ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
الفهرس
الفهرس ٧
سورة آل عمران ٢٣
سورة آل عمران(١) ٢٥
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ٥٠
وَرَسُولاً إلى بَنِي ١٠٠
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ ١٩٩
هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ٢٥٥
سورة النّساء ٣٠٥
سورة النّساء ٣٠٧
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا ٤٠١
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ ٥٠٠
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ٥٩٩
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا وآله الطيّبين الطاهرين، ولاسيّما بقيّة الله في الأرضين، واللّعنة الدّائمة على أعدائهم أجمعين.
النسخ التي استفدنا منها في الربع الأوّل من التفسير
١ - نسخة موجودة في جامعة طهران، برقم ١٤، ورمزها (أ).
٢ - نسخة إلى آخر سورة المائدة، كتبت في حياة المؤلّف، بل في نفس سنة تأليف الكتاب.
وكانت هذه النسخة ضمن مخطوطات الأستاذ الشانهچي، ثمّ نقلت إلى مكتبة الروضة الرضويّة المقدّسة في مشهد الإمام الرضاعليهالسلام وهي الأصل.
٣ - نسخة أخرى إلى نهاية سورة المائدة أيضا، نسخت هي الأخرى في نفس سنة التأليف. محفوظة في المكتبة المركزيّة بجامعة طهران، برقم ٧٣٥٣، ورمزها (ر).
ولا بدّ من توضيح مسألة: وهي أنّ متن النسخة ٢ (الأصل)، هو نفسه في النسخة ١ (أ)، مع شيء من الاختلاف في العبارات والمواضع التي حذفت وأبدلت بغيرها في الحاشية.
وقد كانت هذه الحواشي تذيّل بعبارات مثل: منه، منه سلّمه الله، منه دام ظلّه العالي، منه أدام الله بقائه، أو "صح".
ويلاحظ في الحاشية كلمات: «بلغ» و «بلغ قبالا».
وفي الواقع، فإنّ النسخة (٣)، هي عين النسخة (٢) التي توجد التصحيحات
والحواشي في متنها.
أمّا الإختلاف الموجود بين النسخة الأولى (أ)، والنسختين الأخريين، فهو يوضح أنّ نسخة التأليف الأوّل هي نفسها، ولكن، وبعد إنهاء الربع الأوّل من التفسير، أدعى المفسّر النظر فيها وأدخل عليها بعض التصحيحات وأكملها.
كان ذلك بعدما تداولت الأيدي النسخة غير المصحّحة واستنسختها. حيث بقيت على تلك الحال.
وعلى هذا الأساس، جعلت النسخة ٢، التي تمّ تصحيحها من قبل المفسّر، أصلا.
وخلال التحقيق في سائر النسخ الموجودة، التي تحتوي على الربع الأوّل، لوحظ أنّ النسخة المرّقمة (٢٣٤٨) الموجودة في مكتبة آية الله المرعشي - دام ظلّه - ، مطابقة لنسخة جامعة طهران برقم (١٤). وجميع النسخ - مع الأخذ بنظر الاعتبار المتن والحاشية - مطابقة للنسخة الأصل.
ولا بدّ من القول: إننا قد اعتمدنا في حلّ غوامض النسخة الأصل، على نسخة مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، برقم (١٢٠٧٣).
سورة آل عمران(١)
في كتاب ثواب الأعمال(٢) : بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال: من قرأ البقرة وجاء(٣) يومالقيامة يضلّانه(٤) على رأسه مثل الغمامتين، أو مثل الغيابتين. [مدنيّة وآيها مائتان].(٥)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( ألم ) (١): قد مرّ بعض إشاراته في أوّل سورة البقرة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٦) : بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن الصادقعليهالسلام ، في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : وأمّا «الم» في أوّل فمعناه أنا الله المجيد.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) خيثمة الجعفيّ، عن أبي لبيد(٨) المخزوميّ قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : يا أبا لبيد انّه يملك من ولد عبّاس(٩) اثنا عشر(١٠) ، يقتل بعد الثّامن منهم أربعة ،
__________________
(١) يوجد في أبعد «سورة»: مدنية وآيتها مائتان.
(٢) ثواب الأعمال / ١٣٠، ح ١.
(٣) المصدر: جاءتا.
(٤) المصدر: تضلّانه.
(٥) ليس في أ.
(٦) معاني الأخبار / ٢٢ ضمن ح ١. وفي أ: ثواب الأعمال.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٣.
(٨) النسخ: «خيثمة الجعفري حدّثني أبو لبيد» وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٩) المصدر: ولد العباس.
(١٠) النسخ: «اثنى عشرة.» وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
يصيب(١) أحدهم الذّبحة فتذبحه، هم فئة(٢) قصيرة أعمارهم قليلة مدّتهم خبيثة سيرتهم [منهم](٣) الفويسق الملقّب بالهادي، والنّاطق والغاوي، يا أبا لبيد إنّ في حروف القرآن المقطّعة لعلماً جمّا، إنّ الله - تبارك وتعالى - أنزل( الم ذلِكَ الْكِتابُ ) فقام محمّدصلىاللهعليهوآله حتّى ظهر نوره وثبتت كلمته وولد(٤) يوم ولد وقد مضى من الألف السّابع مائة سنة وثلاث سنين، ثمّ قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطّعة، إذا عدّدتها من غير تكرار، وليس من حروف مقطّعة حرف تنقضي أيّام إلّا وقائم من بني هاشم عند انقضائه، ثمّ قال: الألف واحد، واللّام ثلاثون، والميم أربعون، والصّاد تسعون، فذلك مائة وإحدى وستّون، ثمّ كان بدء(٥) خروج الحسين بن عليّعليهالسلام الم الله، فلمّا بلغت مدّته قام قائم ولد العبّاس عبد «المص» ويقوم قائمنا عند انقضائها «بالر» فافهم ذلك وعه واكتمه.
وإنّما فتح الميم في المشهورة، وكان حقّها أن يوقف عليها، لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدلّ على أنّها في حكم الثّابت، لأنّها أسقطت للتّخفيف لا للدّرج، فإنّ الميم في حكم الوقف، كقولهم: واحد اثنان، لا لالتقاء السّاكنين، فإنّه غير محذور في باب الوقف، ولذلك لم يحرّك في لام.
وقرئ بكسرها، على توهّم التّحريك لالتقاء السّاكنين. وقرأ أبو بكر بسكونها، والابتداء بما بعدها على الأصل(٦) .
( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (٢):(٧) : قد مرّ تفسيره فلا حاجة إلى تكريره.
( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ) ، أي: القرآن منجما،( بِالْحَقِ ) : بالعدل، أو بالصّدق في أخباره، أو بالحجج المحقّقة أنّه من عند الله. وهو في موضع الحال عن المفعول.
( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) : من الكتب.
__________________
(١) المصدر: فتصيب.
(٢) النسخ: «فتنة». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) النسخ: «ولده». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) هكذا في أ. وفي الأصل ورو المصدر: بدو.
(٦) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٤٨.
(٧) البقرة ٢٥٥.
( وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) (٣)(١) جملة على موسى وعيسى.
في أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن القاسم، عن محمّد بن سليمان، عن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: [سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) ، وإنّما أنزل في عشرين سنة بين أوّله وآخره.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام :](٣) نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل(٤) في طول عشرين سنة، ثمّ قال: قال النّبيّ - صلّى الله عليه وآله: نزلت(٥) صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التّوراة لستّ مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت(٦) من شهر رمضان، وأنزل الزّبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، [وأنزل القرآن في ثلاث وعشرين من شهر رمضان.
وفي الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: أنزلت(٨) التّوراة في ستّ مضت من شهر رمضان، ونزل(٩) الإنجيل في اثنا عشر(١٠) ليلة من شهر رمضان، وأنزل(١١) الزّبور في ليلة ثمانية عشرة مضت من شهر رمضان](١٢) وأنزل(١٣) القرآن في ليلة القدر.
قيل(١٤) : التّوراة مشتقّة من الورى، الّذي هو إخراج النار من الزناد، سمّي بها لإخراج نور العلم منه. والإنجيل من النّجل، بمعنى: الولد، سمّي به لأنّه يتولّد منه النّجاة.
ووزنهما تفعلة وإفعيل، وهو تعسّف لأنّهما اسمان أعجميّان، يؤيّد ذلك أنّه قرئ الإنجيل بفتح الهمزة، وهو ليس من أبنية العرب.
__________________
(١) آل عمران، ٣.
(٢) الكافي ٢ / ٦٢٨، ح ٦.
(٣) ما بين المعقوفتين يوجد في المصدر.
(٤) النسخ: «نزلت». وما في المتن موافق المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نزل.
(٦) ليس في ر.
(٧) نفس المصدر ٤ / ١٥٧، ح ٥.
(٨) المصدر: نزلت.
(٩) هكذا في النسخ والمصدر. والظاهر: أنزل.
(١٠) هكذا في النسخ والمصدر. والظاهر: اثنتي عشرة.
(١١) المصدر: نزل.
(١٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٣) المصدر: نزل.
(١٤) أنوار التنزيل ١ / ١٤٨.
( مِنْ قَبْلُ ) : تنزيل القرآن.
( هُدىً لِلنَّاسِ ) ، أي: لكلّ من أنزل عليه( وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) :
قيل(١) : يريد به جنس الكتب الإلهيّة، فإنّها فارقة بين الحقّ والباطل، ذكر ذلك بعد [ذكر](٢) الكتب الثّلاثة ليعمّ ما عداها [كأنّه قال: وأنزل سائر ما يفرّق به بين الحقّ والباطل، أو الزّبور](٣) أو القرآن. وكرّر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيما وإظهارا لفضله، من حيث أنّه يشركهما في كونه وحيا منزّلا، ويتميّز بأنّه معجز، يفرّق به بين المحقّ والمبطل أو المعجزات.
ويحتمل أن يكون المراد به محكمات القرآن، أفردها لزيادة شرفها ونفعها.
وفي أصول الكافي(٤) : علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن سنان أو غيره، عمّن ذكره قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن القرآن والفرقان أهما شيئان أو شيء واحد.
فقالعليهالسلام : القرآن جملة الكتاب، والفرقان المحكم الواجب العمل به.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته(٦) عن قول الله:( الم اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ ) .
قال: هو كلّ أمر محكم، والكتاب هو جملة القرآن الّذي يصدّق فيه من كان(٧) قبله [من](٨) الأنبياء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وروى مثل ما في تفسير العيّاشيّ.
وفي كتاب علل الشّرائع(١٠) : بإسناده إلى أبي عبد الله [بن يزيد قال: حدّثني يزيد](١١)
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٤٨.
(٢ و ٣) يوجد في المصدر.
(٤) الكافي ٢ / ٦٣٠، ح ١١.
(٥) تفسير العيّاشي ١ / ١٦٢، ح ١.
(٦) «قال سألته» ليس في المصدر.
(٧) المصدر: «كتاب» بدل «كان».
(٨) يوجد في المصدر.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٩٦.
(١٠) علل الشرائع / ٤٧٠، صدر ح ٣٣.
(١١) يوجد في المصدر.
ابن سلام أنّه سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال له: لم سمّي الفرقان فرقانا؟
[قال :](١) لأنّه متفرّق الآيات والسّور أنزلت في غير الألواح، وغيره من الصّحف(٢) والتّوراة والإنجيل والزّبور أنزلت(٣) كلّها جملة في الألواح والورق.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الصّحيفة السّجّاديّة في دعائهعليهالسلام عند ختم القرآن(٤) : وفرقانا فرقت به بين حلالك وحرامك، وقرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك.
](٥) ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ) : من كتب منزلة كانت أو غيرها،( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) : بسبب كفرهم. ولا شك أنّ أمير المؤمنين من أعظم آيات الله، والكافرين به والمنكرين لحقّه لهم عذاب شديد.
( وَاللهُ عَزِيزٌ ) : غالب، لا يمنع من التّعذيب،( ذُو انْتِقامٍ ) (٤): تنكيره للتّعظيم، أي: انتقام لا يقدر مثله أحد ولا يعرف كنهه أحد. والنّقمة، عقوبة المجرم. والفعل منه، نقم - بالفتح والكسر - وهو وعيد جيء به بعد تقرير التّوحيد، وإنزال الكتب والآيات لمن أعرض عنها.
( إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ) : كلّيّا كان أو جزئيّا، إيمانا أو كفرا،( فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) (٥): خصّصهما، إذ الحسّ لا يتجاوزهما، وقدّم الأرض ترقّيا من الأدنى إلى الأعلى، ولأنّ المقصود ما اقترف فيها.
( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ ) :
وهو ردّ على ما ذهب إليه بعض الحكماء من وجود القوّة المصوّرة.
وقرئ: تصوّركم، أي: صوّركم لنفسه وعبادته(٦) .
( كَيْفَ يَشاءُ ) : من الصّور المختلفة، مشابها لصورة أبيه أولا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الأصل: «غير الصحف» بدل «غيره من الصحف». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) المصدر: نزلت.
(٤) الصحيفة السجادية / ٢١١، الدعاء ٤٢.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٤٩.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) : بإسناده إلى جعفر بن بشير، عن رجل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله - تبارك وتعالى - إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كلّ صورة بينه وبين أبيه إلى آدم، ثمّ خلقه على صورة أحدهم، فلا يقولنّ أحد: هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن نوح بن شعيب رفعه، عن عبد الله بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أتى رجل من الأنصار رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: هذه ابنة عمّي وامرأتي، لا أعلم منها(٣) إلّا خيرا، وقد أتتني بولد شديد السّواد، منتشر المنخرين، جعد، قطط، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي ولا في أجدادي.
فقالصلىاللهعليهوآله لامرأته: ما تقولين؟
قالت: لا والّذي بعثك بالحقّ نبيّا ما أقعدت مقعده منّي(٤) منذ ملكني أحداً غيره.
قال: فنكس رسول اللهصلىاللهعليهوآله [برأسه](٥) مليّا، ثمّ رفع بصره إلى السّماء، ثمّ أقبل على الرجل فقال: يا هذا، إنّه ليس من أحد إلّا بينه وبين آدم تسعة وتسعون(٦) عرقا كلّها تضرب في النّسب، فإذا وقعت النّطفة في الرّحم اضطربت تلك العروق تسأل الشّبه(٧) لها، فهذا من تلك العروق الّتي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك.
فقالت المرأة: فرجت عنّي يا رسول الله.
محمّد بن يحيى وغيره(٨) ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن إسماعيل بن عمرو، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ للرحم أربعة(٩) سبل، في أيّ سبيل سلك فيه الماء كان منه الولد واحد واثنان وثلاثة وأربعة،(١٠)
__________________
(١) علل الشرائع / ١٠٣، ح ١.
(٢) الكافي ٥ / ٥٦١، ح ٢٣.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) أ: مقعدته أعنى.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) النسخ: تسعة وتسعين. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) المصدر: تسأل الله الشبهة.
(٨) الكافي ٦ / ١٧، ح ٢.
(٩) النسخ: أربع. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٠) النسخ: ثلث أربع. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
ولا يكون إلى سبيل أكثر من واحد.
عليّ بن محمّد رفعه(١) ، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - خلق للرّحم أربعة أوعية، فما كان في الأوّل فللأب، وما كان في الثّاني فللأم، وما كان في الثّالث(٢) فللعمومة، وما كان في الرّابع(٣) فللخئولة. وذلك التّصوير بعد مكث النّطفة في الرّحم أربعين يوما.
يدلّ عليه ما رواه في كتاب علل الشّرائع(٤) : بإسناده إلى محمّد بن عبد الله بن زرارة، عن عليّ بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: تعتلج النطفتان في الرّحم فأيّتهما كانت أكثر جاءت تشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت يشبه(٥) أخواله، وإنْ كانت نطفة الرّجل أكثر جاءت يشبه(٦) أعمامه.
وقال: تحول النّطفة في الرّحم أربعين يوما، فمن أراد أن يدعو الله - عزّ وجلّ - ففي تلك الأربعين قبل أن يخلق(٧) ، ثمّ يبعث الله - عزّ وجلّ - ملك الأرحام، فيأخذها فيصعد بها إلى الله - عزّ وجلّ - فيقف منه ما شاء(٨) الله، فيقول: يا إلهي أذكر أم أنثى؟ فيوحي الله - عزّ وجلّ - ما يشاء.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : إذ لا يعلم ولا يفعل جملة ما يعلمه، ولا يقدر أن يفعل مثل ما يفعله غيره.
( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (٦): إشارة إلى كمال قدرته، وتناهي حكمته.
قال البيضاويّ(٩) : قيل: هذا حجاج(١٠) على من زعم أنّ عيسى كان ربّا، فإنّ وفد نجران لـمّا حاجّوا فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزلت السّورة من أوّلها إلى نيف وثمانين آية، تقريرا لما احتجّ به عليهم وأجاب عن شبههم.
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ) : أُحكمت عبارتها، بأن
__________________
(١) نفس المصدر ٦ / ١٧، ح ٢.
(٢) النسخ: للثالث. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) النسخ: للرابع. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٤) علل الشرائع / ٩٥، ح ٤.
(٥ و ٦) المصدر: تشبه.
(٧) المصدر: تخلق.
(٨) المصدر: «حيث يشاء» بدل «ما شاء».
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٤٩.
(١٠) النسخ: احتجاج. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
حفظت من الإجمال والاشتباه.
( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) : أصله، يردّ إليها غيرها. والقياس أمّهات، فأفرد على تأويل واحدة، أو على أنّ الكلّ بمنزلة آية واحدة.
( وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) : محتملات، لا يتّضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر.
والعلّة في ذلك ما رواه في كتاب الاحتجاج(١) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام في حديث طويل وفيه يقول: ثمّ إنّ الله - جلّ ذكره - لسبقة(٢) رحمته ورأفته بخلقه، وعلمه بما يحدثه المبدّلون من تغيير كلامه، قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما منه يعرفه(٣) العالم والجاهل، وقسما لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه ولطف حسّه وصحّ تميّزه ممّن شرح الله صدره للإسلام، وقسما لا يعرفه إلّا الله وأنبياؤه(٤) والرّاسخون في العلم. وإنّما فعل ذلك، لئلّا يدّعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول اللهصلىاللهعليهوآله من علم الكتاب ما لم يجعله(٥) الله(٦) لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار لمن(٧) ولاه أمرهم، فاستكبروا عن طاعته تعزّزا(٨) وافتراء على الله، واغترارا بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند(٩) الله - جل اسمه - ورسولهصلىاللهعليهوآله
واعلم أنّ قسمين ممّا ذكر في الخبر داخل في المحكم المذكور في الآية. وأمّا قوله:( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) ، فمعناه: أنّها حفظت من فساد المعنى، وركاكة اللّفظ. وقوله:( كِتاباً مُتَشابِهاً ) . فمعناه: يشبه بعضه بعضا في صحّة المعنى، وجزالة اللّفظ. «وأخر» جمع أخرى، ولم ينصرف لأنّه وصف معدول من «الآخر» ولا يلزم معرفته، لأنّ معناه أنّ القياس أن يعرّف، ولم يعرّف لأنّه(١٠) معرّف في المعنى(١١) أو من آخر من بهذا المعنى(١٢) .
في أصول الكافي(١٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٧٦.
(٢) المصدر: لسعة.
(٣) أ: معرفة.
(٤) المصدر: أمناؤه.
(٥) المصدر: يجعل.
(٦) ليس في أ.
(٧) النسخ: بمن وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) النسخ: تفررا. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٩) الأصل: عاندا. وما أثبتناه في المتن موافق أ.
(١٠) الأصل: لا أنّه. وما أثبتناه في المتن موافق ر.
(١١ و ١٢) أ: الحق.
(١٣) الكافي ١ / ٤١٤، ح ١٤.
تعالى:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) ، قال: أمير المؤمنينعليهالسلام والائمّة - عليهم السّلام -( وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) ، قال: فلان وفلان.
وللحديث تتمّة، أخذت منه موضع الحاجة.
( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) : ميل عن الحقّ وعدول.
( فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ) : بظاهره، أو بتأويل غير منقول عن النّبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّة - عليهم السّلام - أو فلان وفلان.
( ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ) طلب أن يفتنوا أنفسهم والناس عن دينهم.
وفي مجمع البيان(١) : قيل: المراد بالفتنة هنا الكفر، وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام
( وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ) : طلب أن يأوّلوه(٢) على ما يشتهونه.
قيل(٣) : يحتمل أن يكون الدّاعي إلى الاتّباع مجموع الطّلبتين، أو كل(٤) واحدة منهما على التّعاقب، والأوّل يناسب المعاند والثّاني يلائم الجاهل.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة(٦) ، عن وهيب بن حفص(٧) ،](٨) عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنّة(٩) ويزجر عن النّار.
وفيه محكم ومتشابه. فأمّا المحكم فيؤمن به ويعمل به. وأمّا المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به وهو قول الله:( فَأَمَّا الَّذِينَ ) - وقرأ إلى -( كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) ، وقال(١٠) : آل محمّد الرّاسخون في العلم.
( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ) ، أي: الّذي يجب أن يحمل عليه.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤١٠.
(٢) الأصل: يألوه. وما أثبتناه في المتن موافق أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٤٩.
(٤) ر: لكل. (ظ)
(٥) تفسير القمي ٢ / ٤٥١.
(٦) الأصل: الحسن بن أحمد بن سماعة. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) الأصل: وهب بن حفص. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) أ: بالخير.
(١٠) ليس في المصدر.
( إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ، أي: الّذين ثبتوا وتمكّنوا فيه.
وفي تتّمة الحديث السّابق، أنّ الرّاسخين في العلم أمير المؤمنين والأئمّة - عليهم السّلام(١) -
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : بإسناده إلى محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يحدّث: أنّ حييّا وأبا ياسر أبني أخطب ونفرا من يهود اهل نجران أتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا(٣) له: أليس فيما تذكر فيما أنزل الله عليك الم؟
قال: بلى.
قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند الله؟
قال: نعم.
قالوا: لقد بعثت أنبياء قبلك وما نعلم نبيّا منهم أخبر ما(٤) مدّة ملكه وما أجل أمّته غيرك.
قال: فأقبل حييّ بن أخطب(٥) على أصحابه فقال لهم: الألف واحد، واللّام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، فعجب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه وأجل أمّته إحدى وسبعون سنة.
قال: ثمّ أقبل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال له: يا محمّد هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: فهاته(٦) .
قال: المص.
قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللّام ثلاثون(٧) ، والميم أربعون، والصّاد تسعون، فهذه مائة وواحد وستّون سنة(٨) .
__________________
(١) لا يوجد هكذا تتمة في الحديث السابق، كما أنّ الحديث السابق قد نقل هنا بتمامه ولم تبق له تتّمة لم تنقل.
(٢) معاني الأخبار / ٢٣ - ٢٤، ح ٣.
(٣) كذا في المصدر وفي النسخ: فقال.
(٤) المصدر: أخبرنا.
(٥) أ: حيّ بن أخطب.
(٦) المصدر: هاته.
(٧) يوجد في أبعد هذه العبارة: «والراء مائتان.» ووجودها خطأ أو زائدة.
(٨) النسخ: «فهذه مائة وواحد وأربعون». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
ثمّ قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله : فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: الر.
قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللّام ثلاثون(١) ، والرّاء مائتان.
[ثمّ قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله :](٢) فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: المر.
قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون والميم أربعون والرّاء مائتان.
ثمّ قال له: هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: قد التبس علينا أمرك فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه، ثمّ قال أبو ياسر لحييّ(٣) أخيه: ما يدريك، لعل محمّدا قد جمع له هذا كلّه وأكثر منه.
قال: فذكر أبو جعفرعليهالسلام أنّ هذه الآيات أنزلت فيهم: منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات.
قال: وهي تجري في وجه آخر [على](٤) غير تأويل حييّ وأبي ياسر وأصحابهما.
أقول: وهذا الوجه هو ما مرّ، من أنّ المراد بالمحكمات والمتشابهات الأئمّة وأعداؤهم، وبعضهم وقفوا على الله وفسّروا المتشابه بما استأثره بعلمه.
( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) : استئناف موضح. لحال الرّاسخين، أو حال منهم، أو خبر إن جعلته مبتدأ.
( كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) ، أي: كلّ من المحكم والمتشابه من عنده، وعلى كون المراد بالمتشابه فلان وفلان كونه من عنده، بمعنى: خلقه له وعدم جبره على الاهتداء، كما هو
__________________
(١) يوجد في أبعد هذه العبارة: «والميم أربعون والصاد تسعون هذه». وهي زائدة.
(٢) يوجد في المصدر.
(٣) أ: لحيّ. المصدر: للحيي.
(٤) يوجد في المصدر.
طريقة الابتلاء والتّكليف.
( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٧): مدح للرّاسخين، أو لمن يتذكّر أنّ العالم بالمتشابه لا يكون غير الرّاسخين، الّذين هم الأئمّة - عليهم السّلام -
[وفي شرح الآيات الباهرة(١)] (٢) روى محمّد بن يعقوب(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن أيّوب(٤) بن الحرّ [وعمران بن عليّ، عن أبي بصير](٥) عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نحن الرّاسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله.
ويؤيّده ما رواه أيضا، عن عليّ بن محمّد(٦) ، عن عبد الله بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما - عليهما السّلام - في قول الله عزّ وجلّ:( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .
قال: فرسول اللهصلىاللهعليهوآله أفضل الرّاسخين في العلم، قد علّمه الله - عزّ وجلّ - علم جميع ما أنزل [الله](٧) عليه من التّنزيل والتّأويل، وما كان [الله](٨) لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه [وكيف لا يعلمونه؟! ومنهم مبدأ العلم، وإليهم منتهاه، وهم معدنه وقراره ومأواه.
](٩) وبيان ذلك ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم(١٠) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن عبد الله بن سليمان، عن حمران بن أعين [عن أبي عبد اللهعليهالسلام ](١١) قال: إنّ جبرئيلعليهالسلام أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآله برمّانتين، فأكل رسول اللهصلىاللهعليهوآله إحداهما وكسر الأخرى بنصفين،
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة / ٣٥ - ٣٧.
(٢) ليس في أ.
(٣) الكافي ١ / ٢١٣، ح ١.
(٤) أ: أبو أيوب.
(٥) ليس في النسخ.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٧ و ٨) يوجد في الكافي.
(٩) يوجد في الكافي بدل ما بين المعقوفتين: والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم الله بقوله:( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) والقرآن خاصّ وعامّ ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ. فالراسخون في العلم يعلمونه.
(١٠) الكافي ١ / ٢٦٣، ح ١.
(١١) يوجد في الكافي.
فأكل نصفا وأطعم عليّا نصفا.
ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا أخي هل تدري ما هاتان الرّمّانتان؟
قال: لا.
قال: أمّا الأولى فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، وأمّا الأخرى فالعلم أنت شريكي فيه.
فقلت: أصلحك الله كيف يكون(١) شريكه فيه؟
قال: لم يعلّم الله محمّداصلىاللهعليهوآله [علما](٢) إلّا وأمره أن يعلّمه عليّاعليهالسلام
ويؤيّده ما رواه أيضا، عن محمّد بن يحيى(٣) ، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن منصور بن يونس، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: نزل جبرئيلعليهالسلام على محمّدصلىاللهعليهوآله برمّانتين من الجنّة، فلقيه عليّعليهالسلام فقال له: ما هاتان الرّمّانتان الّتي في يدك؟
فقال: أمّا هذه فالنّبوّة ليس لك فيها نصيب، وأمّا هذه فالعلم. ثمّ فلقها رسول اللهصلىاللهعليهوآله نصفين(٤) فأعطاه نصفها وأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نصفها، ثمّ قال: أنت شريكي فيه وأنا شريكك فيه.
قال: فلم يعلّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله حرفا ممّا علّمه الله - عزّ وجلّ - إلّا وقد علّمه عليّا، ثمّ انتهى العلم إلينا، ثمّ وضع يده على صدره.
وأوضح من هذا بيانا ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد(٥) ، عن عبد الله [بن](٦) الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبيّ(٧) ، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فقلت: جعلت فداك إنّي أسألك عن مسألة، فههنا(٨) أحد يسمع كلامي؟
__________________
(١) الكافي: كان يكون.
(٢) يوجد في الكافي.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٤) الكافي: بنصفين.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٣٨ - ٢٣٩، ح ١.
(٦) يوجد في الكافي.
(٧) كذا في الكافي. وفي النسخ وشرح الآيات: أحمد بن محمد الحلبي
(٨) الكافي: هاهنا.
قال: فرفع أبو عبد اللهعليهالسلام سترا بينه وبين بيت آخر فاطّلع فيه. ثمّ قال: يا أبا محمّد سل عمّا بدا لك.
قال: قلت: جعلت فداك إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله علّم عليّا بابا، يفتح [له](١) منه ألف باب.
قال: فقال: يا أبا محمّد، علّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله عليّاعليهالسلام ألف باب، يفتح [الله](٢) كلّ باب ألف باب.
قال: قلت: هذا - والله - العلم.
قال: فنكت(٣) ساعة في الأرض، ثمّ قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.
قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة.
قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟
قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله، و(٤) إملائه من ملء(٥) فيه، وخطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال لي: أتأذن(٦) لي يا أبا محمّد.
قال: قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك، فاصنع ما شئت.
قال: فغمزني بيده، قال: حتّى أرش هذا - كأنّه مغضب -
قال: قلت: هذا - والله - العلم.
قال: إنّه لعلم وليس(٧) بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: إنّ(٨) عندنا الجفر.
وما يدريهم ما الجفر.
[قال :](٩) قلت: وما الجفر؟
قال: وعاء من أدم، فيه علم النّبيّين والوصيّين وعلم العلماء(١٠) الّذين مضوا من بني
__________________
(١) يوجد في الكافي.
(٢) يوجد في شرح الآيات. وفي الكافي: «من» بدل «الله».
(٣) أو شرح الآيات: فسكت.
(٤) النسخ: من.
(٥) الكافي: فلق.
(٦) الكافي: تأذن.
(٧) هكذا في أو الكافي. وفي الأصل ور: فليس.
(٨) ليس في الأصل ور.
(٩) يوجد في الكافي.
(١٠) النسخ: علماء
إسرائيل.
قال: قلت: إنّ هذا هو العلم.
قال: إنّه لعلم(١) وليس بذاك. ثمّ سكت ساعة، ثمّ قال: وإنّ عندنا لمصحف فاطمة - عليها السّلام - وما يدريهم ما مصحف فاطمة.
قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟
قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا - ثلاث مرّات - والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.
قال: قلت: هذا - والله - هو العلم.
قال: إنّه العلم(٢) وليس بذاك. ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: وإنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم السّاعة.
قال: قلت: جعلت فداك هذا - والله - هو العلم.
قال: إنّه لعلم وليس بذاك.
قال: قلت: جعلت فداك فأيّ شيء العلم؟
قال: ما يحدث باللّيل والنّهار، والأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة.
وممّا ورد في غزارة علمهم - صلوات الله عليهم -
ما رواه أيضا - رحمه الله - قال(٣) : روى عدّة من أصحابنا [عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن مغيرة وعدّة من أصحابنا](٤) منهم: عبد الأعلى [وأبو عبيدة](٥) وعبد الله بن بشير الخثعميّ(٦) ، أنّهم سمعوا أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّي لأعلم ما في السّموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون، ثمّ سكت هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه. فقال: علمت ذلك من كتاب الله - عزّ وجلّ - [إنّه - عزّ وجلّ - ](٧) يقول: فيه(٨) فيه تبيان كلّ شيء.
__________________
(١ و ٢) النسخ: العلم. وما أثبتناه في المتن موافق «الكافي».
(٣) الكافي ١ / ٢٦١، ح ٢.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٥) يوجد في الكافي.
(٦) الكافي: «عبد الله بن بشر الخثعمي». والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال ٢ / ١٧٠. وما أثبتناه في المتن موافق الأصل.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) النحل / ٨٩. وفيها:( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) . وهنا إمّا نقل بالمعنى، او كان في قراءتهم - عليهم السّلام - كما تذكّر بهذين في هامش المصدر.
وممّا ورد في غزارة علمهم - صلوات الله عليهم -
ما رواه أيضا، عن أحمد بن محمّد ومحمّد بن يحيى،(١) عن محمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حمّاد، عن سيف التّمّار قال: كنّا مع أبي عبد اللهعليهالسلام و(٢) جماعة من الشّيعة في الحجر، فقال: علينا عين، فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا.
فقلنا ليس علينا عين.
فقال: وربّ الكعبة وربّ البيّنة - ثلاث مرّات - لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أنّي أعلم منهما، ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما، لأنّ موسى والخضر - عليهما السّلام - أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتّى تقوم السّاعة، وقد ورثناه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وراثة.
ويؤيّد هذا ويطابقه، ما رواه أصحابنا من رواة الحديث، من كتاب الأربعين، رواية أسعد الأربلىّ(٣) ، عن عمّار بن خالد، عن إسحاق الأزرق(٤) ، عن عبد الملك بن
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٦٠ - ٢٦١، ح ١.
(٢) «واو» ليس في الكافي.
(٣) هو أسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الأربلي وله كتاب الأربعين في الفضائل والمناقب يرويها عن مشايخه من العامّة في مجلس واحد سنة ٦١٠، ألّفه في بغداد. توجد من الأربعين هذا نسخ في المكتبة المركزية لجامعة طهران، رقم ١ / ٢١٣٠، ٢ / ٢١٤٠. وأمّا ما ذكره في فهرس هذه المكتبة أنّه يوجد من الأربعين هذا في مجموعة رقم ٣ / ٢١١٧ وهم. بل هو أربعين حافظ أبو نعيم الاصبهاني الّذي نقله ابو الحسن على بن عيسى الاربلي في كتابه كشف الغمة في معرفة الائمة، عند ذكر صاحب الأمر - صلوات الله عليه - فراجع.
والحديث الذي نقل في المتن، الحديث الثاني من هذا الأربعين. وأورده العلامة المجلسي - رحمه الله - في البحار ١٣ / ٣١٢ - ٣١٣، ح ٥٢، نقلا عن رياض الجنان بعين السند المذكور في «الأربعين». ولكن بين البحار ونسخ الأربعين وتفسير تأويل الآيات (مصدر المتن) إختلاف كثير في الألفاظ والعبارات. وقال - رحمه الله - في نفس المصدر والموضع، بعد نقل الحديث: «كنز: ذكر بعض أصحابنا من رواة الحديث في كتاب الأربعين رواية أسعد الاربليّ عن عمّار بن خالد مثله.» و «كنز» المذكور في البحار رمز لكنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة معا (على ما قيل في «رموز الكتاب».) وأيضا أورده العلامة - رحمه الله - في نفس المصدر ٤٠ / ١٨٦، ح ٧١، نقلا عن البرسيّ في مشارق الأنوار، بسند آخر مع تفاوت في المتن.
وفي تصحيح الرواية اختصرنا بالنسخ التفسير، إلّا في موارد ما.
(٤) الأصل: الأورق. أ: الأورق. وما أثبتناه في المتن موافق ر، المصدر، الأربعين والبحار (١٣ / ٣١٢)
سليمان قال: وجد في ذخيرة حواري عيسى رقّ، فيه مكتوب بالقلم السّريانيّ، منقول من التّوراة، وذلك لـمّا تشاجر موسى والخضر - عليهما السّلام - في قصّة السّفينة والجدار والغلام، ورجع موسى إلى قومه، فسأله أخوه هارون عمّا استعمله من الخضر وشاهده من عجائب البحر.
فقال موسىعليهالسلام : بينا أنا والخضر على شاطي البحر، إذ سقط بين أيدينا طائر، فأخذ في منقاره قطرة من ماء البحر ورمى بها نحو المشرق، وأخذ منه ثانية ورمى بها نحو المغرب، ثمّ أخذ ثالثة ورمى بها نحو السّماء، ثمّ أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض، ثمّ أخذ خامسة وألقاها في البحر، فبهتنا(١) أنا والخضر من ذلك، وسألته عنه.
فقال: لا أعلم. فبينا نحن كذلك وإذا بصيّاد يصيد في البحر، فنظر إلينا.
فقال: ما لي أراكما في فكرة من أمر الطّائر؟
فقلنا له: هو ذاك.
فقال: أنا رجل صيّاد وقد علمت إشارته، وأنتما نبيّان لا تعلمان! فقلنا: لا نعلم إلّا ما علّمنا الله - عزّ وجلّ -
فقال: هذا طائر في البحر يسمّى مسلما، لأنّه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم مسلم، فإشارته برمي الماء من منقاره نحو المشرق والمغرب والسّماء والأرض والبحر يقول: إنّه يأتي في آخر الزّمان نبيّ، يكون علم أهل المشرق والمغرب وأهل السّماء والأرض عند علمه، مثل هذه القطرة الملقاة في البحر، ويرث علمه ابن عمّه ووصيّه. فعند ذلك سكن ما كنّا فيه من المشاجرة، واستقلّ كلّ واحد منّا علمه بعد أن كنّا معجبين بأنفسنا، ثمّ غاب عنّا، فعلمنا أنّه ملك، بعثه الله إلينا ليعرّفنا نقصنا، حيث ادّعينا الكمال.
وممّا ذكر في معنى فضلهم - عليهم صلوات الله -
ما ذكر الشّيخ أبو جعفر
__________________
(١) النسخ والمصدر: فبهتّ. وما أثبتناه في المتن موافق البحار والنسختين ٢١٣٠ و ٢١٤٠ من الأربعين.
الطّوسيّ - رحمه الله - في كتابه مصباح الأنوار، بإسناده إلى رجاله قال: وروي عن جعفر بن محمّد الصّادق، عن أبيه، عن جدّه - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنا ميزان العلم، وعليّ كفّتاه، والحسن والحسين حباله، وفاطمة علاقته، والأئمّة من بعدهم يزنون المحبّين والمبغضين.
وفي كتاب الاحتجاج(١) : روي عن أمير المؤمنين، في حديث طويل يقول فيه: وقد جعل الله للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله:( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .
وفي نهج البلاغة(٢) : قالعليهالسلام : أين الّذين زعموا أنّهم الرّاسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم.
[وفي روضة الكافي(٣) : ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ ذكره(٤) - :( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ) .
قال: فقال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا الله والرّاسخون في العلم من آل محمّدصلىاللهعليهوآله
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ) .
قال: يا أبا عبيدة، إنّ لهذا تأويلا، لا يعلمه إلّا الله والرّاسخون في العلم من الأئمّة - عليهم السّلام -
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
حدّثنا محمّد بن أحمد بن ثابت(٦) قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سماعة، عن
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٦٩.
(٢) نهج البلاغة / ٢٠١، ضمن خطبة ١٤٤.
(٣) الكافي ٨ / ٢٦٩، صدر حديث ٣٩٧.
(٤) الروم / ١ - ٣.
(٥) تفسير القمّي ٢ / ١٥٢.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٤٥١.
وهيب بن حفص(١) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: إنّ القرآن زاجر وآمر، يأمر بالجنّة ويزجر عن النّار، وفيه محكم ومتشابه، فأمّا المحكم فيؤمن به ويعمل به، وأمّا المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به، وهو قول الله:( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) وآل محمّد - عليهم السّلام - الرّاسخون في العلم.
حدّثني أبي(٢) ، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية(٣) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أفضل الرّاسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التّنزيل والتّأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله(٤) ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه(٥) كلّه قال: قلت: جعلت فداك إنّ أبا الخطّاب كان يقول فيكم قولا عظيما.
قال: وما كان يقول؟
قلت: قال: إنّكم تعلمون علم الحلال والحرام والقرآن.
[قال: علم الحلال والحرام والقرآن](٦) يسير(٧) في جنب العلم الّذي يحدث في اللّيل والنّهار(٨) .
وفي أصول الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد، عمّن حدّثه، عن ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته من جعفر بن محمّد
__________________
(١) الأصل ور: وهب بن حفص. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٢) نفس المصدر ١ / ٩٦ - ٩٧.
(٣) المصدر: يزيد بن معاوية. وما أثبتناه في المتن موافق الأصل ور.
(٤) الأصل ور: التأويل. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) الأصل ور: يعلمون. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) يوجد في المصدر.
(٧) الأصل ور: لسير. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) الأصل ور: «بالليل» بدل «في الليل النهار».
(٩) الكافي ١ / ٤٣، ح ٩.
ـ عليه السّلام - إلّا كان يتصدّع قلبي.
قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله [قال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذب أبوه على جدّه ولا جدّه على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ](١) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى للنّاس(٢) بغير علم - وهو لا يعلم النّاسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه - فقد هلك وأهلك.
بعض أصحابنا(٣) رفعه، عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام : يا هشام، إنّ الله ذكر أولي الألباب بأحسن الذّكر، وحلاهم بأحسن الحلية، وقال(٤) :( وَ] ) (٥) ( الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
أحمد بن محمّد(٦) ، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : نحن الرّاسخون في العلم.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا(٧) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضّر بن سويد، عن أيّوب بن الحرّ وعمران بن عليّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نحن الرّاسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله.
عليّ بن محمّد(٨) ، عن عبد الله بن عليّ، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حمّاد، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما - عليهما السّلام - في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . فرسول اللهصلىاللهعليهوآله أفضل الرّاسخين في العلم، وقد علّمه الله - عزّ وجلّ - جميع ما أنزل عليه من التّنزيل والتّأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه، والّذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم فأجابهم الله بقوله :
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: الناس. (ظ.)
(٣) نفس المصدر ١ / ١٥، ضمن ح ١١.
(٤) المصدر: فقال وقال.
(٥) يوجد في المصدر.
(٦) نفس المصدر ١ / ١٨٦، ضمن ح ٦.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢١٣، ح ١.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ) . والقرآن خاصّ وعامّ ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ، فالرّاسخون في العلم يعلمونه.
الحسين بن محمّد(١) ، عن معلّى بن محمّد [عن محمّد](٢) بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [قال :](٣) الرّاسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمّة من بعده - عليهم السّلام -
](٤)
وبإسناده(٥) إلى أبي جعفر الباقرعليهالسلام في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : فإن قالوا: من الرّاسخون في العلم؟ فقل: من لا يختلف في علمه، فإن قالوا: فمن هو ذاك؟ فقل: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله صاحب ذلك، فهل بلّغ أولا؟ فإن قالوا: قد بلّغ، فقل: هل ماتصلىاللهعليهوآله والخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟ فإن قالوا: لا، فقل: إنّ خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله مؤيّد، ولا يستخلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا(٦) من يحكم(٧) بحكمه وإلّا من يكون مثله إلّا النّبوّة، وإنْ كان(٨) رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيّع من في أصلاب الرّجال ممّن يكون بعده.
وفي كتاب كمال الدّين(٩) وتمام النّعمة: بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ قال: سمعت عليّاعليهالسلام يقول: ما نزلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآله آية من القرآن إلّا أقرأنيها، واملاها عليّ، وأكتبها(١٠) بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله - عزّ وجلّ(١١) - أن يعلّمني فهمها وحفظها. فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه [عليّ](١٢) فكتبته. وما ترك(١٣) شيئا علّمه الله - عزّ وجلّ - من حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي وما كان وما يكون من طاعته او
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٢ و ٣) يوجد في المصدر.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) نفس المصدر / ١ / ٢٤٥، ضمن ح ١. وفي أ: وفي أصول الكافي وبإسناده.
(٦) ليس في أور.
(٧) ر: لم يحكم.
(٨) أ: لن كان.
(٩) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٨٤ - ٢٨٥، ح ٣٧.
(١٠) المصدر: كتبتها.
(١١) المصدر: ودعا - عزّ وجلّ - لي.
(١٢) يوجد في المصدر.
(١٣) النسخ: وما ترك الله. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
معصيته(١) إلّا علّمنيه وحفظته، فلم أنس منه حرفا واحدا.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
واعلم أنّ التّفسير بالرّأي للمتشابه(٢) حرام، ومن فسّره برأيه كافر، يدلّ عليه ما رواه في كتاب كمال الدّين وتمام النعمة،(٣) بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : من(٤) فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب.
وما رواه في كتاب التّوحيد(٥) ، بإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت(٦) ، عن عليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام عن أبيه، عن آبائه، عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قال الله - جلّ جلاله - : ما آمن بى من فسّر برأيه كلامي.
ولا خفاء أنّ المراد تفسير المتشابه، وتأويل المحكم بالرّأي، بغير ما يدلّ عليه ظاهره، وبذلك يظهر عدم إيمان اكثر المفسّرين، ممّن يفسّرون القرآن برأيهم ويأوّلونه على مذاقهم، ممّن نقلنا بعض تأويلاتهم في أوائل التّفسير تقدمة لهذا التّصريح، فإنه لا ربة(٧) ، لأحد في أنّهم لا يردّون المتشابهات إلى الرّاسخين الّذين هم الأئمّة - عليهم السّلام - ويفسّرون الرّاسخين أيضا برأيهم، ولا يعنون منه النّبيّ والأئمّة - عليهم السّلام - فتبصّر.
( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ) : من مقالة الرّاسخين.
وقيل(٨) : استئناف، والمعنى: لا تزغ قلوبنا عن نهج الحقّ، وهو من الرّاسخين خضوع في مقام العبوديّة.
وقيل: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا.
( بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) إلى الحقّ و «بعد» نصب على الظّرف و «إذ» في محلّ الجرّ
__________________
(١) أ: من طاعة أو معصية.
(٢) ر: فالمتشابه.
(٣) نفس المصدر / ٢٥٧، ضمن ح ١.
(٤) أو المصدر: ومن.
(٥) التوحيد / ٦٨، صدر ح ٢٣.
(٦) أ: الريّان بن أبي الصلت.
(٧) أ: «فأديته» بدل فانّه لا ربة.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٥٠.
بإضافته إليه.
وقيل(١) : إنّه بمعنى: إن.
( وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) : تزلّفنا إليك ونفوز بها عندك، أو توفيقا للثّبات على الحقّ، أو مغفرة للذّنوب أو الأعمّ.
( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) (٨): لكلّ سؤل.
في تفسير العيّاشيّ(٢) : عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : أكثروا من أن تقولوا:( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا ) ، ولا تأمنوا الزّيغ.
وفي تهذيب الأحكام(٣) : في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادقعليهالسلام : ربّنا إنّك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك، وأمرتنا أن نكون مع الصّادقين فقلت:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، وقلت:( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، فسمعنا وأطعنا، ربّنا فثبّت أقدامنا وتوفّنا مسلمين مصدّقين لأوليائك، و( لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) .
وفي هذا الخبر دلالة على أنّ المراد بالدّعاء بعدم الإزاغة، عدم الإزاغة عن الولاية.
( رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ ) : لحساب يوم، أو جزائه.
( لا رَيْبَ فِيهِ ) في وقوعه، ووقوع ما أخبر بوقوعه فيه.
( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) (٩): فإنّ الإلهيّة تنافيه، وللإشعار به وتعظيم الموعود به لوّن الخطاب.
قال البيضاويّ(٤) : واستدلّ به الوعيديّة، وأجيب بأنّ وعيد الفسّاق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة، كما هو مشروط بعدم التّوبة وفاقا.
ويردّ على هذا الجواب أنّ العفو بالتّوبة موعود بخلاف العفو بدونه، واشتراط وعيد الفسّاق بعدم العفو لا معنى له، إذ لا يسمّى أضربك إن لم أعف وعيدا، كما يسمّى أعطيك إن جئتني وعدا، فتأمّل يظهر الفرق.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) :
الظّاهر أنّه عامّ في الكفرة.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ١٦٤، ح ٩.
(٣) تهذيب الأحكام ٣ / ١٤٧، ضمن ح ٣١٧.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٥٠.
وقيل(١) : المراد وفد نجران، أو اليهود، أو مشركو العرب.
( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) ، أي: من رحمته، أو طاعته على معنى البدليّة، أو من عذابه.
( وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ) (١٠): حطبها.
وقرئ بالضّمّ، بمعنى: أهل وقودها.
( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) : متّصل بما قبله، أي: لن تغني عنهم أموالهم كما لم تغن عن أولئك، أو توقّد بهم كما توقّد بأولئك، أو استئناف مرفوع المحلّ، وتقديره: إنّ دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب. وهو مصدر دأب في العمل، كدح فيه. فنقل إلى معنى الشّأن.
( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : عطف على آل فرعون، أو استئناف.
( كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ) : حال بتقدير «قد» أو استئناف بتفسير حالهم على التّقدير الأوّل، وخبر على التّقدير الثّاني.
( وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (١١): تهويل للمؤاخذة، وزيادة تخويف(٢) للكفرة. وفي الآية دلالة على أنّ الكفّار طريقتهم واحدة في الكفر والعذاب(٣) والخلود فيه، سواء فيه الّذين كفروا بعد النّبيّصلىاللهعليهوآله والّذين كفروا قبله.
ويظهر منه أنّ المنكرين للولاية(٤) المحكوم عليهم بكفرهم دأبهم كدأب آل فرعون في ذلك، لا يجوز إطلاق اسم الإسلام بالمعنى المقصود منه عليهم كما لا يجوز إطلاقه على آل فرعون، وإن جاز إطلاقه عليهم بمعنى آخر كما جاز إطلاقه على فرعون أيضا، بمعنى: أنّه أسلم لإبليس، أو أسلم لهواه، أو غير ذلك.
( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ ) :
في مجمع البيان(٥) : روى محمّد بن إسحاق بن يسار، عن رجاله قال: لـمّا أصاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله قريشا ببدر وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني(٦) قينقاع، فقال: يا معشر اليهود إحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) أ: تخفيف.
(٣) ر: العقاب.
(٤) «المنكرين للولاية» ليس في أ.
(٥) مجمع البيان ١ / ٤١٣.
(٦) في المصدر ليس «بني»
بكم ما أنزل الله بهم، فقد عرفتم(١) أنّي نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم.
فقالوا: يا محمّد، لا يغرّنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما(٢) والله لو قاتلتنا(٣) لعرفت إنّا نحن النّاس. فأنزل الله هذه الآية.
وروي أيضا عن عكرمة وسعيد بن جبير(٤) عن ابن عبّاس، ورواه أصحابنا أيضا.
وقال البيضاويّ(٥) ، أي: قل لمشركي مكّة: ستغلبون، يعني: يوم بدر.
وقرأ حمزة والكسائيّ بالياء فيهما، على أن الأمر للنّبيّ(٦) [صلّى الله عليه وآله] بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه(٧) .
( وَبِئْسَ الْمِهادُ ) (١٢): تمام ما يقال لهم، أو استئناف، وتقديره، بئس المهاد جهنم، أو ما مهّدوه لأنفسهم.
( قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ ) :
قيل(٨) : الخطاب لقريش [أو اليهود](٩) وقيل: للمؤمنين.
( فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا ) : يوم بدر.
في مجمع البيان(١٠) : إنّ الآية نزلت في قصّة بدر، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستّة وثلاثون من الأنصار. واختلف في عدد المشركين، فروي عن عليّ وابن مسعود: أنّهم كانوا ألفا.
( فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : وهم المؤمنون،( وَأُخْرى كافِرَةٌ ) : وهم مشركو قريش.
( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ ) ، أي: يرى المشركون المؤمنين مثليهم، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين. وكانوا ثلاثة أمثال لهم، ليثبتوا لهم ويتيقّنوا بالنّصر الّذي وعدهم في قوله :
__________________
(١) المصدر: «نزل بهم وقد عرفتم» بدل «أنزل الله بهم فقد عرفتم».
(٢) المصدر: إنا.
(٣) المصدر: قاتلناك.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٥٠.
(٦) «للنبي» ليس في المصدر.
(٧) نفس المصدر: ١ / ١٥١.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) يوجد في المصدر.
(١٠) مجمع البيان ١ / ٤١٥.
إن يكن منكم مائة يغلبوا مأتين.
و (١) يؤيّده قراءة نافع ويعقوب بالتاء، وقرئ بهما بالبناء للمفعول، أي: يريهم الله، أو يريكهم ذلك بقدرته. و «فئة» بالجرّ على البدل من فئتين، والنّصب على الاختصاص، أو الحال من فاعل «التقتا.»( رَأْيَ الْعَيْنِ ) : رؤية ظاهرة معاينة.
( وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ) : كما أيّد أهل بدر.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) : أي: في التّقليل والتّكثير، أو غلبة القليل، أو وقوع الأمر على ما أخبر به الرّسولصلىاللهعليهوآله
( لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ) (١٣): لعظة لذوي البصائر.
وقيل(٢) : لمن أبصرهم.
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) ، أي: المشهّيات. سمّاها شهوات مبالغة، وإيماء إلى أنّهم انهمكوا في محبّتها حتّى أحبّوا شهوتها، كقوله تعالى(٣) :( أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ) .
وذهب الأشعريّ إلى أنّ المزيّن هو الله تعالى لأنّه الخالق للأفعال والدّواعي كلّها عندهم، ويقولون: زينة ابتلاء، أو لأنّه يكون وسيلة إلى السّعادة الأخرويّة إذا كان على وجه يرتضيه الله، أو لأنّه من أسباب التّعيّش وبقاء النّوع.
والمعتزلة إلى أنّه الشّيطان، والجبّائيّ فرّق بين المباح والمحرّم، وهو الصّواب.
( مِنَ النِّساءِ ) :
وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد(٥) عن أبي عبد الله البرقيّ، عن الحسن بن أبي قتادة، عن رجل، عن جميل بن درّاج قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما تلّذذ(٦) النّاس في الدّنيا والآخرة بلذّة أكثر لهم من لذّة النّساء، وهو قول الله - عزّ وجلّ - :( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ ) - إلى آخر الآية - ثمّ قال: وإنّ أهل الجنّة ما يتلذّون بشيء من الجنّة أشهى عندهم من النّكاح، لا طعام ولا شراب.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٥١.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) ص / ٣٢.
(٤) الكافي ٥ / ٣٢١، ح ١٠.
(٥) «محمد عن» ليس في المصدر.
(٦) النسخ: يتلذذ. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
( وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ) :
قناطير، جمع قنطار.
وفي مجمع البيان(١) : إختلف في مقدار القنطار(٢) [..]. قيل: هو ملء مسك ثور ذهبا [..]. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السّلام - (انتهى.)
واختلف في أنّه فعلال، أو فنعال. والمقنطرة مأخوذة منه للتّأكيد، كقولهم: بدرة مبدّرة.
( مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) : صفة للقناطير، ويحتمل التّعلّق بالمقنطرة على تضمين معنى المملوءة.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن محمّد بن يحيى العطّار - رفع الحديث - قال الذّهب والفضّة حجران ممسوخان(٤) ، فمن أحبّهما كان معهما.
( وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ) ، أي: المعلّمة، من السّومة وهي العلامة. أو المرعيّة، من أسام الدّابّة وسوّمها. أو المطهّمة التّامّة الخلق، من السّوم في البيع، لأنّها تسأم كثيرا. أو من السّومة كأنّها علم في الحسن.
( وَالْأَنْعامِ ) : الإبل والبقر والغنم.
( وَالْحَرْثِ ) :
في أصول الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن نوح بن شعيب، عن عبد الله الدّهقان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ أوّل ما عصي الله به ستّ: حبّ الدّنيا، وحبّ الرّئاسة، وحبّ الطّعام، وحبّ النّوم، وحبّ الرّاحة، وحبّ النّساء.
وفي كتاب الخصال(٦) : عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : الفتن ثلاث: حبّ النّساء وهو سيف الشّيطان، وشرب الخمر وهو فخّ
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤١٧.
(٢) المصدر: «مقداره» بدل «مقدار القنطار».
(٣) الخصال / ٤٣، ح ٣٨. وفيه: حدّثنا أبي - رضي الله عنه - قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران، يرفع الحديث قال:
(٤) ر: مسوخان.
(٥) الكافي ٢ / ٢٨٩، ح ٣.
(٦) الخصال / ١١٣، ح ٩١ وللحديث تتمة.
الشّيطان، وحبّ الدّينار والدّرهم وهو سهم الشّيطان. فمن(١) أحبّ النّساء لم ينتفع بعيشه(٢) .
ومن أحبّ الأشربة حرّمت عليه الجنّة. ومن أحبّ الدّينار والدّرهم فهو عبد الدّنيا.
( ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) : إشارة إلى ما ذكر، أي، هو متمتّع في هذه الحياة الدنيا الّتى مدّتها قليلة.
( وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (١٤): أي: المرجع، وهو تحريض(٣) على استبدال ما عنده من اللّذّات الحقيقيّة الأبديّة بالشّهوات النّاقصة الفانية.
( قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) : تقرير لما عنده.
( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) : استئناف لبيان ما هو عنده.
وقيل(٤) : يجوز أن يتعلّق اللّام. «بخير» ورفع(٥) «جنّات» بتقدير(٦) : هو جنّات.
ويؤيّده قراءة من جرّها، بدلا من خير.
( وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) : ممّا يستقذر من النّساء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) ، قال: لا يحضن ولا يحدثن.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله:( وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) ، قال: في الجنّة لا يحضن ولا يحدثن.
](٩) .
( وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ ) : وهو أكبر.
وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - في جميع القرآن بضمّ الرّاء، ما خلا الحرف الثّاني في المائدة، وهو قوله: رضوانه سبل السّلام، وهما لغتان(١٠) .
( وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) (١٥): فيثيب المحسن، ويعاقب المسيء، ويعلم استعداد المتّقين لما أعدّلهم.
__________________
(١) النسخ: ومن. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٢) النسخ: بعيشته. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) النسخ: تحريص. (ر. أنوار التنزيل ١ / ١٥١)
(٤ و ١٠) أنوار التنزيل ١ / ١٥٢.
(٥) المصدر: يرتفع.
(٦) المصدر: «على» بدل «بتقدير».
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٦٤، ح ١١.
(٨) تفسير القمي ١ / ٩٨.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) (١٦): صفة للمتّقين، أو للعباد، أو مدح منصوب أو مرفوع، ويحتمل الاستئناف. رتّب المغفرة والوقاية من النّار على الإيمان بالفاء، إشعارا بأنّه يستلزمهما وهو كذلك، لأنّ المراد به الإيمان بالله ورسوله وجميع ما جاء به الرسول، الّذي [أعظمه الولاية].(١) ( الصَّابِرِينَ ) : في البأساء والضّرّاء.
( وَالصَّادِقِينَ ) : في الأقوال والأعمال.
( وَالْقانِتِينَ ) : الخاشعين.
( وَالْمُنْفِقِينَ ) : أموالهم في سبيل الله.
( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ) (١٧)، أي: المصلّين وقت السّحر.
في مجمع البيان(٢) : رواه الرّضاعليهالسلام عن أبيه عن أبي عبد اللهعليهالسلام
وروى عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّ من استغفر [الله](٣) سبعين مرّة في(٤) وقت السّحر فهو من أهل هذه الآية.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله [ربّي](٦) وأتوب إليه، سبعين مرّة وهو قائم مواظب على ذلك حتّى تمضي(٧) له سنة، كتبه الله(٨) من المستغفرين بالأسحار، ووجبت له المغفرة من الله تعالى.
وروى في من لا يحضره الفقيه(٩) : عن عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
وفي تفسير العيّاشيّ(١٠) : عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك تفوتني. صلاة الليل فأصلّي صلاة الفجر، فلي أن أصلّي بعد صلاة الفجر ما فاتني من الصّلاة(١١) وأنا في صلاة قبل طلوع الشّمس؟
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ٤١٩.
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: من.
(٥) الخصال / ٥٨١، ح ٣.
(٦) يوجد في ر.
(٧) المصدر: يمضي.
(٨) المصدر: كتبه الله عنده.
(٩) من لا يحضره الفقيه ١ / ٣٠٩.
(١٠) تفسير العياشي ١ / ١٦٥، ح ١٧.
(١١) النسخ: صلاة. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
فقال: نعم، ولكن لا تعلم به أهلك فتتّخذه(١) سنّة، فيبطل قول الله - عزّ وجلّ - :( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ ) .
قال البيضاويّ(٢) حصر لمقامات(٣) السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع الله تعالى إما توسل وإمّا طلب.
والتّوسّل إمّا بالنّفس، وهو منعها عن الرّذائل وحبسها على الفضائل، والصّبر يشملهما. وإمّا بالبدن، وهو إمّا قوليّ وهو الصّدق، وإمّا فعليّ وهو القنوت الّذي هو ملازمة الطّاعة، وإمّا بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير.
وأمّا الطّلب وهو الاستغفار(٤) ، لأنّ المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها. وتوسيط الواو بينها للّدلالة على استقلال كلّ واحدة منها وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها.
( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ، أي: بيّن وحدانيّته بنصب الدّلائل الدّالّة عليها، أو شهد به لنفسه.
( وَالْمَلائِكَةُ ) : بالإقرار، أو شهدوا كما شهد.
( وَأُولُوا الْعِلْمِ ) : وهم الأئمّة(٥) - عليهم السّلام - بالاحتجاج عليه، أو شهدوا كما شهد، وعلى المعنى الأوّل في «شهد» استعارة تبعيّة، حيث شبّه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشّاهد.
( قائِماً بِالْقِسْطِ ) : مقيما للعدل في حكمه وقضائه، وانتصابه على الحال من «الله» وإنّما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكبا لعدم اللّبس، أو من «هو» والعامل فيها معنى الجملة، أي: تفرّد قائما أو أحقّه، لأنّها حال مؤكّدة أو على المدح. أو الصّفة للمنفيّ، وفيه ضعف للفصل، وهو داخل في المشهود به إذا جعلته صفة أو حالا عن الضّمير.
وقرئ: القائم بالقسط، على البدل من «هو» أو الخبر المحذوف(٦) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن جابر قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن هذه الآية:( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
__________________
(١) النسخ: فيتخذه. المصدر: فتتخذونه.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٥٢.
(٣) النسخ: مقامات. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٤) المصدر: «فبالاستغفار» بدل «فهو الاستغفار».
(٥) أ: علماء.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٥٢.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٦٥، ح ١٨.
قال أبو جعفرعليهالسلام :( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ، فإنّ الله - تبارك وتعالى - يشهد بها لنفسه وهو كما قال، فأمّا قوله:( وَالْمَلائِكَةُ ) ، فإنّه أكرم الملائكة بالتّسليم له بهم وصدّقوا وشهدوا كما شهد لنفسه، وأمّا قوله:( وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) ، فإنّ أولي العلم الأنبياء والأوصياء وهم قيام بالقسط، والقسط هو العدل في الظاهر، والعدل في الباطن أمير المؤمنينعليهالسلام
فعلى هذه الرّواية «قائما» حال عن أولي العلم، وإفراده على تأويل كلّ واحد والإشعار بأنّ كلّ واحد منهم قائم به، لئلّا يتوهمّ أنّ القسط قائم بمجموعهم من حيث هو مجموع، وفي ذلك التّفسير(١) عن مرزبان القميّ قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قول الله - تعالى -( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) . قال: هو الإمام.
وفي بصائر الدّرجات(٢) : عن عبد الله بن جعفر، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن(٣) ابن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسنعليهالسلام قال: قلت:( وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) .
قال: الإمام.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : كرّره للتّأكيد ومزيد الاعتناء، فيبنى عليه قوله:( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (١٨): فيعلم أنّه الموصوف بهما، وقدّم العزيز لتقدّم العلم بالقدرة على العلم بحكمته، ورفعهما على البدل من الضّمير أو الصّفة لفاعل «شهد».
وقد ذكر في أوّل الفاتحة ما روي في فضل هذه الآية، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى محمّد بن عثمان العمريّ - قدّس سرّه - قال: لـمّا ولد الخلف المهديّ - صلوات الله عليه - سطع نور من فوق رأسه
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٦٦، ح ١٩.
(٢) لم نجده في البصائر. ولكن في نور الثقلين ١ / ٣٢٣، ح ٦٩ مثله تماما. وفي البرهان ١ / ٢٧٣، أورده بنفس السند في ذيل ح ١ نقلا عن البصائر. والحديث منقول في البرهان موجود في البصائر / ٦٣، ح ٢٨. إلّا أنّ الذيل المذكور في البرهان غير مذكور في البصائر ويوجد بدلا منه ذيل لمطلب آخر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحسين.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة / ٤٣٣، ح ١٣.
إلى عنان(١) السّماء، ثمّ سقط لوجهه ساجدا لربّه - تعالى ذكره - ثمّ رفع رأسه وهو يقول:( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ ) - إلى آخر الآية -
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن محمّد بن عبد الله بن إسحاق العلويّ، عن محمّد بن زيد الزّراميّ، عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن(٣) أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل يذكر فيهعليهالسلام مواليد الأئمّة - صلوات الله عليهم - وفيه يقولعليهالسلام : وإذا وقع من بطن أمّه وقع واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السّماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم الله(٤) أنزله من السّماء إلى الأرض، وأمّا رفعه(٥) رأسه إلى السّماء فإنّ مناديا ينادي من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان أثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك(٦) أنت صفوتي من خلقي، وموضع سرّي وعيبة علمي، وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي، لك ولمن تولّاك أوجبت رحمتي ومنحت جناني وأحللت جواري، ثمّ وعزّتي وجلالي لأصلينّ من عاداك أشدّ عذابي وإن وسّعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضى الصّوت - صوت المنادي - أجابه وهو واضعا يديه رافعا رأسه إلى السّماء يقول:( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
[قال :](٧) فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأوّل والعلم الآخر، واستحقّ الرّوح زيادة(٨) في ليلة القدر.
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ ) : جملة مستأنفة مؤكّدة للأولى، أي: لا دين مرضيّ عند الله إلّا الإسلام، وهو التّوحيد والتّورّع بالشّرع الّذي جاء به محمّدصلىاللهعليهوآله [الّذي لا يتمّ إلّا بالولاية].(٩) يدلّ على ذلك ما رواه الشّيخ الطّوسيّ - رحمه الله - في أماليه(١٠) قال: حدّثنا(١١)
__________________
(١) المصدر: أعنان.
(٢) الكافي ١ / ٣٨٥ - ٣٨٦، ضمن ح ١.
(٣) المصدر: «قال حججنا مع» بدل «عن».
(٤) المصدر: لله.
(٥) أ: رفع.
(٦) النسخ: خلقت. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) يوجد في المصدر.
(٨) المصدر: «زيارة الروح» بدل «الروح زيادة».
(٩) ليس في أ.
(١٠) أمالي الطوسي ١ / ٢٠٨.
(١١) المصدر: أخبرنا.
أبو عبد الله محمّد بن [محمّد بن](١) النّعمان - رحمه الله - قال: حدّثنا الشّيخ(٢) أحمد بن محمّد بن الحسن [بن الوليد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمّد بن الحسن](٣) الصّفّار - رحمه الله - عن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق [جعفر بن محمد](٤) عليهالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : أعطيت تسعا لم يعطها أحد قبلي سوى رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لقد فتحت لي السّبل(٥) ، وعلمت المنايا والبلايا، والأنساب، وفصل الخطاب، ولقد نظرت إلى(٦) الملكوت بإذن ربّي، فما غاب عنّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي، وإنّ(٧) بولايتي أكمل الله لهذه الأمّة دينهم وأتمّ عليهم النّعم ورضى لهم الإسلام(٨) ، إذ يقول يوم الولاية لمحمّدصلىاللهعليهوآله : يا محمّد أخبرهم أنّي أكملت لهم اليوم دينهم وأتممت عليهم النّعم ورضيت إسلامهم، كلّ ذلك منّ من(٩) الله عليّ(١٠) : فلله الحمد.
ولا فرق بينه وبين الإيمان في المتعلّق، وإنّما الفرق بأنّه يقال له: الإيمان بعد رسوخه ودخوله في القلب، وقبل ذلك يسمى إسلاما، يدلّ على ذلك ما رواه في أصول الكافي(١١) : عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عمن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : إنّ الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون.
وما رواه، عن عدّة من أصحابنا(١٢) ، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سمعته يقول: الإسلام لا يشرك الإيمان. والإيمان يشرك الإسلام.
وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد والمسجد ليس في الكعبة.
__________________
(١) يوجد في المصدر.
(٢) المصدر: «أخبرنا أبو الحسن» بدل «حدثنا الشيخ».
(٣) يوجد في المصدر.
(٤) يوجد في المصدر.
(٥) النسخ: السّد. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) المصدر: في.
(٧) النسخ: فانّ. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) المصدر: إسلامهم.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) المصدر: به عليّ. ولا داعي لوجود «به» بعد اختيار «منّ من».
(١١) الكافي ١ / ١٧٣، ضمن ح ٤.
(١٢) نفس المصدر ٢ / ٢٦، ضمن ح ٥.
وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان. وقد قال الله - عزّ وجلّ -(١) :( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) .
فقول الله - عزّ وجلّ - اصدق القول.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الآية دلالة على ذلك، حيث أفادت أن ليس دينا مرضيّا عند الله سوى الإسلام، ولو كان الإسلام أعمّ، بمعنى، أنّ الإسلام كان عبارة عن الإقرار بالتّوحيد والنّبوّة، والإيمان عبارة عنهما. وعن الإقرار بالولاية، لكان الإقراران بدون الولاية دينا مرضيّا عنده، وليس كذلك بالاتّفاق منّا. لا يقال: الآية دلّت على أنّ الدّين المرضيّ ممّا يصدق عليه الإسلام ولم يدلّ على أنّ كلّ إسلام دين مرضيّ، فلعلّه ذلك باعتبار بعض أفراده.
وأيضا يكفي في كونه مرضيّا كونه ممّا يحقن به الدّم، وترتّب بعض الأحكام عليه، ولا يلزم كونه ممّا يثاب عليه ويصير سبب نجاة في الآخرة، لأنّا نقول في الجواب عن الأوّل: إنّ تعريف جزئي الجملة يفيد انحصار كلّ منهما في صاحبه كما حقّق في موضعه، فيفيد أنّ الإسلام لا يكون دينا غير مرضيّ أصلا(٢) . وعن الثّاني أنّ المتبادر الصّريح من كونه مرضيّا عند الله كونه ممّا يثيب عليه في الآخرة، وأمّا كونه مرضيّا بالمعنى الّذي ذكرته فيما لا ينقاد له الذّهن أصلا، فلا يحمل عليه بوجه.
وقرأ الكسائي بالفتح، على أنه بدل «أنّه». وقرئ «إنّه» بالكسر، و «أنّ» بالفتح، على وقوع الفعل على الثّاني واعتراض ما بينهما، وإجراء «شهد» مجرى «قال» تارة و «علم» أخرى، لتضمّنه معناهما(٣) .
( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) : في دين الإسلام، فقال قوم: حقّ، وقال قوم: مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا.
وفي التّوحيد: فثلّث النّصارى. وقالت اليهود: عزير ابن الله. والّذين أوتوا الكتاب، أصحاب الكتب المتقدّمة. وقيل(٤) : اليهود والنّصارى.
وقيل(٥) : هم قوم موسى اختلفوا بعده. وقيل: هم النّصارى اختلفوا في أمر عيسى.
__________________
(١) الحجرات / ١٤.
(٢) أ: «أو أصلا أو» بدل «أصلا و».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٥٣.
(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.
( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) ، أي: من بعد ما جاءتهم(١) الآيات الموجبة للعلم.
( وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (١٩): وعيد لمن كفر منهم. وفي الآية دلالة على كفر من تمكّن من العلم(٢) بدين الحقّ وأنكر وإن لم يحصل له العلم باعتبار تهاونه.
( فَإِنْ حَاجُّوكَ ) ، في الدّين بعد إقامة الحجج، وجادلوك عنادا،( فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ) : أخلصت له نفسي، لا أشرك فيها أحدا. وعبّر بالوجه عن النّفس، لأنّه أشرف الأعضاء الظّاهرة، ومظهر القوى(٣) المدركة.
( وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) : عطف على الضّمير المرفوع للفصل(٤) ، أو مفعول معه(٥) .
( وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ ) : الّذين لا كتاب لهم، كمشركي العرب،( أَأَسْلَمْتُمْ ) ، كما أسلمت بعد إقامة الحجّة، أم أنتم باقون على كفركم؟ وفيه تعيير لهم بالبلادة والمعاندة.
( فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ) : فقد انتفعوا بالهداية.
( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) : فلم يضرّوك، إذ ما عليك إلّا التّبليغ، وقد بلّغت.
( وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) (٢٠): وعد للنّبيّصلىاللهعليهوآله وللمؤمنين، ووعيد للمتولّين.
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٢١): هم أهل الكتاب الّذين في عصره قتل أوّلوهم الأنبياء ومتابعيهم ورضوا به وقصدوا قتل النّبيّ والمؤمنين ولكن الله(٦) عصمهم.
ونقل(٧) : أنّ بني إسرائيل قتلوا ثلاثة وأربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة ،
__________________
(١) النسخ: جاءهم.
(٢) ليس في ر.
(٣) ر: القول.
(٤) ر: للفعل.
(٥) ليس في أ.
(٦) ليس في أ.
(٧) مجمع البيان ١ / ٤٢٣، نقلا عن النّبيّصلىاللهعليهوآله مخاطبا لابي عبيدة.
فقام مائة واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل فأمروا من قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النّهار [في ذلك اليوم. وهو الذي ذكره الله تعالى](١) .
وقرأ حمزة «يقاتلون الّذين» فبشّرهم خبر المبتدأ، ودخول الفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشّرط. ويمنع سيبويه دخول الفاء في خبر إنّ، كليت ولعلّ، ولذلك قيل: الخبر(٢) .
( أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) ، كقولك: زيد فافهم رجل صالح، وبينه وبينهما فرق فإنّها لا تغيّر معنى الجملة بخلافهما، وقد دخلت الفاء في خبر إنّ في قوله: إنّ الموت الّذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم.
( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) (٢٢): في الدّنيا يدفع عنهم الخزي واللّعن، وفي الآخرة يدفع عنهم العذاب. وفي إيراد الجمع إشعار بأنّ خزيهم وعذابهم عظيم، على تقدير وجود النّاصرين لا يمكن لواحد منهم دفعه.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لن يعمل ابن آدم عملا أعظم عند الله - تبارك وتعالى - من رجل قتل نبيّا، أو إماما، أو هدم الكعبة الّتي جعلها الله تعالى قبلة لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراما.
وفيه(٤) فيما علّم أمير المؤمنينعليهالسلام أصحابه: احذروا السّفلة، فان السّفلة من لا يخاف الله، ففيهم(٥) قتلة الأنبياء، وهم(٦) أعداؤنا.
وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول: ويل للّذين يجتلبون(٨) الدّنيا بالدّين [و](٩) ويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للّذين يسير المؤمن فيهم بالتّقيّة. أبي يغترّون أم عليّ يجترءون؟ فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تترك
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٥٣.
(٣) الخصال / ١٢٠، ح ١٠٩.
(٤) نفس المصدر / ٦٣٥، ضمن حديث الأربعمائة.
(٥ و ٦) المصدر: فيهم.
(٧) الكافي ٢ / ٢٩٩، ح ١.
(٨) المصدر: «يختلون». ويمكن أن يكون: «يحتلبون». وكلاهما صحيح وصواب أيضا.
(٩) من المصدر.
الحليم منهم حيرانا(١) .
( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً ) ، أي: حظّا وافرا. والتّنكير للتّعظيم.
( مِنَ الْكِتابِ ) ، أي: التّوراة، أو جنس الكتب السّماويّة. ومن للتّبعيض، أو التّبيين(٢) .
( يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) ، أي: يدعوهم محمّدصلىاللهعليهوآله إلى القرآن ليحكم بينهم، أو التّوراة لمانقل(٣) : انّه - عليه الصّلاة والسّلام - دخل مدارسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أيّ دين أنت؟
فقال: على دين إبراهيم.
فقال له نعيم(٤) : إنّ إبراهيم كان يهوديّا.
فقال: هلمّوا إلى التّوراة ليحكم(٥) بيننا وبينكم، فأبيا.
[فنزلت](٦) .
وقيل: نزلت في الرّجم. وقد اختلفوا فيه.
وقرئ ليحكم على البناء للمفعول، فيكون الاختلاف فيما بينهم(٧) .
( ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) : استبعاد لتولّيهم، مع علمهم بأنّ الرّجوع إليه واجب.
( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (٢٣): حال من فريق لتخصيصه بالصّفة، أي: وهم قوم عادتهم الإعراض عن الحقّ، وهو نهاية التّقريع(٨) .
( ذلِكَ ) ، أي: الإعراض.
( بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) : بسبب تسهيلهم امر العذاب،( وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (٢٤): من قولهم السّابق، أو أنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنّه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذّب أولاده إلّا تحلّة القسم. وتكرير الكذب والافتراء، يصيّره في صورة الصّدق، عند قائله ومفتريه.
( فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ) : تكذيب لقولهم: لن تمسّنا النّار إلَّا أيّاما، ولغرورهم بما كانوا يفترون.
__________________
(١) المصدر: حيران.
(٢) أ: للتبيين.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٥٤.
(٤) المصدر: «فقالا له» بدل «فقال له نعيم».
(٥) المصدر: فانّها.
(٦) من المصدر.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) أ: التفريع.
( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) : جزاء ما كسبت.
قال البيضاويّ(١) : وفيه دليل على أنّ العبادة لا تحبط، وأنّ المؤمن لا يخلّد في النّار، لأنّ توفية إيمانه وعمله لا يكون(٢) في النّار ولا قبل دخولها، فإذن هي بعد الخلاص [منها].(٣) ويردّ عليه في الأوّل، أنّه على تقدير الإحباط، يصدق على النّفس المحسنة الّتي أحبطت حسنتها(٤) بالسّيِّئة الّتي صدرت عنها أنّها وفيت ما كسبت، بمعنى أنّها لحسنتها لم تعاقب بالسّيّئة الّتي صدرت عنها. وفي الثّاني، أنّه يمكن توفية(٥) إيمانه وعمله في النّار، بأن يخفّف عذابه عن قدر ما ينبغي لسيئته، لإيمانه وعمله.
والتّحقيق أنّ المؤمن، يعني، الموالي للأئمّة - عليهم السّلام - لا يدخل النّار، وغيره يدخل ولا يخرج. ومناط الإيمان ما جعله الله ورسوله إيمانا، لا ما جعله كلّ حزب إيمانا وعدّه عملا صالحا، فكم ممّن يعدّ نفسه مؤمنا وهو مؤمن بنفسه وهواه، وكم ممّن يعد نفسه مواليا فهو ممّن يوالي الشّيطان.
( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٢٥) :
الضّمير لكلّ نفس على المعنى، لأنّه في معنى كلّ إنسان.
( قُلِ اللهُمَ ) :
الميم عوض عن حرف النّداء، ولذلك لا يجتمعان، وقد وقع في الشّعر ضرورة، وهو من خصائص هذا الاسم كدخولها عليه مع لام التّعريف، وقطع همزته وتاء القسم.
وقيل(٦) : أصله «يا الله آمنّا بخير»، مخفّف بحذف حرف النّداء ومتعلّقات الفعل وهمزته.
( مالِكَ الْمُلْكِ ) : على الحقيقة، وهو صفة لله. وعند سيبويه، نداء ثان، فإنّ الميم عنده تمنع الوصفيّة.
( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) ، أي: تعطي منه(٧) ما تشاء من تشاء، وتستردّ. فالملك الأوّل عامّ، والأخيران بعضان منه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٥٤.
(٢) المصدر: لا تكون.
(٣) من المصدر.
(٤) أ، ر: حسنته.
(٥) أ: توفيته.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٥٤.
(٧) أ: منها.
وقيل(١) : المراد بالملك، النّبوّة. ونزعها، نقلها من قوم إلى قوم.
وفي روضة الكافي(٢) : بإسناده إلى عبد الأعلى - مولى آل سام - عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له:( قُلِ أللّهمّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) ، أليس قد أتى الله - عزّ وجلّ - بني أميّة الملك؟
قال: ليس حيث تذهب(٣) ، إنّ الله - عزّ وجلّ - أتانا الملك وأخذته بنو أميّة، بمنزلة الرّجل يكون له الثّوب فيأخذه الآخر، فليس هو الذي أخذه.
فالمراد بإيتاء الملك بناء على هذا الخبر جعل الملك لأحد وجعله جائز التّصرّف فيه، لا التسلّط(٤) على الملك كما يتوهّم بعض الأوهام وذهب إليه وهو(٥) مولى آل سام(٦) ، وهو الآن لمن جعل الله الملك له وجعله قائما فيه.
( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) : في الدّنيا، أو في الآخرة، أو فيهما، بالنّصر والإدبار، والتّوفيق والخذلان.
( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) ، أي: ما هو فعلك خير، والشّرّ ممّا يرجع إلينا، مع كون الشّرّ مقدورا لك أيضا.
( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢٦): خيرا كان أو شرّا، لكنّ ما يصدر عن يدك وقدرتك هو الخير، هذا. وقال البيضاويّ(٧) : ذكر الخير وحده لأنّه المقضى(٨) بالذّات، والشّرّ مقضي(٩) بالعرض، إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمّن خيرا كليّا. أو لمراعاة الأدب في الخطاب. أو لأنّ الكلام وقع فيه، إذ
روي: أنّه - عليه الصّلاة والسّلام - لـمّا خطّ الخندق، وقطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها(١٠) المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله يخبره، فجاءعليهالسلام فأخذ المعول منه، فضربها ضربة صدّعتها، وبرق منها برق(١١) أضاء ما بين
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ٨ / ٢٦٦، ح ٣٨٩.
(٣) المصدر: تذهب إليه.
(٤) أ: التسليط.
(٥) الأصل ور: هم. وما أثبتناه في المتن موافق أ.
(٦) ر: آل سالم.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٥٤ - ١٥٥.
(٨) أ: المقتضي.
(٩) أ: مقتضي.
(١٠) النسخ: فيه. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١١) أ: برقا.
لابتيها لكأنّ [بها](١) مصباحا في جوف بيت مظلم(٢) ، فكبّر وكبّر معه المسلمون وقال: أضاءت لي [منها قصور الحيرة كأنّها أنياب الكلاب. ثمّ ضرب الثّانية فقال: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الرّوم. ثمّ ضرب الثّالثة فقال: أضاءت لي](٣) [منها](٤) قصور صنعاء، وأخبرني جبرئيل أنّ أمّتي ظاهرة على كلّها فأبشروا.
فقال المنافقون: ألا تتعجّبون يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة [ومدائن كسرى](٥) وأنّها تفتح(٦) لكم، وأنتم [إنّما](٧) تحفرون الخندق من الفرق.
فنزلت، ونبّه على أنّ الشّرّ أيضا بيده بقوله: [( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
انتهى كلامه، وهذا بناء على زعمه الكاسد ممّا ذهب إليه الأشعريّة، من أنّ الخير والشّرّ كليهما من أفعال الله - تعالى - ].(٨) تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، بل ما يصدر عنه تعالى ممّا ظاهره الشّرّ من التّعذيب والخزي والإماتة والتّحريض وغير ذلك، فهو خير في الواقع وحسن بالنّظر إلى مصالحه وحكمه، كيف والشّرّ قبيح يقبح صدروه عنه تعالى.
( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) ، أي: تزيد في النّهار وتنقص من اللّيل وبالعكس، أو تعقّب أحدهما الآخر. والولوج، الدّخول في مضيق.
وفي كتاب الإهليلجة(٩) : قال الصّادق - عليه السّلام، بعد أن ذكر اللّيل والنّهار - يلج أحدهما في الأخر [حتّى](١٠) ينتهي كلّ واحد منهما إلى غاية معروفة محدودة(١١) في الطّول والعرض(١٢) ، على مرتبة ومجرى واحد.
( وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ) : تنشئ الحيوانات من موادّها وتميتها، أو تخرج الحيوان من النّطفة منه، أو تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) النسخ: «ليلة» بدل «بيت مظلم».
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) أ: يفتح.
(٧) من المصدر.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) بحار الأنوار ٣ / ١٦٥.
(١٠) من المصدر.
(١١) المصدر: «محدودة معروفة» بدل «معروفة محدودة»
(١٢) المصدر: القصر.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) : وسئل الحسن بن عليّ بن محمّد - عليهم السّلام - عن الموت ما هو؟
فقال: هو التّصديق بما لا يكون.
حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الصّادقعليهالسلام قال: إنّ المؤمن إذا مات لم يكن ميّتا، فإنّ الميّت هو الكافر، إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول(٢) : يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ، [يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وفي مجمع البيان(٣) : تخرج الحّي من الميّت وتخرج الميّت من الحيّ](٤) قيل: إنّ معناه يخرج(٥) المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السّلام -
وقرأ ابو عمرو وابن عامر وأبو بكر «الميت» بالتّخفيف(٦) .
( وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) (٢٧) :
في مهج الدّعوات(٧) : عن أسماء بنت زيد قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : اسم الله الأعظم الّذي إذا دعي به فأجاب:( قُلِ أللّهمّ مالِكَ الْمُلْكِ ) - إلى -( بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
وقد مرّ في أوّل الفاتحة ما يدلّ على فضل هذه الآية أيضا.
( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ) : نهي عن موالاتهم والاستعانة بهم.
( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) : في موضع الصّفة لأولياء، أو الحال إن جوزت عن النّكرة، والمعنى: أنّهم لا يتّخذوهم أولياء بدل المؤمنين، فيكون إشارة إلى أنّ المؤمنين أحقّاء بالموالاة، وفي موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة، فإنّ الله وليّ الذين آمنوا.
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) : أي اتّخاذ الكافرين أولياء.
( فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ ) : من الولاية، لأنّه ترك موالاة المؤمنين الّذين وليّهم الله ووالى عدوّ الله.
__________________
(١) معاني الأخبار / ٢٩٠ - ٢٩١، ح ١٠.
(٢) الروم / ١٨.
(٣) مجمع البيان ١ / ٤٢٨.
(٤) ليس في أ.
(٥) المصدر: تخرج.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٥٥.
(٧) مهج الدعوات / ٣١٧.
( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) ، أي: لا يجوز موالاتهم في شيء من الأحوال إلّا في حالة أن تتّقوا منهم، أي: تخافوا من جهتهم.
وتقاة، مصدر. إمّا بمعنى ما يجب اتقاؤه فيكون مفعولا به، أو بمعناه فيكون مفعولا مطلقا. والفعل معدّى بمن، لأنّه في معنى تحذروا وتخافوا. وقرأ يعقوب: تقيّة.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ - رحمه الله - عن أمير المؤمنينعليهالسلام في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام لبعض اليونانيّين: وآمرك أن تستعمل التّقيّة(٢) في دينك، فإنّ الله يقول:( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) [..]. وإيّاك ثمّ إيّاك أن تتعرّض للهلاك(٣) ، وأنْ تترك التّقيّة الّتي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك ودم(٤) إخوانك، معرّض لنعمك ولنعمهم للزّوال(٥) ، مذلّ لك ولهم(٦) في أيدي أعداء الله(٧) وقد أمرك(٨) بإعزازهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٩) : عن الحسين بن زيد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [عن أبيه عليهما السّلام](١٠) قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: لا إيمان لمن لا تقيّة له، ويقول: فإنّ(١١) الله يقول(١٢) :( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ) .
وفي أصول الكافي(١٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أدينة، عن إسماعيل الجعفيّ ومعمّر بن يحيى بن سام(١٤) ومحمّد بن مسلم وزرارة قالوا: سمعنا أبا جعفرعليهالسلام يقول: التّقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم، فقد أحلّه(١٥) الله له.
عليّ بن إبراهيم(١٦) : عن محمّد بن عيسى، عن يونس(١٧) ، عن ابن مسكان، عن
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٢) النسخ: تقية. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) «أن تتعرّض للهلاك و» ليس في المصدر.
(٤) النسخ: دماء. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) المصدر: «لنعمتك ونعمهم على الزوال» بدل «لنعمك ولنعمهم للزوال».
(٦) النسخ: «مذلّهم». تفسير نور الثقلين: «مذلّ لهم» بدل «مذلّ لك ولهم».
(٧) المصدر: أعداء دين الله. (٨) المصدر: وقد أمرك الله.
(٩) تفسير العياشي ١ / ١٦٦، ح ٢٤.
(١٠) من المصدر. (١١) المصدر: قال.
(١٢) ليس في المصدر.
(١٣) الكافي ٢ / ٢٢٠، ح ١٨.
(١٤) الأصل: بسام. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٥) النسخ: أحلّ. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٦) نفس المصدر ٢ / ٢٢٠. (١٧) «عن يونس» ليس في ر.
حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال: التّقيّة ترس(١) الله بينه وبين خلقه.
( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) في موالاة الكفّار من غير ضرورة وترك التّقيّة في حال الضّرورة. وذكر «النفس» ليعلم أنّ المحذّر منه عقاب منه، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النّهي عنه في القبح.
( وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (٢٨): تأكيد للتّهديد، وإتيان الظّاهر موضع الضّمير للمبالغة.
( قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ) : يعلم السّرّ منكم والعَلَنْ.
( وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : فيعلم ما تضمرونه وما تخفونه.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢٩): فيقدر على تعذيبكم وخزيكم ان لم تنتهوا عن ما نهيتم عنه.
( يَوْمَ ) : منصوب «بتودّ» أو «اذكر» مضاف إلى( تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ) ، أي: تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير حاضرا.
( وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ) أي: محضرا،( تَوَدُّ ) : حال، على تقدير تعلّق «يوم» باذكر من الضّمير في «عملت» أو خبر «لما عملت من سوء» و «تجد» مقصور على «ما عملت من خير» ولا تكون «ما» شرطيّة لارتفاع «تودّ».
وقرئ «ودّت» وعلى هذا يحتمل أن تكون «ما» شرطيّة(٢) .
( لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) : بتأويل المصدر مفعول «تودّ»، أي: تودّ كون الأمد البعيد بينها وبين عملها.
( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) : التّكرير للتّوكيد.
( وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) (٣٠): إشارة إلى أنّ النّهي للرّأفة، رعاية لمصالحهم. وأنّه لذو مغفرة وذو عقاب، فيجب أن يرجى رحمته، ويخشى عقابه.
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ) :
__________________
(١) أ: أترس.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٥٦.
المحبّة، ميل النّفس إلى الشيء، لكمال أدرك فيه، بحيث يحملها على ما يقرّبه إليه. ومحبّة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره، ورغبتهم(١) فيها، وهي مستلزمة لاتّباع الرّسول في جميع ما جاء به ومن جملته، بل العمدة فيه اتّباع الأئمّة - عليهم السّلام -
( يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) : جواب للأمر، أي: يرضى عنكم ويتجاوز عن ذنوبكم. عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة، أو المقابلة.
وفي روضة الكافي(٢) : بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : ومن سرّه أن يعلم أنّ الله يحبّه فليعمل بطاعة الله وليتّبعنا، ألم يسمع قول الله - عزّ وجلّ - لنبيّه - صلّى الله عليه وآله:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) . والله لا يطيع الله عبد أبدا إلّا أدخل الله عليه في طاعته اتّباعنا، ولا والله لا يتّبعنا عبد أبدا إلّا أحبّه الله [و](٣) لا والله لا يدع(٤) أحد اتّباعنا أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلّا عصى الله، ومن مات عاصيا لله أخزاه [الله](٥) وأكبّه على وجهه في النّار، والحمد لله ربّ العالمين.
وفيها خطبة لأمير المؤمنينعليهالسلام وهي خطبة الوسيلة(٦) ، يقول فيهاعليهالسلام بعد أن ذكر النّبيّ - صلّى الله عليه وآله: - : فقال تبارك وتعالى - في التّحريض على اتّباعه والتّرغيب في تصديقه والقبول لدعوته:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) ، فاتّباعهصلىاللهعليهوآله محبّة الله، ورضاه غفران الذّنوب وكمال الفوز ووجوب الجنّة.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن القاسم بن محمدّ [وعليّ بن محمّد، عن القاسم بن محمّد](٨) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله
__________________
(١) ر: رغبته.
(٢) الكافي ٨ / ١٤، ذيل حديث ١. وهي رسالة أبي عبد اللهعليهالسلام إلى أصحابه.
(٣) من المصدر.
(٤) النسخ: ولا يدع. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر ٨ / ٢٦، ضمن حديث ٤.
(٧) نفس المصدر ٨ / ١٢٨ - ١٢٩، ح ٩٨. والحديث طويل. وله تتمة.
(٨) من المصدر.
ـ عليه السّلام - قال: قال [..].إنّي لأرجو النّجاة لمن عرف حقّنا من هذه الأمّة إلّا لأحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن. ثمّ تلا:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) . ثمّ قال: يا حفص الحبّ أفضل من الخوف. ثمّ قال: والله ما أحبّ [الله](١) من أحبّ الدّنيا ووالى غيرنا، ومن عرف حقّنا وأحبّنا فقد أحبّ الله - تبارك وتعالى -
وفي كتاب الخصال(٢) : عن سعيد بن يسار قال: قال [لي](٣) أبو عبد اللهعليهالسلام : هل الدّين إلّا الحبّ، إنّ الله تعالى يقول: [( قُلْ] ) (٤) :( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) .
وعن يونس بن ظبيان قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - : إنّ النّاس يعبدون الله تعالى على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطّمع، وآخرون يعبدونه(٥) فرقا من النّار فتلك عبادة العبيد وهي الرّهبة، ولكّني أعبده حبّا له فتلك عبادة الكرام وهو الأمن لقوله تعالى(٦) :( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) ولقوله تعالى:( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) .
فمن أحبّ الله أحبّه الله، ومن أحبّه الله كان من الآمنين.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن زياد، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: دخلت على أبي جعفرعليهالسلام فقلت: بأبي أنت وامّي ربّما خلا بي الشّيطان فخبثت نفسي، ثمّ ذكرت حبّي إيّاكم وانقطاعي إليكم فطابت نفسي.
فقال: يا زياد ويحك وما الدّين إلّا الحبّ ألا ترى إلى قول - الله تعالى -( إِنْ ) (٨) ( كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) .
وعن بشير الدّهّان(٩) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: [قد](١٠) عرفتم فيّ منكرين كثيرا(١١) وأحببتم فيّ مبغضين كثيرا،(١٢) وقد يكون حبّا لله [و](١٣) في الله ورسوله ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخصال / ٢١، ح ٧٤.
(٣ و ٤ و ١٠ و ١٣) من المصدر.
(٥) النسخ: يعبدون. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) النمل / ٨٩.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٦٧، ح ٢٥.
(٨) أ: قل إن.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٢٦.
(١١ و ١٢) النسخ والمصدر: كثير.
وحبّا في الدّنيا. فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله، وما كان في الدّنيا فليس [في](١) شيء. ثمّ نفض يده، ثمّ قال: إنّ هذه المرجئة وهذه القدريّة وهذه الخوارج ليس منهم أحد إلّا يرى أنّه على الحقّ، وإنّكم إنّما أحببتمونا في الله، ثمّ تلا:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٢) ( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٣) ، و( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (٤) ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٥) وعن بريد بن معاوية(٦) [..]. عن أبي جعفرعليهالسلام قال: والله لو أحبنا حجر حشره الله معنا، وهل الدّين إلّا الحبّ إنّ الله يقول:( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) ، وقال: يحبّون من هاجر إليهم وهل الدّين إلّا الحبّ.
وعن ربعي بن عبد الله(٧) قال: قيل لأبي عبد الله - عليه السّلام: جعلت فداك إنّا نسمّي بأسمائكم وأسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟
فقال(٨) : إي والله وهل الدّين إلّا الحب، قال الله تعالى:( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) .
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٣١) لمن تحبّب إليه بطاعته واتباع رسوله - صلّى الله عليه وآله قال البيضاويّ(٩) : روي أنّها نزلت لـمّا قالت اليهود: نحن أبناء الله وأحباؤه.
وقيل: نزلت في وفد نجران لـمّا قالوا: إنّما نعبد المسيح حبّا لله.
وقيل: في أقوام زعموا على عهده [صلّى الله عليه وآله] أنّهم يحبّون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل.
ولنعم ما قال صاحب الكشّاف هنا(١٠) : وإذا رأيت من يذكر محبّة الله، ويصفّق بيديه مع ذكرها(١١) ، ويطرب وينعر ويصعق، فلا تشكّ في أنّه لا يعرف ما الله ولا يدري ما
__________________
(١) من المصدر.
(٢) النساء / ٥٩.
(٣) الحشر / ٧.
(٤) النساء / ٨٠.
(٥) / ٣١.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢٧.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢٨.
(٨) ر: «قال» بدل «ذلك فقال».
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٥٦.
(١٠) تفسير الكشاف ١ / ٤٢٤.
(١١) المصدر: ذكره.
محبّة الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلّا لأنّه تصوّر في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسمّاها الله بجهله ودعارته، ثمّ صفّق وطرب ونعر وصعق على تصوّرها، وربّما رأيت المنيّ قد ملأ إزار ذلك المحبّ عند صعقته، وحمقى العامّة حواليه قد ملأوا أردانهم بالدّموع لما رقّقهم من حاله. قال :
أحبّ أبا ثروان من حبّ تمره |
وأعلم أنّ الرّفق بالجار أرفق |
|
ووالله لو لا تمره ما حببته |
ولا كان أدنى من عبيد ومشرق |
( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : يحتمل المضيّ والمضارعة، بمعنى، فإن تتولّوا،( فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ) (٣٢): لا يرضى عنهم، ولا يغفر لهم. ووضع المظهر موضع المضمر لقصد العموم، والدّلالة على أنّ التّولّي كفر، وإنّه ينفي محبّة الله ومحبّته مخصوصة بالمؤمنين. وفي الآية مع ما ذكر من الأخبار في بيانها دلالة صريحة على كفر من تولّى عن الولاية، فتبصّر.
( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ) :
لـمـّا أوجب طاعة الرّسول وأولاده الأوصياء(١) ، وبيّن أنّها الجالبة لمحبّته، عقّب ذلك ببيان مناقب الرّسل وآلهم، الّذين أوصياء الرّسول منهم، تحريضا عليه.
( وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ ) : وآله إسماعيل وإسحاق وأولادهما، ودخل فيهم الرّسولصلىاللهعليهوآله وأولاده الأوصياء - عليهم السّلام -
في مجمع البيان(٢) : إنّ آل إبراهيم هم آل محمّد الّذين هم أهله، ويجب أن يكون الّذين اصطفاهم الله مطهّرين معصومين منزّهين عن القبائح، لأنّه سبحانه لا يختار ولا يصطفي إلّا من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطّهارة والعصمة. ثمّ قال(٣) : وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام
وفي تفسير العياشي(٤) : عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ )
__________________
(١) الأصل ور: والأوصياء. وما أثبتناه في المتن موافق أ.
(٢) مجمع البيان ١ / ٤٣٣.
(٣) نفس المصدر والموضع. إلا أنه مرتبط بحديث آخر غير هذا الحديث.
(٤) أ: «وروى» بدل «وفي تفسير العياشي». وفيه ١ / ١٦٨، ح ٢٩.
. قال: نحن منهم ونحن بقيّة تلك العترة.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١) :](٢) روى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ - رحمه الله - عن روح بن روح(٣) ، عن رجاله، عن إبراهيم(٤) النّخعيّ(٥) ، عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقلت: يا أبا الحسن أخبرني بما أوصى إليك رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فقال: سأخبركم(٦) ، إنّ الله اصطفى لكم الدّين وارتضاه وأتمّ عليكم نعمته وكنتم أحقّ بها وأهلها، وإنّ الله أوحى إلى نبيّه أن يوصي إليّ، فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : يا عليُّ احفظ وصيّتي وارع(٧) ذمامي وأوف بعهدي وأنجز عداتي واقض دينى وأحيي(٨) سنّتي وقوّمها وادع إلى ملّتي، لأنّ الله تعالى اصطفاني واختارني، فذكرت دعوة أخي موسىعليهالسلام فقلت: أللّهمّ اجعل لي وزيرا من أهلي كما جعلت هارون من موسى. فأوحى الله - عزّ وجلّ - إليّ: إنّ(٩) عليّا وزيرك وناصرك والخليفة من بعدك، ثمّ يا عليّ أنت(١٠) من أئمّة الهدى وأولادي(١١) منك. فأنتم قادة الهدى والتّقى، والشّجرة الّتي أنا أصلها وأنتم فرعها، فمن تمسّك بها فقد نجا، ومن تخلّف عنها فقد هلك وهوى، وأنتم الّذين أوجب الله تعالى مودّتكم وولايتكم، والّذين ذكرهم الله في كتابه
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٨.
(٢) ليس في أ.
(٣) النسخ: «رواح»، وما أثبتناه في المتن موافق المصدر وتفسير البرهان ١ / ٢٧٩.
(٤) أ: إسماعيل.
(٥) المصدر: إبراهيم بن النخعي.
(٦) جاءت بصيغة الجمع والسائل واحد وهو ابن عباس. فإمّا «سأخبرك»، أو يمكن أن يكون ذكره بصيغة الجمع للاحترام، أو الخطاب للناس. وهكذا وردت في تفسير البرهان ١ / ٢٧٩.
(٧) الأصل وتفسير البرهان: «ارفع». أور: «ادفع». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) النسخ: «وقوّمها واحيي سنتي»، تفسير البرهان: «واقض ديني وقوّمها وقوّم سنتي» بدل: «واقض ديني واحيى سنتي وقوّمها». وهي موافق المصدر.
(٩) ر: فانّ.
(١٠) هكذا في الأصل والمصدر. وفي البرهان ور: «أنت يا عليّ» بدل «يا عليّ أنت».
(١١) النسخ والبرهان: أولادك. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
ووصفهم لعباده، فقال - عزّ وجلّ من قائل - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ، فأنتم صفوة الله من آدم ونوح وآل إبراهيم و، وأنتم الأسرة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمّد - صلوات الله عليهم أجمعين -
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ذكر مجلس الرّضاعليهالسلام مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة في حديث طويل وفيه: فقال المأمون: هل فضّل الله العترة على سائر النّاس؟
فقال أبو الحسنعليهالسلام : إنّ الله تعالى أبان فضل العترة على سائر النّاس في محكم كتابه.
فقال له المأمون: أين ذلك من كتاب الله؟
فقال الرّضاعليهالسلام : في قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ) .
( وَ ) :
آله موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر(٢) .
وقيل(٣) : عيسى [ومريم بنت عمران بن ماثان، وبين العمرانين ألف وثمان مائة سنة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال العالمعليهالسلام :](٥) نزل آل إبراهيم(٦) ووآل محمّد على العالمين، فأسقطوا آل محمّد من الكتاب.
وفي مجمع البيان(٧) : وفي قراءة أهل البيتعليهالسلام : وآل محمّد على العالمين.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٣٠، ضمن حديث ١.
(٢) وهو ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب. ر. مجمع البيان ذيل آية( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) .
(٣) ر. أنوار التنزيل ١ / ١٥٦ - ١٥٧.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٠٠.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) «آل إبراهيم» ليس في المصدر.
(٧) مجمع البيان ١ / ٤٣٣.
(٨) تفسير العياشي ١ / ١٦٨، ح ٢٩. و «تفسير العياشي» ليس في أ.
عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ) .
فقال: هو آل إبراهيم وآل محمّد على العالمين فوضعوا اسما مكان اسم.
( عَلَى الْعالَمِينَ ) (٣٣) :
قيل(١) : فيه دلالة ظاهرة(٢) على تفضيلهم على الملائكة. [وقد مرّ ما فيه في سورة البقرة].(٣)
وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله - تبارك وتعالى - اختار من كلّ شيء أربعة - إلى أن - قال: واختار من البيوتات(٥) أربعة، فقال - تعالى - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ) .
وعن جعفر بن محمّد(٦) ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام - عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ إنّ الله - عزّ وجلّ - أشرف على الدّنيا فاختارني منها على رجال العالمين، ثمّ اطّلع الثّانية فاختارك على رجال العالمين بعدي، ثمّ اطّلع الثّالثة فاختار الأئمّة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثمّ اطّلع الرّابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين.
[وفي عيون الأخبار(٧) في باب مجلس الرّضاعليهالسلام عند المأمون مع أهل الملل والمقالات، وما أجاب عليّ بن محمّد بن الجهم في عصمة الأنبياء - صلوات الله عليهم - حديث طويل يقول فيه الرّضاعليهالسلام : أمّا قوله - عزّ وجلّ - في آدم:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) ، فإنّ الله - عزّ وجلّ - خلق آدم حجّة في أرضه وخليفته في بلاده لم يخلقه للجنّة، وكانت المعصية من آدمعليهالسلام في الجنّة لا في الأرض، وعصمته تجب أن يكون في الأرض ليتمّ مقادير أمر الله - عزّ وجلّ - فلمّا أهبط إلى الأرض وجعل حجّة وخليفة عصم بقوله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ) .
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤٣٣.
(٢) أ: صريحة.
(٣) ليس في أ.
(٤) الخصال / ٢٢٥، ضمن حديث ٥٨.
(٥) النسخ: البيوت. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) نفس المصدر / ٢٠٦، ح ٢٥.
(٧) عيون أخبار الرضا ١ / ١٩٢ - ١٩٣.
وفيه(١) ، في باب مجلس آخر للرّضاعليهالسلام عند المأمون في عصمة الأنبياء - عليهم السّلام - حديث طويل وفيه يقولعليهالسلام : وكان ذلك من آدم قبل النّبوّة، ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، وإنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه الله تعالى وجعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله تعالى:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ) (٢) . وقال - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ) ].(٣)
( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) : حال، أو بدل من الآلين، أو منهما ومن نوح، أي: أنّهم ذرّيّة واحدة متشعبة بعضها من بعض في الدّين.
والذّرّيّة الولد، فعليّة من الذّرا، وفعولة من الذّرء، أبدلت همزتها ياء، ثمّ قلبت الواو ياء وأدغمت.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) : بإسناده إلى محمّد بن الفضيل(٥) ، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر - عليهما السّلام - في حديث طويل يقول فيه - عليه السّلام: فلمّا قضى محمّدصلىاللهعليهوآله نبوّته واستكملت أيامه أوصى الله - عزّ وجلّ - إليه: أن يا محمّد قد قضيت نبوّتك واستكملت أيّامك، فاجعل العلم الّذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النّبوّة عند عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فإنّي لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النّبوّة من العقب من ذرّيّتك، كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الّذين كانوا بينك وبين أبيك آدم. وذلك قوله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٩٦.
(٢) المصدر: «فهدى». وما أثبتناه في المتن موافق الأصل والقرآن المجيد.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة / ٢١٧.
(٥) النسخ: محمد بن الفضل. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) الكافي ٨ / ١١٧، ضمن حديث ٩٢.
بن الفضل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام مثله.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم(٢) - في حديث بريّة لما جاء معه إلى أبي عبد الله عليه السّلام فلقى أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام فحكى له هشام الحكاية فلمّا فرغ - قال(٣) أبو الحسن لبريّة: يا بريّة كيف علمك بكتابك؟
قال: أنا به عالم.
ثمّ قال: كيف ثقتك بتأويله؟
قال: ما أوثقني بعلمي فيه.
قال: فابتدأ أبو الحسنعليهالسلام يقرأ الإنجيل.
فقال بريّة: إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة، أو مثلك.
قال: فآمن(٤) بريّة وحسن إيمانه، وآمنت المرأة الّتي كانت معه، فدخل هشام وبريّة والمرأة على أبي عبد اللهعليهالسلام فحكى له هشام الكلام الّذي جرى بين أبي الحسن موسىعليهالسلام وبين بريّة.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام :( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
فقال بريّة: أنّى لكم التّوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟
قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا، إنّ الله لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شيء، فيقول: لا أدري.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أحمد بن محمّد، عن الرّضا، عن أبي جعفرعليهالسلام : من زعم أنّه قد فرغ من الأمر فقد كذب، لأنّ المشيئة لله في خلقه يريد ما يشاء ويفعل ما يريد. قال الله:( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . آخرها من أوّلها. وأوّلها من آخرها. فإذا أخبرتم بشيء منها بعينه أنّه كائن(٦) ، وكان في غيره منه، فقد وقع الخبر(٧) على ما أخبرتم عنه.
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٢٧، ح ١.
(٢) «بن الحكم» ليس في أ.
(٣) ر: قال له.
(٤) رو الأصل: «فقال آمن». أ: «وقال وآمن». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٦٩، ح ٣٢.
(٦) النسخ: كان. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) النسخ: في الخبر. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
أبو عمرو الزّبيريّ(١) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت [له :](٢) ما الحّجة في كتاب الله أنّ آل محمّد هم أهل بيته؟
قال: قول الله - تبارك وتعالى - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ ) (٣) ( وَ ) وآل محمّد - هكذا نزلت -( عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ولا يكون الذّرّيّة من القوم إلّا نسلهم من أصلابهم. وقال(٤) :( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) ووآل محمّد.
وفي كتاب المناقب(٥) لابن شهر آشوب: أنّ عليّاعليهالسلام قال لابنه الحسنعليهالسلام : اجمع النّاس، فاجتمعوا، فأقبل فخطب(٦) النّاس، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهّد ثمّ قال: أيّها النّاس إنّ الله اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، وأنزل علينا كتابه ووحيه. وأيم الله لا ينقصنا(٧) أحد من حقّنا شيئا إلّا انتقصه(٨) الله من حقّه في عاجل دنياه وآجل(٩) آخرته، ولا تكون علينا دولة إلّا كانت لنا العاقبة، ولتعلمنّ نبأه بعد حين، ثمّ نزل وجمع(١٠) بالنّاس، وبلغ أباه فقبّل بين عينيه. ثم قال: بأبي وأمّي( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
وممّا جاء في معنى الاصطفاء، ما رواه [في شرح الآيات الباهرة(١١) عن](١٢) الشّيخ الطّوسيّ - قدس الله روحه - قال: روى أبو جعفر القلانسيّ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن قال: حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن يونس بن ضباب(١٣) عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما بال أقوام إذا ذكروا آل إبراهيم وآل
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٣٥.
(٢) من المصدر.
(٣) «وآل إبراهيم» ليس في أ.
(٤) سبأ / ١٣.
(٥) المناقب ٤ / ١١.
(٦) المصدر: وخطب.
(٧) المصدر: لا ينتقصنا.
(٨) ر: انقصه.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) المصدر: فجمع.
(١١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٨.
(١٢) ليس في أ.
(١٣) النسخ: جناب. تفسير البرهان: ١ / ٢٧٩: حباب. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
عمران استبشروا، وإذا ذكروا آل محمّد اشمأزّت قلوبهم، والّذي نفس محمّد بيده لو أنّ أحدهم وافى بعمل سبعين نبيّا يوم القيامة ما قبل الله منه حتّى يوافي بولايتي وولاية عليّ بن أبي طالب - عليهما السّلام -
[وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس(٢) ، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفرعليهالسلام قال:( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) (٣) فأصل الشّجرة(٤) المباركة إبراهيمصلىاللهعليهوآله وهو قول الله - عزّ وجلّ(٥) - :( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) وهو قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أمالي الصّدوق(٦) - رحمه الله - : بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال محمّد بن أشعث بن قيس الكنديّ للحسينعليهالسلام : يا حسين بن فاطمة أيّة حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟ فتلا الحسينعليهالسلام هذه الآية:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) (الآية) [ثمّ](٧) قال: والله إنّ محمّدا لمن آل إبراهيم و [إنّ](٨) العترة الهادية لمن آل محمّد.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٩) ( وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٣٤): بأقوال النّاس وأعمالهم، فيصطفي من له المصلحة في اصطفائه.
قيل(١٠) : أو سميع بقول امرأة عمران، عليم بنيّتها.
( إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي ) : فينتصب به «إذ» أو بإضمار «اذكر» وهذه حنّة بنت فاقودا جدّة عيسى.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٧٩ - ٣٨١، ضمن حديث ٥٧٤.
(٢) الأصل: العباد. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) النور / ٣٥.
(٤) الأصل: الشجر. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) هود / ٧٣.
(٦) أمالي الصدوق / ١٣٤.
(٧ و ٨) من المصدر.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ١٥٧.
وأمّا ما روي في أصول الكافي(١) : «عن أحمد بن مهران وعليّ بن إبراهيم جميعا، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن(٢) بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام أنّه قال لرجل نصرانيّ: أمّا أمّ مريم فاسمها مرثا(٣) ، وهي وهيبة.
بالعربيّة»
، فمحمول على تعدّد الاسم، وسيأتي في الخبر أنّ اسمها حنّة.
وقيل(٤) : كانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم، أكبر من هارون وموسى، وهو المراد وزوجته، ويرده كفالة زكريا، فإنّه كان معاصرا لابن ماثان، وتزوّج ابنته يشاع(٥) ، وكان يحيى وعيسى ابني خالة من الأب.
( مُحَرَّراً ) : معتقا لخدمته لا أشغّله بشيء، أو مخلصا للعبادة. ونصبه على الحال.
نقل(٦) : أنّها كانت عاقرا عجوزا. فبينا هي في ظلّ شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه، فحنّت إلى الولد وتمنّته، فقالت: أللّهمّ إنّ لك عليّ نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصّدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه. فحملت بمريم، وهلك عمران، وكان هذا النّذر مشروعا عندهم في الغلمان(٧) ، فلعلّها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرا.
( فَتَقَبَّلْ مِنِّي ) : ما نذرته.
( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ) : لقولي.
( الْعَلِيمُ ) (٣٥): بنيّتي.
( فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) :
الضّمير لما في بطنها أنّثه، لأنّه كان مؤنّثا. أو لأنّ أنثى حال عنه، والحال وصاحبها واحد بالذّات. أو على تأويل مؤنّث، كالنّفس. ولفظه خبر، ومعناه تحسّر.
( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) : استئناف من الله، تعظيما لموضوعها.
وقرأ عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب: «وضعت» على أنّه من كلامها، تسلية لنفسها، أي، ولعلّ لله فيه سرّا، أو الأنثى كانت خيرا. وقرئ وضعت، على خطاب الله
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٧٨ - ٤٧٩، ضمن حديث ٤.
(٢) النسخ: الحسين. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: مرتاد.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٥٧.
(٥) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «ايشاع» وفي ر: الايشاع.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) المصدر: «في عهدهم للغلمان» بدل «عندهم في الغلمان».
ـ تعالى - لها(١) .
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله أوحى إلى عمران: إنّي واهب [لك](٣) ذكرا، سويّا مباركا، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدّث عمران امرأته حنّة بذلك، وهي أمّ مريم، فلمّا حملت كان حملها بها عند نفسها غلام، فلمّا وضعتها قالت:( رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ) (٤) ، ولا تكون البنت رسولا.
يقول الله - عزّ وجلّ - :( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) . فلمّا وهب الله [تعالى لمريم](٥) عيسى كان هو الّذي بشّر به عمران ووعده إيّاه، فإذا قلنا في الرّجل منّا شيئا فكان(٦) في ولده أو ولد ولده، فلا تنكروا ذلك.
( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ) :
واللام فيها للعهد، أي: ليس الذّكر الّذي طلبت كالأنثى الّتي وهبت. فيكون بيانا لقوله:( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ ) أو للجنس، بمعنى، وليس الذّكر والأنثى سواء فيما نذرت، فيكون من قولها.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٧)] (٨) عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى:( إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ) ، المحرّر يكون في الكنيسة لا يخرج(٩) منها. فلمّا وضعتها أنثى قالت:( رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ] ) (١٠) ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى ) . [إنّ](١١) الأنثى تحيض فتخرج من المسجد، والمحرّر لا يخرج من المسجد.
( وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ) : عطف على ما سبق من قولها، وما بينهما اعتراض. وإنّما ذكرت ذلك لربّها، تقرّبا إليه، وطلبا لأن يعصمها ويصلحها، حتّى يكون فعلها مطابقا
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ١ / ٥٣٥، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: «أى» بدل «و».
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: وكان.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٧٠، ح ٣٧.
(٨) ليس في أ.
(٩) المصدر: ولا يخرج.
(١٠ و ١١) من المصدر.
لاسمها، فإنّ مريم في لغتهم، العابدة.
( وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ ) : أجيرها بحفظك،( وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) (٣٦) المطرود. من الرّجم، بمعنى: الطّرد بالحجارة.
[وفي تفسير العيّاشيّ(١) :](٢) عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لقى إبليس عيسى بن مريم فقال: هل نالني من حبائلك شيء؟
قال: جدّتك الّتي قالت:( رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ) - إلى -( الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) .
وفي أمالي الشّيخ(٣) : بإسناده إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في حديث طويل، يذكر فيه تزويج فاطمة الزّهراء - عليها السّلام - وما أكرمه به النّبيّ صلّى الله عليه وآله - وفيه يقولعليهالسلام : ثم أتاني فأخذ بيدي، فقال: قم بسم الله وقم(٤) على بركة الله وما شاء الله لا قوّة إلّا بالله توكّلت على الله، ثمّ جاء بي حتّى(٥) أقعدني عندها - عليها السّلام - ثمّ قال: أللّهمّ إنّهما أحبّ خلقك إليّ، فأحبّهما وبارك في ذرّيّتهما واجعل عليهما منك حافظا [و](٦) إنّي أعيذهما بك وذرّيّتهما(٧) من الشّيطان الرّجيم.
( فَتَقَبَّلَها رَبُّها ) : فرضي بها في النّذر مكان الذّكر.
( بِقَبُولٍ حَسَنٍ ) : بوجه يقبل به النّذائر. وهو إقامتها مقام الذّكر، وتقبّلها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسّدانة.
قال البيضاويّ(٨) : روي أنّ حنّة لـمّا ولدتها، لفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار، وقالت: دونكم هذه النّذيرة. فتنافسوا فيها. لأنّها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم. فإنّ بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم. فقال زكريا: أنا أحقّ بها، لأنّ(٩) عندي خالتها. فأبوا إلّا القرعة وكانوا سبعة وعشرين. فانطلقوا إلى نهر. فألقوا فيه أقلامهم. فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم. فتكفّلها.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٧١، ح ٤٠.
(٢) ليس في أ.
(٣) أمالي الطوسي ١ / ٣٨.
(٤) المصدر: قل.
(٥) المصدر: «جاءني حين» بدل «جاء بي حتّى».
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: ذرّيتهما بك.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٥٨.
(٩) ليس في المصدر.
ويجوز أن يكون مصدرا، على تقدير مضاف، أي، بذي قبول حسن. وأن يكون تقبّل بمعنى استقبل، كتقضّى وتعجّل، أي، فأخذها في أوّل أمرها، حين ولدت، بقبول حسن.
( وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ) : مجاز عن تربيتها، بما يصلحها، في جميع أحوالها.
( وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) :
شدّد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا زكريّا غير عاصم، في رواية ابن عيّاش، على أنّ الفاعل هو الله، وزكريّا مفعول. وخفّف الباقون، ومدّوا زكريّا مرفوعا(١) .
( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ ) ، أي: الغرفة الّتي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه. ومقدمها سمي به، لأنّه محلّ محاربة الشّيطان.
( وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ) : جواب «كلّما» وناصبه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : وفي رواية حريز، عن أحدهما - عليهما السّلام - [قال :](٣) نذرت ما في بطنها للكنيسة أن يخدم(٤) العباد، وليس الذّكر كالأنثى في الخدمة.
قال: فنبتت، وكانت(٥) تخدمهم وتناولهم حتّى بلغت، فأمر زكريّا أن تتّخذ لها حجابا دون العباد، وكان(٦) يدخل عليها فيرى عندها ثمرة الشّتاء في الصّيف وثمرة الصّيف في الشّتاء. فهنالك دعا وسأل ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى.
( قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ) : من أين لك هذا الرّزق الآتي في غير أوانه، والأبواب مغلّقة عليك؟
( قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : فلا تستبعد.
( إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) (٣٧): بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضّلا به. وهو يحتمل أن يكون من كلامها، وأن يكون من كلام الله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ امرأة عمران لـمّا نذرت ما في بطنها محرّرا، قال: [و](٨) المحرّر للمسجد إذا وضعته(٩)
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٧٠، ح ٣٨.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: تخدم.
(٥) المصدر: «فشبّت فكانت» بدل «فنبتت وكانت».
(٦) المصدر: فكان.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٣٦.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: [أو]
وأدخل المسجد فلم يخرج من المسجد أبدا. فلمّا ولدت مريم قالت:( رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) . فساهم(١) عليها [النبيّون](٢) فأصاب القرعة زكريّا - وهو زوج أختها - وكفّلها وأدخلها المسجد، فلمّا بلغت ما تبلغ النّساء من الطّمث، وكانت أجمل النّساء وكانت تصلي فيضيء(٣) المحراب لنورها. فدخل عليها زكريّا فإذا عندها فاكهة الشّتاء في الصّيف وفاكهة الصّيف في الشّتاء.
فقال:( أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) .
فهنالك(٤) دعا زكريّا ربّه، قال: إنّي خفت الموالي من ورائي، إلى ما ذكره(٥) الله من قصّة زكريّا ويحيى(٦) .
وفيه(٧) أيضا: عن سيف، عن نجم عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ فاطمة - عليها السّلام - ضمنت لعليعليهالسلام عمل البيت والعجين والخبز وقم(٨) البيت، وضمن لها عليّعليهالسلام ما كان خلف الباب [من](٩) نقل الحطب وأن يجيء بالطّعام، فقال لها يوما: يا فاطمة هل عندك شيء؟
قالت: لا والّذي عظّم حقّك [ما كان](١٠) عندنا منذ ثلاثة أيّام(١١) شيء نقريك به.
قال: أفلا أخبرتني.
قالت: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهاني أن أسألك شيئا فقال: لا تسألي ابن عمّك شيئا، إن جاءك بشيء عفوا وإلّا فلا تسأليه.
قال: فخرجعليهالسلام فلقى رجلا، فاستقرض منه دينارا، ثمّ أقبل به وقد
__________________
(١) النسخ: فساهموا. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: «فكانت تصلّي ويضيء» بدل «وكانت تصلّي فيضيء».
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: هنا لك.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ذكر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يحيى وزكريّا.
(٧) نفس المصدر ١ / ١٧١، ح ٤١.
(٨) قمّ البيت: كنسه.
(٩) من المصدر.
(١٠) من المصدر.
(١١) النسخ: «ثلث الّا» بدل «ثلاثة أيّام».
أمسى فلقى مقداد بن الأسود، فقال للمقداد، ما أخرجك في هذه السّاعة؟
قال: الجوع، والّذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين.
قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : ورسول اللهصلىاللهعليهوآله حيّ؟
قال: ورسول اللهصلىاللهعليهوآله حيّ.
قال: فهو أخرجني، وقد استقرضت دينارا وسأؤثرك به. فدفعه إليه، فأقبل فوجد رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالسا وفاطمة تصلّي وبينهما شيء مغطّى. فلمّا فرغت أحضرت ذلك الشيء فإذا جفنة من خبز ولحم.
قال: يا فاطمة أنّى لك هذا؟
قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.
فقال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ألا أحدثك بمثلك ومثلها؟
قال: بلى.
قال: مثل زكريّا إذا دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا،( قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا؟ قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) . فأكلوا منها شهرا، وهي الجفنة الّتي يأكل منها القائمعليهالسلام وهي عندنا.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١) :](٢) نقل الشّيخ أبو جعفر الطّوسي - رحمه الله - في كتاب مصباح الأنوار، بحذف الإسناد قال: روي عن أبي سعيد الخدريّ قال: أصبح عليّعليهالسلام ذات يوم، فقال لفاطمة - عليها السّلام - : هل عندك شيء نغتذيه؟
فقالت: لا والّذى أكرم أبي بالنّبوّة وأكرمك بالوصيّة، ما أصبح الغداة عندي منذ يومين شيء إلّا كنت(٣) أؤثرك به على نفسي وعلى ابني الحسن والحسين.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : يا فاطمة ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا.
فقالت: يا أبا الحسن إنّي لأستحي من إلهي أن تكلّف نفسك ما لا تقدر عليه(٤) .
__________________
(١) الأصل وأ: اجترت ر: أخبرت وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٢) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٩ - ٤٠.
(٣) النسخ: «إلّا شيء» بدل «منذ يومين شيء إلّا كنت». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: به.
فخرج عليٌّعليهالسلام من عندها واثقا بالله وحسن الظّنّ به. فاستقرض دينارا.
فأخذه ليشتري به ما يصلحهم. فعرض له المقداد بن الأسود - رضوان الله عليه - وكان يوما شديد الحرّ وقد لوّحته الشّمس من فوقه وآذته من تحته. فلمّا رآه أمير المؤمنينعليهالسلام أنكر شأنه، فقال له: يا مقداد ما أزعجك السّاعة من رجلك(١) .
فقال: يا أبا الحسن خلّ سبيلي ولا تسألني عمّا ورائي.
فقال: يا أخي لا يسعني أن تجاوزني حتّى أعلم علمك.
فقال: يا أبا الحسن رغبت إلى الله وإليك أن تخلّ سبيلي ولا تكشفني عن حالتي.
فقال: يا أخي لا يسعك أن تكتمني حالك.
فقال: يا أبا الحسن أما إذا أبيت، فو الّذى أكرم محمّدا بالنّبوّة وأكرمك بالوصيّة، ما أزعجني من رجلي(٢) إلّا الجهد، وقد تركت عيالي جياعا، فلمّا سمعت بكاءهم لم تحملني الأرض، خرجت مهموما راكبا رأسي، هذه حالتي وقصّتي.
قال: فانهملت عينا عليٍّ بالبكاء حتّى بلّت دموعه كريمته. فقال: أحلف بالّذي حلفت به أنْ ما أزعجني إلّا الّذي أزعجك، وقد اقترضت دينارا فهاكه أؤثرك به على نفسي. فدفع إليه الدّينار ورجع. فدخل المسجد فسلّم.
فردّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله السّلام وقال: يا أبا الحسن هل عندك عشاء نتعشّاه(٣) فنقبل(٤) معك؟ فمكث أمير المؤمنينعليهالسلام مطرقا لا يحير جوابا، حياء من رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان قد عرّفه الله ما كان من أمر الدّينار، ومن أين وجهه بوحي من الله، وأمره(٥) أن يتعشّى عند عليّ تلك اللّيلة، فلمّا نظر إلى سكوته قال: يا أبا الحسن ما لك لا تقول: لا، فأنصرف عنك، أو: نعم، فامضي معك؟
فقال: حبّا وكرامة اذهب بنا، فأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيد أمير المؤمنين وانطلقا حتّى دخلا على فاطمة - صلوات الله عليها وعليهم أجمعين - وهي في محرابها قد قضت صلاتها وخلفها جفنة تفور دخانا، فلمّا سمعت كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرجت من مصلّاها وسلّمت عليه وكانت أعزّ(٦) النّاس عليه ،
__________________
(١) كذا في النسخ والمصدر. ولعله «رحلك».
(٢) أيضا يمكن أن يكون «رحلي».
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تعشيناه.
(٤) المصدر: «فيميل» أو «فنميل».
(٥) النسخ: «يأمره» بدل «وأمره».
(٦) أ: آخر.
فرّد عليها السّلام ومسح بيده(١) على رأسها، وقال: يا بنتاه كيف أمسيت يرحمك الله؟
قالت: بخير.
قال: عشّينا، رحمك الله. وقد قعد، فأخذت الجفنة ووضعتها بين يدي رسول الله وعليّ - صلّى الله عليهما وآلهما - فلمّا نظر أمير المؤمنين إلى الطّعام وشمّ ريحه [رمى فاطمة ببصره رميا شحيحا.
فقالت له فاطمة: سبحان الله، ما أشحّ نظرك وأشدّه! فهل أذنبت فيما بيني وبينك ذنبا أستوجب به السّخطة منك؟
فقال: وأيُّ ذنب أعظم من ذنب أصبت اليوم؟ أليس عهدي بك وأنت تحلفي بالله مجتهدة أنّك ما طعمت طعاما منذ يومين؟
فنظرت إلى السّماء وقالت: إلهي يعلم ما في سمائه وأرضه أنّي لم أقل إلّا حقّا].(٢) فقال لها: يا فاطمة فأنّى لك هذا الطّعام، الّذي لم أنظر إلى مثل لونه، ولم أشمّ مثل ريحه قطّ، ولم آكل أطيب منه؟
قال: فوضع النّبيّصلىاللهعليهوآله كفّه المباركة على كتف عليٍّ أمير المؤمنينعليهالسلام وهزّها ثمّ هزّها ثلاث مرّات، [ثمّ](٣) قال: يا عليُّ هذا بدل دينارك، هذا جزاء(٤) دينارك من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. ثمّ استعبر باكيا وقال: الحمد لله الّذي أبى لكما أن يخرجكما من الدّنيا حتّى يجريك يا عليّ مجرى زكريا، ويجريك يا فاطمة مجرى مريم بنت عمران، وهو قوله تعالى:( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. قالَ: يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا. قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
( هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ) : في ذلك المكان، أو في ذلك الوقت - وهنا وثمّ وحيث، تستعار للزّمان - لـمّا رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله. أو لـمّا رأى الفواكه في غير أوانها، تنبّه لجواز ولادة العاقر من الشّيخ، فسأل ربّه.
( قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) : كما وهبتها لحنّة العجوز العاقر.
( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) (٣٨) مجيبه.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يده.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أجر.
وفي عيون الأخبار(١) : بإسناده إلى الرّيّان بن شبيب قال: دخلت على الرّضاعليهالسلام في أوّل يوم من المحرّم، فقال لي: يا بن شبيب أصائم أنت؟
فقلت(٢) : لا.
فقال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الّذي دعا فيه زكرياعليهالسلام ربّه - عزّ وجلّ - فقال:( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) ، فاستجاب الله له، وأمر الملائكة فنادت زكريّا:( وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً ) (٣) .
فمن صام هذا اليوم، ثمّ دعا الله تعالى استجاب الله تعالى له، كما استجاب [الله](٤) لزكرياعليهالسلام
وفي الكافي(٥) : محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن رجل، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله(٦) عليهالسلام قال: من أراد أن يحبل له، فليصلّ ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الرّكوع والسّجود، ثمّ يقول: أللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به زكرياعليهالسلام إذ قال: ربّ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، أللّهمّ هب لي ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء، أللّهمّ باسمك استحللتها وفي أمانتك أخذتها، فإن قضيت في رحمها ولدا، فاجعله غلاما، ولا تجعل للشّيطان فيه نصيبا ولا شريكا.
وفي مجمع البيان(٧) : وروى الحارث بن المغيرة(٨) قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : إنّي من أهل بيت قد انقرضوا وليس لي ولد.
فقال: ادع الله(٩) وأنت ساجد: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء،( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ) .(١٠) قال: ففعلت(١١) ، فولد [لي](١٢) عليّ والحسين.
( فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ ) ، أي: من جنسهم، كقولهم: زيد يركب الخيل. فإنّ المنادي ملك.
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٩٩ ح ٥٨.
(٢) المصدر: قلت.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٣ / ٤٨٢، ح ٣.
(٦) أو المصدر: أبي جعفر.
(٧) مجمع البيان ٤ / ٦١.
(٨) هكذا في أ. وفي الأصل والمصدر: الحرث بن المغيرة.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) الأنبياء / ٨٩.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فقلت.
(١٢) من المصدر.
وقرأ حمزة والكسائيّ «فناديه» بالإمالة والتّذكير(١) .
( وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ) ، أي: قائما في الصّلاة. ويصلّي، صفة قائم. أو خبر آخر. أو حال أخرى. أو حال عن الضّمير في «قائم».
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وقال الصّادقعليهالسلام : إنّ طاعة الله - عزّ وجلّ - خدمته في الأرض، وليس شيء من خدمته يعدل الصّلاة، فمن ثمّ نادت الملائكة زكريّا، وهو قائم يصلّي في المحراب.
( أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ) ، أي، بأنّ الله.
وقرأ نافع وابن عامر(٣) «بالكسر» على إرادة القول، أو لأنّ النّداء نوع منه.
وقرأ حمزة والكسائي «يبشّرك» من الإبشار(٤) .
ويحيى، أعجميّ وإن جعل عربيّا، فمنع صرفه للتّعريف، ووزن الفعل.
( مُصَدِّقاً ) : حال من «يحيى»،( بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ) ، أي: بعيسى. سمّي بذلك، لأنّه وجد بأمره تعالى من دون أب. أو بكتاب الله، سمّي بها تسمية للكلّ باسم جزئه،( وَسَيِّداً ) : يسود قومه ويفوقهم بالعصمة، لأنّه كان نبيّا،( وَحَصُوراً ) : مبالغا في حبس النّفس عن الشّهوات والملاهي.
ونقل(٥) : أنّه مرّ [في صباه](٦) بصبيان، فدعوه إلى اللّعب، فقال: ما للّعب خلقت.
وفي مجمع البيان(٧) : حصورا [: وهو الّذي(٨) لا يأتي النّساء. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام
( وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (٣٩): ناشئا منهم، أو كائنا من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة.
في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٩) : بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٥٩.
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٣٣، ح ٦٢٣.
(٣) النسخ: «وقرأ نافع وحمزة وابن عامر.» وهي خطأ بدلالة المصدر. وهو أنوار التنزيل ١ / ١٥٩.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٥٩.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) من المصدر.
(٧) مجمع البيان ١ / ٤٣٨.
(٨) من المصدر.
(٩) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٢٥ - ٢٢٦.
عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبيّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقد ذكر عيسى بن مريم - عليهما السّلام - : فلمّا أراد الله أن يرفعه أوحى إليه أن يستودع(١) نور الله وحكمته وعلم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا خليفته على المؤمنين، ففعل ذلك، فلم يزل شمعون في قومه(٢) يقوم بأمر الله - عزّ وجلّ - ويهتدي(٣) بجميع مقال عيسىعليهالسلام في قومه من بني إسرائيل ويجاهد الكفّار، فمن أطاعه وآمن به وبما(٤) جاء به كان مؤمنا، ومن جحده وعصاه كان كافرا، حتّى استخلص ربّنا - تبارك وتعالى - وبعث في عباده نبيّا من الصّالحين وهو يحيى بن زكريّا، فمضى(٥) شمعون وملك عند ذلك أردشير بن بابكان(٦) أربع عشرة سنة وعشرة أشهر.
وفي ثمان سنين من ملكه، قتلت اليهود يحيى بن زكريّا - عليهما السّلام - ولـمـّا(٧) أراد الله - عزّ وجلّ - أن يقبضه، أوحى إليه أن يجعل الوصيّة في ولد شمعون، ويأمر الحواريّين وأصحاب عيسى بالقيام معه، ففعل ذلك، وعندها ملك سابور بن أردشير ثلاثين سنة حتّى قتله الله، وكمل(٨) علم الله ونوره وتفصيل حكمته في ذرّيّة يعقوب بن شمعون، ومعه الحواريّون من أصحاب عيسىعليهالسلام وعند ذلك ملك بخت نصر مائة سنة وسبعا وثمانين سنة، وقتل من اليهود سبعين ألف مقاتل على دم يحيى بن زكريّا، وخرّب بيت المقدس، وتفرّقت اليهود في البلدان.
( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ) : استبعادا من حيث العادة، أو استعظاما وتعجّبا أو استفهاما عن كيفيّة حدوثه.
( وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ) : أدركني كبر السّنّ.
قال البيضاويّ(٩) : وكان(١٠) له تسع وتسعون سنة، ولا مرأته ثمان وتسعون [سنة].(١١)
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: استودع.
(٢) «في قومه» ليس في المصدر.
