](٥) ولا رحم بيننا. أفخصّكم الله بآية أخرج منها(٦) آل رسول الله(٧) ـ صلّى الله عليه وآله؟
[وفي مجمع البيان(٨) : روى أصحابنا عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: هل يجوز(٩) الوصية للوارث؟
فقال: نعم. وتلا هذه الآية.
وروى السّكونيّ، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام. قال: من لم يوص عند موته لذي قرابته، ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصيته.
وفيه: اختلف في المقدار الّذي تجب الوصيّة عنده. قال ابن عبّاس: ثمانمائة درهم.
وروي عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه دخل على مولا له فيه مرضه وله سبعمائة درهم، أو ستّمائة. فقال: ألا أوصي؟
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ١٣٨.
(٢) النساء / ١١.
(٣) البقرة / ١٨٠.
(٤ و ٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: أبي منها.
(٧) «آل رسول الله» ليس في المصدر.
(٨) مجمع البيان ١ / ٢٦٧.
(٩) المصدر: تجوز (ظ)
فقال: لا. إنّما قال الله سبحانه:( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) . وليس لك مال كثير.
وهذا هو المأخوذ به عندنا](١)
( بِالْمَعْرُوفِ ) : بالعدل. فلا يفضل الغنى. ولا يتجاوز الثّلث.
( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (١٨٠) :
مصدر مؤكّد، أي: حقّ ذلك حقّا.
( فَمَنْ بَدَّلَهُ ) غيره من الأوصياء والشّهود،( بَعْدَ ما سَمِعَهُ ) ، وصل إليه وتحقّق عنده.
( فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) : فما إثم التّبديل، إلّا على مبدّله. لأنّه هو الّذي خالف الشّرع.
( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١٨١): وعيد للمبدّل.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل أوصى بماله في سبيل الله.
فقال: أعطه لمن أوصى به له. وإن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ الله تعالى يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .
محمّد بن يحيى(٣) ، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في رجل أوصى بما له في سبيل الله.
قال: أعطه لمن أوصى(٤) به له وإن كان يهوديّا أو نصرانيّا. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار، قال: كتب أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى جعفر وموسى: وفيما أمرتكما به من الإشهاد بكذا وكذا، نجاة لكما، في آخرتكما، وإنفاذ(٦) لما أوصى به أبواكما، وبرّ(٧) منكما لهما. واحذرا أن لا تكونا بدّلتما وصيّتهما ولا غيّرتماها. عن حالها وقد خرجا(٨) من ذلك رضي الله عنهما، وصار ذلك في
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ٧ / ١٤، ح ١.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٤) المصدر: أوصى له.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٦) المصدر: إنفاذا.
(٧) المصدر: برّا.
(٨) المصدر: عن حالهما لانّهما قد خرجا.
رقابكما. وقد قال(١) الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه، في الوصيّة:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
عدّة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب: أنّ رجلا كان بهمدان. ذكر أنّ أباه مات. وكان لا يعرف هذا الأمر. فأوصى بوصيّته(٣) عند الموت. وأوصى أن يعطى شيء في سبيل الله.
فسئل عنه أبو عبد الله ـ عليه السّلام: كيف يفعل به؟ فأخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر.
فقال: لو أنّ رجلا أوصى إلىّ أن أضع في يهوديّ أو نصرانيّ، لوضعته فيهما. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) . فانظروا(٤) إلى من يخرج إلى هذا الوجه، يعني: الثّغور. فابعثوا [به](٥) إليه.
عدّة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن حجاج الخشّاب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن امرأة أوصت إليّ بمال أن يجعل في سبيل الله. فقيل: لها يحجّ(٧) به. فقالت: اجعله في سبيل الله. فقالوا لها: نعطيه(٨) آل محمّد. قلت: اجعله في سبيله الله.
[فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: اجعله في سبيل الله ،](٩) كما أمرت.
قلت: مرني كيف أجعله.
قال: اجعله كما أمرتك. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . أرأيتك لو أمرتك أن تعطيه يهوديّا، كنت تعطيه نصرانيّا؟
قال: فمكثت بعد ذلك ثلاث سنين: ثمّ دخلت عليه. ثمّ قلت(١٠) له مثل الّذي قلت له(١١) أوّل مرّة. فسكت هنيئة.
__________________
(١) أ: نزّل.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
(٣) المصدر: بوصية. (ظ)
(٤) أ: فانظر.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) نفس المصدر ٧ / ١٥، ح ١.
(٧) المصدر: تحجّ.
(٨) أ: فقال: تعطيه. المصدر: فنعطيه.
(٩) ليس في ر.
(١٠) المصدر: فقلت. (ظ)
(١١) ليس في المصدر.
ثمّ قال: هاتها.
قلت: من أعطيها؟
قال: عيسى شلقان.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن الرّيّان بن شبيب قال: أوصت ماردة لقوم نصارى(٢) بوصيّة. فقال أصحابنا: أقسم هذا في فقراء المؤمنين من أصحابك. فسألت الرّضا ـ عليه السّلام. فقلت: إنّ أختي أوصت بوصيّة لقوم نصارى. وأردت أن أصرف ذلك إلى قوم من أصحابنا المسلمين(٣) .
فقال: أمض الوصيّة على ما أوصت به. قال الله تعالى:( فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .
محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي سعيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سئل عن رجل أوصى بحجّة. فجعلها وصيه في نسمة(٥) .
فقال: يغرمها وصيّه. ويجعلها في حجّة، كما أوصى به. فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .
( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ ) ، أي: توقّع وعلم من قولهم، أخاف أن ترسل السّماء.
( جَنَفاً ) : ميلا بالخطإ في الوصيّة،( أَوْ إِثْماً ) : تعمّدا للحيف،( فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ) : بين الموصى لهم بإجرائهم على نهج الشّرع.
( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) في هذا التّبديل. لأنّه تبديل باطل إلى حقّ، بخلاف الأوّل.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٨٢): وعد للمصلح. وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم، وكون الفعل من جنس ما يؤثم به.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) : حدّثنا محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن الحسن
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ١٦، ح ٢.
(٢) المصدر: نصارى فراشين.
(٣) المصدر: مسلمين.
(٤) نفس المصدر ٧ / ٢٢، ح ٢.
(٥) أ: وصية في نسمه.
(٦) علل الشرائع ٢ / ٥٦٧، ح ٤.
الصّفار، عن أبي طالب عبد الله بن الصّلت القميّ، عن يونس بن عبد الرّحمان. رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً ) (١) ( أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) .
قال: يعني: إذا اعتدى في الوصيّة. يعني(٢) : إذا زاد عن الثّلث.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال الصّادق ـ عليه السّلام: إذا وصّى الرّجل بوصيّته، فلا يحلّ للوصيّ أن يغيّر وصيّة يوصيها. بل يمضيها على ما أوصى. إلّا أن يوصي بغير ما أمر الله. فيعصى في الوصيّة ويظلم. فالموصى إليه جائز له أن يردّها(٤) إلى الحقّ.
[مثل رجل يكون له ورثة يجعل(٥) المال كلّه لبعض ورثة ويحرم بعضا. فالوصي جائز له أن يردّها(٦) إلى الحقّ].(٧) وهو قوله:( جَنَفاً أَوْ إِثْماً ) . «فالجنف» الميل إلى بعض ورثتك(٨) دون بعض. و «الإثم» أن تأمر(٩) بعمارة بيوت النّيران واتّخاذ المسكر. فيحلّ للوصيّ أن لا يعمل بشيء من ذلك.
وفي الكافي(١٠) : عليّ بن إبراهيم، عن رجاله قال: قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أطلق للموصى إليه، أن يغيّر الوصيّة، إذا لم تكن(١١) بالمعروف وكان فيها جنف(١٢) . ويردّها إلى المعروف، لقوله تعالى( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) .
محمّد بن يحيى(١٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن سوقة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) .
قال: نسختها الآية الّتي بعدها، قوله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) .
__________________
(١) المصدر: حيفا.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) تفسير القمي ١ / ٦٥.
(٤) المصدر: يردّه.
(٥) المصدر: فيجعل.
(٦) المصدر: يردّه.
(٧) ليس في أ.
(٨) المصدر: ورثته.
(٩) المصدر: يأمر.
(١٠) الكافي ٧ / ٢٠، ح ١.
(١١) المصدر: لم يكن.
(١٢) المصدر: حيف.
(١٣) نفس المصدر ٧ / ٢١، ح ٢.
قال: يعني: الموصى إليه إن خاف جنفا(١) فيما أوصى به إليه فيما(٢) لا يرضى الله به، من خلاف الحقّ، فلا إثم على الموصى(٣) إليه أن يردّه(٤) إلى الحقّ وإلى ما يرضى الله به من سبيل الخير.
[وفي مجمع البيان(٥) : فإن قيل: كيف قال فمن خاف لما قد وقع. والخوف إنّما يكون لما لم يقع؟
قيل: إنّ فيه قولين :
أحدهما ـ أنّه خاف أن يكون قد زلّ في وصيّة. والخوف يكون للمستقبل. وهو من أن يظهر ما يدلّ على أنّه قد زلّ لأنّه من جهة غالب الظّن.
الثّاني ـ أنّه لـمّا اشتمل على الواقع وعلى ما لم يقع، جاز فيه (إلى قوله) إنّ الأوّل عليه أكثر المفسّرين. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام. وقوله( أَوْ إِثْماً ) ، الإثم أن تميل(٦) عن الحق، على وجه العمد. والجنف أن يكون على جهة الخطأ من حيث لا يدري أنّه يجوز. وهو معنى قول ابن عبّاس والحسن. وروي ذلك عن أبي جعفر ـ عليه السّلام].(٧)
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ، يعني: الأنبياء دون الأمم. فإنّ الأمم كان عليهم صوم، أكثر من ذلك، في غير ذلك الشّهر.
يدلّ عليه ما في الصّحيفة الكاملة(٨) : ثمّ آثرتنا به على سائر الأمم. واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل. فصمنا بأمرك نهاره. وقمنا بعونك ليله.
وما رواه في من لا يحضره الفقيه(٩) ، قال: روى سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث النّخعيّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ شهر رمضان
__________________
(١) المصدر: جنفا من الموصى.
(٢) المصدر: ممّا.
(٣) المصدر: فلا إثم عليه: أي: على الموصى.
(٤) المصدر: يبدّله.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٦٩.
(٦) المصدر: ان يكون الميل.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) الصحيفة الكاملة، في ضمن دعائه ـ عليه السّلام ـ في وداع شهر رمضان (دعاء ٤٥)
(٩) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٦١، ح ٢٦٧.
لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا.
فقلت له: فقول الله ـ عزّ وجلّ ـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) .
قال: فرض الله(١) شهر رمضان على الأنبياء، دون الأمم. ففضّل(٢) الله به هذه الأمّة. وجعل صيامه فرضا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى أمّته.
و «الصّوم» في اللّغة، الإمساك عمّا تنازع النّفس إليه. وفي الشّرع، الإمساك عن المفطرات. فإنّها معظم ما تشتهيه الأنفس. والخطاب في عليكم عامّ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) .
قال: فقال: هذه كلّها تجمع(٤) أهل(٥) الضّلال والمنافقين وكلّ من أقرّ بالدّعوة الظّاهرة.
وأمّا ما رواه البرقيّ(٦) ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) ، قال: «هي للمؤمنين خاصّة»، فمعناه أنّ المؤمنين هم المنتفعون بها.
وفي كتاب الخصال(٧) ، عن عليّ ـ عليه السّلام. قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فسأله أعلمهم عن مسائل. فكان فيما سأله أن قال: لأي شيء فرض الله الصّوم على أمّتك بالنّهار، ثلاثين يوما وفرض على الأمم أكثر من ذلك؟
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ آدم ـ عليه السّلام ـ لـمّا أكل من الشّجرة، بقي في بطنه ثلاثين يوما. ففرض على ذرّيّته ثلاثين يوما الجوع والعطش. والّذين يأكلونه تفضّل من الله عليهم. وكذلك كان على آدم. ففرض الله تعالى ذلك على أمّتي.
ثمّ تلا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هذه الآية:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أيّاما معدودات.
__________________
(١) المصدر: إنّما فرض الله صيام :
(٢) النسخ: فضّل.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٧٨.
(٤) المصدر: يجمع.
(٥) ليس في المصدر. وعند وجودها فتكون الكلمة بعدها «الضّلال». وعند عدمها تكون «الضّلال».
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٧٤.
(٧) الخصال ٢ / ٥٣٠، ح ٦.
قال اليهوديّ: صدقت يا محمّد!
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا. عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن يوسف بن عميرة، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا حضر شهر رمضان وذلك في ثلاث بقين من شعبان ـ قال لبلال: ناد في النّاس. فجمع النّاس. ثمّ صعد المنبر. فحمد الله. وأثنى عليه. ثمّ قال: يا أيّها النّاس! إنّ هذا الشّهر قد خصّكم به. وهو حضركم. وهو سيّد الشّهور.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١٨٣) المعاصي. فإنّ الصّوم يكسر الشّهوة الّتي هي مبدؤها.
وفي عيون الأخبار(٢) ، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، في آخرها: أنّه سمعها من الرّضا ـ عليه السّلام: فإن قال فلم أمر بالصّوم؟
قيل: لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش. فيستدلّوا على فقر الآخرة. وليكون الصّائم خاشعا ذليلا مستكينا موجودا محتسبا عارفا صابرا(٣) لما أصابه من الجوع والعطش.
فيستوجب الثّواب مع ما فيه من الانكسار عن الشّهوات. وليكون ذلك واعظا لهم في العاجل ورائضا لهم على أداء ما كلّفهم ودليلا في الآجل. وليعرفوا شدّة مبلغ ذلك على أهل الفقر والمسكنة في الدّنيا، فيؤدّوا إليهم ما افترض الله تعالى لهم في أموالهم.
فإن قيل: فلم جعل الصّوم في شهر رمضان دون سائر الشّهور؟
قيل: لأنّ شهر رمضان هو الشّهر الّذي أنزل الله تعالى فيه القرآن هدى(٤) للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان وفيه نبّئ محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. وفيه ليلة القدر الّتي هي خير من ألف شهر. وفيها يفرق كلّ أمر حكيم. وفيه(٥) رأس السّنة. يقدّر فيها ما يكون في السّنة من خير أو شرّ أو مضرّة أو منفعة أو رزق أو أجل. ولذلك سمّيت ليلة القدر.
__________________
(١) الكافي ٤ / ٦٧، ح ٥.
(٢) عيون أخبار الرضا ٢ / ١١٥.
(٣) المصدر: على ما.
(٤) المصدر: انزل الله تعالى فيه القرآن وفيه فرق بين الحق والباطل، كما قال الله ـ عزّ وجلّ: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى
(٥) المصدر: هو. (ظ)
فإن قال: فلم أمروا بصوم شهر رمضان لا أقلّ من ذلك ولا أكثر؟
قيل: لأنّه قوّة العباد(١) الّذي يعمّ في القويّ والضّعيف. وإنّما أوجب الله تعالى الفرائض على اغلب الأشياء وأعظم(٢) القوى. ثمّ رخّص(٣) لأهل الضّعف. ورغّب أهل القوّة في الفضل. ولو كانوا يصلحون على أقلّ من ذلك، لنقصهم. ولو احتاجوا إلى أكثر من ذلك، لزادهم.
( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) مؤقّتات بعدد معلوم ووقت معيّن، أو قلائل. فإنّ القليل من المال يعدّ عدّا. والكثرة يهال هيلا.
ونصبها بإضمار «صوموا» أو ب «كما كتب» على الظّرفيّة ،. أو بأنّه مفعول ثان على السّعة. وليس بالصّيام للفصل بينهما.
( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) مرضا يضرّه الصّوم،( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) : أو راكب سفر،( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ، أي: فعليه صوم عدد أيّام المرض والسّفر، من أيّام أخر.
وهذا على الوجوب.
في من لا يحضره الفقيه(٤) ، روي عن الزّهريّ. أنّه قال: قال لي عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ ونقل حديثا طويلا، يقول فيه ـ عليه السّلام: وأمّا صوم السّفر والمرض، فانّ العامّة اختلفت فيه. فقال قوم: يصوم. وقال قوم: لا يصوم. وقال قوم: إن شاء صام، وإن شاء أفطر. وأمّا نحن فنقول: يفطر في الحالتين ـ جميعا. فإن صام في السّفر أو في حال المرض، فعليه القضاء في ذلك. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي بصير. قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن حدّ المرض الّذي يجب على صاحبه في الإفطار، كما يجب عليه في السّفر [في](٦) قوله( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ ) .
قال: هو مؤتمن عليه. مفوّض اليه. فإن وجد ضعفا. فليفطر. وإن وجد قوّة
__________________
(١) المصدر: العبادة.
(٢) المصدر: وأعم. (ظ)
(٣) كذا في المصدر: وفي النسخ: خصّ.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٨، ح ٢٠٨.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٨١، ح ١٨٨.
(٦) يوجد في المصدر.
فليصم. كان المريض على ما كان.
عن محمّد بن مسلم(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لم يكن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يصوم في السّفر تطوّعا ولا فريضة. يكذبون على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. نزلت هذه الآية ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بكراع الغميم، عند صلاة الفجر. فدعا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بإناء. فشرب. فأمر(٢) النّاس أن يفطروا. وقال قوم: قد توجّه النّهار. ولو صمنا يومنا هذا. فسمّاهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ العصاة. فلم يزالوا يسمّون بذلك الاسم، حتّى قبض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
وفي كتاب الخصال(٣) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أهدى إليّ وإلى أمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأمم، كرامة من الله لنا.
قالوا: وما ذلك يا رسول الله! قال: الإفطار في السّفر. والتّقصير في الصلوة. فمن لم يفعل ذلك، فقد ردّ على الله هديّته.
وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: رجل صام في السّفر.
فقال: إذا(٥) كان بلغه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نهى عن ذلك، فعليه القضاء. وان لم يكن بلغه(٦) ، فلا شيء عليه.
أبو عليّ الأشعريّ(٧) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن [صفوان بن يحيى، عن عيص(٨) بن القسم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من صام في السفر بجهالة، لم يقضه].(٩)
عن عبد الله بن مسكان(١٠) ، عن ليث المرادي، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٩٠.
(٢) المصدر: وأمر. (ظ)
(٣) الخصال ١ / ١٢، ح ٤٣.
(٤) الكافي ٤ / ١٢٨، ح ١.
(٥) المصدر: إن. (ظ)
(٦) أ: يبلغه.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٨) كذا في المصدر وفي الأصل ور: العيص.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
قال: إذا سافر الرّجل في شهر رمضان، أفطر. وإن صامه بجهالة لم يقضه.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : روى ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ ما حدّ المرض الّذي يفطر فيه الرّجل(٢) ويدع الصّلاة من قيام؟
قال:( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) . هو أعلم بما يطيقه.
وروى جميل بن درّاج(٣) ، عن الوليد بن صبيح، قال: حممت بالمدينة يوما في شهر رمضان. فبعث إليّ أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ بقصعة. فيها خلّ وزيت. وقال لي: أفطر.
وصلّ، وأنت قاعد.
وفي رواية حريز(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الصّائم إذا خاف على عينيه من الرّمد، أفطر.
( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) ، أي: على الّذين كانوا يطيقون الصّوم، فلم يطيقوه الآن لمرض، كعطاش(٥) أو كبر أو أفطروا لمرض أو سفر، ثمّ زال عذرهم وأطاقوا ولم يقضوا حتّى دخل رمضان آخر،( فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) : بمدّ من كلّ يوم.
في الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) قال: الشّيخ الكبير(٧) والّذي يأخذه العطاش.
أحمد بن محمّد(٨) ، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله تعالى:( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) (٩) »، قال: الّذين كانوا يطيقون الصّوم فأصابهم كبر أو عطاش(١٠) أو شبه ذلك، فعليهم بكل(١١) يوم مدّ.
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٨٣، ح ٣٦٩.
(٢) المصدر: الصائم. (ظ)
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٧٠.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٨٤، ح ٣٧٣.
(٥) أ: العطاش.
(٦) الكافي ٤ / ١١٦، ح ١.
(٧) أ: قال: الذين كانوا يطيقون الصوم الشيخ الكبير.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٥.
(٩) أ: مسكين.
(١٠) ر: كبرا أو عطاشا.
(١١) المصدر: لكلّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ) (٢) ، قال: من مرض في شهر رمضان، فأفطر، ثمّ صحّ، فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر، فعليه ان يقضي ويتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من الطّعام.
وقرأ نافع وابن عامر بإضافة الفدية إلى «الطّعام» وجمع «المساكين(٣) .»( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ) : فزاد في الفدية.
( فَهُوَ ) ، أي: التّطوّع أو الخير،( خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا ) ، أي: صومكم على تقدير عدم المانع، وتكلف الصّوم على تقدير وجوده.
( خَيْرٌ لَكُمْ ) من الفدية، أو تطوّع الخير، أو منهما،( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١٨٤) ما في الصّوم من الفضيلة.
وجوابه محذوف، أي اخترتموه، أو إن كنتم من أهل العلم والتّدبّر، علمتم أنّ الصّوم خير لكم من ذلك.
( شَهْرُ رَمَضانَ ) :
مبتدأ. خبره ما بعده. أو خبر مبتدأ محذوف. تقديره «ذلكم شهر رمضان.» أو بدل من الصّيام، على حذف المضاف، أي: كتب عليكم الصّيام، صيام شهر رمضان.
وقرئ بالنّصب على إضمار صوموا أو على أنّه بدل من( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) أو مفعول( وَأَنْ تَصُومُوا ) . وفيه ضعف.
و «رمضان» مصدر رمض، إذا احترق. فأضيف إليه الشّهر. وجعل علما له.
ومنع من الصّرف للعلميّة والألف والنّون.
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد ومحمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى الخثعمىّ، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبيه ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: لا تقولوا «رمضان». ولكن قولوا «شهر رمضان». فانّكم لا تدرون ما رمضان؟
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٦٦.
(٢) أ: مسكين.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٧٢.
(٤) بل في فروع الكافي، ر. الكافي ٤ / ٦٩، ح ١.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن هشام بن سالم، عن سعد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كنّا عنده ثمانية رجال. فذكرنا رمضان. فقال: لا تقولوا «هذا رمضان» ولا «ذهب رمضان» ولا «جاء رمضان». فإنّ «رمضان» اسم من أسماء الله ـ عزّ وجلّ. لا يجيء ولا يذهب. وإنّما يجيء ويذهب الزّائل.
ولكن قولوا «شهر رمضان». فالشّهر(٢) مضاف إلى الاسم. والاسم اسم الله عزّ ذكره. وهو الشّهر الّذي أنزل فيه القرآن. جعله مثلا وعيدا(٣) .
( الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) ، الموصول بصلته خبر لمبتدأ او صفته والخبر «فمن شهد». أي: أنزل في شأنه القرآن. وهو قوله( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) ، أو( أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثمّ نزل منجّما.
وفي أصول الكافي(٤) ، عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) . وإنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله وآخره. فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: نزل القرآن جملة واحدة في جملة شهر رمضان، إلى البيت المعمور. ثمّ نزل في طول عشرين سنة.
ثمّ قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان. وأنزلت التوراة لستّ مضين من شهر رمضان. وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. وانزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان. وانزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو الشّاميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ونزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان. واستقبل الشّهر بالقرآن.
ويمكن الجمع بين الخبرين، بحمل الإنزال جملة واحدة في ثلاث وعشرين
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٢) المصدر: فأن الشهر.
(٣) ليس في أ.
(٤) الكافي ٢ / ٦٢٨، ح ٦.
(٥) نفس المصدر ٤ / ٦٥، ح ١.
إلى البيت المعمور. وحمل الإنزال في أوّل اللّيلة، على ابتداء إنزاله منجّما إلى الدّنيا.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن سهيل بن زياد. وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه ـ جميعا ـ عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول: نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام.
وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن عليّ بن عقبة، عن داود بن فرقد، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل ما يكون بينكم.
أبو عليّ الأشعريّ،(٣) عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام.
والجمع بين الخبر الأوّل والثّاني، أنّ المراد بالخبر الأوّل، أنّ ثلث القرآن فينا وفي عدوّنا، بحسب بطونه، وإن كان بحسب ظاهر ألفاظه في شيء من السّنن والأحكام والقصص وغير ذلك. وثلثاه الآخران، ليسا كذلك.
والجمع بينه وبين الثّالث، بأن قائله أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وله لاختصاص ببعض الآيات لم يشركه فيها باقي الأئمّة ـ عليهم السّلام. وقائل الخبر الثّالث، أبو جعفر ـ عليه السّلام. ومراده ـ عليه السّلام ـ أنّ الرّبع يشترك فيه كلّنا.
وروى عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل بن يسار، قال: قلت: إنّ النّاس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف.
فقال: كذبوا أعداء الله. ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد.
( هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ ) :
حالان من القرآن، أي: أنزل وهو هداية للنّاس، باعجازه، وآيات واضحات ممّا يهدي إلى الحقّ، ويفرق به بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام.
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٢٧، ح ٢.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٦٢٨، ح ٤.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٦٣٠، ح ١٣.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ، بإسناده إلى ابن سنان وغيره، عمّن ذكره قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن «القرآن» و «الفرقان» أهما شيئان؟ أم شيء واحد؟
قال: فقال: «القرآن» جملة الكتاب. و «الفرقان» المحكم الواجب العمل به.
( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ ) :
في الفاء إشعار بأنّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصّوم فيه.
( الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) فيه.
وضع المظهر، موضع المضمر، للتّعظيم. نصب على الظّرف. وحذف الجارّ.
ونصب الضّمير على الاتّساع.
وقيل(٢) : من شهد منكم هلال الشّهر، فليصمه على أنّه مفعول به، كقولك شهدت يوم الجمعة، أي: صلاتها.
في كتاب الخصال(٣) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: ليس للعبد أن يخرج إلى سفر إذا حضر شهر رمضان، لقوله تعالى:( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وسأل عبيد بن زرارة، أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) .
[قال: ما أبينها من شهد فليصمه].(٥) ومن سافر، فلا يصمه.
وروى الحلبيّ(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرّجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا. ثمّ يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر.
فسكت. فسألته غير مرّة.
فقال: يقيم أفضل إلّا أن تكون له حاجة لا بدّ له من الخروج فيها، أو يتخوّف على ماله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن الصّباح بن سيابة، قال: قلت لأبي عبد الله
__________________
(١) معاني الاخبار / ١٨٩، ح ١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٠٢.
(٣) الخصال ٢ / ٦١٤.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٩١، ح ٤٠٤.
(٥) ليس في أ.
(٦) الكافي ٤ / ١٢٦، ح ٢.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٨٠، ح ١٨٦.
ـ عليه السّلام: إن ابن يعقوب(١) أمرني أن أسألك عن مسائل.
فقال: وما هي؟
قال: يقول لك: إذا دخل شهر رمضان وأنا في منزلي إليّ أن أسافر؟
قال: إنّ الله يقول:( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) . فمن دخل عليه شهر رمضان وهو في أهله، فليس له أن يسافر، إلّا إلى الحج(٢) ، أو عمرة، أو في طلب مال يخاف تلفه.
( وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) :
مخصّص لسابقه. لأنّ المسافر والمريض ممّن شهد الشّهر. ولعلّ تكريره لذلك.
( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ، أي: يريد أن ييسّر عليكم، ولا يعسّر عليكم. ولذلك أوجب الفطر للسّفر والمرض.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ، قال: «اليسر» عليّ.
( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١٨٥): علل لفعل محذوف. دلّ عليه ما سبق، أي: شرع جملة ما ذكر من أمر الشّاهد بالصّوم والمسافر والمريض بالإفطار ومراعاة عدّة ما أفطر فيه، لتكملوا العدّة إلى آخرها، على سبيل اللّفّ. فإنّ قوله «ولتكملوا» علّة الأمر بمراعاة العدّة.( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ ) علّة أمر الشّاهد بالصّوم.( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) علّة أمر المسافر والمريض بالإفطار، أو لأفعال كلّ لفعله، أو معطوفة على علّة مقدّرة، مثل: ليسهّل عليكم، أو لتعملوا ما تعملون، ولتكملوا. ويجوز أن يعطف على «اليسر»، أي: يريد لكم لتكملوا، كقوله(٤) :( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا ) .
والمعنى بالتّكبير وتعظيم الله، بالحمد والثّناء عليه. ولذلك عدّي بعلى. ومن جملته تكبير يوم الفطر.
وقيل(٥) : المراد التّكبير عند الإهلال. و «ما» يحتمل المصدر والخبر، أي: الّذي
__________________
(١) المصدر: ابن أبي يعفور. (ظ)
(٢) المصدر: لحج.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٨٢، ح ١٩١.
(٤) الصف / ٨.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٠٢.
هداكم إليه. وعن عاصم: ولتكملوا بالتّشديد.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهيل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: انّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق الدّنيا في ستّة أيّام ثمّ اختزلها عن ايّام السّنة. والسّنة ثلاثمائة وأربعة(٢) وخمسون يوما.
شعبان لا يتمّ أبدا. ورمضان لا ينقص، والله أبدا. ولا تكون فريضة ناقصة. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) . وشوّال تسعة وعشرون يوما.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: جعلت فداك! ما نتحدث(٤) به عندنا أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ صام تسعة وعشرين أكثر ممّا صام ثلاثين. أحقّ هذا؟
قال: ما خلق الله من هذا حرفا. ما صامه النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا ثلاثين. لأنّ الله يقول:( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ينقصه؟
وفي الكافي(٥) : عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن سعيد النّقّاش. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ لي: أما إنّ في الفطر تكبيرا ولكنّه مسنون(٦) .
قال: قلت: وأين هو؟
قال: في ليلة الفطر، في المغرب والعشاء الآخرة، وفي صلاة الفجر، وفي صلاة العيد. ثمّ يقطع.
قال: قلت: كيف أقول؟
قال: تقول «الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلّا الله. والله أكبر. الله أكبر. ولله الحمد.
الله أكبر على ما هدانا.» وهو قول الله تعالى:( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) ، يعني: الصّيام. ولتكبّروا الله على ما هداكم.
وفي محاسن البرقيّ(٧) ، عنه عن بعض أصحابنا، رفعه، في قول الله
__________________
(١) الكافي ٤ / ٧٨، ح ٢.
(٢) المصدر: وأربع.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٨٢، ح ١٩٤.
(٤) المصدر: يتحدث.
(٥) الكافي ٤ / ١٦٦، ح ١.
(٦) المصدر: مستور.
(٧) المحاسن / ١٤٢، ح ٣٦.
( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) ، [قال: التكبير، التّعظيم لله والهداية الولاية.
عنه(١) ، عن بعض أصحابنا، رفعه، في قول الله( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ، قال: التّكبير، التّعظيم لله والهداية الولاية.
عنه(٢) ، عن بعض أصحابنا، في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (٣) ( ]وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ، قال: الشّكر المعرفة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) ، وفي العلل الّتي تروى عن الفضل بن شاذان النّيشابوريّ ـ رضي الله عنه. ويذكر أنّه سمعها عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ إنّه إنّما جعل يوم الفطر العيد ـ إلى أن قال ـ: وإنّما جعل التّكبير فيها أكثر منه في غيرها من الصّلوات. لأنّ التّكبير إنّما هو تعظيم الله وتمجيد على ما هدى وعافى، كما قال ـ عزّ وجلّ:( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) .
( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) : فقل لهم إنّي قريب.
وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطّلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم.
روى(٥) أنّ أعرابيّا قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أقريب ربّنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فنزلت.
( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) :
تقرير للقرب ووعد للدّاعي بالإجابة.
( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) إذا دعوتهم للإيمان والطّاعة، كما أجيبهم إذا دعوني لمهمّاتهم.
( وَلْيُؤْمِنُوا بِي ) : أمر بالدّوام والثّبات.
__________________
(١ و ٢) نفس المصدر / ١٤٩، ح ٦٥، هكذا: عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) قال: الشكر المعرفة، وفي قوله( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) فقال: الكفر، هاهنا، الخلاف. والشكر، الولاية والمعرفة.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ / ٣٣٠، ح ١٤٨٨.
(٥) مجمع البيان ١ / ٢٧٨.
( لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (١٨٦): راجين إصابة الرّشد. وهو إصابة الحقّ.
وقرئ بفتح الشّين وكسرها.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال لي أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام: أخبرني عنك، لو أنّي قلت لك قولا، أكنت تثق به؟
فقلت له: جعلت فداك! إذا لم أثق بقولك فبمن أثق؟ وأنت حجّة الله على خلقه.
قال فكن بالله أوثق. فإنّك على موعد من الله. أليس الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) . وقال(٢) :( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) وقال(٣) : والله( يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ) . فكن بالله ـ عزّ وجلّ ـ أوثق منك بغيره. ولا تجعلوا في أنفسكم إلّا خيرا. فإنّه مغفور لكم.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي روضة الكافي(٤) ، خطبة طويلة مسندة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام. يقول ـ عليه السّلام فيها: فاحترسوا من الله ـ عزّ وجلّ ـ بكثرة الذّكر. واخشوا منه بالتّقى وتقرّبوا إليه بالطّاعة فإنّه قريب مجيب. قال الله تعالى:( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) .
وفي نهج البلاغة(٥) : قال ـ عليه السّلام: ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه، من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمه. واستمطرت شآبيب رحمته. فلا يقنطك إبطاء إجابته. فإنّ العطيّة على قدر النّيّة. وربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل وأجزل لعطاء الآمل. وربّما سألته(٦) الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرا منه عاجلا(٧) وآجلا.(٨) وصرف عنك لما هو خير لك. فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله. فالحال لا يبقى لك ولا تبقى له.
__________________
(١) الكافي ٢ / ١.
(٢) الزمر / ٥٣.
(٣) البقرة / ٢٦٨.
(٤) الكافي ٨ / ٣٩٠، ح ٥٨٦.
(٥) نهج البلاغة / ٣٩٩، ضمن رسائله ٣١.
(٦) المصدر: سألت.
(٧ و ٨) المصدر: أو. (ظ)
وفيه(١) : قال ـ عليه السّلام: إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة، فابدأ بمسألة الصلاة على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ثمّ سل حاجتك. فإنّ الله أكرم من أن يسأل حاجتين، فيقضي إحداهما ويمنع الأخرى.
وفي مجمع البيان(٢) : روى عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال:( وَلْيُؤْمِنُوا بِي ) »، أي: وليتحقّقوا أنّي قادر على إعطائهم ما سألوه،( لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) »، أي: لعلّهم يصيبون الحقّ ويهتدون إليه.
وروى(٣) عن جابر بن عبد الله. قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبّه. فيقول: يا جبرائيل! لا تقض(٤) لعبدي هذا حاجته. وأخّرها. فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته. وإنّ العبد ليدعو الله وهو مبغضه(٥) فيقول: يا جبرئيل! اقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه وعجّلها. فإنّي أكره أن أسمع صوته.
ثمّ بيّن أحكام الصّوم، فقال :
( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ) :
( لَيْلَةَ الصِّيامِ ) »، اللّيلة الّتي يصبح منها صائما.
و «الرّفث» كناية عن الجماع لأنّه لا يكاد يخلو من رفث. وهو الإفصاح بما يجب أن يكنّى عنه. وعدّي بإلى، لتضمّنه معنى الإفضاء وإيثاره، هاهنا، لتقبيح ما ارتكبوه.
ولذلك سمّاه خيانة. وقرئ الرّفوث.
وفي كتاب الخصال(٦) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه من الأربعمائة باب. قال ـ عليه السّلام: يستحبّ للرّجل أن يأتي أهله أوّل ليلة من شهر رمضان، لقوله تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ) .» والرّفث، المجامعة.
وفي الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن القسم بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه ـ عليهم السّلام: أنّ عليّا ـ صلوات الله عليه ـ قال: يستحبّ للرّجل أن
__________________
(١) نفس المصدر / ٥٣٨، حكمة ٣٦١.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٧٨.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٧٩.
(٤) النسخ: اقض.
(٥) المصدر: يبغضه.
(٦) الخصال ٢ / ٦١٢.
(٧) الكافي ٤ / ١٨٠، ح ٣.
يأتي أهله (وذكر كما في كتاب الخصال، سواء).
وفي مجمع البيان(١) : وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ كراهية الجماع في أوّل ليلة من كلّ شهر، ألا أوّل ليلة من شهر رمضان. فإنّه يستحبّ ذلك، لمكان الآية.
( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ ) :
استئناف يبين سبب الإحلال، وهو قلّة الصّبر عنهنّ وصعوبة اجتنابهنّ، لكثرة المخالطة وشدّة الملابسة، ولما كان الرّجل والمرأة يعتنقان، ويشتمل كلّ منهما على صاحبه شبّه باللّباس، أو لأنّ كلّ واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور.
( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) : تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظّها من الثّواب.
والاختيان أبلغ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب.
( فَتابَ عَلَيْكُمْ ) لـمّا تبتم ما اقترفتموه.
( وَعَفا عَنْكُمْ ) : ومحى عنكم أثره.
( فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ ) : نسخ عنكم التّحريم والمباشرة.
إلزاق البشرة بالبشرة، كنّى به عن الجماع.
( وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) :
واطلبوا ما قدّره لكم. وأثبته في اللّوح من الولد.
( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) : شبّه أوّل ما يبدو في الفجر المعترض في الأفق وما يمتدّ معه من غلس اللّيل، بخيطين أبيض وأسود. واكتفى ببيان الخيط الأبيض، لقوله «من الفجر» عن بيان الخيط الأسود، لدلالته عليه. وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التّمثيل. ويجوز أن يكون «من» للتّبعيض. فإنّ ما يبدو بعض الفجر.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وأحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٨٠.
(٢) الكافي ٤ / ٩٨، ح ٤.
أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ) .» الآية. فقال: نزلت في خوات بين جبير الأنصاري. وكان مع النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في الخندق. وهو صائم. فأمسى، وهو على تلك الحال. وكانوا قبل أن تنزل هذه الآية إذا نام أحدهم، حرّم عليه الطّعام والشّراب. فجاء خوات إلى أهله حين أمسى.
فقال: هل عندكم طعام؟
قالوا(١) : لا تنم حتى نصلح لك طعاما. فاتكا فنام.
فقالوا له: قد فعلت.
قال: نعم.
فبات على تلك الحال. فأصبح. ثمّ غدا إلى الخندق فجعل يغشى عليه فمرّ به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فلمّا رأى الّذي أخبره به كيف كان أمره، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ فيه الآية:( كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) .»
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي ـ رفعه(٣) . قال: قال الصّادق ـ عليه السّلام: كان النّكاح والأكل، محرّمان(٤) في شهر رمضان، باللّيل بعد النّوم، يعني: كلّ من صلّى العشاء ونام ولم يفطر ثمّ انتبه، حرّم عليه الإفطار. وكان النّكاح حراما باللّيل والنّهار، في شهر رمضان. وكان رجل من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقال له خوات بن جبير، أخو عبد الله بن جبير الّذي كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وكّله بفم الشّعب، يوم أحد، في خمسين من الرّماة، ففارقه أصحابه، بقي في اثني عشر رجلا، فقتل على باب الشّعب. وكان أخوه هذا، خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا. وكان صائما.
فأبطأت عليه أهله بالطّعام. فنام قبل أن يفطر. فلمّا انتبه قال لأهله: «قد حرّم عليّ الأكل في هذه اللّيلة.» فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه. فرآه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فرّق له. وكان قوم من الشبّان ينكحون باللّيل، سرّا في شهر رمضان فأنزل الله:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ. عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ. فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ. فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَ
__________________
(١) المصدر: فقالوا: لا.
(٢) تفسير القمي ١ / ٦٦، بتفاوت.
(٣) أ: رفعة.
(٤) كذا في أور وفي المصدر وفي الأصل: محرما.
وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) .» فأحلّ الله ـ تبارك وتعالى ـ النّكاح باللّيل، في شهر رمضان، والأكل بعد النّوم إلى طلوع الفجر لقوله:( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) ».
قال: هو بياض النّهار من سواد اللّيل.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وسئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
فقال: بياض النّهار من سواد اللّيل.
وقال في خبر آخر(٢) : هو الفجر الّذي لا شكّ فيه.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن مهزيار قال: كتب أبو الحسن بن الحسين(٤) إلى أبي جعفر الثّاني ـ عليه السّلام ـ معي: جعلت فداك! قد اختلف مواليك(٥) في صلاة الفجر. فمنهم من يصلّي إذا طلع الفجر الأوّل المستطيل في السّماء.
ومنهم من يصلّي إذا اعترض مع أسفل الأفق واستبان. ولست أعرف أفضل الوقتين، فأصلّي فيه. فإن رأيت أن تعلّمنى أفضل الوقتين. وتحدّه لي. وكيف أصنع مع القمر والفجر؟ لأتبيّن معه حتّى يحمرّ ويصبح؟ وكيف أصنع مع الغيم؟ وما حدّ ذلك في السّفر والحضر؟ فعلت ـ إن شاء الله.
فكتب ـ عليه السّلام ـ بخطه وقراءته: الفجر ـ يرحمك الله ـ هو الخيط الأبيض المعترض، ليس هو الأبيض صعدا. فلا تصلّ في سفر ولا حضر، حتّى تتبيّنه. فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يجعل خلقه في شبهة من هذا. فقال( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) .» فالخيط الأبيض، هو المعترض الّذي يحرم به الأكل والشّرب في الصّوم. وكذلك هو الّذي يوجب به الصّلاة.
محمّد بن يحيى(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران وقال: سألته عن رجلين قاما فنظرا إلى الفجر. فقال أحدهما: هو ذا.» وقال الآخر: «ما
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٨٢، ح ٣٦٣.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٦٤.
(٣) الكافي ٣ / ٢٨٢، ح ١.
(٤) المصدر: الحصين.
(٥) المصدر: مواليك. (ظ)
(٦) نفس المصدر ٤ / ٩٧، ح ٧.
أرى شيئا.» قال: فليأكل الّذي لم يتبيّن له الفجر. وقد حرّم على الّذي زعم أنّه رأى الفجر. إنّ الله يقول:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) .» من الفجر.
( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) :
بيان آخر وقته. وإخراج اللّيل عنه. فينفى صوم الوصال.
وفي الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فظنّوا أنّه ليل، فأفطروا. ثمّ أنّ السّحاب انجلى. فإذا الشّمس.
فقال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(٢) ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) .» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا.
[عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن أبي بصير وسماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوم صاموا شهر رمضان، فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشّمس، فرأوا أنّه اللّيل، فأفطر بعضهم، ثمّ أنّ السّحاب انجلى، فإذا الشّمس، قال: على الّذي أفطر، صيام ذلك اليوم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(٤) : و( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) .» فمن أكل قبل أن يدخل اللّيل، فعليه قضاؤه. لأنّه أكل متعمّدا].(٥)
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : القاسم بن سليمان، عن جراح، عنه(٧) قال: قال الله:( ثُمَ ) (٨) ( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) »، يعني: صوم(٩) رمضان فمن رأى الهلال(١٠) بالنّهار، فليتمّ صيامه.
( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) : معتكفون فيها.
والاعتكاف، هو اللّبث في المسجد، لقصد القربة.
او المراد بالمباشرة، الوطء.
وعن قتادة(١١) : كان الرّجل يعتكف، فيخرج إلى امرأته، فيباشرها، ثمّ يرجع فنهوا
__________________
(١) الكافي ٤ / ١٠٠، ح ١.
(٢) الأصل ور والمصدر: و.
(٣) الكافي ٤ / ١٠٠، ح ٢. (٤) ثم. (ظ)
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ. (٦) تفسير العياشي ١ / ٨٤، ح ٢٠١.
(٧) المصدر: عن الصادق ـ عليه السّلام.
(٨) كذا في أ. وفي المصدر والأصل ور: و.
(٩) المصدر: صيام.
(١٠) المصدر: هلال الشوال. (١١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٣.
عن ذلك.
وفي كتاب الخصال(١) ، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم الله تعالى من الفروج في القرآن، وعمّا حرّمه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في سنّته(٢) .
فقال: الّذي حرّم الله من ذلك، أربعة وثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن، وسبعة عشر في السّنّة. وأمّا الّتي في القرآن: فالزّنا ـ إلى قوله عليه السّلام ـ والنّكاح في الاعتكاف، لقوله تعالى:( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) .»
وفي الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: ما تقول في الاعتكاف ببغداد، في بعض مساجدها؟
فقال: لا اعتكاف إلّا في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل بصلاة جماعة.
ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكّة.
سهل بن زياد(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا اعتكاف إلّا في العشرين من شهر رمضان.
وقال: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ كان يقول لا أرى الاعتكاف إلّا في المسجد الحرام، أو مسجد الرّسول، أو مسجد جامع. ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد، إلّا لحاجة لا بدّ منها. ثمّ لا يجلس حتّى يرجع(٥) . والمرأة مثل ذلك.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سئل عن الاعتكاف.
قال: لا يصلح الاعتكاف الّا في مسجد الحرام، أو مسجد الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة. وتصوم ما دمت معتكفا.
واعلم أنّه ينبغي حمل مسجد الجماعة في الأخبار الّتي وقع فيها، على مسجد جمع فيه
__________________
(١) الخصال ٢ / ٥٣٢، ح ١٠.
(٢) أور: سنة.
(٣) الكافي ٤ / ١٧٦، ح ١.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٥) ر: ثم لا يجلس يرجع حتى لا يرجع.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
الإمام العدل، ليطابق الخبر الأوّل.
( تِلْكَ ) ، أي: الأحكام الّتي ذكرت،( حُدُودُ اللهِ ) : حدود قرّرها الله.
( فَلا تَقْرَبُوها ) : نهى أن يقرَب الحدّ الحاجز بين الحقّ والباطل، لئلّا يدانى الباطل، فضلا على أن يتخطّى
، كما قال ـ عليه السّلام(١) : إنّ لكلّ ملك حمى. وإن حمى الله محارمه. فمن رتع حول الحمى، يوشك أن يقع فيه.
وهو أبلغ من قوله: «فلا تعتدوها.» ويجوز أن يريد بحدود الله، محارمه ومناهيه.
( كَذلِكَ ) : مثل ذلك التّبيين،( يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (١٨٧) مخالفة الأوامر والنّواهي.
( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) ، أي: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الّذي لم يبحه الله.
و «بين» نصب على الظّرف، أو الحال من «الأموال.»( وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ) : عطف على النّهي، أو نصب بإضمار «أن.» والإدلاء: الإلقاء، أي: ولا تلقوا حكومتها إلى حكّام الجور،( لِتَأْكُلُوا ) بالتّحاكم،( فَرِيقاً ) : طائفة،( مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ ) : بما يوجب إثما، كشهادة الزّور، أو اليمين الكاذبة، أو متلبّسين بالإثم،( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (١٨٨): أنّكم مبطلون. فإنّ ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح.
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن زياد بن عيسى قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) .» فقال: كانت قريش يتغامز(٣) الرّجل بأهله وماله فنهاهم الله عن ذلك.
محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن بحر، عن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٤.
(٢) الكافي ٥ / ١٢٢، ح ١.
(٣) كذا في الأصل ور. وفي المصدر: تقامر. والظاهر: تتقامر.
(٤) نفس المصدر ٧ / ٤١١، ح ٣.
عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ) .» فقال: يا أبا بصير! إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد علم أنّ في الأمّة حكّاما يجورون. أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور.
وفي تفسير العيّاشى(١) : عن الحسن بن عليّ قال: قرأت في كتاب أبي الأسد.
إلى أبي الحسن الثاني(٢) ـ عليه السّلام ـ وجوابه بخطّه سأل: ما تفسير قوله( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ) »؟
قال: فكتب إليه الحكّام القضاة.
قال: ثمّ كتب تحته: هو أن يعلم الرّجل، أنّه ظالم عاص. هو غير معذور في أخذه ذلك الّذي حكم له به، إذا كان قد علم أنّه ظالم.
في من لا يحضره الفقيه(٣) : روى سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: الرّجل منّا يكون عنده الشّيء يتبلّغ به وعليه الدّين. أيطعمه عياله حتّى يأتيه الله ـ عزّ وجلّ ـ بميسرة، فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في خبث الزّمان وشدّة المكاسبة؟ أو يقبل الصّدقة؟
فقال: يقضي بما عنده دينه. ولا يأكل أموال النّاس إلّا وعنده ما يؤدّي إليهم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) .»
وفي مجمع البيان(٤) : وروى عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه يعنى بالباطل: اليمين الكاذبة، يقطع بها(٥) الأموال.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قوله( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) » (الآية) فإنّه قال العالم ـ عليه السّلام: قد علم الله أنّه يكون حكّام(٧) يحكمون بغير الحقّ. فنهى أن يحاكم(٨) إليهم لأنّهم(٩) لا يحاكمون بالحقّ، فتبطل الأموال.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٨٥، ح ٢٠٦.
(٢) كذا في المصدر وفي تفسير البرهان ١ / ١٨٨. وفي النسخ: الثالث.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ / ١١٢.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٨٢.
(٥) المصدر: يقتطع به. (ظ)
(٦) تفسير القمي ١ / ٦٧.
(٧) المصدر: حكاما.
(٨) المصدر: يتحاكم.
(٩) المصدر: فانّهم.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ) :
سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم(١) فقالا: ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثمّ يزيد حتّى يستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ؟
( قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ ) :
إنّهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر، وتبدّل أمره. فأمره الله أن يجيب بأنّ الحكمة الظّاهرة في ذلك أن يكون معالم للنّاس. يؤقّتون بها أمورهم ومعالم للعبادات المؤقّتة. يعرف بها أوقاتها. وخصوصا الحجّ. فإنّ الوقت مراعى فيه، أداء وقضاء.
والمواقيت، جمع ميقات، من الوقت. والفرق بينه وبين المدّة والزّمان، أنّ المدّة المطلقة، امتداد حركة الفلك، من مبدئها إلى منتهاها. والزّمان مدّة مقسومة. والوقت، الزّمان المفروض لأمر.
وفي تهذيب الأحكام(٢) : عليّ بن حسن بن فضّال قال: حدّثني محمّد بن عبد الله بن زرارة، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد الله بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الأهلّة.
قال: هي أهلّة الشّهور. فإذا رأيت الهلال، فصم. وإذا رأيته، فأفطر.
عليّ بن الحسن بن فضّال(٣) ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر العبديّ قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ ـ عليه السّلام ـ يقول: صم حين يصوم الناس. وأفطر حين يفطر النّاس. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ جعل الأهلّة مواقيت.
أبو الحسن محمّد بن أحمد بن داود(٤) قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن سعيد عن الحسين(٥) بن القسم، عن عليّ بن إبراهيم. قال: حدّثني أحمد بن عيسى بن عبد الله، عن عبد الله بن عليّ بن الحسن، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ ) »، قال: لصومهم وفطرهم وحجهم.
( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها. وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ) :
وجه اتّصاله بما قبله أنّهم سألوا عن الأمرين، أو أنّه(٦) لـمّا سألوا عمّا لا يعنونه، ولا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٤.
(٢) تهذيب الأحكام ٤ / ١٦١، ح ٤٥٥.
(٣) نفس المصدر ٤ / ١٦٤، ح ٤٦٢.
(٤) نفس المصدر ٤ / ١٦٦، ح ٤٧٣.
(٥) المصدر: الحسن.
(٦) أ: أو أنّه لـمّا سألوا عن الأمرين، أو انّه.
يتعلّق بعلم النّبوّة، وتركوا السّؤال عمّا يعنونه، ويختصّ بعلم النّبوّة، عقّب بذكره جواب ما سألوه، تنبيها على أنّ اللائق لهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتمّوا بالعلم بها. أو أنّ المراد به التّنبيه على تعكيسهم السّؤال وتمثيلهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه.
والمعنى: وليس البرّ أن تعكسوا في مسائلكم ولكنّ البرّ من اتّقى ذلك، ولم يجسر على مثله.
( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) ، إذ ليس في العدول برّ.
في مجمع البيان(١) : فيه وجوه :
أحدها ـ أنّه كان المجرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها. ولكنّهم كانوا يتنقّبون(٢) في ظهور بيوتهم، أي: في مؤخّرها نقبا يدخلون ويخرجون منه. فنهوا عن التّديّن بذلك. رواه أبو الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.
وثانيها ـ أنّ معناه ليس البرّ بأن تأتوا الأمور(٣) من غير جهاتها. وينبغي أن تؤتى(٤) الأمور من جهاتها، أيّ الأمور كان. وهو المرويّ عن جابر عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.
وثالثها ـ وقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ آل محمّد أبواب الله وسبله والدّعاة إلى الجنّة والقادة إليها والأدلاء عليها، إلى يوم القيامة، وقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم. وعلىّ بابها. ولا تؤتى المدينة إلّا من بابها ويروى: أنا مدينة الحكمة.
وفي كتاب الاحتجاج(٥) ، للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن الأصبغ بن نباتة. قال: كنت عند أمير المؤمنين ـ عليه السّلام. فجاءه ابن الكوّاء فقال: يا أمير المؤمنين! قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) ».
فقال ـ عليه السّلام: نحن البيوت الّتي أمر الله أن تؤتى من أبوابها. نحن باب الله وبيوته الّتي يؤتى منها(٦) . فمن بايعنا وأقرّ بولايتنا، فقد أتى البيوت من أبوابها. ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لو شاء عرّف النّاس
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٨٤.
(٢) كذا في النسخ. وفي المصدر: ينقبون. (ظ)
(٣) المصدر: البيوت.
(٤) المصدر: تأتوا.
(٥) الاحتجاج ١ / ٣٣٨.
(٦) المصدر: منه.
نفسه حتّى يعرفوه وحده ويأتوه(١) من بابه ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الّذي يؤتى منه.
قال: فمن(٢) عدل عن ولايتنا وفضّل علينا غيرنا، فقد أتى البيوت من ظهورها.
وإنّهم عن الصّراط لنا كبون.
وعن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام(٣) ـ في حديث طويل وفيه: وقد جعل الله للعلم أهلا. وفرض على العباد طاعتهم بقوله:( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) . والبيوت هي بيوت العلم الّذي استودعته الأنبياء. وأبوابها أوصياؤهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن سعد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها ) .
فقال: آل محمّد أبواب الله وسبله والدّعاة الى الجنّة والقادة إليها والادلّاء عليها، إلى يوم القيامة.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٥) :](٦) ويؤيّده ما رواه محمّد بن يعقوب ـ ره ـ عن عليّ(٧) بن(٨) محمّد بن جمهور، عن سليمان بن سماعة، عن عبد الله بن القسم(٩) ، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: الأوصياء هم أبواب الله ـ عزّ وجلّ ـ التي يؤتى منها.
ولولاهم ما عرف الله ـ عزّ وجلّ. وبهم احتجّ على خلقه.
وروى في معنى «من يأتى البيوت من غير أبوابها» ما رواه أبو عمرو الزّاهد(١٠) ، في كتابه، بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: قلت له: إنّا نرى الرّجل من المخالفين عليكم له عبادة واجتهاد وخشوع. فهل ينفعه ذلك؟
فقال: يا أبا محمّد! إنّما مثلهم كمثل أهل بيت في بني إسرائيل. كان إذا اجتهد أحد منهم أربعين ليلة، ودعا الله أجيب. وإنّ رجلا منهم اجتهد أربعين ليلة، ثم دعا الله ،
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يعرفونه ويأتونه.
(٢) المصدر: فقال فيمن.
(٣) نفس المصدر ١ / ٣٦٩.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٨٦، ح ٢١٠.
(٥) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٩ ـ ٣٠.
(٦) ليس في أ.
(٧) المصدر: معلّى.
(٨) المصدر وأ: عن.
(٩) المصدر ور وأ: القاسم.
(١٠) نفس المصدر ونفس الموضع.
فلم يستجب له فأتى عيسى بن مريم ـ عليه السّلام ـ يشكو إليه ما هو فيه. ويسأله الدّعاء له.
قال: فتظهّر عيسى ـ عليه السّلام. ثمّ دعا الله. فأوحى الله إليه. يا عيسى! إنّه أتانى من غير الباب الّذي يؤتى(١) منه. إنّه دعاني وفي قلبه شكّ منك. فلو دعاني حتّى ينقطع عنقه وتنتشر أنامله، ما استجبت له.
قال: فالتفت عيسى ـ عليه السّلام ـ [اليه].(٢) وقال [له]:(٣) تدعو ربك وفي قلبك شكّ من نبيّه؟
فقال: يا روح الله وكلمته! قد كان ما قلت. فأسال الله أن يذهب به عنّي.
فدعا له عيسى ـ عليه السّلام. فتقبّل الله فيه(٤) . وصار الرّجل من جملة اهل بيته. وكذلك نحن أهل البيت. لا يقبل الله عمل عبد(٥) ، وهو يشك فينا.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في تغيير أحكامه،( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١٨٩): لكي تظفروا بالهدى والبرّ.
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) : جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه.
( الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) :
قيل(٦) : كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافّة المقاتل منهم والمحاجز.
وقيل(٧) : معناه الّذين يناصبونكم القتال ويتوقّع منهم القتال، دون غيرهم، من المشايخ والصبيان والرهبان والنّساء، او الكفرة كلهم. فإنّهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده.
وفي مجمع البيان(٨) : المرويّ عن أئمتنا ـ عليهم السّلام ـ أنّ هذه الآية ناسخة(٩) لقوله تعالى(١٠) :( كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) . وكذلك قوله(١١) :( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) ، ناسخ لقوله(١٢) :
__________________
(١) النسخ: اتوى.
(٢ و ٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: منه.
(٥) المصدر: عبده.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٠٥.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٨) مجمع البيان ١ / ٢٨٥.
(٩) ر: منسوخة.
(١٠) النساء / ٧٧.
(١١) البقرة / ١٣٠.
(١٢) الأحزاب / ٤٨.
( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ ) .
( وَلا تَعْتَدُوا ) بابتداء القتال، أو بقتال المعاهد، أو المفاجأة، من غير دعوة، أو المثلة، أو قتل من نهيتم عن قتله من النّساء والصّبيان.
( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (١٩٠): لا يريد بهم الخير.
( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) : حيث وجدتموهم، في حلّ أو حرم.
وأصل الثّقف، الحذق في إدراك الشّيء، علما كان أو عملا. فهو يتضمّن معنى الغلبة. ولذلك استعمل فيها.
قال(١) :
فأمّا تثقفوني فاقتلوني |
فمن أثقف فليس إلى خلود |
( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ) ، أي: مكّة. وقد فعل ذلك لمن لم يؤمن يوم الفتح.
( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) ، أي: المحنة الّتي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن، أصعب من القتل، لدوام تعبها وتألّم النّفس بها.
وقيل(٢) : معناه شركهم في الحرم، وصدّهم إيّاكم عنه، أشدّ من قتلكم إيّاهم فيه.
( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ ) ، أي: لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة المسجد.
( فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) : فلا تبالوا بقتالهم ثمّة. فإنّهم الّذين هتكوا حرمته.
وقرأ حمزة والكسائيّ(٣) : ولا تقتلوهم حتّى يقتلوكم فإن قتلوكم. والمعنى: حتّى يقتلوا بعضكم(٤) .
( كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ) (١٩١): مثل ذلك جزاؤهم. يفعل بهم، مثل ما فعلوا.
( فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن القتال والكفر،( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٩٢): يغفر لهم ما قد سلف.
( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) : شرك.
( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) خالصا ليس للشّيطان فيه نصيب.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٥.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٤) أ: بعضهم.
وفي مجمع البيان(١) : وفي الآية دلالة على وجوب إخراج الكفّار من مكّة، لقوله :( حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) . والسّنّة، أيضا، قد وردت بذلك. وهو قوله ـ عليه السّلام: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان.
( فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن الشرك،( فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١٩٣) أي: لا تعتدوا عليهم إذ لا يحسن الظّلم، إلّا على من ظلم. فوضع العلّة موضع الحكم. وسمّى جزاء الظّلم باسمه، للمشاكلة. أو إنّكم إن تعرّضتم للمنتهين، صرتم ظالمين ويحسن العدوان عليكم.
و «الفاء» الأولى، للتّعقيب، والثّانية، للجزاء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الحسن بياع(٣) الهرويّ، يرفعه عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قوله:( فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) ، قال: إلّا على ذرّيّة قتلة الحسين ـ عليه السّلام.
عليّ بن ابراهيم(٤) قال: أخبر من رواه عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: قلت: لا عدوان إلّا على الظّالمين.
قال: لا يعتدي الله على أحد إلّا على نسل(٥) ولد قتلة الحسين ـ عليه السّلام.
وفي هذا الخبر، إشكال بحسب المعنى. لأنّه إن أريد بالاعتداء الزّيادة في العذاب.
على قدر(٦) العمل، لا يجوز إسناده إلى الله ـ عزّ وجلّ. لأنّه عدل. لا يجوز. وإن أريد مجازاة العمل القبيح، لا يختصّ بذرّيّة قتلة الحسين ـ عليه السّلام. وأيضا الإشكال في مؤاخذة ذرّيّة قتلة الحسين ـ عليه السّلام ـ بأعمال آبائهم.
ويمكن أن يقال: المراد بالاعتداء، العذاب الغليظ المتجاوز عمّا يحيط به العقل.
وذلك بسبب شدّة قبح أعمال آبائهم. والقبيح منهم الرّضا بفعال أسلافهم. وعدم(٧) اللّعن عليهم في ليلهم ونهارهم وقبيح عمل غيرهم ليس بهذه المثابة وإن كان ملحقا بهم ومن جملتهم. فيحسن الاعتداء بهذا المعنى عليه، أيضا.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٨٦.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٨٦، ح ٢١٤.
(٣) كذا في المصدر وفي النسخ. والظاهر أنّه «البياع».
(٤) نفس المصدر ١ / ٨٧، ح ٢١٦.
(٥) ليس في أ.
(٦) ر: بقدر.
(٧) أ: وعدهم.
( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ) :
قيل(١) : قاتلهم المشركون عام الحديبية، في ذي القعدة. واتّفق خروجهم لعمرة القضاء فيه. فكرهوا أن يقاتلوهم فيه، لحرمته. فقيل لهم: هذا الشّهر بذاك. وهتكه بهتكه.
فلا تبالوا به.
( وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ) ، أي: كلّ حرمة يجرى فيها القصاص: فلمّا هتكوا حرمة شهركم بالصّدّ، فافعلوا مثله.
وفي مجمع البيان(٢) : والحرمات قصاص، قيل(٣) : [فيه قولان: أحدهما ـ أنّ الحرمات قصاص بالمراغمة](٤) بدخول البيت في الشّهر الحرام.
قال(٥) مجاهد: لأنّ قريشا فخرت بردّها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عام الحديبية، محرما في ذي القعدة، عن البلد الحرام. فأدخله الله ـ عزّ وجلّ ـ مكّة في العام المقبل، في ذي القعدة. فقضى عمرته. واقتصّه(٦) بما حيل بينه وبينه.
قال(٧) : وروى عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن العلا بن فضيل قال: سألته عن المشركين، أيبتدئهم(٩) المسلمون بالقتال في الشّهر الحرام؟
فقال: إذا كان المشركون ابتدؤوهم باستحلالهم، ثمّ رأى المسلمون انّهم يظهرون عليهم فيه. وذلك قوله( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ) .
( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) في الحرم،( فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) في الحرم.
وفي تهذيب الأحكام(١٠) : موسى بن القسم، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: رجل قتل رجلا في الحرم. وسرق في الحرم.
فقال: يقام عليه الحدّ وصغار له. لأنّه لم ير للحرم حرمة. وقد قال الله تعالى :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٦.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨.
(٣) ليس في ر.
(٤) ليس في أ.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) أ: أقتضاه. المصدر: أقصه.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٨) تفسير العياشي ١ / ٨٦، ح ٢١٥.
(٩) أو المصدر: أيبتدء بهم.
(١٠) تهذيب الأحكام ٥ / ٤١٩، ح ١٤٥٦.
[( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ]) (١) ( فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) ، يعني: في الحرم. وقال:( فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في الانتصار. ولا تعتدوا إلى(٢) ما لم يرخّص لكم.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) . (١٩٤): فيحرسهم ويصلح شأنهم.
( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) . ولا تمسكوا كلّ الإمساك.
( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) بالإسراف وتضييع وجه المعاش، أو بالكفّ عن الغزو والإنفاق فيه. فإنّه يقوّي العدوّ ويسلّطهم على إهلاككم، أو بالإمساك وحبّ المال. فإنّه يؤدّى إلى الهلاك المؤبّد. ولذلك سمّي البخل، هلاكا. وهو في الأصل انتهاء الشّيء في الفساد والإلقاء طرح الشّيء.
وعدّي بإلى، لتضمّن معنى الانتهاء.
والباء مزيدة.
والمراد بالأيدي، الأنفس.
والتّهلكة والهلاك والهلك، واحد فهي مصدر، كالتّضرّة والتّسرّة، أي: لا توقعوا أنفسكم في الهلاك.
وقيل(٣) : معناه لا تجعلوها أخذة بأيديكم. أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها. فحذف المفعول.
[( وَأَحْسِنُوا ) أعمالكم وأخلاقكم. وتفضّلوا على المحاويج.
( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (١٩٥) ويجازيهم أحسن جزاء على الإحسان].(٤)
وفي الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد وسهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب، عن حمّاد اللّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لو أنّ رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل الله، ما كان أحسن ولا أوفق. أليس يقول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ؟ يعني: المقتصدين.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الظاهر: على.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٠٦.
(٤) ما بين المعقوفتين يوجد في أ، فقط.
(٥) الكافي ٤ / ٥٣، ح ٧.
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ذكر مولد الرّضا ـ عليه السّلام: ملك عبد الله المأمون عشرين(٢) سنة وثلث وعشرين يوما. فأخذ في(٣) البيعة في ملكه لعليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ بعهد المسلمين من غبر رضاه. وذلك بعد أن تهدّده(٤) بالقتل وألحّ عليه مرّة بعد أخرى، في كلّها يأتى(٥) عليه من(٦) يأتيه(٧) حتى أشرف على الهلاك. فقال ـ عليه السّلام: أللّهمّ إنّك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التّهلكة. وقد أكرهت واضطررت كما أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل متى(٨) لم أقبل ولاية عهده. وقد أكرهت واضطررت كما اضطرّ يوسف ودانيال ـ عليهما السّلام ـ إذ قبل كلّ واحد منهما الولاية من طاغية زمانه.
اللهمّ لا عهد إلّا عهدك ولا ولاية(٩) إلّا من قبلك. فوفّقني لإقامة دينك وإحياء سنّة نبيّك.
فإنّك أنت المولى(١٠) والنّصير. ونعم المولى أنت ونعم النّصير.
ثمّ قبل ولاية العهد من المأمون وهو باك حزين على أن لا يوالي أحدا، ولا يعزل أحدا، ولا يغيّر رسما(١١) ولا سنّة. وأن يكون في الأمر مشيرا(١٢) من بعيد.
وفي خبر آخر طويل(١٣) ، قال له المأمون، بعد أن أبى من قبول العهد: فبالله أقسم، لئن قبلت ولاية العهد. وإلّا أجبرتك على ذلك. فإن فعلت وإلّا ضربت عنقك.
فقال الرّضا ـ عليه السّلام: قد نهاني الله ـ عزّ وجلّ ـ أن ألقي بيدي الى التّهلكة.
فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدأك. فأنا(١٤) أقبل على أن(١٥) لا أوالي أحدا ولا أعزل أحدا ولا أنقض رسما ولا سنّة. وأكون في الأمر من بعيد مشيرا.
فرضي منه بذلك فجعله(١٦) وليّ عهده على كراهة منه ـ عليه السّلام ـ لذلك(١٧) .
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ١ / ١٦، ح ١.
(٢) ليس في ر.
(٣) ليس في المصدر. (ظ)
(٤) المصدر: هدّده.
(٥) المصدر: يأبي. (ظ)
(٦) المصدر: حتّى أشرف من.
(٧) المصدر: تأبيه.
(٨) المصدر: منى إن.
(٩) المصدر: ولاية لي.
(١٠) المصدر: وأنت.
(١١) ر: رسم. (١٢) ر: بشير.(١٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
(١٤) المصدر: وإنّا. (ظ) (١٥) المصدر: أنّي. (١٦) المصدر: وجعله. (ظ) (١٧) المصدر: بذلك.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) ، في الحقوق المرويّة عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام: وحقّ السّلطان، أن تعلم أنّك جعلت له فتنة. وأنّه مبتلى فيك بما جعله الله ـ عزّ وجلّ ـ له عليك من السّلطان. وأنّ عليك أن لا تتعرّض لسخطه، فتلقى بيدك إلى التّهلكة. وتكون شريكا له فيما يأتي إليك من سوء.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ ـ رحمه الله ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل. يقول فيه لعليّ ـ عليه السّلام: يا أخي! أنت سيفي(٣) من بعدي وستلقى من قريش شدّة. ومن تظاهرهم عليك وظلمهم لك. فإن وجدت عليهم أعوانا، فجاهدهم وقاتل من خالفك بمن وافقك.
وإن لم تجد أعوانا، فاصبر وكفّ يدك ولسانك. ولا تلق بها إلى التّهلكة.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الحسن بن الجهم قال: قلت للرّضا ـ عليه السّلام: أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قد عرف قاتله واللّيلة التي يقتل فيها والموضع الّذي يقتل فيه. وقوله لـمّا سمع صياح الإوزّ في الدّار: «صوائح تتبعها نوائح.» وقول أمّ كلثوم: «لو صلّيت اللّيلة داخل الدّار. وأمرت غيرك يصلّي بالنّاس.» فأبى عليها. وكثر دخوله وخروجه تلك اللّيلة بلا سلاح. وقد عرف ـ عليه السّلام ـ أنّ ابن ملجم ـ لعنه الله ـ قاتله بالسّيف. كان هذا ممّا لا يحسن(٥) تعرّضه.
فقال: ذلك كان ولكنّه جبن(٦) في تلك اللّيلة لتمضي مقادير الله ـ عزّ وجلّ.
وفي أمالي الصّدوق ـ رحمه الله(٧) ـ بإسناده إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: طاعة السّلطان، واجبة. ومن ترك طاعة السّلطان، فقد ترك طاعة الله. ودخل في نهيه. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) .
[وأحسنوا أعمالكم وأخلاقكم. وتفضّلوا على المحاويج. إنّ الله يحبّ المحسنين.
ويجازيهم أحسن جزاء على الإحسان.
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٧٧، ح ١٦٢٦.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢٦٤، ح ١٠.
(٣) المصدر: ستبقى. (ظ)
(٤) الكافي ١ / ٢٥٩، ح ٤.
(٥) المصدر: لم يجز.
(٦) المصدر: خيّر. (ظ)
(٧) أمالى الصدوق / ٢٧٧، مجلس ٥٤، ح ٢٠.
وفي محاسن البرقيّ(١) ، عنه، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد. قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إذا أحسن المؤمن عمله، ضاعف الله عمله بكلّ حسنة سبعمائة. وذلك قول الله ـ تبارك وتعالى:( يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) . فأحسنوا أعمالكم الّتي يعملونها لثواب الله.
فقلت له: وما الإحسان؟
قال: فقال: إذا صلّيت، فأحسن ركوعك وسجودك. وإذا صمت، فتوقّ كلّ ما فيه فساد صومك. وإذا حججت، فتوقّ ما يحرم عليك في حجّك وعمرتك.
قال: وكلّ عمل يعمله لله، فليكن نقيّا من الدّنس(٢) .]
( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ، أي ائتوا بهما تأمين لوجه الله. وهو يدلّ على وجوبهما.
وفي مجمع البيان(٣) :( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ، أي: أتمّوهما بمناسكهما وحدودهما وتأدية كلّ ما فيهما.
وقيل: أقيموهما إلى آخر ما فيهما. وهو المرويّ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وعلي بن الحسين ـ عليهما السّلام.
والظّاهر أنّ ما ذكره من المعنيين، مع ما أوردنا، متّحد.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ما كتبه الرّضا ـ عليه السّلام ـ للمأمون، من محض الإسلام وشرائع الدّين: ولا يجوز القرآن والإفراد الّذي يستعمله العامّة إلّا لأهل مكّة وحاضريها. ولا يجوز الإحرام دون الميقات. قال الله ـ عزّ وجلّ:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) .
وفي كتاب الخصال(٥) : عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ قال: هذه شرائع الدّين ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ ولا يجوز القرآن والإفراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام. ولا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات ولا يجوز تأخيره عن الميقات إلّا لمرض أو تقيّة. وقد قال الله تعالى:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . وتمامهما اجتناب الرّفث والفسوق والجدال، في الحجّ.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضى الله
__________________
(١) المحاسن / ٢٥٤، ح ٢٨٣.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) مجمع البيان ١ / ٢٩٠.
(٤) عيون أخبار الرضا ٢ / ١٢٢، ح ١.
(٥) الخصال ٢ / ٦٠٦، ح ٩.
(٦) علل الشرائع ٢ / ٤٠٨، ح ١.
عنه. قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن العبّاس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير. وحمّاد وصفوان بن يحيى وفضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: العمرة واجبة على الخلق، بمنزلة الحجّ من استطاع. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . وإنّما نزلت العمرة بالمدينة. وأفضل العمرة، عمرة رجب.
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضى الله عنه(١) ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن حمّاد بن عيسى، عن أبان بن عثمان، عمّن أخبره، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: لم سمّي الحجّ، حجّا؟
قال: حجّ فلان، أي: أفلح فلان.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة.
قال: كتبت إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمسائل بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العبّاس فجاء الجواب بإملائه: سألت عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ، يعني به: الحجّ والعمرة، جميعا. لأنّهما مفروضان.
وسألته عن قول الله تعالى:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . قال: يعني بتمامهما أداءهما واتّقاء ما يتّقى المحرم فبهما.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
الحسين بن محمّد(٣) عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ، عن أبان(٤) ، عن الفضل [بن شاذان، عن](٥) أبي العبّاس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ، قال: هما مفروضان.
عدّة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، في قول الله تعالى:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ، قال: إتمامهما أن لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ.
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٤١١، ح ١.
(٢) الكافي ٤ / ٢٦٤، ح ١.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٢٦٥، ح ٢.
(٤) المصدر: أبان بن عثمان.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) نفس المصدر ٤ / ٣٧٧، ح ٢.
ابن أبي عمير(١) ، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ على من استطاع. لأنّ الله تعالى يقول:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . وإنّما نزلت العمرة بالمدينة.
قال: قلت له: فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ أيجزي ذلك عنه؟
قال: نعم.
وفي تهذيب الأحكام(٢) : روى موسى بن القسم، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام. قال: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ. لأنّ الله تعالى يقول:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) . وإنّما نزلت العمرة بالمدينة.
وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن جابر، عن أبي جعفر(٤) ـ عليه السّلام ـ قال: تمام الحجّ لقاء الإمام.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى. وابن أبي عمير، جميعا، عن معاوية بن عمّار ـ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إذا أحرمت فعليك بتقوى الله، وذكر الله كثيرا، وقلّة الكلام، إلّا بخير. فإنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه، إلّا من خير، كما قال الله تعالى. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) . (الحديث).
وفي عيون الأخبار(٦) ، بإسناده إلى إسماعيل بن مهران، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ قال: إذا حجّ أحدكم، فليختم حجّه بزيارتنا. لأنّ ذلك من تمام الحجّ.
( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) : منعتم.
يقال: حصره العدوّ، وأحصره، إذا حبسه ومنعه عن المضيّ، مثل: صدّ وأصدّ.
قيل(٧) : المراد حصر العدوّ، لقوله تعالى( فَإِذا أَمِنْتُمْ ) ، ولنزوله في الحديبية، ولقول
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٢٦٥، ح ٤.
(٢) تهذيب الأحكام ٥ / ٤٣٣، ح ١٥٠٢.
(٣) الكافي ٤ / ٥٤٩، ح ٢.
(٤) ر: أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
(٥) نفس المصدر ٤ / ٣٣٧، ح ٣.
(٦) عيون أخبار الرضا ٢ / ٢٦٢، ح ٢٨.
(٧) مجمع البيان / ٢٩٠.
ابن عبّاس: لا حصر إلّا حصر العدوّ.
وقيل(١) : وكلّ من منع من عدوّ ومرض. أو غيرهما لما روي عنه ـ عليه السّلام(٢) ـ من كسر أو عرج، فقد حلّ. فعليه الحجّ من قابل.
والتّحقيق: أنّ المحصور، هو المحصور بالمرض. والمصدود بالعدوّ. وإن كان المراد بالحصر بالقرينة، هو العموم هنا.
( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) ، أي: فعليكم ما استيسر، فالواجب ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر.
والمعنى: إن أحصر المحرم وأراد أن يتحلّل، تحلّل بذبح هدي يسر عليه من بدنة، أو بقرة، أو شاة.
وفي الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن عبد الله بن فرقد، عن حمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين صدّ بالحديبية، قصّر وأحلّ ونحر. ثمّ انصرف منها. ولم يجب عليه الحلق حتّى يقضي النّسك. فأمّا المحصور، فإنّما يكون عليه التقصير.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبى عمير. ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، وصفوان، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: المحصور غير المصدود المحصور المريض. والمصدود الّذي يصدّه المشركون، كما رووا عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٥) ليس من مرض. والمصدود تحلّ له النّساء. والمحصور لا تحلّ له النّساء.
قال: وسألته عن رجل أحصر وبعث بالهدى.
قال: يواعد أصحابه ميعادا، إن كان في الحجّ، فمحلّ الهدي يوم النّحر. فإذا كان يوم(٦) النّحر، فليقصّ من رأسه. ولا يجب عليه الحلق، حتّى يقضي المناسك. وإن كان في عمرة، فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكّة والسّاعة الّتي يعدهم فيها. فإذا كان تلك
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٩٠.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٠٦.
(٣) الكافي ٤ / ٣٦٨، ح ١.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٣٦٩، ح ٣.
(٥) المصدر: كما ردّوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأصحابه. (ظ)
(٦) «فإذا كان يوم النحر» ليس في ر.
السّاعة، قصّر وأحلّ. وإن كان مرض في الطّريق، بعد ما يخرج(١) فأراد الرّجوع رجع إلى أهله ونحر بدنة أو أقام مكانه، حتّى يبرأ إذا كان في عمرة. وإذا برئ، فعليه العمرة واجبة.
وإن كان عليه الحجّ، رجع أو أقام(٢) ففاته الحجّ، فإنّ عليه الحجّ من قابل. فإنّ الحسين بن عليّ ـ صلوات الله عليه ـ خرج معتمرا. فمرض في الطّريق. فبلغ عليّا ـ عليه السّلام ـ ذلك وهو في المدينة. فخرج في طلبه. فأدركه بالسّقيا(٣) . وهو مريض بها.
فقال: يا بنيّ! ما تشكي؟
فقال: أشتكي رأسي.
فدعا عليّ ـ عليه السّلام ـ ببدنة. فنحرها. وحلق رأسه. وردّه إلى المدينة. فلمّا برئ من وجعه، اعتمر.
قلت: أرأيت حين برئ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة حلّ له النّساء؟
قال: لا تحلّ له النّساء حتّى يطوف بالبيت وبالصّفا والمروة.
قلّت: فما بال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين رجع من الحديبية حلّت له النّساء ولم يطف بالبيت؟
قال: ليسا سواء كان النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ مصدودا والحسين ـ عليه السّلام ـ محصورا.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد. وسهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب(٥) ، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أحصر الرّجل بعث بهديه.
فإذا أفاق ووجد من نفسه خفّة، فليمض إن ظنّ أنّه يدرك النّاس. فإن قدم مكّة قبل أن ينحر الهدي، فليقم على إحرامه، حتّى يفرغ من جميع المناسك ولينحر هديه. ولا شيء عليه.
وإن قدم مكّة وقد نحر هديه، فإنّ عليه الحجّ من قابل أو(٦) العمرة.
قلت: فإن مات وهو محرم قبل أن ينتهي إلى مكّة؟
قال: يحجّ عنه، إن كانت حجّة الإسلام. ويعتمر. إنّما هو شيء عليه.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن
__________________
(١) المصدر: أحرم. (ظ)
(٢) أ: وأقام. ر: أو قام.
(٣) أ: بالسفيار. ر: بالسقيار.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٣٧٠، ح ٤.
(٥) أ: ابن رقاب.
(٦) أ: و.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٥.
أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في المحصور ولم يسق الهدي، قال: ينسّك. ويرجع. فإن لم يجد ثمن هدي، صام.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن مثنّى، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أحصر الرّجل، فبعث بهديه، فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنّه يذبح ستّة مساكين. الّذي أحصر(٢) فيه، أو يصوم، أو يتصدّق. والصّوم ثلاثة أيّام. والصّدقة(٣) على ستّة مساكين. ونصف صاع لكلّ مسكين.
سهل(٤) ، عن ابن أبي نضر، عن رفاعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: سألته عن الرّجل يشترط وهو ينوي المتعة، فيحصر، هل يجزئه أن لا يحجّ من قابل؟
قال: يحجّ من قابل. والحاجّ مثل ذلك إذا أحصر.
قلت: رجل ساق الهدى ثمّ أحصر.
قال: يبعث بهديه.
قلت: هل يتمتّع(٥) من قابل؟
قال: لا. ولكن يدخل في مثل ما خرج منه.
حميد بن زياد(٦) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن المثنّى، عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: المصدود(٧) يذبح حيث صدّ. ويرجع صاحبه. فيأتي النّساء. او المحصور: يبعث بهديه. ويعدهم يوما. فإذا بلغ الهدي، أحلّ هذا في مكانه.
قلت له: أرأيت أن ردوا(٨) عليه دراهمه ولم يذبحوا عنه وقد أحكّ فأتى النّساء؟
قال: فليعد وليس عليه شيء. وليمسك العام عن النّساء، إذا بعث.
وفي عيون الأخبار(٩) ، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، أنّه سمعها من الرّضا ـ عليه السّلام: فإن قال فلم أمروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك؟ قيل له: لأنّ الله
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٦.
(٢) أ: حصر.
(٣) أ: أو صدقة.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٣٧١، ح ٧.
(٥) المصدر: يستمتع. (ظ)
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٩.
(٧) ليس في ر.
(٨) ليس في ر.
(٩) عيون أخبار الرضا ٢ / ١١٨، ح ١.
تعالى وضع الفرائض على أدنى القوم قوّة(١) . كما قال ـ عزّ وجلّ:( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) ، يعني: بشاة ليسع القويّ والضّعيف. وكذلك سائر الفرائض. إنّها وضعت على أدنى القوم قوّة(٢) .
( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) .، أي: لا تحلقوا حتّى تعلموا أنّ الهدي المبعوث بلغ محلّه، أي: حيث يحلّ ذبحه فيه.
والمحلّ (بالكسر) يطلق للمكان والزّمان.
والهدي، جمع هدية، كجدي وجدية وقرئ الهدي جمع هديّة، كمطيّ ومطيّة.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين حجّ حجّة الوداع(٤) ، خرج في أربع بقين من ذي القعدة، حتّى أتى الشّجرة. فصلّى بها. ثمّ قاد راحلته حتّى أتى البيداء. فأحرم منها.
وأهلّ بالحجّ وساق مائة بدنة. وأحرم(٥) النّاس كلّهم بالحجّ، لا ينوون عمرة(٦) ، ولا يدرون ما المتعة، حتّى إذا قدم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مكّة، طاف بالبيت. وطاف النّاس معه. ثمّ صلّى ركعتين عند المقام. واستلم الحجر ثم قال: «أبدأ بما بدأ الله به.
فأتى الصّفا. فبدأ بها ثمّ طاف بين الصّفا والمروة، سبعا. فلمّا قضى طوافه عند المروة، قام خطيبا. فأمرهم أن يحلّوا ويجعلوها عمرة. وهو شيء أمر الله تعالى به. فأحلّ النّاس.
وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لو كنت استقبلت من أمري، ما استدبرت لفعلت كمّا أمرتكم. ولم يكن(٧) يستطيع ان(٨) يحلّ من أجل الهدي الّذي معه(٩) .
إنّ الله تعالى يقول:( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) .
فقال سراقة بن مالك بن خثعم(١٠) : يا رسول الله! علّمنا ديننا. كأنّنا خلقنا اليوم.
__________________
(١) ليس في أور. وفي المصدر: مرّة.
(٢) ليس في ر.
(٣) الكافي ٤ / ٢٤٨، ح ٦.
(٤) المصدر: الإسلام.
(٥) ر: إحرام.
(٦) أ: لا ينوون عمرة ولا يدرون عمرة.(٧) «يكن» ليس في أ.
(٨) ر: من أن.(٩) المصدر: كان معه.
(١٠) المصدر: جعشم.
أرأيت هذا الّذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لكلّ عام؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: بل(١) لأبد الأبد.
وإنّ رجلا قام. فقال: يا رسول الله! نخرج حجّاجا ورؤوسنا تقصر.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: انك(٢) لن تؤمن بها أبدا.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب علل الشرائع(٣) : حدّثنا محمّد بن الحسن ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حجّة الوداع، لـمّا فرغ من السّعي، قام عند المروة، فخطب النّاس، فحمد الله، وأثنى عليه. ثمّ قال: يا معشر النّاس! هذا جبرئيل ـ وأشار بيده إلى خلفه ـ يأمرني أن آمر من لم يسق هديا، أن يحلّ. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت. لفعلت كما أمرتكم.
ولكنّي سقت الهدي. وليس لسائق الهدي أن يحلّ، حتّى يبلغ الهدى محلّه.
فقام إليه سراقة بن مالك بن خثعم(٤) الكنانيّ. فقال: يا رسول الله! علّمنا ديننا.
فكأنّنا خلقنا اليوم. أرأيت هذا الّذي أمرتنا به لعامنا(٥) ؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لا بل لأبد الأبد.
وإنّ رجلا قام. فقال: يا رسول الله! نخرج حجّاجا ورؤوسنا تقصر.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّك لن تؤمن بها أبدا.
حدّثنا أبي(٦) ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضى الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله عن القسم بن محمّد الأصفهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن فضيل بن عياض قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن اختلاف النّاس في الحجّ.
فبعضهم يقول: خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ محلّا بالحجّ، وقال بعضهم: محلّا بالعمرة، وقال بعضهم: خرج قارنا، وقال بعضهم: خرج ينتظر أمر الله ـ عزّ وجلّ.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: علم الله ـ عزّ وجلّ ـ أنّها حجّة لا يحجّ رسول الله ـ
__________________
(١) المصدر: لا بل.
(٢) أ: بل إنّك.
(٣) علل الشرائع ٢ / ٤١٣، ح ٢.
(٤) المصدر: جشعم.
(٥) المصدر: لعامنا أو لكلّ عام.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٤١٤، ح ٣.
صلّى الله عليه وآله ـ بعدها أبدا. فجمع الله ـ عزّ وجلّ ـ له ذلك كلّه في سفرة واحدة، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته فلمّا طاف بالبيت وبالصّفا والمروة، أمره جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أن يجعلها عمرة إلّا من كان معه هدى، فهو محبوس على هديه، لا يحلّ قوله(١) ـ عزّ وجلّ:( حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) فجمعت له العمرة والحجّ. وكان خرج على خروج العرب الأوّل. لأنّ العرب كانت لا تعرف الا الحجّ. وهو في ذلك ينتظر أمر الله ـ عزّ وجلّ.
وهو يقول ـ عليه السّلام: النّاس على أمر جهالتهم(٢) ، إلّا ما غيّره الإسلام. وكانوا لا يرون العمرة في أشهر الحجّ. فشقّ على أصحابه حين قال: «اجعلوها عمرة.» لأنّهم كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحجّ. وهذا الكلام من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إنّما كان في الوقت الّذي أمرهم فيه بفسخ الحجّ. وقال: «دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة.» وشبك بين أصابعه، يعني: في أشهر الحجّ(٣) .
قلت: فيتعبّا(٤) بشيء من امر الجاهليّة؟
قال إنّ الجاهليّة(٥) ضيّعوا كلّ شيء من دين(٦) ابراهيم ـ عليه السّلام ـ إلّا الختان والتّزويج والحجّ. فإنّهم تمسّكوا به. ولم يضيّعوها.
( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ) مرضا يحوجه إلى الحق،( أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ ) من جراحة وقمل.
( فَفِدْيَةٌ ) : فعليه فدية إن حلق،( مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) : بيان لجنس الفدية.
وأمّا قدرها، ففي الكافي(٧) : عليّ عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: مرّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على كعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم. فقال له: أتؤذيك هو امّك؟ فقال: نعم.
فأنزلت هذه الآية:( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) .
__________________
(١) المصدر: لقوله. (ظ)
(٢) كذا في النسخ. وفي المصدر: جاهليتهم. (ظ)
(٣) بعد هذه العبارة توجد في أ: وهذا الكلام من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله.
(٤) المصدر: أفيعتد.
(٥) فقال: إن أهل الجاهلية.
(٦) المصدر وأ: دون.
(٧) الكافي ٤ / ٣٥٨، ح ٢.
فأمره رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يحلق وجعل الصّيام ثلاثة أيّام. والصّدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكين مدّين. والنّسك، شاة.
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: وكلّ شيء من القرآن أو فصاحبه بالخيار. يختار ما شاء. وكلّ شيء(١) في القرآن. فمن لم يجد كذا، فعليه كذا. فالأولى بالخيار.
عدّة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن مثنّى، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أحصر الرّجل، فبعث بهديه، فآذاه رأسه قبل أن ينحر هديه، فإنّه يذبح شاة في المكان الّذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يتصدّق. والصّوم ثلاثة أيّام. والصّدقة على ستّة مساكين، نصف صاع لكلّ مسكين.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : ومرّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ على كعب بن عجرة الأنصاريّ وهو محرم وقد أكل القمل رأسه وحاجبيه وعينيه. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ما كنت أرى أنّ الأمر يبلغ ما أرى.
فأمره. فنسك عنه، نسكا. وحلق رأسه. يقول الله:( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) . فالصّيام ثلاثة أيّام. والصّدقة على ستّة مساكين، لكلّ مسكين صاع من تمر والنّسك، شاة. لا يطعم(٤) منها أحد إلّا المساكين.
وما وقع في الأحاديث الثّلاثة من الاختلاف في إعطاء المسكين، فإنّه في الأوّل مدّان، وفي الثّاني نصف صاع، وفي الثّالث صاع، فإنّه لا اختلاف بين الأوّلين في المعنى.
فإن نصف الصّاع، هو المدّان. فإنّ الصّاع أربعة أمداد. ويحتمل في الخبر الأخير أن يكون سقط لفظ «نصف.» وأن يكون محمولا على الأفضل.
( فَإِذا أَمِنْتُمْ ) الإحصار، أو كنتم في حال أمن وسعة،( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ ) : الحاجّ على ثلاثة وجوه: المتمتّع. وهو الّذي يحجّ في أشهر الحجّ. ويقطع التّلبية إذا نظر إلى بيوت مكّة. فإذا دخل مكّة طاف بالبيت سبعا، وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم ـ عليه السّلام ـ وسعى بين الصّفا والمروة سبعا، وقصّر، وأحلّ فهذه عمرة يتمتّع بها من الثّياب والجماع والطّيب
__________________
(١) المصدر: من.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٣٧٠، ح ٦.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٢٢٨، ح ١٠٨٣.
(٤) أ: لا يطعمها.
وكلّ شيء يحرم على المحرم، إلّا الصّيد. لأنّه حرام على المحلّ في الحرم وعلى المحرم في الحلّ والحرم. ويتمتّع بما سوى ذلك إلى الحجّ.
والحجّ ما يكون بعد يوم التّروية، من عقد الإحرام الثّاني بالحجّ المفرد والخروج إلى منى، ومنها إلى عرفات، وقطع التّلبية عند زوال الشّمس يوم عرفة. ويجمع فيها بين الظّهر والعصر، بأذان واحد وإقامتين والبيتوتة بها إلى غروب الشّمس والإفاضة إلى المشعر الحرام والجمع بين المغرب والعشاء بها بأذان واحد وإقامتين والبيتوتة بها والوقوف بها بعد الصّبح، إلى أن تطلع الشّمس على جبل ثبير، والرّجوع إلى منى والذّبح والحلق والرّمي ودخول المسجد الحصباء والاستلقاء فيه على القفا وزيارة البيت وطواف الحجّ ـ وهو طواف الزّيارة ـ وطواف النّساء. فهذه صفة المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ. والمتمتّع عليه، ثلاثة أطواف بالبيت: طواف العمرة، وطواف للحجّ، وطواف للنّساء، وسعيان بين الصّفا والمروة، كما ذكرناه.
وعلى القارن والمفرد طوافان بالبيت وسعيان بين الصّفا والمروة. ولا يحلّان بعد العمرة يمضيان على إحرامهما الأوّل ولا يقطعان التّلبية، إذا نظرا إلى بيوت مكّة، كما يفعل المتمتّع. ولكنّهما يقطعان التّلبية يوم عرفة، عند زوال الشّمس. والقارن والمفرد صفتهما واحدة، إلّا أنّ القارن يفضّل على المفرد بسياق الهدي.
( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) : فعليه ما استيسر من الهدي بسبب التّمتّع وهو هدي التّمتّع.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، في العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان، أنّه سمعها عن الرّضا ـ عليه السّلام: فإن قال(٢) : فلم أمروا بالتّمتّع في الحجّ؟
قيل: ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة لأن يسلم النّاس(٣) من إحرامهم. ولا يطول ذلك عليهم فيدخل عليهم الفساد. وأن يكون الحجّ والعمرة واجبتين(٤) ، جميعا. فلا تعطّل العمرة وتبطل. فلا يكون(٥) الحجّ مفردا من العمرة. ويكون بينهما فصل وتمييز. وأن لا يكون الطّواف بالبيت محظورا. لان المحرم إذا طاف بالبيت قد أحل إلا لعلّة. فلو لا التّمتّع، لم يكن
__________________
(١) علل الشرائع ١ / ٢٧٤.
(٢) المصدر: قيل.
(٣) المصدر: في.
(٤) أو المصدر: واجبين. (ظ)
(٥) المصدر: ولا يكون. (ظ)
للحاجّ أن يطوف. لأنّه إذا طاف أحلّ وفسد إحرامه. ويخرج منه قبل أداء الحجّ. ولأن يجب على النّاس الهدي والكفّارة، فيذبحون وينحرون ويتقرّبون إلى الله ـ جلّ جلاله. فلا تبطل هراقة الدّماء والصّدقة على المساكين(١) .
حدّثنا أبي ـ رضى الله(٢) ـ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الله بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الحجّ متّصل بالعمرة. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) . فليس ينبغي لأحد إلّا أن يتمتّع. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أنزل ذلك في كتابه وسنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
وفي الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله تعالى( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) قال: شاة(٤) .
محمّد بن يحيى(٥) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: من(٦) تمتّع في أشهر الحجّ، ثمّ أقام بمكّة، حتّى يحضر الحجّ، من قابل، فعليه شاة. ومن تمتّع في غير أشهر الحجّ، ثمّ جاوز حتّى يحضر الحجّ، فليس عليه دم. إنّما هي حجّة مفردة. وإنّما الأضحيّة(٧) على أهل الأمصار.
( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) : أي: الهدى.
وروى في معنى عدم الوجدان [في التهذيب(٨) ، عن](٩) أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نصر. قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن المتمتّع يكون له فضول من الكسوة بعد الّذي يحتاج إليه، فتستوي(١٠) تلك الفضول بمائة درهم، يكون ممّن يجب عليه.
فقال: له بدّ من كراء ونفقة؟
__________________
(١) أو المصدر: المسلمين.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٤١١، ح ١.
(٣) الكافي ٤ / ٤٨٧، ح ٢.
(٤) أ: ابن رقاب. ر: ابن رباب. الأصل والمصدر: ابن رئات.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: في من.
(٧) المصدر: الأضحى.
(٨) تهذيب الأحكام ٥ / ٤٨٦، ح ١٧٣٥.
(٩) ليس في أ.
(١٠) أور: فيستوى. المصدر: فتسوّى. (ظ)
قلت: له كراء وما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة.
قال: وأي شيء بمائة درهم؟ هذا ممّن قال الله:( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) .
[وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام. قال: قلت له: رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ في عيبة ثياب له يبيع من ثيابه ويشتري هديه.
قال: لا. هذا يتزيّن المؤمن(٢) . يصوم ولا يأخذ شيئا من ثيابه].(٣)
( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ ) : في أيّام الاشتغال به.
في الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد وسهل بن زياد، جميعا، عن رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن المتمتّع لا يجد الهدى.
قال: يصوم قبل التّروية بيوم، ويوم التّروية ويوم عرفة.
قلت: فإنّه قدم يوم التّروية.
قال: يصوم ثلاثة أيّام بعد التّشريق.
قلت: لم يقم عليه جماله.
قال: يصوم يوم الحصبة وبعده يومين.
قال: قلت: وما الحصبة؟
قال: يوم نفره.
قلت: يصوم وهو مسافر؟
قال: نعم أليس هو يوم عرفة مسافرا(٥) ؟ إنّا أهل بيت نقول ذلك لقول(٦) الله تعالى:( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) . يقول: في ذي الحجّة.
أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٧) ، عن عبد الكريم بن عمرو، عن زرارة، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: من لم يجد هديا وأحبّ أن يقدّم الثّلاثة أيّام(٨) في أوّل العشر ،
__________________
(١) الكافي ٤ / ٥٠٨، ح ٥.
(٢) المصدر: به المؤمن.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) الكافي ٤ / ٥٠٦، ح ١.
(٥) ر: مسافر.
(٦) أ: بقول.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٨) المصدر والنسخ: الأيام.
فلا بأس.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن متمتّع لم يجد هديا.
قال: يصوم ثلاثة أيّام في الحجّ: يوم قبل التّروية، ويوم التّروية، ويوم عرفة.
قال: قلت: فإن فاته ذلك؟
قال: يتسحّر ليلة(٢) الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده.
قلت: فإن لم يقم عليه جماله، أيصومها(٣) في الطّريق؟
قال: إن شاء صامها في الطّريق. فإن(٤) شاء إذا رجع إلى أهله(٥) .(٦)
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في متمتّع يجد الثّمن ولا يجد الغنم.
قال: يخلف الثّمن عند بعض أهل مكّة. ويأمر من يشترى له. ويذبح عنه.
وهو يجزي(٨) عنه. فإن مضى ذو الحجّة، أخّر ذلك إلى قابل من ذي الحجّة.
أبو عليّ الأشعريّ(٩) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن يحيى الأزرق قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن متمتّع كان معه ثمن هدي، وهو يجد بمثل ذلك الّذي معه هديا، فلم يزل يتوانى(١٠) ، ويؤخّر ذلك حتّى إذا كان آخر النّهار غلت الغنم، فلم يقدر أن(١١) يشتري بالّذي معه هديا.
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٥٠٧ ـ ٥٠٨، ح ٣.
(٢) ر: يوم ليلة.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يصومها.
(٤) المصدر: وان. (ظ)
(٥) نفس المصدر ٤ / ٥٠٨، ح ٥.
(٦) يوجد في أ ـ فقط ـ بعد هذا الحديث، حديث الآتي: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له رجل: تمتع بالعمرة إلى الحج في عيبة (المصدر: عيبته) ثياب له يبيع من ثيابه ويشتري هديه؟ قال: لا. هذا يتزيّن به المؤمن يصوم ولا يأخذ شيئا من ثيابه.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٦.
(٨) أو: يجزئ.
(٩) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٧.
(١٠) أور: يتوانا.
(١١) أ: بأن.
قال: يصوم ثلاثة أيّام بعد التّشريق.
وأمّا ما رواه.
في الكافي:(١) «عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن الحسين، عن أحمد بن عبد الله الكوفيّ(٢) ، قال: قلت للرّضا ـ عليه السّلام: المتمتّع يقدم وليس معه هدي، أيصوم ما لم يجب عليه؟ قال: يصبر إلى يوم النّحر. فإن لم يصب، فهو ممّن لم يجده»، فهو محمول على من لم يكن معه هدي، ولكنّه يتوقّع المكنة. فهذا يجب عليه الصبر. وأمّا من لم يكن معه، ولم يتوقّع المكنة، فعليه ما تقدّم من صوم اليوم السّابع والثّامن والتّاسع ومع التّأخير بعد أيّام التّشريق.
ويجب فيه التّتابع.
روى في الكافي(٣) ، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى](٤) ، عن الحسن(٥) بن عليّ الوشاء، عن أبان، عن الحسين بن زيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: السّبعة الأيّام والثّلاثة. الأيّام في الحجّ، لا تفرّق(٦) . إنّما هي بمنزلة الثّلاثة الأيّام في اليمين.
( وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ ) إلى أهليكم.
وقرئ سبعة (بالنّصب) عطفا على محلّ «ثلاثة أيّام» وإذا أقام بمكّة صبر. فإذا ظنّ أنّ رفقاءه وصلوا إلى بلده، صام السّبعة.
روى في الكافي(٧) ، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير قال: سألته عن رجل تمتّع فلم يجد هديا، فصام الثّلاثة الأيّام، فلمّا قضى نسكه بدا له أن يقيم بمكّة.
قال: ينظر(٨) مقدم أهل بلاده. فإذا ظنّ أنّهم قد دخلوا، فليصم السّبعة الأيّام.
وإذا صام الثّلاثة ومات قبل وصوله إلى بلده، لم يقض عنه وليّه إلّا استحبابا.
روى في الكافي(٩) ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد ،
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٥٠١، ح ١٦.
(٢) كذا في النسخ. وفي المصدر: الكوفي. وهما شخص واحد، (ر. معجم رجال الحديث ٢ / ١٤٢)
(٣) نفس المصدر ٤ / ١٤٠، ح ٣.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) النسخ: الحسين. وما في المتن موافق المصدر.
(٦) المصدر: يفرق.
(٧) نفس المصدر ٤ / ٥٠٩، ح ٨.
(٨) المصدر: ينتظر.
(٩) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٣.
عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن رجل يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، ولم يكن له هدي، فصام ثلاثة أيّام في الحجّ، ثمّ مات بعد ما رجع إلى أهله قبل أن يصوم السّبعة الأيّام، أعلى وليّه أن يقضي عنه؟
قال: ما أرى عليه قضاء.
وأمّا ما رواه فيه(١) عن «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن معاوية بن عمّار، قال: من مات ولم يكن له هدى لمتعته، فليصم عنه وليّه»، فحمله في الفقيه(٢) على الاستحباب. ويمكن حمله على أنّه إذا ما تمكّن ولم يصم حتّى مات وإذا صام الثّلاثة الأيّام ثمّ وجد الهدي، وجب.
روى في الكافي(٣) ، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل تمتّع وليس معه ما يشتري به هديا.
فلمّا أن صام ثلاثة أيّام في الحجّ، أيسر ان يشترى هديا فينحره؟ أو يدع ذلك ويصوم سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله؟
قال: يشتري هديا فينحره. ويكون صيامه الّذي صامه نافلة له.
ولا ينافيه ما رواه عن «أحمد بن محمّد(٤) بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن رجل تمتّع. فلم يجد هديا(٥) . إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة. أيذبح؟ أو يصوم؟.
قال: بل يصوم فإنّ أيّام الذّبح قد مضت.»
فإنه محمول على ما إذا صام الأيّام الثّلاثة ومضى وقت الذّبح. وأمّا إذا لم يصم الثّلاثة، فعليه الذّبح. وكذا إذا لم يصم الثّلاثة حتّى انقضى ذو الحجّة. يدلّ على ذلك ما رواه عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن أبن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن منصور، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: من لم يصم في ذي الحجّة حتّى يهلّ هلال المحرّم، فعليه دم شاة. فليس له صوم ويذبح بمنى.
( تِلْكَ عَشَرَةٌ ) : فذلكة الحساب. وفائدتها أن لا يتوهّم أنّ «الواو» بمعنى «او» ،
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٢.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٠٣، ذيل ح ١٥٠٥.
(٣) الكافي ٤ / ٥١٠، ح ١٤.
(٤) نفس المصدر ٤ / ٥٠٩، ح ٩.
(٥) المصدر: ما يهدي به حتى.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٠.
نحو: جالس الحسن وابن سرين وأن يعلم(١) العدد جملة، كما علم تفصيلا. فإنّ أكثر العرب لم يحسنوا الحساب.
وأنّ المراد بالسّبعة، هو العدد دون الكثرة. فإنّه يطلق لهما.
( كامِلَةٌ ) :
صفة مؤكّدة تفيد المبالغة في محافظة العدد، او مبينة كمال العشرة. فإنّه أوّل عدد كامل. إذ به تنتهي الآحاد وتتمّ مراتبها، أو مقيّدة تفيد كمال بدليّتها من «الهدى.»
في تهذيب الأحكام(٢) : موسى بن القسم(٣) ، عن محمّد عن زكريّا المؤمن، عن عبد الرّحمن بن عتبة، عن عبد الله بن سليمان الصّيرفيّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ لسفيان الثّوريّ: ما تقول في قول الله تعالى:( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ، إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ) ؟ أيّ شيء يعني بكاملة؟
قال: سبعة وثلاثة.
قال: ويختل ذا على ذي حجا أنّ سبعة وثلاثة، عشرة.
قال: فأيّ شيء هو؟ أصلحك الله! قال: انظر! قال: لا علم لي. فأيّ شيء هو؟ أصلحك الله.
قال: الكاملة(٤) ، كما لها، كمال الاضحيّة، سواء أتيت بها، أو لم تأت، فالاضحيّة تمامها كمال الأضحيّة.
( ذلِكَ ) ، أي: التّمتّع [لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ،](٥) إذ لا متعة لحاضري المسجد الحرام.
في الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: لأهل مكّة متعة(٧) ؟
__________________
(١) أ: لم يعلم.
(٢) تهذيب الأحكام ٥ / ٤٠، ح ١٢٠.
(٣) أو المصدر: القاسم.
(٤) المصدر: الكامل.
(٥) ليس في أ.
(٦) الكافي ٤ / ٢٩٩، ح ٢.
(٧) أ: هل متعت.
قال: لا. ولا لأهل بستان. ولا لأهل ذات عرق. ولا لأهل عسفان، ونحوها.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن سعيد الأعرج، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ليس لأهل سرف ولا لأهل مرّ(١) ولا لأهل مكّة متعة، لقول الله ـ عزّ وجلّ:( لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) :(٢)
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) قال: من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها(٤) وثمانية عشر ميلا من خلفها وثمانية عشر ميلا عن يمينها وثمانية عشر ميلا عن يسارها، فلا متعة له مثل مرّ وأشباهها.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن داود، عن حمّاد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أهل مكّة، أيتمتّعون؟
قال: ليس لهم متعة.
قلت: فالقاطن بها؟
قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع ما(٦) يصنع(٧) اهل مكّة.
قلت: فان مكث الشّهر؟
قال: يتمتّع.
قلت: من أين؟
قال: يخرج من الحرم.
قلت: أين يهلّ بالحجّ؟
قال من مكّة نحوا ممّا يقول النّاس.
__________________
(١) أ: مرو.
(٢) يوجد في أ، بعد ذكر الآية: أي: لم يكن منزله في أطراف مكّة. في الكافي: روى» وشطب عليه في الأصل وغير موجود في ر.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٣٠٠، ح ٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يديه.
(٥) نفس المصدر، نفس الموضع، ح ٤.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: صنع. (ظ)
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد ابن أبي نصر قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ في السّنة الّتي حجّ فيها. وذلك في سنة اثنتي عشرة ومائتين. فقلت: جعلت فداك! بأيّ شيء دخلت مكّة مفردا أو متمتّعا؟
فقال: متمتّعا.
فقلت له: أيّما(٢) أفضل؟ المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، أو من أفرد وساق الهدي؟
فقال: كان أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: المتمتّع بالعمرة إلى الحجّ أفضل من المفرد السّائق للهدي. وكان يقول: ليس يدخل الحاجّ بشيء أفضل من المتعة.
[وفي كتاب الخصال(٣) ، عن الأعمش، عن جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ قال: هذه شرائع الدّين ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ ولا يجوز القران والافراد إلّا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام].(٤)
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في المحافظة على أوامره ونواهيه مطلقا وخصوصا في الحجّ.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (١٩٦) لمن لم يتّقه ليصدّكم العلم به عن العصيان.
( الْحَجُ ) أو وقته، كقولك: البرد شهران.
( أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) : معروفات. وهي شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة.
وسمّي شهرين. وبعض شهر أشهرا إقامة البعض مقام الكلّ، أو إطلاق الجمع على ما فوق الواحد، أو الكلام بمعنى أن ليس لأحد أن يحجّ فيما سواهنّ كما في الخبر.
( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ ) : فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهنّ،( فَلا رَفَثَ ) : فلا جماع،( وَلا فُسُوقَ ) :
والفسوق: الكذب.
( وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ ) :
والجدال، قول «لا والله» و «بلى والله.»
في الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ،
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٢٩٢، ح ١١.
(٢) النسخ: أيّها.
(٣) الخصال ٢ / ٦٠٦، ح ٩.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكافي ٤ / ٢٨٩، ح ١.
عن مثنّى الحناط، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الحجّ أشهر معلومات: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة. ليس لأحد أن يحجّ فيما سواهن.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ) . والفرض التّلبية والإشعار والتّقليد فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحجّ. ولا يفرض الحجّ إلّا في هذه الشّهور الّتي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ) . وهو شوّال وذو القعدة وذو الحجّة.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، بإسناده قال: أشهر الحجّ شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الحجّ أشهر معلومات: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة فمن أراد الحجّ وفر شعره إذا نظر إلى هلال ذو القعدة. ومن أراد العمرة وفر شعره شهرا.
وفي مجمع البيان(٤) : وأشهر الحجّ عندنا: شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة، على ما روى عن أبي جعفر ـ عليه السّلام
وقيل: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجّة (عن عطاء والرّبيع وطاوس وروى ذلك في أخبارنا.)
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أشهر الحجّ: شوّال وذو القعدة وذو الحجّة.
والحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة. قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: من أحرم بالحجّ في غير أشهر الحجّ، فلا حج له.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ ،
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢٩٠، ح ٣.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٩٧، ح ١.
(٤) مجمع البيان ١ / ٢٩٣.
(٥) الكافي ٤ / ٣٠٣، قطعة من ح ١٠.
(٦) نفس المصدر ٤ / ٣٢٢، ح ٤.
(٧) نفس المصدر ٤ / ٣٣٧، ح ١.
عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ سبحانه وتعالى ـ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ ) فقال: إنّ الله اشترط على النّاس شرطا. وشرط لهم شرطا.
قلت: فما الّذي اشترط عليهم؟ وما الّذي شرط لهم؟
فقال: أمّا الّذي شرط عليهم فإنّه قال:( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ. فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) . وأمّا ما شرط لهم، فإنّه قال:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) . قال: يرجع لا ذنب له.
قال قلت له: أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟
قال: لم يجعل الله له حدّا. يستغفر الله. ويلبّي.
قلت: فمن ابتلى بالجدال ما عليه؟
قال: إذا جادل فوق مرّتين، فعلى المصيب دم يهريقه، وعلى المخطئ بقرة.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى. وابن أبي عمير، جميعا، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ إذا أحرمت، فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيرا وقلّة الكلام إلّا بخير. فإنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلّا من خير، كما قال الله تعالى. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) .
والرّفث الجماع والفسوق الكذب والسّباب. والجدال قول الرّجل «لا والله» و «بلى والله.» واعلم أنّ الرّجل إذا حلف بثلاث(٢) أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم، فقد جادل. فعليه دم يهريقه ويتصدّق به. وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة، فقد جادل. وعليه دم يهريقه ويتصدّق به.
وقال: سألته عن الرّجل يقول: «لا لعمري» و «بلى لعمري.» قال: ليس هذا من الجدال. إنّما الجدال «لا والله» و «بلى والله.»
الحسين بن محمّد(٣) ، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين(٤) بن عليّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: إذا حلف ثلاث أيمان
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بثلاثة.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٣٣٨، ح ٤.
(٤) المصدر: الحسن.
متتابعات صادقا فقد جادل. وعليه دم. وإذا حلف بيمين واحدة كاذبة، فقد جادل وعليه دم.
أبو عليّ الأشعريّ(١) عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير. قال: سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول لصاحبه(٢) : «والله لا تعمله.» فيقول: «والله لأعملنّه». فيحالفه مرارا أيلزمه ما يلزم الجدال؟
قال: لا. إنما أراد بهذا إكرام أخيه. إنّما ذلك ما كان فيه معصية.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: في الجدال شاة. وفي السّباب والفسوق بقرة. والرّفث فساد الحجّ.
( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ) : حثّ على الخير عقيب النّهي عن الشّرّ، يستبدل به، ويستعمل مكانه.
( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ) : وتزوّدوا لمعادكم التّقوى. فإنّه خير زاد.
وقيل(٤) : نزلت في أهل اليمن. كانوا يحجّون ولا يتزّودون ويقولون: نحن متوكّلون.
فيكونون كلّا على النّاس. فأمروا أن يتزوّدوا ويتّقوا الإبرام في السّؤال والتّثقيل على النّاس.
وفي نهج البلاغة(٥) : أوصيكم عباد الله بتقوى الله الّتي هي الزّاد وبها المعاد(٦)
( وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) (١٩٧): فإنّ قضيّة اللّبّ خشية وتقوى، حثّهم على التّقوى. ثمّ أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله، فيتبرّؤوا عن كلّ شيء سواه. وهو مقتضى العقل المعرّى(٧) عن شوائب الهوى. فلذا خصّ أولي الألباب، بهذا الخطاب.
( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا ) : في أن تطلبوا.
( فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) : عطاء ورزقا منه يريد به الرّبح في التّجارة.
في مجمع البيان(٨) :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) ، قيل: كانوا يتأثمون بالتّجارة في الحجّ.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٥.
(٢) أو المصدر: له صاحبه.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٣٣٩، ح ٦.
(٤) الكشاف ١ / ٢٤٤+ أنوار التنزيل ١ / ١٠٨.
(٥) نهج البلاغة / ١٦٩، ضمن خطبة ١١٤.
(٦) المصدر: المعاذ.
(٧) أ: العريّ.
(٨) مجمع البيان ١ / ٢٩٥.
فرفع سبحانه بهذا اللّفظ(١) الإثم عمّن يتّجر في الحجّ. ـ عن ابن عبّاس و [هو](٢) المرويّ عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام
ـ وقيل: [معناه](٣)
لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربّكم ـ رواه جابر عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.
( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ) : دفعتم منها بكثرة ـ من أفضت الماء إذا صببته بكثرة.
وأصله أفضتم أنفسكم. فحذف المفعول، كما حذف في دفعت من البصرة.
وعرفات، جمع سمّي به، كأذرعات. وإنّما نوّن وكسر. وفيه العلميّة والتأنيث.
لأنّ تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التّمكّن. ولذلك يجتمع مع اللام وذهاب الكسرة يتبع ذهاب التّنوين من غير عوض لعدم الصّرف وهاهنا ليس كذلك. أو لأنّ التأنيث إمّا أن يكون بالتّاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث وإنّما هي مع الألف الّتي قبلها علامة جمع المؤنّث، أو بتاء مقدّرة كما في سعاد. ولا يصحّ تقديرها. لأنّ المذكورة تمنعه من حيث أنّها كالبدل لها، لاختصاصها بالمؤنّث، كتاء بنت.
وإنّما سمّي الموقف عرفة لأنّه نعت لإبراهيم ـ عليه السّلام ـ فلمّا أبصره عرفه ـ روى ذلك عن علىّ عليه السّلام
(٤) ـ أو لأنّ جبرئيل كان يدور به في المشاعر. فلمّا أراه قال: قد عرفت.
أو لأنّ آدم وحوّاء التقيا فيه، فتعارفا ـ رواه أصحابنا أيضا(٥) . أو لأنّ النّاس يتعارفون فيه(٦) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى معاوية بن عمّار وقال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن عرفات: لم سمّيت عرفات؟
فقال: إنّ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ خرج بإبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ يوم عرفة. فلمّا زالت الشّمس قال له جبرئيل ـ عليه السّلام: «يا إبراهيم! اعترف بذنبك. واعرف مناسكك.» فسمّيت عرفات لقول جبرئيل ـ عليه السّلام ـ له: «اعترف(٨) .» فاعترف.
وفي الكافي(٩) ، بإسناده إلى أبي بصير، أنّه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله ـ عليهما السّلام ـ يذكران أنّه قال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ لإبراهيم ـ عليه السّلام: «هذه عرفات.
__________________
(١) المصدر: فرفع الله بهذه اللفظة.
(٢ و ٣) يوجد في المصدر. (٤) مجمع البيان ١ / ٢٩٥. (٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) الكشاف ١ / ٢٤٦+ أنوار التنزيل ١ / ١٠٩. (٧) علل الشرائع ٢ / ٤٣٦، ح ١.
(٨) المصدر: اعترف. اعترف. (٩) الكافي ٤ / ٢٠٧، ح ٩.
فاعرف بها مناسكك. واعترف بذنبك.» فسمّي عرفات.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
( فَاذْكُرُوا اللهَ ) بالتّلبيه والتّهليل والدّعاء. [وقيل(١) : بصلاة العشاءين]( عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) : قيل(٢) : جبل. ويسمّى قزح. وقيل: ما بين مأزمي عرفة ووادي محسّر. و [إنّما] سمّى(٣) مشعرا لأنّه معلم العبادة. ووصف بالحرام لحرمته. ومعنى( عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ ) ، ممّا يليه ويقرب منه. فإنّه أفضل.
( وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ) : كما علّمكم. و «ما» مصدريّة أو كافّة.
( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ) ، أي: الهدى.
( لَمِنَ الضَّالِّينَ ) (١٩٨): الجاهلين بالإيمان والطّاعة. و «إن» هي المخفّفة. و «اللّام» هي الفارقة.
وقيل(٤) : «إن» نافية. و «اللّام» بمعنى «إلّا»، كقوله(٥) ، وإن نظنّك لمن الكاذبين.
( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) :
في مجمع البيان(٦) :( مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) قيل فيه قولان: أحدهما أنّ المراد به الإفاضة من عرفات(٧) . فإنّه امر لقريش وحلفائهم وهو الخمس لأنّهم كانوا لا يقفون مع النّاس بعرفة، ولا يفيضون منها. ويقولون: نحن أهل حرم الله. فلا نخرج منه. وكانوا يقفون بالمزدلفة، ويفيضون منها. فأمرهم الله بالوقوف بعرفة والإفاضة منها، كما يفيض النّاس. وأراد(٨) بالنّاس سائر العرب. وهو المروىّ عن الباقر ـ عليه السّلام.
والثّاني أنّ المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى، يوم النّحر، قبل طلوع الشّمس، للرّمي والنّحر.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٠٩.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٠٩.
(٥) الشعراء / ١٨٦.
(٦) مجمع البيان ١ / ٢٩٦.
(٧) يوجد بعد هذه الكلمة في النسخ: وأراد بالناس سائر العرب.
(٨) المصدر: المراد.
قال: وممّا يسأل على القول الأوّل أن يقال: إذا كان «ثمّ» للتّرتيب، فما معنى التّرتيب هاهنا؟ وقد روى أصحابنا في جوابه: أنّ هاهنا تقديما وتأخيرا. وتقديره:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله:( أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) قال: أولئك قريش. كانوا يقولون نحن أولى النّاس بالبيت. ولا يفيضون إلّا(٢) من المزدلفة: فأمرهم الله أن يفيضوا من عرفة.
وعن رفاعة(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال سألته عن قول الله:( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) . قال: إنّ أهل الحرم كانوا يقفون على المشعر الحرام ويقف النّاس بعرفة ولا يفيضون حتّى يطلع عليهم أهل عرفة. وكان رجل يكنّى أبا سيّار. وكان له حمار فاره. وكان يسبق أهل عرفة. فإذا طلع عليهم قالوا: هذا أبو سيّار. ثمّ أفاضوا. فأمرهم الله(٤) أن يقفوا بعرفة وأن يفيضوا منه.
وعن معاوية بن عمّار(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) . قال: هم أهل اليمن.
وفي روضة الكافي(٦) : ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقال: أخبرني إن كنت عالما، عن النّاس وعن أشباه النّاس وعن النّسناس.
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: يا حسين! أجب الرّجل.
فقال الحسين ـ عليه السّلام: أمّا قولك أخبرني عن النّاس، فنحن النّاس.
ولذلك قال الله ـ تبارك وتعالى ذكره ـ في كتابه:( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) .
فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الّذي أفاض بالنّاس. وأمّا قولك عن(٧) أشباه النّاس ،
__________________
(١) تفسير العيّاشي ١ / ٩٦، ح ٢٦٣.
(٢) ليس في ر.
(٣) نفس المصدر ١ / ٩٧، ح ٢٦٤.
(٤) «قالوا هذا أبو سيّار ثم أفاضوا فأمرهم الله» ليس في ر.
(٥) نفس المصدر ١ / ٩٨، ح ٢٦٩. وفيه جابر بدل معاوية بن عمار.
(٦) الكافي ٨ / ٢٤٤، ح ٣٣٩.
(٧) ليس في المصدر.
فهم شيعتنا. وهم موالينا. وهم منّا. ولذلك قال إبراهيم ـ عليه السّلام:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) . وأمّا قولك عن(١) النّسناس، فهم السّواد الأعظم. وأشار بيده إلى جماعة النّاس. ثمّ قال:( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) .(٢)
( وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ) من جاهليّتكم في تغيير المناسك.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٩٩): يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في حديث طويل: ونزل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمكّة بالبطحا، هو وأصحابه. ولم ينزلوا الدّور. فلمّا كان يوم التّروية عند زوال الشّمس، أمر النّاس أن يغتسلوا ويهلّوا بالحجّ. وهو قول الله تعالى الّذي أنزل الله تعالى على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله(٤) :( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) . فخرج النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأصحابه مهلّين بالحجّ، حتّى أتى منّى. فصلّى الظّهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر ثمّ غدا والنّاس معه.
وكانت قريش تفيض من المزدلفة. وهي جمع. ويمنعون النّاس أن يفيضوا منها. فأقبل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقريش ترجو أن يكون(٥) إفاضته من حيث كانوا يفيضون. فأنزل الله تعالى:( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ) ، يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم.
فلمّا رأت قريش أنّ قبّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد مضت كأنّه دخل في أنفسهم شيء للّذي كانوا يرجون من الإفاضة(٦) من مكانهم حتّى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الأراك. فضربت قبّته. وضرب النّاس أخبيتهم عندها. فلمّا زالت الشّمس خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التّلبية حتّى وقف بالمسجد. فوعظ النّاس. وأمرهم. ونهاهم ثمّ صلّى الظّهر والعصر بأذان وإقامتين. ثمّ مضى إلى الموقف. فوقف به. فجعل النّاس يبتدرون(٧) أخفاف ناقته يقفون إلى
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) الفرقان / ٤٤.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٢٤٧، ح ٤.
(٤) آل عمران / ٩٥.
(٥) ر: تكون. (ظ)
(٦) أ: إفاضته.
(٧) أ: يتدبّرون.
جانبها. فنحّاها. ففعلوا مثل ذلك. فقال: أيّها النّاس! ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف.
ولكن هذا كلّه.
وأو مأبيده إلى الموقف. فتفرّق النّاس. وفعل مثل ذلك بالمزدلفة. فوقف النّاس حتّى وقع قرص الشّمس. ثمّ أفاض. وأمر النّاس بالدّعة حتّى انتهى إلى المزدلفة. وهي المشعر الحرام.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إنّ المشركين كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشّمس. فخالفهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
وأفاض(٢) بعد غروب الشّمس.
قال: وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إذا غربت الشّمس فأفض مع النّاس.
وعليك السّكينة والوقار. وأفض بالاستغفار. فان الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ) : فإَذا أدّيتم العبادات الحجّيّة وفرغتم منها،( فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ) : فأكثروا ذكره. وبالغوا فيه، كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة.
( أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) :
إمّا مجرور معطوف على «الذّكر» بجعل الذّكر ذاكرا على المجاز. والمعنى: فاذكروا الله ذكرا، كذكركم آبائكم، أو كذكر أشدّ منه وأبلغ.
أو على ما أضيف إليه بمعنى: أو كذكر قوم أشدّ منكم ذكرا، وإمّا منصوب بالعطف على آبائكم. وذكر من فعل المذكور بمعنى: أو كذكركم أشدّ مذكورا من آبائكم.
أو بمضمر دلّ عليه المعنى، تقديره: أو كونوا أشدّ ذكرا لله منكم لآبائكم.
في الكافي(٣) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٢) المصدر: فأفاض.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٥١٦، ح ٣.
منصور بن حازم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ سبحانه وتعالى:( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ) قال: هي أيّام التّشريق. كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النّحر تفاخروا.
فقال الرّجل منهم: كان أبي يفعل كذا وكذا. فقال الله تعالى:( فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ) ( ... فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) .
قال: والتّكبير، الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلّا الله. والله أكبر.
الله أكبر. ولله الحمد. الله أكبر على ما هدانا. الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.»
وفي مجمع البيان(١) :( كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ ) معناه ما روى عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّهم كانوا إذا فرغوا من الحجّ يجتمعون(٢) هناك. ويعدّون مفاخر آبائهم ومآثرهم. ويذكرون أيّامهم القديمة وأياديهم الجسيمة. فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكر آبائهم في هذا الموضع أو أشدّ ذكرا ويزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله سبحانه ويعدّوا آلاءه ويشكروا نعمائه. لأنّ آباءهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم.
فنعم الله سبحانه عليهم أعظم وأياديه عندهم أفخم. ولأنّه سبحانه المنعم. لتلك المآثر والمفاخر على آبائهم وعليهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) :( فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) قال :
كانت العرب إذا وقفوا بالمشعر يتفاخرون بآبائهم فيقول: «لا وأبيك. لا وأبي.» فأمرهم(٤) الله لأن يقولوا: «لا والله. وبلى والله.»
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله، بدون لفظ «يتفاخرون بآبائهم.»
( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ) : تفصيل للذّاكرين إلى مقلّ لا يطلب بذكر الله إلّا الدّنيا ومكثر يطلب به خير الدّارين. أريد به الحثّ على الإكثار والإرشاد إليه.
( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ) : اجعل ايتاءنا في الدّنيا.
( وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (٢٠٠)، أي: نصيب وحظّ. لأنّ همّه مقصور
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٢٩٧.