(٣) هكذا ورد في هامش الأصل. وفي متنه: «يجيء». وفي المصدر: «يحتذي».
(٤) النسخ: «فيما» بدل «وبما». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) المصدر: ثم قبض.
(٦) النسخ: «زاكا». تفسير نور الثقلين: «زاركا». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) المصدر: فلمّا.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٥٩.
(١٠) المصدر: كانت.
(١١) من المصدر.
( وَامْرَأَتِي عاقِرٌ ) : لا تلد من العقر، وهو القطع، لأنّها ذات عقر من الأولاد.
( قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) (٤٠): كذلك الله، مبتدأ مؤخّر وخبر مقدّم، للقرينة، أي: الله على مثل هذه الصّفة. ويفعل ما يشاء، بيان له، أي: ما يشاء من العجائب. وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر. أو كذلك، خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. والله يفعل ما يشاء، جملة أخرى لبيان أنّه يفعل ما يريده من العجائب، أي: أنت وزوجك كبير وعاقر، والله يفعل ما يشاء من خلق الولد.
ويحتمل أن يكون «كذلك» مفعولا مطلقا «ليفعل» ويكون ذلك إشارة إلى ما نعجب منه، أي: الله يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل، أي: إنشاء الولد من الفاني والعاقر. أو إشارة إلى ما بيّنه من حالتهما، أي: الّذي يفعل ما يشاء من خلق الولد، كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر.
( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) : علامة أعلم بها أنّ ذلك الصّوت من الله، ويكون عبادة يتدارك بها ما دخله من تلك الهبة. وذلك لأنّه إذا جعل له آية وأوحى إليه، الآية من الله [عبادة وشكرا للموهبة ،](١) يعلم أنّ صوت الملائكة بأمر الله ووحيه، ويخضع لله تعالى شكرا لنعمه.
في تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ زكريّا لـمّا دعا ربّه أن يهب له ذكرا(٣) ، فنادته الملائكة بما نادته [به ،](٤) أحبّ أن يعلم أنّ ذلك الصّوت من الله، فأوحى(٥) إليه: أنّ آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيّام، قال: فلمّا أمسك لسانه ولم يتكلّم، علم أنّه لا يقدر على ذلك إلّا الله، وذلك قول الله:( رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [إِلَّا رَمْزاً ) .
وعن حمّاد(٦) ، عمّن حدّثه، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: لـمّا سأل [زكريّا](٧) ربّه أن يهب له ذكرا، فوهب له يحيى، فدخله من ذلك، فقال:( رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) . فكان يؤمئ برأسه، وهو الرّمز.
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٧٢، ح ٤٣.
(٣) هكذا في المصدر. في النسخ: ولدا.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: أوحى.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٤٤.
(٧) من المصدر.
( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) ، أي: الله أوحى إليه: أنّ آيتك وعبادتك ألّا تكلّم النّاس في ثلاثة أيّام].(١) وتخلص المّدة لذكر الله وشكره، قضاء لحقّ النّعمة.
( إِلَّا رَمْزاً ) : إشارة برأسك. وأصله التحريك ومنه الرّاموز للبحر. والاستثناء منقطع.
وقيل(٢) : متصل والمراد بالكلام ما دلّ على الضمير.
هذا إذا قرئ يمسك في الخبر الأوّل على البناء للفاعل، وإرجاع ضميره إلى زكريّا. وأمّا إذا قرئ على البناء للمفعول، أو يجعل فاعل الإمساك هو الله سبحانه، فالحلّ ما نقله البيضاويّ(٣) - ، من أنّ المعنى: اجعل لي آية علامة أعرف بها الحبل، ولأستقبله(٤) بالبشاشة والشّكر، وتزيح مشقّة الانتظار.( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) ، أي: لا تقدر على تكليم(٥) النّاس ثلاثا.
وقرئ: رمز، كخدم، جمع رامز. ورمز، كرسل، جمع رموز، على أنّه حال منه.
ومن النّاس، بمعنى: مترامزين. كقوله :
متى تلقني فردين تزحف |
زوانف(٦)
أليتيك وتستطار(٧)
. |
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً ) : أي، في أيّام الإمساك عن الكلام مع النّاس. وهو مؤكّد لما قبله، مبيّن للغرض منه.
قال البيضاويّ(٨) : وتقييد الأمر بالكثير(٩) ، يدلّ على أنّه ليس للتّكرار(١٠) . وفيه أنّه لعلّ التّقييد لتأكيد ما يفيده الأمر، فلا يدلّ على المدّعي.
( وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِ ) : من الزّوال إلى الغروب.
وقيل(١١) : من العصر، أو الغروب إلى ذهاب صدر اللّيل.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٥٩.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أستقبله.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تكلم.
(٦) هكذا في الأصل. وفي المصدر وأ: روانف
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) نفس المصدر ١ / ١٦٠.
(٩) هكذا في النسخ. وفي المصدر: بالكثرة.
(١٠) هكذا في النسخ. وفي المصدر: «لا يفيد التكرار» بدل «ليس للتكرار».
(١١) نفس المصدر والموضع.
( وَالْإِبْكارِ ) (٤١): من طلوع الفجر إلى الضّحى.
وقرئ بفتح الهمزة، جمع بكر، كسحر وأسحار(١) .
( وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) (٤٢) قال البيضاويّ(٢) : كلّموها شفاها كرامة لها، ومن أنكر الكرامة زعم أنّ ذلك كان(٣) معجزة لزكريّا، أو إرهاصا لنبّوة عيسىعليهالسلام فإنّ الإجماع على أنّه تعالى لم يستنبئ امرأة، لقوله:( وَما أَرْسَلْنا مِنْ ) (٤) ( قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً ) . وقيل: ألهموها. (انتهى) ويمكن أن يقال من قبل منكر الكرامة: لا تكون الكرامة لمن لم يكن فيه نصّ بالكرامة، وأمّا من حصل له التّخصيص بالتّنصيص كمريم وفاطمة صلوات الله عليهما، فهو بمنزلة الاستثناء.
والمقصود أنّه لا تجوز الكرامة لمن سواه، كوقوع المعجزة للأنبياء والأئمّة، فإنّهم يتخصّصون بها، ولا يلزم من وقوع شيء لأحد جواز وقوعه لكلّ أحد شرعا، وإن لم يمتنع عليه عقلا، والمجوّز وقوعه لكلّ أحد بوقوعه لبعض التبس عليه معنى الجواز، فتبصّر.
قيل(٥) : الاصطفاء الأوّل تقبّلها من أمّها، ولم تقبل قبلها أنثى، وتفريغها للعبادة، وإغناؤها برزق الجنّة عن الكسب [، وتطهيرها عمّا يستقذر من النّساء](٦) . والثّانية هدايتها، وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السّنيّة، كالولد من غير أب، وتبرئتها ممّا(٧) قذفته اليهود بإنطاق الطّفل، وجعلها وابنها آية للعالمين.
والأظهر أنّ الاصطفاء الأوّل، اصطفاؤها من ذرّيّة الأنبياء والثّاني، اصطفاؤها لولادة عيسى، من غير فحل، وتطهيرها، طهّرها من أن يكون في آبائها وأمّهاتها وفي نفسها سفاح.
وقيل(٨) : وتطهيرها ممّا(٩) يستقذر من النّساء.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) هكذا في النسخ. وفي المصدر: كانت.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عمّا.
(٨) نفس الموضع والمصدر.
(٩) هكذا في النسخ. وفي المصدر: عمّا.
وينافيه ظاهر ما سبق في الخبر من قوله: فلمّا بلغت ما يبلغ النّساء من الطّمث.
وأمّا ما رواه العيّاشي(١) في تفسيره، عن الحكم بن عتيبة(٢) ، قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله في الكتاب،( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) . اصطفاها مرّتين، والاصطفاء إنّما هو مرّة واحدة؟
قال: فقال [لي :](٣) يا حكم إنّ لهذا تأويلا وتفسيرا.
فقلت له: ففسّره لنا أبقاك الله.
فقال: يعني اصطفاءها(٤) إيّاها أوّلا من ذرّيّة الأنبياء المصطفين المرسلين، وطهّرها من أن يكون في ولادتها من آبائها وأمّهاتها سفاح(٥) ، واصطفاءها بهذا في القرآن،( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [مَعَ الرَّاكِعِينَ] ) (٦) شكرا لله.
فالظّاهر أنّ السّائل قد خفي عليه الاصطفاء الأوّل، وانحصر الاصطفاء عنده في الثّاني، وسأل فبيّنهعليهالسلام له، وسكت عن الثّاني لظهوره عنده.
وفي مجمع البيان(٧) :( وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ) ، أي: عالمي(٨) زمانك، لأنّ فاطمة بنت رسول الله - صلّى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها - سيّدة نساء العالمين.
وهو قول أبي جعفرعليهالسلام
وقد(٩) روي عن النّبيّ،صلىاللهعليهوآله أنّه قال: فضلّت خديجة على نساء أمّتي كما فضلّت مريم على نساء العالمين.
وقال أبو جعفرعليهالسلام : معنى الآية: واصطفاك من ذرّيّة الأنبياء، وطهّرك من السّفاح، واصطفاك لولادة عيسى من غير فحل وزوج.
( يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) (٤٣)
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٧٣، ح ٤٧.
(٢) هكذا في أو تفسير نور الثقلين. وفي الأصل ورو المصدر: «غيينة». والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٣٥٨، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، وص ٣٦٠، ذيل «الحكم بن عيينة».
(٣) من المصدر.
(٤) النسخ: «اصطفاءه» وهو صحيح ايضا.
(٥) المصدر: سفاحا.
(٦) من أ.
(٧) مجمع البيان ١ / ٤٤٠.
(٨) المصدر: «على نساء» بدل «عالمي».
(٩) «قد» ليس في المصدر. والأحسن وجودها.
قيل(١) : أمرت بالصّلاة في الجماعة بذكر أركانها، مبالغة في المحافظة عليها. وقدّم السّجود على الرّكوع، إمّا لكونه كذلك في شريعتهم، أو للتّنبيه على أنّ الواو لا توجب التّرتيب، أو ليقترن اركعي بالرّاكعين للإيذان بأنّ من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلّين.
وقيل(٢) : يحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع، وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الرّاكعين، ولا تكون مع من لا يركع.
وقيل(٣) : المراد بالقنوت أداء الطّاعة، كقوله(٤) :( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ) . وبالسّجود، الصّلاة، كقوله(٥) :( وَأَدْبارَ السُّجُودِ ) . وبالرّكوع، الخشوع والإخبات.
وفي كتاب علل الشرائع(٦) ، بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: إنّما سمّيت فاطمة - عليها السّلام - محدّثة، لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الرّاكعين، فتحدّثهم ويحدّثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله - عزّ وجلّ - جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها، وسيّدة نساء الأوّلين والآخرين.
[وفي أصول الكافي(٧) ، بإسناده إلى عليّ بن محمّد الهرمزاني(٨) ، عن أبي عبد الله الحسين بن عليّعليهالسلام ، قال: لـمّا قبضت فاطمة - عليها السّلام - دفنها أمير المؤمنينعليهالسلام سرّا، وعفا على موضع قبرها. ثمّ قام(٩) فحوّل وجهه إلى قبر
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٠.
(٢) تفسير الكشاف ١ / ٤٢٩.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦٠.
(٤) الزمر / ٣.
(٥) ق / ٤٠.
(٦) علل الشرائع / ١٨٢، ح ١.
(٧) الكافي ١ / ٤٥٨ - ٤٥٩، صدر حديث ٣.
(٨) هكذا في المصدر وفي النسختين الأصل ور: «الهرمزي». والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال ٢ / ٣٠٩، رقم ٨٥١٥.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسختين الأصل ور: قال.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: السّلام عليك يا رسول الله عنّي، والسّلام عليك عن ابنتك، وزائرتك، والبائتة في الثّرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللّحاق بك. قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وعفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(١)
وفي نهج البلاغة(٢) ، من كتاب لهعليهالسلام إلى معاوية جوابا: ومنّا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) ، روى المعلّى بن محمّد البصريّ، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم(٤) ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: قال النّبيّصلىاللهعليهوآله : إنّ عليّا وصييّ، وخليفتي، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتي.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أمالي الصّدوق - رحمه الله(٥) - بإسناده إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: أيّما امرأة صلّت في اليوم واللّيلة خمس صلوات، وصامت شهر رمضان، وحجّت بيت الله الحرام، وزكّت مالها، وأطاعت زوجها، ووالت عليّا [بعدي](٦) دخلت الجنّة بشفاعة ابنتي فاطمة. فانّها(٧) لسيّدة نساء العالمين.
فقيل له(٨) : يا رسول الله أهي سيّدة نساء(٩) عالمها؟
فقالصلىاللهعليهوآله : ذاك مريم ابنة عمران. وأما(١٠) ابنتي فاطمة فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين. وإنّها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون الف ملك
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) نهج البلاغة / ٣٨٧، ضمن رسالة ٢٨.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٣١، ح ٤٥٥.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «أبي عبد الله بن الحكم». والظاهر هي خطأ. ر. رجال النجاشي / ٢٢٥، رقم ٥٩١.
(٥) أمالي الصدوق / ٣٩٣ - ٣٩٤، ضمن حديث ١٨.
(٦) من المصدر.
(٧) أو المصدر: وإنّها.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) المصدر: لنساء.
(١٠) المصدر: «ذاك لمريم بنت عمران فامّا» بدل «ذاك مريم ابنة عمران وأمّا».
من الملائكة المقرّبين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم، فيقولون: يا فاطمة إنّ الله اصطفاك، وطهّرك، واصطفاك على نساء العالمين.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده إلى الأصبغ بن نباتة(١) ، قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام في بعض خطبه: أيّها النّاس اسمعوا قولي واعقلوه(٢) عنّي، فإنّ الفراق قريب. أنا إمام البريّة، ووصيّ خير الخليفة، وزوج سيّدة نساء هذه الأمّة.
( ذلِكَ ) ، أي: ما ذكرنا من قصص زكريّا ويحيى ومريم،( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) : من الغيوب الّتي لم تعرفها إلّا بالوحي.
( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) :
قيل(٣) : أقداحهم للاقتراع في نهر الأردنّ(٤) .
وقيل(٥) : أقلامهم الّتي كانوا يكتبون [بها](٦) التّوراة تبرّكا.
والمراد تقرير كونه وحيا على سبيل التّهكّم بمنكريه. فإنّ طريق معرفة الوقائع المشاهدة أو السّماع. وعدم السّماع معلوم لا شبهة فيه عندهم. فبقي أن يكون الاهتمام(٧) باحتمال العيان، ولا يظنّ به عاقل، ليعلموا:( أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) : معمول لما دلّ عليه( يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ) .
وفي كتاب الخصال(٨) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أوّل من سوهم عليه مريم بنت عمران، وهو قول الله تعالى:( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) ، والسّهام ستّة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٩) ، مثله.
__________________
(١) نفس المصدر / ٤٨٤ - ٤٨٥، صدر حديث ٩.
(٢) المصدر: اعتقلوه.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦٠.
(٤) النسخ: «شهر أردن» وهي خطأ ظاهرا. وكلمة «شهر» فارسية. بمعنى مدينه. وأما بالنسبة إلى إلقائهم أقلامهم في ماء النهر للاقتراع راجع بحار الأنوار ١٤ / ١٩٦ نقلا عن مجمع البيان. وهو نهر الأردنّ، راجع تفسير القاسمي (محاسن التأويل) ٤ / ٩٨.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: الإيهام.
(٨) الخصال / ١٥٦، ح ١٩٨. وللحديث تتمة.
(٩) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٥١، ح ١٧٣. وله تتمة.
( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (٤٤): تنافسا في كفالتها.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، قال: لـمّا ولدت اختصم(٢) فيها، فكلّهم(٣) قالوا: نحن نكفّلها، فخرجوا وضربوا(٤) بالسّهام بينهم، فخرج(٥) سهم زكريّا، فتكفّلها(٦) زكريّا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) ، عن الحكم بن عتيبة(٨) ، عن أبي جعفرعليهالسلام في حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : قال لنبيّه محمدصلىاللهعليهوآله يخبره بما غاب عنه من خبر مريم وعيسى: يا محمّد ذلك من أنباء الغيب، نوحيه إليك في مريم وابنها، وبما خصّهما الله به(٩) وفضّلهما وكرّمهما(١٠) ، حيث قال:( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ) يا محمّد يعني بذلك ربّ(١١) الملائكة،( إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) حين أيتمت من أبيها.
وفي رواية اخرى(١٢) ، عن ابن أبي خوار(١٣) ( أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) حين أيتمت من أبيها(١٤) ( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ) يا محمّد( إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) في مريم [عند ولادتها بعيسى](١٥) [بن مريم](١٦) أيّهم يكفلها ويكفل ولدها.
قال: [فقلت](١٧) له: أبقاك الله فمن كفلها؟
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٠٢.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: اختصموا.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وكلّهم.
(٤) هكذا في النسخ. وفي المصدر: قارعوا.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وخرج
(٦) هكذا في المصدر: وفي النسخ: فكفلها.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٧٣، ذيل حديث ٤٧.
(٨) النسخ والمصدر: «عيينة» وهو وهم. ر. تنقيح المقال ١ / ٣٥٨، ذيل «الحكم بن عتيبة الكوفي الكندي»، وص ٣٦٠، ذيل «الحكم بن عيينة».
(٩) النسخ: «منه» بدل «الله به». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٠) المصدر: أكرمهما.
(١١) المصدر: لربّ.
(١٢) نفس المصدر والموضع، ح ٤٨. وللحديث تتمة.
(١٣) هكذا في النسخ. وفي المصدر وتفسير البرهان ١ / ٢٨٣ رقم ١٦: خرزاد. وفي تفسير نور الثقلين: خراد.
ونحن لم نعثر على ترجمة لهذا الراوي في كتب الرجال.
(١٤) المصدر: أبويها.
(١٥) من المصدر.
(١٦) من أ.
(١٧) من المصدر.
فقال: أما تسمع لقوله الآية( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ ) : بدل من «إذ قالت» الأولى أو من «إذ يختصمون» بناء على أنّ الاختصام والبشارة في زمان متّسع، كقولك: لقيته سنة كذا.( يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) : المسيح لقبه، وهو من الألقاب المادحة، وأصله مشيحا بالعبرانيّة، ومعناه: المبارك، كقوله(١) : وجعلني مباركا.
وعيسى معرّب أيشوع، واشتقاقهما(٢) من المسح، لأنّه مسح بالبركة، أو بما طهّره من الذّنوب، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع، أو مسحه جبرئيل. ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة، كالرّاقم على الماء.
فإن قلت: لم قيل: اسمه المسيح عيسى بن مريم، وهذه ثلاثة أشياء، الاسم منها عيسى، واما المسيح والابن فلقب وصفة؟
قلت الاسم للمسمّى علامة يعرف بها ويتمّيز بها عن غيره، فكأنّه قيل: الّذي يعرف به، ويتميّز ممّن سواه، مجموع هذه الثّلاثة. ويحتمل أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف، وابن مريم صفته. وأن يكون كلّ من الثّلاثة اسما، بمعنى: أنّ كلّا منها يميّز تمييز الأسماء. ولا ينافي تعدّد الخبر افراد المبتدأ، فإنّه اسم جنس مضاف، وإنّما قيل: ابن مريم والخطاب لها تنبيها على أنّه يولد من غير أب، إذ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأمّ، إلّا إذا فقد الأب.
( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا ) : حال مقدّرة من «كلمة» الموصوفة بقوله: «منه». والتّذكير للمعنى، ووجاهته في الدّنيا بالنّبوّة.
( وَالْآخِرَةِ ) : بالشّفاعة.
( وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (٤٥): من الله.
وقيل(٣) : إشارة إلى علو درجته في الجنّة.
وقيل(٤) : إلى رفعه إلى السّماء، وصحبته الملائكة.
( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً ) ، أي: حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء
__________________
(١) مريم / ٣١.
(٢) هكذا في أنوار التنزيل ١ / ١٦٠. وفي النسخ: «أيسوع ومشتقهما» بدل «ايشوع واشتقاقهما».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦١.
(٤) نفس المصدر والموضع.
من غير تفاوت.
وفي أصول الكافي(١) ، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسيّ قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام أكان عيسى بن مريم حين تكلّم في المهد حجّة الله على أهل زمانه؟
فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة الله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال(٢) :( إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا )
. والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
و «المهد» مصدر، سمّي به ما يمهّد للصّبيّ من مضجعه.
و «الكهل» من خطّه الشّيب ورأيت له بجالة. ولذا قيل(٣) : والمراد وكهلا بعد نزوله.
[لأنّه رفع شابّا](٤) وذكر أحواله المختلفة المتنافية إشارة(٥) إلى أنّه ممكن ليس بإله(٦) .
( وَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (٤٦): قال ثالث من «كلمة» أو ضميرها الّذي في «يكلّم».
( قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) : تعجّب.
وقيل(٧) : استبعاد عاديّ، أو استفهام عن أنّه يكون بتزوّج أو غيره.
( قالَ ) : جبرئيل، أو الله وجبرئيل حكى بها قوله تعالى:( كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٤٧)، أي: كما أنّه يقدر أن يخلق الأشياء بأسباب وموادّ متدرّجا، يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك.
( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) (٤٨) :
إمّا كلام مبتدأ ذكر تطييبا لقلبها، وإزاحة لما همّها من خوف اللّوم على أنّها تلد من غير زوج. أو عطف على «يبشّرك» أو «وجيها».
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٨٢، ضمن حديث ١.
(٢) مريم / ٣١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦١.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: إرشادا.
(٦) المصدر: «بمعزل عن الألوهيّة» بدل «ممكن ليس باله».
(٧) نفس المصدر والموضع.
والكتاب الكتبة، أو جنس الكتب المنزلة. وتخصيص الكتابين لفضلهما.
وقرأ عاصم ونافع، بالياء(١) .
( وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) : منصوب بمقدّر، على إرادة القول. والتّقدير «ويقول: أرسلت رسولا» أو بالعطف، على الأحوال المتقدّمة. وتخصيص بني إسرائيل لخصوص من بعثته، أو للرّدّ على من زعم أنّه مبعوث إلى غيره.
في كتاب كمال الدّين(٢) وتمام النّعمة، بإسناده إلى محمّد بن الفضل(٣) ، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر - عليهم السّلام - في حديث طويل، يقول فيه: ثمّ إنّ الله - عزّ وجلّ - أرسل عيسىعليهالسلام إلى بني إسرائيل خاصّة، وكانت نبوّته ببيت المقدس.
( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) : متعلّق «برسولا» على تضمين معنى النّطق، أي: ناطقا بأنّي الخ.
والآية ما يذكر بعده وهو :
( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) : نصب(٤) بدل من «أنيّ»، أو جرّ بدل من «آية»، أو رفع على هي أنّي، والمعنى: أقدر وأصوّر لكم مثل صورة الطّير.
( فَأَنْفُخُ فِيهِ ) :
الضّمير للكاف، أي: في ذلك المثل.
( فَيَكُونُ طَيْراً ) : فيصير طيّارا.
( بِإِذْنِ اللهِ ) : بأمره. ونبّه به على أنّ إحياءه من الله لا منه.
وقرأ نافع هنا وفي المائدة طائرا، بألف وهمزة(٥) .
وفي كتاب الخصال(٦) ، عن الحسين بن عليّ - عليهما السّلام - قال: كان عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام بالكوفة في الجامع، إذ قام إليه رجل من أهل الشّام فسأله عن مسائل، فكان فيما سأله [أن قال له](٧) : أخبرني عن ستّة لم يركضوا في رحم؟
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٢٠.
(٣) المصدر: محمد بن الفضيل.
(٤) أ: فيصير طيّارا نصب
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٦١.
(٦) الخصال / ٣٢٢، ح ٨.
(٧) من المصدر.
فقال: آدم وحوّاء وكبش إبراهيم(١) وعصا موسى وناقة صالح والخفّاش الّذي عمله عيسى بن مريم، فطار بإذن الله تعالى.
( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ ) : الّذي ولد أعمى، والممسوح العين.
( وَالْأَبْرَصَ ) : الّذي به البرص، نقل(٢) : أنّه ربّما يجتمع عليه ألوف من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى. وما يداوي إلّا بالدّعاء.
( وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ ) :
كرّره لدفع توهّم الألوهيّة(٣) فإنّ الإحياء ليس من جنس الأفعال البشريّة.
وفي عيون الأخبار(٤) ، بإسناده إلى أبي يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السّكيت لأبي الحسن الرّضاعليهالسلام : لما ذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء [والعصا](٥) وآلة السّحر، وبعث عيسى بالطّبّ، وبعث محمّداصلىاللهعليهوآله بالكلام والخطب؟
فقال له أبو الحسنعليهالسلام : إنّ الله تعالى لـمّا بعث موسى - إلى أن قال - : وإنّ الله تعالى بعث عيسىعليهالسلام في وقت ظهرت فيه الزّمانات واحتاج النّاس إلى الطّب، فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، وإنّما أحيا لهم الموتى وأبرأ الأكمه(٦) والأبرص بإذن الله تعالى وأثبت به الحجّة عليهم.
وفي روضة الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن أبان بن تغلب وغيره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه سئل: هل كان عيسى بن مريم أحيا أحدا بعد موته حتّى كان له أكل ورزق ومدّة وولد؟
فقال: نعم، إنّه كان له صديق مؤاخ له في الله تعالى وكان عيسى
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: إسماعيل.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦١ - ١٦٢.
(٣) الأصل: اللاهوتيّة. وما أثبتناه في المتن موافق أو أنوار التنزيل ١ / ١٦٢.
(٤) عيون أخبار الرضا ٢ / ٧٩ - ٨٠، ضمن حديث ١٢.
(٥) من أ. وفي المصدر: «بالعصا ويده البيضاء» بدل «بيده البيضاء والعصا».
(٦) المصدر: أبرأ لهم الأكمه.
(٧) الكافي ٨ / ٣٣٧، ح ٥٣٢.
ـ عليه السّلام - يمرّ به وينزل عليه، وأنّ عيسىعليهالسلام غاب عنه حينا ثمّ مرّ به ليسلّم عليه، فخرجت إليه أمّه فسألها عنه، فقالت: مات يا رسول الله. قال: أفتحبّين أن تريه(١)؟ قالت: نعم. فقال لها: فإذا كان غدا فآتيك حتّى أحييه لك بإذن الله - تبارك وتعالى - فلمّا كان من الغد أتاها، فقال لها: إنطلقي معي إلى قبره. فانطلقا حتّى أتيا قبره فوقف [عليه](٢) عيسى - صلّى الله عليه - ثمّ دعا الله - عزّ وجلّ - فانفرج القبر وخرج ابنها حيّا. فلمّا رأته أمّه ورآها بكيا. فرحمهما عيسىعليهالسلام فقال [له].(٣) عيسى: أتحبّ أن تبقى مع أمّك في الدّنيا؟ فقال: يا نبي الله بأكل ورزق ومدّة أم بغير أكل ورزق ومدّة(٤)؟ فقال له عيسىعليهالسلام : بأكل ورزق ومدّة [و](٥) تعمّر عشرين سنة وتزوّج ويولد لك، قال: نعم إذا.
قال: فدفعه عيسى إلى أمّه فعاش عشرين سنه [تزوّج](٦) وولد له.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد، عن عبد الله بن سليم العامريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا - عليهما السّلام - وكان سأل ربّه أن يحييه له، فدعاه فأجابه وخرج إليه من القبر، فقال له: ما تريد منّي؟ فقال له: أريد أن تؤنسني كما كنت في الدّنيا، فقال له: يا عيسى ما سكنت عنّي حرارة الموت وأنت تريد أن تعيدني إلى الدّنيا وتعود عليّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره.
( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) : بالمغيبات من أحوالكم الّتي لا تشكّون فيها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) ، حدّثنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: حدّثني جعفر بن عبد الله قال: حدّثنا كثير بن عيّاش، عن زياد بن المنذر [عن](٩) أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ - عليهما السّلام - في قوله:( [وَ] ) (١٠) ( أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ [فِي بُيُوتِكُمْ ) ](١١) فإنّ عيسىعليهالسلام كان يقول لبني إسرائيل :
__________________
(١) المصدر: تراه.
(٢) من المصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر وا: ولا رزق ولا مدة.
(٥ و ٦) من المصدر.
(٧) الكافي ٣ / ٢٦٠، ح ٣٧.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٠٢.
(٩ و ١٠) و ١١ - من المصدر.
( إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ ) و( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ) ، والأكمه هو الأعمى. قالوا: ما نرى الّذي تصنع إلّا سحرا. فأرنا آية نعلم أنّك صادق. قال: أرأيتم(١) إن أخبرتكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم(٢) ، يقول: ما أكلتم في بيوتكم قبل أن تخرجوا وما ادّخرتم باللّيل(٣) تعلمون أنّي صادق. قالوا: نعم. فكان يقول للرّجل(٤) : أكلت كذا وكذا وشربت كذا وكذا ورفعت كذا وكذا. فمنهم من يقبل منه فيؤمن. ومنهم من ينكر فيكفر(٥) . وكان لهم في ذلك آية إن كانوا مؤمنين.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٤٩): موفّقين للإيمان، فإنّ غيرهم لا ينتفع بالمعجزات. أو مصدّقين بالحقّ غير معاندين.
وفي كتاب الاحتجاج(٦) للطّبرسيّ - رحمه الله - : روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي - عليهم السّلام - أنّه قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لعلّيعليهالسلام في أثناء كلام طويل - : فإنّ هذا عيسى بن مريم تزعمون(٧) أنّه تكلّم في المهد صبيّا؟
قال له عليّعليهالسلام : لقد كان كذلك. ومحمّدصلىاللهعليهوآله سقط من بطن أمّه واضعا يده اليسرى على الأرض ورافعا يده اليمنى(٨) إلى السّماء، يحرّك شفتيه بالتّوحيد، وبدا من فيه نور رأى أهل مكّة [منه](٩) قصور بصرى من الشام وما يليها والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها والقصور البيض من إصطخر(١٠) وما يليها، ولقد أضاءت الدّنيا ليلة ولد النّبيّصلىاللهعليهوآله حتّى فزعت الجنّ والإنس والشّياطين، وقالوا: حدث في الأرض حدث.
قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه خلق من الطّين كهيئة الطّير فينفخ(١١) فيه فكان طيرا بإذن الله - عزّ وجلّ -
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أرأيتكم.
(٢) «في بيوتكم» ليس في المصدر.
(٣) المصدر: «ذخرتم الليل» بدل «ادّخرتم بالليل».
(٤) النسخ: «انت» بدل «للرجل».
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «يكفر» بدل «ينكر فيكفر».
(٦) الاحتجاج ١ / ٣١٤ - ٣٣٥، مقاطع من الحديث.
(٧) أور: أيزعمون.
(٨) ليس في أ.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: اسطخر.
(١١) المصدر: فنفخ.
فقال له عليٌّعليهالسلام : لقد كان كذلك، ومحمّدصلىاللهعليهوآله قد فعل ما هو شبيه لهذا، إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا. ثمّ قال للحجر: انفلق، فانفلق ثلاث فلق يسمع لكلّ فلقة منها تسبيح لا يسمع للأخرى.
ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته ولكلّ غصن منها تسبيح وتهليل وتقديس. ثمّ قال لها: إنشقّي، فانشقّت نصفين. ثمّ قال لها: إلتزقي، فالتزقت. ثمّ قال لها: أشهدي لي(١) بالنّبوّة، فشهدت.
ثمّ قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى تزعمون(٢) أنّه قد أبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله - عزّ وجلّ -
فقال له عليٌّعليهالسلام : لقد كان كذلك، ومحمّدصلىاللهعليهوآله أعطي ما هو أفضل [من ذلك](٣) أبرأ ذا العاهة من عاهته، فبينما(٤) هو جالس إذ سأل عن(٥) رجل من أصحابه، فقالوا(٦) : يا رسول الله إنّه قد صار في(٧) البلاء كهيئة الفرخ [الّذي](٨) لا ريش عليه. فأتاهعليهالسلام فإذا هو كهيئة الفرخ من شدّة البلاء. فقال له: قد كنت تدعو في صحّتك دعاء. قال: نعم. كنت أقول: يا ربّ أيّما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجّلها(٩) لي في الدّنيا. فقال له النّبيّصلىاللهعليهوآله : ألا قلت: أللّهمّ( آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ) . فقالها [الرّجل](١٠) فكأنّما نشط من عقال وقام صحيحا وخرج معنا.
ولقد أتاه رجل من جهينة أجذم يتقطّع من الجذام. فشكا إليهصلىاللهعليهوآله فأخذ قدحا من ماء فتفّل فيه. ثمّ قال: إمسح به(١١) جسدك. ففعل، فبرئ حتّى لم يوجد فيه(١٢) شيء.
ولقد أتي النبيّ بأعرابيّ(١٣) أبرص. فتفّل [من](١٤) فيه [عليه](١٥) فما قام من عنده إلّا
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: يزعمون.
(٣ و ٨ و ١٠ و ١٤ و ١٥) من المصدر.
(٤) المصدر: وبينما.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.
(٧) المصدر: من.
(٩) المصدر: فاجعلها.
(١١) ليس في المصدر.
(١٢) المصدر: عليه.
(١٣) النسخ: «أتى العربيّ» بدل «أتي النبيّ بأعرابيّ». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
صحيحا.
ولئن زعمت أنّ عيسىعليهالسلام أبرأ ذوي العاهات(١) من عاهاتهم، فإنّ محمّداصلىاللهعليهوآله بينما هو في بعض(٢) أصحابه إذا(٣) هو بامرأة فقالت: يا رسول الله إنّ ابني قد أشرف على حياض الموت كلّما أتيته بطعام وقع عليه التّثاؤب. فقام النّبيّصلىاللهعليهوآله وقمنا معه. فلمّا أتيناه قال له، جانب يا عدوّ الله وليّ الله (فأنا)(٤) رسول اللهصلىاللهعليهوآله فجانبه الشّيطان، فقام صحيحا وهو معنا في عسكرنا.
ولئن زعمت أنّ عيسى بن مريم أبرأ العميان(٥) ، فإنّ محمّداصلىاللهعليهوآله قد فعل ما هو أكثر من ذلك، إنّ قتادة بن ربعي كان رجلا صحيحا، فلمّا كان يوم أحد أصابته طعنة في عينه، فبدرت حدقته فأخذها بيده، ثمّ أتى بها النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول اللهصلىاللهعليهوآله من يده، ثمّ وضعها مكانها، فلم تكن تعرف إلّا بفضل حسنها وفضل ضوئها على العين الأخرى.
ولقد خرج عبد الله بن عتيك(٦) وبانت يده يوم حنين، فجاء إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله ليلا، فمسح عليه يده، فلم تكن تعرف من اليد الأخرى.
ولقد أصاب محمّد بن مسلمة يوم كعب بن الأشرف(٧) مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلم يستبينا.
ولقد أصاب عبد الله بن أنيس مثل ذلك في عينه(٨) ، فمسحها فما عرفت من الأخرى، فهذه كلّها دلالة لنبوّتهصلىاللهعليهوآله
قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه أحيا الموتى بإذن الله.
__________________
(١) هكذا في النسخ. وفي المصدر: ذا العاهات.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: إذ.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فأتاه.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: العمياء.
(٦) المصدر: «عبد الله بن عبيد» وقيل فيه: «في بعض النسخ: عتيك» والظاهر هو الأصوب. كذا ورد في النسخ. ر. تنقيح المقال ٢ / ١٩٧، رقم ٦٩٤٧.
(٧) المصدر: كعب بن أشرف.
(٨) «في عينه» ليس في ر.
قال له عليٌّعليهالسلام : لقد كان ذلك، ومحمّدصلىاللهعليهوآله سبّحت في يده تسع حصيات فسمع نغماتها في جمودها ولا روح فيها لتمام حجّة نبوّته، ولقد كلّمه الموتى(١) من بعد موتهم واستغاثوه ممّا خافوا تبعته. ولقد صلّى بأصحابه ذات يوم فقال: ما ها هنا من بني النّجّار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنّة. بثلاثة دراهم لفلان اليهوديّ، وكان شهيدا.
ولئن زعمت(٢) أنّ عيسى كلّم الموتى، فلقد كان لمحمّدصلىاللهعليهوآله ما هو أعجب من هذا، إنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا نزل بالطّائف وحاصر أهلها بعثوا إليه بشاة(٣) مسلوخة مطليّة بسمّ، فنطق الذّراع منها فقالت: يا رسول الله لا تأكلني فإنّي مسمومة، فلو كلّمت البهيمة وهي حيّة لكانت من أعظم حجج الله عزّ ذكره على المنكرين لنبوّته، فكيف وقد كلّمته من بعد ذبح وسلخ وشوي(٤) .
ولقد كانصلىاللهعليهوآله يدعو بالشّجرة فتجيبه، وتكلّمه البهيمة، وتكلّمه السّباع، وتشهد له بالنّبوّة وتحذّرهم عصيانه، فهذا أكثر ممّا أعطي عيسى.
قال له اليهوديّ: إنّ عيسى تزعمون(٥) أنّه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدّخرون في بيوتهم.
قال له عليٌّعليهالسلام : لقد كان كذلك، ومحمّدصلىاللهعليهوآله فعل ما هو أكبر(٦) من هذا إنّ عيسى أنبأ قومه بما كان(٧) من وراء الحائط، ومحمّدصلىاللهعليهوآله أنبأ قومه(٨) [عن موتة](٩) وهو عنها غائب، ووصف حربهم ومن استشهد(١٠) منهم، وبينه وبينهم مسيرة شهور، وكان يأتيه الرّجل يريد أن يسأله عن شيء فيقولصلىاللهعليهوآله : تقول أو أقول، فيقول: بل قل يا رسول الله، فيقول: جئتني في كذا وكذا، حتّى يفرغ(١١) من حاجته. ولقد كان يخبر أهل مكّة بأسرارهم بمكّة حتّى
__________________
(١) أ: «الله» بدل «الموتى».
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: إن زعمت.
(٣) النسخ: «شاة». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٤) المصدر: شي
(٥) المصدر: يزعمون.
(٦) المصدر: «كان له أكثر» بدل «فعل ما هو أكبر».
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يأكلون.
(٨) هكذا في أ. وفي المصدر وسائر النسخ: من قومه.
(٩) من المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: اشهد.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فرغ.
لا يترك من أسرارهم شيئا، منها ما كان بين صفوان بن أميّة وبين عمير بن وهب(١) [إذ أتاه عمير](٢) فقال: جئت في فكاك ابني، فقال له: كذبت بل قلت لصفوان [بن أميّة](٣) وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر وقلتم: والله للموت(٤) أهون علينا(٥) من البقاء مع ما صنع محمّد بنا. وهل حياة بعد أهل القليب؟! فقلت أنت: لولا عيالي ودين عليّ لأرحتك من محمّد، فقال صفوان: عليّ أن أقضي دينك وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهنّ ما يصيبهنّ(٦) من خير أو شرّ، فقلت أنت: فاكتمها عليّ وجهّزني حتّى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال(٧) : صدقت يا رسول الله فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله.
وأشباه هذا ممّا لا يحصى.
وفي أصول الكافي(٨) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن مثنّى الحنّاط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفرعليهالسلام فقلت له: أنتم ورثة(٩) رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال: نعم.
قلت: رسول اللهصلىاللهعليهوآله وارث الأنبياء علّم كما(١٠) علّموا؟
قال [لي](١١) : نعم.
قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرأوا الأكمه والأبرص؟
قال لي(١٢) : نعم بإذن الله. ثمّ قال [لي](١٣) : أدن منّي يا أبا محمّد، فدنوت منه، فمسح على وجهي وعلى عيني، فأبصرت الشّمس والسّماء والأرض والبيوت وكلّ شيء في البلد، ثمّ قال لي: أتحبّ أن تكون هكذا ولك ما للنّاس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عمير بن وهيب.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الموت.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لنا.
(٦) «ما يصيبهنّ» ليس في أ.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «لتقتلني قال» بدل «لقتلى فقال».
(٨) الكافي ١ / ٤٧٠، ح ٣.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «وأنت ورثت» بدل «أنتم ورثة».
(١٠) المصدر ور: كلّما.
(١١) من المصدر.
(١٢) ليس في المصدر.
(١٣) من المصدر.
كنت ولك الجنّة خالصا؟
قلت: أعود كما كنت. فمسح على عيني، فعدت كما كنت. [قال :](١) فحدّثت ابن أبي عمير بهذا، فقال: أشهد أنّ هذا حقٌّ كما أنّ النّهار حقٌّ.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، في باب مجلس الرّضاعليهالسلام مع أصحاب الأديان والمقالات، قال الرّضاعليهالسلام : لقد اجتمعت قريش إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم. فوجّه معهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال [له](٣) : إذهب إلى الجبّانة(٤) فناد بأسماء هؤلاء الرّهط الّذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان ويا فلان ويا فلان، يقول لكم محمّد [رسول الله](٥) : قوموا بإذن الله - عزّ وجلّ - ، فقاموا ينفضون التّراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم ثمّ أخبروهم أنّ محمّدا قد بعث نبيّا، وقالوا: وددنا أنّا(٦) أدركناه فنؤمن به، ولقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين، وكلّمه البهائم والطّير والجنّ والشّياطين، ولم نتّخذه ربّا من دون الله - عزّ وجلّ -
( وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ) : عطف على «رسولا» على الوجهين. أو منصوب بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: وجئتكم مصدّقا.
( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ ) : مقدّر بإضمار فعل، دلّ عليه «قد جئتكم»، أي: وجئتكم لأحلّ. أو مردود على قوله: «قد جئتكم» بآية، أي: جئتكم لأظهر آية ولأحلّ. أو على معنى «مصدّقا»: أي: جئتكم لأصدّق ولأحلّ، كقولهم: جئتك معتذرا ولأطيّب قلبك.
( بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) ، أي: في شريعة موسىعليهالسلام كالشّحوم والثّروب(٧) والسّمك ولحوم الإبل والعمل في السّبت. وفي الآية دلالة، على أنّ شرعه كان ناسخا لشرع موسىعليهالسلام
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال:
__________________
(١) من المصدر.
(٢) التوحيد / ٤٢٣، مقطع من حديث ١ من باب ٦٥.
(٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جبانة.
(٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: إنّا كنّا.
(٧) هكذا في أنوار التنزيل ١ / ١٦٤. وهو جمع لثرب وزان فلس. والثرب شحم رقيق على الكرش والأمعاء.
(ر. المصباح المنير للفيّومي.) وفي النسخ: الشروب.
(٨) تفسير العياشي ١ / ١٧٥، ح ٥٢.
كان بين داود وعيسى بن مريم - عليهما السّلام - أربعمائة سنة، وكان شريعة عيسى أنّه بعث بالتّوحيد والإخلاص، وبما أوصى به نوح وإبراهيم وموسى، وأنزل عليه الإنجيل، وأخذ عليه الميثاق الّذي أخذ على النّبيّين، وشرّع له في الكتاب إقام الصّلاة مع الّدين، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتحريم الحرام وتحليل الحلال، وأنزل عليه في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود ولا فرض مواريث، وأنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى في التّوراة، وهو قول الله في الّذي قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل: ولأحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم. وأمر عيسى من معه ممّن اتّبعه من المؤمنين، أن يؤمنوا بشريعة(١) التّوراة والإنجيل.
( وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ) (٥٠)( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (٥١): الظّاهر أنّ قوله: قد( جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ) ، تكرير لما قبله، أي: جئتكم بآية بعد أخرى ممّا ذكرت لكم. والأوّل، لتمهيد الحّجة. والثّاني، لتقريبها إلى الحكم. ولذلك رتّب عليه «بالفاء».
قوله:( فَاتَّقُوا اللهَ ) ، أي: أنّي جئتكم بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، فاتّقوا الله في المخالفة، وأطيعوا لي فيما أدعوكم إليه، ثمّ شرع في الدّعوة، وأشار إليها بالقول المجمل، فقال:( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) ، إشارة إلى استكمال القوّة النّظريّة بالاعتقاد الحقّ، الّذي غايته التّوحيد.
وقال:( فَاعْبُدُوهُ ) ، إشارة إلى استكمال القوّة العمليّة، فإنّه بملازمة الطّاعة، الّتي هي الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي. ثمّ قرّر ذلك، بأن بيّن أنّ الجمع بين الأمرين، هو الطّريق المشهود عليه بالاستقامة.
وقيل(٢) : معناه وجئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربّكم، وهو قوله:( إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ ) ، فإنّه دعوة الحقّ المجمع عليه فيما بين الرّسل، الفارقة بين النّبيّ والسّاحر.
أو( جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ) ، على أنّ الله ربي وربكم. وقوله:( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ) ، إعتراض.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لشريعة.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٤.
( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) :
قيل(١) : تحقّق كفرهم عنده، تحقّق ما يدرك بالحواسّ.
[وفي تفسير العيّاشيّ:(٢)] (٣) وروى(٤) ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى(٥) :( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) ، أي، لـمّا سمع ورأى أنّهم يكفرون ،
فعلى هذه الرواية، كان الإحساس مستعملا في معناه الحقيقيّ، ولا يكون استعارة تبعيّة، كما في الأوّل.
( قالَ مَنْ أَنْصارِي ) : جمع، ناصر. وحمله على «من» لإرادة المتعدّد منه، أو للمبالغة في كونه ناصرا إلى الله ملتجئا إلى الله أو ذاهبا أو ضامّا إليه. ويحتمل تعلّقه «بأنصاري» على تضمين الإضافة، أي: من الّذين يضيفون أنفسهم.
( إِلَى اللهِ ) : في نصري.
وقيل(٦) «إلى» هاهنا بمعنى: «مع» أو «في» أو «اللّام».
( قالَ الْحَوارِيُّونَ ) حواريّو الرّجل، صفوته وخالصته. من الحور، وهو البياض الخالص. ومنه: الحواريّات للحضريّات، لخلوص ألوانهنّ ونظافتهنّ قال:
فقل للحواريّات يبكين غيرنا |
ولا تبكنا إلّا الكلاب النّوائح |
وفي وزنه، الحوالي، وهو الكثير الحيلة.
سمّي به أصحاب عيسىعليهالسلام قيل(٧) : لخلوص نيّتهم، ونقاء سريرتهم.
وقيل: كانوا ملوكا يلبسون البيض، استنصر بهم عيسى على(٨) اليهود. وقيل: قصّارون
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) لم نعثر عليه في تفسير العياشي. ولكن يوجد في تفسير القمي ١ / ١٠٣. ونقله عن القمي في تفسير الصافي ١ / ٣٤٠ وتفسير البرهان ١ / ٢٨٤، ح ٢. إلّا أنّه في تفسير نور الثقلين ١ / ٣٤٥، تحت رقم ١٥٢ ورد بدون عنوان. والحديث الذي قبله (رقم ١٥١) عن تفسير العياشي.
(٣) ليس في أ.
(٤) هكذا في المصدر وفي النسخ: روى عن.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «قوله» بدل «قول الله تعالى».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٦٤.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) المصدر: من.
يحورون الثّياب: أي:(١) يبيّضونها( نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) : في دينه.
( آمَنَّا بِاللهِ ) : الّذي دعوت إليه.
( وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (٥٢): لتشهد يوم القيامة، حين يشهد الرّسل لقومهم وعليهم.
( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ ) : في كتبك.
( وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ) : أي: عيسىعليهالسلام فيما دعى إليه.
( فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (٥٣): بوحدانيّتك، أو مع الأنبياء الشّاهدين.
وقيل: أو مع أمّة محمّدصلىاللهعليهوآله فإنّهم شهداء على النّاس.
( وَمَكَرُوا ) ، أي: الّذين أحسّ منهم الكفر من اليهود، بأن وكّلوا عليه من يقتله غيلة.
( وَمَكَرَ اللهُ ) : بأن رفع عيسى، وألقى شبهه على غيره، حتّى قتل.
والمكر، حيلة يجلب بها الغير إلى المضرّة، وإسناده إلى الله على سبيل الازدواج.
وفي عيون الأخبار(٢) ، عن الرّضاعليهالسلام في حديث طويل. وفيه قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ(٣) - :( سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ) وقوله:( اللهُ ) (٤) ( يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) وقوله - تعالى - :( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ ) وعن قوله - عزّ وجلّ(٥) - :( يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ) .
فقال: إنّ الله - عزّ وجلّ - لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكّنه - عزّ وجلّ - يجازيهم جزاء السّخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.
( وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) (٥٤): أقدرهم على إيصال الضّرّ إلى الغير.
( إِذْ قالَ اللهُ ) ظرف لمكر الله. وقيل: أو لخير الماكرين. أو لمضمر مثل ووقع ذلك.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: و.
(٢) عيون أخبار الرضا ١ / ١٢٦، ذيل حديث ١٩.
(٣) التوبة / ٧٩.
(٤) البقرة / ١٥.
(٥) النساء / ١٤٢.
( يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) : أي: مستوفي أجلك عاصما إيّاك من قتلهم، أو قابضك من الأرض. من توفّيت ما لي.
وقيل(١) : أو متوفّيك نائما.
وقيل(٢) : أماته الله سبع ساعات ثمّ رفعه. وقيل: أو مميتك عن الشّهوات. العائقة عن العروج.
( وَرافِعُكَ إِلَيَ ) : إلى محلّ كرامتي ومقرّ ملائكتي، وذلك في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان.
في كتاب الخصال(٣) ، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: - في حديث طويل يذكر فيه الأغسال في شهر رمضان - : وليلة إحدى وعشرين، وهي اللّيلة الّتي مات فيها أوصياء الأنبياء(٤) ، وفيها رفع عيسى [بن مريم](٥) عليهالسلام
( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : أي: من سوء جوارهم، أو قصدهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ عيسىعليهالسلام وعد أصحابه ليلة رفعه الله إليه. فاجتمعوا إليه عند المساء، وهم اثنا عشر رجلا. فأدخلهم بيتا.
ثمّ خرج عليهم من عين في زاوية البيت، وهو ينفض رأسه من الماء. فقال: إنّ الله أوحى إليّ: أنّه رافعي إليه السّاعة، ومطهّري من اليهود، فأيّكم يلقى عليه(٧) شبحي، فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي؟
فقال شابّ منهم: أنا يا روح الله؟
فقال: فأنت هوذا. فقال لهم عيسى: أما إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، أثنتي عشرة كفرة.
فقال له رجل منهم: أنا هو يا نبيّ الله.
فقال عيسى: إن تحسّ(٨) بذلك في نفسك فلتكن هو، ثمّ قال لهم عيسى: أما
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٣.
(٣) الخصال / ٥٠٨، ح ١.
(٤) المصدر: النبيّين.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٠٣.
(٧) أ: إليه.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «أتحسّ» بدل: «إن تحسّ».
إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق: فرقتين مفتريتين(١) على الله في النّار، وفرقة تتبّع شمعون صادقة على الله في الجنّة. ثمّ رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت، وهم ينظرون إليه.
ثمّ قال [أبو جعفرعليهالسلام :](٢) إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم، فأخذوا الرّجل الّذي قال له عيسى: إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح، اثنتي عشرة كفرة. وأخذوا الشّابّ الّذي ألقي عليه شبح عيسىعليهالسلام فقتل وصلب، وكفر الّذي قال له عيسى: تكفر قبل أن تصبح، اثنتي عشرة كفرة.
وفي كتاب كمال الّدين وتمام النّعمة(٣) بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشيّ، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه [أبي رافع](٤) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ جبرئيلعليهالسلام نزل عليّ بكتاب، فيه خبر الملوك ملوك الأرض [قبلي ،](٥) وخبر من بعث قبلي من الأنبياء والرّسل. وهو حديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
قال: لـمّا ملك أشجّ بن أشجان، وكان يسمّى الكيس، وكان قد ملك مأتين وستّا وستّين سنة، ففي سنة إحدى وخمسين من ملكه، بعث الله - عزّ وجلّ - عيسى بن مريمعليهالسلام واستودعه النّور والعلم والحكمة وجميع علوم الأنبياء قبله، وزاده الإنجيل، وبعثه إلى بيت المقدس إلى بني إسرائيل، يدعوهم إلى كتابه وحكمته وإلى الإيمان بالله وبرسوله(٦) ، فأبى أكثرهم إلّا طغيانا وكفرا، فلمّا لم يؤمنوا [به](٧) دعا ربّه وعزم عليه، فمسخ منهم شياطين ليريهم آية فيعتبروا، فلم يزدهم ذلك إلّا طغيانا وكفرا، فأتى بيت المقدس، فمكث يدعوهم ويرغّبهم [فيما عند الله](٨) ثلاثا وثلاثين سنة، حتّى طلبته اليهود، وادّعت أنّها عذّبته ودفنته في الأرض حيّا، وادّعى بعضهم أنّهم(٩) قتلوه وصلبوه، وما كان الله ليجعل لهم سلطان عليه، وإنّما شبّه لهم، وما قدروا على عذابه ودفنه، ولا على قتله وصلبه [لقوله - عزّ وجلّ - :( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فلم
__________________
(١) أ: مقربين.
(٢) من المصدر.
(٣) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) هكذا في أ. وفي المصدر وسائر النسخ: رسوله.
(٧) من المصدر.
(٨) ليس في أ.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أنّه.
يقدروا على قتله وصلبه ،](١) لأنّهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيبا لقوله، ولكن( رَفَعَهُ اللهُ [إِلَيْهِ] ) (٢) (٣) بعد أن توفّاه، فلمّا أراد الله أن يرفعه، أوحى إليه أن يستودع(٤) نور الله وحكمته وعلم كتابه شمعون بن حمّون الصّفا، خليفته(٥) على المؤمنين، ففعل ذلك.
قولهعليهالسلام : «بعد أن توفّاه» يحتمل أن يكون معناه، بعد أن قبضه من الأرض، أو بعد أن أماته عن الشّهوات العائقة، أو أماته موتا حقيقيّا - كما ذهب إليه البعض - أو بعد أن قرّر في علمه أن يستوفي أجله، وهذا أبعد.
( وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) : يعلونهم بالحّجة، أو السّيف. ومتّبعوه، من آمن بنبوّته من المسلمين والنّصارى. وإلى الآن لم تسمع غلبة اليهود عليهم، ولا يتّفق لهم ملك ولا دولة.
( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) :
فيه تغليب للمخاطبين على غيرهم.
( فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (٥٥): من أمر الدّين.
( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) : من اليهود، وغيرهم.
( فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا ) : بضرب الجزية، والهوان.
«و»: في( الْآخِرَةِ ) : بالنّار.
( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) (٥٦): يسعون في استخلاصهم.
( وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ) ، أي: في الدّنيا والآخرة.
وقرأ حفص، بالياء(٦) .
( وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (٥٧): ويحبّ المؤمنين.
( ذلِكَ ) ، أي: نبأ عيسى وغيره ممّا تقدّم. مبتدأ، خبره( نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ) : وقوله:( مِنَ الْآياتِ ) : حال من الهاء. ويحتمل أن يكون هو الخبر و «نتلوه» حالا ،
__________________
(١ و ٢) من المصدر.
(٣) النّساء / ١٥٨.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: استودع.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: خليفة.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٦٣.
والعامل فيه معنى الإشارة، وأن يكونا خبرين. ويحتمل أن يكون «ذلك» منصوبا، بما يفسّره «نتلوه».
( وَالذِّكْرِ ) ، أي: القرآن. وقيل(١) : اللّوح.
( الْحَكِيمِ ) (٥٨): المشتمل على الحكم. أو المحكم، عن تطرّق الخلل إليه.
( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) : أي: شأنه الغريب كشأن آدم.
( خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ) : جملة مفسّرة لوجه الشّبه، وهو أنّه خلق بلا أب كما خلق آدم بلا أب، بل وبلا أمّ أيضا، شبّه حاله بما هو أغرب، إفحاما للخصم بطريق المبالغة.
( ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ ) ، [أي: انشأ بشرا. والمراد بالخلق، خلق القالب. أو المراد قدر تكوينه ثمّ كوّنه.
ويحتمل أن يكون «ثم» لتراخي الخبر](٢) ( فَيَكُونُ ) (٥٩): حكاية حال ماضية.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : أنّ نصارى نجران لـمّا وفدوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان سيّدهم الأهتم(٤) والعاقب والسّيّد، وحضرت صلاتهم(٥) ، فأقبلوا يضربون بالنّاقوس وصلّوا، فقال أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا رسول الله(٦) ، هذا في مسجدك! فقال: دعوهم. فلمّا فرغوا دنوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا: إلى ما تدعونا(٧)؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، وأنّ عيسى عبد مخلوق، يأكل ويشرب ويحدث.
قالوا: فمن أبوه؟
فنزل الوحي على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: قل لهم: ما تقولون
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٠٤.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأهم.
(٥) ر: صلواتهم.
(٦) «يا رسول الله» ليس في المصدر.
(٧) المصدر: تدعونّ.
في آدم، أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث(١) وينكح؟ فسألهم النّبيّصلىاللهعليهوآله
فقالوا: نعم فقال: فمن أبوه؟
فبهتوا [، فبقوا ساكتين ،](٢) فأنزل الله - تبارك وتعالى - :( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ [كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ](٣) (الآية)
( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) «الحق» مبتدأ، و «من ربّك» خبره، أي: الحقّ المذكور من الله. أو خبر مبتدأ محذوف، و «من ربّك» صفته، أو حال منه. ويحتمل تعلّقه به.
( فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) (٦٠) :
الخطاب إن كان للنّبيّصلىاللهعليهوآله فلزيادة التّهييج على الثّبات، أو للتّعريض. وإن كان لكلّ سامع، فعلى أصله.
( فَمَنْ حَاجَّكَ ) : من النّصارى.
( فِيهِ ) : في عيسى( مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) ، أي: البيّنات الموجبة للعلم.
( فَقُلْ تَعالَوْا ) : هلمّوا بالعزم، والرّأي.
( نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، أي: يدعو كلّ منّا ومنكم نفسه وأعزّة أهله إلى المباهلة، ويحملهم عليها. وإنّما قدّمهم على النّفس، لأنّ الرّجل يخاطر بنفسه لهم، فهم أهمّ عنده.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام : وأمّا قوله:( فَمَنْ حَاجَّكَ ) (الآية)(٥) فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : فباهلوني، فإن كنت صادقا أنزلت اللّعنة عليكم، وإن كنت كاذبا أنزلت(٦) عليّ.
__________________
(١) «ويحدث» ليس في المصدر.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٠٤. وفي أ: «وفي الحديث المروي» بدل: «وفي تفسير عليّ بن إبراهيم».
(٥) المصدر: «فيه من بعد ما جاءك من العلم - إلى قوله - فنجعل لعنة الله على الكاذبين»، بدل: «الآية». وما أثبتناه في المتن موافق النسخ.
(٦) المصدر: نزلت.
فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السّيّد والعاقب والأهتم(١) : إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس بنبيّ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصّة فلا نباهله، فإنّه لا يقدم على(٢) أهل بيته إلّا وهو صادق، فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين - صلوات الله عليهم أجمعين -
فقال النّصارى: من هؤلاء؟
فقيل لهم: إن هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه عليّ بن أبي طالب، وهذه بنته(٣) فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين - عليهم السّلام -
ففرقوا(٤) ، وقالوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآله : نعطيك الرّضا فاعفنا عن المباهلة، فصالحهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الجزية وانصرفوا.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام سئل عن فضائله، فذكر بعضها، ثمّ قالوا له: زدنا.
فقال: [إنّ](٦) رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتاه حبران من أحبار النّصارى(٧) من أهل نجران، فتكلّما في أمر عيسى، فأنزل [الله](٨) هذه الآية:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ ) إلى آخر الآية. فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأخذ بيد عليّ والحسن والحسين وفاطمة، ثمّ خرج ورفع كفّه إلى السّماء، وفرج بين أصابعه، ودعاهم إلى المباهلة.
قال: وقال أبو جعفرعليهالسلام : وكذلك المباهلة يشبك يده في يده ثمّ(٩) يرفعها إلى السّماء، فلمّا رآه الحبران قال أحدهما لصاحبه: والله لئن(١٠) كان نبيّا لنهلكنّ وإن كان غير نبيّ كفانا قومه، فكفّا(١١) وانصرفا.
__________________
(١) هكذا في المصدر: وفي النسخ: الأهم.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: إلى.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ابنته.
(٤) أ: نفرقوا. المصدر: فعرفوا
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٧٥ - ١٧٦، ح ٥٤.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أحبار اليهود.
(٨) من المصدر.
(٩) «ثمّ» ليس في المصدر.
(١٠) النسخ: «وإن» بدل «والله لئن». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١١) النسخ: فكفانا. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
عن أبي جعفر الأحوال(١) قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما تقول قريش في الخمس؟
قال: قلت: تزعم أنّه لها.
قال: ما أنصفونا، والله لو كان مباهلة ليباهلنّ بنا ولئن كان مبارزة ليبارزنّ بنا، ثمّ نكون وهم على سواء].(٢)
فقد ظهر من هذا الخبر، أنّ من دعى النّبيّصلىاللهعليهوآله من الأبناء هو الحسن والحسين، ومن النساء فاطمة، وبقي - عليّ عليه السّلام - لا يدخل في شيء إلّا في قوله: وأنفسنا، فهو نفس الرّسولصلىاللهعليهوآله
وقد صحّ في الخبر أنّهصلىاللهعليهوآله وقد سأله(٣) سائل عن بعض أصحابه، فأجابه عن كلّ بصفته.
فقال: فعليٌّ؟
فقالصلىاللهعليهوآله : إنّما سألتني عن النّاس، ولم تسألني عن نفسي.
( ثُمَّ نَبْتَهِلْ ) : بأن نلعن الكاذب منّا.
والبهلة (بالضّمّ والفتح) اللّعنة. وأصله، التّرك. من قولهم: بهلت النّاقة، إذا تركتها بلاصرار.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) ، بإسناده إلى عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال: التّبتّل، أن تقلب كفّيك في الدّعاء إذا دعوت. والابتهال، أن تقدّمهما.
وتبسطهما(٥) .
وفي أصول الكافي(٦) : [بإسناده إلى أبي إسحاق، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: والابتهال، رفع اليدين وتمّدهما(٧) . وذلك عند الدّمعة.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٧٦، ح ٥٦.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) ر: سألتني.
(٤) معاني الأخبار / ٣٧٠.
(٥) المصدر: «تبسطهما وتقدّمهما» بدل «تقدّمهما وتبسطهما».
(٦) الكافي ٢ / ٤٧٩، ضمن حديث ١. وفي نسخة أنقل هذا الحديث، قبل الحديث الآنف الذكر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: تمديدها.
وبإسناده إلى مروك(١) بيّاع اللؤلؤ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: وهكذا الابتهال - ومدّ يده تلقاء وجهه إلى القبلة - ولا تبتهل(٢) حتّى تجري الدّمعة.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة، عن العلا، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : والابتهال، تبسط يديك وذراعيك [إلى السّماء](٤) والابتهال، حين ترى أسباب البكاء.
وبإسناده إلى أبي بصير(٥) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: وأمّا الابتهال، فرفع يديك تجاوز بهما رأسك.
وبإسناده إلى محمّد بن مسلم وزرارة(٦) قالا: قال: أبو عبد اللهعليهالسلام : والابتهال، أن تمدّ يدك جميعا.
وهذه الأحاديث طوال، أخذت منها موضع الحاجة].(٧)
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن مخلّد أبي الشّكر، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: السّاعة الّتي تباهل فيها، ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس.
( فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) (٦١): عطف، فيه بيان.
وفي كتاب الخصال(٩) : في احتجاج عليّعليهالسلام على أبي بكر، قال: فأنشدك بالله، أبي برز رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبأهلي(١٠) وولدي، في مباهلة المشركين من النّصارى، أم بك وبأهلك وولدك؟
قال: بكم.
وفيه(١١) ، أيضا، في مناقب أمير المؤمنين - عليه السّلام(١٢) - وتعدادها، قال
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: «سعد». وامّا بالنسبة إلى «مروك بيّاع اللؤلؤ» ر. تنقيح المقال ٣ / ٢١٠، رقم ١١٦٦٤.
(٢) المصدر: ولا يبتهل.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٤٨٠، ذيل حديث ٤.
(٤) نفس المصدر.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٤٨٠ - ٤٨١، ضمن حديث ٥.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٤٨١، ذيل حديث ٧.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٥١٤، ح ٢.
(٩) الخصال / ٥٥٠، ضمن حديث ٣٠.
(١٠) المصدر: بأهل بيتي.
(١١) نفس المصدر / ٥٧٦، ضمن حديث ١.
(١٢) «أمير المؤمنينعليهالسلام » ليس في ر.
ـ عليه السّلام - : و [أمّا](١) الرّابعة والثّلاثون، فإنّ النّصارى ادّعوا أمرا، فأنزل الله - عزّ وجلّ - فيه:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) ].(٢) فكانت نفسي نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله والنّساء فاطمة والأبناء الحسن والحسين، ثمّ ندم القوم، فسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله الإعفاء، فعفا عنهم وقال(٣) : والّذي أنزل التّوراة على موسى والفرقان على محمّد، لو باهلونا لمسخوا(٤) قردة وخنازير.
[وفي روضة الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن الحسن بن ظريف، عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قال لي أبو جعفرعليهالسلام : [يا أبا الجارود ،](٦) ما يقولون لكم في الحسن والحسين - عليهما السّلام - ؟
قلت(٧) : ينكرون علينا أنّهما أبناء رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال: فأيّ(٨) شيء احتججتم عليهم، يا أبا الجارود(٩)؟
قلت: احتججنا عليهم بقول الله - تعالى - لرسول اللهصلىاللهعليهوآله :( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) .
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(١٠) : وقالعليهالسلام : إنّ كلّ بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلّا أولاد فاطمة فإنّي أنا أبوهم.
في عيون الأخبار(١١) ، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفرعليهالسلام مع
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: «فأعفاهم» بدل «فعفا عنهم وقال».
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لمسخهم.
(٥) الكافي ٨ / ٣١٧، ضمن حدث ٥٠١.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «قال قال» بدل: «قلت»
(٨) كذا في المصدر. وفي الأصل لا يقرأ. ولعلّ الصّواب: فبأيّ.
(٩) «يا أبا الجارود» ليس في المصدر.
(١٠) مجمع البيان. -
(١١) عيون أخبار الرضا ١ / ٨٤ - ٨٥.
هارون الرّشيد لـمّا قال له: كيف تكونون ذرّيّة رسول الله وأنتم أولاد ابنته؟ حديث طويل يقول فيهعليهالسلام لهارون: أزيدك، يا أمير المؤمنين.
قال: هات.
قلت: قول الله - تعالى - :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) ، ولم يدّع أحد أنّه أدخل النّبيّصلىاللهعليهوآله تحت الكساء عند المباهلة للنّصارى، إلّا عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين، فكان تأويل قوله - عزّ وجلّ - : أبناءنا، الحسن والحسين. ونساءنا، فاطمة. وأنفسنا، عليّ بن أبي طالب. على أنّ العلماء قد أجمعوا، على أنّ جبريل قال يوم أحد: يا محمّد، إنّ هذه لهي المواساة من عليٍّ.
قال: لأنّه منّي وأنا منه.
وفيه(١) : في باب ذكر مجلس الرّضاعليهالسلام مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل، وفيه قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر الله - تعالى - الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضاعليهالسلام : فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا وموضعا، فأوّل ذلك قوله - عزّ وجلّ - إلى أن قال: وأمّا الثّالثة، فحين ميّز الله الطّاهرين من خلقه. فأمر نبيّهصلىاللهعليهوآله بالمباهلة بهم في آية المباهلة(٢) ، فقال - عزّ وجلّ - : يا محمّد،( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) .
فبرز(٣) النّبيصلىاللهعليهوآله عليّا والحسن والحسين وفاطمة - صلوات الله عليهم - وقرن أنفسهم بنفسه، فهل(٤) تدرون ما معنى قوله:( وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؟
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٩٧، ح ٥٣.
(٢) هكذا في الأصل. وفي المصدر: الابتهال.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل لا يقرأ. ولعلّ الصواب: فأبرز.
(٤) الأصل: «بل». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
قالت العلماء: عنى به نفسه.
فقال أبو الحسنعليهالسلام : غلطتم، إنّما عنى به عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وممّا يدلّ على ذلك قول النّبيّصلىاللهعليهوآله حين قال: لينتهينّ بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي، يعني عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام.
وعنى بالأبناء، الحسن والحسين - عليهما السّلام - وعنى بالنّساء، فاطمة - عليها السّلام - فهذه خصوصيّة لا يتقدّم فيها أحد، وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق، إذ جعل نفس عليّ كنفسه.
وفيه(١) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : يا عليّ من قتلك فقد قتلني، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن سبّك فقد سبّني، لأنّك منّي كنفسي، روحك من روحي وطينتك من طينتي.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : عن أبي جعفر الثّاني، حديث طويل ذكرته بتمامه في سورة يونس، عند قوله تعالى:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ ) (الآية). وفيه أنّ المخاطب بذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يكن في شكّ ممّا أنزل الله - عزّ وجلّ - ولكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث(٣) الله(٤) إلينا نبيّا [من الملائكة، إنّه](٥) لم يفترق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق؟
فأوحى الله - عزّ وجلّ - إلى نبيّهصلىاللهعليهوآله :( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) - بمحضر من الجهلة - هل بعث(٦) الله - عزّ وجلّ - رسولا قبلك إلّا وهو يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق، ولك بهم أسوة.
وإنّما قال: و( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ ) ، ولم يكن(٧) ولكن ليتفهّم(٨) ، كما قالعليهالسلام (٩) :
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٩٧، ح ٥٣.
(٢) علل الشرائع / ١٢٩، ح ١. وفيه: «علي بن محمد» بدل «أبي جعفر الثاني».
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل: لا بعث.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: هل يبعث.
(٧) المصدر: ولم يقل.
(٨) المصدر: ليتبعهم.
(٩) المصدر: «كما قال له - صلى الله عليه وآله - » بدل «كما قال عليه السلام».
( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) . ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة. وقد عرف أنّ النّبيّ(١) صلىاللهعليهوآله مؤدّي عنه رسالة وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه صادق فيما يقول، ولكن أحبّ أن ينصف من نفسه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن محمّد بن سعيد الأردنيّ(٣) ، عن موسى بن محمّد بن الرّضا(٤) ، عن أخيه أبي الحسن - عليه السّلام(٥) - أنّه قال في هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) ، ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة وقد علم أنّ نبيّه مؤدي عنه رسالاته، وما هو من الكاذبين.
وفيه(٦) عن المنذر قال: حدّثنا عليّعليهالسلام لـمّا نزلت هذه الآية:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) (الآية) قال: فأخذ بيد فاطمة وعليّ وابنيهما - عليهم السّلام - فقال رجل من اليهود(٧) : لا تفعلوا فيصيبكم عنت الوجوه(٨) ، فلم يدعوه(٩)] (١٠) .
وفي شرح الآيات الباهرة(١١) : أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله صالحهم على ألفي حلّة وثلاثين درعا وثلاثين فرسا، وكتب [لهم](١٢) بذلك كتابا، ورجعوا إلى بلادهم.
( إِنَّ هذا ) ، أي: ما قصّ من نبأ عيسى ومريم.
( لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ ) : بجملتها، خبر إنّ أو هو فصل، يفيد أنّ ما ذكره في شأن
__________________
(١) المصدر: أن نبيّه.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٧٦، ح ٥٥.
(٣) المصدر: «الأزديّ» بدل «الأردني». وقيل في هامشه: وفي نسخة «الأردني».
(٤) هكذا في المصدر. وفي الأصل: عن موسى بن محمد بن محمد الرضا.
(٥) هكذا في المصدر. وفي الأصل: عن أخيه أبي الحسن الرضاعليهالسلام وهو وهم والظاهر: عن أخيه أبي الحسن الهاديعليهالسلام ر. تنقيح المقال ٣ / ٢٥٩.
(٦) نفس المصدر ١ / ١٧٧، ح ٥٨.
(٧) المصدر: النصارى (اليهود خ ل)
(٨) ليس في المصدر.
(٩) هكذا في المصدر. وفي الأصل: يداعوه.
(١٠) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٠.
(١٢) من المصدر.
عيسى ومريم حقّ، دون ما ذكروه، وما بعده خبر، واللّام دخلت فيه، لأنّه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ، وهاهنا دخول إنّ عليه مانع، فأخّر.
( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ ) : زيادة «من» لزيادة الاستغراق، لتأكيد الرّدّ على النّصارى في تثليثهم.
( وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) : لا يساويه أحد في القدرة التّامّة،( الْحَكِيمُ ) (٦٢): ولا في الحكمة البالغة ليشاركه في الألوهيّة.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : عن التّوحيد،( فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) (٦٣): إيراد المظهر ليدل على أنّ التّولّي(١) إفساد للدّين والاعتقاد.
( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ) :
قيل(٢) : يعمّ أهل الكتابين.
وقيل(٣) : يريد به وفد نجران، أو يهود المدينة( تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) : لا يختلف فيها الرّسل والكتب، وهي:( أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ ) : أي: نوحّده بالعبادة.
( وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ) : لا نجعل له غيره شريكا في استحقاق العبادة.
( وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) : ولا نقول: عزير بن الله، ولا المسيح بن الله. ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التّحريم والتّحليل، لأنّ كلا منهم بعضنا، بشر مثلنا.
وفي مجمع البيان(٤) : وقد روى، لـمّا نزلت هذه الآية قال عديّ بن حاتم: ما كنّا نعبدهم يا رسول الله.
فقالصلىاللهعليهوآله : أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون فتأخذون بقولهم؟
فقال: نعم.
فقال النّبيّعليهالسلام : هو ذاك.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : عن التّوحيد ،
__________________
(١) «أنّ التّولّي» ليس في أ.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦٤.
(٤) مجمع البيان ١ / ٤٥٥.
( فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (٦٤)، أي: لزمتكم الحجّة، فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلّموا بأنّا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب - في جدل وصراع أو غيرهما - : اعترف بأنّي أنا الغالب وسلّم لي الغلبة.
ويجوز أن يكون من باب التّعريض، ومعناه: اشهدوا واعترفوا بأنّكم كافرون، حيث تولّيتم عن الحقّ بعد ظهوره.
( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ) : ويدّعي كلّ فريق أنّ إبراهيم كان على دينهم، اليهود تدّعي يهوديّته، والنّصارى نصرانيّته( وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ ) : الّتي ثبت بها اليهوديّة،( وَالْإِنْجِيلُ ) : الّذي ثبت به النّصرانيّة،( إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ) ، أي: بعد إبراهيم، أنزلت التّوراة بعده بألف سنة، والإنجيل بألفي سنة، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلّا بعده بأزمنة متطاولة؟!( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٦٥): حتّى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. هكذا قاله المفسّرون، وفي ما قالوه إشكال من وجهين: الأوّل: أنّه يمكن أن يقال(١) من قبل(٢) اليهود والنّصارى: إنّ كون إبراهيم منهم، لا يتوقّف على نزول التّوراة والإنجيل في زمانه، لإمكان إيحاء اليهوديّة أو النّصرانيّة إليه، ثمّ إنزال التّوراة والإنجيل على طبق ما أوحي إليه سابقا.
الثّاني: أنّه قد تواتر أنّ ابراهيمعليهالسلام كان مسلما - وقد دلّ عليه الآية - وشيعة، مع أنّ الإسلام والتّشيّع إنّما ثبت بالقرآن الّذي نزل(٣) بعده، فما هو جوابكم فهو جوابهم.
والأظهر أنّ مضمون الآية - والله أعلم - أنّ كلّا من اليهود والنّصارى، يدّعي أنّ إبراهيم كان على الدّين الّذي هم(٤) عليه الآن، من اليهوديّة(٥) الّتي حدثت بعد التّوراة، والنّصرانيّة الّتي حدثت بعد الإنجيل بالتّحريف والتّبديل، فقال الله - تعالى - :( لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ) ، وتدّعون أنّه كان على ما أنتم عليه الآن، وهو حدث بتحريفكم بعد إنزال التّوراة والإنجيل [بعد إبراهيم بمدد متطاولة، وما كان له أصل من الله، حتّى يحتمل
__________________
(١) ر: يؤمن.
(٢) أ: قبيل.
(٣ و ٤) ليس في أ.
(٥) ر: اليهوذا.
أن يوحيه إلى إبراهيم، ويكون هو عليه قبل إنزال التّوراة والإنجيل](١) أفلا تعقلون؟ وحينئذ لا يرد عليه شيء من الإشكالين، والله أعلم بحقيقة الحال.
( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) : «ها»، حرف تنبيه، نبّهوا بها على حالهم، الّتي غفلوا عنها. و «أنتم»، مبتدأ.
و «هؤلاء»، خبره. و «حاججتم»، جملة أخرى مبيّنة للأولى، أي: أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنّكم جادلتم فيما لكم به علم، ممّا وجدتموه في التّوراة والإنجيل من نعت النّبيّصلىاللهعليهوآله عنادا، فلم تجادلون فيما لا علم لكم به، ولا ذكر له في كتابكم، من أنّ إبراهيم كان على اليهوديّة أو النّصرانيّة الّتي نحن عليها.
وقيل(٢) : هؤلاء، بمعنى: الّذين. وحاججتم، صلته.
وقيل(٣) : ها أنتم، أصله أأنتم على الاستفهام، للتّعجيب من حماقتهم، فقلبت الهمزة هاء.
وقرء نافع وأبو عمرو «ها أنتم» حيث وقع بالمدّ، من غير همزة. وورش، أقلّ مدّا.
وقنبل، بالهمزة(٤) من غير ألف بعد الهاء. والباقون، بالمدّ والهمزة(٥) .
والبزّيّ، يقصر(٦) المدّ على أصله(٧) .
( وَاللهُ يَعْلَمُ ) : ما حاججتم فيه، أوله العلم.
( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٦٦): أي: لا تعلمونه، أو لستم ممّن له العلم.
( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ) :
بعد ما قرّر أنّ إبراهيم لم يكن على اليهوديّة والنّصرانيّة الّتي هم عليها الآن، نفى عنه اليهوديّة والنّصرانيّة مطلقا، ولـمـّا كان يوهم ذلك كونه على غير الحقّ، لأنّ أصل اليهوديّة والنّصرانيّة لم يكن غير حق(٨) ، نفى ذلك الوهم بقوله:( وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً ) : مائلا عن العقائد الزّائغة.
في أصول الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٥.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) المصدر: بالهمز.
(٥) المصدر: الهمز.
(٦) المصدر: بقصر.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) ر: على غير حقّ.
(٩) لكافي ٢ / ١٥، ح ١.
ابن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - : حنيفا مسلما، قال: خالصا مخلصا ليس فيه(١) شيء من عبادة الأوثان.
( مُسْلِماً ) : منقادا لله فيما شرع له، لأنّ اليهوديّة صارت شرعا في أيّام موسى، والنّصرانيّة في بعثة عيسى، ولم يكونا مشروعين قبل ذلك، والمشروع حينئذ هو الإسلام.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عبيد الله الحلبيّ(٣) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال: أمير المؤمنينعليهالسلام : ما كان إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا. لا يهوديّا يصلّي إلى المغرب، ولا نصرانيّا يصلّي إلى المشرق، ولكن كان حنيفا مسلما على(٤) دين محمّدصلىاللهعليهوآله
[( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٦٧): تعريض بأنّهم مشركون لإشراكهم به عزير والمسيح، وردّ لا دعاء المشركين أنّهم على ملّة إبراهيم.
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن عبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لا شرقيّة ولا غربيّة، يقول: [لستم](٦) بيهود فتصلّوا قبل المغرب ولا نصارى فتصلّوا قبل المشرق، وأنتم على ملّة إبراهيمصلىاللهعليهوآله وقد قال - عزّ وجلّ - :( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ].(٧)
( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ) : أي: أقربهم به. من الوليّ بمعنى: القرب.
( لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) : من أمّته،( وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) : لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم. والمراد بالّذين آمنوا، هم الأئمّة وأتباعهم.
[( وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (٦٨): ينصرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم].(٨)
__________________
(١) أ: منه.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٧٧، ح ٦٠.
(٣) النسخ: «عبد الله الحلبي». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. وهو عبيد الله بن عليّ بن أبي شعبة الحلبي. ر. رجال النجاشي / ٢٣٠، رقم ٦١٢.
(٤) المصدر: [يقول كان على] بدل «على».
(٥) الكافي ٨ / ٣٨١، ضمن حديث ٥٧٤.
(٦) من المصدر.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
في أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشاء، عن مثّنى، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) . قال: هم الأئمّة - عليهم السّلام - ومن اتّبعهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عليّ بن النّعمان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [في قوله( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) ](٣) قال: هم الأئمّة وأتباعهم.
وفي مجمع البيان(٤) : قال(٥) أمير المؤمنين عليّ(٦) عليهالسلام : إنّ أولى النّاس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به، ثمّ تلا هذه الآية، وقال: إنّ وليّ محمّد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإنّ عدوّ محمّد من عصى الله وإن قربت قرابته.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر بن يزيد(٨) قال(٩) : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : أنتم والله من آل محمّد.
فقلت: من أنفسهم جعلت فداك؟
قال: نعم والله من أنفسهم - ثلاثا - ثمّ نظر إليّ ونظرت إليه، فقال: يا عمر، إنّ الله يقول في كتابه:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وفيه(١٠) : في حديث طويل [عن النّبيّصلىاللهعليهوآله ](١١) وفيه يقولصلىاللهعليهوآله : ثمّ صعدنا إلى السّماء السّابعة(١٢) ، فما مررت بملك من الملائكة إلّا قالوا: يا محمّد احتجم وأمر أمّتك بالحجامة، وإذا فيها رجل أشمط الرّأس واللّحية جالس
__________________
(١) الكافي ١ / ٤١٦، ح ٢٠.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٧٧، ح ٦٢.
(٣) من المصدر.
(٤) مجمع البيان ١ / ٤٥٨.
(٥) المصدر: قول.
(٦) «علّي» ليس في المصدر.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٠٥.
(٨) النسخ: عمر بن زيد. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) نفس المصدر ٢ / ٩.
(١١) من أ.
(١٢) أ: الرابعة.
على كرسيّ، فقلت: يا جبرئيل، من هذا الّذي في السّماء السّابعة، على باب البيت المعمور، في جوار الله؟
فقال: هذا يا محمّد(١) أبوك إبراهيم، وهذا محلّك، ومحلّ من اتّقى من أمّتك. ثمّ قرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .
حدّثني أبي(٢) ، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي خالد الكابليّ قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : والله لكأنّي أنظر إلى القائمعليهالسلام وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد الله حقّه، ثمّ يقول: يا أيّها النّاس من يحاجّني في الله فأنا أولى بالله، أيّها النّاس من يحاجّني في آدم(٣) فأنا أولى بآدم، أيّها النّاس من يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح، أيّها النّاس من يحاجّني في إبراهيم(٤) فأنا أولى بإبراهيم.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي نهج البلاغة(٥) : من كتاب لهعليهالسلام إلى معاوية جوابا: وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا، وهو قوله سبحانه:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) ، وقوله تعالى:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) . فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطّاعة.
وفي كتاب الاحتجاج(٦) ، للطّبرسيّ - رحمه الله - خطبة لعليّعليهالسلام وفيها: قال الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ ) ، وقال - عزّ وجلّ - :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فنحن أولى النّاس بإبراهيم، ونحن ورثناه، ونحن أولو الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، ونحن آل إبراهيم(٧) .
( وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ) : قيل(٨) : نزلت في اليهود، لـمّا دعوا
__________________
(١) «يا محمد» ليس في المصدر.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٢٠٥.
(٣) هكذا في المصدر: وفي النسخ: بآدم.
(٤) أ: بإبراهيم.
(٥) نهج البلاغة / ٣٧٨، ضمن رسالة ٢٨.
(٦) الاحتجاج ١ / ٣٢٤.
(٧) يوجد في أبعد هذه العبارة: «والله وليّ المؤمنين ينصرهم ويجازيهم الحسنى بايمانهم.» وهي مشطوب في الأصل.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٦٦.
حذيفة وعمّار أو معادا(١) إلى اليهوديّة.
و «لو»، بمعنى: أن.
( وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) : وما يتخطّاهم الإضلال ولا يعود وباله إلّا عليهم، إذ يضاعف به عذابهم. أو يزيد به ضلالتهم ورسوخهم فيها. أو ما يضلّون إلّا أمثالهم.
( وَما يَشْعُرُونَ ) (٦٩): وزره واختصاص ضرره بهم.
( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) : الدّالّة على نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآله ممّا نطقت به التّوراة والإنجيل.
( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) (٧٠): أنّها آيات الله، أو بالقرآن. أو أنتم تشهدون نعته في الكتابين، أو تعلمون بالمعجزات أنّه حقّ.
( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ ) : بالتّحريف وإبراز الباطل في صورة الحقّ، أو بالتّقصير في الميز بينهما.
وقرئ: «تلبّسون» بالتّشديد. و «تلبسون»: بفتح الباء(٢) .
( وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ ) من نبوّة محمّد - صلّى الله عليه وآله،( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٧١): عالمين بما تكتمونه، أو أنتم من أهل العلم.
( وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ) : أوّله،( وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (٧٢)، أي: لعلّهم يشكّون في دينهم، ظنّا بأنّكم رجعتم لخلل ظهر لكم.
قيل(٣) : المراد بالطّائفة، اثنا عشر من أحبار خيبر، تقاولوا بأن يدخلوا في الإسلام أوّل النّهار ويقولوا آخره: نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمّدا بالنّعت الّذي ورد في التّوراة، لعلّ أصحابه يشكّون فيه.
وقيل(٤) : كعب بن الأشرف ومالك بن الضّيف(٥) قالا لأصحابهما لـمّا حوّلت
__________________
(١) هكذا في النسخ والمصدر. ولعلّ الصّواب: عمّار ومعاذ.
(٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) نفس المصدر والموضع، بتقديم وتأخير بالقيل الأولى على الثانية.
(٥) هكذا في النسخ وفي بعض طبعات أخرى من المصدر. وفي المصدر: مالك بن الصيف.
القبلة: آمنوا بما أنزل عليهم من الصّلاة إلى الكعبة وصلّوا إليها أوّل النّهار ثمّ صلّوا إلى الصّخرة آخره، لعلّهم يقولون: هم أعلم منّا وقد رجعوا، فيرجعون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ](٢) قال: نزلت في قوم من اليهود قالوا: آمنّا بالّذي جاء [به](٣) محمّد بالغداة، كفرنا(٤) به بالعشيّ.
وفي رواية أبي الجارود(٥) ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) . فإنّ(٦) رسول اللهصلىاللهعليهوآله لـمّا قدم المدينة وهو يصلّي نحو بيت المقدس أعجب ذلك اليهود(٧) ، فلمّا صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الله الحرام وجدت(٨) اليهود من ذلك(٩) ، وكان صرف القبلة صلاة الظّهر، فقالوا: صلّى محمّد الغداة واستقبل قبلتنا، فآمنوا بالّذي أنزل على محمّد وجه النّهار واكفروا آخره، يعنون، القبلة حين استقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله المسجد الحرام، لعلّهم يرجعون إلى قبلتنا.
( وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) : أي: لا تقرّوا عن قصد قلب إلّا لأهل دينكم.
أو لا تظهروا إيمانكم وجه النّهار إلّا لمن كان على دينكم، فإنّ رجوعهم أرجى.
( قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ ) : يهدي من يشاء إلى الإيمان ويثبّته.
( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ) : تعليل لمحذوف، أي: دبّرتم وقلتم ذلك لأجل أن يؤتى، أي: الحسد حملكم على ذلك. أو بلا تؤمنوا على المعنى الثّاني، أي: لا تظهروا إيمانكم للمسلمين لئّلا يزيد ثباتهم، أو للمشركين فيدعوهم إلى الإسلام.
وعلى هذا قوله: إنّ الهدى - الخ - اعتراض، يدلّ على أنّ كيدهم لا يجدي.
ويحتمل أن يكون خبر «إنّ» و «هدى الله» بدلا من الهدى.
وقرأ ابن كثير «أأن يؤتى» على الاستفهام للتّقريع وقرئ على «إن» النّافية، فيكون من كلام الطّائفة(١٠) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٠٥.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كفروا.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) المصدر: أنّ.
(٧) المصدر: «اليهود من ذلك» بدل «ذلك اليهود».
(٨) وجدت: حزنت.
(٩) «اليهود من ذلك» ليس في المصدر.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ١٦٧.
( أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) : عطف «على يؤتى»(١) على الوجهين الأوّلين، وعلى الثّالث، معناه: حتّى يحاجّوكم، يعني: إنّ هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتّى يقدر على محاجّتكم. والواو، ضمير «لأحد» لأنّه في معنى الجمع.
( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) : لا ينفع في جلبه أمثال هذه التّدابير.
( وَاللهُ واسِعٌ ) : الفضل.
( عَلِيمٌ ) (٧٣): بمن يصلح له الفضل.
( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ ) : من غير استيجاب سابق منه.
( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (٧٤): وفضله عظيم، أعظم ممّا حصل لكم من الحطام الحقير، الّذي اكتسبتموه بالتّحريف والكتمان والكفر.
( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) : نقل(٢) : أنّ عبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقيّة ذهبا فأدّاه إليه.
( وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) :
نقل(٣) : أنّ فنحاص بن عازوراء استودعه قرشيّ آخر دينارا، فجحده.
وقيل(٤) : المأمونون على الكثير النّصارى، إذ الغالب فيهم الأمانة. والخائنون في القليل اليهود، إذ الغالب عليهم الخيانة.
وقرأ حمزة وابو بكر وأبو عمر «ويؤدّه [إليك ولا يؤدّه إليك»](٥) بإسكان الهاء.
وقالون، باختلاس [كسرة](٦) الهاء. [وكذا روى عن حفص].(٧) والباقون، بإشباع الكسرة(٨) ( إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ) : أي: إلّا أن تأخذه منه قبل المفارقة.
( ذلِكَ ) : أي: ترك الأداء المذكور.
( بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) : أي بسبب قولهم واعتقادهم أن «ليس علينا» في شأن من ليس من أهل الكتاب وعلى ديننا، سبيل وعقاب.
__________________
(١) «على يؤتى» ليس في الأصل ويوجد في أو أنوار التنزيل - أيضا.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٧.
(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) من المصدر.
(٦ و ٧) من المصدر.
(٨) نفس المصدر والموضع.
( وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) : بقول ذلك.
( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٧٥): أنّهم كاذبون.
وقيل(١) : عامل اليهود رجالا من قريش، فلمّا أسلموا تقاضوهم، فقالوا، سقط حقّكم حيث تركتم دينكم، وزعموا أنّه كذلك في كتابهم.
وفي مجمع البيان(٢) : روي عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه لما قرأ هذه الآية قال: كذب اعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلّا وهو تحت قدمي، إلّا الأمانة فإنّها مؤدّاة إلى البّر والفاجر.
( بَلى ) : إثبات لما نفوه، أي: بلى عليهم سبيل.
( مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٧٦): استئناف مقرّر للجملة الّتي سدّت «بلى» مسدّها. والضّمير مجرور بإضافة العهد من الإضافة إلى الفاعل لو رجع إلى «من»، ومن الإضافة إلى الفاعل أو المفعول لو رجع إلى الله وعموم المتّقين، ناب الرّاجع من الجزاء إلى «مَن». وأشعر بأنّ التّقوى ملاك الأمر، وهو يعمّ الوفاء وغيره، من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي.
( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) : يستبدلون،( بِعَهْدِ اللهِ ) : بما عهد الله عليهم، أو بما عاهدوا الله عليه، من الإيمان بالرّسول وأداء الأمانات.
( وَأَيْمانِهِمْ ) : وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمننّ به ولننصرنّه.
وفي مجمع البيان(٣) ، وفي تفسير الكلبيّ: عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من حلف على يمين كاذبة ليقطع به مال أخيه المسلم، لقى الله وهو عليه غضبان. وتلا هذه الآية.
( ثَمَناً قَلِيلاً ) : متاع الدّنيا من الرّئاسة، وأخذ الرشوة، والذّهاب بمال أخيهم المسلم، ونحو ذلك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ) قال: يتقرّبون إلى النّاس بأنّهم مسلمون، فيأخذون منهم ويخونون، وما هم بمسلمين(٥)
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) مجمع البيان ١ / ٤٦٣.
(٣) مجمع البيان ١ / ٤٦٤، مع بعض الاختلاف.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٠٦.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فيأخذوه منهم ويخوفون وبالمسلمين» بدل «فيأخذون منهم ويخونون وما هم بمسلمين».
على الحقيقة.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(١) - قدّس سرّه - بإسناده إلى أبي وائل، عن أبي عبد الله عن النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: من حلف على يمين يقطع(٢) بها مال أخيه، لقى الله - عزّ وجلّ - وهو عليه غضبان. فأنزل الله - عزّ وجلّ - تصديق ذلك في كتابه:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ) .
قال فبرز الأشعث بن قيس فقال: فيّ نزلت، خاصمت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله [فقضى عليّ باليمين].(٣)
( أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) :
[في عيون الأخبار(٤) : عن الرّضاعليهالسلام حديث طويل - في تعداد الكبائر وبيانها من كتاب الله - وفيه يقول الصّادقعليهالسلام : واليمين الغموس، لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) .
وفي كتاب الخصال(٥) : عن الحسن بن علي - عليهما السّلام - [قال :](٦) الناس أربعة: فمنهم من له خلق ولا خلاق له، ومنهم من له خلاق ولا خلق له، ومنهم من لا خلق له ولا خلاق فذلك من شرّ الناس، ومنهم من له خلق وخلاق. فذلك من(٧) خير النّاس](٨)
في أصول الكافي(٩) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : وأنزل في العهد :
__________________
(١) أمالي الطوسي ١ / ٣٦٨.
(٢) المصدر: «يقتطع». وهو أبلغ وإن كان «يقطع» - أيضا - صحيح.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٨٧، ضمن حديث ٣٣.
(٥) الخصال / ٢٣٦، ح ٧٧.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في «أ».
(٩) الكافي ٢ / ٣٢، ضمن حديث ١.
( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) (الآية) والخلاق النّصيب، فمن لم يكن له نصيب [في الآخرة](١) فبأيّ شيء يدخل الجنّة؟
( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ ) بما يسرّهم. أو بشيء أصلا، ويسألهم الملائكة يوم القيامة. أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته(٢) . أو كناية عن غضبه عليهم.
( وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : فإنّ من سخط على غيره أعرض عن التكلّم(٣) معه والنّظر إليه، كما أنّ من اعتدّ بغيره تقاوله(٤) ويكثر النّظر إليه.
وفي كتاب التّوحيد(٥) ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات - : وأمّا قوله:( وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) [يخبر](٦) أنّه لا يصيبهم بخير، وقد تقول العرب: والله ما ينظر إلينا فلان، وإنّما يعنون بذلك [أنّه](٧) لا يصيبنا منه بخير، فذلك النّظر هاهنا من الله تبارك وتعالى إلى خلقه، فنظره إليهم رحمة [منه](٨) لهم.
( وَلا يُزَكِّيهِمْ ) :
قيل(٩) : ولا يثني عليهم.
وفي تفسير الإمام(١٠) :( وَلا يُزَكِّيهِمْ ) من ذنوبهم.
وقد مرّ.
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٧٧): على ما فعلوا.
قيل(١١) : [إنّها](١٢) نزلت في أحبار حرّفوا التّوراة، وبدّلوا نعت محمّدصلىاللهعليهوآله وحكم الأمانات وغيرهما، وأخذوا على ذلك رشوة.
وقيل(١٣) : [نزلت](١٤) في رجل أقام سلعة في السّوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به. وقيل(١٥) : [نزلت](١٦) في ترافع كان بين أشعث بن قيس ويهوديّ في بئر وأرض، وتوجّه الحلف على اليهوديّ.
__________________
(١ و ٦ و ٧ و ٨ و ١٢ و ١٤ و ١٦) من المصدر.
(٢) أ: و.
(٣) أ: الكلام.
(٤) أ: لمقاولة.
(٥) التوحيد / ٢٦٥، ضمن حديث ٥.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٦٨.
(١٠) تفسير العسكري / ٢٤٦.
(١١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٨.
(١٣ و ١٥) نفس المصدر والموضع.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(١) - قدّس سرّه - ، بإسناده إلى أبي وائل، عن عبد الله عن النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: من حلف على يمين ليقطع بها مال أخيه، لقى الله - عزّ وجلّ - وهو عليه غضبان. فأنزل الله - عزّ وجلّ - تصديق ذلك في كتابه:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ) .
قال(٢) : فبرز الأشعث بن قيس فقال: فيّ نزلت، خاصمت(٣) إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله [فقضى عليّ باليمين].(٤)
[وفيه(٥) : عن وهب بن حريز قال: حدّثني أبي قال: سمعت عديّ بن عديّ يحدّث عن رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة قال: حدّثني عن عديّ بن عديّ، عن أبيه قال: اختصم امرؤ القيس ورجل من حضر موت إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ](٦) في أرض [فقال: إنّ هذا ابتزّ عليّ أرضي في الجاهليّة](٧) .
فقال(٨) [رسول اللهصلىاللهعليهوآله :](٩) ألك بيّنة؟
فقال(١٠) : لا.
قال: فيمينه.
قال: إذا والله يذهب(١١) بأرضي.
فقال(١٢) : إن ذهب بأرضك [بيمينه](١٣) كان ممّن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكّيه وله عذاب أليم.
[وفي عيون الأخبار(١٤) : عن الرّضا قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
__________________
(١) أمالي الطوسي ١ / ٣٦٨.
(٢) ليس في الأصل ور. بل يوجد في المصدر وأ.
(٣) ر وأ: خاصّة.
(٤) هكذا تكملة الحديث في المصدر، كما مرّ آنفا.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) وهكذا صدر الحديث في المصدر من دون لفظ «وفيه». وهو من عندنا. ولسقوط تلك التكملة وهذا الصدر خلط والتقط بين الحديثين المذكورين في المتن، في النسخ.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) المصدر: قال.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) المصدر: قال.
(١١) النسخ: «يذهب والله» بدل «إذا والله يذهب.» وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٢) المصدر: قال.
(١٣) من المصدر.
(١٤) عيون أخبار الرضا ٢ / ٣٤، ح ٦٥.
حرّمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي، وعلى من قاتلهم، وعلى المعين [عليهم ،](١) وعلى من سبّهم،( أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
وفي أصول الكافي،(٢) إلى ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: ثلاثة لا ينظر [الله](٣) إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا.
عليّ بن محمّد(٤) ، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : وأنزل في العهد( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) والخلاق النّصيب. فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شيء يدخل الجنّة؟
محمّد بن جعفر(٥) ، عن محمّد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ثلاثة لا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك جبّار، ومقلّ(٦) مختال.
وفي الكافي(٧) ، بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: الشّيخ الزّاني، والدّيّوث، والمرأة توطئ فراش زوجها.
وبإسناده: إلى محمّد بن مسلم(٨) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ثلاثة لا يكلّمهم الله ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم، منهم المرأة توطئ فراش زوجها.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ١ / ٣٧٤، ح ١٢.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٣٢، ضمن حديث ١ وأوله في ص ٢٨.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٣١١ ح ١٤.
(٦) هكذا في المصدر. وفي الأصل: مصل.
(٧) نفس المصدر ٥ / ٥٣٧، ح ٧.
(٨) نفس المصدر ٥ / ٥٤٣، ح ١.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) ، وروى محمّد بن أبي عمير، عن أبي إسحاق بن هلال(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال: ألا أخبركم بأكبر الزّنا؟
قالوا: بلى.
قال: هي امرأة توطئ فراش زوجها، فتأتي بولد من غيره، فتلزمه زوجها، فتلك الّتي لا يكلّمها الله ولا ينظر إليها يوم القيامة ولا يزكّيها ولها عذاب أليم.
وفي مجمع البيان(٣) : وفي تفسير الكلبيّ، عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم، لقي الله وهو عليه غضبان. وتلا هذه الآية.
وفي كتاب الخصال(٤) ، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: النّاتف شيبه، والنّاكح نفسه، والمنكوح في دبره.
عن الأعمش(٥) ، عن صالح(٦) ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل بايع إماما لا يبايعه إلّا للدّنيا إن أعطاه منها ما يريد وفي له وإلّا لم يبق(٧) ، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدّقه فأخذها ولم يعط فيها ما قال، ورجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السّبيل.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - قال: ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة [ولا ينظر إليهم](٩) ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: من جحد إماما، أو ادّعى إماما من غير الله، أو زعم أنّ لفلان وفلان في الإسلام نصيبا.
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٧٦، ح ١٧٧٥.
(٢) المصدر: إسحاق بن هلال.
(٣) مجمع البيان ١ / ٤٦٤.
(٤) الخصال / ١٠٦، ح ٦٨.
(٥) نفس المصدر / ١٠٧، ح ٧٠.
(٦) المصدر: أبي صالح.
(٧) كذا في الأصل. وفي المصدر: «كف» بدل «لم يبق». والظاهر: لم يف.
(٨) تفسير العياشي ١ / ١٧٨، ح ٦٥.
(٩) من المصدر.
وعن محمّد الحلبيّ(١) قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: الدّيّوث من الرّجال، والفاحش المتفحّش، والّذي يسأل النّاس وفي يده ظهر غنى.
وعن السّكونيّ(٢) ، عن جعفر بن محمّد عن أبيه - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: المرخي ذيله من العظمة، والمزكّي سلعته بالكذب، ورجل استقبلك بودّ صدره فيواري وقلبه ممتلئ غشّا.
وفي شرح الآيات الباهرة(٣)] (٤) وفي كتاب مصباح الأنوار للشّيخ الطّوسيّ - رحمه الله - : بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو الحسن المثنّى قال: حدّثنا عليّ بن مهرويه(٥) قال: حدثنا داود بن سليمان الغازي قال: حدّثنا عليّ بن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر، عن أبيه محمّد، عن أبيه عليّ، عن أبيه الحسين، عن أبيه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : حرّم الله الجنّة على ظالم أهل بيتي، وقاتلهم، وشانئهم(٦) ، والمعين عليهم. ثمّ تلا هذه الآية:( أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) (الآية)(٧) .
وفي معنى هذا التأويل ما رواه الشّيخ محمّد بن يعقوب - رحمه الله(٨) - قال: روى عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن داود الحمار(٩) ، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: ثلاثة لا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم(١٠) ولهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة ليست له من الله، ومن جحد إماما من الله ،
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٧٨ - ١٧٩، ح ٦٧.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٧٩، ح ٦٩.
(٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص ٤١.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: على بن مردويه. ر. تنقيح المقال ٢ / ٣١٠، رقم ٨٥٣٣.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: سابيهم.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «هذا المعنى» بدل «معنى هذا التأويل».
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: داود الحماد. والظاهر أنّه «داود بن سليمان». ر. تنقيح المقال ١ / ٤٠٧، رقم ٣٨٣١.
(١٠) ليس في ر.
ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبا.
( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ) : يفتلونها بقراءته، فيميلونها عن المنزل إلى المحرّف. أو يعطفونها بشبه الكتاب. من لواه يلويه، فتله وثناه.
وقرأ ابن كثير «يلوون» على قلب الواو المضمومة همزة، ثمّ تخفيفها بحذفها، وإلقاء حركتها على السّاكن قبلها(١) .
( لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) :
الضّمير للمحرّف، المدلول عليه بقوله: يلوون.
وقرئ بالياء، والضّمير أيضا للمسلمين(٢) .
( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : تأكيد لقوله:( ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ) وزيادة تشنيع عليهم وبيان، لأنّهم يقولون ذلك تصريحا لا تعريضا.
قال البيضاويّ(٣) : وهذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل الله تعالى.
وغرضه أنّه ليس في هذا ردّ لمذاهب الأشاعرة، وفيه: أنّه لو كان فعل(٤) العبد فعل الله، لزم الكذب في قوله،( وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) ، لأنّه على هذا التّقرير كلّ مفترياتهم من عند الله ومن فعله، واختصاصهم بكونهم كاسبين له ومباشرين لاتّصافه، لا يمنع صدق كونه من عند الله عليه، وإن صحّح إضافته إليهم(٥) .
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قوله:( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) قال: كان اليهود يقرءون(٧) شيئا ليس في التوراة، ويقولون: هو في التّوراة، فكذّبهم الله].(٨)
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٨. من دون ذكر «قرأ ابن كثير»، بل: «قرئ».
(٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) أ: فعل الله.
(٥) ليس في ر.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٠٦.
(٧) المصدر: يقولون.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٧٨): تسجيل(١) عليهم بالكذب على الله، والتّعمّد فيه.
عن ابن عباس: هم اليهود الّذين قدموا على كعب بن الأشرف، وغيّروا التّوراة وكتبوا كتابا بدّلوا فيه صفة النّبيّصلىاللهعليهوآله ثمّ أخذت قريظة ما كتبوه، فخلطوه بالكتاب الّذي عندهم.
( ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ ) : ردّ لعبدة عيسى.
وفي مجمع البيان(٢) : قيل: إنّ أبا رافع القرظيّ ورئيس وفد نجران قالا(٣) : يا محمّد، أتريد أن نعبدك ونتّخذك ربّا(٤)؟
فقال: معاذ الله أن يعبد(٥) غير الله أو آمر بعبادة غير الله(٦) ، فما(٧) بذلك بعثني ولا بذلك أمرني. فأنزل الله الآية(٨) .
وفي البيضاويّ(٩) - وقيل: قال رجل: يا رسول الله نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض(١٠) ، أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله.
( وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ) ، أي: ولكن يقول ذلك.
والرّبّانيّ، منسوب إلى الرّبّ، بزيادة الألف والنون، كاللّحيانيّ والرّقبانيّ، وهو الشّديد التّمسّك بدين الله وطاعته.
__________________
(١) أ: يستحيل.
(٢) مجمع البيان ١ / ٤٦٦.
(٣) النسخ: «السيد البحراني قال» بدل «رئيس وفد نجران قالا.» وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٤) المصدر: إلها.
(٥) المصدر: أعبد.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «وأن نأمر بغير عبادة الله» بدل أو آمر بعبادة غير الله.
(٧) المصدر: ما.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فنزلت» بدل «فأنزل الله الآية».
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٦٨.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «بعضنا بعضا» بدل «بعضنا على بعض».
( بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) (٧٩): بسبب كونكم معلّمين الكتاب ودارسين له، فإنّ فائدة التّعليم والتّعلّم معرفة الحقّ والخير للاعتقاد والعمل.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «تعلمون» بالتّخفيف، أي، بسبب كونكم عالمين(١) .
وقرئ «تدرسون» من التّدريس، و «تدرسون» من أدرس، بمعنى: درس، كأكرم وكرم. ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى، على تقدير: وبما تدرسونه على النّاس(٢) .
وفي كتاب عيون الأخبار(٣) : في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام في وجه دلائل الأئمّة - عليهم السّلام - والرّدّ على الغلاة والمفوّضة - لعنهم الله - حديث طويل وفيه: فقال(٤) المأمون: يا أبا الحسن بلغني أنّ قوما يغلون فيكم ويتجاوزون(٥) فيكم الحدّ.
فقال: الرّضاعليهالسلام : حدّثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه علي بن أبي طالب - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا ترفعوني فوق حقّي، فإن الله تعالى اتّخذني عبدا قبل أن يتّخذني نبيّا، قال الله تعالى:( ما كانَ لِبَشَرٍ ) - إلى آخر الآية(٦) -
وقال(٧) عليّعليهالسلام : يهلك فيّ اثنان - ولا ذنب لي - محبّ مفرط ومبغض مفرّط، وإنّا البرءاء(٨) إلى الله - تعالى - ممّن يغلو فينا فيرفعنا(٩) فوق حدّنا، كبراءة عيسى بن مريم - عليهما السّلام - من النّصارى.
( وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) :
قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب، بفتح الرّاء، عطفا على «يقول» ويكون «لا» إمّا مزيدة، لتأكيد معنى النّفي في قوله:( ما كانَ لِبَشَرٍ ) ، أي، ما كان لبشر أن يستنبئه
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٠٠ - ٢٠١، ضمن حديث ١.
(٤) المصدر: قال له.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يجاوزون.
(٦) ذكر في المصدر الآية بطولها إلى «أنتم مسلمون».
(٧) رو المصدر: قال.
(٨) المصدر: «أبرء». ولعلّ الصواب: لنبرأ.
(٩) المصدر: ويرفعنا.
الله، ثمّ يأمر النّاس بعبادة [نفسه، ويأمر باتّخاذ الملائكة والنّبيّين أربابا. أو غير مزيدة، على معنى أنّه ليس له أن يأمر بعبادته](١) ولا يأمر باتّخاذ أكفاءه أربابا، بل ينهى عنه والباقون، بالرّفع على الاستئناف. ويحتمل الحال، بتقدير: وهو يأمركم، أو لا يأمركم.
وقرأ أبو عمر، على أصله، لرواية الدّوديّ، باختلاس الضّمّ.(٢) [وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قوله:( و [لا ]) (٤) ( يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) . قال: كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النّصارى زعموا أنّ عيسى ربّ، واليهود [قالوا :](٥) عزير بن الله. فقال الله:( لا يَأْمُرَكُمْ ) (٦) ( أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) ].(٧) ( أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ) ، أي: البشر المستنبئ.
وقيل(٨) : أي الله.
( بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (٨٠) :
قال(٩) البيضاويّ: دليل على أنّ الخطاب للمسلمين، وهم المستأذنون لأن يسجدوا له.
وفيه: أنّه لا دلالة فيه، لجواز الخطاب «بأنتم مسلمون» لليهود والنّصارى، بمعنى: أنّكم كنتم مسلمين قبل ادّعاء الرّبوبيّة لهذه الأشياء(١٠) .
( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) :
قيل(١١) : إنّه على ظاهره، وإذا كان هذا حكم الأنبياء، كان الأمم به أولى.
وفي مجمع البيان(١٢) : وروي عن أمير المؤمنين(١٣) عليهالسلام : أنّ الله - تعالى -
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٠٦.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي الأصل: أيأمركم.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٩) نفس المصدر والموضع.
(١٠) في نسخة أ، بعد هذه العبارة يوجد حديث منقول عن تفسير القمي، ١ / ١٠٦ الذي مرّ آنفا قبل آية( أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ) . وحذفناه هنا بدلالة نسخة الأصل.
(١١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(١٢) مجمع البيان ١ / ٤٦٨.
(١٣) المصدر: روى عن أمير المؤمنينعليهالسلام وابن عباس وقتادة.
أخذ الميثاق على الأنبياء [قبل نبيّناصلىاللهعليهوآله ](١) أن يخبروا أمهم بمبعثه ونعته(٢) ، ويبشّروهم به، ويأمروهم بتصديقه.
وقيل(٣) : معناه: أنّه تعالى أخذ الميثاق من النّبيّين وأممهم، واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم.
وقيل: إضافة الميثاق إلى النبيّين، إضافته(٤) إلى الفاعل، والمعنى. وإذ أخذ الله الميثاق الّذي واثقه(٥) الأنبياء على أممهم.
وقيل(٦) : المراد أولاد النّبيين، على حذف المضاف، وهم بنو إسرائيل(٧) . وسمّاهم نبيّين تهكّما، لأنّهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنّبوّة من محمّد، لأنّا أهل الكتاب، والنّبيّون كانوا منّا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن الباقرعليهالسلام : أنّه طرح عنها لفظ الأمم.
وقال الصّادق - عليه السّلام(٩) - تقديره، وإذا أخذ الله ميثاق أمم النّبيّين بتصديق نبيّها، والعمل بما جاءهم به، وأنّهم خالفوهم فيما بعد.
( لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ) :
«الّلام» موطّئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق، بمعنى: الاستحلاف. و «ما» تحتمل الشّرطيّة أو الخبريّة.
وقرأ حمزة «لما» بالكسر على أنّ «ما» مصدريّة، أي: لأجل إيتائي إيّاكم بعض الكتاب والحكمة، ثمّ لمجيء رسول مصدّق له أخذ الله الميثاق(١٠) .
وقرئ «لما» بمعنى: حين آتيتكم، أو لمن أجل ما آتيتكم، على أنّ أصله «لمن ما» بالإدغام، فحذفت إحدى الميمات الثّلاث استثقالا(١١) .
وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون، بصيغة المتكلّم مع الغير(١٢) . فإن كان أخذ الميثاق
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: رفعته.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٤) هكذا في المصدر وفي النسخ: إضافة.
(٥) المصدر: وثّقه.
(٦) نفس الموضع والمصدر.
(٧) المصدر: أو.
(٨) تفسير العياشي ١ / ١٨٠.
(٩) مجمع البيان ١ / ٤٦٨.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(١١) نفس المصدر والموضع.
(١٢) نفس المصدر والموضع، مع تفاوت في النقل.
على النّبيّين، فإيتاء الكتاب والحكمة إليهم أنفسهم. وإن كان على الأمم، فإيتائهما إلى أنبيائهم، وهو الإيتاء إليهم.
( ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ) : وهو محمّدصلىاللهعليهوآله المصدّق لما معهم من الكتب السّابقة، لكونه موصوفا بصفات ذكرت فيها لخاتم النّبيّين.
( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) : جواب القسم، وسادّ مسدّ الشّرط على تقدير، وأحدهما على تقدير آخر، أي: أخذ الميثاق على النّبيّين، أو على أممهم، أو عليهم وعلى أممهم لتؤمننّ بذلك الرّسول ولتنصرنّه. ونصرتهصلىاللهعليهوآله من الأنبياء السّابقة، أن يخبروا أممهم بأن يؤمنوا به وبأوصيائه.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال: ابو عبد اللهعليهالسلام : أوّل من سبق رسول الله(٢) صلىاللهعليهوآله إلى أن قال: ثمّ أخذ بعد ذلك ميثاق رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الأنبياء له بالأمان(٣) ، وعلى أن(٤) ينصروا أمير المؤمنين، فقال:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ) - يعني، رسول اللهصلىاللهعليهوآله ( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) - يعني، أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - تخبروا(٥) أممكم بخبره وخبر وليّه من الأئمّة.
وفي مجمع البيان(٦) :](٧) وقد روى عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: لم يبعث الله نبيّا، آدم ومن بعده، إلّا أخذ عليه العهد لئن بعث الله محمّداصلىاللهعليهوآله وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره أن يأخذ العهد بذلك على قومه.
ومن جملة نصرته، أن ينصر أمير المؤمنينعليهالسلام في الرّجعة.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن حبيب السّجستانيّ قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - تعالى - :( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ) (٩) ( مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ )
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) المصدر: «من الرسل إلى محمد - صلى الله عليه وآله - » بدل «رسول الله - صلى الله عليه وآله - ».
(٣) المصدر: «به» بدل «له بالأمالي».
(٤) الأصل: ما.
(٥) المصدر: أخبروا.
(٦) مجمع البيان ١ / ٤٦٨.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) تفسير العياشي ١ / ١٨١، ح ٧٥.
(٩) هكذا في المصدر. وفي الأصل: اتيكم.
فكيف يؤمن موسى بعيسى وينصره ولم يدركه، وكيف يؤمن عيسى بمحمّدصلىاللهعليهوآله وينصره ولم يدركه؟
فقال: يا حبيب، إنّ القرآن قد طرح منه آي كثيرة، ولم يزد فيه إلّا حروف أخطأت بها الكتبة وتوهّمتها(١) الرّجال، وهذا وهم، فاقرأها: وإذ أخذ الله ميثاق [أمم](٢) النبيين لما آتيتكم(٣) من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، هكذا أنزلها الله يا حبيب، فو الله ما وفت أمّة من الأمم، الّتي كانت قبل موسى، بما أخذ الله عليها من الميثاق لكلّ نبيّ بعثه الله بعد نبيّها - عليهم السّلام -
وذكرعليهالسلام كلاما طويلا في تكذيب الأمم أنبيائها، تركناه خوف الإطالة.
عن بكير(٤) قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : إنّ الله أخذ(٥) ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذرّ، يوم أخذ الميثاق على الذّرّ بالإقرار له بالرّبوبيّة، ولمحمّدصلىاللهعليهوآله بالنّبوة، وعرض الله على محمّد آله(٦) الطّيّبين وهم أظلّة.
قال: وخلقهم من الطّين الّذي(٧) خلق منها آدم.
قال: وخلق أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، وعرض عليهم وعرّفهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله [و](٨) عليّاعليهالسلام ونحن نعرفهم في لحن القول.
عن زرارة(٩) قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام أرأيت حين أخذ الله الميثاق على الذّرّ في صلب آدم، فعرضهم على نفسه، كانت معاينة منهم له؟
قال: نعم يا زرارة، وهم ذرّ بين يديه وأخذ عليهم بذلك الميثاق بالرّبوبيّة [له](١٠) ولمحمّدصلىاللهعليهوآله بالنّبوّة، ثمّ كفل لهم بالأرزاق وأنساهم رؤيته(١١) وأثبت في
__________________
(١) المصدر: توهمها.
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل: اتيكم.
(٤) هكذا في المصدر. وفي الأصل: بكر. والحديث في نفس المصدر ١ / ١٨٠ - ١٨١، ح ٧٤.
(٥) المصدر: إذا أخذ.
(٦) المصدر: أئمته.
(٧) هكذا في المصدر. وفي الأصل: الّتي.
(٨) من المصدر.
(٩) نفس المصدر ١ / ١٨١، ح ٧٥.
(١٠) من المصدر.
(١١) الأصل: وديعته. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
قلوبهم معرفته، فلا بدّ من أن يخرج [الله](١) إلى الدّنيا كلّ من أخذ عليه الميثاق، فمن جحد ممّا(٢) أخذ عليه الميثاق لمحمّدصلىاللهعليهوآله لم ينفعه إقراره لربّه بالميثاق، ومن لم يجحد ميثاق محمّد نفعه الميثاق لربّه].(٣)
عن فيض بن أبي شيبة(٤) قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: - وتلا هذه الآية - :( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ) (٥) (الآية) قال: لتؤمننّ برسول الله ولتنصرنّ أمير المؤمنين.
قلت: ولتنصرنّ أمير المؤمنين(٦)؟
قال: نعم، من آدم فهلمّ جرّا، ولا يبعث الله نبيّا ولا رسولا إلّا ردّ إلى الدّنيا، حتّى يقاتل بين يدي أمير المؤمنين.
عن سلام بن المستنير(٧) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لقد تسمّوا باسم ما سمّى الله به أحدا إلّا عليّ بن أبي طالب، وما جاء تأويله.
قلت: جعلت فداك متى يجيء تأويله؟
قال: إذا [جاء](٨) جمع الله إمامة النّبيّين والمؤمنين حتّى ينصروه، وهو قول الله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ) (الآية)(٩) فيومئذ يدفع راية رسول اللهصلىاللهعليهوآله اللواء إلى عليّ بن أبي طالب، فيكون أمير الخلائق كلّهم أجمعين، يكون الخلائق كلّهم تحت لوائه ويكون هو أميرهم. [فهذا تأويله].(١٠)
[وفي شرح الآيات الباهرة(١١) : روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: إنّ
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «لمن جحدها» بدل «فمن جحد ممّا».
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٧٦.
(٥) المصدر:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ) (إلى آخر)
(٦) «قلت: ولتنصرنّ أمير المؤمنين» ليس في المصدر.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٧٧.
(٨) من المصدر ور.
(٩) المصدر:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ) - إلى قوله -( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) بدل( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ) - الآية.
(١٠) من المصدر.
(١١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص ٤١ - ٤٢.
الله أخذ الميثاق على الأنبياء أن يخبروا أممهم(١) بمبعث رسول الله، وهو محمّدصلىاللهعليهوآله ونعته وصفته، ويبشّروهم به ويأمروهم بتصديقه ويقولوا: هو(٢) مصدّق لما معكم من كتاب وحكمة، وإنّما الله أخذ ميثاق الأنبياء ليؤمننّ به ويصدّقوا بكتابه - وحكمته، كما صدّق بكتابهم وحكمتهم.
وقوله: ولتنصرنّه، يعني، ولتنصروا وصيّه.(٣)] (٤)
وروى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ - رحمه الله(٥) - في كتابه: بإسناده عن فرج ابن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: - وقد تلا هذه الآية - :( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) - يعني: رسول اللهصلىاللهعليهوآله ( وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) ، يعني: وصيّه أمير المؤمنينعليهالسلام ولم يبعث الله نبيّا ولا رسولا، إلّا وأخذ عليه الميثاق لمحمّد بالنّبوّة، ولعليّ بالإمامة.
وذكر صاحب(٦) «كتاب الواحدة»(٧) قال: روى أبو محمّد الحسن بن عبد الله الأطروش الكوفيّ قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن محمّد البجليّ قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال: قال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - : إنّ الله - تبارك وتعالى - أحد واحد تفرد في وحدانيّته، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نورا، ثمّ خلق من ذلك النّور محمّداصلىاللهعليهوآله وخلقني وذرّيّتي، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحا، فأسكنه الله في ذلك النّور وأسكنه في أبداننا.
فنحن روح الله وكلماته فبنا احتجب عن(٨) خلقه، فما زلنا في ظلّة خضراء حيث لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار ولا عين تطرف، نعبده ونقدّسه ونسبّحه، وذلك قبل أن يخلق خلقه، وأخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان والنّصرة لنا، وذلك قوله - عزّ وجلّ - :( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ )
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي الأصل: أمتهم.
(٢) «يقولوا هو» ليس في المصدر.
(٣) لهذا الحديث في المصدر تتمة.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) المصدر: «ويؤيده ما ذكره» بدل «وذكر صاحب»
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: على.
ـ يعني: لتؤمنن بمحمّدصلىاللهعليهوآله ولتنصرنّ وصيّه - وسينصرونه(١) جميعا.
وإنّ الله أخذ ميثاقي مع ميثاق محمّدصلىاللهعليهوآله بنصرة(٢) بعضنا لبعض، لقد نصرت محمّداصلىاللهعليهوآله وجاهدت بين يديه، وقتلت عدوّه ووفيت الله(٣) بما أخذ عليّ من الميثاق والعهد والنّصرة لمحمّدصلىاللهعليهوآله ولم ينصرني أحد من أنبياء الله(٤) ورسله وذلك لـمّا قبضهم الله إليه، وسوف ينصرونني(٥) ، ويكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها، وليبعثهم الله أحياء من آدم إلى محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وكلّ نبيّ مرسل، يضربون بين يديّ بالسّيف هام الأموات والأحياء والثّقلين جميعا.
فيا عجباه! وكيف لا أعجب من أموات يبعثهم الله أحياء، يلبّون زمرة زمرة بالتّلبية: لبّيك لبّيك يا داعي الله، قد أضلّوا بسكك الكوفة، قد شهروا سيوفهم على عواتقهم، يضربون بها هام الكفرة وجبابرتهم وأتباعهم من جبابرة الأوّلين والآخرين، حتى ينجز الله ما وعدهم في قوله - عزّ وجلّ(٦) :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) ، أي: يعبدونني آمنين لا يخافون أحدا في عبادتي، ليس عندهم تقيّة. وإنّ لي الكرّة بعد الكرّة، والرّجعة بعد الرّجعة، وأنا صاحب الرّجعات والكرّات وصاحب الصّولات(٧) والنّقمات والدّولات العجيبات، وأنا قرن من حديد الحديد(٨) .
__________________
(١) المصدر: «فقد آمنوا بمحمّد ولم ينصروا وصيّه وينصرونه» بدل «وسينصرونه».
(٢) المصدر: بالنصرة.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «و» بدل «الله».
(٤) ر: «الأنبياء»، المصدر: «أنبيائه» بدل «أنبياء الله».
(٥) المصدر: ينصرني.
وإلى هنا موجود في «تأويل الآيات» ثم قيل هاهنا: «الحديث الطويل وهو يدلّ على الرجعة أخذنا إلى هاهنا». والظاهر أن المفسر ذكر بعده مباشرة.
(٦) النور / ٥٥.
(٧): القبولات.
(٨) أ: الحديث.
( قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ) : أي: عهدي. سمي به، لأنّه يوصر، أي: يشدّ.
وقرئ، بالضّمّ. وهو إمّا لغة فيه، كعبر وعبر. أو جمع إصار، وهو ما يشدّ به(١) .
( قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا ) ، أي فليشهد بعضكم لبعض.
وقيل(٢) : الخطاب [فيه](٣) للملائكة.
( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (٨١): وأنا أيضا على إقراركم وتشاهدكم شاهد، وهو تحذير عظيم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ما بعث الله نبيّا من لدن آدم فهلمّ جرّا إلّا ويرجع إلى الدّنيا وينصر أمير المؤمنين، وهو قوله:( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) ، يعني: رسول اللهصلىاللهعليهوآله ( وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) ، يعني: أمير المؤمنينعليهالسلام ثمّ قال لهم في الذّرّ(٥) :( أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ) ؟ أي عهدي.
( قالُوا: أَقْرَرْنا ) .
قال الله للملائكة:( فَاشْهَدُوا ) (٦) ( وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) .
وعن الصّادق(٧) عليهالسلام : ثمّ قال لهم في الذّرّ:( أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ) ، أي: عهدي؟ قال الله للملائكة:( فَاشْهَدُوا ) .
وفي مجمع البيان(٨) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: أقررتم(٩) وأخذتم العهد بذلك على أممكم؟
قالوا، أي: قال الأنبياء وأممهم: أقررنا بما أمرتنا بالإقرار به.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٢) نفس الموضع والمصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٠٦ - ١٠٧.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الدنيا.
(٦) المصدر: فاشهدوا.
(٧) الظاهر أنّه تكرار. فلم نجده لا في القمي ولا في غيره. وممّا يؤيّد أنّه تكرار، أنّه مطابق لقطعة من الحديث الذي قبله المنقول عن القمي. والله العالم.
(٨) مجمع البيان ١ / ٤٦٨.
(٩) المصدر: «وقيل معناه» بدل «عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: أقررتم.»
قال الله: فاشهدوا بذلك على أممكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعلى أممكم(١) .
( فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ ) : بعد الميثاق والتوّكيد بالإقرار والشّهادة.
( فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٨٢): المتمرّدون من الكفرة( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ) : عطف على الجملة المتقدّمة، والهمزة متوسّطة بينهما للإنكار. أو محذوف تقديره: أيتولّون، أفغير دين الله يبغون؟ وتقديم المفعول لأنّه المقصود بالإنكار.
والفعل بلفظ الغيبة، عند أبي عمرو وعاصم، في رواية حفص ويعقوب.
وبالتّاء، عند الباقين، على تقدير: وقل لهم(٢) .
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : ثمّ قال - عزّ وجلّ - :( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ) . قال: ا فغير هذا الدّين(٤) قلت لكم أن تقرّوا بمحمّد ووصيّهصلىاللهعليهوآله ].(٥) ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) ، أي: طائعين بالنّظر واتّباع الحجّة، وكارهين بالسّيف ومعاينة ما يلجئ إلى الإسلام، كشقّ الجبل وإدراك الغرق والإشراف على الموت. أو مختارين كالملائكة والمؤمنين، ومسخّرين كالكفرة، فإنّهم لا يقدرون أن يمتنعوا عمّا قضي عليهم.
وفي مجمع البيان(٦) :( طَوْعاً وَكَرْهاً ) [قيل :](٧) فيه أقوال - إلى قوله - : وخامسها، أنّ معناه: أكره أقوام على الإسلام وجاء أقوام طائعين.
وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كرها، أي: فرقا من السّيف.
( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (٨٣) :
وقرئ بالياء، على أنّ الضّمير «لمن»(٨) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٩) : عن عمّار بن [أبي](١٠) الأحوص، عن أبي عبد الله
__________________
(١) ذكر في المصدر بعد هذه الكلمة: عن علي عليه السّلام.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٦٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٠٧.
(٤) المصدر: «أغير هذا الذي» بدل «أفغير هذا الدين». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) مجمع البيان ١ / ٤٧٠.
(٧) من المصدر.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٧٠.
(٩) تفسير العياشي ١ / ١٨٢، ح ٧٨.
(١٠) من المصدر. ر. تنقيح المقال ٢ / ٣١٧، رقم ٨٥٧٤.
ـ عليه السّلام - : أنّ الله - تبارك وتعالى - خلق في مبتدأ(١) الخلق بحرين: أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج، ثمّ خلق تربة آدم من البحر العذب الفرات، ثمّ أجراه على البحر الأجاج، فجعله حمأ مسنونا وهو خلق آدم، ثمّ قبض قبضة من كتف آدم الأيمن فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في الجنّة ولا أبالي - إلى قوله - فاحتجّ يومئذ أصحاب الشّمال - وهم ذرّ - على خالقهم، فقالوا: يا ربّنا بم(٢) أوجبت لنا النّار، وأنت الحكم العدل، من قبل أن تحتجّ علينا وتبلونا بالرّسل وتعلم طاعتنا لك ومعصيتنا؟
فقال الله - تبارك وتعالى: [فأنا أخبركم بالحجة عليكم الآن، في الطاعة والمعصية والإعذار بعد الإخبار.
قال أبو عبد اللهعليهالسلام : فأوحى الله](٣) لمالك(٤) خازن النّار: مر النّار تشهق ثمّ تخرج عنقا منها، فخرجت لهم، ثمّ قال الله لهم: ادخلوها طائعين.
فقالوا: لا ندخلها(٥) طائعين [ثم](٦) قال: ادخلوها طائعين، أو لأعذّبنّكم بها كارهين.
قالوا: إنّما هربنا إليك منها وحاججناك فيها حيث أوجبتها علينا وصيّرتنا من أصحاب الشّمال، فكيف ندخلها طائعين؟ ولكن ابدأ بأصحاب(٧) اليمين في دخولها، كي تكون قد عدلت فينا وفيهم.
قال أبو عبد اللهعليهالسلام : فأمر أصحاب اليمين، وهم ذرّ بين يديه بقوله(٨) - تعالى - : ادخلوا هذه النّار طائعين.
قال: فطفقوا يتبادرون في دخولها، فولجوا فيها جميعا، فصيّرها الله عليهم بردا وسلاما، ثمّ أخرجهم منها، ثمّ إنّ الله - تبارك وتعالى - نادى في أصحاب اليمين وأصحاب الشّمال:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ؟
فقال(٩) أصحاب اليمين: بلى يا ربّنا نحن بريّتك وخلقك مقرّين(١٠) طائعين. وقال
__________________
(١) النسخ: مبدأ. المصدر: مبتدئ.
(٢) المصدر: لم.
(٣) ما بين المعقوفتين من المصدر.
(٤) المصدر: إلى مالك.
(٥) أ: لن ندخلها.
(٦) من المصدر.
(٧) النسخ: أصحاب. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) المصدر: «فقال» بدل «بقوله تعالى». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: مقرنين.
أصحاب الشّمال: بلى يا ربّنا، نحن بريّتك وخلقك كارهين. وذلك قول الله - تعالى - :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) .
قال: توحيدهم لله.
عن عباية الأسديّ(١) أنّه سمع أمير المؤمنينعليهالسلام يقول:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ، أكان ذلك بعد(٢)؟
قلت: نعم، يا أمير المؤمنين.
قال: كلا والّذي نفسي بيده، حتّى تدخل المرأة بمن عذب آمنة(٣) ، لا تخاف(٤) حيّة ولا عقربا فما سوى ذلك.
عن صالح بن ميثم(٥) قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) .
قال: ذلك حين يقول عليّعليهالسلام : أنا أولى النّاس بهذه الآية(٦) :( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا [وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ](٧) - إلى قوله -( كاذِبِينَ ) .
عن رفاعة بن موسى(٨) قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) ، قال: إذا قام القائمعليهالسلام لا تبقى أرض إلّا نودي فيها بشهادة(٩) أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله.
عن ابن بكير(١٠) قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قوله:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (١١) .
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٨٣، ح ٧٩. وهكذا فيه وفي النسخ: عناية الأسدي. ر. تنقيح المقال ٢ / ١٣١، رقم ٦٢٥٢.
(٢) هكذا في المصدر: وفي الأصل: «بعمل» وهي ليست في أ.
(٣) المصدر: آمنين.
(٤) المصدر: يخاف.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٨٠.
(٦) النحل / ٣٨.
(٧) من المصدر.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٨١.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: شهادة.
(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٨٢.
(١١) «وإليه ترجعون» ليس في المصدر.
قال: أنزلت في القائمعليهالسلام إذا خرج باليهود والنّصارى والصّابئين والزّنادقة وأهل الرّدّة والكفّار في شرق الأرض وغربها فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعا أمره بالصّلاة والزّكاة وما يؤمر به المسلم ويحبّ الله(١) عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه، حتّى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلّا وحّد الله.
قلت له: جعلت فداك، إنّ الخلق أكثر من ذلك.
فقال: إنّ الله إذا أراد أمرا قلّل الكثير وكثّر القليل.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم ابن هاشم ويعقوب بن يزيد جميعا عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته وهو(٣) يقول في قوله - عزّ وجلّ - :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) .
قال: قال: توحيدهم [لله](٤) - عزّ وجلّ -
وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السّياريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ دابّتي استصعبت عليّ وأنا منها على وجل.
فقال: اقرأ في أذنها اليمنى:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) . فقرأها، فذلّت له دابّته.
والحديث طويل، أخذنا معه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٦) : أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب(٧) ، عن أبي عبيدة، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: أيّما دابّة استصعبت على صاحبها من لجام ونفار، فليقرأ في أذنها أو عليها:( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) .
وفي أمالي شيخ الطّائفة - قدّس سرّه(٨) - : بإسناده إلى الصّادقعليهالسلام
__________________
(١) المصدر: لله.
(٢) التوحيد / ٤٦، ح ٧.
(٣) «وهو» ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٢ / ٦٢٤، ضمن حديث ٢١.
(٦) نفس المصدر ٦ / ٥٣٩ - ٥٤٠، ح ١٤.
(٧) ر: ابن رباب.
(٨) أمالي الطوسي ١ / ٢٨٨، في ذيل حديث.
أنّه قال له أشجع السّلميّ: إنّي(١) كثير الأسفار، وأحصل في المواضع المفزعة، فعلّمني ما آمن به على نفسي.
فقال(٢) : إذا(٣) خفت أمرا فاترك يمينك(٤) على أمّ رأسك، واقرأ برفيع صوتك:( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) .
قال: أشجع(٥) : فحصلت في واد(٦) تعبث فيه الجنّ فسمعت قائلا يقول: خذوه، فقرأتها، فقال قائل: كيف نأخذه وقد احتجب(٧) بآية طيّبة؟
وفي من لا يحضره الفقيه(٨) في وصيّة النّبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ، من استصعب عليه دابّته، فليقرأ في أذنها اليمنى(٩) :( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) .
( قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ) : أمر للرسول - صلّى الله عليه وآله وسلّم - بأن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإيمان والقرآن، كما هو منزل عليه منزل عليهم، بتوسّط تبليغه إليهم، وأيضا المنسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم، أو بأن يتكلّم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالا له.
والنّزول كما يعدّى «بإلى» لأنّه ينتهي إلى الرّسل يعدّى «بعلى» لأنّه من فوق.