(٢) ر: اجتمعوا.
(٣) تفسير القمي ١ / ٧٠.
(٤) المصدر: وأمرهم الله.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٩٨، ح ٩٧٢.
بالدّنيا، أو من طلب خلاق.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) : السّعة في الرّزق والمعاش وحسن، الخلق.
( وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) : برضوان الله والجنّة.
( وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) (٢٠١): بالعفو والمغفرة.
( أُولئِكَ ) : إشارة إلى الفريق الثّاني أو إليهما.
( لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ) ، أي من جنسه. وهو جزاؤه، أو من أجله، كقوله:( مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ) ، أو ممّا دعوا به نعطيهم منه، ما قدرنا. فسمّى الدّعاء كسبا، لأنّه من الأعمال.
( وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (٢٠٢): يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب النّاس، فبادروا إلى الطّاعات واكتساب الحسنات.
في كتاب معاني الأخبار(١) : حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل ـ رحمه الله ـ قال حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) قال: رضوان الله والجنّة في الآخرة. والسّعة في الرّزق والمعاش وحسن الخلق في الدّنيا.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: طف البيت سبعة أشواط. وتقول في الطّواف: أللّهمّ إنّي أسألك ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ وتقول فيما بين الرّكن اليمانيّ والحجر الأسود:( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) .
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: يستحبّ أن تقول بين
__________________
(١) معاني الأخبار / ١٧٤، ح ١.
(٢) الكافي ٤ / ٤٠٦ ـ ٤٠٧، ح ١.
(٣) نفس المصدر ٤ / ٤٠٨، ح ٧.
الرّكن والحجر: أللّهمّ آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار.
وقال: إنّ ملكا موكّلا يقول آمين.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) : رضوان الله في الجنّة في الآخرة. والمعاش وحسن الخلق في الدّنيا.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاساني، جميعا عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف. فقال: أترى يخيّب الله هذا الخلق كلّه؟
فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلّا غفر الله له، مؤمنا كان أو كافرا، إلّا أنّهم في مغفرتهم، على ثلاث منازل مؤمن غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. وأعتقه الله من النّار.
وذلك قوله تعالى:( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) .
وسنذكر تتمّة الحديث إن شاء الله.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه ـ عليهم السّلام ـ قال: بينما رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالس إذ سأل عن رجل من أصحابه. فقالوا: يا رسول الله! إنّه قد صار في البلاء كهيئة الفرخ. لا ريش(٤) عليه.
فأتاه ـ عليه السّلام. فإذا هو كهيئة الفرخ. لا ريش عليه(٥) من شدّة البلاء.
فقال له: قد كنت تدعو في صحّتك دعاء.
قال: نعم كنت أقول: يا ربّ أيّما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة، فعجّلها لي في الدّنيا.
فقال له النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: ألا قلت: أللّهمّ آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار؟.
__________________
(١) نفس المصدر.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٥٢١، ح ١٠، قطعة منه.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٣٢.
(٤) المصدر: الّذي لا ريش.
(٥) «لا ريش عليه» ليس في المصدر.
فقالها الرجل(١) . فكأنّما نشط من عقال. وقام صحيحا. وخرج معنا.
والحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٢) :( وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) . ورد في الخبر أنّه سبحانه يحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر، وروي روي بقدر حلب شاة. وروي عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: معناه أنّه يحاسب الخلائق دفعة كما يرزقهم دفعة.
( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ) . في أدبار الصّلوات في أيّام التّشريق.
في الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ) ، قال: التّكبير في أيّام التّشريق من صلاة الظّهر، من يوم النّحر، إلى صلاة الفجر من يوم الثّالث. وفي الأمصار عشر صلوات. فإذا نفر بعد الأولى أمسك أهل الأمصار. ومن أقام بمنى فصلّى بها الظّهر والعصر، فليكبّر.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن عليّ بن الصّلت، عن عبد الله بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن المفضّل بن صالح، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ ) قال: المعلومات والمعدودات، واحدة. وهو أيّام التّشريق.
وقد سبق من الأخبار ما يدلّ على صورة التّكبير.
( فَمَنْ تَعَجَّلَ ) النّفر،( فِي يَوْمَيْنِ ) ، أي: نفر في ثاني أيّام التّشريق،( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) باستعجاله.
( وَمَنْ تَأَخَّرَ ) في النّفر حتّى رمى اليوم الثّالث،( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بتأخيره.
ومعنى نفي الإثم بالتّعجيل والتّأخير، التّخيير بينهما والرّدّ على أهل الجاهليّة. فإنّ منهم من أثّم المستعجل، ومنهم من أثّم المتأخّر.
( لِمَنِ اتَّقى ) ، أي: الّذي ذكر من التّخيير لمن اتّقى الصّيد. فإنّ من لم يتّق الصّيد
__________________
(١) النسخ: فقال.
(٢) مجمع البيان ١ / ٢٩٨.
(٣) الكافي ٤ / ٥١٦، ح ١.
(٤) معاني الأخبار / ٢٩٧، ح ٣.
ليس له التّخيير. بل يتعيّن عليه التّأخير.
في تهذيب الأحكام(١) : محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى، عن حمّاد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أصاب المحرم الصّيد فليس له أن ينفر في النّفر الأوّل. ومن نفر في النّفر الأوّل، فليس له أن يصيب الصّيد، حتّى ينفر النّاس. وهو قول الله:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ( ... لِمَنِ اتَّقى ) . قال: اتّقى الصّيد.
عن محمّد بن عيسى(٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال في رجل بعث بثقله يوم النّفر الأول وأقام هو إلى الأخير قال: هو ممّن تعجّل في يومين.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وروى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) ، فقال: يتّقي الصّيد حتّى ينفر أهل منى في النّفر الأخير.
وفي رواية ابن محبوب(٤) ، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال:( لِمَنِ اتَّقى ) الرّفث والفسوق والجدال وما حرّم الله في إحرامه.
وفي رواية عليّ بن عطيّة(٥) ، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( لِمَنِ اتَّقى ) الله ـ عزّ وجلّ.
وروى(٦) أنّه يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه.
وروى من وفى وفى الله له(٧) .
وفي الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاسانيّ، جميعا، عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقرىّ، عن سفيان ابن عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف. فقال: أترى يخيّب الله هذا الخلق كلّه؟
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٥ / ٤٩٠، ح ١٧٥٨.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٧٥٧.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٢٨٨، ح ١٤١٥.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٤١٦.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٤١٨.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٤١٩.
(٧) أور: من وقى وقى الله له.
(٨) الكافي ٤ / ٥٢١، ح ١٠.
فقال أبي: ما وقف بهذا الموقف أحد إلّا غفر الله له، مؤمنا كان أو كافرا، إلّا أنّهم في مغفرتهم على ثلاث منازل ـ إلى قوله ـ ومنهم من غفر الله له ما تقدّم من ذنبه، وقيل له أحسن فيما بقي من عمرك. وذلك قوله تعالى:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ، يعني: من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه. ومن تأخّر فلا إثم عليه لمن اتّقى الكبائر.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود بن النّعمان، عن أبي أيّوب قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: إنّا نريد أن نتعجّل السّير وكانت ليلة النّفر حين سألته، فأي ساعة ننفر؟
فقال لي: أمّا اليوم الثّاني فلا تنفر حتّى تزول الشّمس وكانت ليلة النّفر. وأمّا اليوم الثّالث، فإذا ابيضّت الشّمس فانفر على بركة الله. فإنّ الله تعالى يقول:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) . فلو سكت لم يبق أحد إلّا تعجّل. ولكنّه قال:( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) .
حميد بن زياد(٢) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثميّ، عن معاوية بن وهب، عن إسماعيل بن نجيح(٣) الرّماح قال كنّا عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمنى ليلة من اللّيالي. فقال: ما يقول هؤلاء؟ فيمن(٤) تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه.
قلنا: ما ندري.
قال: بلى. يقولون: من تعجّل من أهل البادية، فلا إثم عليه. ومن تأخّر من أهل الحضر، فلا إثم عليه. وليس كما يقولون. قال الله ـ جلّ ثناؤه ـ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) . ألا لا إثم عليه.( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) . ألا لا إثم عليه.( لِمَنِ اتَّقى ) . إنّما هي لكم. والنّاس سواد. وأنتم الحاجّ.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عبد الأعلى قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: كان أبي يقول: «من أمّ هذا
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٥١٩، ح ١.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٥٢٣، ح ١٢.
(٣) ر: النجيح.
(٤) أ: فمن.
(٥) نفس المصدر ٤ / ٢٥٢، ح ٢.
البيت حاجّا أو معتمرا مبرّا من الكبر، رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه.» ثمّ قرأ:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) .
قلت: ما الكبر؟
قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحقّ.
قلت: ما غمص الخلق وسفه الحقّ؟
قال: يجهل الحقّ ويطعن على أهله. فمن فعل ذلك نازع الله رداءه.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) قال: يرجع لا ذنب له.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا أبى ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن عامر، عن أبي عبد الله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الله بن عليّ [الحلبيّ](٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) قال: يرجع ولا ذنب له.
والحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجّا لا يخطو خطوة ولا تخطو به راحلته إلّا كتب الله له بها حسنة ومحى عنه سيّئة ورفع له بها درجة. فإذا وقف بعرفات، فلو كانت ذنوبه عدد الثّرى، رجع كما ولدته أمّه.
فقال له: استأنف العمل. يقول الله:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى ) .
عن أبي حمزة الثّماليّ(٥) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) . (الآية) قال: أنتم، والله! هم. إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٣٣٧، ضمن ح ١.
(٢) معاني الأخبار / ٢٩٤، ح ١.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٠٠، ح ٢٨٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢٨٥.
قال: لا يثبت على ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ إلّا المتّقون.
عن حمّاد، عنه، في قوله:( لِمَنِ اتَّقى ) الصّيد. فإن ابتلى بشيء من الصّيد، ففداه، فليس له أن ينفر في يومين.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في مجامع أموركم ليعبأ بكم.
( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (٢٠٣) للجزاء بعد الإحياء.
وأصل الحشر، الجمع. وهو ضمّ المتفرّق.
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ) : يروقك ويعظم في نفسك.
و «التعجب» حيرة تعرض الإنسان لجهله بسبب المتعجّب منه.
( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) :
متعلّق بالقول، أي: ما يقول في أمور الدّنيا وأسباب المعاش وفي معنى الدّنيا. فإنّها مرادة من ادّعاء المحبّة وإظهار الإيمان، أو يعجبك، أي: يعجبك قوله في الدّنيا حلاوة وفصاحة. ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدّهشة والحبسة، أو لأنّه لا يؤذن له في الكلام.
( وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ ) : يحلف. ويشهد الله على أنّ ما في قلبه موافق لكلامه.
( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) (٢٠٤): شديد العداوة والجدال للمسلمين.
و «الخصام»، المخاصمة. ويجوز أن يكون جمع خصم، كصعب وصعاب، بمعنى أشدّ الخصوم خصومة.
[قيل(١) : نزلت في الأخنس بن شريف الثّقفيّ. وكان حسن المنظر، حلو المنطق.
يوالي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. ويدّعي الإسلام.
وقيل(٢) : في المنافقين كلّهم.
( وَإِذا تَوَلَّى ) : أدبر وانصرف عنك.
وقيل(٣) : إذا غلب وصار واليا.
( سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) كما فعل الأخنس بثقيف ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٠٠.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١١١.
إذ بيّتهم وأحرق ذروعهم وأهلك مواشيهم، أو كما يفعله ولاة السّوء بالقتل والإتلاف، أو بالظّلم حتّى يمنع. بشؤمتهم القطر، فيهلك الحرث والنّسل.
( وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) (٢٠٥): لا يرتضيه. فاحذروا غضبه عليه.
«النسل»، الذّرّيّة. و «الحرث»، الزرع.
عن سعد الإسكاف(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله يقول في كتابه:( وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ) بل هم يختصمون.
قال: قلت: وما ألدّ؟
قال: [شديد](٢) الخصومة.
عن زرارة(٣) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قال: سألتهما عن قوله( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ ) (إلى آخر الآية).
فقال: «النّسل»، الولد و «الحرث»، الأرض.
وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: «الحرث»، الذّرّية.
وفي روضة الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن محمّد بن سليمان الأزديّ، عن أبي الجارود، عن أبي إسحاق، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: و( إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) بظلمه وسوء سيرته.( وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) .
وفي مجمع البيان(٥) : روى عن الصّادق ـ عليه السّلام: أنّ «الحرث» في هذا الموضع، الدّين و «النّسل»، النّاس.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قال: «الحرث» في هذا الموضع الدّين و «النّسل»، النّاس. ونزلت في معاوية.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٠١، ح ٢٨٨.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢٨٩.
(٤) الكافي ٨ / ٢٨٩، ح ٤٣٥.
(٥) مجمع البيان ١ / ٣٠٠.
(٦) تفسير القمي ١ / ٧١.
( وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ) : حملته الأنفة على الإثم. وألزمته إيّاه، من قولك: أخذته بكذا، حملته عليه.
( فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) كفته جزاء وعذابا.
و «جهنم» علم لدار العقاب، غير متصرّف للتّأنيث والعلميّة. وهو في الأصل مرادف للنّار. وقيل(١) : معرب.
( وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ) (٢٠٦) :
جواب قسم مقدّر. والمخصوص بالذّمّ، محذوف للعلم به.
و «المهاد»، الفراش. وقيل(٢) : ما يوطأ للجنب.
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) : طلبا لرضاه.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٣) :](٤) روى الثّعلبيّ في تفسيره، قال: لـمّا أراد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ الهجرة، خلّف عليّا ـ عليه السّلام ـ لقضاء ديونه وردّ الودائع الّتي كانت عنده. وأمره ليلة خروجه إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدّار، أن ينام على فراشه.
وقال له: يا عليّ! اتّشح ببردي الحضرميّ. ثمّ نم على فراشي. فإنّه لا يخلص(٥) إليك منهم مكروه ـ إن شاء الله.
ففعل ما أمره به. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى جبرئيل وميكائيل: انّي قد آخيت بينكما. وجعلت(٦) عمر أحدكما أطول من الآخر. فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كلّ منهما الحياة. فأوصى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب. آخيت بينه وبين محمّد. فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة. اهبطا إلى الأرض. فاحفظاه من عدوّه.
فنزلا. فكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه. وجبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يا عليّ بن أبي طالب. يباهى الله بك ملائكته.
فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو متوجّه إلى المدينة، في شأن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ) . (الآية).
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١١١.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣١.
(٤) ليس في أ.
(٥) المصدر: يلحق.
(٦) المصدر: جعل.
وروى أخطب خوارزم حديثا يرفعه بإسناده إلى النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: نزل عليّ(١) جبرئيل ـ عليه السّلام ـ صبيحة يوم الغار.
فقلت: حبيبي جبرئيل! أراك فرحا؟
فقال: يا محمّد! وكيف لا أكون كذلك. وقد قرّت عيني بما أكرم الله به أخاك ووصيّك وإمام أمّتك عليّ بن أبي طالب.
فقلت: وبماذا أكرمه الله؟
قال: باهى بعباده(٢) البارحة ملائكته وقال: ملائكتي انظروا إلى حجّتي في أرضي بعد نبيّي. وقد بذل نفسه. وعفّر خدّه في التّراب، تواضعا لعظمتي أشهدكم أنّه إمام خلقي ومولى برّيتى.
وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ رحمه الله ـ(٣) بإسناده إلى حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) ، قال: نزلت في عليّ ـ عليه السّلام ـ حين بات على فراش رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
وبإسناده(٤) إلى سعيد بن أوس، قال: كان أبو عمرو بن العلا إذا قرأ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) قال: كرّم الله عليّا ـ عليه السّلام ـ فيه، نزلت هذه الآية.
وبإسناده(٥) إلى أنس بن مالك، قال: لـمّا توجّه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الغار ومعه أبو بكر، أمر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ أن ينام على فراشه ويتغشّى ببرده(٦) . فبات عليّ ـ عليه السّلام ـ موطّنا نفسه على القتل. وجاءت رجال قريش من بطونها، يريدون قتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فلمّا أرادوا أن يضعوا عليه أسيافهم لا يشكّون أنّه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فقالوا: أيقظوه ليجد ألم القتل(٧) .
__________________
(١) المصدر: إليّ.
(٢) المصدر: بعبادته. (ظ)
(٣) أمالى الشيخ ٢ / ٦١، ح ٢.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
(٦) المصدر: ويتوشّح ببردته.
(٧) المصدر: ليجد ألم القتل ويرى السيوف تأخذه.
فلمّا أيقظوه فرأوه(١) عليّا، تركوه. فتفرّقوا في طلب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
فأنزل الله ـ عزّ وجلّ:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قوله( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) ، قال: ذاك أمير المؤمنين ـ عليه السّلام. ومعنى( يَشْرِي نَفْسَهُ ) ، يبذلها.
وفي مجمع البيان(٣) : روى السّديّ، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ حين هرب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ من المشركين إلى الغار ونام [عليّ](٤) (ع) على فراش النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله. ونزلت الآية بين مكّة والمدينة.
وروى(٥) أنّه لـمّا نام على فراشه، قام (جبرئيل) عند رأسه وميكائيل عند رجليه.
وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا عليّ بن ابى طالب(٦) . يباهي الله تعالى الملائكة بك.
وما روى عن عليّ ـ عليه السّلام ـ من أنّ المراد(٧) بالآية الرّجل [الّذي](٨) يقتل على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فلا ينافي ما سبق من الأخبار. لأنّ ما ذكر في الأخبار، سبب نزوله أوّلا، ثمّ جرى فيمن يشاركه في بعض أوصافه ممّن ذكر في هذا الخبر.
وقد روى في كتاب الخصال(٩) ، عن الحسن بن عليّ الدّيلميّ مولى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: من حجّ بثلاثة نفر من المؤمنين فقد اشترى نفسه من الله ـ عزّ وجلّ ـ بالثّمن. ولم يسأله من اين كسب ماله؟ من حلال أو حرام؟
( وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) (٢٠٧) حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشّراء ويجازيهم عليه الجزاء.
__________________
(١) المصدر: ورأه.
(٢) تفسير القمي ١ / ٧١.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٠١.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) المصدر: يا ابن أبي طالب.
(٧) المصدر: عن عليّ ـ عليه السّلام ـ وابن عباس أنّ المراد.
(٨) يوجد في المصدر.
(٩) الخصال ١ / ١١٨، ح ١٠٣.
وورد في تفسير الامام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ ـ صلوات الله عليهما(١) ـ قال ـ عليه السّلام: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: معاشر عباد الله! عليكم بخدمة من أكرمه الله بالارتضاء واجتباه بالاصطفاء وجعله أفضل أهل الأرض والسّماء، بعد محمّد سيّد الأنبياء، علىّ بن أبي طالب وبموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وقضاء حقوق إخوانكم الّذين هم في موالاته ومعاداة أعدائه شركاؤكم. فإنّ رعاية عليّ أحسن من رعاية هؤلاء التّجّار الخارجين بصاحبكم الّذي ذكرتموه إلى الصّين الّذي عرضوه للغناء وأعانوه بالشّراء. أما إنّ من الشّيعة عليّ لمن يأتي يوم القيامة وقد وضع له في كفّة الميزان، سيّئاته من الآثام ما هو أعظم من الجبال الرّواسي والبحار السّيّارة، يقول الخلائق: «قد هلك هذا العبد»، فلا يشكّون في أنّه من الهالكين وفي عذاب الله تعالى من الخالدين.
فيأتيه النّداء من قبل الله تعالى ـ عزّ وجلّ: أيّها العبد الجاني هذه الذّنوب الموبقات! فهل لك بإزائها حسنات تكافئها فتدخل جنّة الله برحمة الله أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله؟
فيقول العبد: لا أدري.
فيقول منادي: ربّنا عزّ وجلّ. فإنّ ربّي يقول: نار في عرصات القيمة، ألا وإنّي فلان بن فلان من أهل بلد كذا وكذا وقرية كذا وكذا قد رهنت بسيّئاتي كأمثال الجبال والبحار ولا حسنات لي بإزائها. فأيّ أهل المحشر كان لي عنده يد او عارفة فليغثني بمجازاتي عنها فهذا أوان شدّة حاجتي إليها؟
فينادي الرّجل بذلك.
فأوّل من يجيبه عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام: لبيك! لبيك! أيّها الممتحن في محبّتي المظلوم بعد، أوتي! ثمّ يأتي هو ومعه عدد كثير وجمّ غفير وإن كانوا أقل عدد من خصمائه الّذين لهم قبله الظّلامات. فيقول العدد: يا أمير المؤمنين! نحن إخوانه المؤمنون. وقد كان بنا بارّا ولنا مكرما وفي معاشرته إيّانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعا وقد بذلنا(٢) له عن جميع طاعتنا.
وبذلناها له.
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣١، نقلا عن تفسير العسكري.
(٢) أ: نزلنا.
فيقول عليّ ـ عليه السّلام: فبما ذا تدخلون جنّة ربّكم؟
فيقولون: برحمة الله الواسعة الّتي لا يعدمها من والاك ووالى وليّك، يا أخا رسول الله! فيأتي النّداء من قبل الله تعالى: يا أخا رسول الله! هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له. فأنت ما ذا تبذل له. فإنّي أنا الحكم أمّا ما بيني وبينه من الذنوب، فقد غفرتها له بموالاته إيّاك. وما بينه وبين عبادي من الظّلامات، فلا بدّ من فصل الحكم بينه وبينهم.
فيقول عليّ ـ عليه السّلام: يا ربّ! افعل ما تأمرني.
فيقول الله تعالى: يا عليّ! اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله.
فيضمن لهم عليّ ـ عليه السّلام ـ ذلك. ويقول لهم اقترحوا عليّ. ما شئتم أعطيكم عوضا عن ظلاماتكم.
فيقولون: يا أخا رسول الله! تجعل لنا بإزاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتتك على فراش محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
فيقول عليّ ـ عليه السّلام: قد وهبت ذلك لكم.
فيقول الله ـ عزّ وجلّ: فانظروا عبادي الآن إلى ما نلتموه من عليّ فداء لصاحبه من ظلاماتكم ويظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها.
فيكون ذلك ما يرضي الله ـ عزّ وجلّ ـ به خصماءه المؤمنين. ثمّ يريهم بعد ذلك من الدّرجات والمنازل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فيقولون: يا ربّنا! هل بقي من جنتك شيء إذا كان هذا كلّه لنا؟ فأين يحل سائر عبادك المؤمنين والأنبياء والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين؟
ويخيّل إليهم عند ذلك أنّ الجنّة بأسرها قد جعلت لهم.
فيأتي النّداء من قبل الله تعالى: يا عبادي! هذا ثواب نفس من أنفاس علىّ الّذي اقترحتموه عليه جعلته لكم. فخذوه وانظروا.
فيصيّرونهم(١) وهذا المؤمن الّذي عوض عليّ ـ عليه السّلام ـ عنه، إلى تلك الجنان ثمّ يرون ما يضيفه الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى ممالك عليّ ـ عليه السّلام ـ في الجنان ما هو أضعاف ما بذله عن وليّه وليّ الموالي ممّا شاء الله ـ عزّ وجلّ ـ من الأضعاف الّتي لا يعرفها غيره.
__________________
(١) أ: فيبصرونهم.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله:( أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) (١) المعدّة لمخالفي أخي ووصيّي عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) :
«السلم» (بالكسر والفتح): الاستسلام والطاعة. ولذلك يطلق في الصّلح والإسلام.
فتحه ابن كثير ونافع والكسائيّ. والباقون كسروه(٢) .
«كافّة» اسم للجملة. لأنّها تكفّ الأجزاء عن التفرّق. حال من الضّمير، أو السّلم. لأنّها تؤنّث كالحرب.
والمراد بها ولاية أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ كما سيجيء. والخطاب للمؤمنين بالله والرّسول.
( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) بالتّفرّق والتّفريق.
( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (٢٠٨): ظاهر العداوة.
في أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ الوشّاء، عن مثنّى الخياط، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) قال: في ولايتنا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ، قال: في ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام.
وفي أمالي شيخ الطّائفة، بإسناده إلى محمّد بن إبراهيم، قال: سمعت الصّادق، جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ يقول في قوله تعالى:( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ، قال: في ولاية عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام.( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) [قال لا تتّبعوا غيره.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) . عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ
__________________
(١) الصافات / ٦٢.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١١١.
(٣) الكافي ١ / ٤١٧، ح ٢٩.
(٤) تفسير القمي ١ / ٧١.
(٥) تفسير العيّاشي ١ / ١٠٢، ح ٢٩٤.
يقول:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ]) (١) ( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) قال: أتدري ما السّلم؟
قال: قلت: لا أعلم(٢) .
قال: ولاية عليّ والأئمّة الأوصياء من بعده.
عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم(٣) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالوا: سألناهما عن قول الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) .
قالا: أمروا بمعرفتنا.
عن جابر(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) قال: «السّلم»، هم آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. أمر الله بالدّخول فيه(٥) .
عن أبي بكر الكلبيّ، عن أبي جعفر، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ في قوله:( ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) ، هو ولايتنا.
عن سعدة بن صدقة(٦) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: وقد ذكر عترة خاتم النّبيّين والمرسلين وهم باب السّلم فادخلوا في السلم ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وروى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه ـ ره ـ في أماليه(٧) ، عن محمّد بن القطّان، بإسناده عن عليّ بن بلال، عن الإمام عليّ بن موسى، عن موسى بن جعفر عن جعفر بن محمّد، عن محمّد بن عليّ، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب، عن النّبيّ ـ عليهم السّلام ـ عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن اللّوح عن القلم قال: يقول الله ـ تبارك وتعالى: ولاية عليّ بن أبي طالب حصني. ومن
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) المصدر: أنت أعلم.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢٩٥.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢٩٦.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢٩٧.
(٦) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٠٠.
(٧) أمالي الصدوق / ١٩٥، المجلس ٤١، ح ٩.
دخل حصني أمن من ناري.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١) : ذكر الحسن بن الحسن الدّيلميّ(٢) ـ رحمه الله ـ بإسناده عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) قال: «السّلم»، ولاية أمير المؤمنين وولاية أولاده ـ صلوات الله عليهم أجمعين].(٣)
( فَإِنْ زَلَلْتُمْ ) عن الدّخول في السّلم،( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ) : الآيات والحجج على أنّه الحقّ،( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يعجزه الانتقام،( حَكِيمٌ ) (٢٠٩) لا ينتقم إلا على الحقّ.
( هَلْ يَنْظُرُونَ ) : استفهام في معنى النّفي. ولذلك جاء بعده.
( إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ) ، أي: يأتيهم أمره، أو بأسه، أو يأتيهم الله بأمره، أو بأسه.
فحذف المأتيّ به للقرينة.
( فِي ظُلَلٍ ) : جمع ظلّة، كقلّة وقلل. وهي ما أظلّك. وقرئ ظلال، كقلال.
( مِنَ الْغَمامِ ) : السّحاب الأبيض.
وإنّما يأتيهم العذاب فيه، لأنّه مظنّة الرّحمة. فإذا جاء منه العذاب، كان أفظع.
لأنّ الشّرّ إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب. فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير.
( وَالْمَلائِكَةُ ) فإنّهم الواسطة في إتيان أمره والآتون على الحقيقة ببأسه.
وقرئ بالجرّ عطفا على ظلل، أو الغمام.
وفي عيون الأخبار(٤) : محمّد بن أحمد بن إبراهيم المعاذي(٥) ، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي الهمدانيّ، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى أن قال: وسألته عن قول الله تعالى:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) .
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٨.
(٢) المصدر: الحسن بن أبي الحسن الديلمي.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) عيون أخبار الرضا ١ / ١٢٥ ـ ١٢٦، مقطع من ح ١٩.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المعادى.
قال: يقول: هل ينظرون إلى أن يأتيهم [الله](١) بالملئكة في ظلل من الغمام.
وهكذا نزلت.
وأمّا ما روى [في تفسير العيّاشيّ(٢) ](٣) عن جابر قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى:( فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) قال: «ينزل في سبع قباب(٤) من نور لا يعلم في ايّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل»، فيمكن أن يكون المراد منه بيان كيفيّة نزول أمره حينئذ. ويكون فاعل «نزل» الملك الموكّل بالأمر.
( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) : اتمّ أمر إهلاكهم وفرغ منه.
وضع الماضي موضع المستقبل، لدنوّه وتيقّن وقوعه.
وقرئ «وقضاء الأمر» عطفا على الملائكة
[وفي تفسير العيّاشي(٥) :](٦) عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل وفي آخره: وأمّا قضاء الأمر فهو الوسم على الخرطوم، يوم يوسم الكافر.
( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) (٢١٠) :
قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمر وعاصم بالبناء للمفعول. وعلى أنّه من الرّجع. وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتّأنيث، غير يعقوب، على أنّه من الرّجوع. وقرئ، أيضا.
بالتّذكير وبناء المفعول.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن شيبة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول ابتداء منه: إنّ الله إذا بدا له أن يبين خلقه ويجمعهم لما لا بدّ منه، أمر مناديا ينادي. فاجتمع الجنّ والإنس في أسرع من طرفة عين. ثمّ أذن لسماء الدّنيا. فتنزل. وكان من وراء النّاس. وأذن للسّماء الثّانية. فتنزل. وهي ضعف الّتي تليها.
فإذا رآها أهل سماء الدّنيا قالوا: جاء ربّنا.
قالوا: لا. وهوآت، يعني: أمره. حتّى تنزل. كلّ سماء يكون كلّ واحدة منها من
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٠٣، ح ٣٠١.
(٣) ليس في أ.
(٤) أ: قبّات.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٠٣.
(٦) ليس في أ.
(٧) تفسير القمي ٢ / ٧٧.
وراء الأخرى. وهي ضعف الّتي يليها. ثمّ ينزل أمر الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ربّكم ترجع الأمور.
ثمّ يأمر الله مناديا ينادي: يا معشر الجنّ والإنس!( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ) (١) .
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
( سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) :
أمر للرّسول، أو لكلّ أحد. والمراد بهذا السّؤال تقريعهم.
( كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) : معجزة ظاهرة، أو آية في الكتب شاهدة على الحقّ والصّواب على أيدي الأنبياء.
و «كم» خبريّة أو استفهاميّة مقرّرة. ومحلها النّصب على المفعوليّة، أو الرّفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر وآية مميّزها.
و «من» للفصل.
( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ ) ، أي: آياته. فإنّها سبب الهدى الّذي هو أجلّ النّعم بجعلها سبب الضّلالة وازدياد الرّجس، أو بالتّحريف والتّأويل الزّائغ.
ومن جملة نعم الله العظمى، ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ والأئمّة الأوصياء من بعده.
( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ ) : من بعد ما وصلت إليه وتمكّن من معرفتها.
( فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (٢١١): فيعاقبه أشدّ عقوبة. لأنّه ارتكب أشدّ جريمة.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ ) بولاية الشّياطين( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) . ويقرأ ايضا،:( سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من أقرّ ومنهم من بدّل.( وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) .
( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ) : حسنت في أعينهم وأشربت(٣) محبّتها في قلوبهم
__________________
(١) الرحمن / ٣٣.
(٢) الكافي ٨ / ٢٩٠، ح ٤٤٠.
(٣) ر: شربت.
حتّى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها.
وفي وصفهم بالكفر، إشعار بأنّ لذلك الوصف دخلا في التّزيين. وهو كذلك لأنّهم بسبب دين الكفر وقساوته صارت طبائعهم أميل إلى ما تشتهيه القوّة الحيوانيّة وغفلوا عن المثوبات الأخرويّة.
[وفي مجمع البيان(١) :( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ) ، فإنّ الإنسان إنّما يكلّف بأن يدعى إلى شيء تنفر نفسه عنه، أو يزجر عن تتوق شيء نفسه إليه. وهذا معنى
قول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: حفّت الجنّة بالمكاره. وحفّت النّار بالشّهوات].(٢)
( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) : يريد فقراء المؤمنين، كبلال وعمّار وصهيب، أي: يسترذلونهم، أو يستهزؤن بهم على رفضهم الدّنيا وإقبالهم على العقبى.
و «من» للابتداء. كأنّهم جعلوا السّخرية مبتدئة منهم.
( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) . لأنّهم في أعلى علّييّن وهم في أسفل السّافلين. أو لأنّهم في كرامة وهم في مذلّة. أو لأنّهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدّنيا. وإنّما قال:( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ) ، بعد قوله:( الَّذِينَ آمَنُوا ) ليدلّ على أنّهم متّقون. وأنّ استعلاءهم للتّقوى.
( وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ) في الدّارين،( بِغَيْرِ حِسابٍ ) (٢١٢): بغير تقدير. فيوسع في الدّنيا استدراجا، تارة، وابتلاء أخرى.
( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) : كلّهم ضلّالا، قبل نوح.
( فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) :
عن كعب(٣) : الّذي علمته من عدد الأنبياء، مائة وأربعة وعشرون ألفا. والمرسل منهم، ثلاثمائة وثلاثة عشر. والمذكور في القرآن باسم العلم، ثمانية وعشرون.
( وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ ) : يريد به الجنس. ولا يريد به أنّه أنزل مع كلّ واحد كتابا يخصّه. فإنّ أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصّهم. وإنّما يأخذون بكتاب من قبلهم.
( بِالْحَقِ ) : حال من الكتاب، أي: متلبّسا بالحقّ، شاهرا به.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٠٥.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١١٣.
( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ) ، أي: الله، أو النّبيّ المبعوث، أو الكتاب.
( فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ، أي: فيما التبس عليهم. وتخلّفوا فيه عن الحقّ.
( وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ) ، أي: ما اختلف في الكتاب أو الحقّ بعد إتيانه إلّا الّذين أوتوه. وصار مبدأ الخلاف ناشئا عنهم وتبعهم فيه من بعدهم، أي: عكسوا الامر فجعلوا ما أنزل، مزيحا للالتباس، سببا لاستحكامه.
( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) : حسدا بينهم وظلما لحرصهم على الدّنيا.
( فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ، أي: للحقّ الّذي اختلف فيه من اختلف.
( مِنَ الْحَقِ ) : بيان لما اختلفوا فيه.
( بِإِذْنِهِ ) : بأمره ولطفه.
( وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢١٣): لا يضلّ سالكه.
وفي روضة الكافي(١) : حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد الكنديّ، عن أحمد بن عديس(٢) ، عن يعقوب بن شعيب أنّه سأل أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) فقال: كان(٣) قبل نوح أمّة ضلال فبدا لله(٤) فبعث المرّسلين. وليس كما يقولون. ولم يزل. وكذبوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) قال: كان هذا قبل نوح أمّة واحدة. فبدا لله. فأرسل الرّسل قبل نوح. قلت: أعلى هدى كانوا أم على ضلالة؟
قال: بل كانوا(٦) ضلالا(٧) لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين.
وعن مسعدة(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله(٩) :
__________________
(١) الكافي ٨ / ٨٢، ح ٤٠، وله تتمة. وفي ر: روضة الكافي: علي بن إبراهيم.
(٢) المصدر: أحمد بن عيسى عن أبان.
(٣) المصدر: كان الناس.
(٤) النسخ: عند الله. وما في المتن موافق المصدر.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٠٤، ح ٣٠٦.
(٦) ليس في ر.
(٧) المصدر: ضلالا كانوا.
(٨) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٠٩.
(٩) «في قول الله» ليس في ر.
( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) فقال: كان ذلك قبل نوح.
قيل: فعلى هدى كانوا؟
قال: لا. كانوا ضلّالا(١) . وذلك أنّه لـمّا انقرض آدم وصالح(٢) ذرّيّته بقي شيث وصيّه لا يقدر على إظهار دين الله الّذي كان عليه آدم وصالح ذرّيّته وذلك أنّ قابيل توعّده(٣) بالقتل كما قتل أخاه هابيل. فسار فيهم بالتّقيّة والكتمان. فازداد وأكل يوم ضلالا حتّى لم يبق على الأرض معهم إلّا من هو سلف. ولحق الوصيّ بجزيرة في البحر يعبد الله. فبدا لله ـ تبارك وتعالى ـ أن يبعث الرّسل. ولو سئل هؤلاء الجهّال لقالوا: «قد فرغ من الأمر.» وكذبوا. إنّما(٤) هو شيء يحكم به الله في كلّ عام ـ ثمّ قرأ(٥) :( فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) .
ـ فيحكم الله ـ تبارك وتعالى ـ ما يكون في تلك السّنة، من شدّة، أو رخاء، أو مطر، أو غير ذلك.
قلت: أفضلالا(٦) كانوا قبل النّبيّين، أم على هدى؟
قال: لم يكونوا على هدى. كانوا على فطرة الله الّتي فطرهم عليها لا تبديل لخلق الله(٧) . ولم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم الله. أما تسمع يقول إبراهيم(٨) :( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) ، أي: ناسيا(٩) للميثاق.
وأمّا ما رواه في مجمع البيان(١٠) ، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: «كانوا قبل نوح أمّة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضالّين(١١) . فبعث الله النّبيّين»
فالمراد من الضّالّ، الكافر. والمراد به في الأخبار السّابقة الّذي على الفطرة لم يهتد إلى الحقّ بالبرهان، فلا منافاة.
__________________
(١) ر: اضلالا.
(٢) المصدر: صلح.
(٣) المصدر: تواعده.
(٤) المصدر: هي.
(٥) الدخان / ٤.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أفضلّال.
(٧) إشاره الى آية.
(٨) الأنعام / ٧٧.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثابتا.
(١٠) مجمع البيان ١ / ٣٠٧.
(١١) المصدر: لا ضلّالا.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) قال: قبل نوح ـ عليه السّلام ـ على مذهب واحد. فاختلفوا. فبعث الله النّبيّين مبشّرين ومنذرين. وأنزل معهم الكتاب بالحقّ، ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه].(٢) ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) : خاطب به النّبيّ والمؤمنين، بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات، تشجيعا لهم على الثّبات، مع مخالفيهم.
و «أم منقطعة». ومعناها الإنكار.
( وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ) : ولم يأتكم.
قيل(٣) : وأصل «لمّا»، لم. زيدت عليها «ما.» وفيها توقّع. ولذلك جعل مقابل «قد.»( مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) ، أي: حالهم الّتي هي مثل في الشّدّة.
( مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ ) : بيان له على الاستئناف.
( وَزُلْزِلُوا ) ، أي: أزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشّدائد.
( حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) لتناهى الشّدّة واستطالة المدّة، بحيث تقطّعت حبال الصّبر.
وقرأ نافع يقول (بالرّفع) على أنّها حكاية حال ماضية، كقولك: مرض فلان حتّى لا يرجونه.
( مَتى نَصْرُ اللهِ ) : استبطاء له لتأخّره.
( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ) (٢١٤): استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم ذلك إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النّصر.
في الخرائج والجرائح،(٤) عن زين العابدين، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: فما تمدّون أعينكم. ألستم آمنين؟ لقد كان من قبلكم ممّن هو على ما أنتم عليه. يؤخذ. فتقطع يده ورجله. ويصلب. ثمّ تلا(٥) :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٧١.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١١٣.
(٤) تفسير نور الثقلين ١ / ٢٠٩، ح ٧٨٦، نقلا عن الخرائج والجرائح.
(٥) البقرة / ٢١٤.
(الآية).
وفي روضة الكافي: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سيف، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي بكر بن محمّد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقرأ: وزلزلوا ثمّ زلزلوا حتّى يقول الرّسول.
( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) :
عن ابن عبّاس(١) : أنّ عمرو بن الجموح الأنصاريّ كان همّا ذا مال عظيم. فقال: يا رسول الله! ما ذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت:( قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) : سئل عن المنفق، فأجيب ببيان المصرف. لأنّه أهم. فإنّ اعتداد النّفقة باعتباره.
ولأنّه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكورا في الآية. ذكر بعض المصارف. ثمّ عمّم بقوله:( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ) : «ما»، شرطيّة.
( فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (٢١٥)، جوابه، أي: إن تفعلوا خيرا فإنّ الله يعلمه ويجازي عليه.
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) : مكروه طبعا.
وهو مصدر نعت به للمبالغة، أو فعل بمعنى المفعول كالخبر.
وقرئ بالفتح، على أنّه لغة فيه كالضّعف، أو بمعنى الإكراه، على المجاز.
( وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) : حفّت الجنّة بالمكاره.
( وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) : حفّت النّار بالشّهوات.
( وَاللهُ يَعْلَمُ ) ما هو خير لكم.
( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٢١٦) ذلك، أو لستم من أهل العلم.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ) :
قال البيضاوىّ(٢) : روى أنّه ـ عليه الصلاة والسّلام ـ بعث عبد الله بن جحش ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٠٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١١٤.
ابن عمّته، على سريّة، في جمادي الآخرة، قبل بدر، بشهرين، يترصّد عيرا لقريش، فيهم عمرو بن عبد الله الحضرميّ وثلاثة معه. فقتلوه. وأسروا اثنين واستاقوا العير. وفيها تجار الطّايف. وكان ذلك غرّة رجب وهم يظنّونه من جمادي الآخرة.
فقالت قريش: استحلّ محمّد الشّهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف(١) .
وشقّ ذلك على أصحاب السّريّة. وقالوا: ما نبرح حتّى تنزل توبتنا.
وردّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ العير والأسارى.
وعن ابن عبّاس: لـمّا نزلت، أخذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الغنيمة.
وهي أوّل غنيمة في الإسلام. والسّائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعا وتعييرا.
وقيل: أصحاب السّريّة.
( قِتالٍ فِيهِ ) :
بدل اشتمال.
وقرئ: عن قتال.
( قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) ، أي: كبير لو لم يكن يعارضه ما هو أكبر منه.
( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ، أي: المنع والصّرف عن الإسلام وما يوصل إلى الله.
( وَكُفْرٌ بِهِ ) ، أي: بالله.
( وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ، أي: وصدّ عن المسجد الحرام.
( وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ) : وهم النّبيّ والمؤمنون.
( أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ) ممّا فعلته السّريّة، خطأ بناء على الظّنّ. وهو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة. وإفراده بناء على تنكيره.
( وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) ، أي: ما ارتكبوه من الإخراج والشّرك، أفظع ممّا ارتكبوه من قتل الحضرميّ.
( وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ ) : إخبار عن دوام عداوة الكفّار لهم وأنّهم لا ينفكّون عنها، حتّى يردّوهم عن دينهم.
و «حتّى»، للتّعليل.
( إِنِ اسْتَطاعُوا ) : وهو استبعاد لاستطاعتهم، كقول الواثق بقوّته على قرنه: «إن
__________________
(١) المصدر: يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس إلى معايشهم.
ظفرت بي فلا تبق علىّ» وإيذان بأنّهم لا يردّونهم.
( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) : وقرئ: «حبطت» (بالفتح) وهو لغة فيه.
( فِي الدُّنْيا ) ، لبطلان ما تخيّلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد الدّنيويّة( وَالْآخِرَةِ ) ، بسقوط الثّواب.
( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢١٧)، كسائر الكفرة.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) :
قيل(١) : نزلت في السّريّة، لما ظنّ بهم أنّهم إن سلموا من الإثم، فليس لهم أجر.
( وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) :
كرّر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد. فكأنّهما مستقلّان في تحقيق الرّجاء.
( أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ) : ثوابه. أثبت لهم الرّجاء، اشعارا بأنّ العمل غير موجب ولا قاطع في الدّلالة، سيّما والعبرة بالخواتيم.
( وَاللهُ غَفُورٌ ) للكبير الّذي عارضه أكبر،( رَحِيمٌ ) (٢١٨) بإجزال الأجر والثّواب.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) :
«الخمر» في الأصل، مصدر خمرة، إذا ستره سمّي بها. لأنّه يخمر العقل.
في مجمع البيان(٢) : «الخمر» كلّ شراب مسكر مخالط للعقل مغطّ عليه. وما أسكر كثيره فقليله، خمر. هذا هو الظّاهر في روايات أصحابنا.
و «الميسر»، أيضا، مصدر كالموعد سمّي به القمار. لأنّه أخذ مال الغير بيسر، أو سلب يساره.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن حمدوية، عن محمّد بن عيسى قال: سمعته يقول: كتب إليه إبراهيم بن عتبه(٤) ، يعني: إلى عليّ بن محمّد ـ عليهما السّلام: إن رأى سيدي ومولاي أن يخبرني عن الخمر والميسر الآية. فما الميسر(٥) ؟ جعلت فداك!
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣١٣.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣١٦.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٠٥ ـ ١٠٦، ح ٣١١.
(٤) هكذا في النسخ. وفي المصدر: عنبسة. ولعلم: عتبة.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المنفعة.
فكتب: كلّ ما قومر به فهو الميسر. وكلّ مسكر حرام.
وعن عامر بن السبط(١) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: الخمر من ستّة أشياء: التّمر والزّبيب والحنطة والشّعير والعسل والذرة.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمّر بن خلّاد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: النّرد والشّطرنج، بمنزلة واحدة. وكل ما قومر عليه فهو ميسر.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثنى الحنّاط(٤) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: الشّطرنج والنّرد هما الميسر.
محمّد بن يحيى(٥) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عبد الملك القمي قال: كنت أنا وإدريس أخي عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام. فقال إدريس: جعلنا الله فداك! ما الميسر؟
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام. هي الشّطرنج.
قال: فقلت عندهم(٦) يقولون: إنّها النّرد.
قال: والنّرد أيضا.
قال البيضاويّ(٧) : روى أنّه نزل بمكّة، قوله(٨) ( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ) .(٩) فأخذ المسلمون يشربونها. ثمّ أنّ عمر ومعاذا في نفر من الصّحابة، قالوا: أفتنا، يا رسول الله! في الخمر؟ فإنّها مذهبة للعقل(١٠) فنزلت هذه الآية. فشربها قوم وتركها آخرون. [ثمّ دعا عبد الرّحمن بن عوف ناسا منهم. فشربوا. فسكروا. فأمّ أحدهم.
فقرأ: «أعبد ما تعبدون.» فنزلت:( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) (١١) . فقلّ من
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣١٣.
(٢) الكافي ٦ / ٤٣٥، ح ١.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٤) أ: الخيّاط.
(٥) نفس المصدر ٦ / ٤٣٦، ح ٨.
(٦) المصدر: أما أنتم.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١١٥ ـ ١١٦.
(٨) النحل / ٦٧.
(٩) المصدر: سكرا ورزقا حسنا.
(١٠) مذهبة للعقل مسلبة للمال.
(١١) النساء / ٤٣.
يشربها].(١) ثمّ دعا عتبان بن مالك، سعد بن أبي وقّاص في نفر. فلمّا سكروا افتخروا وتناشدوا. فأنشد سعد شعرا، فيه هجاء الأنصار. فضربه أنصاريّ بلحى بعير. فشجّه.
فشكى إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فقال عمر: «اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا.» فنزلت:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ) ـ إلى قوله ـ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) . فقال عمر: انتهينا يا ربّ.
وهذا النّقل منه يدلّ على عدم حرمة الخمر في أوّل الإسلام وعدم انتهاء عمر عن الخمر قبل نزول «إنّما الخمر» (إلى آخره.) والصّحيح أنّ الخمر كان حراما وهذا أوّل آية نزلت في التّحريم.
روى في الكافي(٢) : عن بعض أصحابنا ـ مرسلا ـ قال: إنّ أوّل ما نزل في تحريم الخمر، قول الله ـ عزّ وجلّ:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) . فلمّا نزلت الآية أحسّ القوم بتحريم الخمر. وعلموا أنّ الإثم ينبغي(٣) اجتنابه. ولا يحمل الله ـ عزّ وجلّ ـ عليهم من كلّ طريق. لأنه قال:( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) . ثمّ أنزل ـ عزّ وجلّ ـ آية أخرى. (الحديث).
ويدلّ عليه أيضا الأخبار السّابقة وقوله :
( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) من حيث أنّه يؤدّي إلى الانتكاب عن المأمور به وارتكاب المنهيّ عنه.
( وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) من كسب المال والطّرب والالتّذاذ ومصادفة الفتيان.
( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) ، أي: المفاسد الّتي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقّعة منهما. والمفسدة إذا ترجّحت على المصلحة، اقتضت تحريم الفعل.
[وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيّان بن الصّلت قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: ما بعث الله نبيّا إلّا بتحريم الخمر، وأن يقرّ لله بالبداء.
( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) قيل: سائله عمرو بن الجموح. سأل أوّلا عن المنفق والمسرف، وثانيا عن كيفيّة
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ٦ / ٤٠٦، ح ٢.
(٣) المصدر: فما ينبغي.
(٤) الكافي ١ / ١٤٨، ح ١٥.
الإنفاق.
( قُلِ الْعَفْوَ ) ، أي: الوسط، لا إقتار ولا إسراف. والعفو» ضدّ الجهد. ومنه يقال للأرض السّهلة: العفو].(١)
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير(٣) ، عن رجل(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) قال: العفو، الوسط.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) قال :لا إقتار ولا إسراف.
وفي مجمع البيان(٦) :( قُلِ الْعَفْوَ ) فيه أقوال ـ إلى قوله ـ وثالثها أنّ العفو ما فضل عن قوت السّنة
ـ عن الباقر ـ عليه السّلام. قال: ونسخ ذلك بآية الزّكاة.
( كَذلِكَ ) ، أي: مثل ما بيّن أنّ العفو أصلح، أو ما ذكر من الأحكام.
والكاف في موضع النّصب، صفة لمصدر محذوف، أي: تبيينا مثل هذا التّبيين. ووحدّ العلامة. والمخاطب جمع على تأويل القبيل والجمع.
( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ ) الدّالّة على ما فيه إرشادكم.
( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (٢١٩) في الدّلائل والأحكام.
( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) : في أمور الدّارين، فتأخذون بالأصلح وتتركون المضرّ.
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنّه لـمّا أنزلت(٨) ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) أخرج كلّ من كان عنده يتيم، وسألوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في إخراجهم. فأنزل الله ـ تبارك وتعالى:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) .
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ٤ / ٥٢، ح ٣.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ابن أبي بصير.
(٤) المصدر: عن بعض أصحابه.
(٥) تفسير القمي ١ / ٧٢.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣١٦.
(٧) تفسير القمي ١ / ٧٢.
(٨) المصدر: أنزلت. (ظ)
وفي مجمع البيان(١) ، عند قوله( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) (الآية) :
روى أنّه لـمّا نزلت هذه الآية، كرهوا مخالطة اليتامى. فشقّ ذلك عليهم فشكوا ذلك إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فأنزل الله سبحانه وتعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) . (الآية) ـ عن الحسن. وهو المرويّ عن السّيدين الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام.
( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ) ، أي: مداخلتهم لإصلاحهم خير من مجانبتهم.
قال الصّادق ـ عليه السّلام(٢) : لا بأس بأن تخالط طعامك بطعام اليتيم. فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل كما يأكل الكبير.
وأمّا الكسوة وغيره، فيحسب على رأس كلّ صغير وكبير وكم يحتاج إليه.
( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) : حثّ على المخالطة، أي: أنّهم إخوانكم في الدّين.
ومن حقّ الأخ أن يخالط الأخ.
وقيل(٣) : المراد بالمخالطة المصاهرة.
( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) : وعيد ووعد لمن خالطهم لإفساد وإصلاح، أي: يعلم أمره فيجازيه عليه.
وفي الكافي(٤) : عثمان، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) .
قال: يعني اليتامى. إذا كان الرّجل يلي الأيتام»(٥) . في حجره، فليخرج من ماله على قدر ما يخرج لكلّ إنسان منهم. فيخالطهم. ويأكلون جميعا. ولا يرز أنّ من أموالهم شيئا. إنّما هي النّار.
أحمد بن محمّد(٦) ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: أرأيت قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) ؟
قال: تخرج من أموالهم بقدر ما يكفيهم. وتخرج من مالك قدر ما يكفيك. ثمّ شفّعه(٧) .
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٣ ـ ٤.
(٢) تفسير القمي ١ / ٧٢.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١١٦ ـ ١١٧.
(٤) الكافي ٥ / ١٢٩، ح ٢.
(٥) المصدر: لا يتام.
(٦) الكافي ٥ / ١٣٠، ح ٥.
(٧) المصدر: تنفقه. (ظ)
قلت: أرأيت إن كانوا يتامى صغارا وكبارا وبعضهم أعلى كسوة من (بعضهم(١) ) وبعضهم آكل من بعض وما لهم جميعا؟
فقال: أمّا الكسوة، فعلى كلّ إنسان منهم ثمن كسوته. وأمّا الطّعام(٢) فاجعلوه [جميعا].(٣) فإنّ الصّغير يوشك أن يأكل مثل الكبير.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهليّ قال: قيل لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام، ومعهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم، ونشرب من مائهم، ويخد منا خادمهم. وربّما طعمنا فيه الطّعام من غير صاحبنا. وفيه من طعامهم. فما ترى في ذلك؟ فقال: إن كان في دخولكم عليه(٥) منفعة لهم، فلا بأس. وإن كان فيه ضرر، فلا.
وقال ـ عليه السّلام:( بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) .(٦) فأنتم لا يخفى عليكم.
وقد قال الله ـ عزّ وجلّ:( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) (٧) .
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله! إنّ أخي هلك وترك أيتاما ولهم ماشية. فما يحلّ لي منها؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إن كنت تليط حوضها وترد نادتها(٩) وتقوم على رعيتها، فاشرب من ألبانها غير مجتهد للحلب ولا ضارّ بالولد.( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) .
عن عليّ(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله في اليتامى:( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ )
__________________
(١) المصدر: بعض. (ظ)
(٢) المصدر: أكل الطعام.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) الكافي ٥ / ١٢٩، ح ٤.
(٥) المصدر: عليهم.
(٦) القيامة / ١٤.
(٧) المصدر: وقد قال الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) في الدين( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) .
(٨) تفسير العيّاشي ١ / ١٠٧ ـ ١٠٨، ح ٣٢١.
(٩) المصدر: فاديتها.
(١٠) نفس المصدر ١ / ١٠٨، ح ٣٢٤.
قال: يكون له التّمر واللّبن. ويكون لك مثله على قدر ما يكفيك ويكفيهم.
ولا يخفى على الله المفسد من المصلح.
عنه(١) ، عن عبد الله بن حجّاج، عن أبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: يكون لليتيم عندي الشّيء. وهو في حجري، أنفق عليه منه. وربّما أصيب بما(٢) يكون له من طعام(٣) . وما يكون منّى إليه أكثر.
فقال: لا بأس بذلك.( وَاللهُ ) (٤) ( يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) .
( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ ) ، أي: ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم، أي: كلّفكم ما يشقّ عليكم من العنت وهي المشقّة ولم يجوز(٥) لكم مداخلتهم.
( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) : غالب يقدر على الإعنات.
( حَكِيمٌ ) (٢٢٠): يحكم ما تقتضيه الحكمة ويتّسع له الطّاقة.
( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) ، أي: ولا تتزوجهنّ.
وقرئ بالضّمّ، أي: ولا تزوجوهنّ من المسلمين.
روى(٦) أنّه ـ عليه السّلام ـ بعث مرشد الغنويّ إلى مكّة، ليخرج أناسا من المسلمين. فأتته عناق. وكان يهوديّا في الجاهليّة.
فقالت: ألا تخلو؟
فقال: إنّ الإسلام حال بيننا.
فقالت: لك أن تتزوّج بي؟
فقال: نعم. ولكن أستأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
فاستأمره. فنزلت. والمشركات تعمّ الكتابيّات وغيرهم.
وفي مجمع البيان(٧) ، عند قوله:( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) : روى أبو الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه منسوخ بقوله:( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) وبقوله(٨) :( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) .
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٢٥.
(٢) المصدر: ربّما أصبت ممّا.
(٣) المصدر: الطعام.
(٤) المصدر: إن الله.
(٥) كذا في أ. وفي الأصل ور: لم تجوز.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣١٧.
(٧) نفس المصدر ٢ / ١٦٢.
(٨) الممتحنة / ١٠.
وفي الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: قال لي أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام: يا أبا محمّد! ما تقول في رجل يتزوّج نصرانيّة على مسلمة؟
قلت: جعلت فداك! وما قولي بين يديك؟
قال: لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي.
قلت: لا يجوز تزويج النّصرانيّة على مسلمة ولا غير مسلمة.
قال: لم؟
قلت: لقول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) ؟
قال: فما تقول في هذه الآية:( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ؟
قلت: قوله( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) نسخت هذه الآية.
فتبسّم ثمّ سكت.
والمراد بالنّكاح، العقد الدّائم.
وروى جواز التّمتّع باليهوديّة والنّصرانيّة، في من لا يحضره الفقيه(٢) : وسأل الحسن التّفليسيّ الرّضا ـ عليه السّلام: يتمتّع الرّجل من اليهوديّة والنّصرانيّة؟
قال أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام: يتمتّع من الحرة المؤمنة. وهي أعظم حرمة منها.
( وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ) ، أي: لأمرأة مؤمنة حرّة كانت، أو مملوكة. فإنّ النّاس عبيد الله وإماؤه.
( وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ) بحسنها وشمائلها.
و «الواو» للحال. و «لو» بمعنى «إن» و «هو» كثير.
( وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) : ولا تزوّجوا منهم المؤمنات حتّى يؤمنوا. وهو على عمومه.
( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) : تعليل للنّهي عن مواصلتهم. وترغيب في مواصلة المؤمنين.
( أُولئِكَ ) : إشارة إلى المذكورين من المشركين والمشركات.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٣٥٧، ح ٦.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٩٣، ح ١٣٩٠.
( يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) : إلى الكفر المؤدّي إلى النّار. فلا يجوز مصاهرتهم.
( وَاللهُ ) ، أي: أولياؤه المؤمنون. حذف المضاف. وأقيم المضاف إليه مقامه، تفخيما لشأنهم، أو الله.
( يَدْعُوا ) بهذا التّكليف.
( إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ ) ، أي: أسبابهما من الاعتقاد والعمل الموصلين إليهما.
( بِإِذْنِهِ ) : بتوقيفه أو بقضائه.
( وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (٢٢١)، أي: لكي يتذكّروا، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التّذكّر لما ركز(١) في العقول من ميل الخير ومخالفة الهوى.
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) : هو مصدر كالمجيء والمبيت.
قيل: ولعلّه سبحانه إنّما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثا ثمّ بها ثلاثا، لان السؤالات الاول كانت في أوقات متفرّقة والثلاث الأخيرة كانت في وقت واحد. فلذلك ذكرها بحرف الجمع.
في كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: الحيض من النّساء نجاسة. رماهنّ الله بها.
قال: وقد كنّ النّساء في زمان نوح إنّما تحيض المرأة في كلّ سنة حيضة حتّى خرجن نسوة من حجابهن. وهنّ سبعمائة امرأة. فانطلقن. فلبسن المعصفر(٣) من الثّياب.
وتحلّين وتعطّرن. ثمّ خرجن. فتفرّقن في البلاد. فجلسن مع الرّجال. وشهدن الأعياد معهم وجلسن في صفوفهم. فرماهنّ الله بالحيض، عند ذلك، في كلّ شهر. أولئك النسّوة بأعيانهنّ. فسالت دماؤهنّ من بين الرّجال. وكنّ يحضن في كلّ شهر حيضة.
قال: فأشغلهنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ بالحيض. وكسر(٤) شهوتهنّ.
قال: وكان غير حضّ من النّساء اللّواتي، لم يفعلن مثل فعلهنّ. يحضن(٥) في كلّ سنة حيضة.
قال: فتزّوج بنو اللّاتي يحضن في كلّ شهر حيضة، بنات اللّاتي يحضن في كلّ سنة حيضة.
__________________
(١) ر: ذكر.
(٢) علل الشرائع ١ / ٢٩٠، ح ٢.
(٣) هكذا في النسخ. وفي المصدر: المعصفرات.
(٤) المصدر: كثر.
(٥) المصدر: كنّ يحضن.
قال: فامتزج القوم فحضن بنات هؤلاء وهؤلاء في كلّ شهر حيضة.
قال: وكثر أولاد اللّاتي(١) يحضن في كلّ شهر حيضة، لاستقامة الحيض. وقلّ أولاد اللّاتي(٢) . لا يحضن في السّنة إلّا حيضة لفساد الدّم.
قال: وكثر نسل هؤلاء. وقلّ نسل أولئك.
روى(٣) أنّ أهل الجاهليّة كانوا لم يساكنوا الحيّض ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس. واستمرّ ذلك إلى أن سأل أبو الدّحداء، في نفر من الصّحابة عن ذلك، فنزلت.
( قُلْ هُوَ أَذىً ) ، أي: المحيض مستقذر مؤذ من يقربه.
( فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ) ، أي: فاجتنبوا مجامعتهن. وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود وإخراجهنّ من البيوت، وتفريط النّصارى ومجامعتهنّ في المحيض. وإنّما وصف بأنّه «أذى» ورتّب الحكم عليه بالفاء، إشعارا بأنّه العلّة.
في الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن بريد، عن الحسن بن عليّ، عن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله لـمّا أصاب آدم وزوجته الخطيئة، أخرجهما من الجنّة وأهبطهما إلى الأرض. فأهبط آدم على الصّفا. وأهبطت حوّاء على المروة.
فقال آدم: ما فرّق بيني وبينها، إلّا أنّها لا تحلّ لي. ولو كانت تحلّ لي هبطت معي على الصّفا. ولكنّها حرّمت عليّ من أجل ذلك وفرّق بيني وبينها.
فمكث آدم معتزلا حوّاء. فكان يأتيها نهارا. فيحدّث عندها على المروة. فإذا كان اللّيل وخاف أن تغلبه نفسه، يرجع إلى الصّفا. فيبيت عليه. ولم يكن لآدم أنس غيرها ولذلك سمّين «النّساء» من أجل أنّ حوّاء كانت أنسا لآدم. لا يكلّمه الله. ولا يرسل إليه رسولا.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد القلانسيّ، عن عليّ بن حسّان، عن عمّه عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى عذافر الصّيرفيّ قال أبو عبد الله
__________________
(١ و ٢) كذا في المصدر. وفي الأصل ور: الذين.
(٣) الكشاف ١ / ٢٦٥+ أنوار التنزيل ١ / ١١٧.
(٤) الكافي ٤ / ١٩٠، ح ١. وله تتمة.
(٥) نفس المصدر ٤ / ١٩١، ح ١. وله تتمة.
(٦) علل الشرائع ١ / ٨٢، ح ١.
ـ عليه السّلام: ترى هؤلاء المشوّهين(١) ؟
قال: نعم(٢) .
قال: هؤلاء(٣) الذين يأتي آباؤهم نساءهم في الطّمث.
( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) : تأكيد للحكم وبيان لغايته.
وفي رواية بن عبّاس(٤) : يطّهرن بتشديد الطّاء، أي: يتطهّرن.
والمراد به: إن كان انقطاع الدّم.
فالنّهي، نهي تحريم. وإن كان الغسل بعد الانقطاع، فنهي تنزيه. يدلّ عليه الأخبار.
( فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) ، أي: المأتيّ الّذي حلّله لكم.
( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ) من الذّنوب.
( وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (٢٢٢)، أي: المتنزّهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض.
في كتاب الخصال(٥) ، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: سئل أبي عمّا حرّم الله تعالى من الفروج في القرآن وعمّا حرمّه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في السّنّة(٦) .
فقال: الّذي حرّم الله تعالى من ذلك(٧) أربعة وثلاثين وجها: سبعة عشر في القرآن وسبعة عشر في السّنّة. فأمّا الّتي في القرآن: فالزّنى ـ إلى قوله ـ والحائض، حتّى تطهر، لقوله تعالى:( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) .
عن جعفر بن محمّد(٨) عن أبيه، عن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله كرّه لكم، أيتها الأمّة! أربعا وعشرين خصلة، ونهاكم عنها كرّه لكم: العبث في الصّلاة ـ إلى أن قال ـ وكرّه للرّجل أن يغشى امرأته وهي حائض.
فإن غشيها فخرج الولد مجذوما(٩) أو أبرص(١٠) ، فلا يلومنّ إلّا نفسه.
__________________
(١) المصدر: المشوّهين في خلقهم.
(٢) المصدر: قال: قلت: نعم.
(٣) المصدر: قال: هم هؤلاء.
(٤) أنوار التنزيل: ١ / ١١٨.
(٥) الخصال ٢ / ٥٣٢، ح ١٠.
(٦) المصدر: سنّته.
(٧) «من ذلك» ليس في المصدر.
(٨) نفس المصدر / ٥٢٠، ح ٩.
(٩) أ: مخروما.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبرصا.
عن بعض أصحابنا(١) ، قال: دخلت على أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ.
ـ عليه السّلام ـ يوم الأربعاء. وهو يحتجم، قلت(٢) له: إنّ أهل الحرمين يروون عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من احتجم يوم الأربعاء فأصابه بياض، فلا يلومنّ إلّا نفسه.
فقال: كذبوا. إنّما يصيب ذلك من حملته أمّه في طمث.
وفي كتاب علل الشرائع(٣) ، بإسناده إلى أبي خديجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان النّاس يستنجون بثلاثة أحجار لأنّهم كانوا يأكلون البرّ(٤) .
فكانوا يبعرون بعرا. فأكل رجل من الأنصار الدبا فلان بطنه. واستنجى بالماء(٥) .
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: هل عملت في يومك هذا شيئا؟
فقال: يا رسول الله! ما حملني(٦) على الاستنجاء بالماء إلّا أنّي أكلت طعاما فلان بطني. فلم تغن عنّى الأحجار(٧) شيئا. فاستنجيت بالماء.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: هنيا لك. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أنزل فيك آية فابشر( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) .
فكنت أنت أوّل من صنع هذا أوّل التّوّابين وأوّل المتطهّرين.
وفي أصول الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأصحابه في حديث طويل: ولو لا أنكم تذنبون فتستغفرون الله، لخلق الله خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا الله. فيغفر لهم. إنّ المؤمن مفتن توّاب. أما سمعت قول الله ـ عزّ وجلّ:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وقال(٩) : استغفروا ربكم
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٨٦، ح ٧٠.
(٢) المصدر: فقلت. (ظ)
(٣) علل الشرائع / ٢٨٦، ح ١.
(٤) المصدر: البسر.
(٥) المصدر: واستنجى بالماء. بعث [فبعث. ظ] إليه النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ قال: فجاء الرجل وهو خائف ـ يظن أن يكون قد نزل فيه أمر سوؤه في استنجائه بالماء.
(٦) المصدر: فقال: نعم، يا رسول الله. إني، والله ما حملني.
(٧) المصدر الحجارة.
(٨) الكافي ٢ / ٤٢٣ ـ ٤٢٤، ح ١.
(٩) هود / ٩٠.
ثم توبوا إليه.
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن عبد الله بن عثمان، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إنّ الله يحبّ المفتن التّوّاب. ومن لا يكون ذلك منه، كان أفضل.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، رفعه، قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أعطى التّائبين ثلاث خصال، لو أعطى خصلة منها جميع أهل السّماوات والأرض لنجوا بها: قوله ـ عزّ وجلّ:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) .
فمن أحبّه الله لم يعذّبه.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله تعالى أشدّ فرحا بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته ومزاده(٤) في ليلة ظلماء، فوجدها. فالله أشدّ فرحا بتوبة عبده، من ذلك الرّجل براحلته حين وجدها.
وفي الكافي(٥) : محمّد بن إسماعيل، عن الفضل وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج قال: قال في قول الله ـ عزّ وجلّ:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ، قال: وكان النّاس يستنجون بالكرسف والأحجار. ثمّ أحدث الوضوء. وهو خلق كريم. فأمر به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصنعه. فأنزل الله في كتابه:( إِنَّ )
( اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) .
وفي كتاب الخصال(٦) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: توبوا إلى الله ـ عزّ وجلّ. وادخلوا في محبّته. ف( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) . والمؤمن توّاب.
وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام: خلق القلب طاهرا صافيا.
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٤٣٥، ح ٩.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٤٣٢، ح ٥.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٤٣٥، ح ٨.
(٤) المصدر: وزاده.
(٥) نفس المصدر ٣ / ١٨، ح ١٣.
(٦) الخصال ٢ / ٦٢٣، ح ١٠.
(٧) شرح فارسى لمصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ٦٩.
وجعل (غذاءه) الذّكر والفكر والهيبة والتّعظيم. فإذا شيب القلب الصّافي في التّغذية(١) بالغفلة والكدر، صقل بمصقل(٢) التوبة [ونظّف](٣) بماء الإنابة، ليعود على حالته الأولى وجوهريّته الأصليّة الصّافية. قال الله تعالى:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) .
( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) : مواضع حرث لكم. شبّهن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهنّ من النّطف بالبذور.
( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ) ، أي: فأتوهنّ كما تأتون المحارث. وهو كالبيان لقوله(٤) :( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) .
( أَنَّى شِئْتُمْ ) : من أي جهة شئتم.
روى(٥) أنّ اليهود كانوا يقولون: من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول. فذكر ذلك لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فنزلت.
( وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ) :
قيل(٦) : ما يدّخر لكم الثّواب.
وقيل(٧) : هو طلب الولد.
وقيل(٨) : التّسمية على الوطء.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) بالاجتناب عن معاصيه،( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ) : فتزوّدوا ممّا لا تفضحون به عنده.
( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٢٢٣)، الكاملين في الإيمان(٩) بالكرامة والنّعيم الدّائم.
أمر الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يبشّر من صدّقه وامتثل أمره.
واعلم! أنّ الوطء في دبر المرأة جائزة إذا رضى(١٠) . مكروه. وليس بحرام. وفي الآية دلالة عليهما.
وفي تهذيب الأحكام(١١) : أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن
__________________
(١) المصدر: تغذيته.
(٢) المصدر: بمصقلة. (ظ)
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) البقرة / ٢٢٢.
(٥) مجمع البيان ١ / ٣٢٠.
(٦ و ٧ و ٨) أنوار التنزيل ١ / ١١٨.
(٩) ر: بالايمان. (ظ)
(١٠) هكذا في جميع النسخ. ولعله الصواب: جائز إذا رضيت.
(١١) تهذيب الأحكام ٧ / ٤١٤، ح ١٦٥٧.
حمران، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الرّجل يأتى المرأة في دبرها.
قال: لا بأس إذا رضيت. [قلت :](١) فأين قول الله:( فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ ) ؟
قال: هذا في طلب الولد. فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله. إنّ الله يقول:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن إتيان النّساء في أعجازهنّ.
قال: لا بأس. ثمّ تلا هذه الآية:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) .
وعن زرارة(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) قال: حيث شاءوا
وأمّا ما رواه :
عن صفوان بن يحيى(٤) ، عن بعض أصحابنا قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) . فقال: من قدامها ومن خلفها في القبل.
وعن معمر بن خلّاد(٥) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: أي شيء تقولون في إتيان النّساء في أعجازهن؟
قلت: بلغني أنّ أهل المدينة لا يرون به بأسا.
قال: إنّ اليهود كانت تقول: «إذا أتى الرّجل من خلفها خرج ولده أحول.» فأنزل الله:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) ، يعني: من قدّام وخلف(٦) ، خلافا لقول اليهود. ولم يعن في أدبارهنّ.
وعن الحسن بن عليّ(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١١٠، ح ٣٣٠.
(٣) نفس المصدر ١ / ١١١، ح ٣٣١.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٢.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٣.
(٦) المصدر: خلف أو قدّام.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع.
وعن زرارة(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [قال سألته عن قول الله:( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) .
قال: من قبل.
عن أبي بصير(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام].(٣) قال: سألته عن الرجل يأتي اهله في دبرها. فكره ذلك. وقال: وإيّاكم ومحاش النّساء.
قال: إنّما معنى( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) ، أي: ساعة شئتم.
وعن الفتح بن يزيد الجرجانيّ(٤) قال: كتبت إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ في مسألة(٥) فورد منه الجواب: سألت عمّن أتى جاريته في دبرها والمرأة: لعبه(٦) لا تؤذي. وهي حرث كما قال الله.
محمولة على الكراهية، بقرينة الأخبار السّابقة. وفي بعض ألفاظ تلك الأخبار، أيضا، دلالة على ذلك.
( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) : «العرضة»، فعله بمعنى المفعول، كالقبضة بمعنى المقبوض. يطلق لما يعرض دون الشيء وللمعرض للأمر.
ومعنى الآية على الأوّل: لا تجعلوا الله حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير. فيكون المراد بالإيمان الأمور المحلوف عليها، يعني: إن حلفتم على الأمور الّتي تركها مرجوح شرعا، لا ينعقد يمينكم. فأتوا بما هو الرّاجح شرعا منها. وحينئذ أن مع صلتها عطف بيان «للإيمان.» و «اللّام» صلة «عرضة»، لما فيها من معنى الاعتراض. ويجوز أن يكون للتّعليل، ويتعلّق «أن» بالفعل، أو بعرضة، أي: ولا تجعلوا الله عرضة لأنّ تبرّوا لأجل: أيمانكم به.
وعلى الثّاني: ولا تجعلوه متعرّضا لأيمانكم. فتتبدّلوه بكثرة الحلف به. و «أن تبرّوا» علّة النّهي، أي: أنهاكم عنه إرادة برّكم تقواكم وإصلاحكم بين النّاس. فإنّ الحلّاف مجترئ على السرّ. والمجترئ عليه لا يكون برّا متّقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين.
والآية ـ قيل(٧) ـ نزلت في أبي بكر، لـمّا حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٤.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٥.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٦.
(٥) المصدر: مثله.
(٦) المصدر: لعبة الرجل. (٧) أنوار التنزيل ١ / ١١٨.
عائشة.
وقيل(١) : في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلّم ختنة بشير بن النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته(٢) .
في أصول الكافي(٣) : عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن إسماعيل، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) ، قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين، فلا تقل: عليّ يمين أن لا أفعل(٤) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) قال: هو قول الرّجل في كلّ حالة «لا والله» و «بلى والله.»
وفي الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا [عن سهل بن زياد](٧) ، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين. فإن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) .
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلام المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول لسدير: يا سدير! من حلف بالله كاذبا، كفر. ومن حلف بالله صادقا، أثم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٩) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) قالا: هو الرجل يصلح [بين الرجل].(١٠) فيحمل ما بينهما من الإثم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١١٨.
(٢) يوجد في أ، بعد هذه الفقرة: «والله سميع لايمانكم، عليم بنياتكم.» وهو مشطوب في الأصل.
(٣) الكافي ٢ / ٢١٠، ح ٦.
(٤) المصدر: ألّا أفعل.
(٥) تفسير القمي ١ / ٧٣.
(٦) نفس المصدر ٧ / ٤٣٤، ح ١.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) نفس المصدر ٧ / ٤٣٤ ـ ٤٣٥، ح ٤.
(٩) تفسير العياشي ١ / ١١٢، ح ٣٣٨.
(١٠) يوجد في المصدر.
عن منصور بن حازم(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [في قول الله:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) ].(٢) قال: يعني الرّجل يحلف أن لا يكلّم أخاه. وما أشبه ذلك. ولا يكلّم أمّه.
وعن أيّوب(٣) : قال سمعته يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين. فإنّ الله يقول:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) قال: إذا استعان رجل برجل على صلح بينه وبين رجل، فلا يقولن(٤) «إنّ عليّ يمينا أن لا أفعل.» وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وروى محمّد بن إسماعيل، عن سلام بن سهم الشّيخ المتعبّد، أنّه سمع أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول ـ وذكر مثله.
[( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لأيمانكم،( عَلِيمٌ ) (٢٢٤) بنيّاتكم].(٦) ( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) : «اللّغو»: السّاقط، الّذي لا يعتدّ به من كلام وغيره. ولغو اليمين، ما لا عقد معه كما سبق به اللّسان، أو تكلّم به جاهلا بمعناه.
( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) ، أي: بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم.
( وَاللهُ غَفُورٌ ) حيث لا يؤاخذكم باللّغو،( حَلِيمٌ ) (٢٢٥) حيث لم يعاجل بالمواخذة على يمين الجدّ، تربّصا للتّوبة.
( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ) ، أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنّ مطلقا، أو مقيّدا بالدّوام، أو بأكثر من أربعة أشهر، إذا كنّ مدخولا بهنّ.
و «الإيلاء»: الحلف. وتعديته بعلى ولكن لـمّا ضمّن هذا القسم معنى البعد، عدّى بمن.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٣٩.
(٢) ليس في أ.
(٣) ر: عن أبي. والحديث في نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣٤٠.
(٤) المصدر: تقولنّ.
(٥) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٣٤ ـ ٢٣٥، ح ١١٠٨.
(٦) ليس في أ.
( تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) :
مبتدأ، ما قبله خبره، أو فاعل الظّرف.
و «التّربّص»: التّوقف. أضيف إلى الظّرف، على الاتّساع، أي: للمولى حقّ التّربّص في هذه المدّة، لا يطالب بفيء، ولا طلاق.
( فَإِنْ فاؤُ ) ، أي: رجعوا في اليمين بالحنث والكفّارة،( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٢٢٦): للمولى إثم حنثه إذا كفّر، أو ما توخّى بالإيلاء من إضرار المرأة.
( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ) ، أي: همّموا(١) قصده،( فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لطلاقهم،( عَلِيمٌ ) (٢٢٧) بغرضهم ونيّاتهم.
في كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى أبي خالد(٣) الهيثم قال: سألت أبا الحسن الثّاني ـ عليه السّلام: كيف صار(٤) عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر وعدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام(٥) ؟
قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر فلاستبراء الرّحم من الولد.
وأمّا عدة(٦) المتوفى عنها زوجها، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ شرط للنّساء شرطا، فلم يكملهن(٧) فيه.
وفيما شرط عليهنّ، بل شرط عليهنّ مثل ما شرط لهم فأمّا ما شرط لهنّ: فإنّه جعل لهنّ في الإيلاء أربعة أشهر. لأنّه علم أنّ ذلك غاية صبر النّساء. فقال ـ عزّ وجلّ:( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) . فلا يجوز(٨) للرّجل.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الإيلاء» هو أن يحلف الرّجل على امرأته
__________________
(١) أور: صمّموا.
(٢) علل الشرائع / ٥٠٧ ـ ٥٠٨، ح ١.
(٣) «خالد» ليس في المصدر.
(٤) المصدر: صارت.
(٥) المصدر: أربعة أشهر وعشرا.
(٦) ليس في أو في المصدر.
(٧) المصدر: فلم يحلّهن. (ظ)
(٨) المصدر: فلم يجز.
(٩) تفسير القمي ١ / ٧٣.
أن لا يجامعها. فإن صبرت عليه فلها أن تصبر. وإن(١) رفعته إلى الإمام، أنظره أربعة أشهر.
ثمّ يقول له بعد ذلك: إمّا أن ترجع إلى المناكحة، وإمّا أن تطلقه. فان أبى جئته أبدا(٢) .
وروى عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام(٣) ـ أنّه من(٤) بنى حظيرة من قصب. وجعل فيها رجلا آلى من امرأته بعد أربعة أشهر. فقال(٥) : إمّا أن ترجع إلى المناكحة، وإمّا أن تطلّق وإلا أحرقت عليك الحظيرة.
وفي الكافي(٦) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، وأبو العبّاس محمّد بن جعفر، عن أيّوب بن نوح، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وحميد بن زياد، عن ابن سماعة، جميعا، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الإيلاء، ما هو؟
قال: هو أن يقول الرّجل لامرأته: «والله لا أجامعك كذا وكذا.» ويقول: «والله لأغيظنّك.» فيتربّص بها أربعة أشهر. ثمّ يؤخذ فيوقف بعد الأربعة أشهر. فإن فاءوا. وهو أن يصالح أهله.( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . وإن لم يفئ جبر على أن يطلق ولا يقع طلاق فيما بينهما، ولو كان بعد الأربعة الأشهر، ما لم ترفعه(٧) إلى الإمام.
عليّ(٨) ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينه، عن بكر بن أعين، وبريد بن معاوية، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ أنّهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته، فليس لها قول ولا حقّ في الأربعة الأشهر. ولا إثم عليه في كفّه عنها في الأربعة الأشهر. فإن مضت الأربعة الأشهر قبل ان يمسّها فسكنت(٩) ورضيت، فهو في حلّ وسعة. فإن رفعت أمرها قيل له: إمّا أن تفيء فتمسّها، وإمّا أن تطلّق. وعزم الطّلاق أن يخلّى عنها. فإذا حاضت وطهرت طلّقها وهو أحقّ برجعتها، ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الإيلاء الّذي أنزل(١٠) الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه وسنّة رسول الله(١١) ـ صلّى الله عليه وآله
__________________
(١) المصدر: فان.
(٢) المصدر: وإمّا أن تطلق وإلّا جئتك أبدا.
(٣) نفس المصدر ١ / ٧٤.
(٤) ليس في ر. (ظ)
(٥) المصدر: وقال له: (ظ)
(٦) الكافي ٦ / ١٣٢، ح ٩.
(٧) المصدر: لم يرفعه.
(٨) نفس المصدر ٦ / ١٣١، ح ٤.
(٩) المصدر: فسكتت.
(١٠) المصدر: أنزله. (ظ)
(١١) المصدر: سنة.
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل آلى من امرأته بعدها دخل بها.
قال(٢) : إذا مضت أربعة أشهر وقف، وإن كان بعد حين. فإن فاء فليس بشيء.
فهي امرأته. وإن عزم الطّلاق، فقد عزم.
وقال: «الإيلاء» أن يقول الرّجل لامرأته: «والله لأغيظنك(٣) ولأسوءنك.» ثمّ يهجرها ولا يجامعها، حتّى تمضى أربعة أشهر. فإذا مضت أربعة أشهر، فقد وقع الإيلاء وينبغي للإمام أن يجبره على أن يفيء أو يطلّق. فإن فاء( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . وإن عزم الطّلاق،( فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . وهو قول الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه.
( وَالْمُطَلَّقاتُ ) : يريد بها المدخول بهنّ، من ذوات الأقراء، لما دلّت الآيات والأخبار على أنّ حكم غيرهنّ خلاف ما ذكر.
( يَتَرَبَّصْنَ ) :
خبر، صورة. وأمر، معنى.
وتغيير العبارة للتأكيد والإشعار بأنّه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله. وكأنّ المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه.
وبناؤه على المبتدأ، يفيد فضل تأكيد.
( بِأَنْفُسِهِنَ ) : تهييج(٤) وبعث لهنّ على التّربّص. فإنّ نفوس النّساء طوامح إلى الرّجال. فأمرن بأن يقمعنها ويحملنها على التّربّص.
( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) : نصب على الظّرف، أو المفعول به، أي: يتربّصن مضيّها.
و «القروء»، جمع قرء. كأنّ القياس أن يذكر بصيغة القلّة الّتي هي الأقراء. ولكنّهم يتّسعون في ذلك، فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر.
ولعلّ الحكم لـمّا عمّ المطلّقات ذوات الأقراء، تضمّن معنى الكثرة. فحسن بناؤها.
و «القرء» يطلق للحيض، وللطهر الفاصل بين حيضتين. وهو المراد هاهنا.
__________________
(١) نفس المصدر ٦ / ١٣٢، ح ٧.
(٢) المصدر: فقال.
(٣) المصدر: لأغيضنّك.
(٤) ر: يهتج.
في الكافي(١) : عنه، عن صفوان، عن موسى بن بكر، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام: إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: «إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، بانت منه. وإنّما القرء ما بين الحيضتين.» وزعم أنّه انما أخذ ذلك برأيه.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: كذب، لعمري! ما قال ذلك برأيه. ولكنّه أخذه عن عليّ ـ عليه السّلام.
قال: قلت له: وما قال فيها عليّ ـ عليه السّلام؟
قال: كان يقول: إذا رأت الدّم من الحيضة الثّالثة، فقد انقضت عدّتها. ولا سبيل له عليها. وإنّما القرء ما بين الحيضتين. وليس لها أن تتزوّج حتّى تغتسل من الحيضة الثّالثة.
عليّ بن إبراهيم(٢) [عن أبيه ،](٣) عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرّاي(٤) يقول: من رأيي(٥) أنّ الأقراء الّتي سمّى الله ـ عزّ وجلّ ـ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين.
فقال: كذب لم يقله برأيه. ولكنّه إنّما بلغه عن عليّ ـ عليه السّلام.
فقلت له(٦) : أصلحك الله! أكان عليّ ـ عليه السّلام ـ يقول ذلك؟
قال(٧) : نعم إنما القرء الطّهر. يقري فيه الدّم. فيجمعه. فإذا جاء المحيض دفعه(٨) .
عليّ بن إبراهيم(٩) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، جميعا، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: القرء ما بين(١٠) الحيضتين.
عليّ عن أبيه(١١) ، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: القرء ما بين(١٢) الحيضتين.
__________________
(١) نفس المصدر ٦ / ٨٨، ح ٩.
(٢) نفس المصدر ٦ / ٨٩، ح ١.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: الرأي. (ظ)
(٥) النسخ: رأى. وما في المتن موافق المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: فقال.
(٨) المصدر: دفعة.
(٩) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(١٠) المصدر: هو ما بين.
(١١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(١٢) المصدر: هو ما بين.
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الأقراء هي الأطهار.
سهل(٢) ، عن أحمد، عن عبد الكريم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: عدّة الّتي لم تحض والمستحاضة الّتي لا تطهر، ثلاثة أشهر. وعدّة الّتي تحيض ويستقيم حيضها، ثلاثة قروء والقرء(٣) جمع الدّم بين الحيضتين.
وأمّا ما رواه في كتاب الخصال(٤) .
قال: حدّثنا أبي ـ رضى الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أمران أيّهما سبق(٥) إليها(٦) ، بانت به المطلّقة: المسترابة الّتي تستريب الحيض، إن مرّت بها ثلاثة أشهر بيض، ليس بها دم بانت بها. وإن مرّت بها ثلاث حيض، ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض.
وأمّا ما رواه في كتاب علل الشّرايع(٧) بإسناده إلى أبي خالد الهيثم: قال: سألت أبا الحسن الثاني(٨) ـ عليه السّلام: كيف صار عدّة المطلّقة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر وعدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام(٩) ؟
قال: أمّا عدّة المطلّقة ثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، فلاستبراء الرّحم من الولد والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
فيمكن أن يحمل على التّقيّة. لأنّه موافق لمذهب أكثر العامّة.
( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) من الولد والحيض، استعجالا في العدّة، وإبطالا لحقّ الرّجعة. وفيه دليل على أنّ قولها مقبول في ذلك.
( إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : ليس المراد منه تقييد نفي الحلّ بإيمانهم. بل تنبيه على أنّه ينافي الإيمان. وأنّ المؤمن لا يجترئ عليه. ولا ينبغي له أن يفعل.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
(٢) نفس المصدر ٦ / ٩٩، ح ٣. وفيه: سهل بن زياد.
(٣) المصدر: القروء.
(٤) الخصال ١ / ٤٧ ـ ٤٨، ح ٥١.
(٥) أور: أسبق.
(٦) ليس في ر.
(٧) علل الشرائع ٢ / ٥٠٧، ح ١.
(٨) أ: الثالث.
(٩) ليس في المصدر.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ ) ، يعني: لا يحلّ(٢) لها أن تكتم الحمل إذا طلّقت. وهي حبلى. والزّوج لا يعلم بالحمل. فلا يحلّ لها أن تكتم حملها. وهو أحقّ بها في ذلك الحمل، ما لم تصنع.
( وَبُعُولَتُهُنَ ) ، أي: أزواج المطلّقات جمع بعل. و «التّاء» لتأنيث الجمع، كالعمومة والخؤولة. او مصدر من قولك: بعل حسن البعولة نعت به. وأقيم مقام المضاف المحذوف، أي: وأهل بعولتهنّ.
( أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ ) إلى النّكاح والرّجعة إليهنّ. وأفعل بمعنى الفاعل.
( فِي ذلِكَ ) ، أي: في زمان التّربّص.
( إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ) بالرّجعة، لا ضرر المرأة. والمراد فيه، التّحريض عليه، والمنع من قصد الإضرار لا شريطة قصد الإصلاح للرّجعة.
( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ، أي: لهن حقوق على الرّجال، مثل حقوقهم عليهنّ في الوجوب واستحقاق المطالبة.
( وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) : زيادة في الحقّ وفضل.
( وَاللهُ عَزِيزٌ ) : يقدر على الانتقام، ممّن خالف الأحكام.
( حَكِيمٌ ) (٢٢٨): يشرعها لمصالح وحكم.
في من لا يحضره الفقيه(٣) : وسأل إسحاق بن عمّار، أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن حقّ المرأة على زوجها.
قال: يشبع بطنها. ويكسو جثتها. وإن جهلت غفر لها.
وروى الحسن بن محبوب(٤) ، عن مالك بن عطيّة، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالت: يا رسول الله! ما حقّ الزّوج على المرأة؟
فقال لها: تطيعه. ولا تعصيه. ولا تتصدق(٥) من بيتها بشيء إلّا بإذنه. ولا تصوم
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١١٥، ح ٣٥٦.
(٢) ليس في ر.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٧٩، ح ١٣٢٧.
(٤) نفس المصدر ٣ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧، ح ١٣١٤.
(٥) المصدر: تصدّق.
تطوعا الا باذنه. ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب. ولا تخرج من بيتها إلّا بإذنه.
فإن خرجت بغير إذنه، لعنتها ملائكة السّماء وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرّحمة، حتّى ترجع إلى بيتها.
فقالت: يا رسول الله! من أعظم النّاس حقّا على الرّجل؟
قال: والداه.
قالت: فمن أعظم النّاس حقّا على المرأة؟
قال: زوجها.
قالت: فما لي من الحقّ عليه بمثل(١) ما له عليّ؟
قال: لا. ولا من كلّ مائة واحدة.
فقالت: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا! لا يملك رقبتي رجل(٢) أبدا.
( الطَّلاقُ ) ، أي: الطّلاق الّذي عهد سابقا وهو ما يجوز معه الرّجوع في مدّة التّربّص.
( مَرَّتانِ ) بأن طلّق أوّلا، ثمّ رجع، ثمّ طلّق ثانيا. فإن رجع،( فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ) : بحسن المعاشرة،( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) بالطّلقة الثّالثة. ولا يجوز له الرّجوع، أصلا، حتّى تنكح زوجا غيره.
في عيون الأخبار(٣) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال ـ عزّ وجلّ:( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) ، يعنى: في التّطليقة الثّالثة.
وفي الكافي(٤) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، ومحمّد بن جعفر أبو العبّاس الرّزّاز، عن أيّوب بن نوح، وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: طلاق السّنّة يطلّقها تطليقة، يعني: على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين. ثمّ يدعها حتّى تمضي أقراؤها. فإذا مضت أقراؤها، فقد بانت منه. وهو خاطب من الخطّاب، إن شاء [ت] نكحته. وإن شاءت فلا. وإن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها قبل أن تمضي أقراؤها ،
__________________
(١) المصدر: مثل.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجلا.
(٣) عيون أخبار الرضا ٢ / ٨٥.
(٤) الكافي ٦ / ٦٤، ح ١.
فتكون عنده على التّطليقة الماضية.
قال: وقال أبو بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: هو قول الله ـ عزّ وجلّ:( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) .
( وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) من الصّداق والهبة.
في تهذيب الأحكام(١) : أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ولا يرجع الرّجل فيما يهب لامرأته. ولا المرأة فيما (تهب)(٢) لزوجها (حيز أو لم يحز). أليس الله تعالى يقول: ولا تأخذوا( مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) ؟ وقال:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) ؟ وهذا يدخل في الصّداق والهبة.
وفي الكافي(٣) ، مثله سواء.
وهذا الحكم بعمومه، يشمل صور الطّلاق، أي: لا يحلّ لكم إذا طلّقتم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا. والخطاب للحكّام. لأنّهم الآمرون، أو للأزواج.
( إِلَّا أَنْ يَخافا ) ، أي: الزّوجان.
وقرئ: يظنّا.
( أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) : وقرأ حمزة ويعقوب، على البناء للمفعول وإبدال «أن» بصلته عن الضّمير بدل الاشتمال.
وقرئ: تخافا وتقيما (بتاء الخطاب.)( فَإِنْ خِفْتُمْ ) أيّها الحكّام،( أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) : على الرّجل في أخذ ما افتدت به نفسها. وعلى المرأة في إعطائه، حتّى يخالعها.
في مجمع البيان(٤) : «فيما افتدت به» قيل: إنّه يجوز الزّيادة على المهر. وقيل: المهر فقط. ورووه عن عليّ ـ عليه السّلام.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٧ / ١٥٢ ـ ١٥٣، ذيل ح ٦٢٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وهب.
(٣) الكافي ٧ / ٣٠، ذيل ح ٣.
(٤) مجمع البيان ١ / ٣٢٩، بتفاوت.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١١٧، ح ٣٦٧.
عن المختلعة، كيف يكون خلعها؟
فقال: لا يحلّ خلعها حتّى تقول: «والله! أبرّ لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولأواطئنّ فراشك، ولأدخلنّ عليك بغير إذنك.» فإذا قالت هي(١) ذلك، حلّ خلعها.
وحل له ما أخذ منها من مهرها وما زاد. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) . وإذا فعلت(٢) ذلك، فقد بانت منه بتطليقه. وهي أملك بنفسها، إن شاءت نكحته. وإلّا فلا. فإن نكحته فهي عنده بثنتين.
( تِلْكَ ) : إشارة إلى الأحكام الّتي حدّت.
( حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها ) بالمخالفة.
( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢٢٩) :
عقب النّهى بالوعيد، مبالغة في التّهديد.
واعلم أنّ كلّ ما حدّ الله تعالى الإفراط فيه والتّفريط، كلاهما تعدّ. وكذلك كلّ ما يفعله أهل الوسوسة فما ليس له في الشّرع مآخذ ويسمّونه احتياطا وتقوى، تعدّ عن حدود الله. ومن يفعله ظالم. يدلّ على ذلك ما رواه العيّاشيّ في تفسيره(٣) ، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله الله ـ تبارك وتعالى:( تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) .
فقال: إنّ الله غضب على الزّاني. فجعل له جلد(٤) مائة. فمن غضب عليه فزاد. فأنا إلى الله منه بريء. فذلك قوله:( تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها ) .
( فَإِنْ طَلَّقَها ) :
متعلّق بقوله:( الطَّلاقُ مَرَّتانِ ) . تفسير لقوله:( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) . اعترض بينهما ذكر الخلع، دلالة على أنّ الطّلاق يقع مجّانا تارة، وبعوض أخرى.
والمعنى: فإن طلّقها بعد الثّنتين.
( فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ) ذلك الطّلاق،( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) : حتّى تزوّج غيره بالعقد الدّائم، ويدخل بها. والنّكاح يسند إلى كلّ منهما.
__________________
(١) المصدر: فإذا هي قالت.
(٢) المصدر: فعل. (ظ)
(٣) تفسير العياشي ١ / ١١٧، ح ٣٦٨.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: جلدة.
في عيون الأخبار(١) : حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقاني ـ ره ـ قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الهمدانيّ، عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال، عن أبيه قال: سألت الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن العلّة الّتي من أجلها لا تحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجا غيره.
فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين. فقال ـ عزّ وجلّ:( الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ) ، يعني: في التّطليقة الثّالثة. ولدخوله فيما كره الله ـ عزّ وجلّ ـ [من الطّلاق الثّالث ،](٢) حرّمها عليه. فلا تحلّ من بعد حتّى تنكح زوجا غيره، لئلا يوقع النّاس الاستخفاف بالطلاق [ولا يضارّوا النّساء].(٣)
وفي الكافي(٤) : سهل (بن زياد)، عن احمد بن محمّد، عن مثنّى، عن أبي حاتم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرّجل يطلّق امرأته الطّلاق الّذي لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، ثمّ تزوّج رجلا(٥) ، ولم يدخل بها.
قال: لا. حتّى يذوق عسيلتها.
وفي عيون الأخبار(٦) ، في باب ذكر ما كتب به الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل وعلّة الطّلاق ثلاث، لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث، لرغبة تحدث، أو سكون غضبه إن كان. وليكون ذلك تخويفا وتأديبا للنّساء وزجرا لهنّ عن معصية أزواجهنّ.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة، ثمّ تركها حتّى انقضت عدّتها، ثمّ تزوّجها رجل غيره، ثمّ إنّ الرّجل مات أو طلّقها، فراجعها الأوّل.
قال: هي عنده على تطليقتين تامتين(٨) .
محمّد بن يحيى(٩) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن مهزيار قال: كتب عبد الله بن محمّد
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ٨٣، ح ٢٧.
(٢ و ٣) ليس في أ.
(٤) الكافي ٥ / ٤٢٥، ح ٤.
(٥) المصدر: رجل آخر.
(٦) عيون أخبار الرضا ٢ / ٩٣، ح ١.
(٧) الكافي ٥ / ٤٢٦، ح ٥.
(٨) المصدر: باقيتين.
(٩) نفس المصدر ٥ / ٤٢٦، ح ٦.
إلى أبي الحسن ـ عليه السّلام: روى بعض أصحابنا عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في الرّجل يطلّق امرأته على الكتاب والسّنّة، فتبين منه (واحدة)(١) ، فتزوج زوجا غيره، فيموت عنها، أو يطلّقها فترجع الى زوجها الأوّل، أنّها تكون عنده على تطليقتين (تامّتين(٢) .
وواحدة قد مضت.
فوقّع ـ عليه السّلام ـ بخطّه: صدقوا.
وروى بعضهم أنّها تكون عنده على ثلاث مستقبلات. وأنّ تلك الّتي طلّقت(٣) ليس بشيء. لأنها قد تزوّجت زوجا غيره.
فوقّع ـ عليه السّلام ـ بخطّه: لا.
سهل(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن المثنى، عن (إسحاق) بن عمار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل طلّق امرأته(٥) لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره، فتزوّجها عبد، ثمّ طلّقها، هل يهدم الطّلاق؟
قال: نعم، لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه:( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) . وقال: هو أحد الأزواج.
( فَإِنْ طَلَّقَها ) الزّوج الثّاني،( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا ) ، أي: يرجع كلّ منهما إلى الآخر بالزّواج،( إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) ، أي: ما حدّده الله.
( وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (٢٣٠): يفهمون.
في تفسير العيّاشيّ(٦) . عن الحسن بن زياد قال: سألته عن رجل طلق امرأته.
فتزوّجت بالمتعة. أتحلّ لزوجها الأوّل؟
[قال: لا].(٧) لا تحلّ له حتّى تدخل(٨) في مثل الّذي خرجت من عنده. وذلك قوله:( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ) .
__________________
(١) المصدر: بواحدة. (ظ)
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: طلقها.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٤٢٥، ح ٣. وفيه: سهل بن زياد.
(٥) المصدر: امرأته طلاقا.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١١٨، ح ٣٧١.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدخل.
والمتعة ليس فيها طلاق.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن الحسن الصّيقل قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل طلّق امرأته طلاقا، لا تحلّ له حتّى تنكح زوجا غيره؟ و (تزوّجها(٢) ) رجل متعة. أيحل له أن ينكحها؟
قال: لا حتّى تدخل في مثل ما خرجت منه.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن رجل طلّق امرأته (ثلاثا). ثمّ تمتع فيها رجل آخر. هل تحلّ للأوّل؟
قال: لا.
( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) :
«الأجل» يطلق للمدّة ولمنتهاها.
و «البلوغ» هو الوصول إلى الشيء. وقد يقال للدنوّ منه على الاتّساع. فإن حمل الأجل على المعنى الأوّل، فالبلوغ على أصله. وإن حمل على الثّاني، فالبلوغ على الاتّساع، ليترتّب عليه.
( فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) :
وهو إعادة الحكم في بعض صوره، للاهتمام به.
( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً ) : نصب على العلّة، أو الحال، أي: لا تراجعوهنّ إرادة الإضرار، أو مضارّين. كان المطلّق يترك المعتدّة، حتّى يشارف الأجل، ثمّ يراجع ليطوّل العدّة عليها. فنهى عنه بعد الأمر بضدّه، مبالغة.
( لِتَعْتَدُوا ) : لتظلموهنّ بالتّطويل والإلجاء إلى الافتداء.
و «اللّام» متعلّقة بالضّرار، إذ المراد تقييده.
في من لا يحضره الفقيه(٤) روى المفضل بن صالح، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) .
__________________
(١) الكافي ٥ / ٤٢٥، ح ٢.
(٢) المصدر: يزوّجها.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٢٣، ح ١٥٦٧.
قال: الرّجل يطلّق حتّى إذا كادت(١) أن يخلو أجلها راجعها(٢) ، ثمّ طلّقها، يفعل ذلك ثلاث مرّات. فنهى الله ـ عزّ وجلّ ـ عن ذلك.
وروى البزنطيّ(٣) ، عن عبد الكريم بن (عمرو)، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا ينبغي للرّجل أن يطلّق امرأته، ثمّ يراجعها، وليس له فيها حاجة. ثمّ يطلّقها. فهذا الضّرار الّذي نهى الله عنه. إلّا أن يطلّق ثمّ (يراجعها(٤) . وهو ينوي الإمساك.
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) بتعريضها للعقاب.
( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً ) بالإعراض عنها، والتّهاون في العمل بما فيها.
وفي نهج البلاغة:(٥) قال ـ عليه السّلام: من قرأ القرآن، فمات، فدخل النّار، فهو ممن كان يتّخذ آيات الله هزوا.
( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) الّتي من جملتها نبوّة محمّد وولاية عليّ والأئمّة من بعده، بالشّكر والقيام بحقوقها.
( وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ ) : القرآن والسّنّة. أفردهما بالذّكر، إظهارا لشرفهما.
( يَعِظُكُمْ بِهِ ) : بما أنزل عليكم.
( وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٢٣١): تأكيد وتهديد.
( وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) : انقضت عدّتهنّ،( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ ) : «العضل»: الحبس والتّضييق.
( إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ ) :
ظرف لأن ينكحن، أو لا تعضلوهنّ.
( بِالْمَعْرُوفِ ) : بما يعرفه الشّرع. حال من الضّمير المرفوع، أو صفة مصدر محذوف ،
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: كانت.
(٢) يوجد في أبعد هذه الكلمة: وليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها فهذا الضرار لاملا.
(٣) نفس المصدر ٣ / ٣٢٣ ـ ٣٢٤، ح ١٥٦٨.
(٤) المصدر: يراجع.
(٥) نهج البلاغة / ٥٠٨، مقطع من حكمة ٢٢٨.
أي: تراضيا كائنا بالمعروف.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما مضى ذكره. والخطاب للجمع، على تأويل القبيل، أو كلّ واحد، أو للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله.
( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) . لأنّه المنتفع به.
( ذلِكُمْ ) ، أي: العمل بمقتضى ما ذكر،( أَزْكى لَكُمْ ) : أنفع،( وَأَطْهَرُ ) من دنس الآثام.
( وَاللهُ يَعْلَمُ ) : ما فيه من النّفع،( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٢٣٢) ما فيه، أو لستم من أهل العلم.
( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَ ) :
قال البيضاويّ(١) : أمر عبّر عنه بالخير، للمبالغة. ومعناه النّدب، أو الوجوب.
فيختصّ بما إذا لم يرتضع الصّبيّ إلّا من أمّه، أو لم يوجد له ظئر، أو عجز الوالد عن الاستئجار.
و «الوالدات» (تعمّ) المطلّقات وغيرهنّ.
[والوجه أنّه خبر معنى، أيضا، والوالدات المطلقات. والمقصود بيان أنّ الوالدات أحقّ برضاع الأولاد، من غيرهنّ].(٢) وليس للوالد أن يأخذهم منهم ويجعل غيرهنّ مرضعة، إذا تبرّعن، أو رضين بما رضى به غيرهنّ.
( حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ) :
أكّده بصفة الكمال. لأنّه ممّا يتسامح فيه.
( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) : بيان للمتوجّه إليه الحكم، أي: ذلك لمن أراد إتمام الرّضاعة، أو متعلّق بيرضعن. فإنّ الأب يجب عليه الإرضاع والأمّ ترضع. وفيه دلالة على أنّ مدّة الإرضاع حولان ولا عبرة(٣) بعدهما. وأنّه يجوز أن ينقص عنه.
( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ) ، أي: الوالد. فإنّ الولد يولد له.
وتغيير العبارة للإشارة إلى المعنى المقتضى للإرضاع ومؤن المرضعة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٢٣.
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: لا عبرة به.
( رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَ ) : أجرة لهنّ.
( بِالْمَعْرُوفِ ) : حسب ما يراه أهل الشّرع.
( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها ) : تعليل لإيجاب المؤن.
( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) ، أي: لا يضارّ كلّ واحد منهما الآخر، بسبب الولد، بأن يكلّفه ما ليس في وسعه، أو يترك مجامعته بسبب الولد.
في الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، والحسين بن سعيد، جميعا، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) .
فقال: كانت المراضع ممّا يدفع إحداهن الرّجل، إذا أراد الجماع. تقول(٢) : «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي.» هذا الّذي أرضعه. وكان الرّجل تدعوه(٣) المرأة. فيقول: «أخاف أن أجامعك، فأقتل ولدي.» فيدعها. فلا(٤) يجامعها. فنهى الله ـ عزّ وجلّ ـ عن ذلك، بأن يضارّ الرّجل المرأة والمرأة الرّجل.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ نحوه.
وفي مجمع البيان(٦) :( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) قيل: معناه لا تضار والدة الزّوج بولدها. ولو قيل «في ولدها» لجاز في المعنى.
وروى عن السّيّدين الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام: لا تضارّ والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع. ولا مولود له بولده، أي لا تمنع نفسها من الأب، خوف الحمل. فيضرّ ذلك بالأب.
وفي الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
__________________
(١) الكافي ٦ / ٤١، ح ٦.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقول.
(٣) كذا في المصدر وأ. في الأصل ور: يدعوه.
(٤) المصدر وأ: ولا.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣٣٥.
(٧) الكافي ٦ / ١٠٣، ح ٢.
إذا طلّق الرّجل المرأة وهي حبلى، أنفق عليها حتّى تضع حملها. وإذا(١) وضعته أعطاها أجرها. ولا يضارّها إلّا أن يجد من هو أرخص أجرا منها. فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه.
عليّ، عن أبيه(٢) ، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الحبلى المطلقة ينفق عليها، حتّى تضع حملها. وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أخرى. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) .
قال: كانت المرأة منّا ترفع(٣) يدها إلى زوجها إذا أراد مجامعتها، فتقول(٤) : «لا أدعك. إنّي أخاف أن أحمل على ولدي»، أو يقول الرّجل: «لا أجامعك. أنّي أخاف أن تعلقي، فأقتل ولدي.» فنهى الله ـ عزّ وجلّ ـ أن تضارّ المرأة الرجل،(٥) أو يضارّ الرّجل المرأة وأمّا قوله:( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) . فإنّه نهى أن يضارّ بالصّبيّ، أو (تضار(٦) ) أمّه في رضاعه. وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. وإن أرادا فصالا عن تراض منهما قبل ذلك كان حسنا. والفصال هو الفطام.
( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) :
عطف على قوله:( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ) . وما بينهما معترض. والمراد بالوارث الباقي من أبويه.
قال في مجمع البيان(٧) : وهو الصّحيح عندنا. وقد روى، أيضا، في أخبارنا على الوارث كائنا من كان النّفقة.
وهذا يوافق الظّاهر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله:( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) قال: لا تضارّ المرأة الّتي لها ولد وقد توفّى زوجها. فلا يحلّ للوارث أن يضارّ أمّ الولد في النّفقة. فيضيّق عليها.
وفي تفسير العيّاشيّ(٩) : عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما
__________________
(١) المصدر: فإذا. (ظ)
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «يرتفع» أو «ترتفع».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقول.
(٥) المصدر: وأن.
(٦) المصدر: يضارّ.
(٧) مجمع البيان ١ / ٣٣٥.
(٨) تفسير القمي ١ / ٧٧.
(٩) تفسير العياشي ١ / ١٢١، ح ٣٨٣.
ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) .
قال: هو في النّفقة على الوارث، مثل ما على الوالد.
وقيل(١) : المراد بالوارث، وارث الأب. وهو الصّبيّ، أي: مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب.
والأحسن أن يقال: المراد بالوارث، الباقي من أبويه. وعليه مثل ذلك، أي: عدم المضارّة بأنّه إن كان للمولود له مال عنده، لا يقتّر عليه ولا يمنع الولد من أن يأتي أمّه(٢) . وإن لم يكن له مال وكان ممّن يجب نفقته عليه، أنفق عليه، وغير ذلك.
والأخبار الّتي استدلّ بها الشّيخ الطّبرسيّ، كلّها تحمل على ذلك. يدلّ على هذا الحمل
، ما رواه أبو الصّباح(٣) : قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ) .
قال: ليس(٤) للوارث أن يضارّ المرأة. فيقول: لا. أدع ولدها يأتيها، ويضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء. ولا ينبغي أن يقترّ عليهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وقضى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في رجل توفّي، وترك صبيّا، واسترضع له، أنّ أجر رضاع الصّبيّ ممّا يرث من أبيه وأمّه.
( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ ) ، أي: فصالا صادرا عن التّراضي منهما والتّشاور قبل الحولين.
والتّشاور والمشاورة والمشورة والمشورة، استخراج الرّأي من شرت العسل إذا استخرجته.
( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) في ذلك واعتبار التّراضي، لمصلحة الطّفل.
( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ ) ، أي: تسترضعوا المراضع أولادكم، من استرضعتها إياه. فحذف المفعول الأوّل، للقرينة.
( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) : فيه وفي نفي الجناح، إشعار بأنّ لبن أمّه أولى.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٢٣.
(٢) النسخ: أمّها.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٢١، ح ٣٨٤.
(٤) المصدر: لا.
(٥) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٠٩، ح ١٤٨٧.
وفي كتاب عيون الأخبار(١) ، بإسناده، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ليس للصّبيّ لبن خير من لبن امه.
( إِذا سَلَّمْتُمْ ) إلى المراضع.
( ما آتَيْتُمْ ) ، أي: أردتم إيتاءه، كقوله تعالى(٢) :( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) .
وقرء ابن كثير: «ما أتيتم» من أتى عليه إليه إحسانا إذا فعله.
وقرئ: أوتيتم، أي: ما أتاكم الله.
( بِالْمَعْرُوفِ ) : صلة «سلّمتهم»، أي: بالوجه المتعارف المستحسن شرعا.
وجواب الشّرط محذوف. دلّ عليه ما قبله، أي: فلا جناح عليه، أو الشّرط في موضع الحال. فلا يحتاج إلى الجواب.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) :
مبالغة في أمر الأطفال والمراضع. ومن جملة التّقوى في أمر الأطفال، اختيار المراضع الخيار لاولادكم. فإنّ اللّبن يعدى.
وفي كتاب عيون الأخبار(٣) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء. فإنّ اللّبن يعدى.
وفي كتاب الخصال(٤) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: وتوقّوا أولادكم من لبن البغيّ من النّساء والمجنون. فإنّ اللّبن يعدى.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٢٣٣) :
حثّ وتهديد وفي إيراد البصير، مكان العليم، زيادة مبالغة.
( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) ، أي: أزواج الّذين، أو يتربّصن بعدهم الأزواج المتروكة.
وقرئ: يتوفّون (بفتح الياء)، أي: يستوفون آجالهم.
وتأنيث العشر، باعتبار اللّيالي لأنّها غرر الشّهور والأيّام.
قيل(٥) : ولعلّ المقتضى لهذا التّقدير، أنّ الجنين في غالب الأمر يتحرّك لثلاثة أشهر إن
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ٣٤، ح ٦٩.
(٢) المائدة / ٦.
(٣) عيون أخبار الرضا ٢ / ٣٤، ح ٦٧.
(٤) الخصال ٢ / ٦١٥، ح ١٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٢٤.
كان ذكرا، ولأربعة، إن كان أنثى. فاعتبر أقصى الأجلين، وزيد عليه العشر، استظهارا إذ ربّما تضعف حركته في المبادي فلا يحسن بها.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا نزلت هذه الآية:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) جئن النّساء اتجاه(٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وقلن: لا نصير.
فقال لهنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: كانت إحداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة. فألقتها خلفها في دويرها في خدرها. ثمّ قعدت. فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول، أخذتها، ففتّتها، ثمّ اكتحلت منها، ثمّ تزوّجت. فوضع الله عنكنّ ثمانية أشهر.
وفي الكافي(٣) : حميد عن [ابن](٤) سماعة، عن محمّد بن أبي حمزة، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: جاءت امرأة إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ تستفتيه في المبيت في غير بيتها. وقد مات زوجها.
فقال: إنّ أهل الجاهليّة كان إذا مات زوج المرأة، أحدّت عليه امرأته اثني عشر شهرا.
فلمّا بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ رحم ضعفهنّ. فجعل عدّتهنّ أربعة أشهر وعشرا.
وأنتنّ لا تصبرن(٥) .
وعموم اللّفظ يقتضي تساوى الحرّة والأمة، زوجة كانت أو ملك يمين، والمسلمة والكتابيّة، والدّائمة والمتعة، والحائل والحامل، إن وضع الحمل قبل تلك المدة.
وفي تهذيب الأحكام(٦) : (احمد بن محمّد بن عيسى(٧) )، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام: ما عدّة المتعة إذا مات عنها الّذي (يتمتّع)(٨) بها؟
قال: أربعة أشهر وعشرا.
(قال): ثمّ قال: يا زرارة! كلّ النّكاح إذا مات الزّوج فعلى المرأة حرّة كانت، أو أمة، أو على أي وجه كان النّكاح منه، متعة، أو تزويجا، أو ملك يمين، فالعدّة أربعة أشهر وعشرا.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٢١، ح ٣٨٦.
(٢) المصدر: يخاصمن. (ظ)
(٣) الكافي ٦ / ١١٧، ح ١٠.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: لا تصبرن على هذا. (٦) تهذيب الأحكام ٨ / ١٥٧، ح ٥٤٥، وله تتمة.
(٧) المصدر: محمد بن أحمد بن يحيى. (٨) المصدر: تمتع.
( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ ) : انقضت عدّتهنّ.
( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) : أيّها الائمة والمسلمون!( فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ ) من التّعرّض للخطّاب(١) وسائر ما حرّم عليهنّ للعدّة،( بِالْمَعْرُوفِ ) : بالوجه الّذي يعرفه الشّرع. وإن فعلن ما ينكره الشّرع. فعليهم أن يكفوهنّ.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) . (٢٣٤) فيجازيكم عليه إن خيرا فخير. وإن شرّا فشرّ.
( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ) :
التّعريض إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجاز، كقول السّائل: جئتك لأسلّم عليك.
و «الخطبة» بالكسر والضّم، اسم. غير أنّ المضمومة خصّت بالموعظة، والمكسورة بطلب المرأة.
والمراد «بالنّساء»: المعتدّات للوفاة.
وتعريض خطبتها، أن يقول لها: إنّك جميلة، أو نافقة، أو لا تحدثي حدثا، أو نحو ذلك.
( أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ) ، أي: أضمرتم في أنفسكم. ولم تذكروه تصريحا وتعريضا.
( عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ ) : ولا تصبرون على السّكوت.
( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) :
استدراك عن محذوف، أي: فاذكروهنّ. ولكن لا تواعدوهنّ سرّا، أي: نكاحا، أو جماعا. عبّر بالسّر، عن الوطء. لأنّه يسرّ. ثمّ عن العقد. لأنّه سبب فيه.
وقيل(٢) : معناه لا تواعدوهنّ في السّرّ بما يستهجن.
( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) : وهو التّعريض بالخطبة. والمستثنى منه محذوف، أي: لا تواعدوهنّ مواعدة إلّا مواعدة معروفة، بقول معروف.
وقيل(٣) : إنّه استثناء منقطع من «سرّا». وفيه أنه يؤدى إلى قولك: «لا تواعدوهنّ إلّا التّعريض.» وهو غير موعود. وفي الآية دلالة على حرمة تصريح خطبة المعتدّة، وجواز تعريضها، إن كانت معتدّة وفاة.
__________________
(١) ر: في الخطّاب.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٢٥.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ) :
قيل(١) : ذكر العزم، مبالغة في النّهي عن العقد.
وقيل: معناه: لا تقطعوا عقدة النّكاح. فإنّ أصل العزم القطع.
ويحتمل أن يكون المراد: لا تقصدوا عقد النّكاح قبل انقضاء العدّة. فإنّ قصد الحرام، حرام. ويكون قوله:( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) : متعلّقا بالنّكاح، لا بالعزم، يعنى: حتّى ينتهي ما كتب من العدّة.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) من العزم على ما لا يجوز وما يجوز.
( فَاحْذَرُوهُ ) ولا تعزموا على ما لا يجوز.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لمن تاب،( حَلِيمٌ ) (٢٣٥): لا يعاجلكم بالعقوبة، لعلكم تتوبون.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) .
قال: هو الرّجل يقول للمرأة، قبل أن تنقضي عدّتها: «أواعدك بيت آل فلان» ليعرّض لها بالخطبة. ويعنى. بقوله( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) ، التعريض بالخطبة عقدة النّكاح حتّى يبلغ الكتاب اجله.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن سهل بن زياد، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن أبي(٤) نصر، عن عبد الله بن سنان قال: سالت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) .
فقال: السّرّ أن يقول الرّجل: «موعدك بيت آل فلان.» ثمّ يطلب إليها أن لا تسبقه بنفسه(٥) إذا انقضت عدّتها.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٢) الكافي ٥ / ٤٣٤، ح ١.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢.
(٤) المصدر: «أحمد بن محمد.» وهو أحمد بن محمد بن أبي نصر. (معجم الرجال ٢ / ٣٦)
(٥) المصدر: بنفسها. (ظ)
قلت: (قوله)(١) :( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) .
قال: هو طلب الحلال في غير أن يعزم عقدة النّكاح، حتّى يبلغ الكتاب اجله.
محمّد بن يحيى(٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) .
فقال: يقول الرّجل: «أو أعدك بيت آل فلان.» يعرّض لها بالرّفث. ويرفث.
يقول الله ـ عزّ وجلّ:( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) . والقول المعروف، التّعريض بالخطبة(٣) ، وحلّها.( وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ ) .
حميد بن زياد(٤) ، عن الحسن بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان، عن عبد الرّحمن(٥) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) قال: يلقاها، فيقول: «إنّي فيك لراغب. وإنّي للنّساء لمكرم. فلا تسبقيني بنفسك.» و «السّرّ»: لا يخلو معها حيث وجدها(٦) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَ (لكِنْ) لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) . قال: المراة في عدتها تقول لها قولا جميلا، ترغّبها في نفسك. ولا تقول: «إنّى أصنع كذا. وأصنع القبيح من الأمر في البضع. وكلّ أمر قبيح.»
عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً ) قال: يقول الرّجل للمرأة، وهي في عدّتها: «يا هذه ما أحبّ(٨) إلّا ما أسرّك(٩) . ولو قد مضى عدّتك لا تفوتني إن شاء الله. فلا تسبقيني بنفسك.» وهذا كلّه من غير أن يعزموا عقدة(١٠) النّكاح.
( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) : لا تبعة من مهر ووزر ،
__________________
(١) المصدر: فقوله.
(٢) نفس المصدر ٥ / ٤٣٥، ح ٣.
(٣) المصدر: بالخطبة على وجها.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
(٥) المصدر: عبد الرحمن بن أبي عبد الله.
(٦) المصدر: وعدها.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٢٣، ح ٣٩٤.
(٨) أ: أجب.
(٩) أ: أمرك.
(١٠) ر: من عقدة.
( إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ ) ، أى: تجامعوهنّ،( أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) ، أى: قبل تحقّق أحد الأمرين: المجامعة(١) ، وتعيين الفريضة، أي: المهر. وهي فعيلة بمعنى المفعول.
و «الفرض»: التّقدير. نصب على المفعول. فإنّه على تقدير تحقّق الأوّل، إمّا يجب المسمّى، أو مهر المثل. وعلى تقدير تحقق الثّاني، يجب المسمّى، أو نصفه. فعدم شيء، إنّما هو على تقدير عدم تحقّق أحدهما.
( وَمَتِّعُوهُنَ ) : عطف على مقدّر، أي: فطلّقوهنّ. ومتّعوهنّ.
والحكمة في إيجاب المتعة جبرا، إيحاش الطّلاق.
( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) ، أى: على كلّ من الّذي له سعة.
و «المقتر»: الضيّق الحال ما يطيقه ويليق به.
[في تفسير العيّاشيّ:(٢) ](٣) عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قوله:( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) ، وما قدر الموسع والمقتر؟
قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ يمتّع براحلته، يعني: حملها الّذي عليها.
[عن محمّد بن مسلم(٤) قال: سألته عن الرّجل يريد أن يطلّق امرأته.
قال: يمتّعها قبل أن يطلّقها. قال الله في كتابه:( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) .
وفي الكافي(٥) : أحمد بن محمّد بن عليّ(٦) ، عن](٧) محمّد بن سنان، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) قال: «القوام» هو المعروف: على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره على قدر عياله، ومؤنتهم الّتي هي صلاح له ولهم. و( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) (٨)
وفي من لا يحضره الفقيه(٩) : روى محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن
__________________
(١) ر: الجامعة.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٢٤، ح ٤٠٠.
(٣) ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٠١.
(٥) الكافي ٤ / ٥٦، ح ٨، مقطع منه.
(٦) المصدر: أحمد بن محمد عن محمد بن على.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) الطلاق / ٧. (٩) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٢٦، ح ١٥٧٩.
أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا طلّق الرّجل امرأته قبل أن يدخل بها، فلها نصف مهرها. وإن لم يكن سمّى لها مهرا، فمتاع بالمعروف( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) .
وليس لها عدّة(١) . تتزوّج من شاءت من ساعتها.
وفي رواية البزنطي(٢) : ان متعة المطلّقة، فريضة.
وروى(٣) : أنّ الغنيّ، يمتّع بدار أو خادم. والوسط، يمتّع بثوب. والفقير، بدرهم أو خاتم.
وروى(٤) : أنّ أدناه الخمار وشبهه.
وفي مجمع البيان(٥) :( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ) والمتعة خادم، أو كسوة، أو ورق. وهو المرويّ عن الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام. ثمّ اختلف في ذلك فقيل: إنّما يجب المتعة للّتي لم يسمّ لها صداق خاصّة. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام. وقيل: المتعة لكلّ مطلّقة سوى المطلّقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدّخول. فإنّما لها نصف الصّداق. ولا متعة لها. وهو رواه أصحابنا ـ أيضا.
وذلك محمول على الاستحباب.
وفي الكافي(٦) ، بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن عبد الكريم، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا تمتّع المختلعة.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا تمتع المختلعة(٨) .
( مَتاعاً ) ، أي: تمتيعا،( بِالْمَعْرُوفِ ) : بالوجه الّذي يستحسنه الشّرع، كما سبق في الأخبار،( حَقًّا ) : صفة لمتاعا، أو مصدر مؤكّد، أي: حقّ حقّا.
( عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) (٢٣٦): الّذين يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال وبالتّقوى(٩) والاجتناب عمّا يسخط الرّبّ، أو(١٠) إلى المطلقات بالتّمتيع.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أن.
(٢) نفس المصدر ٣ / ٣٢٧، ح ١٥٨١.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٥٨٢.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٥٨٣.
(٥) مجمع البيان ١ / ٣٤٠.
(٦) الكافي ٦ / ١٤٤، ح ٢.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٨) المصدر: المختلعة لا تمتّع.
(٩) ر: التقوى.
(١٠) ليس في ر.
وسمّاهم «محسنين» للمشارفة، ترغيبا وتحريصا.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن النجرىّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في الرّجل يطلّق امرأته أيمتّعها؟
قال: نعم. أما يحبّ أن يكون من المحسنين؟ أما يحبّ أن يكون من المتّقين؟
( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ ) ، أي: فلهنّ نصف ما فرضتم لهن، أو فالواجب.
( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) ، أي: المطلّقات. فلا يأخذن شيئا.
( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) :
في مجمع البيان(٢) : قيل: هو الوليّ. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام. وقيل: الزّوج، ورواه أصحابنا.
غير أنّ الأوّل أظهر، وعليه المذهب. (انتهى)
[وفي تفسير العيّاشيّ(٣) :](٤) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) قال: هو الأخ والأب والرّجل(٥) يوصى إليه والّذي يجوز أمره في مال(٦) يتيمة.
قلت: أرأيت إن قالت: «لا أجيز» ما يصنع؟
قال: ليس لها ذلك. أتجيز بيعه في مالها ولا تجيز هذا؟
وعن إسحاق بن عمّار(٧) قال: سألت جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ عن قول الله:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ) قال: المراة تعفو عن نصف الصّداق.
قلت:( أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) .
قال: أبوها، إذا عفا، جاز له. وأخوها إذا كان يقيم بها. وهو القائم عليها. فهو بمنزلة الأب. يجوز له، وإذا كان الأخ لا(٨) يهتمّ ولا يقيم(٩) عليها، لم يجز عليها أمره.
وعن رفاعة(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) وهو
__________________
(١) نفس المصدر ٦ / ١٠٤ ـ ١٠٥، ح ١.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣٤١ ـ ٣٤٢.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٢٥، ح ٤٠٨.
(٤) ليس في أ.
(٥) ليس في ر.
(٦) المصدر: ماله.
(٧) نفس المصدر ١ / ١٢٦، ح ٤١٠.
(٨) المصدر: لا يهتمّ بها.
(٩) المصدر: لا يقوم. (١٠) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٠٩.
الوليّ الّذي أنكح. يأخذ بعضا ويدع بعضا. وليس له أن يدع كلّه.
وفي تهذيب الأحكام(١) : روى ابن أبي عمير(٢) ، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ومتى طلّقها قبل الدّخول بها، فلأبيها أن يعفو عن بعض الصّداق، ويأخذ بعضا. وليس له أن يدع كلّه. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ:( إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) ، يعني: الأب والّذي توكّله المراة وتوليه أمرها، من أخ أو قرابة وغيرهما.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، جميعا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) قال: هو الأب، أو الأخ، أو الرّجل الّذي يوصى إليه. والّذي يجوز أمره في مال المرأة. فيبتاع لها. فيتّجر(٤) . فإذا عفا، فقد جاز.
وممّا يدلّ على أنّ المراد من( الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) الزّوج ما رواه في من لا يحضره الفقيه(٥) ، عن الحسن بن محبوب، عن حمّاد النّاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على بستان له معروف. وله غلّة كثيرة. ثمّ مكث سنين لم يدخل بها. ثمّ طلقها.