وإنّما قدّم المنزل عليه على المنزل على سائر الرّسل، لأنّه المعرّف له والمعيار عليه.
( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) : بالتّصديق والتّكذيب.
( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (٨٤): منقادون. أو مخلصون في عبادته.
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً ) : أي: غير التّوحيد، والانقياد لحكم الله.
[وفي نهج البلاغة(١٠) : أرسله بحجّة كافية، وموعظة شافية، ودعوة متلاقية(١١) ، أظهر به
__________________
(١) المصدر: أنا.
(٢) المصدر: قال.
(٣) أ: فإذا.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: بيمينك.
(٥) المصدر: الأشجع.
(٦) المصدر: دار
(٧) المصدر: احتجز
(٨) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٦٨.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأيمن.
(١٠) نهج البلاغة / ٢٣٠، ضمن خطبة ١٦١.
(١١) المصدر: متلافيه.
الشّرائع المجهولة، وقمع به البدع المدخولة، وبيّن الأحكام المفصولة،( مَنْ ) (١) ( يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً ) متحقّق(٢) شقوته وتنفصم عروته وتعظم كبوته، ويكون ما به إلى الحزن(٣) الطّويل والعذاب الوبيل].(٤)
( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٨٥): الواقعين في الخسران، والمعنى: أنّ المعرض عن الإسلام والطّالب لغيره، فاقد للنّفع، واقع في الخسران، بإبطال الفطرة السّليمة الّتي فطر النّاس عليها.
قال البيضاويّ(٥) : واستدلّ به على أنّ الإيمان هو الإسلام، إذ لو كان غيره لم يقبل.
والجواب: إنّه ينفي قبول كلّ دين يغايره، لا قبول كلّ ما يغايره، ولعلّ الدّين أيضا الأعمال(٦) .
وفيه: أنّ من قال: بأنّ الإيمان غير الإسلام، يقول: بأنّه دين غيره. والاستدلال إنّما هو عليه، والمقصود، أنّ الإسلام والإيمان واحد يسمّى إسلاما وإن كان قبل رسوخه ودخوله في القلب، ولا يسمّى إيمانا إلّا بعد دخوله ورسوخه فيه، والآية تدلّ على اتّحادهما، والفرق يعلم من موضع آخر.
( كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) : استبعاد لأن يهديهم الله، فإنّ الحائد عن الحقّ - بعد ما وضح له - منهمك في الضّلال، بعيد عن الرّشاد.
وقيل(٧) : نفي وإنكار له. وذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتدّ، وهذا حقّ في حقّ الرّجل المولود على الإسلام، دون المولود على الكفر والمرأة.
ويمكن أن يقال: المتبادر من بعد إيمانهم كونهم مؤمنين بحسب الفطرة، ومن جاءهم البيّنات الرّجال، وكذا سياق الآية، ولفظ «قوما» والضّمائر الرّاجعة إليه قرينة التّخصيص بالرّجال، وحينئذ يكون استثناء( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) منقطعا.
__________________
(١) المصدر: فمن.
(٢) المصدر: تتحقّق. نور الثقلين: تحقّق.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل: الخوف.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٧٠.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: للأعمال.
(٧) نفس المصدر والموضع.
ويجوز أن يكون( قَوْماً كَفَرُوا ) على عمومه لقسمي الرّجال، فيكون الاستثناء منقطعا(١) متّصلا. و «شهدوا» عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل، أي: آمنوا وشهدوا. أو حال بإضمار «قد» من فاعل «كفروا».
قال البيضاويّ(٢) : وهو على الوجهين، دليل على أنّ الإقرار باللّسان خارج عن حقيقة الإيمان.
وفيه: أنّه يحتمل أن يكون في العطف أو جعله قيدا، لكونه أهمّ أجزاء الإيمان، وأنفع في ترتّب الآثار عليه.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (٨٦): الّذين وضعوا الكفر موضع الإيمان، بعد أن جاءهم البيّنات. ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بالعلّيّة.
وقيل(٣) : الّذين ظلموا أنفسهم، بالإخلال بالنّظر ووضع الكفر موضع الإيمان، فكيف من جاءه(٤) الحقّ وعرفه ثمّ أعرض عنه؟
( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (٨٧): فيه تصريح بوجوب لعن من كفر بعد الإيمان، والعلم بحقيّة(٥) الرّسول ومجيء البيّنات، لأنّه تعالى قال: جزاؤهم هو لعن الله والملائكة والنّاس. وإذا كان جزاؤهم ذلك، وأخبر الله بأنّ جزاءهم من الملائكة والنّاس ذلك، لم يجز للملائكة والنّاس ترك ما جعله الله جزاء شيء، بل يجب عليهم الإتيان به. فهذا وإن لم يكن في صورة الأمر، لكن يفيد بمادّته الوجوب.
( خالِدِينَ فِيها ) ، أي: في اللّعنة.
( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) (٨٨)( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) ، أي: بعد الارتداد،( وَأَصْلَحُوا ) : ما أفسدوا، أو دخلوا في الصّلاح،( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) : يقبل توبته،( رَحِيمٌ ) (٨٩): يتفضّل عليه.
وفي مجمع البيان(٦) قيل: نزلت الآيات في رجل من الأنصار، يقال له: الحارث بن
__________________
(١) ليس في أور.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٧٠.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) المصدر: جاء
(٥) ر: بحقيقة.
(٦) مجمع البيان ١ / ٤٧١.
سويد بن الصّامت، وكان قتل المحذر بن زياد البلويّ غدرا، وهرب(١) وارتدّ عن الإسلام ولحق بمكّة، ثمّ ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله هل لي من توبة؟ فسألوا فنزلت [الآية](٢) إلى قوله:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) ، فحملها رجل من قومه اليه، فقال: إنّي لأعلم أنّك لصدوق ورسول اللهصلىاللهعليهوآله أصدق منك، وإنّ الله تعالى أصدق الثلاثة، ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) ، كاليهود، كفروا بعيسى والإنجيل بعد الإيمان بموسى والتوراة، ثمّ ازدادوا كفرا بمحمّدصلىاللهعليهوآله والقرآن. أو كفروا بمحمّدصلىاللهعليهوآله بعد ما آمنوا به قبل مبعثه، ثمّ ازدادوا كفرا بالإصرار والعناد(٣) والطّعن فيه والصّدّ عن الإيمان به ونقض الميثاق. أو كقوم ارتدّوا ولحقوا بمكّة، ثمّ ازدادوا كفرا لقولهم: نتربّص بمحمّد ريب المنون أو نرجع إليه وننافقه بإظهاره. أو كقوم كفروا بما نصّ النّبيّصلىاللهعليهوآله في وصيّه عند شياطينهم، بعد ما آمنوا به عنده، ثمّ ازدادوا كفرا بادّعاء الخلافة والوصاية لأنفسهم.
( لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) : لأنّهم لا يتوبون. أو لا يتوبون، إلّا عند اليأس ومعاينة الموت.
أو لأنّ توبتهم لا تكون إلّا نفاقا. فعدم قبول توبتهم لعدم كونها توبة حقيقة لا لكفر نعم وازدياد كفرهم. ولذلك لم يدخل الفاء فيه بخلاف الموت على الكفر، فإنّه سبب لعدم قبول الفدية، فدخل الفاء فيه.
( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) (٩٠): الثّابتون على الضّلال.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً ) :
مل الشيء، ما يملأه. وذهبا تمييز.
وقرئ بالرّفع على البدل، من «مل الأرض»، أو الخبر المحذوف(٤) .
( وَلَوِ افْتَدى بِهِ ) : معطوف على مضمر، أي: فلن يقبل من أحدهم مل الأرض ذهبا لو تقرّب به في الدّنيا، ولو افتدى به من العذاب في الآخرة. أو محمول على المعنى
__________________
(١) المصدر: «هو» بدل «هرب و».
(٢) من المصدر.
(٣) ر: والعناد والكفر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٧١.
كأنّه قيل: فلن يقبل من أحدهم فديه ولو افتدى بملء الأرض ذهبا.
قيل(١) : ويحتمل أن يكون المراد: فلن يقبل من أحدهم [إنفاقه في سبيل الله](٢) بملء الأرض ذهبا [ولو كان على وجه الافتداء من عذاب الآخرة من دون توقّع ثواب آخر.
والأوجه أن يقال في تقديره: فلن يقبل من أحدهم مل الأرض ذهبا](٣) ملكه ولو افتدى به.
( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) : مبالغة في التّحذير وإقناط، لأنّ من لا يقبل منه الفداء. ربما يعني عنه تكرّما.
( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) (٩١): في دفع العذاب. و «من» مزيدة للاستغراق، وإيراد الجمع إمّا للتّوزيع أو للمبالغة.
( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ) ، أي: لن تبلغوا حقيقة البرّ، وهو كمال الخير. أو البرّ المعهود، وهو برّ الله.
( حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) : من المال أو ما يعمّه وغيره، كبذل الجاه في معاونة النّاس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيل الله.
وقرئ «بعض ما تحبّون» وهو يدلّ على أنّ «من» للتّبعيض، ويحتمل التّبيين(٤) .
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، عن يونس ابن ظبيان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : لن تنالوا البر حتى تنفقوا ما تحبون قال(٦) : هكذا فاقرأها.
وفي مجمع البيان(٧) : وقد روي عن أبي الطّفيل قال: اشترى عليّعليهالسلام ثوبا فأعجبه فتصدّق به، وقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنّة، ومن أحبّ شيئا فجعله لله قال الله يوم القيامة: قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف وأنا أكافئك اليوم بالجنّة.
وفي الكافي(٨) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن شعيب ،
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢ و ٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) الكافي ٨ / ١٨٣، ح ٢٠٩.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) مجمع البيان ١ / ٤٧٣.
(٨) الكافي ٤ / ٦١، ح ٣.
عن الحسين بن الحسن، عن عاصم، عن يونس، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : أنّه كان يتصدّق بالسّكر، فقيل له: أتتصدّق بالسّكر(١)؟
فقال: نعم، إنه ليس شيء أحبّ إليّ منه، فأنا أحبّ أن أتصدّق بأحبّ الأشياء إليّ.
وفي عوالي اللّئالي(٢) : ونقل عن الحسين(٣) عليهالسلام أنّه كان يتصدّق بالسّكر، فقيل له في ذلك.
فقال: إنّي أحبّه، وقد قال الله(٤) تعالى:( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) .
وإنفاق أحبّ الأموال على اقرب الأقارب وعلى صلة الإمام أفضل.
في أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وعليّ بن إبراهيم [، عن أبيه](٦) جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) ، ما هذا الإحسان؟
فقال: الإحسان، أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين. أليس الله - عزّ وجلّ - يقول:( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن مفضّل بن عمر قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام [يوما](٨) ومعي شيء، فوضعته بين يديه.
فقال: ما هذا؟
فقلت: هذه صلة مواليك وعبيدك.
قال: فقال لي: يا مفضّل، إنّي لا أقبل ذلك، وما أقبله عن حاجة بي(٩) إليه، وما أقبله إلّا ليزكّوا(١٠) به.
__________________
(١) «فقيل له أتتصدّق بالسكّر» ليس في أ.
(٢) عوالي اللئالي ٢ / ٧٤، ح ١٩٦.
(٣) المصدر: الحسنعليهالسلام
(٤) ليس في المصدر.
(٥) الكافي ٢ / ١٥٧، صدر حديث ١.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العياشي ١ / ١٨٤، ح ٨٥.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: «حاجتي» بدل «حاجة بي».
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لتزكّوا.
ثمّ [قال :](١) سمعت أبي يقول: من مضت له سنة لم يصلنا من ماله قلّ أو كثر، لم ينظر الله إليه يوم القيامة إلّا أن يعفو الله عنه.
ثمّ قال: يا مفضّل، إنّها فريضة فرضها الله على شيعتنا في كتابه، إذ يقول:( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) . فنحن البرّ والتّقوى، وسبيل الهدى، وباب التّقوى.
لا يحجب(٢) دعاؤنا عن الله. اقتصروا على حلالكم وحرامكم، فاسألوا عنه. وإيّاكم أن تسألوا أحدا من الفقهاء عمّا لا يعنيكم وعما ستر الله عنكم.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ ) : محبوب، أو غيره. و «من» للبيان.
( فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (٩٢): فيجازيكم بحسبه.
( كُلُّ الطَّعامِ ) ، أي: المطعومات، والمراد: أكلها. ويشعر به الطّعام لقبا.
( كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) : حلالا لهم. مصدر نعت به، ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع والمذكّر والمؤنّت، كقوله:( لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ) .
( إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ ) : يعقوبعليهالسلام ( عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) : كلحوم الإبل، كان إذا أكل لحم الإبل هيج عليه وجع الخاصرة، فحرّم على نفسه لحم الإبل قبل إنزال التّوراة، وبعده لم يأكله لأجل إضراره بمرضه، ولم يحكم بتحريمه على نفسه.
في الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد أو غيره، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول [..].(٤) إنّ إسرائيل كان إذا أكل من لحم الإبل هيج عليه وجع الخاصرة، فحرّم على نفسه لحم الإبل، وذلك قبل أن تنزل التّوراة. فلمّا نزلت التّوراة لم يحرّمه ولم يأكله.
وهذا ردّ على اليهود، حيث أرادوا براءة ساحتهم ممّا نطق به القرآن من تحريم الطّيّبات عليهم، لبغيهم وظلمهم، في قوله:( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ) وقوله :
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: ولا يحجب.
(٣) الكافي ٥ / ٣٠٦، ح ٩.
(٤) المصدر: من زرع حنطة في ارض فلم يزك زرعه أو خرج زرعه كثير الشعير فبظلم عمله في ملك رقبة الأرض أو بظلم لمزارعيه وأكرته لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) [النّساء / ١٦٠] يعني لحوم الإبل والبقر والغنم. وقال
( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) فقالوا: لسنا بأوّل من حرّمت عليه، وقد كانت محرّمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل إلى أن انتهى التّحريم إلينا. فكذّبهم الله.
( قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (٩٣): أمر بمحاجّتهم بكتابهم، وتبكيتهم بما فيه، حتّى يتبيّن أنّه تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما زعموا، فلم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا، وفيه دليل على نبوّتهعليهالسلام
[وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن عمر بن يزيد قال: كتبت إلى أبي الحسنعليهالسلام أسأله عن رجل دبرّ مملوكه، هل له أن يبيع عنقه(٢) قال: كتب: كلّ الطّعام كان حلا لنبي إسرائيل إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وأمّا قوله:( كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ) .
قال: إنّ يعقوب كان(٤) يصيبه عرق النّساء، فحرّم على نفسه لحم الجمل.
فقالت(٥) اليهود: إنّ [لحم](٦) الجمل محرّم في التّوراة.
فقال الله(٧) - عزّ وجلّ - لهم( فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) ، إنّما حرّم هذا إسرائيل على نفسه ولم يحرّمه على النّاس].(٨) ( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) بزعمه أنّ ذلك كان محرّما على الأنبياء، وعلى بني إسرائيل قبل إنزال التّوراة،( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) ، أي: لزوم الحجّة،( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٩٤) لأنفسهم، ومكابرتهم الحقّ بعد وضوحه.
( قُلْ صَدَقَ اللهُ ) : تعريض بكذبهم، أي: ثبت أنّ الله صادق فيما أنزله، وأنتم
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٨٥، ح ٨٧.
(٢) المصدر: عتقه.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٠٧ - ١٠٨.
(٤) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «كان يعقوب» بدل «إنّ يعقوب كان».
(٥) المصدر: فقال.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
الكاذبون.
( فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) ، أي: ملّة الإسلام الّتي عليها محمّدصلىاللهعليهوآله ومن آمن معه، الّتي هي في الأصل ملّة إبراهيم. أو مثل ملّته، حتّى تتخلّصوا من اليهوديّة الّتي اضطرّتكم إلى التّحريف والمكابرة للأغراض الدّنيويّة، وألزمتكم تحريم طيّبات أحلّها لإبراهيم ومن تبعه.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن حبابة الوالبيّة قالت(٢) : سمعت الحسين بن عليّعليهالسلام يقول: ما أعلم أحدا على ملّة إبراهيم إلّا نحن وشيعتنا.
قال صالح: ما أحد على ملّة إبراهيم.
قال جابر: ما أعلم أحدا على ملّة إبراهيم.
( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٩٥): تبرئة ممّا كان ينسبه اليهود والنّصارى من كونه على دينهم.
( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ) ، أي: جعل متعبّدا لهم، والواضع هو الله.
وقرئ، بالبناء للفاعل(٣) ( لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) : وهي لغة في مكّة، كالنّبيط والنّميط، وأمر «راتب وراتم»، و «لازب ولازم».
وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: اسماء مكّة خمسة: أمّ القرى، ومكّة، وبكّة، والبساسة، كانوا إذا ظلموا بسّتهم، أي: أخرجتهم وأهلكتهم. وأمّ رحم، كانوا إذا لزموها رحموا وقيل(٥) : هي موضع المسجد، ومكّة البلد.
روي عن جابر(٦) ، عن أبي جعفر - عليه السّلام(٧) - : أنّ بكّة موضع البيت، وأنّ مكّة الحرم، وذلك قوله:( [وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ] ) (٨) ( آمِناً ) .
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٨٥، ح ٨٨.
(٢) النسخ: «حبابة الوابلية قال» بدل «حبابة الوالبية قالت». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١٧٢ / ١.
(٤) الخصال / ٢٧٨، ح ٢٢.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٧٢.
(٦) تفسير العياشي ١ / ١٨٧، ح ٩٤.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٨) من المصدر.
من بكّه، إذا رحمه. أو من بكّه إذا دقّه، لأنّها تبكّ أعناق الجبابرة.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) : بإسناده إلى عبيد الله بن عليّ الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : لم سمّيت مكّة بكّة؟
قال: لأنّ النّاس يبكّ بعضهم بعضا [فيها](٢) بالأيدي.
وأمّا ما رواه: بإسناده إلى «عبد الله بن سنان(٣) قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : لم سمّيت الكعبة بكّة؟
فقال: لبكاء النّاس حولها [وفيها»](٤) فمحمول على أنّ النّاس يجتمعون حوله للبكاء والعبادة، فيبكّ بعضهم بعضا.
[حدّثنا محمّد بن الحسن(٥) قال :](٦) حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العبّاس بن معروف، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة، عن أبان، عن الفضيل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّما سمّيت مكّة بكّة، لأنّه يبكّ بها الرّجال والنّساء، والمرأة تصلّي بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومعك، ولا بأس بذلك، إنّما يكره في سائر البلدان.
[وبإسناده إلى عبيد الله بن عليّ الحلبيّ(٧) قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : لم سمّيت مكّة بكّة؟
قال: لأنّ النّاس يبكّ بعضهم بعضا فيها بالأيدي].(٨)
وفي الكافي(٩) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام قال: [..].(١٠) في خمسة وعشرين من ذى القعدة(١١) وضع البيت، وهو أوّل رحمة وضعت على وجه الأرض، فجعله [الله - عزّ وجلّ - ](١٢) مثابة
__________________
(١) علل الشرائع / ٣٩٨، ح ٥.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر / ٣٩٧، ح ٢.
(٤) من المصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٦) من المصدر.
(٧) نفس المصدر / ٣٩٨، ح ٥.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) الكافي ٤ / ١٤٩، ضمن حديث ٢.
(١٠) المصدر: بعث الله - عزّ وجلّ - محمّداصلىاللهعليهوآله رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب. فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستّين شهرا.
(١١) ر: ذى الحجة.
(١٢) من المصدر.
للنّاس وأمنا.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(١) ، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي زرارة التّميميّ، عن أبي حسّان، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لـمّا أراد الله أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربن(٢) وجه الماء(٣) حتّى صار موجا، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلا من زبد، ثمّ دحا الأرض من تحته، وهو قول الله تعالى:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ) .
وروى أيضا: عن سيف بن عميرة(٤) ، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال للأبرش: يا أبرش، هو كما وصف نفسه، وكان عرشه على الماء، والماء على الهواء، والهواء لا يحدّ(٦) ، ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء يومئذ عذب فرات، فلمّا أراد الله(٧) أن يخلق الأرض، (وذكر إلى آخر ما نقلناه عن الكافي.)
[وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن عبد الصّمد بن سعد قال: طلب أبو جعفر أن يشتري من أهل مكّة بيوتهم أن يزيد(٩) في المسجد، فأبوا عليه، فأرغبهم فامتنعوا، فضاق بذلك، فأتى أبا عبد اللهعليهالسلام فقال له: إنّي سألت هؤلاء شيئا من منازلهم وأفنيتهم لنزيد(١٠) في المسجد، وقد منعوني ذلك، فقد غمّني غمّا شديدا.
فقال: أبو عبد اللهعليهالسلام لم يغمّك(١١) ذلك، وحجّتك عليهم فيه ظاهرة؟
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ١٨٩ - ١٩٠، ح ٧.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فضربت.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأرض.
(٤) نفس المصدر ٤ / ١٩٠. وفيه: «ورواه» بدل «وروى»
(٥) تفسير القمي ٢ / ٦٩. ضمن حديث.
(٦) هكذا في النسخ. وفي المصدر: «والهوى لم يحد أ» بدل «والهواء لا يحدّ».
(٧) ليس في المصدر.
(٨) العياشي ١ / ١٨٧، ح ٩٤.
(٩) المصدر: يزيده.
(١٠) الأصل: «أزيد». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١١) المصدر: أيغمك.
قال(١) : وبما أحتجّ عليهم؟
فقال: بكتاب الله.
فقال لي: في أيّ موضع؟
فقال: قول الله( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) قد أخبرك الله أنّ أوّل بيت وضع [للنّاس](٢) هو الّذي ببكّة، فإن كانوا هم نزلوا(٣) قبل البيت فلهم أفنيتهم، وإن كان البيت قديما قبلهم فله فناؤه.
فدعاهم أبو جعفر فاحتجّ عليهم بهذا، فقالوا [له :](٤) اصنع ما أحببت.
عن عبد الله بن سنان(٥) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: مكّة جملة القرية، وبكّة جملة موضع الحجر الّذي يبكّ(٦) النّاس بعضهم بعضا.
عن جابر(٧) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ بكّة موضع البيت، وإنّ مكّة الحرم، وذلك قوله: [( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ] ) (٨) ( آمِناً ) ].(٩)
وفي كتاب عيون الأخبار(١٠) ، في باب ما كتبه الرّضا إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وعلّة وضع البيت وسط الأرض أنّه الموضع الّذي من تحته دحيت الأرض. وكلّ ريح تهبّ(١١) في الدّنيا فإنّها تخرج من تحت الرّكن الشّاميّ. وهي أوّل بقعة وضعت في الأرض، لأنّها الوسط ليكون الغرض(١٢) لأهل المشرق والمغرب(١٣) في ذلك سواء.
فالمراد بأوّل بيت، أوّل موضع جعل مستقرّا للعباد على وجه الماء، لا البيت المصنوع من اللّبن والمدر والخشب، حتّى يحتاج في تصحيحه إلى ارتكاب أمور متكلّفه.
( مُبارَكاً ) : حال من المستكنّ في الظّرف، أي: كثير الخير والنّفع لمن حجّه
__________________
(١) المصدر: فقال.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: تولّوا.
(٤) من المصدر.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٨٧، ح ٩٣.
(٦) المصدر: تبك.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٩٤.
(٨) من المصدر.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) عيون أخبار الرضا ٢ / ٩٠.
(١١) المصدر: تحب.
(١٢) المصدر: الفرض.
(١٣) المصدر: «الشرق والغرب» بدل «المشرق والمغرب».
واعتمره واعتكف عنده وطاف حوله وقصد نحوه، من مضاعفة الثّواب وتكفير الذّنوب ونفي الفقر وكثرة الرّزق.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : عنهعليهالسلام قال: وجد في حجر: إنّي أنا الله دو بكّة، صنعتها يوم خلقت السّموات والأرض، يوم خلقت الشّمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حفا، مبارك(٢) لأهلها في الماء واللّبن يأتيها رزقها من ثلاثة سبل: من أعلاها وأسفلها والثّنية بعده.
( وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) (٩٦): لأنّه قبلتهم ومتعبدهم، ولأنّ فيه آيات عجيبة، كما قال الله تعالى( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ ) : كانحراف الطّيور عن مؤازاة البيت على مدى الأعصار، وأنّ ضواري(٣) السّبع تخالط الطّيور في الحرم ولا تتعرّض لها، وأنّ كلّ جبّار قصده بسوء قهره كأصحاب الفيل.
والجملة مفسّرة «للهدى(٤) » أو حال أخرى.
( مَقامُ إِبْراهِيمَ ) : مبتدأ محذوف الخبر، أي: منها. أو بدل من «آيات» بدل البعض من الكلّ.
وقيل(٥) : عطف بيان. على أنّ المراد بالآيات أثر القدم في الصّخرة الصّمّاء، وغوصها فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصّخار، وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة(٦) . ويؤيّده أنّه قرئ آية بيّنة، على التّوحيد(٧)
وفي الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن ابن سنان
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٥٨، ح ٦٨٤، عن حريز عن أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٢) المصدر: «حفيفا مبارك» أ: «حقا مباركا» ر: حفا مبارك بدل «حقا مبارك». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) أ: متواري.
(٤) كذا في النسخ وأنوار التنزيل. ولعلّ الصواب: لهدى.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٧٣.
(٦) كذا في النسخ والمصدر. ولعل الصواب: السنين.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٧٣.
(٨) الكافي ٤ / ٢٢٣، ح ١.
قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله تعالى:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ) - إلى قوله(١) -( آياتٌ بَيِّناتٌ ) ، ما هذه الآيات البيّنات؟
قال: مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثّرت فيه قدماه، والحجر الأسود. ومنزل إسماعيلعليهالسلام
أقول: أمّا كون المقام آية، فلما ذكروا لارتفاعه بإبراهيمعليهالسلام حين كان أطول من الجبال، كما يأتي ذكره.
وأمّا كون الحجر الأسود آية، فلما ظهر منه للأولياء والأوصياء - عليهم السّلام - من العجائب، إذ كان جوهرة جعلها الله مع آدم في الجنّة، وإذ كان ملكا من عظماء الملائكة ألقمه الله الميثاق وأودعه عنده، ويأتي يوم القيامة وله لسان ناطق وعينان يعرفه الخلق، يشهد لمن وافاه بالموافاة ولمن أدّى إليه الميثاق بالأداء وعلى من جحده بالإنكار، إلى غير ذلك كما ورد في الأخبار عن الأئمّة - عليهم السّلام - ولما ظهر لطائفه من تنطّقه لبعض المعصومين - عليهم السّلام - كالسّجّادعليهالسلام حيث نازعه عمّه محمّد بن الحنفيّة في أمر الإمامة كما ورد في الرّوايات(٢) ، ومن عدم طاعته لغير المعصوم في نصبه في موضعه كما جرّب غير مرّة.
وأمّا كون منزل إسماعيل آية، فلأنّه أنزل من غير ماء فنبع له الماء، وإنّما خصّ المقام بالذّكر في القرآن وطوى ذكر غيره لأنّه أظهر آياته اليوم للنّاس.
قيل(٣) : سبب هذا الأثر، أنّه لـمّا ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكّن من رفع الحجارة، فغاصت فيه قدماه.
وقيل(٤) : إنّه لـمّا جاء زائرا من الشّام، فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتّى تغسل(٥) رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقّه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتّى غسلت شقّ رأسه، ثمّ حولته إلى شقّه الأيسر حتّى غسلت الشّقّ الأيسر، فبقي أثر قدمه عليه.
وفي الكافي: محمّد(٦) بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن ابن فضّال، عن ابن بكير ،
__________________
(١) نقل الآية في المصدر بدل «إلى قوله».
(٢) هذا البحث بطوله موجود في غيبة الطوسي / ١٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٧٣.
(٤) الكشاف ١ / ٤٤٨.
(٥) المصدر: يغسل أ: تغتسل.
(٦) الكافي ٤ / ٢٢٣، ح ٢.
عن زرارة قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : [قد](١) أدركت الحسين - صلوات الله عليه - ؟
قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام، وقد دخل فيه السّيل والنّاس يقومون على المقام، يخرج الخارج يقول: قد ذهب به السّيل، ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه.
قال: فقال لي: يا فلان ما صنع هؤلاء؟
فقلت: أصلحك الله، يخافون أن يكون السّيل قد ذهب بالمقام.
فقال: ناد، إنّ الله قد جعله(٢) علما لم يكن ليذهب به، فاستقرّوا، وكان موضع المقام الّذي وضعه إبراهيمعليهالسلام عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتّى حوّله أهل الجاهليّة إلى المكان الّذي هو فيه اليوم، فلمّا فتح النّبيّصلىاللهعليهوآله مكّة ردّه إلى الموضع الّذي وضعه إبراهيمعليهالسلام فلم يزل هناك إلى أن وليّ عمر بن الخطّاب، فسأل النّاس: من منكم يعرف المكان الّذي كان فيه المقام؟
فقال رجل. أنا قد كنت أخذت مقداره بنسع(٣) ، فهو عندي.
فقال: ائتني(٤) به، فأتاه به، فقاسه ثمّ ردّه إلى ذلك المكان.
( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) : جملة ابتدائية أو شرطيّة، معطوفة من حيث المعنى على «مقام» لأنّه في معنى «وأمن من دخله»، أي: منها أمن من دخله، أو فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم وأمن من دخله. واقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة، لأنّ فيهما غنية عن غيرهما في الدّارين، بقاء الأثر مدى الدّهر، والأمن من العذاب يوم القيامة.
في كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى أبي زهرة شبيب بن أنس(٦) ، عن بعض
__________________
(١) من المصدر.
(٢) النسخ: «جعل». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر
(٣) النّسع: حبل من أدم يكون عريضا على هيئة أعنّة النّعال تشدّ به الرحال.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ياتيني.
(٥) علل الشرائع / ٨٩٠ - ٩١، مقطعين من حديث ٥.
(٦) هكذا في الأصل. وفي المصدر: «أبي زهير شبيب بن أنس». وفي أ: «أبي زهرة بن شبيب بن أنس».
وعلى أي حال لم نعثر عليهم أو عليهما في كتب التراجم والرجال. ويوجد في تنقيح المقال، في فصل الكنى، ٣ / ١٧ راوي يسمّى بأبو زهير النهدي، الّذي «روى الشيخ - رحمه الله - في باب كيفية الصلوة من التهذيب عن محمد بن يحيى عنه عن آدم بن إسحاق ولم يذكر اسمه.» والله العالم.
أصحاب أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، تعرف كتاب الله حقّ معرفته وتعرف النّاسخ والمنسوخ؟
قال: نعم.
قال: يا أبا حنيفة، لقد ادّعيت علما ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآله وما أدريك(١) الله من كتابه حرفا، فإن كنت كما تقول ولست كما تقول، فأخبرني عن قول الله - عزّ وجلّ(٢) - :( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) أين ذلك من الأرض؟
قال: أحسبه ما بين مكّة والمدينة.
فالتفت أبو عبد اللهعليهالسلام إلى أصحابه فقال: تعلمون أنّ النّاس يقطع عليهم بين المدينة ومكّة، فتؤخذ أموالهم، ولا يؤمنون على أنفسهم، ويقتلون.
قالوا: نعم.
قال: فسكت أبو حنيفة.
فقال: يا أبا حنيفة، أخبرني عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) أين ذلك من الأرض؟
قال: الكعبة.
فقال: أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزّبير في الكعبة فقتله، كان آمنا فيها؟
قال: فسكت.
فقال: أبو بكر الحضرميّ: جعلت فداك، ما الجواب في المسألتين الأوّلتين(٣)؟
فقال: يا أبا بكر،( سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ) ، فقال: مع قائمنا أهل البيت.
وأما قوله:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقدة أصحابه، كان آمنا.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١) هكذا في الأصل. وفي المصدر: ورثك.
(٢) سبأ / ١٨.
(٣) المصدر: الأوليين.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قوله:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ؟
قال: يأمن فيه كلّ خائف، ما لم يكن عليه حدّ من حدود الله ينبغي أن يؤخذ به.
قال: وسألته عن طائر يدخل الحرم.
قال: لا يؤخذ ولا يمسّ، لأنّ الله يقول:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
وقال عبد الله بن سنان(٢) : سمعته يقول - فيما أدخل الحرم ممّا صيد في الحلّ، قال: إذا دخل الحرم فلا يذبح، إنّ الله يقول:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
وعن عليّ به عبد العزيز(٣) قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك، قول الله:( فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) وقد يدخله المرجئ والقدريّ والحرورىّ والزّنديق الّذي لا يؤمن بالله.
قال: لا، ولا كرامة.
قلت: فمه(٤) جعلت فداك؟
قال: ومن دخله وهو عارف بحقّنا كما هو عارف به(٥) ، خرج من ذنوبه وكفي همّ الدّنيا والآخرة.
وفي أمالي الصّدوق - رحمه الله(٦) - : بإسناده إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله ، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الله - جلّ جلاله - في حديث طويل، وفيه يقول - جلّ جلاله - في حقّ عليّعليهالسلام : وجعلته العلم الهادي من الضّلالة، وبابي الّذي أوتى به منه، وبيتي الّذي من دخله كان آمنا من ناري.
وفي الكافي: محمّد(٧) بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال والحجّال، عن ثعلبة، عن أبي خالد القمّاط عن عبد الخالق الصّيقل قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني أحد إلّا من شاء الله، قال: من أمّ هذا
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٨٨، ح ١٠٠ مع حذف قطعة منه.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٨٩، ح ١٠٤.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٩٠، ح ١٠٧.
(٤) المصدر: فمن أ: قد.
(٥) المصدر: له.
(٦) أمالي الصدوق / ١٨٤.
(٧) الكافي ٤ / ٥٤٥، ح ٢٥.
البيت، وهو يعلم أنّه البيت الّذي أمره الله - عزّ وجلّ - به، وعرفنا أهل البيت حقّ معرفتنا، كان آمنا في الدّنيا والآخرة.
وفي مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : أنّ من دخله(٢) عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه، كان آمنا في الآخرة من العذاب الدّائم.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل(٤) ، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها، ولا تدخلها(٥) بحذاء، وتقول إذا دخلت: اللهمّ، إنّك قلت:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) ، فآمنّي من عذاب النّار.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) البيت عنى أم الحرم؟
قال: من دخل الحرم من النّاس مستجيرا به فهو آمن به من سخط الله، ومن دخله من الوحش والطّير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) قال: إذ أحدث العبد في غير الحرم جناية ثمّ فرّ إلى الحرم لم يسع(٨) لأحد أن يأخذه في الحرم، ولكن يمنع من السّوق ولا يبايع ولا يطعم ولا يسقى ولا يكلّم، فإنّه إذا فعل ذلك [به](٩) يوشك أن يخرج فيؤخذ [وإذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحدّ في الحرم ،
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤٧٨. وفيه: «أنّ معناه من دخل عارفا من العذاب الدائم. وهو المروي عن أبي جعفر - عليه السّلام.»
(٢) المصدر: دخل.
(٣) الكافي ٤ / ٨٢٥، صدر حديث ٣.
(٤) ر: عليّ بن إسماعيل.
(٥) «ولا تدخلها» ليس في ر.
(٦) نفس المصدر ٤ / ٢٢٦، ح ١.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٨) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «لم يسغ» وفي أ: «لم يسمع».
(٩) من المصدر.
لأنّه لم ير(١) للحرم حرمة.
وبإسناده إلى عليّ بن أبي حمزة(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
قال: إن سرق سارق بغير مكّة أو جنى جناية].(٣) على نفسه ففرّ إلى مكّة لم يؤخذ ما دام في الحرم حتّى يخرج منه، ولكن يمنع من السّوق فلا يبايع(٤) ولا يجالس حتّى يخرج منه فيؤخذ، وإن أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) : حدّثنا أبي - رضي الله عنه - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاويه بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : أنّه سئل عن طير أهليّ أقبل فدخل الحرم.
قال: لا يمسّ، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : وسأل محمّد بن مسلم أحدهما - عليهما السّلام - عن الظّبي يدخل الحرم.
فقال: لا يؤخذ ولا يمسّ، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) .
وفي الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد من محمّد، عن شاذان بن الخليل أبي الفضل، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن رجل لي عليه مال، فغاب عنّي زمانا، فرأيته يطوف حول الكعبة، أفأتقاضاه مالي؟
قال: لا، لا تسلّم عليه ولا تروّعه حتّى يخرج من الحرم.
محمّد بن يحيى(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السّرّاج(٩) ، البرّاج عن هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام
__________________
(١) المصدر: لم يدع.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢٢٧، والظاهر أنّه حديث ٣. لأنّه بدون رقم. والحديث الذي قبله تحت رقم ٢.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) المصدر: ولا يبايع.
(٥) علل الشرائع / ٤٥١، ح ١.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٧٠، ح ٧٤٤.
(٧) الكافي ٤ / ٢٤١، ح ١.
(٨) نفس المصدر ٤ / ٢٥٨، ح ٢٦.
(٩) النسخ: أبي إسماعيل البرّاج. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. وهو الصواب. ر. تنقيح المقال، فصل الكنى، ٣ / ٢.
يقول: من دفن في الحرم، أمن من الفزع الأكبر.
فقلت [له :](١) من برّ النّاس وفاجرهم؟
قال: من برّ النّاس وفاجرهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين. ومن مات بين الحرمين لم ينشر له ديوان. ومن دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر.
( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) : قصده للزّيارة، على الوجه المخصوص.
والحجّ في الأصل، القصد.
وقرأ حمزة والكسائيّ وعاصم، في رواية حفص، حجّ، بالكسر، وهي لغة [نجد](٣)
وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللهعليهالسلام بمسائل، بعضها مع ابن بكير وبعضها مع أبي العبّاس، فجاء الجواب بإملائه: سألت عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ، يعني به الحجّ والعمرة جميعا، لأنّهما مفروضان.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي عيون الأخبار(٥) : في باب ذكر ما كتب به الرّضاعليهالسلام إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وعلّة الحجّ، الوفادة إلى الله - عزّ وجلّ - وطلب الزّيادة والخروج من كلّ ما اقترف، وليكون تائبا ممّا(٦) مضى مستأنفا لما يستقبل، وما فيه من استخراج الأموال، وتعب الأبدان وحظرها عن الشّهوات واللّذّات، والتقرّب(٧) بالعبادة إلى الله - عزّ وجلّ - والخضوع والاستكانة والذّلّ، شاخصا [إليه](٨) في لحرّ والبرد والأمن والخوف، دائبا(٩) في ذلك دائما(١٠) ، وما في ذلك لجميع الخلق من المنافع والرّغبة
__________________
(١) من المصدر ور.
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٤٧، ضمن حديث ٦٥٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٧٣. والزيادة من المصدر.
(٤) الكافي ٤ / ٢٦٤، ح ١.
(٥) عيون الأخبار ٢ / ٩٠.
(٦) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «فيما». وفي ر: «ممّا له فيما.»
(٧) النسخ: «التقريب». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٨) من المصدر.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: دائب.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: دائم.
والرّهبة إلى الله - تعالى -
ومنه، ترك قساوة القلب، وجسارة الأنفس، ونسيان الذّكر، وانقطاع الرّجاء والأمل، وتجديد الحقوق، وحظر النّفس عن الفساد، ومنفعة من في شرق الأرض وغربها ومن في البرّ والبحر، ممّن يحجّ وممّن لا يحجّ، من تاجر وجالب وبائع ومشتر وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الاطراف(١) والمواضع الممكن لهم الاجتماع فيها، كذلك ليشهدوا منافع لهم.
( مَنِ اسْتَطاعَ ) : بدل من النّاس، بدل البعض من الكّل.
( إِلَيْهِ سَبِيلاً ) : تمييز، من نسبة الفعل إلى المفعول بالواسطة.
وفي عيون الأخبار(٢) : فيما كتبه الرّضاعليهالسلام للمأمون من محض الإسلام وشرائع الدّين: وحجّ البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلا، والسّبيل الزّاد والرّاحلة مع الصّحّة.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن الأعمش عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: هذه شرائع الدّين - إلى أن قال - : وحجّ البيت واجب على من(٤) استطاع إليه سبيلا، وهو الزّاد والرّاحلة مع صحّة البدن، وأن يكون للإنسان ما يخلّفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجّه(٥)
وفي الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع الشّاميّ قال: سئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - تعالى - :( مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) .
فقال: ما يقول النّاس؟
قال: فقيل له: الزّاد والرّاحلة.
قال: فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : قد سئل أبو جعفرعليهالسلام عن هذا؟
فقال: هلك النّاس إذا، لإن(٧) من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت عياله و
__________________
(١) أ: أهل الأرض.
(٢) نفس المصدر ٢ / ١٢٤.
(٣) الخصال / ٦٠٣ و ٦٠٦، ضمن حديث ٩.
(٤) المصدر: «لمن» بدل «على من».
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: من حجّه.
(٦) الكافي ٤ / ٢٦٧، ح ٣.
(٧) المصدر: لئن كان.
يستغنى به عن النّاس ينطلق إليه فيسلبهم إيّاه، لقد هلكوا.
فقيل له: فما السّبيل؟
قال: فقال: السّعة في المال إذا كان يحجّ ببعض ويبقي بعضا يقوت به عياله، أليس قد فرض الله الزّكاة فلم يجعلها الّا على من يملك مائتي درهم؟
محمّد بن أبي عبد الله(١) ، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سأل رجل من أهل القدر، فقال: يا بن رسول الله، أخبرني عن قول الله تعالى:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) أليس قد جعل الله الاستطاعة؟
فقال: ويحك، إنّما يعني بالاستطاعة الزّاد والرّاحلة، ليس استطاعة البدن.
فقال الرّجل: أفليس إذا كان الزّاد والرّاحلة، فهو مستطيع للحجّ؟
فقال: ويحك، ليس كما تظنّ، قد ترى الرّجل عنده المال الكثير أكثر من الزّاد والرّاحلة، فهو لا يحجّ حتّى يأدن الله - تعالى - في ذلك.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - تعالى - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) قال: ما السّبيل؟
قال: أن يكون له ما يحجّ به.
قال: قلت: من عرض عليه ما يحجّ به فاستحيا من ذلك، أهو ممّن يستطيع إليه سبيلا؟
قال: نعم، ما شأنه [أن](٣) يستحيي ولو يحجّ على حمار أجدع أبتر، فإن كان يطيق أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليحجّ.
وفي رواية(٤) : أنّه يخرج ويمشي إن لم يكن عنده.
قيل: لا يقدر على المشي.
__________________
(١) نفس المصدر ٤ / ٢٦٨، ح ٥.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٢٦٦، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٢ / ١٩٤، ح ٤+ التهذيب ٥ / ١٠، ح ٢٦ و ٥ / ٤٥٩، ح ٢٤٠+ الاستبصار ٢ / ١٤٠، ح ٥
قال: يمشي ويركب.
قيل: لا يقدر على ذلك.
قال: يخدم القوم ويخرج معهم.
واعلم، أنّه ينبغي أن يحمل اختلاف الرّوايات على اختلاف النّاس في جهات الاستطاعة، فإنّ بعضهم يجب لهم الزّاد والرّاحلة ولا يجب لهم الرّجوع إلى مال لقدرتهم على تحصيل ما يموّنون به بتجارة وكسب، وبعضهم يجب لهم الرّجوع إلى ما يموّنون به لعدم قدرتهم على التّحصيل، وبعضهم عادتهم الخدمة والتّعيّش بأي وجه اتّفق لهم مع قدرتهم على ذلك، فإذا حصل لهم تلك الاستطاعة وجب الحجّ.
[وفي كتاب التّوحيد(١) : حدّثنا أبي ومحمّد بن موسى بن المتوكّل - رضي الله عنهما - قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميريّ جميعا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) .
قال: يكون له ما يحجّ به.
قلت: فمن عرض عليه الحجّ فاستحيا؟
قال: [هو](٢) ممّن يستطيع.
حدّثنا أبي - رضي الله عنه(٣) - قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ما يعني بذلك؟
قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلّى سربه، له زاد وراحلة.
وفي كتاب علل الشرائع(٤) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ، يعني به: الحج دون العمرة؟
__________________
(١) التوحيد / ٣٤٩ - ٣٥٠، ح ١٠.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر / ٣٥٠ - ٣٥١، ح ١٤.
(٤) علل الشرائع / ٤٥٣، ح ٢.
فقال: لا، ولكّنه يعني: الحجّ والعمرة جميعا، لأنّهما مفروضان.
وفي مصباح الشّريعة(١) : قال الصّادقعليهالسلام : واعلم، بأنّ الله تعالى لم يفرض(٢) الحجّ ولم يخصّه من جميع الطّاعات [، إلّا](٣) بالإضافة إلى نفسه بقوله - تعالى - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) . ولا شرع(٤) نبيّهصلىاللهعليهوآله سنّته في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه(٥) ، إلا للاستعداد والاشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة، وفضل(٦) بيان السّابقة من الدّخول في الجنّة أهلها ودخول النّار أهلها بمشاهدة مناسك الحجّ من أوّلها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النّهى].(٧)
( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) (٩٧) :
وضع «كفر» موضع لم يحجّ، تأكيدا لوجوبه، وتغليظا على تاركه. وقد أكّد أمر الحجّ في هذه الآية من وجوه الدّلالة على وجوبه بصيغة الخبر، وإبرازه في الصّورة الاسميّة، وإيراده على وجه يفيد أنّه حقّ واجب لله في رقاب النّاس. وتعميم الحكم أوّلا وتخصيصه ثانيا، فإنّه كإيضاح بعد إبهام وتنبيه وتكرير للمراد. وتسمية ترك الحجّ كفرا من حيث أنّه فعل الكفرة. وذكر الاستغناء، فإنّه في هذا الموضع ممّا يدلّ على المقت والخذلان، وإيراد «عن العالمين» بدل عنه، لما فيه من التّعميم، والدّلالة على الاستغناء عنه بالبرهان، والإشعار بعظم السّخط، وذلك لأنّه تكليف شاقّ جامع بين كسر النّفس وإتعاب البدن وصرف المال والتّجرّد عن الشّهوات والإقبال على الله.
وفي من لا يحضره الفقيه(٨) : في وصيّة النّبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا علي، تارك الحجّ وهو مستطيع كافر، قال الله - تبارك وتعالى - :
__________________
(١) شرح فارسى مصباح الشريعة / ١٤٩ - ١٥٠.
(٢) المصدر: لم يفترض.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: لا سنّ.
(٥) المصدر: «في حلال وحرام ومناسك» بدل «سنّته في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه». وأشار المصحح - رحمه الله - في هامش المصدر بقوله: كذا في النسخة المشروحة. ولكن في البحار والمحجّة والمستدرك ونسخة مصطفوى: «ولا شرع نبيّهصلىاللهعليهوآله سنّته في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه». فليلاحظ.
(٦) المصدر: فصل.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) في من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٦٦.
( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) . يا عليّ، من سوّف الحّج حتّى يموت بعثه الله يوم القيامة يهوديّا أو نصرانيّا.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم البجليّ ومحمّد بن يحيى، عن العمركيّ بن عليّ جميعا، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسىعليهالسلام قال: إنّ الله - تعالى - فرض الحجّ على أهل الجدّة(٢) في كلّ عام، وذلك قوله - تعالى - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) .
قال: قلت: فمن لم يحجّ فقد كفر؟
قال: لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا، فقد كفر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي أسامة زيد الشّحّام(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [..]. قال: قلت: أرأيت قول الله:( وَمَنْ كَفَرَ ) أهو في الحجّ؟
قال: نعم(٥) ، قال: هو كفر النّعم. وقال: من ترك في خبر آخر قيل(٦) : وروي أنّه نزل صدر الآية، جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآله أرباب الملل فخطبهم، وقال: إنّ الله كتب عليكم الحجّ فحجّوا، فآمنت به ملّة واحدة وكفرت به خمس ملل، فنزل:( وَمَنْ كَفَرَ ) .
وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٨) وعبد الله بن الصّلت جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والصّوم، والولاية.
قال زرارة: فقلت: وأيّ [شيء](٩) من ذلك أفضل؟
__________________
(١) الكافي ٤ / ٢٦٥، ح ٥.
(٢) الجدة: الغنى والثّروة.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٩٣، ذيل حديث ١١٥.
(٤) النسخ: «ابن أسامة بن زيد». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. وهكذا في تفسير البرهان ١ / ٣٠٤.
وأيضا ر. تنقيح المقال، فصل الكنى، ٣ / ١.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ:( فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) بدل «أهو في الحجّ؟ قال: نعم».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٧٣.
(٧) الكافي ١ / ١٨ - ١٩، صدر حديث ٥.
(٨) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «عن» بدل «و».
(٩) من المصدر.
فقال: الولاية أفضل، لأنّها مفتاحهنّ، والوالي هو الدّليل عليهنّ.
قلت: ثمّ الّذي يلي ذلك في الفضل؟
فقال: الصّلاة، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: الصلاة عمود دينكم.
قال: قلت: ثمّ الّذي يليها في الفضل؟
قال: الزّكاة، لأنّه(١) قرنها [بها](٢) وبدأ بالصّلاة قبلها، وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الزّكاة تذهب الذّنوب.
قال: قلت: والّذي يليها في الفضل؟
قال: الحجّ، قال الله - عزّ وجلّ - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) .(٣) وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لحجّة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة، ومن طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه أسبوعه وأحسن ركعته غفر [الله](٤) له، وقال: في يوم عرفة ويوم المزدلفة ما قال.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي نهج البلاغة(٥) : قالعليهالسلام : جعله - سبحانه وتعالى - للإسلام علما، وللعائذين(٦) حرما، فرض حجّه، وأوجب حقّه(٧) ، وكتب عليكم وفادته، فقال - سبحانه - :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) ](٨)
( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) : السّمعيّة والعقليّة، الدّالّة على صدق محمّد فيما جاء به، من وجوب الحجّ وغيره.
وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب يدلّ على أنّ كفرهم أقبح، وأنّهم وإن زعموا أنّهم مؤمنون بالتّوراة والإنجيل فهم كافرون بهما، وإن الكفر ببعض كتاب كفر بكلّه، فالكفر بولاية عليّعليهالسلام كفر بجميع آيات الله. فافهم.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي الأصل: لأنها.
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل: «قال» بدل «و».
(٤) من المصدر.
(٥) نهج البلاغة / ٤٥، ذيل خطبة ١.
(٦) هكذا في المصدر. وفي الأصل: للعابدين.
(٧) هكذا في الأصل. وفي المصدر: «فرض حقّه وأوجب حجّه» بدل «فرض حجّه وأوجب حقّه».
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ) (٩٨): والحال أنّه شهيد مطّلع على أعمالكم واعتقاداتكم، فيجازيكم عليها، لا ينفعكم التّحريف والاستسرار.
( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ ) : تكرير الخطاب والاستفهام لزيادة التّقريع ونفي العذر لهم، وللإشعار بأنّ كلّ واحد من الأمرين مستقبح في نفسه، مستقلّ باستجلاب العذاب.
وسبيله، دينه الحقّ. المأمور بسلوكه، وهو الإسلام المرادف للإيمان.
قيل(١) : كانوا يفتنون المؤمنين ويحرشون بينهم، حتّى أتوا الأوس والخزرج، فذكّروهم ما بينهم في الجاهليّة من التّعادي والتّحارب، ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدّهم عنه.
( تَبْغُونَها عِوَجاً ) : حال من الواو، واللّام في المفعول الأوّل محذوف، أي: طالبين لسبيل الله اعوجاجا.
أو «عوجا» تمييز من النّسبّة إلى المفعول، أي: طالبين عوجها، بأن تلبسوا على النّاس، وتوهّموا أنّ فيه عوجا عن الحقّ، بمنع النّسخ وتغيير صفة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ونحوهما. أو بأن تحرشوا بين المؤمنين لتختلف كلمتهم، ويختلّ أمر دينهم.
( وَأَنْتُمْ شُهَداءُ ) : أنّها سبيل الله، والصّدّ عنها ضلال وإضلال، وأنتم عدول عند أهل ملّتكم، يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا.
( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (٩٩): وعيد لهم. ولـمـّا كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به، ختمها بقوله:( وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ) . وفي هذه الآية صدّهم المؤمنين عن الإسلام، وكانوا يخفونه ويحتالون فيه، قال:( وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ) (١٠٠)
قيل(٢) : نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسا يتحدّثون، فمرّ بهم شاس بن قيس اليهوديّ، فغاظه تآلفهم واجتماعهم، فأمر شابّا من اليهود أن يجلس إليهم، ويذكّرهم يوم بغاث(٣) ، وينشدهم بعض ما قيل فيه، وكان الظّفر في ذلك اليوم للأوس، ففعل ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٧٤.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) المصدر: بعاث.
فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السّلاح السّلاح، واجتمع من القبيلتين خلق عظيم، فتوجّه إليهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه. فقال: أتدعون الجاهليّة وأنا بين أظهركم، بعد إذ أكرمكم(١) الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهليّة، وألّف بين قلوبكم. فعلموا أنّها نزعة من الشّيطان وكيد من عدوّهم، فألقوا السّلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضا، وانصرفوا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله
وإنّما خاطبهم الله تعالى بنفسه بعد ما أمر الرّسولصلىاللهعليهوآله بأن يخاطب أهل الكتاب، إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنّهم هم الأحقّاء بأن يخاطبهم تعالى ويكلّمهم.
( وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ) : إنكار وتعجيب لكفرهم، في حال اجتمع لهم الأسباب الدّاعية إلى الإيمان، الصّادفة عن الكفر.
( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ ) : ومن يستمسك بدينه، أو يلتجئ إليه في مجامع أموره.
في كتاب الخصال(٢) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهنّ حيلة وسائر النّاس في قبضتي [..]. ومن اعتصم بالله عن نيّة صادقة، واتّكل عليه في جميع أموره كلّها
(الحديث)( فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١٠١): فقد اهتدى لا محالة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) : بإسناده إلى حسين الأشقر قال: قلت لهشام بن الحكم: ما معنى قولكم: إنّ الإمام لا يكون الّا معصوما؟
فقال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن ذلك.
فقال: المعصوم، هو الممتنع بالله من جميع محارم الله، وقال الله - تبارك وتعالى - :( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٤) .
وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن
__________________
(١) المصدر: أن أكرمكم.
(٢) الخصال / ٢٨٥، ٣٧. وللحديث ذيل.
(٣) معاني الأخبار / ١٣٢، ح ٢.
(٤) في هامش الأصل: الامام يجب أن يكون معصوما في جميع أقواله وأفعاله من أوّل العمر إلى آخره. لأنّه مخبر من الله ورسوله، فان كان غير معصوم سقط اعتباره من القلوب ولا يعتمد على قوله. (منه)
(٥) الكافي ٢ / ٦٥، ح ٤.
محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (١) قال: أيّما عبد أقبل قبل ما يحبّ الله - عزّ وجلّ - أقبل الله قبل ما يحبّ، ومن اعتصم بالله عصمه الله، ومن أقبل الله قبله وعصمه لم يبال لو سقطت السّماء على الأرض، ولو(٢) كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة كان في حرز(٣) الله بالتّقوى من كلّ بليّة، أليس الله - عزّ وجلّ - يقول:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ) ؟
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) : حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم.
أصله: وقية فقلبت واوها المضمومة تاء، كما في تؤدة وتخمة، والياء ألفا.
وفي مجمع البيان(٤) : وذكر في قوله:( حَقَّ تُقاتِهِ ) وجوه: ثالثها(٥) ، أنّه المجاهدة في الله وأن لا تأخذه [فيه](٦) لومة لائم، وأن يقام له بالقسط في الخوف والأمن، عن مجاهد. ثمّ اختلف فيه أيضا على قولين: أحدهما أنّه منسوخ بقوله:( فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السّلام(٧) -
وفي كتاب معاني الأخبار(٨) : بإسناده إلى أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ) قال: يطاع ولا يعصى(٩) ، ويذكر ولا ينسى(١٠) ، ويشكر ولا يكفر(١١) .
( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (١٠٢)، أي: ولا تكوننّ على حال، سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت. فإنّ النّهي عن المقيّد بحال وغيرها، قد يتوجّه بالذّات نحو الفعل تارة والقيد أخرى، وقد يتوجّه نحو المجموع، وكذلك النّفي.
وفي مجمع البيان(١٢) : وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام :( وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
__________________
(١) «عن أبي عبد الله - عليه السّلام» ليس في أ.
(٢) المصدر: «أو» بدل «ولو».
(٣) المصدر: حزب.
(٤) مجمع البيان ١ / ٤٨٢.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ثانيها.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: عن قتادة والربيع والسدي وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السّلام.
(٨) معاني الأخبار / ٢٤٠، ح ١.
(٩) المصدر: فلا يعصى.
(١٠) المصدر: فلا ينسى
(١١) المصدر: فلا يكفر.
(١٢) مجمع البيان ١ / ٤٨٢.
بالتّشديد، ومعناه: مستسلمون لما أتى [به](١) النّبيّصلىاللهعليهوآله ومنقادون له.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الحسين بن خالد قال: قال أبو الحسن الأوّلعليهالسلام لبعض أصحابه(٣) : كيف تقرأ هذه الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ما ذا؟
قلت: مسلمون.
فقال: سبحان الله، يوقع(٤) عليهم الإيمان فيسمّيهم(٥) مؤمنين، ثمّ يسألهم الإسلام، والإيمان فوق الإسلام.
قلت: هكذا يقرأ في قراءة زيد.
قال: إنّما هي في قراءة عليّعليهالسلام وهو التّنزيل الّذي نزل به جبرئيل على محمّدصلىاللهعليهوآله :( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ الإمام من بعده.
وفي كتاب المناقب(٦) لابن شهر آشوب: عن الباقرعليهالسلام في قراءة عليّعليهالسلام وهو التّنزيل الّذي نزل به جبرئيل على محمّدصلىاللهعليهوآله :( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) لرسول اللهصلىاللهعليهوآله والإمام بعده.
وفي عيون الأخبار(٧) : بإسناده إلى داود بن سليمان القارئ(٨) ، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين - عليهم السّلام - أنّه قال: الدّنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، والعلم كلّه حجّة إلّا ما عمل به، والعمل كلّه رياء إلّا ما كان مخلصا، والإخلاص على خطر حتّى ينظر العبد بما يختم له.
وفي نهج البلاغة(٩) : قالعليهالسلام : فبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل. فأنّه
__________________
(١) من المصدر.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٩٣، ح ١١٩.
(٣) «لبعض أصحابه» ليس في المصدر.
(٤) المصدر: توقع.
(٥) المصدر: فسمّيتهم.
(٦) لم نعثر عليه في المناقب. ولكن في تفسير العياشي ١ / ١٩٤، ذيل حديث ١١٩، إلّا أنّه عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام والموجود في المناقب ٣ / ٩٥: وعنه، أي: الباقرعليهالسلام في قوله( إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) لولاية عليّ - عليه السّلام. فراجع.
(٧) عيون أخبار الرضا ١ / ٢٨١، ح ٢٥.
(٨) المصدر: الغازي.
(٩) نهج البلاغة / ١٧١، ضمن خطبة ١١٤.
لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق، ما فات اليوم من الرّزق رجي غدا زيادته، وما فات أمس(١) من العمر لم ترج(٢) اليوم رجعته، الرّجاء مع الجائي واليأس مع الماضي. ف( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) : بدينه الإسلام، الّذي ملاكه الولاية، والكتاب استعارة تبعيّة، ووجه الشّبه التّمسّك به، فإنّ التّمسّك به سبب النّجاة عن الرّدى، كما أنّ التّمسّك بالحبل سبب السّلامة عن التّردّي، والاعتصام ترشيح للاستعارة.
( جَمِيعاً ) : مجتمعين عليه.
في أمالي شيخ الطّائفة - قدّس سرّه(٣) - : بإسناده إلى عمر بن راشد، عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - في قوله:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) ، قال [نحن الحبل.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن ابن يزيد قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قوله:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) .
قال :](٥) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حبل الله المتين.
وعن جابر(٦) عن أبي جعفرعليهالسلام قال: آل محمّد - عليهم السّلام - هم حبل الله الّذي أمر(٧) بالاعتصام به، فقال:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) .
وفي كتاب معاني الأخبار(٨) : بإسناده إلى موسى بن جعفر - عليهما السّلام - عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين(٩) - عليهم السّلام - قال: الإمام منّا لا يكون إلّا معصوما، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون إلّا منصوصا.
فقيل له: يا بن رسول الله، فما معنى المعصوم؟
فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة ،
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأمس.
(٢) المصدر: يرج.
(٣) أمالي الطوسي ١ / ٢٧٨، ذيل حديث.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٩٤، ح ١٢٢.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٢٣.
(٧) المصدر: أمرنا.
(٨) معاني الأخبار / ١٣٠، ح ١.
(٩) في نسخة ر بعد هذه العبارة: عن أبيه الحسين بن علي.
والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله - عزّ وجلّ(١) -( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) .
وفي مجمع البيان(٢) : روى أبو سعيد الخدريّ عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: أيّها النّاس، إنّي قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلّوا من(٣) بعدهما، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي.
[ألا](٤) وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ) ، قال: التّوحيد والولاية].(٦) ( وَلا تَفَرَّقُوا ) : أي: لا تتفرّقوا عن الحقّ، بوقوع الاختلاف بينكم، كأهل الكتاب. أو لا تتفرّقوا تفرّقكم الجاهليّ، يحارب بعضكم بعضا. أو لا تذكروا ما يوجب التّفرّق، ويزيل الألفة.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) :](٨) وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله تعالى:( وَلا تَفَرَّقُوا ) ، قال: إنّ الله - تبارك وتعالى - علم أنّهم سيفترقون بعد نبيّهم ويختلفون، فنهاهم عن التّفرق كما نهى من [كان](٩) قبلهم، فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمّد - صلّى الله عليهم - ولا يتفرّقوا.
[وفي شرح الآيات الباهرة(١٠) :](١١) وروى الشّيخ المفيد - رحمه الله - في [كتاب الغيبة](١٢) تأويل هذه الآية وهو من محاسن التّأويل، عن محمّد بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه قال: قال عليّ بن الحسين - صلوات الله عليهما - : كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذات يوم جالسا في المسجد، وأصحابه حوله، فقال لهم: يطلع عليكم رجل من أهل الجنّة يسأل عمّا يعنيه.
__________________
(١) الاسراء / ٩.
(٢) مجمع البيان ١ / ٤٨٢.
(٣) «من» ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٠٨.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) ليس في أ.
(٩) من المصدر.
(١٠) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٢.
(١١) ليس في أ.
(١٢) من المصدر.
قال: فطلع علينا رجل شبيه برجال مصر، فتقدّم وسلّم على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وجلس، وقال: يا رسول الله، إنّي سمعت الله يقول:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) فما هذا الحبل الّذي أمر الله بالاعتصام ولا نتفرّق عنه؟
قال: فأطرق ساعة، ثمّ رفع رأسه وأشار إلى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وقال: هذا حبل الله الّذي من تمسّك به عصم في دنياه ولم يضلّ في أخراه.
قال: فوثب الرّجل إلى عليّ بن أبي طالب واحتضنه(١) من وراء ظهره، وهو يقول: اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله، ثمّ قام فولّى وخرج. فقام(٢) رجل من النّاس فقال: يا رسول الله - صلّى الله عليك وأهلك(٣) - ألحقه وأسأله أن يستغفر لي؟
فقال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا تجده مرفقا.
قال: فلحقه الرّجل وسأله أن يستغفر له.
فقال له: هل فهمت ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله وما قلت له؟
قال الرّجل: نعم.
فقال له: إن كنت متمسّكا بذلك الحبل فغفر الله لك، وإلّا فلا غفر الله لك وتركه، ومضى.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٤) : قال: حدّثني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمّد بن مروان قال: حدّثنا أبو حفص الأعمش(٥) ، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جدّه - عليهم السّلام - قال: جاء رجل في صورة(٦) أعرابيّ إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، ما معنى( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ؟
فقال له النّبيّ: أنا نبيّ الله، وعليّ بن أبي طالب حبله. فخرج الأعرابي وهو
__________________
(١) المصدر: احتصّه.
(٢) «فولّى وخرج فقام» ليس في المصدر.
(٣) «وأهلك» ليس في المصدر. وفي أ: «وآلك». وهو الظاهر.
(٤) تفسير فرات / ١٤.
(٥) كذا في الأصل. وفي المصدر: «أبو حفض الأعمشى». والظاهر: «أبو حفض الأعشى». ر. تنقيح المقال، فصل الكنى، ٣ / ١٣ وجامع الرواة ٢ / ٣٧٩.
(٦) المصدر: هيئة.
يقول: آمنت بالله وبرسوله و [اعتصمت](١) وبحبله.
وقال(٢) : حدّثني محمّد بن الحسن بن إبراهيم معنعنا، عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - قال: كنت عند النّبيّصلىاللهعليهوآله فأقبل أعرابيّ فقال: يا رسول الله، قول الله(٣) في كتابه:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) فما حبل الله؟
فقال النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٤) - : يا أعرابيّ، أنا نبيّه وعليّ بن أبي طالب حبله. فخرج الأعرابيّ وهو يقول: آمنت بالله وبرسوله واعتصمت بحبله.
وقال(٥) : حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن جعفر بن محمّدعليهالسلام قال: بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالس في جماعة من أصحابه، إذ ورد عليه أعرابيّ فبرك(٦) بين يديه، فقال: يا رسول الله، إنّي سمعت الله يقول في كتابه:( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) فهذا(٧) الحبل الّذي أمرنا الله بالاعتصام به ما هو؟
قال: فضرب النّبيّصلىاللهعليهوآله يده على كتف عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فقال: ولاية هذا(٨) .
قال: فقال الأعرابيّ(٩) - وضبط بكفّيه وإصبعه(١٠) جميعا ثمّ قال - : أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله وأعتصم بحبل الله.
قال: وشدّ أصابعه.
وقال(١١) . حدّثني جعفر بن محمّد بن سعيد الاحمسىّ معنعنا، عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: نحن حبل الله الّذي: قال(١٢) :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل: ما قول الله.
(٤) المصدر: «قال» بدل «فقال النبي - صلّى الله عليه وآله».
(٥) نفس المصدر / ١٥.
(٦) الأصل: «يترك». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي الأصل: فما هذا.
(٨) المصدر: عليّ.
(٩) المصدر: «فقام» بدل «قال فقال»
(١٠) المصدر: «بإصبعيه» بدل «بكفيه وإصبعه».
(١١) نفس المصدر والموضع.
(١٢) المصدر: فيه.
[و](١) ولاية عليٍّعليهالسلام من(٢) استمسك به(٣) كان مؤمنا ومن تركها خرج من الإيمان](٤)
( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً ) : في الجاهليّة متقابلين.
( فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) بالإسلام،( فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) : متحابّين مجتمعين على الأخوّة في الله.
في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٥) : بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سليمان، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام عن الحارث بن نوفل قال: قال عليّعليهالسلام لرسول اللهصلىاللهعليهوآله : [يا رسول الله ،](٦) أمنّا الهداة أم غيرنا؟
قال: بل منّا الهداة إلى الله إلى يوم القيامة، بنا استنقذهم الله - عزّ وجلّ - من ضلالة الشّرك وبنا استنقذهم الله من ضلالة الفتنة، وبنا يصبحون إخوانا بعد ضلالة [الفتنة كما بنا أصبحوا إخوانا بعد ضلالة](٧) الشّرك، وبنا يختم الله، وبنا يفتح.
وقيل(٨) : كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين، فوقع بين أولادهما(٩) العداوة، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة، حتّى اطفأها الله - تعالى - بالإسلام، وألّف بينهم برسولهصلىاللهعليهوآله
( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ) ، أي: مشفين على الوقوع في نار جهنم، إذ لو أدرككم الموت في تلك الحالة لوقعتم فيها.
( فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) : بالإسلام.
والضّمير للحفرة، أو للنّار، أو للشّفا. وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه، أو لأنّه بمعنى: الشّفة، فإنّ شفاء البئر وشفتها طرفها، كالجانب والجانبة.
وأصله، شفو. فقلبت الواو في المذكّر، وحذف في المؤنّث.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في الأصل. وفي المصدر: «البر فمن» بدل «من».
(٣) المصدر: بها
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٣٠ - ٢٣١، ح ٣١.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في أ.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ١٧٥.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أولادهم.
وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله - تعالى - :( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) بمحمّد هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمّدصلىاللهعليهوآله
وبإسناده إلى أبي هارون المكفوف(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كان أبو عبد اللهعليهالسلام إذا ذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: بأبي وأمّي وقومي وعترتي وعشيرتي، عجب للعرب كيف لا تحملنا على رؤوسها، والله - عزّ وجلّ - يقول في كتابه:( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ. فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) ، فبرسول اللهصلىاللهعليهوآله أنقذوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي الحسن عليّ بن محمّد بن ميثم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: أبشروا بأعظم المنن عليكم، قول الله تعالى:( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) فالإنقاذ من الله هبة، والله لا يرجع في هبته.
وعن محمّد بن سليمان البصريّ الدّيلميّ(٤) ، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [في قوله :](٥) ( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) صلىاللهعليهوآله
( كَذلِكَ ) : مثل ذلك التبيين.
( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١٠٣): إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه.
( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) : «من» للتّبعيض، و «اللّام» للاستغراق، أي: وليكن بعضكم يدعون بكلّ خير، ويأمرون بكلّ معروف، وينهون عن كلّ منكر.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (١٠٤): المخصوصون بكمال الفلاح، لا حاجة لهم إلى داع يدعوهم إلى الخير وآمر يأمرهم بالمعروف وناه ينهاهم عن المنكر
__________________
(١) الكافي ٨ / ١٨٣، ح ٢٠٨.
(٢) نفس المصدر ٨ / ٢٦٦، ح ٣٨٨.
(٣) تفسير العياشي ١ / ١٩٤، ح ١٢٥.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٢٤.
(٥) من المصدر.
وفي لفظ «منكم» إشعار بأنّه غير النّبيّ، فيجب من دلالة الآية أن يكون أمّة غير النبيّصلىاللهعليهوآله يكون نفسه معصوما ويعلم كلّ خير وكلّ معروف وكلّ منكر، يدعو ويأمر وينهى.
وفي الكافي(١) : علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد(٢) ، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت أخبرني عن الدّعاء إلى الله والجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحلّ إلّا لهم ولا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد الله - عزّ وجلّ - وآمن برسولهصلىاللهعليهوآله ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله - عزّ وجلّ - وإلى طاعته وأن يجاهد في سبيله؟
فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، ولا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.
قلت: من أولئك؟
قال: من قام بشرائط الله في القتال والجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدّعاء إلى الله تعالى ومن لم يكن قائما بشرائط الله في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد ولا الدّعاء إلى الله، حتّى يحكم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد(٣) - إلى أن قالعليهالسلام : ومن كان على خلاف ذلك، فهو ظالم وليس من المظلومين وليس بمأذون له في القتال ولا بالنّهي عن المنكر والأمر بالمعروف، لأنّه ليس من أهل ذلك ولا مأذون له في الدّعاء إلى الله - تعالى - لأنّه ليس يجاهد مثله وأمر بدعائه إلى الله، ولا يكون مجاهدا من قد أمر المؤمنين بجهاده وحظر الجهاد عليه ومنعه منه، ولا يكون داعيا إلى الله - تعالى - من أمر بدعاء مثله إلى التّوبة والحقّ والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ولا يأمر بالمعروف من قد أمر أن يؤمر به ولا ينهى عن المنكر من قد أمر أن ينهى عنه(٤) .
وفي هذا الحديث يقولعليهالسلام : ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه فقال:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) . ثمّ أخبر عن هذه الأمّة [وممّن](٥) هي، وإنّها من ذرّيّة
__________________
(١) الكافي ٥ / ١٣ - ١٩، ح ١، مقاطع منه.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «القاسم بن يزيد». ر. رجال النجاشي / ٣١٢، رقم ٨٥٧.
(٣) إلى هنا يوجد في المصدر، في ص ١٣.
(٤) إلى هنا يوجد في المصدر، في ص ١٧ - ١٨.
(٥) ليس في أ.
إبراهيمعليهالسلام [ومن ذرّيّة إسماعيل ،](١) من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ، الّذين وجبت لهم الدّعوة دعوة إبراهيم وإسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه، أنّه أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمّة محمّد(٢) صلىاللهعليهوآله الّذين عناهم الله في قوله(٣) ( أَدْعُوا إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ، يعني: من اتّبعه على الإيمان به والتّصديق له و(٤) بما جاء به من عند الله تعالى من الأمّة الّتي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق، ممّن لم يشرك بالله قطّ ولم يلبس إيمانه بظلم، وهو الشّرك(٥) .
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول، وسئل عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: أواجب هو على الأمّة جميعا؟
فقال: لا.
فقيل [له :](٧) ولم؟
قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضّعيف الّذي لا يهتدي(٨) سبيلا إلى أيّ من أي، يقول من الحقّ إلى الباطل(٩) ، والدّليل على ذلك كتاب الله تعالى قوله:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) ، فهذا خاصّ غير عامّ، كما قال الله تعالى(١٠) :( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) .
ولم يقل على أمّة موسى ولا على [كلّ](١١) قومه، وهم يومئذ أمم مختلفة والأمّة واحد(١٢) فصاعدا، كما قال الله تعالى(١٣) :( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ) يقول: مطيعا لله.
والحديث طويل ،
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) المصدر: أمّة إبراهيم - عليه السّلام.
(٣) يوسف / ١٠٨.
(٤) «و» ليس في المصدر.
(٥) إلى هنا يوجد في المصدر، في ص ١٣ - ١٤.
(٦) نفس المصدر ٥ / ٥٩، ح ١٦. وللحديث تتمة.
(٧ و ١١) من المصدر.
(٨) النسخ: «الضعفة الذين لا يهتدون» بدل «الضعيف الذي لا يهتدى». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «إلى الحق من الباطل» بدل «من الحق إلى الباطل».
(١٠) الاعراف / ١٥٩.
(١٢) هكذا في ر. وفي المصدر وسائر النسخ: واحدة.
(١٣) النحل / ١٣٠.
أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ ) فهذه لآل محمّد ومن تابعهم، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن يعقوب بن يزيد، بإسناده رفعه إلى أبي جعفرعليهالسلام قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، خلقان من خلق الله تعالى فمن نصرهما أعزّه الله، ومن خذلهما خذله الله تعالى.
وفي نهج البلاغة(٣) : قالعليهالسلام : انهوا عن المنكر وتناهوا عنه، فإنّما أمرتم بالنّهي بعد التّناهي.
وفيه(٤) : لعن الله الآمرين بالمعروف التّاركين له، والنّاهين عن المنكر العاملين به.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: في قوله تعالى:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) .
قال: في هذه الآية تكفير أهل القبلة بالمعاصي، لأنّه من لم يكن يدعو إلى الخيرات ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من المسلمين فليس من الأمة الّتي وصفها الله، لأنّكم تزعمون أنّ جميع المسلمين من أمّة محمّد، وقد بدت هذه الآية وقد وصفت أمّة محمّد بالدّعاء إلى الخيرات(٦) والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومن لم يوجد فيه الصّفة الّتي وصفت بها فكيف يكون من الأمّة، وهو على خلاف ما شرطه الله على الأمّة ووصفها به؟] واعلم، أنّ الدّاعي إلى كلّ خير، والآمر بكلّ معروف، والنّاهي عن كلّ منكر، لا يكون إلّا معصوما وعالما بكلّ خير ومعروف ومنكر، ويجب وجوده ونصبه في كلّ زمان على الله تعالى إذ لا يمكن لأحد العلم بعصمة أحد إلّا من طريق النّصّ، وأمّا الأمر بمعروف علم من الشّرع كونه معروفا، والنّهي عن منكر علم من الشّرع كونه منكرا، فيجب على كلّ من يقدر عليه كفاية.
وفي بعض الأخبار السّابقة دلالة عليه.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) الخصال / ٤٢، ح ٣٢.
(٣) نهج البلاغة / ١٥٢، ضمن خطبة ١٠٥.
(٤) نفس المصدر / ١٨٨، ضمن خطبه ١٢٩.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٩٥، ح ١٢٧.
(٦) المصدر. «الخير». وهو الظاهر.
وفي التّهذيب(١) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: لا يزال النّاس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ [والتّقوى](٢) ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السّماء.
وفي الكافي والتّهذيب(٣) : عن الباقرعليهالسلام قال: يكون في آخر الزّمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤون يتقرّءون ويتنسّكون، حدثاء سفهاء لا يوجبون أمرا بمعروف ولا نهيا عن منكر، إلّا إذا أمنوا الضّرر يطلبون لأنفسهم الرّخص والمعاذير، يتّبعون زلّات العلماء وفساد علمهم(٤) ، يقبلون على الصّلاة والصّيام وما لا يكلمهم في نفس ولا مال، ولو أخّرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى(٥) الفرائض وأشرفها.
إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض. هنالك يتمّ غضب الله عليهم فيعمّهم(٦) بعقابه، فيهلك الأبرار في دار الفجّار، والصّغار في دار الكبار. إنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصّالحين(٧) ، فريضة عظيمة، بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الأرض وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر.
فأنكروا بقلوبكم وألفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا فلا سبيل عليهم،( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ، هنالك فجاهدوهم بأبدانكم وأبغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطانا ولا باغين مالا ولا مريدين بظلم(٨) ظفرا، حتّى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته.
قال أبو جعفر - عليه السّلام(٩) - : وأوحى الله إلى شعيب النّبيّ: إنّي معذّب من
__________________
(١) التهذيب ٦ / ١٨١، ح ٣٧٣.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٥ / ٥٥، ح ١ والتهذيب ٦ / ١٨٠، ح ٣٧٢.
(٤) الكافي: عملهم.
(٥) التهذيب: أتم.
(٦) هكذا في أ، فقط. وفي المصدرين والنسختين الأصل ور: فيعمهم. أ: فيعمّيهم.
(٧) الكافي: منهاج الصلحاء.
(٨) النسخ والتهذيب: «بالظلم». وما أثبتناه في المتن موافق «الكافي».
(٩) «قال أبو جعفرعليهالسلام » ليس في الكافي.
قومك مائة ألف، أربعين ألفا من شرارهم، وستّين ألفا من خيارهم.
فقال: يا ربّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟
فأوحى الله - عزّ وجلّ - إليه: إنّهم(١) داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي.
[وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: ولتكن منكم أئمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. صدق الله ورسوله، لأنّ هذه الصّفات من صفات الأئمّة - صلوات الله عليهم - لأنّهم معصومون، والمعصوم لا يأمر بطاعة إلّا وقد ائتمر بها ولا ينهى عن معصية إلّا وقد انتهى عنها، كما قال أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وآله - : والله ما أمرتكم بطاعة إلّا وقد ائتمرت بها، ولا نهيتكم عن معصية إلّا وقد انتهيت عنها].(٣)
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ) : كاليهود والنّصارى اختلفوا في التّوحيد والتّنزيه وأحوال الآخرة.
( مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) : في موضع الحال، من فاعل الفعل السّابق، وهي الآيات والحجج المبيّنة للحقّ الموجبة للاتّفاق عليه.
وفي الآية دلالة على كفر من اختلف وتفرّق عن الحقّ بعد مجيء البيّنة.
وفي عطف «اختلفوا» على «تفرّقوا» دلالة على أنّ الاختلاف إذا كان بحيث يوجب التّفرّق، يوجب ذلك لا مطلقا، كاختلاف الشيعة في بعض الفروع.
( وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (١٠٥): وعيد للّذين تفرّقوا، وتهديد على التّشبّه بهم.
( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) : نصب بما في «لهم» من معنى الفعل، أو بإضمار «اذكر.» وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السّرور وكآبة الخوف.
وقيل(٤) : يوسم أهل الحقّ ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النّور بين يديه وبيمينه، وأهل الباطل بأضداد ذلك. وفي الأخبار دلالة على ذلك.
__________________
(١) ليس في الكافي.
(٢) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٢.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٧٦.
( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) ، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
والهمزة، للتّوبيخ والتّعجّب من حالهم.
في مجمع البيان(١) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام : أنّهم أهل البدع والأهواء والآراء الباطلة من هذه الأمّة».
وعن الثّعلبيّ في تفسيره(٢) ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: والّذي نفسي بيده، ليرد(٣) عليّ الحوض ممّن صحبني أقوام، حتّى إذا رأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولنّ: أصحابي أصحابي(٤) .
فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك(٥) ، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى.
( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) : أمر إهانة.
( بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) (١٠٦): بسبب كفرهم.
( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ ) ، يعني: الجنّة والثّواب المخلّد.
عبّر عن ذلك بالرّحمة، تنبيها على أنّ المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله لا يدخل الجنّة إلّا برحمته وفضله.
قيل(٦) : كان حقّ التّرتيب أن يقدّم ذكرهم، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم.
( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (١٠٧): أخرجه مخرج الاستئناف للتّأكيد، كأنّه قيل: كيف يكونون فيها؟
فقال: هم فيها خالدون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الجارود، عن عمران بن هيثم، عن مالك بن ضمرة(٨) ، عن أبي ذرّ - رحمه الله - قال: لـمّا نزلت هذه
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٤٨٥.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أ: ليردنّ.
(٤) ر: «أصيحابي، أصيحابي» المصدر: «أصحابي، أصحابي، أصحابي».
(٥) المصدر: بعد إيمانهم.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٧٦.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٠٩.
(٨) النسخ: «مالك بن أبي حمزة». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. ر. تنقيح المقال، من أبواب ميم ،
الآية:( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يرد عليّ أمّتي يوم القيامة على خمس رايات: فراية مع عجل هذه الأمّة فأسألهم: ما فعلتم بالثّقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفناه ونبذناه وراء ظهورنا، وأمّا الأصغر فعاديناه وأبغضناه وظلمناه. فأقول: ردوا النّار ظلماء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ ترد عليّ راية مع فرعون هذه الأمّة فأقول لهم: ما فعلتم بالثّقلين من بعدي؟
فيقولون: أمّا الأكبر فحرّفناه ومزّقناه وخالفناه، وأمّا الأصغر فعاديناه وقاتلناه. فأقول: ردوا النّار ظماء مظمئين مسودة وجوهكم.
ثمّ ترد عليّ راية مع سامريّ هذه الأمّة، فأقول لهم: ما فعلتم بالثّقلين من بعدي؟
فيقولون: أمّا الأكبر فعصينا(١) وتركناه(٢) ، وأمّا الأصغر فخذلناه وضيّعناه(٣) [وصنعنا به كلّ قبيح].(٤) فأقول: ردوا النّار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ ترد عليّ راية ذي الثّدية مع أوّل الخوارج وآخرهم، فأسألهم، ما فعلتم بالثّقلين من بعدي؟ فيقولون أمّا الأكبر فمزّقناه(٥) وبرئنا منه، وأمّا الأصغر فقاتلناه وقتلناه(٦) . فأقول: ردوا النّار ظماء مظمئين مسودّة وجوهكم.
ثمّ ترد عليّ راية مع إمام المتّقين وسيدّ الوصيّين(٧) وقائد الغرّ المحجّلين ووصيّ رسول ربّ العالمين، فأقول لهم: ما فعلتم بالثّقلين من بعدي؟ فيقولون: أمّا الأكبر فاتّبعناه وأطعناه(٨) ، وأمّا الأصغر فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتّى أهرقت فيهم(٩) دماؤنا.
__________________
ـ ٢ / ٥١.
(١) هكذا في المصدر والنسخ. ولعل الصواب: فعصيناه.
(٢) هكذا في ر، فقط. وفي المصدر والنسختين الآخر: تركنا.
(٣) الأصل وأ: فخذلنا وضيّعنا.
(٤) من المصدر.
(٥) النسخ: «فمزقنا». المصدر: «ففرقناه» وفيه: (فمزّقناه. ظ.)
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فقاتلنا وقتلنا.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: سيد المسلمين.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فاتبعنا وأطعنا.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فحببنا وولينا ونصرنا حتى أهريقت فيه» بدل «فأحببناه وواليناه ووازرناه ونصرناه حتى أهرقت فيهم».
فأقول: ردوا الجنّة رواء(١) مرويّين مبيضّة وجوهكم. ثمّ تلا رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ) - إلى قوله(٢) -( خالِدُونَ ) .
وفي روضة الكافي(٣) : خطبة لأمير المؤمنينعليهالسلام وهي خطبة الوسيلة، يقول فيهاعليهالسلام : وعن يسار الوسيلة عن يسار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ظلّة يأتي منها النّداء: يا أهل الموقف، طوبى لمن أحبّ الوصيّ وآمن بالنّبيّ الأمّيّ، والّذي له الملك الأعلى لا فاز أحد ولا نال الرّوح والجنّة إلّا من لقي خالقه بالإخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين، ويا أهل الانحراف والصّدود عن الله - عزّ ذكره - ورسوله وصراطه وأعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربّكم جزاء بما كنتم تعلمون.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) : بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله في حديث طويل، يذكر فيه الوسيلة ومنزلة عليّعليهالسلام يقول فيهصلىاللهعليهوآله فيأتي النّداء من عند الله - عزّ وجلّ - يسمع النّبيّين وجميع الخلق: هذا حبيبي محمّد وهذا وليّي عليّ، طوبى لمن أحبّه وويل لمن أبغضه وكذّب عليه.
قال النّبيّصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ فلا يبقى يومئذ في مشهد القيامة أحد يحبّك إلّا استروح إلى هذا الكلام وابيضّ وجهه وفرح قلبه، ولا يبقى أحد ممّن عاداك أو نصب لك حربا أو جحد لك حقّا إلّا اسودّ وجهه واضطربت قدماه.
( تِلْكَ آياتُ اللهِ ) : الواردة في وعده ووعيده.
( نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ ) : متلبّسة بالحقّ، لا شبهة فيها.
( وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ) (١٠٨): إذ يستحيل منه الظّلم، إذ فاعل الظّلم إمّا جاهل بقبحه أو محتاج إلى فعله، وتعالى الله عن الجهل والحاجة.
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : ملكا وملكا وخلقا.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: رواة.
(٢) في المصدر ذكر الآية بأكملها بدل «إلى قومه».
(٣) الكافي ٨ / ٢٥، ضمن حديث ٤.
(٤) علل الشرائع / ١٦٥، ضمن حديث ٦.
( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) (١٠٩) :
فيجازي كلا بما وعده وأوعده.
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) «كان» مجرّدة عن الزّمان، وتعمّ الأزمنة غير متخصّص بالماضي، كقوله تعالى(١) :( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) .
وقيل(٢) : كنتم في علم الله، أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمين.
( أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) : أظهرت لهم، أي: لإشفاعهم. والمراد الأئمّة - عليهم السّلام -
( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) : استئناف، بيّن به كونهم خبر أمّة. أو خبر ثان «لكنتم» أو حال.
( وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) : يتضمّن الإيمان بكلّ ما يجب أن يؤمن به، لأنّ الإيمان به إنّما يحقّ ويعتدّ به إذا حصل الإيمان بكلّ ما أمر أن يؤمن به. وإنّما أخره وحقّه أن يقدّم، لأنّه قصد بذكره الدّلالة على أنّهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، إيمانا بالله، وتصديقا به، وإظهارا لدينه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله - عليه السّلام(٤) - قال: قرأت على(٥) أبي عبد اللهعليهالسلام :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ](٦) فقال: أبو عبد اللهعليهالسلام : خير أمّة يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابني عليّ(٧) - عليهم السّلام - ؟
فقال القارئ: جعلت فداك، كيف نزلت؟
فقال: نزلت خير أئمّة أخرجت للنّاس [ألا ترى مدح الله لهم](٨)
__________________
(١) النساء / ٩٦ و ١٠٠ و ١٥٢ وفي سائر السور، أيضا، موجود.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٧٦.
(٣) تفسير القمي ١ / ١١٠.
(٤) «عن أبي عبد الله - عليه السلام - » ليس في المصدر.
(٥) المصدر: «قرئت عند» بدل «قرأت على». وما أثبتناه في المتن موافق النسخ.
(٦) من المصدر.
(٧) «ابني علي» ليس في المصدر.
(٨) ليس في أ.
( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) ؟
وروى العيّاشيّ(١) عنهعليهالسلام قال: في قراءة عليّعليهالسلام : كنتم خير أئمّة أخرجت للنّاس.
قال: هم آل محمّدصلىاللهعليهوآله
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : أبو بصير عنهعليهالسلام قال: قال: إنّما نزلت هذه الآية على محمّدصلىاللهعليهوآله فيه وفي الأوصياء خاصّة، فقال: «كنتم خير أئمّة(٣) أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» هكذا والله نزل بها جبرئيل، وما عنى بها إلّا محمّدا وأوصياءه - عليهم السّلام -
وعن أبي عمرو الزّبيريّ(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) .
قال: يعني الأمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيمعليهالسلام فهم الأمّة الّتي بعث الله فيها ومنها وإليها، وهم الأمّة الوسطى، وهم خير أمّة أخرجت للنّاس.
وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب(٥) : وقرأ الباقرعليهالسلام : أنتم خير أمّة أخرجت للنّاس «بالألف» إلى آخر الآية، نزل بها جبرئيل وما عنى بها إلّا محمّدا وعليّا والأوصياء من ولده - عليهم السّلام -
والجمع بين الأخبار، بأنّ المراد بأنّ «أئمّة» نزلت، أي: بهذا المعنى نزلت.
قال البيضاويّ(٦) : واستدلّ بهذه الآية على أنّ الإجماع حجّة، لأنّها تقتضي كونهم آمرين بكلّ معروف وناهين عن كلّ منكر، إذ «اللّام» فيهما للاستغراق، فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك.
وفيه: أنّه إن أراد أنّ إجماع كلّ الأمّة بحيث لا يشذّ عنه أحد حجّة، فهذا ممّا لا نزاع لأحد فيه، وحجّيّته حينئذ باعتبار دخول المعصوم فيه، إذ لا يخلو كلّ الأمّة عن المعصوم. وإن أراد أنّ إجماع جماعة من الأمّة على شيء حجّة، فإن خصّصهم بمن يكون
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٩٥، ح ١٢٨.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٩٥، ح ١٢٩.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أمّة.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٠.
(٥) لم نعثر عليه في المناقب. ولكن نقل عنه في البحار ٢٤ / ١٥٥، ح ١٢.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٧٦.
المعصوم داخلا فيهم فلا نزاع أيضا فيه. وإن أراد إجماع جماعة أيّ جماعة كانوا فلا دلالة في الآية عليه، إذ لا دلالة فيها على أنّ كلّ جماعة من الأمّة كلّ ما يأمرون به معروف، إذ كون «اللّام» للاستغراق لا يفيد إلّا أن يأمر به الكلّ معروف وأنّ ما ينهى عنه الكلّ منكر، ولا يفيد أنّ ما يؤمر به كلّ أحد أو كلّ جماعة معروف وأنّ كلّ ما ينهى عنه كلّ أحد أو كلّ جماعة منكر.
( وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ ) : بمحمّدصلىاللهعليهوآله وما جاء به.
( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) : ممّا هم عليه.
( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ) : كعبد الله بن سلام وأصحابه.
( وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) (١١٠): المتمرّدون في الكفر. وهذه الجملة معترضة، ولذا لم تعطف على الشّرطيّة قبلها.
( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ) : أي: ضررا يسيرا، كطعن وتهديد. وهذه أيضا معترضة أخرى، ولم تعطف على الأولى لبعد بينهما، وكون كلّ منهما نوعا آخر من الكلام.
( وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ) : ينهزموا ولا يضرّوكم بقتل وأسر،( ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) (١١١): ثمّ لا يكون أحد ينصرهم عليكم، أو يدفع بأسكم عنهم.
وقرئ «لا ينصروا» عطف على «يولّوا» على أنّ «ثمّ» للتّراخي في المرتبة، فيكون عدم النّصر مقيّدا بقتالهم(١) . وكان الأمر كذلك، إذ كان كذلك حال قريظة والنّضير وبني قينقاع ويهود خيبر.
( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) : تمثيل، أي: أحاطت بهم إحاطة البيت المضروب على أهله.
والذّلّة، هدر النّفس والمال والأهل، أو ذلّة التّمسّك بالباطل والجزية أو كليهما.
( أَيْنَما ثُقِفُوا ) : وجدوا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) :( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا ) قال: إنّها نزلت في الّذين غصبوا حقوق آل محمّد - عليهم السّلام -
( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) : استثناء من أعمّ عامّ الأحوال، أي :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٧٧.
(٢) لم نعثر عليه في تفسير القمي. ولكن في تأويل الآيات الباهرة (مخطوط، ص ٤٤) نقل عنه.
ضربت عليهم الذّلّة في عامّة الأحوال، إلّا في حال اعتصامهم أو تلبّسهم بحبل الله وحبل من النّاس.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عدّة من أصحابنا رفعوه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله:( إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) .
قال: الحبل من الله كتاب الله، والحبل من النّاس [هو](٢) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
وفي كتاب نهج الإمامة(٣) : روى أبو عبد الله الحسين بن جبير - صاحب كتاب النّخب(٤) - حديثا مسندا إلى أبي جعفر الباقرعليهالسلام في قوله:( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) .
قال: حبل من الله كتاب الله، وحبل من النّاس عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
( وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) : رجعوا به، مستوجبين له.
( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ) : واليهود في غالب الأمر مساكين فقراء.
( ذلِكَ ) ، أي: عدم إيمانهم المشار إليه بقوله:( وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ) ، العلّة لضرب الذّلّة والمسكنة عليهم.
وقيل(٥) : إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذّلّة والمسكنة والبوء بالغضب.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ١٩٦، ح ١٣١.
(٢) من المصدر.
(٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٤.
و «نهج الامامة» هذا هو «نهج الايمان» في الامامة والمناقب، للشيخ علي بن يوسف الشهير بابن جبير وسبط ابن جبير. رتّبه في ٤٨ فصلا. جمعه المؤلّف من ألف كتاب كما صرّح به في أوّله. وابن جبير هذا حفيد ابن جبير صاحب «نخب المناقب». (ر. الذريعة ٢٤ / ٤١١)
(٤) «نخب المناقب لآل أبي طالب» منتخب من «مناقب آل أبي طالب» تصنيف محمد بن علي بن شهر آشوب. والناخب هو أبو عبد الله الحسين بن جبير تلميذ نجيب الدين علي بن فرج الذي كان تلميذ ابن شهر آشوب المؤلف. وابن جبير هذا هو جدّ علىّ بن يوسف المعروف بسبط ابن جبير ومؤلّف «نهج الإيمان»، والذي ينقل في عدّة فصول منه عن كتاب جدّه «نخب المناقب» هذا مصرّحا بأنّ مؤلفه جده. (ر. الذريعة ٢٤ / ٨٨)
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٧٧.
( بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) ، أي: اعتياد سابقهم صار سببا لذلك الآن.
( وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) : والتّقيّد به، مع أنّه لا يكون إلّا كذلك، للدّلالة على أنّه لم يكن حقّا بحسب اعتقادهم أيضا. أو للدّلالة على أنّ القتل إنّما يكون قبيحا إذا كان بغير حقّ، ولو كان بالحقّ وعلى الحقّ فليس بقبيح، ولو فرض قتل النّبيّ بهذه الصّفة لإزالة ما يختلج في صدورهم من قتل النّبيّصلىاللهعليهوآله النّاس على اتباع الحقّ.
( ذلِكَ ) : أي: الكفر والقتل،( بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) (١١٢): بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله. فإنّ الإصرار على الصّغائر يقضي إلى الكبائر، والاستمرار عليها يؤدّي إلى الكفر.
وقيل(١) : إنّ معناه: أنّ ضرب الذّلّة في الدّنيا واستيجاب العذاب(٢) في الآخرة كما هو مسبب(٣) بكفرهم وقتلهم، فهو مسبّب عن عصيانهم واعتدائهم، من حيث أنّهم مخاطبون بالفروع، أيضا.
وفي أصول الكافي(٤) : يونس، عن ابن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وتلا هذه الآية:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ) (الآية(٥) ).
قال: والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأخذوا عليها فقتلوا، فصار [قتلا و](٦) اعتداء ومعصية.
( لَيْسُوا سَواءً ) : في المساءة والحسنة. والضمير لأهل الكتاب( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ) : استئناف لبيان نفي الاستواء.
والقائمة: المستقيمة العادلة. من أقمت العود، فقام. وهم الّذين أسلموا منهم، ووضع المظهر موضع المضمر تنبيها على أنّ كونهم من أهل الكتاب لا يصير سبب ما صيّروه سببا له، بل سبب الانقياد والإسلام كما فعله أضرابهم.
( يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) (١١٣): يتلون القرآن في تهجّدهم، عبّر عنه بالتّلاوة في ساعات اللّيل مع السّجود ليكون أبين وأبلغ في المدح.
وقيل(٧) : المراد صلاة العشاء، لأنّ أهل الكتاب لا يصلّونها.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المصدر: الغضب.
(٣) المصدر: معلّل.
(٤) الكافي ٢ / ٣٧١، ح ٦.
(٥) ذكر في المصدر الآية بطولها بدل (الآية)
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٧٧.
وفي كتاب الخصال(١) : عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا حسد إلّا في اثنين: رجل أتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء اللّيل وأطراف(٢) النّهار، ورجل أتاه الله القرآن فهو يقوم [به](٣) آناء اللّيل وآناء النّهار.
( يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) : صفات أخر «لأمّة» وصفهم بصفات ليست في اليهود. فإنهم منحرفون عن الحقّ، غير متعبّدين باللّيل، مشركون بالله، ملحدون في صفاته، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب، متباطئون في الخيرات.
( وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (١١٤)، أي: الموصوفون بتلك الصّفات ممّن صلحت أحوالهم عند الله، واستحقّوا رضاه وثناءه.
( وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) : فلن يضيع، ولا ينقص ثوابه. سمّي ذلك كفرانا، كما سمّي توفية الثّواب شكرا. وتعديته إلى المفعولين لتضمّنه معنى الحرمان.
وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ( وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) بالياء، والباقون بالتّاء(٤) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: إنّ المؤمن مكفر، وذلك أنّ معروفه يصعد إلى الله فلا ينتشر في النّاس، والكافر مشهور وذلك أنّ معروفه للنّاس ينتشر في النّاس ولا يصعد إلى السّماء.
وبإسناده إلى السّكونيّ(٦) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يد الله - عزّ وجلّ - فوق رؤوس المكفرين ترفرف بالرّحمة.
أخبرني عليّ بن حاتم(٧) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل قال: حدّثني الحسين بن موسى، عن أبيه، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه عن
__________________
(١) الخصال / ٧٦، ح ١١٩.
(٢) المصدر: آناء.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٧٨.
(٥) علل الشرائع / ٥٦٠، ح ١.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن على بن أبي طالب - عليهم السّلام - قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله مكفرا لا يشكر معروفه(١) ، ولقد كان معروفه على القرشيّ والعربىّ والعجميّ، ومن كان أعظم معروفا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله على هذا الخلق، وكذلك نحن أهل [البيت](٢) مكفرون لا يشكر معروفنا(٣) ، وخيار المؤمنين مكفرون لا يشكر معروفهم.
فما في الآية من أنّ ما تفعلوا من خير فلن تكفروه، بمعنى، ترك الجزاء على الخير كما بيّن، وإلّا فالخير من المؤمنين مكفر كما في الخبر.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) (١١٥): بشارة لهم، وإشعار بأنّ التّقوى مبدأ الخير وحسن العمل.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) : من النّفع، أو شيئا من الغناء. وهو بالفتح، بمعنى: النّفع. فيكون مصدرا.
وقيل(٤) : من العذاب، وهو يصحّ بتضمين معنى الإبعاد.
( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ) : ملازموها.
( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (١١٦): وعيد لهم.
( مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ ) : ما ينفق الكفرة قربة، أو مفاخرة وسمعة. والمنافقون رياء، وخوفا.
( فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ) ، أي: لأجلها،( كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ) : برد شديد والشّائع إطلاقه للرّيح الباردة كالصّرصر. فهو في الأصل مصدر نعت به، أو نعت وصف به البرد للمبالغة، كقولك: برد بارد.
( أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بالكفر والمعاصي.
( فَأَهْلَكَتْهُ ) : عقوبة لهم، لأنّ إهلاك من سخط أشدّ. والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه، بحرث كفّار ضربته صرّ فاستأصلته، ولم يبق لهم منفعة في الدّنيا والآخرة. وهو من التّشبيه المركّب، ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التّشبيه بالرّيح دون الحرث. ويجوز أن يقدّر، كمثل مهلك ريح، وهو الحرث.
__________________
(١) المصدر: معروف.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: «لا يشكروننا» بدل «لا يشكر معروفنا».
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٧٨.
( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ ) ، كانوا،( أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١١٧)، أي: ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم، ولكنّهم ظلموا [أنفسهم لـمّا لم ينفقوها بحيث يعتدّ بها. أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه، ولكنّهم ظلموا](١) أنفسهم بارتكاب ما استحقّوا به العقوبة. أو ما ظلم المنفقين وأصحاب الحرث كليهما، ولكنّهم ظلموا أنفسهم.
وقرئ: ولكنّ، أي: ولكنّ أنفسهم يظلمونها. ولا يجوز أن يقدّر ضمير الشّأن، لأنّه لا يحذف إلّا في الشّعر، كقوله :
ولكنّ من يبصر جفونك يعشق(٢)
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً ) : وليجة، وهو الّذي يعرّفه الرّجل أسراره ثقة به. شبّه ببطانة الثّوب، كما شبّه بالشّعار في قولهعليهالسلام : الأنصار والنّاس دثار.
( مِنْ دُونِكُمْ ) : من دون المسلمين. وهو متعلّق «بلا تتّخذوا» أو بمحذوف هو صفة بطانة: أي: بطانة كائنة من دونكم. أو حالا عن بطانة إن جوّز تنكير ذي الحال.
( لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً ) ، أي: لا يقصّرون لكم في الفساد.
والألو، التّقصير. وأصله أن يعدّى بالحرف، ثمّ عدّي إلى مفعولين، كقوله: لا آلوك نصحا. على تضمين معنى المنع، أو النّقص.
( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ) : تمنّوا عنتكم، وهو شدّة الضّرّ والمشقّة. و «ما» مصدريّة.
( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ) ، أي: في كلامهم، لأنّهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بعضهم.
( وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) مما بدا لأنّ بدوه ليس عن رؤية واختيار( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ ) الدّالّة على وجوب الإخلاص وهو موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) (١١٨): ما بيّن لكم، أو كنتم من أهل العقل والفهم.
والجمل الأربع مستأنفات على التّعليل، ويجوز أن يكون الثّلاث الأوّل صفات «لبطانة». وحينئذ فالأنسب أن تكون الرّابعة حالا من الضّمير المضاف إليه «للأفواه(٣) ».
__________________
(١) ما بين المعقوفتين فقط في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٧٨.
(٣) كذا في النسخ ولعلّ الصواب: لأفواه.
( ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ ) ، أي: أنتم أولاء الخاطئون(١) في موالاة الكفّار، وتحبّونهم ولا يحبّونكم. بيان لخطأهم في موالاتهم، أو هو خبر ثان، أو خبر «لأولاء» والجملة خبر «أنتم» كقولك: أنت زيد تحبّه. أو صلته، أو حال والعامل فيها معنى الإشارة.
ويجوز أن ينتصب بفعل يفسّره ما بعده، وتكون الجملة خبرا.
( وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ ) : بجنس الكتاب،( كُلِّهِ ) : كتابكم وكتابهم، معطوف على ما قبله.
وقيل(٢) : حال من «لا يحبّونكم» والمعنى: أنّهم لا يحبّونكم والحال أنّكم تؤمنون(٣) ، بكتابهم أيضا [فما بالكم تحبّونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم؟ وفيه توبيخ، بأنّهم في باطلهم أصلب منكم في حقّكم. ويحتمل أن يكون المعنى - والله أعلم - أنّكم تؤمنون بالكتاب كلّه، وهم ليسوا بمؤمنين بكتابهم أيضا](٤) فضلا عن كتابكم، فهذا منشأ العداوة في الدّين لا المحبّة، فلم تحبّونهم؟
( وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا ) : نفاقا وتغريرا.
( وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) : من أجل الغيظ، تأسفا وتحسّرا، حيث رأوا ائتلافكم واجتماع كلمتكم، ولم يجدوا إلى التّشفّي سبيلا.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) .
قال: أطراف الأصابع].(٦) ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) : دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوّة الإسلام وأهله، حتّى يهلكوا به.
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) (١١٩): من خير أو شرّ، فيعلم ما في صدورهم من البغضاء والحنق. وهو يحتمل أن يكون من المقول، أي، وقل لهم: إنّ الله عليم بما هو أخفى ممّا تخفونه من عضّ الأنامل غيظا. وأن يكون خارجا عنه، بمعنى: قل لهم ذلك ،
__________________
(١) ر: لغطائهم.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٧٩.
(٣) يوجد في أبعد هذه الكلمة: بالكتاب كله وهم ليسوا بمؤمنين.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) تفسير القمي ١ / ١١٠.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
ولا تتعجّب من اطلاعي إيّاك على أسرارهم، فإنّي عليم بالأخفى من ضمائرهم.
وذات الصّدور، الصّور العلميّة المتمكّنة في الصّدور. والمراد بالصّدور، محلّ العلوم.
( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ ) : نعمة، من إلفة أو ظفر على الأعداء،( تَسُؤْهُمْ ) : والمسّ، مستعار للإصابة.
( وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ ) : محنة، من فرقة أو إصابة عدو منكم،( يَفْرَحُوا بِها ) : لتناهي عداوتهم.
( وَإِنْ تَصْبِرُوا ) : على عداوتهم، أو على مشاقّ التّكاليف،( وَتَتَّقُوا ) : موالاتهم، أو ما حرّم الله عليكم،( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ) : لما وعد الله الصّابرين والمتّقين الصّبر. وضمة الرّاء، للاتّباع.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «لا يضركم» من ضاره يضيره(١) ( إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ ) : من الصّبر والتّقوى، وغيرها.
( مُحِيطٌ ) (١٢٠): بعلمه وقدرته، فمجازيكم بما أنتم أهله.
وقرئ بالياء، أي: بما يعملون في عداوتكم عالم فيعاقبهم عليه(٢) .
( وَإِذْ غَدَوْتَ ) ، أي: واذكر إذ غدوت. من غدا عليه، بكر.
( مِنْ أَهْلِكَ ) قيل(٣) : من حجرة عائشة.
( تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ ) : تنزلهم، أو تسوّي وتهيّئ لهم. ويؤيّده القراءة «بالّلام».
( مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) : مواقف وأماكن له. وقد يستعمل المقعد والمقام بمعنى، المكان على الاتّساع. وإذا استعمل في أماكن الحرب، أريد به الإشارة إلى وجوب الثّبات فيها.
( وَاللهُ سَمِيعٌ ) : لأقوالكم،( عَلِيمٌ ) (١٢١): بنيّاتكم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٧٩.
(٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ١١٠.
أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سبب نزول هذه الآية، أن قريشا خرجت من مكّة تريد(١) حرب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فخرج يبغي(٢) موضعا للقتال.
وفي مجمع البيان(٣) : [عن عليّ بن إبراهيم](٤) عن أبي عبد اللهعليهالسلام [أنّه](٥) قال: كان سبب غزاة(٦) أحد، أنّ قريشا لـمّا رجعت من بدر إلى مكّة، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، لأنّه قتل منهم سبعون وأسر منهم(٧) سبعون، قال أبو سفيان: يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم يبكين(٨) على قتلاكم، فإنّ الدّمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والحرقة(٩) والعداوة لمحمّد [ويشمت بنا محمّد وأصحابه].(١٠) فلمّا غزوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم أحد، أذنوا لنسائهم بالبكاء والنّوح(١١) . وخرجوا من مكّة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وأخرجوا معهم النّساء [يذكرنهم ويحثثنهم على حرب رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأخرج أبو سفيان هند بنت عتبة، وخرجت معهم عمرة بنت علقمة الحارثيّة](١٢) فلمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك جمع أصحابه وحثّهم على الجهاد.
فقال: عبد الله بن(١٣) أبيّ وقومه: يا رسول الله، لا نخرج من المدينة حتّى نقاتل في أزقّتها، فيقاتل(١٤) الرّجل الضّعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السّكك وعلى السّطوح، فما أرادنا(١٥) قوم قطّ فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودروبنا(١٦) ، وما خرجنا على عدونا(١٧) قطّ إلّا
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يريدون.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «يبتغي» بدل «فخرج يبغي».
(٣) مجمع البيان ١ / ٤٩٥ - ٤٩٧.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: غزوة.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) المصدر: تبكين.
(٩ و ١٠) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(١١) يوجد في النسخ بعد هذه العبارة: «فلمّا أرادوا أن يغزوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أحد، ساروا في خلفائهم من كنانة وغيرها وجمعوا المجموع والسلاح». وهي ليست في المصدر. والظاهر هي زائدة.
(١٢) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(١٣) المصدر: عبد الله بن أبي سلول.
(١٤) المصدر: فتقاتل.
(١٥) المصدر: أرادها.
(١٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: دورنا.
(١٧) المصدر: «إلى عدوّلنا» بدل «على عدوّنا».
كان الظّفر لهم علينا.
فقام سعد بن معاذ(١) وغيره من الأوس فقالوا: يا رسول الله، ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يطمعون(٢) فينا وأنت فينا؟! لا حتّى نخرج إليهم ونقاتلهم، فمن قتل منّا كان شهيدا، ومن نجا منّا كان مجاهدا(٣) في سبيل الله. فقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأيه، وخرج مع نفر من أصحابه يتبوّؤن موضع القتال كما قال سبحانه:( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ) (الآية) وقعد عنه عبد الله بن(٤) أبيّ وجماعة من الخزرج اتّبعوا(٥) رأيه.
ووافت قريش إلى أحد، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله عبّا أصحابه، وكانوا سبعمائة رجل، فوضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرّماة على باب الشّعب، وأشفق أن يأتيهم(٦) كمينهم من ذلك المكان، فقالصلىاللهعليهوآله لعبد الله بن جبير وأصحابه: إن رأيتمونا قد هزمنا هم حتّى أدخلناهم مكّة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتّى أدخلونا المدينة فلا تبرجوا والزموا مراكزكم.
ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مأتي فارس كمينا، وقال [له](٧) إذا رأيتمونا قد اختلطنا [بهم](٨) فاخرجوا عليهم من هذا الشّعب حتّى تكونوا وراءهم(٩) .
وعبّأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصحابه، ودفع الرّاية إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فحمل الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة، ووقع(١٠) اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سوادهم، وانحطّ خالد بن الوليد في مأتى فارس على عبد الله بن جبير، فاستقبلوهم بالسّهام فرجع.
ونظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ينتهبون(١١) سواد القوم، فقالوا لعبد الله بن جبير: قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة؟
__________________
(١) المصدر: سعيد بن معاذ.
(٢) أ: يظفرون.
(٣) المصدر: قد جاهد.
(٤) المصدر: عبد الله بن أبي سلول.
(٥) هكذا في المصدر: وفي النسخ: ابتغوا.
(٦) المصدر: أن يأتي.
(٧ و ٨) ليس في المصدر.
(٩) يوجد في النسخ بعد هذه العبارة: فلمّا أقبلت الخيل واصطفوا.
(١٠) المصدر: وضع.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ينهبون.
فقال عبد الله: اتقوا الله، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد تقدّم إلينا ألّا نبرح، فلم يقبلوا منه، وأقبلوا ينسلّ رجل فرجل حتّى أخلوا مراكزهم، وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا.
وكانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبديّ من بني عبد الدّار، فقتله عليّعليهالسلام فأخذ الرّاية أبو سعيد بن أبي طلحه، فقتله عليعليهالسلام وسقطت الرّاية، فأخذها مشافع بن [أبي](١) طلحة، فقتله، حتّى قتل تسعة [نفر](٢) من بني عبد الدّار، حتّى صار لواؤهم إلى عبد لهم أسود يقال له: صواب(٣) ، فانتهى إليه عليّعليهالسلام فقطع يده [اليمنى ،](٤) فأخذ اللّواء(٥) باليسرى، فضرب يسراه فقطعها، فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره، ثمّ التفت إلى أبي سفيان فقال: هل أعذرت(٦) في بني عبد الدّار؟ فضربه عليّعليهالسلام على رأسه فقتله، فسقط اللّواء، فأخذتها عمرة(٧) بنت علقمة الكنانيّة(٨) فرفعتها.
وانحطّ خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير، وقد فرّ(٩) أصحابه وبقي في نفر قليل، فقتلهم على باب الشّعب، ثمّ أتى المسلمين من أدبارهم، ونظرت قريش في هزيمتها إلى الرّاية قد رفعت، فلاذوا بها، وانهزم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله هزيمة عظيمة(١٠) ، وأقبلوا يصعدون في الجبال وفي كلّ وجه. فلمّا رأى رسول اللهصلىاللهعليهوآله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه، وقال: إليّ، أنا رسول الله، إلى أين تفرّون عن الله وعن رسوله؟
قال: وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلّما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا ومكحلة، وقالت: إنّما أنت امرأة فاكتحل بهذا.
وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد ،
__________________
(١ و ٢) من المصدر.
(٣) المصدر: الثواب.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الرأية.
(٦) المصدر: غدرت.
(٧) المصدر: «غمرة» وهو وهم
(٨) كذا في المصدر والنسخ. وفي بداية الرواية ذكر لقب «عمرة» بالحارثية. وهو الصواب. ر. اعلام النساء لكحالة ٣ / ٣٥٧.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فرقوا.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: غريمة.
وكانت هند قد أعطت وحشيّا عهدا، لئن قتلت محمّدا أو عليّا أو حمزة لأعطينّك كذا وكذا، وكان وحشيّ عبدا لجبير بن مطعم حبشيّا، فقال وحشيّ: أمّا محمّد فلا أقدر عليه، وأمّا عليّ فرأيته حذرا كثيرا لالتفات فلا مطمع فيه، فكمنت لحمزة.
قال: فرأيته يهذّ النّاس هذّا، فمرّبي فوطئ على جرف نهر فسقط، فأخذت حربتي فهززتها ورميته بها، فوقعت في خاصرته وخرجت من ثنّته، فسقط فأتيته فشققت بطنه، فأخذت كبده وجئت به إلى هند، فقلت: هذا كبد حمزة، فأخذتها [في فمها](١) فلاكتها، فجعلها(٢) الله في فمها مثل الدّاغصة - وهي عظم رأس الرّكبة - فلفظتها ورمت بها.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : فبعث الله ملكا فحمله وردّه إلى موضعه.
قال: فجاءت إليه فقطعت مذاكيره وقطعت أذنيه وقطعت يده ورجله، ولم يبق مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلّا أبو دجانة سماك بن خرشة وعليعليهالسلام فكلّما حملت طائفة على رسول اللهصلىاللهعليهوآله استقبلهم عليّعليهالسلام فدفعهم عنه حتّى تقطّع(٣) سيفه، فدفع إليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله سيفه ذا الفقار وانحاز رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى ناحية أحد فوقف، وكان القتال من وجه واحد، فلم يزل عليّعليهالسلام يقاتلهم حتّى أصابه في وجهه ورأسه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة.
قال(٤) : فقال جبرائيلعليهالسلام : إنّ هذه لهي المواساة، يا محمّد.
فقال له(٥) : إنّه منّي وأنا منه(٦) .
وقال الصّادقعليهالسلام : نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى جبرائيل بين السّماء والأرض على كرسيّ من ذهب، وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ.
وروي: أنّ سبب انهزامهم نداء إبليس فيهم: إنّ محمّدا قد قتل. وكان النّبيّ
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: فجعله.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: انقطع.
(٤) المصدر: «كذا أورده عليّ بن إبراهيم في تفسيره» بدل «قال»
(٥) المصدر: محمد [صلّى الله عليه وآله].
(٦) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: «فقال جبرائيل. وأنا منكما».
ـ صلّى الله عليه وآله - في زحام النّاس وكانوا لا يرونه.
( إِذْ هَمَّتْ ) : متعلّق بقوله: سميع عليم. أو بدل من «إذ غدوت.»( طائِفَتانِ مِنْكُمْ ) : في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه وقومه(٢) .
قال البيضاويّ(٣) : هما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر.
وفي مجمع البيان(٤) : عنهما - عليهما السّلام - : هما بنو سلمة وبنو حارثة، حيّان من الأنصار.
( أَنْ تَفْشَلا ) : أن تجبنا وتضعفا.
قيل(٥) : روي أنّهعليهالسلام خرج في زهاء ألف فارس ووعدهم(٦) النّصران صبروا، فلمّا بلغوا الشّوط انخزل ابن أبيّ في ثلاثمائة وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟
فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاريّ وقال: أنشدكم [الله والإسلام](٧) في نبيّكم وأنفسكم.
فقال ابن أبيّ: لو نعلم قتالا لا تّبعناكم. فهمّ الحيّان باتّباعه فعصمهم الله، فمضوا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ قال ذلك القائل: والظّاهر انه ما كانت عزيمة لقوله:( وَاللهُ وَلِيُّهُما ) ، أي: عاصمهما من اتّباع تلك الخطرة.
قال: ويجوز أن يراد: والله وليّهما فما لهما يفشلان.
وفي الرّواية الّتي قدّمناها ما ينافي ذلك، من أنّ عبد الله بن أبيّ قعد عنه وجماعة من الخزرج اتّبعوا رأيه.
( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (١٢٢): فليعتمدوا عليه في الكفاية لا على غيره، لينصرهم كما نصرهم ببدر.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١١١.
(٢) «وقومه» ليس في المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٨٠.
(٤) مجمع البيان ١ / ٤٩٥.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ١٨٠.
(٦) المصدر: «الف رجل ووعد لهم» بدل «الف فارس ووعدهم».
(٧) من المصدر.
( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) : تذكير ببعض ما أفادهم التّوكّل.
وبدر، اسم ماء - بين مكّة والمدينة - كان لرجل يسمّى بدرا، فسمّى به.
( وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) : حال من المفعول. وإنّما قال: أذلّة، دون دلائل، ليدلّ على قلّتهم مع ذلّتهم لضعف الحال وقلّة المراكب والسّلاح.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما كانوا أذلّة وفيهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله وإنّما نزل: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم الضّعفاء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي بصير قال: قرأت عند أبي عبد اللهعليهالسلام :( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) .
فقال: [مه](٣) ليس هكذا أنزلها الله، إنّما أنزلت: وأنتم قليل.
[وفيه(٤) : عن ربعي بن حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قرأ: «ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ضعفاء» وما كانوا أذلّة ورسول الله فيهم عليه وآله السّلام].(٥) وفي رواية(٦) : ما أذلّ الله رسوله قطّ، وإنّما أنزلت وأنتم قليل.
ومعنى هذه الأخبار، أنّ الآية ما أنزلها الله بمعنى أنتم أذلّة في الواقع، بل بهذا المعنى. والأخبار الّتي دلّت على أنّ عدّتهم كانت ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا قد مرّت.
( فَاتَّقُوا اللهَ ) : في الثّبات،( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١٢٣): ما أنعم به عليكم،( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) : ظرف لنصركم الله.
وقيل(٧) : بدل ثان من «إذ غدوت» على أنّ قوله لهم ذلك يوم أحد، وكان مع اشتراط الصّبر والتّقوى عن المخالفة، فلمّا لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم تنزل الملائكة.
( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) (١٢٤) :
إنكار أن لا يكفيكم ذلك. وإنّما جيء «بلن» إشعارا بأنّهم كانوا كالآئسين من النّصر ،
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٢.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٩٦، ح ١٣٣.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٥.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٤.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٨٠.
لضعفهم وقلّتهم وقوّة العدوّ وكثرتهم.
وقرأ ابن عامر «منزّلين» بالتّشديد للتّكثير، أو للتّدريج(١) .
قيل(٢) : أمدّهم الله يوم بدر أوّلا بألف من الملائكة، ثمّ صاروا ثلاثة آلاف، ثمّ صاروا خمسة آلاف.
( بَلى ) : إيجاب لما بعد «لن» أي: بلى يكفيكم. ثمّ وعد لهم الزّيادة على الصّبر والتّقوى، حثّا عليهما، وتقوية لقلوبهم فقال:( إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ ) : أي: المشركون.
( مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) : من ساعتهم هذه. وهو في الأصل مصدر فارت القدر، إذا غلت. فاستعير للسّرعة، ثمّ أطلق للحال الّتي لا ريب فيها ولا تراخي، أي: أن يأتي المشركون في الحال.
( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) : بلا تراخ وتأخير،( مُسَوِّمِينَ ) (١٢٥): معلّمين. من التّسويم الّذي هو إظهار سيماء الشيء. أو مرسلين، من التّسويم، بمعنى: الإسامة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب، بكسر الواو(٣) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر.
وعن ضريس بن عبد الملك(٥) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ الملائكة الّذين نصروا محمّداصلىاللهعليهوآله يوم بدر في الأرض ما صعدوا بعد، ولا يصعدون حتّى ينصروا صاحب هذا الأمر، وهم خمسة آلاف.
( وَما جَعَلَهُ اللهُ ) : وما جعل إمدادكم بالملائكة،( إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ) : إلّا بشارة لكم بالنّصر.
( وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) : ولتسكن إليه من الخوف.
( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : لا من العدّة والعدّة وفيه تنبيه على أنّه لا حاجة إلى
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٨١.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٩٦، ح ١٣٦.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٩٧، ح ١٣٨.
مدد، إنّما أمدّهم وأعدّ لهم، بشارة لهم وربطا على قلوبهم من حيث أنّ نظر العامّة إلى الأسباب أكثر، وحثّا على أن لا يبالوا بمن تأخّر عنهم.
( الْعَزِيزِ ) : الّذي لا يغالب في أقضيته.
( الْحَكِيمِ ) (١٢٦): الّذي ينصر ويخذل على مقتضى الحكمة والمصلحة.
( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : متعلّق «بنصركم» أو «وما النّصر» إن كان اللام فيه للعهد، والمعنى: لينقص منهم بقتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم.
( أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) : أو يخزيهم. والكبت، شدّة غيظ، أو وهن يقع في القلب. و «أو» للتّنويع. دون التّرديد.
( فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ) (١٢٧): فينهزموا منقطعي الآمال.
( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) : جملة معترضة.
( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ) :
إمّا عطف على «يكبتهم»، والمعنى: أنّ الله مالك أمرهم، فإمّا أن يهلكهم أو يكبتهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذّبهم إن أصرّوا، وليس لك من أمرهم شيء وإنّما أنت عبد مأمور لإنذارهم وجهادهم.
أو معطوف على «الأمر» أو «شيء» بإضمار «أن»، أي: ليس لك من أمرهم أو من التّوبة عليهم أو من تعذيبهم، شيء. أو ليس لك من أمرهم شيء، أو التّوبة عليهم، أو تعذيبهم.
ويحتمل أن يكون «أو» بمعنى «الا أن»، أي: ليس لك من أمرهم شيء إلّا أن يتوب الله عليهم فتسرّ به، أو يعذّبهم فتتشفّى منهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قرأ: ليس لك من الأمر شيء إن يتب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون.
وفيه(٢) : عن الباقرعليهالسلام أنّه قرا: أن تتوب عليهم أو تعذّبهم
، بالتاء فيهما.
وعلى هذا يكون «أن» بتأويل المصدر، بدلا عن شيء( فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ) (١٢٨): قد استحقّوا العذاب بظلمهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن جابر الجعفيّ قال: قرأت عند أبي جعفر
__________________
(١ و ٢) مضمون هذين الحديثين موجود في تفسير العياشي ١ / ١٩٨، ح ١٤١.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٩٧، ح ١٣٩.
ـ عليه السّلام - :( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) قال: بلى والله، إنّ له من الأمر شيئا وشيئا وشيئا، وليس حيث ذهبت، ولكّني أخبرك أنّ الله - تبارك وتعالى - لـمّا أخبر نبيّه أن يظهر ولاية عليّعليهالسلام فكّر في عداوة قومه له، فيما(١) فضّله الله به عليهم في جميع خصاله، [كان أوّل من آمن برسول اللهصلىاللهعليهوآله وبمن أرسله. وكان أنصر النّاس لله ولرسوله وأقتلهم لعدوّهما وأشدّهم بغضا لمن خالفهما وفضل علمه الّذي لم يساوه أحد ومناقبه التي لا تحصى شرفا. فلمّا فكّر النّبي في عداوة قومه له في هذه الخصال](٢) وحسدهم له عليها ضاق عن ذلك(٣) ، فأخبر الله: أنّه ليس له من هذا الأمر شيء، إنّما الأمر فيه إلى الله أن يصيّر عليّا وصيّه ووليّ الأمر بعده. فهذا عنى الله، وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوّض الله إليه أن جعل ما أحلّ فهو حلال وما حرّم فهو حرام؟! قوله(٤) :( ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) .
وعن جابر(٥) قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : قوله لنبيّه:( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) ، فسّره لي؟ [قال :](٦) فقال [أبو جعفرعليهالسلام لشيء قاله الله ولشيء أراده الله ،](٧) يا جابر، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان حريصا على أن يكون عليّعليهالسلام من بعده على النّاس، وكان عند الله خلاف ما أراد [رسول اللهصلىاللهعليهوآله
قال: قلت: فما معنى ذلك؟
قال نعم، عنى بذلك قول الله لرسولهصلىاللهعليهوآله ](٨) [فقال له :](٩) ليس لك من الأمر شيء يا محمّد في عليّ، الأمر إليّ في عليّ وفي غيره، ألم أنزل عليك [يا محمّد](١٠) فيما أنزلت من كتابي إليك:( الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) . (الآيات)(١١)
__________________
(١) المصدر: «ومعرفته بهم وذلك الذي» بدل «فيما».
(٢) من المصدر.
(٣) في المصدر: عن ذلك [صدره].
(٤) الحشر / ٧.
(٥) نفس المصدر ١ / ١٩٧ - ١٩٨، ح ١٤٠.
(٦ و ٧) من المصدر.
(٨) ليس في أ.
(٩) من المصدر وأ.
(١٠) من المصدر.
(١١) المصدر: «إلى قوله فليعلمنّ» بدل «الآيات». سورة العنكبوت / ١ - ٢.
قال: فوّض رسول اللهصلىاللهعليهوآله الأمر إليه ومعنى قولهعليهالسلام : «أن يكون عليّ بعده على النّاس» أن يكون خليفة له عليهم في الظّاهر أيضا، من غير دافع له.
قال البيضاويّ(١) : روي أنّ عتبة بن أبي وقّاص شجّه يوم أحد وكسر رباعيته، فجعلصلىاللهعليهوآله يمسح الدّم عن وجهه ويقول: كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدّم؟ فنزلت.
وقيل: همّ أن يدعو عليهم، فنهاه الله - تعالى - لعلمه بأنّ فيهم من يؤمن.
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : خلقا وملكا، فله الامر كلّه.
( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) : فيه دلالة على نفي وجوب التّعذيب.
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٢٩): لعباده، فلا تبادر إلى الدّعاء عليهم.
وفي مجمع البيان(٢) : قيل: إنّما أبهم الله الأمر في التّعذيب(٣) والمغفرة [فلم يبيّن من يغفر له ومن يشاء تعذيبه ،](٤) ليقف المكلّف بين الخوف والرّجاء [فلا يأمن من عذاب الله - تعالى - ولا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون].(٥) ويلتفت إلى هذا
قول الصّادقعليهالسلام : لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) : لا تزيدوا زيادات مكرّرة ولعلّ التّخصيص بحسب الواقع، إذ كان الرّجل منهم يربي إلى أجل ثمّ يزيد فيه زيادة أخرى، حتّى يستغرق بالشيء الطّفيف.
[وفي مجمع البيان(٦) : ووجه تحريم الرّبا، هو المصلحة الّتي علمها الله وذكر فيه وجوه: منها أن يدعو إلى مكارم الأخلاق بالإقراض إنظار المعسر(٧) من غير زيادة. وهو المرويّ عن أبي عبد الله عليه السّلام](٨) مال المديون.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٨١.
(٢) مجمع البيان ١ / ٥٠٢.
(٣) المصدر: بالتعذيب.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر والوضع.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «الانظار المعتبر» بدل «إنظار المعسر».
(٨) ليس في أ.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «مضعّفة(١) »( وَاتَّقُوا اللهَ ) : فيما نهيتم عنه،( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١٣٠): راجين الفلاح.
( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) (١٣١): بالتّحرّز عن متابعتهم، وتعاطي أفعالهم.
قال البيضاويّ(٢) : وفيه تنبيه على أنّ النّار بالّذات معدّة للكافرين، وبالعرض للعصاة.
أقول: فيه تنبيه على أنّ النّار معدّة للكافرين، وكلّ من عذّب بالنّار من العصاة إنّما يعذّب إذا آل عصيانهم إلى الكفر، وأمّا إذا لم يؤل اليه فلا يعذّب بالنّار، لأنّها أعدّت للكافرين فلا يعذّب بها غيرهم، وإلّا لكان معدّا لهم ولغيرهم، فلا يصدق( أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ) إلّا أن يقال: المراد بالنّار نار معهودة معدّة لهم، فلا يعذّب بها غيرهم أيضا.
( وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (١٣٢): بإطاعتهما.
و «لعلّ وعسى» في أمثال ذلك يدلّ على غرّة التوصّل إلى ما جعل خبرا لهما.
( وَسارِعُوا ) : بادروا.
وقرأ ابن عامر ونافع «سارعوا» بلا واو(٣) .
( إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) : بارتكاب أسبابها، كالإسلام والتّوبة والإخلاص.
وفي مجمع البيان(٤) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام : إلى أداء الفرائض.
( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) : أي عرضها كعرضهما.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن داود بن سرحان، عن رجل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [في قول الله:( وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) ].(٦) قال: إذا وضعوهما كذا، وبسط يديه إحداهما مع الأخرى.
وفي مجمع البيان(٧) . عن النّبيّصلىاللهعليهوآله [أنّه سئل: إذا كانت الجنة
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٨٢.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) مجمع البيان ١ / ٥٠٣.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٩٨، ح ١٤٢.
(٦) من المصدر.
(٧) مجمع البيان ١ / ٥٠٤.
عرضها السّموات والأرض، فأين تكون النّار؟](١) فقال: سبحان الله، إذا جاء النّهار فأين اللّيل.
ومعناه، أنّ القادر على أن يذهب باللّيل حيث يشاء، قادر على أن يخلق النّار حيث يشاء.
( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (١٣٣): هيّئت لهم.
وفي كتاب الخصال(٢) : فيما علّم أمير المؤمنين أصحابه، ممّا يصلح للمسلم في دينه ودنياه: «سابقوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة عرضها السّموات والأرض أعدّت للمتّقين».
فإنّكم لن تنالوها إلّا بالتّقوى.
وفي الآية دلالة على أنّ الجنّة مخلوقة، خارجة عن هذا العالم.
( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ) : صفة مادحة للمتّقين، أو منصوب، أو مرفوع على المدح.
( فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ) : في حالتي الرّخاء والشّدّة. أو الأحوال كلّها، إذ الإنسان لا يخلوا عن مسرّة أو مضرّة، أي: لا يخلونّ في حال ما عن إنفاق ما من قليل أو كثير.
( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) : الممسكين عليه، الكافّين عن إمضائه مع القدرة. من كظمت القربة، إذا ملأتها وشددت رأسها.
وفي أصول الكافي: عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه(٤) ، عن بعض أصحابه، عن مالك بن حصين السّكونيّ قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما من عبد كظم غيظا إلّا زاده الله - عزّ وجلّ - عزّا في الدّنيا والآخرة، وقد قال الله - عزّ وجلّ - :( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ، وأثابه الله مكان غيظه ذلك.
عدّة من أصحابنا: عن أحمد بن محمّد(٥) بن خالد، عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من كظم غيظا - ولو شاء أن يمضيه أمضاه - ملأ الله(٦) قلبه يوم القيامة رضاه.
وفي كتاب الخصال(٧) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ثلاث خصال من
__________________
(١) المصدر: «سئل عن ذلك» بدل ما بين المعقوفتين.
(٢) الخصال / ٦٣٣، ضمن حديث الأربعمائة.
(٣) الكافي ٢ / ١١٠، ح ٥.
(٤) «عن أبيه» ليس في المصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٦) المصدر: أملأ. - (٧) الخصال / ١٠٤، ح ٦٣.
كنّ فيه استكمل خصال الإيمان: من صبر على الظّلم وكظم غيظه واحتسب وعفا وغفر، كان ممّن يدخله الله - تعالى - الجنّة بغير حساب، ويشفّعه في مثل ربيعة ومضر.
عن زرارة(١) قال: سمعت أبا جعفر - عليه السّلام(٢) - يقول: إنّا أهل بيت، مروءتنا العفو عمّن ظلمنا.
عن أبي حمزة الثّماليّ(٣) ، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - [قال: ما أحبّ أنّ لي بذلّ نفسي حمر النّعم، و](٤) ما تجرّعت جرعة أحبّ إليّ من جرعة غيظه(٥) لا أكافئ [بها](٦) صاحبها.
( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) : التّاركين عقوبة من استحقّوا مؤاخذته.
وفي الكافي(٧) : عن الصّادقعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : عليكم بالعفو، فإنّ العفو لا يزيد العبد إلّا عزّا، فتعافوا يعزّكم الله.
وفي مجمع البيان(٨) : روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: انّ هؤلاء في أمّتي قليل إلّا من عصمه(٩) الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم الماضيه(١٠) .
( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (١٣٤) :
يحتمل الجنس، ويدخل تحته هؤلاء. والعهد، فتكون الإشارة إليهم.
وفي مجمع البيان(١١) : روي أنّ جارية لعليّ بن الحسين - عليهما السّلام - جعلت تسكب عليه الماء ليتهيّأ للصّلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه إليها.
فقال له الجارية: إنّ الله - تعالى - يقول:( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) .
فقال لها: قد كظمت غيظي.
قالت:( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) . قال: قد عفا الله عنك.
قالت( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .
__________________
(١) نفس المصدر / ١٠، ح ٣٣.
(٢) المصدر: أبا عبد الله - عليه السّلام.
(٣) نفس المصدر / ٢٣، ح ٨١.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: غيظ.
(٦) من المصدر.
(٧) الكافي ٢ / ١٠٨، ح ٥.
(٨) مجمع البيان ١ / ٥٠٥.
(٩) المصدر: عصم.
(١٠) المصدر: «الّتي مضت» بدل «الماضية».
(١١) نفس المصدر ١ / ٥٠٥.
قال: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله.
( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) : فعلة بالغة في القبح، كالزّنا.
( أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بأن أذنبوا أيّ ذنب كان.
وقيل(١) : الفاحشة الكبيرة، وظلم النّفس الصّغيرة. ولعلّ الفاحشة ما يتعدّى، وظلم النّفس ما ليس كذلك.
( ذَكَرُوا اللهَ ) : تذكّروا وعيده، أو حكمه، أو حقّه العظيم.
( فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) : بالنّدم والتّوبة.
( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ ) : استفهام بمعنى النّفي، معترض بين المعطوفين. والمراد به وصفه - تعالى - بسعة الرّحمة، وعموم المغفرة، والحثّ على الاستغفار، والوعد(٢) بقبول التّوبة.
( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ) ، أي: لم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين.
وفي أصول الكافي(٣) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن سالم، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام في هذه الآية قال: الإصرار، أن يذنب الذّنب فلا يستغفر الله ولا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: لا والله، لا يقبل الله شيئا من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٥) بن خالد، عن عبد الله بن محمّد النّهيكيّ(٦) ، عن عمّار بن مروان القنديّ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
محمّد بن يحيى، عن أحمد(٧) بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن معاويه بن عمّار
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٨٢.
(٢) أ: الوعيد.
(٣) الكافي ٢ / ٢٨٨، ح ٢.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١.
(٦) ر: «محمد بن عبد الله بن محمد النّهيكيّ». وهو وهم. ر. رجال النجاشي / ٢٢٩، رقم ٦٠٥.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٤٢٦ - ٤٢٧، ح ٤.
قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّه والله ما خرج عبد من ذنب بإصرار، وما خرج عبد من ذنب إلّا بإقرار.
محمّد بن يحيى(١) ، عن عليّ بن الحسين الدّقّاق(٢) ، عن عبد الله بن محمّد، عن أحمد بن عمر، عن زيد القتات، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه إلّا غفر الله له قبل أن يستغفر، وما من عبد أنعم الله عليه نعمة فعرف أنّها من عند الله إلّا غفر الله له قبل أن يحمده.
وفي مجمع البيان(٣) : وقد روي عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
وروي عن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٤) - : ما اصرّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرّة.
( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (١٣٥): حال من فاعل «يصرّوا» أي، ولم يصرّوا على قبيح فعلهم عالمين به.
وفي أمالي الصّدوق(٥) - رحمه الله - : بإسناده إلى الصّادق جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: لما نزلت هذه الآية [( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) ](٦) صعد إبليس جبلا بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيّدنا لم دعوتنا؟
قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟
فقام عفريت من الشّياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا.
قال: لست لها.
فقام(٧) آخر فقال مثل ذلك.
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٤٢٧، ح ٨.
(٢) أ: محمد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحسين الدقّاق.
(٣) مجمع البيان ١ / ٥٠٦.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٨٢.
(٥) أمالي الصدوق / ٣٧٦، ح ٥.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر ور. وفي أو الأصل: فقال.
فقال: لست لها.
فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها.
قال: بماذا؟
قال: أعدهم وأمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم(١) الاستغفار.
فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: رحم الله عبدا لم يرض من نفسه أن يكون إبليس نظيرا له في دينه. وفي كتاب الله نجاة من الرّدى وبصيرة من العمى ودليل إلى الهدى وشفاء لما في الصّدور فيما أمركم الله به من الاستغفار مع التّوبة.
قال الله:( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [قال :](٣) ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما.
فهذا ما أمر الله به من الاستغفار، واشترط معه التّوبة(٤) ، والإقلاع عمّا حرّم الله، فإنّه يقول(٥) :( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) . فهذه الآية تدلّ على أنّ الاستغفار لا يرفعه إلى الله إلّا العمل الصّالح والتّوبة.
[وفي روضة الكافي(٦) : بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال: وإيّاكم والإصرار على شيء ممّا حرّم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله - تعالى - :( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ].(٧)
( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) : خبر «للّذين» إن ابتدئ به. وجملة مستأنفة مبنيّة لما قبلها إن عطفت على «المتّقين» أو على «الّذين ينفقون.»
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أنسيهم.
(٢) تفسير العياشي ١ / ١٩٨، ح ١٤٣.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: بالتوبة.
(٥) فاطر / ١٠.
(٦) الكافي ٨ / ١٠.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وتنكير «جنّات» على الأوّل، يدلّ على أنّ ما لهم أدون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة. وكفاك فارقا بين القبيلين أنّه فصل آيتهم، بأن بيّن أنّهم محسنون مستوجبون لمحبّة الله - تعالى - وذلك لأنّهم حافظوا على حدود الشّرع وتخطّوا إلى التّخصيص بمكارمه. وفصل آية هؤلاء بقوله:( وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) (١٣٦): لأنّ المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل ما فوّت على نفسه. وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير، ولعلّ تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النّكتة. والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره، ونعم أجر العاملين تلك، يعني، المغفرة والجنّات.
وفي أمالي الصّدوق - رحمه الله(١) - : محمّد بن إبراهيم بن إسحاق - رحمه الله - قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ قال: أخبرنا محمّد بن صالح بن سعد التّميميّ قال: حدّثنا موسى بن داود قال: حدّثنا الوليد بن هشام قال: حدّثنا هشام بن حسّان، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، عن عبد الرّحمان بن غنم الدّوسى(٢) قال: دخل معاذ بن جبل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله باكيا فسلّم، فردّ عليه السّلام، ثمّ قال: ما يبكيك يا معاذ؟
فقال: يا رسول الله، إنّ بالباب شابّا طريّ الجسد، نقيّ اللّون، حسن الصّورة، يبكي على شبابه بكاء الثّكلى على ولدها، يريد الدّخول عليك.
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : أدخل عليّ الشّابّ، يا معاذ. فأدخله عليه فسلّم، فرد عليه السّلام، ثمّ قال: ما يبكيك، يا شابّ؟
قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوبا، إن اخذني الله - عزّ وجلّ - ببعضها أدخلني نار جهنم، ولا أراني إلّا سيأخذني بها ولا يغفر لي(٣) أبدا.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : هل أشركت بالله شيئا؟
قال: أعوذ بالله أن أشرك بربّي شيئا.
__________________
(١) أمالي الصدوق / ٤٥، ٣.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «عبد الرحمان بن غنم الدواسيّ» والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال، ج ٣، فصل الكنى، ص ٥١. ولهذا الراويّ ترجمة في نفس المصدر ٢ / ١٤٧، رقم ٦٤٠٨ من دون ذكر لقبه.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يغفرني.
قال: أقتلت النّفس الّتي حرّم الله؟
قال: لا.
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل الجبال الرّواسي.
قال الشّابّ: فإنّها أعظم من الجبال الرّواسي.
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : يغفر الله ذنوبك وإن كانت مثل الأرضين السّبع. وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق.
[قال: فإنّها أعظم من الأرضين السّبع وبحارها ورمالها وأشجارها وما فيها من الخلق].(١) فقال: النّبيّصلىاللهعليهوآله : يغفر الله لك ذنوبك وإن كانت مثل السّماوات ونجومها ومثل العرش والكرسيّ.
قال: فإنّها أعظم من ذلك.
قال: فنظر النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٢) - كهيئة الغضبان، ثمّ قال: ويحك يا شابّ ذنوبك أعظم أم ربّك؟
فخرّ الشّابّ لوجهه وهو يقول: سبحان [الله](٣) ربّي، ما من شيء أعظم من ربّي، ربّي أعظم - يا نبيّ الله - من كلّ عظيم.
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : فهل يغفر الذّنب العظيم إلّا الرّبّ العظيم؟
قال: الشّابّ: لا والله يا رسول الله، ثمّ سكت الشّابّ.
فقال له(٤) النّبيّصلىاللهعليهوآله : ويحك يا شابّ، ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك.
قال: بلى أخبرك، إنّي كنت أنبش القبور سبع سنين، أخرج الأموات وأنزع الأكفان، فماتت جارية من بعض بنات الأنصار، فلمّا حملت إلى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها وجنّ عليهم اللّيل أتيت قبرها فنبشتها، ثمّ استخرجتها، ونزعت ما كان عليها من أكفانها، وتركتها مجردة(٥) على شفير قبرها، ومضيت منصرفا، فأتاني الشّيطان ،
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) الظاهر كلمة «إليه» ساقط بعد هذه العبارة.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: متجرّدة.
فأقبل يزيّنها لي ويقول: أما ترى بطنها وبياضها؟ أما ترى وركيها؟ فلم يزل يقول لي هذا، حتّى رجعت إليها ولم أملك نفسي حتّى جامعتها وتركتها مكانها، فإذا أنا بصوت من ورائي يقول: يا شابّ، ويل لك من ديّان يوم الدّين، يوم يقفني وإيّاك كما تركتني عريانة في عساكر الموتى، ونزعتني من حفرتي، وسلبتني أكفاني، وتركتني أقوم جنبه إلى حسابي، فويل لشبابك من النّار. فما أظنّ أنّي أشمّ ريح الجنّة أبدا، فما ترى لي يا رسول الله؟
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : تنحّ عنّي يا فاسق، إنّي أخاف أن أحترق بنارك، فما أقربك من النّار.
ثم لم يزلعليهالسلام يقول ويشير إليه حتّى أمعن من بين يديه، فذهب فأتى المدينة فتزوّد منها، ثمّ أتى بعض جبالها فتعبّد فيها ولبس مسحا وغلّ يديه جميعا إلى عنقه(١) ، ونادى: يا ربّ، هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول، يا ربّ أنت الّذي تعرفني وزل منّي ما تعلم، يا سيّدي يا ربّ إنّي أصبحت من النّادمين، وأتيت نبيّك تائبا فطردني وزادني خوفا، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة(٢) سلطانك أن لا تخيّب رجائي سيّدي ولا تبطل دعائي ولا تقنطني من رحمتك.
فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما وليلة، تبكي له السّباع والوحوش، فلمّا تمّت له أربعون يوما وليلة، رفع يديه إلى السّماء وقال: اللهمّ، ما فعلت في حاجتي، إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيّك، وإن لم تستجب [لي](٣) دعائي ولم تغفر [لي](٤) خطيئتي وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني أو عقوبة في الدّنيا تهلكني وخلّصني من فضيحة يوم القيامة.
فأنزل الله - تبارك وتعالى - على نبيّهصلىاللهعليهوآله :( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) ، يعني: الزّنا( أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) ، يعني: بارتكاب ذنب أعظم من الزّنا، وهو(٥) نبش القبر وأخذ الأكفان( ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا ) (٦) ( لِذُنُوبِهِمْ ) يقول: خافوا الله فعجّلوا التّوبة.( وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ ) يقول - عزّ وجلّ - : أتاك عبدي - يا محمّد - تائبا فطردته، فأين يذهب وإلى من يقصد ومن يسأل أن يغفر له ذنبه(٧) غيري؟ ثمّ قال - عزّ و
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حلقه.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عظم.
(٣ و ٤) من المصدر.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: واستغفروا.
(٧) المصدر: ذنبا.
جلّ -( وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) يقول: لم يقيموا على الزّنا ونبش القبور وأخذ الأكفان.( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) .
فلمّا نزلت هذه الآية على رسول اللهصلىاللهعليهوآله خرج، وهو يتلوها ويتبسّم(١) ، فقال لأصحابه: من يدلّني على ذلك الشّابّ التّائب؟
فقال معاذ: يا رسول الله، بلغنا أنّه في موضع كذا وكذا.
فمضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأصحابه(٢) حتّى انتهوا إلى ذلك الجبل، فصعدوا إليه يطلبون الشّابّ، فإذا هم بالشّابّ قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه، قد اسودّ وجهه وتساقطت أشفار عينيه من البكاء، وهو يقول: سيّدي قد أحسنت خلقي وأحسنت صورتي، فليت شعري ما ذا تريد بي، أفي النّار تحرقني أو في جوارك تسكنني؟
اللهمّ، إنّك قد أكثرت الإحسان إليّ فأنعمت عليّ، فليت شعري ما ذا يكون آخر أمري، إلى الجنّة تزفّني أم إلى النّار تسوقني؟ اللهمّ، إنّ خطيئتي أعظم من السّموات والأرض ومن كرسيّك الواسع وعرشك العظيم، فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة؟
فلم يزل يقول نحو هذا وهو يبكي ويحثوا التّراب على رأسه، وقد أحاطت به السّباع، وصفّت فوقه الطّير، وهم يبكون لبكائه.
فدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأطلق يديه من عنقه، ونفض التّراب عن رأسه، وقال: يا بهلول، أبشر فإنّك عتيق الله من النّار.
ثمّ قالصلىاللهعليهوآله لأصحابه: هكذا تداركوا الذّنوب كما تداركها بهلول(٣) ، ثمّ تلا عليه ما أنزل الله - عزّ وجلّ - فيه وبشّره بالجنّة.
( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ) : وقائع، سنّها الله في الأمم المكذّبة.
وقيل(٤) : أمم. قال :
ما عاين الناس من فضل كفضلكم |
ولا أرى مثله في سالف السنن |
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: هو يتبسّم.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وأصحابه.
(٣) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: «أبشر فانّك عتيق الله من النار» وقد سبق مجيئها. فلا داعى لها.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٨٣.
( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (١٣٧): لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم.
وفي الكافي(١) : عن الصّادقعليهالسلام في قوله - تعالى - :( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) من قبلكم(٢) .
قال: عنى بذلك [، أي :](٣) انظروا في القرآن واعلموا كيف كان عاقبة الّذين من قبلكم، وما أخبركم عنه.
( هذا ) : اى، القرآن( بَيانٌ لِلنَّاسِ ) : عامّة.
( وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) (١٣٨): خاصّة.
وقيل(٤) : «هذا» إشارة إلى قوله: «قد خلت». أو مفهوم قوله: «فانظروا»، أي، أنّه مع كونه بيانا للمكذّبين، فهو زيادة بصيرة وموعظة للمتّقين. أو إلى ما لخّص من أمر المتّقين والتّائبين. وقوله: «قد خلت» جملة معترضة(٥) للبعث على الإيمان والتّوبة.
( وَلا تَهِنُوا ) : ولا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم يوم أحد.
( وَلا تَحْزَنُوا ) : على من قتل منكم، تسلية لهم عمّا أصابهم.
( وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) : والحال أنّكم أعلى شأنا فإنّكم على الحقّ وإنّهم على الباطل، وقتالكم لله وقتالهم للشّيطان، وقتلاكم في الجنّة وقتلاهم في النّار. أو لأنّكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر ممّا أصابوا منكم اليوم. أو أنتم الأعلون في العاقبة، فيكون بشارة لهم بالنّصر والغلبة.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١٣٩): متعلّق بالنّهي، أي: لا تهنوا إن صحّ إيمانكم، فإنّه يقتضي قوّة القلب بالوثوق على الله. أو «بالأعلون».
( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) :
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٤٨ - ٢٤٩، ضمن حديث ٣٤٩.
(٢) المصدر: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم. وما أثبتناه في المتن موافق النسخ.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٨٣.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «اعتراض» بدل «جملة معترضة».
قيل(١) : يعني: إن أصابوا منكم يوم أحد فقد أصبتم منهم يوم بدر مثله، ثمّ أنّهم لم يضعفوا ولم يجبنوا، فأنتم أولى بأن لا تضعفوا فإنّكم ترجون من الله ما لا يرجون.
وقيل(٢) : كلا المسّين كان يوم أحد، فإنّ المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر الرّسول.
قرأ حمزة والكسائيّ وابن عيّاش عن عاصم، بضمّ القاف. والباقون، بالفتح. وهما لغتان(٣) .
وقيل(٤) : هو بالفتح «الجراح» وبالضّمّ «ألمها».
( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) : نصرفها، نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى.
والمداولة، كالمعاورة. يقال: داولت الشيء بينهم، فتداولوه.
و «الأيّام» يحتمل الوصف، والبدل، وعطف البيان، والخبر. و «نداولها» الخبر على الاحتمالات الثّلاث الأوّل، والحال على الاحتمال الأخير. والمراد بها، أوقات النّصر والغلبة.
في تفسير العيّاشيّ(٥) : عن زرارة، عن أبي جعفر - عليه السّلام(٦) - في قول الله - تعالى - :( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ) قال: ما زال منذ خلق الله آدم دولة لله ودولة لإبليس، فأين دولة الله أما(٧) هو إلّا قائم(٨) واحد.
( وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) : عطف على علّة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت. و( لِيَعْلَمَ اللهُ ) إيذانا بأنّ العلّة فيه غير واحدة، وأنّ ما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم.
أو الفعل المعلّل به محذوف، تقديره: وليتميّز الثّابتون على الإيمان من الّذين على حرف فعلنا ذلك. والقصد في أمثاله ليس إلى إثبات علمه - تعالى - بل إلى إثبات المعلوم على طريقة البرهان.
وقيل(٩) : معناه: ليعلمهم علما يتعلّق به الجزاء وهو العلم بالشّيء موجودا، وهو تكلّف.
__________________
(١ و ٢ و ٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) تفسير العياشي ١ / ١٩٩، ح ١٤٥.
(٦) المصدر: عن أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: مع قائم.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٨٤.
( وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) : ويكرم منكم بالشّهادة، يريد شهداء أحد. أو يتّخذ منكم شهودا معدلين، بما صودف منهم من الثّبات والصّبر على الشّدائد. أو شهودا وعلماء، بما ينعم على المؤمنين ويمددهم.
( وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (١٤٠): الّذين يضمرون خلاف ما يظهرون. أو الكافرين، وهو اعتراض. وفيه تنبيه على أنّه - تعالى - لا ينصر الكافرين على الحقيقة، وإنّما يديل لهم أحيانا استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا رجع من أحد فلمّا دخل المدينة نزل عليه جبرئيلعليهالسلام فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا تخرج معك إلّا من به جراحة.
فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين والأنصار، من كانت به جراحة فليخرج، ومن لم يكن به جراحة فليقم. فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها(٢) ، فأنزل الله على نبيّه: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون.
وقال - عزّ وجلّ - :( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) . فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح].(٣)
( وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) : ليطهّرهم ويصفّيهم من الذّنوب إن كانت الدّولة عليهم.
( وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) (١٤١): ويهلكهم إن كانت عليهم.
والمحق، نقض الشيء قليلا قليلا.
وفي كتاب كمال الدّين(٤) وتمام النّعمة: بإسناده إلى ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إمام أمّتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الّذي يملأ الله به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحقّ بشيرا ونذيرا إنّ الثّابتين على القول به [في زمان غيبته](٥) لأعزّ
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٤ - ١٢٥.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يشدونها.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٨٧ - ٢٨٨، ح ٧.
(٥) ليس في ر.
من الكبريت الأحمر.
فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله، للقائم من ولدك غيبة؟
قال: إي وربّي،( وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ) ، يا جابر إنّ هذا الأمر من الله(١) وسرّ من سرّ الله مطويّ عن عباد الله، فإيّاك والشّكّ فيه، فإنّ الشّك في أمر الله - عزّ وجلّ - كفر.
( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) : بل أحسبتم.
ومعناه، الإنكار، أي: لا تحسبوا أن تدخلوها ولـمـّا يعلم الله المجاهدين منكم، ولـمـّا يجاهد بعضكم. وفيه دلالة، على أنّ الجهاد فرض على الكفاية. والفرق بين «لمّا، ولم» أنّ فيها توقّعا في المستقبل بخلاف لم.
وقرئ: «يعلم» بفتح الميم، على أنّ أصله «يعلمن» فحذف النّون(٢) .
( وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (١٤٢): نصب بإضمار «أن» على أنّ الواو للجمع.
وقرئ، بالرّفع، على أنّ الواو للحال، كأنّه قال: ولـمـّا تجاهدوا وأنتم صابرون(٣) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن داود الرّقيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - تعالى - :( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) .
قال: إنّ الله هو أعلم بما هو مكوّنه قبل أن يكوّنه وهم ذرّ، وعلم من يجاهد ممّن لا يجاهد، كما(٥) أنّه يميت خلقه قبل أن يميتهم ولم يرهم موتهم وهم أحياء.
( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) : بالشّهادة أو الحرب، فإنّها من أسباب الموت.
( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ) : من قبل أن تشاهدوه، وتعرفوا ثبوته.
( فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) (١٤٣)، أي: رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم
__________________
(١) المصدر: «إن هذا الأمر [أمر] من أمر الله» بدل «إن هذا الأمر من الله».
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٨٤.
(٣) نفس الموضع والمصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ١٩٩، ح ١٤٧.
(٥) المصدر: كما علم.
من قتل من إخوانكم. وهو توبيخ لهم على أنّهم تمنّوا وتسيّبوا لها، ثمّ جبنوا وانهزموا عنها.
أو على تمنّي الشّهادة، فإنّ في تمنّيها تمنّي غلبة الكفّار.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في هذه(٢) الآية: أنّ المؤمنين لـمّا أخبرهم الله - تعالى - بالّذي فعل بشهدائهم يوم بدر ومنازلهم في(٣) الجنّة، رغبوا في ذلك، فقالوا: اللهمّ، أرنا قتالا(٤) نستشهد فيه. فأراهم الله إياه يوم أحد، فلم يثبتوا إلّا من(٥) شاء الله منهم، فذلك قوله:( وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ) (الآية)(٦) [( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ) ].(٧)
( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) : فسيخلو كما خلوا بالموت، أو القتل.
( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) : إنكار لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدّين، لخلوّه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل(٨) قبله، وبقاء دينهم متمسّكا به.
وقيل(٩) : «الفاء» للسّببيّة و «الهمزة» لإنكار أن يجعلوا خلوّ الرّسل قبله، سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته.
وفي روضة الكافي(١٠) : حنّان، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كان النّاس أهل ردّة بعد النّبيّصلىاللهعليهوآله الّا ثلاثة.
قلت: ومن الثّلاثة؟
فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذرّ الغفاريّ، وسلمان الفارسيّ - رحمة الله وبركاته عليهم - ثمّ عرف أناس بعد يسير.
وقال: هؤلاء الّذين دارت عليهم الرّحا، وأبوا أن يبايعوا حتّى جاؤوا بأمير المؤمنينعليهالسلام مكرها فبايع، وذلك قول الله - عزّ وجلّ - :
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١١٩.
(٢) ذكر الآية في المصدر بدل «هذه».
(٣) المصدر: من.
(٤) المصدر: القتال.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) من المصدر.
(٨) أ: الرسول.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٨٤.
(١٠) الكافي ٨ / ٢٤٥، ح ٣٤١.
( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) .
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(١) بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء الخفّاف، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا انهزم النّاس يوم أحد عن النّبيّصلىاللهعليهوآله انصرف إليهم بوجهه، وهو يقول: أنا محمّد، أنا رسول الله لم أقتل ولم أمت. فالتفت إليه فلان وفلان فقالا: الآن يسخر بنا - أيضا - وقد هزمنا.
وبقي معه عليّعليهالسلام وسماك بن خرشة أبو دجانة(٢) - رحمه الله - فدعاه النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال يا أبا دجانة انصرف وأنت في حلّ من بيعتك، فأمّا علىّ فهو أنا وأنا هو(٣) .
فتحوّل وجلس بين يديّ النّبيّصلىاللهعليهوآله وبكى، وقال: لا والله - ورفع رأسه إلى السّماء وقال - : لا والله، لا جعلت نفسي في حلّ من بيعتي، إنّي بايعتك، فإلى من أنصرف يا رسول الله؟ إلى زوجة تموت أو ولد يموت أو دار تخرب أو(٤) مال يفنى وأجل قد اقترب. فرقّ له النّبيّصلىاللهعليهوآله فلم يزل يقاتل حتّى أثخنته الجراحة - وهو في وجه وعليّعليهالسلام في وجه - فلمّا سقط(٥) احتمله عليّعليهالسلام فجاء به إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فوضعه عنده.
فقال: يا رسول الله أوفيت ببيعتي؟
قال: نعم، وقال له النّبيّصلىاللهعليهوآله خيرا.
وكان النّاس يحملون على النّبيّصلىاللهعليهوآله الميمنة فيكشفهم عليّعليهالسلام فإذا كشفهم أقبلت الميسرة إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فلم يزل كذلك حتّى تقطّع سيفه بثلاث قطع، فجاء إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فطرحه بين يديه وقال(٦) : هذا سيفي قد تقطّع. فيومئذ أعطاه النّبيّصلىاللهعليهوآله ذا الفقار.
__________________
(١) نفس المصدر ٨ / ٣١٨، ح ٥٠٢.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «شمال بن خرشة أبو دجانة» وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ٢ / ٦٨، رقم ٥٢٧٤ وفصل الكنى ٣ / ١٥ - ١٦.
(٣) هكذا في النسخ وفي المصدر: «وأمّا عليّ فأنا هو وهو أنا» بدل «فأمّا عليّ فهو أنا وأنا هو».
(٤) المصدر: و.
(٥) المصدر: أسقط.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.
ولمّا رأى النّبيّصلىاللهعليهوآله اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه إلى السّماء - وهو يبكي - وقال: يا ربّ، وعدتني أن تظهر دينك وإن شئت لم يعيك.
فأقبل عليّعليهالسلام إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، أسمع دويّا شديدا، وأسمع أقدم حيزوم، وما أهمّ أضرب أحدا إلّا سقط ميّتا قبل أن أضربه.
فقال: هذا جبرئيلعليهالسلام وميكائيل وإسرافيل في الملائكة.
ثمّ جاءه جبرئيلعليهالسلام فوقف إلى جنب رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا محمّد، إنّ هذه لهي المواساة.
فقالصلىاللهعليهوآله : إنّ عليّا منّي وأنا منه.
فقال جبرئيلعليهالسلام : وأنا منكما.
ثمّ انهزم النّاس فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ، امض بسيفك حتّى تعارضهم، فإن رأيتهم قد ركبوا القلاص وجنّبوا الخيل فإنّهم يريدون مكّة، وإن رأيتهم قد ركبوا الخيل وهم يجنّبون القلاص فإنّهم يريدون المدينة.
فأتاهم عليّعليهالسلام فكانوا على القلاص، فقال أبو سفيان لعليّعليهالسلام : [يا عليّ ،](١) ما تريد هو ذا نحن ذاهبون إلى مكّة، فانصرف إلى صاحبك. فاتّبعهم جبرئيلعليهالسلام فكلّما سمعوا وقع حافر فرسه جدّوا في السّير، وكان(٢) يتلوهم فإذا ارتحلوا قالوا: هو ذا عسكر محمّدصلىاللهعليهوآله قد أقبل.
فدخل أبو سفيان مكّة فأخبرهم الخبر، وجاء الرّعاة(٣) والحطّابون فدخلوا مكّة، فقالوا: رأينا عسكر محمّدصلىاللهعليهوآله كلّما رحل أبو سفيان نزلوا، يقدمهم فارس على فرس أشقر يطلب آثارهم. فأقبل(٤) أهل مكّة(٥) على أبي سفيان يوبّخونه.
ورحل النّبيّصلىاللهعليهوآله والرّاية مع عليّعليهالسلام وهو بين
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ر: كانوا.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فجاء الرعاء» بدل «وجاء الرعاة».
(٤) ر: فاقبلوا.
(٥) أ: إلى أهل مكّة.
يديه، فلمّا أن أشرف بالرّاية من العقبة ورآه النّاس نادى عليّعليهالسلام : أيّها النّاس، هذا محمّد لم يمت ولم يقتل. فقال صاحب الكلام - الّذي قال: الآن يسخر بنا وقد هزمنا - : هذا عليّ والرّاية بيده. حتّى هجم عليهم النّبيّصلىاللهعليهوآله ونساء الأنصار في أفنيتهم على أبواب دورهم، وخرج الرّجال إليه يلوذون به ويتوبون(١) إليه، والنّساء - نساء الأنصار - قد خدشن الوجوه ونشرن الشّعور وجززن النّواصي وخرقن الجيوب وحرمن البطون على النّبيّصلىاللهعليهوآله فلمّا رأينه قال لهنّ خيرا، وأمرهنّ أن يستترن ويدخلن منازلهنّ وقال: إنّ الله - تعالى - وعدني أن يظهر دينه على الأديان كلّها. وأنزل الله على محمّدصلىاللهعليهوآله ( وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ [مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ. وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً ) ].(٢) (الآية).
وفي روضة الكافي(٣) : خطبة مسندة إلى أمير المؤمنينعليهالسلام وهي خطبة الوسيلة، يقول فيهاعليهالسلام : حتّى إذا دعا الله - عزّ وجلّ - نبيّه ورفعه إليه، لم يك ذلك بعده إلّا كلمحة من خفقة أو رميض من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب، وانتكصوا على الأدبار، وطلبوا بالأوتار، وأظهروا الكتائب، وردموا الباب، وفلّوا الدّار(٤) ، وغيّروا آثار رسول اللهصلىاللهعليهوآله ورغبوا عن أحكامه، وبعدوا من أنواره، واستخلفوا(٥) بمستخلفه بديلا اتّخذوه وكانوا ظالمين، وزعموا أنّ من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول اللهصلىاللهعليهوآله ممّن اختاره الرّسول(٦) صلىاللهعليهوآله لمقامه، وأنّ مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجريّ(٧) الأنصاريّ الرّبّانيّ، ناموس هاشم بن عبد مناف.
عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس(٨) ، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال(٩) : وقال لأعداء الله أولياء الشّيطان أهل
__________________
(١) المصدر: «يثوبون». وذكر فيه في الهامش أنّه في بعض نسخ «يتوبون».
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر ٨ / ٢٩، ضمن حديث ٤.
(٤) المصدر: الديار.
(٥) المصدر: استبدلوا.
(٦) اختار رسول الله - صلّى الله عليه وآله.
(٧) هكذا في المصدر، وفي النسخ: المهاجر.
(٨) نفس المصدر ٨ / ٣٧٩، ضمن حديث ٥٧٤.
(٩) ليس في المصدر.
التّكذيب والإنكار:( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) يقول: متكلّفا إن أسألكم ما لستم بأهله.
فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعض: أما يكفي محمّدا أن يكون قهرنا عشرين سنة حتّى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا، فقالوا: ما أنزل الله هذا، وما هو إلّا شيء يتقوله يريد أن يرفع أهل بيته على رقابنا، ولئن قتل محمّد أو مات لننزعها من أهل بيته ثمّ لا نعيدها(١) فيهم أبدا.
واعلم أنّ فلانا وفلانا من أهل الانقلاب على الأعقاب بعد موت رسول الله - صلّى الله عليه وآله – لما رواه محمّد بن يعقوب - رحمه الله(٢) - عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عنهما.
فقال: يا أبا الفضل، لا تسالني(٣) عنهما، فو الله ما مات منّا ميّت [قطّ](٤) إلّا ساخطا(٥) عليهما، وما منّا اليوم إلّا ساخطا(٦) عليهما، يوصي بذلك الكبير منّا الصّغير، إنّهما ظلمانا(٧) حقّنا ومنعانا فيئنا(٨) ، وكانا أوّل من ركب أعناقنا، وفتقا(٩) علينا فتقا(١٠) في الإسلام لا يسدّ(١١) أبدا حتّى يقوم قائمنا [أو يتكلّم متكلّمنا].(١٢) ثمّ قال: أما والله لو قد قام قائمنا(١٣) وتكلّم متكلّمنا لأبدا من أمورهما ما كان يكتم ولكتم(١٤) من أمورهما ما كان يظهر، والله ما أسّست(١٥) من بليّة ولا قضيّة تجري علينا أهل البيت إلّا هما سبب(١٦) أوّلها، فعليهما لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.
وفي تفسير العيّاشيّ(١٧) : عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه سئل عمّن قتل أمات؟
__________________
(١) أور: تفيدها.
(٢) الكافي ٨ / ٢٤٥، ح ٣٤٠. وفيه: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنان بن سدير عن أبيه.
(٣) المصدر: ما تسألني.
(٤) من المصدر. ٥ و ٦ - هكذا في المصدر. وفي النسخ: ساخط.
(٧) أ: «لأنّهما ظلمنا» بدل «إنّهما ظلمانا».
(٨) ر: «ضيعانا ميتنا» بدل «ومنعانا فيئنا».
(٩ و ١٠) المصدر: بثقا.
(١١) المصدر: يسكر.
(١٢) من المصدر.
(١٣) المصدر: [أ] و.
(١٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لكتما.
(١٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أمست.
(١٦) المصدر: أسّسا.
(١٧) تفسير العياشي ١ / ٢٠٢، ح ١٦٠. وهذا الحديث هو نفس الحديث التالي ولكن أسقط منه اسم الرّاويّ مع اختلافات بسيطة جدّا. ولعل التكرار والسهو من الناسخ. والله العالم.
قال: لا، الموت موت والقتل قتل.
قيل: ما أحد يقتل إلّا وقد مات.
فقال: قول الله أصدق من قولك، فرّق بينهما في القرآن قال:( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ ) وقال:( لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ ) وليس كما قلت: الموت والقتل قتل.
قيل: فإنّ الله يقول:( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) .
قال: من قتل لم يذق الموت.
ثمّ قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت.
وعن زرارة(١) قال: كرهت أن أسال أبا جعفرعليهالسلام عن الرّجعة، واستخفيت ذلك، قلت: لأسألنّ مسألة لطيفة أبلغ فيها حاجتي، فقلت: أخبرني عمّن قتل أمات؟
قال: لا، الموت موت والقتل قتل.
قلت: ما أحد يقتل إلّا وقد مات.
فقال: قول الله أصدق من قولك، فرّق بينهما في القرآن فقال:( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ ) : وقال(٢) :( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ ) . وليس كما قلت يا زرارة: الموت موت والقتل قتل.
قلت: فإن الله يقول(٣) :( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) .
قال: من قتل لم يذق الموت. [ثم](٤) قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت.
( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً ) : من الضّرر يسيرا بارتداده، بل يضرّ نفسه.
( وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (١٤٤): كأمير المؤمنينعليهالسلام ومن يحذوا حذوه، شكروا الله على نعمة الإسلام وثبتوا عليها.
في كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ - رحمه الله(٥) - : بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ
__________________
(١) نفس المصدر والموضع والرقم.
(٢) / ١٥٨.
(٣) / ١٨٥.
(٤) من المصدر.
(٥) الاحتجاج ١ / ٧٧.
الباقرعليهالسلام عن النّبيّصلىاللهعليهوآله في حديث طويل، وفيه خطبة الغدير، وفيها: معاشر النّاس، أنذركم إنّي رسول الله إليكم(١) ، قد خلت من قبلي الرّسل، أفإن متّ أو قتلت انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا وسيجزي الله الشّاكرين، ألا وإنّ عليّا هو الموصوف بالصّبر والشّكر، ثمّ من بعده ولدي من صلبه.
وفيه(٢) بإسناده قال عليّعليهالسلام في خطبة له: إنّ الله ذا الجلال والإكرام، لـمّا خلق الخلق(٣) واختار خيرة من خلقه، واصطفى صفوة من عباده، وأرسل رسولا منهم، وأنزل عليه كتابه، وشرع له دينه، وفرض فرائضه، فكانت الجملة قول الله - جلّ ذكره - حيث أمر فقال:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فهو لنا أهل البيت خاصّة دون غيرنا، فانقلبتم على أعقابكم، وارتددتم، ونقضتم الأمر، ونكثتم العهد، ولم تضرّوا الله شيئا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: أتدرون(٥) مات النبيّصلىاللهعليهوآله أو قتل؟ إنّ الله يقول:( أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) .
ثمّ قال(٦) : إنّهما سقتاه قبل الموت(٧)
: (يعني: الامرأتين)(٨) ( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) : إلّا بمشيئته، أو بإذنه لملك الموت في قبض روحها، لا يستأخر ساعة بالإحجام عن القتال ولا يستقدم بالإقدام عليه. وفيه
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٣) «و» ليس في المصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٠٠، ح ١٥٢.
(٥) المصدر: تدرون.
(٦) المصدر: «فسمّ قبل الموت» بدل «ثمّ قال».
(٧) «قبل الموت» في المصدر، بين المعقوفتين. وإذا كانت العبارات التالي كعبارات المصدر، فلا داعي لتكرارها.
(٨) ما بين القوسين ليس في المصدر. والظاهر هو توضيح من المفسر.
تحريض وتشجيع على القتال، ووعد الرّسول بالحفظ وتأخير الأجل.
( كِتاباً ) : مصدر، يفيد النّوع. إذ المعنى، كتب الموت كتابا.
( مُؤَجَّلاً ) : صفة له، أي: مؤقّت، لا يتقدّم ولا يتأخّر.
( وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ) : تعريض بمن شغلته الغنائم يوم أحد.
( وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) (١٤٥): الّذين شكروا نعمة الله، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : أنّه أصاب عليّاعليهالسلام يوم أحد ستّون جراحة، وأنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله أمر أمّ سليم(٢) وأمّ عطيّة أن تداوياه، فقالتا: إنّا لا نعالج منه مكانا إلّا انفتق مكان، وقد خفنا(٣) عليه. فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدة، فجعل يمسحه بيده ويقول: إنّ رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى وأعذر. فكان القرح الّذي يمسحه رسول اللهصلىاللهعليهوآله يلتئم، فقال عليّعليهالسلام : الحمد لله إذ لم أفرّ ولم أولّ(٤) الدّبر. فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن، وهو قوله:( سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) [من الرزق في الدنيا](٥) ( وَسَنَجْزِي ) (٦) ( الشَّاكِرِينَ ) .
( وَكَأَيِّنْ ) قيل(٧) : «أيّ» دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى «كم» والنّون، تنوين أثبت في الخطّ على غير قياس.
وقرأ ابن كثير «وكائن» ككاعن. ووجهه، أنّه قلب الكلمة الواحدة، كقولهم: رعملى، في «لعمري» فصار كيأن، ثم حذفت الياء الثّانية للتّخفيف، ثمّ أبدلت الياء
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥١٥.
(٢) النسخ: «أم سلمه» وهو وهم. وما أثبتناه في المتن مؤالف المصدر. و «أم سليم» بنت ملحان بن خالد.
اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها. فقيل: سهله ورملية ورمسة ومليكة والغميصاء والرميصاء. شهدت يوم أحد وسقت فيه العطشى وداوت الجرحى. ثم شهدت يوم حنين. ر. أعلام النساء لكحالة ٢ / ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٣) المصدر: حفنا.
(٤) المصدر: أولى.
(٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر: سيجزي.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٨٥.
الأخرى ألفا كما أبدلت من «طائي(١) .»( مِنْ نَبِيٍ ) : بيان له.
( قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) : ربّانيّون علماء أتقياء.
وقيل(٢) جماعات.
والرّبّيّ، منسوب إلى الرّبّة(٣) ، وهي الجماعة، للمبالغة.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الباقرعليهالسلام : الرّبّيّون، عشرة آلاف.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه قرأ: «وكأيّن من نبيّ قتل معه ربّيّون كثير» قال: ألوف وألوف.
ثمّ قال: إي والله يقتلون.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: «قتل» وإسناده إلى «ربّيّون» أو ضمير النّبيّ. و «معه ربّيّون» حال عنه. ويؤيّد الأوّل أنّه قرئ بالتّشديد، وقرئ: «ربّيّون» بالفتح على الأصل، وبالضّمّ. وهي من تغييرات النّسب كالكسر(٦) .
( فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : فما فتروا ولم ينكسر جدّهم، لما أصابهم من قتل النّبيّ أو بعضهم.
( وَما ضَعُفُوا ) : عن العدوّ أو في الدّين،( وَمَا اسْتَكانُوا ) : وما خضعوا للعدوّ. وأصل استكن، من السّكون، لأنّ الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة. أو استكون، من الكون، لأنّه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له. وهذا تعريض بما أصابهم عند الإرجاف بقتله - عليه السّلام.
( وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (١٤٦): فينصرهم، ويعظّم قدرهم.
( وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) المصدر: ربية.
(٤) مجمع البيان ١ / ٥١٧.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٠١، ح ١٥٤. وفيه: عن منصور بن الوليد الصيقل أنّه سمع أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام - قرأ
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٨٥.
وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) (١٤٧): أي: وما كان قولهم من ثباتهم وقوّتهم في الدّين وكونهم ربّانيّين إلّا هذا القول، وهو إضافة الذّنوب والإسراف إلى أنفسهم، هضما لها، وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالهم والاستغفار عنها. ثمّ طلب التّثبيت في مواطن الحرب والنّفرة على العدوّ، ليكون عن خضوع وطهارة، فيكون أقرب إلى الإجابة. وإنّما جعل قولهم خبرا، لأنّ «أن قالوا» أعرف لدلالته على جهة النّسبة وزمان الحدث.
( فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (١٤٨) :
فآتاهم الله - بسبب الاستغفار واللّجأ إلى الله - النّصر، والغنيمة، والعزّ، وحسن الذّكر في الدّنيا، والجنّة والنّعيم في الآخرة. وخصّ ثوابها بالحسن، إشعارا بفضله، وأنّه المعتدّ به عنده.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) (١٤٩) :
في مجمع البيان(١) : عن أمير المؤمنين - عليه السّلام: نزلت في المنافقين، إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا إلى دينهم.
وقيل(٢) : عامّ في مطاوعة الكفرة والنّزول على حكمهم، فإنه سيجر(٣) إلى موافقتهم.
( بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ ) : ناصركم.
وقرئ، بالنصب، على تقدير: بل أطيعوا الله مولاكم(٤) .
( وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ) (١٥٠): فاستغنوا به عن ولاية غيره، ونصره.
( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) : يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد، حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب.
ونادى أبو سفيان: يا محمّد، موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت.
فقالعليهالسلام : إن شاء الله.
وقيل(٥) : لـمّا رجعوا وكانوا ببعض الطّريق، ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥١٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٨٦.
(٣) المصدر: يستجرّ.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) نفس المصدر والموضع.
ليستأصلوهم، فألقى الله الرّعب في قلوبهم.
في مجمع البيان(١) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله : نصرت بالرّعب مسيرة شهر.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن أبي أمامة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : فضّلت بأربع، نصرت بالرّعب مسيرة شهر يسير بين يدي.
عن سعيد بن جبير(٣) ، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي، جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرّعب.
عن جابر بن عبد الله، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل(٤) ، يقولعليهالسلام فيه: قال لي الله - جلّ جلاله - : ونصرتك بالرّعب الّذي لم أنصر به أحدا قبلك(٥) .
وقرأ ابن عامر والكسائيّ ويعقوب: «الرّعب» بضمّتين على الأصل في كلّ القرآن(٦) .
( بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ) : بسبب إشراكهم به،( ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ) : عليهم،( سُلْطاناً ) أي: آلهة ليس على اشتراكها حجّة، ولم ينزل به عليهم سلطانا، وهو كقوله(٧) :
ولا ترى الضّبّ بها ينجحر.
وأصل السّلطنة، القوّة. ومنه: السّليط، لقوّة اشتعاله. والسّلاطة، لحدّة اللّسان.
( وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) (١٥١)، أي: مثواهم. الظّاهر فوضع المضمر، للتّغليظ والتّعليل.
( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ ) : أي: وعده إيّاهم بالنّصر، بشرط التّقوى والصّبر.
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥١٩.
(٢) الخصال / ٢٠١، ضمن حديث ١٤.
(٣) نفس المصدر / ٢٩٢، ح ٥٦. وله تتمة.
(٤) نفس المصدر / ٤٢٥، ضمن حديث ١.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٨٦.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٨٦.
وكان كذلك حتّى خالف الرّماة، فإنّ المشركين لـمّا أقبلوا جعل الرّماة يرشقونهم والباقون يضربونهم بالسّيف، حتّى انهزموا والمسلمين على آثارهم.
( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ) : تقتلونهم. من حسّه، إذا أبطل حسه.
( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ ) : جبنتم، وضعف رأيكم. أو ملتم إلى الغنيمة، فإنّ الحرص من ضعف العقل.
( وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) ، يعني: اختلاف الرّماة حين انهزم المشركون، فقال بعضهم: فما موقفنا هاهنا. وقال الآخرون: لا نخالف أمر الرّسول. فثبت مكانه أميرهم في نفر دون العشرة، ونفر الباقون للنّهب. وهو المعنى بقوله:( وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) : من الظّفر والغنيمة، وانهزام العدوّ.
وجواب «إذا» محذوف، وهو «امتحنكم».
( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) : وهم التّاركون المركز للغنيمة.
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) : وهم الثّابتون(١) ، محافظة على أمر الرّسول.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قوله:( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) يعني، أصحاب عبد الله بن جبير، الّذين تركوا مراكزهم(٣) وفرّوا(٤) للغنيمة. قوله:( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) يعني، عبد الله بن جبير وأصحابه، الّذين بقوا حتّى قتلوا].(٥) ( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ) : ثمّ كفّكم عنهم، حتّى خالف الحال، فغلبوكم(٦) ،( لِيَبْتَلِيَكُمْ ) : على المصائب، ويمتحن ثباتكم على الإيمان عندها.
( وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ) : تفضّلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة.
( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (١٥٢): بتفضّله عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلّها، سواء أديل لهم أو عليهم، إذ الابتلاء أيضا رحمة،( إِذْ تُصْعِدُونَ ) : متعلّق «بصرفكم» أو «بيبتليكم» أو بمقدّر كما ذكروا.
والإصعاد، الذّهاب والإبعاد في الأرض. يقال: أصعدنا من مكّة إلى المدينة.
__________________
(١) أ: التائبون.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٢٠.
(٣) المصدر: مركزهم.
(٤) المصدر: مرّوا.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) ر: فقلبوكم.
( وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ ) : لا يقف أحد لأحد، ولا ينتظره،( وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ) : كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنّة،( فِي أُخْراكُمْ ) : في ساقتكم وجماعتكم الأخرى،( فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ ) : فجازاكم الله عن فشلكم وعصيانكم، غمّا متّصلا بغمّ.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام [في قوله:( فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ ) ](٢) فأمّا الغمّ الأوّل فالهزيمة والقتل، والغمّ الآخر فإشراف خالد بن الوليد عليهم.
( لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ) : من الغنيمة،( وَلا ) : على( ما أَصابَكُمْ ) : من قتل إخوانكم.
وقيل(٣) : «لا» مزيدة، والمعنى: لتأسفوا على ما فاتكم من الظّفر والغنيمة، وعلى ما أصابكم في الجرح والهزيمة عقوبة لكم.
وقيل: الضّمير في «أثابكم» للرّسول، أي: فآساكم في الاغتمام، فاغتمّ بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه، ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النّصر، ولا على ما أصابكم من الهزيمة.
( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) (١٥٣) عالم بأعمالكم، وبما قصدتم بها.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام ( لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ) من الغنيمة، ولا على( ما أَصابَكُمْ ) ، يعني، قتل إخوانهم.( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) ].(٥)
( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً ) : أنزل الله عليكم الأمن حتّى أخذكم النّعاس.
وعن أبي طلحة(٦) : غشينا النّعاس في المصافّ حتّى كان السّيف يسقط من
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٠.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٨٧.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٨٧.
يد أحدنا، فيأخذه ثمّ يسقط، فيأخذه.
والأمنة، الأمن. نصب، على المفعول. ونعاسا، بدل منها. أو هو المفعول، و «أمنة» حال منه متقدّمة. أو مفعول له. أو حال من المخاطبين، بمعنى، ذوي أمنة. أو على أنّه، جمع آمن، كبارّ وبررة.
وقرئ: أمنة، بسكون الميم، كأنّها المرّة من الأمن.
[وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وذكر يوم أحد - : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله كسرت رباعيّته، وأنّ النّاس ولّوا مصعدين في الوادي والرّسول يدعوهم في أخراهم فأثابهم غمّا بغمّ، ثمّ أنزل عليهم النّعاس.
فقلت: النّعاس ما هو؟
قال: الهمّ، فلمّا استيقظوا قالوا: كفرنا.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٢) ( يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ ) ، أي: النّعاسّ.
وقرأ حمزة والكسائيّ، بالتّاء، ردّا على الأمنة. والطّائفة، المؤمنون حقّا(٣) .
( وَطائِفَةٌ ) : هم المنافقون،( قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) : أوقعتهم(٤) أنفسهم في الهموم، أو ما بهم إلّا هم أنفسهم وطلب خلاصها،( يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ) : صفة أخرى «لطائفة» أو حال. أو استئناف، على وجه البيان لما قبله.
و «غير الحقّ» نصب على المصدر، أي: يظنّون بالله غير الظّنّ الحقّ الّذي يحقّ أن يظنّ به.
و «ظنّ الجاهليّة» بدل، وهو الظّنّ المختصّ بالملّة الجاهليّة وأهلها.
( يَقُولُونَ ) ، أي: لرسول الله. وهو بدل من «يظنّون».
( هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ) : ممّا أمر الله، ووعده من النّصر والظّفر نصيب
__________________
(١) تفسير العيّاشيّ ١ / ٢٠١، صدر حديث ١٥٥.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٨٧.
(٤) أ: أوثقهم.
قطّ.
وقيل(١) : أخبر ابن أبيّ بقتل بني الخزرج، فقال ذلك.
والمعنى: إنّا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أوهل يزول عنّا هذا القهر، فيكون لنا من الأمر شيء( قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) ، أي: الغلبة الحقيقيّة لله وأوليائه، فإنّ حزب الله هم الغالبون. أو القضاء له، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وهو اعتراض.
وقرأ ابو عمرو ويعقوب «كلّه» بالرّفع، على الابتداء(٢) .
( يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ) : حال، من ضمير «يقولون»، أي: يقولون مظهرين أنّهم مسترشدون طالبون للنّصر، مبطنين الإنكار والتّكذيب.
( يَقُولُونَ ) ، أي: في أنفسهم، أو إذا خلا بعضهم إلى بعض. وهو بدل من «يخفون.» أو استئناف، على وجه البيان له.
( لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) : كما وعد محمّدصلىاللهعليهوآله وزعم، متوصّلا أنّ الأمر كلّه لله - تعالى - ولأوليائه. أولو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح، كما كان ابن أبيّ وغيره.
( ما قُتِلْنا هاهُنا ) : لما غلبنا، ولما قتل من قتل منّا في هذه المعركة.
( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ) ، أي: لخرج الّذين قدّر الله عليهم القتل وكتب في اللّوح المحفوظ إلى مصارعهم، ولم ينفع الإقامة بالمدينة، ولم ينج منه أحد، فإنّه قدّر الأمور ودبّرها في سابق قضائه، لا معقّب لحكمه.
( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ) : ليمتحن ما في صدوركم، ويظهر سرائرها من الإخلاص والنّفاق. وهو علّة فعل محذوف، أي: وفعل ذلك ليبتلي. أو عطف على محذوف، أي، لبرز لنفاذ القضاء، أو لمصالح جمّة وللابتلاء. أو على قوله: لكيلا تحزنوا.
( وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) : وليكشفه ويميّزه، أو يخلّصه عن الوساوس.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) (١٥٤): بخفيّاتها قبل إظهارها. وفيه وعد ووعيد، وتنبيه على أنّه غنيّ عن الابتلاء، وإنّما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين.
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) : انهزموا يوم أحد.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر ١ / ١٨٨.
والجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين.
( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ) : حملهم على الزّلة،( بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) : من معصيتهم النّبيّصلىاللهعليهوآله بترك المركز والحرص على الغنيمة وغير ذلك، فمنعوا التّأييد وقوّة القلب.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ) أي، خدعهم(٢) حتّى طلبوا الغنيمة.( بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) قال: بذنوبهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السّلام - في قوله:( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) فهو عقبة بن عثمان، وعثمان بن سعد.](٤)
عن عبد الرّحمن(٥) بن كثير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [في قوله( إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ) ](٦) قال: هم أصحاب العقبة.
( وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ ) : لتوبتهم واعتذارهم.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) : للذّنوب.
( حَلِيمٌ ) (١٥٥): لا يعاجل بعقوبة المذنب، كي يتوب.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ) ، يعني: المنافقين.
( وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ) : لأجلهم وفيهم. ومعنى إخوتهم، اتّفاقهم في النّسب، أو المذهب.
( إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ) : إذا سافروا فيها وأبعدوا للتّجارة، أو غيرها. وكان حقّه «إذ» لقوله: «قالوا» لكنّه جاء على حكاية الحال الماضية.
( أَوْ كانُوا غُزًّى ) : جمع، غاز كعاف، وعفّى.
( لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا ) : مفعول «قالوا» وهو يدلّ على أنّ إخوانهم، لم يكونوا مخاطبين به.
( لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) : متعلّق «بقالوا» على أنّ اللّام، لام
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢١.
(٢) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: خزلهم.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٠١، ح ١٥٦.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١٥٨.
(٦) من المصدر.
العاقبة، مثلها في( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) . أولا تكونوا مثلهم في النّطق بذلك القول والاعتقاد، ليجعله حسرة في قلوبهم خاصّة.
[«فذلك» إشارة إلى ما دلّ عليه قولهم من الاعتقاد.
وقيل(١) : إلى ما دلّ عليه النّهي، أي، لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ،](٢) فإنّ مخالفتهم ومضادّتهم(٣) مما يغمّهم.
( وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) : ردّ لقولهم، أي: هو المؤثّر في الحياة والممات، لا الإقامة والسّفر، فإنّه - تعالى - قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (١٥٦): تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ، بالياء، على أنّه وعيد للذين كفروا(٤) .
( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ ) : في سبيله.
وقرأ نافع وحمزة والكسائيّ، بكسر الميم، من مات يمات(٥) .
( لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (١٥٧): جواب القسم. وهو سادّ، مسدّ الجزاء، والمعنى: أنّ السّفر والغزو ليس ممّا يجلب الموت ويقدّم الأجل، وإن وقع ذلك في سبيل الله، فما تنالون من المغفرة والرّحمة بالموت خير ممّا تجمعون من الدّنيا ومنافعها لو لم تموتوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن عبد الله بن المغيرة [، عمّن حدّثه، عن جابر ،](٧) عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سئل عن قول الله:( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ ) .
قال: أتدري يا جابر ما سبيل الله؟
فقلت: لا والله إلّا أن أسمعه منك.
قال: سبيل الله عليّعليهالسلام وذرّيّته، فمن(٨) قتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٨٩.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٣) أ: مضارعتهم.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٠٢، ح ١٦٢. وله ذيل.
(٧) من المصدر.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: من.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن هذه الآية في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ ) .
قال: فقال: أتدري ما سبيل الله؟
قال: لا والله إلّا أن أسمعه منك.
قال: سبيل الله عليّ - عليه السّلام(٢) - وذرّيّته، و «سبيل الله(٣) » من قتل في ولايته قتل في سبيل الله، ومن مات في ولايته مات في سبيل الله.
وقرأ حفص، بالياء(٤) .
( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ) : على أي وجه اتّفق هلاكهم،( لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ ) (١٥٨) لإلى معبودكم الّذي توجّهتم إليه وبذلتم مهجكم لأجله لا إلى غيره، لا محالة تحشرون فيوفيّ جزاءكم ويعظّم ثوابكم.
وقرأ نافع وحمزة والكسائيّ: «متّم» بالكسر(٥) .
( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ) ، أي: فبرحمة. و «ما» مزيدة للتّأكيد. والدّلالة على أنّ لينه لهم ما كان إلّا برحمة من الله، وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرّفق بهم، حتّى اغتمّ لهم بعد(٦) أن خالفوه.
( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا ) : سيّء الخلق، جافيا،( غَلِيظَ الْقَلْبِ ) : قاسيه،( لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) : لتفرّقوا عنك، ولم يسكنوا إليك.
( فَاعْفُ عَنْهُمْ ) : فيما يختصّ بك،( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) : فيما لله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن صفوان قال: استأذنت لمحمّد بن خالد على(٨) الرّضا
__________________
(١) معاني الأخبار / ١٦٧، ح ١.
(٢) المصدر: [هو] عليّ - عليه السّلام.
(٣) «وسبيل الله» في المصدر، بين المعقوفتين.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٨٩.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) النسخ: «بعده» بدل «لهم بعد». وما أثبتناه في المتن موافق أنوار التنزيل ١ / ١٨٩.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٠٣، ح ١٦٣.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عن.
أبي الحسنعليهالسلام وأخبرته أنّه ليس يقول بهذا القول، وأنّه قال: والله لا أريد بلقائه إلّا لأنتهي إلى قوله.
فقال أدخله، فدخل.
فقال له: جعلت فداك، أنّه كان فرط منّي شيء وأسرفت على نفسي، وكان فيما يزعمون أنّه كان بعينه(١) ، فقال(٢) : وأنا(٣) أستغفر الله ممّا كان منّى، فأحبّ أن تقبل عذري وتغفر لي ما كان منّي.
فقال: نعم أقبل، إن لم أقبل كان إبطال ما يقول(٤) هذا وأصحابه - وأشار إليّ بيده - ومصداق ما يقول الآخرون، يعني، المخالفين. قال الله لنبيّه - عليه وآله السّلام - :( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) . ثمّ سأله عن أبيه، فأخبره أنّه قد مضى، واستغفر له.
( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) : في أمر الحرب، إذا الكلام فيه. أو فيما يصحّ أن يشاور فيه، استظهارا برأيهم، وتطيّبا لنفوسهم، وتمهيدا لسنّة المشاورة للأمّة.
وفي نهج البلاغة(٥) : قالعليهالسلام من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرّجال شاركها في عقولها.
وفيه(٦) : قالعليهالسلام : والاستشارة عين(٧) الهداية، فقد خاطر من استغنى برأيه.
وفي كتاب التّوحيد(٨) ، بإسناده إلى أبي البختريّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّعليهالسلام عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، وفيه: لا وحدة أوحش من العجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة.
وفي كتاب الخصال(٩) . عن محمّد بن آدم، عن أبيه - بإسناده - قال: قال
__________________
(١) المصدر: يعيبه (بعينه - خ ل)
(٢) هكذا في أو المصدر. وفي رو الأصل: فقأ.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أن.
(٤) ر: أقول.
(٥) نهج البلاغة / ٥٠٠، حكمة ١٦١.
(٦) نفس المصدر / ٥٠٦، ضمن حكمة ٢١١.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عن.
(٨) التوحيد / ٣٧٦، ضمن حديث ٢٠.
(٩) الخصال / ١٠١ - ١٠٢، ح ٥٧.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، لا تشاورنّ جبانا فإنه يضيق عليك المخرج، ولا تشاورنّ البخيل فإنّه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورنّ حريصا فإنّه يزيّن لك شرّها(١) .
وفيه(٢) ، في الحقوق المرويّة، عن عليّ بن الحسينعليهالسلام وحقّ المستشير إن علمت له رأيا أشرت عليه، وإن لم تعلم أرشدته إلى من يعلم. وحقّ المشير عليك(٣) أن لا تتّهمه فيما لا يوافقك من رأيه، فإن وافقك حمدت الله.
وعن سفيان الثّوريّ(٤) قال: لقيت الصّادق [بن الصّادق](٥) جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - فقلت له: يا بن رسول الله أوصني.
فقال لي: يا سفيان، لا مرؤة لكذوب(٦) - إلى قوله - : وشاور في أمرك الّذين يخشون الله.
[( فَإِذا عَزَمْتَ ) : فإذا وطّنت نفسك على شيء بعد الشّورى.
( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) : في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلم سواه.
وقرئ: فإذا عزمت على التّكلّم، أي: فإذا عزمت لك على شيء وعيّنته لك، فتوكّل عليّ ولا تشاور فيه(٧) أحدا.
( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (١٥٩): فينصرهم ويهديهم إلى الصّلاح].(٨)
في تفسير العيّاشيّ(٩) : أحمد بن محمّد، عن عليّ بن مهزيار قال: كتب إليّ أبو جعفرعليهالسلام أن سل فلانا أن يشير عليّ ويتخيّر لنفسه، فهو يعلم ما يجوز في بلده، وكيف يعامل السّلاطين، فإنّ المشورة مباركة، قال الله لنبيّهصلىاللهعليهوآله في محكم كتابه:( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) فإن كان ما يقول ممّا يجوز كنت أصوّب رأيه(١٠) ، وإن كان غير ذلك رجوت أن أضعه على الطّريق الواضح - إن شاء الله -( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) قال: يعني :
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ثرها.
(٢) نفس المصدر / ٥١٠، ضمن حديث ١.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «المستشير» بدل «المشير عليك».
(٤) نفس المصدر / ١٦٩، ضمن حديث ٢٢٢.
(٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: للكذوب.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٨٩.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) تفسير العياشي ١ / ٢٠٤ - ٢٠٥، ح ١٤٧.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لرأيه.
الاستخارة.
( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ) : فلا أحد يغلبكم.
( وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ) ، كما خذلكم يوم أحد،( فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) : من بعد خذلانه، أو من بعد الله، بمعنى: إذا جاوزتموه فلا ناصر لكم. وهذا تنبيه، على المقتضي للتّوكّل. وتحريض، على ما يستحقّ به النّصر من الله. وتحذير، عمّا يستجلب بخذلانه.
وفي كتاب التّوحيد(١) : بإسناده إلى عبد الله بن الفضل الهاشميّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيه: فقلت: قوله - عزّ وجلّ - : و( ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ ) وقوله - عزّ وجلّ - :( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) .
فقال: إذا فعل العبد ما أمره الله - عزّ وجلّ - به من الطّاعة كان فعله وفقا لأمر الله - عزّ وجلّ - وسمّي العبد به موفّقا، وإذا أراد العبد أن يدخل(٢) في شيء من معاصي الله فحال الله - تبارك وتعالى - بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها(٣) بتوفيق الله - تعالى ذكره - ومتى خلّى بينه وبين المعصية فلم يحل بينه وبينها حتّى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفّقه.
( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (١٦٠) فليخصّوه بالتّوكّل عليه، لـمّا علموا أن لا ناصر سواه وآمنوا به.
( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ) : وما صحّ لنبيّ أن يخون في الغنائم، فإنّ النّبوّة تنافي الخيانة.
يقال: غلّ شيئا من المغنم، يغلّ غلولا، وأغلّ إغلالا، إذا أخذه في خفية.
والمراد منه براءة الرّسولصلىاللهعليهوآله عمّا اتّهم به.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ ويعقوب: «أن يغلّ» على البناء للمفعول، والمعنى: وما صحّ له أن يوجد غالّا، أو أن ينسب إلى الغلول(٤) .
__________________
(١) التوحيد / ٢٤٢، ذيل حديث ١.
(٢) أ: «لن يدخل» بدل «أن يدخل».
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «تركها» بدل «تركه لها».
(٤) أنوار التنزيل ١ / ١٩٠.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أنّ سبب نزولها، أنّه كان في الغنيمة الّتي أصابوها يوم بدر قطيفة حمراء، ففقدت، فقال رجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مالنا لا نرى القطيفة، لا أظنّ إلّا أنّ رسول الله أخذها. فأنزل الله في ذلك:( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ) (الآية) فجاء رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: إنّ فلانا غلّ قطيفة فأخبأها(٢) هنالك. فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله بحفر ذلك الموضع، فأخرج القطيفة.
( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، أي: يأتي بما غلّ من النّار يوم القيامة، أي: يجعل ما غلّ في النّار ويكلّف بأن يخرجه منها، كما رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره(٣) : عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ ) قال: فصدق(٤) الله لم يكن الله ليجعل نبيّا غالا، ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة، ومن غلّ شيئا رآه يوم القيامة في النّار، ثمّ يكلّف أن يدخل إليه فيخرجه من النّار.
وفي أمالى الصّدوق - رحمه الله(٥) - : بإسناده إلى الصّادقعليهالسلام حديث طويل، يقول فيه: إنّ رضا النّاس لا يملك وألسنتهم لا تضبط [..].ألم ينسبوه(٦) يوم بدر إلى أنّه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء، حتّى أظهره الله على القطيفة، وبرّأ نبيّهصلىاللهعليهوآله من الخيانة وأنزل بذلك في كتابه:( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) .
( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ) : تعطي جزاء ما كسبت وافيا. وكان الظّاهر أن يقال: ثمّ توفّى ما كسبت، لكنّه عمّم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، فإنّه إذا كان كاسب مجزئا بعمله، فالغالّ مع عظم جرمه أولى.
( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (١٦١): فلا ينقص ثواب مطيعهم، ولا يزاد عقاب عاصيهم.
( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ ) : بالطّاعة، إنكار للتّسوية،( كَمَنْ باءَ ) : رجع ،
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فأحضرها.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٢٢.
(٤) المصدر: «ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة. وصدق» بدل «قال فصدق».
(٥) أمالي الصدوق / ٩١ و ٩٢، ضمن حديث ٣.
(٦) أ: بينوه.
( بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ) : سبب المعاصي ،
( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١٦٢) :
و الفرق بينه وبين المرجع، أنّ المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع.
( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ ) :
قيل(١) : شبّهوا بالدّرجات لما بينهم من التّفاوت في الثّواب والعقاب، أو هم ذوو درجات.
وقيل: يحتمل أن يكون تشبّههم بالدّرجات في أنّهم وسائل الصّعود إلى الله، والهبوط من قربه إلى أسفل السّافلين.
ولا يخفى ما في هذه التّوجيهات من التّكلّف، والصّواب أنّ ضميرهم راجع إلى «من اتّبع» والمراد منهم الأئمّة، وهم درجات عند الله لمن اتّبعهم من المؤمنين، وأسباب لرفعتهم عند الله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عمّار بن مروان(٣) قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قوله الله:( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .
فقال: الذين اتبعوا رضوان الله(٤) ، هم الأئمّة، وهم(٥) والله [يا عمّار - ](٦) درجات عند الله للمؤمنين، وبولايتهم(٧) ومعرفتهم إيّانا يضاعف الله لهم أعمالهم(٨) ويرفع الله [لهم](٩) الدّرجات العلى. وأمّا قوله: - يا عمّار - كمن باء بسخط من الله (إلى [قوله](١٠)) المصير ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٠.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٠٥، ح ١٤٩.
(٣) الأصل وأ: «عمران بن مروان». وفي ر: «عمران». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. والظاهر أنّ الراويّ هو «عمّار بن مروان اليشكري مولاهم الخزّاز الكوفي». ر. تنقيح المقال ٢ / ٣١٨، رقم ٨٥٩٢.
(٤) «الذين اتّبعوا رضوان الله» ليس في المصدر.
(٥) «وهم» ليس في المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: وبموالاتهم.
(٨) المصدر: «وهم، والله يا عمّار! درجات للمؤمنين عند الله. وبموالاتهم ومعرفتهم إيّانا فيضاعف الله للمؤمنين حسناتهم» بدل «وهم، والله يا عمّار! درجات عند الله للمؤمنين. وبولايتهم ومعرفتهم إيّانا يضاعف الله لهم أعمالهم».
٩ و ١٠ - من المصدر.
فهم والله الّذين جحدوا حقّ عليّ بن أبي طالب وحقّ الأئمّة منّا أهل البيت، فباؤوا بذلك بسخط(١) من الله.
عن أبي الحسن الرّضا - عليه السّلام(٢) - أنّه ذكر قول الله:( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ ) قال الدّرجات(٣) ما بين السّماء والأرض.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن هشام [بن سالم ،](٥) عن عمّار السّاباطيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - عن هذه الآية(٦) .
فقال: الّذين اتّبعوا رضوان الله، هم الائمّة، وهم والله - يا عمّار - درجات للمؤمنين، وبولايتهم ومعرفتهم إيّانا يضاعف الله لهم أعمالهم، ويرفع الله(٧) لهم(٨) الدّرجات العلى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثنا أحمد بن محمّد، عن المعلى بن محمّد، عن عليّ بن محمّد، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن يحيى، عن عليّ بن النّضر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يذكر فيه لقمان ووعظه لابنه، وفيه: من اتّبع أمره استوجب جنّته ومرضاته، ومن لم يتّبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه(١٠) ، نعوذ بالله من سخط الله.
( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) (١٦٣): عالم بأعمالهم، فيجازيهم على حسبها.
( لَقَدْ مَنَّ اللهُ ) : أنعم الله. واللّام، موطّئة للقسم.
__________________
(١) المصدر: «لذلك سخطا» بدل «بذلك بسخط».
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٥٠.
(٣) المصدر: الدرجة.
(٤) الكافي ١ / ٤٣٠، ح ٨٤.
(٥) من المصدر.
(٦) ذكر في المصدر نفس الآية بطولها بدل «عن هذه الآية».
(٧) المصدر: [الله].
(٨) ليس في المصدر.
(٩) تفسير القمي ٢ / ١٦٥. والسند المذكور هنا هو في المصدر سند لحديث آخر (ص ١٦١ - ١٦٢). فراجع.
وسند هذا الحديث هاهنا، هكذا: حدّثنى أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد، قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن لقمان وحكمته الّتي ذكرها الله - عزّ وجلّ - فقال:
(١٠) النسخ: لسخطه.
وقرئ بمن الجارّة، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: منه، أو بعثه(١) .
( عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) : على الّذين آمنوا مع الرّسول. وتخصيصهم - مع أنّ نعمة البعثة عامّة - لزيادة انتفاعهم بها.
( إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) : من نسبهم، أو من صنفهم، عربيّا مثلهم، ليفهموا كلامه بسهولة، ويكونوا واقفين على حاله في الصّدق والأمانة، مفتخرين به.
وقرئ: من أنفسهم، أي: من أشرفهم، لأنّهعليهالسلام كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم(٢) .
( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ) ، أي: القرآن، بعد ما كانوا جهّالا لم يسمعوا الوحي.
( وَيُزَكِّيهِمْ ) : ويطهّرهم من دنس الطّبائع، وسوء العقائد والأعمال،( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) : القرآن، والسّنّة.
( وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (١٦٤) :
«إن» هي المخفّفة. واللّام، هي الفارقة، والمعنى: وإنّ الشّأن كانوا من قبل بعثة الرّسول في ضلال ظاهر.
( أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ) :
الهمزة، للتّقرير والتّقريع. والواو، عاطفة للجملة على ما سبق من قصّة أحد، أو على محذوف، أي: فعلتم كذا وقلتم كذا. «لمّا» وهو ظرفه المضاف إلى أصابتكم، أي: حين أصابتكم مصيبة، وهي قتل سبعين منكم يوم أحد، والحال أنّكم نلتم ضعفها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين.
( قُلْتُمْ أَنَّى هذا ) ، أي: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النّصر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : محمّد بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٤) قال: كان المسلمون قد أصابوا ببدر مائة وأربعين رجلا، قتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين، فلمّا كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا، قال: فاغتمّوا لذلك فأنزل الله - تبارك وتعالى - : أولمّا (الآية)(٥)
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٠.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٠٥، ح ١٥١.
(٤) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: في قول الله:( أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ) .
(٥) ذكر في المصدر الآية بدل «الآية».
( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) :
باختياركم الفداء يوم بدر، كذا عن أمير المؤمنينعليهالسلام رواه في مجمع البيان(١) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أنّ يوم بدر قتل من قريش سبعون وأسر منهم سبعون، وكان الحكم في الأسارى يوم بدر(٣) القتل، فقامت الأنصار [إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ](٤) فقالوا: يا رسول الله، هبهم لنا ولا تقتلهم حتّى نفاديهم.
فنزل جبرائيلعليهالسلام فقال: إنّ الله قد أباح لهم(٥) الفداء أن يأخذوا من هؤلاء القوم ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذون(٦) منه الفداء(٧) .
فأخبرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بهذا الشّرط.
فقالوا: قد رضينا به، نأخذ العام الفداء عن هؤلاء ونتقوى به، ويقتل منّا في عام قابل بعدد من(٨) نأخذ منهم(٩) الفداء، وندخل الجنّة. فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم.
فلمّا كان يوم أحد(١٠) قتل(١١) من اصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبعون، فقالوا: يا رسول الله، ما هذا الّذي أصابنا وقد كنت تعدنا النّصر(١٢)؟ فأنزل الله:( أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ ) (الآية)(١٣) ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) بما اشترطتم يوم بدر.
قال البيضاويّ(١٤) : أي، ممّا قد اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز، فإنّ الوعد كان مشروطا بالثّبات والمطاوعة، أو اختيار الخروج من المدينة.
والأوّل مخالف للنّصّ، والثّاني لعدم الرّدّ على اختيار الرّسولصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) بل في أنوار التنزيل ١ / ١٩١.
(٢) تفسير القمي.
(٣) «يوم بدر» ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) أ: لكم.
(٦) المصدر: يأخذوا.
(٧) يوجد في المصدر بعد هذه الكلمة: من هؤلاء.
(٨) المصدر: ما.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: منه.
(١٠) المصدر: «فلمّا كان في هذا اليوم وهو يوم أحد» بدل «فلمّا كان يوم أحد».
(١١) ر: قتلوا.
(١٢) المصدر: بالنصر.
(١٣) المصدر: «مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا» بدل «الآية».
(١٤) أنوار التنزيل ١ / ١٩١.
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١٦٥): فيقدر على النّصر ومنعه، وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم.
( وَما أَصابَكُمْ ) : من القتل.
( يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) : يوم أحد. والجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين،( فَبِإِذْنِ اللهِ ) : فهو كائن بتخلية الكفّار. وسمّاها إذنا، مجازا مرسلا، لأنّها من لوازمه، ليفي بما شرطتم يوم بدر حين اختياركم،( وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٦٦)( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ) : وليتميّز المؤمنون والمنافقون، فيظهر إيمان هؤلاء بالصّبر، ونفاق هؤلاء بإظهار طلب وعد النّصر والإعراض عن الاشتراط. وفي إيراد أحد المفعولين ما يدلّ على الحدوث دون الآخر، مدح للمؤمنين بالثّبات على الإيمان والمنافقين بعدمه،( وَقِيلَ لَهُمْ ) : عطف على «نافقوا» داخل في الصّلة، أو لكلام مبتدأ،( تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا ) : تقسيم للأمر عليهم، وتخيير بين أن يقاتلوا للآخرة أو للدّفع عن الأنفس والأموال. أو معناه: قاتلوا الكفرة. أو ادفعوهم بتكثير سواد المجاهدين، فإنّ كثرة السّواد ممّا يروّع العدوّ ويكسر منه.
( قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ ) ، أي: لو نعلم ما يصحّ أن يسمّى قتالا لاتّبعناكم فيه، لكن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء بالأنفس إلى التّهلكة. أو لو نحسن قتالا لاتّبعناكم، قالوا ذلك دغلا واستهزاء.
( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ ) ، أي: يوم إذ قالوا ذلك. أو يوم إذ قام القتال، وأحسّوا به.
( أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ ) :
قيل(١) : لانخزالهم وكلامهم هذا، فإنّهما أوّل أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم.
وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، إذ كان انخزالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلا(٢) للمؤمنين.
والأولى، الحمل على ما يشمل المعنيين، أي هم لتقوية الكفر، أي: كفرهم وكفر من شاركهم فيه أقرب منهم لتقوية الإيمان، لأنّ ما ظهر منهم يدلّ على كفرهم وتقوية للكافرين وتخذيل للمؤمنين.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المصدر: تخزيلا.
( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) : يظهرون خلاف ما يضمرونه. وإضافة القول إلى «أفواههم» تأكيد.
( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ) (١٦٧): من النّفاق، ما يخلوا به بعضهم إلى بعض، فإنّه يعلمه مفصّلا بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات.
في مصباح الشّريعة(١) : عن الصّادقعليهالسلام في كلام له: ومن ضعف يقينه تعلّق بالأسباب ورخّص لنفسه بذلك، واتّبع العادات وأقاويل النّاس بغير حقيقة، والسّعي في أمور الدّنيا وجمعها وإمساكها، يقرّبا للّسان، أنّه لا مانع ولا معطي إلّا الله وأنّ العبد لا يصيب إلّا ما رزق وقسم له والجهد لا يزيد في الرّزق، وينكسر ذلك بفعله وقلبه، قال الله تعالى:( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ) .
( الَّذِينَ قالُوا ) : مرفوع، بدل من واو «يكتمون.». أو منصوب على الذّمّ أو الوصف «للّذين نافقوا». أو مجرور، بدل من الضّمير في «بأفواههم» أو «قلوبهم»،( لِإِخْوانِهِمْ ) : لأجلهم. يريد من قتل بأحد من أقاربهم، أو من جنسهم،( وَقَعَدُوا ) : حال مقدّر بقد، أي: قالوا: قاعدين عن القتال،( لَوْ أَطاعُونا ) : في القعود،( ما قُتِلُوا ) : كما لم نقتل.
وقرأ هشام: ما قتّلوا، بالتّشديد(٢) .
( قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١٦٨): في أنّكم تقدرون على دفع القتل وأسبابه ممّن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه، فإنّه أحرى بكم.
والمعنى: أنّ القعود غير مغن، فإنّ أسباب الموت كثيرة، كما أنّ القتال يكون سببا للهلاك والقعود سببا للنّجاة، قد يكون الأمر بالعكس، فإنّه قد يدفع بالقتال العدوّ فينجو، وبالقعود يصير العدوّ جريئا فيغلب عليه فيهلك.
( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً ) (٣) :
__________________
(١) شرح فارسى مصباح الشريعة ٢ / ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٩١.
(٣) ورد في حاشية الأصل عند تفسير هذه الآية هكذا: قال الفاضل الكاشي في تفسيره: والآية «تشتمل كل من قتل في سبيل [من سبل] الله [عزّ وجلّ] سواء كان قتله بالجهاد الأصغر وبدل النفس طلبا لرضا الله أو -
في مجمع البيان(١) : قيل: نزلت في شهداء بدر، كانوا أربعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار وستّة من المهاجرين.
وقيل: نزلت في شهداء أحد، وكانوا سبعين رجلا، أربعة من المهاجرين، حمزة بن عبد المطّلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الأنصار.
قال الباقرعليهالسلام وكثير من المفسّرين: إنما تتناول قتلى بدر واحد معا - انتهى -
والخطاب لرسول اللهصلىاللهعليهوآله أو لكلّ أحد.
وقرأ هشام، بالتّاء، كالباقين. وبالياء، على إسناده إلى ضمير رسول الله، أو من يحسب. أو إلى الّذين قتلوا. والمفعول الأوّل محذوف، لأنّه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة(٢) .
وقرأ ابن عامر: «قتّلوا» بالتّشديد، لكثرة المقتولين(٣) .
( بَلْ أَحْياءٌ ) ، أي: بل هم أحياء.
وقرئ بالنّصب، أي: بل أحسبهم أحياء(٤) .
( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) : ذوو زلفى منه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أتى رجل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: إنّي راغب نشيط في الجهاد.
قال: فجاهد في سبيل الله، فإنّك إن تقتل كنت حيّا عند الله ترزق، وإن متّ فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت خرجت من الذّنوب إلى الله، هذا تفسير( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً ) (الآية).
وفي الكافي(٦) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه قيل له: يروون أنّ أرواح المؤمنين
__________________
بالجهاد الأكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة.» [تفسير الصافي ١ / ٣٦٨] وفي شمول القتل لقمع هوى النفس نظر وإن لم يكن في إطلاق الجهاد على جهاد النفس حقيقة نظر. (فتأمل، منه سلمه الله.) نقل الفيض - رحمه الله - القول هذا عن مجمع البيان، عن الباقر - عليه السّلام.
(١) مجمع البيان ١ / ٥٣٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٩٢.
(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) تفسير العيّاشي ١ / ٢٠٦، ح ١٥٢.
(٦) الكافي ٣ / ٢٤٤، ح ١. وفيه: «عن أبي ولّاد الحفاط عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك» بدل «عن الصادقعليهالسلام أنّه قيل له».
في حواصل طيور(١) خضر حول العرش.
فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة(٢) طير، ولكن في أبدان كأبدانهم.
( يُرْزَقُونَ ) (١٦٩): من الجنّة. وهو تأكيد لكونهم أحياء.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ، أنّ أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات فيقول: تعاهدوا الصّلاة إلى أن قالعليهالسلام : ثمّ إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الإسلام، وهو قوام الدّين، والأجر فيه عظيم مع العزّة والمنعة، وهو الكرّة فيه الحسنات والبشرى بالجنّة بعد الشّهادة، بالرّزق غدا عند الرّب والكرامة، يقول الله - تعالى - :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) . (الآية).
وفي أصوله(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن أبي عبد الله ومحمّد بن الحسن(٥) ، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن بن العبّاس بن الجريش(٦) ، عن أبي جعفر الثّانيعليهالسلام أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام قال يوما لأبي بكر:( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) وأشهد أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وآله(٧) - مات شهيدا، والله ليأتينّك، فأيقن إذا جاءك فإنّ الشّيطان غير متخيّل به، فأخذ عليّعليهالسلام بيد أبي بكر فأراه النّبيّصلىاللهعليهوآله
فقال له: يا أبا بكر، آمن بعليّ وبأحد عشر من ولده، إنّهم مثلي إلّا النّبوّة، وتب إلى الله ممّا في يدك فإنّه لا حقّ لك فيه. ثمّ ذهب فلم ير.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: طير.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حواصل
(٣) نفس المصدر ٥ / ٣٦، مقاطع من حديث ١.
(٤) نفس المصدر ١ / ٥٣٢، ح ١٣.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: محمد بن أبي الحسن.
(٦) النسخ: «الحسن بن عباس بن الحرث». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر. ولعله الصواب «الحريش» بدل «الجريش». ر. تنقيح المقال ١ / ٢٨٦، رقم ٢٥٩٠.
(٧) المصدر: وأشهد [أنّ] محمّدا رسول الله - صلّى الله عليه وآله.
[وفي روضة الكافي(١) : يحيى الحلبيّ، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت: جعلت فداك [، أرأيت](٢) الرّادّ عليّ هذا الأمر فهو كالرّادّ عليكم؟
فقال: يا أبا محمّد، من ردّ عليك هذا الأمر فهو كالرّادّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعلى الله - تبارك وتعالى - يا أبا محمّد، إنّ الميّت على هذا الأمر شهيد.
قال: قلت: وإن مات على فراشه؟
قال: إي والله [وإن مات](٣) على فراشه، حيّ عند ربّه يرزق].(٤)
( فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) : وهو شرف الشّهادة، والفوز بالحياة الأبديّة، والقرب من الله تعالى والتّمتّع بنعيم الجنّة،( وَيَسْتَبْشِرُونَ ) : يسرّون بالبشارة،( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) ، أي: بإخوانهم المؤمنين الّذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم،( مِنْ خَلْفِهِمْ ) ، أي: الّذين من خلفهم، زمانا أو رتبة،( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (١٧٠): بدل من الّذين، والمعنى، أنّهم يستبشرون بما تبيّن(٥) لهم من أمر الآخرة، وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنّهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة أبديّة، لا يكدّرها خوف وقوع محذور وحزن فوات محبوب.
في روضة الكافي(٦) : ابن محبوب، عن الحارث بن محمّد بن النّعمان(٧) ، عن برير العجليّ قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ ذكره - :( وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
قال: هم والله شيعتنا، حين صارت أرواحهم في الجنّة واستقبلوا الكرامة من الله - عزّ وجلّ - علموا واستيقنوا أنّهم كانوا على الحقّ وعلى دين الله - عزّ ذكره - فاستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين، ألّا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قال حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي
__________________
(١) الكافي ٨ / ١٤٦، ح ١٢٠.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أ: يتبيّن.
(٦) الكافي ٨ / ١٥٦، ح ١٤٦.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الحرث بن النعمان. وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٢٤٧، رقم ٢١٣٣.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٢٧.
عبيدة الحذّاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: هم والله شيعتنا، إذا دخلوا الجنّة واستقبلوا الكرامة من الله استبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم المؤمنين في الدّنيا، ألّا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
( يَسْتَبْشِرُونَ ) : كرّره للتّوكيد، ولتعلّق به ما هو بيان لقوله: «ألّا خوف» ويجوز أن يكون الأوّل بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم،( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ ) : ثوابا لأعمالهم،( وَفَضْلٍ ) : زيادة عليه، لقوله تعالى(١) :( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) وتنكيرهما، للتّعظيم.
( وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٧١): من جملة المستبشر به، عطف على فضل.
وقرأ الكسائي، بالكسر، على أنّه استئناف معترض، دالّ على أنّ ذلك أجر لهم على إيمانهم، مشعر بأنّ من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة(٢) .
( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ) : صفة للمؤمنين.
أو نصب على المدح. أو مبتدأ، خبره.
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١٧٢) بجملته. و «من» للبيان.
والمقصود من ذكر الوصفين(٣) ، المدح والتّعليل لا التّقييد(٤) ، لأنّ المستجيبين كلّهم محسنون متّقون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أنّ النبيصلىاللهعليهوآله لـمّا دخل المدينة من وقعة أحد(٦) ، نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة.
فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين
__________________
(١) يونس / ٢٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٩٢.
(٣) ر: الواصفين.
(٤) أ: لا التقبيل.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٢٤ - ١٢٦.
(٦) المصدر: «لمّا دخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله المدينة» بدل «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا دخل المدينة من وقعة أحد».
والأنصار، من كانت به جراحة فليخرج، ومن لم يكن به جراحة فليقم. فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها، فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح.
فلمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله حمراء(١) الأسد، وقريش قد نزلت الرّوحاء، قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد: نرجع فنغير على المدينة، فقد قتلنا سراتهم وكبشهم - يعنون، حمزة - فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر.
فقال: تركت محمّدا وأصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم جدّ الطّلب.
فقال أبو سفيان: هذا النّكد والبغي، فقد ظفرنا بالقوم وبغينا، والله ما أفلح قوم قطّ بغوا. فوافاهم(٢) نعيم بن مسعود الأشجعيّ.
فقال أبو سفيان: أين تريد؟
قال: المدينة، لأمتار(٣) لأهلي طعاما.
قال: هل لك أن تمرّ بحمراء الأسد وتلقى أصحاب محمّد وتعلمهم أنّ حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الأحابيش، حتّى يرجعوا عنّا، ولك عندي عشرة قلائص أملؤها تمرا وزبيبا؟
قال: نعم. فوافى من غد(٤) ذلك اليوم حمراء الأسد.
فقال لأصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أين تريدون؟
قالوا: قريشا.
قال: ارجعوا، فإنّ قريشا قد اجتمعت عليهم(٥) حلفاؤهم ومن كان تخلّف عنهم، وما أظنّ إلّا وأوائل خيلهم يطلعون(٦) عليكم السّاعة.
فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ما نبالي.
فنزل(٧) جبرئيل على رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: ارجع يا محمّد، فإنّ الله قد أرعب(٨) قريشا ومرّوا لا يلوون على شيء. فرجع(٩) رسول اللهصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) المصدر: بحمراء.
(٢) أ: خوافاهم.
(٣) أور: لأسار.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عند.
(٥) المصدر: «قد أجنجت إليهم» بدل «قد اجتمعت عليهم».
(٦) المصدر: «القوم قد طلعوا» بدل «خيلهم يطلعون».
(٧) المصدر: «ونزل» بدل «ما نبالى فنزل».
(٨) المصدر: أرهب.
(٩) المصدر: ورجع.
إلى المدينة، وأنزل الله:( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) (الآيات)(١) .
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم(٢) الكوفيّ: قال: حدّثنا الحسين بن الحكم معنعنا، عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - في يوم أحد في قوله - تعالى - :( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ) يعني الجراحة( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) [قال :](٣) نزلت في عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وتسعة نفر(٤) بعثهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أثر أبي سفيان حين ارتحل، فاستجابوا لله ولرسوله(٥) ].(٦)
( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ) :
قيل(٧) : يعني، الرّكب الّذين استقبلوهم(٨) من عبد قيس، أو نعيم بن مسعود الأشجعيّ.
وفي مجمع البيان(٩) : عنهما - عليهما السّلام - : أنّ المراد نعيم
، وأطلق عليه النّاس لأنّه من جنسه، كما قال: فلان يركب الخيل، وماله إلّا فرس واحد. أو لأنّه انضمّ إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه.
( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) ، يعني أبا سفيان وأصحابه.
في مجمع البيان: في رواية أبي الجارود عن الباقرعليهالسلام : أنّها نزلت في غزوة بدر الصّغرى، وذلك أنّ أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمّد، موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصّغرى لقابل إن شئت.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ذلك بيننا وبينك.
فلمّا كان العام المقبل، خرج أبو سفيان في أهل مكّة حتّى نزل مجنة من ناحية
__________________
(١) يوجد في المصدر بدل «الآيات» نص الآية: «من بعد ما أصابهم القرح للّذين أحسنوا منهم واتّقوا أجر عظيم».
(٢) تفسير فرات / ١٩ - ٢٠، ذيل حديث.
(٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: منهم.
(٥) المصدر: للرسول.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٩٣.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: استقبلتهم.
(٩) مجمع البيان ١ / ٥٤١. وما في المتن مضمون عبارة المجمع.
الظهران، ثمّ ألقى الله عليه الرّعب فبدا له في الرّجوع(١) ، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعيّ وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إنّي وأعدت محمّدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإنّ هذه عام جدب، ولا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشّجر ونشرب فيه اللّبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمّد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة، فالحق بالمدينة فثبّطهم، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يد سهيل بن عمرو.
فأتى نعيم المدينة، فوجد النّاس يتجهّزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرّأي رأيكم(٢) ، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلّا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فو الله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله الخروج.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : والّذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي، فأمّا الجبان فإنّه رجع، وأمّا الشّجاع فإنّه تأهّب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله في أصحابه حتّى وافى(٣) بدر الصّغرى - وهو ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم في الجاهليّة يجتمعون إليها في كلّ عام ثمانية أيّام - فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى(٤) مكّة، فسمّاهم أهل مكّة: جيش السّويق، ويقولون: إنّما خرجتم تشربون السّويق. ولم يلق رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافو(٥) السّوق، وكانت لهم تجارات، فباعوا وأصابوا للدرهم(٦) درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.
( فَزادَهُمْ إِيماناً ) :
الضّمير المستكنّ للمقول، أو لمصدر «قال» أو لفاعله.
والمعنى: أنّهم لم يلتفتوا إليه، ولم يضعفوا، بل ثبتت ثقتهم بالله تعالى وازداد إيمانهم، وأظهروا حميّة الإسلام، وأخلصوا النّيّة عنده.
وفيه دلالة على أنّ الإيمان يزيد بكثرة التأمّل وتناصر الحج، وينقص بعروض الشّبه والمعارضات.
__________________
(١) «في الرجوع» ليس في المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: رأيتم.
(٣) المصدر: وافوا.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: وافق.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الدرهم.
( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ ) :
فحسبنا وكافينا، من أحسبه، إذا كفاه. ويدلّ على أنّه بمعنى: المحسب، أنّه لا يستفيد بالإضافة تعريفا في قولك: هذا رجل حسبك.
( وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (١٧٣): ونعم الموكول إليه هو.
في كتاب الخصال(١) : عن الصّادق جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: عجبت [لمن فزع](٢) من أربع كيف لا يفزع إلى أربع، عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله - تعالى - :( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) فإني سمعت الله - جلّ جلاله - يقول بعقبها(٣) :( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ )
(الحديث).
وفي تهذيب الأحكام(٤) : بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن عبد الملك الزّيّات، عن رجل، عن كرام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: أربع لأربع، فواحدة للقتل والهزيمة، حسبنا الله ونعم الوكيل، يقول الله:( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) .
(الحديث).
( فَانْقَلَبُوا ) : فرجعوا من بدر،( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ ) : عافية وثبات على الإيمان، وزيادة فيه.
( وَفَضْلٍ ) : وربح في التّجارة. فإنّهم لـمّا أتوا بدرا وافوا بها سوقا، فاتّجروا وربحوا،( لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) : من جراحة، وكيد عدوّ،( وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ ) : بجرأتهم وخروجهم.
( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (١٧٤): قد تفضّل عليهم بالتّثبيت، وزيادة الإيمان، والتّوفيق للمبادرة إلى الجهاد، والتّصلّب في الدّين، وإظهار الجرأة على العدوّ، وبالحفظ عن كلّ ما يسوؤهم، وإصابة النّفع مع ضمان الأجر، حتّى انقلبوا بنعمة منه وفضل.
وفيه تحسير وتخطئة للمتخلّف، حيث حرم نفسه ما فازوا به.
__________________
(١) الخصال / ٢١٨، ح ٤٣.
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «سمعت قول الله عقبيها» بدل «سمعت الله - جلّ جلاله - يقول بعقبها».
(٤) تهذيب الأحكام ٦ / ١٧٠، ح ٣٢٩.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن جابر، عن محمّد بن عليّ - عليهما السّلام - قال: لـمّا وجّه النبيّصلىاللهعليهوآله أمير المؤمنين وعمّار بن ياسر إلى أهل مكّة، قالوا: بعث هذا الصّبيّ ولو بعث غيره إلى أهل مكّة! وفي مكّة صناديد قريش ورجالها، والله الكفر أولى بنا(٢) ممّا نحن فيه. فساروا وقالوا وخوّفوهما بأهل مكّة، وغلّظوا عليهما الأمر.
فقال عليّعليهالسلام :( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ، ومضيا.
فلمّا دخلا مكّة أخبر(٣) الله نبيّهصلىاللهعليهوآله بقولهم لعليّ وبقول عليّ لهم، فأنزل الله بأسمائهم في كتابه، وذلك قوله: «ألم تر إلى( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) وإنّما أنزلت «ألم تر» إلى فلان وفلان لقوا عليّا وعمّار فقالا: إنّ أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكّة قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم(٤) إيمانا وقالوا:( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .
[وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : ونقل ابن مردويه - من الجمهور - عن أبي رافع(٦) أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله وجّه عليّاعليهالسلام في نفر في طلب أبي سفيان فلقيه أعرابيّ من خزاعة، فقال له:( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ) ، يعني، أبا سفيان وأصحابه.
فقالوا: يعني: عليّا وأصحابه:( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) . فنزلت هذه الآية إلى قوله:( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ].(٧)
وأقول في الجمع بين الخبر الأوّل وهذان الخبران: الآية نزلت أوّلا على الوجه الأوّل كما في الخبر الأوّل، وجرت من الله في الوجه الثّاني، وفصّلت في الثّاني بالتصريح بالأسماء، فأثبت في القرآن على الوجه الأوّل.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٠٦، ح ١٥٤.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «بنا أولى» بدل «أولى بنا».
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: خبر.
(٤) المصدر: وزادهم.
(٥) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٥.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «ابن رافع». وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٩، رقم ٣٨.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ ) : يريد به المثبّط نعيما، أو أبا سفيان.
و «الشّيطان» خبر «ذلكم»(١) وما بعده بيان لشيطنته. أو صفة، وما بعده خبر.
ويجوز أن يكون الإشارة إلى قوله على تقدير مضاف، أي، إنّما ذلك قول الشّيطان، أي :
إبليس،( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ) : القاعدين عن الخروج مع الرّسول، أو يخوّفكم أوليائه الّذين هم أبو سفيان وأصحابه.
( فَلا تَخافُوهُمْ ) :
الضّمير «للنّاس» الثّانى، على الأوّل. وإلى «الأولياء» على الثّاني.
( وَخافُونِ ) : في مخالفة أمري، فجاهدوا مع رسولي.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١٧٥): فإنّ الإيمان، يقتضي إيثار خوف الله على خوف النّاس.
في أصول الكافي(٢) : بإسناده إلى الهيثم بن واقد قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من خاف الله أخاف الله منه كلّ شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء.
وبإسناده إلى أبي حمزة(٣) قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدّنيا.
وفي كتاب التّوحيد(٤) : بإسناده إلى عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - حديث طويل، وفيه قالعليهالسلام : خرجت حتّى انتهيت إلى هذا الحائط، فاتّكيت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في وجهي، ثمّ قال [لي :](٥) يا عليّ بن الحسين(٦) ، مالي أراك كئيبا حزينا، أعلى الدّنيا حزنك فرزق الله حاضر للبر والفاجرّ؟ إلى أن قال: قلت :
أنا أتخوّف [من](٧) فتنة ابن الزّبير.
__________________
(١) النسخ: ذلك.
(٢) الكافي ٢ / ٦٨، ح ٣.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٤) التوحيد / ٣٧٤، ح ١٧.
(٥) من المصدر وأ.
(٦) يوجد في أبعد هذه العبارة: هل رأيتك أحدا حاف الله فلم ينجه؟ قلت: لا إلى.
(٧) من المصدر.
فضحك، ثمّ قال لي: يا عليّ بن الحسين، هل رأيتك أحدا خاف الله فلم ينجه(١)؟
قلت: لا - إلى قوله - ثمّ نظرت فإذا ليس قدّامي أحد.
( وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) : يقعون فيه سريعا، حرصا عليه، خوف أن يضرّوك ويعينوا عليك، وهم المنافقون من المتخلّفين. أو قوم ارتدّوا عن الإسلام.
( إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً ) ، أي: أولياءه. و «شيئا» يحتمل المفعول والمصدر.
وقرأ نافع: «يحزنك» بضمّ الياء وكسر الزّاء، حيث وقع، ما خلا قوله في الأنبياء(٢) : «لا يحزنهم الفزع الأكبر» فإنّه فتح الياء وضمّ الزّاء فيه. والباقون كذلك في الكلّ(٣) .
( يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ) : نصيبا من الثّواب فيها. وهو يدلّ على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر، وأنّ كفرهم بلغ الغاية، حتّى أراد - أرحم الرّاحمين - أن لا يكون لهم حظّ من رحمته.
( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (١٧٦): مع الحرمان عن الثّواب.
( إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١٧٧): تكرير للتّأكيد. أو تعميم للكفرة بعد تخصيص ما نافق من المتخلّفين، أو ممّن ارتدّ من الأعراب.
( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ) : خطاب للرّسولصلىاللهعليهوآله أو لكلّ من يحسب.
و «الّذين كفروا» مفعول، و «أنّ» مع اسمها وخبرها(٤) بدل منه، وإنّما اقتصر على مفعول واحد، لأنّ التّعويل على البدل، وهو ممّا ينوب عن المفعولين. أو مفعول ثان على تقدير مضاف، أي ولا تحسبنّ الّذين كفروا أصحاب أنّ الإملاء خير لأنفسهم، أو ولا تحسبنّ حال الّذين كفروا أنّ الإملاء خير لأنفسهم.
__________________
(١) المصدر: «هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟» بدل «هل رأيتك أحدا خاف الله فلم ينجه؟».
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «حيث ما وقع خلا ما في الأنبياء» بدل «حيث وقع ما خلا قوله في الأنبياء».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٩٤.
(٤) النسخ: اسمه وخبره.
و «ما» مصدريّة، ويحتمل الموصولة بحذف العائد، وكان حقّها أن تنفصل في الخطّ لكنّها وقعت متّصلة في قرآن عثمان فاتّبع.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائيّ ويعقوب، بالياء، على أنّ «الّذين» فاعل وأنّ مع ما في حيّزه مفعول. وفتح سينه - في جميع القرآن - ابن عامر وعاصم وحمزة(١) .
والإملاء، الإمهال، وإطالة العمر.
وقيل(٢) : تخليتهم وشأنهم، من أملى لفرسه، إذا أرخى له الطّول ليرعى كيف شاء.
( إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ) : استئناف بما هو العلّة للحكم قبلها. و «ما» كآفّة.
واللّام، للعاقبة، أي، يكون عاقبة أمرهم ازدياد الإثم.
وقرئ: «أنّما» بالفتح، وبكسر الأولى. و «لا يحسبنّ» بالياء، على معنى: ولا يحسبنّ الّذين كفروا أنّ إملاءنا لهم لازدياد الإثم، بل للتّوبة والدّخول في الإيمان. و «إنّما نملي لهم» اعتراض، معناه، أنّ إملاءنا لهم خير إن انتبهوا وتداركوا فيه ما فرط(٣) منهم.
( وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) (١٧٨): على هذا يجوز أن يكون حالا من الواو، أي: ليزدادوا إثما، معدّا لهم عذاب مهين.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت له: أخبرني عن الكافر، الموت خير له أم الحياة؟
فقال: الموت خير للمؤمن والكافر.
قلت: ولم؟
قال: لأنّ الله يقول:( وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) ويقول:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) .
وعن يونس(٥) رفعه - قال: قلت له: زوّج رسول اللهصلىاللهعليهوآله ابنته فلانا.
قال: نعم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٤.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٠٦ - ٢٠٧، ح ١٥٥.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٠٧، ح ١٥٦.
قلت: فكيف زوجّه الأخرى؟
قال: قد فعل، فأنزل الله:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ) - إلى -( عَذابٌ مُهِينٌ ) .
( ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) قيل(١) : الخطاب لعامّة المخلصين والمنافقين في عصره.
والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يعرّف مخلصكم من منافقكم حتّى يميز المنافقين من المخلصين(٢) بالوحي إلى نبيّه [صلّى الله عليه وآله - ] بأحوالكم، أو بالتّكاليف الشّاقّة الّتي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلّا الخلّص المخلصون منكم، كبذل الأنفس والأموال في سبيل الله، ليختبر [النبيّ به](٣) بواطنكم وليستدلّ به على عقائدكم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن عجلان أبي(٥) صالح قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: لا تمضي الأيّام واللّيالي حتّى ينادي مناد من السّماء يا أهل الحقّ اعتزلوا، يا أهل الباطل اعتزلوا، فيعزل هؤلاء عن هؤلاء [ويعزل هؤلاء من هؤلاء.
قال :](٦) قلت: أصلحك الله، يخالط هؤلاء هؤلاء بعد ذلك النّداء؟
قال: كلا [، إنّه](٧) يقول في الكتاب:( ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) .
وفي كتاب مقتل الحسينعليهالسلام لأبي مخنف(٨) : قال الضّحّاك بن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) المصدر: «المنافق من المخلص» بدل «المنافقين من المخلصين.»
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٠٧، ح ١٥٧.
(٥) النسخ: «عجلان بن صالح». وعنونه في جامع الرواة [٢ / ٥٣٧] ونقل رواية أبي يحيى الواسطي عنه، ثمّ نفى البعد عن كونه «عجلان أبا صالح الواسطي». ر. تنقيح المقال ٢ / ٢٤٩ - ٢٥٠، ارقام ٧٨٢٠، ٧٨٢١، ٧٨٢٢ و ٧٨٢٤.
(٦ و ٧) من المصدر.
(٨) ليس في مقتل أبي مخنف المطبوع. ولكن يوجد في سائر المقاتل، كمقتل المقرّم / ٢٦٣.
عبد الله(١) : مرّت بنا خيل ابن سعد - لعنه الله - تحرسنا، وكان(٢) الحسينعليهالسلام يقرأ:( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) .
وقرأ حمزة والكسائيّ: «حتّى يميّز» من التفعيل هنا وفي الأنفال(٣) .
( وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ ) : ما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب، فيطّلع على ما في القلوب من كفر أو إيمان، ولكنّه يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي ويخبره ببعض المغيبات، أو بنصب ما يدلّ عليها.
( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) : بصفة الإخلاص. أو بأن تعلموه وحده مطّلعا على الغيب، وتعلموهم عبادا مجتبين، لا يعلمون إلّا ما علّمهم الله، ولا يقولون إلّا ما أوحي إليهم.
نقل(٤) : أنّ الكفرة قالوا: إن كان محمّد صادقا فليخبرنا من يؤمن منّا ومن يكفر، فنزلت.
وعن السّديّ أنّهعليهالسلام قال: عرضت عليّ أمّتي وأعلمت من يؤمن ومن يكفر.
فقال المنافقون: إنّه يزعم أنّه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا، فنزلت.
( وَإِنْ تُؤْمِنُوا ) حقّ الإيمان،( وَتَتَّقُوا ) النّفاق.
( فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (١٧٩): لا يقادر قدره.
( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ) :
من قرأ، بالتّاء، قدّر مضافا، أي: لا تحسبنّ الّذين يبخلون هو خيرا لهم. وكذا من قرأ، بالياء، إن جعل الفاعل ضمير الرّسول أو من «يحسب»، وإن جعله الموصول كان
__________________
(١) المصدر: «الضّحاك بن عبد الله المشرقي». وهي أيضا خطأ. والظاهر أنّه «الضّحاك بن عبيد الله المشرقي» (ر. تنقيح المقال ٢ / ١٠٤، رقم ٥٨٢٧+ جامع الرواة ١ / ٤١٨). وإن كان هكذا فلما ذا عدّه أصحاب التراجم والرجال من أصحاب السّجاد - صلوات الله عليه - ؟
(٢) المصدر: «فسمع رجل منهم» بدل «تحرسنا وكان».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٩٥.
(٤) نفس المصدر والموضع.
المفعول الأوّل محذوفا، أي: لا يحسبنّ البخلاء بخلهم هو خيرا لهم(١) .
( بَلْ هُوَ ) ، أي: البخل،( شَرٌّ لَهُمْ ) : لاستجلاب العقاب عليهم.
( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : بيان لذلك، أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطّوق. أو يطوّقون بما بخلوا به يوم القيامة.
في الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن مسكان، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ -( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) .
فقال: يا محمّد، ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل الله - عزّ وجلّ - ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب.
ثمّ قال: [وهو قول](٣) الله - عزّ وجلّ - :( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، يعني: ما بخلوا به من الزّكاة.
يونس، عن عبد الله بن سنان(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما من ذي زكاة مال أو نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلّا قلّده الله تربة أرضه، يطوّق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٥) ، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: ما من عبد يمنع درهما في حقّه إلّا أنفق اثنين في غير حقّه، وما من رجل يمنع حقّا من ماله إلّا طوّقه الله - عزّ وجلّ - به حيّة من نار يوم القيامة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٦) ، عن ابن مهران، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) .
قال: ما من عبد يمنع(٧) من زكاة ماله شيئا إلّا جعل الله له ذلك يوم القيامة ثعبانا
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ٣ / ٥٠٢، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر ٣ / ٥٠٣، ح ٤.
(٥) نفس المصدر ٣ / ٥٠٤، ح ٧.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٠.
(٧) المصدر: منع.
من نار، يطوّق في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، وهو قول الله - عزّ وجلّ - :( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) قال: ما بخلوا به من الزّكاة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(١) ، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أيّوب بن راشد قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: مانع الزكاة يطوّق بحيّة قرعاء تأكل(٢) من دماغه، وذلك قوله - عزّ وجلّ - :( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) .
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٣) ، عن محمّد بن خالد، عن خلف بن(٤) حمّاد، عن حريز قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما من ذي مال ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلّا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، وسلّط عليه شجاعا أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنّه لا مخلص(٥) له [منه](٦) أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثمّ يصير طوقا في عنقه، وذلك قول الله - عزّ وجلّ - :( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وما من ذي مال إبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلّا حبسه الله يوم القيامة بقاع قرقر، يطأه كلّ ذات ظلف بظلفها وينهشه كلّ ذات ناب بنابها، وما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلّا طوّقه الله ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة.
( وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : وله ما فيهما ممّا يتوارث، فما لهؤلاء يبخلون بماله ولا ينفقونه في سبيله؟ أو أنّه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله بهلاكهم، ويبقى عليهم الحسرة والعقوبة.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) من المنع، والإعطاء،( خَبِيرٌ ) (١٨٠): فيجازيكم.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائيّ، بالتّاء، على الالتفات، وهو أبلغ في الوعيد(٧) .
( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) :
قيل(٨) : قالته اليهود لـمّا سمعوا:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) .
__________________
(١) نفس المصدر ٣ / ٥٠٥، ح ١٦.
(٢) المصدر: وتأكل.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٩.
(٤) ر: خلف بن حمّاد عن عليّ بن عقبه.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يخلص.
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ١٩٥.
(٨) نفس المصدر والموضع.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: والله ما رأوا الله فيعلموا أنّه فقير، ولكنّهم رأوا أولياء الله فقراء فقالوا: لو كان الله غنيّا لأغنى أولياءه، ففخروا على الله في الغناء.
وفي كتاب المناقب لابن شهرآشوب(٢) : عن الباقرعليهالسلام في قوله:( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا ) (الآية) قال: هم الّذين يزعمون أنّ الإمام يحتاج إلى ما يحملون إليه.
( سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) ، أي: سنكتبه في صحائف الكتبة.
أو سنحفظه في علمنا لا نهمله، لأنّه كلمة عظيمة، إذ هو كفر بالله أو استهزاء بالقرآن والرّسول، ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء.
وفيه تنبيه، على أنّه ليس أوّل جريمة ارتكبوها، وأنّ من اجترأ على قتل الأنبياء، لم يستبعد منه أمثال هذا القول.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - : و( يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) فقال: أما والله ما قتلوهم(٤) بأسيافهم، ولكن كانوا أذاعوا أمرهم(٥) وأفشوا عليهم فقتلوا.
وقرأ حمزة: «سيكتب» بالياء وضمّها، وفتح التّاء. و «قتلهم» بالرّفع. و «يقول» بالياء(٦) .
( وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) (١٨١)، أي: وننتقم منهم، بأن نقول: ذوقوا العذاب المحرق. وفيه مبالغات في الوعيد.
والذّوق، إدراك الطّعوم. وعلى الاتّساع يستعمل لإدراك سائر المحسوسات والحالات، وذكره هاهنا لأنّ العذاب مرتّب على قولهم النّاشئ عن البخل والتّهالك على المال، وغالب حاجة الإنسان إليه لتحصيل المطاعم، ومعظم بخله للخوف من فقدانه، ولذلك كثّر ذكر الأكل مع المال.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٧.
(٢) مناقب آل أبي طالب ٢ / ٢٠٧.
(٣) الكافي ٢ / ٣٧١، ح ٧.
(٤) ر: قتلوا.
(٥) المصدر: سرّهم.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٩٦.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى العذاب،( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) : من قتل الأنبياء، وقولهم هذا، وسائر معاصيهم. عبّر بالأيدي عن الأنفس، لأنّ أكثر أعمالها بهنّ.
( وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (١٨٢): عطف على «ما قدّمت» وسببيّته للعذاب، من حيث أنّ نفي الظّلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن، ومعاقبة المسيء.
وفي نهج البلاغة(١) : قالعليهالسلام : وأيم الله ما كان قوم قطّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم، إلّا بذنوب اجترحوها، لأنّ الله ليس بظلّام للعبيد.
وفيه إشكال مشهور، وهو أنّ نفي الظّلام عن الله تعالى لا يستلزم نفي كونه ظالما، بل يشعر بكونه كذلك، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
والجواب، أنّ جواز اتّصافه تعالى بكلّ صفة يستلزم اتّصافه بها على الكمال، خصوصا صفة الظّلم، فإنّه لو اتّصف بها اتّصف بما هو في الرّتبة الأعلى منها، لكمال قدرته وعدم المانع، فللإشعار بهذا المعنى أورد «الظّلام» مكان «الظالم» والمراد نفى الظّلم مطلقا، فتأمّل.
( الَّذِينَ قالُوا ) : هم كعب بن الأشرف، ومالك، وحييّ، وفنحاص، ووهب بن يهوذا.( إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا ) : أمرنا في التّوراة، وأوصانا.
( أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ) : بأن لا نؤمن لرسول حتّى يأتينا بهذه المعجزة الخاصّة، الّتي كانت لأنبياء بني إسرائيل، وهو أن يقرّب بقربان فيقوم النّبيّصلىاللهعليهوآله فيدعو فتنزل نار سماويّة، أي: تجلبه إلى طبعها بالإحراق.
وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم، لأنّ أكل النّار القربان لا يوجب الإيمان إلّا لكونه معجزة، فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك.
( قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١٨٣): تكذيب وإلزام، بأنّ رسلا قد جاؤوهم قبله، كزكريّاء ويحيى، بمعجزات أخر موجبة للتّصديق وبما اقترحوه فقتلوهم، ولو كان الموجب للتّصديق هو الإتيان، وكان توقّفهم وامتناعهم عن الإيمان لأجله، فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر، واجترءوا عليه؟
__________________
(١) نهج البلاغة / ٢٥٧، ضمن خطبة ١٧٨.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن مروك بن عبيد(٢) ، عن رجل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لعن الله القدريّة، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة.
قال: قلت: لعنت هؤلاء مرّة مرّة، ولعنت هؤلاء مرّتين؟
قال: إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قتلتنا مؤمنون، فدماؤنا(٣) متلطّخة بثيابهم إلى يوم القيامة، إنّ الله حكى عن قوم(٤) في كتابه: «لن( نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) قال: كان بين القائلين والقاتلين(٥) خمسمائة عام، فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) مثل ما في أصول الكافي، إلّا أنّ بعد: «إذ كنتم صادقين» قال: فكان بين الّذين خوطبوا بهذا القول وبين القاتلين خمسمائة عام، فسمّاهم الله قاتلين برضاهم بما صنع أولئك.
عن محمّد بن هاشم(٧) ، عمّن حدّثه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا نزلت هذه الآية:( قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) وقد علم أن قالوا: والله ما قتلنا ولا شهدنا. قال: وإنّما قيل لهم: ابرؤوا من قتلتهم، فأبوا.
عن محمّد بن الأرقط(٨) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال لي: تنزل الكوفة؟
قلت: نعم.
قال: فترون قتلة(٩) الحسين بين أظهركم؟
قال: قلت: جعلت فداك، ما بقي منهم أحد.
قال: فإذا أنت لا ترى القاتل إلّا من قتل، أو من ولي القتل، ألم تسمع إلى
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٠٩، ح ١.
(٢) أ: «محروك بن عبيد». ر: «مروك بن عمير». وكلاهما خطأ. ر. تنقيح المقال ٣ / ٢١٠ رقم ١١٦٦٥.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فدماؤهم.
(٤) أ: قومه.
(٥) المصدر: القاتلين والقائلين.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٠٨، ح ١٦٣.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٠٩، ح ١٦٤.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١٦٥.
(٩) المصدر: قتلته.
قول الله:( قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) فأيّ رسول قبل الّذي(١) كان محمّدصلىاللهعليهوآله بين أظهرهم، ولم يكن بينه وبين عيسى رسول، إنّما رضوا قتل أولئك فسمّوا قاتلين.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى، عن أبي المغرا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كانت بنو إسرائيل إذا قرّبت القربان، تخرج نار تأكل قربان من قبل منه، وإنّ الله جعل الإحرام مكان القربان.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطبّرسيّ - رحمه الله - : عن موسى بن جعفر [، عن أبيه ،](٤) عن آبائه، عن الحسين بن عليّ - عليهم السّلام - عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، وفيه قال - عزّ وجلّ - لنبيّهصلىاللهعليهوآله لـمّا أسري به: وكانت الأمم السّالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت منه أرسلت إليه(٥) نارا فأكلته فرجع مسرورا، ومن لم أقبل ذلك منه رجع مثبورا، وقد جعلت قربان أمّتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه(٦) عقوبات الدّنيا، وقد رفعت ذلك عن أمّتك، وهي من الإصار الّتي كانت على الأمم قبلك(٧) .
[( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) : تسلية للنّبيّصلىاللهعليهوآله في تكذيب الكفّار إيّاه، بأنّه ليس بأوّل مكذّب من الرّسل، جاءوا بالبينات، أي: المعجزات الباهرات.
( وَالزُّبُرِ ) : الّتي كتب فيها الحكم، والزّواجر،( وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ) (١٨٤) :
الّذي ينير الحقّ لمن اشتبه عليه، والهادي إلى الحقّ.
وقيل(٨) : المراد به التّوراة والإنجيل].(٩)
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فأتى رسول الله قبل الذين» بدل «فأيّ رسول قبل الّذي».
(٢) الكافي ٤ / ٣٣٥، ح ١٦.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: عليه.
(٦) هكذا في المصدر وأ. وفي الأصل ور: «وقعت» بدل «رفعت عنه».
(٧) المصدر: من كان من قبلك.
(٨) مجمع البيان ١ / ٥٥٠.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) : وعد ووعيد، للمصدّق والمكذّب.
وقرئ: «ذائقة الموت» بالنّصب مع التّنوين، وعدمه(١) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن زرارة، عن الباقرعليهالسلام أنّه قال: قلت: فإنّ الله يقول(٣) :( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) من قتل لم يذق الموت(٤) .
قال: لا بدّ أن يرجع حتّى يذوق الموت.
عن محمّد بن يونس(٥) ، عن بعض أصحابنا قال: قال لي أبو جعفرعليهالسلام : «كلّ نفس ذائقة الموت أو منشورة» نزل بها على محمّدصلىاللهعليهوآله أنّه ليس أحد من هذه الأمّة إلّا وينشرون(٦) ، فاما المؤمنون فينشرون إلى قرّة عين، وأمّا الفجّار فينشرون إلى خزي الله إيّاهم.
وفي الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا قال: حدّثني يعقوب الأحمر قال: دخلنا على أبي عبد اللهعليهالسلام نعزّيه بإسماعيل، فترحّم عليه.
ثمّ قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - نعى إلى نبيّه نفسه، فقال(٨) :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) و [قال :](٩) ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) [ثمّ أنشأ يحدّث](١٠) فقال: إنّه يموت أهل الأرض حتّى لا يبقى أحد [، ثم يموت أهل السّماء حتّى لا يبقى أحد ،](١١) إلّا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل - عليهم السّلام -
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٦.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢١٠، ح ١٧٠.
(٣) المصدر: «قال: قال لي أبو جعفرعليهالسلام » بدل «عن الباقرعليهالسلام أنّه قال: قلت: فانّ الله يقول».
(٤) المصدر: «لم يذق الموت من قتل و» بدل «من قتل لم يذق الموت». في عبارات المصدر، قائل القولين أبو جعفر - صلوات الله عليه - وفي عبارات النسخ، قائل القول الأوّل زرارة والثاني أبو جعفر - عليه السّلام. والله العالم.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: محمّد عن يونس. والحديث في نفس المصدر والموضع، رقم ١٦٩.
(٦) المصدر: سينشرون.
(٧) الكافي ٣ / ٢٥٦، ح ٢٥.
(٨) الزمر / ٣٠.
(٩ و ١٠ و ١١) من المصدر.
قال: فيجيء ملك الموت حتّى يقوم بين يدي الله - عزّ وجلّ - فيقال له: من بقي؟
وهو أعلم.
فيقول: يا ربّ، لم يبق إلّا ملك الموت وحملة العرش وجبرئيل وميكائيل.
فيقال له: قل لجبرئيل وميكائيل: فليموتا.
فيقول الملائكة عند ذلك: يا ربّ، رسولاك(١) وأميناك(٢) .
فيقول: إنّي قل قضيت على كلّ نفس فيها الرّوح الموت.
ثمّ يجيء ملك الموت حتّى يقف بين يدي الله - عزّ وجلّ - فيقال له: من بقي؟ وهو أعلم.
فيقول: يا ربّ، لم يبق إلّا ملك الموت وحملة العرش.
فيقول: [قل](٣) لحملة العرش: فليموتوا.
قال: ثمّ يجيء كئيبا حزينا لا يرفع طرفه، فيقال: من بقي؟ وهو أعلم(٤) .
فيقول: يا رب، لم يبق إلّا ملك الموت.
فيقال له: مت، يا ملك الموت.
ثمّ يأخذ الأرض بيمينه، والسّموات بيمينه، ويقول: أين الّذين كانوا يدعون معي شريكا؟ أين الّذين كانوا يجعلون معي إلها آخر؟
( وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ ) : تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرّا، تامّا وافيا،( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : يوم قيامكم عن القبور. ولفظ التّوفية، يشعر بأنّه قد يكون قبلها بعض الأجور، كما يدلّ عليه أخبار ثواب القبر وعذابه.
( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ) : بعد عنها.
والزّحزحة في الأصل، تكرير الزّحّ، وهو الجذب بعجلة.
( وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) : بالنّجاة، ونيل المراد.
والفوز، الظّفر بالبغية.
في أمالي الصّدوق(٥) : بإسناده إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله قال حاكيا عن
__________________
(١) المصدر: رسوليك.
(٢) المصدر: أمينيك.
(٣) من المصدر.
(٤) «وهو أعلم» ليس في المصدر.
(٥) أمالي الصدوق / ١٨٣ و ١٨٤، ضمن حديث ١٠.
الله - جلّ جلاله - فبعزتي حلفت، وبجلالي أقسمت، إنّه لا يتولّى عليّا عبد من عبادي إلّا زحزحته عن النّار وأدخلته الجنّة، ولا يبغضه عبد من عبادي ويعدل عن ولايته إلّا أبغضته وأدخلته النّار وبئس المصير.
[والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة](١) .
وفي الكافي(٢) : سهل بن زياد، عمّن حدّثه، عن جميل بن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم، ومن خالص الإيمان البرّ بالإخوان والسّعي في حوائجهم، وإنّ البارّ بالإخوان ليحبّه الرّحمن، وفي ذلك مرغمة للشّيطان، وتزحزح عن النّيران(٣) ودخول الجنان.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[وفيه(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا مات النّبيّصلىاللهعليهوآله سمعوا أصواتا ولم يروا(٥) شخصا، يقول:( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ) .
وقال(٦) : إنّ في الله خلفا من كلّ هالك، وعزاء من كلّ مصيبه، ودركا ممّا فات، فبالله فثقوا، وإيّاه فأرجوا، وانّما المحروم من حرم الثّواب].(٧)
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن سليمان الدّيلميّ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إذا كان يوم القيامة يدعى محمّدصلىاللهعليهوآله فيكسى حلّة ورديّة ثمّ يقام عن يمين العرش، ثمّ يدعى بإبراهيمعليهالسلام فيكسى حلّة بيضاء فيقام عن يسار العرش، ثمّ يدعى بعليّ [أمير المؤمنين](٩) عليهالسلام فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن(١٠) يمين النّبيّصلىاللهعليهوآله ثمّ يدعى بإسماعيل
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) الكافي ٤ / ٤١، ح ١٥.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «رغمه الشيطان ومن زحزح عن النيران» بدل «مرغمة للشّيطان وتزحزح عن النيران».
(٤) نفس المصدر ٣ / ٢٢١، ح ٤.
(٥) هكذا في المصدر. وفي الأصل: لم ير.
(٦) هكذا في المصدر. وفي الأصل: فقال.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٢٨.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: على.
فيكسى حلّة بيضاء فيقام عن(١) يسار إبراهيم، ثمّ يدعى بالحسن(٢) فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن(٣) يمين أمير المؤمنينعليهالسلام ثمّ يدعى بالحسينعليهالسلام فيكسى حلّة ورديّة فيقام عن(٤) يمين الحسن، ثمّ يدعى بالأئمّة فيكسون حللا(٥) ورديّة فيقام(٦) كلّ واحد عن(٧) يمين صاحبه، ثمّ يدعى بالشّيعة فيقومون أمامهم، ثمّ يدعى بفاطمة - صلوات الله عليها - ونسائها من ذرّيّتها وشيعتها فيدخلون الجنّة بغير حساب.
[ثمّ](٨) ينادي مناد - من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة والأفق الأعلى - : نعم الأب أبوك يا محمّد وهو إبراهيم، ونعم الأخ أخوك وهو عليّ بن أبي طالب، ونعم السّبطان سبطاك وهما الحسن والحسين، ونعم الجنين جنينك وهو محسن، ونعم الأئمّة الرّاشدون [من](٩) ذرّيّتك وهم فلان وفلان، ونعم الشّيعة شيعتك، ألا إنّ محمّدا ووصيّه وسبطيه والأئمّة من ذرّيّته هم الفائزون. ثمّ يؤمر بهم إلى الجنّة، وذلك قوله: فمن زحزح عن النّار وادخل الجنّة فقد فاز.
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) ، أي: لذّاتها وزخارفها،( إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) (١٨٥): مصدر، أو جمع غار. شبّهها بالمتاع الّذي يدلّ به على المستام ويغرّ حتّى يشتريه.
[وفي الكافي(١٠) : محمّد بن يحيى، عن سلمة بن الخطّاب، عن سليمان بن سماعة، عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله جاءهم جبريلعليهالسلام والنّبيّ مسجّى، وفي البيت [عليّ و](١١) فاطمة والحسن والحسين - عليهم السّلام - فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت الرّحمة( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) إنّ في الله - عزّ وجلّ - عزاء من كلّ مصيبّة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا لما فات، فبالله فثقوا، وإيّاه فأرجو، فإنّ المصاب من حرم
__________________
(١) المصدر: على.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الحسن.
(٣ و ٤) المصدر: على.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حلالا.
(٦) المصدر: ويقام.
(٧) المصدر: على.
(٨) من المصدر.
(٩) من المصدر.
(١٠) الكافي ٣ / ٢٢١، ح ٥.
(١١) من المصدر.
الثّواب، هذا آخر وطء من الدّنيا.
قالوا: فسمعنا الصّوت ولم نر الشّخص.
عنه(١) ، عن سلمة، عن عليّ بن سيف، عن أبيه، عن أبي أسامة زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله جاءت التّعزية، أتاهم آت يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) إنّ(٢) في الله - عزّ وجلّ - عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا(٣) من كلّ هالك، ودركا(٤) لما فات، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المحروم من حرم الثّواب، والسّلام عليكم.
عنه(٥) ، عن سلمة، عن محمّد بن عيسى الأرمنيّ، عن الحسين بن علوان، عن عبد الله بن الوليد، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لـمّا قبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتاهم آت فوقف بباب البيت فسلّم عليهم، ثمّ قال: السّلام عليكم يا آل محمّد( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) في الله خلف من كلّ هالك، وعزاء من كلّ مصيبة، ودرك لما فات، فبالله فثقوا، وعليه فتوكّلوا، وبنصره لكم عند المصيبة فارضوا، فانّما(٦) المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولم يروا أحدا.
فقال بعض من في البيت: هذا ملك من السّماء بعثه الله - عزّ وجلّ - إليكم ليعزّيكم.
وقال بعضهم: هذا الخضرعليهالسلام جاءكم يعزّيكم بنبيّكمصلىاللهعليهوآله ].(٧)
( لَتُبْلَوُنَ ) ، أي: والله لتختبرنّ،( فِي أَمْوالِكُمْ ) : بتكليف الإنفاق، وما يصيبها من الآفات ،
__________________
(١) نفس المصدر ٣ / ٢٢١ - ٢٢٢، ح ٦.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: خلف.
(٤) المصدر: درك.
(٥) نفس المصدر ٣ / ٢٢٢، ح ٨.
(٦) النسخ: فانّ.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَأَنْفُسِكُمْ ) : بالجهاد والقتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب.
وفي عيون الأخبار(١) : في باب ما كتب به الرّضاعليهالسلام إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله في العلل: وعلّة الزّكاة من أجل قوت الفقراء وتحصين أموال الأغنياء، لأنّ الله - تعالى - كلّف أهل الصّحّة القيام بشأن أهل الزّمانة والبلوى، كما قال - عزّ وجلّ - :( لَتُبْلَوُنَّ [فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) ](٢) في أموالكم بإخراج الزّكاة، وفي أنفسكم بتوطين الأنفس على الصّبر.
( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) :
من هجاء الرّسول، والطّعن في الدّين، وإغراء الكفرة على المسلمين. أخبرهم بذلك قبل وقوعها، ليوطّنوا أنفسهم على الصّبر والاحتمال، ويستعدّوا للقائها، حتّى لا يرهقهم نزولها.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم(٣) الكوفيّ: قال حدّثنا الحسين بن الحكم معنعنا، عن ابن عبّاس - رضى الله عنه في يوم أحد في قوله:( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً ) نزلت في رسول الله خاصّة، (وفي أهل بيته خاصة)(٤)] .(٥) ( وَإِنْ تَصْبِرُوا ) : على ذلك،( وَتَتَّقُوا ) : مخالفة أمر الله،( فَإِنَّ ذلِكَ ) ، يعني: الصّبر والتّقوى،( مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (١٨٦): من معزومات الأمور، الّتي يجب العزم عليها. أو ممّا عزم الله عليه، أي: أمر به وبالغ فيه.
و «العزم» في الأصل، ثبات الرّأي على الشيء نحو إمضائه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن أبي خالد الكابليّ قال: قال عليّ بن الحسينعليهالسلام : لوددت أنّه أذن لي فكلّمت النّاس ثلاثا، ثمّ صنع الله بي ما أحبّ
__________________
(١) عيون أخبار الرضا ٢ / ٨٩.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير فرات / ١٩، ضمن حديث.
(٤) من المصدر، مع ضعف الأسلوب بتكرار كلمة «خاصّة».
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢١٠، ح ١٧١.
ـ قال بيده على صدره - ثمّ قال: ولكنّها عزمة من الله أن نصبر، ثمّ تلا هذه الآية: [( وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) ](١) وأقبل يرفع يده ويضعها على صدره.
( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ) : أي، اذكر وقت أخذه،( مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) : يريد به العلماء،( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) : حكاية لمخاطبتهم.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم - في رواية ابن عيّاش - بالياء، لأنّهم غيّب.
و «اللّام» جواب القسم، الّذي ناب عنه قوله:( أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ ) والضّمير، للكتاب(٢) . والمراد بيان ما فيه من نعت محمّدصلىاللهعليهوآله
( فَنَبَذُوهُ ) ، أي: الميثاق،( وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) : فلم يراعوه، ولم يلتفتوا إليه.
والنّبذ وراء الظّهر، مثل في ترك الاعتداد وعدم الالتفات. ونقيضه، جعله نصب عينيه، وإلقاؤه بين عينيه.
( وَاشْتَرَوْا بِهِ ) : وأخذوا بدله.
( ثَمَناً قَلِيلاً ) : من حطام الدّنيا، وأعراضها.
( فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) (١٨٧): ما يختارون لأنفسهم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ [مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ) و](٤) ذلك [أنّ الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب](٥) في محمّدصلىاللهعليهوآله إذا خرج [( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] ) (٦) ( [وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) يقول: نبذوا عهد الله وراء ظهورهم( وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) ](٧)
وفي مجمع البيان(٨) : عن عليٍّعليهالسلام قال: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا، حتّى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ١٩٧.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٢٨.
(٤ و ٥ و ٦) من المصدر.
(٧) ليس في أ.
(٨) مجمع البيان ١ / ٥٥٢.
وفي كتاب الاحتجاج(١) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، يقول فيه - وقد ذكر أعداء رسول الله الملحدين في آيات الله - : ولقد أحضروا الكتاب كملا، مشتملا على التّأويل والتّنزيل، والمحكم والمتّشابه، والنّاسخ والمنسوخ، ولم يسقط منه حرف لا الألف ولا لام، فلمّا وقفوا على ما بيّنه الله من أسماء أهل الحقّ والباطل، وأنّ ذلك إن ظهر نقض(٢) ما عقدوه قالوا: لا حاجة لنافيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا. ولذلك(٣) قال:( فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ) .
ثمّ دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم، ممّا(٤) لا يعلمون تأويله إلى جمعه.
وتأويله وتعظيمه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم(٥) كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن، فليأتنا به. ووكّلوا تأليفه ونظمه(٦) إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله، فألّفه على اختيارهم [وما يدلّ للمتأمّل له على اختلال تمييزهم وافترائهم ،](٧) وتركوا منه ما قدّروا أنّه لهم وهو عليهم، وزادوا [فيه](٨) ما ظهر تناكره وتنافره [، وعلم الله أنّ ذلك يظهر ويبيّن فقال:( ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) ](٩) وانكشف لأهل الاستبصار عوارهم(١٠) وافتراؤهم.
( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ) : يعجبون بما فعلوا من التّدليس، وكتمان الحقّ. أو من الطّاعات والحسنات. والخطاب للرسول. ومن ضمّ الباء، جعل الخطاب له وللمؤمنين. والمفعول الأوّل «الّذين يفرحون».
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، بالياء وفتح الباء فيه، وضمّ الباء في الآتي، على أنّ «الّذين» فاعل، ومفعولاه محذوفان، يدلّ عليهما مفعولا مؤكّده وهو «يحسبهم» الثّاني، والمفعول الأوّل محذوف، والثّاني تأكيد للفعل وفاعله ومفعوله الأوّل(١١) .
( وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ) من الوفاء بالميثاق، وإظهار الحقّ، والإخبار
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٨٣.
(٢) المصدر: نقص.
(٣) المصدر: كذلك.
(٤) المصدر: عمّا.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ادّعائهم.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تنظيمه.
(٧ و ٨ و ٩) من المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي الأصل وأ: «إغواءهم» وفي ر: «اغراءهم».
(١١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٨.
بالصّدق. أو كلّ خير،( فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ) ، أي فائزين بفوز ونجاة منه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه(٢) يقول: ببعيد من العذاب.
وهو حاصل المعنى.
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١٨٨): بكفرهم وتدليسهم.
قيل(٣) : إنّهعليهالسلام سأل اليهود عن شيء ممّا في التّوراة، فأخبروه بخلاف ما كان فيه وأروه أنّهم قد صدقوا(٤) وفرحوا بما فعلوا. فنزلت.
وقيل(٥) : نزلت في قوم تخلّفوا عن الغزو، ثمّ اعتذروا بأنّهم رأوا المصلحة في التّخلّف واستحمدوا به.
وقيل(٦) : نزلت في المنافقين، فإنّهم يفرحون بمنافقتهم، ويستحمدون إلى المسلمين بإيمان(٧) لم يفعلوه على الحقيقة.
والصّواب، أنّ الآية نزلت فيما رواه أبو الجارود، عن الباقر - عليه السّلام(٨) - وجرت في غيرهم.
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : فهو يملك أمرهم.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (١٨٩): فيقدر على عقابهم.
وقيل(٩) : هو ردّ لقولهم: إنّ الله فقير.
( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) (١٩٠): لدلائل واضحة على وجود الصّانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته لذوي، العقول المجلوّة الخالصة عن شوائب الحسّ والوهم.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٢٩.
(٢) المصدر: «قوله: ولا تحسبنّهم بمفازة من العذاب» بدل «أنّه».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٩٨.
(٤) المصدر: صدقوه.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) المصدر: بالإيمان
(٨) تفسير القمي ١ / ١٢٩.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ١٩٨.
وفي مجمع البيان(١) : وقد اشتهرت الرّواية عن النّبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا نزلت هذه الآية(٢) قال: ويل لمن لاكها بين فكّيه، ولم يتأمّل ما فيها.
قيل(٣) : ولعلّ الاقتصار على [هذه](٤) الثّلاثة في [هذه](٥) الآية، لأنّ مناط الاستدلال [هو](٦) التغيّر، وهذه متعرّضه لجملة(٧) أنواعه، فإنّه إمّا أن يكون في ذات الشيء كتغيّر اللّيل والنّهار، أو جزئه كتغيّر العناصر بتبدّل(٨) صورها، أو الخارج عنه كتغيّر(٩) الأفلاك بتبدّل أوضاعها.
[وفي تهذيب الأحكام(١٠) : محمّد بن عليّ بن محبوب، عن العبّاس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول - وذكر صلاة النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه ويوضع سواكه تحت فراشه ثمّ ينام ما شاء الله، فإذا استيقظ جلس، ثمّ قلّب بصره في السّماء، ثمّ تلا الآيات من:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) ](١١) (الآية) ثمّ يستنّ ويتطهّر، ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، وسجوده على قدر ركوعه، يركع حتّى يقال: متى يرفع رأسه، ويسجد حتّى يقال: متى يرفع رأسه، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلوا الآيات من ويقلّب(١٢) بصره في السّماء، ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيصلّي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من ويقلّب بصره في السّماء، ثمّ يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلّي الرّكعتين، ثمّ يخرج إلى الصّلاة].(١٣)
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ) ، أي: يذكرون الله على جميع
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥٥٤.
(٢) المصدر: الآيات.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ١٩٨.
(٤ و ٥ و ٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: بجملة.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تبدل.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كتبدل.
(١٠) تهذيب الأحكام ٢ / ٣٣٤، ح ١٣٧٧.
(١١) من المصدر.
(١٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فيقلّب» بدل «من ويقلّب».
(١٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
الأحوال، قائمين وقاعدين ومضطجعين.
وفي الكافي(١) : عن الصّادقعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أكثر ذكر الله أحبّه الله.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : خطبة لعليّعليهالسلام يذكر فيها نعم الله يقول فيها: وأنا الذّاكر، يقول الله - عزّ وجلّ -( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ) .