قال: ينظر إلى ما صار إليه من غلّة البستان من يوم تزوجها. فيعطيها نصفه. ويعطيها نصف البستان، إلّا أن يعفو، فيقبل(٦) ، و (يصلحا(٧) ) [ن] على شيء يرضى(٨) به منه. فهو(٩) أقرب للتّقوى.
ويمكن حمل عبارة الآية، على إرادة كلا المعنيين. فإنّ الزّوج والوليّ كليهما بيدهما عقدة النّكاح، للجمع بين الأخبار.
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٦ / ٢١٥ ـ ٢١٦، ذيل ح ٥٠٧.
(٢) المصدر: محمد بن أبي عمير.
(٣) الكافي ٦ / ١٠٦، ح ٢. وفيه: صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، وعليّ، عن أبيه وعدة من أصحابنا
(٤) المصدر: فتجيز. (ظ)
(٥) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٧٢، ح ١٢٩٢.
(٦) المصدر: تعفو فتقبل. (ظ)
(٧) كذا في المصدر وفي النسخ.
(٨) المصدر: ترضى. (ظ)
(٩) المصدر: فانّه. (ظ)
فالمراد بعفو الزّوج، العفو عن استرداد النّصف، وبعفو الوليّ، العفو عن بعض ما تستحقّه المرأة من النّصف.
( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) ، أي: عفوكم عن الاسترداد، أقرب إلى التقوى.
وفي الكافي(١) : محمّد [بن يحيى](٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن (القسم) بن يحيى، عن جدّه الحسن بن راشد، عن نجيّة العطّار قال: سافرت مع أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى مكّة فأمر غلامه بشيء. فخالفه إلى غيره.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: والله لأضربنّك، يا غلام! قال: فلم أره ضربه؟
فقلت: جعلت فداك! إنّك حلفت لتضربنّ غلامك. فلم أرك ضربته.
قال: أليس الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) .
( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) ، أي: لا تتركوا أن يتفضّل بعضكم على بعض.
( إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٢٣٧): لا يضيع تفضّلكم(٣) .
وفي: الكافي(٤) عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن معاوية بن وهب، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: يأتي على النّاس زمان عضوض، يعضّ كلّ امرئ على ما في يديه. وينسى الفضل. وقد قال الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) . ينبري في ذلك الزّمان قوم يعاملون المضطرّين. هم شرار الخلق.
وفي نهج البلاغة(٥) . قال ـ عليه السّلام: يأتي على النّاس زمان عضوض. يعضّ المؤمن(٦) فيه على ما في يديه. ولم يؤمر بذلك، قال الله سبحانه:( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) .
تنهدّ فيه الأشرار. وتستذلّ الأخيار. ويباع المضطرّون. وقد نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن بيع المضطرين.
وفي عيون الأخبار(٧) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من الأخبار
__________________
(١) الكافي ٧ / ٤٦٠، ح ٤.
(٢) يوجد في المصدر وأ.
(٣) أ: لفضلكم.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٣١٠، ح ٢٨.
(٥) نهج البلاغة / ٥٥٧، حكمة ٤٦٨.
(٦) المصدر: الموسر.
(٧) عيون أخبار الرضا ٢ / ٤٥، ح ١٦٨.
المجموعة، وبإسناده عن الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: خطبنا أمير المؤمنين ـ عليه السّلام. فقال: سيأتي على النّاس زمان عضوض. يعضّ المؤمن على ما في يده. ولم يؤمر(١) بذلك. قال تعالى:( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. [إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن بعض بني عطيّة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في مال اليتيم، يعمل به الرّجل(٣) .
قال: يقبله من الرّبح شيئا. إنّ الله يقول:( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) ].(٤)
( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ) بالأداء لوقتها والمداومة عليها. ولعلّ الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج، لئلّا يلهيهم الاشتغال بها عنها.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبان بن تغلب قال: كنت صلّيت خلف أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بالمزدلفة. فلمّا انصرف التفت إليّ. فقال: يا أبان! الصّلوات الخمس المفروضات. من أقام حدودهنّ وحافظ على مواقيتهنّ، لقى الله يوم القيامة وله عنده عهده(٦) ، يدخله به الجنّة. ومن لم يقم حدودهنّ ولم يحافظ على مواقيتهنّ، لقى الله ولا عهد له. إن شاء عذّبه. وإن شاء غفر له.
عليّ بن محمّد(٧) ، عن سهل بن زياد، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لا يزال الشّيطان ذعرا من المؤمن، ما حافظ على الصّلوات الخمس. فإذا ضيّعهنّ، تجرأ عليه. فأدخله في العظائم.
جماعة(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الصّلوة إذا ارتفعت في وقتها(٩) ، رجعت إلى صاحبها، وهي بيضاء مشرقة، تقول: «حفظتني.
حفظك الله.» وإذا ارتفعت في غير وقتها، بغير حدودها، رجعت إلى صاحبها، وهي سوداء
__________________
(١) كذا في النسخ. وفي المصدر: لم يؤمن.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ١٢٦، ح ٤١٣.
(٣) ر: الرجال.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكافي ٣ / ٢٦٧، ح ١.
(٦) المصدر: عهد. (ظ)
(٧) نفس المصدر ٣ / ٢٦٩، ح ٨.
(٨) نفس المصدر ٣ / ٢٦٨، ح ٤. (٩) المصدر: في أوّل وقتها.
مظلمة. تقول: «ضيّعتني ضيّعك الله.»
( وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) ، أي: الوسطى بينها. وهي صلاة الظّهر، كما في بعض الأخبار، أو العصر، كما في بعض آخر. ويمكن الحمل على الكلّ، جمعا بين الأخبار.
وقرئ بالنّصب، على الاختصاص.
في الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام: وقال تعالى:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) . وهي صلاة الظهر. وهي أوّل صلاة صلّاها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وهي وسط النّهار. ووسط صلاتين بالنهار، صلاة الغداة وصلاة العصر.
وفي بعض القراءة: حافظوا على الصلوات والصّلوة الوسطى صلاة العصر. وقوموا لله قانتين.
قال: ونزلت هذه الآية يوم الجمعة، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في سفر، فقنئت(٢) فيها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. وتركها على حالها في السّفر والحضر. وأضاف للمقيم ركعتين. وإنّما وضعت الرّكعتان اللّتان أضافهما النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم.
الجمعة للمقيم، لمكان الخطبتين مع الإمام. فمن صلّى الجمعة(٣) في غير جماعة، فليصلّها أربع ركعات، كصلاة الظّهر في سائر الأيّام.
وفي تهذيب الأحكام(٤) : أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: حافظوا على الصّلوات والصّلوة الوسطى صلاة العصر.
وقوموا لله قانتين.
وقوله:( قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) قال: إقبال الرّجل على صلاته. ومحافظته حتّى لا يلهيه ولا يشغله عنها شيء.
__________________
(١) نفس المصدر ٣ / ٢٧١ ـ ٢٧٢، ضمن ح ١.
(٢) المصدر: في سفره فقنت.
(٣) المصدر: يوم الجمعة.
(٤) تهذيب الأحكام ٢ / ٢٤١، ح ٩٥٤.
(٥) تفسير القمي ١ / ٧٩.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: الصلاة الوسطى.
فقال: حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى. [وصلاة العصر وقوموا لله قانتين.
والوسطى هي الظّهر. وكذلك كان يقرؤها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
عن زرارة ومحمّد بن مسلم(١) ، أنّهما سألا أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) .
قال: صلاة الظّهر].(٢)
عن محمّد بن مسلم(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الصّلاة الوسطى، هي الوسطى من صلاة النّهار. وهي الظّهر، وإنّما يحافظ أصحابنا على الزّوال، من أجلها.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهما السّلام ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله: وقد سأله بعض اليهود عن مسائل: وأما صلاة العصر فهي السّاعة الّتي أكل آدم فيها من الشّجرة. فأخرجه الله من الجنّة. فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ ذرّيّته بهذه الصّلاة، إلى يوم القيامة. واختارها لأمتي. فهي من أحب الصّلوات(٥) إلى الله ـ عزّ وجلّ. وأوصاني أن أحفظها من بين الصّلوات(٦) .
وبإسناده(٧) إلى عبيد الله بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: الموتور أهله وماله من ضيّع صلاة العصر.
قلت: ما الموتور أهله وماله؟
قال: لا يكون له في الجنّة أهل ولا مال. يضيّعها. فيدعها(٨) متعمّدا، حتّى تصفرّ الشّمس وتغيب.
[( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) (٢٣٨)، أي: في الصّلاة قانتين، أي: ذاكرين داعين في القيام.
وروى سماعة(٩) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنّ القنوت هو الدّعاء.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤١٧.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٢٨، ح ٤١٩.
(٤) علل الشرائع ٢ / ٣٣٧، ح ١.
(٥ و ٦) ر: الصلاة.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٣٥٦، ح ٤.
(٨) ليس في المصدر. (٩) تفسير العياشي ١ / ١٢٨، ح ٤٢٠.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) :](٢) ، عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) .
قال: الصّلوات رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السّلام. والوسطى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام.( وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ) طائعين للأئمة. وقد سبق، أيضا، أنّ المراد به طائعين الأئمة.
( فَإِنْ خِفْتُمْ ) من عدوّ أو غيره،( فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) : فصلّوا رجالا أو ركبانا.
«رجال»: جمع راجل، كقيام وقائم.
و «ركبان»: جمع راكبا، كشابّ وشبّان.
وفي الكافي(٣) : أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) كيف يصلّي(٤) ؟ وما يقول إذا خاف من سبع أو لصّ، كيف يصلّي؟
قال: يكبّر. ويؤمئ إيماء برأسه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: [أخبرني عن](٦) صلاة المواقفة.
فقال: إذا لم يكن(٧) الضّعف من عدوّك، صلّيت إيماء، راجلا كنت، أو راكبا.
فإنّ الله يقول:( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) . تقول في الرّكوع: «لك ركعت وأنت ربّي.» وفي السّجود: «لك سجدت وأنت ربّي» أينما توجّهت بك دابّتك، غير أنّك تتوجّه(٨) حين تكبّر أوّل تكبيرة.
[وعن أبان(٩) ،](١٠) عن منصور(١١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: فات أمير المؤمنين
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٤٢١.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) الكافي ٣ / ٤٥٧، ح ٦.
(٤) أ: أصلّى. ر: نصلّى.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٢٨، ح ٤٢٢.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) المصدر: لم نكن.
(٨) المصدر: توجّه.
(٩) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٢٣.
(١٠) ليس في أ.
(١١) في المصدر: «أبان بن منصور» بدل أبان عن منصور.
ـ عليه السّلام ـ والنّاس يوم صفّين(١) صلاة الظّهر(٢) والعصر والمغرب والعشاء. فأمرهم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أن يسبّحوا ويكبّروا ويهلّلوا.
قال: وقال الله:( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) . فأمرهم عليّ ـ عليه السّلام ـ فصنعوا ذلك ركبانا ورجالا.
وفي مجمع البيان(٣) : ويروى أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ صلّى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء. وقيل: بالتّكبير. وأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ صلّى يوم الأحزاب بايماء(٤) .
وفي من لا يحضره الفقيه:(٥) روى عبد الرّحمن بن أبي عبد الله، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في صلاة الزّحف قال: تكبير وتهليل(٦) .
يقول الله ـ عزّ وجلّ:( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) .
وروى(٧) عن أبي بصير أنّه قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إن كنت في أرض مخوفة، فخشيت لصّا أو سبعا (في الفريضة، فصلّ(٨) ) وأنت على دابّتك.
وفي رواية زرارة(٩) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الّذي يخاف اللّصوص، يصلّي إيماء على دابته.
( فَإِذا أَمِنْتُمْ ) من الخوف،( فَاذْكُرُوا اللهَ ) : صلّوا صلاة الأمن، أو اشكروه على الأمن.
( كَما عَلَّمَكُمْ ) ذكرا مثل ما علّمكم.
و «ما» مصدريّة، أو موصولة، أو موصوفة.
( ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) (٢٣٩): مفعول علّمكم.
( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ ) :
التّقدير على قراءة النّصب: «ليوصوا وصيّة»، أو «كتب الله عليهم وصيّة»، أو
__________________
(١) المصدر: يوما بصفين. (ظ)
(٢) المصدر: يعنى صلاة الظهر.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٤٤.
(٤) المصدر: إيماء. (ظ)
(٥) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٩٥، ح ١٣٤٤.
(٦) المصدر: تكبّر وتهلّل.
(٧) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٣٤٥.
(٨) المصدر ور: فصلّ الفريضة. (ظ)
(٩) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ١٣٤٦.
«ألزموا وصيّة»، وعلى قراءة الرّفع: «وصيّة الّذين»، أو «حكمهم»، أو «هم أهل وصيّة»، أو «كتب عليهم وصيّة»، أو «عليهم وصيّة.» وقرئ «متاع» بدلها( مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ) ، نصب بليوصوا، إن أضمرت، وإلّا فبالوصيّة، أو بمتاع على قراءة من قرأ. لأنّه بمعنى التّمتيع.
( غَيْرَ إِخْراجٍ ) : بدل منه، أو مصدر مؤكّد، كقولك: «هذا القول غير ما تقول»، أو حال من «أزواجهم»، أي: غير مخرجات.
والمعنى: أنّه يجب على الّذين يتوفّون أن يوصّوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتّعن بعدهم حولا بالسّكنى.
وكان ذلك أوّل الإسلام. فنسخت المدّة بقوله:( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) . لأنّه متأخّر عنه في النّزول.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ ) .
قال: منسوخة. نسختها آية( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) ، أو نسختها آيات الميراث.
عن ابن أبي عمير(٢) ، عن معاوية بن عمّار قال: سألته عن قول الله:( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ) قال: منسوخة ـ وذكر كما سبق، سواء.
( فَإِنْ خَرَجْنَ ) عن منزل الأزواج،( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) ممّا لم ينكره الشّرع غير الخروج. وأمّا فيه، فعليكم الجناح في ترك كفّهنّ.
( وَاللهُ عَزِيزٌ ) : غالب على الانتقام ممّن خالفه.( حَكِيمٌ ) (٢٤٠): بمصالحهم.
( وَلِلْمُطَلَّقاتِ ) ، سواء المفوّضة وغيرها، سوى المختلعة، كما مرّ إلّا أنّ للمفوّضة على سبيل الوجوب ولغيرها على الاستحباب.
( مَتاعٌ ) : متعة،( بِالْمَعْرُوفِ ) : بما يعرفه الشّرع ،
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٢٩، ح ٤٢٧.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٢٦.
( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (٢٤١): الكاملين الّذين يتّقون في ترك الواجبات والمندوبات. وقال قوم: المراد بالمتاع، نفقة العدّة.
وفي الكافي(١) : أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، عن عبد الكريم، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) قال: متاعها بعد ما تنقضي عدّتها( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) . وكيف يمتّعها(٢) وهي في عدّتها ترجوه ويرجوها؟ ويحدث الله ـ عزّ وجلّ ـ بينهما ما يشاء.
وقال: إذا كان الرّجل موسعا، عليه متّع امرأته بالعبد والأمة. والمقتر يمتّع بالحنطة(٣) والزّبيب والثّوب والدّراهم. وإنّ الحسن بن عليّ ـ عليه السّلام ـ متّع امرأة له بأمة. ولم يطلّق امرأة إلّا متّعها.
حميد بن زياد(٤) ، عن ابن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبد الله بن سنان، وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى(٥) ، عن سماعة، جميعا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) قال: متاعا(٦) بعد ما تنقضي عدّتها( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) .
قال: فكيف يمتّعها في عدّتها؟ وهي ترجوه. ويرجوها. ويحدث الله ما يشاء. أما إنّ الرّجل الموسر يمتّع المرأة بالعبد والأمة. ويمتّع الفقير بالحنطة(٧) والزّبيب والثّوب والدّراهم، وإنّ الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ متّع امرأة طلقها بأمة. ولم يكن يطلّق امرأة إلّا متّعها.
حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله، إلّا أنّه قال: وكان الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ يمتّع نساءه، بالأمة.
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام: أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ :
__________________
(١) الكافي ٦ / ١٠٥، ح ٣.
(٢) المصدر: لا يمتّعها.
(٣) المصدر: بالحنطة والشعير.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤.
(٥) هكذا في النسخ. وفي المصدر: عثمان بن عيسى.
(٦) المصدر: متاعها.
(٧) المصدر: بالحنطة والتمر.
(٨) نفس المصدر ٦ / ١٠٥ ـ ١٠٦، ح ٥.
( وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ، ما أدنى ذلك، المتاع إذا كان معسرا لا يجد؟
قال: خمار وشبهه.
( كَذلِكَ ) : إشارة إلى ما سبق من أحكام الطّلاق والعدد.
( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ ) :
وعد بأنّه سيبيّن لعباده ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد.
( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢٤٢)، أي: تستعملون العقل في فهمها.
( أَلَمْ تَرَ ) :
تعجيب وتقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التّواريخ. وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع، فإنّه صار مثلا في التّعجيب.
( إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) :
قيل(١) : يريد أهل داوردان قرية قبل واسط.
وسيجيء في الحديث: أنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشّام.
( وَهُمْ أُلُوفٌ ) ، أي: ألوف كثيرة. أعني سبعين ألف بيت.
وقيل(٢) : متآلفون جمع ألف وألف، كقاعد وقعود.
والأوّل هو الصّحيح.
و «الواو»، للحال.
( حَذَرَ الْمَوْتِ ) : مفعول له.
( فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ) :
قال لهم: موتوا. فماتوا، كقوله: كن فيكون.
والمعنى: أنّهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علّة بمشيئة الله وأمره.
( ثُمَّ أَحْياهُمْ ) حين مرّ عليهم حزقيل.
( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) حيث أحياهم للاعتبار والفوز بالسّعادات.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) (٢٤٣)، اي: لا يشكرونه كما ينبغي، أو لا يعتبرون.
وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع أهل الأديان
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٤٧.
(٢) نفس المصدر ١ / ٣٤٦.
(٣) عيون أخبار الرضا / ١٣١، ح ١.
والمقالات في التّوحيد، في كلام للرّضا ـ عليه السّلام ـ مع النّصارى. قال ـ عليه السّلام: فمتى اتّخذتم عيسى ربّا، لجاز لكم أن تتّخذوا اليسع وحزقيل. لأنّهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم ـ عليهما السّلام ـ من إحياء الموتى وغيره. إنّ قوما من بني إسرائيل أخرجوا(١) من بلادهم من الطّاعون وهم ألوف حذر الموت. فأماتهم الله في ساعة واحدة. فعمد أهل تلك القرية. فحظروا عليهم حظيرة. ولم يزالوا فيها حتّى نخرت عظامهم. وصاروا رميما.
فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل. فتعجّب منهم ومن كثرة العظام البالية.
فأوحى الله إليه: أتحبّ أن أحييهم لك فتنذرهم؟
قال: نعم. يا ربّ! فأوحى الله إليه أن نادهم.
فقال: أيّتها العظام البالية! قومي بإذن الله تعالى.
فقاموا أحياء أجمعون. ينفضون(٢) التّراب عن رؤوسهم.
وفي هذا المجلس، يقول الرّضا ـ عليه السّلام: ولقد صنع حزقيل النّبي ـ عليه السّلام ـ مثل ما صنع عيسى بن مريم: فأحيى خمسة وثلاثين ألف رجل بعد موتهم، بستّين سنة. ثمّ التفت إلى رأس الجالوت. فقال له: يا رأس الجالوت! أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة اختارهم بخت نصر من بني إسرائيل(٣) حين غزا بيت المقدس؟
ثمّ انصرف بهم إلى بابل. فأرسله الله ـ عزّ وجلّ ـ إليهم. فأحياهم. هذا في التوراة.
لا يدفعه إلّا كافر منكم.
وفي روضة الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد وغيره، عن بعضهم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وبعضهم عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ ) فقال: إنّ هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشّام.
وكانوا سبعين ألف بيت. وكان الطّاعون يقع فيهم في كلّ أوان. فكانوا إذا أحسّوا به خرج من المدينة الأغنياء لقوّتهم وبقي فيها الفقراء لضعفهم. فكان الموت يكثر في الّذين أقاموا ويقلّ في الّذين خرجوا.
__________________
(١) ر: خرجوا. (ظ)
(٢) أ: ينقضون.
(٣) المصدر: صبي بني إسرائيل.
(٤) الكافي ٨ / ١٩٨، ح ٢٣٧.
فيقول الّذين خرجوا: لو كنّا أقمنا لكثر فينا الموت.
ويقول الّذين أقاموا: لو كنّا خرجنا لقلّ فينا الموت.
قال: فاجتمع رأيهم جميعا أنّه إذا وقع الطّاعون فيهم وأحسّوا به، خرجوا كلّهم من المدينة. فلمّا أحسّوا بالطّاعون خرجوا جميعا. وتنحّوا عن الطّاعون حذر الموت. فساروا في البلاد ما شاء الله. ثمّ أنّهم مرّوا بمدينة خربة قد خلا أهلها عنها وأفناهم الطّاعون. فنزلوا بها.
فلمّا حطّوا رحالهم فاطمأنّوا [بها](١) قال لهم الله ـ عزّ وجلّ: موتوا جميعا.
فماتوا من ساعتهم. وصاروا رميما يلوح إذ ماتوا على طريق المارّة. فكنستهم المارّة.
فنحّوهم وجمعوهم في موضع. فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، يقال له حزقيل.
فلمّا رأى تلك العظام، بكى واستعبر. وقال: يا ربّ! لو شئت لأحييتهم السّاعة، كما أمتّهم. فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك من خلقك.
فأوحى الله تعالى إليه: أفتحبّ ذلك؟
قال: نعم، يا ربّ! فأحياهم الله.
قال: فأوحى الله أن: قل كذا وكذا.» فقال الّذي أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يقوله.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: وهو الاسم الأعظم، فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام، نظر إلى العظام: يطير بعضها إلى بعض. فعادوا أحياء. ينظر بعضهم إلى بعض.
يسبّحون الله عزّ ذكره. ويكبّرونه. ويهلّلونه. فقال حزقيل عند ذلك: أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
قال عمر بن يزيد: فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: فيهم نزلت هذه الآية(٢) .
وفي مجمع البيان(٣) وسأل زرارة بن أعين(٤) أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن هؤلاء القوم الّذين قال لهم الله موتوا ثمّ أحياهم. فقال: أحياهم حتّى نظر النّاس إليهم، ثمّ أماتهم، أم ردّهم إلى الدّنيا حتّى سكنوا الدّور وأكلوا الطّعام؟
قال: لا. بل ردّهم الله حتّى سكنوا الدّور وأكلوا الطّعام ونكحوا النّساء ومكثوا
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: فأحيهم. بدل «فأحياهم الله.»
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٤٣.
(٤) المصدر: حمران. وأيضا في هامش الأصل (خ ل.)
بذلك ما شاء الله ثمّ ماتوا بآجالهم.
وفي غوالي اللّئالئ(١) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه نيروز الفرس. وفيه: ثمّ أنّ نبيّا من أنبياء بني إسرائيل، سأل ربّه أن يحيي القوم الّذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. فأماتهم الله. فأوحى إليه أن صبّ الماء في مضاجعهم. فصبّ عليهم الماء في هذا اليوم. فعاشوا. وهم ثلاثون ألفا. فصار صبّ الماء في اليوم النّيروز سنّة ماضية. لا يعرف سببها إلّا الرّاسخون في العلم.
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) :
لمّا بيّن أنّ الفرار من الموت غير منج، أمرهم بالقتال، إذ لو جاء أجلهم ففي سبيل الله، وإلّا فبالنّصر(٢) والثّواب.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لما يقول المتخلّف والسّابق،( عَلِيمٌ ) (٢٤٤) بما يضمرانه ومجاز عليهما.
( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ) :
«من»، استفهاميّة مرفوعة المحلّ بالابتداء. و «ذا»، خبره و «الّذي» صفة «ذا»، أو بدله. و «إقراض الله» مثل لتقديم العمل الّذي يطلب به ثوابه.
( قَرْضاً حَسَناً ) : مقرونا بالإخلاص وطيب النّفس، أو مقرضا حلالا طيّبا.
وقيل(٣) : القرض الحسن، المجاهدة والإنفاق في سبيل الله. [وفي الخبر أنّه صلة الإمام(٤)
،](٥)
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : سئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) قال: نزلت في صلة الإمام ـ عليه السّلام.
( فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) : فيضاعف جزاءه له أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة.
وقرأ عاصم بالنّصب، على جواب الاستفهام، حملا على المعنى. فإنّ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ) في معنى «أيقرض الله أحد.» وقرأ ابن كثير يضعفه (بالرّفع.) وابن عامر ويعقوب، بالنّصب.
__________________
(١) غوالي اللئالى ٣ / ٤١، ح ١١٦.
(٢) هكذا في النسخ. والظاهر: النصر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٢٨.
(٤) ر تفسير العياشي ١ / ١٣١.
(٥) يوجد في أ، فقط.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٢، ح ١٨٩.
( أَضْعافاً كَثِيرَةً ) :
أضعاف، جمع ضعف. ونصبه على الحال من الضّمير المنصوب، أو المفعول الثّاني لتضمّن المضاعفة معنى التّصيير، أو المصدر على أنّ الضّعف اسم المصدر وجمع للتّنويع.
والكثرة من الله. لا يقدّرها إلّا الله.
في كتاب معاني الأخبار(١) حدّثنا [محمد بن](٢) موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى، عن أيّوب الخزّاز قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لـمّا نزلت(٣) هذه [الآية](٤) على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله:(٥) ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) . قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أللّهمّ زدني.
فأنزل الله ـ عزّ وجل(٦) .( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) .
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أللّهمّ زدني.
فأنزل الله ـ عزّ وجلّ:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) . فعلم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى.
وفي أصول الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن عيسى بن سليمان النّخّاس، عن المفضّل بن عمر، عن الخيبريّ ويونس بن ظبيان قالا: سمعنا أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ما من شيء أحبّ إلى الله من إخراج الدّراهم إلى الإمام. وأنّ الله ليجعل له الدّرهم في الجنّة مثل جبل أحد. ثمّ قال: إنّ الله يقول في كتابه:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) . قال: هو والله في صلة الإمام، خاصّة.
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن سهل بن زياد، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ
__________________
(١) معاني الأخبار / ٣٩٧ ـ ٣٩٨، ح ٥٤.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: إنّما أنزلت.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) النمل / ٨٩.
(٦) الأنعام / ١٦٠.
(٧) الكافي ١ / ٥٣٧، ح ٢.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٢٦، ح ٥.
قال: قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والأحكام والحدود وغير ذلك؟
فقال: لا. هما يجريان في ذلك مجرى واحد. ولكنّ للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقرّبان به إلى الله ـ عزّ وجلّ.
قلت: أليس الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) ؟
وزعمت أنّهم مجتمعون على الصّلاة والزكاة والصوم والحجّ مع المؤمن.
قال: أليس قد قال الله ـ عزّ وجلّ:( فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) ؟ فالمؤمنون هم الّذين يضاعف الله ـ عزّ وجلّ ـ لهم حسناتهم، لكلّ حسنة سبعون ضعفا. فهذا فضل المؤمن. ويزيده الله في حسناته على قدر صحّة إيمانه، أضعافا كثيرة. ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
والمسلم والمؤمن(١) ، كلاهما من أهل الولاية. لكنّ المؤمن أعلى مرتبة. وهو من دخل الإيمان في قلبه بالبرهان. واعتقاده أكمل. وإخلاصه أوفر.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٢) : أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن عمران(٣) بن موسى، عن يعقوب بن يزيد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت للصّادق ـ عليه السّلام: ما معنى قول الله ـ تبارك وتعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) ؟
قال: صلة الإمام.
أبي ـ رحمه الله ـ قال(٤) : حدّثنا محمّد بن أحمد، عن عليّ بن الفضل، عن أبي طالب عبد الله بن الصّلت، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
( وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ ) ، أي: يقتر على بعض ويوسع على بعض، حسب ما اقتضته حكمته.
وقرئ «يبسط»، بالصّاد.
__________________
(١) ر: والمسلم والمؤمن والكافر. (!؟)
(٢) ثواب الأعمال / ١٢٤، ح ١.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حمران.
(٤) نفس المصدر / ١٢٥، ذيل ح ١.
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٢٤٥) فيجازيكم على ما قدّمتم.
في كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى سليمان بن مهران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل، يقول ـ عليه السّلام: والقبض من الله تعالى، في موضع آخر المنع. والبسط منه، الإعطاء والتّوسّع(٢) ، كما قال ـ عزّ وجلّ:( وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، يعني: يعطي. ويوسّع. ويمنع. ويقبض(٣) .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) : «الملأ»: جماعة يجتمعون للتّشاور، لا واحد له، كالقوم.
و «من»، للتّبعيض.
( مِنْ بَعْدِ مُوسى ) ، أي: من بعد وفاته.
و «من»، للابتداء.
( إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ) :
قيل(٤) : هو يوشع. وقيل(٥) : شمعون.
وفي مجمع البيان(٦) : اختلف فيه فقيل: إشمويل. وهو بالعربيّة: إسماعيل. (عن أكثر المفسّرين. وهو المرويّ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.)
( ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : أقم لنا أميرا لننهض معه للقتال.
و «نقاتل» مجزوم على الجواب.
وقرئ بالرّفع، على أنّه حال، أي: مقدّرين القتال. ويقاتل (بالياء) مجزوما على الجواب، ومرفوعا على الوصف لملكا.
( قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا ) :
وقرأ نافع: عسيتم. (بالكسر) و «ألّا تقاتلوا» خبر «عسى.» فصل بينه وبين خبره بالشّرط.
وإدخال «هل» على الفعل المتوقّع، للتّقرير والتّثبيت.
( قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ) ، أي: أيّ
__________________
(١) التوحيد / ١٦١، ح ٢.
(٢) المصدر: التوسيع.
(٣) المصدر: يضيق. (ظ)
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ١٢٩.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣٥٠.
غرض لنا في التّخلف عن القتال وقد عرض ما يوجبه من الإخراج عن الأوطان والإفراد عن الأولاد؟ وذلك أنّ جالوت ومن معه من العمالقة، كانوا يسكنون ساحل بحر الرّوم، بين مصر وفلسطين. فظهروا على بني إسرائيل. فأخذوا ديارهم. وسبوا أولادهم.
قيل(١) : وأسروا من أبناء الملوك، أربعمائة وأربعين.
( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) :
في كتاب معاني الأخبار(٢) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ:( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) قال: كان القليل ستّين ألفا.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (٢٤٦): وعيد لهم بترك الجهاد.
( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) :
«طالوت» علم عبريّ، كداود. وجعله فعلوتا من الطّول، يدفعه منع صرفه.
نقل(٣) أنّ نبيّهم ـ عليه السّلام ـ لـمّا دعى الله أن يملّكهم، أتى بعصى يقاس بها من يملك عليهم. فلم يساوها إلّا طالوت.
( قالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ) . [وكانت النّبوّة في ولد لاوي ابن يعقوب والملك في ولد يوسف. وكان طالوت] من ولد بنيامين(٤) ، أخي يوسف لأمّه لم يكن من بيت النبوّة ولا من بيت المملكة.
( وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ) : وراثة.
( وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ) لأنّ طالوت كان فقيرا. فنحن أحقّ بالملك منه.
( قالَ ) : النّبيّ ـ عليه السّلام:( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (٢٤٧) :
الأوّل أنّ المعتبر اصطفاء الله. وقد اصطفاه عليكم، الثّاني ـ أنّ الشّرط فيه وفور العلم، ليتمكّن من السّياسة وجسامة البدن، ليكون
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٢٩.
(٢) معاني الأخبار ١٥١، ح ١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٢٩.
(٤) النسخ: ابن يامين.
له خطر في القلوب وقوّة على مقاومة العدوّ. وقد زاده الله فيهما.
الثّالث ـ أنّ الله مالك الملك، يؤتي ملكه من يشاء.
الرّابع ـ أنّه واسع الفضل. فيغني الفقير عليم بمن يليق بالملك.
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسيّ ـ ره ـ من كلام لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام: اسمعوا ما أتلو عليكم من كتابه المنزل على نبيّه المرسل، لتتّعظوا. فإنّه، والله! [أبلغ](٢) عظة لكم. فانتفعوا بمواعظ الله. وانزجروا عن معاصي الله. فقد وعظكم الله بغيركم، فقال لنبيّه ـ عليه السّلام:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ ) ـ إلى قوله ـ( وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) . أيّها النّاس! إنّ لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أنّ الله جعل الخلافة والأمر من بعد الأنبياء في أعقابهم. وأنّه فضّل طالوت، وقدّمه على الجماعة باصطفائه إيّاه وزيادة بسطة في العلم والجسم. فهل تجدون [أنّ](٣) الله اصطفى بني أميّة على بني هاشم وزاد معاوية عليّ بسطة في العلم والجسم؟
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٤) ـ قدس سره ـ بإسناده إلى عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: قلت أربع أنزل الله تعالى تصديقي بها في كتابه ـ إلى قوله عليه السّلام ـ وقلت: قدرا. وقال: قيمة كلّ امرئ ما يحسن. فأنزل الله تعالى في قصّة طالوت:( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) .
وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في وصف الإمامة والإمام: أنّ الأنبياء والأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم. فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم، في قوله عزّ وجلّ(٦) :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٧) ، وقوله ـ عزّ وجلّ(٨) ـ في طالوت:( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) .
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٢٥٣.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) أمالي الشيخ ٢ / ١٠٨.
(٥) عيون أخبار الرّضا ١ / ١٧٤، ح ١.
(٦) يونس / ٣٥.
(٧) يوجد في المصدر بعد ذكر هذه الآية: وقوله ـ عزّ وجلّ:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) .(البقرة / ٢٦٩)
(٨) البقرة / ٢٤٧.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام: أنّ بني إسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصي(٢) وغيّروا دين الله وعتوا عن أمر ربّهم. وكان فيهم نبيّ يأمرهم وينهاهم. فلم يطيعوه. وروى أنّه إرميا النّبيّ فسلّط الله عليهم جالوت. وهو من القبط.
فاذلّهم. وقتل رجالهم. وأخرجهم من ديارهم وأموالهم. واستعبد نساءهم. ففزعوا إلى نبيّهم. وقالوا: سل أن الله(٣) يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله.
وكانت النّبوّة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسّلطان في بيت آخر. لم يجمع الله لهم (النّبوّة والملك) في بيت واحد. فمن ذلك قالوا:( ابْعَثْ لَنا [مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) . فقال لهم نبيّهم:( هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا. قالُوا: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ) .
وكان كما قال الله ـ تبارك وتعالى:( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) ].(٤) فقال( لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) . فغضبوا من ذلك.
و( قالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا. وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ. وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ) .
وكانت النّبوّة في ولد لاوي والملك في ولد يوسف. وكان طالوت من ولد بنيامين(٥) أخي(٦) يوسف لأمّه. لم يكن من بيت النّبوّة ولا من بيت المملكة.
فقال لهم نبيّهم:( إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) . وكان أعظمهم جسما. وكان شجاعا قويّا. وكان أعلمهم. إلّا أنّه كان فقيرا. فعابوه بالفقر. فقالوا:( لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ) .
فقال لهم نبيّهم:( إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) . وكان التّابوت الذي أنزل(٧) على موسى ،
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٨١ ـ ٨٢.
(٢) المصدر: المعاصي.
(٣) المصدر: سل الله. (ظ)
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٥) النسخ والمصدر: ابن يامين.
(٦) النسخ: أخو.
(٧) المصدر: أنزل الله.
فوضعته فيه أمّه، فألقته(١) في اليمّ. فكان في بني إسرائيل [معظّما].(٢) يتبرّكون به. فلمّا حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح ودرعه(٣) وما كان عنده من آيات النّبوّة. وأودعه يوشع، وصيّه. فلم يزل التّابوت بينهم استخفّوا(٤) . وكان الصّبيان يلعبون به في الطّرقات. فلم يزل بنو إسرائيل في عزّ وشرف ما دام التّابوت عندهم. فلمّا عملوا بالمعاصي واستخفّوا بالتّابوت، رفعه الله عنهم.
فلمّا سألوا النّبيّ بعث الله طالوت إليهم ملكا يقاتل(٥) معهم، ردّ الله عليهم التّابوت، كما قال الله:( إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) قال: البقيّة ذرّيّة الأنبياء قوله فيه سكينة من ربّكم. فإنّ التّابوت كان يوضع بين يدي العدوّ وبين المسلمين، فيخرج منه ريح طيّبة، لها وجه كوجه الإنسان.
وما في هذا الخبر من أنّ ذلك النّبيّ إرميا، ينافي ما نقل
في مجمع البيان(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه اسمويل. ويمكن الجمع بأنّهما واحد. والاختلاف من النّقلة، أو من اختلاف التّسمية، بأن عبّر عنه باسمين عند أهل زمانه. وقوله في آخر الخبر «البقيّة ذرّيّة الأنبياء» معناه أنّ البقيّة ممّا تركه ذرّيّة الأنبياء
، كما يشرح في خبر آخر سيجيء.
( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ) :
الصّندوق، فعلوت من التّوب. فإنّه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن العبّاس بن هلال، قال: سأل عليّ بن أسباط أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ فقال: أي شيء التّابوت الّذي كان في بني إسرائيل؟
قال: كان فيه ألواح موسى التي تكسّرت والطست الّتي تغسل فيها قلوب الأنبياء.
وفي كتاب معاني الأخبار(٨) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصّفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام قال: سألته(٩) ما كان تابوت موسى؟ وكم كان سعته؟
__________________
(١) المصدر: وألقته. (ظ)
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: حتّى استخفّوا به.
(٥) المصدر: بعث الله طالوت عليهم يقاتل.
(٦) مجمع البيان ١ / ٣٥٠.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٣٣، ح ٤٤٢.
(٨) معاني الأخبار / ٢٨٤ ـ ٢٨٥، ح ٢. (٩) المصدر: قال: سألته فقلت: جعلت فداك.
قال: ثلاثة(١) أذرع في ذراعين.
قلت: ما كان فيه؟
قال: عصى موسى والسّكينة.
قلت: وما السّكينة؟
قال: روح الله يتكلم. كانوا إذا اختلفوا في شيء كلّمهم وأخبرهم ببيان ما يريدون.
ولا ينافيه ما يأتي في الخبر(٢) من أنّه ريح كذا، لاحتمال أن يكون الرّيح والرّوح واحدا.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السّمّان قال: سمعت عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه يقول: إنّما مثل السّلاح فينا، مثل التّابوت في بني إسرائيل. كانت بنو إسرائيل أيّ أهل بيت وجد التّابوت على بابهم أوتوا النّبوّة. فمن صار إليه السّلاح منّا أوتي الإمامة.
وبهذا المعنى من الأخبار، كثيرة(٤) .
( فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) :
قيل(٥) : أي في إيتاء التّابوت، أو في التّابوت ما تسكنون إليه. وهو التّوراة. وكان موسى إذا قاتل، قدّمه، فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرّون.
وقيل(٦) : صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت. لها رأس وذنب كرأس الهرّة.
وذنبها وجناحان فتئن. فيزفّ التّابوت نحو العدوّ. وهم يتبعونه. فإذا استقرّ ثبتوا وسكنوا ونزل النّصر.
قال في مجمع البيان(٧) : روى ذلك في أخبارنا.
وقيل(٨) : صور الأنبياء من آدم إلى محمّد ـ صلّى الله عليه وآله.
وقيل(٩) : «التّابوت»: القلب. والسّكينة ما فيه من العلم والإخلاص. وإتيانه
__________________
(١) المصدر: ثلاث.
(٢) ر. تفسير القمي ١ / ٨٢. وسيأتى ـ إن شاء الله.
(٣) الكافي ١ / ٢٣٨، ح ١.
(٤) ر. نفس المصدر والموضع.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ١٣٠.
(٧) مجمع البيان ١ / ٣٥٣.
(٨ و ٩) أنوار التنزيل ١ / ١٣٠.
تصيير قلبه مقرّ العلم والوقار، بعد أن لم يكن.
والصّحيح ما ذكر في الخبر السّالف، من أنّه ريح طيّبة تخرج من التّابوت له وجه كوجه الإنسان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن الحسن بن خالد، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: السّكينة ريح من الجنّة. لها وجه كوجه الإنسان.
( وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ ) ، أي: ذرّيّة الأنبياء. وهما موسى وهارون والآل لتفخيم مفخّم، أو أنبياء بني إسرائيل لأنّهم أبناء عمّهما.
في تفسير العيّاشي(٢) : عن حريز، عن رجل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) ، فقال: رضاض الألواح. فيها العلم والحكمة. العلم جاء من السّماء. فكتب في الألواح. وجعل في التّابوت.
( تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) :
قيل(٣) : رفعه الله بعد موسى، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون.
وقيل(٤) : كان مع أنبيائهم، يستفتحون به حتّى أفسدوا. فغلبهم الكفّار عليه. وكان في أرض جالوت إلى أن ملّك الله طالوت. فأصابهم ببلاء حتّى هلكت خمس مدائن.
فتشاءموا بالتّابوت. فوضعوه على ثورين. فساقهما الملائكة إلى طالوت.
وفي كتاب المناقب(٥) ، لابن شهر آشوب: وفي حديث جابر بن يزيد الجعفيّ: أنّه لـمّا شكت الشّيعة إلى زين العابدين ـ عليه السّلام ـ ممّا يلقونه من بني أميّة. دعا الباقر ـ عليه السّلام. وأمر أن يأخذ الخيط الّذي نزل به جبرئيل إلى النّبيّ ـ عليه السّلام.
ويحركه تحريكا خفيفا(٦) .
قال: فمضى إلى المسجد، فصلّى فيه ركعتين. ثمّ وضع خدّه على الثّرى(٧) . وتكلّم بكلمات. ثمّ رفع رأسه. فأخرج من كمّه خيطا رقيقا(٨) يفوح منه رائحة المسك. وأعطاني
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٨٢.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٣٣، ح ٤٤٠.
(٣ و ٤) الكشاف ١ / ٢٩٣+ أنوار التنزيل ١ / ١٣٠.
(٥) المناقب ٤ / ١٨٣.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: التراب.
(٨) المصدر: دقيقا.
طرفا منه. فمشيت رويدا.
فقال: قف، يا جابر! فحرّك الخيط تحريكا ليّنا خفيفا.
ثمّ قال: اخرج! فانظر ما حال النّاس؟
فخرجت من المسجد. فإذا صياح وصراخ وولولة من كلّ ناحية. وإذا زلزلة شديدة وهدّة ورجفة قد أخربت عامّة دور المدينة وهلك تحتها أكثر من ثلاثين ألف إنسان ـ إلى قوله ـ سألته عن الخيط.
قال: هذا من البقيّة.
قلت: وما البقيّة؟ يا ابن رسول الله! قال: يا جابر «بقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة» ويضعه جبرئيل الدنيا(١) .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٢٤٨) :
يحتمل أن يكون من تمام كلام النّبيّ، وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى.
( فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ) : [انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة. وأصله فصل نفسه عنه. ولكن لـمّا كثر حذف مفعوله صار كاللازم.
قيل(٢) : إنّه قال لهم: «لا يخرج معي إلّا الشّابّ النّشيط الفارغ.» فاجتمع إليه ممّن اختاره ثمانون ألفا.
والأظهر أنّه اجتمع إليه ستّون ألفا وثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. لما سيأتي من أنّ من شرب ستّون ألفا، ومن لم يشرب ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان الوقت قيظا.
فسلكوا مفازة. وسألوا أن يجري الله لهم نهرا.
( قالَ ) ، أي: نبيّهم.
( إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) : يعاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه.
( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ) : فليس من أشياعي، أو بمتّحد معي.
( وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) ، أي: من لم يذقه من طعم الشيء إذا أذاقه(٣) ، مأكولا أو مشروبا.
__________________
(١) هكذا في المصدر والنسخ. والظاهر: لدينا.
(٢) الكشاف ١ / ٢٩٤+ أنوار التنزيل ١ / ١٣٠.
(٣) كذا في النسخ. ولعله: ذاقه.
( إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) :
استثناء من قوله «فشرب.» وقدّم عليه الجملة الثّانية، للعناية بها.
والمعنى: الرّخصة في القليل، دون الكثير.
وقرئ بفتح الغين.
( فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) ، أي: فكرعوا فيه إذا الأصل في الشّرب منه أن لا يكون بوسط، أو أفرطوا في الشّرب إلّا قليلا منهم.
وقرئ بالرّفع، حملا على المعنى، أي: لم يطيعوه.
وروى أنّ الّذين شربوا منه كانوا ستّين ألفا(١) .
وروى عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٢) ـ أنّه قال: القليل الّذي لم يشربوا ولم يغترفوا، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
( فَلَمَّا جاوَزَهُ ) ، أي: طالوت النّهر إلى جنود جالوت،( هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) ، أي: القليل الّذين لم يخالفوه،( قالُوا ) ، أي: الّذين شربوا منه،( لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) لكثرتهم وقوّتهم. هذا اعتذار منهم في التّخلّف وتحذير للقليل.
( قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ ) ، أي: الخلّص منهم الّذين تيقّنوا لقاء الله وثوابه بالموت. وسمّاه ظنّا لشبه اليقين بالموت بالظّنّ والشّكّ، كما ورد في الخبر: أنّه ما من يقين لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.
وهم القليل الّذين لم يشربوا.
( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ) : بتيسيره وتوفيقه.
و «كم»، يحتمل الخبر والاستفهام.
و «من»، مبنيّة، أو مزيدة.
و «الفئة»: الفرقة من النّاس، من فأوت رأسه، أي: شققته، أو من فاء إذا رجع فوزنها فعة، أو فلة. ولا ينافي إطلاق الفئة هنا على أقلّ من عشرة آلاف، ما رواه العيّاشيّ(٣)
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٨٣.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٣٤، ح ٤٤٤.
«عن حمّاد بن عثمان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: لا يخرج القائم ـ عليه السّلام ـ في أقلّ من الفئة. ولا تكون الفئة أقلّ من عشرة آلاف.» من وجهين :
الأوّل: أنّ الإطلاق على الأقلّ هنا للفئة الموصوفة بالقلّة، لا الفئة المطلق. وفي الخبر، مطلقة.
والثّاني: أنّ المراد بالفئة في الخبر المعهودة المذكورة سابقا، بأنّها يكون مع القائم ـ عليه السّلام ـ لا مطلق الفئة.
( وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (٢٤٩): بالنّصر والإثابة.
( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ) ، أي: ظهروا لهم، ودنوا منهم،( قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) (٢٥٠): سألوا ـ أوّلا ـ إفراغ الصّبر في قلوبهم. وهو الّذي ملاك الأمر. وثانيا: ثبات القدم في مداحض الحرب المسبّب عنه.
وثالثا: النّصر على العدوّ المترتّب عليهما.
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ ) : فكسروهم بنصره، أو مصاحبين لنصره إيّاهم إجابة لدعائهم.
روى في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام: لـمّا تأذّى بنو إسرائيل من جالوت، أوحى الله إلى نبيّهم: أنّ جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى ـ عليه السّلام. وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب ـ عليه السّلام ـ اسمه داود بن أسى.
وكان أسى راعيا. وكان له عشر بنين، أصغرهم داود. فلمّا بعث طالوت إلى بني إسرائيل وجمعهم لحرب جالوت، بعث إلى أسى أن احضر ولدك فلمّا حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه درع موسى ـ عليه السّلام ـ فمنهم من طالت عليه ومنهم من قصرت عنه.
فقال لأسى: هل خلّفت من ولدك أحدا؟
قال: نعم. أصغرهم. تركته في الغنم راعيا(٢) .
فبعث إليه [ابنه].(٣) فجاء به فلمّا دعي أقبل ومعه مقلاع. فناداه(٤) ثلاث صخرات في طريقه. فقالت(٥) : «خذنا.» فأخذها في مخلاته. وكان شديد البطش، قويّا في
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٨٢.
(٢) المصدر: يرعاها.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: قال: فنادته. (ظ)
(٥) المصدر: فقالت: يا داود.
بدنه، شجاعا، فلمّا جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى. فاستوت عليه. ففصل طالوت بالجنود حتّى برزوا لجالوت وجنوده. فجاء داود(١) ووقف بحذاء جالوت. وكان جالوت على الفيل وعلى رأسه التّاج وفي جبهته ياقوتة يلمع نورها(٢) وجنوده من بين يديه. فأخذ داود من تلك الأحجار حجرا. فرمى به ميمنة جالوت فمر في الهواء. ووقع عليهم. فانهزموا. وأخذ حجرا آخر. فرمى به في ميسرة جالوت. فوقع عليهم. فانهزموا. ورمى جالوت بحجر. فصكّ الياقوتة في جبهته. ووصلت إلى دماغه. ووقع إلى الأرض ميّتا. وهو(٣) قوله:( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ) .
( وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) بالوجه الّذى روي.
( وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) ، أي ملك: بني إسرائيل.
قيل(٤) : ولم يجتمعوا قبل داود على ملك.
( وَالْحِكْمَةَ ) : النّبوّة. وأنزل عليه الزّبور.
( وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ) : وعلمه صنعة الحديد وليّنه له.
في كتاب الخصال(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله تبارك وتعالى لم يبعث أنبياء ملوكا(٦) إلّا أربعة بعد نوح: ذا القرنين(٧) واسمه عياش، وداود وسليمان ويوسف ـ عليهم السّلام. فأمّا عياش فملك ما بين المشرق والمغرب. وأمّا داود فملك ما بين الشّامات إلى بلاد إصطخر. وكذلك كان ملك سليمان. وأمّا يوسف فملك مصر وبراريها(٨) ولم يتجاوزها إلى غيرها.
وعن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السّلام(٩) ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ اختار من كلّ شيء أربعة. اختار من الأنبياء للسّيف، إبراهيم وداود وموسى وأنا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١٠) ، بإسناده إلى جعفر بن محمّد، عن أبيه ،
__________________
(١) المصدر: حتّى.
(٢) المصدر: نوره.
(٣) المصدر: فهو.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٣١.
(٥) الخصال ١ / ٢٤٨.
(٦) المصدر: الأنبياء ملوكا في الأرض.
(٧) المصدر: ذو القرنين.
(٨) كذا في المصدر وفي النسخ. ولعله: بواديها.
(٩) نفس المصدر ١ / ٢٢٥، ح ٥٨.
(١٠) كمال الدين وتمام النعمة ٢ / ٥٢٤، ح ٣.
عن جدّه، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: عاش داود ـ عليه السّلام ـ مائة سنة. منها أربعين سنة في ملكه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: وكان بين موسى وبين داود، خمسمائة سنة، وبين داود وعيسى ألف سنة وخمسمائة سنة.
( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ ) :
وقرأ نافع هنا وفي الحجّ دفاع الله.
( النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) (٢٥١): قيل(٢) : أي: لولا أنّه تعالى يدفع بعض النّاس ببعض وينصر المسلمين على الكفّار، لغلبوا وأفسدوا في الأرض، أو فسدت الأرض بشؤمتهم.
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن سعيد(٤) ، عن عبد الله بن القسم، عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: انّ الله ليدفع بمن يصلّي من شيعتنا عمّن لا يصلّي من شيعتنا. ولو اجتمعوا(٥) على ترك الصلاة لهلكوا. وإنّ الله ليدفع بمن يزكّي من شيعتنا عمّن لا يزكّي. ولو اجتمعوا(٦) على ترك الزّكاة لهلكوا. وانّ الله ليدفع بمن يحجّ من شيعتنا عمّن لا يحجّ. ولو اجتمعوا(٧) على ترك الحجّ لهلكوا. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) . فو الله ما نزلت إلّا فيكم. ولا عنى بها غيركم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إنّ الله ليدفع ـ وذكر مثله إلّا قوله: فو الله ما أنزلت (الخ.)
وفي مجمع البيان(٩) :( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ ) (الآية) فيه ثلاثة أقوال. الثّاني: أنّ معناه يدفع الله بالبرّ عن الفاجر الهلاك ـ عن عليّ ـ عليه السّلام. وقريب منه ما روى
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٦٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣١.
(٣) الكافي ٢ / ٤٥١، ح ١.
(٤) «على بن سعيد» ليس في ر. وفي المصدر: عليّ بن معبد.
(٥ و ٦ و ٧) المصدر: أجمعوا. (ظ)
(٨) تفسير القمي ١ / ٨٣.
(٩) مجمع البيان ١ / ٣٥٧.
عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: لولا عباد ركّع وصبيان رضّع وبهائم رتّع، لصبّ عليهم العذاب صبّا.
وروى جابر بن عبد الله(١) ، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله يصلح بصلاح الرّجل السلم ولده وولد ولده وأهل دويرته. ودويرات حوله لا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.
( تِلْكَ ) إشارة إلى ما قصّ من القصص السّالفة.
( آياتُ اللهِ ) : دلائله على قدرته وإرسالك رسولا.
( نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ ) : بالوجه المطابق الّذي لا يشكّ فيه أهل الكتاب وأرباب التّواريخ.
( وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٢٥٢) لما أخبرت بها من غير تعرّف واستماع.
( تِلْكَ الرُّسُلُ ) ، أي: الجماعة المذكورة قصصهم، أو المعلومة لك أيّها النّبيّ، أو جماعة الرّسل.
و «اللّام»، للاستغراق.
( فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) بأن خصّصناه بما ليس لغيره.
( مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ) :
قيل(٢) : هو موسى.
وقيل(٣) : موسى ليلة الخيرة في الطّور، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ليلة المعراج.
وقرئ: كلّم الله وكالم الله. (بنصب لفظ الجلالة.)( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ ) ، يعني: محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله.
( دَرَجاتٍ ) [بأن فضّله على غيره. قيل(٤) : وهو محمّد ـ صلّى الله عليه وآله. فإنّه فضّل](٥) بأن فضّله على غيره من وجوه متعدّدة: فإنّه خصّ بالدّعوة العامّة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرّة والفضائل العمليّة والعمليّة الفائتة للحصر.
وفي عيون الأخبار(٦) ، بإسناده إلى عليّ بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: ما خلق الله خلقا
__________________
(١) نفس المصدر نفس الموضع.
(٢ و ٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ١٣٢.
(٥) يوجد في أ، فقط.
(٦) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٠٤.
أفضل منّي. ولا أكرم عليه منّي.
قال عليّ ـ عليه السّلام: فقلت: يا رسول الله! أفأنت أفضل أم جبرئيل؟
فقال ـ عليه السّلام: إنّ الله(١) تعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين.
وفضّلني على جميع النّبيّين والمرسلين. والفضل بعدي لك يا عليّ وللائمّة من بعدك. وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وقيل(٢) : إبراهيم خصّصه بالخلّة الّتي هي أعلى المراتب.
وقيل(٣) : إدريس لقوله تعالى(٤) :( وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ) وقيل(٥) : أولو العزم من الرّسل.
والإبهام في جميع تلك الاحتمالات، للتّفخيم. ويحتمل الحمل على الكلّ. والإبهام لعدم التّعيين. يدلّ عليه ما رواه العيّاشيّ في تفسيره(٦) ، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام. قال: بالزّيادة بالإيمان يفضّل(٧) المؤمنون بالدّرجات عند الله.
قلت: وإنّ للإيمان درجات ومنازل يتفاضل بها المؤمنون عند الله؟
فقال: نعم.
قلت: صف لي ذلك ـ رحمك الله ـ حتّى أفهمه.
فقال: ما فضّل الله أولياءه(٨) بعضهم على بعض. فقال:( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) . (إلى آخر الآية.) وقال(٩) :( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) . وقال(١٠) :( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ ) . وقال(١١) :( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ ) . فهذا ذكر الله درجات الإيمان ومنازله عند الله.
[وفي أصول الكافي(١٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم
__________________
(١) المصدر: يا عليّ إنّ الله.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ١٣٢.
(٤) مريم / ٥٧.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٣٢.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١٣٥، ح ٤٤٧.
(٧) المصدر: تتفاضل.
(٨) المصدر: به أولياءه.
(٩) البقرة / ٢٥٣. (١٠) الإسراء / ٢١. (١١) آل عمران / ١٦٣.
(١٢) الكافي ٢ / ٤١، ح ١.
بن يزيد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا. وفيه يقول ـ عليه السّلام: ثمّ ذكر ما فضّل الله ـ عزّ وجلّ ـ به أولياءه بعضهم على بعض. فقال ـ عزّ وجلّ:( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ ) فوق بعض درجات. (إلى آخر الآية.)](١)
( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ) : المعجزات. أفرده لإفراط اليهود والنّصارى في تحقيره وتعظيمه. وجعل معجزاته مخصوصة بالذّكر. لأنّها آيات واضحة، أو معجزات عظيمة. لم يستجمعها غيره.
( وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) :
في أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن محمّد بن داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام: فأمّا ما ذكر من أمر السّابقين، فإنّهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين. جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح القوّة وروح الشّهوة وروح البدن. فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين. وبها علّموا الأشياء. وبروح الإيمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا. وبروح القوّة جاهدوا(٣) عدوّهم وعالجوا معاشهم. وبروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام ونكحوا الحلال(٤) من شباب النّساء.
وبروح البدن دبّوا ودرجوا. فهؤلاء مغفور مصفوح عن ذنوبهم.
ثمّ قال: قال الله ـ عزّ وجلّ:( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ. وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ. وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) .
ثمّ قال في جماعتهم(٥) :( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) . يقول: أكرمهم ففضّلهم على من سواهم.
فهؤلاء مغفور لهم. مصفوح عن ذنوبهم.
( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) إلزام النّاس على طريقة واحدة، مشيئة حتم،( مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) : من بعد الرّسل،( مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) : المعجزات.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ٢ / ٢٨١ ـ ٢٨٢، ح ١٦.
(٣) أ: جاهدوهم.
(٤) أ: النكاح.
(٥) المجادلة / ٢٢.
( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا ) . لأنّه لم يجبرهم على الاهتداء للابتلاء.
( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ) بتوفيقه.
( وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ) لإعراضه عنه بخذلانه.
( وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا ) : التّكرار للتّوكيد.
( وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) (٢٥٣): فيوفّق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ المختلفين بعد الرّسل، بين مؤمن وكافر، لا ثالث لهما.
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسي ـ رحمه الله: وعن الأصبع بن نباتة قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يوم الجمل. فجاء رجل حتّى توقّف بين يديه. فقال: يا أمير المؤمنين! كبّر القوم وكبّرنا. وهلّل القوم وهلّلنا. وصلّى القوم وصلّينا. فعلام(٢) نقاتلهم؟
فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام: على ما أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه.
فقال: يا امير المؤمنين! ليس كلّ ما أنزل الله في كتابه أعلمه فعلّمنيه؟
فقال عليّ ـ عليه السّلام: لـمّا(٣) أنزل الله في سورة البقرة.
فقال: يا أمير المؤمنين! ليس كلّ ما أنزل الله في سورة البقرة أعلمه فعلّمنيه؟
فقال عليّ ـ عليه السّلام: هذه الآية:( تِلْكَ الرُّسُلُ ) . ـ وقرأ الى( يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) ـ فنحن الّذين آمنا. وهم الّذين كفروا.
فقال الرّجل: كفر القوم وربّ الكعبة! ثمّ حمل، فقاتل حتّى قتل ـ رحمه الله.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٤) ، شبهه مع تغيير غير مغيّر للمعنى.
وفي آخره بعد قوله: ومنهم من كفر. فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى بالله ـ عزّ وجلّ ـ وبالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وبالكتاب وبالحقّ. فنحن الّذين آمنوا. وهم الّذين كفروا. وشاء الله قتالهم بمشيئته وإرادته.
وفي روضة الكافي(٥) : ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام: انّ العامّة يزعمون أن بيعة أبي بكر حيث اجتمع النّاس كانت
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٢٤٨.
(٢) المصدر: فعلى ما.
(٣) المصدر: ما.
(٤) أمالي الشيخ ١ / ٢٠٠.
(٥) الكافي ٨ / ٢٧٠، ح ٣٩٨.
رضا لله ـ عزّ ذكره. وما كان الله ليفتن أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من بعده.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: او ما يقرءون كتاب الله؟ أو ليس الله يقول(١) :( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) ؟
قال: قلت: إنّهم يفسّرون على وجه آخر.
قال: أو ليس من أخبر الله ـ عزّ وجلّ ـ عن الّذين من قبلهم من الأمم، أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات، [حيث قال:( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ. وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ]. ) (٢) ( وَلكِنِ اخْتَلَفُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ. وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا. وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) ؟ في هذا يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد اختلفوا من بعده. فمنهم من آمن. ومنهم من كفر.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ) : ما أوجب عليكم إنفاقه،( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ ) : وهو يوم القيامة الّذي لا بيع فيه، فيحصل ما ينفق بالبيع، أو يفتدى النّفس ويخلص من العذاب، بإعطاء شيء وشرائها، ولا خلّة حتّى يستغنى بالأخلّاء، ولا شفاعة إلا لمن رضى له قولا حتّى يتّكل على الشّفعاء.
( وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢٥٤): يريد التّاركون للزكاة الّذين ظلموا أنفسهم، أو(٣) وضعوا المال في غير موضعه وصرفوه على غير وجهه. فوضع الكافرون موضعه تغليظا وتهديدا، كقوله: «( وَمَنْ كَفَرَ ) ، مكان من لم يحجّ، وإيذانا بأن ترك الزّكاة من صفات الكفّار لقوله:( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم. وهو قوله ـ عزّ وجلّ(٥) .( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) .
واعلم! أنّ الأخبار في فضل آية الكرسيّ كثيرة. فمنها ما مرّ في صدر الكتاب. ومنها
__________________
(١) آل عمران / ١٤٤.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) ر: و. (ظ)
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٧، ح ٢١.
(٥) المؤمنون / ٩٩.
ما رواه في الخرايج والجرائح(١) ، عن عبد الله بن يحيى الكاهليّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إذا لقيت السّبع ما ذا تقول؟
قلت: لا أدري.
قال: إذا لقيته فاقرأ في وجهه آية الكرسيّ وقل: «عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة رسوله وعزيمة سليمان بن داود وعزيمة عليّ أمير المؤمنين والأئمّة من بعده.» فإنّه ينصرف عنك.
قال عبد الله: فقدمت الكوفة. فخرجت مع ابن عمّ لي إلى قرية. فإذا سبع قد اعترض لنا في الطّريق. فقرأت في وجهه آية الكرسيّ وقلت: عزمت عليك بعزيمة الله (إلى آخرها) إلّا تنحّيت عن طريقنا. ولم تؤذنا. فإنّا لا نؤذيك.
ومنها ما رواه في الكافي(٢) ، عن عليّ بن إبراهيم [عن محمّد بن عيسى](٣) وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله وسهل بن زياد، جميعا، عن محمّد بن عيسى، عن أبي محمّد الأنصاريّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: شكا إليه رجل عبث أهل الأرض بأهل بيته وبعياله. فقال: كم سقف بيتك؟
قال(٤) : عشرة أذرع.
فقال اذرع ثمانية أذرع ثمّ اكتب آية الكرسيّ فيما بين الثمانية إلى العشرة كما تدور. فإنّ كلّ بيت سمكه أكثر من ثمانية أذرع، فهو محتضر تحضره الجنّ، يكون فيه مسكنه(٥)
وعن عليّ بن إبراهيم،(٦) عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، وأحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، جميعا، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في سمك البيت: إذا رفع ثمانية أذرع، كان مسكونا. فإذا زاد على ثمان فليكتب على رأس (الثّمانية)(٧) آية الكرسيّ.