أو يصلّون على الهيئات الثّلاث حسب طاقتهم.
وفي الكافي(٣) : عليّ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - (الآية)(٤) قال: الصّحيح يصلّي قائما وقعودا، المريض يصلي جالسا،( وَعَلى جُنُوبِهِمْ ) الّذي يكون أضعف من المريض الّذي يصلّي جالسا.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٥) : بإسناده إلى الباقرعليهالسلام قال: لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله، قائما كان أو جالسا أو مضطجعا، إنّ الله - تعالى - يقول: الّذين (الآية)(٦) .
( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : استدلالا واعتبارا، وهو أفضل العبادات.
في الكافي(٧) : عن (الصّادق)عليهالسلام : أفضل العبادة إدمان التّفكّر في الله، وفي قدرته.
وعنه - عليه السّلام(٨) - قال: كان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: نبّه بالتّفكّر قلبك، وجاف عن اللّيل جنبك، واتّق الله ربّك.
وعن الرّضا - عليه السّلام(٩) - : ليس العبادة كثرة الصّلاة والصّوم، إنّما العبادة
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٩٩، ح ٣. وللحديث ذيل. وفيه: عن أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٢) معاني الأخبار / ٥٩، ضمن حديث ٩.
(٣) الكافي ٣ / ٤١١، ح ١١.
(٤) ذكر في المصدر بدل «الآية» نصّها:( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ) .
(٥) أمالي الطوسي ١ / ٧٧.
(٦) ذكر في المصدر الآية إلى آخرها.
(٧) الكافي ٢ / ٥٥، ح ٣. وفيه عن أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٥٤، ح ١. -
(٩) نفس المصدر ٢ / ٥٥، ح ٤. وفيه: عن معمّر بن خلاد، قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليهالسلام يقول:
التّفكّر في أمر الله.
وعن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(١) - : تفكّر ساعة خير من قيام ليلة.
وفي رواية: من عبادة سنة(٢) .
وفي أخرى ستيّن سنة(٣) .
وإنّما اختلفت لاختلاف مراتب التّفكّر، ودرجات المتفكّرين، وأنواع المتفكّر فيه.
وفي عيون الأخبار(٤) : في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام من الأخبار في التّوحيد، حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام لـمّا نظرت إلى جسدي، فلم يمكّنني(٥) فيه(٦) زيادة ولا نقصان في العرض والطّول(٧) ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه، علمت أنّ لهذا البنيان بانيا، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السّحاب، وتصريف الرّياح، ومجرى الشّمس والقمر والنّجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أنّ لهذا مقدّرا ومنشئا.
( رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً ) : على إرادة القول، أي: يتفكّرون قائلين ذلك.
والمشار إليه «بهذا» المتفكّر فيه. أو الخلق، على أنّه أريد به المخلوق من السّموات والأرض.
أو إليهما، لأنّهما في معنى المخلوق.
والمعنى، ما خلقته عبثا ضائعا من غير حكمة، بل خلقته لحكم عظيمة.
( سُبْحانَكَ ) تنزيها لك عن العبث، وخلق الباطل. وهو اعتراض.
( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) (١٩١): للإخلال بالنّظر فيه، والقيام بما يقتضيه. وفائدة
__________________
(١) المحاسن / ٢٦، ضمن حديث ٥.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ٢٠٨، ح ٢٦، عن أبي عبد الله - عليه السّلام.
(٣) كذا أوردها في الصافي ١ / ٤٠٩ ولكن لم نعثر على مصدر لها.
(٤) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ١ / ١٣٢، ضمن حديث ٢٨.
(٥) المصدر: يمكنّي (يمكنن خ ل)
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: طول.
الفاء، هي الدّلالة على أنّ علمهم بما لأجله خلقت السّموات والأرض حملهم على الاستعاذة.
[وفي مجمع البيان(١) : روى الثّعلبيّ في تفسيره - بإسناده - عن محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه(٢) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله كان إذا قام من اللّيل استاك(٣) ، ثمّ ينظر إلى السّماء، ثمّ يقول:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) - إلى قوله - :( فَقِنا عَذابَ النَّارِ ) ].(٤)
( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) : غاية الإخزاء. ونظيره قولهم: من أدرك مرعى الضّمان فقد أدرك. والمراد تهويل المستعاذ منه، تنبيها على شدّة خوفهم وطلبهم الوقاية منه.
( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) (١٩٢): أراد بهم، المدخلين. ووضع المظهر موضع المضمر، للدّلالة على أنّ ظلمهم سبب لإدخالهم النّار.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن يونس بن ظبيان قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله:( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) .
قال: ما لهم من أئمّة يسمّونهم بأسمائهم.
ومعناه: ما لهم، أي، للظّالمين من أئمّة. يسمّون الأئمّة، بأسماء الأنصار، أي، يعدّونهم أنصارهم، أي: أئمّة الجور، وأئمّة الجور لا يمكن لهم الشّفاعة.
فالحاصل، أنّ الظّالم وهو الّذي تدخله النّار وهو تارك الولاية، ليس له مخلّص من النّار، لأنّ أئمّتهم أئمّة الجور يستحيل منهم الشّفاعة والنّصرة، أمّا الشّفاعة فلأنّهم ليسوا أهلا لها، وأمّا النّصرة فلأنّ المخزي هو الله سبحانه. فما قاله البيضاويّ(٦) ، من أنّه لا يلزم من نفي الشّفاعة، لأنّ النّصرة دفع بقهر، جهل منه ارتكبه، لاحتياط الاستمداد منه بشفاعة أئمّته.
( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ) :
أوقع الفعل على المسمع لا المسموع، لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغة ليس في
__________________
(١) مجمع البيان ١ / ٥٥٤.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تسوّك.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢١١، ح ١٧٥.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ١٩٩.
إيقاعه على نفس المسموع. وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثمّ تقييده بالوصف، تعظيم لشأنه، والمراد به الرّسول.
وقيل(١) : القرآن.
وفي تهذيب الأحكام(٢) : في الدّعاء بعد صلاة يوم الغدير المسند إلى الصّادقعليهالسلام : وليكن من دعائك في دبر هاتين الرّكعتين أن تقول:( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ) - إلى قوله(٣) -( إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) إلى أن قال: ربّنا إنّنا سمعنا بالنّداء، وصدّقنا المنادي رسول الله، إذ نادى بنداء عنك بالّذي أمرته به أن يبلّغ ما أنزلت إليه من ولاية وليّ أمرك.
فعلى هذا معنى( أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ) : آمنوا به فيما ناداكم له رسوله، وهو الإيمان بوصيّ رسوله.
( فَآمَنَّا ) ، أي: آمنّا بالله ورسوله ووصيّ رسوله.
( رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ) : كبائرنا، فإنّها ذات تبعات وأذناب.
( وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ) : صغائرنا، فإنّها مستقبحة، ولكنّها مكفّرة عن مجتنب الكبائر.
( وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ) (١٩٣): مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم.
و «الأبرار» جمع برّ، وبارّ، كأرباب، وأصحاب.
( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ) ، أي: على تصديق رسلك من الثّواب، أو على ألسنة رسلك، أو منزلا على رسلك، أو محمولا عليهم.
( وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : بأن تعصمنا عمّا يقتضيه.
( إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ) (١٩٤): بإثابة المؤمن، وإجابة الدّاعي. وتكرير «ربّنا» للمبالغة في الابتهال، والدّلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها.
( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ) ، أي: طلبتهم. وهو أخصّ من الإجابة، لجواز أن تكون الإجابة بالرّدّ. وتعدّى بنفسه، وباللّام.
( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ) : بأنّي لا أضيّع.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تهذيب الأحكام ٣ / ١٤٤، ضمن حديث ٣١٧.
(٣) ذكر في المصدر، نفس الآية بدل «إلى قوله».
وقرئ، بالكسر، على إرادة القول(١) .
( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) : بيان عامل.
( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) : لأنّ الذّكر من الأنثى والأنثى من الذّكر، أو لأنّهما من أصل واحد، أو لفرط الاتّصال والاتّحاد، أو للاجتماع، أو الاتّفاق في الدّين. وهي جملة معترضة، بيّن بها شركة النّساء مع الرّجال فيما وعد للعمّال.
وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن يعقوب النّهشليّ قال: حدّثنا عليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام - عن النّبيّصلىاللهعليهوآله عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل - عليهم السّلام - عن الله - جلّ جلاله - أنّه قال: أنا الله، لا إله إلّا أنا، خلقت الخلق بقدرتي، فاخترت منهم من شئت من أنبيائي، واخترت من جميعهم محمّدا حبيبا وخليلا وصفيّا فبعثته رسولا إلى خلقي، واصطفيت له عليّا فجعلته(٣) له أخا ووصيّا ووزيرا ومؤدّيا عنه من بعده إلى خلقي وخليفتي إلى عبادي - إلى قوله جلّ ثناؤه - : وحجّتي في السّموات والأرضين(٤) على جميع من فيهنّ من خلقي، لا أقبل عمل عامل منهم إلّا بالإقرار بولايته مع نبوّة أحمد(٥) رسولي.
( فَالَّذِينَ هاجَرُوا ) الأوطان والعشائر للدّين،( وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ) : بسبب إيمانهم بالله، ومن أجله،( وَقاتَلُوا ) الكفّار.
( وَقُتِلُوا ) في الجهاد.
وقرأ حمزة والكسائيّ بالعكس(٦) .
والمراد، أنّه لـمّا قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا.
وشدّد ابن كثير وابن عامر «قتّلوا» للتّكثير(٧) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ١٩٩.
(٢) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٤٩، وللحديث تتمة.
(٣) المصدر: فجعلت.
(٤) المصدر: الأرض.
(٥) المصدر: محمّد.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٠.
(٧) نفس المصدر والموضع.
( لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ ) ، أي: أثيبهم بذلك ثوابا من عند الله، أي: عظيما. فهو مصدر للنّوع(١) .
( وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ) (١٩٥): على الطّاعات.
وفي أمالي شيخ(٢) الطّائفة: بإسناده إلى أبي عبيدة، عن أبيه وابن أبي رافع - يحكيان ذهاب عليّعليهالسلام من مكّة إلى المدينة ملتحقا بالنّبيّصلىاللهعليهوآله حين هاجر من مكّة إلى المدينة، وقد قارع الفرسان من قريش، ومعه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفاطمة بنت الزبير - : ثمّ سار(٣) ظاهرا قاهرا حتّى نزل ضجنان، فلبث بها قدر يومه وليلته،(٤) ولحق به نفر من المستضعفين(٥) من المؤمنين، وفيهم أمّ أيمن مولاة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصلى(٦) ليلته تلك هو والفواطم، [طورا يصلّون وطورا](٧) يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فلم يزالوا كذلك حتّى طلع الفجر، فصلّىعليهالسلام بهم صلاة الفجر، ثمّ سار لوجهه يجوب(٨) منزلا بعد منزل. لا يفتر عن ذكر الله والفواطم كذلك وغيرهم ممن صحبه حتّى قدموا المدينة(٩) ، وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم [بقوله - تعالى - :](١٠)
__________________
(١) يوجد في هامش الأصل: رد على البيضاوي حيث جعل مصدرا مؤكدا مع أنه لا يحذف عامل المؤكد. (منه سلمه الله). [ر. أنوار التنزيل ١ / ٢٠٠]
(٢) أمالي الطوسي ٢ / ٨٤ - ٨٦، مع اختصار وتلخيص في أوائله وهو الظاهر من عبارات المفسر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فصار» بدل «ثم سار».
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فلزم بها يوما وليلة» بدل «فلبث بها قدر يومه وليلته».
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «ضعفاء» بدل «المستضعفين من».
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «ويصلي» بدل «فصلى».
(٧) من المصدر. وفي النسخ: «و» بدل منه.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فجعل وهن يضعون ذلك» بدل «يجوب».
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «يعبدون الله - عز وجل - ويرغبون إليه كذلك حتى قدم المدينة» بدل «لا يفتر عن ذكر الله والفواطم كذلك وغيرهم ممن صحبه حتى قدموا المدينة».
(١٠) من المصدر.
( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً ) (الآيات [إلى] قوله)(١) ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) . الذّكر عليّ، والأنثى الفواطم(٢) ( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) يعني، عليّ من فاطمة، أو قال: الفواطم، وهنّ من عليّ(٣) .
وذكر عليّ بن عيسى - رحمه الله - في كشف الغمّة(٤) : أنّ هذه الآيات نزلت في أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - في توجّهه إلى المدينة، وذكر الحكاية كما في الأمالي.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : ثمّ ذكر أمير المؤمنينعليهالسلام وأصحابه المؤمنين فقال:( فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) يعني، أمير المؤمنين، وسلمان، وأبا ذرّ حين أخرج، وعمّار(٦) ، الّذين أوذوا - إلى آخر الآية -
( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ) (١٩٦) :
الخطاب للنّبيّصلىاللهعليهوآله والمراد أمّته، أو تثبيته على ما كان عليه، أو لكلّ أحد.
والمعنى: لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السّعة والحظّ، ولا تغترّ بظاهر ما ترى من تبسّطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم.
نقل(٧) : أنّ بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون: إنّ أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت.
( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) : خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك التّقلّب متاع قليل، لقصر مدّته وفي جنب ما أعدّ الله للمؤمنين.
وفي الحديث النّبويّ(٨) : ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم(٩) إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع.
( ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) (١٩٧): ما مهّدوا لأنفسهم.
__________________
(١) ذكر في المصدر نفس الآيات بدل قول المفسر: الآيات [إلى] قوله.
(٢) المصدر: الفواطم المتقدم ذكر هنّ وهنّ فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفاطمة بنت أسد وفاطمة بنت الزبير.
(٣) «أو قال الفواطم وهنّ من عليّ» ليس في المصدر.
(٤) كشف الغمة في معرفة الأئمة ١ / ٤٠٦.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٢٩.
(٦) «وعمّار» ليس في المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٠. وفيه: روى.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أحدهم.
( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : النَّزَل والنُّزُل، ما يعدّ للنّازل من طعام وشراب وصلة. وانتصابه على الحال من «جنّات» والعامل فيها الظّرف.
وقيل(١) : إنّه مصدر مؤكّد، والتّقدير: أنزلوه نزلا.
( وَما عِنْدَ اللهِ ) : لكثرته، ودوامه،( خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) (١٩٨): ممّا يتقلّب فيه الفجّار، لقلّته وسرعة زواله وامتزاجه بالآلام.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: الموت خير للمؤمن، لأنّ الله يقول:( وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ) .
[عن الأصبغ بن نُباتة(٣) ، عن عليٍّعليهالسلام في قوله: «ثوابا من عند الله خير للأبرار»](٤) قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وآله(٥) - : أنت الثّواب، وأصحابك(٦) الأبرار.
( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ ) :
قيل(٧) : نزلت في ابن سلام(٨) وأصحابه.
وقيل: في أربعين من نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا نصارى فأسلموا.
وقيل(٩) : في أصحمة النّجاشيّ لـمّا نعاه جبرئيل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فخرج فصلّى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلّي على علج نصرانيّ لم يره قطّ.
وإنّما دخلت اللّام على الاسم، للفصل بينه وبين «إنّ» بالخبر.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢١٢، ح ١٧٨.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٧٧.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّ.
(٦) المصدر: أنصارك (أصحابك - خ ل.)
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٠ - ٢٠١.
(٨) المصدر: عبد الله بن سلام.
(٩) نفس الموضع والمصدر.
( وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) ، من القرآن،( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ) من الكتابين،( خاشِعِينَ لِلَّهِ ) : حال،من فاعل «يؤمن». وجمعه باعتبار المعنى.
( لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) ، كما يفعله المحرّفون من أحبارهم.
( أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) : ويؤتون أجرهم مرّتين، كما وعدوه في آية أخرى.
( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (١٩٩): لعلمه بالأعمال، وما يستوجبه كلّ عامل من الجزاء، واستغنائه عن التّأمّل والاحتياط.
والمراد، أنّ الأجر الموعود سريع الوصول، فإنّ سرعة الحساب يستدعي سرعة الجزاء.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) ، على المصائب،( وَصابِرُوا ) ، على الفرائض،( وَرابِطُوا ) : على الأئمّة(١) .
[وفي الكافي(٢) : عن الصّادقعليهالسلام : «اصبروا» على الفرائض «وصابروا» على المصائب].(٣)
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) : بإسناده إلى أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «اصبروا» على المصائب و «صابروهم» على الفتنة(٥) «ورابطوا» على من تعتدّون(٦) به.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قوله:( اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «اصبروا»
__________________
(١) كافّة الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية في نسخة «ر» و «أ» فيها تقديم وتأخير.
ولكن اعتمدنا على نسخة الأصل ولم نشر إلى ذلك كما أنّه يوجد اختلافات ونقص في نفس الحديث في - النسختين المشار إليهما.
(٢) الكافي ٢ / ٨١، ح ٣. وسيأتي بسنده وتمام الحديث قريبا.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٤) معاني الأخبار / ٣٦٩، ح ١. وسيأتي بتمامه قريبا.
(٥) المصدر: التقيّة.
(٦) المصدر: تقتدون.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٢٩.
على المصائب «وصابروا» على الفرائض و «رابطوا» على الأئمّة.
[وحدّثني أبي(١) ، عن الحسن بن خالد، عن الرّضاعليهالسلام : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الصّابرون؟ فيقوم فئام من النّاس، ثمّ ينادي: أين المتصبّرون؟
فيقوم فئام من النّاس.
قلت: جعلت فداك، وما الصّابرون؟
قال: على أداء الفرائض، والمتصبّرون على اجتناب المحارم].(٢)
حدّثني أبي(٣) ، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر، عن أبيه عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - أنّه قال - وقد ذكر عنده عبد الله بن عبّاس - : وأمّا قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) (الآية) ففي أبيه نزلت وفينا، ولم يكن الرّباط الّذي أمرنا به وسيكون ذلك، من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط والحديث طويل أخذت، منه موضع الحاجة.
[وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى عن الحسين بن مختار، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) قال: اصبروا على الفرائض.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٥) ، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي السّفاتج، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) قال: اصبروا على الفرائض، وصابروا على المصائب، ورابطوا على الأئمّة.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٦) ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن [أبان](٧) ابن أبي مسافر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله عزّ وجلّ -( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا ) قال: اصبروا على المصائب.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٢٣.
(٤) الكافي ٢ / ٨١، ح ٢.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٩٢، ح ١٩.
(٧) من المصدر.
وفي رواية ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال صابروا(١) على المصائب](٢) .
وفي مجمع البيان(٣) :( اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) اختلفوا في معناه إلى قوله - : وقيل إنّ معنى رابطوا، أي، رابطوا الصّلوات(٤) ، ومعناه، انتظروها واحدة بعد واحدة لأنّ المرابطة لم تكن حينئذ: روي ذلك عن عليّعليهالسلام
[وروي عن أبي جعفر - عليه السّلام(٥) - أنّه قال: معناه، اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوّكم، ورابطوا على عدوّكم].(٦)
[وعن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٧) - : من الرّباط انتظار الصّلاة بعد الصّلاة].(٨)
[وفي كتاب معاني الأخبار(٩) : حدّثنا أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيهعليهالسلام قال: جاء جبرائيلعليهالسلام إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال له النّبيّ: يا جبرائيل، ما تفسير الصّبر؟
قال: ويصبر(١٠) في الضّرّاء كما يصبر(١١) في السّرّاء، وفي الفاقة كما يصبر(١٢) في الغناء، وفي البلاء كما يصبر(١٣) في العافية، فلا يشكو(١٤) خالقه عند مخلوق بما يصيبه من البلاء.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(١٥) ( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٢٠٠) :
قيل(١٦) : واتّقوه بالتّبرّؤ عمّا سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: اصبروا.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) مجمع البيان ١ / ٥٦٢.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الصلاة.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أور.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل.
(٩) معاني الأخبار / ٢٦١، ضمن حديث.
١٠ و ١١ و ١٢ و ١٣ - هكذا في المصدر. وفي النسختين الأصل ور: «يصبروا». والصواب. أن تكونوا بصيغة المفرد كما في المصدر. لأنّ الضمير في «خالقه» يعود على مفرد.
(١٤) هكذا في المصدر. وفي النسختين الأصل ور: فلا يشكوا.
(١٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٠١.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الصادقعليهالسلام : يعني، فيما أمركم به وافترض عليكم.
وفي أصول الكافي(٢) : بعض أصحابنا - رفعه - عن محمّد بن سنان، عن داود بن كثير الرّقيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : إنّ الله - تبارك وتعالى - لـمّا خلق نبيّه ووصيّه وابنته وابنيه وجميع الأئمّة - عليهم السّلام - وخلق شيعتهم، أخذ عليهم الميثاق أن يصبروا ويصابروا ويرابطوا وأن يتّقوا الله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - تبارك وتعالى - :( اصْبِرُوا ) يقول: عن المعاصي( وَصابِرُوا ) على الفرائض( وَاتَّقُوا اللهَ ) يقول: اؤمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ثمّ قال: وأيّ منكر أنكر من ظلم الأمّة لنا وقتلهم إيّانا؟( وَرابِطُوا ) يقول: في سبيل الله، ونحن السّبيل فيما بين الله وخلقه، ونحن الرّباط الأدنى، فمن جاهد عنّا فقد جاهد عن النّبيّصلىاللهعليهوآله وما جاء به من عند الله( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) يقول: لعلّ الجنّة توجب لكم إن فعلتم ذلك، ونظيرها في قول الله - تعالى - :( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ولو كانت هذه الآية في المؤذنين كما فسّرها المفسّرون، لفاز القدريّة وأهل البدع معهم.
عن يعقوب السّرّاج(٤) قال: قلت: لأبي عبد اللهعليهالسلام : تبقى الأرض يوما بغير عالم منكم يفزع النّاس إليه؟
قال: فقال لي: إذا لا يعبد الله يا أبا يوسف، لا تخلوا الأرض من عالم منّا ظاهر يفزع النّاس إليه في حلالهم وحرامهم، وإنّ ذلك لمبيّن في كتاب الله، قال الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) ](٥) اصبروا على دينكم، وصابروا عدوّكم ممّن يخالفكم، ورابطوا إمامكم( وَاتَّقُوا اللهَ ) فيما أمركم به وافترض عليكم.
[وفي رواية أخرى(٦) عنه: اصبروا على الأذى فينا.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢١٣، ذيل حديث ١٨١. وسيأتي الحديث بتمامه قريبا.
(٢) الكافي ١ / ٤٥١، ح ٣٩.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢١٢، ح ١٧٩.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٨١.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) نفس المصدر ١ / ٢١٣، ح ١٨٢.
قلت: وصابروا؟
قال: على عدوّكم مع وليّكم «ورابطوا» قال: المقام مع إمامكم( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .
قلت: تنزيل؟
قال: نعم.
وفيه(١) : بإسناده إلى ابن أبي حمزة(٢) ، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) .
فقال: اصبروا على المصائب، وصابروهم على التّقيّة(٣) ، ورابطوا على من تعتدّون به(٤) ،( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ].(٥)
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) : روى الشّيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب الغيبة، عن رجاله - بإسناده - عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام في - قوله - تعالى - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) قال: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم المنتظر.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم(٧) الكوفيّ: قال: حدّثنا الحسين بن الحكم معنعنا، عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - في يوم أحد [في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ) (٨) ( اصْبِرُوا ) في أنفسكم( وَصابِرُوا ) عدوّكم( وَرابِطُوا ) في سبيل الله( وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [قال :](٩) نزلت في رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام وحمزة بن عبد المطّلب - رضي الله عنه - ](١٠) وقد سبق ثواب قراءة هذه السّورة.
وفي عيون الأخبار: عن الرّضا - عليه السّلام(١١) - قال: إذا أراد أحدكم الحاجة
__________________
(١) بل في معاني الأخبار / ٣٦٩، ح ١، كما مرّ قبل قليل.
(٢) المصدر: أبي حمزة.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: القضية.
(٤) المصدر: تقتدون به.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٣٨.
(٧) تفسير فرات / ٤٢٠، ذيل حديث.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) من المصدر.
(١٠) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٤٠، ح ١٢٥.
فليبكّر في طلبها في يوم الخميس، وليقرأ إذا خرج من منزله، آخر سورة، وآية الكرسيّ، وانّا أنزلناه في ليلة القدر، وأمّ الكتاب، فإنّ فيها قضاء حوائج الدّنيا والآخرة.
سورة النّساء
سورة النّساء
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(١) : بإسناده عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: من قرأ سورة النّساء في كلّ جمعة، أمن من ضغطة القبر.
وفي مصباح الكفعميّ(٢) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله : من قرأها فكأنّما تصدّق على كلّ من ورث ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّرا، وبرئ(٣) من الشّرك، وكان(٤) في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) : خطاب يعمّ بني آدم.
( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) :
في كتاب المناقب(٥) - لابن شهر آشوب - : أبو حمزة، عن جعفرعليهالسلام في هذه(٦) الآية قال: قرابة الرّسول وسيّدهم أمير المؤمنينعليهالسلام أمروا بمودّتهم، فخالفوا ما أمروا به.
( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) : هي آدمعليهالسلام
( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) : عطف على خلقكم، أي: خلقكم من شخص واحد وخلق منها أمّكم حوّاء من فضل طينتها. أو على محذوف، تقديره: من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها.
في كتاب علل الشّرائع(٧) : بإسناده إلى زرارة - حديث طويل - قال: ثمّ سئل
__________________
(١) ثواب الأعمال / ١٣٣.
(٢) مصباح الكفعمي / ٤٣٩.
(٣) المصدر: تبرى.
(٤) المصدر: فكان.
(٥) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٣١٤.
(٦) ذكر في المصدر نص الآية بدل «هذه». -
(٧) علل الشرائع / ١٧ - ١٨، ح ١، وللحديث صدر.
ـ عليه السّلام - عن خلق حوّاء وقيل له: إنّ أناسا عندنا يقولون: إنّ الله - عزّ وجلّ - خلق حوّاء من ضلع آدم الأيسر الأقصى.
قال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا، يقول(١) من يقول هذا، إنّ الله - تبارك وتعالى - لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته(٢) من غير ضلعه، وجعل للمتكلّم من أهل التّشنيع سبيلا إلى الكلام، يقول: إنّ آدم كان ينكح بعضه بعضا، إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم.
ثمّ قال: إنّ الله - تبارك وتعالى - لـمّا خلق آدم من طين، أمر الملائكة فسجدوا له(٣) ، وألقى عليه السّبات(٤) ، ثمّ ابتدع له حوّاء. فجعلها(٥) في موضع النّقرة الّتي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرّجل، فأقبلت تتحرّك فانتبه لتحرّكها، فلمّا انتبه نوديت: أن تنحّي عنه. فلمّا نظر إليها، نظر إلى خلق حسن يشبه(٦) صورته غير أنّه(٧) أنثى، فكلّمها فكلّمته بلغته.
فقال لها: من أنت؟
فقالت: خلق، خلقني الله كما ترى.
فقال آدم عند ذلك: يا ربّ، من هذا الخلق الحسن، الّذي قد آنسني قربه والنّظر إليه؟
فقال الله: يا آدم، هذه أمتي حوّاء، أفتحبّ(٨) أن تكون معك فتؤنسك وتحدّثك وتأتمر لأمرك؟
فقال: نعم يا ربّ، ولك عليّ بذلك الشّكر والحمد ما بقيت.
فقال الله - تبارك وتعالى - : فاخطبها إليّ، فإنّها أمتي، وقد تصلح لك(٩) - أيضا - زوجة(١٠) للشهوة، وألقى الله عليه الشّهوة، وقد علّمه قبل ذلك المعرفة بكلّ شي(١١) .
__________________
(١) المصدر: أيقول.
(٢) النسخ: «زوجة». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الشبات.
(٥) المصدر: «ثم ابتدع له خلقا ثم جعلها» بدل «ثم ابتدع له حواء فجعلها».
(٦) المصدر: تشبه.
(٧) هكذا في ر. وفي المصدر وسائر النسخ: أنّها.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فتحبّ.
(٩ و ١٠) ليس في المصدر. -
(١١) «بكل شيء» ليس في المصدر.
فقال: يا ربّ، فإنّي أخطبها إليك، فما رضاك لذلك؟
فقال: رضائي، أن تعلّمها معالم ديني.
فقال: ذلك لك يا ربّ إن شئت(١) ذلك لي.
فقال: قد شئت ذلك، وقد زوّجتكها، فضمّها إليك.
فقال لها آدمعليهالسلام : إليّ فأقبلي(٢) .
فقالت: بل أنت فأقبل إليّ. فأمر الله - عزّ وجلّ - آدم أن يقوم إليها، فقام، ولو لا ذلك لكان(٣) النّساء [هنّ](٤) يذهبن [إلى الرّجال](٥) حتّى يخطبن(٦) على أنفسهن. فهذه قصّة حوّاء - صلوات الله عليها -
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: خلقت حوّاء من قصيرى جنب آدم. والقصيرى هو الضّلع الأصغر، وأبدل الله مكانه لحما.
وقيل في الجمع بين الخبرين(٨) : كونها مخلوقة من ضلعه الأيسر، إشارة إلى أنّ الجهة الجسمانيّة [الحيوانيّة](٩) في النّساء أقوى منها في الرّجال، والجهة الرّوحانيّة الملكيّة بالعكس من ذلك. وذلك لأن اليمين ممّا يكنّى به عن عالم الملكوت الرّوحانيّ، والشّمال ممّا يكنّى به عن عالم الملك الجسمانيّ، فالطّين عبارة عن مادّة الجسم، واليمين عبارة عن مادّة الرّوح، ولا ملك إلّا بملكوت. وهذا هو المعنى بقولهعليهالسلام : وكلتا يديه يمين.
فالضّلع الأيسر المنقوص من آدم، كناية عن نقص الشّهوات، الّتي تنشّأ من غلبة الجسميّة، الّتي هي من عالم الخلق، وهي فضلة(١٠) طينته المستنبطة من باطنه الّتي صارت مادّة لخلق حوّاء. فنبّه في الحديث، على أنّ جهة الملكوت والأمر في الرّجال أقوى من جهة الملك والخلق، وبالعكس منهما في النّساء فإنّ الظّاهر عنوان الباطن. وهذا هو السّرّ في هذا النقص في أبدان الرّجال بالإضافة إلى النّساء، وأسرار الله لا ينالها إلّا أهل السّرّ ،
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عليّ إن شئت.
(٢) المصدر: «أقبلي» بدل «لها آدمعليهالسلام إليّ فأقبلي».
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لكنّ.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) المصدر: خطبن.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢١٥، ح ٢.
(٨) تفسير الصافي ١ / ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٩) من المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: هو فضل.
فالتّكذيب في كلام المعصومين - صلوات الله عليهم - إنّما يرجع إلى ما فهمه العامّة من حمله على الظّاهر، دون أصل الحديث.
( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) : بيان لكيفيّة تولّدهم منهما، والمعنى: ونشر من تلك النّفس والرّوح المخلوق منهما، بنين وبنات كثيرة. واكتفى بوصف(١) الرّجال بالكثرة عن وصف النّساء بها، لكونهم أصلا بالنّسبة إليهنّ، وتوصيفهم يدلّ على توصيفهنّ.
وذكر «كثيرا» حملا على الجمع، وترتيب الأمر بالتّقوى على هذه القصّة، لما فيها من الدّلالة على القدرة القاهرة الّتي من حقّها أن تخشى، والنّعمة الباهرة الّتي توجب طاعة مولاها. أو لأنّ المراد به، تمهيد الأمر بالتّقوى فيما يتّصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه، على ما دلّت عليه الآيات الّتي بعدها.
وقرئ: «وخالق وباثّ» على حذف مبتدأ، تقديره: وهو خالق وباثّ(٢) .
وفي كتاب العلل(٣) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه سئل عن بدء النّسل من ذرّيّة آدمعليهالسلام ، وقيل له: إنّ عندنا أناسا يقولون: إنّ الله - تبارك وتعالى - أوحى إلى آدم أن يزوّج بناته من بنيه، وإنّ هذا الخلق أصله كلّه من الإخوة والأخوات.
فقالعليهالسلام سبحان الله، وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا، يقول من يقول هذا، إنّ الله - عزّ وجلّ - جعل أصل صفوة خلقه وأحبّائه وأنبيائه ورسله [وحججه](٤) والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات من حرام، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال، وقد أخذ ميثاقهم على الحلال والطّهر الطّاهر الطّيّب، والله لقد نبّئت(٥) : أنّ بعض البهائم تنكّرت له أخته، فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها، وعلم أنّها أخته، أخرج غرموله، ثمّ قبض عليه بأسنانه، ثمّ قلعه، ثمّ خرّ ميّتا.
وأمّا ما رواه فيه(٦) : بإسناده إلى الحسن بن مقاتل، عمّن سمع زرارة يقول: سئل
__________________
(١) ر: بذكر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٢.
(٣) علل الشرائع / ١٧، ح ١. وللحديث تتمة قد سبق قبل قليل. وفيه: «سئل أبو عبد اللهعليهالسلام كيف بدؤ النسل من ذريّة آدمعليهالسلام وقيل له فإنّ عندنا أناسا» بدل «عن الصادقعليهالسلام (ألى قوله) إنّ عندنا أناسا».
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: نبأت.
(٦) نفس المصدر / ١٨، ح ٢.
أبو عبد اللهعليهالسلام عن بدء النّسل من آدم كيف كان؟ وعن بدء النّسل من ذرّيّة آدم، وذكر الحديث، وفيه زيادة وهي قوله: وآخر تنكرت له أمّه ففعل هذا بعينه، فكيف الإنسان وفي نسبه(١) وفضله [وعلمه؟](٢) غير أنّ جيلا من هذا الخلق الّذي ترون، رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم وأخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه، فصاروا إلى ما قد ترون من الضّلال والجهل بالعلم كيف كانت الأشياء الماضية من بدء أن خلق الله ما خلق، وما هو كائن أبدا.
ثمّ قال: ويح هؤلاء، أين هم عمّالا يختلف فيه فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق؟ إنّ(٣) الله أمر القلم، فجرى على اللّوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل [خلق](٤) آدم بألفي عام، وإنّ كتب الله كلّها فيما جرى [فيه](٥) القلم في كلّها تحريم الأخوات على الإخوة مع ما حرّم، وهذا نحن قد نرى منها هذه الكتب الأربعة المشهورة في هذا العالم: التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، أنزلها الله عن اللّوح المحفوظ على رسله - صلوات الله عليهم أجمعين - منها التّوراة على موسى، والزّبور على داود، والإنجيل على عيسى، والفرقان(٦) على محمّد - صلّى الله عليه وآله وسلّم - وعلى النّبيّين - عليهم السّلام - ليس فيها تحليل شيء من ذلك، حقّا أقول، ما أراد من يقول هذا وشبهه إلّا تقوية حجج المجوس، فما لهم قاتلهم الله.
[ثم أنشا يحدثّنا كيف كان بدء النّسل من آدم، وكيف كان بدء النّسل من ذريته ،](٧) فقال(٨) : إنّ آدم - صلوات الله عليه - ولد له سبعون بطنا، في كلّ بطن غلام وجارية إلى أن قتل هابيل، فلمّا قتل [قابيل](٩) هابيل جزع آدم على هابيل جزعا قطعه عن إتيان النّساء، فبقي لا يستطيع أن يغشى حوّاء خمسمائة عام، ثمّ تجلّى(١٠) ما به من الجزع
__________________
(١) كذا في النسخ. وفي المصدر: «أنسيّته». ولعلّ الأصح: «إنسانيّته».
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فانّ.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) المصدر: القرآن.
(٧) من المصدر.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: تخلّى.
عليه، فغشى حوّاء، فوهب الله شيئا(١) وحده ليس معه ثان، واسم شيث هبة الله، وهو أوّل وصيّ(٢) أوصي إليه من الآدميّين في الأرض، ثمّ ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان.
فلمّا أدركا، وأراد الله - عزّ وجلّ - أن يبلغ بالنّسل ما ترون، وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرّم الله - عزّ وجلّ - من الأخوات على الإخوة أنزل بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنّة، اسمها نزلة، فأمر الله - عزّ وجلّ - آدم أن يزوّجها من شيث فزّوجها منه، ثمّ أنزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة، اسمها منزلة، فأمر الله - عزّ وجلّ - آدم أن يزوّجها من يافث فزوّجها منه.
فولد لشيث غلام، وولد ليافث جارية، فأمر الله - عزّ وجلّ - آدم حين أدركا أن يزوّج بنت يافث من ابن شيث، ففعل، فولد الصّفوة من النّبيّين والمرسلين من نسلهما، ومعاذ الله أن يكون ذلك على ما قالوا من أمر الإخوة والأخوات.
[وفيه(٣) : بإسناده إلى القاسم بن عروة، عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - أنزل حوراء من الجنّة إلى آدمعليهالسلام فزوّجها أحد ابنيه وتزوّج الآخر إلى الجنّ، فولدتا جميعا، فما كان من النّاس من جمال وحسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء الخلق فمن بنت الجانّ. وأنكر أن يكون زوّج بنيه، من بناته.
وفيه(٤) : بإسناده إلى عبد الله بن يزيد بن سلام أنّه سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أخبرني عن آدم خلق من حوّاء، أم خلقت حوّاء من آدم؟
قال: بل حوّاء خلقت من آدم، ولو كان آدم خلق من حوّاء لكان الطّلاق بيد النّساء ولم يكن بيد الرّجال.
قال: فمن كلّه خلقت، أو من بعضه؟
قال: بل من بعضه، ولو خلقت من كلّه لجاز القصاص في النّساء كما يجوز في الرّجال.
قال: فمن ظاهره، أو من باطنه؟
قال: بل من باطنه، ولو خلقت من ظاهره لانكشف(٥) النّساء كما ينكشف
__________________
(١) المصدر: شيئا.
(٢) المصدر: من.
(٣) نفس المصدر / ١٠٣، باب ٩٢، ح ١.
(٤) نفس المصدر / ٤٧١، ضمن حديث ٣٣.
(٥) المصدر: لانكشفن.
الرّجال، فلذلك صار النّساء مستترات.
قال: فمن يمينه، أو من شماله؟
قال: بل من شماله، ولو خلقت من يمينه لكان للأنثى مثل حظّ الذّكر من الميراث، فلذلك صار للأنثى سهم وللذّكر سهمان، وشهادة امرأتين مثل شهادة رجل واحد.
قال: فمن أين خلقت؟
قال: من الطّينة الّتي فضلت من ضلعه الأيسر.
قال: صدقت يا محمّد.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده إلى الحسن بن محمّد(١) ، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : خلق الله - عزّ وجلّ - آدم من طين، ومن فضلته وبقيّته خلقت حوّاء.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطبّرسيّ - رحمه الله - : عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت عليّ بن الحسينعليهالسلام يحدّث رجلا من قريش قال: لـمّا تاب الله على آدم واقع حوّاء، ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلّا في الأرض، وذلك بعد ما تاب الله عليه.
قال: وكان آدم يعظّم البيت وما حوله من حرمة البيت، فكان إذا(٣) أراد أن يغشي حوّاء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحلّ، ثمّ يغتسلان إعظاما منه للحرم، ثمّ يرجع إلى فناء البيت.
[قال :](٤) فولد لآدم من حوّاء عشرون [ذكرا](٥) وعشرون أنثى [، فولد له في كلّ بطن ذكر وأنثى. فأوّل بطن](٦) ولدت حوّاء هابيل ومعه جارية [يقال لها :](٧) إقليما.
__________________
(١) نفس المصدر / ٥١٢، ضمن حديث ١. وفيه: الحسن بن عبد الله.
(٢) الاحتجاج ٢ / ٤٣ - ٤٤.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: «كان» بدل «فكان إذا».
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) من المصدر. وفي الأصل ور «وقال ولد» بدل منه.
(٧) من المصدر.
قال: وولدت في البطن الثّاني قابيل ومعه جارية يقال لها: لوزا، وكانت لوزا أجمل بنات آدم.
[قال :](١) فلمّا أدركوا خاف عليهم آدم من الفتنة، فدعاهم إليه فقال: [أريد](٢) أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل إقليما.
قال قابيل: ما أرضى بهذا، أتنكحني أخت هابيل القبيحة وتنكح هابيل أختي الجميلة؟
قال: فأنا(٣) أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا وخرج سهمك يا هابيل على إقليما، زوّجت كلّ واحد منكما الّتي يخرج(٤) سهمه عليها.
قال: فرضينا بذلك، فاقترعا.
قال: فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهم قابيل على إقليما أخت هابيل.
قال: فزوّجهما على ما خرج لهما من عند الله، قال: ثمّ حرّم الله نكاح الأخوات بعد ذلك.
قال: فقال له القرشيّ: فأولداهما؟
قال: نعم.
فقال له القرشيّ: فهذا فعل المجوس اليوم.
قال: فقال عليّ بن الحسينعليهالسلام : إنّ المجوس إنّما فعلوا [ذلك](٥) بعد التّحريم من الله، ثمّ قال له عليّ بن الحسينعليهالسلام : لا تنكر هذا، إنّما هي شرائع جرت، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثمّ أحلّها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثمّ أنزل الله التّحريم بعد ذلك.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى محمّد بن المفضّل(٧) ، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر - عليهما السّلام - أنّه قال: فلمّا أكل [آدم](٨) من الشّجرة أهبط(٩) إلى الأرض، فولد له هابيل وأخته توأما(١٠) وولد له قابيل وأخته
__________________
(١ و ٢ و ٥ و ٨) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: فإذا.
(٤) المصدر: خرج.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة / ٢١٣، ح ٢.
(٧) المصدر: محمّد بن الفضيل.
(٩) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: هبط.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: توأم.
توأما(١) ، ثمّ إنّ آدم أمر هابيل وقابيل أن يقرّبا قربانا - وكان هابيل صاحب غنم وكان قابيل صاحب زرع - فقرّب هابيل كبشا وقربّ قابيل من زرعه(٢) ما لم ينقّ(٣) ، وكان كبش هابيل من أفضل(٤) غنمه وكان زرع قابيل غير منقّى، فتقبّل قربان هابيل ولم يتقبّل قربان قابيل، وهو قول الله - عزّ وجلّ - :( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) (الآية)].(٥)
[في الكافي(٦) : عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن خالد بن إسماعيل، عن رجل من أصحابنا من أهل الجبل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ذكرت له المجوس، وأنّهم يقولون: نكاح كنكاح ولد آدم، وأنّهم يحاجّونا بذلك.
فقال: أمّا أنتم فلا يحاجّونكم به، لـمّا أدرك هبة الله قال آدم: «يا ربّ، زوّج هبة الله.» فأهبط الله - عزّ وجلّ - له حوراء، فولدت له أربعة غلمة ثمّ رفعها الله - عزّ وجلّ - فلمّا أدرك ولد هبة الله قال: يا ربّ، زوّج ولد هبة الله. فأوحى الله - عزّ وجلّ - إليه أن يخطب إلى رجل من الجنّ - وكان مسلما - أربع بنات له على ولد هبة الله، فزوّجهنّ، فمّا كان من جمال وحلم فمن قبل الحوراء والنّبوّة، وما كان من سفه أو حدّة فمن الجنّ.
من الدّلالة على أنّ آدم يزوّج بناته من بنيه في سبعين بطنا، ثمّ حرّم ذلك](٧) .
وما رواه في مجمع البيان(٨) عن الباقرعليهالسلام : «أنّ حوّاء امرأة آدم كانت تلد في كلّ بطن غلاما [وجارية ،](٩) فولدت في أوّل بطن قابيل - وقيل: قابين - وتوأمته إقليما بنت آدم، والبطن الثّاني هابيل وتوأمته لبوذا(١٠) ، فلمّا أدركوا جميعا أمر الله - تعالى - آدم أن ينكح(١١) قابيل أخت هابيل وهابيل أخت قابيل، فرضي هابيل، وأبى قابيل لأنّ
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: توأم.
(٢) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: «مزرعه» بدل «من زرعه».
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: لم يتق.
(٤) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: فضل.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) الكافي ٥ / ٥٦٩، ح ٥٨.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل.
(٨) مجمع البيان ٢ / ١٨٣.
(٩) من المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لوذا.
(١١) المصدر: أن ينكح آدم.
أخته كانت أحسنهما، وقال: ما أمر الله بهذا ولكن هذا من رأيك، فأمرهما آدم(١) أن يقرّبا قربانا، فرضيا بذلك.
وسيأتي باقي الحديث.
وما في قرب الإسناد(٢) ، عن الرّضاعليهالسلام حملت حوّاء هابيل وأختا له في بطن، ثمّ حمل في البطن الثّاني قابيل وأختا له في بطن، فزوّج هابيل الّتي مع قابيل وتزوّج قابيل الّتي مع هابيل، ثمّ حدث التّحريم بعد ذلك.
فمحمول على التّقيّة، لأنّه موافق لمذهب العامّة.
والحقّ ما رواه في الفقيه(٣) ، عن (الباقر)عليهالسلام أنّ الله - عزّ وجلّ - أنزل على آدم حوراء من الجنّة فزوّجها أحد ابنيه وتزوّج الآخر ابنة الجانّ، فما كان في النّاس من جمال كثير(٤) وحسن خلق فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء خلق فهو من ابنة الجانّ.
[وما في الخبر الأوّل من هذه الأربعة :](٥) أنّ الله أنزل الحوراء على هبة الله، [لا ينافي ما في هذا الخبر، لإمكان الإنزال أوّلا على أوّل أولاده، ثمّ إنزالها ثانيا على هبة الله بسؤال آدم. ولا ينافيه - أيضا - ](٦)
ما رواه العيّاشيّ(٧) ، «عن أبي بكر الحضرميّ عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ آدم ولد له أربعة ذكور، فأنزل(٨) الله إليهم أربعة من الحور العين، فزوّج كلّ واحد منهم واحدة فتوالدوا، ثمّ إنّ الله رفعهنّ وزوّج هؤلاء الأربعة أربعة من الجنّ، فصار النّسل فيهم، فما كان من حلم فمن آدم، وما كان من جمال فمن قبل(٩) الحور العين، وما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجنّ»، لاحتمال أن يكون المراد من ولد آدم ولد هبة الله، لأنّ ولده أولاده.
[وفي الكافي(١٠) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسين بن سعيد، عن صفوان ابن يحيى، عن خالد بن إسماعيل، عن رجل من أصحابنا من أهل الجبل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ذكرت له المجوس، وأنّهم يقولون: نكاح كنكاح ولد آدم، وأنّهم يحاجّونا بذلك.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الله.
(٢) قرب الاسناد / ١٦١.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٤٠، ح ١١٣٧.
(٤) المصدر: أو.
(٥ و ٦) ليس في الأصل.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢١٥، ح ٥.
(٨) المصدر: فأهبط.
(٩) المصدر: «من قبال» بدل «فمن قبل».
(١٠) الكافي ٥ / ٥٦٩، ح ٥٨.
فقال: أمّا أنتم فلا يحاجّونكم به، لـمّا أدرك هبة الله قال آدم: يا ربّ، زوّج هبة الله. فأهبط الله - عزّ وجلّ - له حوراء فولدت له أربعة غلمة، ثمّ رفعها الله - عزّ وجلّ - فلمّا أدرك ولد هبة الله قال: يا ربّ، زوّج ولد هبة الله. فأوحى(١) الله إليه أن يخطب إلى رجل من الجنّ - وكان مسلما - أربع بنات على ولد هبة الله، فزوجهّن، فما كان من جمال وحلم فمن قبل الحوراء والنّبوّة، وما كان من سفه أو حدّة(٢) فمن الجنّ].(٣)
[وقد سبق في الخبر: أنّ الله أنزل على أولاده أربعة من الحور العين على أربعة من أولاد آدم غير من أنزل له أوّلا، فلا منافاة](٤) .
( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ ) ، أي: يسأل بعضكم بعضا به، فيقول: أسألك بالله. وأصله «تتسائلون» فأدغمت التّاء في السّين.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائيّ، بطرحها(٥) .
( وَالْأَرْحامَ ) : بالنّصب، عطفا على الله، أي: اتّقوا الله والأرحام فصلوها ولا تقطعوها.
في مجمع البيان(٦) : و «الأرحام»، معناه: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام
وقيل(٧) : عطف(٨) على محلّ الجارّ والمجرور، كقولك: مررت بزيد وعمرو(٩) . أي: تتسائلون بالله وبالأرحام، كقولهم: أسألك بالله وبالرّحم أن تفعل كذا.
وقرئ، بالجرّ، عطفا على الضّمير المجرور، وهو ضعيف، لأنّه كبعض الكلمة(١٠) .
وقرئ، بالرّفع، على أنّه مبتدأ محذوف الخبر، أي: والأرحام كذلك، أي: ممّا يتّقى. أو يتساءل به. وقد نبّه - سبحانه - إذ قرن الأرحام باسمه في الاتّقاء، على أنّ صلتها بمكان منه(١١) .
[( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) (١): حافظا مطّلعا.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي الأصل: فأنزل.
(٢) هكذا في المصدر. وفي الأصل: خلف.
(٣) ما بين المعقوفتين يوجد في الأصل، فقط.
(٤) ما بين المعقوفتين يوجد في ر، فقط.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٢.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٣.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٢.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أو.
(٩) المصدر: عمرا.
(١٠ و ١١) نفس المصدر والموضع.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود: الرّقيب، الحفيظ.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٢) : قال: حدّثنا الحسن بن الحكم معنعنا، عن ابن عبّاس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى - :( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ ) قال: نزلت في رسول اللهصلىاللهعليهوآله وذوي أرحامه، وذلك أنّ كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا من كان من سببه ونسبه،( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ، يعني: حفيظا.
وفيه(٣) : قال: حدّثنا جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن جعفر بن محمّد قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله - تعالى - خلقني واهل بيتي من طينة(٤) لم يخلق الله منها أحدا غيرنا ومن ضوى إلينا، فكنّا أول من ابتدأ من خلقه، فلمّا خلقنا فتق بنورنا كلّ ظلمة(٥) وأحيا بنا كلّ طينة(٦) ثمّ قال الله - تعالى - هؤلاء خيار خلقي وحملة عرشي وخزّان علمي وسادة أهل السّماء وسادة أهل الأرض، هؤلاء الهداة(٧) المهتدين والمهتدى بهم، من جاءني بولايتهم أوجبت لهم(٨) جنّتي ووالجتهم(٩) كرامتي، ومن جاءني بعداوتهم أوجبت لهم(١٠) ناري وبعثت عليهم عذابي.
ثمّ قالعليهالسلام : نحن أصل الإيمان بالله وملائكته، وتمامه منّا، والرّقيب على خلق الله، وبه إسداد(١١) أعمال الصّالحين، ونحن قسم الله الّذي يسأل به، ونحن وصيّة الله في الأوّلين ووصيّته في الآخرين، وذلك قول الله - جلّ جلاله - :( اتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ].(١٢)
وفي تفسير العيّاشيّ(١٣) : عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٣٠.
(٢) تفسير فرات / ٣٢.
(٣) نفس المصدر / ٣٥.
(٤) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: من طينة وأهل بيتي.
(٥) المصدر: اطعة.
(٦) المصدر: طينة طيّبة.
(٧) المصدر: هداة.
(٨) المصدر: أوجبتهم.
(٩) المصدر: أبحتهم.
(١٠) المصدر: أوجبتهم.
(١١) المصدر: سداد.
(١٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٣) تفسير العياشي ١ / ٢١٧، ح ٨. وللحديث تتمة.
ـ عليه السّلام - يقول: إنّ أحدكم ليغضب فما يرضى حتّى يدخل به النّار، فأيّما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فإنّ الرّحم إذا مسّها(١) الرّحم استقرّت، وإنّها متعلّقة بالعرش ينتقضه(٢) انتقاض الحديد، فتنادي(٣) : أللّهمّ صل من وصلني واقطع من قطعني، وذلك قول الله - في كتابه - :( وَاتَّقُوا اللهَ ) (الآية).
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَاتَّقُوا اللهَ ) (الآية.)(٥) فقال: هي أرحام النّاس، إنّ الله - عزّ وجلّ - أمر بصلتها وعظّمها، ألا ترى أنّه جعلها معه(٦)؟
وفي عيون الأخبار(٧) ، بإسناده إلى الرّضاعليهالسلام قال: إنّ الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة - إلى قوله - : وأمر باتّقاء الله وصلة الرّحم، فمن لم يصل رحمه لم يتّق الله - عزّ وجلّ -
وبإسناده إلى الرّضا - عليه السّلام(٨) - عن أبيه، عن عليّ - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لـمّا أسري بي إلى السّماء، رأيت رحما متعلّقة بالعرش، تشكو رحما(٩) إلى ربّها.
فقلت لها: كم بينك وبينها من أب؟
فقالت: نلتقي في أربعين أبا.
وفي أصول الكافي(١٠) : بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : صلوا أرحامكم ولو بالتّسليم، يقول الله - تبارك وتعالى - :( وَاتَّقُوا اللهَ ) (الآية)(١١) .
وبإسناده إلى الرّضا(١٢) عليهالسلام قال: إنّ رحم آل محمّد الأئمّة
__________________
(١) المصدر: مسّتها.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: منتفضة.
(٣) المصدر: فينادي.
(٤) الكافي ٢ / ١٥٠، ح ١.
(٥) ذكر في المصدر بقية الآية إلى «عليكم رقيبا».
(٦) المصدر: منه.
(٧) عيون الأخبار ١ / ٢٥٨، ح ١٣.
(٨) نفس المصدر ١ / ٢٥٥، ح ٥.
(٩) المصدر: رحمها.
(١٠) الكافي ٢ / ١٥٥، ح ٢٢.
(١١) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «الآية».
(١٢) نفس المصدر ٢ / ١٥٦، ح ٢٦.
ـ عليهم السّلام - لمعلّقة(١) بالعرش تقول: أللّهمّ صل من وصلني واقطع من قطعني، ثمّ هي جارية [بعدها](٢) في أرحام المؤمنين، ثمّ تلا هذه الآية(٣) .
( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) : إذا بلغوا، وآنستم منهم رشدا، كما في الآية الأخرى.
«اليتامى» جمع يتيم، وهو الّذي مات أبوه من اليتم، وهو الانفراد. ومنه: الدّرّة اليتيمة، إمّا لأنّه لما جرى مجرى الأسماء، كفارس وصاحب، جمع على يتائم، ثمّ قلب فقيل: يتامى. أو على أنّه جمع على يتمى، كأسرى، لأنّه من باب الآفات، ثمّ جمع يتمى على يتامى، كأسرى وأسارى.
ووروده في الآية، إمّا للبلغ على الأصل، أو على الاتّساع لقرب عهدهم بالصّغر، حثّا على أن يدفع إليهم أموالهم أوّل بلوغهم، قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرّشد، ولذلك أمر بابتلائهم صغارا. أو لغير البلغ، والحكم مقيّد، وكأنّه قال: وآتوهم إذا بلغوا.
ويؤيّد الأوّل ما نقل(٤) : أنّ رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت، فلمّا سمعها العمّ قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوب الكبير.
( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) :
قيل(٥) : لا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، أو الأمر الخبيث، وهو اختزال أموالهم بالأمر الطّيّب، الّذي هو حفظها.
وقيل(٦) : ولا تأخذوا الرّفيع من أموالهم، وتعطوا الخسيس مكانها.
والبيضاويّ، ضعّفه، بأنّ هذا تبديل وليس بتبدّل(٧) .
( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إلى أَمْوالِكُمْ ) : ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، مسوّين بينهما، وهذا حلال والآخر حرام، يعني: فيما زاد على أجره، لقوله - تعالى - :( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) .
( إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ) (٢): ذنبا عظيما.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: المعلّقة.
(٢) من المصدر.
(٣) ذكر في المصدر نفس الآية بعد هذه العبارة.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٢.
(٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) نفس المصدر والموضع.
وقرئ: حوبا. وهو مصدر، حاب يحوب حوبا(١) .
وقرئ: حابا(٢) ، كقال [قولا وقالا].(٣) بناء على أنّه «حوب» بفتح الواو.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وأبي الحسنعليهالسلام :( إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ) قال: هو ممّا تخرج(٥) الأرض من أثقالها].(٦)
( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) :
قيل(٧) : يعني: إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النّساء إذا تزوّجتم بهنّ، فتزوّجوا ما طاب [لكم](٨) من غيرهنّ، إذ كان الرّجل يجد يتيمة ذات مال وجمال، فيتزوّجها ضنّا بها، فربّما يجتمع عنده منهنّ عدد [، و](٩) لا يقدر على القيام بحقوقهنّ.
أو إن خفتم أن لا تعدلوا في حقوق اليتامى، فتحرّجتم منها، فخافوا - أيضا - أن لا تعدلوا بين النّساء، فانكحوا مقدارا يمكنكم الوفاء بحقّه، لأنّ المتحرّج من الذّنب ينبغي أن يتحرّج من الذّنوب كلّها، على ما روي: أنّه [تعالى - ](١٠) لـمّا عظّم أمر اليتامى تحرّجوا من ولايتهم، وما كانوا يتحرّجون من تكثير النّساء وإضاعتهنّ، فنزلت.
وقيل: كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى، ولا يتحرّجون من الزّنا، فقيل لهم: إن خفتم ألّا تعدلوا في أمر اليتامى فخافوا الزّنا، فانكحوا ما حلّ لكم.
وفي كتاب الاحتجاج(١١) للطبرسيّ - رحمه الله - عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، وفيه يقول – عليه السّلام - لبعض الزّنادقة: وأمّا ظهورك على تناكر قوله - تعالى - :( وَإِنْ ) (١٢) ( خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النّساء، ولا كلّ النّساء يتامى(١٣) ، فهو ممّا قدّمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبيّن القول في اليتامى وبيّن نكاح النّساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه ممّا ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكشاف ١ / ٤٤٦.
(٣) من أنوار التنزيل.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢١٧، ح ١١.
(٥) المصدر: يخرج.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٨ و ٩) من المصدر.
(١٠) من المصدر.
(١١) الاحتجاج ١ / ٣٧٧ - ٣٧٨.
(١٢) المصدر: فان.
(١٣) المصدر: أيتام.
النّظر والتّأمّل، ووجد المعطّلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كلّ ما أسقط وحرّف وبدّل ممّا يجري هذا المجرى، لطال وظهر ما تحظر التّقيّة إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) :( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) قال: نزلت مع قوله:( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) فنصف الآية في أوّل السّورة ونصفها على رأس المائة وعشرين آية، وذلك أنّهم كانوا لا يستحلّون أن يتزوّجوا يتيمة قد ربّوها، فسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن ذلك، فأنزل الله - عزّ وجلّ - :( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) - إلى قوله - :( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) ].(٢) وإنما عبّر عنهنّ «بما» ذهابا إلى الصّفة، أو إجراء لهنّ مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهنّ.
وقرئ: «تقسطوا» بفتح التاء، على أنّ «لا» مزيدة، أي: إن خفتم أن تجوروا(٣) .
( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) ، أي: ثنتين ثنتين(٤) وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا(٥) .
منصوبة على الحال من فاعل «طاب» أو «ممّا طاب» بالفتحة، لأنّها غير متصرّفة للعدل والصّفة، فإنّها بنيت على صفات وإن لم تبن أصولها لها.
وقيل(٦) : لتكرير العدل، فإنّها معدولة باعتبار الصّيغة وباعتبار التّكرير، لأنّها أخرجت عن الأوزان الأصيلة، وعن التّكرير إلى الوحدة، ومعناه: التّخيير في العدد لكلّ أحد إلى أربع. وإنّما أتى بهذه الصيغ وبالواو دون كلمة «أو» إذ لو أفرده. وقيل(٧) : اثنتين وثلاثا وأربعا، كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التّوزيع. ولو ذكره «بأو» لذهب تجويز الاختلاف في العدد. وإنّما لم يذكر الآحاد، لأنّ المراد نفي الحرج في الزّائد.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٣٠.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٣.
(٤) هكذا في أنوار التنزيل. وفي النسخ: اثنين اثنين.
(٥) هكذا في أنوار التنزيل. وفي النسخ: أربع أربع.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) نفس المصدر والموضع.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن يونس بن عبد الرّحمن، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: في كلّ شيء إسراف إلّا في النّساء، قال الله - تعالى -( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) .
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابه(٣) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ليس الغيرة إلّا للرّجال، فأمّا(٤) النّساء فإنّما ذلك منهنّ حسد، والغيرة للرّجال، ولذلك حرّم [الله](٥) على النّساء إلّا زوجها وأحلّ للرّجل(٦) أربعا، فإنّ(٧) الله أكرم من أن يبتليهنّ بالغيرة ويحلّ للرّجل(٨) معها ثلاثا.
والعيّاشيّ(٩) ، عنهعليهالسلام : لا يحلّ لماء الرّجل أن يجزي في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر.
وفي كتاب عيون الأخبار(١٠) ، في باب ما كتب به الرّضاعليهالسلام إلى محمّد ابن سنان في جواب مسائله في العلل: وعلّة تزويج الرّجل أربع نسوة(١١) وتحريم أن تتزوّج المرأة أكثر من واحد، لأنّ الرّجل إذا تزوّج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه، والمرأة لو كان لها زوجان أو(١٢) أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو، إذ هم مشتركون في نكاحها، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف.
( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) : بين هذه الأعداد - أيضا -
وفي الكافي(١٣) ، عن الصّادقعليهالسلام :( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) ، يعني: في النّفقة.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ١ / ٢١٨، ح ١٣.
(٢) الكافي ٥ / ٥٠٤، ح ١.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أصحابنا.
(٤) المصدر: وأمّا.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: للرجال.
(٧) المصدر: وإنّ.
(٨) المصدر: للرجال.
(٩) تفسير العياشي ١ / ٢١٨، ح ١٤. وفيه: عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام
(١٠) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ١ / ٩٥.
(١١) المصدر: «علّة التزويج للرجل أربعة نسوة» بدل «علّة تزويج الرجل أربع نسوة».
(١٢) المصدر: و.
(١٣) الكافي: ج ٥ ص ٣٦٣ ضمن ح ١.
( فَواحِدَةً ) ، أي: فاختاروا، أو فانحكوا واحدة وذروا الجمع.
وقرئ، بالرّفع، على أنّه فاعل فعل محذوف، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: فيكفيكم واحدة، أو فالكافي واحدة(١) .
( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) : وإن تعدّدت، لخفّة مؤنهنّ وعدم وجوب القسم بينهنّ.
وفي حكمهنّ المتعة.
ففي الكافي: عن الصّادقعليهالسلام في غير واحدة من الرّوايات: «أنّها ليست من الأربع، ولا من السّبعين، وإنهنّ بمنزلة الإماء، لأنّها مستأجرة لا تطلّق ولا ترث ولا تورث.»(٢) «وإنّ العبد ليس له أن يتزوّج إلّا حرّتين أو أربع إماء، وله أن يتسرّى بإذن مولاه ما شاء ذلك(٣) ».
( ذلِكَ ) ، أي: التّقليل منهنّ، أو اختيار الواحدة، أو التّسرّي.
( أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) (٣): أقرب من أن لا تميلوا.
يقال: عال الميزان، إذا مال. وعال الحاكم، إذا جار.
وعول الفريضة، الميل عن حدّ السّهام المسمّاة.
وقيل(٤) بأن لا يكثر(٥) عيالكم [، على أنّه](٦) من عال الرّجل عياله [، يعولهم ،](٧) إذا مأنهم. فعبّر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية. ويؤيّده قراءة «أن لا تعيلوا» من أعال الرّجل، إذا كثر عياله.
ولعلّ المراد بالعيال، الأزواج. وإن أريد الأولاد، فلأنّ التّسرّي مظنّة قلّة الولد، بالإضافة إلى التّزوّج لجواز العزل فيه، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوّج الأربع.
( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ ) : مهورهنّ.
وقرئ، بفتح الصّاد، وسكون الدّال، على التّخفيف. وبضمّ الصّاد، وسكون الدّال، جمع صدقة كغرفة. وبضمّها على التّوحيد، وهو تثقيل صدقة، كظلمة في ظلمة.
( نِحْلَةً ) .
قيل(٨) : عطيّة، من نحله كذا نحلة، إذا أعطاه إيّاها(٩) عن طيب نفس، بلا توقّع
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٣.
(٢) ر. الكافي ٥ / ٤٥١ - ٤٥٢، ح ١ - ٧.
(٣) ر. نفس المصدر ٥ / ٤٧٦ - ٤٧٧، ح ١ - ٥.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٣.
(٥) المصدر: لا تكثر.
(٦ و ٧) من المصدر.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) المصدر: إيّاه.
عوض. ونصبها على المصدر، لأنّها في معنى الإيتاء، أو الحال من الواو، أو الصّدقات، أي: آتوهنّ صدقاتهنّ ناحلين، أو منحولة. وبعضهم فسّرها بالفريضة، وهو نظير إلى مفهوم الآية، لا إلى موضع اللّفظ.
وقيل(١) : تفضّلا من الله عليهنّ، فتكون حالا من الصّدقات.
وقيل(٢) : ديانة، من قولهم: انتحل فلان كذا، إذا دان به، على أنّه مفعول له أو حال من الصّدقات، أي: دينا من الله شرّعه.
قيل(٣) الخطاب للأزواج.
وفي مجمع البيان(٤) : اختلف في من خوطب بقوله:( وَآتُوا النِّساءَ ) (٥) قيل: هم الأولياء، لأنّ الرّجل منهم كان إذا زوّج أمة(٦) أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك.
وهو المرويّ عن الباقرعليهالسلام رواه أبو الجارود [عنه](٧) .
( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ) :
الضّمير، للصّداق، حملا على المعنى، أو للإيتاء.
و «نفسا» تميّز، لبيان الجنس. ولذلك وحّدوا المعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصّداق عن طيب نفس، لكن جعل العمدة طيب النّفس للمبالغة، وعدّاه «بعن»، يعني: لتضمين معنى التّجافي والتّجاوز. وقال: «منه» بعثا لهنّ على تقليل الموهوب،( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) (٤): فخذوه وأنفقوه حلالا، بلا تبعة.
والهنيء والمريء، صفتان، من هنأ الطّعام ومرأ، إذا ساغ من غير غصّ. أقيمتا مقام مصدريهما، أو وصف بهما المصدر، أو جعلتا حالا من الضّمير. وقد يفرق بينهما، بأنّ الهنيء، ما يلده الإنسان. والمريء، ما يحمد عاقبته. وعلى ما روي سابقا من مجمع البيان(٨) : الخطاب للأولياء.
وقيل(٩) : روي أنّ أناسا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ممّا ساق إليها ،
__________________
(١ و ٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٦ - ٧.
(٥) ذكر في المصدر الآية بطولها.
(٦) المصدر: «تزوّج آيمة» بدل «زوّج أمة».
(٧) من المصدر.
(٨) مجمع البيان ٢ / ٦.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٤.
فنزلت.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك، امرأة دفعت إلى زوجها مالا من مالها ليعمل به، وقالت له حين دفعته(٢) إليه: أنفق منه، فإن حدث بك حدث فما أنفقت منه فهو لك(٣) حلالا طيّبا(٤) ، فإن حدث بي حدث فما أنفقت منه فهو حلال طيّب.
فقال: أعد عليّ - يا سعيد - المسألة.
فلمّا ذهبت أعيد عليه المسألة اعترض فيها صاحبها - وكان معي حاضرا - فأعاد عليه مثل ذلك.
فلمّا فرغ أشار بإصعبه إلى صاحب المسألة فقال: يا هذا، إن كنت تعلم أنّها قد أفضت بذلك إليك فيما بينك وبينها وبين الله، فحلال طيّب - ثلاث مرّات - ثمّ قال: يقول الله - عزّ وجلّ - في كتابه:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) .
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٥) وأحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا يرجع الرّجل فيما يهب لامرأته ولا المرأة فيما تهب لزوجها، حيز أو لم يحز، أليس الله - تبارك وتعالى - يقول:( وَلا [يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ] ) (٦) ( تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ) وقال:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) وهذا يدخل في الصّداق والهبة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللهعليهالسلام و(٨) أبي الحسنعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) .
قال: يعني بذلك: أموالهن الّتي في أيديهنّ ممّا ملكن.
وفي مجمع البيان(٩) ، وفي كتاب العيّاشيّ(١٠) : مرفوعا إلى أمير المؤمنين
__________________
(١) الكافي ٥ / ١٣٦، ح ١.
(٢) المصدر: دفعت.
(٣) «فهو لك» ليس في المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حلال طيّب.
(٥) نفس المصدر ٧ / ٣٠، ذيل حديث ٣.
(٦) ليس في المصدر والنسخ. ولكن الآية هكذا.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢١٩، ح ١٦.
(٨) المصدر: أو.
(٩) مجمع البيان ٢ / ٧، نقلا عن العياشي.
(١٠) تفسير العياشي ١ / ٢١٩، ح ١٨، باختلاف في اللفظ.
ـ عليه السّلام - أنّه جاء(١) رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي يوجع(٢) في بطني.
فقال: ألك(٣) زوجة؟
قال: نعم.
قال: استوهب منها شيئا طيّبة به نفسها من مالها، ثمّ اشتر به عسلا، ثمّ اسكب عليه من ماء السّماء، ثمّ اشربه، فإنّي سمعت الله - سبحانه - يقول في كتابه(٤) :( وَنَزَّلْنا ) (٥) ( مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ) وقال(٦) :( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) وقال:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) . فإذا اجتمعت البركة والشّفاء والهنيء والمريء شفيت إن شاء الله - تعالى -
قال: ففعل ذلك فشفي.
( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) :
قيل(٧) : نهي للأولياء، عن أن يؤتوا الّذين لا رشد لهم أموالهم فيضيّعوها. وإنّما أضاف المال إلى الأولياء، لأنّها في تصرّفهم وتحت ولايتهم، وهو الملائم للآيات المتقدّمة والمتأخّرة.
وقيل(٨) : نهي لكلّ أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله من المال، فيعطي امرأته وأولاده، ثمّ ينظر إلى أيديهم. وإنّما سمّاهم سفهاء، استخفافا بعقولهم(٩) ، واستهجانا لجعلهم قوّاما على أنفسهم. وهو أوفق لما بعده، من قوله:( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) .
وفي مجمع البيان(١٠) : اختلف في المعنى بالسّفهاء على أقوال: أحدها، أنّهم النّساء
__________________
(١) مجمع البيان: جاءه.
(٢) هكذا في المجمع. وفي النسخ: «أجد بوجع» بدل «يوجع».
(٣) المجمع: لك.
(٤) ق / ٩.
(٥) هكذا في القرآن المجيد. وفي النسخ والمصدر: أنزلنا.
(٦) النحل / ٦٩.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٤.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: بعقلهم.
(١٠) مجمع البيان ٢ / ٧ و ٨.
والصّبيان، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام
وثالثها، أنّه(١) عامّ في كلّ سفيه، من صبيّ أو مجنون أو محجور عليه للتّبذير.
وقريب منه ما روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: إنّ السّفيه شارب الخمر ومن جرى مجراه.
وقيل(٢) : عنى بقوله: أموالكم، أموالهم.
وقد روي أنّه سئل الصّادقعليهالسلام عن هذا فقيل: كيف يكون أموالهم أموالنا؟
فقال: إذا كنت أنت الوارث له (انتهى) فعلى هذا، يمكن الحمل على عموم النّهي عن إيتاء المال إلى السّفهاء، وإرادة العموم من إضافة الأموال بإرادة ما يشمل أموالهم أو مالهم الولاية فيه، وفي الأخبار ما يدلّ عليه.
في تفسير العيّاشيّ(٣) : عن يونس بن يعقوب قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام في قول الله:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) .
قال: من لا تثق به.
[عن (يونس بن يعقوب(٤) ، قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام في قول الله :)(٥) ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) .
قال: من لا تثق به.
عن إبراهيم بن عبد الحميد(٦) قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن هذه الآية:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) .
قال: كلّ من يشرب المسكر، فهو سفيه.
عن عليّ بن أبي حمزة(٧) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) .
__________________
(١) المصدر: أنّها.
(٢) نفس المصدر والموضع وفيه: «قد». وتبديل اللفظ في المتن من قبل المفسر، هو بمقتضى الكلام.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٠، ح ٢٠.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٢٠، ح ٢٠.
(٥) النسخ: «إبراهيم بن عبد الحميد قال» بدل ما بين المعقوفتين. وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢٢.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢١.
قال: هم اليتامى، ولا تعطوهم أموالهم حتّى تعرفوا منهم الرّشد.
قلت: فكيف يكون أموالهم أموالنا؟
فقال: إذا كنت أنت الوارث لهم.](١)
وفي قرب الإسناد(٢) للحميريّ: هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة بن زياد(٣) قال: سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول لأبيه: يا أبة، إنّ فلانا يريد اليمن، أفلا أزوّده ببضاعة ليشتري(٤) بها عصب اليمن؟
فقال له: يا بنيّ، لا تفعل.
قال: ولم؟
قال: لأنّها(٥) إذا ذهبت لم تؤجر عليها ولم تخلف(٦) عليك، لأنّ الله - تعالى - يقول:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) فأيّ سفيه أسفه بعد النّساء من شارب الخمر؟
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) : سئل أبو جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) .
قال: لا تؤتوها شرّاب الخمر(٨) ولا النّساء، ثمّ قال: وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟
في أصول الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم [، عن أبيه ،](١٠) عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله، ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) قرب الاسناد / ١٣١، وللحديث تتمة.
(٣) المصدر: «مسعدة بن زياد». وبالنسبة إلى «مسعدة بن صدقة» وتعدّده أو اتّحاد بعضه مع بعضه أنظر تنقيح المقال ٣ / ٢١٢، رقم ١١٧١١، ولا سيّما تذييل صاحب التنقيح بالنسبة إلى «مسعدة بن صدقة بن زياد». ولعله ما في المتن يساعد بتبيين بعض، المبهمات الموجودة في المسألة إذ قال - رحمه الله - فيه: «قد تضمّن بعض نسخ منهج الميرزا زيادة «بن زياد» بعد «صدقة» وغلط بلا شبهة». فراجع.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يشتري.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فإنّها.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لم يخلف.
(٧) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٦٨، ح ٥٨٦.
(٨) المصدر: شارب الخمر.
(٩) الكافي ١ / ٦٠، ح ٥.
(١٠) في المصدر.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السّؤال.
فقيل له: يا بن رسول الله، أين هذا من كتاب الله؟
قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول(١) :( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) وقال:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) وقال( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .
[وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٣) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس وعدّة من أصحابنا، عن [أحمد بن](٤) أبي عبد الله، عن أبيه جميعا، عن يونس، عن عبد الله بن سنان وابن مسكان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله، وذكر كما في الكافي سواء.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : ولا تأمن بشارب الخمر، فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول في كتابه:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) . فأيّ(٦) سفيه أسفه من شارب الخمر؟
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : شارب الخمر لا تصدّقوه إذا حدّث، ولا تزوّجوه إذا خطب، ولا تعودوه إذا مرض، ولا تحضروه إذا مات، ولا تأتمنوه على أمانة، فمن أئتمنه على أمانة واستهلكها(٨) فليس له(٩) على الله أن يخلف عليه ولا أن يؤجره عليها، لأنّ الله - تعالى - يقول:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟
حميد بن زياد، عن الحسن بن محمّد(١٠) بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن حمّاد بن بشير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّي أردت أن أستبضع
__________________
(١) النساء / ١١٤.
(٢) الكافي ٥ / ٣٠٠، ح ٢.
(٣) المصدر: [عن أبيه].
(٤) من المصدر.
(٥) نفس المصدر ٥ / ٢٩٩ - ٣٠٠، ضمن حديث ١.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وأيّ.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٣١.
(٨) المصدر: فأهلكها.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) الكافي ٦ / ٣٩٧ - ٣٩٨، ضمن حديث ٩.
بضاعة إلى اليمن، فأتيت أبا جعفرعليهالسلام فقلت له: إنّي أريد أن أستبضع فلانا [بضاعة].(١) .
فقال: أما علمت أنّه يشرب الخمر - إلى أن قال عليه السّلام(٢) - : إنّك إن استبضعته فهلكت أو ضاعت فليس لك على الله - عزّ وجلّ - أن يأجرك ولا يخلف عليك.
فاستبضعته فضيّعها، فدعوت الله أن يأجرني.
فقال: أي بنيّ، ليس لك على الله أن يأجرك ولا يخلف عليك.
قال: قلت له: ولم؟
فقال لي: إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) فهل تعرف سفيها أسفه من شارب الخمر؟
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٣) ( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) : تقومون بها وتتعيّشون، أي، جنسه. كذلك سمّي ما به القيام قياما للمبالغة.
وقرأ نافع وابن عامر: «قيما» بمعناه، كعوذ، بمعنى: عياذ.
وقرئ: «قواما» وهو ما يقام(٤) به.
( وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ ) : واجعلوا الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتّجروا فيها وتحصلوا من نفعها ما يحتاجون.
( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (٥): عدّة حسنة تطيب بها نفوسهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في هذه الآية قال(٦) : فالسّفهاء، النّساء والولد. إذا علم الرّجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد، لا ينبغي له أن يسلّط واحدا منهما على ماله الّذي جعله الله له( قِياماً ) يقول: معاشا، قال:( وَارْزُقُوهُمْ فِيها ) (٧) ( وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) والمعروف، العدّة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) حذف الكلام من قبل المفسر وهو موجود في المصدر.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٤.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٣١.
(٦) المصدر: «في قوله:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) » بدل «في هذه الآية قال».
(٧) المصدر: فيها.
( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) : اختبروهم قبل البلوغ، بتتبّع أحوالهم في صلاح الدّين، والتّهدّي إلى ضبط المال وحسن التّصرّف.
( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) : حدّا يتأتّى منهم النّكاح. وهو كناية عن البلوغ لأنّه يصلح للنّكاح عنده، وهو أن يحتلم أو يستكمل خمس عشرة(١) سنة في الرّجال، والحيض واستكمال تسع سنين في النّساء.
( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) : فإن أبصرتم منهم رشدا.
وقرئ: أحستم، بمعنى: أحسستم(٢) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : عن الصّادقعليهالسلام : إيناس الرّشد حفظ المال.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الباقرعليهالسلام : الرّشد، العقل وإصلاح المال.
( فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) : من غير تأخير عن حدّ البلوغ. ونظم الآية «إن» الشّرطيّة، جواب «إذا»، المتضمّنة معنى الشّرط. والجملة غاية الابتلاء، فكأنّه قيل: وابتلوا اليتامى، إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرّشد منهم. وفيه دلالة على أنّه لا يدفع إليهم أموالهم ما لم يؤنس منهم الرّشد.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن الباقرعليهالسلام في هذه الآية قال: من كان في يده مال بعض(٦) اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتّى يبلغ النّكاح ويحتلم(٧) ، فإذا احتلم وجب عليه الحدود وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيّعا ولا شارب خمر ولا زانيا، فإذا أنس منه الرّشد دفع إليه المال وأشهد عليه، وإن كانوا لا يعلمون أنّه قد بلغ فإنّه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ، فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا، ولا يجوز له أن
__________________
(١) النسخ: خمسة عشر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٤.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٦٤، ح ٥٧٥. وفيه: أنّه سئل عن قول الله - عزّ وجلّ - :( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) قال: ...»
(٤) مجمع البيان ٢ / ٩. وفيه: والأقوى أن يحمل على أن المراد به العقل وإصلاح المال، على ما قاله ابن عباس والحسن وهو المرويّ عن الباقرعليهالسلام
(٥) تفسير القمي ١ / ١٣١.
(٦ و ٧) ليس في المصدر.
يحبس عنه(١) ماله ويعتلّ عليه(٢) أنّه لم يكبر بعد.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وفي رواية أحمد بن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الله بن المغيرة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: في تفسير هذه الآية: إذا رأيتموهم يحبّون آل محمّد، فارفعوهم درجة.
( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) :
قيل(٤) : أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم(٥) . ومبادرتكم، كبرهم.
والأولى مسرفين في المال ومبادرين في الإسراف، خوف أن يكبروا ويأخذوا المال.
( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) : من أكلها.
( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) : بقدر حاجته وأجرة سعيه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن رفاعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [في قوله:( ] ) (٧) ( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) قال: كان أبي يقول: إنّها منسوخة.
واعلم، أنّ من يلي شيئا لليتامى وهو يحتاج، ليس له ما يقيمه، وهو يصلح أموالهم بما تحتاج إليه، فله أجرة عمله مساوية لأجرة مثله، سواء كان قدر كفايته أم لا. وإن لم يكن قدر كفايته، وحينئذ فجاز له أن يأخذ قدر الكفاية من مال اليتيم، على جهة القرض ثمّ يردّ عليه ما أخذ إذا وجد.
يدلّ عليه ما رواه في الكافي(٨) ، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) قال(٩) : من كان يلي شيئا لليتامى، وهو محتاج، ليس له ما يقيمه، وهو يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم، فليأكل بقدر ولا يسرف، فإن كانت ضيعتهم لا تشغله عمّا يعالج لنفسه فلا يرز أنّ من أموالهم شيئا.
__________________
(١) المصدر: عليه.
(٢) المصدر: «يعلّل» بدل «ويعتلّ عليه».
(٣) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٦٥، ح ٥٧٦.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٤.
(٥) المصدر: لأصرافكم.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٢٢، ح ٣٣.
(٧) من المصدر.
(٨) الكافي ٥ / ١٢٩، ح ١.
(٩) المصدر: فقال.
قوله: بقدر، أي: بقدر عمله. ولا يسرف، أي: لا يزيد على أجرة عمله.
وما رواه، عن محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن حنّان بن سدير قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : سألني عيسى بن موسى عن القيّم للأيتام(٢) في الإبل، وما يحلّ له منها؟
فقلت: إذا لاط حوضها، وطلب ضالّتها، وهنأ جرباها، فله أن يصيب من لبنها، من غير نهك لضرع(٣) ولا فساد لنسل.
[وأحمد بن محمّد، عن محمّد بن الفضيل(٤) ، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) فقال: ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس من أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان المال قليلا، فلا يأكل منه شيئا.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٥) وما رواه في مجمع البيان(٦) ، عن الباقرعليهالسلام : «من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على جهة القرض، ثمّ يردّ عليه ما أخذ إذا وجد»
والمراد، ما زاد على أجرة عمله.
وما رواه العيّاشيّ في تفسيره(٧) : عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) .
قال: ذلك، إذا حبس نفسه في أموالهم فلا يحترف(٨) لنفسه، فليأكل بالمعروف من مالهم.
وما رواه، عن إسحاق بن عمّار(٩) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية(١٠) : هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية ويشغل فيها نفسه، فليأكل
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ١٣٠، ح ٤.
(٢) المصدر: لليتامى.
(٣) المصدر: بضرع.
(٤) نفس المصدر والموضع، صدر حديث ٥.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٩.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٢٢، ح ٣٢.
(٨) المصدر: «فلا يحثرث». وكلاهما صحيح.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٣١.
(١٠) المصدر: «في قول الله» ثم ذكر نفس الآية، بدل «في هذه الآية».
بالمعروف، وليس له ذلك في الدّنانير والدّراهم الّتي عنده موضوعة.
وأمّا ما رواه في الكافي(١) : عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الفضل(٢) ، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية(٣) : ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا.
فالمراد بالمعروف، أجرة مثل عمله، وذلك إذا كان في عمله إصلاح لأموالهم.
والمراد بكون أموالهم قليلا، كونها قدرا لا يزيد بالإصلاح ولا أثر لعمله فيها.
( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) : بأنّهم قبضوها، فإنّه أنفى للتّهمة وأبعد من الخصومة ووجوب الضّمان.
( وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً ) (٦): محاسبا، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم.
( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) : يريد به المتوارثين بالقرابة.
( مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ) : بدل من «ما ترك» بإعادة العامل.
( نَصِيباً مَفْرُوضاً ) (٧): أي واجبا. نصب، على أنّه مصدر مفيد للنّوع لمحذوف، أي نصب نصيبا مفروضا. أو حال من الضّمير في الظّرف. أو على الاختصاص، بمعنى أعني: نصيبا مقطوعا واجبا(٤) . وفيه دلالة، على أنّ بإعراض الوارث لا يسقط من حقّه شيء.
نقل(٥) : أنّ أوس بن صامت الأنصاريّ خلّف زوجته أمّ كحّة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمّه سويد وعرفطة أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهنّ على سنّة الجاهليّة - فإنّهم ما كانوا يورثون النّساء والأطفال، ويقولون: إنّما يرث من يحارب ويذبّ عن الحوزة - فجاءت أمّ كحّة إلى رسول الله [صلّى الله عليه وآله - ](٦) في مسجد الفضيح، فشكت إليه.
__________________
(١) الكافي ٥ / ١٣٠، ح ٥. وله ذيل.
(٢) المصدر: محمد بن فضيل.
(٣) المصدر: «في قول الله عزّ وجلّ»، ثم ذكر نفس الآية، بدل «في هذه الآية».
(٤) في هامش الأصل: «ردّ على البيضاوي حيث جعله مصدرا مؤكّدا [أنوار التنزيل ١ / ٢٠٥] (منه سلّمه الله تعالى)».
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٥.
(٦) من ر.
فقال لها: ارجعي حتّى أنظر ما يحدث الله. فنزلت، فبعث اليهما: لا تفرّقا من مال أوس شيئا، فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيبا.
( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ) : ممّن لا يرث،( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) : فأعطوهم شيئا من المقسوم، تطيّبا لقلوبهم وتصدّقا عليهم.
والضّمير في «منه» «لما ترك» أو ما دلّ عليه القسمة.
( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) (٨): وهو، أن تدعوا لهم، وتستقلّوا ما تعطونهم، ولا تمنّوا عليهم.
في مجمع البيان(١) : أنّ المرويّ عن الباقرعليهالسلام : أنّها محكمة غير منسوخه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه(٣) قال: نسختها آية الفرائض.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : هي منسوخة(٥) بقوله:( يُوصِيكُمُ اللهُ [فِي أَوْلادِكُمْ ) ].(٦) .
والجمع بين الأخبار، بأنّها منسوخة بحسب دلالتها على الوجوب، وغير منسوخة بحسب دلالتها على الاستحباب. فإنّ الوجوب، الأمر بالفعل مع المنع من النّقيض، فنسخ باعتبار جزئه الأخير.
( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) :
«لو» بما في حيزه صلة الموصول. وفي تعليق الأمر به، إشارة إلى المقصود منه والعلّة فيه، وبعث على التّرحم، وأن يحبّ لأولاد غيره ما يحبّ لأولاده، وتهديد للمخالف بحال أولاده.
قيل(٧) : أمر للأوصياء، بأن يخشوا الله ويتّقوه في أمر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يحبّون أن يفعل بذراريّهم الضّعاف(٨) بعد وفاتهم. أو للحاضرين المريض عند الإيصاء، بأن يخشوا
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ١١.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٢٢، ح ٣٤.
(٣) المصدر: «عن قول الله»، ثم ذكر نفس الآية، بدل «أنّه».
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٣٢.
(٥) المصدر: «منسوخ» بدل «هي منسوخة».
(٦) من المصدر. والآية في النساء / ١١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٥.
(٨) المصدر: الصغار.
ربّهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم، فلا يتركوه أن يضرّبهم بصرف المال عنهم. أو للورثة، بالشّفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصوّرين أنّهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم هل يجوّزون حرمانهم؟ أو للموصين، بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصيّة.
( فَلْيَتَّقُوا اللهَ ) في أمر اليتامى.
( وَلْيَقُولُوا ) : لهم، أو للمريض، أو لحاضري القسمة، أو في الوصيّة،( قَوْلاً سَدِيداً ) (٩): مثل ما يقولون لأولادهم، بالشّفقة وحسن الأدب. أو ما يصدّ عن الإسراف في الوصيّة، وتضييع الورثة، ويذكّروه التّوبة وكلمة الشّهادة. أو عذرا جميلا ووعدا حسنا. أو في الوصيّة ما لا يؤدّي إلى تضييع الورثة.
[وفي عيون الأخبار(١) : في باب ما كتبه الرّضاعليهالسلام إلى محمّد بن سنان، في جواب مسائله في العلل: وحرّم أكل مال اليتيم ظلما لعلل كثيرة من وجوه الفساد، أوّل ذلك أنّه إذا أكل الإنسان مال اليتيم ظلما فقد أعان على قتله، إذ اليتيم غير مستغن ولا محتمل لنفسه ولا عليم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه، فإذا أكل ماله فكأنّه قد قتله وصيّره إلى الفقر والفاقة، مع ما خوّف الله - تعالى - وجعل من العقوبة في قوله تعالى:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ) ولقول(٢) أبي جعفرعليهالسلام «إنّ الله - تعالى - وعد في أكل مال اليتيم عقوبتين: عقوبة في الدّنيا وعقوبة في الآخرة». ففي تحريم مال اليتيم، استبقاء(٣) مال اليتيم واستقلاله بنفسه والسّلامة للعقب أن يصيبه ما أصابه لما وعد الله - تعالى - فيه من العقوبة، مع ما في ذلك من طلب اليتيم بثأره إذا أدرك ووقوع الشّحناء والعداوة والبغضاء حتى يتفانوا.
وفي كتاب ثواب الاعمال(٤) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن أخيه الحسن، عن زرعة بن محمّد الحضرميّ، عن سماعة بن مهران قال: سمعته يقول: إنّ الله - عزّ وجلّ - أوعد في أكل مال اليتيم عقوبتين أمّا أحدهما فعقوبة الآخرة بالنّار، وأمّا عقوبة الدّنيا فهو قوله - عزّ وجلّ - :( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً )
__________________
(١) عيون أخبار الرضا - عليه السلام - ٢ / ٩٢.
(٢) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: كقول.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: استغناء.
(٤) ثواب الأعمال / ٢٧٨، ح ٢.
، يعني بذلك: ليخش إن أخلفه في ذرّيّته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى.
حدّثني محمّد بن الحسن(١) قال حدّثني محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد ابن عيسى، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حكيم(٢) ، عن المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: دخلنا عليه فابتدأ فقال: من أكل مال اليتيم سلّط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه(٣) ، فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول في كتابه:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا ) (الآية).
وفي أصول الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن أبي نجران، عن حمّاد بن حكيم(٥) ، عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام مبتدئا: من ظلم يتيما(٦) سلّط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه.
قال(٧) : قلت: هو يظلم فيسلّط الله على عقبه أو على عقب عقبه؟
فقال: إنّ(٨) الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) ].(٩)
( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) : ظالمين، أو على وجه الظّلم، أو بالظّلم.
وفي الكافي(١٠) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن الرّجل يكون في يده مال لأيتام، فيحتاج إليه، فيمد يده فيأخذ وينوي أن يردّه.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المصدر: «عامر بن حكيم» ولعلّ الصواب «عاصم بن الحكم». ر. تنقيح المقال ٢ / ١١٤، رقم ٦٠٢٢.
(٣) «أو على عقب عقبه» ليس في المصدر.
(٤) الكافي ٢ / ٣٣٢، ح ١٣.
(٥) المصدر: «عمّار بن حكيم». والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٣٦٣، رقم ٣٢٨٤.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) «أو على عقب عقبه قال» ليس في المصدر.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «فانّ» بدل «فقال إنّ».
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) نفس المصدر ٥ / ١٢٨، ح ٣.
فقال: لا ينبغي له أن يأكل إلّا القصد لا يسرف، فإن كان من نيّته أن لا يردّه عليهم فهو بالمنزل الّذي قال الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) .
محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين(١) ، عن ذبيان بن حكيم الأوديّ(٢) ، عن عليّ بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السّلام(٣) - : إنّ لي ابنة أخ يتيمة، فربّما أهدي لها الشيء فآكل منه ثمّ أطعمها بعد ذلك الشيء من مالي، فأقول: يا ربّ، هذا بذا.
فقال: لا بأس].(٤)
( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ) : ملء بطونهم.
( ناراً ) : بما يجرّ إلى النّار، ويؤول إليها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لـمّا أسري بي إلى السّماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النّار وتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟
فقال: هؤلاء الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن محمّد عن بعض أصحابنا، عن آدم بن إسحاق، عن
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ١٢٩، ح ٥.
(٢) هذا الضبط، يعني: «ذبيان بن حكيم الأوديّ» يحلّ مشكل صاحب التنقيح في ترجمة هذا الراوي إذ يقول: «ذبيان بن حكيم أبو عمرو الأزديّ قد مرّ ضبط ذبيان في أحمد بن يحيى بن حكيم الأوديّ، كما مرّ ضبط الأزديّ في ترجمة إبراهيم بن إسحاق. والموجود في رجال الشيخ والإيضاح «الأزديّ» (بالزاي) ولم يتعرّض له في الخلاصة هنا. وإنّما ذكر في ترجمة أحمد بن يحيى بن حكيم الأوديّ أنّه ابن أخي ذبيان ولازم كون أحمد أوديا كون ذبيان أيضا كذلك ولا يمكن توجيه هذا الاختلاف بإمكان اتّحاد الأزديّ والأوديّ برجوع كلّ من القبيلتين إلى الأخرى. لأنّ (إلى آخر كلامه - ره - ر. تنقيح المقال ١ / ٤١٩ رقم ٣٩٠٥)
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «لابي الحسن - عليه السّلام» والظاهر هي خطأ. لأنّ عليّ بن المغيره عدّ في كتب الرجال من أصحاب الصادقعليهالسلام ر. تنقيح المقال ٧ / ٣١٠+ جامع الرواة ١ / ٦٠٣. وفيه ذكر هذا الاسناد في ترجمة هذا الراويّ.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٣٢.
(٦) الكافي ٢ / ٣١ - ٣٢، ضمن حديث ١.
عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : إن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنّار تلتهب في بطنه حتّى يخرج لهب النّار من فيه [حتّى](١) يعرفه [كلّ](٢) أهل الجمع، أنّه آكل مال اليتيم.
[وفي مجمع البيان(٣) : سئل الرّضاعليهالسلام كم أدنى ما يدخل به آكل مال اليتيم تحت الوعيد في هذه الآية؟
فقال: قليله وكثيره واحد، إذا كان من نيّته أن لا يردّه إليهم].(٤)
وروي عن الباقر - عليه السّلام(٥) - أنّه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : سيبعث(٦) ناس من قبورهم يوم القيامة تأجّج أفواههم نارا.
فقيل له: يا رسول الله، من هؤلاء؟
فقرأ هذه الآية.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : [عن أبي عبد الله أو أبي الحسن - عليهما السّلام - قال: سألته عن رجل أكل مال اليتيم، هل له توبة؟
قال: يردّ به إلى أهله، قال: ذلك بأنّ الله يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ) الآية.
عن عبيد بن زرارة(٨) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن الكبائر.
فقال: منها، أكل مال اليتيم ظلما. وليس في هذا بين أصحابنا اختلاف، والحمد لله.
عن أبي بصير(٩) قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أصلحك الله، ما أيسر
__________________
(١ و ٢) من المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ١٣.
(٤) ليس في أ. وورد فيه، تاليا، قبل تفسير «وسيصلون سعيرا».
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) المصدر: يبعث.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٢٤، ح ٤١.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «عمر عن زرارة». والظاهر هي خطأ. ر. رجال النجاشي / ٢٣٣، رقم ٦١٨+ تنقيح المقال ٢ / ٢٣٥، رقم ٧٥٨٢.
(٩) نفس المصدر ١ / ٢٢٥، ح ٤٦.
ما يدخل به العبد النّار؟
قال: من أكل من مال اليتيم درهما، ونحن اليتيم.
عن أبي إبراهيم(١) قال: سألته عن الرّجل يكون للرّجل عنده مال إمّا ببيع(٢) أو بقرض(٣) فيموت ولم يقضه(٤) إيّاه، ويترك أيتاما صغارا فيبقى لهم عليه فلا يقضيهم، أيكون ممّن يأكل مال اليتيم ظلما؟
قال: إذا كان ينوي أن يؤدّي اليهم فلا].(٥)
عن محمّد بن مسلم(٦) ، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: قلت: في كم يجب لآكل مال اليتيم النّار؟
قال: في درهمين.
والمراد من ذكر درهمين، المبالغة في القلّة لا التّحديد بهما.
( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) (١٠): سيدخلون نارا أيّ نار.
وقرأ ابن عيّاش عن عاصم، بضمّ الياء، مخفّفا. وقرئ به مشدّدا. تقول: صلي النّار، قاسى حرّها. وصليته، شويته وصليته، ألقيته فيها(٧) .
والسّعير، فعيل، بمعنى: مفعول. من سعرت النّار، إذا لهبتها.
[في كتاب ثواب الأعمال(٨) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن، عن زرعة بن محمّد الحضرميّ، عن سماعة بن مهران قال: سمعته يقول: إنّ الله - عزّ وجلّ - أوعد(٩) في [آكل](١٠) مال اليتيم عقوبتين، أمّا أحدهما فعقوبة الآخرة النّار، وأمّا عقوبة الدّنيا فهو قوله - عزّ وجلّ - :( وَلْيَخْشَ ) - إلى قوله(١١) -( قَوْلاً سَدِيداً ) ، يعني بذلك: ليخش إن أخلفه في ذرّيّته كما صنع هو بهؤلاء اليتامى.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٤٥.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يبيع.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يقرض.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يقبضه.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) نفس المصدر ١ / ٢٢٣، ح ٤٠.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٦.
(٨) ثواب الأعمال / ٢٧٧.
(٩) المصدر: وعد.
(١٠) من المصدر.
(١١) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «إلى قوله».
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : أصلحك الله، ما أيسر ما يدخل به العبد النّار؟
قال: من أكل مال اليتيم درهما، ونحن اليتيم](٢)
وفي كتاب الاحتجاج(٣) : بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر - عليهما السّلام - عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، وفيه خطبة الغدير، وفيها قالصلىاللهعليهوآله بعد أن ذكر عليّا وأولاده - عليهم السّلام - : ألا إنّ أعداءهم الّذين(٤) يصلون سعيرا.
[وفي كتاب ثواب الأعمال(٥) : أبي (رحمه الله) قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ في كتاب عليّعليهالسلام أنّ آكل مال اليتيم(٦) سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده في الدّنيا ويلحقه وبال ذلك في الآخرة، أمّا في الدّنيا فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) وأمّا في الآخرة فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) : وقال الصّادقعليهالسلام : إنّ آكل مال اليتيم سيلحقه وبال ذلك في الدّنيا والآخرة، أمّا في الدّنيا فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ) وأمّا في الآخرة فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن عبد الله بن مسكان ،
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٢٥، ح ٤٨.
(٢) ما بين المعقوفتين يوجد في أ، فقط.
(٣) الاحتجاج ١ / ٧٩.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) ثواب الأعمال / ٢٧٧ - ٢٧٨، ح ١.
(٦) المصدر: «مال اليتامى ظلما» بدل «مال اليتيم».
(٧) من لا يحضره الفقيه ٣ / ١٠٦، ح ٤٣٩.
(٨) تفسير القمي ١ / ٧٢.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه لـمّا نزلت(١) ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) خرج(٢) كلّ من كان عنده يتيم وسألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في إخراجهم فأنزل الله - تبارك وتعالى -( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) .
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) وذلك أنّ آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنّار تلتهب في بطنه حتّى يخرج لهب النّار من فيه [، حتّى](٤) يعرفه [كلّ](٥) أهل الجمع، أنّه آكل مال اليتيم.
الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد(٦) ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من أكل مال أخيه ظلما ولم يردّه إليه أكل جذوة من النّار يوم القيامة.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن عجلان أبي صالح(٨) قال سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن آكل مال اليتيم.
فقال: هو كما قال الله - عزّ وجلّ -( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) ثمّ قال - من غير أن أسأله - : من عال يتيما حتّى ينقطع يتمه أو يستغني بنفسه أوجب الله - عزّ وجلّ - له الجنّة، كما أوجب النّار لمن أكل مال اليتيم].(٩)
( يُوصِيكُمُ اللهُ ) : يأمركم، ويعرض عليكم( فِي أَوْلادِكُمْ ) : في شأن ميراثهم.
__________________
(١) المصدر: أنزلت.
(٢) المصدر: أخرج.
(٣) الكافي ٢ / ٣١ - ٣٢، ضمن حديث ١.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٣٣٣، ح ١٥.
(٧) نفس المصدر ٥ / ١٢٨، ح ٢.
(٨) النسخ: «عجلان عن أبي صالح». وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ٢ / ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) ، أي: يعدّ كلّ ذكر بأنثيين إذا اجتمع الصّنفان فيضعف نصيبه، والمعنى: للذّكر منهم، فحذف للعلم به.
وتخصيص «الذّكر» بالتّنصيص على حظّه، لأنّ القصد إلى بيان فضله، والتّنبيه على أنّ التّضعيف كان للتّفضيل، فلا يحرمنّ بالكلّيّة، وقد اشتركا في الجهة والعلّة في التّفضيل، أنهنّ يرجعن عيالا عليهم ولما جعل لها من الصّداق، ولأنّه ليس عليهنّ جهاد ولا نفقة ولا معقلة وغيرها.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرّار، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك، كيف صار الرّجل إذا مات وولده من القرابة سواء ترث النّساء نصف ميراث الرّجال، وهنّ أضعف من الرّجال وأقلّ حيلة؟
فقال: لأنّ الله - تبارك وتعالى - فضّل الرّجال على النّساء بدرجة، ولأنّ النّساء يرجعن عيالا على الرّجال.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وفي رواية احمد بن الحسين(٣) ، عن الحسين بن الوليد، عن ابن بكير، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لابي عبد اللهعليهالسلام : لأيّ علّة صار الميراث للذّكر مثل حظّ الأنثيين؟
فقال: لما جعل الله لها من الصّداق.
وروى ابن أبي عمير(٤) ، عن هشام، أنّ ابن أبي العوجاء قال لمحمّد بن النّعمان الأحول: ما بال المرأة الضّعيفة لها سهم واحد وللرّجل(٥) القوي الموسر سهمان؟
قال: فذكرت ذلك لأبي عبد اللهعليهالسلام فقال: إنّ المرأة ليس لها عاقلة، وليس عليها نفقة ولا جهاد - وعدد أشياء غير هذا - وهذا على الرّجل(٦) ، فجعل له سهمان ولها سهم(٧) .
وروى محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ(٨) ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن
__________________
(١) الكافي ٧ / ٨٤، ح ١.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٥٣، ح ٨١٥.
(٣) المصدر: حمدان بن الحسين.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٨١٦.
(٥) المصدر: للرجال.
(٦) المصدر: الرجال.
(٧) المصدر: سهم واحد.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٨١٧.
عمّه الحسين بن يزيد، عن عليّ بن سالم، عن أبيه قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام فقلت له: كيف صار الميراث للذّكر مثل حظّ الأنثيين؟
قال: لأنّ الحبّات الّتي أكلها آدم وحوّاء في الجنّة كانت ثمان عشرة حبّة، أكل آدم منها اثنتي عشرة حبّة وأكلت حوّاء ستّا، فلذلك صار الميراث للذّكر مثل حظّ الأنثيين.
[وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ - رحمه الله - : وروى أبو عبد الله بن الحسين(٢) بإسناده عن آبائه - عليهم السّلام - : أنّه لـمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك وبلغها ذلك جاءت إليه وقالت له: يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟
لقد جئت شيئا فريّا، أفعلى عمد تركتم كتاب الله نبذ تموه وراء ظهوركم إذ يقول:( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) ؟
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما قال: إنّ فاطمة - صلوات الله عليها - انطلقت [إلى أبي بكر](٤) فطلبت ميراثها من نبيّ اللهصلىاللهعليهوآله فقال: إنّ نبيّ الله لا يورث.
فقالت: أكفرت بالله وكذّبت بكتابه؟ قال [الله :](٥) ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) ].(٦)
وفي عيون الأخبار(٧) : في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام من خبر الشّاميّ، وما سأل عنه أمير المؤمنينعليهالسلام في جامع الكوفة، في حديث طويل، وفيه: «وسأله: لم صار(٨) الميراث للذّكر مثل حظّ الأنثيين؟
فقال: من قبل السّنبلة، كان(٩) عليها ثلاث حبّات، فبادرت إليها حوّاء فأكلت منها حبّة وأطعمت آدم حبّتين»
فلا ينافي ما قدّمناه، لأنّ المراد بالحبّة جنس الحبّة، والتّاء فيه للوحدة الجنسيّة، والقرينة علّيّة أنّ السّنبلة يندر كونها ذات ثلاث حبّات، والغرض من توصيفها بالوحدة اتّحاد جنسها، فيحمل كلّ حبّة على ستّ حبّات فيوافق ما روي أوّلا ،
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ١٣٨. وأوّله في ص ١٣١.
(٢) المصدر: أبو عبد الله بن الحسن.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٥، ح ٤٩.
(٤ و ٥) من المصدر
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ١ / ٢٤٢.
(٨) المصدر: لم صارت.
(٩) المصدر: كانت.
ولا تناقض بين الأخبار.
( فَإِنْ كُنَّ نِساءً ) ، أي: كان الأولاد نساء خلّصا ليس معهنّ ذكر. فأنّث الضّمير باعتبار الخبر، أو على تأويل المولودات.
( فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) : خبر ثان، أو صفة النّساء، أي: نساء زائدات على اثنتين.
( فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ) : المتوفّى منكم، ويدلّ عليه المعنى.
( وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) ، أي: وإن كانت المولودة واحدة.
وقرأ نافع، بالرّفع، على «كان» التّامّة. واختلف في الثنتين(١) فقال ابن عبّاس: حكمهما حكم الواحدة، لأنّه - تعالى - جعل الثّلثين لما فوقهما.
وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوقهما، لأنّه - تعالى - لـمّا بيّن أنّ حظّ الذّكر مثل حظّ الأنثيين - إذا كان معه أنثى وهو الثّلثان - اقتضى ذلك أنّ حظّهما الثّلثان. ثمّ لـمّا أوهم ذلك أن يزداد النّصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله:( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) ويؤيّد ذلك، أنّ البنت الواحدة لـمّا استحقّت الثّلث مع أخيها فبالحريّ أن تستحقّه مع أخت مثلها، وأنّ البنتين أمسّ رحما من الأختين، وقد فرض لهما الثّلثين بقوله: ولهما الثّلثان ممّا ترك(٢) .
قال محمّد بن يعقوب في الكافي(٣) : وقد تكلّم النّاس في أمر البنتين(٤) من أين جعل لهما الثّلثان والله - عزّ ذكره - إنّما جعل الثّلثين لما فوق اثنتين، فقال قوم بإجماع، وقال قوم قياسا، كما أن كان للواحدة النّصف كان ذلك دليلا على أنّ المال(٥) لما فوق الواحدة الثّلثان. وقال قوم بالتّقليد والرّواية، ولم يصب واحد منهم الوجه في ذلك. فقلنا: إنّ الله - جلّ ذكره - جعل حظّ الأنثيين الثّلثين بقوله:( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وذلك أنّه إذا ترك الرّجل بنتين(٦) وابنا، فللذّكر مثل حظّ الأنثيين، وهو الثّلثان، فحظّ الأنثيين الثّلثان، واكتفى بهذا لبيان أن يكون ذكر الأنثيين بالثلثين، وهذا بيان قد جهله كلّهم والحمد لله كثيرا.
( وَلِأَبَوَيْهِ ) ، أي: لأبوي الميّت.
__________________
(١) المصدر: الثلثين.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٦.
(٣) الكافي ٧ / ٧٢ - ٧٣.
(٤) المصدر: الابنتين.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: بنتا.
( لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا ) : بدل منه، بتكرير العامل. وفائدته التّنصيص على استحقاق كلّ واحد منهما السدس، والتّفضيل بعد الإجمال تأكيد.
( السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ ) ، أي: للميّت.
( وَلَدٌ ) : ذكر أو أنثى، واحد أو متعدّد. فالولد - مطلقا - يحجب الأمّ عن الثّلث إلى السّدس.
( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) : ممّا ترك وإنّما لم يذكر حصّة الأب، لأنّه ذكر سابقا ممّا فرض لكلّ منهما. ولـمـّا لم يكن للأب فرض آخر وكان للأمّ، صرّح بالفرض الآخر للأمّ، ليعلم أنّ الفرض للأب واحد وما أخذ زائدا فليس بالفرض بل بالقرابة.
وفي الآية تصريح، بأنّ ثلث الأمّ ممّا ترك، وهو أصل التّركة - كما ذهب إليه ابن عبّاس وجمهور فقهائنا - لا ثلث ما بقي - كما ذهب إليه جمهور العامّة - فعلى هذا ما قاله البيضاويّ(١) ، من أنّه: «على هذا ينبغي أن يكون لها حيث كان معهما أحد الزّوجين ثلث ما بقي من فرضه - كما قاله الجمهور - لا ثلث المال - كما قاله ابن عباس - فإنّه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذّكر المساوي لها في الجهة والقرب، وهو خلاف وضع الشّرع» دفع للنّصّ بالقياس.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وروى محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: أقرأني أبو جعفرعليهالسلام صحيفة الفرائض الّتي هي إملاء رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخطّ عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بيده فقرأت فيها: امرأة ماتت وتركت زوجها وأبويها، فللزّوج النّصف ثلاثة أسهم، وللأمّ الثّلث سهمان، وللأب السّدس سهم.
( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) :
وقرأ حمزة والكسائيّ: «فلأمّه» بكسر الهمزة، اتباعا للكسرة الّتي قبلها(٣) .
و «الإخوة» يقع على الاثنين فصاعدا. والأختان، بمنزلة أخ واحد. ولهذا ورد في أخبارنا: أنّه لا يحجب الأمّ عن الثّلث إلّا إخوان، أو أخ، أو أختان، أو أربع أخوات. والمراد بالإخوة، الإخوة من أب وأمّ، أو من أب. فإنّ الإخوة من أمّ لا يحجب الأمّ عن الثّلث، لأنّ
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٧.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١٩٥، ح ٦٧٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٧.
الوجه فيه أنّ الأب ينفق عليهم فوفّر نصيبه، والأب لا ينفق على الإخوة من الأمّ.
في الكافي(١) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا تحجب(٢) الأمّ عن الثّلث إذا لم يكن ولد إلّا إخوان أو أربع أخوات.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي العبّاس قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: لا يحجب عن الثّلث الأخ والأخت حتّى يكونا أخوين أو أخ أو أختين، فإنّ الله - تعالى - يقول:( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) .
وعن زرارة(٤) ، عن أبي جعفرعليهالسلام : في قول الله - تعالى - :( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) ، يعني: إخوة لأب وأمّ، أو إخوة لأب.
وفي الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن بحر، عن حريز، عن زرارة قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام :
يا زرارة، ما تقول في رجل ترك أبويه وإخوته من أمّه.
قال: قلت: السّدس لأمّه، وما بقي فللأب.
فقال: من أين [قلت](٦) هذا؟
قلت: سمعت الله - عزّ وجلّ - يقول في كتابه:( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) .
فقال لي: ويحك يا زرارة، أولئك الإخوة من الأب، فإذا(٧) كان الإخوة من الأمّ لم يحجبوا الأمّ عن الثّلث.
عليّ بن إبراهيم(٨) [، عن أبيه ،](٩) عن ابن أبي عمير ومحمّد بن عيسى، عن يونس جميعا، عن عمر بن أذينة قال: قلت لزرارة: إنّ أناسا حدّثوني عنه، يعني: أبا عبد اللهعليهالسلام وعن أبيهعليهالسلام بأشياء في الفرائض فأعرضها عليك، فما كان منها باطلا فقل: هذا باطل، وما كان منها حقّا فقل: هذا حقّ، ولا تروه واسكت، وقلت
__________________
(١) الكافي ٧ / ٩٧، ح ٤.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يحجب.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٦، ح ٥٢.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٥٤.
(٥) الكافي ٧ / ٩٣، ح ٧.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فان.
(٨) نفس المصدر ٧ / ٩١، ح ١. وله ذيل.
(٩) من المصدر.
[له :](١) حدّثني رجل عن أحدهما - عليهما السّلام - في أبوين وإخوة لأمّ أنّهم يحجبون ولا يرثون.
فقال: هذا والله هو الباطل، ولكنّي سأخبرك(٢) ولا أروي لك شيئا، والّذي أقول لك هو والله الحقّ: إنّ الرّجل إذا ترك أبويه فلأمّه(٣) الثّلث وللأب الثّلثان في كتاب الله - عزّ وجلّ -( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ ) ، يعني: للميّت، يعني: إخوة لأب وأمّ، أو إخوة لأب( فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) وللأب خمسة أسداس، وإنّما وفّر للأب من أجل عياله، وأمّا الإخوة لأمّ ليسوا لأب فإنّهم لا يحجبون الأمّ عن الثّلث ولا يرثون.
( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) : متعلّق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلّها، أي: هذه الأنصباء للورثة من بعد وصيّة أو دين إن كانا.
قيل(٤) : وإنّما قال «بأو» الّتي للإباحة دون الواو، لدلالة على أنّهما متساويان في الوجوب مقدّمان على القسمة مجموعين ومفردين. وقدّم الوصيّة على الدّين وهي متأخّرة في الحكم، لأنّها مشبّهة بالميراث شاقّة على الورثة مندوب إليه الجميع، والدّين إنّما يكون على النّذور.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر، بفتح الصّاد.
وفي مجمع البيان(٥) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام [أنّه قال :](٦) إنكم تقرءون في هذه الآية الوصيّة قبل الدّين، وإنّ رسولصلىاللهعليهوآله قضى بالدّين قبل الوصيّة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن محمّد بن قيس قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول في الدّين والوصيّة فقال: إنّ الدّين قبل الوصيّة، ثمّ الوصيّة على أثر الدّين، ثمّ الميراث ولا وصيّة للوارث.
قوله: «ولا وصيّة للوارث» نفي للاستحباب، لا للجواز.
( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) ، أي: لا تعلمون من أنفع
__________________
(١) من المصدر
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أخبرك.
(٣) المصدر: فللأمّ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٧.
(٥) مجمع البيان ٢ / ١٥.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٢٦، ح ٥٥.
لكم، ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم، فتحرّوا فيه ما وصّاكم الله به ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه. أو من مورثيكم منهم، أمّن أوصى منهم فعرّضكم للثّواب بإمضائه وصيّته، أم من لم يوص فوفّر عليكم ماله، أو من أوصيتم له فوفّرتم عليه، أم من لم توصوا له فحرمتموه. وهو اعتراض مؤكّد لأمر القسمة، وتنفيذ الوصيّة.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن إبراهيم بن مهزم، عن إبراهيم الكرخيّ، عن ثقة حدّثه من أصحابنا قال: تزوّجت بالمدينة، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : كيف رأيت؟
فقلت: ما رأى(٢) رجل من خير في امرأة إلّا وقد رأيته فيها، ولكن خانتني.
فقال: وما هو؟
قلت: ولدت جارية.
فقال: لعلّك كرهتها، إنّ الله - جلّ ثناؤه - يقول:( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) .
[( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) : مصدر، حذف عامله، أي: يوصيكم الله، لأنّه في معنى: يأمركم، ويفرض عليكم.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) : بالمصالح والرّتب.
( حَكِيماً ) (١١) فيما قضى وقدّر].(٣) ( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ) : أيّ ولد وارث من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بطن بناتها وإن سفل، ذكرا كان أو أنثى، منكم. أو من غيركم.
( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) : فرض للرّجل بحقّ الزّواج ضعف ما للمرأة كما في النّسب، والعلّة هنا هي العلّة هناك، وتستوي الواحدة والعدد منهنّ في الرّبع والثّمن.
( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ ) : صفة رجل، بالبناء للمفعول، أي: يورث منه، أي :
__________________
(١) الكافي ٦ / ٤ - ٥، ح ١.
(٢) أ: أري.
(٣) ما بين المعقوفتين مقدّم على حديث الكافي الذي قبله، في أ.
الميّت.
( كَلالَةً ) : خبر كان. أو «يورث» خبره، و «كلالة» حال من الضّمير فيه، والكلالة - حينئذ - من لم يخلّف ولدا ولا والدا. أو مفعول له، والمراد بها قرابة ليست من جهة الوالد والولد. ويجوز أن يكون «الوارث» و «يورث» من أورث، وكلالة من ليس بوالد ولا ولد.
وقرئ: «يورث» على البناء للفاعل، فالرّجل الميّت وكلالة تحتمل المعاني الثّلاثة، وعلى الأوّل خبر أو حال، وعلى الثّاني مفعول له، وعلى الثّالث مفعول به. وهي في الأصل مصدر، بمعنى: الكلال(١) ، فاستعير لقرابة ليست بالبعضيّة، لأنّها كالّة بالإضافة إليها، ثمّ وصف بها المورث والوارث، بمعنى: ذي كلالة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: الكلالة ما لم يكن والد ولا ولد.
وفي الكافي(٣) ، بسند آخر، عنهعليهالسلام مثله.
( أَوِ امْرَأَةٌ ) : عطف على رجل.
( وَلَهُ ) ، أي: وللرّجل. واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه، أو لكلّ واحد منهما.
( أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ) ، أي: من الأمّ.
( فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) : سواء بين الذّكر والأنثى هاهنا، لأنّ الانتساب بمحض الأنوثة.
في الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن عيسى، عن يونس جميعا عن عمر بن أذينة، عن بكير بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : امرأة تركت زوجها وإخوتها لأمّها وإخوتها وأخواتها لأبيها.
فقال: للزّوج النّصف ثلاثة أسهم، وللإخوة والأخوات(٥) من الأمّ الثّلث، الذّكر
__________________
(١) البيضاوي ١ / ٢٠٨.
(٢) معاني الأخبار / ٢٧٢، ح ١.
(٣) الكافي ٧ / ٩٩، ح ٢ و ٣.
(٤) نفس المصدر ٧ / ١٠١، ح ٣. وللحديث ذيل.
(٥) «والأخوات» ليس في المصدر.
والأنثى فيه سواء، وبقي سهم فهو للإخوة والأخوات من الأب( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) لأنّ السّهام لا تعول. ولا ينقص الزّوج من النّصف ولا الإخوة من الأمّ من ثلثهم، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول: «( فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) وإن كانت واحدة فلها السّدس(١) » والّذي عنى الله في قوله:( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) إنّما عنى بذلك الإخوة والأخوات من الأمّ خاصّة.
وبطريق آخر(٢) ، عن الباقرعليهالسلام مثله بأدنى تغيير غير مغيّر للمعنى.
( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) : لورثته بالزّيادة على الثّلث، أو قصد المضارّة بالوصيّة دون القربة والإقرار بدين لا يلزمه. وهو حال من فاعل «يوصى» المذكور في هذه القراءة، والمدلول عليه بقوله: «يوصى» على البناء للمفعول، في قراءة ابن عامر وابن كثير وابن عيّاش عن عاصم(٣) .
( وَصِيَّةً مِنَ اللهِ ) : مصدر مؤكّد. أو منصوب «بغير مضارّ» على المفعول به، أي: لا يضارّ وصيّة من الله وهو الثّلث فما دونه بالزّيادة. أو وصيّة من الله بالأولاد بالإسراف في الوصيّة والإقرار الكاذب.
وقرئ بإضافة «مضارّ» إلى الوصيّة(٤) .
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : بالمضارّ وغيره.
( حَلِيمٌ ) (١٢): لا يعاجل بعقوبته.
( تِلْكَ ) : إشارة إلى الأحكام الّتي تقدّمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث( حُدُودُ اللهِ ) : شرائعه الّتي كالحدود المحدودة، الّتي لا يجوز مجاوزتها.
( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١٣)( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ) (١٤) :
توحيد الضّمير في يدخله للّفظ، وجمع خالدين للمعنى.
وقرأ نافع وابن عامر: «ندخله» بالنّون.
__________________
(١) ر: الثلث.
(٢) نفس المصدر ٧ / ١٠٢، ح ٤.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٨.
(٤) نفس الموضع والمصدر.
و «خالدين» حال مقدّرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائد به غدا. وكذلك «خالدا» وليستا صفة لجنّات ونارا، والّا لوجب إبراز الضّمير، لأنّهما جرتا على غير من هما له(١) .
( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) : أي يفعلنها، يقال: أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها، إذا فعلها. وهي الزّنا، لزيادة قبحها وشناعتها.
( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ) : فاطلبوا ممّن قذفهنّ أربعة من الرّجال المؤمنين يشهدون عليهنّ.
( فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) : فاحبسوهنّ فيها.
( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) ، أي: حتّى يستوفي أرواحهنّ الموت، أو يتوفّاهن ملائكة الموت. كان ذلك عقوبتهم في أوائل الإسلام فنسخ بالحدّ.
في مجمع البيان(٢) : عن الباقر والصّادق - عليهما السّلام - : أنّ هذه الآية منسوخة.
( أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) (١٥): كتعيين الحدّ المخلّص عن الحبس.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن هذه الآية:( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) إلى( سَبِيلاً ) .
قال: هذه منسوخة.
قال: قلت: كيف كانت؟
قال: كانت المرأة إذا فجرت، فقام عليها أربعة شهود أدخلت بيتا ولم تحدّث ولم تكلّم ولم تجالس، وأوتيت فيه بطعامها وشرابها حتّى تموت.
قلت: فقوله: أو يجعل الله لهنّ سبيلا؟
قال: جعل السّبيل الجلد والرّجم.
( وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ) ، يعني: الزّانية والزّاني.
وقرأ ابن كثير، بتشديد النّون، وتمكين مدّ الألف. والباقون، بالتّخفيف، من غير تمكين(٤) .
( فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ) : فاقطعوا عنهما الأذى، وأعرضوا عنهما
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٠٩.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٢١.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٧، ح ٦١. وللحديث تتمة.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٠٩.
بالإغماض والسّتر.
قيل(١) : هذه الآية سابقا. على الأولى نزولا، وكان عقوبة الزّناة الأذى ثمّ الحبس ثمّ الجلد.
وقيل(٢) : الأولى في السّحّاقات، وهذه في اللّوّاطين، والزّانية والزّاني في الزّناة.
وكلا القولين مخالف لما نقل عن الأئمّة - عليهم السّلام - لما ثبت عنهم - عليهم السّلام - أنّ الآية الأولى منسوخة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : كان(٤) في الجاهليّة إذا زنى الرّجل يؤذى و(٥) المرأة تحبس في بيت(٦) إلى أن تموت، ثمّ نسخ ذلك بقوله - تعالى - :( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ) (الآية)(٧) انتهى.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام ما يؤيّده(٩) .
( إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (١٦): علّة للأمر بالإعراض، وترك المذمّة.
( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ) ، أي: قبول التّوبة الّذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده، أنّه من تاب عليه قبل توبته.
( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) : متلبّسين بها سفها، فإنّ ارتكاب الذّنب سفه وتجاهل.
وفي مجمع البيان(١٠) : روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: كلّ ذنب عمله العبد وإن كان عالما، فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه، فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لإخوته:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) فنسبهم
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٣٣.
(٤) المصدر: فانّه.
(٥) «يؤذى و» ليس في المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: البيت.
(٧) ذكر في المصدر تتمة الآية بدل «الآية».
(٨) تفسير العياشي ١ / ٢٢٧، ح ٦١.
(٩) ذكر في هامش الأصل: لأنّه قالعليهالسلام : «قوله( وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ) قال: يعني البكر إذا أتت الفاحشة التي أتتها هذه الثيب( فَآذُوهُما ) قال: تحبس.» فانّ قوله هذا يدلّ على أنّها منسوخة. فانّ الحكم في البكر الآن غير هذا. (منه سلمه الله تعالى)
(١٠) مجمع البيان ٢ / ٢٢.
إلى الجهل، لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه(١) قيل له فإن عاد وتاب مرارا.
قال: يغفر الله له.
قيل: إلى متى؟
قال: حتّى يكون الشّيطان هو المحسور.
( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) ، أي: من زمان قريب، أي: قبل حضور الموت، لقوله - تعالى - :( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) سمّاه قريبا، لأنّ أمد الحياة قريب لقوله - تعالى - :( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبّه، فيطبع عليها فيتعذّر عليهم الرّجوع.
و «من» للتّبعيض، أي: يتوبون في أيّ جزء من الزّمان القريب، الّذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت أو يزيّن السّوء.
في من لا يحضره الفقيه(٢) : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في آخر خطبة خطبها: من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثمّ قال: وإنّ السّنة لكثيرة، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثمّ قال: وإنّ الشّهر لكثير(٣) ، من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه. ثمّ قال: وإنّ اليوم(٤) لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه. ثمّ قال: وإنّ السّاعة لكثيرة، من تاب [قبل موته](٥) وقد بلغت نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقة - تاب الله عليه.
وروى الثّعلبيّ(٦) : بإسناده إلى عبادة بن الصّامت، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله هذا الخبر بعينه، إلّا أنّه قال في آخره: وإنّ السّاعة لكثيرة، من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه.
وروى - أيضا(٧) - بإسناده، عن الحسن قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لـمّا هبط إبليس قال: وعزّتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتّى
__________________
(١) المصدر: أنّه قال.
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ٧٩، ح ٣٥٤.
(٣) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: «من مات قبل موته بجمعة تاب الله عليه. ثم قال: إنّ الجمعة لكثير».
(٤) المصدر: يوما.
(٥) من المصدر.
(٦) عنه في مجمع البيان ٢ / ٢٢.
(٧) نفس المصدر والموضع.
تفارق روحه جسده.
فقال الله سبحانه: وعزّتي وعظمتي لا أحجب التّوبة عن عبدي حتّى يغرغر بها.
وفي الكافي(١) : عن الصّادقعليهالسلام : إذا بلغت النّفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة، ثمّ قرأ هذه الآية(٢) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الباقرعليهالسلام مثله، وزاد: وكانت للجاهل توبة.
ولا يخفى المنافاة بينه وبين الأخبار الأوّلة. وقيل في الجمع(٤) : لعلّ السّبب في عدم قبول التّوبة من العالم في ذلك الوقت، حصول يأسه من الحياة بأمارات الموت، بخلاف الجاهل فإنّه لا ييأس إلّا بمعاينة الغيب.
وأقول في الجميع: يمكن أن يكون المراد بذنب العالم الّذي ليس له فيه توبة، ذنب صدر عنه بإضلال النّاس، عالما بإضلالهم للأغراض الدّنيويّة، فلا تقبل توبته - حينئذ - لأنّ محض النّدم في ذلك لا ينفع، لأنّ جمعا كثيرا قد عملوا بعلمه وضلّوا، فلا يجدي ندمه في ذلك الآن، فلا تقبل توبته. والمؤيّد لهذا الجمع، أنّه رتّب الحكم في الآية على العمل، وقال:( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) وفي الخبر على صفة العلم، فيعلم أنّ منشأ العصيان إذا كان العمل، فهو قابل للتّوبة وقبولها. وإذا كان منشأه العلم، ليس بهذه المثابة.
قيل(٥) : ومن لطف الله بالعباد، أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرّجلين، ثمّ يصعد شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى الصّدر، ثمّ ينتهي إلى الحلق، ليتمكّن في هذه المهلة من الإقبال بالقلب على الله - تعالى - والوصيّة والتّوبة ما لم يعاين، والاستحلال وذكر الله - سبحانه - فيخرج روحه وذكر الله على لسانه، فيرجى بذلك حسن خاتمته. رزقنا الله ذلك، بمنّه وكرمه.
( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) : وعد بالوفاء، بما وعد به وكتب على نفسه من قبول التّوبة.
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٧، ح ٣. وفيه ذكر سند الرواية إلى جميل بن درّاج قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:
(٢) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية».
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٨، ح ٦٤.
(٤) تفسير الصافي ١ / ٣٩٩.
(٥) نفس المصدر ١ / ٣٩٩ - ٤٠٠.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) : يعلم إخلاصهم في التّوبة.
( حَكِيماً ) (١٧): لا يعاقب التّائب.
( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) : في من لا يحضره الفقيه(١) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه سئل عن هذه الآية.
فقال: ذلك إذا عاين أمر الآخرة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نزلت(٣) في القرآن أنّ زعلون تاب حيث لم تنفعه التّوبة، ولم تقبل منه.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله:( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) قال: هو الفرّار تاب حين لم ينفعه التّوبة، ولم يقبل منه](٥) .
( وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) : سوّى بين من سوّف التّوبة إلى حضور الموت، من الفسقة والكفّار، وبين من تاب على الكفر في نفي التّوبة، للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وكأنّه قال: توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء.
وقيل(٦) : المراد بالّذين يعملون السّوء عصاة المؤمنين، وبالّذين يعملون السّيّئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم، وبالّذين يموتون الكفّار.
( أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (١٨): تأكيد لعدم قبول توبتهم، وبيان لتهيئة عذابهم، وأنّه يعذّبهم متى شاء.
والأعتاد، من العتاد، وهو العدّة.
وقيل(٧) : أصله، أعددنا، فأبدلت الدّال الأولى.
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ / ٧٩، ح ٣٥٥.
وفيه: وسئل الصادق عليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - ( لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) فقال
(٢) تفسير القمي ١ / ١٣٣.
(٣) المصدر: نزل.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٢٨، ح ٦٣.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢١٠.
(٧) نفس المصدر والموضع.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في هذه الآية: أنّه(٢) كان في الجاهليّة في أوّل ما أسلموا في قبائل العرب(٣) ، إذا مات حميم الرّجل وله امرأة ألقى الرّجل ثوبه عليها فورث(٤) نكاحها بصداق حميمه الّذي كان أصدقها [فكان](٥) يرث نكاحها كما يرث ماله، فلمّا مات أبو قيس بن الأسلت(٦) ، ألقى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه وهي كبيشة(٧) ابنة(٨) معمّر بن سعيد(٩) ، فورث نكاحها، ثمّ تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها، فأتت رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالت: يا رسول الله، مات أبو قيس بن الأسلت(١٠) فورث ابنه محصن نكاحي، فلا يدخل عليّ ولا ينفق عليّ ولا يخلّي سبيلي فألحق بأهلي.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ارجعي إلى بيتك فإن يحدث الله في شأنك شيئا فأعلمتك به. فنزل:( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ) فلحقت بأهلها، وكان نسوة(١١) في المدينة قد ورث نكاحهنّ كما ورث نكاح كبيشة(١٢) غير أنّه ورثهنّ عن(١٣) الأبناء، فأنزل [الله :](١٤) ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(١٥) : عن إبراهيم بن ميمون، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن (هذه الآية)(١٦) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٣٤.
(٢) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية» و «فانّه» بدل «أنّه».
(٣) المصدر: من قبائل العرب.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وورث.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: أبو قبيس بن الأسلب.
(٧) المصدر: كبيثة.
(٨) المصدر: بنت.
(٩) أو المصدر: معمّر بن معبد.
(١٠) المصدر: أبو قبيس بن الأسلب.
(١١) المصدر: «كانت نساء» بدل «كان نسوة».
(١٢) المصدر: كبيثه.
(١٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: غير الأبناء.
(١٤) من المصدر.
(١٥) تفسير العياشي ١ / ٢٢٨، ح ٦٥. وللحديث تتمة.
(١٦) المصدر: «قول الله - ثم ذكر نفس الآية - » بدل «هذه الآية».
قال: الرّجل يكون في حجره اليتيمة، فيمنعها من التّزويج يضرّ بها تكون قريبة له.
وفي مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : إنّها نزلت في الرّجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له إليها، وينتظر موتها حتّى يرثها.
و «كرها» في موضع الحال، أي: لا تأخذوهنّ على سبيل الإرث فتزوجوهنّ كارهات لذلك، أو مكرهات عليه.
وقرأ حمزة والكسائيّ: «كرها» بالضّمّ في مواضعه، وهما لغتان.
وقيل: بالضّمّ، المشقّة. وبالفتح، ما يكره عليه(٢) .
( وَلا تَعْضُلُوهُنَ ) : ولا تحبسوهنّ، ضرارا لهنّ.
( لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ ) :
في تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الصّادقعليهالسلام قال: الرّجل يكون له المرأة فيضربها حتّى تفتدي منه، فنهى الله عن ذلك.
وفي مجمع البيان(٤) : (عنهعليهالسلام : أنّ المراد بها) الزّوج، أمره الله - سبحانه - بتخلية سبيلها إذا لم يكن له فيها حاجة، وأن لا يمسكها إضرارا بها حتّى تفتدي ببعض مالها.
وأصل العضل، التّضييق. يقال: عضلت الدّجاجة بيضها.
وقيل(٥) : في توجيه عطفه، أنّه عطف على «أن ترثوا» و «لا» لتأكيد النّفي. أو المراد «بلا يحلّ لكم» النّهي عن «أن ترثوا» فلا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار.
( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) : كالنّشوز، وسوء العشرة، وعدم التّعفّف.
والاستثناء من أعمّ عامّ الظّرف، أو المفعول له، تقديره: ولا تعضلوهنّ للافتداء إلّا وقت أن يأتين بفاحشة. أولا تعضلوهنّ لعلّة إلّا لأن يأتين بفاحشة.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر «بفاحشة مبيّنة» هنا وفي الأحزاب والطّلاق، بفتح الياء.
والباقون، بكسرها فيهنّ(٦) .
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٢٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٠.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٢٩، ذيل حديث ٦٥. وهو تتمة حديث إبراهيم بن ميمون الذي مرّ آنفا.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٢٤.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢١٠.
(٦) نفس الموضع والمصدر.
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : كلّ معصية.
وفي الكافي(٢) : عن الصّادقعليهالسلام : إذا قالت له: لا أغتسل لك من جنابة ولا أبرّ لك قسما ولأوطئنّ فراشك من تكرهه، حلّ له أن يخلعها ويحلّ له ما أخذ منها.
( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) : بالإنصاف في الفعل، والإجمال في القول.
( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (١٩)، أي: فلا تفارقوهنّ لكراهة النّفس، فإنّها قد تكره ما هو أصلح دينا وأكثر خيرا، وقد تحبّ ما هو بخلافه، وليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدّين وأدنى إلى الخير.
و «عسى» في الأصل، علّة الجزاء، فأقيم مقامه، والمعنى: فإن كرهتموهنّ فاصبروا عليهنّ، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ) : تطليق امرأة، وتزوّج أخرى.
( وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَ ) :
جمع الضّمير، لأنّه أراد «بالزّوج» الجنس.
( قِنْطاراً ) : مالا كثيرا.
في مجمع البيان(٣) : عن الباقر والصّادق - عليهما السّلام - : القنطار، ملء مسك ثور ذهبا.
( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ ) ، أي: من القنطار.
( شَيْئاً ) ، أي: شيئا قليلا.
( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (٢٠): استفهام إنكار وتوبيخ، أي: تأخذونه باهتين وآثمين. ويحتمل النّصب على العلة، كما في قولك: قعدّت من الحرب جبنا. لأنّ الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم.
قيل(٤) : كان الرّجل منهم، إذا أراد [امرأة](٥) جديدة بهت الّتي تحته بفاحشة حتّى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها، ليصرفه إلى تزوّج الجديدة، فنهوا عن ذلك.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٢٤.
(٢) هذا الكلام هو خلاصة للأحاديث الموجودة في الكافي ٧ / ١٣٩ - ١٤١.
(٣) مجمع البيان ١ / ٤١٧.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢١١.
(٥) من المصدر.
و «البهتان»، الكذب الّذي يبهت المكذوب عليه. وقد يستعمل في الفعل الباطل، ولذلك فسّر - هاهنا - بالظّلم.
( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ) : إنكار لاسترداد المهر، والحال أنّه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرّر المهر.
( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) (٢١): عهدا وثيقا.
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : هو العهد المأخوذ على الزّوج حالة العقد، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن بريد [العجليّ](٣) قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) .
قال: الميثاق هي الكلمة الّتي عقد بها النّكاح، وأمّا [قوله: «](٤) غليظا». فهو ماء الرّجل يفضيه إليها(٥) .
وعن النّبيّصلىاللهعليهوآله :(٦) أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله.
( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) ، أي: الّتي نكحها آباؤكم. وإنّما ذكر «ما» دون «من» لأنّه أريد به الصّفة، أو إشارة إلى نقصان عقولهنّ.
وقيل(٧) : «ما» مصدريّة، على إرادة المفعول من المصدر.
( مِنَ النِّساءِ ) : بيان ما نكح على الوجهين.
( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) : استثناء من المعنى اللازم للنّهي، وكأنّه قيل: تستحقّون العقاب بنكاح منكوحة آبائكم، إلّا ما قد سلف. أو من اللّفظ، للمبالغة في التّحريم والتّعميم، كقوله(٨) :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم. |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٢٦.
(٢) الكافي ٥ / ٥٦٠، ح ١٩.
٣ و ٤ - من المصدر.
(٥) المصدر: إلى امرأته.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٢٦.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢١١.
(٨) نفس الموضع والمصدر.
والمعنى: ولا تنكحوا حلائل آبائكم، إلّا ما قد سلف، إن أمكنكم أن تنكحوه.
وقيل(١) : الاستثناء منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فإنّه لا مؤاخذة عليه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الباقرعليهالسلام يقول الله - تعالى - :( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) [فلا يصلح للرّجل أن ينكح امرأة جدّه.
وفيه(٣) : عن الحسين بن سرير(٤) قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّ الله حرّم علينا نساء النّبيّصلىاللهعليهوآله يقول الله - تبارك وتعالى - :( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) ].(٥)
وفي عيون الأخبار(٦) : في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام في قول النّبيّصلىاللهعليهوآله : «أنا ابن الذّبيحين» حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : وكانت لعبد المطّلب خمس من السّنن أجراها الله - تعالى - في الإسلام، حرّم نساء الآباء على الأبناء.
( إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً ) : علّة للنّهي، أي: أنّ نكاحهنّ كان فاحشة عند الله، ما رخّص فيه لأمّة من الأمم، ممقوتا عند ذوي المروءات. ولذلك سمّي ولد الرّجل من زوجة أبيه: المقتى.
( وَساءَ سَبِيلاً ) (٢٢): سبيل من يراه ويفعله. وقد مرّ سبب نزولها.
( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ) : المراد تحريم نكاحهنّ، لأنّه معظم ما يقصد منهنّ، ولأنّه المتبادر إلى الفهم.
والأمّهات، يعمّ من ولدتك، أو ولدت من ولدك وإن علت.
والبنات، تتناول من ولدتها، أو ولدت من ولدها وإن سفلت.
__________________
(١) نفس الموضع والمصدر
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٣٠، ح ٦٩.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٧٠.
(٤) كذا في النسخ وفي المصدر: «الحسين بن زيد». ولم نعثر في كتب الرجال على «الحسين بن سرير» ولكن «الحسين بن زيد» المذكور في المصدر يمكن أن يكون «الحسين بن زيد بن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام.».
ر. تنقيح المقال ١ / ٣٢٨، رقم ٢٩١٨.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) عيون الأخبار ١ / ٢١٢.
والأخوات، يشمل الأخوات من الأوجه الثّلاثة وكذا الباقيات.
والعمّة، كلّ أنثى ولدها من ولد ذكرا ولدك.
والخالة، كلّ أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك، قريبا أو بعيدا.
وبنات الأخ وبنات الأخت، تتناول القربى والبعدى.
( وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) : سمّاهما أمّا وأختا، لأنّه قال النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(١) - : يحرم من الرّضاعة ما يحرم من النّسب.
وقال(٢) : للرّضاع لحمة كلحمة النّسب، فعمّ التحرّيم.
( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) : وإن علون.
( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) ، أي: دخلتم بهنّ في السّتر، وهي كناية عن الجماع.
والرّبائب، جمع ربيبة. والرّبيب، ولد المرأة من آخر، سمّي به لأنّه يربّه كما يربّ ولده في غالب الأمر، فعيل، بمعنى: مفعول. وإنّما لحقه التّاء، لأنّه صار اسما.
و( اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) صفة لها. وفائدتها تقوية العلّة وتكميلها، والمعنى: أنّ الرّبائب إذا كانت في احتضانكم قوي الشّبهة بينهما وبين أولادكم، فصارت أحقّاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة.
و( اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) صفة للنّساء. والثّاني مقيّدة للّفظ والحكم، ولا يجوز أن يكون صفة للنّسائين، لأنّ عاملهما مختلف.
فالحاصل من مضمون الآية، أنّ أمّهات النّساء حرام مطلقا دخل بالنّساء أم لم يدخل إذا عقد عليها، ولا يحرم بنات النّساء إلّا إذا دخل بالأمّهات.
ففي من لا يحضره الفقيه، والتّهذيب(٣) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام : إذا تزوّج الرّجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأمّ، فإذا لم يدخل بالأمّ فلا بأس أن يتزوّج بالابنة. وإذا تزوّج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الأمّ.
وقالعليهالسلام : الربائب [عليكم](٤) حرام كنّ في الحجر أو لم يكن.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٢.
(٢) الكشاف ١ / ٤٩٤.
(٣) لا يوجد في من لا يحضره الفقيه، بل في الاستبصار ٣ / ١٥٧، ح ٥٧٠ وفي التهذيب ٧ / ٢٧٣، ح ١١٦٦.
(٤) من «التهذيب».
وفي رواية أخرى قال(١) : الربائب [عليكم](٢) حرام مع الأمّهات الّتي قد دخلتم(٣) بهنّ [هنّ](٤) في الحجور وغير الحجور [سواء](٥) والأمّهات مبهمات دخل بالبنات أم لم يدخل بهنّ [فحرّموا وأبهموا ما أبهم الله].(٦)
فما ورد عنهم - عليهم السّلام - بخلاف ذلك محمول على التقيّة لموافقته العامّة ومخالفته القرآن.
وفي الكافي(٧) : [محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٨) ، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع قال: سئل أبو عبد اللهعليهالسلام عن رجل تزوّج امرأة فمكث أيّاما معها لا يستطيعها(٩) ، غير أنّه قد رأى منها ما يحرم على غيره ثمّ يطلّقها، أيصلح له أن يتزوّج ابنتها؟
فقال: لا يصلح له وقد رأى من أمّها ما رأى.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم(١٠) ، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل كانت له جارية فعتقت فتزوّجت فولدت، أيصلح لمولاها الأوّل أن يتزوّج ابنتها؟
قال: هي حرام عليه، وهي ابنته، والحرّة والمملوكة في هذا سواء [ثم](١١) قرأ هذه الآية:( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ ) .
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(١٢) ، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن
__________________
(١) الاستبصار ٣ / ١٥٦، ح ٥٦٩+ التهذيب ٧ / ٢٧٣، ح ١١٦٥. وهذا الحديث، أيضا، غير موجود في من لا يحضره الفقيه.
وفي التهذيب بعد ذكر السند: «أنّ عليّاعليهالسلام كان يقول
(٢) من «التهذيب».
(٣) هكذا في التهذيب. وفي النسخ: دخل.
(٤ و ٥ و ٦) من «التهذيب».
(٧) يوجد في أبعد هذا العنوان: «عن أبي الحسنعليهالسلام أنه سئل عن الرجل يتزّوج المرأة متعة أيحل له أن يتزوّج ابنتها؟ قال لا» وهو مشطوب في الأصل وغير موجود في ر. والحديث في الكافي ٥ / ٤٢٢، رقم ٢.
(٨) الكافي ٥ / ٤٢٣، ح ٥.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «لاستمتعها» بدل «معها لا يستطيعها».
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: معلّى بن الحكم.
(١١) من المصدر.
(١٢) نفس المصدر ٥ / ٤٣٣، ح ١٠.
محمّد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السّلام - مثله.
أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد(١) ، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في الرّجل يكون له الجارية يصيب منها، أيصلح له(٢) أن ينكح ابنتها؟
قال: لا، هي مثل قول الله - عزّ وجلّ - :( وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) .
أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار(٣) ، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت :](٤) رجل طلّق امرأته فبانت منه، ولها ابنة مملوكة فاشتراها، أيحلّ له أن يطأها؟
قال: لا.
وعن الرّجل يكون عنده المملوكة وابنتها فيطأ إحداهما فتموت وتبقى الأخرى، أيصلح له أن يطأها؟
قال: لا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أنّ الخوارج زعمت، أنّ الرّجل إذا كانت لأهله بنت ولم يربّها ولم تكن في حجره حلّت له لقول الله:( اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) ثمّ قال الصّادقعليهالسلام : لا تحلّ له.
( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) : تصريح بعد إشعار، دفعا للقياس.
[في الكافي(٦) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فأتاه رجل، فسأله عن رجل تزوّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها، يتزوّج بأمّها؟
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : قد فعله رجل منّا(٧) فلم نر به بأسا.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١٢.
(٢) المصدر: «أله» بدل «أيصلح له».
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٣.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٣٥.
(٦) الكافي ٥ / ٤٢٢، ح ٤.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: بنا.
فقلت: جعلت فداك، ما تفخر الشّيعة إلّا بقضاء عليّعليهالسلام في هذه الشّمخيّة(١) الّتي أفتاها ابن مسعود، أنّه لا بأس بذلك، ثمّ أتى عليّاعليهالسلام فسأله، فقال له عليّعليهالسلام : من أين أخذتها؟ فقال: من قول الله - عزّ وجلّ - : و( رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) فقال عليّعليهالسلام : إنّ هذه مستثناة، وهذه مرسلة وأمّهات نسائكم.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام [للرّجل :](٢) أما تسمع ما يروى هذا عن عليّعليهالسلام ؟
فلمّا قمت ندمت وقلت: أيّ شيء صنعت، يقول: قد فعله رجل منّا فلم نر به بأسا، وأقول أنا: قضى عليّ(٣) عليهالسلام فيها، فلقيته بعد ذلك فقلت: جعلت فداك، مسألة الرّجل إنّما كان الّذي قلت يقول كان زلّة منّي، فما تقول فيها؟
فقال: يا شيخ، تخبرني أنّ عليّاعليهالسلام قضى بها وتسألني ما تقول فيها؟
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٤) ، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج وحمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: الأمّ والابنة سواء إذا لم يدخل بها [، يعني :](٥) إذا تزوّج المرأة ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها فإنّه إن شاء تزوّج أمّها وإن شاء تزوّج ابنتها.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٦) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن الرّجل يتزوّج المرأة متعة، أيحلّ له أن يتزوّج ابنتها؟
قال: لا.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٧) ، عن عليّ بن الحكم، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة فنظر [إلى رأسها وإلى](٨) بعض جسدها، أيتزوّج ابنتها؟
قال: لا، إذا رأى منها ما يحرم على غيره فليس له أن يتزوّج ابنتها.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: في الشمخة.
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عليّا.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٤٢١ - ٤٢٢، ح ١.
(٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر ٥ / ٤٢٢، ح ٢.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٨) من المصدر.
فقال: قد ذكرنا من ما ورد عنهم - عليهم السّلام - بخلاف ما يدلّ عليه ظاهر القرآن والأخبار الصّحيحة، محمول على التّقيّة لموافقة العامّة ومخالفة القرآن، وقد ردّ شيخ الطّائفة في «التّهذيب»(١) الأحاديث المتضّمنة لعدم تحريم الأمّ بدون الدّخول بالنّسبة للشّذوذ ولمخالفة ظاهر الكتاب قال: وكلّ حديث ورد هذا المورد فإنّه لا يجوز العمل به، لأنّه ورد عن النّبيّصلىاللهعليهوآله وعن الأئمّة - عليهم السّلام - أنّهم قالوا: إذا جاءكم عنّا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه أو ردّوه علينا].(٢)
( وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) : زوجاتهم، سمّيت الزّوجة حليلة لحلّها أو لحلولها مع الزّوج.
( الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) : احتراز عن المتبنّى لا عن أبناء الولد، فإنّهم الأولاد للصّلب فيشملونهم وإن سفلوا.
في الكافي، والتّهذيب(٣) : عن الصّادقعليهالسلام في الرّجل تكون عنده الجارية يجرّدها وينظر إلى جسدها نظر شهوة [وينظر منها إلى ما يحرم على غيره ،](٤) هل تحلّ لأبيه؟ وإن فعل [ذلك](٥) أبوه هل تحلّ لابنه؟
قال: إذا نظر إليها نظر شهوة ونظر منها إلى ما يحرم على غيره لم تحلّ لابنه، وإن فعل ذلك الابن لم تحلّ لأبيه(٦) .
وفي الكافي(٧) ، عن الباقرعليهالسلام في حديث: هل كان [يحلّ](٨) لرسول الله [نكاح](٩) حليلتي الحسن والحسين - عليهما السّلام -(١٠) فإن قالوا: نعم، كذبوا وفجروا، وإن قالوا: لا، فهما ابناه لصلبه.
__________________
(١) التهذيب ٧ / ٢٧٥.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) لا يوجد في الكافي. ولكن في التهذيب ٨ / ٢١٢، ح ٧٥٨ وكذلك في الاستبصار ٣ / ٢١٢، ح ٧٦٩ وفي من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٦٠، ح ١٢٣٥.
(٤ و ٥) من التهذيب.
(٦) هكذا في التهذيب. وفي النسخ: للأب.
(٧) الكافي ٨ / ٣١٨، ضمن حديث ٥٠١.
(٨) من المصدر وأ.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: «حليلتيهما» بدل «حليلتي الحسن والحسين - عليهما السّلام - .»
وفي هذا الخبر دلالة، على أنّ ولد البنت ولد الصّلب، وحليلته تحرم على الجدّ. وفي الخبر الأوّل دلالة، على تحريم حليلة الابن وإن لم يدخل بها الابن.
( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) : في موضع الرّفع، عطفا على المحرّمات. والحرمة غير مقصورة على النّكاح، بل يشمل النّكاح وملك اليمين.
[وفي كتاب علل الشّرائع(١) : بإسناده إلى مروان بن دينار قال: قلت لأبي إبراهيمعليهالسلام : لأيّ علّة لا يجوز للرّجل أن يجمع بين الأختين في عقد واحد(٢)؟
فقال: لتحصين الإسلام، وفي سائر الأديان(٣) ترى ذلك].(٤)
وفي الكافي(٥) ، عن الصّادقعليهالسلام في رجل طلّق امرأته أو اختلعت أو بارأت(٦) ، أله أن يتزوّج بأختها؟ قال: [فقال :](٧) إذا برأت عصمتها ولم يكن عليها رجعة فله أن يخطب أختها.
قال: وسئل عن رجل(٨) كانت عنده أختان مملوكتان، فوطئ إحداهما ثمّ وطئ الأخرى؟
قال: إذا وطئ الأخرى فقد حرمت عليه الأولى(٩) ، حتّى تموت الأخرى.
قلت: أرأيت إن باعها، أتحلّ له الأولى؟
قال: إن كان يبيعها لحاجة ولا يخطر على قلبه من الأخرى شيء فلا أرى بذلك بأسا، وإن كان إنّما يبيعها ليرجع إلى الأولى فلا، ولا كرامة.
وفي التّهذيب(١٠) : عنه، عن أبيه - عليهما السّلام - في أختين مملوكتين تكونان
__________________
(١) علل الشرائع / ٤٩٨، ح ١.
(٢) «في عقد واحد» ليس في المصدر.
(٣) المصدر: «سائر الأديان» بدل «وفي سائر الأديان».
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكافي ٥ / ٤٣٢، ح ٧. وفيه: عن أبي عبد اللهعليهالسلام
(٦) المصدر: بانت.
(٧) من المصدر.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «وفي رجل» بدل «قال: وسئل عن رجل».
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) التهذيب ٧ / ٢٨٩، ح ١٢١٥. وفيه: عن أبي عبد الله - عليه السّلام. قال: قال محمد بن علي - عليهما السّلام -
عند الرّجل جميعا.
قال: قال عليّعليهالسلام : أحلتهما آية وحرّمتهما آيه أخرى، وأنا أنهى عنهما نفسي وولدي
(انتهى.) والآية المحلّلة قوله سبحانه:( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) والآية المحرّمة هي قوله - عزّ وجلّ - :( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) .
وجعل في التهذيب(١) مورد الحلّ الملك، ومورد الحرمة الوطء.
وممّا يدلّ على أنّ موردهما واحد، ما رواه فيه(٢) : عن الباقرعليهالسلام أنّه سئل عمّا يروي النّاس عن أمير المؤمنينعليهالسلام عن أشياء من الفروج لم يكن يأمر بها ولا ينهى عنها إلّا نفسه وولده، فقيل(٣) : كيف يكون ذلك؟
قال: أحلّتها آية وحرّمتها [آية](٤) أخرى.
فقيل: هل إلّا أن يكون إحداهما(٥) نسخت الأخرى، أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟
فقال: قد بيّن لهم إذ نهى نفسه وولده.
قيل(٦) : ما منعه أن يبيّن ذلك للنّاس؟
قال: خشي أن لا يطاع، ولو أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام ثبتت قدماه أقام الكتاب كلّه والحقّ كلّه (انتهى.) ووجه، أنّهعليهالسلام لم يصرّح بالحقّ، أنّ عثمان رجّح التّحليل في وطء الأختين المملوكتين، كما نقلوا عنه.
( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) : استثناء من لازم المعنى، أو منقطع معناه، لكن ما قد سلف مغفور له.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، في ضمن شرح حديث ١٢١٥.
(٢) نفس المصدر ٧ / ٤٦٣، ح ١٨٥٦. وفيه بإسناده إلى معمّر بن يحيى بن بسام قال: سألت أبا جعفر - عليه السّلام
(٣) المصدر: فقلنا.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: «فقلنا هل الآيتان تكون إحداهما» بدل «فقيل هل إلّا أن يكون إحداهما».
(٦) المصدر: قلنا.
( إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (٢٣)، أي: يغفر لما سلف منهم قبل الإسلام من الجمع بين الأختين، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
[وفي كتاب الخصال(١) : عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - أنّه قال: سئل أبيعليهالسلام عمّا حرّم الله تعالى من الفروج في القرآن، وعمّا حرمه رسول اللهصلىاللهعليهوآله في سنّته؟
فقال: الّذي حرم الله من ذلك أربعة وثلاثين وجها، سبعة عشر في القرآن وسبعة عشر في السّنّة، فأمّا الّتي في القرآن فالزّنا، قال الله تعالى:( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) ونكاح امرأة الأب، قال الله - تعالى - :( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ ) و( أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) والحائض حتّى تطهر، قال الله - عزّ وجلّ - :( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) والنّكاح في الاعتكاف، قال الله - عزّ وجلّ - :( وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ) .
فأمّا الّتي في السّنّة، فالمواقعة في شهر رمضان نهارا، وتزويج(٢) الملاعنة بعد اللّعان، والتّزويج في العدّة، والمواقعة في الإحرام، والمحرم يتزوّج أو يزوّج، والمظاهر قبل أن يكفّر، وتزويج المشركة، وتزويج الرّجل امرأة قد طلّقها للعدّة تسع تطليقات، وتزويج [الأمة](٣) على الحرّة، وتزويج الذّمّيّة على المسلمة، وتزويج المرأة على عمّتها وخالتها، وتزويج الأمة من غير إذن مولاها، وتزويج الأمة على من(٤) يقدر على تزويج الحرّة، والجارية من السّبي [قبل القسمة ،](٥) والجارية المشركة(٦) ، والجارية المشتراة(٧) قبل أن يستبرئها(٨) ، والمكاتبة الّتي قد أدّت بعض المكاتبة].(٩)
__________________
(١) الخصال / ٥٣٢ - ٥٣٣، ح ١٠.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: التزويج.
(٣) من المصدر.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «لمن» بدل «على من».
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: المشتركة.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: المسترابة.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يسبر بها.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ) : ذوات الأزواج، أحصنهنّ التّزويج أو الازدواج.
وقرأ الكسائيّ في جميع القرآن غير هذا الحرف، بكسر الصّاد، لأنهنّ أحصن فروجهنّ.
وفي من لا يحضره الفقيه، وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الصّادقعليهالسلام : هنّ ذوات الأزواج.
( إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) : من اللائي سبين ولهنّ أزواج كفّار، فإنّهنّ حلائل للسّابين، والنّكاح مرتفع بالسّبي.
كما في مجمع البيان(٢) : عن أمير المؤمنين - عليه السّلام: واللائي اشترين ولهنّ أزواج، فإنّ بيعهنّ طلاقهنّ.
كما في الكافي(٣) ، عن الصّادقعليهالسلام في عدّة روايات: واللائي تحت العبيد، فيأمرهم مواليهم بالاعتزال ويستبرءوهنّ ثمّ يمسّوهنّ بغير نكاح.
وفيه(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) .
قال: هو أن يأمر الرّجل عبده وتحته أمته، فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها، ثمّ(٥) يحبسها(٦) عنه حتّى تحيض، ثمّ يمسّها، فإذا حاضت بعد مسّه إيّاها ردّها عليه بغير نكاح.
( كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) : مصدر لفعل محذوف، أي: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا.
وقرئ: «كتب الله» بالجمع والرّفع، أي: هذه فرائض الله عليكم. و «كتب
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٧٦، ح ١٣١٣ وله تتمة، تفسير العياشي ١ / ٢٣٢ - ٢٣٣، ح ٨١.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٣١.
(٣) الكافي ٥ / ٤٨١، في باب الرجل يزوّج عبده أمته ثم يشتهيها.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٤٨١، ح ٢.
(٥) المصدر وأ: حتى.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يجنبها.
الله» بلفظ الفعل(١) .
( وَأُحِلَّ لَكُمْ ) : عطف على الفعل المضمر الّذي نصب «كتاب الله».
وقرأ حمزة والكسائيّ وحفص عن عاصم، على البناء للمفعول، عطفا على «حرّمت»(٢) .
( ما وَراءَ ذلِكُمْ ) : سوى المحرّمات الثّمان المذكورة وخرج عنه بالسّنّة ما في معنى المذكورات، كسائر محرّمات الرّضاع، والجمع بين المرأة وعمّتها وخالتها بغير إذنهما.
في الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال(٤) ، عن ابن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لا تزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على العمّة ولا على الخالة إلّا بإذنهما، وتزوّج العمّة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٥) ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام قال: لا تنكح المرأة على عمّتها ولا خالتها، إلّا بإذن العمّة والخالة.
وفي تهذيب الأحكام(٦) : محمّد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن موسى بن القاسم، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفرعليهالسلام قال: سألته عن امرأة تزوّجت(٧) على عمّتها وخالتها؟
قال: لا بأس، وقال: تزوّج العمّة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت، ولا تزوّج بنت الأخ والأخت على العمّة والخالة إلّا برضا منهما، فمن فعل فنكاحه باطل.
وأمّا ما رواه في غوالي اللئالي(٨) ، عن عليّ بن جعفر قال: سألت أخي موسىعليهالسلام عن الرّجل يتزوّج المرأة على عمّتها أو خالتها؟
قال: لا بأس، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) فمحمول
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٣.
(٣) الكافي ٥ / ٤٢٤، ح ١.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «الحسين بن عليّ بن فضّال». وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٢٩٧، رقم ٢٦٧٠.
(٥) الكافي ٥ / ٤٢٤، ح ٢.
(٦) تهذيب الأحكام ٧ / ٣٣٣، ح ١٣٦٨.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تزوّج.
(٨) غوالي اللئالي ٣ / ٣٢٨، ح ٢٠١.
على أنّه إذا كان التّزوّج بإذنهما.
( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) : مفعول له، والمعنى: أحلّ لكم ما وراء ذلكم، إرادة أن تبتغوا النساء بأموالكم بالصّرف في مهورهنّ أو أثمانهنّ في حال كونكم محصنين غير مسافحين.
ويجوز أن لا يقدّر مفعول «تبتغوا» وكأنّه قيل: إرادة أن تصرفوا أموالكم محصنين غير مسافحين.
أو بدل من «ما وراء ذلكم» بدل الاشتمال.
والإحصان، العفّة، لأنّها تحصن النّفس عن اللّوم والعقاب.
والسّفاح، الزّنا. من السّفح، وهو صبّ المنيّ. فإنّه الغرض منه.
( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ ) : فمن تمتّعتم به من المنكوحات، أو فما استمتعتم به منهنّ من جماع أو عقد عليهنّ.
( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) : مهورهنّ. سمّي أجرا، لأنّه في مقابلة الاستمتاع.
( فَرِيضَةً ) : حال من الأجور، بمعنى: مفروضة. أو صفة مصدر محذوف، أي: إيتاء مفروضا. أو مصدر حذف عامله، أي: فرض ذلك الإيتاء فريضة، ناب عن فعله.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن الحسن بن رباط، عن حريز، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد اللهعليهالسلام عن المتعة.
فقال: [عن](٢) أيّ المتعتين تسأل؟
فقال(٣) : سألتك عن متعة الحجّ، فأنبئني عن متعة النّساء، أحقّ هي(٤)؟
فقال: سبحان الله، أما قرأت(٥) كتاب الله - عزّ وجلّ -( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) .
فقال أبو حنيفة: والله لكأنّها(٦) آية لم أقرأها قطّ.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٤٤٩، ح ٦.
(٢) من ر.
(٣) المصدر: قال.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «هي أحقّ» بدل «أحقّ هي».
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تقرأ.
(٦) المصدر: فلكأنّها.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(١) وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن المتعة.
فقال نزلت في القرآن:( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (٢) .
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٣) ، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّما نزلت: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة.
[عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٤) ، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) .
فقال: ما تراضوا به من بعد النّكاح فهو جائز، وما كان قبل النّكاح فلا يجوز إلّا برضاها وبشيء يعطيها فترضى به].(٥)
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن أبي بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كان يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة(٧) [فقال: هو أن يتزوّجها(٨) إلى أجل ثمّ يحدث شيئا بعد الأجل.
عن عبد الله بن سلام(٩) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: ما تقول في المتعة؟
قال: قول الله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة إلى أجل مسمى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ٤٤٨، ح ١.
(٢) ذكر في المصدر بقية الآية إلى «من بعد الفريضة».
(٣) نفس المصدر ٥ / ٤٤٩، ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٤٥٦، ح ٢.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٣٤، ح ٨٧.
(٧) ذكر في المصدر بقية الآية إلى «من بعد الفريضة».
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «تزوّجها» بدل «يتزوّجها إلى».
(٩) نفس المصدر والموضع، صدر حديث ٨٨. وفيه: «عن عبد السلام» بدل «عن عبد الله بن سلام». ويمكن أن يكون كلاهما صحيح. لأنّ كلاهما من أصحاب الصادقعليهالسلام
قال: قلت: جعلت فداك، هي من الأربع؟
قال: ليست من الأربع، إنّما هي إجارة(١)] .(٢)
وفيه(٣) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام [قال :](٤) قال جابر بن عبد الله عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أنّهم غزوا معه فأحلّ [لهم](٥) المتعة ولم يحرّمها، وكان عليّعليهالسلام يقول: لولا ما سبقني به ابن الخطّاب، يعني: عمر، مازنى إلّا شقيّ [وكان ابن عبّاس يقول: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى» يقول: إذا(٦) اتيتموهنّ(٧) أجورهنّ [فريضة ،](٨) وهؤلاء يكفرون بها ورسول اللهصلىاللهعليهوآله أحلّها ولم يحرّمها].(٩)
( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) : من زيادة في المهر، أو الأجل، أو نقصان فيهما، أو غير ذلك، ممّا لا يخالف الشّرع.
وفي تفسير العيّاشيّ(١٠) : عن أبي بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام في المتعة قال: نزلت هذه [الآية :](١١) ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) قال: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجل آخر، برضا منها ولا تحلّ لغيرك حتّى تنقضي عدّتها، وعدّتها حيضتان.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) : بالمصالح.
( حَكِيماً ) (٢٤): فيما شرّع من الأحكام.
في الكافي(١٢) : عن الصّادقعليهالسلام : المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السّنّة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الاجارة.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٣٣، ح ٨٥.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) «يقول إذا» ليس في المصدر.
(٧) المصدر: فآتوهنّ.
(٨) من المصدر.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٠) تفسير العياشي ١ / ٢٣٣، ح ٨٦.
(١١) من المصدر.
(١٢) الكافي ٥ / ٤٤٩، ح ٥. وفيه: عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : عنهعليهالسلام : ليس منّا من لم يؤمن بكرّتنا ويستحلّ متعتنا.
واعلم، أنّ عمر حرّم المتعة، متعة النّساء ومتعة الحجّ، بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا محرّمهما ومعاقب عليهما، متعة الحجّ ومتعة النّساء. وبقوله: ثلاث كنّ على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنا محرمهنّ ومعاقب عليهنّ، متعة الحجّ، ومتعة النّساء(٢) ، وحيّ على خير العمل في الأذان(٣) .
وفي الكافي(٤) : جاء [عبد الله بن](٥) عمير اللّيثيّ إلى أبي جعفرعليهالسلام فقال له: ما تقول في متعة النّساء؟
فقال: أحلّها الله في كتابه وعلى لسان نبيّهصلىاللهعليهوآله فهي حلال إلى يوم القيامة.
فقال: يا أبا جعفر، مثلك يقول هذا، وقد حرّمها عمر ونهى عنها.
فقال: وإن كان فعل.
قال: قال: فإنّي أعيذك بالله من ذلك أن تحلّ شيئا حرّمه عمر.
فقال له: فأنت على قول صاحبك، وأنا على قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهلمّ ألاعنك، أنّ القول ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنّ الباطل ما قال صاحبك.
قال: فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرّك أنّ نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلنّ.
قال: فأعرض(٦) عنه أبو جعفرعليهالسلام حين ذكر نسائه وبنات عمّه.
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٩١، ح ١٣٨٤.
(٢) بالنسبة إلى رأي عمر في المتعتين أنظر مقدمة مرآة العقول، للعلّامة السيد مرتضى العسكري، ج ١، اجتهاد الخليفة عمر في المتعتين، ص ٢٠٠ إلى آخر المجلّد الأوّل+ النصّ والاجتهاد، للعلامة عبد الحسين شرف الدين الموسويّ، المورد ٢١، متعة الحج إذ نهى عنها عمر، ص ١٨١ والمورد ٢٢، متعة النساء، ص ١٨٧.
(٣) راجع النص والاجتهاد، المورد ٢٣، التصرف في الأذان باشتراع فصل فيه، ص ١٨٩ والمورد ٢٤، إسقاط «حيّ على خير العمل» من الأذان والاقامة، ص ٢٠٣.
(٤) الكافي ٥ / ٤٤٩، ح ٤.
(٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ «ذلك فقال أعرض» بدل «قال فأعرض».
وفيه(١) : سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمّد بن النّعمان - صاحب الطّاق - فقال له: يا أبا جعفر، ما تقول في المتعة، أتزعم أنّها حلال؟
قال: نعم.
قال: فما يمنعك أن تأمر نساءك يستمتعن ويكتسبن عليك؟
فقال له أبو جعفر: ليس كلّ الصّناعات يرغب فيها وإن كانت حلالا، وللنّاس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم، ولكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ، أتزعم أنّه حلال؟
فقال: نعم.
قال: فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نبّاذات فيكتسبن عليك؟
فقال أبو حنيفة: واحدة بواحدة، وسهمك أنفذ، ثمّ قال [له :](٢) يا أبا جعفر، إنّ الآية الّتي في سأل سائل تنطق بتحريم المتعة، والرّواية عن النّبيّصلىاللهعليهوآله قد جاءت بنسخها.
فقال له أبو جعفر: يا أبا حنيفة، إنّ سورة سأل سائل مكّيّة وآية المتعة مدنيّة وروايتك شاذّة رديّة.
فقال أبو حنيفة: وآية الميراث أيضا تنطق بنسخ المتعة.
فقال له أبو جعفر: قد ثبت النّكاح بغير ميراث.
فقال أبو حنيفة: من أين قلت ذلك؟
فقال أبو جعفر: لو أنّ رجلا من المسلمين تزوّج امرأة من أهل الكتاب ثمّ توفّى عنها، ما تقول فيها؟
قال: لا ترث منه.
فقال: فقد ثبت النّكاح بغير ميراث، ثمّ افترقا.
( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ) :
غنىً، كذا في مجمع البيان(٣) ، عن الباقرعليهالسلام
وأصله الفضل والزّيادة.
( أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ) : في موضع النّصب، بفعل مقدّر، صفة
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ٤٥٠، ح ٨.
(٢) من المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٣٣.
«لطولا»، أي: من لم يستطع غنى يبلغ به نكاح المحصنات. أو تطوّلا، وجعله بمعنى اعتلاء، أي: من لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات، أي: الحرائر أحصنتهنّ الحّريّة عن الوطء بغير عقد أو عن الزّنا.
( فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) ، يعني: الإماء المؤمنات.
في الكافي(١) : أبان، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته(٢) عن الرّجل يتزوّج الأمة؟
قال: لا، إلّا أن يضطّر إلى ذلك.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٣) ، عن ابن فضّال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا ينبغي أن يتزوّج الرّجل الحرّ المملوكة اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ) والطّول، المهر. ومهر الحرّة اليوم مهر الأمة أو أقلّ.
( وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ ) : فاكتفوا بظاهر الإيمان، فإنّه العالم بالسّرائر، وبتفاضل ما بينكم في الإيمان، فربّ أمة تفضل الحرّة فيه، ومن حقّكم أن تعتبروا فضل الإيمان لا فضل النّسب.
والمقصود، تأنيسهم بنكاح الإماء، ومنعهم عن الاستنكاف منه.
( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) : أنتم ومماليككم متناسبون، نسبكم من آدم ودينكم الإسلام.
( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ ) ، أي: أربابهنّ.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : روى داود بن الحصين، عن أبي العبّاس البقباق قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : يتزوّج الرّجل بالأمة(٥) بغير علم أهلها؟
قال: هو زنا، إنّ الله يقول: فانكحوهنّ بإذن أهلهنّ.
وأمّا ما رواه في تهذيب الأحكام(٦) : «عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال :
__________________
(١) الكافي ٥ / ٣٦٠، ح ٦.
(٢) المصدر: سألت.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٧.
(٤) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٨٦، ح ١٣٦١.
(٥) المصدر: الأمة.
(٦) تهذيب الأحكام ٧ / ٢٥٨، ح ١١١٤.
سألته عن الرّجل يتزوّج بأمة بغير إذن مواليها؟
فقال: إن كانت لامرأة فنعم، وإن كانت لرجل فلا»
فمحمول على ما إذا كان التّزوّج بالمتعة.
يدلّ عليه ما رواه فيه(١) : عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا بأس أن يتمتّع الرّجل بأمة المرأة، فأمّا [أمة](٢) الرّجل فلا يتمتّع بها إلّا بأمره.
وما رواه في الاستبصار(٣) : «عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سألت الرّضاعليهالسلام أيتمتّع بالأمة بإذن أهلها؟
قال: نعم، إنّ الله - تعالى - يقول:( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ ) »
محمول على ما إذا كان أهلها رجلا.
( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) :( بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ ) فحذف لتّقدّم ذكره. أو إلى مواليهنّ، فحذف للعلم بأنّ المهر للسّيّد، لأنّه عوض حقّه، فيجب أن يؤدّى إليه. ويحتمل أن يكون الإذن في التّزوّج كافيا في إيتاء المهور إليهن، فلا يلزم ارتكاب حذف.
( بِالْمَعْرُوفِ ) : من غير مطل وضرار ونقصان.
( مُحْصَناتٍ ) : عفائف.
( غَيْرَ مُسافِحاتٍ ) : غير مجاهرات بالسّفاح.
( وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ) : أخلاء في السّرّ.
( فَإِذا أُحْصِنَ ) : بالتّزويج.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائيّ، بفتح الهمزة والصّاد. والباقون، بضمّ الهمزة وكسر الصّاد(٤) .
( فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ) : زنا.
( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ ) ، يعني: الحرائر. وقد سبق بهذا المعنى أيضا.
( مِنَ الْعَذابِ ) ، يعني: الحدّ، كما قال تعالى(٥) :( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ ) .
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١١١٥.
(٢) من المصدر.
(٣) الاستبصار ٣ / ١٤٦، ح ٥٣١.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢١٤.
(٥) النور / ٢.
وفي الآية دلالة، على أنّ الأمة لا ترجم، لأنّ الرّجم لا ينتصف.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، يعني به: الإماء والعبيد إذا زنيا ضربا نصف الحدّ، فإن عادا(٢) فمثل ذلك حتّى يفعلوا ذلك ثماني مرّات، ففي الثّامنة يقتلون.
قال الصّادقعليهالسلام : وإنّما صار يقتل في الثّامنة، لأنّ الله رحمه أن يجمع عليه ربق الرّقّ وحدّ الحرّ.
وفي الكافي(٣) - ما في معناه - عن الصّادقعليهالسلام وعن الباقرعليهالسلام في الأمة تزني، قال: تجلد نصف حدّ الحرّة(٤) ، كان لها زوج أو لم يكن لها زوج.
وفي رواية(٥) : لا ترجم ولا تنفى.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن القاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله:( فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ [مِنَ الْعَذابِ ) ](٧) .
قال: يعني: نكاحهنّ(٨) إذا أتين بفاحشة.
عن عبد الله بن سنان(٩) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله في الإماء إذا أحصن، قال: إحصانهنّ أن يدخل بهنّ.
قلت: فإن لم يدخل بهنّ فأحدثن حدثا، هل عليهنّ حدّ؟
قال: نعم، نصف الحرّ، فإن زنت وهي محصنة فالرّجم.
عن محمّد بن مسلم(١٠) ، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: سألته عن قول الله في
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٣٦.
(٢) المصدر: «فمن عاد» بدل «فان عادا».
(٣) الكافي ٧ / ٢٣٤، ح ٤+ نفس المصدر ٧ / ٢٣٧، ح ١٩.
(٤) المصدر: الحرّ.
(٥) نفس المصدر ٧ / ٢٣٨، ح ٢٣. وفيه: لا يرجم ولا ينفى.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٣٥، ح ٩٦.
(٧) من المصدر.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نكلوهن.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٩٤.
(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٩٣.
الإماء إذا أحصن، ما إحصانهنّ؟
قال: يدخل بهنّ.
قلت: وإن لم يدخل بهنّ، ما عليهنّ حدّ؟
قال: بلى.
عن عبد الله بن سنان(١) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن المحصنات من الإماء.
قال: هنّ المسلمات.
عن حريز(٢) قال: سألته عن المحصن؟
فقال: الّذي عنده ما يغنيه.
](٣) ( ذلِكَ ) ، أي: نكاح الإماء.
( لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) ، لمن خاف الوقوع في الزّنا. وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، مستعار لكلّ مشقّة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم بأفحش القبائح.
وقيل(٤) : المراد به الحدّ، وهذا شرط آخر لنكاح الإماء.
[وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن عبّاد بن صهيب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا ينبغي للرّجل المسلم أن يتزوّج من الإماء إلّا من خشي العنت، ولا يحلّ له من الإماء إلّا واحدة.
](٦) ( وَأَنْ تَصْبِرُوا ) ، أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعفّفين.
( خَيْرٌ لَكُمْ ) : من نكاح الإماء، لما فيه من المهانة ونقصان حقّ الزّوج.
( وَاللهُ غَفُورٌ ) : لمن لم يصبر،( رَحِيمٌ ) (٢٥): بأن رخّص لهم.
( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) : ما تعبّدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٩٢.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٩٥.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢١٤.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٣٥، ح ٩٧.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
و «أن يبيّن» مفعول يريد، و «اللام» مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة.
وقيل(١) : المفعول محذوف، و «ليبيّن» مفعول له، أي: يريد الحقّ لأجله.
( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) : مناهج من تقدّمكم من أهل الرّشد، لتسلكوا طريقتهم.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد عن أحمد، عن عليّ بن النعمان - رفعه - عن أبي جعفر قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : يمصّون الثّماد ويدعون النّهر العظيم.
قيل له: وما النّهر العظيم؟
قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله والعلم الّذي أعطاه الله [، إنّ الله](٣) - عزّ وجلّ - جمع لمحمّدصلىاللهعليهوآله سنن النبييّن من آدم وهلمّ جرّا إلى محمّدصلىاللهعليهوآله
قيل له: وما تلك السّنن؟
قال: علم النّبيّين بأسره وإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله صيّر ذلك كلّه عند أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال له رجل: يا بن رسول الله، فأمير المؤمنينعليهالسلام أعلم أم بعض النّبيين؟
فقال أبو جعفرعليهالسلام : اسمعوا [ما يقول ،](٤) إنّ الله يفتح مسامع من يشاء. إنّي حدّثته(٥) : إنّ الله جمع لمحمّدصلىاللهعليهوآله علم النّبيّين وإنّه جمع ذلك كلّه عند أمير المؤمنينعليهالسلام وهو يسألني: أهو أعلم أم بعض النّبيّين؟
( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) : ويغفر لكم ذنوبكم، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثّكم على التّوبة، أو إلى ما يكون كفّارة لسيّئاتكم.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : بها.
( حَكِيمٌ ) (٢٦): في وضعها.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٥.
(٢) الكافي ١ / ٢٢٢، ح ٦.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حدّثت.
( وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) : كرّره للتّأكيد والمبالغة.
( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ) ، يعني: الفجرة. فإنّ اتّباع الشّهوات الائتمار لها، وأمّا المتعاطي لما سوّغه الشّرع منها دون غيره فهو متّبع له في الحقيقة لا لها.
وقيل(١) : المجوس.
وقيل(٢) : اليهود، فإنّهم يحلّون الأخوات من الأب وبنات الأخ والأخت.
( أَنْ تَمِيلُوا ) : عن الحقّ.
( مَيْلاً ) : بموافقتهم، على اتّباع الشّهوات واستحلال المحرّمات.
( عَظِيماً ) (٢٧): بالإضافة إلى من اقترف خطيئة على ندور، غير مستحلّ لها.
( يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) : فلذلك شرّع لكم الشّريعة الحنيفيّة السّمحة السّهلة، ورخّص لكم في المضايق، كإحلال نكاح الأمة عند الاضطرار.
( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) (٢٨): لا يصبر عن الشّهوات، ولا يتحمّل مشاقّ الطّاعات.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) : بما لم يبحه الشّرع.
في تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الصّادقعليهالسلام : عنى بها: القمار، وكانت قريش تقامر الرّجل بأهله وماله، فنهاهم الله عن ذلك.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الباقرعليهالسلام : الرّبا والقمار والبخس(٥) والظّلم.
( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) : استثناء منقطع، أي: ولكن كون تجارة عن تراض غير منهيّ عنه، أو اقصدوا كون تجارة. وتخصيص التّجارة من الوجوه الّتي بها يحلّ تناول مال الغير، لأنّها أغلب وأوفق لذوي المروءات. ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : يعني بها: الشّراء(٧) والبيع الحلال.
وقيل(٨) : المقصود بالنّهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله، وبالتّجارة صرفه
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٥.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٣٦، ح ١٠٣. وله تتمة.
وفيه: عن محمّد بن عليّ عن أبي عبد الله عليهالسلام في قول الله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) قال: نهى عن القمار
(٤) مجمع البيان ٢ / ٣٧.
(٥) المصدر: البخش.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٣٦.
(٧) المصدر: الشرى.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٢١٥.
فيما يرضاه.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : الرّجل منّا يكون عنده الشيء يتبلّغ به وعليه دين، أيطعمه عياله حتّى يأتي الله عزّ وجلّ بميسرة فيقضي دينه، أو يستقرض على ظهره في خبث الزّمان وشدّة المكاسب، أو يقبل الصّدقة؟
قال: يقضي بما عنده دينه ولا يأكل من أموال النّاس إلّا وعنده ما يؤدّي إليهم حقوقهم، إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) ولا يستقرض على ظهره إلّا وعنده وفاء، ولو طاف على أبواب النّاس فردّوه باللّقمة واللّقمتين والتّمرة والتمرتين إلّا أن يكون له وليّ يقضي دينه من بعده، ليس منّا من ميّت إلّا جعل الله له وليّا يقوم في عدّته ودينه فيقضي عدّته ودينه.
وقرأ الكوفيّون: «تجارة» بالنّصب، على «كان» النّاقصة وإضمار الاسم، أي: إلّا أن تكون التّجارة، أو الجهة تجارة(٢) .
( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) :
قيل(٣) : بالبخع كما يفعله أهل الهند(٤) ، أو بإلقاء النّفس إلى التّهلكة، أو بارتكاب ما يؤدّي إلى قتلها، أو باقتراف ما يذلّلها ويرديها، فإنّه القتل الحقيقيّ للنّفس.
وقيل(٥) : المراد بالأنفس من كان على دينهم، فإنّ المؤمنين كنفس واحدة.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : كان الرّجل إذا خرج مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله في الغزو، يحمل على العدوّ وحده من غير أن يأمره رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنهى الله أن يقتل نفسه من غير أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٧) .
وفي مجمع البيان(٨) : عن الصّادقعليهالسلام : أنّ معناه: لا تخاطروا بنفوسكم
__________________
(١) الكافي ٥ / ٩٥، ح ٢.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٥ - ٢١٦.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢١٦.
(٤) المصدر: جهلة الهند.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٣٦.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أمره.
(٨) مجمع البيان ٢ / ٣٧.
في القتال، فتقاتلوا من لا تطيقونه.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عنهعليهالسلام : كان المسلمون يدخلون على عدوّهم في المغارات فيتمكّن منهم عدوّهم فيقتلهم كيف يشاء، فنها هم الله تعالى أن يدخلوا عليهم في المغارات.
قيل(٢) : «جمع في التّوصية بين حفظ النّفس والمال الّذي هو شقيقها، من حيث أنّه سبب قوامها، استبقاء لهم ريثما تستكمل النّفوس وتستوفي فضائلها، رأفة بهم ورحمة»، كما أشار إليه بقوله:( إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (٢٩)، أي: أمر ما أمر ونهى عمّا نهى لفرط رحمته عليكم، معناه: أنّه كان بكم - يا أمّة محمّد - رحيما لـمّا أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن (أمير المؤمنين)عليهالسلام قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الجبائر تكون على الكسير، كيف يتوضّأ صاحبها، وكيف يغتسل إذا أجنب؟
قال: يجزئه المسح(٤) بالماء عليها في الجنابة والوضوء.
قلت: وإن كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده؟
فقرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله :( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) .
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) : إشارة إلى ما سبق من المنهيّات،( عُدْواناً وَظُلْماً ) : إفراطا في التّجاوز عن الحدّ، وإتيانا بما لا يستحقّه.
وقيل(٥) : أراد بالعدوان التّعدّي، وبالظّلم ظلم النّفس بتعريضها للعقاب.
( فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً ) : ندخله إيّاها.
وقرئ، بالتّشديد، من صلّى. وبفتح النّون، من صلاه يصليه. ومنه: شاة مصلية.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٣٧، ذيل حديث ١٠٣. وقد مرّ صدره آنفا.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٦.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٣٦، ح ١٠٢، بإسقاط لأوّل سنده.
(٤) المصدر: المس.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢١٦.
ويصليه، بالياء، والضّمير لله، أو لذلك، من حيث أنّه سبب الصّلي(١) .
( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) (٣٠): لا عسر فيه، ولا صارف.
( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) ، أي: كبائر الذّنوب الّتى نهاكم الله عنها.
وقرئ: كبير، على إرادة الجنس(٢) .
( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) : نغفر لكم صغائركم، ونمحها عنكم.
( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) (٣١): الجنّة، وما وعدتم من الثّواب. أو إدخالا مع كرامة.
وقرأ نافع هنا وفي الحجّ، بفتح الميم، وهو - أيضا - يحتمل المكان والمصدر(٣) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن ميسر، عن أبي جعفرعليهالسلام (٥) قال: كنت أنا وعلقمة الحضرميّ وأبو حسان العجليّ وعبد الله بن عجلان ننتظر أبا جعفرعليهالسلام فخرج علينا فقال: مرحبا وأهلا، والله [إنّي](٦) لأحبّ ريحكم وأرواحكم، وإنّكم لعلى دين الله.
فقال علقمة: فمن كان على دين الله تشهد أنّه من أهل الجنّة؟
قال: فمكث هنيئة، قال: ونوّروا أنفسكم فإن لم تكونوا اقترفتم الكبائر، فأنا أشهد.
قلنا: وما الكبائر؟
قال: هي في كتاب الله على سبع.
قلنا: فعدّها علينا جعلنا [الله](٧) فداك.
قال: الشّرك بالله العظيم، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا بعد البيّنة، وعقوق الوالدين، والفرار من الزّحف، وقتل المؤمن، وقذف المحصنة.
قلنا: ما منّا أحد أصاب من هذه شيئا.
قال: فأنتم إذا.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٣٧، ح ١٠٤.
(٥) كذا في المصدر والنسخ. والظاهر أن «عن أبي جعفرعليهالسلام » زائدة. تلاحظ.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
وفي كتاب ثواب الأعمال(١) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثني سعد بن عبد الله، عن موسى بن جعفر بن وهب البغداديّ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن عمر الحلبي قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) ؟
قال: من اجتنب ما أوعد(٢) الله عليه النّار إذا كان مؤمنا كفّر الله عنه سيّئاته ويدخله مدخلا كريما، والكبائر السّبع الموجبات: قتل النّفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الرّبا، والتّعرّب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزّحف.
وبإسناده إلى محمّد بن الفضل(٣) ، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام في هذه الآية(٤) ، قال: من اجتنب ما أوعد الله عليه النّار إذا كان مؤمنا كفّر عنه سيئاته.
وفي كتاب التّوحيد(٥) : حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ(٦) - رضي الله عنه - قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير قال: سمعت موسى بن جعفر - عليهما السّلام - يقول: لا يخلّد الله في النّار إلّا أهل الكفر والجحود وأهل الضّلال والشّرك، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصّغائر.
[وفي أصول الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) قال: الكبائر الّتي
__________________
(١) ثواب الأعمال / ١٥٩.
(٢) المصدر: وعد.
(٣) المصدر: «محمد بن الفضيل». وفي أصحاب الرضا - صلوات الله عليه - يوجد اثنان «محمد بن الفضل»، الأوّل محمد بن الفضل الأزديّ الكوفيّ (ر. تنقيح المقال ٣ / ١٧١، رقم ١١٢٣٠) والثاني محمد بن الفضل بن عمر (ر. نفس المصدر والموضع، رقم ١١٢٣٦). وأمّا بالنسبة إلى محمد بن الفضيل بن كثير الأزدي الكوفي فيه اختلاف. عدّه تارة من اصحاب الصادقعليهالسلام وتارة من أصحاب الكاظمعليهالسلام وأخرى من أصحاب الرضاعليهالسلام والله العالم. (ر. نفس المصدر ٣ / ١٧٢، رقم ١١٢٤٧)
(٤) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية».
(٥) التوحيد / ٤٠٧، ح ٦. وله تتمة.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «أحمد بن زياد بن حفص الهمداني» والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٦١، رقم ٣٦٥.
(٧) الكافي ٢ / ٢٧٦، ح ١.
أوجب الله - عزّ وجلّ - عليها النّار.
وفي نهج البلاغة(١) : قالعليهالسلام : ومباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه(٢) أو صغير أرصد [له](٣) غفرانه.
وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن(٥) ، عن منصور، عن حريز بن عبد الله(٦) ، عن الفضيل، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: أما والله - يا فضيل - ما لله - عزّ وجلّ - حاجّ غيركم، ولا يغفر الذّنوب إلّا لكم، ولا يقبل إلّا منكم، وإنكم لأهل هذه الآية:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) : وقال الصّادقعليهالسلام : من اجتنب الكبائر كفّر الله عنه جميع ذنوبه، وفي ذلك قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) .](٨)
وفي الكافي(٩) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه سأله [عبيد بن](١٠) زرارة عن الكبائر؟
فقال: هنّ في كتاب عليّعليهالسلام سبع: الكفر بالله، وقتل النّفس، وعقوق الوالدين، وأكل الرّبا بعد البيّنة، وأكل مال اليتيم ظلما، والفرار من الزّحف، والتّعرّب بعد الهجرة.
قال: قلت: فهذا أكبر المعاصي؟
قال: نعم.
قلت: فأكل درهم من مال يتيم ظلما أكبر أم ترك الصّلاة؟
__________________
(١) نهج البلاغة / ٤٥، ذيل خطبة ١.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نيران.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٨ / ٢٨٨ - ٢٨٩، ضمن حديث ٤٣٤.
(٥) المصدر: «عليّ بن الحسن» بدل «عليّ بن عباس عن الحسن بن عبد الرحمن».
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «حريز عن عبد الله». والظاهر هي خطأ.
(٧) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٧٦، ح ١٧٨١.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) الكافي ٢ / ٢٧٨، ح ٨. وفيه بإسناده إلى عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام
(١٠) بدلالة المصدر، كما مرّ.
قال: ترك الصّلاة.
قلت: فما عدّدت ترك الصّلاة في الكبائر.
فقال: أيّ شيء أوّل ما قلت لك؟
[قال :](١) قلت: الكفر.
قال: فإنّ تارك الصّلاة كافر، يعني: من غير علّة.
وفي معاني الأخبار(٢) : عن الصّادقعليهالسلام : المتعرّب بعد الهجرة، التّارك لهذا الأمر بعد معرفته.
وفي بعض الأخبار عُدّت أشياء أخر غير ما ذكر من الكبائر، كالإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والسّحر، والزّنا، واليمين الغموس الفاجر، والغلول، وشهادة الزّور، وكتمان الشّهادة، وشرب الخمر، وترك الصّلاة والزّكاة المفروضتين، ونقض العهد، وقطيعة الرّحم، واللّواط، والسّرقة، إلى غير ذلك(٣) .
وعن ابن عبّاس(٤) : إنّ الكبائر إلى السّبعمائة أقرب منها إلى السّبع.
وفي مجمع البيان(٥) : نسب إلى أصحابنا، أنّ المعاصي كلّها كبيرة [من حيث كانت قبائح ،](٦) لكنّ بعضها أكبر من بعض، وليس في الذّنوب صغيرة وإنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر(٧) ، واستحقاق(٨) العقاب عليه أكثر.
قيل(٩) : وتوفيقه مع الآية أن يقال: من عنّ له أمران، ودعت نفسه إليهما، بحيث لا يتمالك، فكفّها عن أكبرهما، كفّر عنه ما ارتكبه، لما استحقّ من الثّواب على اجتناب الأكبر، كما إذا تيسّر له النّظر بشهوة والتّقبيل، فاكتفى بالنّظر عن التّقبيل. ولعلّ هذا ممّا يتفاوت - أيضا - باعتبار الأشخاص والأحوال، فإنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) معاني الأخبار / ٢٦٥، باب معنى التعرب بعد الهجرة، ح ١، بإسناده إلى حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:
(٣) كلّها مذكورة في من لا يحضره الفقيه ٣ / ٣٦٦ - ٣٧٦.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢١٦.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٣٨.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: اكبر منه.
(٨) المصدر: يستحقّ.
(٩) تفسير الصافي ١ / ٤١٢.
ويؤاخذ المختار بما يعفى عن المضطرّين.
ويردّ على هذا التّوفيق(١) : أنّ من قدر على قتل أحد، فقطع أطرافه، كان قطع أطرافه مكفّرا. وما نسبه في مجمع البيان إلى أصحابنا لا مستند له، وظاهر الآية والأخبار الواردة في تفسيرها وتفسير الكبائر، يعطي تمايز كلّ من الصّغائر والكبائر عن صاحبها.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٢) : قال: حدّثني جعفر بن محمّد الفزاريّ معنعنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: أكبر الكبائر سبع: الشّرك بالله العظيم، وقتل النّفس الّتي حرّم الله، وأكل أموال اليتامى، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنات، والفرار من الزّحف، وإنكار ما أنزل الله.
فأمّا الشّرك بالله - عزّ وجلّ - العظيم، فقد بلغكم ما أنزل الله فينا وما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله فردّوا على الله وعلى رسوله.
وأمّا قتل النّفس الحرام، فقتل الحسين بن عليّ - عليهما السّلام - وأصحابه - رحمهم الله تعالى - وأمّا أكل أموال اليتامى، فقد ظلموا فيئنا وذهبوا به.
وأمّا عقوق الوالدين، فقد قال الله - تعالى - في كتابه:( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) فهو أب لهم، فعقّوه(٣) في ذرّيّته وفي قرابته.
وأمّا قذف المحصنة، فقد قذفوا فاطمة الزّهراء بنت النّبيّ وزوجة الوليّ - عليهم السّلام والتّحيّة والإكرام(٤) - على منابرهم.
وأمّا الفرار من الزّحف، فقد أعطوا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام البيعة طائعين غير كارهين ثمّ فرّوا عنه وخذلوه.
وأمّا إنكار ما أنزل الله، فقد أنكروا حقّنا وجحدوا به، هذا ما لا يتعاجم فيه أحد، إنّ الله - تعالى - يقول في كتابه:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) .](٥) .
__________________
(١) نفس المصدر. وفيه تقديم وتأخير بين المطالب.
(٢) تفسير فرات / ٣٣.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فعقوا.
(٤) المصدر: «فقد قذفوا فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله » بدل «فقد قذفوا فاطمة الزهراء بنت النبيّ وزوجة الوليّ - عليهم السّلام والتحيّة والإكرام - .»
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ) : من الأمور الدّنيويّة كالجاه والمال، لأنّه حسد يورث التّعادي والتّباغض.
في مجمع البيان(١) : عن الصّادقعليهالسلام ، أي: لا يقل أحد(٢) : ليت ما أعطي فلان من المال والنّعمة والمرأة الحسناء كان لي، فإنّ ذلك حسد(٣) ، ولكن يجوز أن يقول: أللّهمّ أعطني مثله.
وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي عبد الله - عليهما السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من تمنّى شيئا وهو لله - تعالى - رضى لم يخرج من الدّنيا حتّى يعطاه.
وفيما علّم أمير المؤمنينعليهالسلام أصحابه(٥) : في كلّ إمرئ واحدة من ثلاث: الكبر والطّيرة والتّمنّي، فإذا تطيّر أحدكم فليمض على طيرته وليذكر الله - عزّ وجلّ - وإذا خشي الكبر فليأكل مع عبده وخادمه وليحلب الشّاة، وإذا تمنّى فليسأل الله - عزّ وجلّ - وليبتهل(٦) إليه ولا تنازعه(٧) نفسه إلى الإثم.
( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) بيان لذلك، أي: لكلّ من الرّجال والنّساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب ومن أجله، فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتّمنّي.
وقيل(٨) : المراد، نصيب الميراث، وتفضيل الورثة بعضهم على بعض فيه، وجعل ما قسّم لكلّ منهم على حسب ما عرف من حاله الموجب للزّيادة والنّقص، كالمكتسب له.
( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) ، أي: لا تتمنّوا ما للنّاس، واسألوا الله مثله من خزائنه الّتي لا تنفد.
قيل(٩) : أو لا تتمنّوا، واسألوا الله من فضله بما يقرّبه ويسوقه إليكم.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٤٠.
(٢) المصدر: أحدكم.
(٣) المصدر: حسدا.
(٤) الخصال / ٤، ح ٧. وفيه بإسناده إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد - عليهما السّلام - عن آبائه، عن عليّ - عليهم السّلام - قال:
(٥) نفس المصدر / ٦٢٤.
(٦) المصدر: يبتهل.
(٧) المصدر: لا ينازعه.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٢١٧.
(٩) نفس المصدر والموضع.
وفي الحديث السّالف ما يردّ هذا الأخير.
وفي أصول الكافي(١) : حميد بن زياد، عن الخشّاب، عن ابن بقّاح، عن معاذ، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: من لم يسأل الله من فضله افتقر(٢) .
أبو عليّ الأشعريّ، عن محمد بن عبد الجبّار(٣) ، عن صفوان، عن ميسّر بن عبد العزيز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال لي: يا ميسّر، ادع ولا تقل: «إنّ الأمر قد فرغ منه.» إنّ عند الله - عزّ وجلّ - منزلة لا تنال إلّا بمسألة، ولو أنّ عبدا سدّ فاه ولم يسأل لم يعط شيئا. فسل تعط يا ميسّر ليس من باب يقرع إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه.
وفي فروعه(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ليس من نفس إلّا وقد فرض الله - عزّ وجلّ - لها رزقا(٥) حلالا يأتيها في عافية وعرّض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئا من الحرام قاصّها به من الحلال الّذي فرض لها، وعند الله سواها فضل كثير، وهو قوله - عزّ وجلّ - :( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله - تبارك وتعالى - أحبّ شيئا لنفسه وأبغضه لخلقه، أبغض - عزّ وجلّ - لخلقه المسألة وأحبّ لنفسه أن يسأل. وليس شيء أحب إليه من أن يسأل. فلا يستحي أحدكم أن يسأل الله - عزّ وجلّ - من فضله ولو شسع نعل.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن إسماعيل بن كثير، رفع الحديث إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: لـمّا نزلت هذه الآية:( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) قال: فقال أصحاب النّبيّصلىاللهعليهوآله : ما هذا الفضل، أيّكم يسأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن ذلك؟
قال: فقال عليُّ بن أبي طالبعليهالسلام : أنا أسأله عنه.
فسأله عن ذلك الفضل ما هو؟
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٦٧، ح ٤.
(٢) المصدر: [فقد] افتقر.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٤٦٦، ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٨٠، ح ٢.
(٥) المصدر: رزقها.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٠، ح ١٨١.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٣٩، ح ١١٦.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله خلق خلقه، وقسّم لهم أرزاقهم من حلّها، وعرّض لهم بالحرام، فمن انتهك حراما نقص له من الحلال بقدر ما انتهك من الحرام، وحوسب به.
عن أبي الهذيل(١) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله قسّم الأرزاق بين عباده، وأفضل فضلا كثيرا لم يقسّمه بين أحد، قال الله:( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) .
عن الحسين بن مسلم(٢) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك، إنّهم يقولون: إنّ النّوم بعد الفجر مكروه، لأنّ الأرزاق تقسّم(٣) في ذلك الوقت.
فقال: الأرزاق مضمونة(٤) مقسومة، ولله فضل يقسّمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، وذلك قوله:( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) ثمّ قال: وذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرّزق من الضّرب في الأرض.
( إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (٣٢): فهو يعلم ما يستحقّه كلّ إنسان فيفضل، أو هو يعلم ما يسأله أحد من فضله فيسأل.
ونقل في سبب نزول هذه الآية(٥) : أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يغزو الرّجال ولا نغزو وإنّما لنا نصف الميراث، ليتنا كنّا رجالا.
فنزلت.
( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) ، أي: لكلّ تركة جعلنا وارثا يلونها ويحرزونها. و «ممّا ترك» بيان «لكلّ» مع الفصل بالعامل.
أو لكلّ ميّت جعلنا وارثا ممّا ترك، على أنّ «من» صلة «موالي» لأنّه في معنى الوارث، وفي «ترك» ضمير «كلّ» و «الوالدان والأقربون» مفسّر «للموالي» وفيه خروج الأولاد، فإنّ الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناول الوالدين.
أو لكلّ قوم جعلناهم موالي حظّ ممّا ترك الوالدان والأقربون، على أن «جعلنا موالي» صفة «كلّ» والرّاجع إليه محذوف، وعلى هذا فالجملة من مبتدأ وخبر.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١١٧. وفيه: «عن ابن الهذيل». والظاهر هي خطأ. ر. تنقيح المقال، فصل الكنى ٣ / ٣٨.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٤٠، ح ١١٩.
(٣) المصدر: يقسّم.
(٤) المصدر: موظوفة.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢١٧.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب قال: أخبرني ابن بكير عن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول:( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) .
قال: إنّما عنى بذلك أولي الأرحام في المواريث، ولم يعن أولياء النّعمة، فأولاهم بالميّت أقربهم إليه من الرّحم الّتي تجرّه إليها.
( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) : موالي الموالاة.
قيل(٢) : إنّ الرّجل في الجاهليّة(٣) يعاقد الرّجل فيقول: «دمي دمك، (وهدمي هدمك)(٤) ، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتعقل عنّي وأعقل عنك» فيكون للحليف السّدس من ميراث الحليف. فنسخ بقوله(٥) :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) - أيضا - أنّها منسوخة بقوله:( أُولُوا الْأَرْحامِ ) .
وفي مجمع البيان(٧) : عن مجاهد أنّ معناه: (فأعطوهم)(٨) نصيبهم من النّصر والعقل والرّفد ولا ميراث. فعلى هذا تكون الآية غير منسوخة. ويؤيّده قوله - تعالى - :( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )
وقول النّبيّصلىاللهعليهوآله في خطبة يوم فتح مكّة: ما كان من حلف في الجاهليّة فتمسّكوا به فإنّه لم يزده الإسلام إلّا شدّة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام.
وروى عبد الرّحمن بن عوف(٩) أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: شهدت حلف المطيّبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه.
وفي الكافي(١٠) : عن الصّادقعليهالسلام : إذا والى الرّجل الرّجل فله ميراثه، وعليه معقلته، يعني: دية جناية خطائه.
وقيل: المراد الأزواج على أنّ العقد عقد النّكاح.
__________________
(١) الكافي ٧ / ٧٦، ح ٢.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٤٢.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «كان الرجل» بدل «إنّ الرجل في الجاهلية».
(٤) «وهدمي هدمك» ليس في المصدر.
(٥) الأنفال / ٧٥.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٣٧، باختلاف لفظي.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٤٢.
(٨) المصدر: فآتوهم.
(٩) نفس المصدر والموضع.
(١٠) الكافي ٧ / ١٧١.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن [الرضا](٢) عليهالسلام عن قوله - عزّ وجلّ -( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) ؟
قال: إنّما عنى بذلك الأئمّة. - عليهم السّلام - بهم عقد الله - عزّ وجلّ - أيمانكم.
وتوجيه هذا التّأويل، أن قوله - عزّ وجلّ - :( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ) ولكلّ أمّة من الأمم جعلنا موالي أولياء أنبياء وأوصياء، لقول النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٣) - : ألست أولى بكم من أنفسكم؟
قالوا: بلى.
فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه.
وقوله:( مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ ) من العلوم والشّريعة، والوالدان هم النّبيّ والوصيّ - صلوات الله عليهما -
لقوله - صلّى الله عليه وآله(٤) - : يا عليّ، أنا وأنت أبوا هذه الأمّة.
وقوله:( وَالْأَقْرَبُونَ ) .، أي: إليهما في النّسب والعلوم والعصمة.
وقوله:( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) وهم الأئمّة، أي: والّذين عقدت ولايتهم أيمانكم، وهو أيمان الدّين، لا أيمان جمع يمين ليصحّ التّأويل.
وقوله:( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) المفروض لهم من الولاية والطّاعة.
وعلى كلّ تقدير، هو مبتدأ ضمن معنى الشّرط، خبره.
( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) :
أو منصوب بمضمر، يفسّره ما بعده، كقولك: زيدا فاضربه.
أو معطوف على «الوالدان» وقوله: «فآتوهم» جملة مسبّبة عن الجملة المتقدمة مؤكّدة لها، والضّمير «للموالي».
وقرأ الكوفيّون: «عقّدت» بالتّشديد والتّخفيف، بمعنى: عقدت عهودهم أيمانكم ،
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢١٦، ح ١.
(٢) من المصدر.
(٣) ر. خلاصة عبقات الأنوار في امامة الأئمة الأطهار لمؤلفه العلامة السيد حامد حسين الكهنوى ج ٦ و ٧ و ٨، والغدير في الكتاب والسنة والأدب، للعلامة عبد الحسين الاميني، ج ١.
(٤) ر. إحقاق الحق، للعلامة القاضي السيد نور الله التستري ٧ / ٢١٦.
فحذف العهود وأقيم الضّمير المضاف إليه مقامه، ثمّ حذف كما حذف في القراءة الأخرى.(١) ( إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) (٣٣): تهديد على منع نصيبهم.
( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) : يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرّعيّة، وعلّل ذلك بأمرين: موهبيّ وكسبيّ، فقال:( بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) : بسبب تفضيله الرّجال على النّساء، بكمال العقل وحسن التّدبير ومزيد القوّة في الأعمال والطّاعات. ولذلك خصّوا بالنّبوّة والإمامة، وإقامة الشّعائر، والشّهادة في مجامع القضايا، ووجوب الجهاد، والجمعة، وزيادة سهمهم في الميراث.
( وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ) : في نكاحهنّ، كالمهر والنّفقة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : حدّثنا محمّد بن عليّ ما جيلويه، عن عمّه، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن أبي الحسن البرقيّ، عن عبد الله بن جبلة، عن معاوية بن عمّار، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جدّه الحسن بن عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام - : قال جاء نفر من اليهود إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أن قال: ما فضل الرّجال على النّساء؟
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله كفضل السّماء على الأرض وكفضل الماء على الأرض، فالماء يحيي(٣) الأرض وبالرّجال يحيى النّساء، ولولا الرّجال ما خلقت(٤) النّساء، يقول الله - عزّ وجلّ - :( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ) .
قال اليهوديّ: لأيّ شيء كان هكذا؟
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : خلق الله - عزّ وجلّ - آدم من طين، ومن فضلته وبقيّته خلقت حوّاء، وأوّل من أطاع النّساء آدم، فأنزله الله - عزّ وجلّ - من الجنّة، وقد بيّن فضل الرّجال على النّساء في الدّنيا، ألا ترى إلى النّساء كيف يحضن ولا يمكنهنّ العبادة من القذارة والرّجال لا يصيبهم شيء من الطّمث.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٧.
(٢) علل الشرائع / ٥١٢، ح ١.
(٣) المصدر: يحيى.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ما خلقوا.
فقال اليهوديّ: صدقت يا محمّد.
قال البيضاويّ(١) : روي أنّ سعد بن الرّبيع - أحد نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فشكى.
فقالعليهالسلام لتقصّ منه. فنزلت، فقالعليهالسلام : أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والّذي أراد الله خير.
ويدلّ على كذب ما نقله ما تواتر من أخبارنا، على أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله ، لم يكن يقدم على أمر لم يوح إليه. وفي هذا الخبر، أنّه حكم برأيه ثمّ نزلت الآية على خلاف رأيه. وهو خلاف ما يجب أن يكونعليهالسلام
( فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ ) مطيعات لله، قائمات بحقوق الأزواج.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( قانِتاتٌ ) يقول مطيعات.
( حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ) ، أي: لمواجب الغيب، أي: يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النّفس والمال.
وقيل(٣) : لأسرارهم.
وفي تهذيب الأحكام(٤) : محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن عبد الله بن ميمون القدّاح، عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن آبائه - عليهم السّلام - قال: قال النّبيّصلىاللهعليهوآله : ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله.
( بِما حَفِظَ اللهُ ) : بحفظ الله إيّاهنّ بالأمر على حفظ الغيب، والحثّ عليه بالوعد والوعيد، والتّوفيق له. أو بالّذي حفظ الله لهنّ عليهم من المهر والنّفقة، والقيام بحفظهنّ، والذّبّ عنهنّ.
وقرئ، بالنّصب، على أنّ «ما» موصولة. فإنّها لو كانت مصدريّة لم يكن «لحفظ»
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٨.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٣٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢١٨.
(٤) تهذيب الأحكام ٧ / ٢٤٠، ح ١٠٤٧.
فاعل(١) ، والمعنى: بالأمر الّذي حفظ حقّ الله، أو طاعته وهو التّعفّف والشّفقة على الرّجال.
( وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ ) ، أي: عصيانهنّ وترفعهنّ عن مطاوعتكم. من النّشز، وهو الارتفاع في مكان.
( فَعِظُوهُنَ ) : بالقول.
( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ ) : إن لم ينجع القول.
قيل(٢) : فلا تدخلوهنّ تحت اللّحف، أو لا تباشروهنّ، فيكون كناية عن الجماع.
وقيل(٣) : المضاجع، المبايت، أي: لا تبايتوهنّ.
وفي مجمع البيان(٤) : عن (الباقرعليهالسلام :) يحوّل ظهره إليها.
( وَاضْرِبُوهُنَ ) : إن لم تنفع الهجرة، ضربا غير شديد، لا يقطع لحما ولا يكسر عظما.
وفي مجمع البيان(٥) : عن (الباقر)عليهالسلام : أنّه الضّرب بالسّواك.
( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) : بالتّوبيخ والإيذاء.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) (٣٤): فاحذروه، فإنّه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. أو أنّه على علو شأنه يتجاوز عن سيّئاتكم ويتوب عليكم، فأنتم أحقّ بالعفو عن أزواجكم. أو أنّه يتعالى ويتكبّر أن يظلم أحدا أو ينقص حقّه.
( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ) : خلافا ونزاعا بين المرء وزوجه، لا يرجى معه الاجتماع على رأي، كأنّ كلّ واحد في شقّ، أي: جانب. وأضمرهما وإن لم يسبق ذكرهما، لسبق ما يدلّ عليهما. وأضاف الشّقاق إلى الظّرف، إمّا لإجرائه مجرى المفعول به، كقوله: يا سارق اللّيلة. أو الفاعل، كقولهم: نهارك صائم، مجازا عقليّا في الإضافة.
( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) :
قيل(٦) : الخطاب للحكّام.
وقيل(٧) : للأزواج والزّوجات.
وفي مجمع البيان(٨) : واختلف في المخاطب بإنفاذ الحكمين من هو؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٨.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤ و ٥) مجمع البيان ٢ / ٤٤.
(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٢١٨.
(٨) مجمع البيان ٢ / ٤٤.
فقيل: هو السّلطان الّذي يترافع الزّوجان إليه، وهو الظّاهر في الأخبار عن الصّادقعليهالسلام
والبعث، قيل(١) : لتبيين الأمر.
والأظهر، أنّه لإصلاح ذات البين، وكونه من أهلهما على سبيل الوجوب، فإنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصّلاح.
( إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما ) :
أمّا الضّمير الأوّل للحكمين، والثّاني للزّوجين، أي: إن قصدا الإصلاح أوقع الله بحسن سعيهما الموافقة بين الزّوجين.
أو كلاهما للحكمين، أي: إن قصدا الإصلاح يوفّق الله بينهما لتتّفق كلمتهما ويحصل مقصودهما.
أو للزّوجين، أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشّقاق أوقع الله بينهما الالفة والوفاق.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن هذه الآية(٣)؟
قال: ليس للحكمين أن يفرّقا حتّى يستأمرا الرّجل والمرأة ويشترطا عليهما إن شئنا جمعنا وإن شئنا فرّقنا، فإن جمعا فجائز وإن فرّقا فجائز.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٤) ، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن (هذه الآية)(٥) ، أرأيت ان استأذن الحكمان فقالا للرّجل والمرأة: أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الإصلاح والتّفريق؟ فقال الرّجل والمرأة: نعم، فأشهدا بذلك شهودا عليهما، أيجوز تفريقهما عليهما؟
قال: نعم، ولكن لا يكون إلّا على طهر من المرأة من غير جماع من الرّجل(٦) .
قيل له: أرأيت ان قال أحد الحكمين: قد فرّقت بينهما، وقال الآخر: لم أفرّق بينهما؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢١٨.
(٢) الكافي ٦ / ١٤٦، ح ٢.
(٣) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية».
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٥) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية».
(٦) المصدر: الزوج.
فقال لا يكون تفريق حتّى يجتمعا جميعا على التّفريق، فإذا اجتمعا على التّفريق جاز تفريقهما.
[وفيه(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت العبد الصّالحعليهالسلام عن قول الله - تبارك وتعالى - :( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) .
فقال: يشترط الحكمان إن شاءا فرّقا وإن شاءا جمعا، ففرّقا أو جمعا جاز.
حميد بن زياد، عن ابن سماعة(٢) ، عن عبد الله بن جبلة، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) .
قال: الحكمان يشترطان إن شاءا فرّقا وإن شاءا جمعا، فإن جمعا فجائز وإن فرّقا فجائز.
محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جبلة(٣) وغيره، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) .
قال: ليس للحكمين أن يفرّقا حتّى يستأمرا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) . قال: وأتى عليّ بن أبي طالب رجل وامرأته على هذه الحال. فبعث حكما من أهله وحكما من أهلها وقال للحكمين: هل تدريان ما تحكمان(٥)؟
إحكما(٦) ، إن شئتما فرّقتما وإن شئتما جمعتما.
فقال الزّوج: لا أرضى بحكم فرقة ولا أطلّقها، فأوجب عليه نفقتها ومنعه أن يدخل عليها.
](٧) ( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً ) (٣٥): بالظّواهر والبواطن، فيعلم كيف يرفع الشّقاق ويوقع الوفاق.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٣) نفس المصدر ٦ / ١٤٧، ح ٥.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٣٨.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لحكمان.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وفي كتاب الاحتجاج(١) : وروي أنّ نافع بن الأزرق جاء إلى محمّد بن عليّ بن الحسين - صلوات الله عليهم - فجلس بين يديه يسأله عن مسائل في الحلال والحرام.
فقال له أبو جعفرعليهالسلام في عرض كلامه: قل لهذه المارقة بما استحللتم فراق أمير المؤمنينعليهالسلام وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته(٢) والقربة إلى الله بنصرته؟ فسيقولون(٣) لك: إنّه حكم في دين الله. فقل لهم: قد حكم الله في شريعة نبيّهصلىاللهعليهوآله بين رجلين من خلقه، فقال - جلّ اسمه - :( فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) : صنما أو غيره، أو شيئا من الإشراك جليّا أو خفيّا.
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) .
وأحسنوا بهما إحسانا.
وفي تفسير العياشيّ(٤) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحد الأبوين وعلىّ الآخر.
فقلت: أين موضع ذلك في(٥) كتاب الله؟
قال: اقرأ( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) .
عن أبي بصير(٦) ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) قال: قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحد الوالدين(٧) وعليّ الآخر. وذكر أنّها الآية الّتي في سورة النّساء.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٨) : قال: حدّثني سعيد بن حسن بن مالك
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ٥٧ - ٥٨.
(٢) المصدر: وفي طاعته.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فيقولون.
(٤) هكذا في أوهو الصواب وفي سائر النسخ: «تفسير عليّ بن ابراهيم». والحديث في تفسير العياشي ١ / ٢٤١، ح ١٢٨.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: من.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٢٩.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأبوين.
(٨) تفسير فرات / ٢٧ - ٢٨.
معنعنا، عن أبي مريم الأنصاريّ قال: كنّا عند جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - فسأله أبان بن تغلب عن قول الله - تعالى - :( اعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) قال: هذه الآية الّتي في النّساء، من الوالدان(١)؟
قال جعفر: رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعليّ بن أبي طالب(٢) عليهالسلام (٣) وهما الوالدان.](٤)
( وَبِذِي الْقُرْبى ) : وبصاحب القرابة ،
( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) : الّذي قرب جواره.
وقيل(٥) : الّذي له مع الجوار قرب واتّصال بنسب أو دين.
وقرئ، بالنّصب، على الاختصاص.
( وَالْجارِ الْجُنُبِ ) ، أي: البعيد، أو الّذي لا قرابة له.
في أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن عمرو بن عكرمة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كلّ أربعين دارا جيران من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله.
وفيه(٧) : عن أبي جعفرعليهالسلام مثله.
وفي معاني الأخبار(٨) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن أبي عبد الله(٩) ، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك، ما حدّ الجار؟
قال: أربعون دارا(١٠) من كلّ جانب.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الوالدين.
(٢ و ٣) «بن أبي طالب» و «و» ليس في المصدر.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢١٩.
(٦) الكافي ٢ / ٦٦٩، ح ١.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٨) معاني الاخبار / ١٦٥، ح ١.
(٩) المصدر: «أحمد بن أبي عبد الله.» وعلى أيّ صورة هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي. ر. تنقيح المقال ١ / ٨٢، رقم ٤٩٦.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ذراعا.
والتّوفيق بين هذا الخبر والخبرين الأوّلين، أنّ المراد بالجار في هذا الخبر الجار ذي القربى، وفي الأوّلين الجار الجنب.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : في الحقوق المرويّة عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - : وأمّا حقّ جارك، فحفظه غائبا، وإكرامه شاهدا، ونصرته إذا كان مظلوما، ولا تتّبع له عورة، وإن علمت عليه سوء سترته عليه، وإن علمت أنّه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه(٢) عند شديدة(٣) ، وتقيل عثرته(٤) ، وتغفر ذنوبه(٥) ، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوّة إلّا بالله.
وعن الصّادقعليهالسلام (٦) : حسن الحوار يزيد في الرّزق.
وقال: حسن الجوار(٧) يعمر الدّيار ويزيد في الأعمار.
وعن الكاظمعليهالسلام (٨) : ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار صبرك على الأذى.
وعن النّبيّصلىاللهعليهوآله : الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حقّ الجوار وحقّ القرابة وحقّ الإسلام. وجار له حقّان: حقّ الجوار وحقّ الإسلام. وجار له حق واحد، حقّ الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب. ذكر هذا الخبر البيضاويّ، والفاضل الكاشي في تفسيره(٩) .
( وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ) : الرّفيق في أمر حسن، كتعلّم وتصرّف وصناعة وسفر وتزوّج، فإنّه صحبك وحصل بجنبك.
وقيل(١٠) : المرأة.
وفي أصول الكافي(١١) : عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٧٩، ضمن حديث ١٦٢٦.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا تلمه.
(٣) المصدر: شدائده.
(٤) المصدر: عثراته.
(٥) المصدر: ذنبه.
(٦) بل في الكافي ٢ / ٦٦٦، ح ٣.
(٧) بل في نفس المصدر ٢ / ٦٦٧، ح ٨.
(٨) أيضا في نفس المصدر والموضع، ح ٩. وفيه: عن عبد صالحعليهالسلام
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٢١٩، تفسير الصافي ١ / ٤١٦.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٢١٩.
(١١) الكافي ٢ / ٦٧٠، ح ٥.
صدقة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن آبائه - عليهم السّلام - : أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام صاحب رجلا ذمّيّا، فقال له الذّمّي: أين تريد يا عبد الله؟
فقال: أريد الكوفة. فلمّا عدل الطّريق بالذمّيّ عدل معه أمير المؤمنينعليهالسلام
فقال له الذّمّي: ألست زعمت أنّك تريد الكوفة؟
قال له: بلى.
فقال له الذّمّيّ: فقد تركت الطّريق.
فقال له: قد علمت.
قال: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟
فقال له أمير المؤمنين: هذا من تمام حسن الصّحبة أن يشيّع الرّجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبيّناصلىاللهعليهوآله
فقال له الذّمّي: هكذا؟
[قال :](١) قال: نعم.
قال الذّمّي: لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، فأنا أشهدك(٢) أنّي على دينك.
ورجع الذّمّيّ مع أمير المؤمنينعليهالسلام فلمّا عرفه أسلم.
[وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : فأمّا حقّ الصّاحب، فأن تصحبه بالمودّة(٤) والانصاف وتكرمه كما يكرمك ولا تدعه يسبقك إلى مكرمة، فإن سبق كافأته، وتودّه كما يودّك، وتزجره عمّا يهمّ به من معصية، وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذابا، ولا قوّة إلّا بالله.
](٥) ( وَابْنِ السَّبِيلِ ) : المسافر، أو الضّيف.
( وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) : العبيد والإماء.
( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً ) : متكبّرا، يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه، ولا يلتفت إليهم.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أشهد.
(٣) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٧٩.
(٤) المصدر: بالتفضّل.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( فَخُوراً ) (٣٦): يتفاخر عليهم.
( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) : بدل من قوله: «من كان». أو نصب على الذّمّ. أو رفع عليه، أي: هم الّذين. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: الّذين يبخلون بما منحوا به ويأمرون النّاس بالبخل به أحقّاء بكلّ ملامة.
في كتاب الخصال(١) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ما كان من شيعتنا فلا يكون فيهم ثلاثة أشياء: لا يكون فيهم من يسأل بكفّه، ولا يكون فيهم بخيل (الحديث).
عن عبد الله بن غالب(٢) ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : خصلتان لا تجتمعان(٣) في مسلم: البخل وسوء الخلق.
عن أحمد بن سليمان(٤) قال: سأل رجل أبا الحسنعليهالسلام - وهو في الطّواف - فقال له: أخبرني عن الجواد.
فقال: إنّ لكلامك وجهين: فإن كنت تسأل عن المخلوق(٥) ، فإنّ الجواد الّذي يؤدّي ما افترض الله تعالى عليه، والبخيل من بخل(٦) بما افترض الله عليه. وإن كنت تعني: الخالق، فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لأنّه إن أعطى عبدا أعطاه(٧) ما ليس له وإن منع منع ما ليس له.
وفي من لا يحضره الفقيه(٨) : وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ليس البخيل من أدّى الزّكاة المفروضة من ماله وأعطى البائنة(٩) في قومه، إنّما البخيل حقّ البخيل من لم يؤدّ الزّكاة المفروضة من ماله ولم يعط البائنة(١٠) في قومه وهو يبدر(١١) في ما سوى ذلك.
وروي عن المفضّل بن أبي قرّة السّمندي(١٢) أنّه قال: قال لي أبو عبد الله
__________________
(١) الخصال / ١٣١.
(٢) نفس المصدر / ٧٥، ح ١١٧.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يجتمعان.
(٤) نفس المصدر / ٤٣، ح ٣٦.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: المخلوقين.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يبخل.
(٧) هكذا في رو المصدر. وفي النسخ: أعطى.
(٨) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٤، ح ١٤١.
(٩) في هامش الأصل: «البائنة: العطية. سميّت بها لانّها أبينت من المال (منه سلمه الله تعالى).» وفي المصدر: النائبة.
(١٠) المصدر: النائبة.
(١١) المصدر: يبذر.
(١٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٤٢.
ـ عليه السّلام - : أتدري من الشّحيح؟
فقلت: هو البخيل.
فقال: الشّحّ، أشدّ من البخل، إنّ البخيل يبخل بما في يده، والشّحيح يشحّ بما في أيدي النّاس وعلى ما في يديه حتّى لا يرى في أيدي النّاس شيئا إلّا تمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام، ولا يقنع بما رزقه الله - عزّ وجلّ -
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام (١) : إذا لم يكن لله - عزّ وجلّ - في العبد حاجة ابتلاه بالبخل.
وقرأ حمزة والكسائي هاهنا وفي الحديد: «بالبخل» بفتح الحرفين، وهي لغة(٢) .
( وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) : من الغنى والعلم، حيث ينبغي الإظهار.
( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) (٣٧): وضع الظّاهر فيه موضع المضمر، إشعارا بأنّ من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، ومن كان كافرا لنعمة الله فله عذاب يهينه، كما أهان النّعمة بالبخل والإخفاء.
قيل(٣) : الآية نزلت في طائفة من اليهود [كانوا](٤) يقولون للأنصار تنصيحا(٥) : لا تنفقوا أموالكم فإنّا نخشى عليكم الفقر.
وقيل: في الّذين كتموا صفة محمّدصلىاللهعليهوآله
( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ) : عطف على( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) أو الكافرين شاركهم مع البخل في الذّمّ والوعيد، لأنّ البخل والسّرف الّذي هو الإنفاق لا على ما ينبغي، من حيث أنّهما طرفا إفراط وتفريط سواء في القبح واستجلاب الذّمّ.
أو مبتدأ خبره محذوف، يدلّ عليه ما بعده، أي: قرينهم الشّيطان.
( وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : ليتحرّوا بالإنفاق مراضيه وثوابه.
قيل(٦) : هم مشركوا مكّة.
وقيل: المنافقون.
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٣٥، ح ١٤٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢١٩.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تنصّحا.
(٦) نفس المصدر والموضع.
( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ) (٣٨): تنبيه، على أنّ الشّيطان قرينهم فحملهم على ذلك وزيّنه لهم، كقوله:( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) والمراد إبليس وأعوانه. ويجوز أن يكون وعيدا لهم، بأن يقرن بهم الشّيطان في النّار.
( وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ) ، أي: أيّ تبعة تحيق بهم بالإيمان والإنفاق في سبيل الله.
وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعلّه يؤدّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والفوائد الجميلة، وتنبيه على أنّ المدعوّ إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا فكيف إذا تضمّن المنافع.
وإنّما قدّم الإيمان هاهنا وأخّره في الآية السّابقة، لأنّ القصد بذكره إلى التّخصيص هنا والتّعليل ثمّة. أو لأنّ المقصود في السّابق ذمّهم وفي تأخير عدم الإيمان سلوك مسلك التّرقّي، والمقصود هاهنا إزالة الأوصاف الذّميمة، وإزالة الكفر يستحقّ التّقديم، لأنّ إزالة الإنفاق رئاء موقوفة على إزالته، ولأنّ إزالة الأقبح أهمّ.
( وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً ) (٣٩): وعيد لهم.
( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) : لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء، كالذّرّة، وهي النّملة الصّغيرة. ويقال لكلّ جزء من أجزاء الهباء.
والمثقال، مفعال، من الثّقل. وفي ذكره إيماء، إلى أنّه وإن صغر قدره عظم جزاؤه، حيث أثبت للذّرّة ثقلا. وإيماء، إلى أنّ وضع الشيء في غير محلّه وإن كان حقيرا فهو عظيم ثقيل في القبح.
( وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ) : وإن يك مثقال الذّرة حسنة. وأنّث الضّمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى المؤنّث. وحذف النّون من غير قياس، تشبيها بحروف العلّة.
وقرأ ابن كثير ونافع: «حسنة» بالرّفع، على «كان» التّامّة(١) .
( يُضاعِفْها ) ، أي: ثوابها، أو الحسنة نفسها، بناء على تجسّم الأعمال.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: «يضعفها» وكلاهما بمعنى(٢) .
( وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ) : ويؤت صاحبها من عنده، على سبيل التّفضّل زيادة على
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٠.
ما وعد في مقابلة العمل.
( أَجْراً عَظِيماً ) (٤٠): عطاء جزيلا. وإنّما سمّاه أجرا، لأنّه تابع للأجر مزيد عليه.
( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) : فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كلّ أمّة شهيد، يعني: نبيّهم ليشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم.
والفاء في «فكيف» الفصيحة، أي: إذا عرضت حال هؤلاء. والظّرف، أعني: «إذا» متعلّق «بكيف»، أي: كيف حال هؤلاء في هذا الوقت(١) .
( وَجِئْنا بِكَ ) : يا محمّد،( عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) (٤١): تشهد على صدق هؤلاء الشّهداء لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم.
وقيل(٢) : هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم.
وقيل: إلى المؤمنين، كقوله تعالى:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .
في كتاب التّوحيد(٣) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام وقد ذكر أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في مواطن أخر(٤) فيستنطقون فيفرّ بعضهم من بعض، (فذلك) قوله - عزّ وجلّ(٥) -( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) فيستنطقون فلا يتكلّمون إلّا من أذن له الرّحمن وقال صوابا، فيقوم الرّسل - عليهم السّلام - فيشهدون في هذه المواطن(٦) ، فذلك قوله:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) .
وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطبّرسيّ - رحمه الله - عن أمير المؤمنينعليهالسلام في حديث، يذكر فيه أحوال أهل الموقف، وفيه: فيقام الرّسل فيسألون(٨) عن تأدية
__________________
(١) في الهامش الأصل: «ردّ على البيضاوي حيث جعله متعلّقا بمضمون المبتدأ أو الخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن. [أنوار التنزيل ١ / ٢٢٠] (منه سلّمه الله تعالى.)
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٠.
(٣) التوحيد / ٢٦١.
(٤) المصدر: موطن اخر.
(٥) عبس / ٣٤.
(٦) المصدر: هذا المؤطن.
(٧) الاحتجاج ١ / ٣٦٠ - ٣٦١.
(٨) المصدر: فيسئلون.
الرّسالات(١) الّتي حملوها إلى أممهم، فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم، وتسأل الأمم فيجحدونه(٢) كما قال الله(٣) :( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) فيقولون:( ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ) فيستشهد(٤) الرّسل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيشهد بصدق الرّسل ويكذّب(٥) من جحدها من الأمم فيقول لكلّ أمّة منهم: بلى( فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي: مقتدر(٦) على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرّسل إليكم رسالاتهم، ولذلك(٧) قال الله - تعالى - لنبيّه:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) فلا يستطيعون ردّ شهادته خوفا من أن يختم الله على أفواههم وأن تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، ويشهد على منافقي قومه وأمّته [وكفّارهم بإلحادهم وعنادهم ونقضهم عهوده(٨) وتغييرهم سنّته واعتدائهم على أهل بيته وانقلابهم على أعقابهم](٩) وارتدادهم على أدبارهم واحتذائهم في ذلك سنّة من تقدّمهم من الأمم الظّالمة الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم:( رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ) (١٠)
وفي أصول الكافي(١١) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القنديّ، عن سماعة قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية(١٢) ، قال: نزلت في أمّة محمّدصلىاللهعليهوآله خاصّة، في كلّ قرن منهم إمام منّا شاهد عليهم، ومحمّدصلىاللهعليهوآله شاهد علينا.
[وفي شرح الآيات الباهرات: مثله سواء](١٣)
أقول: نزول هذه الآية في هذه الأمّه لا ينافي عموم حكمها، فلا تنافي بين الأخبار.
__________________
(١) المصدر: الرسالة.
(٢) المصدر: «وتسأل الأمم فتجحد» بدل «فأخبروا أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم وتسأل الأمم فيجحدونه».
(٣) الأعراف / ٦.
(٤) المصدر: فتشهد.
(٥) المصدر: تكذيب.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يقتدر.
(٧) المصدر: «كذلك» بدل «ولذلك».
(٨) المصدر: عهده.
(٩) ليس في أ.
(١٠) المصدر: «ظالمين» والآية في سورة المؤمنون / ١٠٦.
(١١) الكافي ١ / ١٩٠، ح ١.
(١٢) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «هذه الآية».
(١٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٦. والعبارة ليست في أ.
وفي مجمع البيان(١) : وروي: أنّ عبد الله بن مسعود قرأ هذه الآية [على النّبيّصلىاللهعليهوآله ](٢) ففاضت عيناه.
( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) : بيان لحالهم حينئذ، أي: يودّ الّذين كفروا بمعصية الرّسول في ذلك الوقت، أي: تسوّى بهم الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا، أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء.
( وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً ) (٤٢): عطف [على يودّ، أي: يومئذ لا يقدرون على كتمان حديث من الله، لأنّ جوارحهم تشهد عليهم.
وقيل(٣) : الواو للحال، أي: يودّون أن تسوّى بهم الأرض، وحالهم أنّهم لا يكتمون من الله حديثا ولا يكذبونه بقولهم: والله ربّنا ما كنّا مشركين. يشتدّ عليهم الأمر من شهادة جوارحهم فيتمنّون أن تسوّى بهم الأرض.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - عن جدّه،(٥) عن أمير المؤمنين - عليهم السّلام - في خطبة يصف بها(٦) هول يوم القيامة: ختم على الأفواه فلا تكلّم، وتكلّمت(٧) الأيدي، وشهدت الأرجل، ونطقت الجلود بما عملوا، فلا يكتمون الله حديثا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قال: يتمنّى الّذين غصبوا أمير المؤمنينعليهالسلام أن تكون الأرض ابتلعتهم في اليوم الّذي اجتمعوا فيه على غصبه، وأن لم يكتموا(٩) ما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيه.
وقرأ نافع وابن عامر: «تسوّى» على أنّ أصله «تستوي» فأدغم التّاء في السّين.
وحمزة والكسائي: «تسوّى» على حذف التّاء الثّانية، يقال: سوّيته فتسوّى(١٠) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) ، أي: لا تقوموا إليها وأنتم سكارى - من نحو نوم وكسل وغير ذلك - حتّى تعلموا وتفهموا
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٤٩.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٠.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٤٢، ح ١٣٣.
(٥) المصدر: «قال: قال» بدل «عن».
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: فتكلّمت.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٣٩.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يكتموا.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٠ - ٢٢١.
ما تقولون في صلاتكم.
قال البيضاويّ(١) : روي أنّ عبد الرّحمن بن عوف صنع مأدبة ودعى نفرا من الصّحابة حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا حتّى ثملوا، وجاء وقت صلاة المغرب، فتقدّم أحدهم ليصلّي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون. فنزلت.
قال(٢) : وقيل: أراد بالصّلاة مواضعها، وهي المساجد، وليس المراد منه نهي السّكران عن قربان الصّلاة، وإنّما المراد منه النّهي عن الإفراط في الشّرب والسّكر، من «السّكر» وهو السّدّ.
ما قاله مبنيّ على أنّ الخمر كان حلالا في أوّل الإسلام، وقد قدّمنا ما يدلّ على خلافه، بل المراد منه النّهي عن قربان الصّلاة في حالة سكر النّوم والكسل وغيره.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الحلبيّ قال: سألته عن هذه الآية؟
قال: لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى، يعني: سكر النّوم، يقول: بكم نعاس يمنعكم أن تعلموا ما تقولون في ركوعكم وسجودكم وتكبيركم، وليس كما يصف كثير من النّاس يزعمون أنّ المؤمنين يسكرون من الشّراب، والمؤمن لا يشرب مسكر ولا يسكر.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) : حدّثنا محمّد بن عليّ بن ماجلويه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام وذكر حديثا طويلا، وفيه يقولعليهالسلام : لا تقم إلى الصّلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا، فإنّها من خلال النّفاق، وقد نهى الله - عزّ وجلّ - المؤمنين أن يقوموا إلى الصّلاة وهم سكارى، يعني من النّوم.
وفي الكافي: مثله(٥) .
وفيه(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي أسامة زيد الشّحّام قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قول الله - عزّ وجلّ - :( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) .
قال: سكر النّوم.
__________________
(١ و ٢) نفس المصدر ١ / ٢٢١.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٤٢، ح ١٣٧.
(٤) علل الشرائع / ٣٥٨، ضمن حديث ١.
(٥) الكافي ٣ / ٢٩٩، ضمن حديث ١.
(٦) الكافي ٣ / ٣٧١، ح ١٥.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وروى زكريّا النّقّاص عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) .
قال: منه سكر النّوم.
وفي كتاب الخصال(٢) : فيما علّم أمير المؤمنينعليهالسلام أصحابه: السّكر أربع سكرات: سكر الشّراب، وسكر المال، وسكر النّوم، وسكر الملك.
وأمّا ما رواه في مجمع البيان(٣) : عن موسى بن جعفر - عليهما السّلام - : «أنّ المراد به سكر الشّراب» فمحمول على التّقيّة، لأنّه موافق لمذهب العامّة كما نقلنا عنهم.
وقد روي فيه: عن أبي جعفرعليهالسلام : أنّ المراد به سكر النّوم خاصّة.
وقرئ: «سكارى» بالفتح. و «سكرى» على أنّه جمع، كهلكى، أو مفرد، بمعنى: وأنتم قوم سكرى. وسكرى كحبلى، على أنّه صفة الجماعة(٤) .
( وَلا جُنُباً ) :
قيل(٥) : عطف على قوله:( وَأَنْتُمْ سُكارى ) إذ الجملة في موضع النّصب على الحال.
والجنب، الّذي أصابته الجنابة. يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع، لأنّه يجري مجرى المصدر.
( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) :
قيل(٦) : متعلّق بقوله( وَلا جُنُباً ) استثناء من أعمّ الأحوال، أي: لا تقربوا الصّلاة جنبا في حال من الأحوال إلّا في حال السّفر، وذلك إذا لم يجد الماء وتيمّم، ويدلّ عليه تعقيبه بذكر التّيمّم. أو صفة لقوله: جنبا، أي: جنبا غير عابري سبيل، وفيه (دلالة) على أنّ التّيمّم لا يرفع الحدث.
وقيل(٧) : المراد «بالصّلاة» مواضع الصّلاة، و «بعابري سبيل» المجتازون فيها.
وقيل(٨) : في الآية الكريمة قد استخدم - سبحانه - بلفظ الصّلاة لمعنيين: أحدهما، إقامة الصّلاة بقرينة قوله:( حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) . والآخر، موضع الصّلاة بقرينة قوله
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ / ٣٠٣، ح ١٣٨٩.
(٢) الخصال / ٦٣٦.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥١. (٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٢١.
(٥ و ٦ و ٧) نفس المصدر والموضع. (٨) تفسير الصافي ١ / ٤١٩ - ٤٢٠.
ـ جلّ شأنه - :( وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) .
وفيه: أنّ الاستخدام إمّا بذكر لفظ وإرادة معنى وبضميره معنى آخر، أو بإرجاع الضّميرين إلى شيء والإرادة من كلّ من ضمير به غير ما أريد بالآخر لا ثالث له، وفي الآية ليس كذلك. والأوجه أن يقال: بحذف «تقربوها» بعد كلمة «لا» معطوفا على الجملة السّابقة والحمل على الاستخدام حتّى لا تلزم مخالفة قاعدة الاستخدام، ويطابق الأخبار الأوّلة الدّالّة على أنّ المراد بالصّلاة معناها، والأخبار الدّالّة على أنّ المراد هنا المساجد.
ففي كتاب علل الشّرائع(١) : أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: قلنا(٢) له: الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟
قال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، إنّ الله - تعالى - يقول:( وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : سئل الصّادقعليهالسلام عن الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟
فقال: الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين، فإنّ الله - تعالى - يقول:( وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) ويضعان فيه الشّيء ولا يأخذان منه.
فقلت: فما بالهما يضعان فيه ولا يأخذان منه؟
فقال: لأنّهما يقدران على وضع الشّيء من غير دخول، ولا يقدران على أخذ ما فيه حتّى يدخلا.
وقد روي في الكافي(٤) : عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته، كيف صارت الحائض تأخذ ما في المسجد ولا تضع فيه؟
فقال: لأنّ الحائض تستطيع أن تضع ما في يدها في غيره، ولا تستطيع أن تأخذ ما فيه إلّا منه.
__________________
(١) علل الشرائع / ٢٨٨، صدر حديث ١.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قلت.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٣٩.
(٤) الكافي ٣ / ١٠٦ - ١٠٧، ح ١.
ويمكن دفع المنافاة بين الخبرين، بأنّ المراد أنّ الوضع والأخذ إذا كان كلّ منهما مستلزما للدّخول واللّبث ودعت الضّرورة إلى أخذ ما وضعته سابقا جاز الأخذ دون الوضع، وإذا لم يكن الوضع مستلزما للدّخول واللّبث وكان الأخذ غير مستلزم لهما جاز الوضع دونه.
( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) : غاية النّهي عن القربان حال الجنابة.
( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) : مرضا يخاف معه من استعمال الماء، فإنّ الواجد له فاقده معه. أو مرضا يمنعه عن الوصول إليه. وهذا التّقييد وكذا التّقييد الآتي مفهوم من قوله: «فلم تجدوا» لأنّه متعلّق بالجمل الأربع(١) .
وفي مجمع البيان(٢) :( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) قيل: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا ولم يستطع أن يقوم فيتوضّأ.
فالمرض الّذي يجوز فيه التّيمّم، مرض الجراح والكسر والقروح إذا خاف صاحبها من مسّ الماء، عن ابن عبّاس وابن مسعود والسّدي والضّحّاك ومجاهد وقتادة.
وقيل: هو المرض الّذي لا يستطيع معه تناول الماء ولا يكون هناك من يناوله، عن الحسن وابن زيد، وكان الحسن لا يرخّص للجريح التّيمّم.
والمرويّ عن السّيّدين الباقر والصّادق - عليهما السّلام - جواز التّيمّم في جميع ذلك.
( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) : لا تجدونه فيه.
( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) : فأحدث بخروج الخارج من أحد السّبيلين ولم يجد ماء.
__________________
(١) في هامش الأصل: «ردّ على الفاضل الكاشي في ردّه على البيضاوي.» قال البيضاوي في أنوار التنزيل ١ / ٢٢١ بعد ذكر الآية: «مرضا يخاف معه من استعمال الماء. فانّ الواجد له كالفاقد، أو مرضا يمنعه عن الوصول إليه.» وقال الفيض الكاشاني في الصافي ١ / ٤٢٠، بعد ذكر الآية :
«قيل: يعني مريضا يخاف على نفسه باستعمال الماء أو الوصول إليه.
أقول: لا حاجة إلى هذا التقييد لأنّ قوله تعالى( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) متعلّق بالجمل الأربع وهو يشمل عدم التمكّن من استعماله. لأنّ الممنوع منه كالمفقود. وكذلك تقييد السفر بعدم وجدان الماء. وهما مستفادان من النصوص المعصومية، ايضا.»
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٢.
وأصل الغائط، المكان المطمئنّ من الأرض.
( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) :
قيل(١) : أي: مسستم بشرتهنّ ببشرتكم.
وقرأ حمزة والكسائيّ هنا وفي المائدة: «لمستم» واستعماله الكناية عن الجماع أقلّ من الملامسة(٢) . والمراد هنا: جامعتم.
ففي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - أو لامستم.
قال: هو الجماع، ولكنّ الله ستير يحب السّتر فلم يسمّ كما تسمّون.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: اللّمس، الجماع.
عن أبي مريم(٥) قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : ما تقول في الرّجل يتوضّأ ثمّ يدعو بجاريته فتأخذ بيده حتّى ينتهي إلى المسجد، فإنّ من عندنا يزعمون أنّها الملامسة؟
فقال: لا والله، ما بذلك بأس، وربّما فعلته، وما يعني بهذا، أي:( لامَسْتُمُ النِّساءَ ) إلّا المواقعة دون الفرج.
عن الحلبيّ(٦) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سأله قيس بن رمّانه قال: أتوضّأ ثمّ أدعو الجارية فتمسك بيدي فأقوم وأصلّي، أعليّ وضوء؟
فقال: لا.
قال فإنّهم يزعمون أنّه اللّمس.
قال: لا والله، ما اللّمس إلّا الوقاع، يعني: الجماع. ثمّ قال: قد كان أبو جعفرعليهالسلام بعد ما كبر يتوضّأ ثمّ يدعو الجارية فتأخذ(٧) بيده فيقوم ويصلّي.
( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) : بأن تفقدوه، أو لم تتمكّنوا من استعماله كما سبق، والعبارة: فلم يوجد ماء. والعدول لإرادة هذا المعنى.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢١. وفيه: أو ماسستم.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) الكافي ٥ / ٥٥٥، ح ٥.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٤٣، ح ١٤٠.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٩.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٤٢.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ثم يأخذ.
( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) : فتعمّدوا ترابا طاهرا، فامسحوا ببعض الوجوه والأيدي.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبي أيّوب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: التّيمّم بالصّعيد لمن لم يجد الماء كمن توضّأ من غدير من ماء، أليس الله يقول:( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ) .
قال: قلت: فإن أصاب الماء وهو في آخر الوقت؟
قال: فقال: قد مضت صلاته.
قال: قلت له: فيصلّي بالتّيمّم صلاة أخرى.
قال: إذا رأى الماء وكان يقدر عليه انتقض التّيمّم.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : وقد روي عن الصّادق أنّه قال: الصّعيد، الموضع المرتفع. والطّيّب، الموضع الّذي ينحدر منه الماء.
وقيل(٣) : الصّعيد، وجه الأرض، ترابا كان أو غيره فيجوز التّيمّم على الحجر الصّلد. ويدفعه من القرآن قوله في المائدة: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، أي: من بعضه، وجعل «من» لابتداء الغاية تعسّف إذ لا يفهم في مثله إلّا التّبعيض.
ومن الحديث قولهصلىاللهعليهوآله : جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا(٤) .
فلو كان مطلق الأرض طهورا لكان ذكر التّراب مخلا، وكان العبارة أن يقول: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا(٥) كما في الرّواية الأخرى.
والآية دلّت على أنّ المسح ببعض الرّأس واليدين لمكان الباء لا لإفادة الباء التّبعيض، حتّى يرد أنّ سيبويه صرّح بخلافه بل لمكانه وكونه حيث لم يحتج إليه، لتعدية الفعل بنفسه إلى المفعول.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ) (٤٣): فلذلك يسّر الأمر عليكم، ورخّص لكم.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٤٤، ح ١٤٣.
(٢) لم نعثر عليه في معاني الأخبار ولكن نقل في الصافي، ١ / ٤٥٥، عنه.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٢.
(٤) المعتبر ٢ / ١١٦.
(٥) وسائل الشيعة، ج ٢، باب ٧ من أبواب التيمم، ص ٩٦٩ - ٩٧٠، نقلا عن الكافي، الفقيه، المجالس، والخصال.
( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا ) : من رؤية البصر، أي: ألم تنظر إليهم. أو القلب.
وعدّي «بإلى» لتضمين معنى الانتهاء.
( نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) .
قيل(١) : حظّا يسيرا من [علم](٢) التّوراة، لأنّ المراد أحبار اليهود.
( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ) : بالهدى، يختارونها على الهدى. أو يستبدلونها بعد تمكّنهم منه. أو حصوله لهم.
قيل: بإنكار نبوّة محمّد.
وقيل(٣) : يأخذون الرّشى ويحرّفون التّوراة.
( وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا ) : أيّها المؤمنون.
( السَّبِيلَ ) (٤٤): سبيل الحقّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : في هذه الآية: و( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ) ، يعني: ضلّوا في أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - ويريدون أن تضلّوا السّبيل، يعني: أخرجوا النّاس من ولاية أمير المؤمنين وهو الصّراط المستقيم.
( وَاللهُ أَعْلَمُ ) : منكم،( بِأَعْدائِكُمْ ) : وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم، وكفى بالله وليّا يلي أمركم.
( وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً ) (٤٥): يعينكم، فثقوا عليه واكتفوا به عن غيره.
و «الباء» تزاد في فاعل «كفى» ليؤكّد الاتّصال الإسناديّ بالاتّصال الإضافي.
( مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) : بيان «للّذينَ أوتوا نصيبا» أو «لأعدائكم» أو صلة «لنصيرا»: أي: ينصركم من الّذين هادوا ويحفظكم منهم، على الاحتمال الأوّل. وخبر مبتدأ محذوف، بناء عليه أو على ما في تفسير عليّ بن إبراهيم، وصفة ذلك المبتدأ «يحرّفون الكلم عن مواضعه»، أي: من الّذين هادوا قوم.
( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ) ، أي: يميلونه،( عَنْ مَواضِعِهِ ) : الّتي وضعه الله فيها، بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، كما حرّفوا في
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٢.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٣٩ - ١٤٠.
وصف محمّدصلىاللهعليهوآله أسمر ربعة عن موضعه في التّوراة ووضعوا مكانه: آدم طوال. أو يأوّلونه على ما يشتهون، فيميلونه عمّا أنزل الله فيه.
( وَيَقُولُونَ سَمِعْنا ) : قولك.
( وَعَصَيْنا ) : أمرك.
( وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ) ، أي: مدعوّا عليك بلا سمعت بصمم أو موت. أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه. أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو اسمع كلاما غير مسمع إيّاك، لأنّ أذنك تنبو عنه فيكون مفعولا به. أو اسمع غير مسمع مكروها، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبّه. وإنّما قالوه نفاقا.
( وَراعِنا ) : انظرنا نكلّمك، أو نفهم كلامك.
( لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ) : فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السّبّ، حيث وضعوا «راعنا» المشابه لما يتسابون به في موضع «انظرنا» و «غير مسمع» موضع «لا سمعت مكروها». أو فتلا وضمّا لما يظهرون من الدّعاء والتّوقير، إلى ما يضمرون من السّبّ والتّحقير نفاقا.
( وَطَعْناً فِي الدِّينِ ) : استهزاء به وسخرية.
( وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا ) : ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوا،( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ ) : أعدل وأسدد. ويجب حذف الفعل بعد «لو» في مثل ذلك لدلالة أنّ عليه ووقوعه موقعه.
( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ) : ولكن أبعدهم الله من الهدى بسبب كفرهم.
( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) (٤٦)، أي: إيمانا قليلا لا يعبأ به، وهو الإيمان ببعض الآيات والرّسل. أو إيمانا ضعيفا لا إخلاص فيه.
ويجوز أن يراد بالقلّة العدم، كقوله: قليل التّشكّي للمهمّ يصيبه.
أو إلّا قليلا منهم قد آمنوا، أو سيؤمنون.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) : الطّمس، المحو. يقال: طمسته طمسا، محوته. والشيء، استأصلت أثره.
قيل(١) : أي: من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٣.
الأقفاء. أو ننكسها إلى ورائها في الدّنيا أو في الآخرة.
وقيل(١) : الطّمس يطلق لمطلق التّغيير، والقلب، والمعنى: من قبل أن نغيّر وجوها فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصّغار والأدبار ونردّها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشّام، يعني: إجلاء بني النّضير. ويقرب منه قول من قال: إنّ المراد بالوجوه الرّؤساء.
وفي مجمع البيان(٢) : في رواية أبي الجارود عن الباقرعليهالسلام : أنّ المعنى: أن نطمسها عن الهدى فنرّدها على أدبارها في ضلالتها بحيث لا يفلح(٣) أبدا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن جابر الجعفيّ قال: قال لي أبو جعفرعليهالسلام في حديث له طويل: يا جابر، أوّل الأرض المغرب تخرب أرض الشام(٥) . يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات(٦) : راية الأصهب وراية الأبقع وراية السّفيانيّ، فيلقى السّفياني الأبقع [فيقتتلون](٧) فيقتله ومن معه وراية الأصهب، ثمّ لا يكون لهم همّ إلّا الإقبال نحو العراق [ويمّر(٨) جيشه بقرقيسا. فيقتتلون بها. فيقتل بها من الجبارين مائة ألف].(٩) ويبعث السّفيانيّ جيشا إلى الكوفة وعدّتهم سبعون ألفا فيصيبون من أهل الكوفة قتلا وصلبا وسبيا. (فبينا)(١٠) هم كذلك إذ أقبلت رايات من ناحية خراسان تطوي المنازل [طيّا](١١) حثيثا ومعهم نفر من أصحاب القائمعليهالسلام يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في صنعاء(١٢) . فيقتله أمير جيش السّفيانيّ بين الحيرة والكوفة. ويبعث السّفيانيّ بعثا إلى
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، باختلاف لفظي في أوّله.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٥.
(٣) المصدر: «ذمّا لها بأنّها لا تفلح» بدل «بحيث لا يفلح».
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥، ح ١٤٧.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أهل الشام.
(٦) المصدر: رايات ثلاث.
(٧) من البرهان ١ / ٣٧٣، نقلا عن المصدر. وهو الصواب. وفي المصدر: فيقتلون
(٨) المصدر: «مرّ».
(٩) من البرهان ١ / ٣٧٣، نقلا عن المصدر. وفي النسخ: «ومن جيش قرقيسا فيقتلون بها مائة ألف من الجبارين». وفي المصدر: «ومر جيش قرقيسا فيقتلون بها مائة ألف من الجبارين.» وكلا العبارتين مشوّشة.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وبينا.
(١١) من المصدر.
(١٢) المصدر: ضعفاء.
المدينة فيفرّ المهديّعليهالسلام منها إلى مكّة. فيبلغ أمير جيش السّفياني أنّ المهديّ قد خرج من المدينة. فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتّى يدخل مكّة خائفا يترقّب على سنّة موسى بن عمران.
[قال :](١) وينزل جيش أمير السّفيانيّ البيداء. فينادي مناد من السّماء: «يا بيداء بيدي(٢) بالقوم.» فيخسف بهم البيداء، فلا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر يحوّل الله وجوههم في أقفيتهم. وهم من كلب. وفيهم أنزلت [هذه الآية](٣) «( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما ) أنزل على عبدنا»، يعني: القائمعليهالسلام ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) .
وروى عمرو بن شمر، عن جابر(٤) قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : نزلت هذه الآية على محمّد هكذا: «يا أيّها الّذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلت في عليّ مصدّقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارها أو نلعنهم» إلى [قوله](٥) «مفعولا» وأمّا قوله:( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) يعني: مصدّقا برسول(٦) اللهصلىاللهعليهوآله
وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن منخّل، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نزل جبرئيل على محمّدصلىاللهعليهوآله بهذه الآية هكذا: يا أيّها الّذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا في عليٍّعليهالسلام نورا مبينا.
( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ) : أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السّبت، أو نلعنهم على لسانك كما لعنّاهم على لسان داود. والضّمير لأصحاب الوجوه، أو للّذين على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد بها الوجهاء.
قيل(٨) : وعطفه على الطّمس بالمعنى الأوّل يدلّ على أنّ المراد به ليس مسخ الصّورة في الدّنيا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: أبيدي.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٤٥، ح ١٤٨.
(٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لرسول.
(٧) الكافي ١ / ٤١٧، ح ٢٧.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٣.
وفيه: أنّه مسخ خاصّ، فيصحّ أن يكون مقابلا لمسخ أصحاب السّبت. ومن حمل الوعيد على تغيّر الصّورة في الدّنيا قال: إنّه بعد مترقّب، أو كان وقوعه مشروطا بعدم إيمانهم. وقد آمن منهم طائفة.
( وَكانَ أَمْرُ اللهِ ) : بإيقاع شيء، أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه.
( مَفْعُولاً ) (٤٧): نافذا، أو كائنا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا.
( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) : لأنّه حكم بخلود عذابه وأوجب على نفسه تعذيبه، لأنّه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو إلّا أن يتوب ويرجع إلى التّوحيد، فإنّ باب التّوبة مفتوح أبدا.
في عيون الأخبار(١) : عن الرّضاعليهالسلام وبإسناده قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله يحاسب كلّ خلق إلّا من أشرك بالله، فإنّه لا يحاسب [يوم القيامة](٢) ويؤمر به إلى النّار.
( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) ، أي: ما دون الشّرك، صغيرا كان أو كبيرا.
في أصول الكافي(٣) : يونس، عن ابن بكير، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر لما دون ذلك لمن يشاء الكبائر فما سواها.
قال: قلت: دخلت الكبائر في الاستثناء؟
قال: نعم.
( لِمَنْ يَشاءُ ) : تفضّلا عليه وإحسانا.
والمراد «بمن يشاء» الشّيعة خاصّة يغفر لهم ما سوى الشّرك، فمن كان شيعة وخرج من الدّنيا مشركا لا يغفر له كما لا يغفر لسائر المشركين، وإن لم يكن مشركا يغفر له - وإن كان عليه ذنوب أهل الأرض غير الشّرك.
والدّليل على أنّ المراد «بمن يشاء» الشّيعة ما رواه العيّاشي في تفسيره(٤) : عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أمّا قوله:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) يعني: أنّه لا يغفر لمن يكفر بولاية عليّ. وأمّا قوله:( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) يعني: لمن والى
__________________
(١) عيون الأخبار ٢ / ٣٤، ح ٦٦.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٢٨٤، ح ١٨.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٤٥ - ٢٤٦، ح ١٤٩.
عليّاعليهالسلام
وما رواه في من لا يحضره الفقيه(١) : بإسناده إلى أمير المؤمنين قال: ولقد سمعت حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: لو أنّ المؤمن خرج من الدّنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفّارة لتلك الذّنوب، ثمّ قالعليهالسلام : من قال لا إله إلّا الله بإخلاص فهو بريء من الشّرك، ومن خرج من الدّنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة، ثمّ تلا هذه الآية:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) من شيعتك ومحبّيك يا عليّ.
قال أمير المؤمنينعليهالسلام فقلت: يا رسول الله، هذا لشيعتي؟
قال: إي وربّي إنّه لشيعتك.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
والدّليل على أنّه يغفر ذنوب الشّيعة وإن لم يتب ولو كان عليه مثل ذنوب أهل الأرض ما سبق وما رواه في كتاب التّوحيد(٢) : بإسناده إلى أبي ذرّ - رحمه الله - قال: خرجت ليلة من اللّيالي، فإذا رسول اللهصلىاللهعليهوآله يمشي وحده وليس معه إنسان، فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني.
فقال لي من هذا؟
فقلت أبو ذر جعلني الله فداك.
قال: يا أبا ذرّ تعال.
قال: فمشيت معه ساعة، فقال: إنّ المكثرين هم الأقلّون يوم القيامة إلّا من أعطاه الله خيرا، فنفخ منه بيمينه وشماله وبين يديه وورائه وعمل فيه خيرا.
قال فمشيت معه ساعة، فقال لي: اجلس هاهنا، وأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: اجلس حتّى أرجع إليك.
قال فانطلق(٣) في الحرّة حتّى لم أره وتوارى عنّي فأطال اللّبث، ثمّ إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: وإن زنى وإن سرق، فلمّا جاء لم أصبر حتّى قلت: يا نبيّ الله جعلني الله
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٩٥، ح ضمن حديث ٨٩٢.
(٢) التوحيد / ٢٥ - ٢٦، ح ٢٤، وأيضا فيه، ص ٤٠٩ - ٤١٠، ح ٩.
(٣) المصدر: وانطلق.
فداك من تكلّمه(١) في جانب الحرّة، فإني ما سمعت أحدا يردّ عليك [من الجواب](٢) شيئا؟
قال: ذاك جبرئيل عرض لي في جانب الحرّة، فقال: بشّر أمّتك إنّ من مات لم يشرك(٣) بالله - عزّ وجلّ - شيئا دخل الجنّة.
فقلت: يا جبرئيل، وإن زنى وإن سرق؟
قال: نعم.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: نعم(٤) ، وإن شرب الخمر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أمّا قوله:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) يعني: أنّه لا يغفر لمن يكفر بولاية عليّ. وأمّا قوله:( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) يعني: لمن والى عليّاعليهالسلام
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: دخلت الكبائر في الاستثناء؟
قال: نعم.
عن أبي العبّاس قال: سألت أبا عبد الله عن أدنى ما يكون به الإنسان مشركا؟
قال: من ابتدع رأيا فأحبّ عليه أو أبغض.
وفي نهج البلاغة(٧) : قالعليهالسلام : فامّا الظلم الّذي لا يغفر فالشرك بالله، قال الله سبحانه:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) .
وفي مجمع البيان(٨) : وقف الله - سبحانه - المؤمنين الموحّدين بهذه الآية بين الخوف والرّجاء، وبين العدل والفضل، وذلك صفة المؤمنين، ولذلك قال الصّادقعليهالسلام : لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا.
وفي كتاب التّوحيد(٩) : بإسناده إلى ثوير، عن أبيه أنّ عليّاعليهالسلام قال:
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تكلّم.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: لا يشرك.
(٤) «قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم» ليس في المصدر.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٤٥ - ٢٤٦، ح ١٤٩.
(٦) تفسير القمي ١ / ١٤٠.
(٧) نهج البلاغة / ٦١، ضمن خطبة ١٧٦.
(٨) مجمع البيان ٢ / ٥٧.
(٩) التوحيد / ٤٠٩، ح ٨.
ما في القرآن آية أحبّ إليّ من قوله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) .
( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ) (٤٨): ارتكب ما استحقر دونه الآثام.
وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذّنوب والافتراء، أو كما يطلق على القول يطلق على الفعل، وكذلك الاختلاق.
( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) :
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : أنّها نزلت في اليهود والنّصارى حين قالوا:( نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) وقالوا:( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) .
والجمع، أنّها نزلت في الأوّلين وجرت في الآخرين، وفيمن يسمّون أنفسهم باهل الرّياضة والتّوحيد ويجعلون أنفسهم ممتازة من أهل القشر والتّقليد.
( بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ) : لأنّه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبح، ولا غرض في التّزكية، وقد ذمّهم وزكّى المرتضين من عباده المؤمنين.
وأصل التّزكية، نفي ما يستقبح فعلا](٢) وقولا.
( وَلا يُظْلَمُونَ ) : بالذّمّ والعقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حقّ،( فَتِيلاً ) (٤٩): أدنى ظلم وأصغره. وهو الخيط الّذي في شقّ النّواة، يضرب به المثل في الحقارة.
( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) : في زعمهم أنّهم أبناء الله وأزكياء عنده، أو خلفاؤه، أو أولياؤه.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٥٨.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَكَفى بِهِ ) : بزعمهم هذا، أو بالافتراء،( إِثْماً مُبِيناً ) (٥٠): لا يخفى كونه مأثما من بين آثامهم( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) : قيل(١) : نزلت في يهود، كانوا يقولون: إنّ عبادة الأصنام أرضى عند الله، ممّا يدعو إليه محمّد.
وقيل(٢) : في حيّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وجمع من اليهود، خرجوا [إلى مكّة](٣) يحالفون قريشا على محاربة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقالوا: أنتم أهل الكتاب. وأنتم أقرب إلى محمّد منكم إلينا. فلا نأمن مكركم. فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئنّ إليكم، ففعلوا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) قال: نزلت في اليهود، حين سألهم مشركو العرب: أديننا أفضل أم دين محمّد؟ قالوا: بل دينكم أفضل.
وروي أيضا(٥) : أنّها نزلت في الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم، وحسدوا منزلتهم.
وروى العيّاشي(٦) : عن الباقرعليهالسلام : أنّ الجبت والطّاغوت، فلان وفلان.
و «الجبت» في الأصل، اسم صنم. فاستعمل في كلّ ما عبد من دون الله.
وقيل: أصله، الجبس. وهو الّذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء(٧) والطّاغوت، يطلق لكلّ باطل من معبود أو غيره(٨) .
( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) ، أي: لأجلهم وفيهم.
( هؤُلاءِ ) : إشارة إليهم.
( أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) (٥١) أقوم دينا، وأرشد طريقا.
في الكافي(٩) : عن الباقرعليهالسلام : «يقولون» لأئمّة الضّلال(١٠) والدّعاة إلى النّار :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٤.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٤٠.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير العيّاشي ١ / ٢٤٦.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٤.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) الكافي ١ / ٢٠٥، ضمن حديث ١.
(١٠) المصدر: لأئمة الضلالة.
«هؤلاء أهدى» من آل محمّدصلىاللهعليهوآله [«سبيلا»](١) .
( أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (٥٢) :
يمنع العذاب بشفاعة، أو غيرها.
( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) : إنكار، يعني: ليس لهم ذلك.
( فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) (٥٣)، يعني: لو كان لهم نصيب( فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ ) ما يوازي «نقيرا» وهو النّقطة الّتي في وسط النّواة. وهذا هو الإغراق في بيان شحّهم، فإنّهم نجلوا بالنّقير وهم ملوك، فما ظنّك بهم إذا كانوا أذّلاء متفاقرين.
ويحتمل أن يكون إنكار، أنّهم أوتوا نصيبا من الملك على الكناية، وأنّهم لا يؤتون النّاس شيئا.
و «إذا»(٢) إذا وقع بعد الواو أو الفاء، لا لتشريك مفرد، جاز فيه الإلغاء والإعمال. ولذلك قرئ: «فإذا لا يؤتوا» على النّصب(٣) .
وفي الكافي(٤) : عن الباقرعليهالسلام :( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) ، يعني: الإمامة والخلافة. قال(٥) : ونحن النّاس الّذين عنى الله. والنّقير، النّقطة الّتي في وسط النّواة.
( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) : قيل(٦) : بل أيحسدون النّبيّصلىاللهعليهوآله وأصحابه، أو العرب، أو النّاس جميعا.
( عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) : قيل(٧) : النّبوّة والكتاب والنّصرة والإعزاز، وجعل النّبيّصلىاللهعليهوآله الموعود منهم.
وفي الكافي وتفسير العيّاشي وغيرهما في عدّة روايات، عنهم - عليه السّلام(٨) - : نحن المحسودون الّذين قال الله، على ما آتانا ومن الامامة.
وفي مجمع البيان(٩) : عن الباقرعليهالسلام : المراد بالنّاس، النّبيّ وآله
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في ر وأ. وفي الأصل: إذن.
(٣ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٤.
(٤) الكافي ١ / ٢٠٥، ضمن حديث ١.
(٥) المصدر: «فإذا لا يؤتون الناس نقيرا» بدل «قال و».
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) الكافي ١ / ٢٠٦، ح ٤، تفسير العياشي ١ / ٢٤٦. وراجع بحار الأنوار ٢٣ / ٢٨٣.
(٩) مجمع البيان ٢ / ٦١.
ـ صلّى الله عليه وآله -
[وفي أصول الكافي(١) : أحمد بن محمّد، عن محمّد بن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : نحن قوم فرض الله - عزّ وجلّ - طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الرّاسخون في العلم، ونحن المحسودون الّذين قال الله - :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) .
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٢) ، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسنعليهالسلام في قول الله - تبارك وتعالى - :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) قال: نحن المحسودون.
الحسين بن محمد، عن المعلّى بن محمّد(٣) ، عن الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي الصّباح الكنانيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) .
فقال: يا أبا الصّباح، نحن - والله - النّاس المحسودون.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٤) ، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن عليّ بن فضّال، عن ابن أيّوب(٥) جميعا، عن معاوية بن عمّار، عن عمرو بن عكرمة قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فقلت [له :](٦) لي جار يؤذيني.
فقال: أرحمه.
فقلت: لا رحمه الله. فصرف وجهه عنّي [قال :](٧) فكرهت أن أدعه، فقال: ارحمه، فقال: لا رحمه الله(٨) ، فقلت: يفعل بي كذا وكذ(٩) ويؤذيني، فقال: أرأيت إن كاشفته انتصفت منه. فقلت: بلى أربي(١٠) عليه. فقال: إنّ ذا ممّن( يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ، فإذا رأى نعمة على أحد فكان له أهل جعل بلاءه عليهم. وإن
__________________
(١) الكافي ١ / ١٨٦، ح ٦.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٠٦، ح ٢.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤. وفيه: معلّى بن محمد.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٦٦١، صدر حديث ١.
(٥) المصدر: عن فضالة بن أيّوب.
(٦ و ٧) من المصدر.
(٨) «فقال: أرحمه. فقال: لا رحمه الله» ليس في المصدر وهي يمكن أن تكون زائدة.
(٩) المصدر: يفعل بى كذا وكذا ويفعل بي.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ان أبى.
لم يكن [له](١) أهل جعله على خادمه. فإن لم يكن له خادم أسهر ليله وأغاظ(٢) نهاره.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٣) ( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ ) : الّذين هم أسلاف النّبيّ، وبني عمّه.
( الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) (٥٤): فلا يبعد أن يؤتيهم مثل ما آتاهم.
في تفسير علي بن إبراهيم(٤) : عن الصّادقعليهالسلام : الكتاب، النّبوّة.
والحكمة، الفهم والقضاء. والملك العظيم، الطّاعة المفروضة.
وفي الكافي وتفسير العيّاشي(٥) : عن الباقرعليهالسلام : يعني: جعل منهم الرّسل والأنبياء والأئمّة، فكيف يقرّون في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد؟! وقال: الملك العظيم، أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم.
[وفي أصول الكافي(٦) : محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله:( وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) قال: الطّاعة المفروضة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٧) ، عن الحسين بن سعيد، عن النضّر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن محمّد الأحول، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قول الله عزّ وجلّ( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ ) (٨) .
قال: النّبوّة. قلت:( الْحِكْمَةَ ) .
قال: الفهم والقضاء.
قلت:( وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) .
قال: الطّاعة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أنهى.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٤٠.
(٥) الكافي ١ / ٢٠٦، ح ٥ وتفسير العياشي ١ / ٢٤٦. وسيأتي أيضا عن الكافي فقط قريبا.
(٦) الكافي ١ / ١٨٦، ح ٤.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٠٦، ح ٣.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «وآتيناهم الكتاب» بدل «فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب».
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(١) ، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) .
[قال :](٢) جعل منهم الرّسل والأنبياء والأئمّة، فكيف يقرّون في آل إبراهيم وينكرونه(٣) في آل محمّد - صلّى الله عليه وآله؟! قال: قلت:( وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) .
قال: الملك العظيم، أن جعل فيهم أئمّة من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله، وهو الملك العظيم.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام في وصف الإمامة والإمام قالعليهالسلام : إنّ الأنبياء والأئمّة يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون(٥) علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم، في قوله - عزّ وجلّ - :(٦) ( أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) وقال - عزّ وجلّ - لنبيّه(٧) :( وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) وقال - عزّ وجلّ - في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذرّيّته:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) .
وفيه(٨) ، في باب ذكر مجلس الرّضاعليهالسلام مع المأمون، في الفرق بين العترة والأمّة، حديث طويل، وفيه: فقال له المأمون: هل فضّل الله العترة على سائر النّاس؟
فقال أبو الحسنعليهالسلام : إنّ الله - تعالى - أبان فضل العترة على سائر النّاس في محكم كتابه.
فقال له المأمون: أين ذلك من كتاب الله - تعالى؟
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٠٦، ح ٥.
(٢) من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ينكرون.
(٤) عيون الأخبار ١ / ٢٢١، ضمن حديث. وقد سقط من وسطه بعض الآيات.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: مخزن.
(٦) يونس / ٣٥.
(٧) النساء / ١١٣.
(٨) نفس المصدر ١ / ٢٣٠ - ٢٣١، ضمن حديث.
فقال له الرّضاعليهالسلام : في قوله - تعالى(١) - :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَعَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ]. وقال - عزّ وجلّ - في موضع آخر:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) [..]. يعني الطّاعة للمصطفين الطّاهرين فالملك هاهنا هو الطّاعة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّماليّ عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : فإنّ الله - تبارك وتعالى - يجعل العلم جهلا ولم يكل أمره إلى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، ولكنّه أرسل رسلا من الملائكة إلى نبيّه فقال له: كذا وكذا، وأمره بما يحبّه(٣) ونهاه عما يكره(٤) فقصّ عليه ما قبله وما خلفه بعلم. فعلّم ذلك العلم أنبياءه وأولياءه(٥) وأصفياءه من الآباء والإخوان بالذّرّيّة الّتي بعضها من بعض. وذلك قوله - عزّ وجلّ - :( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) . فأمّا( الْكِتابَ ) ، النّبوّة. وأمّا( الْحِكْمَةَ ) ، فهم الحكماء من الأنبياء والأولياء والأصفياء [من الصّفوة](٦) .
وقالعليهالسلام فيه(٧) - أيضا - : إنّما الحجّة في آل إبراهيم لقول الله - عزّ وجلّ - :( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) .
فالحجّة الأنبياء وأهل بيوتات الأنبياء حتى تقوم السّاعة.
وفي روضة الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام مثله سواء.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٩) قال: حدّثني عليّ بن محمّد بن عمر
__________________
(١) / ٣٣ - ٣٤.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة / ٢١٧ - ٢١٨، ضمن حديث.
(٣) المصدر: يحبّ.
(٤) المصدر: ينكر.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) نفس المصدر / ٢١٨، ضمن حديث.
(٨) الكافي ٨ / ١١٧ - ١١٨ و ١١٩.
(٩) تفسير فرات / ٣٢.
الزّهريّ(١) معنعنا، عن إبراهيم قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك ما تقول في هذه الآية:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً )
قال: نحن النّاس الذين قال الله، ونحن المحسودون، ونحن أهل الملك، ونحن ورثنا النّبيّين، وعندنا عصا موسى، وإنّا لخزّان الله(٢) في الأرض لا نحزن على ذهب(٣) ولا فضّة، وإنّ منّا رسول اللهصلىاللهعليهوآله والحسن والحسين - عليهما السّلام].(٤)
( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ) :
قيل(٥) : بمحمّدصلىاللهعليهوآله أو بما ذكر من حديث آل إبراهيم.