وبإسناده(٨) إلى محمّد بن إسماعيل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا كان
__________________
(١) بحار الأنوار ٤٧ / ٩٥، ح ١٠٨، نقلا عن الخرايج والجرائح.
(٢) الكافي ٦ / ٥٢٩، ح ٣.
(٣) ليس في أو في المصدر.
(٤) المصدر: فقال. (ظ)
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تكون فيه تسكنه.
(٦) نفس المصدر نفس الموضع، ح ٤.
(٧) المصدر: الثمان.
(٨) نفس المصدر ٦ / ٦٢٩، ح ٧.
البيت فوق ثمانية أذرع، فاكتب في أعلاه آية الكرسيّ.
ومنها ما رواه في من لا يحضره الفقيه(١) ، في وصيّة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام: يا عليّ! ومن كان في بطنه ماء أصفر فليكتب على بطنه آية الكرسيّ ويشربه. فإنّه يبرأ بإذن الله ـ عزّ وجلّ.
ومنها ما رواه في كتاب الخصال(٢) ، عن عتبة بن عمير الليثي، عن أبي ذرّ ـ ره ـ قال: دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو في المسجد جالس وحده (إلى أن قال) قلت له: فأي آية أنزلها الله عليك أعظم؟
قال: آية الكرسيّ. ثمّ قال: يا أبا ذرّ! ما السّموات السّبع في الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة في أرض فلاة.
وفيه(٣) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: وإذا اشتكى أحدكم عينه فليقرأ آية الكرسيّ. وليضمر في نفسه أنّها تبرء. فإنّه يعافى ـ إن شاء الله تعالى.
ومنها ما رواه في أصول الكافي(٤) ، عن محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ في بطني ماء أصفر. فهل من شفاء؟
فقال: نعم بلا درهم ولا دينار. ولكن اكتب على بطنك آية الكرسيّ.
وتغسلها. وتشربها. وتجعلها ذخيرة في بطنك. فتبرأ بإذن الله ـ عزّ وجلّ.
ففعل الرّجل. فبرئ بإذن الله ـ عزّ وجلّ.
ومنها ما رواه في كتاب ثواب الأعمال(٥) ، بإسناده عن رجل سمع أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: من قرأ آية الكرسيّ عند منامه، لم يخف الفالج ـ إن شاء الله. ومن قرأها بعد كلّ صلاة لم يضرّه ذو حمّة.
ومنها ما رواه في عيون الأخبار(٦) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من الأخبار المجموعة، بإسناده عن عليّ ـ عليه السّلام. قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله :
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٦٩.
(٢) الخصال ٢ / ٥٢٤، ح ١٣.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٦١٦، ح ١٠.
(٤) الكافي ٢ / ٦٢٥، ح ٢١.
(٥) ثواب الأعمال / ١٣١، ح ١.
(٦) عيون أخبار الرضا ٢ / ٦٥، ح ٢٨٩.
من قرأ آية الكرسيّ مائة مرّة، كان كمن عبد الله طول حياته.
[وفي مجمع البيان(١) : روى جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: لـمّا أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ أن ينزل «فاتحة الكتاب» و «آية الكرسيّ» و «شهد الله» و( قُلِ ألْلَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ) (إلى قوله)( بِغَيْرِ حِسابٍ ) ، تعلّقن بالعرش. وليس بينهنّ وبين الله حجاب. وقلن: يا ربّ! تهبطنا دار الذّنوب(٢) وإلى من يعصينّك. ونحن معلّقات بالطّهور وبالقدس.
فقال: وعزّتي وجلالي! ما من عبد قرأ كنّ في دبر كلّ صلاة(٣) إلّا أسكنته حضيرة القدس، على ما كان فيه، وإلّا نظرت إليه بعيني المكنونة في كلّ يوم سبعين نظرة، وإلّا قضيت له في كلّ يوم سبعين حاجة أدناه المغفرة، وإلّا أعذته من كلّ عدوّ ونصرته عليه ولا يمنعه دخول الجنّة إلّا أن يموت. وقد مرّ في أوّل الفاتحة](٤)
( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : مبتدا وخبر. وللنّحاة خلاف في أنّه هل يضمر للأخير مثل في الوجود، أو يصحّ، أو يوجد؟ وإلّا صحّ أنّ إلّا هو خبره.
والمعنى: أنّ الله انتفى مستحقّ للعبادة غيره بحسب الإمكان والوجود، يعني: لا يمكن ولا يوجد مستحقّ للعبادة غيره.
( الْحَيُ ) :
قيل(٥) : الحيّ الّذي له صفة يقتضي الحسّ والحركة الإراديّة ويقتضي صحّة العلم والقدرة. والمراد به في صفة الله تعالى أنّه غير مرتبط الوجود بغيره، بطريق المعلوليّة، مع كونه قديرا عالما.
وفي كتاب التّوحيد(٦) ، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل يذكر فيه صفة الرّبّ ـ عزّ وجلّ ـ وفيه يقول: لم يزل حيّا بلا حياة. [كان حيّا بلا حياة حادثة.
وبإسناده(٧) إلى عبد الأعلى، عن العبد الصّالح، يعني: موسى بن جعفر
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤٢٦.
(٢) المصدر: إلى دار الذنوب.
(٣) كلّ صلاة مكتوبة.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) ر. تفسير صدر المتألهين ٤ / ٧٩ ـ ٨٠.
(٦) التوحيد / ١٧٣، ح ٢.
(٧) نفس المصدر / ١٣٨، ح ١٣.
ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: كان حيّا بلا كيف ولا أين. حيّا بلا حياة حادثة.
بل حيّ لنفسه.
وبإسناده(١) إلى جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: إنّه نور لا ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيه].(٢)
( الْقَيُّومُ ) : الدّائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. فيعول من قام الأمر، إذا حفظه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) . حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل، عن عليّ بن العبّاس، عن جعفر بن محمّد، عن الحسين بن أسد، عن يعقوب بن جعفر قال سمعت موسى بن جعفر ـ عليهم السّلام ـ يقول: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنزل على عبده محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم. ويسمّى بهذه الأسماء الرّحمن الرّحيم العزيز الجبّار العليّ العظيم. فتاهت هنا لك عقولهم. واستخفّت أحلامهم. فضربوا له الأمثال. وجعلوا له أندادا. وشبّهوه بالأمثال. ومثّلوه أشباها. وجعلوه يزول ويحول. فتاهوا في بحر عميق لا يدرون ما غوره، ولا يدركون بكيفيّته بعده.
( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) :
«السّنة»: فتور يتقدّم النّوم.
و «النّوم»: حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدّماغ، من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسّ الظّاهرة عن الإحساس، رأسا. وهنا إشكال مشهور. وهو تقديم السّنة عليه. وقياس المبالغة عكسه. وأجيب بأنّه قدّمه على ترتيب الوجود، وبأنّه على القياس. وهو التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى. [لأنّ عدم الأخذ من النّوم، أعلى لقوّته من عدم أخذ السّنة الضعيفة. ففي ترتيبهما التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى.
وفي أصول الكافي(٤) : أبو عبد الله الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان قال: جلس أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ متورّكا رجله اليمنى على فخذه اليسرى. فقال له رجل: جعلت فداك! هذه جلسة مكروهة.
فقال: لا. إنّما هو شيء قالته اليهود: لـمّا أن فرغ الله ـ عزّ وجلّ ـ من خلق السّماوات والأرض واستوى على العرش، جلس هذه الجلسة، ليستريح. فأنزل الله عزّ
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) تفسير القمي ٢ / ٣٦١.
(٤) الكافي ٢ / ٦٦١، ح ٥.
وجلّ:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) .
وبقي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ متورّكا كما هو].(١)
والجملة تأكيد لما قبله. ولذلك ترك العاطف. فإنّ عدم أخذ السّنة والنّوم يؤكّد كونه قيّوما. وكذا في قوله:( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) . لأنّه تقرير لقيّوميّته واحتجاج على تفرّده في الإلهيّة. وما فيهما أعمّ من أن يكون داخلا في حقيقتهما، أو خارجا عنهما، متمكّنا فيهما.
( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) : «من»، استفهاميّة. مبتدأ. و «ذا» موصول خبره. والموصول صفته. والاستفهام على سبيل الإنكار. وهو بيان لكبرياء شأنه، أي: لا أحد يساويه، أو يداينه. يستقلّ بدفع ما يريد شفاعة فضلا عن أن يقاومه(٢) عنادا.
ومن يشفع، يشفع بإذنه. وله مكانه عنده.
وفي محاسن البرقيّ(٣) ، بإسناده، قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: قوله( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) . [أي من هم؟](٤) قال: نحن أولئك الشّافعون.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وأمّا آية الكرسيّ، فإنّه حدّثني أبي، عن الحسن بن خالد أنّه قرأ أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ الم( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) ، أي: نعاس له ما في السّموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثّرى. عالم الغيب والشّهادة. هو الرّحمن الرّحيم.( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) .
وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٧) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد(٨) ، عن محمّد بن سنان، عن أبي جرير القميّ، وهو محمّد بن عبيد الله، وفي نسخة: عبد الله، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام:( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وما بينهما وما تحت الثّرى.
عالم الغيب والشّهادة(٩) . هو الرّحمن الرّحيم.( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) .(١٠) ]
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) هكذا في أ. وفي الأصل ور: يعاوقه.
(٣) المحاسن / ١٤٠، ح ١٧٤.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) تفسير القمي ١ / ٨٤.(٦) الكافي ٨ / ٢٩، ح ٤٣٨.
(٧) ليس في المصدر. (٨) المصدر: أحمد بن محمد عن محمد بن خالد.
(٩) ليس في المصدر. (١٠) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) : ما قبلهم وما بعدهم، أو بالعكس. لأنّك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي، أو أمور الدّنيا وأمور الآخرة، أو عكسه، أو ما يحسّونه وما يعقلونه، أو ما يدركونه وما لا يدركونه.
والضّمير لما في السّموات والأرض. لأنّ فيهم العقلاء، أو لما دلّ عليه.
«من ذا» من الملائكة والأنبياء والأئمّة.
( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ) : من معلوماته،( إِلَّا بِما شاءَ ) : أن يعلموا.
( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) :
«الكرسيّ» في الأصل، اسم لما يقعد عليه. ولا يفضل عن مقعد القاعد. وكأنّه منسوب إلى الكرس. وهو الملبد. مجاز عن علمه تعالى.
في كتاب التّوحيد(١) ، قال: حدّثنا أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن القسم بن محمّد، عن سليمان بن داود(٢) ، عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) .
قال: علمه.
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رحمه الله(٣) ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن(٤) قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ، فقال: يا فضيل! السّموات والأرض وكلّ شيء في الكرسيّ.
وفي الكافي(٥) ، مثله، سواء.
وكذا «العرش» مجاز عن علم له تعالى أعلى من الأوّل، كما رواه في كتاب التّوحيد(٦) ، بإسناده إلى حنان بن سدير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل يقول فيه: ثمّ العرش في الوصل منفرد(٧) من الكرسيّ. لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب.
__________________
(١) التوحيد / ٣٢٧، ح ١.
(٢) المصدر: سليمان بن داود المنقريّ.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٣.
(٤) المصدر: محمد بن الحسن الصفّار.
(٥) الكافي ١ / ١٣٢، ح ٥ ـ ٣.
(٦) التوحيد / ٣٢١، ح ١.
(٧) المصدر: متفرّد.
وهما جميعا غيبان. وهما في الغيب مقرونان. لأنّ «الكرسيّ» هو الباب الظّاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلّها. و «العرش» هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيئة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والتّرك وعلم العود والبداء(١) . فهما في العلم بابان مقرونان. لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسيّ. وعلمه أغيب من علم الكرسيّ. فمن ذلك قال(٢) :( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) ، أي: صفته أعظم من صفة الكرسيّ. وهما في ذلك مقرونان.
وقيل(٣) : «الكرسيّ جسم بين يدي العرش. ولذلك سمّي كرسيّا. محيط بالسّموات السّبع»، لمارواه في كتاب التّوحيد(٤) ، بإسناده عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل، يذكر فيه عظمة الله ـ جلّ جلاله ـ يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن ذكر الأرضين السّبع ثمّ السّموات السّبع والبحر المكفوف وجبال البرد: وهذه السّبع والبحر المكفوف والحجب(٥) عند الهواء الّذي تحار فيه القلوب، كحلقة في فلاة قيّ. والسّبع والبحر المكفوف وجبال البرد (والهواء والحجب) في الكرسيّ، كحلقة في فلاة قيّ. ثمّ تلا هذه الآية:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .
وفي روضة الكافي(٦) ، بإسناده إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ مثله.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن بن سويد، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ، أيّما أوسع، الكرسيّ أو السّموات؟
قال: لا بل الكرسيّ وسع السّموات والأرض والعرش. وكلّ شيء خلق الله في الكرسيّ.
حدّثني أبي(٨) ، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف، عن](٩) الأصبغ بن
__________________
(١) المصدر: البدء.
(٢) التوبة / ١٢٩.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٣٣.
(٤) التوحيد / ٢٧٧، ح ١.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الهواء والحجب.
(٦) الكافي ٨ / ١٥٣، ح ١٤٣.
(٧) تفسير القمي ١ / ٨٥.
(٨) نفس المصدر نفس الموضع.
(٩) بين المعقوفتين ليس في أ.
نباتة: أنّ عليّا ـ صلوات الله عليه ـ سئل عن قول الله ـ تبارك وتعالى:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ، قال: السّموات والأرض وما بينهما من مخلوق في جوف الكرسيّ: وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله.
فأمّا ملك منهم في صورة الآدميّين. وهي أكبر الصّور على الله. وهو يدعو الله.
ويتضرّع إليه. ويطلب السّعة في الرّزق لبني آدم :
والملك الثّاني في صورة الثّور. وهو سيّد البهائم. ويطلب إلى الله. ويتضرّع إليه.
ويطلب السّعة والرّزق للبهائم.
والملك الثّالث في صورة النّسر. وهو سيّد الطيّور. وهو يطلب إلى الله ـ تبارك وتعالى. ويتضرّع إليه. ويطلب السّعة والرّزق لجميع الطّيور.
والملك الرّابع في صورة الأسد. وهو سيّد السّباع. وهو يرغب إلى الله. ويتضرّع إليه. ويطلب السّعة والرّزق لجميع السباع.
ولم يكن في هذه الصّور، أحسن من الثّور(١) . ولا أشدّ انتصابا منه حتّى اتّخذ الملأ من بني إسرائيل العجل. فلمّا عكفوا عليه وعبدوه من دون الله، خفض الملك الّذي في صورة الثّور رأسه، استحياء من الله أن عبد من دون الله شيء يشبهه. وتخوّف أن ينزل به العذاب.
وعلى هذا العرش جسم ـ أيضا.
روى في كتاب التّوحيد(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل وفيه: قال السّائل: فقوله(٣) :( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) .
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: بذلك وصف نفسه. وكذلك هو مستول على العرش، بائن من خلقه من [غير](٤) أن يكون العرش حاملا، ولا أن يكون العرش حاويا له، ولا أن يكون العرش مختارا له. ولكنّا نقول: هو حامل العرش، وممسك العرش.
ونقول: من ذلك ما قال:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) . فثبتّنا من العرش والكرسيّ، ما ثبّته. ونفينا أن يكون العرش والكرسيّ حاويا له، أو أن(٥) يكون ـ عزّ وجلّ ـ
__________________
(١) أ: الصور.
(٢) التوحيد / ٢٤٨، ح ١.
(٣) طه / ٥.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) ليس في المصدر.
محتاجا إلى مكان، أو إلى شيء ممّا خلق. بل خلقه محتاجون إليه.
[وفيه(١) ـ أيضا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حجّال عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) ، وسعن الكرسيّ؟ أم الكرسيّ وسع السّماوات والأرض؟
فقال: بل الكرسيّ وسع السّماوات والأرض والعرش. وكلّ شيء في الكرسي.
وفيه(٢) ، بإسناده إلى عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: الكرسيّ جزء من سبعين جزء من نور العرش.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة].(٣) وقيل(٤) : إنّه الفلك المشهور بفلك البروج. كما أنّ العرش الفلك المشهور بالفلك الأطلس والأعظم.
وقيل(٥) : تصوير لعظمته. وتمثيل مجرّد. ولا كرسيّ في الحقيقة.
( وَلا يَؤُدُهُ ) : لا يثقله. من الأود. وهو الاعوجاج.
( حِفْظُهُما ) ، أي: حفظه السّموات والأرض.
فحذف الفاعل. وهو أحد المواضع الأربعة الّتي حذف الفاعل. فيه قياس.
[وأضيف المصدر إلى المفعول.
( وَهُوَ الْعَلِيُ ) : المتعالي عن الأنداد والأشباه،( الْعَظِيمُ ) (٢٥٥): المستحقر بالإضافة إليه كلّ ما سواه.
وفي عيون الأخبار(٦) ، بإسناده إلى محمّد بن سفيان قال: سألت أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام: هل كان الله عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟
قال: نعم.
قلت: يراها ويسمعها؟
قال: ما كان يحتاج(٧) إلى ذلك. لأنّه لم يكن يسألها ولا يطلب منها. هو نفسه.
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٢٧، ح ٤.
(٢) نفس المصدر / ١٠٨، ح ٣.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٣٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) عيون أخبار الرضا ١ / ١٠٦.
(٧) المصدر: محتاجا.
ونفسه هو. قدرة نافذة. فليس يحتاج إلى أن يسمّى نفسه. ولكنّه اختار لنفسه اسما لغيره يدعوه بها. لأنّه إذا لم يدع باسمه، لم يعرف. فأوّل ما اختار لنفسه( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) . لأنّه أعلى الأشياء كلّها. فمعناه، الله. واسمه العليّ العظيم. هو أوّل أسمائه. لأنّه علا كلّ شيء.
واعلم! أنّ المشهور أنّ آية الكرسيّ هي هذه. وما رواه في أصول الكافي(١) ، مثله، وفي روضة الكافي(٢) ، عن محمّد بن خالد، عن حمزة بن عبيد(٣) ، عن إسماعيل بن عباد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) وآخرها:( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) ، والحمد لله ربّ العالمين، وآيتين بعدها، بظاهره يدلّ عليه. لأنّ الظّاهر رجوع الضّمير في آخرها، إلى آية الكرسيّ.
وروى عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن الحسين بن خالد: أنّه قرأ عليّ بن موسى ـ صلوات الله عليهما ـ على التّنزيل:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ( وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ. هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ) .( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ. وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ. وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) .
وذكر محمّد بن يعقوب الكلينيّ ـ رضي الله عنه(٥) ـ بإسناده أنّه يقرأ بعدها: «والحمد لله ربّ العالمين.» وفي الرّواية الأولى:( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى. لَا انْفِصامَ لَها. وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) هم الظّالمون لآل محمّد( يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) . والحمد لله ربّ العالمين. كذا نزلت.
( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) . إذ الإكراه إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا. ولكن:( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ ) : تميّز كلّ ما هو رشد، عن كلّ ما هو غيّ، إذ يجب
__________________
(١) الكافي ١ / ١١٣، ح ٢.
(٢) نفس المصدر ٨ / ٢٩٠، ح ٤٣٨.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حميد.
(٤) تفسير القمي ١ / ٨٤.
(٥) الكافي ٨ / ٢٩٠، ح ٤٣٨+ تفسير القمي ١ / ٨٤ ـ ٨٥، مع بعض الاختلاف.
حمل اللام على الاستغراق، لعدم قرينة التّخصيص، في المقام الخطابيّ. وتبيّن الرّشد من الغيّ، لا تخصيص فيه بزمان دون زمان، وبأحد دون أحد. فيفيد تبيّن الرّشد، في كلّ زمان، لكلّ أحد. فيدلّ على وجود معصوم في كلّ زمان اتّباعه هو الرّشد وعدم اتّباعه هو الغيّ.
( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) : فعلوة من الطّغيان.
قلب عينه ولامه. وهم ظالمو حقّ آل محمّد.
روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ(١) ، بإسناده إلى الفضل بن شاذان، عن داود بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنتم الصلاة في كتاب الله ـ عزّ وجلّ؟ وأنتم الزكاة؟ وأنتم الحجّ؟
فقال: يا داود! نحن الصّلاة في كتاب الله ـ عزّ وجلّ. ونحن الزكاة. ونحن الصّيام.
ونحن الحجّ. [ونحن الشّهر الحرام].(٢) ونحن البلد الحرام. ونحن كعبة الله. ونحن قبلة الله.
ونحن وجه الله. قال الله تعالى(٣) :( فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) . ونحن الآيات ونحن البيّنات.
وعدوّنا في كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ الفحشاء والمنكر والبغي والخمر والميسر والأنصاب والأزلام والأصنام والأوثان والجبت والطّاغوت والميتة والدّم ولحم الخنزير.
يا داود! إنّ الله خلقنا. فأكرم خلقنا. وجعلنا أمناءه وحفظته وخزّانه على ما في السّموات وما في الأرض. وجعل لنا أضدادا وأعداء. فسمّانا في كتابه. وكنّى عن أسمائنا بأحسن الأسماء وأحبّها اليه تكنية عن العدد. وسمّى أضدادنا وأعداءنا في كتابه. وكنّى عن أسمائهم. وضرب لهم الأمثال في كتابه في أبغض الأسماء إليه وإلى عباده المتّقين.
وفي مجمع البيان(٤) : في «الطّاغوت» خمسة أقوال: أحدها ـ أنّه الشّيطان. وهو المرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
( وَيُؤْمِنْ بِاللهِ ) : بالتّوحيد والتّصديق للرّسل، في كلّ ما جاءوا به. ومن جملتها بل عمدتها ولاية الائمّة من آل محمّد ـ عليهم السّلام.
( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) : طلب الإمساك من نفسه بالعروة الوثقى، من
__________________
(١) لم نعثر عليه في أمالي الطوسي. وهو موجود في تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣، نقلا عن أمالى الطوسي.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) البقرة / ١١٥.
(٤) مجمع البيان ١ / ٣٦٤.
الحبل الوثيق وهي مستعارة لمستمسك المحقّ من الرّأي القويم. أطلق هنا على الإيمان بالله.
وهو يلازم ولاية الأئمّة ـ عليهم السّلام.
في أصول الكافي(١) : حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد(٢) ، عن غير واحد، عن أبان، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) ، قال: هي الإيمان.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا، عن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في قوله ـ عزّ وجلّ:( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ) . قال: هي الإيمان بالله، وحده لا شريك له.
والحديثان طويلان. أخذنا منهما موضع الحاجة.
وفي محاسن البرقيّ(٤) ، عنه، عن محسن بن أحمد، عن أبان الأحمر، عن أبي جعفر الأحول، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: عروة الله الوثقى، التّوحيد. والصبغة، الإسلام.
وفي كتاب المناقب(٥) ، لابن شهر آشوب: موسى بن جعفر، عن آبائه ـ عليهما السّلام ـ وأبو الجارود عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى:( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) ، قال: مودّتنا أهل البيت.
وفي عيون الأخبار(٦) ، بإسناده إلى أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من أحبّ أن يركب سفينة النّجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين، فليوال عليّا بعدي، وليعادي عدوّه، وليأتمّ بالأئمّة الهداة من ولده.
وفيه(٧) ، فيما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من الأخبار المجموعة، بإسناده قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: [من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى، فليستمسك بحبّ عليّ وأهل بيتي.
__________________
(١) الكافي ٢ / ١٤، ح ٣.
(٢) المصدر: الحسن بن محمد بن سماعة.
(٣) نفس المصدر ٢ / ١٤، ح ١.
(٤) المحاسن / ١٨٨، ح ٢٢١.
(٥) تفسير نور الثقلين ١ / ٢٦٣، ح ١٠٥٤، نقلا عن المناقب+ بحار الأنوار ٢٤ / ٨٤.
(٦) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٢٧، ح ٤٣.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٥٨، ح ٢١٦.
وبإسناده(١) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله :](٢) والأئمّة من ولد الحسين ـ عليهم السّلام. من أطاعهم فقد أطاع الله. ومن عصاهم فقد عصى الله. هم العروة الوثقى. وهم الوسيلة إلى الله تعالى.
وفي باب ما كتبه الرّضا ـ عليه السّلام ـ للمأمون من محض الإسلام وشرائع الدّين(٣) : أنّ الأرض لا تخلوا من حجّة الله تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان. وأنّهم العروة الوثقى وأئمّة الهدى والحجّة على أهل الدّنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي كتاب الخصال(٤) ، عن عبد الله بن العبّاس قال: قام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فينا خطيبا. فقال في آخر خطبته: نحن كلمة التّقوى وسبيل الهدى والمثل الأعلى والحجّة العظمى والعروة الوثقى.
وفي كتاب التّوحيد(٥) ، بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في خطبته: أنا حبل الله المتين. وأنا عروة الله الوثقى.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل: نحن حجج الله في أرضه وكلمة التّقوى والعروة الوثقى.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، بإسناده إلى عبد الله بن عبّاس قال: قال رسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى الّتي لا انفصام لها، فليستمسك(٨) بولاية أخي ووصيّي عليّ بن أبي طالب. فإنّه لا يهلك من أحبّه وتولاه.
ولا ينجو من أبغضه وعاداه.
في شرح الآيات الباهرة(٩) : ذكر صاحب نهج الإيمان في معنى هذه الآية، ما هذا لفظه: روى أبو عبد الله الحسين بن جبير ـ رحمه الله ـ في كتاب نخب المناقب لآل
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٢١٧.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) نفس المصدر ٢ / ١٢١، ح ١.
(٤) الخصال ٢ / ٤٣٢، ح ١٤.
(٥) التوحيد / ١٦٥، ح ٢.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢٠٢، ح ٦.
(٧) معاني الأخبار / ٣٦٨.
(٨) المصدر: فليتمسّك.
(٩) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٤.
أبي طالب، حديثا مسندا إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى، فليستمسك بحبّ عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام.
واعلم! أنّ ما ذكر من الأخبار من تفسير العروة الوثقى، تارة بحبّ أهل البيت، وتارة بالأئمّة، وتارة بولاية الأئمّة، وتارة بالنّبيّ، وتارة بأمير المؤمنين، مؤدّاه واحد. وكذا
ما رواه في عيون الأخبار(١) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه ذكر القرآن يوما، وعظّم الحجّة فيه والآية المعجزة في نظمه، فقال: «هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى»
، لا ينافي ما سبق من الأخبار. لأنّ كلا منها يستلزم الآخر. إذ المراد بالمحبّة والولاية ما هو بالطّريق المقرّر من الله في القرآن.
( لَا انْفِصامَ لَها ) : لا انقطاع لها. يقال: فصمته، فانفصم، إذا كسرته.
( وَاللهُ سَمِيعٌ ) بالأقوال،( عَلِيمٌ ) (٢٥٦) بالنّيّات وسائر الأعمال. وهو وعد للكافر بالطّاغوت، وتهديد لغيره.
( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) : محبّهم أو متولّي أمرهم.
والمراد بالّذين آمنوا، الّذين كفروا بالطّاغوت وآمنوا بالله، بمعنى ذكرناه.
( يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ ) ، أي: ظلمات الذّنوب.
( إِلَى النُّورِ ) ، إلى نور التّوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل كما يأتي في الخبر، أو يخرجهم بالإيمان من الظّلمات الّتي فيه غيرهم إلى نور الإيمان، أي: يجعل لهم نورا ليس لغيرهم.
وفي كتاب الخصال(٢) ، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ قال: المؤمن يتقلّب في خمسة من النّور: مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومنظره يوم القيامة إلى النّور.
أو يخرجهم من ظلمات الجهل واتّباع الهوى والوساوس والشّبهة المؤدّية إلى الكفر، إلى النّور، إلى الهدى الموصل إلى الإيمان.
والجملة خبر بعد خبر، أو حال من المستكنّ في الخبر، أو من الموصول، أو منهما، أو
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ١٢٨، ح ٩.
(٢) الخصال ١ / ٢٧٧، ح ٢٠.
استئناف مبيّن، أو مقرّر للولاية.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) :
في روضة الكافي(١) : سهل، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام: والّذين كفروا أولياؤهم الطّواغيت.
قيل(٢) : الشّياطين، أو المضلات من الهوى والشّياطين وغيرهما.
وعلى الخبر الّذي سبق: الظّالمون لآل محمّد حقّهم، والّذين كفروا: أشياعهم.
( يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ) : من النّور الّذي منحوه بالفطرة، إلى الكفر وفساد الاستعداد، أو من نور البيّنات، إلى ظلمات الشّكوك والشّبهات.
( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢٥٧): وعيد وتحذير.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن مسعدة بن صدقة قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: قصّة الفريقين جميعا في الميثاق، حتّى بلغ الاستثناء من الله في الفريقين.
فقال: إنّ الخير والشّرّ خلقان من خلق الله. له فيهما المشيئة، في تحويل ما شاء الله، فيما قدّر فيهما(٤) ، حال عن حال. والمشيئة فيما خلق (لهما)(٥) من خلقه، في منتهى ما قسم لهم من الخير والشّرّ. وذلك أنّ الله قال في كتابه:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ) . فالنّور هم آل محمّد ـ عليهم السّلام. والظّلمات، عدوّهم.
عن مهزم الأسديّ(٦) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال الله ـ تبارك وتعالى: لأعذّبنّ كلّ رعيّة دانت بإمام ليس من الله، وإن كانت الرّعية في أعمالها برّة تقيّة. ولأغفرنّ عن كلّ رعيّة دانت بكلّ إمام من الله، وإن كانت الرّعيّة في أعمالها سيئة.
قلت: فيعفو عن هؤلاء، ويعذّب هؤلاء؟
قال: نعم. إنّ الله تعالى يقول:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) .
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٨٩، ح ٤٣٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٤.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٣٨، ح ٤٦١.
(٤) المصدر: فيها.
(٥) المصدر: لها.
(٦) نفس المصدر ١ / ١٣٩، ح ٤٦٢.
ثمّ ذكر(١) حديث ابن أبي يعفور، رواية محمّد بن الحسين. ويزاد(٢) فيه: «فأعداء عليّ أمير المؤمنين هم الخالدون في النّار، وإن كانوا في أديانهم على غاية الورع والزّهد والعبادة.»
وفي أصول الكافي(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، في طينة المؤمن والكافر. وفيه:( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ) (٤) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر. فكان حياته حين فرّق الله بينهما بكلمته. كذلك يخرج الله ـ جلّ
وعزّ ـ المؤمن في الميلاد من الظّلمة، بعد دخوله فيها إلى النّور. ويخرج الكافر من النّور إلى الظّلمة، بعد دخوله إلى النّور.
وبإسناده(٥) إلى الباقر ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل، في شأن( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر نزول الملائكة بالعلم: فإن قالوا: من سماء إلى سماء. فليس في السّماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية. وإن قالوا: من سماء إلى أرض، وأهل الأرض أحوج الخلق إلى ذلك، فقل لهم: فهل بدّ من سيّد يتحاكمون إليه؟
فإن قالوا: فإنّ الخليفة هو حكمهم.
فقل:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) (إلى قوله)( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) . لعمري ما في الأرض ولا في السّماء وليّ لله ـ عزّ ذكره ـ إلّا وهو مؤيّد. ومن أيّده(٦) لله لم يخط(٧) . وما في الأرض عدوّ لله عزّ ذكره ـ إلّا وهو مخذول. ومن خذل لم يصب. كما أنّ الأمر لا بدّ من تنزيله من السّماء، يحكم به أهل الأرض. كذلك لا بدّ من وال.
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: إنّي أخالط النّاس. فيكثر عجبي من أقوام لا يتولّونكم ويتولّون فلانا وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء.
وأقوام يتولّونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصّدق.
__________________
(١) المصدر: ثم ذكر حديث الأوّل.
(٢) المصدر: زاد.
(٣) الكافي ٢ / ٥، ح ٧.
(٤) الأنعام / ١٢٢.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٤٥، ح ١.
(٦) المصدر: أيّد.
(٧) كذا في النسخ والمصدر. ولعله: لم يحطّ.
(٨) نفس المصدر ١ / ٣٧٥، ح ٣.
قال: فاستوى أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ جالسا. فأقبل عليّ كالغضبان. ثمّ قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر. ليس من الله. ولا عتب على من دان الله بولاية إمام عادل من الله.
قلت: لا دين لأولئك؟ ولا عتب على هؤلاء؟
قال: نعم. لا دين لأولئك. ولا عتب على هؤلاء.
ثمّ قال: ألا تسمع لقول الله ـ عزّ وجلّ:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) ، يعني: ظلمات الذّنوب إلى نور التّوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من الله ـ عزّ وجلّ. وقال:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ) [قال:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) .
قال: فقال: وأي نور للكافر وهو كافر فأخرج من الظّلمات؟ إنّما عنى الحجج(١) : (كذا في تفسير العيّاشيّ) إنّما عنى [الله](٢) بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام. فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر. ليس من الله، خرجوا بولايتهم(٣) من نور الإسلام، إلى ظلمات الكفر.
فأوجب الله(٤) لهم النّار، مع الكفّار.( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .(٥) ] [وفي شرح الآيات الباهرة، مثلة، سواء(٦) ].(٧)
وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه(٨) ـ بإسناده إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه تلا هذه الآية:( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) قيل: يا رسول الله! من أصحاب النّار؟
قال: من قاتل عليّا بعدي. فأولئك أصحاب النّار مع الكفّار. فقد كفروا بالحقّ لـمّا جاءهم.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) ، متّصلا بما سبق.
__________________
(١) «إنّما عنى الحجج» ليس في المصدر.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: بولايتهم إيّاهم.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) ما بين المعقوفتين يوجد في تفسير العياشي ١ / ١٣٨، ح ٤٦٠ وليس في الكافي.
(٦) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٤.
(٧) ليس في أ.
(٨) أمالي الشيخ ١ / ٣٧٤.
(٩) تفسير القمي ١ / ٨٤ ـ ٨٥.
( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) قال: ما بين أيديهم من أمور الأنبياء وما كان وما خلفهم لم يكن بعد.
( إِلَّا بِما شاءَ ) ، أي: بما يوحى إليهم.
( وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ) ، أي: لا يثقل عليه حفظهما في السّماوات وما في الأرض.
قوله:( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) ، أي: لا يكره أحد على دينه إلّا بعد أن تبيّن له وتبيّن له الرّشد من الغيّ.
( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ ) الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم.
قوله:( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) ، يعني: الولاية.
( لَا انْفِصامَ لَها ) ، أي: حبل لا انقطاع له.
قوله:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ) ، يعني: أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام.
( يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) وهم الظّالمون آل محمّد.
( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) . وهم الّذين تبعوا من غصبهم.
( يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
والحمد لله ربّ العالمين. كذا نزلت].(١)
( أَلَمْ تَرَ ) : تعجيب.
( إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ) ، وهو نمرود.
( أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ ) : لأن أتاه، أي: أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجّة، أو حاجّ لأجله شكرا له على طريق العكس، كقولك: عاديتني لأن أحسنت إليك، أو وقت أن أتاه الملك.
قيل(٢) : وهو حجّة على من منع إيتاء الله الملك الكافر.
وفيه احتمال كون معنى الإيتاء التّخلية، فلا يكون حجّة عليه.
وفي كتاب الخصال(٣) ، عن محمّد بن خالد، بإسناده رفعه قال: ملك الأرض كلّها أربعة مؤمنان وكافران. فأمّا المؤمنان: فسليمان بن داود، وذو القرنين. وأمّا الكافران: نمرود وبخت نصر.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٥.
(٣) الخصال ١ / ٢٥٥، ح ١٣٠.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبي بصير قال: لـمّا دخل يوسف على الملك قال له: كيف أنت يا إبراهيم؟
قال: إنّي لست بإبراهيم. أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
قال: وهو صاحب إبراهيم الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه.
قال: وكان أربعة مائة سنة شابّا.
وفي مجمع البيان(٢) : واختلف في وقت المحاجّة. قيل: بعد إلقائه في النّار، وجعلها بردا وسلاما ـ عن الصّادق عليه السّلام.
( إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ) :
ظرف لحاجّ، أو بدل من أتاه على الوجه الثّاني.
( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) : يخلق الحياة والموت في الأجساد. وقرأ حمزة: ربّ.
(بحذف الياء).
( قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) : بالعفو عن القتل والقتل.
وقرأ نافع: انا (بالألف.)( قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ) : أعرض إبراهيم عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه، على نحو هذا التّمويه، دفعا للمشاغبة. فهو في الحقيقة عدول عن مثال خفيّ إلى مثال جليّ، من مقدوراته الّتي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا من حجّة إلى أخرى. ولعلّ نمرود زعم أنّه يقدر أن يفعل كلّ جنس(٣) يفعله الله. فنقضه إبراهيم ـ عليه السّلام ـ بذلك. وإنّما حمله عليه بطر الملك وحماقته.
( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) : فصار مبهوتا.
وقرئ فبهت، أي: فغلب إبراهيم الكافر.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (٢٥٨): الّذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية.
وقيل(٤) : لا يهديهم محجّة الاحتجاج، أو سبيل النّجاة، أو طريق النّجاة يوم القيمة.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٣٩، ح ٤٦٣.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣٦٧.
(٣) أ: فعل. (ظ)
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٣٥.
في روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حجر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: خالف إبراهيم ـ صلّى الله عليه وآله ـ قومه، وعاب آلهتهم حتّى أدخل على نمرود. فخاصمهم. فقال إبراهيم: «ربّي الّذي (إلى آخر الآية.)
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٢) ، بإسناده إلى حنان بن سدير قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر: أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، ونمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه.
الحديث يأتي بقيّته.
وفيه بإسناده(٣) إلى إسحاق بن عمّار الصّيرفيّ، عن أبي الحسن الماضي، في حديث طويل يقول في آخره: وإنّ في جوف تلك الحيّة، لسبع صناديق، فيها خمسة من الأمم السّالفة واثنان من هذه الأمّة.
قال: قلت: جعلت فداك! ومن الخمسة؟ ومن الاثنان؟
قال: أمّا الخمسة: فقابيل الّذي قتل هابيل، ونمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، قال:( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) .، وفرعون الّذي قال:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) .، ويهود الّذي هوّد اليهود، وبولس الّذي نصر النّصارى. ومن هذه الأمة، أعرابيّان.
( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ) : تقديره: «أو رأيت.» فحذف لدلالة «ألم تر عليه. وتخصيصه بحرف التّشبيه، لأنّ المنكر للإحياء كثير والجاهل بكيفيّته أكثر من أن يحصى، بخلاف مدّعي الرّبوبيّة.
وقيل(٤) : الكاف مزيدة. وتقدير الكلام: «ألم تر إلى الّذي مرّ.» وقيل(٥) : إنّه عطف محمول على المعنى. كأنّه قيل: ألم تر كالّذي حاجّ، أو كالّذي مرّ.
وقيل(٦) : إنّه من كلام إبراهيم ذكره جواب المعارضة(٧) ، تقديره: «أو إن كنت
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٦٨، ح ٥٥٩.
(٢) ثواب الأعمال / ٢٥٥، ح ١.
(٣) ثواب الأعمال / ٢٥٦.
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ١٣٥.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) أ: جوابا لمعارضته. (ظ)
تحيى فأحي كإحياء الله.» ويؤيّده ما روى عن الصّادق ـ عليه السّلام(١) : أنّ إبراهيم قال له: أحي من قتلته، إن كنت صادقا.
قال البيضاويّ(٢) : الّذي مرّ، عزيز بن شرحيا، أو الخضر، أو كافر بالبعث. ويؤيّده نظمه مع نمرود.
وفي مجمع البيان(٣) : «أو كالّذي مرّ» هو عزير. وهو المرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
وقيل(٤) : هو إرميا. وهو المرويّ عن أبي جعفر ـ عليه السّلام.
أقول: أمّا ما يدلّ على أنّه عزير :
فما روى ـ أيضا ـ عن عليّ ـ عليه السّلام(٥) . أنّ عزيرا خرج من أهله وامرأته حبلى. وله خمسون سنة. فأماته الله مائة سنة. ثمّ بعثه. فرجع إلى أهله ابن خمسين. وله ابن. له مائة سنة. فكان ابنه أكبر منه. فذلك من آيات الله.
وما رواه في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل، وقد ذكر بخت نصر، وأنّه قتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريا(٧) ـ عليهما السّلام ـ وخرّب بيت المقدس، وتفرّقت اليهود في البلدان، وفي سبع(٨) وأربعين سنة من ملكه، بعث الله ـ عزّ وجلّ ـ العزير نبيّا إلى أهل القرى الّتي أمات الله ـ عزّ وجلّ ـ أهلها، ثمّ بعثهم له وكانوا من قرى شتّى، فهربوا فرقا من الموت، فنزلوا في جوار عزير وكانوا مؤمنين، وكان عزير يختلف إليهم، ويسمع كلامهم وإيمانهم، وأحبّهم على ذلك، وآخاهم عليه، فغاب عنهم يوما واحدا، ثمّ أتاهم فوجدهم موتى صرعى، فحزن عليهم، وقال:( أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ) تعجّبا منه حيث أصابهم، وقد ماتوا أجمعين في يوم واحد، فأماته الله ـ عزّ وجلّ ـ عند ذلك مائة عام، وهي(٩) مائة سنة ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٦٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٥.
(٣ و ٤) مجمع البيان ١ / ٣٧٠.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢٢٦، ح ٢٠.
(٧) كذا في أ. وفي الأصل ور: زكريا بن يحيى.
(٨) النسخ: سبعة. وما في المتن موافق المصدر.
(٩) المصدر: فلبث وهم. (ظ)
ثمّ بعثه الله وايّاهم، وكانوا مائة ألف مقاتل، ثمّ قتلهم الله أجمعين، لم يفلت منهم أحد على يدي بخت نصر.
وما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره(١) : قال: حدّثني أبي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر بن عبد الله الثّقفيّ قال: أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ من المدينة إلى الشّام، وكان ينزله(٢) معه، وكان يقعد مع النّاس في مجالسهم. فبينا هو قاعد، وعنده جماعة من النّاس، يسألونه إذ نظر إلى النّصارى يدخلون في جبل هناك. فقال: ما لهؤلاء؟ ألهم عيد اليوم؟
فقالوا: لا يا ابن رسول الله! لكنّهم يأتون عالما في هذا الجبل، في كلّ سنة في [مثل](٣) هذا اليوم. فيخرجونه. فيسألونه عمّا يريدون، وعمّا يكون في عامهم.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: وله علم؟
فقالوا: هو من أعلم النّاس. قد أدرك أصحاب الحواريّين من أصحاب عيسى ـ عليه السّلام.
قال: فهل(٤) نذهب إليه؟
قالوا: ذاك إليك، يا ابن رسول الله! قال: فقنّع أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ رأسه بثوبه. ومضى هو وأصحابه. فاختلطوا بالنّاس حتّى أتوا الجبل. فقعد أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ وسط النصارى هو وأصحابه.
وأخرج النّصارى بساطا. ثمّ وضعوا الوسائد. ثمّ دخلوا. فأخرجوه. ثمّ ربطوا عينيه. فقلب عينيه. كأنّهما عينا افعى. ثمّ قصد أبا جعفر ـ عليه السّلام.
فقال: يا شيخ(٥) ! أمنّا أنت أم من الأمّة المرحومة؟
فقال: أبو جعفر ـ عليه السّلام: بل(٦) من الأمّة المرحومة.
فقال: أفمن علمائهم أنت أم من جهّالهم؟
قال: لست من جهّالهم.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٩٨.
(٢) أ: فأنزله. ر: ما ينزله. وما في المتن موافق المصدر. والكلمة في الأصل غير واضحة.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: لهم.
(٥ و ٦) ليس في المصدر.
فقال النّصرانيّ: أسألك أم تسألني؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: سلني.
فقال النّصراني: يا معشر النّصارى! رجل من أمّة محمّد يقول سلني(١) . إنّ هذا لعالم بالمسائل.
ثمّ قال: يا عبد الله! أخبرني عن ساعة ما هي من اللّيل ولا هي من النّهار، أي ساعة هي؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.
(إلى أن قال النّصرانيّ :) فأسالك أو تسألني؟
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: سلني.
فقال: يا معشر النّصارى! والله لأسألنّه مسألة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل.
فقال له: سل.
فقال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت باثنين(٢) ، حملتهما جميعا في ساعة واحدة، وولدتهما(٣) في ساعة واحدة، وماتا في ساعة واحدة، ودفنا(٤) في قبر واحد، عاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: هما عزير وعزرة: كانا(٥) حملت أمّهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت. وعاش عزير وعزرة كذا وكذا(٦) سنة. ثمّ أمات الله ـ تبارك وتعالى ـ عزيرا مائة سنة(٧) . ثمّ بعث الله عزيرا فعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة(٨) . وماتا كلاهما(٩) في ساعة واحدة(١٠) .
فقال النّصرانيّ: يا معشر النّصارى! ما رأيت بعيني قط أعلم من هذا الرّجل.
لا تسألوني عن حرف وهذا بالشّام. ردّوني [إلى كهفي](١١) .
__________________
(١) المصدر: أسألني.
(٢) المصدر: فحملت منه بابنين.
(٣) المصدر: ووضعتها.
(٤) المصدر: ودفنا في ساعة واحدة.
(٥) المصدر: كانت.
(٦) المصدر: ثلاثين، بدل «كذا وكذا.»
(٧) يوجد في المصدر بعد هذه الجملة: وبقي غررة يحيى.
(٨) المصدر: عشرين سنه، بدل «هذه الخمسين سنه.»
(٩) المصدر: جميعا.
(١٠) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: فدفنا في قبر واحد.
(١١) يوجد في المصدر.
فقال(١) : فردّوه إلى كهفه. ورجع النّصارى مع أبي جعفر ـ صلوات الله عليه.
وما رواه العيّاشيّ(٢) في تفسيره: [أبو طاهر العلويّ ،](٣) عن عليّ بن محمّد العلويّ، عن عليّ بن مرزوق، عن إبراهيم بن محمّد قال: ذكر جماعة من أهل العلم: أنّ ابن الكوّاء قال لعليّ ـ عليه السّلام: يا أمير المؤمنين! ما ولد أكبر من أبيه من أهل الدّنيا؟
قال [نعم].(٤) أولئك ولد عزير، حين مرّ على قرية خربة، وقد جاء من ضيعة له تحته حمار ومعه سلّة(٥) ، فيها تين وكوز، فيه عصير. فمرّ على قرية خربة. فقال:( أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ) . فأماته الله مائة عام. فتوالد ولده. وتناسلوا. ثمّ بعث الله إليه. فأحياه في المولد(٦) الّذي أماته فيه. فأولئك ولد(٧) أكبر من أبيه.
وأمّا ما يدلّ على أنّه إرميا :
فما رواه العيّاشيّ، أيضا، في تفسيره(٨) : عن أبي بصير(٩) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، قالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ) ، فقال: إنّ الله بعث على بني إسرائيل نبيّا، يقال له: إرميا.
فقال(١٠) لهم: ما بلد تنقيته من كرائم البلدان، وغرس فيه من كرائم الغرس. وتنقيته من كلّ غرس.(١١) فأخلف. فأنبت خرنوبا.
قال: فضحكوا. واستهزؤا به. فشكاهم إلى الله.
قال: فأوحى الله إليه أن: قل لهم: إنّ البلد بيت المقدس، والغرس بنو إسرائيل، تنقيته من كلّ غرس(١٢) . ونحيّت عنهم كلّ جبّار. فأخلفوا. فعملوا المعاصي. فلا سلّطنّ عليهم في بلدهم من يسفك دماءهم، ويأخذ أموالهم. فإن بكوا(١٣) لي، لم أرحم(١٤) بكاءهم.
وإن دعوا، لم أستجب دعاءهم. فشلتهم. وفشلت. ثمّ لأخرّبنّها مائة عام. ثمّ لأعمّرنّها.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٤١، ح ٤٦٧.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) المصدر: شنّة.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ. الموتى.
(٧) هكذا في أ. وفي الأصل ور: ولده. (٨) نفس المصدر ١ / ١٤٠، ح ٤٦٦.
(٩) يوجد في أ، فقط.(١٠) المصدر: فقال: قل.
(١١ و ١٢) المصدر: غريبة.
(١٣) المصدر: إلىّ.
(١٤) المصدر: فلم ارحم.
فلمّا حدّثهم، جزعت العلماء. فقالوا: يا رسول الله! ما ذنبنا نحن؟ ولم نكن نعمل بعملهم. فعاود لنا ربّك.
فصام سبعا. فلم يوح إليه شيء. فأكل أكلة. ثمّ صام سبعا. فلم يوح إليه شيء.
فأكل أكلة. ثمّ صام سبعا. فلمّا أن كان اليوم الواحد والعشرين، أوحى الله إليه: لترجعنّ عمّا تصنع. أتراجعني في أمر قضيته، أو لأردّنّ وجهك على دبرك.
ثمّ أوحى الله إليه: قل لهم: لأنّكم رأيتكم المنكر. فلم تنكروه.
فسلّط الله عليهم. بخت نصر. فصنع بهم ما قد بلغك. ثمّ بعث بخت نصر إلى النبيّ. فقال: إنّك قد نبّئت عن ربّك. وحدّثتهم بما أصنع بهم. فإن شئت فأقم عندي فيمن شئت. وإن شئت فاخرج.
فقال: لا بل أخرج.
فتزوّد عصيرا وتينا. وخرج. فلمّا أن غاب مدّ البصر، التفت إليها. فقال:( أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها. فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ) .
أماته غدوة. وبعثه عشيّة قبل أن تغيب الشّمس. وكان أوّل شيء خلق منه عيناه في مثل غرقئ البيض.
ثمّ قيل له:( كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً ) .
فلمّا نظر إلى الشّمس، لم تغب، قال:( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ، لَمْ يَتَسَنَّهْ. وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ) ؟
قال: فجعل ينظر إلى عظامه، كيف يصل بعضها إلى بعض. ويرى العروق كيف تجري. فلمّا استوى قائما( قالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
وفي رواية هارون: فتزوّد عصيرا ولبنا.
عن جابر(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هكذا: ألم تر إلى العظام كيف ننشزها ثمّ نكسوها لحما. فلمّا تبيّن له.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٤١، ح ٤٦٧.
قال: ما تبيّن لرسول الله أنّها في السّموات، قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله :( أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . سلم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للرّب. وآمن بقول الله فلمّا تبيّن له. قال: أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير.
وما رواه الشّيخ الطبرسيّ، في احتجاجه(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل يقول فيه ـ عليه السّلام: وأمات الله إرمياء النّبيّ ـ عليه السّلام ـ الّذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاه بخت نصر، فقال:( أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَ ) أحياه. ونظر إلى أعضائه [كيف يلتئم وكيف يلبس اللّحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل. فلمّا استوى قاعدا قال:( أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
وما رواه عليّ بن إبراهيم، في تفسيره(٢) : قال حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا عملت بنو إسرائيل المعاصي وعتوا عن أمر ربّهم، أراد الله أن يسلّط عليهم من يذلّهم ويقتلهم. فأوحى الله إلى إرميا: يا إرميا! ما بلد انتخبته من بين البلدان، وغرست فيه من كرائم الشّجر؟ فأخلف. فأنبت خرنوبا.
فأخبر إرميا أخيار بني إسرائيل. فقالوا له: راجع ربّك ليخبرنا ما معنى هذا المثل.
فصام إرميا سبعا. فأوحى الله إليه: يا إرميا! أمّا البلد، فبيت المقدس. [وأمّا الغرس، فإسرائيل وكرام ولده].(٣) وأمّا ما أنبت فيها، فبنو إسرائيل الّذين أسكنتهم فيه.
فعملوا بالمعاصي. وغيّروا ديني. وبدّلوا نعمتي كفرا. فبي حلفت لأمتحنّهم بفتنة يضلّ الحكيم منها(٤) حيرانا. ولأسلّطنّ عليهم شرّ عبادي ولادة. وشرّهم مطعما(٥) . وليتسلّطنّ عليهم بالجبريّة. فيقتل مقاتليهم. ويسبي حريمهم. ويخرّب بيتهم(٦) الّذي يعتزّون(٧) به. ويلقى حجرهم الّذي يفتخرون به على النّاس في المزابل مائة سنة.
وأخبر إرميا أخيار(٨) بني إسرائيل. فقالوا له: راجع ربّك فقل له: ما ذنب الفقراء
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ٨٨.
(٢) تفسير القمي ١ / ٨٦ ـ ٩١.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: فيها.
(٥) المصدر: طعاما.
(٦) المصدر: ديارهم.
(٧) المصدر: يفترون.
(٨) المصدر: أحبار.
والمساكين والضّعفاء؟
فصام إرميا سبعا. ثمّ أكل أكلة. فلم يوح إليه شيء. ثمّ صام(١) سبعا. فأوحى الله إليه: يا إرميا! لتكفّنّ عن هذا أو لأردّنّ وجهك إلى(٢) قفاك.
قال: ثمّ أوحى الله إليه: قل لهم: لأنّكم رأيتم المنكر، فلم تنكروه.
فقال إرميا: ربّ! أعلمني من هو حتّى آتيه. وأخذ لنفسي وأهل بيتي منه أمانا.
فقال: ائت موضع كذا وكذا. فانظر إلى غلام أشدّهم زمنا(٣) ، وأخبثهم ولادة، وأضعفهم جسما، وأشرّهم غذاء. فهو ذاك.
فأتى إرميا ذلك البلد. فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان.
وإذا له أمّ تزبي بالكسر. وتفتّ الكسر بالقصعة. وتحلب عليه لبن(٤) خنزيرة لها. ثمّ تدنيه من ذلك الغلام. فيأكله.
فقال إرميا: إن كان في الدّنيا الّذي وصفه(٥) الله، فهو هذا.
فدنا منه. فقال له: ما اسمك؟
فقال: بخت نصر.
فعرف أنّه هو. فعالجه حتّى برئ. ثمّ قال له: أتعرفني؟
قال: لا. أنت رجل صالح.
قال: أنا إرميا، نبيّ بني إسرائيل. أخبرني الله أنّه سيسلّطك على بني إسرائيل.
فتقتل رجالهم. وتفعل بهم كذا وكذا.
فتاه الغلام في نفسه في ذلك الوقت.
ثمّ قال إرميا: اكتب لي كتابا بأمان منك.
فكتب له كتابا. وكان يخرج إلى(٦) الجبل. ويحتطب. ويدخل المدينة. ويبيعه.
فدعا إلى حرب بني إسرائيل(٧) . وكان مسكنهم في بيت المقدس. فأجابوه(٨) . وأقبل بخت نصر
__________________
(١) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: وأكل أكلة ولم يوح إليه. ثم صام سبعا.
(٢) المصدر: في.
(٣) المصدر: زمانا.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) وضعه.
(٦) المصدر: في.
(٧) المصدر: إلى حرب بني إسرائيل وأجابوه.
(٨) ليس في المصدر.
فيمن أجابه(١) نحو بيت المقدس، وقد اجتمع إليه بشر كثير. فلمّا بلغ إرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له، ومعه الأمان الّذي كتبه له بخت نصر. فلم يصل إليه إرميا من كثرة جنوده وأصحابه. فصير الأمان على خشبة(٢) . ورفعها.
فقال: من أنت؟
فقال: أنا إرميا النّبيّ الّذي بشّرتك بأنّك سيسلّطك الله على بني إسرائيل. وهذا أمانك لي.
قال: أمّا أنت فقد آمنتك. وأمّا أهل بيتك فإنّي أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس.
فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس، فلا أمان لهم عندي. وإن لم تصل، فهم آمنون.
وانتزع قوسه. ورمى نحو بيت المقدس. فحملت الرّيح النّشابة حتّى علقتها في بيت المقدس.
فقال: لا أمان لهم عندي.
فلمّا وافى نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة، وإذا دم يغلي وسطه. كلّما ألقي عليه التّراب خرج وهو يغلي.
فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا دم نبيّ كان لله. فقتله ملوك بني إسرائيل. ودمه يغلي. كلّما ألقينا عليه التّراب، خرج يغلي.
فقال بخت نصر: لأقتلنّ بني إسرائيل أبدا حتّى يسكن هذا الدّم.
وكان ذلك الدّم، دم يحيى بن زكريا ـ عليهما السّلام. وكان في زمانه ملك جبّار يزني بنساء بني إسرائيل. وكان يمرّ بيحيى بن زكريا، فقال له يحيى: اتّق الله، أيّها الملك! لا يحلّ لك هذا.
فقالت له امرأة من اللّواتي كان يزنى بهنّ حين سكر: أيّها الملك! اقتل يحيى.
فأمر أن يؤتى برأسه. فأتي رأس يحيى ـ عليه السّلام ـ في طشت. وكان الرّأس يكلّمه. ويقول: «يا هذا! اتّق الله. لا يحلّ لك هذا.» ثمّ غلا الدّم في الطّشت، حتّى فاض إلى الأرض. فخرج يغلي. ولا يسكن. وكان بين قتل يحيى وبين خروج بخت نصر، مائة سنة. فلم يزل بخت نصر يقتلهم. وكان يدخل قرية قرية، فيقتل الرّجال والنّساء
__________________
(١) «فيمن أجابه» ليس في المصدر.
(٢) المصدر: قصبة.
والصّبيان وكلّ حيوان. والدّم يغلي. ولا يسكن. حتّى أفنى(١) من بقي منهم.
ثمّ قال: بقي أحد في هذه البلاد؟
قالوا: عجوز في موضع كذا وكذا.
فبعث إليها. فضرب عنقها على الدّم. فسكن. وكانت آخر من بقي. ثمّ أتى بابل فبنى بها مدينة. وأقام. وحفر بئرا. فألقى فيها دانيال. وألقى معه اللّبوة. فجعلت اللّبوة تأكل طين البئر ويشرب دانيال لبنها. فلبث بذلك زمانا. فأوحى الله إلى النّبيّ الّذي كان في بيت المقدس أن: اذهب بهذا الطّعام والشّراب إلى دانيال. واقرأه منّي السّلام.
قال: وأين هو يا ربّ؟
قال: هو في بئر بابل. في موضع كذا وكذا.
قال: فأتاه. فاطّلع في البئر.
فقال: يا دانيال! قال: لبّيك صوت غريب.
قال: إنّ ربّك يقرئك السّلام. وقد بعث إليك بالطّعام والشّراب.
فدلّاه(٢) إليه.
قال: فقال دانيال: [الحمد لله الّذي لا ينسى من ذكره].(٣) الحمد لله الّذي لا يخيب من دعاه. الحمد لله الّذي من توكّل عليه كفاه(٤) . الحمد لله الّذي من وثق به لم يكله إلى غيره. الحمد لله الّذي يجزي بالإحسان إحسانا. الحمد لله الّذي يجزي بالصّبر نجاة. الحمد لله الّذي يكشف ضرّنا عند كربتنا. (و) الحمد لله الّذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل منّا.
الحمد لله الّذي هو رجاؤنا حين ساء ظنّنا بأعمالنا.
قال: فأري بخت نصر في نومه كانّ رأسه من حديد، ورجليه من نحاس، وصدره من ذهب.
قال: فدعا المنجّمين. فقال لهم: ما رأيت في المنام(٥) ؟
__________________
(١) المصدر: أفناهم.
(٢) المصدر: فأدلاه.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) يوجد في المصدر بعد هذه الفقرة: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره. الحمد لله الذي لا يخيّب من دعاه.
(٥) ليس في المصدر.
قالوا: لا ندري(١) . ولكن قصّ علينا ما رأيت.
فقال: وأنا أجري عليكم الأرزاق منذ كذا وكذا ولا تدرون ما رأيت في المنام.
فأمر بهم. فقتلوا.
قال: فقال له بعض من كان عنده: إن كان عند احد شيء، فعند صاحب الجبّ.
فإنّ اللّبوة لم تعرض له. وهي تأكل الطّين. وترضعه.
فبعث إلى دانيال. [وأحضره عنده].(٢) فقال: ما رأيت في المنام؟
فقال: رأيت كأنّ رأسك من كذا(٣) ، ورجليك من كذا(٤) ، وصدرك من كذا(٥) .
قال: هكذا رأيت. فما ذاك؟
قال: قد ذهب ملكك. وأنت مقتول إلى ثلاثة أيّام. يقتلك رجل من ولد فارس.
قال: فقال له: إنّ عليّ لسبع مدائن، على باب كلّ مدينة حرس. وما رضيت بذلك حتّى وضعت بطّة من نحاس على باب كلّ مدينة. لا يدخل عليه غريب إلّا صاحت عليه، حتّى يؤخذ.
قال: فقال له: إنّ الأمر كما قلت لك.
قال: فبثّ الخيل. وقال: لا تلقون أحدا من الخلق إلّا قتلتموه، كائنا ما كان.
وكان دانيال جالسا عنده. وقال: لا تفارقني هذه الثّلاثة الأيّام فإن مضت قتلتك.
فلمّا كان في اليوم الثّالث ممسيّا أخذه الغمّ. فخرج. فتلقّاه](٦) غلام كان يخدم ابنا له من أهل فارس. وهو لا يعلم أنّه من أهل فارس. فرفع(٧) إليه سيفه. وقال له: يا غلام! لا تلق أحدا من الخلق إلّا وقتلته وإن لقيتني.
فأخذ الغلام سيفه، فضرب به بخت نصر. فقتله. وخرج إرميا على حماره. ومعه تين قد تزوّده وشيء من عصير. فنظر إلى سباع البرّ، وسباع البحر، وسباع الجوّ تأكل تلك
__________________
(١) المصدر: ما ندري.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: حديد.
(٤) المصدر: نحاس.
(٥) المصدر: ذهب.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) لعله الصواب: فدفع.
الجيف. ففكّر في نفسه ساعة. ثمّ قال: أنّى يحيى الله هؤلاء. وقد أكلتهم السّباع.
فأماته الله مكانه. وهو قول الله تعالى:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) ، أي: أحياه.
فلمّا رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر، ردّ بني إسرائيل إلى الدّنيا. وكان عزير لـمّا سلّط الله بخت نصر على بني إسرائيل، هرب ودخل في عين. وغاب فيها. وبقي إرميا ميّتا مائة سنة. ثمّ أحياه الله. فأوّل ما أحيى منه عينيه في مثل غرقئ البيض. فنظر.
فأوحى الله إليه:( كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً ) .
ثمّ نظر إلى الشّمس قد ارتفعت. فقال:( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .
فقال الله تبارك وتعالى:( بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) ، أي: لم يتغيّر.( وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ. وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ) .
فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، وإلى اللّحم الّذي قد أكلته السّباع يتآلف إلى العظام، من هاهنا وهاهنا، ويلتزق بها حتّى قام وقام بها حماره.
فقال:( أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
فقد ظهر لك من تلك الأخبار، أنّ تلك الحكاية وقعت بالنّظر إلى عزير وإرميا، كليهما. ويمكن أن يكون قوله: «أو كالّذي مرّ على قرية إشارة إلى كليهما على سبيل البدل.
والقرية بيت المقدس حين خرّبه بخت نصر.
وقيل(١) : القرية التي خرج منها الألوف.
وقيل(٢) : غيرهما.
واشتقاقها من القرى. وهو الجمع.
( وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) : خالية ساقطة حيطانها على سقوفها.
( قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ) : اعتراف بالقصور عن معرفة طريق الإحياء واستعظام، لقدرة المحيي.
و «أنّى» في موضع نصب، على الظّرف، بمعنى متى، أو على الحال، بمعنى كيف.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٥.
( فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ) : فألبثه ميّتا مائة عام.
( ثُمَّ بَعَثَهُ ) بالإحياء.
( قالَ ) ، أي: الله.
وقيل(١) : ملك أو نبىّ آخر.
( كَمْ لَبِثْتَ؟ قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) :
قال: قبل النّظر إلى الشّمس: «يوما.» ثمّ التفت فرأى بقيّة منها، فقال:( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) ، على الإضراب.
( قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ) : لم يتغيّر بمرور الزّمان.
واشتقاقه من «السّنه» و «الهاء»، أصليّة إن قدّر «لام» السّنه «هاء»، و «هاء» سكت إن قدّرت «واوا.» وقيل(٢) : أصله لم يتسنّن، من الحمأ المسنون. فأبدل النّون الثّالثة حرف علّة، كتقضّى البازي. وإنّما أفرد الضّمير، لأنّ الطّعام والشّراب كالجنس الواحد. وقد سبق في الخبر أنّ طعامه كان تينا، وشرابه عصيرا ولبنا. وكان الكلّ على حاله.
وقرأ حمزة والكسائيّ(٣) : لم يتسنّ (بغير الهاء في الوصل.)( وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ ) كيف تفرّقت عظامه، أو انظر إليه سالما في مكانه، كما ربطته.
( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) ، أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية.
( وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ ) ، يعني: عظام الحمار، أو عظام الموتى التي تعجّب من إحيائها، أو عظامه.
( كَيْفَ نُنْشِزُها ) : كيف نحييها، أو نرفع بعضها إلى بعض.
و «كيف» منصوب «بننشزها.» والجملة حال من العظام، أي: انظر إليها محياة.
__________________
(١) نفس المصدر: ١ / ١٣٦.
(٢) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٣) نفس المصدر ونفس الموضع.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: ننشزها، من انشز الله الموتى.
وقرئ: ننشزها، من نشزهم، بمعنى: أنشزهم.
( ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) :
فاعل «تبيّن» مضمر. يفسّره ما بعده. تقديره: فلمّا تبيّن له أنّ الله على كلّ شيء قدير.
( قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢٥٩) :
فحذف الأوّل، لدلالة الثّاني عليه، أو ما قبله، أي: فلمّا تبيّن له ما أشكل عليه.
وقرأ حمزة والكسائيّ: قال اعلم على الأمر.
والأمر مخاطبه، أو هو نفسه خاطبها به، على طريقة التّبكيت.
( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) :
قيل(١) : إنّما سأل ذلك ليصير علمه عيانا.
وقيل(٢) : لـمّا قال نمرود: «أنا أحي وأميت»، قال له: «إنّ إحياء الله تعالى برد الرّوح إلى بدنها»، فقال نمرود: «هل عاينته؟» فلم يقدر أن يقول «نعم.» وانتقل إلى تقدير آخر. ثمّ سأل ربّه أن يريه ليطمئنّ قلبه، على الجواب إن سئل عنه مرّة أخرى.
( قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ) بأنّي قادر على الإحياء.
قال ذلك له. وقد علم أنّه آمن ليجيب بما أجاب به. فيعلم السّامعون غرضه.
( قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ، أي: بلى آمنت. ولكن سألته لأزيد بصيرة بمضامّة العيان إلى الوحي.
وفي محاسن البرقيّ(٣) : عنه، عن محمّد بن عبد الحميد، عن صفوان بن يحيى قال: سألت أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن قول الله لإبراهيم:( أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ، أكان في قلبه شكّ؟
قال: لا. كان على يقين. ولكنّه أراد من الله الزّيادة في يقينه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) عن عليّ بن أسباط: أنّ أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) أكان في قلبه شكّ؟
قال: لا ولكنّه أراد من الله الزّيادة في يقينه.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٧٢.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٦.
(٣) المحاسن / ١٩٤، ح ٢٤٩.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٤٣، ح ٤٧٢.
قال: والجزء واحد من عشرة.
وفي روضة الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا رأى إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ملكوت السّماوات والأرض، التفت. فرأى جيفة على ساحل البحر، نصفها في الماء ونصفها في البرّ. تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء. ثمّ ترجع. فيشدّ بعضها على بعض. فيأكل بعضها بعضا. وتجيء سباع البرّ، فتأكل منها. فيشدّ بعضها على بعض. فيأكل بعضها بعضا. فعند ذلك تعجّب إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ممّا رأى: فقال:( رَبِّ! أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) . قال: كيف تخرج ما تناسل الّتي أكل بعضها بعضا؟
( قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ، يعنى: حتّى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلّها.
( قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) .
فقطّعهنّ. وأخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السّباع الّتي أكل بعضها بعضا. فخلط ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا.( ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ) .
فلمّا دعاهنّ أجبنه. وكانت الجبال عشرة.
[وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبيه، عن نصر بن قابوس قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام: إذا أحببت أحدا من إخوانك فاعلمه ذلك. فإنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ قال:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى. وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ].(٣)
( قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ) : نسرا وبطّا وطاوسا وديكا.
وروي(٤) : الطّاووس والحمامة والدّيك والهدهد.
وروى(٥) : الدّيك والحمامة والطّاووس والغراب.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٠٥، ح ٤٧٣.
(٢) الكافي ٢ / ٦٤٤، ح ١.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) مجمع البيان ١ / ٣٧٣.
(٥) نفس المصدر ونفس الموضع.
وخصّ الطّير لأنّه أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواصّ الحيوان. والطير سمّى به، أو جمع، كصحب.
( فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) : واضممهنّ إليك لتتأمّلها وتتعرّف شأنها، لئلا يلتبس عليك بعد الإحياء.
وقرأ حمزة ويعقوب: فصرهنّ (بالكسر.) وهما لغتان.
وقرئ: فصرّهنّ (بضمّ الصّاد وكسرها، مشدّدة الرّاء) من صرّه يصرّه، إذا جمعه.
وفصرهنّ من التّصرية. وهي الجمع، أيضا.
( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) :
وقرأ أبو بكر: جزءا (بضمّ الزّاي) حيث وقع، أي: ثمّ جزئهنّ.
وفرّق أجزاءهنّ على الجبال الّتي بحضرتك.
( ثُمَّ ادْعُهُنَ ) : بأسمائهن.
( يَأْتِينَكَ سَعْياً ) : مسرعات طيرانا.
( وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يعجز عمّا يريد.
( حَكِيمٌ ) (٢٦٠) ذو حكمة بالغة في كلّ ما يفعله ويذره.
وفي عيون الأخبار(١) : حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رض ـ قال :
حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النّيسابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا ـ عليه السّلام. فقال له المأمون: يا بن رسول الله! أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ: و( عَصى آدَمُ رَبَّهُ ) (إلى أن قال) فأخبرني عن قول إبراهيم:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .
قال الرّضا ـ عليه السّلام: إنّ الله تعالى كان أوحى إلى إبراهيم ـ عليه السّلام: «إنّي متّخذ من عبادي خليلا. إن سألني إحياء الموتى، أجبته.» فوقع في نفس إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أنّه ذلك الخليل. فقال :
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ١ / ١٥٥، ح ١.
( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟ قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) على الخلّة.
( قالَ: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً. ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً. وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .
فأخذ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ نسرا وبطّا(١) وطاوسا وديكا. فقطّعهنّ. وخلطهنّ.
ثمّ جعل على كلّ جبل من الجبال الّتي(٢) حوله. وكانت عشرة منهنّ جزء. وجعل مناقيرهنّ بين أصابعه. ثمّ دعاهنّ بأسمائهنّ. ووضع عنده حبّا وماء. فتطايرت تلك الأجزاء، بعضها إلى بعض، حتّى استوت الأبدان. وجاء كلّ بدن حتّى انضمّ إلى رقبته ورأسه.
فخلّى إبراهيم عن مناقيرهنّ. فطرن. ثمّ وقعن. فشربن من ذلك الماء. والتقطن من ذلك الحبّ. وقلن: يا نبيّ الله! أحييتنا، أحياك الله.
فقال إبراهيم ـ عليه السّلام: بل الله يحيي ويميت. وهو على كلّ شيء قدير.
قال المأمون: بارك الله فيك، يا أبا الحسن!
وفيه(٣) ، في باب استسقاء المأمون بالرّضا ـ عليه السّلام ـ بعد جرى كلام بين الرّضا ـ عليه السّلام ـ وبعض أهل النّصب، من حجّاب المأمون ـ لعنهم الله: فغضب الحاجب عند ذلك فقال: يا ابن موسى! لقد عدوت طورك وتجاوزت قدرك. إن بعث الله تعالى بمطر يقدر(٤) وقته، لا يتقدّم ولا يتأخّر، جعلته آية تستطيل بها، وصولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم ـ عليه السّلام ـ لـمّا أخذ رؤوس الطّير بيده، ودعا أعضاءها الّتي كان فرّقها على الجبال، فأتينه سعيا، وتركبن على الرّؤوس، وخفقن وطرن بإذن الله ـ عزّ وجلّ. فإن كنت صادقا فيما توهّم، فأحي هذين وسلّطهما عليّ. فإنّ ذلك يكون حينئذ آية معجزة. فأمّا ماء المطر المعتاد، فلست أنت أحقّ بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الّذى دعا كما دعوت.
وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون الذي كان مستندا إليه. وكانا متقابلين على المسند.
فغضب عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام. وصاح بالصّورتين: دونكما الفاجر.
__________________
(١) ليس في المصدر. وفي أ: بطّا وطائرا.
(٢) هكذا في أو المصدر. وفي الأصل ور: حولها.
(٣) عيون أخبار الرضا ٢ / ١٦٨، ح ١.
(٤) المصدر: مقدّر.
فافترساه. ولا تبقيا له عينا ولا أثرا.
فوثبت الصّورتان. وقد عادت أسدين. فتناولا الحاجب. ورضّاه. وهشّماه.
وأكلاه. ولحسا دمه. والقوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون. فلمّا فرغا أقبلا على الرّضا ـ عليه السّلام ـ وقالا له: يا وليّ الله في أرضه! ما ذا تأمرنا أن نفعل بهذا. أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ ـ يشير ان إلى المأمون.
فغشي على المأمون ممّا سمع منهما. فقال الرّضا ـ عليه السّلام: قفا.
فوقفا. ثمّ قال الرّضا ـ عليه السّلام: صبّوا عليه ماء ورد. وطيّبوه.
ففعل ذلك به. وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الّذي أفنيناه؟
قال: الى مقرّكما(١) . فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فيه تدبيرا هو ممضيه.
فقالا: ما ذا تأمرنا؟
فقال: عودا إلى مقرّكما، كما كنتما.
فعادا(٢) الى المسند. وصارا صورتين كما كانتا.
فقال المأمون: الحمد لله الّذي كفاني شرّ حميد بن مهران، يعني: الرّجل المفترس.
ثمّ قال للرّضا ـ عليه السّلام: يا بن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هذا الأمر لجدّكم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ثمّ لكم. ولو شئت لنزلت عنه لك.
فقال الرّضا ـ عليه السّلام: لو شئت لما ناظرتك ولم أسألك. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصّورتين، إلّا جهّال بني آدم. فإنّهم وإن خسروا حظوظهم فلله ـ عزّ وجلّ ـ فيه تدبير. وقد أمرني يترك الاعتراض عليك وإظهار ما أظهر من العمل من تحت يدك، كما أمر يوسف(٣) من تحت يد فرعون مصر.
قال: فما زال المأمون ضئيلا إلى أن قضى في عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ ما قضى.
وفي كتاب الخصال(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله تعالى:( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) (الآية) قال: أخذ
__________________
(١) «إلى مقركما» ليس في أ. وفي المصدر: لا. (ظ)
(٢) المصدر: فصاروا.
(٣) أ: كما أمر يوسف بالعمل.
(٤) الخصال ١ / ٢٦٤، ح ١٤٦.
الهدهد والصّرد والطّاووس والغراب. فذبحهنّ. وعزل رؤوسهنّ. ثمّ نحز أبدانهنّ في المنحاز بريشهنّ ولحومهنّ وعظامهنّ حتّى اختلطت. ثمّ جزّأهنّ عشرة أجزاء، على عشرة أجبل.
ثمّ وضع عنده حبّا وماء. ثمّ جعل مناقيرهنّ بين أصابعه.
ثمّ قال: ائتين سعيا بإذن الله.
فتطاير بعضها إلى بعض اللّحوم والرّيش والعظام، حتّى استوت الأبدان، كما كانت. وجاء كلّ بدن حتّى التزق برقبته الّتي فيها رأسه والمنقار. فخلّى إبراهيم عن مناقيرهنّ. فوقفن. فشربن من ذلك الماء. والتقطن من ذلك الحبّ.
ثمّ قلن: يا نبيّ الله! أحييتنا أحياك الله.
فقال إبراهيم: بل الله يحيي ويميت.
فهذا تفسيره الظّاهر(١) .
قال عليّ ـ عليه السّلام: وتفسيره في الباطن: خذ أربعة ممّن يحتمل الكلام.
فاستودعهن(٢) علمك. ثمّ ابعثهن(٣) في أطراف الأرضين حججا لك على النّاس. وإذا أردت أن يأتوك دعوتهم بالاسم الأكبر، يأتوك سعيا بإذن الله تعالى.
وفي هذا الكتاب(٤) : وروى أنّ الطيّور الّتي أمر بأخذها: الطاووس والنّسر والدّيك والبطّ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن عبد الصّمد قال: جمع لأبي جعفر المنصور القضاة. فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله. فكم الجزء؟ فلم يعلموا كم الجزء. وشكّوا فيه. فأبرد بريدا إلى صاحب المدينة أن يسأل جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام: رجل أوصى بجزء من ماله. فكم الجزء؟ فقد أشكل ذلك على القضاة، فلم يعلموا كم الجزء. فإن هو أخبرك به.
وإلّا فاحمله على البريد. ووجّهه إليّ.
فأتى صاحب المدينة أبا عبد الله ـ عليه السّلام. فقال له: إنّ أبا جعفر بعث إليّ أن أسألك عن رجل أوصى بجزء من ماله. وسأل من قبله من القضاة. فلم يخبروه ما هو.
وقد كتب إليّ إن فسّرت ذلك له وإلّا حملتك على البريد إليه.
__________________
(١) أ: تفسير الظاهر.
(٢) المصدر: فاستودعهم. (ظ)
(٣) المصدر: ابعثهم. (ظ)
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٤٣، ح ٤٧٣.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: هذا في كتاب الله بيّن. إنّ الله يقول ممّا قال ابراهيم:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) (إلى قوله)( عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ) . وكانت الطيّر أربعة والجبال عشرة. يخرج الرّجل من كلّ عشرة أجزاء جزءا واحدا. وإنّ إبراهيم دعي بمهراس. فدقّ فيه الطّير جميعا. وحبس الرّؤوس عنده. ثمّ أنّه دعا بالّذي أمر به. فجعل ينظر إلى الرّيش كيف يخرج وإلى العروق عرقا عرقا حتّى ثمّ جناحه مستويا فأهوى نحو إبراهيم. فقال(١) ابراهيم ببعض الرؤوس. فاستقبله به. فلم يكن الرّأس الّذي استقبله لذلك البدن حتّى انتقل إليه غيره، فكان موافقا للرّأس. فتمّت العدّة. وتمّت الأبدان.
وفي الخرايج والجرائح(٢) : وروى عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند الصّادق ـ عليه السّلام ـ مع جماعة. فقلت: قول الله لإبراهيم:( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ. فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) ، أكانت(٣) أربعة من أجناس مختلفة؟ أو من جنس واحد؟
قال: أتحبّون أن أريكم مثله؟
قلنا: بلى.
قال: يا طاوس! فإذا طاوس طار إلى حضرته.
ثمّ قال: يا غراب! فإذا غراب بين يديه.
ثمّ قال: يا بازي! فإذا بازي بين يديه(٤) .
ثمّ قال: يا حمامة! فإذا حمامة بين يديه. ثمّ أمر بذبحها، كلّها، وتقطيعها، ونتف ريشها، وأن يخلط ذلك كلّه بعضه ببعض.
ثم أخذ رأس الطاووس. فقال: يا طاوس! فرأيت لحمه وعظامه وريشه تتميّز عن غيرها، حتّى التصق ذلك كلّه برأسه، وقام
__________________
(١) لعله: فمال.
(٢) الخرائج والجرائح ٢٦٤+ تفسير نور الثقلين ١ / ٢٨١، نقلا عن الخرايج والجرائح.
(٣) المصدر: وكانت.
(٤) المصدر: يديها.
الطاووس بين يديه حيّا.
ثمّ صاح بالغراب كذلك. وبالبازي والحمامة كذلك. فقامت كلّها أحياء بين يديه.
( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) : على تقدير مضاف، أي: مثل نفقتهم كمثل حبّة، أو مثلهم كمثل باذر حبّة.
وإسناد الإنبات إلى الحبّة، مجاز.
والمعنى أنّه: يخرج منها ساق. ينشعب منها سبع شعب. لكلّ منها سنبلة. فيها مائة حبّة. وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه. وقد يكون في الذّرة والدّخن وفي البرّ في الأراضي المغلة.
( وَاللهُ يُضاعِفُ ) تلك المضاعفة،( لِمَنْ يَشاءُ ) بفضله، وعلى حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام:( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أحسن العبد المؤمن، ضاعف الله له عمله، بكلّ حسنة سبعمائة ضعف. وذلك قول الله تعالى:( وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) .
( وَاللهُ واسِعٌ ) : لا يضيق عليه ما يتفضل به.
( عَلِيمٌ ) (٢٦١) بنيّة المنفق وإخلاصه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن المفضّل بن محمّد الجعفيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله تعالى:( حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ ) قال: «الحبّة»، فاطمة ـ صلّى الله عليها. و «السبع(٤) السنابل»، سبعة من ولدها. سابعها(٥) قائمهم.
قلت: الحسن.
قال: إنّ الحسن إمام من الله. مفترض طاعته. ولكن ليس من السّنابل السّبعة.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٩٢.
(٢) ثواب الأعمال / ٢٠١، ح ١.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٤٧، ح ٤٨٠.
(٤) كذا في ر والمصدر. في الأصل وأ: السبعة.
(٥) المصدر: سابعهم. (ظ)
أوّلهم الحسين وآخرهم القائم.
فقلت: قوله:( فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ) .
فقال: يولد الرّجل منهم في الكوفة مائة من صلبه وليس ذاك إلّا هؤلاء السّبعة.
( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢٦٢) :
«المنّ» أن يعتدّ بإحسانه على من أحسن إليه.
و «الأذى» أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه.
و «ثمّ» للتّفاوت بين الإنفاق وترك المنّ والأذى. ولعلّه لم تدخل الفاء فيه. وقد تضمّن ما أسند إليه معنى الشّرط، إيهاما بأنّهم أهل لذلك. وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟
وفي كتاب الخصال(١) ، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله كرّه لكم، أيّتها الأمّة! أربعا وعشرين خصلة. ونهاكم عنها (إلى قوله ـ عليه السّلام ـ) وكرّه المنّ في الصّدقة.
عن أبي ذرّ(٢) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله: المنّان الّذي لا يعطي شيئا إلّا يمنّه، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر.
عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٣) ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إنّ الله تعالى كرّه لي ستّ خصال وكرّهتهنّ(٤) للأوصياء من ولدي وأتباعهم من بعدي: العبث في الصلاة، والرّفث في الصّوم، والمنّ بعد الصّدقة (الحديث.)
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وقال الصّادق ـ عليه السّلام: ما شيء أحبّ إليّ من رجل سلفت(٦) منّي إليه يد أتبعها(٧) أختها وأحسنت بها له. لأنّي رأيت منع الأواخر يقطع(٨) لسان شكر الأوائل].(٩)
__________________
(١) الخصال ٢ / ٥٢٠، ح ٩.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٨٤، ح ٢٥٣.
(٣) نفس المصدر ١ / ٣٢٧، ح ١٩.
(٤) المصدر: كرههنّ.
(٥) تفسير القمي ١ / ٩٢.
(٦) المصدر: سلف.
(٧) المصدر: أتبعة.
(٨) المصدر: فقطع.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) : ردّ جميل،( وَمَغْفِرَةٌ ) : تجاوز عن السّائل الحاجة، أو نيل مغفرة من الله بالرّدّ الجميل، أو عفو عن السّائل بأن يعذره ويغتفر ردّه،( خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً ) : خبر عنهما. والابتداء بالنّكرة المخصّصة بالصّفة.
( وَاللهُ غَنِيٌ ) عن الإنفاق بمنّ وأذى،( حَلِيمٌ ) (٢٦٣) عن معاجلة من يمنّ ويؤذى.
وقد روى عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: إذا سأل السّائل، فلا تقطعوا عليه مسألته، حتّى يفرغ منها. ثمّ ردّوا عليه بوقار ولين، إمّا بذل يسير، أو ردّ جميل.
فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جانّ. ينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله تعالى؟
(رواه في مجمع البيان(١) .)
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) : لا تبطلوا أجرها بكلّ واحد منهما.
وفي مجمع البيان(٢) : روى عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من أسدى إلى مؤمن معروفا، ثمّ آذاه بالكلام، أو منّ عليه، فقد أبطل الله صدقته.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن جعفر بن محمّد، وأبي جعفر ـ عليهما السّلام ـ في قول الله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (إلى آخر الآية) قال: نزلت في عثمان. [وجرى في معاوية وأتباعهما.
وعن أبي عبد الله ـ عليه السّلام(٤) ـ فهو قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) لمحمّد وآل محمّد ـ عليهما السّلام. هذا تأويل.
قال: نزلت في عثمان].(٥)
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٧٥.
(٢) نفس المصدر ١ / ٣٧٧.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٤٧، ح ٤٨٢.
(٤) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٨٣.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ، كإبطال المنافق الّذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضاء الله ولا ثواب الآخرة، أو مماثلين الّذي ينفق رئاء.
فالكاف في محل النّصب على المصدر، أو الحال.
و «رئاء» نصب على المفعول له، أو الحال بمعنى مرائيا، أو المصدر، أي: إنفاقا رئاء.
( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ ) : كمثل حجر أملس،( عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ ) : مطر عظيم القطر،( فَتَرَكَهُ صَلْداً ) : أملس نقيّا من التّراب،( لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ) : لا ينتفعون بما فعلوا رياء، ولا يجدون ثوابه.
والضّمير للّذي ينفق، باعتبار المعنى، كقوله: إنّ الّذي حانت بفلج دمائهم.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (٢٦٤) إلى الخير والرّشاد.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : ثمّ ضرب الله مثلا فيه. فقال:( كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا. وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) ، قال: من كثر امتنانه وأذاه لمن يتصدّق عليه، بطلت صدقته، كما يبطل التّراب الّذي يكون على الصّفوان. و «الصّفوان»: الصّخرة الكبيرة الّتي يكون في مفازة، فيجيء المطر، فيغسل التّراب عنها، ويذهب به. فيضرب الله هذا المثل لمن اصطنع المعروف، ثمّ أتبعه بالمنّ والأذى].(٢)
( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) :
في تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) ، قال: عليّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام :أفضلهم. وهو ممّن ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٩١، بتفاوت.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٤٨، ح ٤٨٦.
[وعن سلام عن المسيّب(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) قال: أنزلت في عليّ ـ عليه السّلام].(٢)
( وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) : وتثبيتا بعض أنفسهم على الإيمان. فإنّ المال شقيق الرّوح. فمن بذل ما له لوجه الله، ثبت بعض نفسه. ومن بذل ماله وروحه، ثبتها كلّها، أو تصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء. مبتدأ من أصل أنفسهم(٣) .
( كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ) ، أي: ومثل نفقة هؤلاء في الزّكاة كمثل بستان بموضع مرتفع.
فإنّ شجره يكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا. وقرأ ابن عامر وعاصم: بربوة (بالفتح.) وقرئ بالكسر. وثلاثها لغات فيها.
( أَصابَها وابِلٌ ) : مطر عظيم القطر.
( فَآتَتْ أُكُلَها ) : ثمرتها.
وقرئ بالسّكون للتّخفيف.
( ضِعْفَيْنِ ) : نصب على الحال، أي: مضاعفا.
و «الضّعف»: المثل، أي: مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل.
وقيل(٤) : أربعة أمثاله.
وقيل(٥) : مثل الّذي كانت تثمر كما أريد بالزّوج الواحد، في قوله(٦) :( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) .
( فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ ) فطلّ، اي: فيصيبها طلّ، أو فالّذي يصيبها.
( فَطَلٌ ) أو فطلّ يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها، لارتفاع مكانها.
و «الطّلّ» ما يقع باللّيل على الشّجر والنّبات.
والمعنى: أنّ نفقات هؤلاء زاكية عند الله. لا تضيع بحال، وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضمّ إليها من أحوالها.
__________________
(١) نفس المصدر ونفس الموضع، ح ٤٨٥.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) يوجد في أ، بعد هذه الفقرة: أو تثبيتا من أنفسهم عن المنّ والأذى، كما رواه العياشي عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [تفسير العياشي ١ / ١٤٨] وقال: نزلت في عليّ ـ عليه السّلام.» وهو مشطوب في المتن وليس في ر.
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ١٣٨ ـ ١٣٩.
(٦) هود / ٤٠.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٢٦٥): تحذير عن الرياء. وترغيب في الإخلاص.
( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ) : الهمزة للإنكار.
( أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) : جعل الجنّة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار، تغليبا لها لشرفهما وكثرة منافعهما. ثمّ ذكر أنّ فيها من كلّ الثّمرات، ليدلّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار.
قيل(١) : ويجوز أن يكون المراد بالثّمرات المنافع.
( وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ) ، أي: كبر السّنّ. فإنّ الفاقة في الشّيخوخة أصعب.
و «الواو»، للحال، أو للعطف، حملا على المعنى. فكأنّه قيل(٢) : أيودّ أحدكم لو كانت له جنّة وأصابه الكبر.
( وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ) لا قدرة لهم على الكسب.
( فَأَصابَها إِعْصارٌ )
في تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام:( إِعْصارٌ فِيهِ، نارٌ ) ، قال: ريح.
( فِيهِ نارٌ ) : صفة «إعصار.»( فَاحْتَرَقَتْ ) : عطف على «أصابه»، أو تكون باعتبار المعنى(٤) .
( كَذلِكَ ) ، أي: مثل هذا التّبيين،( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (٢٦٦): فيها فتعتبرون.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) من حلاله أو جياده.
وفي الكافي(٥) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله تعالى:( أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) ، فقال: كان القوم قد كسبوا مكاسب في الجاهليّة. فلمّا أسلموا
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ١٣٩.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٤٨، ح ٤٨٧.
(٤) يوجد في أبعد هذه الفقرة: وفي تفسير العياشي، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الرياح. فمن امتنّ على تصدّق عليه كان كمن كانت له جنّة كثيرة الثمار وهو شيخ ضعيف له أولاد ضعفاء. فتجيء نار فتحترق [فتحرق، ظ]. ماله كلّه.
(٥) الكافي ٤ / ٤٨، ح ١٠.
أرادوا أن يخرجوها من أموالهم، ليتصدّقوا بها. فأبى الله ـ تبارك وتعالى ـ إلّا أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ قال: كان أهل المدينة يأتون بصدقة الفطر إلى مسجد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفيه عرق(٢) يسمّى الجعرور(٣) وعرق يسمّى معافارة. كانا عظيم نواهما، رقيق لحاهما في طعمهما مرارة.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للخارص: لا تخارص عليهم هاتين(٤) اللّونين. لعلّهم يستحيون لا يأتون بهما.
فأنزل الله ـ تبارك وتعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ) (إلى قوله)( تُنْفِقُونَ ) .
وفي مجمع البيان(٥) : وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف. فيدخلونه في تمر الصدقة ـ عن عليّ ـ عليه السّلام.
وقد روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله(٦) ـ أنّه قال: إنّ الله يقبل الصّدقات.
ولا يقبل منها إلّا الطّيّب.
( وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) ، أي: من طيّباته. فحذف المضاف، لدلالة ما تقدّم.
( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ) : ولا تقصدوا الرّديء،( مِنْهُ ) ، أي: من المال.
وقرئ بضمّ التّاء وبكسر الميم.
( تُنْفِقُونَ ) : حال مقدّرة من فاعل «تيمّموا». ويجوز أن يتعلّق به منه. ويكون الضمير للخبيث. والجملة حالا منه.
وقيل: يجوز أن يكون الضّمير لـمّا أخرجنا وتخصيصه بذلك. لأنّ التّفاوت فيه أكثر.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٥٠، ح ٤٩٣.
(٢) المصدر: غدق.
(٣) المصدر: الجعرود.
(٤) المصدر: هذين. (ظ)
(٥ و ٦) مجمع البيان ١ / ٣٨٠.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: إذا زنى الرّجل فارقه روح الإيمان.
قال: فقال: هذا مثل قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) . ثمّ قال غير هذا، أبين منه. ذلك قول الله ـ عزّ وجلّ(٢) :( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) . هو الّذي فارقه.
( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ) ، أي: وحالكم أنّكم لا تأخذونه في حقوقكم.
( إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) : إلّا أن تتسامحوا فيه. مجاز من أغمض بصره، إذا غضّه(٣) .
وقرئ من باب التّفعيل، أي: تحملوا على الإغماض، أو توجدوا مغمضين.
وفي الكافي(٤) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) ، قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا أمر بالنّخل أن يزكّى، يجيء قوم بألوان من التّمر. وهو من أردأ التّمر يؤدّونه من زكاتهم تمرا. يقال له «الجعرور» و «المعافارة» قليلة اللّحا، عظيمة النّوى. وكان بعضهم يجيء بها عن التّمر الجيّد. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لا تخرصوا هاتين التّمرتين. ولا تجيئوا منهما بشيء.
وفي ذلك نزل:( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا ) .
والإغماض أن يأخذ هاتين التّمرتين.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌ ) عن إنفاقكم. وإنّما يأمركم به لانتفاعكم.
( حَمِيدٌ ) (٢٦٧) بقبوله وإثابته.
( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ) في الإنفاق. والوعد في الأصل شائع في الخير والشّرّ.
وقرئ الفقر، بالضّمّ والسّكون وبضمّتين وفتحتين.
( وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) : ويغريكم على البخل. والعرف يسمّي البخيل فاحشا.
وقيل(٥) : المعاصي.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٢٨٤، ح ١٧.
(٢) المجادلة / ٢٢.
(٣) أ: إذ لفضه.
(٤) الكافي ٤ / ٤٨، ح ٩.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٤٠.
( وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ ) ، أي: في الإنفاق.
( وَفَضْلاً ) : خلفا أفضل ممّا أنفقتم.
( وَاللهُ واسِعٌ ) : الفضل لمن أنفق وغيره.
( عَلِيمٌ ) (٢٦٨) بالإنفاق وغيره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ) ، قال: الشّيطان يقول: «لا تنفق مالك. فإنّك تفتقر.» والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، أي: يغفر لكم إن أنفقتم لله. و «فضلا»، قال: يخلف عليكم.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ، عن [ابن](٣) عبّاس، عن أسباط، عن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: إنّي ربّما حزنت. فلا أعرف في حال ولا مال ولا ولد. وربّما فرحت. فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد.
فقال: إنّه ليس من أحد إلّا ومعه ملك وشيطان. فإذا كان فرحه، كان دنّو الملك منه. فإذا كان حزنه، كان دنوّ الشّيطان منه. وذلك قول الله ـ تبارك وتعالى:( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ. وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً. وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) .
( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ) :
[مفعول أوّل آخر للاهتمام بالمفعول الثّاني.
( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ) :
بناءه للمفعول. لأنّه المقصود. وقرأ يعقوب بالكسر، أي: ومن يؤته الله.
( فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) :
والمراد بالحكمة، طاعة الله، ومعرفة الإسلام، ومعرفة الإمام الّتي هي العمدة في كلتا المعرفتين الأوّلتين.
وفي محاسن البرقيّ(٤) : عنه، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن الحلبيّ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله تبارك وتعالى :
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٩٢.
(٢) علل الشرائع ١ / ٩٣، ح ١.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المحاسن / ١٤٨، ح ٦٠.
( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) قال: هي طاعة الله ومعرفة الإسلام(١) .
وفي مجمع البيان(٢) : ويروى عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أتاني القرآن، وأتاني من الحكمة مثل القرآن. وما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلّا كان خرابا. ألا فتفقّهوا، وتعلّموا، ولا تموتوا(٣) جهّالا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) قال: الخير الكثير: معرفة أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام. وفيه(٥) ، خطبة له ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفيها: رأس الحكمة، مخافة الله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله تعالى:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) فقال: إنّ الحكمة المعرفة والتّفقّة في الدّين. فمن فقّه منكم، فهو حكيم. وما [من](٧) أحد يموت من المؤمنين أحبّ إلى إبليس، من فقيه.
وفي كتاب الخصال(٨) ، عن الزّهريّ عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: كان آخر ما أوصى به الخضر، موسى بن عمران ـ عليهما السّلام ـ أن قال [له]:(٩) لا تعيرنّ أحدا ـ إلى قوله ـ ورأس الحكمة مخافة الله ـ تبارك وتعالى.
عن محمّد بن أحمد بن محمّد(١٠) بن أبي نصر(١١) قال أبو الحسن ـ عليه السّلام: من علامات الفقه: الحلم، والعلم، والصّمت. إنّ الصّمت باب من أبواب الحكمة. وإنّ الصّمت يكسب المحبّة. وإنّه دليل على كلّ خير.
عن أبي جعفر ـ عليه السّلام(١٢) ـ قال بينما(١٣) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات
__________________
(١) المصدر: الإمام.
(٢) مجمع البيان ١ / ٣٨٢.
(٣) المصدر: فلا تموتوا.
(٤) تفسير القمي ١ / ٩٢.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٩١.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١٥١، ح ٤٩٨.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) الخصال / ١١١، ح ٨٣.
(٩) يوجد في المصدر.
(١٠) نفس المصدر / ١٥٨، ح ٢٠٢. وفيه: عن أحمد بن محمّد.
(١١) المصدر: محمد بن أبي نصر البزنطي.
(١٢) نفس المصدر / ١٤٦، ح ١٧٥.
(١٣) المصدر: بينا. (ظ)
يوم، في بعض أسفاره، إذ لقيه ركب. فقالوا: السّلام عليك، يا رسول الله! فالتفت إليهم. وقال(١) : ما أنتم؟ فقالوا(٢) : مؤمنون.
قال: فما حقيقة إيمانكم؟
قالوا: الرّضا بقضاء الله، والتّسليم لأمر الله، والتّفويض إلى الله.
فقال رسول الله: علماء حكماء وكادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء. فإن كنتم صادقين، فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتّقوا الله الّذي إليه ترجعون.
وفي أصول الكافي(٣) عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أيّوب ابن الحرّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) فقال: طاعة الله، ومعرفة الإمام.
يونس(٤) ، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) قال: معرفة الإمام، واجتناب الكبائر الّتي أوجب الله عليها النّار.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد ذكر القرآن: لا تحصى عجائبه. ولا تبلى غرائبه. مصابيح الهدى(٦) . ومنار الحكمة.
وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام: الحكمة ضياء المعرفة، و (ميزان)(٨) التّقوى، وثمرة الصّدق.
ولو قلت: ما أنعم الله على عباده(٩) بنعمة أنعم وأعظم(١٠) وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة، لقلت: [صادقا](١١) قال الله ـ عزّ وجلّ:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) ، أي: لا يعلم ما أودعت وهيّأت في
__________________
(١) المصدر: فقال.
(٢) المصدر: قالوا.
(٣) الكافي ١ / ١٨٥، ح ١١.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٢٨٤، ح ٢٠.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٥٩٨ ـ ٥٩٩، ضمن ح ٢.
(٦) المصدر: فيه مصابيح الهدى.
(٧) شرح فارسى لمصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ٥٣٣ ـ ٥٣٥.
(٨) المصدر وهامش الأصل (خ ل): ميراث.
(٩) المصدر: على عبد من عباده.
(١٠) المصدر: أعظم وأنعم.
(١١) يوجد في المصدر.
الحكمة إلّا من استخلصته لنفسي وخصصته بها.
والحكمة هي النجاة. وصفة الحكيم، الثّبات عند أوائل الأمور، والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله إلى الله.
( وَما يَذَّكَّرُ ) : وما يتّعض بما قصّ من الآيات، أو ما يتفكّرون. فإنّ المتفكّر كالمتذكّر لما أودع الله في قلبه من العلوم، بالقوّة.
( إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٢٦٩): ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم، والرّكون إلى متابعة الهوى.
وفي أصول الكافي(١) : بعض أصحابنا(٢) ـ رفعه ـ عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر ـ عليه السّلام: يا هشام: إنّ الله(٣) ذكر أولي الألباب بأحسن الذّكر، وحلاهم بأحسن الحلية. فقال:( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ) : قليلة أو كثيرة، سرّا أو علانية، في حقّ أو باطل،( أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ) : في طاعة، أو معصية.
( فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ) . فيجازيكم عليه.
ودخول «الفاء»، إمّا في خبر المبتدأ، لتضمّنه معنى الشّرط، أو في الشّرط لكون كلمة، ما من أداة الشّرط.
( وَما لِلظَّالِمِينَ ) الّذين يضعون الشيء في غير موضعه، فينفقون في المعاصي، وينذرون فيها، أو يمنعون الصّدقات، ولا يوفون بالنّذور.
( مِنْ أَنْصارٍ ) (٢٧٠) ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. جمع ناصر، كأصحاب: جمع صاحب.
( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) : فنعم شيئا أبداها.
كلمة «ما» تمييز. والمضاف محذوف.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائيّ، بفتح النّون وكسر العين، على الأصل. وقرأ أبو بكر وقالون بكسر النّون وسكون العين. وروي بكسر النّون وإخفاء حركة العين.
__________________
(١) الكافي ١ / ١٥، ضمن ح ١٢.
(٢) المصدر: أبو عبد الله الأشعري عن بعض أصحابنا.
(٣) المصدر: «ثم» بدل «إن الله».
( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) :
والمراد بالصّدقات، سوى الزّكاة. وصلة قرابتك الواجبة، من الصّدقات النّافلة.
فإنّ الإعلان بالزّكاة والأمور المفروضة، أفضل.
روي في الكافي(١) ، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: قوله:( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ. وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) .
قال: ليس من الزّكاة وصلتك قرابتك. ليس من الزّكاة.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ]) (٣) ( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) (٤) قال: هي سوى الزّكاة. إنّ الزّكاة علانية غير سرّ.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن عبد الله بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كلّ(٦) ما فرض الله عليك، فإعلانه أفضل من إسراره. وكلّما كان تطوّعا، فإسراره أفضل من إعلانه. ولو أنّ رجلا حمل(٧) زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية، كان ذلك حسنا جميلا.
عليّ بن إبراهيم(٨) ، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن رجل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ:( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) قال: يعني الزّكاة المفروضة.
قلت(٩) :( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ ) .
قال: يعني النّافلة. إنّهم كانوا يستحبّون إظهار الفرائض وكتمان النّوافل.
الحسين بن محمّد(١٠) ، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن مرداس، عن صفوان بن
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤٩٩، ذيل ح ٩.
(٢) نفس المصدر ٣ / ٥٠٢، ح ١٧.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) المصدر: فقال. وفي أ: قال: ليس من الزكاة لا.
(٥) نفس المصدر ٣ / ٥٠١، ح ١٦، وللحديث صدر.
(٦) المصدر: فكلّ.
(٧) المصدر: يحمل.
(٨) نفس المصدر ٤ / ٦٠، ح ١.
(٩) المصدر: قال: قلت.
(١٠) نفس المصدر ٤ / ٨، ح ٢.
يحيى، والحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار السّاباطيّ قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا عمّار! الصّدقة، والله! في السّرّ، أفضل من الصّدقة في العلانية.
وكذلك والله العبادة في السّرّ، أفضل منها في العلانية.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) .
قال: ليس تلك الزّكاة. ولكنّه الرّجل يتصدّق لنفسه الزّكاة(٢) ، علانية، ليس بسرّ.
واعلم! أنّ بعض تلك الأحاديث، يدلّ على أنّ في الآية استخداما، والمراد بالصّدقات، الصّدقات الواجبة، وبضميرها المندوبة. ويمكن حمل البعض الآخر عليه ـ أيضا ـ إلّا الخبر الأوّل. ويمكن أن يقال أيضا إنّه تفسير لقوله: «وإن تخفوها» ـ إلى آخره.
( وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ ) :
قرأ ابن عامر وعاصم، في رواية حفص، بالياء، أي: والله يكفّر أو الإخفاء.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، في رواية ابن عيّاش ويعقوب، بالنّون، مرفوعا على أنّه جملة فعليّة، مبتدأة، أو اسميّة، معطوفة على ما بعد الفاء، أي: ونحن نكفّر.
وقرأ نافع وحمزة والكسائيّ به، مجزوما على محلّ الفاء وما بعده.
وقرئ مرفوعا ومجزوما.
والفعل للصّدقات.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (٢٧١): ترغيب في الإسرار.
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ) : ليس عليك أن تجعل كلّ النّاس مهديّين، بمعنى الإلزام على الحقّ. لأنّك لا تتمكّن منه. وإنّما عليك إراءة الحقّ، والحثّ عليه.
( وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) . لأنّه يقدر عليه.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ) ، من نفقة معروفة،( فَلِأَنْفُسِكُمْ ) : فهو لأنفسكم. لا ينتفع به غيركم. فلا تمنّوا عليه. ولا تنفقوا الخبيث.
( وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ ) ، أي: حال كونكم غير متقين إلّا لابتغاء وجهه.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٥١، ح ٤٩٩.
(٢) المصدر: والزكاة.
وقيل(١) : نفي في معنى النّهي.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) ثوابه، أضعافا مضاعفة. فهو تأكيد للشّرطيّة السّابقة، أو ما يخلف المنفق استجابة، لقوله ـ عليه السّلام(٢) : أللّهمّ اجعل لمنفق خلفا، ولممسك تلفا.
( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) (٢٧٢): بتنقيص ثواب نفقتكم، أو إذهاب ثوابها.
( لِلْفُقَراءِ ) : متعلق بمحذوف، أي: اعمدوا للفقراء، أو اجعلوا ما تنفقونه لهم، أو صدقاتكم للفقراء.
( الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) ، أي: أحصرهم الاشتغال بالعبادة،( لا يَسْتَطِيعُونَ ) لاشتغالهم،( ضَرْباً فِي الْأَرْضِ ) : ذهابا فيها للكسب.
في مجمع البيان(٣) : قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: نزلت الآية في أصحاب الصّفّة.
( يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ ) بحالهم.
وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة، بفتح السّين.
( أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ) : من أجل تعفّفهم عن السّؤال.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال العالم ـ عليه السّلام: الفقراء هم الّذين لا يسألون(٥) لقول الله تعالى في سورة البقرة:( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ ) ـ إلى قوله ـ( إِلْحافاً ) .
( تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ) من الضّعف، ورثاثة الحال. والخطاب للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو لكلّ أحد.
( لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) : إلحاحا. وهو أن يلازم المسئول حتّى يعطيه شيئا، من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده.
قيل(٦) : «المعنى: أنّهم لا يسألون. وإن سألوا عن ضرورة، لم يلحّوا.» والخبر الذي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٤١.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٨٧.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٨.
(٥) يوجد في المصدر، بعد هذه الفقرة: وعليهم مؤنات من عيالهم. والدليل على أنّهم هم الذين لا يسألون قول الله تعالى
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٤١.
رواه عليّ بن إبراهيم عن العالم ـ عليه السّلام ـ يردّه: بل هو نفي للأمرين، كقوله على لاحب: لا يهتدي بمناره.
ونصبه على المصدر. فإنّه نوع من السّؤال، أو على الحال.
وفي مجمع البيان(١) : وفي الحديث: إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتبوّس، ويحب الحليم المتعفّف من عباده، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف.
وعنه ـ عليه السّلام(٢) ـ قال: إنّ الله كرّه لكم ثلاثا.
قيل: وما هنّ(٣) ؟ قال: كثرة السّؤال، وإضاعة المال، ونهى عن عقوق الأمّهات ووأد البنات(٤) .
وقال ـ عليه السّلام(٥) : الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي الّتي تليها(٦) ، ويد السائل السّفلى إلى يوم القيامة. ومن سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا، أو خموشا، أو خدوشا في وجهه.
قيل: وما غناه؟
قال: خمسون درهما أو عدلها من الذّهب.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (٢٧٣): ترغيب في الإنفاق، وخصوصا على هؤلاء.
( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) ، أي: يعمّون الأوقات والأحوال بالخير.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن أبي إسحاق قال: كان لعليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ أربعة دراهم. لم يملك غيرها. فتصدّق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرّا، وبدرهم علانية. فبلغ ذلك النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله. فقال: يا عليّ! ما حملك على ما صنعت؟
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٣٨٧.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) «وما هنّ» ليس في المصدر.
(٤) المصدر: ووأد البنات ومنع وهات.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) المصدر: تليه.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٥١، ح ٥٠٢.
قال: إنجاز موعود الله.
فأنزل الله:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) (إلى آخر(١) الآية)
وفي الكافي(٢) عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له(٣) : قوله ـ عزّ وجلّ:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) .
قال: ليس من الزّكاة.
والحديث طويل. أخذنا منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن الوليد الوصافيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: صدقة السّرّ، تطفئ غضب الرّبّ ـ تبارك وتعالى.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قول الله تعالى:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) قال: نزلت في النّفقة على الخيل.
قال مصنّف هذا الكتاب(٦) : روي(٧) أنّها نزلت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام. وكان سبب نزولها أنّه كان معه أربعة دراهم فتصدّق بدرهم منها باللّيل، وبدرهم بالنّهار، وبدرهم في السّرّ، وبدرهم في العلانيّة. فنزلت هذه الآية. والآية إذا نزلت في شيء، فهي منزلة في كلّ ما يجري فيه. فالاعتقاد في تفسيرها أنّها نزلت في أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وجرت في النّفقة على الخيل وأشباه ذلك. (انتهى).
وفي مجمع البيان(٨) : قال ابن عبّاس نزلت (هذه) الآية في عليّ ـ عليه السّلام.
كانت معه أربعة دراهم فتصدّق بواحد ليلا، وبواحد نهارا، وبواحد سرّا، وبواحد علانيّة.
وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام.
( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢٧٤): خبر الّذين
__________________
(١) «إلى آخر» ليس في المصدر.
(٢) الكافي ٣ / ٤٩٩، ح ٩. وللحديث صدر وذيل.
(٣) المصدر: «قلت»، بدل: «قال قلت له.»
(٤) نفس المصدر ٤ / ٨، ح ٣.
(٥) من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٨٨، ح ٨٥٢.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) المصدر: هذه الآية روى. (٨) مجمع البيان ١ / ٣٨٨.
ينفقون.
والفاء للسّببيّة. وقيل(١) : للعطف.
والخبر محذوف، أي: ومنهم الّذين ينفقون. ولذلك جوّز الوقف على «وعلانية.»( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ) ، أي: الآخذون للرّبا. وإنّما ذكر الأكل، لأنّه معظم منافع المال. وهو بيع جنس بما يجانسه، مع الزّيادة، بشرط كونه مكيلا، أو موزونا، والقرض مع اشتراط النّفع.
وإنّما كتب بالواو، كالصّلوة، للتّفخيم على لغة من يفخّم. وزيدت الألف بعدها، تشبيها بألف الجمع.
( لا يَقُومُونَ ) إذا بُعثوا من قبورهم، أو في المحشر، أو في الدّنيا، يؤول عاقبة أمرهم إلى ذلك.
في تفسير العيّاشيّ(٢) : عن شهاب بن عبد ربّه قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: آكل الرّبا لا يخرج من الدّنيا حتّى يتخبّطه الشّيطان.
وفي الأخبار ما يدلّ على الأوّلين. ويمكن الجمع بأنّ ابتداء حصول هذه الحالة في الدّنيا.
( إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ ) : قياما كقيام المصروع، بناء على ما يزعم النّاس أنّ الشّيطان يمسّ الإنسان، فيصرع.
و «الخبط»: صرع على غير اتّساق، كالعشواء، أو الإفساد.
( مِنَ الْمَسِ ) : متعلّق بلا يقومون، أي: «لا يقومون من المسّ الّذي بهم، بسبب أكل الربا»، أو بيقوم، أو بيتخبطه. فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين، لا لاختلال عقلهم. ولكن لأنّ الله أربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربا، فأثقلهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: لـمّا أسري بي إلى السّماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم، فلا يقدر أن يقوم، من عظم بطنه.
فقلت: من هؤلاء؟ يا جبرئيل!
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٤٢.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ١٥٢ ح ٥٠٣.
(٣) تفسير القمي ١ / ٩٣.
قال: هؤلاء( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) .
( ذلِكَ ) العقاب،( بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ) : بسبب أنّهم نظّموا البيع والربا في سلك واحد، لافضائهما إلى الرّبح. فاستحلّوه استحلاله. وهو من باب القلب. والأصل إنّما الربا مثل البيع. عكس للمبالغة. كأنّهم جعلوا الربا أصلا، وقاسوا البيع به.
( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) : في موضع الحال.
في عيون الأخبار(١) ، في باب ما كتب الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله في العلل وعلّة تحريم الربا: إنّما نهى الله لما فيه من فساد الأموال. لأنّ الإنسان إذا اشترى الدّرهم بالدّرهمين، كان ثمن الدّرهم درهما، وثمن الآخر باطلا، فيقع(٢) الربا، واشتراءه(٣) وكسا(٤) على كلّ حال على المشتري وعلى البائع. فحظر(٥) الله تعالى الربا لعلّة فساد الأموال، كما حظر على السّفيه أن يدفع إليه ماله، لـمّا يتخوّف عليه من إفساده، حتّى يؤنس منه رشد(٦) . فلهذه العلّة حرّم الله تعالى الرّبا، وبيع الدّرهم بالدّرهمين، يدا بيد. وعلّة تحريم الربا بعد البيّنة، لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرّم. وهي كبيرة بعد البيان وتحريم الله لها. ولم يكن ذلك منه إلّا استخفافا بالمحرّم الحرم(٧) . والاستخفاف بذلك دخول في الكفر.
وعلّة تحريم الربا بالنسيئة، لعلّة ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ورغبة النّاس في الرّبح، وتركهم الفرض، وصنائع المعروف، وما في(٨) ذلك من الفساد والظّلم وفناء الأموال.
وفي الكافي(٩) عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى ،
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ٩٣ ـ ٩٤.
(٢) المصدر: فبيع.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: «وكس» والفقرة الأخيرة في المصدر هكذا: فبيع الربا وكس.
(٥) المصدر: فحرّم.
(٦) المصدر: رشده.
(٧) المصدر: إلّا استخفاف بالتحريم للحرام.
(٨) المصدر: لما.
(٩) الكافي ٥ / ١٤٦، ح ٧.
عن سماعة قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: إنّي رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرّره.
فقال: أوتدري لم ذاك؟
قلت: لا. قال: لئلّا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّما حرّم الله ـ عزّ وجلّ الرّبا لئلّا(٢) يمتنع النّاس من اصطناع المعروف.
روى عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: درهم ربا(٤) ، أعظم عند الله، من سبعين زنية بذات محرم، في بيت الله الحرام.
وقال: الربا سبعون(٥) جزءا، أيسره أن ينكح الرّجل أمّه في بيت الله الحرام.
( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ) ، أي: وعظ وتوبة.
في تفسير العيّاشيّ(٦) : عن محمّد بن مسلم: أنّ رجلا سأل أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ وقد عمل بالربا حتّى كثر ماله، بعد أن سأل غيره من الفقهاء، فقالوا: ليس يقبل(٧) منك شيء، إلّا أن تردّه إلى أصحابه.
فلمّا قصّ على أبي جعفر(٨) ـ عليه السّلام ـ قال له أبو جعفر ـ عليه السّلام: مخرجك في كتاب الله، قوله:( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ. وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) .
والموعظة التّوبة.
وفي أصول الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم [عن أبيه](١٠) ، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ :
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٨.
(٢) المصدر: لكيلا.
(٣) تفسير القمي ١ / ٩٣ ـ ٩٤.
(٤) المصدر: من ربا.
(٥) المصدر: قال: إن للربا سبعين.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١٥٢، ح ٥٠٦.
(٧) المصدر: يقبل.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فلمّا قصّ أبا جعفر ـ عليه السّلام.
(٩) الكافي ٢ / ٤٣١، ح ٢.
(١٠) يوجد في المصدر.
( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ ) قال: الموعظة التّوبة.
( مِنْ رَبِّهِ ) ، أي: بلغه النّهي عن الربا من ربّه.
( فَانْتَهى ) عن أخذه. وتاب عنه.
( فَلَهُ ما سَلَفَ ) : ما تقدّم من أخذه. ولا يستردّ منه.
و «ما» في موضع الرّفع بالظّرف إن جعلت «من» موصولة، وبالابتداء إن جعلت شرطيّة على رأي سيبويه.
«إذا» الظّرف معتمد على ما قبله.
( وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ) ، أي: يجازيه على انتهائه، أو يحكم في شأنه. ولا اعتراض لكم عليه.
في الكافي(١) : أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي المغرا [، عن الحلبيّ](٢) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: كلّ ربا أكله النّاس بجهالة، ثمّ تابوا عنه، فإنّه يقبل منهم، إذا عرف منهم التّوبة. وأيّما رجل أفاد مالا كثيرا قد أكثر فيه من الرّبا، فجهل ذلك، ثمّ عرفه بعد، فأراد أن ينزعه، فما مضى فله، ويدعه فيما يستأنف.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل يقول فيه: إنّ(٤) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد وضع ما مضى من الرّبا. وحرّم عليهم ما بقي. فمن جهله، وسع له جهله، حتّى يعرفه. فإذا عرف تحريمه، حرّم عليه، ووجب عليه فيه العقوبة، إذا ركنه(٥) ، كما يجب على من يأكل الرّبا.
عدّة من أصحابنا(٦) ، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمّد، جميعا، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل أربى بجهالة، ثمّ أراد أن يتركه.
قال: قال: أمّا ما مضى فله. وليتركه فيما يستقبل.
__________________
(١) الكافي ٥ / ١٤٥، ح ٥. وللحديث صدر.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤. وقد أسقط قطعة من وسط الحديث.
(٤) المصدر: فانّ.
(٥) المصدر: ركبه. (ظ)
(٦) نفس المصدر ٥ / ١٤٦، ح ٩. وللحديث تتمة طويلة.
( وَمَنْ عادَ ) إلى تحليل الربا إذا الكلام فيه،( فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢٧٥) لأنّهم كفروا به، كما مرّ في حديث العيون.
وفي الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن عيسى، عن منصور، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرّجل يأكل الربا، وهو يرى أنّه له حلال.
قال: لا يضرّه حتّى يصيبه متعمّدا. فإذا أصابه متعمّدا، فهو بالمنزل(٢) الّذي قال الله ـ عزّ وجلّ.
( يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا ) : يذهب بركته. ويهلك المال الّذي فيه.
في من لا يحضره الفقيه(٣) : وسأل رجل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) . وقد أرى من يأكل الربا، يربو ماله.
قال: فأيّ محق أمحق من درهم ربا يمحق الدّين وإن تاب منه، ذهب ماله وافتقر.
( وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) : يضاعف ثوابها. ويبارك فيما أخرجت منه.
في تفسير العيّاشيّ(٤) : عن سالم بن أبي حفصة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله يقول: ليس من شيء إلّا وكلت به من يقبضه غيري إلّا الصّدقة. فإنّي أتلقّفها بيدي تلقّفا، حتّى أنّ الرّجل والمرأة يتصدّق(٥) بالتّمرة وبشقّ تمرة فأربيها(٦) ، كما يربي الرّجل فلوه وفصيله، فيلقى في يوم القيامة(٧) وهو مثل أحد وأعظم من أحد.
وعن أبي حمزة(٨) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال الله ـ تبارك وتعالى: أنا خالق كلّ شيء. وكلت بالأشياء غيري إلّا الصّدقة ـ وذكر نحو ما سبق.
وعن عليّ بن جعفر(٩) ، عن أخيه موسى ـ عليه السّلام ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: أنه ليس شيء إلّا وقد وكل به
__________________
(١) الكافي ٥ / ١٤٤، ح ٢.
(٢) المصدر: بالمنزلة.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ / ١٧٦، ح ٧٩٥.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٥٢، ح ٥٠٧.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تصدّق.
(٦) المصدر: فأربيها له.
(٧) المصدر: فيلقاني يوم القيامة.
(٨) نفس المصدر ١ / ١٥٣، ح ٥٠٩.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٥١٠.
ملك غير الصّدقة. فإنّ الله يأخذه(١) بيده، ويربيه كما يربي أحدكم ولده، حتّى تلقاه(٢) يوم القيامة وهي مثل أحد.
وفي مجمع البيان(٣) : روى عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ انه قال: [إنّ الله تعالى](٤) يقبل الصّدقات. ولا يقبل منها إلّا الطّيّب. ويربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، حتّى أنّ اللّقمة لتصير مثل أحد.
وفي أمالي الصّدوق(٥) ـ ره ـ بإسناده إلى الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: من تصدّق بصدقة في شعبان، ربّاها ـ جلّ وعزّ(٦) ـ كما يربّي أحدكم فصيله، حتّى يوافي يوم القيامة وقد صارت(٧) مثل أحد.
( وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ ) : لا يرضاه.
( أَثِيمٍ ) (٢٧٦): منهمك في الإثم.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ورسله وأوصياء رسله،( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) : عطف على «آمنوا» ولا يدلّ على خروج العمل عن الإيمان، كما لا يدلّ عطف.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) عليه، على خروجه عنه.
( لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) على آت.
( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٢٧٧) على فائت.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ) : واتركوا بقايا ما شرطتم على النّاس من الرّبا.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٢٧٨) بقلوبكم. فإنّ دليله امتثال ما أمرتم به.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : أنّ سبب(٩) نزولها أنّه لـمّا أنزل الله:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ) فقام خالد بن الوليد إلى
__________________
(١) المصدر: يأخذ.
(٢) المصدر: يلقاه.
(٣) مجمع البيان ١ / ٣٩٠.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) أمالي الصدوق / ٥٠١، ح ٧.
(٦) المصدر: ربّاها ـ جلّ وعزّ ـ له.
(٧) المصدر: صارت له.
(٨) تفسير القمي ١ / ٩٣.
(٩) المصدر: فانّه كان سبب.
رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله! ربا أبي في ثقيف. وقد أوصاني عند موته بأخذه.
فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ الآية(١) .
قال: من أخذ الرّبا وجب عليه القتل [وكلّ من اربى وجب عليه القتل](٢) .
( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا ) : فاعلموا. من أذن بالشيء، إذا علم به.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عبّاس: فآذنوا، أي: فأعلموا بها غيركم، من الإذن وهو الاستماع. فإنّه من طرق العلم.
( بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) ، أى: فاعلموا بها.
وتنكير «حرب»، للتّعظيم، أي: حرب عظيم. وذلك يقتضي أن يقاتل المربي(٣) بعد الاستتابة، حتّى يفيء إلى أمر الله. وذلك يقتضي كفره.
( وَإِنْ تُبْتُمْ ) : رجعتم من الإيتاء واعتقاد حلّه،( فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ) : فيه دلالة على أنّ المربي لو لم يتب لم يكن له رأس ماله. وهو كذلك. لأنّ المصرّ على التّحليل مرتدّ وماله فيء.
( لا تَظْلِمُونَ ) بأخذ الزّيادة.
( وَلا تُظْلَمُونَ ) (٢٧٩) بالمطل والنّقصان من رأس المال.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن أبي عمرو الزّبيرىّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ التّوبة مطهّرة من دنس الخطيئة. قال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ـ إلى قوله ـ( لا تَظْلِمُونَ ) . فهذا ما دعى الله إليه [عباده](٥) من التّوبة، ووعدهم(٦) عليها من ثوابه. فمن خالف ما أمره الله به من التّوبة، سخط الله عليه، وكانت النّار أولى به وأحقّ.
وفي الكافي(٧) : أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي المغرا، عن الحلبيّ قال: قال
__________________
(١) يوجد في المصدر بدل «الآية» متن الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) .
(٢) ليس في أ.
(٣) أ: الحربي.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٥٣، ح ٥١٢.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: وعد.
(٧) الكافي ٥ / ١٤٥، ح ٤. وللحديث صدر وذيل.
أبو عبد الله ـ عليه السّلام: لو أنّ رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف أنّ في ذلك المال ربا ولكن قد اختلط في التّجارة (بغير) حلال كان حلالا طيّبا. فليأكله. وإن عرف منه شيئا أنّه ربا. فليأخذ رأس ماله. وليردّ الربا.
[عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سئل عن الرّجل يكون له دين إلى أجل مسمّى. فيأتيه غريمه. يقول: أنقدني كذا وكذا. وأضع عنك بقيّته. أو يقول: أنقدني بعضه. وأمدّ لك في الأجل فيما بقي عليك.
قال: لا أرى به بأسا. إنّه لم يزدد على رأس ماله. قال الله ـ عزّ وجلّ:( فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ. لا تَظْلِمُونَ. وَلا تُظْلَمُونَ ) .
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أتى رجل أبي. فقال: إنّي ورثت مالا. وقد علمت أنّ صاحبه الّذي ورثته منه قد كان يربي(٣) . وقد أعرف أنّ فيه ربا. وأستيقن ذلك. وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه. وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز. فقالوا: لا يحلّ أكله.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام: إن كنت تعلم بأنّ فيه مالا معروفا ربا، وتعرف أهله، فخذ رأس مالك، وردّ ما سوى ذلك. وإن كان مختلطا، فكله هنيئا [مريئا].(٤) فإنّ المال مالك. واجتنب ما كان يصنع صاحبه].(٥)
( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ) ، أي: إن وقع غريم ذو عسر.
وقرئ: ذا عسرة.
و «المعسر»: من لم يقدر على ما يفضل عن قوته وقوت عياله على الاقتصاد.
قال في مجمع البيان(٦) روي ذلك عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
والظّاهر أنّ المراد، ما فضل عن قوت اليوم واللّيلة.
( فَنَظِرَةٌ ) ، أي: فالحكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فليكن نظرة. وهي الإنظار.
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ٢٥٩، ح ٤.
(٢) نفس المصدر ٥ / ١٤٥، ح ٥.
(٣) المصدر: يربو.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) ر. مجمع البيان ١ / ٣٩٣.
وقرئ: فناظره، على لفظ الخبر، على معنى فالمستحقّ ناظره، أي: منتظره، أو صاحب نظريّة على طريق النّسب، أو على لفظ الأمر، أي: فسامحه بالنّظرة.
وعلى كلّ تقدير، فإنظار المعسر واجب في كلّ دين. قال في مجمع البيان(١) : وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام.
( إِلى مَيْسَرَةٍ ) : يسار.
وقرأ نافع وحمزة بضمّ السّين. وهما لغتان، كمشرقة ومشرفة.