وقيل(٦) : معناه: فمن آل إبراهيم «من آمن به» ومنهم من كفر، ولم يكن في ذلك وهن في أمره، فكذا لا يوهن كفر هؤلاء أمرك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) :( فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ) ، يعني: أمير المؤمنينعليهالسلام وهم سلمان وأبو ذرّ والمقداد وعمّار.
( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) ، أي: أعرض عنه ولم يؤمن.
( وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (٥٥): نارا مسعورة يعذّبون بها، يعني: إن لم يعجّلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعدّ لهم من سعير جهنّم.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : الآيات، أمير المؤمنين والأئمّة - عليه السّلام.
( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) :
قيل(٩) : بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى، كقولك: بدّلت الخاتم قرطا.
أو بأن يزال عنه أثر الإحراق، ليعود إحساسه للعذاب.
وقيل(١٠) : يخلق مكانه جلد آخر.
__________________
(١) المصدر: عليّ بن محمّد بن عليّ بن عمر الزّهريّ.
(٢) المصدر: لله.
(٣) المصدر: «لا بخزان ذهب» بدل «لا نحزن على ذهب».
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٤.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٤٠ - ١٤١.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٤١.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٥.
(١٠) نفس المصدر والموضع.
والعذاب في الحقيقة للنّفس العاصية المدركة، لا لآلة(١) إدراكها، فلا محذور.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، للطّبرسيّ - رحمه الله - : وعن حفص بن غياث قال: شهدت المسجد الحرام، وابن أبي العوجاء يسأل أبا عبد اللهعليهالسلام وعن هذه الآية، فقال: ما ذنب الغير؟
قال: ويحك، هي هي، وهي غيرها.
قال: فمثّل لي في ذلك شيئا من أمر الدّنيا.
قال: نعم، أرأيت لو أنّ رجلا أخذ لبنة فكسرها، ثمّ ردّها في ملبنها، فهي هي وهي غيرها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قيل لأبي عبد اللهعليهالسلام : كيف تبدّل جلودهم غيرها؟
قال: أرأيت لو أخذت لبنة فكسرتها وصيّرتها ترابا، ثمّ ضربتها في القالب أهي كانت، إنّما هي ذلك وحدث تغيير(٤) آخر والأصل واحد.
[وفي أصول الكافي(٥) : الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن عليّ [قال: أخبرني سماعة بن مهران](٦) قال: أخبرني الكلبيّ النّسّابة قال: قلت لجعفر بن محمّدعليهالسلام : ما تقول في المسح على الخفّين؟ فتبسّم ثمّ قال: إذا كان يوم القيامة وردّ الله كلّ شيء إلى منبته(٧) وردّ الجلد إلى الغنم فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي عيون الأخبار(٨) ، في باب مجلس الرّضاعليهالسلام مع سليمان المروزيّ، قال الرّضاعليهالسلام في أثناء كلام بينهعليهالسلام وبين سليمان: يا سليمان، هل يعلم [الله](٩) جميع ما في الجنّة والنّار؟
__________________
(١) أ: لا دلالة.
(٢) الاحتجاج ٢ / ١٠٤.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٤١.
(٤) هكذا في أ. وفي الأصل: «تغيّر» وفي المصدر: «تفسيرا».
(٥) الكافي ١ / ٣٥٠ وأوّله في ص ٣٦٩، ح ٦.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: شيئه.
(٨) عيون الأخبار ١ / ١٨٤ - ١٨٥، ضمن حديث.
(٩) من المصدر.
قال سليمان: نعم.
قال: أفيكون ما علم الله - عزّ وجلّ - أنّه يكون من ذلك؟
قال: نعم.
قال: فإذا كان [حتّى](١) لا يبقى منه شيء إلّا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟
قال سليمان: بل يزيدهم(٢) .
قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنّه يكون.
قال: جعلت فداك، فالمزيد(٣) لا غاية له.
قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف [غاية](٤) ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون(٥) ، تعالى الله عن ذلك علّوا كبيرا.
قال سليمان: إنّما قلت: لا يعلمه، لأنّه لا غاية لهذا، لأنّ الله - عزّ وجلّ - وصفهما بالخلود وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا.
قال الرّضاعليهالسلام : ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنّه قد يعلم ذلك ثمّ يزيدهم ثمّ لا يقطعه عنهم، وكذلك قول(٦) الله - عزّ وجلّ - :( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) وقال لأهل الجنّة(٧) :( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) وقال - عزّ وجلّ -(٨) : و( فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) فهو - جلّ وعزّ - يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزّيادة.
وفي باب آخر(٩) ، عنهعليهالسلام بإسناده قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ قاتل الحسين بن عليّعليهالسلام في تابوت من نار. عليه
__________________
(١) من المصدر.
(٢) النسخ: «ليزيدهم». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(٣) المصدر: فالمريد.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «ذلك» بدل «أن يكون».
(٦) المصدر: قال.
(٧) هود / ١٠٨.
(٨) الواقعة / ٣٣.
(٩) نفس المصدر ٢ / ٤٧، ح ١٧٨.
نصف عذاب أهل الدّنيا. وقد شدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، منكس في النّار حتّى يقع في قعر جهنّم. وله ريح يتعوّذ أهل النّار إلى ربّهم من شدّة نتنه. وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم مع جميع من شايع على قتله. كلّما نضجت جلودهم بدّل الله - عزّ وجلّ - عليهم الجلود حتّى يذوقوا العذاب الأليم. لا يفتر عنهم ساعة ويسقون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب النّار].(١)
( إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً ) : لا يمتنع عليه ما يريده.
( حَكِيماً ) (٥٦): يعاقب على وفق حكمته.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) : تقديم ذكر الكفّار ووعيدهم لأنّ الكلام فيهم، وذكر المؤمنين بالعرض.
( لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) : من الأقذار الّتي تكون لأزواج الدّنيا.
( وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً ) (٥٧): فيئانا لا جوب فيه، ودائما لا تنسخه الشّمس. وهو إشارة إلى النّعمة التّامّة الدّائمة.
و «الظّليل» صفة، مشتقّة من الظّلّ، لتأكيده، كقولهم: شمس شامس. وليل أليل(٢) . ويوم أيوم.
( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها ) :
قيل(٣) : نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدّار لـمّا أغلق باب الكعبة وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها، وقال: لو علمت أنّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم أمنعه. فلوى عليّعليهالسلام يده وأخذه منه. ودخل رسول اللهصلىاللهعليهوآله وصلّى ركعتين. فلمّا خرج سأله العبّاس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السّقاية والسّدانة. فأمره الله أن يردّه إليه. فأمر عليّاعليهالسلام يردّه ويعتذر إليه. وصار ذلك سببا لإسلامه. ونزل الوحي بأنّ السّدانة في أولاده أبدا.
وفي مجمع البيان(٤) ، عنهما - عليهما السّلام - : أنّها في كلّ من ائتمن أمانة من الأمانات، وأمانات الله أوامره ونواهيه، وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضا من
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أ: ليل الليل.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٥.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٦٣.
المال وغيره(١) .
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام في وصيّته له: اعلم أنّ ضارب عليّعليهالسلام بالسّيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمّ قبلت ذلك منه لأدّيت إليه الأمانة.
وفي معاني الأخبار(٣) : حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ قال: حدّثني أبي، عن جدّي أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمّد بن خالد، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: سألت موسى بن جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها ) . فقال: هذه مخاطبة لنا خاصّة. أمر الله - تبارك وتعالى - كلّ إمام منّا أن يؤدّي إلى الإمام الّذي بعده ويوصي إليه، ثمّ هي جارية في سائر الأمانات. [ولقد حدّثني أبي، عن أبيه: أنّ عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - قال لأصحابه: عليكم بأداء الأمانة، فلو أنّ قاتل [أبي](٤) الحسين بن عليّ ائتمنني على السّيف الّذي قتله [به](٥) لأدّيته إليه].(٦) .
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الباقرعليهالسلام : إيّانا عنى أن يؤدّي الإمام الأوّل إلى الّذي بعده العلم والكتب والسّلاح.
__________________
(١) ذكر في حديث عن الكافي [٢ / ١٠٥] هكذا وهو مشطوب في الأصل وليس في ر: وفي أصول الكافي: محمد بن يحيى عن أبي طالب، رفعه، قال: قال قال أبو عبد اللهعليهالسلام : لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فانّ ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته.
(٢) الكافي ٥ / ١٣٣، ح ٥.
(٣) ذكر بعد ذلك في أ: «ولقد حدّثني أبي عن أبيه عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - قال لأصحابه: عليكم بأداء الأمانة. فلو أنّ قاتل الحسين بن عليّ ائتمني على السيف الّذي قتله به، لأدّيته إليه» [معاني الأخبار / ١٠٨، ح ١] وهو مشطوب في الأصل وليس في ر. والحديث الذي ذكر في المتن في معاني الأخبار / ١٠٧ - ١٠٨، ح ١.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٤٦ - ٢٤٧.
[وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء(٢) ، عن أحمد بن عمر قال: سألت الرّضاعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها ) .
قال: هم الأئمّة من آل محمّدصلىاللهعليهوآله أن يؤدّي الإمام الأمانة إلى من بعده، ولا يخصّ بها غيره، ولا يزويها(٣) عنه.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٤) ، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام في قوله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها )
قال: هم الأئمّة يؤدّي الإمام إلى الإمام من بعده. ولا يخصّ بها غيره.
ولا يزويها عنه.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٥) ، عن محمّد بن سنان، عن إسحاق بن عمّار، عن ابن أبي يعفور، عن المعلّى بن خنيس قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها )
قال: أمر الله الإمام الأوّل أن يدفع إلى الإمام الّذي بعده كلّ شيء عنده.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٦) ، عن الحسن بن محبوب، عن أبي كهمس قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : عبد الله بن يعفور يقرئك السّلام.
قال: وعليك وعليه السّلام، إذا أتيت عبد الله فاقرأه السّلام وقل له: إنّ جعفر بن محمّد يقول لك: انظر ما بلغ به عليّعليهالسلام عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله فالزمه فإنّ عليّاعليهالسلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٧٦، ح ٢.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «الحسين بن عليّ الوشا» وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٣٠٠، رقم ٢٦٨١.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يزوبها.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٧٦ - ٢٧٧، ح ٣.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٧٧، ح ٤. وورد ذيل هذا الحديث، فقط، بدون سند في نسخه أ، دون غيره من الأحاديث.
(٦) نفس المصدر ٢ / ١٠٤، ح ٥.
وله بصدق الحديث وأداء الأمانة.
محمّد بن يحيى، عن أبي طالب(١) - رفعه - قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : لا تنظروا إلى طول ركوع الرّجل وسجوده. فإنّ ذلك شيء اعتاده. فلو تركه استوحش لذلك. ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته.
وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : قال محمّد بن يعقوب(٣) - رحمه الله - : عن الحسين بن محمّد - بإسناده - عن رجاله، عن أحمد بن عمر قال: سألت الرّضاعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها ) .
قال: هم الأئمّة من آل محمّد - صلوات الله عليهم - أمرهم أن يؤدّي الإمام الإمامة إلى من بعده، لا يخصّ بها غيره، ولا يزويها عنه].(٤) .
( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) :
في الكافي وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الباقرعليهالسلام يعني: العدل الّذي في أيديكم.
وفي رواية أخرى للعيّاشي(٦) : أن تحكموا بالعدل إذا ظهرتم، أن تحكموا بالعدل إذا بدت في أيديكم.
( إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ) ، أي: نعم الشّيء الّذي يعظكم به. «فما» منصوبة موصوفة «بيعظكم به» أو مرفوعة موصولة به. والمخصوص بالمدح محذوف، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الباقرعليهالسلام : فينا نزلت والله المستعان.
( إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً ) : بأقوالكم وأحكامكم.
( بَصِيراً ) (٥٨): بما تفعلون بأداء الأمانات.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) :
في الكافي والعيّاشي(٨) : عن الباقرعليهالسلام : إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ١٠٥، ح ١٢.
(٢) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص ٤٨.
(٣) هكذا في المصدر. وفي الأصل ور: محمد بن العباس.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكافي ١ / ٢٧٦، ح ١ وتفسير العياشي ١ / ٢٤٧، ح ١٥٣.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٤٧، ح ١٥٤.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٤٩، ح ١٦٦.
(٨) الكافي ١ / ٢٧٦، وتفسير العياشي ١ / ٢٥٠، ح ١٦٩.
المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) : [حدّثنا أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن عبد الله بن محمّد الحجّال، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٢) في قول الله - عزّ وجلّ - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: الأئمّة من ولد عليّ وفاطمة - عليهما السّلام - إلى أن تقوم السّاعة.](٣)
وبإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري(٤) قال: لـمّا أنزل الله - عزّ وجلّ - على نبيّه محمّدصلىاللهعليهوآله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله، فمن أولي الأمر الّذين قرن طاعتهم بطاعته؟
فقالعليهالسلام : هم خلفائي - يا جابر - وأئمّة المسلمين من بعدي.
أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التّوراة بالباقر وستدركه - يا جابر - فإذا لقيته فاقرأه منّي السّلام، ثمّ الصّادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي محمّد وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن عليّ. ذاك الّذي يفتح الله - تعالى ذكره - على يديه مشارق الأرض ومغاربها. ذاك الّذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان.
قال جابر: فقلت له: يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهل لشيعته الانتفاع به في غيبته؟
فقالعليهالسلام : والّذي بعثني بالنّبوّة أنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون
__________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢٢٢، ح ٨.
(٢) المصدر: «أبي جعفرعليهالسلام » وفي الرواة «حماد بن عثمان» و «أبو بصير» متعدد مع تطابق زماني. ولذلك لم نستطيع أن نختار بين «أبي عبد الله» أو «أبي جعفر» - عليهما السّلام - أحدهما بيانا وصوابا.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٥٣، ح ٣.
بولايته في غيبته كانتفاع النّاس بالشّمس وإن تجلاها سحاب. يا جابر هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علم الله. فاكتمه إلّا عن أهله.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبان أنّه قال: دخلت على أبي الحسن الرّضاعليهالسلام فسألته عن قول الله - تعالى - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
فقال: ذلك عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ثمّ سكت.
قال: فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟
قال: ثمّ الحسن. ثمّ سكت.
فلمّا طال سكوته قلت: ثمّ من؟
قال: ثمّ الحسين. قلت: ثمّ من؟
قال: ثمّ عليّ بن الحسين.
فلم يزل يسكت عند كلّ واحد حتّى أعيد المسألة فيقول، حتّى سمّاهم إلى آخرهم - صلّى الله عليهم.
[عن عمران الحلبي(٢) قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّكم أخذتم هذا الأمر من جذوه - يعني: من أصله - عن قول الله:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ومن قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا»، لا من قول فلان ولا من قول فلان.
عن عبد الله بن عجلان(٣) ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله: و( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: هي في عليّعليهالسلام وفي الأئمّة، جعلهم الله مواضع الأنبياء غير أنّهم لا يحلّلون شيئا ولا يحرّمونه.
عن حكيم(٤) قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : جعلت فداك، أخبرني من أولو الأمر(٥) الّذين أمر الله بطاعتهم؟
فقال [لي](٦) : أولئك عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وعليّ بن الحسين
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٥١، ح ١٧١.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٥١ - ٢٥٢، ح ١٧٢.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٥٢، ح ١٧٣.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٧٤.
(٥) المصدر: أولي الأمر.
(٦) من المصدر.
ومحمّد بن عليّ وجعفر [أنا](١) فاحمدوا الله الّذي عرّفكم أئمّتكم وقادتكم حين جحدهم النّاس.
وفيه(٢) : عن ابن بريد معاوية، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام : ثمّ قال للنّاس:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) إيّانا عنى خاصّة.
وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب ذكر مجلس الرّضاعليهالسلام مع المأمون، في الفرق بين العترة والأمّة، حديث طويل يقول فيهعليهالسلام : وقال - عزّ وجلّ - في موضع آخر:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) ثمّ ردّ الخاطبة في أثره(٤) إلى سائر المؤمنين فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، يعني: الّذين قرنهم بالكتاب والحكمة وحسدوا عليهما.
وفي هذا المجلس كلام طويل لهعليهالسلام يقول فيه(٥) في شأن ذوي القربى: فما رضيه لنفسه ولرسوله رضيه لهم، وكذلك الفيء(٦) ما رضيه منه لنفسه ولنبيّه رضيه لذي القربى كما أجراهم(٧) في الغنيمة. فبدأ بنفسه - جلّ جلاله - ثمّ برسوله ثمّ بهم. وقرن سهمهم بسهمه وسهم رسوله. وكذلك في الطّاعة قال الله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . فبدأ بنفسه ثمّ برسوله ثمّ بأهل بيته.
وفيه(٨) ، في باب ما كتبه الرّضاعليهالسلام للمأمون من محض الإسلام وشرائع الدّين، وبإسناده إلى الرّضاعليهالسلام : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ - عليهم السّلام - قال: أوصى النّبيّصلىاللهعليهوآله إلى عليّ والحسن والحسين - عليهم السّلام - ثمّ قال - عزّ وجلّ - :
__________________
(١) من المصدر.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٤٧ ضمن حديث ١٥٣ وأوله في ص ٢٤٦.
(٣) عيون الأخبار ١ / ٢٣٠.
(٤) المصدر: أثر هذه.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٣٨.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أنفى.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أجوبهم.
(٨) نفس المصدر ٢ / ١٣١، ح ١٤.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: الأئمّة من ولد عليّ وفاطمة - عليهم السّلام - إلى أن تقوم السّاعة.](١)
وفي أصول الكافي(٢) : [أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد اللهعليهالسلام قولنا في الأوصياء أنّ طاعتهم مفروضة(٣)؟
[قال :](٤) فقال: نعم [هم](٥) الّذين قال الله - عزّ وجلّ - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وهم الّذين قال الله - عزّ وجلّ -(٦) ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن(٧) عيسى، عن محمّد بن الخالد البرقيّ، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام الأوصياء طاعتهم مفروضة(٨)؟
قال نعم [هم](٩) الّذين قال الله:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . وهم الّذين قال الله - تعالى(١٠) -( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) .](١١)
عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى(١٢) ، عن يونس وعليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد أبي سعيد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام [عن قول الله - عزّ وجلّ - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ].(١٣) فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين - عليهم السّلام -
فقلت له: إنّ النّاس يقولون: فما له لم يسمّ عليّا وأهل بيته - عليهم السّلام - في
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) الكافي ١ / ١٨٧، ح ٧.
(٣) المصدر: مفترضة.
(٤ و ٥ و ٩) من المصدر.
(٦) المائدة / ٥٥.
(٧) نفس المصدر ١ / ١٨٩، ح ١٦.
(٨) المصدر: مفترضة.
(١٠) المائدة / ٥٥.
(١١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(١٢) نفس المصدر ١ / ٢٨٦، ح ١.
(١٣) أ: «في هذه الآية» بدل ما بين المعقوفتين.
كتاب الله(١) - عزّ وجلّ - ؟
فقال: قولوا لهم: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله نزلت عليه الصّلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثا ولا أربعا حتّى كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله [هو الّذي](٢) فسّر ذلك لهم. ونزلت عليه الزّكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهما درهم حتّى كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو الّذي فسّر(٣) ذلك لهم. ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعا، حتّى كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو الّذي فسّر ذلك لهم. ونزلت:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . ونزلت في عليّ والحسن والحسين. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله في عليّ: من كنت مولاه فعليّ مولاه. وقال: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإنّي سألت الله أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض فأعطاني ذلك. وقال: لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم. وقال: إنّهم لن يخرجوكم(٤) من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة. فلو سكت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ولم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان وآل فلان. ولكنّ الله - عزّ وجلّ - أنزله(٥) في كتابه تصديقا لنبيّه - صلّى الله عليه وآله(٦) - :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) . فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة - عليهم السّلام - فأدخلهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله تحت الكساء في بيت أمّ سلمة. ثمّ قال: أللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي.
فقالت أمّ سلمة: ألست من أهلك؟
فقال: إنّك إلى(٧) خير. ولكنّ هؤلاء أهل بيتي وثقلي.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٨) ، عن صفوان بن يحيى، عن عيسى بن السّريّ أبي اليسع قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أخبرني بدعائم الإسلام الّتي لا يسع أحدا التّقصير عن معرفة شيء منها، الّذي من قصّر عن معرفة شيء منها فسد
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كتابه.
(٢) من المصدر.
(٣) ر: يفسّر.
(٤) ر: لا يخرجوكم.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أنزل.
(٦) الأحزاب / ٣٣.
(٧) أ: على.
(٨) نفس المصدر ٢ / ١٩ - ٢١، ح ٦.
عليه(١) دينه ولم يقبل(٢) منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله ولم يضق(٣) به ممّا هو فيه لجهل شيء من الأمور جهله.
فقال: شهادة أن لا إله إلّا الله، والإيمان بأنّ محمّداصلىاللهعليهوآله رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحقّ في الأموال الزّكاة، والولاية الّتي أمر الله - عزّ وجلّ - بها ولاية آل محمّدصلىاللهعليهوآله
قال: فقلت: فهل(٤) في الولاية شيء دون شيء فضل يعرف لمن أخذ به؟
قال: نعم، قال الله - عزّ وجلّ - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من مات ولم يعرف إمامه(٥) مات ميتة جاهليّة. وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكان عليّاعليهالسلام وقال الآخرون: وكان معاوية ثمّ كان الحسن ثمّ كان الحسين، [وقال الآخرون: يزيد بن معاوية وحسين بن عليّ ولا سواء ولا سواء.
قال: ثمّ سكت، ثمّ قال: أزيدك.
فقال له حكم الأعور: نعم جعلت فداك.
قال: ثمّ كان عليّ بن الحسين ثمّ كان محمّد بن عليّ أبا جعفر، وكانت الشّيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم حتّى كان أبو جعفر، ففتح(٦) لهم وبيّن لهم مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم، حتّى صار النّاس يحتاجون إليهم بعد ما كانوا يحتاجون إلى النّاس. وهكذا يكون الأمر والأرض لا تكون إلّا بإمام. ومن مات لا يعرف إمامه ميتة مات ميتة جاهليّة. وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - وانقطعت عنك الدّنيا تقول حينئذ(٧) : لقد كنت على أمر حسن.
وفي كتاب الاحتجاج(٨) ، للطبرسي - رحمه الله - قال عليّعليهالسلام في خطبة له: إنّ الله ذو الجلال والإكرام لـمّا خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: لم يقبل الله.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لم يضيق.
(٤) المصدر: فقلت له هل.
(٥) أ: إمام زمانه.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وفتح.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) الاحتجاج ١ / ٢٣٣ - ٢٣٤.
صفوة من عباده وأرسل رسولا منهم وأنزل عليه كتابه وشرع له دينه وفرض فرائضه، فكانت الجملة قول الله - جلّ ذكره - حيث أمر فقال:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . فهو لنا أهل البيت خاصّة دون غيرنا. فانقلبتم على أعقابكم وارتددتم ونقضتم الأمر ونكثتم العهد ولم يضرّ الله(١) شيئا، وقد أمركم [الله](٢) أن تردّوا الأمر إلى الله وإلى الرّسول وإلى أولي الأمر منكم المستنبطين فأقررتم ثمّ جحدتم.
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) : عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه سأله(٤) : ما أدنى ما يكون به الرّجل ضالّا؟ فقال: أن لا يعرف من أمر الله بطاعته وفرض ولايته وجعله حجّته في أرضه وشاهده على خلقه.
قال(٥) : فمن هم يا أمير المؤمنين؟
قال: الّذين قرنهم الله بنفسه وبنبيّه(٦) فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
قال: فقبلت رأسه وقلت: أوضحت لي وفرّجت عنّي وأذهبت كلّ شكّ كان في قلبي(٧) .
[و] بإسناده إلى سليم بن قيس(٨) قال: سمعت عليّاعليهالسلام يقول: قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قد أخبرني ربّي - جلّ جلاله - أنّه قد استجاب [لي](٩) فيك وفي شركائك الّذين يكونون من بعدك.
فقلت: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟
قال: الّذين قرنهم الله - عزّ وجلّ - بنفسه وبي، فقال:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
__________________
(١) المصدر: لم تضرّوا الله.
(٢) من المصدر.
(٣) معاني الأخبار / ٣٩٤، ح ٤٥.
(٤) المصدر: «قال قلت له» بدل «أنّه سأله».
(٥) المصدر: قلت.
(٦) المصدر: نبيّه.
(٧) هكذا في المصدر. والجملة السابقة هكذا في النسخ: وقلت أوضحت عنّي وفرّجت وأذهبت عنّي كلّ شكّ كان في قلبي.
(٨) بل في كمال الدين وتمام النعمة / ٢٨٥، وأوّله في ص ٢٨٤، ح ٣٧، وقد أسقط صدره.
(٩) من المصدر.
فقلت: يا رسول الله، ومن هم؟
قال: الأوصياء من آلي يردون عليّ الحوض، كلّهم هادين مهديّين(١) . لا يضرّهم من خذلهم. هم مع القرآن والقرآن معهم. لا يفارقهم ولا يفارقونه. بهم تنصر أمّتي.
وبهم يمطرون وبهم يدفع عنهم البلاء. وبهم يستجاب دعاؤهم.
قلت: يا رسول الله، سمّهم لي.
قال: ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسن - ثمّ ابني هذا - ووضع يده على رأس الحسين - ثمّ ابن له يقال له: عليّ، وسيولد في حياتك فاقرأه منّي السّلام، ثمّ تكملة اثني(٢) عشر إماما. فقلت: [بأبي أنت وأمّي](٣) : يا رسول الله، سمّهم لي رجلا رجلا فقال: فمنهم(٤) والله يا أخا بني هلال مهديّ أمّة(٥) محمّد الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. والله إنّي لأعرف من يبايعه بين الرّكن والمقام وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم.
وبإسناده إلى سليم بن قيس الهلالي(٦) ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال في أثناء كلام له في مجمع من المهاجرين والأنصار أيّام خلافة عثّمان: فأنشدكم الله - عزّ وجلّ - أتعلمون حيث نزلت( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وحيث نزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٧) وحيث نزلت( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) (٨) قال النّاس: يا رسول الله أهذه خاصّة لبعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر الله - عزّ وجلّ - نبيّهصلىاللهعليهوآله أن يعلّمهم ولاة أمرهم وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجّهم. فنصبني للنّاس بغدير خمّ ثمّ خطب. والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة، الأهمّ في المقام وفي
__________________
(١) المصدر: «هاد مهتد» بدل «هادين مهدين».
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تكلم اثنتي.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: «[رجلا فرجلا] فسمّاهم رجلا رجلا فيهم» بدل «رجلا رجلا فقال فمنهم». وما في المصدر أظهر من ما في النسخ.
(٥) المصدر: أمّتي.
(٦) بل في المصدر السابق / ٢٧٦ - ٢٧٧، ضمن حديث.
(٧) المائدة / ٥٥.
(٨) التوبة / ١٦.
آخره فقالوا [كلّهم :](١) أللّهمّ نعم، قد سمعنا ذلك كلّه وشهدنا كما قلت سواء. وقال بعضهم: قد حفظنا جلّ ما قلت ولم نحفظه(٢) كله. وهؤلاء الّذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا(٣) .
وفيه(٤) : حدّثني أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب(٥) ، عن عبد الله [بن](٦) محمّد الحجّال، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: الأئمّة من ولد عليعليهالسلام وفاطمة - عليهما السّلام - إلى أن تقوم السّاعة.
وفي كتاب التّوحيد(٧) ، بإسناده إلى الفضل بن السّكن(٨) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : اعرفوا الله بالله والرّسول بالرّسالة وأولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان.
وفي كتاب علل الشّرائع(٩) ، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر - عليهما السّلام - : لأيّ شيء يحتاج إلى النّبيّ والإمام؟ فقال: لبقاء العالم على صلاحه. وذلك أنّ الله - عزّ وجلّ - يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام. قال الله - عزّ وجلّ(١٠) - : و( ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) وقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : النّجوم أمان لأهل السّماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض. فإذا ذهبت النّجوم أتى أهل السّماء ما يكرهون. وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون، يعني: بأهل بيته الّذين قرن الله عزّ وجلّ طاعتهم بطاعته، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) .
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لم يحفظ.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أخبارنا وفضلنا.
(٤) بل في نفس المصدر / ٢٢٢، ح ٨.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «الحسن بن أبي الخطاب». والظاهر أنه وهم. ر. تنقيح المقال ١ / ٣١٦، رقم ٢٨١٣.
(٦) من المصدر.
(٧) التوحيد / ٢٨٥ - ٢٨٦، ح ٣.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «الفضل بن سكر». ر. تنقيح المقال ٢ / ٨، رقم ٩٤٦٧.
(٩) علل الشرائع / ١٢٣ - ١٢٤، ح ١.
(١٠) الانفال / ٣٣.
وهم المعصومون المطهّرون الّذين لا يذنبون ولا يعصون. وهم المؤيّدون الموفّقون المسدّدون. بهم يرزق الله عباده. وبهم يعمر(١) بلاده. وبهم ينزل القطر من السّماء.
وبهم تخرج بركات الأرض. وبهم يمهل(٢) أهل المعاصي ولا يعجّل عليهم بالعقوبة والعذاب. لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه. ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم - صلوات الله عليهم أجمعين.
وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٣) قال: حدّثنا زيد بن الحسن الأنماطيّ قال: سمعت محمّد بن عبد الله بن الحسن(٤) وهو يخطب بالمدينة ويقول:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
وقال: حدّثني عبيد بن كثير(٥) معنعنا، عن عمّي الحسين أنّه سأل جعفر بن محمّدعليهالسلام عن قول الله - تعالى - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . قال: فأولي الأمر في هذه الآية آل محمّدصلىاللهعليهوآله
وقال: حدّثني أحمد بن القاسم(٦) معنعنا، عن أبي مريم قال: سألت جعفر بن محمّدعليهالسلام عن قول الله - تعالى - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) كانت طاعة عليّ مفترضة؟
قال: كانت طاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله خاصّة مفترضة لقول الله - تعالى(٧) - :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) وكانت طاعة عليّ بن أبي طالب طاعة رسول اللهصلىاللهعليهوآله (٨) .
وقال: حدّثني عبيد الله بن كثير(٩) معنعنا، عن سلمان الفارسي - رحمة الله عليه - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، من بريء من(١٠) ولايتك فقد بريء من(١١) ولايتي. ومن بريء(١٢) من ولايتي فقد بريء من(١٣) ولاية الله. يا عليّ طاعتك
__________________
(١) المصدر: تعمر.
(٢) أ: يمهد.
(٣) تفسير فرات / ٢٧ وفيه: «معنعنا عن زيد بن الحسن» بدل «قال حدّثنا زيد بن الحسن».
(٤) المصدر: محمد بن الحسن.
(٥) لم نعثر على هكذا حديث في تفسير فرات.
(٦) تفسير فرات / ٢٨ - ٢٩.
(٧) النساء / ٨٠.
(٨) المصدر: من طاعة الرسول - صلّى الله عليه وآله.
(٩) نفس المصدر / ٣٢.
(١٠ و ١١ و ١٢ و ١٣) المصدر: عن.
طاعتي وطاعتي طاعة الله. فمن أطاعك فقد أطاعني. ومن أطاعني فقد أطاع الله.
والّذي بعثني بالحقّ نبيّا(١) لحبّنا أهل البيت أعزّ من الجوهر ومن الياقوت الأحمر ومن الزّمرّد. وقد أخذ ميثاق محبّينا أهل البيت في أمّ الكتاب. لا يزيد فيهم رجل، ولا ينقص منهم رجل إلى يوم القيامة. وهو قول الله - تعالى - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . فهو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
وقال: حدّثني إبراهيم بن سليمان(٢) معنعنا، عن عيسى بن السّريّ قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام أخبرني عن دعائم الإسلام الّتي لا يسع(٣) أحدا من النّاس التّقصير عن معرفة شيء منها، الّتي من قصّر عن شيء منها فسد عليه دينه ولم يقبل منه عمله [ومن قام بها صلح دينه وقبل عمله](٤) ولم يضق ما هو فيه بجهل شيء جهله.
[قال :](٥) قال: شهادة أن لا إله إلّا الله، والإيمان برسوله، والإقرار بما جاء من عند الله، والصّلاة(٦) والزّكاة، والولاية الّتي أمر الله بها ولاية آل محمّدصلىاللهعليهوآله (٧) .
قلت(٨) : هل في الولاية شيء؟
قال: قول الله - تعالى - :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . فكان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
وقال: حدّثني عليّ بن محمّد بن عمر الزّهريّ(٩) معنعنا، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - تعالى - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب(١٠) عليهالسلام
( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ ) : أنتم أيّها المؤمنون.
( فِي شَيْءٍ ) : من أمور الدّين.
( فَرُدُّوهُ ) : فراجعوا فيه.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) نفس المصدر / ٣٢ - ٣٣.
(٣) المصدر: عليها لا يسع.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: ولاية محمدصلىاللهعليهوآله
(٨) المصدر: قوله قلت.
(٩) نفس المصدر / ٣٤، صدر حديث.
(١٠) «ابن أبي طالب» ليس في المصدر.
( إِلَى اللهِ ) : إلى محكم كتابه.
( وَالرَّسُولِ ) : بالسّؤال عنه في زمانه، وبالأخذ بسنّته، والمراجعة إلى من أمر بالمراجعة إليه بعده. فإنّها ردّ إليه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: نزلت(٢) : «فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله وإلى الرّسول وإلى أولي الأمر منكم.».
وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، وفي آخره قالعليهالسلام : فإن خفتم تنازعا في أمر فردّوه إلى الله وإلى الرّسول وإلى أولي الأمر منكم. كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله - عزّ وجلّ - بطاعة ولاة الأمر ويرخّص لهم(٤) في منازعتهم؟! إنّما قيل ذلك للمأمورين الّذين قيل لهم:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
وفي نهج البلاغة(٥) ، في معنى الخوارج لـمّا أنكروا تحكيم الرّجال: إنّا لم نحكّم الرّجال وإنّما حكّمنا القرآن. وهذا القرآن إنّما هو خطّ مستور بين الدّفّتين لا ينطق بلسان ولا بدّ له من ترجمان وإنّما ينطق عنه الرّجال. ولـمـّا دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولّي عن كتاب الله - تعالى - وقد قال الله - سبحانه - :( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ ) . فردّه(٦) إلى الله، أن نحكم(٧) بكتابه. وردّه إلى الرّسول، أن نأخذ(٨) بسنّته. فإذا حكم بالصّدق في كتاب الله فنحن أحقّ النّاس [به].(٩) وإن حكم بسنّة رسول الله فنحن [أحقّ النّاس و](١٠) أولاهم بها.(١١)
وقالعليهالسلام للأشتر(١٢) : واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٤١.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نزل.
(٣) الكافي ١ / ٢٧٦، ذيل حديث ١.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) نهج البلاغة / ١٨٢، صدر خطبة ١٢٥. وفيه: في التحكيم وذلك بعد سماعه لأمر الحكمين.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فردوه.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يحكم.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يأخذ.
(٩ و ١٠) من المصدر.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: به.
(١٢) نفس المصدر / ٤٣٤، ضمن كتاب ٥٣.
ويشتبه عليك من الأمور. فقد قال الله - سبحانه - لقوم أحبّ إرشادهم:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ ) فالرّدّ(١) إلى الله، الأخذ بمحكم كتابه. والرّدّ(٢) إلى الرّسول، الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة(٣) .
وفي كتاب الاحتجاج(٤) ، للطّبرسيّ - رحمه الله - : وعن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل: وقد جعل الله للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وبقوله:( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )
وفيه(٥) ، وقد ذكرعليهالسلام الحجج، قال السّائل: من هؤلاء الحجج؟
قال: هم رسول الله ومن حلّ محلّه من أصفياء الله. وهم ولاة الّذين [قرنهم الله بنفسه ورسوله، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الّذي فرض عليهم منها لنفسه. وهم ولاة الأمر الّذين](٦) قال الله فيهم:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقال فيهم:( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )
قال السّائل: ما ذاك الأمر؟
قالعليهالسلام : الّذي تنزّل به الملائكة في اللّيلة الّتي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، من خلق ورزق وأجل [وعمل](٧) وعمر [وحياة](٨) وموت وعلم غيب السّموات والأرض والمعجزات الّتي لا تنبغي إلّا لله وأصفيائه والسّفرة بينه وبين خلقه.
عن الحسين بن عليٍّ - عليهما السّلام -(٩) في خطبة له: وأطيعونا(١٠) ، فإنّ طاعتنا مفروضة إذ كانت(١١) بطاعة الله وطاعة(١٢) رسوله مقرونة. قال الله - عزّ وجلّ - :
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فالراد.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الراد.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الغير المغرقة.
(٤) الاحتجاج ١ / ٣٦٩.
(٥) نفس المصدر ١ / ٣٧٥.
(٦) من المصدر.
(٧ و ٨) من المصدر.
(٩) نفس المصدر ٢ / ٢٣.
(١٠) المصدر: فأطيعونا.
(١١) المصدر: أن كانت.
(١٢) ليس في المصدر.
( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ ) وقال:( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً ) .
وفي شرح الآيات الباهرة(١) : قال محمّد بن يعقوب، عن الحسن بن محمّد - بإسناده - عن رجاله، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) قال: إيّانا عنى، أن يؤدّي الإمام الأوّل إلى الإمام الّذي بعده ما عنده من العلم والكتب والسّلاح. وقال(٢) :( إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) الّذي في أيديكم. ثمّ قال للنّاس:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . إيانا عنى خاصّة. ثمّ أمر جميع المؤمنين بطاعتنا إلى يوم القيامة إذ يقول: «فإن خفتم تنازعا في أمر فردّوه إلى الله والرّسول وأولي الأمر منكم.» كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله - عزّ وجلّ - بطاعة ولاة الأمر ويرخّص في منازعتهم؟! إنّما قيل ذلك للمأمورين(٣) الّذين قيل لهم:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
وممّا ورد من أن ولاة الأمر بعد النّبيّصلىاللهعليهوآله هم الأئمّة الاثنا عشر - صلوات الله عليهم -
ما نقله الشّيخ أبو عليّ الطّبرسيّ - قدّس الله روحه - في كتابه اعلام الورى بأعلام الهدى(٤) قال: حدّثنا غير واحد من أصحابنا، عن محمّد بن همام، عن جعفر بن محمّد بن مالك الفزاريّ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحارث، عن المفضّل بن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاريّ يقول: لـمّا نزلت( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ )
( مِنْكُمْ ) قلت: يا رسول الله، قد عرفنا الله ورسوله، فمن أولي الأمر الّذين قرن طاعتهم بطاعتك؟
فقالصلىاللهعليهوآله : هم خلفائي - يا جابر - وأئمّة المسلمين بعدي.
أوّلهم عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين ،
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٤٩.
(٢) النساء / ٥٨.
(٣) المصدر: «المأمورين» بدل «ذلك للمأمورين».
(٤) نفس المصدر والموضع.
ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التّوراة بالباقر وستدركه - يا جابر - فإذا لقيته فأقرأه منّي السّلام، ثمّ الصّادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي وكنيي حجّة الله في أرضه وبقيّته على عباده ابن الحسن بن عليّ. ذاك الّذي يفتح الله - عزّ وجلّ ذكره - على يده مشارق الأرض ومغاربها. وذلك الّذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان.
قال جابر: فقلت: يا رسول الله، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقالصلىاللهعليهوآله : إي والّذي بعثني بالنّبوّة إنّهم ليستضيئون(١) بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع النّاس بالشّمس وإن تجلّلها السّحاب، يا جابر هذا مكنون سرّ الله ومخزون علم الله فاكتمه إلّا عن أهله.
( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : فإنّ الإيمان يوجب ذلك.
( ذلِكَ ) ، أي: الرّدّ.
( خَيْرٌ ) : لكم.
( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (٥٩)، أي: عاقبة من تأويلكم بلا ردّ.
( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إليك وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ ) : في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : نزلت في الزّبير بن العوّام [فإنّه](٣) نازع رجلا من اليهود في (حديقة) فقال الزّبير: ترضى با ابن شيبة اليهوديّ؟ وقال اليهوديّ ترضى بمحمّد؟ فأنزل الله(٤) .
قال البيضاويّ(٥) : عن ابن عبّاس أنّ منافقا خاصم يهوديّا، فدعاه(٦) اليهوديّ إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف. ثمّ أنّهما احتكما إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فحكم لليهوديّ، فلم يرض المنافق [بقضائه](٧)
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يستضيئون.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٤١.
(٣) من المصدر.
(٤) ذكر في المصدر بعد هذه العبارة، نفس الآية.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٦.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فدعى.
(٧) من المصدر.
وقال: نتحاكم إلى عمر.
فقال اليهوديّ لعمر: قضى لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلم يرض بقضائه، وخاصم إليك.
فقال عمر للمنافق: أكذلك.
فقال: نعم.
فقال: مكانكما حتّى أخرج إليكما. فدخل فأخذ سيفه، ثمّ خرج فضرب به عنق المنافق حتّى برد. وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله. فنزلت.
وقال جبرئيلعليهالسلام : إنّ عمر فرق بين الحقّ والباطل فسمّي الفاروق (انتهى).
ولا يخفى أنّه لو صحّ هذا النقل، لدلّ على أنّ من أراد المنافق التحاكم إليه هو الطاغوت، وهو كعب بن الأشرف.
وفي روضة الكافي(١) : حميد بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن محمّد الكندي(٢) ، عن غير واحد من أصحابه، عن أبان بن عثمان، عن أبي جعفر الأحول والفضيل بن يسار، عن زكريا النّقّاض عن أبي جعفرعليهالسلام قال: من رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن الرّجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السّلطان أو [إلى](٤) القضاة، أيحلّ ذلك؟
فقال: من تحاكم إلى الطّاغوت فحكم [له](٥) فإنّما يأخذ سحتا وإن كان حقّه
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٩٧، ذيل حديث ٤٥٦، وأوّله في ص ٢٩٦.
(٢) المصدر: «الحسن بن محمّد الكنديّ». ولعله الصّواب، لأنّ في كتب الرجال لا يوجد «محمّد بن الحسن بن محمّد الكنديّ».
والبتة كنية الكنديّ هذا «أبو محمد» ولا يخفى على المطلع على عادة العرب في الكنى أنّ كونه «أبا محمد» لا يستلزم أن يكون له ابن اسمه محمد، فلا يقال رجل الذي ذكر في المتن يمكن أن يكون ابن المذكور في المصدر.
والله العالم. فراجع رجال النجاشي / ٤٠ - ٤٢، رقم ٨٤+ تنقيح المقال ١ / ٣٠٧ - ٣٠٨، رقم ٢٧٣٨.
(٣) نفس المصدر ٧ / ٤١٢، ح ٥.
(٤ و ٥) من المصدر.
ثابتا. لأنّه أخذ بحكم الطّاغوت. وقد أمر الله أن يكفر به.
قلت(١) : كيف يصنعان؟
قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما. فإنّي قد جعلته عليكم حاكما. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله قد استخفّ وعلينا ردّ. والرّادّ علينا الرّادّ على الله. وهو على حدّ الشّرك بالله.
( وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) : وقرئ: بها. على أنّ الطّاغوت، جمع.
لقوله:( أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ ) (٢) .
( وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) (٦٠): عن الحقّ، لا يرجى معه الاهتداء إلى الصّواب.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ ) : وقرئ، بضمّ اللام. على أنّه حذف لام الفعل تخفيفا، ثمّ ضمّ اللام لواو الضّمير(٣) .
( رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ) (٦١): يحتمل رؤية البصر، فيكون «يصدّون» حالا. ورؤية القلب، فيكون مفعولا ثانيا. والصّدود، مصدر. أو اسم للمصدر، الّذي هو الصّدّ. والفرق بينه وبين السّدّ، أنّه غير محسوس، والسّد محسوس.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، هم أعداء آل محمّد كلّهم، جرت فيهم هذه الآية.
( فَكَيْفَ ) : يكون حالهم.
( إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) : نالتهم من الله عقوبة.
( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) : من التّحاكم إلى غيرك، وعدم الرّضا بحكمك.
( ثُمَّ جاؤُكَ ) : عطف على «أصابتهم»، أو على «يصدّون». وما بينهما اعتراض.
( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ) : للاعتذار. حال من فاعل «جاء».
( إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً ) : وهو التّخفيف عنك.
( وَتَوْفِيقاً ) (٦٢): بين الخصمين، ولم نرد مخالفتك.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قيل.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٦.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٤٢.
وقيل(١) : جاء أصحاب القتيل طالبين دمه، وقالوا: ما أردنا بالتّحاكم إلى عمر إلّا أن يحسن إلى صاحبنا، أو يوفّق بينه وبين خصمه.
( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) : من النّفاق. فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب.
( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) ، أي: لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبي جنادة الحصين بن مخارق بن عبد الرّحمن بن ورقاء بن حبشيّ بن جنادة السّلوليّ صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام في قوله - عزّ وجلّ - :( أُولئِكَ الَّذِينَ ) (الآية)(٣) فقد سبقت عليهم كلمة الشّقاء(٤) وسبق لهم(٥) العذاب. [( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ) ].(٦)
( وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ) : في شأن أنفسهم، أو خاليا بهم. فإنّ النّصيحة في السّرّ أنجع.
( قَوْلاً بَلِيغاً ) (٦٣): يوغر فيهم، كتخويفهم بالقتل والاستئصال إن ظهر منهم النّفاق، والتّخويف بعذاب الله للمنافقين، والوعد بالثّواب على الإخلاص.
والقول البليغ، هو الّذي يطابق مدلوله المقصود.
وقيل(٧) : الظّرف، أي: في أنفسهم، متعلّق «ب بليغا» على معنى: بليغا في أنفسهم مؤثرا فيها. وفيه ضعف، لأنّ معمول الصّفة لا يتقدم على موصوفها.
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) : بسبب إذنه في طاعته، وأمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه. من لم يرض بحكمه وما نصّ عليه فهو كافر وإن أظهر الإسلام وتكلّف أكثر شعائره، لأنّه عدم رضا بما أمر الله وحكم به.
( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بالنّفاق.
( جاؤُكَ ) : خبر «أنّ» و «إذ» متعلّق به.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٧.
(٢) الكافي ٨ / ١٨٤، ح ٢١١.
(٣) ذكر في المصدر نفس الآية بدل «الآية».
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأشقياء.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عليهم.
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٧.
( فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ) : بالتّوبة والإخلاص.
( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) : واعتذروا إليك، حتّى انتصبت لهم شفيعا. وإنّما عدل عن الخطاب تفخيما لشأنه، وتنبيها على أنّ حقّ الرّسول أن يقبل اعتذار التّائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذّنوب.
( لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) (٦٤): لعلموه قابلا لتوبتهم، متفضّلا عليهم بالرّحمة. وإن كان «وجد» بمعنى: صادف، كان «توّابا» حالا و «رحيما» بدلا منه، أو حالا آخر، أو من الضّمير فيه.
وفي كتاب المناقب(١) ، لابن شهر آشوب: إسماعيل بن يزيد بإسناده، عن محمّد بن عليّ - عليهما السّلام - أنّه قال: أذنب رجل ذنبا في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتغيّب حتّى وجد الحسن والحسين - عليهما السّلام - في طريق خال. فأخذهما فاحتملهما على عاتقيه(٢) وأتى بهما النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله إنّي مستجير بالله وبهما. فضحك رسول اللهصلىاللهعليهوآله حتّى ردّ يده إلى فيه(٣) . ثمّ قال للرّجل: اذهب وأنت طليق(٤) . وقال للحسن والحسين: قد شفّعتكما فيه أي فتيان. فأنزل الله - تعالى - :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) .
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخل أو حين تدخلها، ثمّ تأتي قبر النّبيّصلىاللهعليهوآله إلى أن قالعليهالسلام : أللّهمّ إنّك قلت:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) وإنّي أتيت نبيّك مستغفرا تائبا من ذنوبي، وإنّي أتوجّه بك إلى الله ربّي وربّك ليغفر لي ذنوبي.
__________________
(١) مناقب آل أبي طالب ٣ / ٤٠٠.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عاتقه.
(٣) المصدر: فمه.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فأنت طلبتي.
(٥) الكافي ٤ / ٥٥٠ - ٥٥١، ح ١.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقوله(٢) :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) - يا عليّ -( فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً ) هكذا نزلت.
( فَلا وَرَبِّكَ ) : أي: فو ربّك. و «لا» مزيدة لتأكيد القسم. وقيل(٣) «لا» لتظاهر «لا» في قوله:( لا يُؤْمِنُونَ ) : وفيه ضعف. لأنّها تزاد في الإثبات أيضا، كقوله(٤) :( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) .
( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) : فيما اختلف بينهم واختلط. ومنه الشّجر، لتداخل أغصانه واختلاطها.
( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ) : ضيقا ممّا حكمت به. أو من حكمك. أو شكّا من أجله، فإنّ الشّاكّ في ضيق من أمره.
( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (٦٥): وينقادوا لك بظاهرهم وباطنهم.
وفي أصول الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة أو بريد، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لقد خاطب الله أمير المؤمنينعليهالسلام في كتابه.
قال: قلت: في أيّ موضع؟
قال: في قوله:( وَلَوْ أَنَّهُمْ ) وتلا إلى قوله:( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) فيما تعاقدوا عليه: لئن أمات الله محمّداصلىاللهعليهوآله ألّا يردّوا هذا الأمر في بني هاشم( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ) عليهم من القتل والعفو( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) .
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٦) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الله بن يحيى الكاهليّ قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : لو أنّ قوما عبدوا الله وحده
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٤٢.
(٢) يوجد في المصدر بعد «قوله»:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ) فانّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة عن أبي جعفرعليهالسلام قال:
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٧.
(٤) البلد / ١.
(٥) الكافي ١ / ٣٩٧، ح ٧.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٣٩٨، ح ٦.
لا شريك له، وأقاموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثمّ قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه النّبيّصلىاللهعليهوآله : ألا صنع خلاف الّذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين. ثمّ تلا هذه الآية(١) . ثمّ قال أبو عبد اللهعليهالسلام فعليك بالتّسليم.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ(٢) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الله الكاهليّ قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام وذكر مثله سواء.
وفيه(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: إنّ عندنا رجلا يقال له: كليب. فلا يجيء عنكم شيء إلّا قال: أنا أسلّم، فسمّيناه كليب تسليم. قال: فترحّم عليه. ثمّ قال: أتدرون ما التّسليم؟
فسكتنا. فقال: هو والله الإخبات. قول الله - عزّ وجلّ(٤) - :( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ )
وفي كتاب التّوحيد(٥) بإسناده إلى عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفيّ، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : و( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ )
قال جابر: يا ابن رسول الله، وكيف لا يسأل عمّا يفعل؟
قال: لأنّه لا يفعل إلّا ما كان من حكمته صوابا. وهو المتكبّر الجبّار والواحد القهّار. فمن وجد في نفسه حرجا في شيء ممّا قضى الله فقد كفر. ومن أنكر شيئا من أفعاله جحد.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) بإسناده إلى محمّد بن قيس، عن ثابت الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في آخر حديث له :
__________________
(١) ذكر في المصدر، بعد هذه العبارة، نفس الآية.
(٢) نفس المصدر ١ / ٣٩٠، ح ٢.
(٣) نفس المصدر ١ / ٣٩٠ - ٣٩١، ح ٣.
(٤) هود / ٢٣.
(٥) التوحيد / ٣٩٧، ذيل حديث ١٣.
(٦) كمال الدين وتمام النعمة / ٣٢٣ - ٣٢٤، ضمن حديث ٨.
انّ للقائم منّا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى. أمّا الأولى فستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ستّة سنين. وأمّا الأخرى فيطول أمرها حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به.
فلا يثبت عليه إلّا من قوي يقينه وصحّت معرفته ولم يجد في نفسه حرجا ممّا قضينا وسلّم لنا أهل البيت.
وبهذا الإسناد قال(١) : قال عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - أنّه قال(٢) : إنّ دين الله - عزّ وجلّ - لا يصاب بالعقول النّاقصة والآراء الباطلة والمقائيس الفاسدة. ولا يصاب إلّا بالتّسليم. فمن سلّم لنا سلم. ومن اقتدى بنا هدي. ومن دان بالقياس(٣) والرّأي هلك. ومن وجد في نفسه شيئا ممّا نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالّذي أنزل السّبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) ، للطّبرسيّ - رحمه الله - ، عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، وفيه: وليس كلّ من أقرّ - أيضا - من أهل القبلة بالشّهادتين كان مؤمنا. إنّ المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، ويدفعون عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله بما عهد به من دين الله وعزائمه وبراهين نبوّته إلى وصيّه، ويضمرون من الكراهية(٥) لذاك والنّقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم فيما قد بيّنه الله - تعالى - لنبيّه بقوله:( فَلا وَرَبِّكَ ) وتلا إلى قوله :
( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) .
( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) : قيل(٦) : تعرّضوا بها للقتل بالجهاد. أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل.
و «أن» مصدريّة. أو مفسّرة. لأنّ كتبنا في معنى: أمرنا.
( أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ) خروجهم.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب: «أن اقتلوا» بكسر النّون على التّحريك. و «أو اخرجوا» بضمّ الواو للاتّباع، والتّشبيه بواو الجمع في نحو: ولا تنسوا الفضل.
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٢٤، ح ٩.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: «ومن كان يعمل بالقياس» بدل «ومن دان بالقياس».
(٤) الاحتجاج ١ / ٣٦٩.
(٥) المصدر: الكراهة.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٧.
وقرأ نافع وحمزة، بكسرها، على الأصل. والباقون، بضمّها، إجراء لهما مجرى الهمزة المتّصلة بالفعل(١) .
( ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) : توبيخ لهم. والضّمير للمكتوب، المدلول عليه بقوله: «كتبنا». أو لأحد مصدري الفعلين.
وقرأ ابن عامر، بالنّصب، على الاستثناء. أو على إلّا فعلا قليلا(٢) .
( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ) : من مطاوعة الرّسول، وما يقوله طوعا ورغبة.
( لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ) : في العاجل والآجل.
( وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) (٦٦): لإيمانهم. ونصبه على التّمييز.
قال البيضاوي(٣) : والآية - أيضا - نزلت في شأن المنافق واليهوديّ.
وقيل(٤) إنّها والّتي قبلها نزلتا في حاطب بن أبي بلتعة، خاصم زبيرا في شراج من الحرّة كانا يسقيان بها النّخل، فقال - عليه الصّلاة والسّلام - : إسق يا زبير ثمّ أرسل الماء إلى جارك.
فقال حاطب: لأن كان ابن عمّتك.
فقال - عليه الصّلاة والسّلام - : إسق يا زبير ثمّ احبس الماء إلى الجدر واستوف حقّك ثمّ أرسله إلى جارك.
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : و( لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) وسلّموا للإمام تسليما( أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ) رضا له ما فعلوه إلا قليلا منهم ولو أنّ أهل الخلاف فعلوا ما يوعطون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وفي هذه الآية:( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ) من أمر الوالي( وَيُسَلِّمُوا ) لله الطّاعة( تَسْلِيماً )
وفي أصول الكافي(٦) : أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن بكّار، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: هكذا نزلت هذه الآية: «ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به في عليّعليهالسلام لكان خيرا لهم».
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢ و ٣ و ٤) نفس المصدر ١ / ٢٢٨.
(٥) الكافي ٨ / ١٨٤، ح ٢١٠.
(٦) نفس المصدر ١ / ٤٢٤، ح ٦٠.
عليّ بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن أبي طالب، عن يونس بن بكّار، عن أبيه، عن جابر، عن أبي جعفرعليهالسلام : و «لو أنّهم فعلوا ما يوعظون به في عليٍّعليهالسلام لكان خيرا لهم».
( وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ) (٦٧): جواب لسؤال مقدّر، كأنّه قيل(١) وما: يكون لهم بعد التّثبيت؟ فقال: وإذا لو ثبتوا لآتيناهم. لأنّ «إذا» جواب وجزاء. والواو للاستئناف.
( وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) (٦٨): يصلون بسلوكه إلى رضوان الله وجنّته ،
كما يقول:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) : الّذين في أعلى علّيّين.
( وَالصِّدِّيقِينَ ) : الّذين صدقوا في أقوالهم وأفعالهم.
( وَالشُّهَداءِ ) : المقتولين في سبيل الله.
( وَالصَّالِحِينَ ) : الّذين صلحت حالهم، واستقامت طريقتهم.
وكلمة «من» مع ما يتبعها بيان «للّذين» حال منه، أي: من ضميره.
( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (٦٩): فيه معنى التّعجّب. «رفيقا» نصب على التّميّز، أو الحال. ولم يجمع. لأنّه يقال للواحد وتجمع، كالصّديق. أو لأنّه أريد به: وحسن كلّ واحد منهم رفيقا.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسين بن علوان الكلبيّ، عن عليّ بن الحزور الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة الحنظليّ قال: رأيت أمير المؤمنينعليهالسلام افتتح البصرة وركب بغلة رسول الله، ثمّ قال: أيّها النّاس ألّا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم الله؟
فقام إليه أبو أيّوب الأنصاريّ فقال: [بلى](٣) يا أمير المؤمنين، حدّثنا. فإنّك كنت تشهد ونغيب.
فقال: إنّ خير خلق الله يوم يجمعهم الله سبعة من ولد عبد المطّلب. لا ينكر فضلهم إلّا كافر ولا يجحد بهم(٤) إلّا جاحد.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٨.
(٢) الكافي ١ / ٤٥٠، ح ٣٤.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: يجحد به.
فقام عمّار بن ياسر - رحمه الله - فقال: يا أمير المؤمنين، سمّهم لنا لنعرفهم(١) .
فقال: إنّ خير الخلق يوم يجمعهم الله الرّسل. وإنّ أفضل الرّسل محمّدصلىاللهعليهوآله وإنّ أفضل كلّ أمّة بعد نبيّها وصيّ نبيّها حتّى يدركه نبيّ. ألا وإنّ أفضل الأوصياء وصيّ محمّد - عليه وآله السّلام. ألا وإنّ أفضل الخلق بعد الأوصياء الشّهداء. ألا وإنّ أفضل الشّهداء حمزة بن عبد المطّلب وجعفر بن أبي طالب. له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة. لم ينحل أحد من هذه الأمّة جناحان غيره، شيء كرم الله به محمّداصلىاللهعليهوآله وشرفه. والسّبطان الحسن والحسين - عليهما السّلام - والمهديّ، يجعله الله من شاء منّا أهل البيت. ثمّ قرأ هذه الآية:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ ) - إلى -( حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (٢) .
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٣) ، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: أعينونا بالورع. فإنّه من لقي الله - عزّ وجلّ - منكم بالورع كان له عند الله - عزّ وجلّ - فرجا، وإنّ الله - تعالى - يقول:( مَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ) - وقرأ إلى -( حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) . فمنّا النّبيّ ومنّا الصّدّيق والشّهداء والصّالحون.
أبو عليّ الأشعريّ: عن محمّد بن سالم(٤) ، عن أحمد بن النّضر الخزّاز، عن جدّه الرّبيع بن سعد قال: قال لي أبو جعفرعليهالسلام يا ربيع، إنّ الرّجل ليصدق حتّى يكتبه الله صدّيقا.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عبد الله، عن خالد القميّ، عن خضر بن عمرو، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سمعته يقول: المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى الله بشروطه الّتي اشترطها(٥) عليه، فذلك مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا. وذلك ممّن يشفع ولا يشفع له. وذلك ممّن لا تصيبه(٦) أهوال الدّنيا ولا أهوال الآخرة. ومؤمن زلّت به قدم. فذلك كخامة الزّرع كيف
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فلنعرفنّهم.
(٢) ذكر في المصدر الآية بطولها.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٧٨، ح ١٢.
(٤) نفس المصدر ٢ / ١٠٥، ح ٨.
(٥) المصدر: شرطها.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يصيبه.
ما كفأته الرّيح انكفأ. وذلك ممّن تصيبه(١) أهوال الدّنيا وأهوال الآخرة ويشفع له وهو على خير.
وفي روضة الكافي(٢) بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتّباع الأئمّة الهداة وهم المؤمنون؟ قال:( أُولئِكَ ) - إلى -( حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) فهذا وجه من وجوه فضل اتّباع الأئمّة، فكيف بهم وفضلهم؟!
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٣) ، عن محمّد بن سليمان [، عن أبيه ،](٤) عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم الله في كتابه، فقال:( أُولئِكَ ) - إلى -( حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) . فرسول اللهصلىاللهعليهوآله في الآية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون فتسمّوا بالصّلاح كما سمّاكم الله - عزّ وجلّ -
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن عبد الله بن جندب، عن الرّضاعليهالسلام قال: حقّ على الله](٦) أن يجعل وليّنا رفيقا للنّبيّين والصدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وفي كتاب الخصال(٧) : عن الحسين بن عليّ - عليهما السّلام - قال: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوصى إلى عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وكان فيما أوصى به أن قال له: يا عليّ، من حفظ من أمّتي أربعين حديثا يطلب بذلك وجه الله - تعالى - والدّار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا.
فقال عليٌّعليهالسلام : يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما هذه الأحاديث؟ فقال: أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتعبده ولا تعبد غيره - إلى أن قال
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يصيبه.
(٢) الكافي ٨ / ١٠، ضمن حديث ١.
(٣) نفس المصدر ٨ / ٣٥ - ٣٦، ح ٦، وأوّله في ص ٣٣.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٥٦، ح ١٨٩.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٧) الخصال ٢ / ٥٤٣، ح ١٩.
بعد تعدادها صلوات الله عليه وآله - : فهذه أربعون حديثا، من استقام عليها وحفظها عنّي عن أمّتي دخل الجنّة برحمة الله، وكان من أفضل النّاس وأحبّهم إلى الله - تعالى - بعد النّبيّين والوصيّين، حشره الله - تعالى - يوم القيامة مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا.
عن محمّد بن أبي ليلى(١) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الصّدّيقون ثلاثة: عليّ بن أبي طالب، وحبيب النّجّار، ومؤمن آل فرعون.
وفي عيون الأخبار: عن الرّضاعليهالسلام (٢) عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لكلّ أمّة صدّيق وفاروق. وصدّيق هذه الأمّة وفاروقها عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
[وفي شرح الآيات الباهرة(٣)] (٤) ذكر الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ - رحمه الله - في كتابه مصباح الأنوار قال: حدّث(٥) النّبيّصلىاللهعليهوآله لعمّه العبّاس بمشهد من القرابة والصّحابة، روى أنس بن مالك قال: صلّى بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في بعض الأيّام صلاة الفجر، ثمّ أقبل علينا بوجهه الكريم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت(٦) أن تفسّر لنا قوله - تعالى - :( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) .
فقالصلىاللهعليهوآله : أمّا النّبيّون فأنا، وأمّا الصّدّيقون فأخي عليّ، وأمّا الشّهداء فعميّ حمزة، والصّالحون فابنتي فاطمة وأولادها الحسن والحسين.
قال: وكان العبّاس حاضرا. فوثب وجلس بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: ألسنا أنا وأنت وعليّ وفاطمة والحسن والحسين من نبعة(٧) واحدة؟
قال: وما ذاك يا عمّ؟
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ١٨٤، ح ٢٥٤.
(٢) عيون الأخبار ٢ / ١٢، ح ٣٠.
(٣) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط / ٥٠ - ٥١.
(٤) من ر.
(٥) المصدر: في حديث.
(٦) المصدر: إن رأيت.
(٧) المصدر: نبقة.
قال: لأنّك تعرّف بعليّ وفاطمة والحسن والحسين دوننا.
فتبسّم النّبيّصلىاللهعليهوآله وقال: أمّا قولك [يا عمّ](١) : «ألسنا من نبعة(٢) واحدة» فصدقت، ولكن يا عمّ إنّ الله خلقني وخلق عليّا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الله(٣) آدم، حين لا سماء مبنيّة ولا أرض مدحيّة ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنّة ولا نار.
فقال العبّاس: فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله؟
فقال: يا عمّ، لـمّا أراد الله أن يخلقنا تكلّم كلمة خلق منها نورا، ثمّ تكلّم كلمة أخرى فخلق منها روحا، ثمّ مزج النّور بالرّوح فخلقني وخلق عليّا وفاطمة والحسن والحسين. فكنّا نسبّحه حين لا تسبيح، ونقدّسه حين لا تقديس. فلمّا أراد الله - تعالى - أن ينشئ الصّنعة فتق(٤) نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري ونوري من نور الله ونوري أفضل من العرش، ثمّ فتق نور أخي عليّ فخلق منه الملائكة. فالملائكة من نور عليّ. ونور عليّ من نور الله. وعليّ أفضل من الملائكة. ثمّ فتق نور ابنتي فاطمة. فخلق منه السّماوات والأرض. فالسّماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة. ونور ابنتي فاطمة من نور الله - عزّ وجلّ - وابنتي فاطمة أفضل من السّماوات والأرض. ثمّ فتق نور ولدي الحسن. وخلق منه الشّمس والقمر فالشّمس والقمر من نور ولدي الحسن. ونور الحسن من نور الله. والحسن أفضل من الشّمس والقمر. ثمّ فتق نور ولدي الحسين. فخلق منه الجنّة والحور العين. فالجنّة والحور العين من نور ولدي الحسين. ونور ولدي الحسين من نور الله. و [ولدي](٥) الحسين أفضل من الجنّة والحور العين. ثمّ أمر الله الظّلمات أن تمرّ على سحائب المنظر(٦) . فأظلمت السّموات على الملائكة. فضجّت الملائكة بالتّسبيح والتّقديس. وقالت: إلهنا وسيّدنا منذ خلقتنا وعرّفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسا. فبحقّ
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: نبقة.
(٣) ليس في أو المصدر.
(٤) هكذا في المصدر وتفسير البرهان ١ / ٣٩٣، نقلا عن المصدر وفي بعض النسخ. وفي الأصل: شقّ.
(٥) من المصدر. وفي تفسير البرهان هكذا (١ / ٣٩٣)
(٦) المصدر: «سحائب القطر». وفي تفسير البرهان، ١ / ٣٩٣: «أن تمرّ بسحائب الظلم».
هذه الأشباح(١) إلّا ما كشفت عنّا هذه الظّلمة. فأخرج الله من نور ابنتي فاطمة(٢) قناديل.
فعلّقها في بطنان العرش. فأزهرت(٣) السّموات والأرض. ثمّ أشرقت بنورها. فلأجل ذلك سمّيت الزّهراء.
فقالت الملائكة: إلهنا وسيّدنا، لمن هذا النّور الزّاهر(٤) الّذي قد أشرقت به السّماوات والأرض؟
فأوحى الله إليها: هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتي فاطمة بنت حبيبي وزوجة وليّي وأخ نبيّي وأبي حججي على عبادي. أشهدكم ملائكتي أنّي قد جعلت ثواب تسبيحكم وتقديسكم لهذه المرأة وشيعتها ومحبّيها إلى يوم القيامة.
قال: فلمّا سمع العبّاس من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ذلك وثب قائما وقبّل بين عيني عليّعليهالسلام وقال: والله يا عليّ، أنت الحجّة البالغة لمن آمن بالله واليوم الآخر.
وفي أصول الكافي(٥) ، عن رجاله، عن إسماعيل بن جابر قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : من سرّه أن يلقى الله وهو مؤمن حقّا حقّا فليتولّ الله ورسوله والّذين آمنوا وليتبرّأ إلى الله من عدوّهم وليسلّم إلى ما انتهى إليه من فضلهم. إنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا من دون ذلك، ألم تسمعوا ما ذكره الله من فضل أتباع الأئمّة الهداة وهم المؤمنون؟ قال - تبارك وتعالى - :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ ) - وتلا إلى قوله - :( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) وقال: وهذا وجه من وجوه فضل أتباع الأئمّة، فكيف بهم وبفضلهم(٦)؟ !
[وفي كتاب معاني الأخبار(٧) : حدّثنا محمّد بن القاسم الاستراباديّ المفسّر قال: حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد وعليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن
__________________
(١) «لم نر بؤسا. فجق هذه الأشباح» ليس في المصدر وموجود في تفسير البرهان، ١ / ٣٩٣.
(٢) هكذا في النسخ وتفسير البرهان. وفي المصدر: نورا من ابنتي فاطمة.
(٣) ر: فأظهرت.
(٤) هكذا في النسخ وتفسير البرهان. وفي المصدر: النور الأزهر.
(٥) بل في روضة الكافي ٨ / ٨٠، ضمن حديث ١.
(٦) هكذا في أ. وفي المصدر وسائر النسخ: فضلهم.
(٧) معاني الأخبار / ٣٦، صدر حديث ٩.
عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام - في قول الله - عزّ وجلّ - :( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ، أي: اهدنا صراط الّذين أنعمت عليهم بالتّوفيق لدينك وطاعتك، وهم الّذين قال الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) حكي هذا بعينه عن أمير المؤمنينعليهالسلام
وفي بصائر الدّرجات(١) : الحسن بن أحمد(٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن العبّاس الحريش(٣) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ لنا [في ليالي الجمعة](٤) لشأنا(٥) - وذكر حديثا، وفي آخره قلت - : [والله](٦) ما عندي كثير صلاح.
قال: لا تكذب على الله. فإنّ الله قد سمّاك صالحا حيث يقول:( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) يعني: الّذين آمنوا بنا وبأمير المؤمنينعليهالسلام
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وامّا قوله:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) .
قال: النّبيّين، رسول اللهصلىاللهعليهوآله والصّدّيقين، [علي].(٨) والشّهداء، الحسن والحسين. والصّالحين، الأئمّة. وحسن أولئك رفيقا، القائم من آل محمّد - صلوات الله عليهم - ].(٩)
ونقل في سبب نزول هذه الآية: أنّ ثوبان مولى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أتاه يوما وقد تغيّر وجهه ونحل جسمه، فسأله عن حاله، فقال: ما بي من وجع، غير أنّي إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثمّ ذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأنّي عرفت أنّك ترفع مع النّبيّين، وإن أدخلت الجنّة كنت في
__________________
(١) بصائر الدرجات / ١٥٠ - ١٥١، ضمن حديث ٢.
(٢) المصدر: الحسين بن محمّد.
(٣) المصدر: العباس بن حريش.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: شأنا.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٤٢ - ١٤٣.
(٨) من المصدر.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت(١) .
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومرتبتهم.
( الْفَضْلُ مِنَ اللهِ ) : خبره. أو «الفضل» خبره، و «من الله» حال. والعامل فيه، معنى الإشارة.
( وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً ) (٧٠): بجزاء من أطاعه. أو بمقادير الفضل، واستحقاق أهله.
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفيّ(٢) قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعنا، عن أصبغ بن نُباتة قال: لـمّا(٣) هزمنا أهل البصرة جاء عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حتّى استند إلى حائط من حيطان البصرة. فاجتمعنا حوله وأمير المؤمنينعليهالسلام راكب والنّاس نزول. فيدعو الرّجل باسمه فيأتيه. ثمّ يدعو الرّجل باسمه فيأتيه. [ثم يدعو الرجل فيأتيه].(٤) حتّى وافاه بها(٥) نحو ستّين شيخا، كلّهم قد: صغروا(٦) اللّحى وعقصوها وأكثرهم يومئذ من همدان. فأخذ أمير المؤمنين في طريق من طرائق(٧) البصرة ونحن معه، وعلينا الدّروع والمغافر(٨) ، متقلّدين السّيوف، متنكّبي الأترسة(٩) ، حتّى انتهى إلى دار قوراء [عظيمة].(١٠) فدخلنا. فإذا فيها نسوة يبكين. فلمّا رأينه صحن صيحة واحدة وقلن: هذا قاتل الأحبّة. فأسكت(١١) عنهم. ثمّ قال: أين منزل عائشة؟ فأوموا إلى حجرة في الدّار، فحملنا عليّا من دابّته. فأنزلناه. فدخل عليها. فلم أسمع من قول عليّ شيئا إلّا أنّ عائشة كانت امرأة(١٢) عالية الصّوت. فسمعت كهيئة المعاذير: إنّي لم أفعل. ثمّ خرج علينا أمير المؤمنين عليّعليهالسلام فحملنا عليّا على دابّته. فعارضته(١٣) امرأة من قبل
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٩.
(٢) تفسير فرات / ٣٥ - ٣٦.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: لها.
(٦) المصدر: صفروا.
(٧) المصدر: طرق.
(٨) المصدر: المغافير.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: متنكي الاترمعيه.
(١٠) من المصدر.
(١١) هكذا في النسخ والمصدر. والظاهر: فسكت عنهنّ.
(١٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: امرأة كانت.
(١٣) المصدر: فعارضت.
الدّار.
فقال(١) : أين صفيّة؟
قالت: لبيّك يا أمير المؤمنين.
قال: ألا تكفيني عنّي هؤلاء الكلبات الّتي يزعمن أنّي قتلت(٢) الأحبّة. لو قتلت الأحبّة لقتلت من في تلك الدّار - وأومأ بيده إلى ثلاث حجر في الدّار. فضربنا بأيدينا على(٣) قوائم السّيوف. وضر(٤) بنا بأبصارنا إلى الحجر الّتي أومأ إليها. فو الله ما بقيت في الدّار باكية إلّا سكتت، ولا قائمة إلّا جلست.
قلت: يا أبا القاسم، فمن كان في تلك الثّلاث حجر؟
قال: أمّا واحدة فكان فيها مروان بن الحكم جريحا ومعه شباب قريش جرحى، وأمّا الثّانية [فكان](٥) فيها عبد الله بن الزّبير ومعه [آل](٦) الزّبير جرحى، وأمّا الثّالثة فكان فيها رئيس أهل البصرة يدور مع عائشة أين ما دارت.
قلت: يا أبا القاسم، هؤلاء أصحاب القرحة، هلا ملتم(٧) عليهم بهذه السّيوف.
قال: يا بن أخي، أمير المؤمنين أعلم منك وسعهم أمانه، إنّا لـمّا هزمنا القوم نادى مناديه: لا يذفف(٨) على جريح، ولا يتبع مدبر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن سنّة يستنّ بها(٩) بعد يومكم هذا.
ثمّ مضى ومضينا معه حتّى انتهينا إلى المعسكر. فقام إليه ناس من أصحاب النّبيّصلىاللهعليهوآله منهم، أبو أيّوب الأنصاريّ وقيس بن سعد(١٠) وعمّار بن ياسر وزيد بن حارثة وأبو ليلى، فقال: ألا أخبركم بسبعة من أفضل الخلق يوم يجمعهم الله - تعالى - ؟
__________________
(١) المصدر: ثم قال.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قتلنا.
(٣) المصدر: إلى.
(٤) المصدر: فضربنا.
(٥ و ٦) من المصدر.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فلا ملتم.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لا يدفق.
(٩) النسخ: «فهي ابن سنة بسنتين بها» بدل «فهو آمن سنّة يستنّ بها». وما أثبتناه في المتن موافق المصدر.
(١٠) هو قيس بن سعد بن عبادة بن ولهم الساعدي. وفي المصدر: «قيس بن سعيد». فهي خطأ. ر. تنقيح المقال ٢ / ٣١، رقم ٩٧١٢.
قال أبو أيّوب: بلى(١) والله فأخبرنا يا أمير المؤمنين، فإنّك كنت تشهد ونغيب.
قال: فإنّ أفضل الخلق يوم يجمعهم الله سبعة من بني عبد المطّلب، لا ينكر فضلهم إلّا كافر، ولا يجحد إلّا جاحد.
قال عمّار بن ياسر - رضي الله عنه - : ما اسمهم يا أمير المؤمنين لنعرفهم(٢) .
قال: إنّ أفضل الخلق يوم يجمع الله الرّسل، وإنّ من أفضل الرّسل محمّدا - عليهم أفضل الصّلاة والسّلام - ثمّ إنّ أفضل كلّ أمّة بعد نبيّها وصيّ نبيّها حتّى يدركه نبيّ، وإنّ أفضل الأوصياء وصيّ محمّدصلىاللهعليهوآله ثمّ إنّ أفضل النّاس بعد الأوصياء الشّهداء، وإنّ أفضل الشّهداء جعفر بن أبي طالب(٣) - رحمه الله - ذو جناحين مع الملائكة لم يحلّ بحليته أحد من الآدميّين في الجنّة، شيء شرفّه الله به. والسّبطان الحسنان سيّدا شباب أهل الجنّة(٤) ولادته آباءهما(٥) والمهديّ يجعله الله من أحبّ منّا أهل البيت.
ثمّ قال: أبشروا - ثلاثة -( مَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً )
وقال: حدّثني الحسن بن عليّ(٦) معنعنا، عن أصبغ بن نباتة قال: قال(٧) عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : إنّي أريد أن أذكر حديثا.
قلت(٨) : فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تذكره؟ فقال: ما قلت هذا إلّا وأنا أريد أن أذكره. ثمّ قال: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين كان أفضلهم سبعة منّا بني عبد المطّلب ،
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فلنعرفنهم.
(٣) المصدر: «حمزة بن عبد المطّلب وجعفر بن أبي طالب.» ولعلّه الصواب.
(٤) النسخ والمصدر: الحسنين سيدي شباب أهل الجنة.
(٥) كذا في النسخ وفي المصدر: من ولدت آباهما.
(٦) هكذا في الأصل ور. وفي نسخة المجلس: «الحسن بن علي بن بزيع». وفي المصدر: «الحسين بن علي بن بزيع». ولم نعثر على «بزيع» إلّا «أحمد بن حمزة بن بزيع» و «أحمد بن عميرة بن بزيع». والحديث في نفس المصدر / ٣٥ - ٣٦.
(٧) المصدر: لي.
(٨) المصدر: «فقال عمار بن ياسر فذكره قال: إنّي أريد أن أذكر حديثا. قال أبو أيّوب الأنصاري :» بدل «قلت».
الأنبياء أكرم(١) الخلق ونبيّنا أفضل الأنبياء(٢) عليهالسلام ثمّ الأوصياء أفضل الأمم(٣) ووصيّه أفضل الأوصياءعليهالسلام ثمّ الشّهداء أفضل الأمم بعد الأوصياء(٤) ، وحمزة سيّد الشّهداء، وجعفر ذو الجناحين يطير مع الملائكة، لم ينحله الله شهيدا قطّ قبله - رحمة الله عليهم أجمعين(٥) - من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما. ثمّ(٦) السّبطان حسن وحسين(٧) . والمهديّ - عليهم السّلام والتّحيّة والإكرام - جعله(٨) الله ممّن يشاء أهل البيت.
وقال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد(٩) معنعنا، عن سليمان الدّيلميّ قال: كنت عند عبد اللهعليهالسلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد أخذه النّفس، فلمّا أن أخذ مجلسه قال أبو عبد اللهعليهالسلام : يا أبا محمّد، ما هذا النّفس العالية؟
قال: جعلت فداك يا بن رسول الله، كبرت سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي، ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام يا أبا محمّد، وإنّك لتقول هذا! قال: وكيف لا أقول هذا؟ فذكر كلاما، ثمّ قال: يا أبا محمّد، لقد ذكركم الله في كتابه المبين [بقوله](١٠) :( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) فرسول اللهصلىاللهعليهوآله في الآية النّبيّين، ونحن في هذا الموضع الصّدّيقين والشّهداء، وأنتم الصّالحون، فسمّوا بالصّلاح كما سمّاكم الله يا أبا محمّد].(١١)
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) : فتيقّظوا واستعدّوا للأعداء. الحذر والحذر، كالإثر والأثر.
__________________
(١) المصدر: أكرم الخلق على الله.
(٢) المصدر: أكرم الأنبياء.
(٣) المصدر: أفضل الأمم بعد الأنبياء.
(٤) المصدر: بعد الأنبياء والأوصياء.
(٥) المصدر: «وإنّما ذلك شيء أكرم الله به وجه محمّد - صلّى الله عليه وآله. ثم قال: أولئك مع الّذين أنعم الله عليهم» بدل «رحمة الله عليهم أجمعين».
(٦) المصدر: و.
(٧) النسخ والمصدر: حسنا وحسينا.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جعلهم.
(٩) نفس المصدر / ٣٦.
(١٠) من المصدر.
(١١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وقيل(١) : ما يحذر به، كالحزم والسّلاح.
ويؤيّده ما رواه في مجمع البيان(٢) : عن أبي جعفرعليهالسلام أنّ: معناه: خذوا أسلحتكم.
( فَانْفِرُوا ) : فاخرجوا إلى الجهاد.
( ثُباتٍ ) : جماعات متفرّقة. جمع، ثبة. من ثبيت على فلان، إذا ذكرت متفرّق محاسنه. ويجمع - أيضا - على ثبين، جبرا لما حذف من عجزه.
( أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ) (٧١): مجتمعين كوكبة واحدة.
وروي في مجمع البيان(٣) : عن أبي جعفرعليهالسلام : أنّ المراد بالثّبات، السّرايا. وبالجميع، العسكر.
والآية وإن نزلت في الحرب، لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلّها كيف ما أمكن قبل الفوات.
( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ ) : الخطاب لعسكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله المؤمنين منهم والمنافقين. والمبطئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلّفوا عن الجهاد. من بطأ، بمعنى: أبطأ. وهو لازم. أو ثبّطوا غيرهم، كما ثبّط ابن أُبيّ ناسا يوم أحد. من بطأ منقولا من بطؤ، كثقل من ثقل.
واللّام الأولى للابتداء، دخلت على اسم «إنّ» للفصل. والثّانية جواب قسم محذوف. والقسم بجوابه صلة «من» والرّاجع إليه ما استكنّ في «ليبطئنّ» والتّقدير: وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئنّ.
( فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ) : كقتل وهزيمة.
( قالَ ) ، أي: المبطئ.
( قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) (٧٢): حاضرا، فيصيبني ما أصابهم.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الصّادقعليهالسلام : لو أنّ أهل السّماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله لكانوا بذلك
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٩.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٧٣.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٧٣.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٧٤.
كفّارا مشركين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم والعيّاشيّ(١) : عن الصّادقعليهالسلام : لو قال هذه الكلمة أهل الشّرق والغرب لكانوا بها خارجين من الإيمان، ولكنّ الله سمّاهم مؤمنين بإقرارهم.
وفي رواية(٢) : سمّاهم مؤمنين، وليسوا هم بمؤمنين ولا كرامة.
( وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ ) كفتح وغنيمة.
( لَيَقُولَنَ ) : أكّده تنبيها على فرط تحسّره.
وقرئ، بضمّ اللّام، إعادة للضّمير على المعنى(٣) .
( كَأَنْ لَمْ تَكُنْ ) :
وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب، بالتّاء، لتأنيث لفظ المودّة(٤) .
( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) : اعتراض بين الفعل ومفعوله، وهو( يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) (٧٣): تنبيه على ضعف عقيدتهم، وأنّ قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه، وإنّما يريد أن يكون معكم لمجرّد المال. أو حال عن الضّمير في «ليقولنّ»، أي: حال كونهم لا مودّة بينه وبينكم، بناء على أنّه إنّما يريد أن يكون معكم لمجرّد المال. أو داخل في المقول، أي: يقول المبطئ لمن يثبّطه من المنافقين وضعفة المسلمين تضريبا وحسدا: كأن لم يكن بينكم وبين محمّدعليهالسلام مودّة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فاز( يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ) . والقول باتّصاله بالجملة الأولى ضعيف، إذ لا يفصل أبعاض الجملة بما لا يتعلّق بها لفظا ومعنى.
و «كأن» مخفّفة، واسمها ضمير الشّأن المحذوف. والمنادى في «يا ليتني» محذوف، أي: يا قوم. وقيل: «يا» للتّنبيه على الاتّساع. «فأفوز» نصب على جواب التّمنّي.
وقرئ، على تقدير: فأنا أفوز في ذلك الوقت. أو العطف على «كنت».
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٤٣+ تفسير العياشي ١ / ٢٥٧، ح ١٩١.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٥٧، ح ١٩١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٢٩.
(٤) نفس المصدر والموضع.
( فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ. الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) ، أي: يبيعونها.
( بِالْآخِرَةِ ) ، يعني: إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة. أو فليقاتل الّذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، وهم المبطئون.
والمقصود، حثّهم على ترك ما حكى عنهم.
( وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (٧٤): وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب، ترغيبا في القتال، وتكذيبا لقولهم(١) :( قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) . وإنّما قال:( فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ) تنبيها على أنّ المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتّى يعزّ نفسه بالشّهادة أو الدّين بالظّفر والغلبة، وأن لا يكون قصده بالذّات إلى القتل، بل إعلاء الحقّ وإعزاز الدّين.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه - عليهما السّلام - أن النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرّجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله ليس فوقه برّ.
[عن أبي جعفرعليهالسلام (٣) قال: كلّ ذنب يكفّره القتل في سبيل الله إلّا الدّين لا كفّارة له، إلّا أداءه، أو يقضي صاحبه، أو يعفو الّذي له عليه الحقّ].(٤)
وعن الصّادقعليهالسلام (٥) : من قتل في سبيل الله لم يعرّفه الله شيئا من سيّئاته.
وعن النّبيّصلىاللهعليهوآله (٦) : للشّهيد سبع خصال من الله: أوّل قطرة من دمه، مغفور له كلّ ذنب. والثّانية، يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين وتمسحان الغبار عن وجهه، تقولان: مرحبا بك، ويقول هو مثل ذلك لهما، والثّالثة، يكسى من كسوة الجنّة. والرّابعة، يبتدر خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة، أيّهم يأخذه منه، والخامسة، أن يرى منزله. والسّادسة، يقال لروحه: اسرحي(٧) في الجنّة حيث شئت. والسّابعة، أن ينظر
__________________
(١) النساء / ٧٢.
(٢) الخصال ١ / ٩، ح ٣١.
(٣) نفس المصدر / ١٢، ح ٤٢.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) الكافي ٥ / ٥٤، ح ٦.
(٦) تهذيب الأحكام ٦ / ١٢١ - ١٢٢، ح ٣.
(٧) المصدر والنسخ: اسرح.
في وجه الله، وإنّها الرّاحة لكلّ نبيّ وشهيد.
( وَما لَكُمْ ) : مبتدأ وخبر.
( لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : حال. والعامل فيها، ما في الظّرف عن معنى الفعل.
( وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ) : عطف على اسم «الله»، أي: وفي سبيل المستضعفين.
وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ. أو على «السّبيل» بحذف المضاف، أي: وفي خلاص المستضعفين.
ويحتمل النّصب على الاختصاص، فإنّ «سبيل الله» يعمّ أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفّار أعظمها وأخصّها.
( مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) : بيان «للمستضعفين» وهم المسلمون الّذين بقوا بمكّة لصدّ المشركين، أو لضعفهم عن الهجرة مبتذلين. وإنّما ذكر «الولدان» مبالغة في الحثّ، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين، بحيث بلغ أذاهم الصّبيان، وأنّ دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدّعاء، حتّى يشاركوا في استنزال الرّحمة واستدفاع البليّة.
وفي الكشّاف(١) : أنّ المراد به، العبيد والإماء. وهو جمع وليد.
( الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) (٧٥): فاستجاب الله دعاءهم بأن يسّر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وناصر بفتح مكّة على نبيّه - صلّى الله عليه وآله وسلّم - فتولّاهم ونصرهم.
قيل: ثمّ استعمل عليهم عتاب بن أسيد، فحماهم ونصرهم حتّى صاروا أعزّة أهلها.
و «القرية» مكّة. و «الظّالم» صفتها. وتذكيرها لتذكير ما أسند إليه، لأنّ اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له، كان كالفعل يذكّر ويؤنّث على حسب ما عمل فيه.
في روضة الكافي(٢) : ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن سعيد
__________________
(١) الكشاف ١ / ٥٣٤ ويوجد أيضا في أنوار التنزيل ١ / ٢٣٠.
(٢) الكافي ٨ / ٣٤٠، ح ٥٣٦.
بن المسيّب، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - قال - في حديث طويل - : وقد كانت خديجة - عليهما السّلام - ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالبعليهالسلام بعد موت خديجة بسنة، فلمّا فقدهما رسول اللهصلىاللهعليهوآله سئم المقام بمكّة ودخله حزن شديد وأشفق على نفسه من كفّار قريش، فشكى إلى جبرئيل ذلك، فأوحى الله - عزّ وجلّ - إليه: أن اخرج من القرية الظّالم أهلها وهاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكّة ناصر، وانصب للمشركين حربا. فعند ذلك توجّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى المدينة.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن حمران عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه تلا:( الْمُسْتَضْعَفِينَ ) - إلى -( نَصِيراً ) وقال: نحن أولئك. وعن سماعة(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام مثله.
( الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ، أي: فيما يصلون به إلى الله.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) : فيما يبلغ بهم إلى الشّيطان.
( فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ) : لـمّا ذكر مقصد الفريقين، أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشّيطان. ثمّ شجّعهم بقوله:( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) (٧٦)، أي: أنّ كيده للمؤمنين - بالإضافة إلى كيد الله للكافرين - ضعيف لا يؤبه به، فلا تخافوا أولياءه، فإنّ اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه، واعتمادكم على أقوى شيء وأحكمه.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: إذا سمعتم العلم فاستعملوه ولتسع قلوبكم. فإنّ العلم إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر الشّيطان عليه. فإذا خاصمكم الشّيطان فأقبلوا عليه بما تعرفون.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٥٧، ح ١٩٣.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٩٤.
(٣) الكافي ١ / ٤٥، ح ٧.
فإنّ كيد الشّيطان كان ضعيفا.
فقلت: وما الّذي نعرفه؟
قال: خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله - عزّ وجلّ -
( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) : عن القتال.
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) : واشتغلوا بما أمرتم به منهما.
قيل(١) : وذلك حين كانوا بمكة، وكانوا يتمنّون أن يؤذن لهم في ذلك.
وفي مجمع البيان(٢) : المرويّ عن أئمّتنا - عليهم السّلام - : أنّ هذه الآية منسوخة بقوله:( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ) .
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عبد الله بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية: كفّوا ألسنتكم.
فعلى هذه الرّواية، تكون الآية في من لا يصلح له القتال. ويكون المراد بكفّ الأيدي، كفّ الألسن عمّا يوجب القتال. ولم تكن الآية منسوخة. والجمع بينها وبين الرّواية الأولى، أنّها منسوخة ببعض معانيها، محكمة ببعض آخر.
وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن منصور، عن حريز، عن عبد الله، عن الفضيل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: يا فضيل، أما ترضون أن تقيموا الصّلاة وتؤتوا الزّكاة وتكفّوا ألسنتكم وتدخلوا الجنّة؟ ثمّ قرأ:( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) أنتم والله أهل هذه الآية.
[يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان(٥) ، عن مالك الجهنيّ قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : يا مالك، أما ترضون أن تقيموا الصّلاة وتؤتوا الزّكاة وتكفّوا ألسنتكم وتدخلوا الجنّة؟](٦) .
( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ ) :
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٧٧.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٨٥.
(٣) الكافي ٢ / ١١٤، ح ٨.
(٤) نفس المصدر ٨ / ٢٨٩، ح ٤٣٤.
(٥) نفس المصدر ٨ / ١٤٦، ح ١٢٢.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
يخشون الكفّار أن يقتلوهم، كما يخشون الله أن ينزّل عليهم بأسه.
و «إذا» للمفاجأة جواب «لمّا».
و «فريق» مبتدأ، «منهم» صفته، و «يخشون» خبره.
و «كخشية الله» من إضافة المصدر إلى المفعول، وقع موقع المصدر، أو الحال، من فاعل «يخشون» على معنى: يخشون النّاس مثل أهل خشية الله منه.
( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) : عطف عليه، إن جعلته حالا. وإن جعلته مصدرا، فلا.
لأنّ أفعل التّفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه، بل هو معطوف على اسم الله، أي: وكخشية الله أو كخشية أشدّ خشية منه، على الفرض. أللّهمّ إلّا أن نجعل الخشية ذات خشية، كقولهم: جدّ جدّه. على معنى: يخشون النّاس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشدّ خشية من خشية الله.
( وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) :
استزادة في مدّة الكفّ عن القتال، حذرا عن الموت. ويحتمل أنّهم ما تفوّهوا به، ولكن قالوه في أنفسهم، فحكى الله عنهم.
وفي تفسير العيّاشي(١) [، عنه:( كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) قال: نزلت في الحسن بن عليّ، أمره الله بالكفّ.( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ) قال: نزلت في الحسين بن عليّ، كتب الله عليه وعلى أهل الأرض أن يقاتلوا معه.
عليّ بن أسباط(٢) يرفعه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لو قاتل معه أهل الأرض، لقتلوا كلّهم].(٣)
[عن إدريس مولى لعبد الله بن جعفر(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في تفسير هذه الآية:( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) مع](٥) الحسن.( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ) مع الحسينعليهالسلام ( قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) إلى خروج القائمعليهالسلام فإنّ معه
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٥٨، ح ١٩٨ - وفيه: «وفي رواية الحسن بن زياد العطّار عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله» بدل «عنه».
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٩٩.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٥٧ - ٢٥٨، ح ١٩٥.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
النّصر والظّفر.
[وفي روضة الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي الصّباح بن عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: والله، للّذي صنعه الحسن بن عليّ - عليهما السّلام - كان خيرا لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشّمس، والله لقد نزلت هذه الآية:( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) إنّما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ) مع الحسينعليهالسلام ( قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) نجب دعوتك ونتّبع الرّسل أرادوا تأخير ذلك إلى القائمعليهالسلام ].(٢)
قال الله - تعالى -( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) : سريع التّقضّي.
( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (٧٧)، أي: ولا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم، فلا ترغبوا عنه. أو من آجالكم المقدّرة. و «الفتيل» حبل دقيق من ليف. والسّماة الّتي في شقّ النواة. وما فتلته بين أصابعك من الوسخ. يكنّى به عن القليل، كقولهم: وما أغنى عنك فتيلا. وقرأ ابن كثير والكسائيّ، بالياء، لتقدّم الغيبة(٣) .
( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ) :
وقرئ، بالرّفع، على حذف الفاء. أو على أنّه كلام مبتدأ. و «أينما» متّصل بلا تظلمون(٤) .
( وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) : في قصور، أو حصون مرتفعة.
و «البروج» في الأصل، بيوت على أطراف القصر. من تبرّجت المرأة، إذا ظهرت.
وقرئ: مشيّدة. بصيغة اسم الفاعل، وصفا لها بوصف فاعلها، كقولهم: قصيدة شاعرة ومشيّدة. من شاد القصر، إذا رفعه(٥) .
( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ) : نعمة، كخصب.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٣٠، ح ٥٠٦.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣١.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) نفس المصدر والموضع.
( يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) ، أي: بليّة، كقحط.
( يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ) : يطّيّروا بك. ويقولون: إن هي إلّا بشؤمك، كما قالت اليهود حين دخل محمّدعليهالسلام المدينة: نقصت ثمارها وغلت أسعارها.
( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) : يبسط ويقبض، حسب إرادته.
( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) (٧٨): يوعظون به، وهو القرآن. فإنهم لو فهموه وتدبّروا معانيه لعلموا أنّ الكلّ من الله. أو حديثا ما، كبهائم لا إفهام لها. أو حادثا من صروف الزّمان، فيتفكّروا فيها، فيعلموا أنّه الباسط والقابض.
( ما أَصابَكَ ) : يا إنسان:( مِنْ حَسَنَةٍ ) : من نعمة.
( فَمِنَ اللهِ ) : تفضّلا، فإنّ كلّ ما يفعله الإنسان من عبادة فلا يكافئ صغرى نعمة من أياديه.
( وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ ) : من بليّة.
( فَمِنْ نَفْسِكَ ) : لأنّها السّبب فيها، لاستجلابها بالمعاصي. وهو لا ينافي قوله:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا، غير أنّ الحسنة إحسان وامتنان، والسّيئة مجازاة وانتقام. قال الله:( ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (١)
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن الصّادقين - عليهم السّلام - أنّهم قالوا :
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الحديث هنا فيه اختلاف كثير وفي المصدر موجود هكذا (ر. تفسير القمي ١ / ١٤٤): عن الصادقين - عليهم السّلام - أنّهم قالوا: الحسنات في كتاب الله على وجهين والسيّئات على وجهين. فمن الحسنات التي ذكرها الله الصحة والسلامة والأمن والسعة والرزق. وقد سمّاها الله الحسنات:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) يعني بالسيّئة هاهنا المرض والخوف والجوع والشدّة يطيّروا بموسى ومن معه، أي: يتشاءموا به. والوجه الثاني من الحسنات يعني به أفعال العباد وهو قوله [الأنعام / ١٦٠]:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) ومثله كثير وكذلك السيّئات على وجهين. فمن السيّئات الخوف والجوع والشدّة وهو ما ذكرناه في قوله [الأعراف / ١٣١]:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) وعقوبات الذنوب فقد سمّاها الله السيّئات. والوجه الثاني من السيّئات يعني بها أفعال العباد التي يعاقبون عليها فهو قوله [النمل / ٩٠]:( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) .
الحسنات في كتاب الله على وجهين: أحدهما الصّحّة والسّلامة والأمن والسّعة في الرّزق في الآخرة والأفعال، كما قال(١) :( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) . وكذلك السّيّئات. فمنها الخوف والمرض والشّدّة. ومنها الأفعال الّتي يعاقبون عليها.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، بإسناده إلى زرارة قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: كما أنّ بادي النّعم من الله - عزّ وجلّ - وقد نحلكموه، فكذلك الشّرّ من أنفسكم وإن جرى به قدره.
وفي أصول الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن الرّضاعليهالسلام : قال الله: يا بن آدم، بمشيئتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا قويّا، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك. وذاك أنّي أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي. وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى ربعي بن عبد الله بن الجارود، عمّن ذكره، عن عليّ بن الحسين - صلوات الله عليه وآبائه - قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - خلق النّبيّين من طينة علّيّين وأبدانهم، وخلق قلوب المؤمنين من تلك الطّينة، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وخلق الكافرين من طينة سجّين وقلوبهم وأبدانهم، فخلط بين الطّينتين.
فمن هذا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن. ومن هاهنا يصيب المؤمن السّيّئة ويصيب الكافر الحسنة. فقلوب المؤمنين تحنّ إلى ما خلقوا منه. وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه.
( وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ) : حال، قصد بها التّأكيد إن علّق الجارّ بالفعل، والتّعميم إن علّق بها، أي: رسولا للنّاس جميعا. ويجوز نصبه على المصدر.
( وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) (٧٩): على رسالتك بنصب المعجزات. فما ينبغي لأحد أن يخرج من طاعتك.
( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) : لأنّه في الحقيقة مبلّغ، والآمر والنّاهي هو
__________________
(١) الأنعام / ١٦٠.
(٢) التوحيد / ٣٦٨، ح ٦.
(٣) الكافي ١ / ١٥٩، ح ١٢.
(٤) علل الشرائع ١ / ٨٢، ح ١.
الله.
نقل أنّهعليهالسلام قال(١) : من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله.
فقال المنافقون: لقد قارف الشّرك وهو ينهى عنه، ما يريد إلّا أن نتّخذه ربّا كما اتّخذت النّصارى عيسى. فنزلت.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن زاهر، عن عليّ بن إسماعيل، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي إسحاق النّحويّ قال: دخلت على أبي عبد اللهعليهالسلام فسمعته يقول: إنّ الله - عزّ وجلّ - أدّب نبيّه على محبّته، فقال(٣) :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . ثمّ فوّض إليه فقال - عزّ وجلّ -(٤) :( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) . وقال - عزّ وجلّ - :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) ثمّ قال: وإنّ نبيّ الله فوّض إلى عليّ وائتمنه فسلّمتم وجحد النّاس. فو الله لنحبّكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا. ونحن فيما بينكم وبين الله - عزّ وجلّ - ما جعل الله خيرا في خلاف أمرنا.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٥) ، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد(٦) ، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: ثمّ ذكر مثله.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٧) ، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضاء الرّحمن - تبارك وتعالى - الطّاعة للإمام بعد معرفته. ثمّ قال: إنّ الله - تبارك وتعالى - يقول:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ ) - إلى قوله - :( حَفِيظاً )
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٨) وعبد الله بن الصّلت(٩) جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام مثله. وزاد في آخره :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٢.
(٢) الكافي ١ / ٢٦٥، ح ١.
(٣) القلم / ٤.
(٤) الحشر / ٧.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٦٥، ح ١.
(٦) ر: عاصم بن عبد الحميد.
(٧) نفس المصدر ١ / ١٨٥، ح ١.
(٨) نفس المصدر ٢ / ١٩، ح ١٥.
(٩) أ: عبد الله بن أبي الصلت.
أما لو أنّ رجلا قام ليله وصام نهاره وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره ولم يعرف ولاية وليّ الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حقّ في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان.
وفي روضة الكافي(١) ، خطبة لأمير المؤمنينعليهالسلام ، وهي خطبة الوسيلة يقول فيهاعليهالسلام : ولا مصيبة عظمت ولا رزيّة جلّت كالمصيبة برسول اللهصلىاللهعليهوآله لأنّ الله حسم(٢) الإنذار والإعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه، وجعله بابه الّذي بينه وبين عباده ومهيمنه(٣) الّذي لا يقبل إلّا به ولا قربة إليه إلّا بطاعته، وقال في محكم كتابه:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) . فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته. فكان ذلك دليلا على ما فوّض إليه وشاهدا له على من اتّبعه وعصاه. وبيّن ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ - رحمه الله - : عن أمير المؤمنينعليهالسلام حديث طويل، وفيه: وأجرى فعل بعض الأشياء على أيدي من اصطفى من أمنائه، فكان فعلهم فعله وأمرهم أمره، كما قال:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) .
وفي عيون الأخبار(٥) ، بإسناده إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لعليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام : يا بن رسول الله، ما تقول في الحديث الّذي يرويه أهل الحديث: أنّ المؤمنين يرون(٦) ربّهم(٧) من منازلهم في الجنّة؟
فقالعليهالسلام : يا أبا الصّلت، إنّ الله - تعالى - فضّل نبيّه محمّداصلىاللهعليهوآله على جميع خلقه من النّبيّين والملائكة، وجعل طاعته طاعته ومبايعته مبايعته(٨) وزيارته في الدّنيا والآخرة زيارته. فقال - عزّ وجلّ - :( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) . وقال(٩) :( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) . وقال
__________________
(١) نفس المصدر ٨ / ٢٦، ضمن حديث ٤.
(٢) المصدر: «ختم به». وقيل في هامشه: في بعض النسخ: «حسم»، أي: قطع.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نهمته.
(٤) الاحتجاج ١ / ٣٧٤.
(٥) عيون أخبار الرضا ١ / ١١٥، صدر حديث ٣.
(٦) المصدر: يزورون.
(٧) المصدر: في.
(٨) المصدر: متابعته متابعته.
(٩) الفتح / ١٠.
النّبيّصلىاللهعليهوآله : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله. ودرجة النّبيّصلىاللهعليهوآله في الجنّة أرفع الدّرجات، فمن زاره في درجته في الجنّة من منزله فقد زار الله
( وَمَنْ تَوَلَّى ) : عن طاعته.
( فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (٨٠): تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب. وهو حال من «الكاف».
( وَيَقُولُونَ ) : إذا أمرتهم.
( طاعَةٌ ) : أمرنا طاعة. أو منّا طاعة. وأصلها، النّصب على المصدر. والرّفع، للدّلالة على الثّبات.
( فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ) : خرجوا.
( بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ) : زوّرت خلاف ما قلت لها. أو ما قالت لك من القبول وضمان الطّاعة.
و «التّبييت» إمّا من البيتوتة، لأنّ الأمور تدبّر باللّيل. أو من بيت الشّعر أو البيت المبنيّ، لأنّه يسوّى ويدبّر. وقرأ حمزة وأبو عمرو: «بيّت طائفة» بالإدغام، لقربهما في المخرج(١) .
( وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ) : يثبته في صحائفهم، للمجازاة. أو في جملة ما يوحى إليك، لتطّلع على أسرارهم. أو في كليهما.( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) : قلّل المبالاة بهم. أو تجاف عنهم.( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) : في الأمور كلّها، خصوصا في شأنهم.
( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) (٨١): يكفيك معرّتهم، وينتقم لك منهم.
( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) : يتأمّلون في معانيه، ويتبصّرون ما فيه. وأصل التّدبّر، النّظر في أدبار الشّيء.
( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ ) : لو كان كلام البشر كما زعم الكفّار.
( لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) (٨٢): من تناقض المعنى وتفاوت النّظم، وكون بعضه فصيحا وبعضه ركيكا، وبعضه معجزا وبعضه غير معجز، وبعضه مطابقا للواقع وبعضه غير مطابق، لنقصان القوّة البشريّة. ولعلّ ذكره هاهنا للتّنبيه، على أنّ اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم، بل لاختلاف الأحوال في الحكم
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٢.
والمصالح.
[وفي نهج البلاغة(١) : قالعليهالسلام : وذكر أنّ الكتاب مصدّق بعضه بعضا، وأنّه لا اختلاف فيه فقال - سبحانه - :( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) ].(٢)
( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ) : ممّا يوجب الأمن، أو الخوف.
( أَذاعُوا بِهِ ) : أفشوه.
قيل(٣) : كان قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أو أخبرهم الرّسول بما أوحي إليه من وعد بالظّفر أو تخويف من الكفرة، أذاعوا به لعدم جزمهم، وكانت إذاعتهم مفسدة.
وقيل(٤) : كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها، فيعود وبالا على المسلمين.
و «الباء» مزيدة. أو لتضمين الإذاعة، معنى التّحدّث.
في أصول الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن محمّد بن عجلان قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّ الله - عزّ وجلّ - عيّر أقواما بالإذاعة في قوله - عزّ وجلّ - :( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ ) فإيّاكم والإذاعة.
( وَلَوْ رَدُّوهُ ) : ولو ردّوا ذلك الأمر.
( إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) ، أي :
الأئمّة المعصومينعليهالسلام على ما في الجوامع، عن الباقرعليهالسلام (٦) .
( لَعَلِمَهُ ) : في أيّ وجه يذكره، أو يذكرونه.
( الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) : يستخرجون تدبيره بعقلهم، المؤيّد بروح القدس.
وأصل الاستنباط، إخراج النّبط، وهو الماء يخرج من البئر أوّل ما يحفر.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن عبد الله بن جندب، عن الرّضاعليهالسلام :
__________________
(١) نهج البلاغة / ٦١، ضمن خطبة ١٨.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٣.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) الكافي ٢ / ٣٦٩، ح ١.
(٦) جوامع الجامع / ٩٢.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٦٠، ذيل حديث ٢٠٦.
يعني: آل محمّد، وهم الّذين يستنبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام، وهم حجّة الله على خلقه.
عن عبد الله بن عجلان(١) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: هم الأئمّة.
[وفي أصول الكافي(٢) بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم: عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : قال الله - عزّ وجلّ - :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقال - عزّ وجلّ - :( وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) فردّ الأمر - أمر النّاس - إلى أولي الأمر منهم، الّذين أمر بطاعتهم وبالرّدّ إليهم].(٣)
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : ومن وضع ولاية الله وأهل استنباط علم الله في غير أهل الصّفوة من بيوتات الأنبياء، فقد خالف أمر الله - عزّ وجلّ - وجعل الجهّال ولاة أمر الله والمتكلّفين بغير هدى وزعموا أنّهم أهل استنباط علم الله، فكذبوا على الله وزاغوا عن وصيّة الله وطاعته. فلم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله - تبارك وتعالى - فضلّوا وأضلّوا أتباعهم.
فلا يكون لهم يوم القيامة حجّة.
[وقال - أيضا(٥) - بعد أن قرأ:( فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ ) (٦) ( فَقَدْ وَكَّلْنا [بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ) . فإن يكفر بها أمّتك فقد وكّلنا](٧) أهل بيتك بالإيمان الّذي أرسلناك له(٨) ، فلا يكفرون بها أبدا، ولا أضيّع الإيمان الّذي أرسلناك له(٩) ، وجعلت أهل بيتك بعدك علما على أمّتك [و](١٠) ولاة من بعدك و [أهل](١١) استنباط علمي، الّذي ليس فيه كذب
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٢٠٥ وقد أسقط الآية.
(٢) الكافي ١ / ٢٩٥، ضمن حديث ٣ وأوّله في ص ٢٩٣.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢١٨، ح ٢.
(٥) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢١٩، قطعة من نفس الحديث السابق.
(٦) المصدر: أمّتك.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٨ و ٩) المصدر: أرسلتك به.
(١٠ و ١١) من المصدر.
ولا إثم ولا زور(١) ولا بطر ولا رياء].(٢)
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) : بإرسال الرّسل وإنزال الكتب ونصب الأئمّة - عليهم السّلام -
في الجوامع(٣) : عنهم - عليهم السّلام - فضل الله ورحمته، النّبيّ وعليّ - عليهما السّلام -
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام وحمران عن أبي عبد اللهعليهالسلام قالا: فضل الله، رسوله. ورحمته، الأئمّة - عليهم السّلام -
عن محمّد بن الفضيل(٥) ، عن العبد الصّالحعليهالسلام قال: الرّحمة، رسول اللهصلىاللهعليهوآله والفضل، عليّ بن أبي طالبعليهالسلام
( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ) : بالكفر والضّلالة.
( إِلَّا قَلِيلاً ) (٨٣): منكم. تفضّل عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحقّ والصّواب، وعصمه عن متابعة الشّيطان. أو إلّا اتّباعا قليلا، على النّدور.
[وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن ابن مسكان، عمّن رواه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله:( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً ) فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : إنّك لتسأل عن كلام القدر، وما هو من ديني ولا دين آبائي، ولا وجدت أحدا من أهل بيتي يقول به].(٧)
( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : إن تثبّطوا، أو تركوك وحدك.
( لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) : إلّا فعل نفسك. لا يضرّك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدّم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد، فإنّ الله ناصرك لا الجنود.
وفي أصول الكافي(٨) ، بإسناده إلى مرازم: عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال :
__________________
(١) المصدر: لا وزر.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) جوامع الجامع / ٩٢.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٦٠، ح ٢٠٧.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٦١، ح ٢٠٩.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢١٠.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) الكافي ٨ / ٢٧٤ - ٢٧٥، ذيل حديث ٤١٤ وليس في الأصول.
إنّ الله كلّف رسول اللهصلىاللهعليهوآله ما لم يكلّف أحدا من خلقه، كلّفه أن يخرج على النّاس كلّهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه، ولم يكلّف هذا أحدا [من](١) قبله ولا بعده، ثمّ تلا هذه الآية(٢) .
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن محمّد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله - تبارك وتعالى - أعطى محمّداصلىاللهعليهوآله وعدّد أشياء كثيرة، وفي آخر الحديث قالعليهالسلام : ثمّ كلّف ما لم يكلّف أحد من الأنبياء، أنزل عليه سيفا من السّماء في غير غمد وقيل له:( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) .
ونقل(٤) : أنّ أبا سفيان يوم أحد لـمّا رجع واعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله موسم بدر الصّغرى. فكره النّاس وتثاقلوا حين بلغ الميعاد. فنزلت. فخرج النّبيّصلىاللهعليهوآله وما معه إلّا سبعون. ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده.
وقرئ: «لا تكلّف» بالجزم. و «لا نكلّف» بالنّون، على بناء الفاعل، أي: لا نكلّفك إلّا فعل نفسك، لا أنّا لا نكلّف أحدا إلّا نفسك [لقوله :](٥) .
( وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) : على القتال، إذ ما عليك في شأنهم إلّا التّحريض.
( عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، يعني: قريشا. وقد فعل، بأن ألقى في قلوبهم الرّعب حتّى رجعوا.
( وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً ) : من قريش.
( وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ) (٨٤): تعذيبا. وهو تقريع وتهديد لمن لم يتّبعه.
[وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قول النّاس لعليّ: إن كان له حقّ فما منعه أن يقوم به؟
قال: فقال: إنّ الله لم يكلّف هذا إلّا إنسانا(٧) واحدا رسول الله
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ثم ذكر في المصدر نفس الآية.
(٣) نفس المصدر ٢ / ١٧، ح ١.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٨٣.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٣ والزيادة من المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ١ / ٢٦١، ح ٢١١.
(٧) المصدر: «الإنسان» بدل «إلّا الإنسان».
ـ صلّى الله عليه وآله(١) - قال:( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ ) (٢) ( إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) . فليس هذا إلّا للرّسول.(٣) وقال لغيره:( إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ) فلم يكن يومئذ فئة يعينونه على أمره.
عن الثعالبي(٤) ، عن عيص، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال: رسول اللهصلىاللهعليهوآله كُلّف ما لم يكلّف أحد، أن يقاتل في سبيل الله وحده، وقال:( حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ) وقال: إنّما كلّفتم اليسير من الأمر، أن تذكروا الله.
عن إبراهيم بن مهزم(٥) ، عن أبيه، عن رجل، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ لكلّ كلبا يبتغي(٦) الشّرّ فاجتنبوه يكفكم الله بغيركم(٧) ، إنّ الله يقول:( وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ) لا تعلمون بالشّرّ].(٨) .
( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ) : راعى بها حقّ مسلم، ورفع بها عنه ضرا أو جلب نفعا، ابتغاء لوجه الله. ومنها، الدّعاء لمسلم.
وفي الجوامع(٩) : عن الصّادقعليهالسلام : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثلاه. فذلك النّصيب.
( يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ) ، أي: ثوابها.
( وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ) : وهي ما كان خلاف ذلك. ومنها، الدّعاء على المؤمن.
( يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ) : نصيب من وزرها، مساو لها في القدر. و «الكفل» النّصيب.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) قال: يكون كفيل ذلك الظّلم الّذي يظلم صاحب الشّفاعة].(١١) ( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) (٨٥): مقتدرا. من أقات الشّيء: قدر
__________________
(١) المصدر: إلّا رسول اللهصلىاللهعليهوآله
(٢) هكذا في المصدر وفي النسخ: لا يكلّف الله.
(٣) هكذا في المصدر وفي النسخ: الرسول.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٦٢، ح ٢١٤.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٢١٥.
(٦) المصدر: يبغي.
(٧) المصدر: يكفكم الله قوم فاجتنبوا بغيركم.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٩) جوامع الجامع / ٩٢.
(١٠) تفسير القمي ١ / ١٤٥.
(١١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
عليه. أو شهيدا حافظا. واشتقاقه من القوت، فإنّه يقوّي البدن ويحفظه.
وفي كتاب الخصال(١) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن آبائه عن عليّ - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو دلّ على خير أو أشار به، فهو شريك. ومن أمر بسوء أو دلّ عليه أو أشار به، فهو شريك.
وفي الكافي(٢) : عن السّجّادعليهالسلام أنّ الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب ويذكره بخير، قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك، تدعو له بالخير وهو غائب عنك وتذكره بخير، قد أعطاك الله - تعالى - مثلي ما سألت له، وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه. وإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه، قالوا: بئس الأخ أنت لأخيك، كفّ أيّها المستر على ذنوبه وعورته، وأربع على نفسك، وأحمد الله الّذي ستر عليك، واعلم أنّ الله أعلم بعبده منك.
( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) : التّحيّة في الأصل، مصدر حيّاك الله، على الإخبار من الحياة، ثمّ استعمل للحكم والدّعاء بذلك. ثمّ قيل(٣) لكلّ دعاء، فغلب في السّلام.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) قال: السّلام وغيره من البرّ.
وفي مجمع البيان(٥) : وذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره، عن الصّادقعليهالسلام : أنّ المراد بالتّحيّة في قوله:( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) السّلام وغيره من البرّ والإحسان.
وفي كتاب المناقب(٦) لابن شهر آشوب: جاءت جارية للحسنعليهالسلام بطاق ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله. فقيل له في ذلك.
فقال: أدّبنا الله - تعالى - وقال:( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) . (الآية) وكان أحسن منها إعتاقها وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ ،
__________________
(١) الخصال / ١٣٨، ح ١٥٦.
(٢) الكافي ٢ / ٥٠٨، ح ٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٤.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٤٥.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٨٥.
(٦) مناقب آل أبي طالب ٤ / ١٨.
(٧) الكافي ٢ / ٦٤٤، ح ١.
عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : السّلام تطوّع، والرّدّ فريضة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(١) ، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إذا سلّم من القوم واحد أجزأ عنهم، وإذا ردّ واحد أجزأ عنهم.
عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ(٢) ، عن جعفر بن بشير، عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: القليل يبدؤون الكثير بالسّلام، والرّاكب يبدأ الماشي، وأصحاب البغال يبدؤون أصحاب الحمير، وأصحاب الخيل يبدؤون أصحاب البغال.
[محمّد بن يحيى، عن أحمد بن(٣) محمّد، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ من تمام التّحيّة للمقيم المصافحة، ومن تمام التّسليم للمسافر المعانقة].(٤)
وفي رواية(٥) : يسلّم الصّغير على الكبير والمارّ على القاعد وفي أخرى(٦) : وإذا لقيت جماعة جماعة سلّم الأقلّ على الأكثر، وإذا لقي واحد جماعة سلّم الواحد على الجماعة.
وعنهعليهالسلام (٧) : من التّواضع أن تسلّم على من لقيت.
وقال(٨) : البخيل من بخل بالسّلام.
وعنه(٩) وعن النّبيّصلىاللهعليهوآله : أولى النّاس بالله ورسوله من بدأ بالسّلام.
وعن الباقرعليهالسلام (١٠) إنّ الله يحبّ إفشاء السّلام.
وعن الصّادقعليهالسلام (١١) : ثلاثة يردّ عليهم ردّ الجماعة وإن كان واحدا :
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٦٤٧، ح ٣.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٦٤٦، ح ٢.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٤.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٦٤٧، ح ٣.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٦٤٦، ح ١٢.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٦٤٥، ح ٦.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٧.
(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٥.
(١١) نفس المصدر والموضع، ح ١٠.
عند العطاس يقال: «يرحمكم الله.» وإن لم يكن معه غيره. والرّجل يسلم على الرّجل فيقول: «السّلام عليكم.» والرّجل يدعو للرّجل فيقول: «عافاكم الله.» وإن كان واحدا فإنّ معه غيره.
وفي عيون الأخبار،(١) بإسناده إلى فضل بن كثير، عن عليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام قال: من لقي فقيرا مسلما فسلّم عليه خلاف سلامه على الغنيّ، لقي الله - عزّ وجلّ - يوم القيامة وهو عليه غضبان.
وفي كتاب الخصال(٢) ، فيما علّم أمير المؤمنينعليهالسلام أصحابه: إذا عطس أحدكم [فشمّتوه](٣) قولوا: «يرحمكم الله.» و [هو](٤) يقول(٥) هو: «يغفر الله لكم ويرحمكم.» قال الله:( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ) (الآية).
وفي أصول الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن الحسن بن المنذر قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من قال: «السّلام عليكم»، فهي عشر حسنات. ومن قال: «السّلام عليكم ورحمة الله»، فهي عشرون حسنة. ومن قال: «السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فهي ثلاثون حسنة.
أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب(٧) ، عن جميل، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: مرّ أمير المؤمنينعليهالسلام بقوم فسلّم عليهم. فقالوا: عليك السّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه. فقال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام : لا تجاوزوا بنا مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيمعليهالسلام إنّما قالوا: «رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت».
وروي عن طريق العامّة(٨) : أنّ رجلا قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآله : السّلام عليك. فقال: وعليك السّلام ورحمة الله. وقال آخر: السّلام عليك ورحمة الله.
__________________
(١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٥٢، ح ٢٠٢.
(٢) الخصال / ٦٣٣.
(٣ و ٤) من المصدر.
(٥) المصدر: «يقول لكم»، والنسخ: «يقول هو»، وبوجود «هو» الأولى لا داعي لوجود هاتين.
(٦) الكافي ٢ / ٦٤٥، ح ٩.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٦٤٦، ح ١٣.
(٨) التفسير الكبير للفخر الرازي ١٠ / ٢١٢، مع بعض الاختلاف.
فقال: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته. وقال آخر: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك. فقال الرّجل: نقصتني، فأين ما قال الله؟ وتلا الآية. فقالعليهالسلام : إنّك لم تترك لي فضلا، فرددت عليك مثله.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يسلّم على النّساء ويرددن عليه السّلام، وكان أمير المؤمنينعليهالسلام يكره أن يسلّم على الشّابّة منهنّ ويقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا أطلب من الأجر.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٢) ، عن محمّد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا تبدؤوا أهل الكتاب بالتّسليم. وإذا سلّموا عليكم فقولوا: فعليكم.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد(٣) ، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن اليهوديّ والنّصرانيّ والمشرك إذا سلّموا على الرّجل وهو جالس، كيف ينبغي أن يردّ عليهم؟ فقال: يقول: عليكم.
محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد(٤) ، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: تقول في الرّدّ على اليهوديّ والنّصرانيّ: سلام.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه - عليهما السّلام - قال: لا تسلّموا على اليهود، ولا على النّصارى، ولا على المجوس، ولا على عبدة الأوثان، ولا على موائد شراب الخمر، ولا على صاحب الشّطرنج والنّرد، ولا على المخنّث، ولا على الشّاعر الّذي يقذف المحصنات، ولا على المصلّي - وذلك لأنّ المصلّي لا يستطيع أن يردّ السّلام لأنّ التّسليم من المسلم تطوّع والرّدّ عليه فريضة - ولا على آكل الرّبا، ولا على الرّجل جالس على غائط، ولا على الّذين في الحمّام، ولا على الفاسق المعلن بفسقه.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٦٤٨، ح ١.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٣) نفس المصدر ٢ / ٦٤٩، ح ٣.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٥) الخصال / ٤٨٤، ح ٥٧.
وفيه(١) ، في حديث آخر: ولا على المتفكّهين بالأمّهات(٢) .
وفي حديث آخر(٣) : النّهي عن السلام على من يلعب بالأربعة عشر، وعلى من يعمل التّماثيل.
عن الصّادقعليهالسلام (٤) قال: ثلاثة لا يسلّمون: الماشي مع جنازة، والماشي إلى الجمعة، وفي بيت حمّام.
[وعنهعليهالسلام (٥) : من تمام التّحيّة للمقيم المصافحة. وتمام التّسليم على المسافر المعانقة].(٦) .
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام (٧) : يكره للرّجل أن يقول: حيّاكم الله، ثمّ يسكت حتّى يتبعها بالسّلام.
وعن الصّادقعليهالسلام (٨) قال: من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه.
وقال(٩) : ابدؤوا بالسّلام قبل الكلام. فمن بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تحبيبوه.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) (٨٦): يحاسبكم على التّحيّة وغيرها.
( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : مبتدأ وخبر. أو «الله» مبتدأ، والخبر( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) ، أي: الله والله ليحشرنّكم من قبوركم إلى يوم القيامة. أو مفضين(١٠) إليه.
أو في يوم القيامة. «ولا إله إلّا هو» اعتراض. والقيام والقيامة، كالطّلاب والطّلابة: وهي قيام النّاس من القبور، أو للحساب.
( لا رَيْبَ فِيهِ ) : في اليوم. أو في الجمع. فهو حال من «اليوم» أو صفة للمصدر.
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ) (٨٧): إنكار، أن يكون أحد أكثر صدقا منه، فإنّه لا يتطرّق الكذب إلى خبره بوجه، لأنّه نقص، وهو على الله محال.
( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) :
__________________
(١) نفس المصدر / ٣٢٦، ذيل حديث ١٦.
(٢) المصدر: بسبّ الأمّهات.
(٣) نفس المصدر / ٢٣٧، ضمن حديث ٨٠.
(٤) نفس المصدر / ٩١، ح ٣١.
(٥) الكافي ٢ / ٦٤٢، ح ١٦.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أونسخة المجلس.
(٧) نفس المصدر ٢ / ٦٤٦، ح ١٥.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٦٤٤، ح ٢.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(١٠) أ: مفوضين.
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : نزلت في قوم قدموا من مكّة وأظهروا الإسلام، ثمّ رجعوا إلى مكّة فأظهروا الشّرك، ثمّ سافروا إلى اليمامة، فاختلف المسلمون في غزوهم لاختلافهم في إسلامهم وشركهم.
أي: ما لكم تفرّقتم في أمر المنافقين فئتين، أي: فرقتين، ولم تتّفقوا على كفرهم.
و «فئتين» حال، عاملها «ما لكم» كقولك: مالك قائما.
و «في المنافقين» حال من «فئتين»، أي: متفرّقين فيهم. أو من الضّمير، أي: فما لكم تفترقون فيهم. ومعنى الافتراق مستفاد من «فئتين».
( وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ) : ردّهم إلى حكم الكفرة، أو نكسهم بأن صيّرهم للنّار. وأصل الرّكس، ردّ الشيء مقلوبا.
( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ ) : أن تجعلوه من المهتدين.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (٨٨): إلى الهدى.
( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ) تمنّوا أن تكفروا ككفرهم.
( فَتَكُونُونَ سَواءً ) : في الضّلال. وهو عطف على «تكفرون» ولو نصب على جواب التّمنّي لجاز.
في روضة الكافي(٢) ، بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : وإنّ لشياطين الإنس حيلة ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض. يريدون إن استطاعوا أن يردّوا أهل الحقّ عمّا أكرمهم الله به من النّظر في دين الله، الّذي لم يجعل الله شياطين الإنس من أهله، إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحقّ في الشّكّ والإنكار والتّكذيب، فيكونون كما وصفه الله - تعالى - في كتابه من قوله:( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً ) .
( فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) : فلا توالوهم حتّى يؤمنوا أو يحقّقوا إيمانهم بهجرة هي لله ورسوله، لا لأغراض الدّنيا. و «سبيل الله» ما أمر بسلوكه.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : عن الإيمان، المصاحبة للهجرة المستقيمة. وقيل(٣) : عن إظهار
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٨٦.
(٢) الكافي ٨ / ٤٠٥ - ٤٠٦، رسالة أبي عبد اللهعليهالسلام إلى جماعة الشيعة.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٥.
الإيمان.( فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) : كسائر الكفرة.
( وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) (٨٩)، أي: جانبوهم رأسا، ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة.
( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) : استثناء من مفعول( فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ) ، أي: إلّا الّذين يتّصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ويفارقون محاربتكم.
قيل(١) : القوم هم خزاعة. وقيل(٢) : بنو بكر بن زيد مناة.
وقيل(٣) : الأسلميّون، فإنّهعليهالسلام وادع وقت خروجه إلى مكّة هلال بن عويم الأسلميّ على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ما له.
وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام على ما في مجمع البيان.
( أَوْ جاؤُكُمْ ) : عطف على الصّلة، أي: أو الّذين جاؤوكم كافّين من قتالكم وقتال قومهم. استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم من ترك المحاربين فلحق بالمعاهدين، أو أتى الرّسول وكفّ عن قتال الفريقين.
قيل: أو على صفة «قوم» فكأنّه قيل: إلّا الّذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم كافّين عن القتال لكم وعليكم.
وقرئ، بغير العاطف، على أنّه صفة بعد صفة. أو بيان «ليصلون». أو استئناف(٤) .
( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) : حال، بإضمار قد.
وقرئ: حصرة، وحصرات. وهو يؤيّد كونه حالا، أو بيان «لجاؤوكم» أو صفة لمحذوف، أي: جاؤوكم قوما حصرت صدورهم.
والحصر، الضّيق والانقباض(٥) . على ما رواه العيّاشي، عن الصّادقعليهالسلام (٦) .
( أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) ، أي: عن أن. أو لأن. أو كراهة أن
__________________
(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٨٨.
(٤) نفس الموضع والمصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٦٢، ح ٢١٦.
يقاتلوكم.
وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان، عن الفضل أبي العبّاس، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ ) (الآية) فقال: نزلت في بني مدلج، لأنّهم جاؤوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقالوا: إنّا قد حصرت صدورنا أن نشهد أنّك رسول الله، فلسنا معك ولا مع قومنا عليك. قال: قلت: كيف صنع بهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟
قال: وادعهم(٢) إلى أن يفرغ من العرب ثمّ يدعوهم، فإن أجابوا وإلّا قاتلهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، في قوله - عزّ وجلّ - :( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) - إلى آخر الآية - : نزلت في أشجع وبني ضمرة [وهما قبيلتان](٤) وكان من خبرهما(٥) ، أنّه لما خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى غزاة الحديبيّة(٦) مرّ قريبا من بلادهم، وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله هادن بني ضمرة [ووادعهم قبل ذلك فقال أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا رسول الله، هذه بنو ضمرة](٧) قريبا منّا، ونخاف أن يخالفونا إلى المدينة أو يعينوا علينا قريشا، فلو بدأنا بهم. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : كلا، إنّهم أبرّ العرب بالوالدين، وأوصلهم للرّحم، وأوفاهم بالعهد.
وكان أشجع بلادهم قريبا من بلاد بني ضمرة. وهم بطن من كنانة. وكانت أشجع بينهم وبين بني ضمرة حلف بالمراعاة(٨) والأمان. فأجدبت بلاد أشجع. وأخصبت بلاد بني ضمرة. فصارت أشجع إلى بلاد بني ضمرة. فلمّا بلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآله مسيرهم إلى بني ضمرة تهيّأ للمسير إلى أشجع. فيغزوهم للموادعة الّتي كانت بينه وبين بني ضمرة. فأنزل الله:( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ) . (الآية)
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٢٧، ح ٥٠٤.
(٢) المصدر: «واعدهم» وقيل في هامشه: «في بعض النسخ: أدعم حتى أن يفرع».
(٣) تفسير القمي ١ / ١٤٥ - ١٤٧.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: خبرهم.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «بدر لموعه» بدل «غزاة الحديبية».
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل ور.
(٨) المصدر: في المراعات.
استثنى بأشجع، فقال:( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) . (الآية).
وكانت أشجع محالّها البيضاء والمحلّ والمستباح. وقد كانوا قربوا من رسول اللهصلىاللهعليهوآله فهابوا [تقرّبهم](١) من رسول الله أن يبعث إليهم من يغزوهم.
وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد خافهم أن يصيبوا من أطرافه شيئا فهمّ بالمسير إليهم. فبينما هو على ذلك إذ جاءت أشجع ورئيسها مسعود بن رجيلة. وهم سبعمائة.
فنزلوا شعب سلع. وذلك في شهر ربيع الأوّل(٢) سنة ستّ. فدعا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أسيد بن حصين، فقال له: اذهب في نفر من أصحابك حتّى تنظر ما أقدم أشجع.
فخرج أسيد ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فوقف عليهم، فقال: ما أقدمكم؟ فقام إليه مسعود بن رجيلة. وهو رئيس أشجع. فسلّم على أسيد وعلى أصحابه. وقالوا: جئنا لنوادع محمّدا.
فرجع أسيد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فأخبره. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : خاف القوم أن أغزوهم فأرادوا الصلح بيني وبينهم.
ثمّ بعث إليهم بعشرة أحمال تمر. فقدّمها أمامه. ثمّ قال: نعم الشيء الهديّة أمام الحاجة.
ثمّ أتاهم فقال: يا معشر أشجع ما أقدمكم؟
قالوا: قربت دارنا منك. وليس في قومنا أقل عددا منّا. فضقنا بحربك(٣) لقرب دارنا منك، وضقنا لحرب قومنا(٤) لقلّتنا فيهم. فجئنا لنوادعك.
فقبل النّبيّ ذلك منهم ووادعهم، فأقاموا يومهم. ثمّ رجعوا إلى بلادهم. وفيهم نزلت هذه الآية:( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ ) (الآية).
[فما يتراءى من هذا النّقل من منافاته لما سبق، لأنّه في هذا النّقل جعل إلّا الّذين يصلون](٥) عبارة عن الأشجع حين صاروا إلى بني ضمرة المعاهدين، والذين
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ربيع الآخر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لحربك.
(٤) المصدر: «ضقنا بحرب قومك» بدل «ضقنا لحرب قومنا».
(٥) ليس في الأصل ور.
جاؤوكم حصرت صدورهم أيضا عبارة عنهم حين جاؤوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفي الخبرين الأوّلين، جعل الأوّل عبارة عن الأسلميّين، والثّاني عبارة عن بني مدلج [فمدفوع إن صحّ النّقل بحملهما على أنّهما من أشجع - أيضا - أو يجعل ما تتناوله العبارة فرقتين: الأولى الأسلميّون وأشجع والثّاني بني مدلج](١) وأشجع.
( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) : بأن قوّى قلوبهم، وبسط صدورهم، وأزال الرّعب عنهم.
( فَلَقاتَلُوكُمْ ) : ولم يكفّوا عنكم.
( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ) : ولم يتعرّضوا لكم.
( وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) : الاستسلام والانقياد.
( فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) (٩٠): فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: كان سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبل نزول سورة براءة ألّا يقاتل إلّا من قاتله ولا يحارب إلّا من حاربه وأراده. وقد كان نزل عليه في ذلك من الله - عزّ وجلّ - :( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه واعتزله حتّى نزلت عليه سورة براءة، وأمر بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلّا الّذين قد كان عاهدهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم فتح مكّة إلى مدّة، منهم صفوان بن أميّة وسهيل بن عمرو.
والحديث طويل، وهو مذكور بتمامه في أوّل براءة.
( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ) :
قيل(٣) : هم أسد وغطفان.
وقيل: بنو عبد الدّار، أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين، فلما رجعوا كفروا.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الصّادقعليهالسلام : نزلت في عيينة بن الحصين
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٨١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٨٩.
الفزاريّ، أجدبت بلادهم. فجاء إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووادعه على أن يقيم بطن نخل ولا يتعرّض له، وكان منافقا ملعونا. وهو الّذي سمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الأحمق المطاع.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) مثله، إلّا أنّه لم يسنده إليهعليهالسلام
( كُلَّما رُدُّوا إلى الْفِتْنَةِ ) : دعوا إلى الكفر. أو إلى قتال المسلمين.
( أُرْكِسُوا فِيها ) : عادوا إليها، وقلبوا فيها أقبح قلب.
( فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) : ولم يستسلموا لكم.
( وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ) : ولم يكفّوا أيديهم عن قتالكم.
( فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) : حيث تمكّنتم منهم.
( وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) (٩١): حجّة واضحة في التّعرّض لهم بالقتل والسّبي، لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وغدرهم. أو تسلّطا ظاهرا حيث أذن لكم في قتلهم.
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ) : وما صحّ لمؤمن، ولا استقام له، وما لاق بحاله.
( أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ) : بغير حقّ.
( إِلَّا خَطَأً ) : لأنّه في عرضة الخطأ. ونصبه على الحال. أو المفعول له. أو على المصدر، أي: لا يقتله في حال من الأحوال إلّا في حال الخطأ. أو لا يقتله لعلّة إلّا للخطأ.