وقرئ بهما مضافين، بحذف التّاء عند الإضافة، كقوله: وأخلفوك عند الأمر الّذي وعدوا.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمّد قال: سأل الرّضا ـ عليه السّلام ـ رجل وأنا أسمع، فقال له: جعلت فداك! إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) ، أخبرني عن هذه النّظرة الّتي ذكرها الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه. لها حدّ يعرف إذا صار هذا المعسر(٣) ، لا بدّ له من أن ينظر، وقد أخذ مال هذا الرّجل، وأنفقه على عياله، وليس له غلّة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محلّه، ولا مال غائب ينتظر قدومه؟
قال: نعم. ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام. فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة الله. فإن كان أنفقه في معصية الله، فلا شيء له على الإمام.
قلت: فما لهذا الرّجل(٤) ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه: في طاعة الله أم في (معصية الله)؟
قال: يسعى له في ماله، فيردّه(٥) ، وهو صاغرا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن السّكونيّ، عن مالك بن مغيرة، عن حمّاد بن سلمة، عن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن عائشة أنّها قالت: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ٥ / ٩٣، ح ٥.
(٣) المصدر: المعسر إليه.
(٤) المصدر: الرجل الّذى.
(٥) المصدر: فيردّه عليه.
(٦) تفسير القمي ١ / ٩٤.
المسلمين [واستبان للوالي عسرته إلّا برئ هذا المعسر من دينه، وصار دينه على والي المسلمين](١) فيما في يديه من أموال المسلمين.
قال: ومن كان له على رجل مال أخذه ولم ينفقه في إسراف أو معصية فعسر عليه أن يقضيه فعلى من له المال أن ينظره حتّى يرزقه الله فيقضيه. وإذا(٢) كان الإمام العادل قائما، فعليه أن يقضى عنه دينه، لقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من ترك مالا فلورثته. ومن ترك دينا أو ضياعا فعلى والي المسلمين وعلى(٣) الإمام ما ضمّنه الرّسول.
( وَأَنْ تَصَدَّقُوا ) : بالإبراء.
وقرأ عاصم بتخفيف الصّاد.
( خَيْرٌ لَكُمْ ) : أكثر ثوابا من الإنظار،( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٢٨٠) أنّه معسر.
في الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: صعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المنبر ذات يوم. فحمد الله. وأثنى عليه. وصلّى على أنبيائه ـ صلّى الله عليهم. ثمّ قال: أيّها النّاس! ليبلغ الشّاهد منكم الغائب: ألا ومن أنظر معسرا، كان له على الله في كلّ يوم صدقة بمثل ماله، حتّى يستوفيه.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام:( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنّه معسر. فتصدّقوا عليه بما لكم (عليه). فهو خير لكم.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من أراد أن يظلّه الله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه؟
قالها ثلاثا. فهابه النّاس أن يسألوه.
فقال: فلينظر معسرا(٦) ، أو ليدع له من حقّه.
محمّد بن(٧) يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان ،
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) المصدر: وإن.
(٣) «والي المسلمين وعلى» ليس في المصدر.
(٤) الكافي ٤ / ٣٥، ح ٤.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١.
(٦) أ: و.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
عن عبد الرّحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال في يوم حارّ، حنا(١) كفّه: من أحبّ أن يستظلّ من فور جهنّم؟
قالها ثلاث مرّات.
فقال النّاس في كلّ مرّة: نحن، يا رسول الله! فقال: من أنظر غريما، أو ترك لمعسر.
ثمّ قال لي أبو عبد الله [ـ عليه السّلام ـ قال لي عبد الله](٢) بن كعب بن مالك: إنّ أبي أخبرني أنّه لزم غريما له في المسجد. فجاء(٣) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله. فدخل بيته، ونحن جالسان. ثمّ خرج في الهاجرة. فكشف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ستره.
فقال له: يا كعب! ما زلتما جالسين؟
قال: نعم. بأبي وأمّي! قال: فأشار رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بكفّه: خذ النّصف.
قال: قلت: بأبي وأمّي.
ثمّ قال له: أتبعه ببقيّة حقّك.
قال: فأخذت النّصف. ووضعت [له](٤) النّصف.
[عدّة من أصحابنا(٥) ، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن يعقوب بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: خلّوا سبيل المعسر، كما خلّاه الله].(٦)
( وَاتَّقُوا يَوْماً ) : نصب على المفعول به على الاتّساع، أي: ما فيه.
( تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) : يوم القيامة، أو يوم الموت، أو الأعمّ. فتأهّبوا لمصيركم إليه.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب، بفتح التّاء وكسر الجيم.
( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) : جزاء ما عملت، من خير أو شرّ.
( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٢٨١) بنقص ثواب وتضعيف عذاب.
قال البيضاويّ(٧) : وعن ابن عبّاس: أنّها آخر آية نزل بها جبرئيل [على رسول الله
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وحشي.
(٢) ليس في أ.
(٣) المصدر: فأقبل.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٤٣.
ـ صلّى الله عليه وآله ـ](١) وقال ضعها في رأس المائتين والثّمانين من البقرة. وعاش رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل: أحدا وثمانين. وقيل: سبعة أيّام. وقيل: ثلاث ساعات.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ) : إذا داين بعضكم بعضا.
و «التّداين» و «المداينة»: المعاملة نسيئة، معطيا أو آخذا.
وذكر الدّين لدفع توهّم أنّه من التّداين، بمعنى المجازاة.
( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) : معلوم بالأيّام والأشهر. فإنّه معلوم. لا بالحصاد وقدوم الحاجّ.
فإنّه لا يجوز. لأنّه غير معلوم.
( فَاكْتُبُوهُ ) . لأنّه أوثق وأدفع للنّزاع. والأمر بها للاستحباب.
في كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [قال](٣) : إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم.
قال: فمرّ(٤) آدم باسم داود [النّبيّ ـ عليه السّلام].(٥) فإذا عمره في العالم أربعون سنة.
فقال آدم: يا ربّ! ما أقلّ عمر داود. وما أكثر عمري! يا ربّ! إن أنا زدت داود [من عمرى](٦) ثلاثين سنة. أتثبت(٧) ذلك له؟
قال: نعم، يا آدم! قال: فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة. فأنفذ ذلك له. وأثبتها له عندك.
واطرحها من عمري.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: فأثبت الله ـ عزّ وجلّ ـ لداود في عمره ثلاثين سنة.
وكانت له عند الله مثبتة. (فذلك قوله(٨) ـ عزّ وجلّ(٩) :( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) علل الشرائع / ٥٥٣، ح ١.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) ليس في المصدر. والظاهر أنها سقطت منه.
(٥) ليس في أ.
(٦) ليس في أ.
(٧) المصدر: أثبت.
(٨) المصدر: فلذلك قول الله.
(٩) الرعد / ٣٩.
قال: فمحا الله ما كان [عنده](١) مثبتا لآدم. وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا.
قال: فمضى عمر آدم. فهبط [عليه](٢) ملك الموت، لقبض روحه.
فقال له آدم: يا ملك الموت! إنّه قد بقي من عمري ثلاثون(٣) سنة.
فقال له ملك الموت: يا آدم! ألم تجعلها لابنك داود النّبيّ، وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك، وعرضت عليك أعمارهم، وأنت يومئذ بوادي الدخيا(٤) ؟
فقال له آدم: ما أذكر هذا؟
قال: فقال له ملك الموت: يا آدم! لا تجحد. ألم تسأل الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يثبته(٥) لداود ويمحوها من عمرك؟ فأثبتها لداود في الزّبور. ومحاها من عمرك في الذّكر.
قال آدم حتّى أعلم ذلك.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: وكان آدم صادقا. لم يذكر. ولم يجحد. فمن ذلك اليوم أمر الله ـ تبارك وتعالى ـ العباد(٦)
أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل [مسمّى](٧) ، لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه.
وفي الكافي(٨) : أبو عليّ الأشعريّ، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا عرض على آدم ولده، نظر إلى داود. فأعجبه. فزاده خمسين سنة من عمره.
[قال: ونزل عليه جبرائيل وميكائيل. فكتب عليه ملك الموت صكّا بالخمسين سنة. فلمّا حضرته الوفاة، أنزل عليه ملك الموت.
فقال آدم: قد بقي من عمري خمسون سنة](٩) قال: فأين الخمسون سنة(١٠) الّتي جعلتها لابنك داود؟
قال: فأمّا أن يكون نسيها، أو أنكرها. فنزل جبرئيل وميكائيل فشهدا عليه.
وقبضه ملك الموت.
__________________
(١ و ٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: ثلاثين.
(٤) المصدر: الدخياء.
(٥) المصدر: يثبتها.
(٦) ليس في أ.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) الكافي ٧ / ٣٧٩، ح ٢.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) ليس في المصدر.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: كان أوّل صكّ كتب في الدّنيا. وفيه حديث آخر طويل نحوه(١) ، غير أنّ فيه: أنّ عمر داود كان أربعين سنة. فزاده آدم ستّين تمام المائة.
( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) : بالسّويّة. لا يزيد ولا ينقص. وهو للاستحباب، أيضا.
( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ) : لا يمتنع أحد من الكتّاب. وهو للاستحباب، أيضا.
( أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ ) من كتبة الوثائق. وهو أن يكتب بالعدل، أو لا يأب أن ينتفع النّاس بكتابته، كما نفعه الله بتعليمها.
( فَلْيَكْتُبْ ) تلك المعلمة. أمر بها بعد النّهي عن الإباء، تأكيدا.
وقيل(٢) : «يجوز أن تتعلّق الكاف بالأمر. فيكون النّهي عن الامتناع [منها، مطلقة ،](٣) ثمّ الأمر بها مقيّدة.» وهو ضعيف.
( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ ) . لأنّه المقرّ.
والإملال والإملاء، واحد.
( وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) ، أي: المملي أو الكاتب.
( وَلا يَبْخَسْ ) : لا ينقص،( مِنْهُ شَيْئاً ) ، أي: من الحقّ، أو ممّا أملي عليه.
( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ) : ناقص العقل،( أَوْ ضَعِيفاً ) : صبيّا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن ابن سنان قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام: متى يدفع إلى الغلام ماله؟
قال: إذا بلغ وأونس منه رشد، ولم يكن سفيها أو ضعيفا.
قال: قلت: فإنّ منهم من يبلغ خمس عشرة(٥) سنة وستّ عشرة(٦) سنة ولم يبلغ.
قال: إذا بلغ ثلاث عشرة سنة جاز أمره، إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ٣٧٨، ح ١، مع بعض التصرف في النقل.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٤٤.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٥٥، ح ٥٢٢.
(٥) المصدر: خمس عشر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ستة عشرة.
قال: قلت: وما السّفيه والضّعيف؟
قال: السّفيه، الشّارب الخمر. والضّعيف الّذي يأخذ واحدا باثنين.
وفي تهذيب الأحكام(١) : عليّ بن (الحسين(٢) ، عن أحمد ومحمّد)، ابني الحسن، عن أبيهما، عن أحمد بن عمر الحلبيّ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأله أبي، وأنا حاضر، عن قول الله ـ عزّ وجلّ:( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) .
قال: الاحتلام.
قال: فقال: يحتلم في ستّ عشرة وسبع عشرة(٣) سنة(٤) ونحوها.
فقال: إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة(٥) [ونحوها.
فقال: لا. إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة ،](٦) كتبت له الحسنات [وكتبت عليه السّيّئات].(٧) وجاز أمره. إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.
فقال: وما السّفيه؟
فقال: الّذي يشتري الدّرهم بأضعافه.
فقال: وما الضّعيف؟
قال: الأبله.
[وفي كتاب الخصال، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأله أبي، وأنا حاضر، عن اليتيم متى يجوز أمره؟
قال: حتّى يبلغ أشدّه.
قال: قلت(٨) : وما أشدّه؟
قال: احتلامه(٩) .
قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة(١٠) سنة، أو أقلّ، أو أكثر ولا يحتلم.
__________________
(١) تهذيب الأحكام ٩ / ١٨٢، ح ٧٣١.
(٢) المصدر: الحسن.
(٣) المصدر: ست عشرة وسبعة عشر. النسخ: ستة عشر وسبع عشر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ثلاث عشر سنة.
(٦ و ٧) يوجد في المصدر.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) المصدر: الاحتلام.
(١٠) المصدر: ثمان عشر. الأصل ور: ثمانية عشر.
قال: فإذا بلغ وكتب عليه الشيء، جاز أمره. إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا].(١)
( أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ ) لخرس أو جهل باللّغة.
( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) ، أي: الّذي يلي أمره، ويقوم مقامه، من الوليّ الشّرعيّ للصّبيّ والمختلّ العقل، والوكيل المترجم المعتبر، على الوجه الّذي اعتبره الشرع من كونه عدلين خبيرين بقصده.
( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ) :
واطلبوا أن يشهد على الدّين شاهدان،( مِنْ رِجالِكُمْ ) المؤمنين.
( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) ، أي: فليشهدوا. فالمستشهد، رجل وامرأتان.
( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) لعلمكم بعدالتهم.
في الكافي(٢) : أحمد بن محمّد العاصميّ، عن عليّ بن الحسن التميميّ، عن ابن بقاح، عن أبي عبد الله المؤمن، عن عمّار بن أبي عاصم قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام: أربعة لا يستجاب لهم دعوة. أحدهم(٣) : رجل كان له مال. فأدانه بغير بيّنة. يقول(٤) الله ـ عزّ وجلّ: ألم آمرك بالشّهادة.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن عليّ، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من ذهب حقّه على غير بيّنة لم يؤجر.
محمّد بن يحيى(٦) ، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القسم، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي تهذيب الأحكام(٧) : سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن خالد(٨) ، وعليّ بن
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ٥ / ٢٩٨، ح ٢.
(٣) المصدر: «فذكر الرابع»، بدل «دعوة أحدهم»
(٤) المصدر: فيقول.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) تهذيب الأحكام ٦ / ٢٨١، ح ٧٧٤.
(٨) المصدر: «أحمد بن محمد عن محمد بن خالد» بدل «أحمد بن محمد بن خالد.»
حديد، عن عليّ بن النّعمان، عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن شهادة النّساء في النّكاح بلا رجل معهنّ، إذا كانت المرأة منكرة.
فقال: لا بأس به، ـ إلى قوله ـ وكان أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يجيز شهادة امرأتين في النّكاح، عند الإنكار. ولا يجيز في الطّلاق، إلّا شاهدين عدلين.
قلت: فأنّى ذكر الله تعالى؟ وقوله( فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) .
فقال: ذلك في الدّين، إذا لم يكن رجلان، فرجل وامرأتان. ورجل واحد ويمين المدّعي، إذا لم يكن(١) امرأتان(٢) . قضى بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بعده عندكم.
( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ) ، أي: تضلّ إحدى المرأتين، أي: نسيت الشّهادة.
( فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) ، أي: إنّما اعتبر التّعدّد في المرأة، لإرادة أن تذكّر إحداهما الأخرى، إن ضلّت ونسيت الشّهادة. وذلك لنقصان عقولهنّ وقلّة ضبطهنّ. والعلّة في الحقيقة التّذكير، وضع سببه مقامه.
وقرأ حمزة: «أن تضلّ» (على الشّرط) «فتذكّر» (بالرّفع.) وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: «فتذكّر» (من الإذكار.)( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) .، لتحمّل الشّهادة.
وسمّوا «شهداء»، تنزيلا لما يشارف منزلة الواقع وما مزيدة.
وقيل(٣) : لأداء الشّهادة أو التّحمّل.
وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) قال(٥) . لا ينبغي لأحد إذا دعي للشّهادة(٦) ، يشهد عليها أن يقول لا أشهد لكم.
[محمد بن يحيى(٧) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله. وقال: فذلك قبل الكتاب].(٨)
__________________
(١) المصدر: لم تكن.
(٢) يوجد في أبعد هذه الجملة: ورجل واحد ويمين لا.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٤٤.
(٤) الكافي ٧ / ٣٧٩، ح ١.
(٥) المصدر: فقال.
(٦) المصدر: إلى الشهادة.
(٧) نفس المصدر ٧ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠، ح ٢.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ:( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) فقال: إذا دعاك الرّجل لتشهد(٢) له على دين أو حق، لم ينبغ لك أن نقاعس عنه.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا ) ، قال: قبل الشّهادة.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا يأب الشّهداء أن تجيب(٥) حين تدعى(٦) قبل الكتاب.
( لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ ) : ولا تملّوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدّين.
وقيل(٧) : كنّى بالسّأمة عن الكسل.
( صَغِيراً أَوْ كَبِيراً ) : كان الحقّ صغيرا أو كبيرا، أو الكتاب مختصرا أو مشبعا.
( إِلى أَجَلِهِ ) : متعلّق بتكتبوه، أي: وقت حلوله الّذي أقرّ به المديون.
( ذلِكُمْ ) : إشارة إلى( أَنْ تَكْتُبُوهُ ) .
( أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ) : أكثر قسطا.
( وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ) : وأثبت لها.
وهما مبنيّان من أقسط وأقام على غير قياس، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم.
وإنّما صحّت الواو في «أقوم» كما صحّت في التّعجّب، لجموده.
( وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا ) : وأقرب في أن لا تشكّوا في جنس الدّين وقدره وأجله والشّهود ونحو ذلك.
( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ) :
استثناء عن مفعول فاكتبوه الرّاجع إلى دين، باعتبار تعلّق الكتابة به وتعلّقه
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ٣٨٠، ح ٣.
(٢) النسخ: «تشهد.» وما في المتن، موافق المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٥ و ٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يجيب يدعى.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٤٤.
بالتّداين. وما بينهما اعتراض، أي: اكتبوا الدّين المتداين به، إلّا أن يكون تجارة.
ونصب عاصم «تجارة»، على أنّه الخبر، والاسم مضمر تقديره: «إلّا أن يكون الدّين المتداين به تجارة.» وقرأ الباقون بالرّفع، على أنّ الخبر( تُدِيرُونَها ) ، أو على كان التّامّة.
( حاضِرَةً ) : والتّجارة الحاضرة تكون بدين وعين.
( تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ) : وإدارة التّجارة تعاطيهم إيّاها يدا بيد. فهو على تقدير كونه صفة مخصّصة، أي: فلا بأس بعدم الكتابة حينئذ.
( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ) مطلقا. لأنّه أحوط.
وقيل(١) : المراد هذا التّبايع.
والأوامر الّتي في هذه الآية، للاستحباب. وقيل(٢) : للوجوب. فمن قائل بالإحكام وقائل بالنّسخ.
( وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) : يحتمل البنائين. ويدلّ عليه قراءة: ولا يضارّ (بالكسر والفتح.) فعلى البناء للفاعل، نهي لهما عن ترك الإجابة والتّحريف والتّغيير في الكتبة والشّهادة. وعلى البناء للمفعول، نهى للمستكتب والمستشهد، من أن يضارّهما بالتّكليف لهما، ما لا يسوغ لهما، من حبس جعل الكاتب وحبس الشّهيد وغير ذلك.
( وَإِنْ تَفْعَلُوا ) ما نهيتم عنه،( فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) : خروج عن الطّاعة.
( وَاتَّقُوا اللهَ ) في مخالفة نهيه.
( وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) أحكامه المتضمّنة لمصالحكم.
( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . (٢٨٢) كرّر لفظ «الله» في الجمل الثّلاث، للمبالغة.
فإنّه لـمّا كان موضوعا للذّات الكاملة مع جميع صفات الكمال على الكمال، فيكون عقابه في النّهاية والكمال. فيقتضي الاتّقاء منه، أشدّ اقتضاء. ويكون تعليمه للأحكام في نهاية الإفضال. فلا يجوز مخالفة حكمه بحال. ويكون علمه بقدر الجزاء، شاملا أتمّ شمول. فلا يسوغ إغفال العمل بالذّهول.
وقيل(٣) : كرّر لاستقلالها. فإنّ الأولى، حثّ على التّقوى. والثّانية، وعد بإنعامه.
والثّالثة، تعظيم لشأنه. ولأنّه أدخل في التّعظيم من الكناية.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ١٤٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٤٥.
والوجه الأوّل من تعليليه ضعيف. لأنّ الإضمار لا يقتضي عدم الاستقلال. فتأمّل.
( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ) : راكب سفر، أي: مسافرين،( وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً، فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ) ، أي: فالّذي يستوثق رهان، أو فعليكم رهان، أو فليؤخذ رهان.
وظنّ مجاهد والضّحّاك، أنّ هذا التّعليق لاشتراط السّفر في الارتهان. [وليس كما ظنّا. بل الظّاهر أنّه لإقامة التّوثّق بالارتهان](١) مقام التّوثّق بالكتب في السّفر الّذي هو مظنّة الإعواز.
وبعضهم استدلّ بالآية، على أنّ القبض بالمعنى الأخصّ، معتبر في الرّهن. وفيه أنّه يحتمل أن يكون ذكر القبض واردا في الآية، على ما هو اكثر موارده، على أنّه يحتمل أن يكون المراد بالقبض، ما يشمل عدم جواز تصرّف الرّاهن، بدون إذن المرتهن فيه.
وما رواه العيّاشيّ(٢) : في تفسيره «عن محمّد بن عيسى، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لا رهن إلّا مقبوض(٣) » محمول على هذا المعنى.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فرهن، كسقف. وكلاهما جمع رهن، بمعنى مرهون، وقرئ بإسكان الهاء، على التّخفيف.
( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) ، أي: عدّ بعضكم البعض الآخر أمينا، واستغنى بأمانته عن الكتبة والارتهان،( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ ) ، أي: دينه.
سمّاه «أمانة»، لائتمانه عليه بترك الارتهان. ويحتمل أن يكون المراد بالائتمان، الاستيداع.
وقرئ بالّذيّتمن (بقلب الهمزة ياء) والّذتمن (بإدغام الياء في التّاء).
قيل(٤) : [وهو خطأ. لأنّ المنقلبة عن الهمزة في حكمها. فلا تدغم.
( وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ) في الخيانة.
وفي ذكر الرّبّ والإضافة إلى المؤتمن بعد ذكر الاسم الدّالّ على الذّات
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٥٦، ح ٥٢٥.
(٣) المصدر: مقبوضا.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٤٦.
المستجمع لجميع الصّفات المقتضية للاتّقاء عنه، زيادة اقتضاء للاتّقاء، على وجه اللّطف والمرحمة، لإشعاره بأنّه تعالى مربّيه. فيجب أن لا يرتكب ما فيه، مناقضة بكمال تربيته. فإنّ فيه كسر للمربّي ظاهرا. ففيه نهاية الإعطاف والإفضال وإظهار الملاطفة والإشعار.
فاعتبروا يا أولي الأبصار.
( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ) ، أيّها الشّهود! وقيل(١) : أو المديونون. والشّهادة، شهادتهم على أنفسهم.
( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) ، أي: يأثم قلبه، أو قلبه يأثم. وعلى الثّاني، الجملة خبر «إنّ» وإسناد الإثم إلى القلب. لأنّ الكتمان يقترفه، أو للمبالغة. فإنّه رئيس الأعضاء. وأفعاله أعظم الأفعال.
وفي نهج البلاغة(٢) : قال ـ عليه السّلام: وبما في الصّدور يجازى(٣) العباد.
وقرئ: قلبه (بالنّصب، كحسن وجهه.)
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : روى جابر(٥) ، عن أبي جعفر(٦) ـ عليه السّلام ـ قال في قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) قال: كافر قلبه].(٧)
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (٢٨٣): تهديد.
في أمالي الصّدوق ـ رحمه الله(٨) ـ في مناهي النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: ونهى ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن كتمان الشّهادة. وقال: من كتمها(٩) أطعمه الله لحمه على رؤوس الخلائق. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ:( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ. وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) .
وفي الكافي(١٠) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، ومحمّد بن عليّ، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: من كتم شهادة، أو شهد بها، ليهدر بها دم امرئ مسلم ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٤٦.
(٢) نهج البلاغة / ١٠٣، في خطبة ٧٥.
(٣) المصدر: تجازى.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٥، ح ١١٥.
(٥) «روى جابر» ليس في المصدر.
(٦) المصدر: وقال ـ عليه السّلام ـ أي: أبي جعفر ـ عليه السّلام.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٨) أمالي الصدوق / ٣٤٨ ـ ٣٤٩.
(٩) أو المصدر: يكتمها.
(١٠) الكافي ٧ / ٣٨٠، ح ١. وللحديث ذيل.
أو ليزوي مال امرئ مسلم، أتى يوم القيامة ولوجهه ظلمة، مدّ البصر وفي وجهه كدوح.
تعرفه الخلائق باسمه ونسبه.
( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : خلقا وملكا.
( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ ) : ما استقرّ في أنفسكم من السّوء حتّى تعزموا عليه.
لا ما خطر فيه. فإنّه موضوع عنكم. فإن تبدوه بالعمل أو باللّسان.
( أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) يوم القيمة.
( فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) مغفرته.
( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) تعذيبه.
وقد رفعهما عامر وعاصم ويعقوب، على الاستئناف. وجزمهما الباقون، عطفا على جواب الشّرط. ومن جزم بغير فاء، جعلهما بدلا عنه، بدل البعض من الكلّ أو الاشتمال، كقوله :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا |
تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا |
وإدغام الرّاء في اللّام، لحن، إذ الرّاء لا يدغم إلّا في مثله.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن سعدان، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) قال: حقيق على الله أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، بإسناده إلى حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله(٣) ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: رفع عن أمّتي تسعة أشياء(٤) : الخطأ، والنّسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطّيرة، والتّفكّر في الوسوسة في الخلق، ما لم ينطق بشفة.
وبإسناده(٥) إلى حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الاستطاعة. فلم يجبني. فدخلت عليه دخلة أخرى. فقلت: أصلحك الله! إنّه قد وضع(٦) في قلبي منها شيء، ولا يخرجه إلّا شيء أسمعه منك.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٥٦، ح ٥٢٨.
(٢) التوحيد / ٣٥٣، ح ٢٤.
(٣) المصدر: أبي عبد الله عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) نفس المصدر / ٣٤٦، ح ٣.
(٦) المصدر: وقع. (ظ)
قال: فإنّه لا يضرّك ما كان في قلبك.
وسيأتي تمام الحديث ـ إن شاء الله.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢٨٤). فيقدر على الإحياء والمحاسبة والمغفرة والتّعذيب.
( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) : شهادة. تنصيص من الله تعالى، على صحّة إيمانه والاعتداد به. وإنّه جازم في أمره، غير شاكّ فيه.
في كتاب الغيبة، لشيخ الطّائفة ـ قدس سرّه(١) ـ بإسناده إلى سلام قال: سمعت أبا سلمى راعي النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: ليلة(٢) أسري بي إلى السّماء، قال العزيز ـ جلّ ثناؤه:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) .
قلت:( وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
قال: صدقت يا محمّد.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٣) :](٤) وروى المقلّد بن غالب ـ رحمه الله ـ عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن رهبان، عن محمّد بن أحمد، عن عبد الرّحمن بن يزيد، عن جابر قال: سمعت أبا سلمى راعي النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: ليلة أسري بي إلى السّماء، قال الرّبّ ـ عزّ وجلّ:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) .
قلت:( وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
قال: صدقت يا محمّد. من خلّفت على أمّتك؟
قلت: خيرها.
قال: عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام؟
قلت: نعم، يا ربّ! فقال: يا محمّد! إنّي اطّلعت إلى الأرض، اطلاعة. فاخترتك منها. فشققت لك اسما من أسمائي. فلا أذكر(٥) في موضع إلّا ذكرت معي. فأنا المحمود وأنت محمّد. ثمّ
__________________
(١) غيبة الطوسي / ٩٥.
(٢) المصدر: سمعت ليلة.
(٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٢٩ ـ ٣٠.
(٤) ليس في أ.
(٥) ر: إنّي فلا أذكر.
اطّلعت ثانية. واخترت عليّا. فشققت له اسما من أسمائي. فأنا الأعلى. وهو عليّ.
يا محمّد! إنّي خلقتك وخلقت عليّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين، من نوري.
يا محمّد! إنّي عرضت ولايتكم على أهل السّماوات والأرضين. فمن قبلها كان عندي من المؤمنين. ومن جحدها كان عندي من الظّالمين.
يا محمّد! تحبّ أن تراهم؟
قلت: نعم. يا ربّ! قال: التفت.
فالتفت عن يمين العرش. فإذا أنا باسم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعليّ ومحمّد وعليّ والحسن والمهديّ في وسطهم، كأنّه كوكب درّيّ.
فقال: يا محمّد! هؤلاء حججي على خلقي. وهذا القائم من ولدك بالسّيف، والمنتقم من أعدائك.
فعلى هذين الخبرين، قوله( وَالْمُؤْمِنُونَ ) معطوف على «الرّسول» عطف تلقين.
وقوله :
( كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ) ، مبتدأ وخبر. والضّمير الّذي ناب عنه التّنوين في كلّ، للرّسول وللمؤمنين.
وجوّز البيضاويّ(١) كون «المؤمنون» مبتدأ أولا، وكون الضّمير لهم، «وكلّ» مبتدأ ثانيا مع خبره. وهو مع خبره خبر للأوّل.
قال: ويكون إفراد الرّسول لتعظيمه، أو لأنّ إيمانه عن مشاهدة وعيان، وإيمانهم عن نظر واستدلال.
وقرأ حمزة والكسائيّ: «وكتابه»، يعني: القرآن أو الجنس. والفرق بينه وبين الجمع أنّه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه. ولذلك قيل: الكتاب أكثر من الكتب.
( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) بالتّصديق لبعضهم والتّكذيب لبعض آخر، أي :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٤٦.
يقولون لا نفرّق.
ويحتمل عدم تقدير القول بجعله حالا من الفاعل. وهو الرّسول والمؤمنون. ويكون العدول عن الغيبة، لتعظيمهم وذلك أوجه.
وقرأ يعقوب بالياء، على أنّ الفعل لكلّ.
وقرئ «لا يفرّقون»، حملا على المعنى.
( وَقالُوا سَمِعْنا ) قولك.
( وَأَطَعْنا ) أمرك.
( غُفْرانَكَ رَبَّنا ) ، أي: اغفر غفرانك، أو نطلب غفرانك.
ويحتمل بعيدا كونه معمول «أطعنا وسمعنا» على سبيل التّنازع، أي: غفرانك، أي: موجبه. وهو الإيمان. سمعناه. وأطعناه. فآمنّا.
( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (٢٨٥) بعد الموت. وهو إقرار منهم بالبعث.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ ره ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل، وفيه خطبة الغدير، وفيها: معاشر النّاس! قولوا الّذي قلت لكم. وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين. وقولوا:( سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) .
( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) : إلّا ما يسعه قدرتها، أو مادون مدى طاقتها.
ويكون يسيرا عليها لقوله(٢) :( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) . وفيه تصريح بعدم وقوع التّكليف بالمحال.
وفي كتاب التّوحيد(٣) ، بإسناده إلى أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما أمر العباد إلّا بدون سعتهم. وكل(٤) شيء أمر النّاس بأخذه، فهم متّسعون له. وما لا يتّسعون له، فهو موضوع عنهم. ولكنّ النّاس لا خير فيهم.
وبإسناده(٥) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: من قال بالجبر، فلا تعطوه من الزّكاة، ولا تقبلوا له
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٨٣.
(٢) البقرة / ١٨٥.
(٣) التوحيد / ٣٤٧، ح ٦.
(٤) المصدر: فكلّ. أ: وفي كلّ.
(٥) نفس المصدر / ٣٦٢، ح ٩.
شهادة. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول(١) :( لا يُكَلِّفُ اللهُ ) (٢) ( نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) . ولا يحمل(٣) فوق طاقتها.( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) .(٤)
وبإسناده(٥) إلى حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الاستطاعة ـ إلى قوله ـ قلت: أصلحك الله! فإنّي أقول: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يكلّف العباد إلّا ما يستطيعون وإلّا ما يطيقون. فإنّهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلّا بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.
قال: وهذا دين الله الّذي أنا عليه وآبائي.
( لَها ما كَسَبَتْ ) من خير.
( وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) من شرّ. لا ينتفع بطاعتها. ولا يتضرّر بمعصيتها غيرها.
وتخصيص الكسب بالخير، والاكتساب بالشّرّ. لأنّ الاكتساب فيه اعتمال.
والشّرّ تشتهيه الأنفس وتنجذب إليه. فكانت أجدّ في تحصيله وأعمل، بخلاف الخير.
( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) ، أي: لا تؤاخذنا بما أدّى بنا إلى نسيان، أو خطأ، أو بما يؤدّي الخطأ والنّسيان إليه بالآخرة من عمل آخر. فإنّهما يمكن أن يؤدّي كثرتهما واعتيادهما إلى عمل قبيح.
وقيل: أو بأنفسهما إذ لا يمتنع المؤاخذة بهما عقلا. فإنّ الذّنوب كالسّموم. فكما أنّ تناولها يؤدّي إلى الهلاك، وإن كان خطأ. فتعاطي الذّنوب لا يبعد أن يفضى إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة. لكنّه تعالى وعد التّجاوز عنه، رحمة وفضلا. فيجوز أن يدعو الإنسان به، استدامة واعتدادا بالنّعمة فيه.
وفي أصول الكافي(٦) : الحسين بن محمّد، عن معلّي بن محمّد، عن أبي داود المسترق قال: حدّثني عمرو بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: رفع عن أمّتي أربع خصال: خطأها، ونسيانها، وما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا. رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) .
__________________
(١، ٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: يحملّها.
(٤) نفس المصدر / ٣٤٦، ذيل ح ٣.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٤٧.
(٦) الكافي ٢ / ٤٦٢، ح ١.
وقوله(١) .( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .
ويحتمل أن يكون هذا دعوة الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ قبل رفع الخطأ والنّسيان. وبعدها رفع، كما يجيء في الخبر.
والغرض من الدّعاء به، التّأسّي به، وتذكّر ما أنعم الله تعالى بسبب دعوته ـ عليه السّلام.
( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ) . ثقيلا يأصر صاحبه، أي: يحبسه في مكانه. والمراد به التّكاليف الشّاقّة.
وقرئ: ولا تحمّل (بالتّشديد، للمبالغة.)( كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) : حملا مثل حملك إيّاه عليهم، أو مثل الّذي حملته إيّاهم. فيكون صفة لإصرا، أو المراد به ما كلّف به بنو إسرائيل، من الأمور الّتي ذكر في الخبر الّذي ينقل عن الاحتجاج(٢) .
( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) من البلاء والعقوبة، أو من التّكاليف الّتي لا تفي بها القوّة البشريّة. وهو لا يدلّ على جواز التّكليف بما لا يطاق، بناء على احتمال كون المراد ممّا لا طاقة لنا العقوبة لا التّكاليف.
والتّشديد هنا، لتعدية الفعل إلى مفعول ثان.
( وَاعْفُ عَنَّا ) : وامح ذنوبنا.
( وَاغْفِرْ لَنا ) : واستر عيوبنا. ولا تفضحنا بالمؤاخذة.
( وَارْحَمْنا ) : وتعطّف بنا. وتفضّل علينا.
( أَنْتَ مَوْلانا ) : سيّدنا وناصرنا.
( فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) (٢٨٦): والمراد بهم عامّة الكفرة.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) ، للطبرسيّ ـ رحمه الله: روى عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل، يقول فيه ـ وقد ذكر مناقب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله: فدنى بالقلم(٤) . فتدلّى فدنى له(٥) من الجنّة رفرف أخضر. وغشى النّور بصره. فرأى عظمة ربّه
__________________
(١) النحل / ١٠٦.
(٢) سيأتي الخبر في الصفحات التالية.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٢٧ ـ ٣٣.
(٤) أو المصدر: بالعلم.
(٥) «فدنى له» ليس في المصدر.
ـ عزّ وجلّ ـ بفؤاده. ولم يرها بعينه. فكان كقاب قوسين بينها وبينه(١) ، أو أدنى. فأوحى [الله](٢) إلى عبده ما أوحى. وكان في ما أوحى إليه الآية الّتي في سورة البقرة، قوله تعالى:( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ. فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ. وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم ـ عليه السّلام ـ إلى أن بعث الله ـ تبارك وتعالى ـ محمّدا.
وعرضت على الأمم. فأبوا أن يقبلوا(٣) من ثقلها. وقبلها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله.
وعرضها على أمّته. فقبلوها. فلمّا رأى الله ـ تبارك وتعالى ـ منهم القبول، علم أنهم لا يطيقونها.
فلمّا أن سار إلى ساق العرش، كرّر عليه الكلام، ليفهمه. فقال:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) .
فأجاب ـ صلّى الله عليه وآله ـ مجيبا عنه: وعن(٤) أمّته؟
فقال:( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) .
فقال ـ جلّ ذكره: لهم الجنّة والمغفرة على أن فعلوا ذلك.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: [أمّا](٥) إذا فعلت ذلك ربّنا(٦) ، فغفرانك ربّنا.
وإليك المصير، يعنى: المرجع في الآخرة.
قال: فأجابه الله جلّ ثناؤه: وقد فعلت ذلك بك وبأمّتك؟
ثمّ قال ـ عزّ وجلّ: أمّا إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الأمم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمّتك، فحقّ عليّ أن أرفعها. عن أمّتك.
وقال:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. لَها ما كَسَبَتْ ) من خير.( وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) من شرّ.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا سمع ذلك: أمّا إذا فعلت ذلك بي وبأمّتي، فزدني.
__________________
(١) المصدر: بينه وبينها. (ظ)
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) المصدر: يقبلوها. (ظ)
(٤) ولعله: عن.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) المصدر: بنا.
قال: سل.
قال:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) .
قال الله ـ عزّ وجلّ: لست أؤاخذ أمّتك بالنّسيان أو الخطأ، لكرامتك عليّ.
وكانت الأمم السّالفة إذا نسوا ما ذكّروا به، فتحت عليهم أبواب العذاب. وقد رفعت(١) ذلك عن أمّتك. وكانت الأمّة السّالفة إذا أخطأوا، أخذوا بالخطإ وعوقبوا عليه(٢) . وقد رفعت ذلك عن أمّتك، لكرامتك عليّ.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: [أللهمّ](٣) إذا أعطيتني ذلك، فزدني.
فقال الله تعالى له: سل.
قال:( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) ، يعني: بالإصر، الشّدائد الّتي كانت على من كان قبلنا.
فأجابه الله إلى ذلك. فقال ـ تبارك اسمه: قد رفعت عن أمّتك الآصار الّتي كانت على الأمم السّالفة: كنت لا أقبل صلاتهم إلّا في بقاع من الأرض معلومة(٤) اخترتها لهم. وإن بعدت.
وقد جعلت الأرض لأمّتك كلها(٥) مسجدا وطهورا. فهذه من الآصار الّتي كانت على الأمم قبلك. فرفعتها عن أمّتك.
وكانت الأمّة السّالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم. وقد جعلت الماء لأمّتك طهورا. فهذه(٦) من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
وكانت الأمم السّالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس. فمن قبلت ذلك منه، أرسلت اليه(٧) نارا، فأكلته. فرجع مسرورا. ومن لم أقبل ذلك(٨) ، رجع مثبورا.
وقد جعلت قربان أمّتك في بطون فقرائها ومساكينها. فمن قبلت ذلك منه، أضعفت له(٩)
__________________
(١) المصدر: دفعت.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: «معلومة من الأرض» بدل «من الأرض معلومة.»
(٥) المصدر: كلّها لأمّتك. (ظ)
(٦) المصدر: فهذا.
(٧) المصدر: عليه. (ظ)
(٨) المصدر: منه ذلك. (ظ)
(٩) أو المصدر: ذلك له.
أضعافا مضاعفة. ومن لم أقبل ذلك منه، رفعت عنه عقوبات الدّنيا. وقد رفعت ذلك عن أمّتك وهي من الآصار الّتي كانت على الأمم قبلك(١) .
وكانت الأمم السّالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم اللّيل وأنصاف النّهار. وهي من الشّدائد الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك. وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار، في أوقات(٢) نشاطهم. وكانت الأمم السّالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة، في خمسين وقتا. وهي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك. وجعلتها خمسا في خمسة أوقات. وهي إحدى وخمسون ركعة. وجعلت لهم أجر خمسين صلاة.
وكانت الأمم السّالفة حسنتهم بحسنة وسيّئتهم بسيّئة. وهي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها(٣) من أمّتك. وجعلت الحسنة بعشر(٤) والسّيّئة بواحدة.
وكانت الأمم السّالفة إذا نوى أحدهم بحسنة(٥) ، ثمّ لم يعملها، لم تكتب له، وإن عملها كتبت له حسنة. وإنّ أمّتك إذا همّ أحدهم بحسنة، ولم يعملها(٦) كتبت له حسنة.
وإن عملها كتبت له عشرا(٧) . وهي من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
وكانت الأمم السّالفة إذا همّ أحدهم بسيّئة، فلم يعملها، لم تكتب عليه. وإن عملها، كتبت عليه سيّئة. وإنّ أمّتك إذا همّ أحدهم بسيّئة، ثمّ لم يعملها، كتبت له حسنة. وهذه من الآصار الّتي كانت عليهم. فرفعت(٨) ذلك عن أمّتك.
وكانت الأمم السّالفة إذا أذنبوا، كتبت ذنوبهم على أبوابهم. وجعلت توبتهم من الذّنوب أن حرّمت عليهم بعد التّوبة أحبّ الطّعام إليهم. وقد رفعت ذلك عن أمّتك.
وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم. وجعلت عليهم ستورا كثيفة. وقبلت توبتهم بلا عقوبة. ولا أعاقبهم بأن أحرّم عليهم أحبّ الطّعام إليهم.
وكانت الأمم السّالفة يتوب أحدهم(٩) من الذّنب الواحد، مائة سنة وثمانين سنة، أو خمسين سنة. ثمّ لا أقبل توبته دون أن أعاقبهم(١٠) في الدّنيا بعقوبة. وهي من الآصار الّتي
__________________
(١) المصدر: من كان من قبلك.
(٢) المصدر: وفي أو مات.
(٣) المصدر: عن. (ظ)
(٤) المصدر: بعشرة.
(٥) المصدر: حسنة. (ظ)
(٦) المصدر: فلم يعملها.
(٧) المصدر: عشرة.
(٨) المصدر: فرفعتها. (ظ)
(٩) المصدر: يتوب أحدهم إلى الله. (١٠) المصدر: أعاقبه. (ظ)
كانت عليهم. فرفعتها عن أمّتك.
وإنّ الرّجل من أمّتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين، أو أربعين سنة، أو مائة سنة، ثمّ يتوب ويندم طرفة عين، فأغفر ذلك كلّه.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله: إذا أعطيتني ذلك كلّه، فزدني.
قال: سل.
قال:( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) .
قال ـ تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بأمّتك. وقد رفعت عنهم عظم بلايا الأمم.
وذلك حكمي في جميع الأمم: ألّا أكلّف خلقا فوق طاقتهم.
قال ـ صلّى الله عليه وآله:( وَاعْفُ عَنَّا. وَاغْفِرْ لَنا. وَارْحَمْنا. أَنْتَ مَوْلانا ) .
قال الله ـ عزّ وجلّ: قد فعلت بتائبي أمّتك.
ثم قال ـ صلّى الله عليه وآله:( فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) .
قال الله ـ جلّ اسمه: إنّ أمّتك في الأرض، كالشّامة البيضاء في الثّور الأسود.
هم القادرون، هم القاهرون(١) ، يستخدمون، ولا يستخدمون لكرامتك عليّ. وحقّ عليّ أن أظهر دينك على الأديان، حتّى لا يبقى في شرق الأرض وغربها دين إلّا دينك، أو(٢) يؤدّون إلى أهل دينك الجزية.
وفي كتاب بصائر الدّرجات(٣) : أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الصّمد بن بشير قال: ذكر أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ بدوّ الأذان وقصّة الأذان في إسراء النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى انتهى إلى سدرة المنتهى.
قال: فقالت السّدرة: ما جاز بي مخلوق قبل.
قال:( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ) .(٤) قال: فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين وأصحاب الشّمال. فأخذ كتاب(٥) أصحاب اليمين بيمينه. وفتحه(٦) فنظر إليه. فإذا فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم.
قال: فقال له:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) .
__________________
(١) المصدر: وهم القاهرون.
(٢) المصدر: و.
(٣) بصائر الدرجات / ٢١٠ ـ ٢١١. وله تتمة.
(٤) النجم / ١٠٨.
(٥) المصدر: «قال: وأخذ» بدل «فأخذ كتاب.»
(٦) المصدر: وفتحه.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله:( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ) . فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) .
فقال الله: قد فعلت.
[فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) .
قال الله: قد فعلت(١) ]. قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا. [وَاغْفِرْ لَنا. (وَارْحَمْنا. أَنْتَ مَوْلانا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) .)(٢) ](٣) إلى اخر السّورة. كلّ ذلك يقول الله ـ عزّ وجلّ: قد فعلت.
ثمّ قال: طوى الصّحيفة. فأمسكها بيمينه. وفتح صحيفة أصحاب الشّمال. فإذا فيها أسماء أهل النّار وأسماء آبائهم وقبائلهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : أمّا قوله( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: أنّ هذه الآية مشافهة الله لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله(٥) ـ لـمّا أسرى به إلى السّماء. قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: انتهيت إلى محلّ سدرة المنتهى. وإذا الورقة(٦) منها تظلّ أمّة من الأمم.
فكنت من ربّي كقاب قوسين أو أدنى، كما حكى الله ـ عزّ وجلّ ـ. فناداني ربّي ـ تبارك وتعالى ـ:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) .
فقلت أنا مجيبه(٧) عني وعن أمّتي:( وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) ](٨) فقلت(٩) :( سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) .
فقال الله:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) .
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) ما بين القوسين يوجد في أ. فقط.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ٩٥.
(٥) المصدر: «ليلة».
(٦) المصدر: بورقة.
(٧) المصدر: فيجب. (ظ)
(٨) يوجد في أ، فقط.
(٩) المصدر: وقالوا.
فقلت:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ) .
فقال الله: لا أؤاخذك.
فقلت:( رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا ) .
فقال الله: لا أحملك.
فقلت:( رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. وَاعْفُ عَنَّا. وَاغْفِرْ لَنا. وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا. فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) .
فقال الله ـ تبارك وتعالى: قد أعطيت ذلك لك ولأمّتك.
فقال الصّادق ـ صلوات الله عليه ـ: ما وفد إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ: أحد أكرم من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين(١) سأل لأمّته هذه الخصال.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عبد الصّمد بن بشير(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل وفيه نحو ما في تفسير عليّ بن إبراهيم معنى، إلّا قوله: فقال الصّادق ـ صلوات الله عليه ـ، إلخ ـ في فضل قوله( آمَنَ الرَّسُولُ ) ـ إلى آخر السّورة.
روي عن قتادة(٤) قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا قرأ هذه الآية :( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) ، حتّى يختمها، قال: وحقّ الله! إنّ لله كتابا قبل أن يخلق السّماوات والأرض، بألفي سنة، فوضعه عنده فوق العرش. فأنزل آيتين. فختم بهما البقرة. فأيما بيت قرئ فيه، لم يدخله شيطان.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٥) ، عن عمرو بن جميع، رفعه إلى عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قرأ أربع آيات من أوّل البقرة، وآية الكرسيّ، وآيتين بعدها وثلاث آيات من آخرها، لم ير في نفسه وفي ماله شيئا يكرهه، ولم يقربه شيطان، ولا ينسى القرآن.
وعن جابر بن عبد الله(٦) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث طويل يقول
__________________
(١) المصدر: حيث.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٥٨، ضمن ح ٥٣٠+ ٢ / ١٦٠، ضمن ح ٥٣١.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: شيبة.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٦٠، ح ٥٣٢.
(٥) ثواب الأعمال / ١٣١.
(٦) لم نعثر عليه في «ثواب الأعمال» ولكن عنه في :
ـ عليه السّلام. فيه: قال لي الله تعالى: وأعطيت لك ولأمّتك كنزا من كنوز العرش، فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة.
__________________
تفسير نور الثقلين ١ / ٣٠٨، ح ١٢٢٩. تفسير الصافي ١ / ٣١٤. ويوجد نصا في معاني الأخبار / ٥١.
الفهرس
البقرة: ١٥
وَإِذْ قُلْنَا (٥٨) ١٧
البقرة ٥٩:فَبَدَّلَ الَّذِينَ ٢٠
البقرة ٦٠:وَإِذِ اسْتَسْقَى ٢١
البقرة ٦١:وَإِذْ قُلْتُمْ ٢٦
البقرة ٦٢:إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ٣٠
البقرة ٦٣:وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ٣٢
البقرة ٦٤: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ٣٥
البقرة ٦٥:وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٣٥
البقرة ٦٦:فَجَعَلْنَاهَا ٣٧
البقرة ٦٧:وَإِذْ قَالَ مُوسَى ٣٨
البقرة ٦٨:قَالُوا ادْعُ لَنَا ٣٩
البقرة ٦٩:قَالُوا ادْعُ لَنَا ٤٠
البقرة ٧٠:قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ٤٠
البقرة ٧١: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ ٤٢
البقرة ٧٢:وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ٤٤
البقرة ٧٣:فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ ٤٤
البقرة ٧٤:ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ٥١
البقرة ٧٥:أَفَتَطْمَعُونَ ٥٨
البقرة ٧٦:وَإِذَا لَقُوا ٥٨
البقرة ٧٧:أَوَلَا يَعْلَمُونَ ٥٩
البقرة ٧٨:وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ٥٩
البقرة ٧٩:فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ٦١
البقرة ٨٠:وَقَالُوا لَنْ ٦٢
البقرة ٨١:بَلَى مَنْ كَسَبَ ٦٣
البقرة ٨٢:وَالَّذِينَ آَمَنُوا ٦٤
البقرة ٨٣:وَإِذْ أَخَذْنَا ٦٤
البقرة ٨٤:وَإِذْ أَخَذْنَا ٦٨
البقرة ٨٥:ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ٦٩
البقرة ٨٦:أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ٧٦
البقرة ٨٧:وَلَقَدْ آَتَيْنَا ٧٧
البقرة ٨٨:وَقَالُوا قُلُوبُنَا ٨٠
البقرة ٨٩:وَلَمَّا جَاءَهُمْ ٨١
البقرة ٩٠:بِئْسَمَا اشْتَرَوْ ا ٨٤
البقرة ٩١:وَإِذَا قِيلَ ٨٥
البقرة ٩٢:وَلَقَدْ جَاءَكُمْ ٨٦
البقرة ٩٣:وَإِذْ أَخَذْنَا ٨٦
البقرة ٩٤:قُلْ إِنْ كَانَتْ ٨٧
البقرة ٩٥:وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ٨٩
البقرة ٩٦:وَلَتَجِدَنَّهُمْ ٨٩
البقرة ٩٧:قُلْ مَنْ كَانَ ٩١
البقرة ٩٨:مَنْ كَانَ ٩٦
البقرة ٩٩:وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا ٩٦
البقرة ١٠٠:أَوَكُلَّمَا ٩٧
البقرة ١٠١:وَلَمَّا جَاءَهُمْ ٩٨
البقرة ١٠٢:وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو ٩٩
البقرة ١٠٣:وَلَوْ أَنَّهُمْ ١١١
البقرة ١٠٤:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ١١٢
البقرة ١٠٥:مَا يَوَدُّ الَّذِينَ ١١٣
البقرة ١٠٦:مَا نَنْسَخْ ١١٤
البقرة ١٠٧:أَلَمْ تَعْلَمْ ١١٦
البقرة ١٠٨:أَمْ تُرِيدُونَ ١١٦
البقرة ١٠٩:وَدَّ كَثِيرٌ ١١٧
البقرة ١١٠:وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ١١٨
البقرة ١١١:وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ ١١٨
البقرة ١١٢:بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ١٢٠
البقرة ١١٣:وَقَالَتِ الْيَهُودُ ١٢٢
البقرة ١١٤:وَمَنْ أَظْلَمُ ١٢٣
البقرة ١١٥:وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ ١٢٤
البقرة ١١٦:وَقَالُوا اتَّخَذَ ١٢٧
البقرة ١١٧:بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ ١٢٨
البقرة ١١٨:وَقَالَ الَّذِينَ ١٣٠
البقرة ١١٩:إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ١٣١
البقرة ١٢٠:وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ ١٣١
البقرة ١٢١:الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ ١٣٢
البقرة ١٢٢:يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ١٣٣
البقرة ١٢٣:وَاتَّقُوا يَوْمًا ١٣٣
البقرة ١٢٤:وَإِذِ ابْتَلَى ١٣٣
البقرة ١٢٥:وَإِذْ جَعَلْنَا ١٤٠
البقرة ١٢٦:وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ١٤٥
البقرة ١٢٧:وَإِذْ يَرْفَعُ ١٤٨
البقرة ١٢٨:رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا ١٥٨
البقرة ١٢٩:رَبَّنَا وَابْعَثْ ١٦٠
البقرة ١٣٠:وَمَنْ يَرْغَبُ ١٦١
البقرة ١٣١:إِذْ قَالَ ١٦٢
البقرة ١٣٢:وَوَصَّى بِهَا ١٦٢
البقرة ١٣٣:أَمْ ١٦٤
البقرة ١٣٤:تِلْكَ أُمَّةٌ ١٦٥
البقرة ١٣٥:وَقَالُوا كُونُوا ١٦٦
البقرة ١٣٦:قُولُوا آَمَنَّا ١٦٦
البقرة ١٣٧:فَإِنْ آَمَنُوا ١٦٨
البقرة ١٣٨:صِبْغَةَ اللَّهِ ١٦٩
البقرة ١٣٩:قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا ١٧٠
البقرة ١٤٠:أَمْ تَقُولُونَ ١٧١
البقرة ١٤١:تِلْكَ أُمَّةٌ ١٧٢
البقرة ١٤٢:سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ١٧٢
البقرة ١٤٣:وَكَذَلِكَ ١٧٧
البقرة ١٤٤:قَدْ نَرَى ١٨٣
البقرة ١٤٥:وَلَئِنْ أَتَيْتَ ١٨٧
البقرة ١٤٦:الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ ١٨٨
البقرة ١٤٧:الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ١٨٩
البقرة ١٤٨:وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ١٨٩
البقرة ١٤٩:وَمِنْ حَيْثُ ١٩٢
البقرة ١٥٠:وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ١٩٢
البقرة ١٥١:كَمَا أَرْسَلْنَا ١٩٣
البقرة ١٥٢:فَاذْكُرُونِي ١٩٤
البقرة ١٥٣:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ١٩٥
البقرة ١٥٤:وَلَا تَقُولُوا ١٩٦
البقرة ١٥٥:وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ١٩٧
البقرة ١٥٦:الَّذِينَ إِذَا ١٩٨
البقرة ١٥٧:أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ ١٩٩
البقرة ١٥٨:إِنَّ الصَّفَا ٢٠١
البقرة ١٥٩:إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ٢٠٦
البقرة ١٦٠:إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ٢٠٨
البقرة ١٦١:إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ٢٠٨
البقرة ١٦٢:خَالِدِينَ فِيهَا ٢٠٩
البقرة ١٦٣:وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ ٢٠٩
البقرة ١٦٤:إِنَّ فِي خَلْقِ ٢٠٩
البقرة ١٦٥:وَمِنَ النَّاسِ ٢١٢
البقرة ١٦٦:إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ ٢١٣
البقرة ١٦٧:وَقَالَ الَّذِينَ ٢١٣
البقرة ١٦٨:يَا أَيُّهَا النَّاسُ ٢١٦
البقرة ١٦٩:إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ ٢١٧
البقرة ١٧٠:وَإِذَا قِيلَ ٢١٧
البقرة ١٧١:وَمَثَلُ الَّذِينَ ٢١٧
البقرة ١٧٢:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٢١٨
البقرة ١٧٣: إِنَّماحَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٢١٩
البقرة ١٧٤:إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ٢٢٣
البقرة ١٧٥:أُولَئِكَ الَّذِينَ ٢٢٣
البقرة ١٧٦:ذَلِكَ بِأَنَّ ٢٢٤
البقرة ١٧٧:لَيْسَ الْبِرَّ ٢٢٤
البقرة ١٧٨:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٢٢٧
البقرة ١٧٩:وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ ٢٢٩
البقرة ١٨٠:كُتِبَ عَلَيْكُمْ ٢٣٠
البقرة ١٨١:فَمَنْ بَدَّلَهُ ٢٣٣
البقرة ١٨٢:فَمَنْ خَافَ ٌ ٢٣٥
البقرة ١٨٣:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٢٣٧
البقرة ١٨٤:أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ٢٤٠
البقرة ١٨٥:شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي ٢٤٣
البقرة ١٨٦:وَإِذَا سَأَلَكَ ٢٤٩
البقرة ١٨٧:أُحِلَّ لَكُمْ ٢٥١
البقرة ١٨٨:وَلَا تَأْكُلُوا ٢٥٧
البقرة ١٨٩:يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٢٥٩
البقرة ١٩٠:وَقَاتِلُوا فِي ٢٦٢
البقرة ١٩١:وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ٢٦٣
البقرة ١٩٢:فَإِنِ انْتَهَوْا ٢٦٣
البقرة ١٩٣:وَقَاتِلُوهُمْ ٢٦٣
البقرة ١٩٤:الشَّهْرُ الْحَرَامُ ٢٦٥
البقرة ١٩٥:وَأَنْفِقُوا فِي ٢٦٦
البقرة ١٩٦:وَأَتِمُّوا الْحَجَّ ٢٦٩
البقرة ١٩٧:الْحَجُّ أَشْهُرٌ ٢٨٧
البقرة ١٩٨:لَيْسَ عَلَيْكُمْ ٢٩٠
البقرة ١٩٩:ثُمَّ أَفِيضُوا ٢٩٢
البقرة ٢٠٠:فَإِذَا قَضَيْتُمْ ٢٩٥
البقرة ٢٠١:وَمِنْهُمْ مَنْ ٢٩٧
البقرة ٢٠٢:أُولَئِكَ لَهُمْ ٢٩٧
البقرة ٢٠٣:وَاذْكُرُوا اللَّهَ ٢٩٩
البقرة ٢٠٤:وَمِنَ النَّاسِ ٣٠٣
البقرة ٢٠٥:وَإِذَا تَوَلَّى ٣٠٣
البقرة ٢٠٦:وَإِذَا قِيلَ ٣٠٥
البقرة ٢٠٧:وَمِنَ النَّاسِ ٣٠٥
البقرة ٢٠٨:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٣١٠
البقرة ٢٠٩:فَإِنْ زَلَلْتُمْ ٣١٢
البقرة ٢١٠:هَلْ يَنْظُرُونَ ٣١٢
البقرة ٢١١:سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ٣١٤
البقرة ٢١٢:زُيِّنَ لِلَّذِينَ ٣١٤
البقرة ٢١٣:كَانَ النَّاسُ ٣١٥
البقرة ٢١٤:أَمْ حَسِبْتُمْ ٣١٨
البقرة ٢١٥:يَسْأَلُونَكَ مَاذَا ٣١٩
البقرة ٢١٦:كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٣١٩
البقرة ٢١٧:يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٣١٩
البقرة ٢١٨:إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ٣٢١
البقرة ٢١٩:يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٣٢١
البقرة ٢٢٠:فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ٣٢٤
البقرة ٢٢١:وَلَا تَنْكِحُوا ٣٢٧
البقرة ٢٢٢:وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٣٢٩
البقرة ٢٢٣:نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ ٣٣٤
البقرة ٢٢٤:وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ ٣٣٦
البقرة ٢٢٥:لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٣٣٨
البقرة ٢٢٦:لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ٣٣٨
البقرة ٢٢٧:وَإِنْ عَزَمُوا ٣٣٩
البقرة ٢٢٨:وَالْمُطَلَّقَاتُ ٣٤١
البقرة ٢٢٩: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ٣٤٥
البقرة ٢٣٠:فَإِنْ طَلَّقَهَا ٣٤٧
البقرة ٢٣١:وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٣٥٠
البقرة ٢٣٢:وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٣٥١
البقرة ٢٣٣:وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ ٣٥٢
البقرة ٢٣٤:وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ٣٥٦
البقرة ٢٣٥:وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ٣٥٨
البقرة ٢٣٦:لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ٣٦٠
البقرة ٢٣٧:وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ٣٦٣
البقرة ٢٣٨:حَافِظُوا عَلَى ٣٦٦
البقرة ٢٣٩:فَإِنْ خِفْتُمْ ٣٦٩
البقرة ٢٤٠:وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ٣٧٠
البقرة ٢٤١:وَلِلْمُطَلَّقَاتِ ٣٧١
البقرة ٢٤٢:كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٣٧٣
البقرة ٢٤٣:أَلَمْ تَرَ إِلَى ٣٧٣
البقرة ٢٤٤:وَقَاتِلُوا فِي ٣٧٦
البقرة ٢٤٥:مَنْ ذَا الَّذِي ٣٧٦
البقرة ٢٤٦:أَلَمْ تَرَ ٣٧٩
البقرة ٢٤٧:وَقَالَ لَهُمْ ٣٨٠
البقرة ٢٤٨:وَقَالَ لَهُمْ ٣٨٣
البقرة ٢٤٩:فَلَمَّا فَصَلَ ٣٨٦
البقرة ٢٥٠:وَلَمَّا بَرَزُوا ٣٨٨
البقرة ٢٥١:فَهَزَمُوهُمْ ٣٨٨
البقرة ٢٥٢:تِلْكَ آَيَاتُ ٣٩١
البقرة ٢٥٣:تِلْكَ الرُّسُلُ ٣٩١
البقرة ٢٥٤:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٣٩٥
البقرة ٢٥٥:اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا ٣٩٨
البقرة ٢٥٦:لَا إِكْرَاهَ ٤٠٥
البقرة ٢٥٧:اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ٤٠٩
البقرة ٢٥٨:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي ٤١٣
البقرة ٢٥٩:أَوْ كَالَّذِي مَرَّ ٌ ٤١٥
البقرة ٢٦٠:وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ٤٢٨
البقرة ٢٦١:مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ٤٣٥
البقرة ٢٦٢:الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ٤٣٦
البقرة ٢٦٣:قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ٤٣٧
البقرة ٢٦٤:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٤٣٧
البقرة ٢٦٥:وَمَثَلُ الَّذِينَ ٤٣٨
البقرة ٢٦٦:أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ٤٤٠
البقرة ٢٦٧:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٤٤٠
البقرة ٢٦٨:الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٤٤٢
البقرة ٢٦٩:يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ٤٤٣
البقرة ٢٧٠:وَمَا أَنْفَقْتُمْ ٤٤٦
البقرة ٢٧١:إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ ٤٤٦
البقرة ٢٧٢:لَيْسَ عَلَيْكَ ٤٤٨
البقرة ٢٧٣:لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ ٤٤٩
البقرة ٢٧٤:الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ٤٥٠
البقرة ٢٧٥:الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٤٥٢
البقرة ٢٧٦:يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ٤٥٦
البقرة ٢٧٧:إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ٤٥٧
البقرة ٢٧٨:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٤٥٧
البقرة ٢٧٩:فَإِنْ لَمْ ٤٥٨
البقرة ٢٨٠:وَإِنْ كَانَ ٤٥٩
البقرة ٢٨١:وَاتَّقُوا يَوْمًا ٤٦٢
البقرة ٢٨٢:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ٤٦٣
البقرة ٢٨٣:وَإِنْ كُنْتُمْ ٤٧١
البقرة ٢٨٤:لِلَّهِ مَا فِي ٤٧٣
البقرة ٢٨٥:آَمَنَ الرَّسُولُ ٤٧٤
البقرة ٢٨٦:لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ ٤٧٦