أو إلّا قتلا خطأ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أي: لا عمدا ولا خطأ، و «إلّا» في موضع «لا» وليست باستثناء وقيل(٣) : «ما كان» في معنى النّهي. والاستثناء منقطع، أي: ولكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما نذكره.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: كلّما أريد به ففيه القود، وإنّما الخطأ أن يريد الشيء فيصيب غيره.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ١٤٧.
(٢) تفسير القمّي ١ / ١٤٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٦.
(٤) تفسير العيّاشي ١ / ٢٦٤، ح ٢٢٣.
عن زرارة(١) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ليس الخطأ أن تعمده ولا تريد قتله بما لا يقتل مثله، والخطأ ليس فيه شكّ أن يعمد شيئا آخر فيصيبه.
عن عبد الرّحمن بن الحجّاج(٢) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّما الخطأ، أن يريد شيئا فيصيب غيره، فأمّا كلّ شيء قصدت إليه فأصبته فهو العمد.
عن الفضل بن عبد الملك(٣) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن الخطأ الّذي فيه الدّية والكفّارة، وهو الرّجل يضرب الرّجل ولا يتعمّد قتله؟
قال: نعم.
قلت: فإذا رمى شيئا فأصاب رجلا؟
قال: ذلك الخطأ الّذي لا شكّ فيه، وعليه الكفّارة والدّية.
وقرئ: «خطاء» بالمدّ. و «خطا» كعصا، بتخفيف الهمزة(٤) .
وفي مجمع البيان(٥) : عن أبي جعفرعليهالسلام : نزلت في عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ، أخي أبي جهل لأمّه. كان أسلم وقتل بعد إسلامه رجلا مسلما وهو لا يعلم بإسلامه. وكان المقتول الحارث بن يزيد بن أبي نبيشة العامريّ. قتله بالحرّة.
وكان أحد من ردّه عن الهجرة. وكان يعذّب عيّاشا مع أبي جهل.
وفي البيضاويّ(٦) : لقيه في طريق. وكان قد أسلم ولم يشعر به عيّاش. فقتله.
( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ، أي: فعليه. أو فواجبه تحرير رقبة.
والتّحرير، الإعتاق. والحرّ، كالعتيق للكريم من الشّيء. ومنه: حرّ الوجه، لأكرم موضع منه، سمّي به لأنّ الكرم في الأحرار. والرّقبة عبّر بها عن النّسمة، كما عبّر بها عن الرّأس.
( مُؤْمِنَةٍ ) ، مقرّة بالإسلام، قد بلغت الحنث.
في تفسير العيّاشي(٧) : عن كردويه الهمدانيّ، عن أبي الحسنعليهالسلام في قول الله:( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) كيف تعرف المؤمنة؟ قال: على الفطرة.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٢٢٤.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٢٢٥.
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٦٦، ح ٢٢٩.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٦.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٩٠.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٦.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٦٣، ح ٢٢٠.
عن السّكونيّ،(١) عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ - عليهما السّلام - قال: الرّقبة المؤمنة الّتي ذكر الله إذا عقلت، والنّسمة الّتي لا تعلم إلّا ما قلته وهي صغيرة.
وفي الكافي(٢) . [عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر وابن أبي عمير جميعا، عن معمّر بن يحيى، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن الرّجل يظاهر من امرأته، يجوز عتق المولود في الكفّارة؟
فقال :](٣) كلّ العتق يجوز فيه المولود إلّا في كفّارة القتل. فإنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) ، يعني: بذلك مقرّة قد بلغت الحنث.
وهذا، أي: التّحرير، يجب عليه فيما بينه وبين الله. كما رواه العيّاشيّ، عن الصّادقعليهالسلام (٤)
وأمّا ما يجب عليه، فيما بينه وبين أولياء المقتول، فالدّية. كما يقول:( وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) : مؤدّاة إلى أولياء المقتول.
( إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) : يتصدّقوا عليه بالدّية. سمّى العفو عنها صدقة، حثّا عليه، وتنبيها على فضله.
وفي الحديث، عن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٥) - : كلّ معروف صدقة.
وهو متعلّق «بعليه»، أي: يجب الدّية عليه. أو «بمسلّمة»، أي: يسلّمها إلى أهله إلّا حال تصدّقهم عليه. أو زمانه، فهو في محلّ النّصب على الحال من القاتل، أو الأهل، أو على الظّرف.
( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) ، أي: إن كان المقتول خطأ من قوم كفّار وهو مؤمن، فيجب عتق رقبة مؤمنة وليس دية، إذ لا وراثة بينه وبينهم لأنّهم محاربون.
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في رجل مسلم كان في أرض الشّرك فقتله المسلمون ثمّ علم به الإمام بعد؟
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٢٢١.
(٢) الكافي ٧ / ٤٦٢، ح ١٥.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٦٣، ح ٢١٨.
(٥) الكافي ٤ / ٢٦، ح ١+ أنوار التنزيل ١ / ٢٣٦.
(٦) من لا يحضره الفقيه ٤ / ١١٠، ح ٣٧٣.
فقال: يعتق مكانه رقبة مؤمنة، وذلك قول الله - عزّ وجلّ - : و( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) .
وروى العيّاشيّ(١) في هذا المعنى ما يدلّ صريحا، على أنّ التّحرير على القاتل وليس عليه دية. كما سيجيء.
( وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) : وإن كان المؤمن المقتول خطأ من قوم كفرة معاهدين أو أهل الذّمّة، فيجب دية مسلّمة إلى أهله - وهو وارثه المسلم، الّذي عليه سبيل بالإرث. أو الإمام إن لم يكن وارث مسلم، فإنّه أهل من لا وارث له - وتحرير رقبة مؤمنة، كفّارة لقتله المؤمن خطأ.
[وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن مسعدة بن صدقة قال: سئل جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - عن قول الله:( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً] ) (٣) ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) .
قال: أمّا تحرير رقبة مؤمنة ففيما بينه وبين الله، وأمّا الدّية المسلّمة إلى أولياء المقتول( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ) قال: وإن كان من أهل الشّرك الّذين ليس لهم في الصّلح( وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) فيما بينه وبين الله، وليس عليه الدّية( وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة فيما بينه وبين الله ودية مسلّمة إلى أهله.
عن حفص(٤) بن البختريّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله:( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ) إلى قوله:( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) .
قال: إذا كان من أهل الشّرك فتحرير رقبة مؤمنة فيما بينه وبين الله، وليس عليه دية( وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) قال: تحرير رقبة مؤمنة فيما بينه وبين الله، ودية مسلّمة إلى أوليائه.
وفي مجمع البيان(٥) : واختلف في صفة هذا القتيل، أهو مؤمن أم كافر؟ قيل: بل
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٦٢ - ٢٦٣، ح ٢١٧ و ٢٦٣ و ٢١٨.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٦٢، ح ٢١٧.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٦٣، ح ٢١٨.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٩١.
هو مؤمن، تلزم قاتله الدّية، يؤدّيها إلى قومه المشركين، لأنّهم أهل ذمّة.
ورواه أصحابنا - أيضا - إلّا أنّهم قالوا: تعطى ديته ورثته المسلمين، دون الكفّار.
( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) : رقبة، بأن لا يملكها، ولا ما يتوصّل به إليها.
( فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) : فعليه، أو فالواجب عليه صوم شهرين.
[وفي من لا يحضره الفقيه(١) ، عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - حديث طويل، يذكر فيه وجوه الصّوم وفيه: وصيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، واجب لقول الله - عزّ وجلّ - : و( مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ) إلى قوله - عزّ وجلّ - :( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) ](٢) .
( تَوْبَةً ) : نصب على المفعول له، أي: شرّع ذلك توبة من تاب عليه إذا قبل توبته. أو على المصدر، أي: تاب عليكم توبة. أو حال بحذف مضاف، أي: فعليه صيام شهرين ذا توبة.
( مِنَ اللهِ ) : صفتها.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) : بحاله.
( حَكِيماً ) (٩٢): فيما أمر في شأنه.
وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان أنّه سمعها عن الرّضاعليهالسلام : فإن قال: فلم وجب في الكفّارة على من لم يجد تحرير رقبة الصّيام، دون الحجّ والصّلاة وغيرهما؟ قيل: لأنّ الصّلاة والحجّ وسائر الفرائض مانعة للإنسان من التّقلّب في أمر دنياه.
فإن قال: فلم وجب عليه صوم شهرين متتابعين، دون أن يجب عليه شهر واحد وثلاثة أشهر؟
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٤٦ - ٤٧، ضمن حديث ٢٠٨.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ١١٧، ح ١.
قيل: لأنّ الفرض الّذي فرضه الله - عزّ وجلّ - على الخلق هو شهر واحد، فضوعف في هذا الشّهر في الكفّارة توكيدا وتغليظا عليه.
فإن قال: فلم جعلت متتابعين؟
قيل: لئّلا يهون عليه الأداء فيستخفّ به، لأنّه إذا قضاه متفرّقا هان عليه القضاء.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قطع صوم كفّارة اليمين وكفّارة الظّهار وكفّارة القتل؟
فقال: إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشّهر الأوّل فإنّ عليه أن يعيد الصّيام، وإن صام الشّهر الأوّل وصام من الشّهر الثّاني شيئا ثمّ عرض له ما له فيه عذر فإنّ عليه أن يقضي.
عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه(٢) ، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في الرّجل يصوم شعبان وشهر رمضان؟
قال: هما الشّهران اللّذان قال الله - تبارك وتعالى - :( شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ ) .
قلت: فلا يفصل بينهما؟
قال: إذا أفطر من اللّيل فهو فصل. وإنّما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لا وصال في صيام، يعني: لا يصوم الرّجل يومين متواليين من غير إفطار.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٣) ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب(٤) ، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشّهر الحرام؟
قال: تغلّظ عليه الدّية، وعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم.
قلت: فإنّه يدخل في هذا شيء؟
__________________
(١) الكافي ٤ / ١٣٩، ح ٧.
(٢) نفس المصدر ٤ / ٦٢، ح ٥.
(٣) نفس المصدر ٤ / ١٣٩، ح ٨.
(٤) ر: عليّ بن رباب.
فقال: ما هو؟
قلت: هو يوم العيد وأيّام التّشريق.
قال: يصومه، فإنّه حقّ يلزمه.
( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) (٩٣): في أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسن بن ميمون، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : فلمّا أذن الله لمحمّدصلىاللهعليهوآله في الخروج من مكّة إلى المدينة، بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداصلىاللهعليهوآله عبده ورسوله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان.
وأنزل عليه الحدود وقسمة الفرائض، وأخبره بالمعاصي الّتي أوجب الله عليها وبها النّار لمن عمل بها، وأنزل عليه في بيان القاتل:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) ولا يلعن الله مؤمنا، قال الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً، خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) وكيف تكون في المشيئة وقد ألحق به حين جزاه جهنّم الغضب واللّعنة، وقد بيّن ذلك من الملعونين في كتابه.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : حدّثنا محمّد بن موسى قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السّعدآباديّ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عبد العظيم بن عبد الله قال: حدّثني محمّد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: قتل النّفس من الكبائر، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً ) إلى قوله:( وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً )
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) : عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ) .
__________________
(١) الكافي ٢ / ٣١، ح ١.
(٢) علل الشرائع ٢ / ٤٧٨، ح ٢.
(٣) معاني الأخبار / ٣٨٠، ح ٤.
قال: من قتل مؤمنا على دينه فذلك المتعمّد، الّذي قال الله - عزّ وجلّ - في كتابه:( وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) .
قلت: فالرّجل يقع بين الرّجل وبينه شيء فيضربه بالسّيف فيقتله؟
قال: ليس ذلك المتعمّد، الّذي قال الله - عزّ وجلّ -
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - ونقل مثل ما في معاني الأخبار سواء.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا محمّد بن الحسن قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي السّفاتج، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ) .
قال: إن جازاه.
وفي الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وابن بكير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّدا، أله توبة؟
فقال: إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له. وإن كان لغضب أو بسبب شيء من أشياء الدّنيا فإنّ توبته أن يقاد منه، وإن يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبهم. فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدّية وأعتق نسمة وصام شهرين متتابعين وأطعم ستّين مسكينا، توبة إلى الله - عزّ وجلّ -
محمّد بن يحيى(٤) ، عن عبد الله بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما. وقال لا يوفّق قاتل المؤمن متعمّدا للتّوبة.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) قال: من قتل مؤمنا على دينه لم تقبل(٦) توبته. ومن
__________________
(١) الكافي ٧ / ٢٧٥، ح ١.
(٢) نفس المصدر / ٣٦١، باب نوادر المعاني.
(٣) الكافي ٧ / ٢٧٦، ح ٢.
(٤) نفس المصدر ٧ / ٢٧٢، ح ٧.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٤٨.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لم يقبل.
قتل نبيّا أو وصيّ نبيّ فلا توبة له، لأنّه لا يكون له مثله فيقاد به](١) .
وقيل(٢) : إنّ الآية نزلت في مقيس بن ضبابة، وجد أخاه هشاما [قتيلا](٣) في بني النّجّار ولم يظهر قاتله. فأمرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يدفعوا إليه ديته.
فدفعوا إليه. ثمّ حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكّة مرتدّا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : سافرتم وذهبتم للغزو.
( فَتَبَيَّنُوا ) : فاطلبوا بيان الأمر وثباته، وميّزوا بين الكافر والمؤمن.
وقرأ حمزة والكسائيّ: «فتثبّتوا» من التّثبّت. هنا، وفي الحجرات(٤) .
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ ) : لمن حيّاكم بتحيّة الإسلام.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة: «السّلم» بغير ألف، أي: الاستسلام والانقياد.
وفسّر به السّلام - أيضا -(٥) .
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلم لست مؤمنا.
( لَسْتَ مُؤْمِناً ) : وإنّما فعلت ذلك من الخوف.
وقرئ: «مؤمنا» بالفتح، أي: مبذولا له الأمان(٧) .
( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) : تطلبون ماله، الّذي هو حطام سريع النّفاد.
وهو حال من الضّمير في «تقولوا» وهو مشعر بما هو الحامل لهم على العجلة وترك التّثبّت.
( فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ) : تغنيكم عن قتل أمثاله لما له.
( كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) ، أي: أوّل ما دخلتم في الإسلام تفوّهتم بكلمتي الشّهادة فحصنت بها دماؤكم وأموالكم، من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم.
( فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ ) : بالاشتهار بالإيمان، والاستقامة في الدّين.
( فَتَبَيَّنُوا ) : فافعلوا بالدّاخلين كما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنّا بأنّهم دخلوا فيه اتّقاء وخوفا. فإنّ إبقاء الكافر أهون عند الله من قتل إمرئ مسلم.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٧.
(٣) من المصدر.
(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٢٦٨، ح ٢٤٢.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٧.
وتكريره، تأكيد لتعظيم الأمر، وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم.
( إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (٩٤): عالما به وبالغرض منه، فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أنّها نزلت لـمّا رجع رسول اللهصلىاللهعليهوآله من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام. وكان رجل من اليهود يقال له: مرادس بن نهيك الفدكيّ، في بعض القرى. فلمّا أحسّ بخيل رسول اللهصلىاللهعليهوآله جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل. فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فمرّ به أسامة بن زيد فقتله. فلمّا رجع إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبره بذلك.
فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : قتلت رجلا شهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله.
فقال: يا رسول الله [إنّما](٢) قالها(٣) تعوّذا من القتل.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أفلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت؟
فحلف أسامة بعد ذلك، أنّه لا يقاتل أحدا [قال :](٤) أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول اللهصلىاللهعليهوآله فتخلّف عن أمير المؤمنين في حروبه. وأنزل الله في ذلك:( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ ) . (الآية).
وفي رواية العامّة(٥) : أنّ مرادس أضاف إلى الكلمتين: السّلام عليكم.
وهي تؤيّد قراءة السّلام، وتفسيره بتحيّة السّلام(٦) .
( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ) : عن الحرب.
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) : في موضع الحال من «القاعدون» أو من الضّمير الّذي فيه.
ويحتمل الصّفة.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٤٨.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: قال.
(٤) من أور.
(٥) التفسير الكبير للفخر الرازي ١١ / ٣.
(٦) هكذا في جميع النسخ ولعل الصّواب: الإسلام.
( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) : الأصحّاء. بالرّفع صفة «للقاعدون» لأنّه لم يقصد قوم بأعيانهم. أو بدل منه.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ، بالنّصب، على الحال. أو الاستثناء.
وقرئ، بالجرّ، على أنّه صفة للمؤمنين. أو بدل منه(١) .
في مجمع البيان(٢) : نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن الرّبيع من بني عمرو بن عوف وهلال بن أميّة من بني واقف، تخلّفوا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوم تبوك، وعذر الله أولي الضّرر وهو عبد الله بن أمّ مكتوم. قال: رواه أبو حمزة الثّماليّ في تفسيره.
وفي عوالي اللّئالي(٣) : روى زيد بن ثابت أنّه لم يكن في آية نفي المساواة بين المجاهدين والقاعدين استثناء( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) . فجاء ابن أمّ مكتوم، وكان أعمى، وهو يبكي فقال: يا رسول الله، كيف لمن لا يستطيع الجهاد؟ فغشيه الوحي ثانيا، ثمّ أسري(٤) عنه فقال: اقرأ:( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) فألحقتها. والّذي نفسي بيده، لكأنّي أنظر إلى ملحقها عند صدع في الكتف.
( وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد، من غير علّة. وفائدته تذكير ما بينهما من التّفاوت، ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته.
( فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) : جملة موضّحة لـمّا نفى الاستواء فيه. و «القاعدون» على التّقييد السّابق. و «درجة» نصبه بنزع الخافض. أو على المصدر، لأنّه تضمّن معنى التّفضيل ووقع موقع المرّة منه. أو الحال، بمعنى: ذوي درجة.
( وَكُلًّا ) : من القاعدين والمجاهدين.
( وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) : المثوبة الحسنى، وهي الجنّة، لحسن عقيدتهم وخلوص نيّتهم. وإنّما التّفاوت في زيادة العمل، المقتضي لمزيد الثّواب.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٨.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٩٦.
(٣) عوالي اللّئالي ٢ / ٩٩، رقم ٢٧٢.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: سرى.
وفي الجوامع(١) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله : لقد خلّفتم في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم. وهم الّذين صحّت نيّاتهم ونصحت جيوبهم وهوت أفئدتهم إلى الجهاد. وقد منعهم من المسير ضرر أو غيره.
( وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (٩٥): نصب على المصدر، لأنّ فضّل، بمعنى: أجر. أو المفعول الثّاني له، لتضمّنه معنى الإعطاء، كأنّه قيل(٢) : وأعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما.
( دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ) : كلّ واحدة منها بدل من «أجرا». ويجوز أن ينتصب «درجات» على المصدر، كقولك: ضربته أسواطا. و «أجرا» على الحال عنها تقدّمت عليها. لأنّها نكرة. و «رحمة ومغفرة» على المصدر بإضمار فعليهما.
وفي مجمع البيان(٣) : وجاء في الحديث: إنّ الله - سبحانه - فضّل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة، بين كلّ درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر.
كرّر تفضيل المجاهدين وبالغ فيه إجمالا وتفصيلا، تعظيما [للجهاد](٤) وترغيبا فيه.
وقيل(٥) : الأوّل، ما حقّ لهم في الدّنيا من الغنيمة والظّفر وجميل الذّكر.
والثّاني، ما جعل لهم في الآخرة.
وقيل(٦) : المراد «بالدّرجة» الأولى، ارتفاع منزلتهم عند الله - تعالى - و «الدّرجات» منازلهم في الجنّة.
وقيل(٧) : «القاعدون» الأوّل، هم الأضرّاء. و «القاعدون» الثّاني، هم الّذين أذن لهم في التّخلّف، اكتفاء بغيرهم.
وقيل(٨) : «المجاهدون» الأوّلون، من جاهد الكفّار. والآخرون، من جاهد نفسه، كما ورد في الحديث: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
وقيل:(٩) يحتمل أن يكون المراد بالأوّل قوما، وبالآخر آخرين، فإنّ ما بين القاعد والمجاهد كما بين السّماء والأرض.
__________________
(١) جوامع الجامع / ٩٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٨.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٩٧.
(٤) من أنوار التنزيل.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧ و ٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) تفسير الصافي ١ / ٤٥١.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) : لما عسى يفرط منهم.
( رَحِيماً ) (٩٦): يرحمهم بإعطاء الثّواب.
( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) : يحتمل الماضي والمضارع.
وقرئ: «توفّتهم» و «توفّاهم» على مضارع وفيت، بمعنى: أنّ الله يوفّي الملائكة أنفسهم فيتوفّونها، أي: يمكّنهم من استيفائها فيتوفّونها(١) .
( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) : في حال ظلمهم أنفسهم، بترك الهجرة وموافقة الكفرة.
في كتاب الاحتجاج(٢) : عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه سئل عن قول الله - تعالى(٣) - :( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) وقوله(٤) :( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ) وقوله - جلّ وعزّ(٥) - :( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) وقوله(٦) :( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) فمرّة يجعل الفعل لنفسه، ومرّة لملك الموت، ومرة للرّسل، ومرّة للملائكة؟ فقال: إنّ الله - تبارك وتعالى - أجلّ وأعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله. لأنّهم بأمره يعملون.
فاصطفى من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه. وهم الّذين قال الله فيهم(٧) :( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ) فمن كان من أهل الطّاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرّحمة. ومن كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النّقمة. ولملك الموت أعوان من ملائكة الرّحمة والنّقمة يصدرون عن أمره. وفعلهم فعله. وكلّ ما يأتونه منسوب إليه. وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، ففعل ملك الموت فعل الله. لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء. ويعطي ويمنع ويثبت ويعاقب على يد من يشاء. وإنّ فعل أمنائه فعله، كما قال(٨) :( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٩) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه سئل عن ذلك فقال: إنّ الله - تعالى - جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح، بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه، فيتوفّاهم الملائكة ويتوفّاهم ملك
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٩.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٦٤ - ٣٦٧.
(٣) الزمر / ٤٢.
(٤) السجدة / ١١.
(٥) الأنعام / ٦١.
(٦) النحل / ٢٨.
(٧) الحج / ٧٥.
(٨) الإنسان / ٣٠.
(٩) من لا يحضره الفقيه ١ / ٨٢، ح ٣٧١.
الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفّاها الله من ملك الموت.
وفي كتاب التوحيد(١) : سئل أمير المؤمنينعليهالسلام عن ذلك فقال: إنّ الله - تبارك وتعالى - يدبّر الأمر كيف يشاء ويوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء. أمّا ملك الموت فإنّ الله يوكّله بخاصّة من يشاء. ويوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه. والملائكة الّذين سمّاهم الله - عزّ ذكره - وكلّهم بخاصة من يشاء من خلقه.
والله(٢) - تبارك وتعالى - يدبّر الأمور كيف يشاء. وليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس. لأنّ منهم القويّ والضّعيف. ولأنّ منه ما يطاق حمله، ومنه ما لا يطيق حمله إلّا من يسهّل الله له حمله وأعانه عليه من خاصّة أوليائه. وإنّما يكفيك أن تعلم أنّ الله المحيي والمميت، وأنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكة وغيرهم.
( قالُوا ) ، أي: الملائكة. توبيخا لهم.
( فِيمَ كُنْتُمْ ) في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم.
( قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ) : اعتذار عمّا وبّخوا به، بضعفهم عن إظهار الدّين وإعلاء كلمته لقلّة العدد وكثرة العدوّ.
( قالُوا ) ، أي: الملائكة. تكذيبا لهم.
( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) : إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة.
( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) : لتركهم الواجب، ومساعدتهم الكفّار، وكفرهم. وهو خبر «إنّ» و «الفاء» فيه لتضمّن الاسم معنى الشّرط. و «قال فيم كنتم» حال من الملائكة، بإضمار قد. أو الخبر «قالوا» والعائد محذوف، أي: قالوا لهم.
وهو جملة معطوفة على الجملة التي قبلها، مستنتجة منها.
( وَساءَتْ مَصِيراً ) (٩٧)، أي: مصيرهم. أو جهنّم.
وقيل(٣) : الآية نزلت في ناس من مكّة، أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة. والظّاهر، أنّها في الكفرة.
__________________
(١) التوحيد / ٢٦٨، قطعه من حديث ٥ الذي أوّله في ص ٢٥٤.
(٢) المصدر: إنّه.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٩.
وفي مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : هم قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه بن الحجّاج، وعليّ بن أميّة بن خلف.
وفي نهج البلاغة(٢) : قالعليهالسلام : ولا يقع استضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : نزلت فيمن اعتزل أمير المؤمنينعليهالسلام ولم يقاتلوا معه، فقال الملائكة لهم عند الموت:( فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ) ، أي: لم نعلم مع من الحقّ. فقال الله:( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) ، أي: دين الله وكتابه واسع فتنظروا فيه.
والجمع بينه وبين الأوّل، أنّها نزلت في الأوّل وجرت في الثّاني. وفي الآية دلالة على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكّن الرّجل فيه من إقامة دينه.
[وفي مجمع البيان(٤) : وروى الحسن عن النّبيّصلىاللهعليهوآله أنّه قال: من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنّة وكان رفيق إبراهيم ومحمّدصلىاللهعليهوآله ].(٥) .
وفي مصباح الشّريعة(٦) : قال الصّادقعليهالسلام بعد أن أمر بالكلام بما ينفع ولا يضرّ: فإن لم تجد السّبيل إليه، فالانقلاب والسّفر(٧) من بلد إلى بلد، وطرح النّفس في بوادي التّلف بسرّ صاف وقلب خاشع وبدن صابر، قال الله - تعالى - :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن يسار، عن معروف بن خربوذ، عن الحكم بن المستنير، عن عليّ بن الحسين
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٩٨.
(٢) نهج البلاغة / ٢٨٠، ضمن خطبة ١٩٠.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٤٩.
(٤) مجمع البيان ٢ / ١٠٠.
(٥) ما بين المعقوفتين يوجد في أ، فقط.
(٦) شرح فارسي مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ١٥٣ - ١٥٤.
(٧) المصدر: «في الأسفار» بدل «والسفر».
(٨) تفسير القمي ٢ / ١٧.
ـ عليهما السّلام - قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : الأرض مسيرة خمسمائة عام، الخراب منها مسيرة أربعمائة والعمران منها مسيرة مائة عام.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) : استثناء منقطع، لعدم دخولهم في الموصول يظلموا(١) ، ولا في ضميره، ولا في الإشارة إليه.
وذكر «الولدان» إن أريد به المماليك، فظاهر. وإن أريد به الصّبيان، فللمبالغة في الأمر، والإشعار بأنّهم على صدد وجوب الهجرة، فإنّهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، وأنّ قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت.
( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) (٩٨): صفة للمستضعفين، إذ لا توقيت فيه. أو حال عنه، أو عن المستكن فيه. واستطاعة الحيلة، قدرة ووجدان أسباب دفع الكفر. واهتداء السّبيل، وجدان سبيل الإيمان بنفسه أو بدليل.
في كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد وفضالة بن أيّوب جميعا، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) .
فقال: هو الّذي لا يستطيع الكفر فيكفر، ولا يهتدي سبيل الإيمان فيؤمن.
والصّبيان ومن كان من الرّجال والنّساء على مثل عقول الصّبيان، مرفوع عنهم القلم.
قولهعليهالسلام : «هو الّذي لا يستطيع الكفر(٣) »
، يعني: ليس له من العقل ما به يطّلع على الكفر فيكفر، أو يدفعه عن نفسه.
وبإسناده إلى سالم بن مكرم الجمّال(٤) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن قوله - عزّ وجلّ - :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ) إلى قوله:( سَبِيلاً ) فقال: لا يستطيعون حيلة إلى النّصب فينصبون، ولا يهتدون سبيلا. إلى الحقّ(٥) فيدخلون فيه. وهؤلاء يدخلون الجنّة
__________________
(١) كذا في النسخ والظاهر أنّها زائدة.
(٢) معاني الأخبار / ٢٠١، ح ٤.
(٣) يوجد في أبعد هذه العبارة: فيكفر ولا يهتدي.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٥.
(٥) المصدر: «سبيل أهل الحقّ» بدل «سبيلا إلى الحق». وهو مذكور في هامش الأصل بدلا من «سبيلا» وليس أيضا في ر ونسخة المجلس ويوجد في أ، فقط.
بأعمال حسنة وباجتناب المحارم الّتي نهى الله - عزّ وجلّ - عنها، ولا ينالون منازل الأبرار.
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد - رحمه الله(١) - قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن حجر بن زائدة عن حمران قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ) (الآية) قال: هم أهل الولاية.
قلت: وأيّ ولاية؟
فقال: أما إنّها ليست بولاية في الدّين. لكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة. وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّار. وهم المرجون لأمر الله.
حدّثنا المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويّ(٢) قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه، عن عليّ بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعميّ، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) (الآية).
قال: يا سليمان، في هؤلاء المستضعفين من هو أثخن رقبة(٣) منك. المستضعفون قوم يصومون ويصلّون(٤) ، تعفّ بطونهم وفروجهم، لا يرون أنّ الحقّ في غيرنا، آخذين بأغصان الشّجرة. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم إذا كانوا آخذين بالأغصان، وإن لم يعرفوا أولئك فإن عفا عنهم فبرحمته وإن عذّبهم فبضلالتهم عمّا عرّفهم.
أبي - رحمه الله - قال(٥) : حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصّباح، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال في المستضعفين الّذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا: لا يستطيعون حيلة فيدخلوا في الكفر، ولم يهتدوا فيدخلوا في الإيمان. فليس هم من الكفر والإيمان في شيء.
__________________
(١) نفس المصدر / ٢٢٠، ح ٨.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٩.
(٣) يوجد في أبعد هذه العبارة: «بالاغصان وإن لم يعرفوا أولئك فان عفى عنهم» والأظهر أنّها زائدة وسيأتي بعد قليل.
(٤) ليس في أ.
(٥) نفس المصدر / ٢٠٣، ح ١١.
وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن سليم مولى طربال قال: حدّثني هشام، عن حمزة بن طيّار قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : [النّاس على ستّة أصناف](٢) .
قال: قلت: أتأذن لي أن أكتبها؟
قال نعم.
قلت: ما أكتب؟
قال: أكتب( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ) (٣) إلى الكفر( وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) إلى الإيمان( فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ) .
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٤) ، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن زرارة قال: دخلت أنا وحمران، أو أنا وبكير على أبي جعفرعليهالسلام قال: قلت له: إنّا نمدّ المطمار(٥) .
قال: وما المطمار(٦)؟
قلت: التّرّ(٧) . فمن وافقنا(٨) من علويّ أو غيره(٩) تولّيناه. ومن خالفنا من علويّ أو غيره(١٠) برئنا منه.
فقال لي: يا زرارة، قول الله أصدق من قولك، فأين الّذين قال الله - عزّ وجلّ - :( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) أين المرجون لأمر الله؟ والحديثان طويلان، أخذنا منهما موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(١١) ، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: المستضعفون الّذين( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) قال: لا يستطيعون حيلة إلى الإيمان ولا يكفرون، الصّبيان وأشباه عقول الصّبيان من
__________________
(١) الكافي ٢ / ٣٨١، ضمن حديث ١.
(٢) ليس في الأصل.
(٣) يوجد في المصدر بعد هذه العبارة: ولا يهتدون سبيلا لا يستطيعون حيلة.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٣٨٢ - ٣٨٣، صدر حديث ٣.
(٥ و ٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: المضمار.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: النز.
(٨) هكذا في المصدر ور، وفي سائر النسخ: واقفنا.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وغيره.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: وغيره.
(١١) نفس المصدر ٢ / ٤٠٤، ح ٢+ تفسير القمي ١ / ١٤٩.
الرّجال والنّساء.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(١) ، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن المستضعف؟ فقال: هو الّذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر، ولا يهتدي بها إلى سبيل الإيمان(٢) ، لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر.
قال: والصّبيان، ومن كان من الرّجال والنّساء على مثل عقول الصّبيان.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٣) ، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السّمط البجليّ قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في المستضعفين؟
فقال لي شبيها بالفزع: فتركتم أحدا يكون مستضعفا، وأين المستضعفون؟ فو الله لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهنّ، وتحدّث به السّقّايات في طريق المدينة.
الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد(٤) ، عن الوشّاء، عن مثنى، عن إسماعيل الجعفيّ قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام في حديث طويل: فهل سلم أحد لا يعرف هذا الأمر؟
فقال: لا، إلّا المستضعفين. قلت: من هم؟
قال: نساؤكم وأولادكم. ثمّ قال: أرأيت أمّ أيمن، فإنّي أشهد أنّها من أهل الجنّة، وما كانت تعرف ما أنتم عليه.
وبإسناده إلى أيّوب بن الحرّ(٥) قال: قال رجل لأبي عبد اللهعليهالسلام ونحن عنده: جعلت فداك إنّا نخاف أن ننزل بذنوبنا منازل المستضعفين.
قال: فقال: لا والله لا يفعل الله ذلك بكم أبدا.
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن محمّد بن منصور الخزاعيّ، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال: سألته
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٠٤، ح ٣.
(٢) هكذا في أوالمصدر. وفي سائر النسخ: «سبيلا إلى الايمان» بدل «إلى سبيل الايمان».
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٤٠٥، ح ٦.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٤٠٦، ح ٩.
عن الضّعفاء؟ فكتب إليّ: الضّعيف، من لم يرفع إليه حجّة ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف.
وفي الكافي(١) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطّائيّ، عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أتزوّج بمرجئة أو حروريّة؟
قال: لا، عليك بالبله من النّساء.
قال زرارة: فقلت: والله ما هي إلّا مؤمنة أو كافرة.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : وأين أهل ثنوي الله - عزّ وجلّ - قول الله أصدق من قولك:( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) - : عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفرعليهالسلام قال سألته: عن المستضعفين. فقال: البلهاء في خدرها، والخادمة تقول لها: صلّي. فتصلّي لا تدري إلّا ما قلت لها، والجليب الّذي لا يدري إلّا ما قلت له، والكبير الفاني، والصّبيّ، والصّغير، هؤلاء المستضعفين.
( فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ) : ذكر بكلمة الإطماع. ولفظ «العفو» إيذانا بأنّ ترك الهجرة أمر خطير، حتّى المضطرّ من حقّه أن لا يأمن ويترصّد الفرصة ويعلّق بها قلبه.
( وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً ) (٩٩): ذا صفح عن ذنوب عباده، ساتر عليهم ذنوبهم.
( وَمَنْ يُهاجِرْ ) : يفارق أهل الشّرك، ويهرب بدينه من وطنه إلى أرض الإسلام.
( فِي سَبِيلِ اللهِ ) : في منهاج دينه(٣) .
( يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً ) : متحوّلا. من الرّغام، وهو التّراب.
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ٣٤٨، ح ٢.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٧٠، ح ٢٥١.
(٣) يوجد في أبعد هذه العبارة: من وطنه إلى أرض الإسلام.
وقيل(١) : طريقا يراغم قومه بسلوكه، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم. وهو أيضا من الرّغام( وَسَعَةً ) : في الرّزق وإظهار الدّين، فيرغم بذلك أنوف قومه في من ضيّق عليه.
( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ) :
وقرئ: «يدركه» بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثمّ هو يدركه. وبالنّصب، على إضمار «أن» كقوله: وألحق بالحجاز فاستريحا(٢) .
( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) :
الوقوع والوجوب، متقاربان. وفي لفظ الوقوع زيادة مبالغة، لإشعاره(٣) بأنّ أجره وقع.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) (١٠٠) :
في مجمع البيان(٤) : عن أبي حمزة الثّماليّ: لـمّا نزلت آية الهجرة، سمعها رجل من المسلمين وهو جندع أو جندب بن ضمرة(٥) وكان بمكّة. فقال: والله ما أنا ممّن استثنى الله، إنّي لأجد قوّة وإنّي لعالم بالطّريق. وكان مريضا شديد المرض. فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكّة حتّى أخرج منها. فإنّي أخاف أن أموت فيها. فخرجوا يحملونه على سرير حتّى إذا بلغ التّنعيم مات. فنزلت الآية.
[وممّا جاء في معنى الآية من الحديث ما رواه الحسن، عن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٦) - قال: من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّد - عليهما السّلام -
وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول العامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهليّة؟
قال: الحقّ والله.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٣٩.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) ر: باشعاره.
(٤) مجمع البيان ٢ / ١٠٠.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جندب بن حمزة.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) الكافي ١ / ٣٧٨، صدر حديث ١.
قلت: فإنّ إماما هلك، ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه، لم يسعه ذلك؟
قال: لا يسعه، إنّ الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيه على من هو معه في البلد، وحقّ النّفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم، إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول(١) :( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
قلت: فنفر قوم فهلك بعضهم قبل أن يصل فيعلم؟
قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) .
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى(٢) ، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : أصلحك الله، بلغنا شكواك وأشفقنا، فلو أعلمتنا أو علّمتنا من؟
فقال: إنّ عليّاعليهالسلام كان عالما والعلم يتوارث، فلا يهلك عالم إلّا بقي من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله.
قلت: أفيسع النّاس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الّذي بعده؟
فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا، يعني: المدينة. وأمّا غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، إنّ الله يقول(٣) :( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
قال: قلت: أرأيت من مات في ذلك؟ فقال: هو بمنزلة من خرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله].(٤) .
وفي تفسير العيّاشي(٥) ، بإسناده، عن محمّد بن أبي عمير(٦) قال: وجّه زرارة بن أعين(٧) ابنه عبيدا إلى المدينة يستخبر له خبر أبي الحسن موسى بن جعفر(٨) وعبد الله. فمات قبل أن يرجع إليه عبيد ابنه.
__________________
(١) التوبة / ١٢٢.
(٢) نفس المصدر ١ / ٣٧٩ - ٣٨٠، ح ٣ وله ذيل.
(٣) التوبة / ١٢٢.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) تفسير العياشي ١ / ٢٧٠، ح ٢٥٣.
(٦) المصدر: عن ابن أبي عمير.
(٧) «بن أعين» ليس في المصدر.
(٨) «موسى بن جعفر» ليس في المصدر.
قال محمّد بن أبي عمير: حدّثني محمّد بن حكيم قال: ذكرت(١) لأبي الحسن(٢) عليهالسلام زرارة وتوجيهه(٣) عبيدا إلى المدينة.
فقال(٤) : إنّي لأرجو أن يكون زرارة ممّن قال الله:( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ) (الآية).
عن أبي الصّباح(٥) قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : ما تقول في رجل دعي إلى هذا الأمر فعرفه وهو في أرض منقطعة إذ جاء موت الإمام، فبينا هو ينتظر إذ جاءه الموت؟
فقال: هو والله بمنزلة من هاجر إلى الله ورسوله فمات، فقد وقع أجره على الله.
وفي الكافي(٦) : عليّ بن محمّد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن سليمان الدّيلمي(٧) عن أبي حجر الأسلميّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : من أتى مكّة حاجّا ولم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة، ومن مات في أحد الحرمين مكّة والمدينة لم يعرض ولم يحاسب، ومن مات مهاجرا إلى الله - تعالى - حشره الله - تعالى(٨) - مع أصحاب بدر.
( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) : سافرتم.
( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) : بتنصيف الرّباعيّات.
و «من الصّلاة» صفة محذوف، أي: شيئا من الصّلاة. عند سيبويه. ومفعول «تقصروا» بزيادة «من» عند الأخفش(٩) . والقصر، واجب. ونفي الجناح، لأنّهم ألفوا التّمام وكان مظنّة لأن يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في التّقصير، فرفع عنهم الجناح
__________________
(١) المصدر: قلت.
(٢) المصدر: لأبي الحسن الأوّلعليهالسلام فذكرت له.
(٣) المصدر: وتوجيه ابنه.
(٤) المصدر: فقال أبو الحسن.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٢٥٢.
(٦) الكافي ٤ / ٥٤٨، ح ٥.
(٧) هو محمد بن سليمان البصريّ الديلمي أبو عبد الله. وفي النسخ «المديني» بدل «الديلمي» وهي خطأ.
ر. تنقيح المقال ٣ / ١٢٢، رقم ١٠٧٨٩ ورقم ١٠٧٩٣.
(٨) ر: حشره الله تعالى يوم القيامة.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٠.
لتطيب نفوسهم بالقصر ويطمئنّوا إليه.
وفي من لا يحضره الفقيه وتفسير العيّاشيّ(١) : روي عن زرارة ومحمّد بن مسلم أنّهما قالا: قلنا لأبي جعفرعليهالسلام : ما تقول في الصّلاة في السّفر، كيف هي، وكم هي؟
فقال: إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) فصار التّقصير في السّفر واجبا كوجوب التّمام في الحضر.
قالا: قلنا: إنّما قال الله - تعالى - :( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) ولم يقل: افعلوا.
كيف أوجب ذلك كما أوجب التّمام في الحضر؟
فقالعليهالسلام : أو ليس قد قال الله - عزّ وجلّ(٢) - :( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) ألا ترون أنّ الطّواف بهما واجب مفروض، لأنّ الله - عزّ وجلّ - ذكره في كتابه وصنعه(٣) نبيّهعليهالسلام وكذلك التّقصير في السّفر، شيء صنعه النّبيّصلىاللهعليهوآله وذكره الله - تعالى - في كتابه.
قالا: قلنا: فمن صلّى في السّفر أربعا أيعيد أم لا؟
قال: إن كان قد قرئت عليه آية التّقصير وفسّرت له وصلّى أربعا أعاد. وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه. والصّلاة كلّها في السّفر الفريضة ركعتان كلّ صلاة إلّا المغرب. فإنّها ثلاث. ليس فيها تقصير. وتركها رسول اللهصلىاللهعليهوآله في السّفر والحضر ثلاث ركعات.
وزاد في الفقيه: وقد سافر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة، يكون إليها بريدان أربعة وعشرون ميلا. فقصّر وأفطر فصارت سنّة. وقد سمّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله قوما صاموا حين أفطر: العصاة. قال: فهم العصاة إلى يوم القيامة، وإنّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب العلل الّتي ذكر الفضل بن شاذان أنّه سمعها من
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٧٨ - ٢٧٩، ح ١٢٦٦ وتفسير العياشي ١ / ٢٧١، ح ٢٥٤.
(٢) البقرة / ١٥٨.
(٣) أ: وضعه.
(٤) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ١١١، ح ١.
الرّضاعليهالسلام : فإن قال: فلم قصرت الصّلاة في السّفر؟ قيل: لأنّ الصّلاة المفروضة أوّلا إنّما هي عشر ركعات، والسّبع إنّما زيدت فيما بعد. فخفّف عنه تلك الزّيادة لموضع سفره وتعبه ونصبه واشتغاله بأمر نفسه وظعنه وإقامته لئلّا يشتغل عمّا لا بدّ له من معيشته، رحمة من الله - تعالى - وتعطّفا عليه، إلّا صلاة المغرب. فإنّها لم تقصر.
لأنّها صلاة مقصرة في الأصل.
فإن قال: فلم وجب التّقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر؟
قيل: لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والأثقال. فوجب التّقصير في مسيرة يوم. فإن قال: فلم وجب التّقصير في مسيرة يوم؟
قيل: لأنّه لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة سنة. وذلك أنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم. فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما.
وفي الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد المسلي(٢) ، عن عبد الله بن سليمان العامريّ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لـمّا عرج برسول اللهصلىاللهعليهوآله نزل بالصّلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين. فلمّا ولد الحسنعليهالسلام والحسين زاد رسول اللهصلىاللهعليهوآله سبع ركعات شكرا لله. فأجاز الله ذلك. وترك الفجر. ولم يزد فيها شيئا لضيق وقتها. لأنّه يحضرها ملائكة اللّيل وملائكة النّهار. فلمّا أمره الله بالتّقصير في السّفر وضع عن أمّته ستّ ركعات وترك المغرب لم ينقص منها شيئا.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى أبي محمّد العلويّ الدّينوريّ، بإسناده رفع الحديث إلى الصّادقعليهالسلام قال: قلت: لم صارت المغرب ثلاث ركعات وأربعا بعدها ليس فيها تقصير في حضر ولا في سفر؟
فقال: إنّ الله - عزّ وجلّ - أنزل على نبيّهصلىاللهعليهوآله كلّ صلاة
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤٨٧، ح ٢.
(٢) النسخ: «المسلميّ». وهي خطأ. ر. تنقيح المقال ١ / ٤٢٧، رقم ٤٠٢٠. وهو الربيع بن محمد بن عمر بن حسّان الأصم المسلّميّ الكوفي.
(٣) علل الشرائع ٢ / ٣٢٤، ح ١.
ركعتين في الحضر. فأضاف إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآله لكلّ صلاة ركعتين في الحضر وقصّر فيها في السّفر إلّا المغرب. فلمّا صلّى المغرب بلغه مولد فاطمة - عليهما السّلام - فأضاف إليها ركعة شكرا لله - عزّ وجلّ - فلمّا أن ولد الحسنعليهالسلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله - عزّ وجلّ - فلمّا أن ولد الحسينعليهالسلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله - عزّ وجلّ - فقال(١) :( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) . فتركها على حالها في الحضر والسّفر.
وعن النّبيّ - صلّى الله عليه وآله(٢) - : فرض المسافر ركعتان غير قصر.
أي(٣) : ثوابه تمام. وفي كلّ الأسفار المشروعة القصر واجب إلّا في أربعة مواضع: مكّة، والمدينة، ومسجد الكوفة، وحرم الحسينعليهالسلام فإنّ المسافر فيها مخيّر بين القصر والإتمام. والإتمام أفضل.
ففي الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عليّ بن الحكم، عن الحسين بن المختار، عن أبي إبراهيمعليهالسلام قال: قلت له: إنّا إذا دخلنا مكّة والمدينة أنتمّ(٥) أم نقصر؟
قال: قصرت فذاك. فإن أتممت فهو خير تزداد.
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٦) ، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الملك القمّيّ، عن إسماعيل بن جابر، عن عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: تتمّ الصّلاة في أربعة مواطن: المسجد الحرام، ومسجد الرّسولعليهالسلام ومسجد الكوفة، وحرم الحسينعليهالسلام
والأخبار في معانيه كثيرة. وفي بعضها قال أبو إبراهيمعليهالسلام (٧) وقد ذكر الحرمين: كان أبي يقول: إنّ الإتمام فيهما من الأمر المذخور.
( إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ) (١٠١): شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت. ولذلك لم يعتبر مفهومها. وقد
__________________
(١) النساء / ١٧٦.
(٢) تفسير الصافي ١ / ٤٥٦.
(٣) يوجد في أقبل هذه العبارة: ومعنى قوله غير قصر.
(٤) الكافي ٤ / ٥٢٤، ح ٦.
(٥) هكذا في أ. وفي سائر النسخ: نتمّ.
(٦) نفس المصدر ٤ / ٥٨٧، ح ٥.
(٧) نفس المصدر ٤ / ٥٢٤، ح ٧.
تظاهرت الأخبار على وجوبه - أيضا - في حال الأمن. ويحتمل أن يكون المراد - والله أعلم - : أنّه لا جناح عليكم في القصر في صورة الأمن في السّفر، فيقصر أربع ركعات إلى ركعتين. وأمّا مع الخوف فقصر الرّكعتين إلى ركعة واحدة، بمعنى: كون إحدى الرّكعتين مع الجماعة والأخرى بدونها. أو كونهما بإيماء ونقص كيفيّة تعدّ الرّكعتان معها بركعة واحدة.
وعلى هذا المعنى يحمل ما رواه في الكافي(١) : عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وأحمد بن إدريس ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال: في الرّكعتين تنقص منها واحدة.
وقرئ: «من الصّلاة أن يفتنكم» بغير «إن خفتم»، بمعنى: كراهة أن يفتنكم. وهو القتال، والتّعرّض بما يكره(٢) .
( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) : الخطاب وإن تعلّق بالنّبيّ والأئمّة والمقصود عمومه، لإجماع الطّائفة المحقّة وغيرهم على عدم الاختصاص بحضرة النّبيّصلىاللهعليهوآله
( فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) : وتقوم الطّائفة الأخرى اتّجاه العدوّ.
( وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ) ، أي: المصلّون حزما.
وقيل(٣) : الضّمير للطّائفة الأخرى، وذكر الطّائفة الأولى يدلّ عليهم. وسياق الآية يدلّ على الأوّل.
( فَإِذا سَجَدُوا ) ، يعني: المصلّين.
( فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ) : يحرسونكم، يعني: النّبيّ ومن يصلّي معه. فغلب المخاطب على الغائب.
( وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ) : لاشتغالهم بالحراسة.
( فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ) : والآية مطلقة، في أنّ الإمام يصلّي مرّتين بكلّ طائفة
__________________
(١) نفس المصدر ٣ / ٤٥٨، ح ٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٠.
(٣) نفس المصدر والموضع.
وكانت الثّانية نفلا له، كما فعله رسول اللهصلىاللهعليهوآله ببطن النّخل. وفي أن يصلّي بكلّ فرقة ركعة إن كانت الصّلاة ركعتين. وفي أنّ يصلّي مع الفرقة الأولى ركعة ومع الثّانية ركعتين، أو بالعكس إذا كانت ثلاثيّة.
وفي الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبان، عن عبد الرّحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأصحابه في غزوة ذات الرّقاع صلاة الخوف.
ففرّق أصحابه فرقتين، أقام فرقة بإزاء العدوّ وفرقة خلفه. فكبّر وكبّروا. فقرأ وأنصتوا.
وركع فركعوا. وسجد وسجدوا. ثمّ استمرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائما وصلّوا لأنفسهم ركعة. ثمّ سلّم بعضهم على بعض. ثمّ خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بإزاء العدوّ. وجاء أصحابهم. فقاموا خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآله فصلّى بهم ركعة، ثمّ تشهّد وسلّم عليهم. فقاموا وصلّوا لأنفسهم ركعة. ثمّ سلّم بعضهم على بعض.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٢) ، عن ابن عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن صلاة الخوف؟ قال: يقوم الإمام. وتجيء طائفة من أصحابه. فيقومون خلفه وطائفة بإزاء العدوّ. فيصلّي بهم الإمام ركعة. ثمّ يقوم ويقومون معه. فيمثل قائما ويصلّون الرّكعة. [الثّانية. ثمّ يسلّم بعضهم على بعض. ثمّ ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم. ويجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام. فيصلي بهم الركعة الثانية](٣) ثمّ يجلس الإمام فيقومون هم فيصلّون ركعة أخرى. ثمّ يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه.
قال: وفي المغرب مثل ذلك، يقوم الإمام. وتجيء طائفة فيقومون خلفه. ثمّ يصلّي بهم ركعة. ثمّ يقوم ويقومون. فيمثل الإمام قائما. فيصلّون ركعتين. فيتشهّدون.
ويسلّم بعضهم على بعض. ثمّ ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم. ويجيء الآخرون.
ويقومون في موقف أصحابهم خلف الإمام. فيصلّي بهم ركعة يقرأ فيها. ثمّ يجلس فيتشهّد. ثمّ يقوم ويقومون معه ويصلّي بهم ركعة أخرى. ثمّ يجلس ويقومون هم فيتمّون ركعة أخرى. ثمّ يسلّم عليهم.
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤٥٦، ح ٢.
(٢) نفس المصدر ٣ / ٤٥٥، ح ١.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) : جعل الحذر آلة يتحصّن بها الغازي.
فجمع بينه وبين الأسلحة في وجوب الأخذ. ونظيره قوله - تعالى(١) - :( وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ) .
( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ) : تمنّوا أن ينالوا منكم غرّة في صلاتكم، فيشدّون عليكم شدّة واحدة. وهو بيان ما لأجله أمروا بأخذ السّلاح.
( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ) : رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها، بسبب مطر أو مرض. وهذا ممّا يشعر، بأنّ الأمر بأخذ السّلاح، للوجوب.
( وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ) : كيلا يهجم عليكم العدوّ.
( إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) (١٠٢): وعد للمؤمنين بالنّصر على الكفّار، بعد الأمر بالحزم، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أنّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوّهم، بل لأنّ الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التّيقّظ والتّدبّر، فيتوكّلوا على الله.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : هذه الآية نزلت لـمّا خرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الحديبية يريد مكّة. فلمّا وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مأتي فارس يستقبل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فكان يعارض رسول اللهصلىاللهعليهوآله على الجبال. فلمّا كان في بعض الطّريق وحضرت صلاة الظّهر، أذّن بلال وصلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآله
فقال خالد بن الوليد: لو كنّا حملنا عليهم وهم في الصّلاة، لأصبناهم فإنّهم لا يقطعون الصّلاة. ولكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى هي أحبّ إليهم من ضياء أبصارهم. فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم. فنزل جبرئيلعليهالسلام بصلاة الخوف بهذه الآية. ففرّق رسول اللهصلىاللهعليهوآله أصحابه فرقتين. فوقف بعضهم تجاه العدوّ وقد أخذوا سلاحهم. وفرقة صلّوا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله قائما ومرّوا فوقفوا موقف أصحابهم. وجاء أولئك الّذين لم يصلّوا. فصلّى بهم رسول الله
__________________
(١) الحشر / ٩.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٠.
ـ صلّى الله عليه وآله - الرّكعة الثّانية ولهم الأولى. وقعد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقام أصحابه فصلّوا هم الرّكعة الثّانية وسلّم عليهم.
( فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ) : أدّيتم وفرغتم منها. أو إذا أردتم الصّلاة واشتدّ الخوف.
( فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ) : فدوموا على الذّكر في جميع الأحوال. أو فصلّوا كيف ما أمكن، قياما مسايفين ومقارعين، وقعودا مرامين، وعلى جنوبكم مثخنين.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( فَإِذا ) (٢) ( قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ) قال: الصّحيح يصلّي قائما، والعليل يصلّي قاعدا، ومن لم يقدر(٣) فمضطجعا يومئ إيماء.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : المريض يصلّي قائما، فإن لم يستطع صلّى جالسا. فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن. فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر. فإن لم يستطع استلقى وأومأ إيماء وجعل وجهه نحو القبلة وجعل سجوده أخفض من ركوعه.
وقال الصّادقعليهالسلام (٥) : المريض يصلّي قائما. فإن لم يقدر على ذلك صلّى جالسا. فإن لم يقدر أن يصلّي جالسا صلّى مستلقيا، يكبّر ثمّ يقرأ. فإذا أراد الرّكوع غمض عينيه ثمّ سبحّ. فإذا سبّح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الرّكوع. فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثمّ سبّح. فإذا سبّح فتح عينيه فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السّجود. ثمّ يتشهّد وينصرف].(٦) .
( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ) : سكنت قلوبكم من الخوف، واستقررتم في أمصاركم.
( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) : فعدّلوا واحفظوا أركانها وشرائطها، وأتوا بها تامّة.
( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (١٠٣)، أي ثابتا موجوبا مفروضا.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٠.
(٢) المصدر: وإذا.
(٣) المصدر: يصلى جالسا فمن لم يقدر.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ / ٢٣٦، ح ١٠٣٧.
(٥) نفس المصدر ١ / ٢٣٥، ح ١٠٣٣.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
في الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد اللهعليهالسلام : قوله - تعالى - :( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) .
قال: كتابا ثابتا، وليس ان عجّلت قليلا أو أخّرت قليلا بالّذي يضرّك ما لم تضع تلك الإضاعة. فإنّ الله - عزّ وجلّ -(٢) يقول لقوم:( أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) .
عن حمّاد(٣) ، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام :( مَوْقُوتاً ) ، أي: موجوبا.
عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفرعليهالسلام :( كِتاباً مَوْقُوتاً ) ، أي: مفروضا. وليس يعنى: وقت فوتها إذا جاز ذلك الوقت ثمّ صلاها لم تكن صلاته هذه مؤدّاة. ولو كان كذلك لهلك سليمان بن داود حين صلاها لغير وقتها. ولكن متى ذكرها صلاها.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
[وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : قال الصّادقعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) قال: مفروضا.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) : حدّثنا محمّد بن الحسن - رحمه الله - قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن موسى بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام في قول الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) ، قال: موجبا. إنّما يعني بذلك: وجوبها على المؤمنين.
ولو كانت كما يقولون لهلك سليمان بن داود حين أخّر الصّلاة حتّى توارت بالحجاب.
لأنّه لو صلاها قبل أن تغيب كانت وقتا، وليس صلاة أطول وقتا من العصر].(٦) .
( وَلا تَهِنُوا ) ، أي: لا تضعفوا.
( فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ ) : في طلب الكفّار، الّذين هم أعداء الله وأعداؤكم.
__________________
(١) الكافي ٣ / ٢٧٠، ح ١٣.
(٢) مريم / ٥٩.
(٣) نفس المصدر ٣ / ٢٧٢، ح ٤.
(٤) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٢٥، ح ٦٠١.
(٥) علل الشرائع / ٦٠٥، ح ٧٩.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ) : ممّا ينالكم من الجراح منهم.
( فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ ) : أيضا ممّا ينالهم من ذلك.
( كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ ) : من إظهار الدّين، واستحقاق الثّواب. فأنتم أحرى وأولى على حربهم منهم على قتالكم. وهذا إلزام على المؤمنين وتقريع على التّواني فيه، بأنّ الضّرر دائر بين الفريقين غير مختصّ بهم، والنّفع مختصّ بهم.
وقرئ: «أن تكونوا» بالفتح، أي: ولا تهنوا، لأن تكونوا تألمون. ويكون قوله:( فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ ) علّة للنّهي عن الوهن لأجله(١) .
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) : بمصالح خلقه.
( حَكِيماً ) (١٠٤): في ما يأمر وينهى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله لـمّا رجع من وقعة أحد ودخل المدينة نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة.
فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله مناديا ينادي: يا معشر المهاجرين والأنصار، من كانت به جراحة فليخرج، ومن لم يكن به جراحة فليقم. فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها. فأنزل الله على نبيّه:( وَلا تَهِنُوا ) (الآية.) وقال - عزّ وجلّ -(٣) :( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ) إلى قوله:( شُهَداءَ ) .
فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح.
( إِنَّا أَنْزَلْنا إليك الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) : بما عرّفك، وأوحى إليك. وليس من الرّؤية، بمعنى: العلم. وإلّا لاستدعى ثلاثة مفاعيل.
في أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن قال: وجدت في نوادر محمّد بن سنان، عن محمّد بن سنان قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلّا إلى رسول الله وإلى الأئمّة - عليهم السّلام - قال الله - عزّ وجلّ - :( إِنَّا أَنْزَلْنا إليك الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) وهي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٤١.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٢٤.
(٣) / ١٤٠.
(٤) الكافي ١ / ٢٦٧، ح ٨.
جارية في الأوصياء - عليهم السّلام -
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسي - رحمه الله - عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام لأبي حنيفة: تزعم أنّك صاحب رأي.
وكان الرّأي من رسول اللهصلىاللهعليهوآله صوابا ومن دونه خطأ. لأنّ الله - تعالى - قال:( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) ولم يقل ذلك لغيره.
وفي الجوامع(٢) : روي أنّ أبا طعمة من أبيرق(٣) سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النّعمان. ونقلها عند رجل من اليهود. فأخذ الدّرع من منزل اليهود [يّ] فقال: دفعها إليّ أبو طعمة. فجاء بنو أبيرق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وكلّموا أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: «إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهوديّ» فهمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يفعل وأن يعاقب اليهوديّ، فنزلت.
والظّاهر أنّ هذه الرّواية من العامّة. لأنّهم رووها مع زيادة ومنطبق على أصولهم. والصّحيح ما روى عليّ بن إبراهيم وصاحب مجمع البيان(٤) . وسيأتي.
( وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ) ، أي: لأجلهم والذّبّ عنهم.
( خَصِيماً ) (١٠٥): للبراء.
[وفي نهج البلاغة(٥) وقالعليهالسلام : من بالغ في الخصومة أثم. ومن قصّر فيها ظلم. ولا يستطيع أن يتّقي الله من خاصم](٦) .
( وَاسْتَغْفِرِ اللهَ ) : ممّا هممت به، من عقاب اليهوديّ بالتماس بني أبيرق - كما نقل عن النّواصب - وممّا فعلت من معاتبة بني قتادة، وصيرورتك سبب اغتمامه حين لم تطّلع على أنّه محقّ، على ما سيجيء.
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ١١٧.
(٢) تفسير جوامع الجامع / ٩٦. وتوجد الرواية بطولها وبعبارات أخرى في أنوار التنزيل ١ / ٢٤٢.
(٣) أ: «أبا طعمة بن أبيرق.» وهو صواب، أيضا.
(٤) هكذا في أ. وفي سائر النسخ: «والصحيح ما روي عن عليّ بن إبراهيم في مجمع البيان» وهي خطأ لأنّه لم تنقل الرواية في مجمع البيان عن عليّ بن إبراهيم، كما سيأتي عنهما كلّ على حدّة قريبا. وإمّا الرواية موجودة في مجمع البيان ٢ / ١٠٥ وفي تفسير القمي ١ / ١٥٠ - ١٥١.
(٥) نهج البلاغة / ٥٢٨، حكمة ٢٩٨.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (١٠٦): لمن يستغفره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : كان سبب نزولها، أنّ قوما من الأنصار من بني أبيرق إخوة ثلاثة، كانوا منافقين، بشير ومبشر وبشر. فنقبوا على عمّ قتادة بن النّعمان، وكان قتادة بدريّا، وأخرجوا طعاما كان أعدّه لعياله وسيفا ودرعا. فشكى قتادة ذلك إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، إنّ قوما نقبوا على عمّي، وأخذوا طعاما كان أعدّه لعياله وسيفا ودرعا، وهم أهل بيت سوء. وكان معهم في الرّأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل.
فقال بنو أبيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل. فبلغ ذلك لبيد. فأخذ سيفه.
وخرج عليهم. فقال: يا بني أبيرق، أترمونني بالسّرق وأنتم أولى به منّي، وأنتم المنافقون تهجون رسول اللهصلىاللهعليهوآله وتنسبونه إلى قريش، لتبيّننّ ذلك أو لأملأنّ سيفي منكم. فداروه وقالوا له: ارجع رحمك الله. فإنّك بريء من ذلك.
فمشى بنو أبيرق إلى رجل من رهطهم يقال له: أسيد بن عروة. وكان منطيقا بليغا. فمشى إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، إنّ قتادة بن النّعمان عمد إلى اهل بيت من أهل شرف وحسب ونسب. فرماهم بالسّرق. واتّهمهم بما ليس فيهم.
فاغتمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله من ذلك. وجاء إليه قتادة. فأقبل عليه رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسّرقة. وعاتبه عتابا شديدا. فاغتمّ قتادة من ذلك. ورجع إلى عمّه. وقال: ليتني متّ ولم أكلّم رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقد كلّمني بما كرهته.
فقال له عمّه: الله المستعان. فأنزل الله في ذلك على نبيّه:( إِنَّا أَنْزَلْنا إليك الْكِتابَ ) (الآيات).
وفي مجمع البيان(٢) ما يقرب منه. قال: وكان بشير يكنّى أبا طعمة، وكان يقول الشّعر ويهجو به أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ثمّ يقول: قاله فلان.
( وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) : يخونونها. فإنّ وبال خيانتهم يعود إليها. أو جعل المعصية خيانة لها، كما جعلت ظلما عليها.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٠ - ١٥١.
(٢) مجمع البيان ٢ / ١٠٥.
( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً ) : مبالغة في الخيانة، مصرّا عليها.
( أَثِيماً ) (١٠٧): منهمكا فيه( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ) : يستترون منهم، حياء وخوفا.
( وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ ) : ولا يستحيون منه. وهو أحقّ بأن يستحيا، ويخاف منه.
( وَهُوَ مَعَهُمْ ) : لا يخفى عليه سرّهم. فلا طريق معه إلّا ترك ما يستقبحه، ويؤاخذ عليه.
( إِذْ يُبَيِّتُونَ ) : يدبّرون ويزوّرون.
( ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) : من رمي الغير، والحلف الكاذب، وشهادة الزّور(١) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : يعني: الفعل. فوقع القول، مقام الفعل.
( وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) (١٠٨): لا يفوت عنه شيء.
( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ ) : مبتدأ وخبر.
( جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : جملة مبنيّة لوقوع «أولاء» خبرا.
أوصلته، عند من يجعله موصولا.
( فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) (١٠٩) :
محاميا، يحميهم من عذاب الله.
( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ) : قبيحا، يسوء به غيره.
( أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) : بما يختصّ به ولا يتعدّاه.
وقيل(٣) : المراد بالسّوء، ما دون الشّرك. وبالظّلم، الشّرك.
وقيل(٤) : الصّغيرة والكبيرة.
( ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ ) : بالتّوبة.
( يَجِدِ اللهَ غَفُوراً ) : لذنوبه.
( رَحِيماً ) (١١٠): متفضّلا عليه. وفيه حثّ لهم على التّوبة.
__________________
(١) النسخ: الشهادة الزور.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٢.
(٤) نفس المصدر والموضع.
وفي نهج البلاغة(١) : من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة - ثمّ تلا الآية -
( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ) : فلا يتعدّاه وباله.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (١١١): فهو عالم بفعله، حكيم في مجازاته.
( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً ) : صغيرة، أو ما لا عمد فيه.
( أَوْ إِثْماً ) : كبيرة، أو ما كان عن عمد.
( ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ) : كما رمى بشير لبيدا. ووحّد الضّمير لمكان «أو».
( فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) (١١٢): بسبب رمي البريء، وتنزيه النّفس الخاطئة. ولذلك سوّى بينهما، وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد الله بن حمّاد الأنصاريّ، عن عبد الله بن سنان، قال: قال لي أبو عبد اللهعليهالسلام : الغيبة، أن تقول في أخيك ما هو فيه ممّا قد ستره الله عليه. فأمّا إذا قلت ما ليس فيه، فذاك قول الله:( فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) .
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ) : بإلهام ما همّ عليه بالوحي.
( لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ ) ، أي: أن يضلّوك عن القضاء بالحقّ، مع علمهم بالحال.
والجملة جواب «لولا». وليس المراد نفي همّهم، بل نفي تأثيره فيه.
( وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) : لأنّه ما أزلّوك عن الحقّ، وعاد وباله إليهم.
( وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ) : فإنّ الله عاصمك وناصرك ومؤيّدك، وما جرى عليك من معاتبة قتادة كان اعتمادا منك على ظاهر الأمر.
و «من شيء» في موضع النّصب على المصدر، أي: شيئا من الضّرر.
( وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) : من خفيّات الأمور، وأمور الدّين والأحكام.
( وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (١١٣): إذ لا فضل أعظم من النّبوّة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر
__________________
(١) نهج البلاغة / ٤٩٤، حكمة ١٣٥.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٧٥، ح ٢٧٠.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٥٢.
ـ عليه السّلام - قال: إنّ أناسا من رهط بشير الأدنين قالوا: انطلقوا [بنا](١) إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله نكلّمه(٢) في صاحبنا ونعذره. فإنّ صاحبنا بريء. فلمّا أنزل الله(٣) ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ ) إلى قوله:( وَكِيلاً ) فأقبلت رهط بشير. فقالوا: يا بشير، استغفر الله وتب من الذّنب.
فقال: والّذي أحلف به ما سرقها إلّا لبيد. فنزلت( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) ثمّ إنّ بشيرا كفر ولحق بمكّة. وأنزل الله في النّفر الّذين أعذروا(٤) بشيرا وأتوا النّبيّصلىاللهعليهوآله ليعذروه(٥) ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ) (٦) (الآية) ونزل في بشير وهو بمكّة( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ) (٧) .
وفي روضة الكافي(٨) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن سليمان الجعفريّ قال: سمعت أبا الحسنعليهالسلام يقول في قول الله - تعالى - :( إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) قال: يعني: فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجرّاح.
وفي كتاب الاحتجاج(٩) ، للطّبرسي - رحمه الله - حديث طويل عن أمير المؤمنينعليهالسلام وفيه يقولعليهالسلام : وقد بيّن الله قصص المغيرين بقوله(١٠) :( إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) بعد فقد الرّسول، ممّا يقيمون به أود باطلهم، حسب ما فعلته اليهود والنّصارى بعد فقد موسى وعيسى من تغيير التّوراة والإنجيل وتحريف الكلم عن مواضعه.
وفي تفسير العيّاشي(١١) : عن عامر بن كثير السّرّاج وكان داعية الحسين [صاحب الفخّ](١٢) بن عليّ، عن عطاء الهمدانيّ، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله :
__________________
(١) من أ.
(٢) هكذا في أ. وفي سائر النسخ: وقالوا نكلم.
(٣) النساء / ١٠٨.
(٤) أور: عذروا.
(٥) هكذا في أور. وفي سائر النسخ: ليعذره.
(٦) البقرة / ٦٤.
(٧) النساء / ١١٥.
(٨) الكافي ٨ / ٣٣٤، ح ٥٢٥.
(٩) الاحتجاج ١ / ٣٧٠ - ٣٧١.
(١٠) النساء / ١٠٨.
(١١) تفسير العياشي ١ / ٢٧٤ - ٢٧٥، ح ٢٦٧.
(١٢) من المصدر. ويورد فيها بهذه الصورة.
( إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) قال: فلان وفلان وفلان وأبو عبيدة بن الجرّاح.
وفي رواية عمر بن أبي سعيد(١) ، عن أبي الحسنعليهالسلام (٢) قال: هما وأبو عبيدة بن الجرّاح.
وفي رواية عمر بن صالح قال: الأوّل والثّاني وأبو عبيدة بن الجرّاح.
( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ ) : من متناجيهم. أو من تناجيهم.
( إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) : فهو على التّقدير الثّاني على حذف مضاف، أي: إلّا نجوى من أمر. أو على الانقطاع، بمعنى: ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير.
( أَوْ مَعْرُوفٍ ) : المعروف، كلّ ما يستحسنه الشّرع ولا ينكره العقل. ويندرج فيه القرض، وإعانة الملهوف، وصدقة التّطوّع، وسائر الخيرات.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله - عزّ وجلّ - :( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ) قال: يعني بالمعروف: القرض.
[عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٤) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه جميعا، عن يونس، عن عبد الله بن سنان وابن مسكان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : إذا حدّثتكم بشيء، فاسألوني عن كتاب الله؟ ثمّ قال في حديثه: إنّ الله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السّؤال. فقالوا: يا بن رسول الله، أين هذا من كتاب الله؟ قال: إنّ الله - عزّ وجلّ - يقول في كتابه:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ ) (الآية.) وقال(٥) :( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) . وقال(٦) :( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) ].(٧) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ الله فرض التّمحّل في القرآن.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٧٥، ح ٢٦٨.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٢٦٩.
(٣) الكافي ٤ / ٣٤، ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٣٠٠، ح ٢. وذكر فيه «عن أبيه» بين المعقوفتين.
(٥) النساء / ٥.
(٦) المائدة / ١٠١.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٥٢.
قلت: وما التّمحّل جعلت فداك؟
قال: أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك فتتمحّل له، وهو قوله:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ )
وحدّثني أبي(١) ، عن رجاله، رفعه إلى أمير المؤمنينعليهالسلام قال: إنّ الله فرض عليكم زكوات جاهكم، كما فرض عليكم زكوات ما ملكت أيديكم.
( أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) ، أي: إصلاح ذات بين.
في أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: الكلام ثلاثة: صدق، وكذب، وإصلاح بين النّاس.
قال: قلت: جعلت فداك، ما الإصلاح بين النّاس؟
قال: تسمع من الرّجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه، فتلقاه فتقول: سمعت من فلان فيك من كذا وكذا خلاف ما سمعت منه.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ - عليهم السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ثلاثة يحسن فيهنّ الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، والإصلاح بين النّاس.
( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (١١٤) :
بني الكلام على الأمر، ورتّب الجزاء على الفعل، ليدلّ على أنّه لـمّا دخل الآمر في زمرة الخيّرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأنّ العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث أنّه وصلة إليه. وقيّد الفعل بأن يكون لطلب مرضاة الله. لأنّ الأعمال بالنّيات. وأنّ من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحقّ به من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظيم، تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أغراض الدّنيا.
وقرأ حمزة وأبو عمرو: «يؤتيه» بالياء(٤) .
( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ) : يخالفه. من الشّقّ، فإنّ كلا من المتخالفين في شقّ غير شقّ الآخر.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ٢ / ٣٤١، ح ١٦.
(٣) الخصال ١ / ٨٧، ح ٢٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٣.
( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) : ظهر له الحقّ.
( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) : غير ما هم عليه، من اعتقاد وعمل.
( نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) : نجعله واليا لمن تولّى من الضّلال، ونخلّي بينه وبين ما اختاره.( وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) : وندخله فيها.
وقرئ، بفتح النّون. من صلا.(١) ( وَساءَتْ مَصِيراً ) (١١٥): جهنّم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أنّها نزلت في بشير، كما مرّ.
قال البيضاويّ(٣) : والآية تدلّ على حرمة مخالفة الإجماع، لأنّه - تعالى - رتّب الوعيد الشّديد على المشاقّة واتّباع غير سبيل المؤمنين. وذلك إمّا لحرمة كلّ واحد منهما، أو أحدهما، أو الجمع بينهما. والثّاني باطل إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحدّ. وكذا الثّالث، لأنّ المشاقّة محرمة ضمّ إليها غيرها أو لم يضمّ. وإذا كان اتّباع غير سبيلهم محرّما كان اتّباع سبيلهم واجبا، لأنّ ترك اتّباع سبيلهم ممّن عرف سبيلهم اتّباع غير سبيلهم.
وفيه، أنّه لا شكّ في حجّيّة إجماع جميع المسلمين باعتبار دخول المعصوم فيه، ولا يلزم منه حجّيّة الإجماع الّذي هو مدعاه. فتأمّل.
وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ: أنّ أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات فيقول: تعاهدوا الصّلاة إلى أن قالعليهالسلام : يقول الله - عزّ وجلّ - :( وَمَنْ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) من الأمانة(٥) ، فقد خسر من ليس من أهلها وضلّ عمله، عرضت على السّموات المبنيّة والأرض المهاد والجبال
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٢.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٣.
(٤) الكافي ٥ / ٣٦، ح ١.
(٥) هكذا في جميع النسخ. ويورد في هامش المصدر: وقوله «من الأمانة» هكذا في النسخ. والصواب «ثم الأمانة» كما يظهر من النهج [ص ٧٥، خطبة ١٩٩]
فان فيه: «ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها. أنّها عرضت على السماوات المبنيّة والأرضين المدحوّة والجبال ذات الطول المنصوبة الخ».
ولعل قوله: «من الأمانة» راجع إلى قوله: «والرغبة عما عليه صالحوا عباد الله» فهو أصوب.
المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم لو امتنعت من طول أو عرض أو عظم أو قوّة أو عزّة امتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة.
والحديث طويل، أخذنا منه موضع الحاجة.
وفي نهج البلاغة(١) : قالعليهالسلام : إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه. فلم يكن للشّاهد أن يختار ولا للغائب أن يردّ.
وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار. فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماما كان ذلك لله رضا. فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه. فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولّاه الله ما تولّى.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن حريز عن بعض أصحابنا، عن أحدهما - عليهما السّلام - قال: كان أمير المؤمنين في الكوفة أتاه النّاس فقالوا: اجعل لنا إماما يؤمّنا في رمضان.
فقال: لا. ونهاهم أن يجتمعوا فيه. فلمّا أمسوا جعلوا يقولون: ابكوا في رمضان وا رمضانا. فأتاه الحارث الأعور في أناس فقال: يا أمير المؤمنين، ضجّوا النّاس وكرهوا قولك.
فقال عند ذلك: دعهم وما يريدون. ليصلّي بهم ما شاءوا. ثمّ قال: فمن يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا.
عن عمرو بن أبي المقدام(٣) ، عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: خرجت أنا والأشعث الكنديّ وجرير البجليّ حتّى إذا كنّا بظهر الكوفة بالغرس مرّ بنا ضبّ. فقال الأشعث وجرير: «السّلام عليك يا أمير المؤمنين.» خلافا على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام فلمّا خرج الأنصاريّ قال لعليٍّعليهالسلام فقال عليٌّعليهالسلام : دعهما فهو إمامهما يوم القيامة. أما تسمع إلى الله وهو يقول:( نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) .
( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) : تكريره إمّا للتّأكيد، أو لقصّة بشير.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٣٦٦، رسالة ٦.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٧٥، ح ٢٧٢.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٢٧٣.
وقيل(١) : جاء شيخ إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله وقال: إنّي شيخ منهمك في المعاصي إلّا أنّي لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتّخذ من دونه وليّا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهّمت طرفة عين أنّي أعجز الله هربا، وإنّي لنادم تائب.
فما ترى حالي؟ فنزلت.
( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ) (١١٦): عن الحقّ. فإنّ الشّرك أعظم أنواع الضّلالة، وأبعدها عن الصّواب والاستقامة. وإنّما ذكر في الآية الأولى «فقد افترى» لأنّها متّصلة بقصّة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم نوع افتراء، وهو دعوى التّبنّي على الله - تعالى -
[وفي شرح الآيات الباهرة(٢) ، روى بحذف الإسناد مرفوعا عن مولانا عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين، عن أبيه أمير المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين - قال: المؤمن على أيّ حال مات وفي أيّ ساعة قبض فهو شهيد. ولقد سمعت حبيبي رسول الله يقول: لو أنّ المؤمن خرج من الدّنيا وعليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفّارة لتلك الذّنوب. ثمّ قالعليهالسلام : من قال: لا إله إلّا الله بالإخلاص فهو بريء من الشّرك، ومن خرج من الدّنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة. ثمّ تلا هذه الآية:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) وهم شيعتك ومحبّوك يا عليّ.
فقلت: يا رسول الله، هذا لشيعتي؟ قال: إي وربّي لشيعتك ومحبّيك خاصّة.
وإنّهم ليخرجون من قبورهم وهم يقولون: لا إله إلّا الله ومحمّد رسول الله وعليّ وليّ الله.
فيؤتون بحلل خضر من الجنّة وأكاليل من الجنّة وتيجان من الجنّة. فيلبس كلّ واحد منهم حلّة خضراء وتاج الملك وإكليل الكرامة. ثمّ يركبون النّجائب فيطير بهم إلى الجنّة( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) .
وفي هذا المعنى ما ذكره الشّيخ في أماليه(٣) ، بإسناده عن محمّد بن عطيّة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : الموت كفّارة لذنوب المؤمنين](٤) .
( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ) ، يعني: اللّات والعزّى ومناة الثّالثة الأخرى
__________________
(١) الكشاف ١ / ٥٦٥ وأنوار التنزيل ١ / ٢٤٤.
(٢) تأويل الآيات الباهرة، مخطوط، ص ٥٢.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وأساف ونائلة. كان لكلّ حيّ صنم يعبدونه، ويسمّونه: أنثى بني فلان. وذلك إمّا لتأنيث أسمائها، أو لأنّها كانت جمادات. والجمادات تؤنّث من حيث أنّها ضاهت الإناث لانفعالها.
قيل(١) : ولعلّه - تعالى - ذكرها بهذا الاسم، تنبيها على أنّهم يعبدون ما يسمّونه إناثا. لأنّه ينفعل ولا يفعل. ومن حقّ المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم.
وقيل(٢) : المراد، الملائكة. لقولهم: «الملائكة بنات الله.» وهو جمع، أنثى.
كرباب، وربّى.
وقرئ: «أنثى» على التّوحيد. و «أنثا» على أنّه جمع أنيث. كخبث، وخبيث. و «وثنا» بالتّخفيف والتّثقيل. وهو جمع وثن. كأسد وأسد. و «أثنا» بهما، على قلب الواو لضمّها همزة(٣) .
وفي مجمع البيان(٤) : عن تفسير أبي حمزة الثّماليّ قال: كان في كلّ واحدة منهنّ شيطانة أنثى تتراءى للسّدنة وتكلّمهم، وذلك من صنع إبليس. وهو الشّيطان الّذي ذكره الله ولعنه.
( وَإِنْ يَدْعُونَ ) : وإن يعبدون بعبادتها.
( إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) (١١٧): لأنّه الّذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها.
فكأنّ طاعته في ذلك عبادة له. والمارد والمريد، الّذي لا يعلق بخير. وأصل التّركيب، للملاسة.
ومنه: صرح ممرّد. وغلام أمرد. وشجرة مرداء، الّذي تناثر ورقها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ) قال: قالت قريش: إنّ الملائكة هم بنات الله.( وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) قال: كانوا يعبدون الجنّ.
( لَعَنَهُ اللهُ ) : صفة ثانية للشّيطان.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٤.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) مجمع البيان ٢ / ١١٢.
(٥) تفسير القمي ١ / ١٥٢ - ١٥٣.
( وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) (١١٨): عطف عليه، أي: شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله. وهذا القول الدّالّ على فرط عداوته للنّاس.
و «المفروض» المقطوع، أي: نصيبا قدّر لي وفرض. من قولهم. فرض له في العطاء.
في مجمع البيان(١) : عن تفسير الثّماليّ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله في هذه الآية: من بني آدم تسعة وتسعون في النّار، وواحد في الجنّة.
وفي رواية أخرى(٢) : من كلّ ألف واحد لله، وسائرهم للنّار ولإبليس.
قيل(٣) : وقد برهن سبحانه أوّلا، على أنّ الشّرك ضلال في الغاية على سبيل التّعليل، بأنّ ما يشركون به ينفعل ولا يفعل فعلا اختياريا. وذلك ينافي الألوهيّة غاية المنافاة. فإنّ الإله ينبغي أن يكون فاعلا غير منفعل. ثمّ استدلّ عليه، بأنّه عبادة الشّيطان وهي أفظع الضّلال لثلاثة أوجه: الأوّل، أنّه مريد منهمك في الضّلال لا يعلق بشيء من الخير والهدى، فتكون طاعته ضلالا بعيدا من الهدى.
والثّاني، أنّه ملعون لضلاله، فلا تستجلب مطاوعته سوى الضّلال واللّعن.
والثّالث، أنّه في غاية العداوة والسّعي في إهلاكهم، وموالاة من هذا شأنه غاية الضّلال فضلا عن عبادته.
( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ) : عن الحقّ.
( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ) : الأماني الباطلة، كطول العمر، وأنّ لا بعث ولا عقاب.
[وفي أمالي الصّدوق - رحمه الله(٤) - بإسناده إلى الصّادق جعفر بن محمّدعليهالسلام قال: لـمّا نزلت هذه الآية:( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) صعد إبليس جبلا بمكّة يقال له: ثور. وصرخ بأعلى صوته بعفاريته. فاجتمعوا إليه.
فقالوا: يا سيّدنا، لم دعوتنا؟
قال: نزلت هذه الآية، فمن لها؟
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ١١٣.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٤.
(٤) أمالي الصدوق / ٣٧٦، ح ٥.
فقام عفريت من الشّياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا.
قال: لست لها.
فقام آخر فقال، مثل ذلك.
فقال: لست لها.
فقال الوسواس الخنّاس: أنا لها.
قال: بماذا؟
قال: أعدهم وأمنّيهم حتّى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار.
فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة](١) .
( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ) :
قيل(٢) : يشقّقونها إذا ولدت. خمسة أبطن والخامس ذكر، وحرّموا على أنفسهم الانتفاع بها.
وفي مجمع البيان(٣) : عن الصّادقعليهالسلام : ليقطعنّ الآذان من أصلها.
( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) :
في مجمع البيان(٤) : عن الصّادقعليهالسلام : «يريد دين الله وإمرة وليّه» ويؤيّده قوله - سبحانه - :( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) .
ويندرج فيه كلّ تغيير بخلق الله عن وجهه، صورة أو صفة من دون إذن من الله، كفقئهم عين الفحل الّذي طال مكثه عندهم وإعفائه عن الرّكوب، وخصاء العبيد وكلّ مثله. ولا ينافيه التّغيير بالدّين والأمر لأنّ ذلك كلّه داخل فيهما.
( وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ ) : بأن يؤثر طاعته على طاعة الله - عزّ وجلّ - أو يشركه معه في الطّاعة.
( فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ) (١١٩): إذ ضيّع رأس ماله، وبدّل مكانه من الجنّة بمكانه من النّار.
( يَعِدُهُمْ ) : ما لا ينجز.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٥.
(٣) مجمع البيان ٢ / ١١٣.
(٤) نفس المصدر والموضع.
( وَيُمَنِّيهِمْ ) : ما لا ينالون.
( وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) (١٢٠): وهو إظهار النّفع فيما فيه الضّرر.
وهذا الوعد إمّا بالخواطر الفاسدة، أو بلسان أوليائه.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، يذكر فيه ما أكرم الله به آدمعليهالسلام وفي آخره فقال إبليس: ربّ، هذا الّذي كرّمت عليّ وفضّلته، وإن لم تفضّلني عليه لم أقو عليه.
قال: لا يولد له ولد إلّا ولد لك ولدان.
قال: ربّي زدني.
قال: تجري منه مجرى الدّم في العروق.
قال: ربّي زدني. قال: تتّخذ أنت وذرّيّتك في صدورهم مساكن.
قال: ربّي زدني.
قال: تعدهم وتمنّيهم( وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) .
( أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ) (١٢١): معدلا ومهربا.
من حاص يحيص، إذا عدل. و «عنها» حال منه، أي: من المحيص. وليس صلة له، لأنّه اسم مكان. وإن جعل مصدر، فلا يعمل - أيضا - فيما قبله.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا ) ، أي: وعده وعدا، وحقّ ذلك حقّا.
فالأوّل، مؤكّد لنفسه. لأنّه مضمون الجملة الاسميّة الّتي قبلها. والثّاني، مؤكّد لغيره.
ويجوز أن ينتصب الموصول بفعل يفسّره ما بعده و «وعد الله» بقوله: «سندخلهم» لأنّه بمعنى: نعدهم إدخالهم. و «حقّا» على أنّه حال من المصدر.
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً ) (١٢٢): جملة مؤكّدة بليغة.
والمقصود من الآية، معارضة المواعيد الشّيطانيّة الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصّادق لأوليائه، والمبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله.
( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : ليس ما تمنّون أنتم ولا أهل الكتاب، أي: أن لا
__________________
(١) تفسير العيّاشي ١ / ٢٧٦، ح ٢٧٧.
(٢) تفسير القمّي ١ / ١٥٣.
تعذّبون بأفعالكم.
قيل(١) : روي أنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا. فقال أهل الكتاب: «نبيّنا قبل نبيّكم. وكتابنا قبل كتابكم. ونحن أولى بالله منكم.» وقال المسلمون: «نحن أولى منكم. نبيّنا خاتم النّبيّين. وكتابنا يقضي على الكتب المتقدّمة.» فنزلت.
وقيل(٢) : الخطاب مع المشركين. ويدلّ عليه ما تقدّم ذكرهم، أي: ليس الأمر بأماني المشركين. وهو قولهم: لا جنّة ولا نار. وقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء، لنكوننّ خيرا منهم وأحسن حالا. ولا أماني أهل الكتاب. وهو قولهم(٣) :( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) . وقولهم(٤) :( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً )
( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) : عاجلا أو آجلا.
وفي عيون الأخبار(٥) : في باب قول الرّضاعليهالسلام لأخيه زيد بن موسى حين افتخر على من في مجلسه، بإسناده إلى أبي الصّلت الهرويّ قال: سمعت الرّضاعليهالسلام يحدّث عن أبيه أنّ إسماعيل قال للصّادقعليهالسلام : يا أبتاه، ما تقول في المذنب منّا ومن غيرنا؟
فقالعليهالسلام :( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) .
وفي مجمع البيان(٦) : عن أبي هريرة قال: لـمّا نزلت هذه الآية بكينا وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء.
فقال: أما والّذي نفسي بيده، إنّها لكما أنزلت. ولكن أبشروا وقاربوا وسدّدوا أنّه لا يصيب أحدا منكم مصيبة إلّا كفّر الله بها خطيئة حتّى الشّوكة يشاكها أحدكم في قدمه.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الباقرعليهالسلام : لـمّا نزلت هذه الآية( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) قال بعض أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله : ما أشدّها من
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٥.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) البقرة / ١١١.
(٤) البقرة / ٨٠.
(٥) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٢٣٦، ح ٥.
(٦) مجمع البيان ٢ / ١١٥.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٢٧٧، ح ٢٧٨.
آية! فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أما تبتلون في أموالكم وأنفسكم وذراريّكم؟
قالوا: بلى.
قال: هذا ممّا يكتب الله لكم به الحسنات ويمحو به السّيّئات.
وفي الكافي(١) ، عنهعليهالسلام : إنّ الله - تعالى - إذا كان من أمره أن يكرم عبدا وله ذنب ابتلاه بالسّقم. فإن لم يفعل ذلك به ابتلاه بالحاجة. فإن لم يفعل ذلك به شدّد عليه الموت ليكافئه بذلك الذّنب.
(الحديث).
( وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) (١٢٣)، أي: وليّا يواليه ونصيرا ينصره في دفع العذاب عنه.
( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ) : بعضها أو شيئا منها. فإنّ كلّ أحد لا يتمكّن من كلّها.
( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) : في موضع الحال من المستكنّ في «من يعمل» و «من» للبيان. أو «من الصّالحات»، أي: كائنة من ذكر أو أنثى. و «من» للابتداء.
( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) : حال. شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثّواب المذكور، تنبيها على أنّه لا اعتداد به دونه.
( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) (١٢٤): بنقص شيء من الثّواب.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: «يدخلون الجنّة» هنا وفي غافر ومريم، بضمّ الياء، وفتح الخاء. والباقون، بفتح الياء، وضمّ الخاء(٢) .
( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) : أخلص نفسه لله، لا يعرف لها ربّا سواه.
وقيل(٣) : بذل وجهه له في السّجود. وفي الاستفهام، تنبيه على أنّ ذلك ما تبلغه القوّة البشريّة.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٤٤، ح ١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٦.
(٣) نفس المصدر والموضع.
( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) : آت بالحسنات. تارك للسّيّئات.
وفي مجمع البيان(١) : وروي أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله سئل عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنّك تراه. فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.
( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) : الموافقة لدين الإسلام، المتّفق على صحّتها، يعني: اقتد بدينه وسيرته وطريقته.
( حَنِيفاً ) : مائلا عن سائر الأديان. وهو حال، من المتّبع. أو، من الملّة.
أو، إبراهيم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) قال: هي العشرة الّتي جاء بها إبراهيم، الّتي لم تنسخ إلى يوم القيامة.
( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) (١٢٥): اصطفاه وخصّصه بكرامة الخلّة.
وإنّما ذكره ولم يضمر، تفخيما له، وتنصيصا على أنّه الممدوح.
قيل(٣) : و «الخلّة» إمّا من الخلال، فإنّه ودّ تخلّل النّفس ويخالطها. أو من الخلل، فإنّ كلّ واحد من الخليلين يسدّ خلل الآخر. أو من الخلّ، وهو الطّريق في الرّمل. فإنّهما يتوافقان في الطّريقة. أو من الخلّة، بمعنى: الخصلة، فإنّهما يتوافقان في الخصال.
والجملة استئناف. جيء بها للتّرغيب في اتّباع ملّته، والإيذان بانّه نهاية في الحسن وغاية في كمال البشر.
في روضة الكافي(٤) : أبان بن عثمان، عن محمّد بن مروان، عمّن رواه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لـمّا اتّخذ الله - عزّ وجلّ - إبراهيم خليلا أتاه بشراه بالخلّة.
فجاءه ملك الموت في صورة شاب أبيض عليه ثوبان أبيضان يقطر رأسه ماء ودهنا. فدخل إبراهيمعليهالسلام الدّار. فاستقبله خارجا من الدّار. وكان إبراهيمعليهالسلام رجلا غيورا. وكان إذا خرج في حاجة أغلق بابه وأخذ مفتاحه معه ثمّ رجع ففتح. فإذا هو برجل قائم أحسن ما يكون من الرّجال. فأخذ بيده وقال: يا عبد الله من أدخلك داري؟
فقال: ربّها أدخلنيها.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ١١٦.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٣ و ٣٩١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٦.
(٤) الكافي ٨ / ٣٩٢، ح ٥٨٩.
فقال: ربّها أحقّ بها منّي، فمن أنت؟
قال: أنا ملك الموت.
ففزع إبراهيمعليهالسلام وقال: جئتني لتسلبني روحي؟
قال: لا، ولكن اتّخذ الله عبدا خليلا، فجئت لبشارته.
قال: فمن هو لعلّي أخدمه حتّى أموت؟
قال: أنت هو. فدخل على سارة فقال لها: إنّ الله - تبارك وتعالى - اتّخذني خليلا.
وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسي - رحمه الله - في حديث طويل للنّبيّصلىاللهعليهوآله يقول فيهعليهالسلام : قولنا: «إنّ إبراهيم خليل الله» فإنّما هو مشتقّ من الخلّة. والخلّة إنّما معناها: الفقر والفاقة. فقد كان خليلا إلى ربّه فقيرا، وإليه منقطعا، وعن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا. وذلك أنّه لـمّا أريد قذفه في النّار فرمي به في المنجنيق، فبعث الله إلى جبرئيل، فقال له: أدرك عبدي. فجاءه فلقيه في الهواء، فقال: كلّفني ما بدا لك، فقد بعثني الله لنصرتك.
فقال: بل حسبي الله ونعم الوكيل، إنّي لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلّا إليه.
فسمّاه خليله، أي: فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمّا سواه.
قال: فإذا جعل معنى ذلك من الخلّة. وهو أنّه قد تخلّل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان معناه: العالم به وبأموره. ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه. ألا ترون أنّه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله؟
وفي عيون الأخبار(٢) ، في باب ما جاء عن الرّضاعليهالسلام من العلل، بإسناده إلى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام قال: سمعت أبي يحدّث، عن أبيهعليهالسلام أنّه قال: إنّما اتّخذ الله إبراهيم خليلا، لأنّه لم يردّ أحدا ولم يسأل أحدا قطّ غير الله.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى ابن أبي عمير عمّن ذكره قال: قلت
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ١٩.
(٢) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٧٥، ح ٤.
(٣) علل الشرائع ١ / ٣٤، ح ١.
لأبي عبد اللهعليهالسلام : لِمَ اتّخذ الله - عزّ وجلّ - إبراهيم خليلا؟
قال: لكثرة سجوده على الأرض.
وبإسناده إلى سهل بن زياد الآدمي(١) ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: سمعت عليّ بن محمّد العسكريّعليهالسلام يقول: إنّما اتّخذ الله إبراهيم خليلا [لكثرة صلاته على محمّد وأهل بيته - صلوات الله عليهم -
وبإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاريّ(٢) قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: ما اتّخذ الله إبراهيم خليلا](٣) إلّا لإطعام الطّعام وصلاته باللّيل والنّاس نيام.
وبإسناده إلى عبد الله بن الهلال(٤) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: لـمّا جاء المرسلون إلى إبراهيمعليهالسلام جاءهم بالعجل. فقال: كلوا.
فقالوا: لا نأكل حتّى تخبرنا ما ثمنه؟
فقال: إذا أكلتم فقولوا: باسم الله، وإذا فرغتم فقولوا: الحمد لله.
فقال: فالتفت جبرئيل إلى أصحابه وكانوا أربعة جبرئيل رئيسهم. فقال: حقّ الله أن يتّخذ هذا خليلا.(٥)
وفي الكافي(٦) : عليّ بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن معاوية بن عمّار، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّ إبراهيمعليهالسلام كان أبا أضياف، فكان إذا لم يكونوا عندهم خرج يطلبهم وأغلق بابه وأخذ المفاتيح يطلب الأضياف، وإنّه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدّار.
فقال: يا عبد الله، بإذن من دخلت هذه الدّار؟
قال: دخلتها بإذن ربّها - يردّد ذلك ثلاث مرّات - فعرف إبراهيم
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٣٤، ح ٣.
(٢) نفس المصدر ١ / ٣٥، ح ٤.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٥) وفي المصدر للرواية ذيل هكذا: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : لـمّا ألقي إبراهيمعليهالسلام في النّار تلّقاه جبرئيلعليهالسلام في الهواء وهو يهوي. فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا.
(٦) الكافي ٤ / ٤٠، ح ٦.
ـ عليه السّلام - أنّه جبرئيلعليهالسلام فحمد ربّه. ثمّ قال: أرسلني ربّي إلى عبد من عبيده يتّخذه خليلا.
قال إبراهيمعليهالسلام : فعلّمني من هو، أخدمه حتّى أموت؟
قال: فأنت. قال: وممّ ذلك؟
قال: لأنّك لم تسأل أحدا شيئا قطّ، ولم تسأل شيئا قطّ، فقلت: لا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - : أنّ إبراهيمعليهالسلام هو أوّل من حوّل له الرّمل دقيقا. وذلك أنّه قصد صديقا له بمصر في قرض طعام. فلم يجده في منزله.
فكره أن يرجع بالحمار خاليا. فملأ جرابه رملا. فلمّا دخل بمنزله خلا بين الحمار وبين سارة استحياء منها. ودخل البيت ونام. ففتحت سارة عن دقيق أجود ما يكون. فخبزت وقدّمت إليه طعاما طيّبا.
فقال إبراهيم: من أين لك هذا؟
فقالت: من الدّقيق الّذي حملته من عند خليلك المصريّ.
فقال إبراهيم: أما إنّه خليلي، وليس بمصريّ. فلذلك أعطي الخلّة. فشكر الله وحمده فأكل.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن الحسن، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: إنّ الله - تبارك وتعالى - اتّخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتّخذه نبيّا. وإنّ الله اتّخذه نبيّا قبل أن يتّخذه رسولا. وإنّ الله اتّخذه رسولا قبل أن يتّخذه خليلا. وإنّ الله اتّخذه خليلا قبل أن يتّخذه إماما. والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) ، للطّبرسي - رحمه الله - ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل في مكالمة له بينه وبين اليهود، وفيه: قالوا: إبراهيم خير منك.
قال ولِمَ ذاك؟
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ١٥٣.
(٢) الكافي ١ / ١٧٥، ح ٢.
(٣) الاحتجاج ١ / ٥٦.
قالوا: لأنّ الله اتّخذه خليلا.
قال النّبيّصلىاللهعليهوآله : إنْ كان إبراهيمعليهالسلام خليلا، فأنا حبيبه محمّد.
وفي مجمع البيان(١) وقد روي أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله قال: قد اتّخذ الله صاحبكم خليلا، يعني: نفسه.
وفي بعض الرّوايات(٢) : أنّ الملائكة قال بعضهم لبعض: اتّخذ ربّنا من نطفة خليلا، وقد أعطاه ملكا عظيما جزيلا. فأوحى الله إلى الملائكة: اعمدوا على أزهدكم ورئيسكم. فوقع الاتّفاق على جبرئيل وميكائيل فنزلا إلى إبراهيم في يوم جمع غنمه.
وكان لإبراهيم أربعة آلاف راع وأربعة آلاف كلب في عنق كلّ كلب طوق وزن من ذهب أحمر، وأربعون ألف غنمة حلابة، وما شاء الله من الخيل والجمال. فوقف الملكان في طرفي الجمع.
فقال أحدهما بلذاذة صوت: سبّوح قدّوس. فجاوبه الثّاني: ربّ الملائكة والرّوح.
فقال: أعيداهما، ولكما نصف مالي. ثمّ قال: أعيداهما، ولكما مالي وولدي وجسدي. فنادت ملائكة السّموات: هذا هو الكرم. هذا هو الكرم. فسمعوا مناديا من العرش يقول: الخليل موافق لخليله.
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : خلقا وملكا. يختار منها ما يشاء، ومن يشاء.
وقيل(٣) : هو متّصل بذكر العمّال(٤) ، مقرّر لوجوب طاعته على أهل السّموات والأرض وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال.
( وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ) (١٢٦): علما وقدرة. فكان عالما بأعمالهم الخير والشّرّ، قادرا على جزائهم، فيجازيهم عليهما ما وعد وأوعد.
( وَيَسْتَفْتُونَكَ ) : ويسألونك الفتوى، أي: تبيين الحكم.
( فِي النِّساءِ ) : في ميراثهنّ.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ١١٧.
(٢) تفسير الصافي ١ / ٤٦٧ - ٤٦٨.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٦.
(٤) ر: الأعمال.
قيل(١) : إذ سبب نزوله أنّ عيينة بن الحصين أتى النّبيّصلىاللهعليهوآله فقال: أخبرنا أنّك تعطي الابنة النّصف والأخت النّصف، إنّما نورث من يشهد القتال ويجوز الغنيمة.
فقالعليهالسلام : كذلك أمرت.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله:( يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) فإنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله سئل عن النّساء وما لهنّ من الميراث؟ فأنزل الله الرّبع والثّمن.
( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ ) : يبيّن لكم حكمه فيهنّ.
و «الإفتاء» تبيين المبهم.
( وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ) : عطف على اسم «الله» أو ضميره المستكنّ في «يفتيكم». وجاز للفصل، فيكون الإفتاء مستندا إلى الله وإلى ما في القرآن، من نحو قوله:( يُوصِيكُمُ اللهُ ) . والفعل الواحد ينسب إلى فاعلين باعتبارين مختلفين، ونظيره: أغناني زيد وعطاؤه. أو استئناف معرض لتعظيم المتلوّ عليهم، على أنّ( ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) مبتدأ و «في الكتاب» خبره. والمراد به، اللّوح المحفوظ. ويجوز أن ينتصب، على معنى: ويبيّن لكم ما يتلى عليكم في الكتاب. أو يخفض، على القسم. كأنّه قيل(٣) : وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. ولا يجوز عطفه على المجرور في «فيهنّ» لاختلاله لفظا ومعنى.
( فِي يَتامَى النِّساءِ ) : صلة «يتلى» إن عطف الموصول على ما قبله، أي: يتلى عليكم في شأنهنّ. وإلّا فبدل من «فيهنّ». أو صلة أخرى «ليفتيكم» على معنى: الله يفتيكم فيهنّ بسبب يتامى النّساء. كما تقول: كلّمتك اليوم في زيد. وهذه الإضافة بمعنى: من. لأنّها إضافة الشّيء إلى جنسه.
وقرئ: «ييامى» على أنّه «أيامى» فقلبت همزته ياء(٤) .
( اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَ ) : لا تعطونهنّ.
( ما كُتِبَ لَهُنَ ) : ما فرض لهنّ من الميراث.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٤٧.
(٢) تفسير القمّي ١ / ١٥٣ - ١٥٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٧.
(٤) نفس المصدر والموضع.
في مجمع البيان(١) : عن الباقرعليهالسلام : كان أهل الجاهليّة لا يورثون الصّغير ولا المرأة، ويقولون: لا نورث إلّا من قاتل ودفع عن الحريم. فأنزل الله - تعالى - آيات الفرائض الّتي في أوّل السّورة. وهو معنى قوله: لا تؤتونهنّ ما كتب لهنّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) زيادة وهي قوله: وكانوا يرون ذلك حسنا في دينهم.
فلمّا أنزل الله فرائض المواريث وجدوا من ذلك وجْدا شديدا، فقالوا: إنطلقوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فنذكر ذلك لعلّه يدعه أو يغيّره. فأتوه فقالوا: يا رسول الله، للجارية نصف ما ترك أبوها وأخوها ويعطى الصّبيّ الصّغير الميراث، وليس واحد منهما يركب الفرس ولا يجوز الغنيمة ولا يقاتل العدوّ.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : بذلك أمرت.
( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) :
قيل(٣) : في أن تنكحوهنّ. أو عن أن تنكحوهنّ. فإنّ أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهنّ إن كنّ جميلات ويأكلون مالهنّ. وإلّا كانوا يعضلونهنّ طمعا في ميراثهنّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : إنّ الرّجل كان في حجره اليتيمة، فتكون دميمة وساقطة، يعني: حمقاء. فيرغب الرّجل أن يتزوّجها، ولا يعطيها مالها فينكحها غيره من أجل مالها، ويمنعها النّكاح ويتربّص بها الموت ليرثها. فنهى الله عن ذلك.
و «الواو» يحتمل الحال، على تقدير مبتدأ.
والعطف،( وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ) : عطف على «يتامى النّساء».
( مِنَ الْوِلْدانِ ) : في موضع الحال من «المستضعفين». أو ضميره. ويحتمل الصّفة. والعرب ما كانوا يورثونهم كما ذكر.
( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ ) : عطف على «يتامى النّساء». أو «المستضعفين»، أي: ويفتيكم. أو ما يتلى عليكم في أن تقوموا. هذا إذا جعلت «في يتامى» صلة لأحدهما. وإن جعلته بدلا فالوجه نصبهما، عطفا على موضع «فيهنّ».
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ١١٨.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٤.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٧.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٥٤.
وقيل(١) : ويجوز أن ينتصب.
و «أن تقوموا» بإضمار فعل، أي: ويأمركم أن تقوموا.
( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ) : في أمر النّساء، واليتامى، وغير ذلك.
( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً ) (١٢٧): وعد لمن أثر الخير في ذلك.
( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها ) : توقّعت منه، لما ظهر لها من المخايل.
و «امرأة» فاعل فعل، يفسّره الظّاهر.
( نُشُوزاً ) : تجافيا عنها، وترفّعا عن صحبتها، وكراهة لها، ومنعا لحقوقها.
( أَوْ إِعْراضاً ) : بأن يقلّ مجالستها ومحادثتها.
( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً ) : أن يتصالحا بأن تحطّ له بعض المهر، أو القسم، أو تهب له شيئا تستميله به.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : نزلت في ابنة محمّد بن مسلمة [كانت امرأة رافع بن خديج، وكانت امرأة قد دخلت في السّنّ، فتزوّج امرأة شابّة كانت أعجب إليه من ابنة محمّد بن مسلمة. فقالت له بنت محمّد بن مسلمة :](٣) .
ألا أراك معرضا عنّي، مؤثرا عليّ؟
فقال رافع: هي امرأة شابّة. وهي أعجب إليّ منك. فإن شئت أقررت لها على أنّ لها يومين أو ثلاثة منّي ولك يوم واحد.
فأبت ابنة محمّد بن مسلمة أن ترضاها. فطلّقها تطليقة واحدة ثمّ طلّقها أخرى.
فقالت: لا والله لا أرضى أو تسوّي بيني وبينها. يقول الله:( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ ) وابنة محمّد لم تطب نفسها بنصيبها وشحّت عليه. فأعرض عليها رافع. إمّا أن ترضى. وإمّا أن يطلّقها الثّالثة. فشحّت على زوجها ورضيت فصالحته على ما ذكرت.
فقال الله - عزّ وجلّ - :( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) . فلمّا رضيت واستقرّت لم يستطع أن يعدل بينهما. فنزلت( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) أن تأتي واحدة وتذر الأخرى لا أيّم ولا ذات بعل.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٧.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٤.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام في قول الله:( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ) قال: النّشوز، الرّجل يهمّ بطلاق امرأته، فتقول له: أدع ما على ظهرك وأعطيك كذا وكذا. وأحلّلك من يومي وليلتي على ما اصطلحا عليه، فهو جائز.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسنعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ) .
فقال: إذا كان كذلك فهمّ بطلاقها فقالت له: أمسكني وأدع لك بعض ما عليك، وأحلّلك من يومي وليلتي. حلّ له ذلك، ولا جناح عليهما.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٣) ، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - تبارك وتعالى - :( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ) .
فقال: هي المرأة تكون عند الرّجل فيكرهها، فيقول لها: إنّي أريد أن أطلّقك.
فتقول له: لا تفعل، إنّي أكره أن يشمت بي، ولكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت وما كان سوى ذلك من شيء فهو لك ودعني على حالتي. وهو قوله - تبارك وتعالى - :( فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً ) . وهو هذا الصّلح.
حميد بن زياد، عن ابن سماعة(٤) ، عن الحسين بن هاشم، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله - جلّ اسمه - :( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ) .
قال: هذا يكون عند المرأة لا تعجبه فيريد طلاقها، فتقول له: أمسكني ولا تطلّقني وأدع لك ما على ظهرك وأعطيك من مالي وأحلّلك من يومي وليلتي. فقد طاب ذلك كلّه.
( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) : من الفرقة. أو سوء العشرة. أو من الخصومة. ولا يجوز أن يكون المراد أنّه من الخيور، كما أنّ الخصومة من الشّرور. وهو اعتراض. وكذا قوله :
__________________
(١) تفسير العياشي ١ / ٢٧٨، ح ٢٨١.
(٢) الكافي ٦ / ١٤٥، ح ١.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ ) : ولذلك اغتفر عدم تجانسهما. والأوّل، للتّرغيب في المصالحة. والثّاني، لتمهيد العذر في المماكسة.
ومعنى إحضار الأنفس الشّحّ: جعلها حاضرة له، مطبوعة عليه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عنها والتّقصير في حقّها، ولا الرّجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقّها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحبّ غيرها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال:( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ ) . فمنها من اختارته، ومنها من لم تختره.
( وَإِنْ تُحْسِنُوا ) : في العشرة.
( وَتَتَّقُوا ) : النّشوز والإعراض ونقص الحقّ.
( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ) : من الإحسان والخصومة.
( خَبِيراً ) (١٢٨): عالما به وبالغرض منه، فيجازيكم عليه. أقام كونه عالما بأعمالهم مقام مجازاته لهم، الّذي هو في الحقيقة جواب الشّرط، إقامة السّبب مقام المسبّب.
( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ) : أن تسوّوا بينهنّ في المحبّة والمودّة بالقلب. لأنّ العدل أن لا يقع ميل ألبتّة. وهو متعذّر ولذلك كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك.
على ما نقل(٢) .
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: يعني: في المودّة.
وكذا في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) عنهعليهالسلام
وفي مجمع البيان(٥) : عن الصّادق والباقر - عليهما السّلام - : أنّ معناه: التّسوية في كلّ الأمور من جميع الوجوه، من النّفقة والكسوة والعطيّة والمسكن والصّحبة والبشر وغير ذلك. والمراد به، أنّ ذلك لا يخفّف عليكم بل يثقّل ويشقّ لميلكم إلى بعضهنّ.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٥.
(٢) ر. أنوار التنزيل ١ / ٢٤٨.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٧٩، ح ٢٨٥.
(٤). ١ / ١٥٥.
(٥) مجمع البيان ٢ / ١٢١.
( وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) : على تحرّي ذلك، وبالغتم.
( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) : بترك المستطاع، والجور على المرغوب عنها. فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.
( فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) : الّتي ليست ذات بعل، ولا مطلّقة.
وفي مجمع البيان(١) : عن الصّادقعليهالسلام عن آبائه - عليهم السّلام - : أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآله كان يقسم بين نسائه في مرضه فيطاف به بينهنّ.
قال: وروي أنّ عليّاعليهالسلام كان له امرأتان. فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضّأ في بيت الأخرى.
( وَإِنْ تُصْلِحُوا ) : ما كنتم تفسدون من أمورهنّ.
( وَتَتَّقُوا ) : فيما يستقبل.
( فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) (١٢٩): يغفر لكم ما مضى من ميلكم.
( وَإِنْ يَتَفَرَّقا ) :
وقرئ: وإن يتفارقا، أي: وإن يفارق كلّ واحد منهما صاحبه(٢) .
( يُغْنِ اللهُ كُلًّا ) : من الآخر ببدل، أو سلوة.
( مِنْ سَعَتِهِ ) : من غناه وقدرته.
( وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً ) (١٣٠): مقتدرا متقنا في أفعاله وأحكامه.
وفي الكافي(٣) بإسناده إلى ابن أبي ليلى قال: حدّثني عاصم بن حميد قال: كنت عند أبي عبد اللهعليهالسلام فأتاه رجل. فشكى إليه الحاجة. فأمره بالتّزويج.
قال: فاشتدّت الحاجة. فأتى أبا عبد اللهعليهالسلام فسأله عن حاله.
فقال: اشتدّت بي الحاجة.
قال: ففارق. ثمّ أتاه فسأله عن حاله.
فقال: أثريت وحسن حالي.
فقال أبو عبد اللهعليهالسلام : إنّي أمرتك بأمرين أمر الله بهما، قال الله - عزّ وجلّ - :( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) إلى قوله:( وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) وقال :
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٨.
(٣) الكافي ٥ / ٣٣١، ح ٦.
( إِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) .
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : تنبيه على كمال قدرته وسعته.
وأنّه لا يتعذّر عليه الإغناء بعد الفرقة والإيناس بعد الوحشة.
( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) : من اليهود والنّصارى ومن قبلهم. و «الكتاب» للجنس. و «من» متعلّقة «بوصّينا» أو «بأوتوا».
( وَإِيَّاكُمْ ) : عطف على «الّذين أوتوا».
( أَنِ اتَّقُوا اللهَ ) : بأن اتّقوا الله. ويجوز أن يكون «أن» مفسّرة. لأنّ التّوصية في معنى القول.
في مصباح الشّريعة(١) : قال الصّادقعليهالسلام وقد جمع الله ما يتواصى به المتواصون من الأوّلين والآخرين في خصلة واحدة، وهي التّقوى [يقول الله تعالى:( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ ) ].(٢) وفيه جماع كلّ عبادة صالحة. وبه وصل من وصل إلى الدّرجات العلى.
( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : على إرادة القول، أي: وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإنّ الله مالك الملك كلّه. لا يتضرّر بكفركم ومعاصيكم. كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم. وإنّما وصّاكم لرحمته لا لحاجته. ثمّ قرّر ذلك بقوله:( وَكانَ اللهُ غَنِيًّا ) : عن الخلق وعبادتهم.
( حَمِيداً ) (١٣١): في ذاته، حمد أو لم يحمد.
( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : كلّ مخلوق يدلّ بحاجته على غناه، وبما فاض عليه من الوجود والكمال على كونه حميدا.
( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) (١٣٢) :
قيل(٣) : أي: حافظا للجميع لا يعزب عنه مثقال ذرّة فيهما.
وقيل(٤) : راجع إلى قوله:( يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) فإنّه يوكل بكفايتهما. وما بينهما تقرير لذلك.
__________________
(١) شرح فارسي مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة / ٤٠٥.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٩.
(٤) نفس المصدر والموضع.
( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ) : يفنكم. ومفعول «يشأ» محذوف، دلّ عليه الجواب.
( وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ) : ويوجد قوما آخرين مكانكم. أو خلفاء آخرين مكان الإنس.
( وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ ) : من الإعدام والإيجاد.
( قَدِيراً ) (١٣٣): بليغ القدرة، لا يعجزه مراده.
قيل(١) : وهذا - أيضا - تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر وخالف أمره.
والظّاهر، أنّه خطاب لمن عادى رسول اللهصلىاللهعليهوآله من العرب.
ومعناه معنى قوله:( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) لما قال في مجمع البيان(٢) : ويروى أنّه لـمّا نزلت هذه الآية ضرب النّبيّصلىاللهعليهوآله يده على ظهر سلمان - رضي الله عنه - وقال: هم قوم هذا، يعني: عجم الفرس.
( مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ) : كمن يجاهد للغنيمة.
( فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) : فليطلب الثّوابين جميعا عند الله. وما له يكتفي بأخسّهما ويدع أشرفهما؟ على أنّه لو طلب الأشرف لم يخطئه الأخسّ.
في كتاب الخصال(٣) : جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين - عليهم السّلام - قال: كانت الحكماء والفقهاء إذا كاتب بعضهم بعضا كتبوا بثلاث ليس معهنّ رابعة: من كانت الآخرة همّه، كفاه الله همّه من الدّنيا. ومن أصلح سريرته، أصلح الله [علانيته. ومن أصلح فيه ما بينه وبين الله، أصلح الله](٤) فيما بينه وبين النّاس.
وفي نوادر من لا يحضره الفقيه(٥) : وروي عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن الصّادق جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: الدّنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدّنيا طلبه الموت حتّى يخرجه منها. ومن طلب الآخرة، طلبته الدّنيا حتّى توفيه رزقه.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) مجمع البيان ٢ / ١٢٢.
(٣) الخصال ١ / ١٢٩، ح ١٣٣.
(٤) ليس في أ.
(٥) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٢٩٣، ح ٦٣.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد بإسناده رفعه. قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام لبعض اليهود وقد سأله مسائل: وإنّما سمّيت الدّنيا دنيا، لأنّها أدنى من كلّ شيء. وسمّيت الآخرة آخرة، لأنّ فيها الجزاء والثّواب.
وبإسناده إلى عبد الله بن يزيد بن سلام(٢) أنّه سأل رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: له أخبرني عن الدّنيا لم سمّيت الدّنيا؟
قال: لأنّ الدّنيا دنيّة خلقت من دون الآخرة. ولو خلقت مع الآخرة لم يفن أهلها كما لا يفنى أهل الآخرة.
قال: فأخبرني لم سمّيت الآخرة آخرة؟
قال: لأنّها متأخّرة تجيء من بعد الدّنيا، لا توصف سنينها ولا تحصى أيّامها ولا يموت سكّانها.
قال: صدقت يا محمّد.
والحديثان طويلان، أخذت منهما موضع الحاجة.
[( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) (١٣٤): عارفا بالأعراض فيجازى كلا بحسب قصده].(٣) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) : مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته.
( شُهَداءَ لِلَّهِ ) : بالحقّ، تقيمون شهاداتكم لوجه الله. وهو خبر ثان. أو حال.
( وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) : ولو كانت الشّهادة على أنفسكم. بأن تقرّوا عليها. لأنّ الشّهادة بيان للحقّ، سواء كان عليه أو على غيره.
( أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) ، أي: ولو على والديكم وأقربيكم.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال أبو عبد اللهعليهالسلام : إنّ للمؤمن على المؤمن سبع حقوق. فأوجبها أن يقول الرّجل حقّا وإن كان على نفسه أو على والديه. فلا يميل لهم عن الحقّ.
__________________
(١) علل الشّرائع ١ / ٢، ح ١.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٤٧٠.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) تفسير القمي ١ / ١٥٦.
وفي كتاب الخصال(١) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله - تعالى - يوم القيامة حتّى يفرغ من الحساب: رجل لم تدعه قدرته في حال غضبه إلى أن يحيف على من تحت يديه. ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة(٢) . ورجل قال الحقّ فيما له وعليه.
عن محمّد بن قيس(٣) ، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ لله - تعالى - جنّة لا يدخلها إلّا ثلاثة: رجل حكم في نفسه بالحقّ.
(الحديث).
( إِنْ يَكُنْ ) ، أي: المشهود عليه. أو كلّ واحد من المشهود عليه. ومن المشهود له.
( غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً ) : فلا تمتنعوا عن إقامة الشّهادة. أو لا تجوروا فيها ميلا، أو ترحمّا.
( فَاللهُ أَوْلى بِهِما ) : بالغنيّ والفقير، وبالنّظر لهما. فلو لم تكن الشّهادة عليهما أو لهما صلاحا، لما شرّعها. وهو علّة الجواب أقيمت مقامه. والضّمير في «بهما» راجع إلى ما دلّ عليه المذكور، وهو جنسا الغنيّ والفقير لا إليه، وإلّا لوحّد للتّرديد فيه بأو «ويشهد عليه أن قرئ: فالله أولى بهم(٤) ».
( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) : لأن تعدلوا عن الحقّ. من العدول. أو كراهة أن تعدلوا. من العدل.
( وَإِنْ تَلْوُوا ) : ألسنتكم عن شهادة الحقّ.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ بإسكان اللّام، وبعدها واوان الأولى مضمومة والثّانية ساكنة(٥) .
وقرئ: وإن تلوا، بمعنى: إن وليتم إقامة الشّهادة(٦) .
( أَوْ تُعْرِضُوا ) : عن أدائها.
وفي مجمع البيان(٧) : عن أبي جعفرعليهالسلام : إن تلووا، أي: تبدّلوا الشّهادة. أو تعرضوا، أي: تكتموها.
__________________
(١) الخصال ١ / ٨١، ح ٥.
(٢) هكذا في المصدر والنسخ. ولعل الصواب: شعرة.
(٣) نفس المصدر ١ / ١٣١، ح ١٣٦.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٤٩.
(٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) مجمع البيان ٢ / ١٢٤.
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في قوله - تعالى - :( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ) فقال: إن تلووا الأمر، أو تعرضوا عمّا أمرتم به( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (١٣٥): فيجازيكم عليه.
وفي أصول الكافي(٢) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد. عن عليّ بن أسباط، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية أنّه قال: وإن تلووا الأمر، أو تعرضوا عمّا أمرتم به في ولاية عليّ( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) : بألسنتهم وظاهرهم.
( آمَنُوا ) : بقلوبكم وباطنكم.
وقيل(٣) : خطاب لمؤمني أهل الكتاب، إذ روي أنّ ابن سلام وأصحابه قالوا: يا رسول الله، إنّا نؤمن بك وبموسى والتّوراة وعزير ونكفر بما سواه. فنزلت. فعلى هذا معنى آمنوا: آمنوا إيمانا عامّا، يعمّ الكتب والرّسل.
وقيل(٤) : خطاب للمسلمين، أي: اثبتوا على الإيمان بذلك، ودوموا على الإيمان.
( بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ) : والكتاب الأوّل، القرآن. والثّاني، الجنس.
وقرأ نافع والكسائيّ: «الّذي نزّل، والّذي أنزل» بفتح النّون والهمزة والزّاي.
والباقون، بضمّ النّون والهمزة وكسر الزّاي(٥) .
( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ، أي: من يكفر بشيء من ذلك.
( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ) (١٣٦): عن المقصد، بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٢١، ح ٤٥.
(٢) نفس المصدر ١ / ٤٢١، ح ٤٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٠.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) نفس المصدر والموضع.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) : كاليهود، آمنوا بموسى.
( ثُمَّ كَفَرُوا ) : حين عبدوا العجل.
( ثُمَّ آمَنُوا ) : حين رجع إليهم.
( ثُمَّ كَفَرُوا ) : بعيسى.
( ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) : بمحمّدصلىاللهعليهوآله
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : نزلت في الّذين آمنوا برسول اللهصلىاللهعليهوآله إقرارا لا تصديقا، ثمّ كفروا لـمّا كتبوا الكتاب فيما بينهم، أن لا يردّوا الأمر في أهل بيته أبدا. فلمّا نزلت الولاية(٢) وأخذ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الميثاق عليهم لأمير المؤمنينعليهالسلام آمنوا إقرارا لا تصديقا، فلمّا مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله كفروا وازدادوا كفرا.
وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة وعليّ بن عبد الله، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية قال: نزلت في فلان وفلان وفلان، آمنوا بالنّبيّصلىاللهعليهوآله في أوّل الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النّبيّصلىاللهعليهوآله : من كنت مولاه. ثمّ آمنوا بالولاية لأمير المؤمنينعليهالسلام ثمّ كفروا حيث مضى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فلم يقرّوا بالبيعة، ثمّ ازدادوا كفرا بأخذهم من تابعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن جابر قال: قلت لمحمّد بن عليّ - عليهما السّلام - : قول الله في كتابه:( الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) .
قال: هما والثّالث والرّابع وعبد الرّحمن وطلحة، وكانوا سبعة عشر رجلا. قال: لـمّا وجّه النّبيّصلىاللهعليهوآله عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وعمّار بن ياسر - رحمه الله - إلى أهل مكّة قالوا: بعث هذا الصّبيّ، ولو بعث غيره - يا حذيفة - إلى أهل مكّة وفي مكّة صناديدها. وكانوا [في مكّة](٥) يسمّون عليّا: الصّبيّ. لأنّه كان اسمه
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٦.
(٢) أ: الآية.
(٣) الكافي ١ / ٤٢٠، ح ٤٢.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٧٩، ح ٢٨٦.
(٥) ليس في المصدر.
في كتاب الله الصّبيّ، لقول الله - عزّ وجلّ - : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وهو صبي وقال إنني من المسلمين والله الكفر بنا أولى ممّا نحن فيه. فساروا فقالوا لهما وخوّفوهما بأهل مكّة، فعرضوا لهما وخوّفوهما وغلّظوا عليهما الأمر.
فقال عليّعليهالسلام : حسبنا الله ونعم الوكيل. ومضى. فلمّا دخلا مكّة أخبر الله نبيّهصلىاللهعليهوآله بقولهم لعليّ وبقول عليّ لهم. فأنزل الله بأسمائهم في كتابه. وذلك قول الله(١) :( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) إلى قوله:( وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) . وإنّما نزلت «ألم تر» إلى فلان وفلان لقوا عليّا وعمّارا فقالا: إنّ أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكّة قد جمعوا لكم فاخشوهم. فقالوا:( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )
وهما اللّذان قال الله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) إلى آخر الآية، فهذا أوّل كفرهم. والكفر الثّاني، قول النّبيّصلىاللهعليهوآله : يطلع عليكم من هذا الشّعب رجل فيطلع عليكم بوجهه فمثله عند الله كمثل عيسى. لم يبق منهم أحد إلّا تمنّى أن يكون بعض أهله. فإذا بعليّ قد خرج وطلع بوجهه، قال: هو هذا. فخرجوا غضبانا وقالوا: ما بقي إلّا أن يجعله نبيّا. والله الرّجوع إلى آلهتنا خير ممّا نسمع منه في ابن عمّه وليصدّنا على أنّه دام هذا. فأنزل الله(٢) :( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) إلى آخر الآية. فهذا الكفر الثّاني.
وزادوا الكفر حين قال الله(٣) :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : يا عليّ، أصبحت وأمسيت خير البريّة.
فقال له ناس: هو خير من نوح وإبراهيم ومن الأنبياء؟ فأنزل الله(٤) :( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ ) - إلى -( سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
قالوا: فهو خير منك يا محمّد؟
قال: قال الله(٥) :( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) . ولكنّه خير
__________________
(١) / ١٧٣.
(٢) الزخرف / ٥٧.
(٣) البيّنة / ٧.
(٤) / ٣٣.
(٥) الأعراف / ١٥٨.
منكم، وذرّيّته خير من ذرّيّتكم، ومن اتّبعه خير ممّن اتّبعكم. فقاموا غضبانا وقالوا زيادة: الرّجوع إلى الكفر أهون علينا ممّا يقول في ابن عمّه. وذلك قول الله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً )
عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم(١) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السّلام - في هذه الآية [قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح الّذي بعثه عثمان إلى مصر. قال: و( ازْدادُوا كُفْراً ) حتّى لم يبق فيه من الإيمان شيء.
عن أبي بصير(٢) قال: سمعته يقول فيه هذه الآية :](٣) من زعم أنّ الخمر حرام ثمّ شربها، ومن زعم أنّ الزّنا حرام ثمّ زنى، ومن زعم أنّ الزّكاة حقّ ولم يؤدّها.
( لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) (١٣٧): إذ يستبعد منهم أن يتولّوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان. فإنّ قلوبهم ضربت بالكفر وبصائرهم عميت. لا أنّهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. وخبر «كان» في أمثال ذلك محذوف. وتعلّق به اللّام، مثل: لم يكن الله مريدا ليغفر لهم.
( بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (١٣٨): وضع «بشّر» موضع «أنذر» تهكّم بهم.
( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) : في محلّ النّصب، أو الرّفع على الذّمّ، يعني: أريد الّذين، أو هم الّذين.
( أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ) : أيتعزّزون بموالاتهم.
( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) (١٣٩): لا يتعزّز إلّا من أعزّه، وقد كتب العزّة لأوليائه وقال:( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) لا يؤبه بعزّ غيرهم بالإضافة إليهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : نزلت في بني أميّة، حيث حالفوهم على أن لا يردّوا الأمر في بني هاشم.
( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ) ، يعني: القرآن.
وقرأ غير عاصم: «نزل» والقائم مقام فاعله(٥) .
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٨٠، ح ٢٨٧.
(٢) نفس المصدر ١ / ٢٨١، ح ٢٨٨.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٤) تفسير القمّي ١ / ١٥٦.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٠.
( أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ ) : وهي المخفّفة، والمعنى: أنّه إذا سمعتم.
( يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها ) : حالان من «الآيات» جيء بهما لتقييد النّهي من المجالسة في قوله:( فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) : الّذي هو جزاء الشّرط، بما إذا كان من يجالسه هازئا معاندا غير مرجوّ، ويؤيّده الغاية. وهذا تذكار ما نزل عليهم بمكّة من قوله(١) :( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا ) . (الآية) والضّمير في «معهم» للكفرة المدلول عليهم بقوله:( يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) :( آياتِ اللهِ ) هم الأئمّة - عليهم السّلام -
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن محمّد بن الفضل، عن أبي الحسن الرّضاعليهالسلام في تفسيرها: إذا سمعت الرّجل يجحد الحقّ ويكذب به ويقع في أهله، فقم من عنده ولا تقاعده.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القسم بن يزيد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال في حديث طويل: إنّ الله - تبارك وتعالى - فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها. وفرض على السّمع ان يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم الله وأن يعرض عمّا لا يحلّ له ممّا نهى الله - عزّ وجلّ - عنه والإصغاء إلى ما أسخط الله - عزّ وجلّ - فقال في ذلك:( وَقَدْ نَزَّلَ ) إلى قوله:( حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) . ثمّ استثنى الله - عزّ وجلّ - موضع النّسيان فقال:( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد(٥) ، عن شعيب العقرقوفيّ قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله - عزّ وجلّ - :( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها ) إلى آخر الآية.
فقال: إنّما عنى بهذا الرّجل يجحد الحقّ ويكذب به ويقع في الأئمّة، فقم من
__________________
(١) الأنعام / ٦٨.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٦.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٨١، ح ٢٩٠.
(٤) الكافي ٢ / ٣٤ - ٣٥، ح ١.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٣٧٧، ح ٨.
عنده ولا تقاعده كائنا من كان.
( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) : في الكفر إن رضيتم به، وإلّا ففي الإثم لقدرتكم على الإنكار والإعراض.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : قال أمير المؤمنينعليهالسلام في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة: ففرض على السّمع أن لا تصغي به إلى المعاصي، فقال - عزّ وجلّ - :( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) .
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
( إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) (١٤٠): فإذا كان القاعد معهم مثلهم والله جامعهم في جهنّم، فيجمع القاعد معهم فيها.
وقيل(٢) : إنّ هذا يؤيّد أن يكون المراد بالقاعدين قوما من المنافقين. فعلى هذا يكون معناه: إنّ الله يجمع المنافقين، أي: القاعدين. والكافرين، أي: المقعود معهم في جهنّم جميعا. وعلى هذا يلزم أن يكون قوله: «إذا» استدراكا، لأنّ المنافقين مثل الكافرين قعدوا معهم أم لم يقعدوا. «إذا» ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر. ولذلك لم يذكر بعدها الفعل. وإفراد «مثلهم» لأنّه كالمصدر. أو بالاستغناء بالإضافة إلى الجمع.
وقرئ، بالفتح، على البناء لإضافته إلى مبنيّ. كقوله:( مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) (٣) .
( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ) : ينتظرون وقوع أمر بكم. وهو بدل من «الّذين يتّخذون». أو صفة «للمنافقين والكافرين». أو ذمّ مرفوع، أو منصوب. أو مبتدأ، خبره.
( فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) : مظاهرين لكم، فأسهموا لنا فيما غنمتم.
( وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ) : من الحرب. فإنّها سجال.
( قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ) ، أي: ألم نغلبكم ونتمكّن من قتلكم، فأبقينا
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢ / ٣٨٢، ح ١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٥١.
(٣) نفس المصدر والموضع.
عليكم؟
و «الاستحواذ»، الاستيلاء. وكان القياس، استحاذ يستحيذ استحاذة.
فجاءت على الأصل.
( وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) : بأن خذلناهم عنكم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم، وتوانينا في مظاهرتهم، فأشركونا فيما أصبتم. سمّى ظفر المسلمين «فتحا» وظفر الكافرين «نصيبا» لخسّة نصيبهم. فإنّه مقصور على أمر دنيويّ سريع الزّوال.
( فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : يفصل بينكم بالحقّ.
( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) (١٤١): بالحجّة، وإن جاز أن يغلبوهم بالقوّة.
وفي عيون الأخبار(١) : حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي - رضي الله عنه - قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن أبي الصّلت الهرويّ قال: قلت للرّضاعليهالسلام : يا بن رسول الله، إنّ في سواد الكوفة قوما يزعمون أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يقع عليه السّهو في صلاته.
فقال: كذبوا - لعنهم الله - إنّ الّذي لا يسهو هو الله لا إله إلّا هو.
قال: قلت: يا بن رسول الله، وفيهم قوم يزعمون أنّ الحسين بن عليّ - عليهما السّلام - لم يقتل، وأنّه ألقى شبهه على حنظلة بن أسعد الشّاميّ، وأنّه رفع إلى السّماء كما رفع عيسى بن مريم - عليهما السّلام - ويحتجّون بهذه الآية( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) .
فقال: كذبوا - عليهم غضب الله ولعنته - وكفروا بتكذيبهم لنبيّ اللهصلىاللهعليهوآله في أخباره بأنّ الحسينعليهالسلام سيقتل. والله لقد قتل الحسين وقتل من كان خيرا من الحسين أمير المؤمنين والحسن بن عليّ - عليهم السّلام - وما منّا إلّا مقتول، وإنّي والله لمقتول بالسّمّ باغتيال من يغتالني، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخبره به جبرئيل عن ربّ العالمين - عزّ وجلّ -
فأمّا قوله - عزّ وجلّ - :( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) فإنّه يقول: لن يجعل الله لهم على أنبيائه - عليهم السّلام - سبيلا من طريق الحجّة.
__________________
(١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢ / ٢٠٣، ح ٥.
( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ) : سبق في سورة البقرة.
( وَإِذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ) : متثاقلين، على نحو المكره على الفعل.
وقرئ: «كسالى» بالفتح. وهما جمع، كسلان(١) .
في الكافي(٢) : سهل، عن ابن محبوب، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي الحسن موسىعليهالسلام قال: قال أبي لبعض ولده: إيّاك والكسل والضّجر، فإنّهما يمنعانك من حظّك من الدّنيا والآخرة.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(٣) ، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: من كسل عن طهوره وصلاته، فليس فيه خير لأمر آخرته. ومن كسل عمّا يصلح به أمر معيشته، فليس فيه خير لأمر دنياه.
عليّ بن محمّد رفعه(٤) قال: قال أمير المؤمنين عليّ - صلوات الله عليه - : إنّ الأشياء لـمّا ازدوجت ازدوج الكسل والضّجر، فنتجا بينهما الفقر.
( يُراؤُنَ النَّاسَ ) : ليخالوهم مؤمنين. والمراءاة، المفاعلة، بمعنى: التّفضيل.
كنعم، وناعم. أو للمقابلة. فإنّ المرائي يرى من يرائيه عمله، وهو يريد استحسانه.
( وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) (١٤٢): إذ المرائي لا يفعل إلّا بحضرة من يرائيه، وهو أقلّ أحواله. أو لأنّ ذكره باللّسان قليل بالإضافة إلى الذّكر بالقلب. ولا يذكرونه بالقلب. وإنّما يذكرونه باللّسان فقط للمراءاة. أو لأن ذكرهم الله بالقلب قليل، بالقياس إلى ما يخطر ببالهم من مراءاة من يراؤونه.
وقيل(٥) : المراد بالذّكر، الصّلاة.
وقيل(٦) : الذّكر فيها، فإنّهم لا يذكرون فيها غير التّكبير.
وفي كتاب الخصال(٧) : عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال لقمان لابنه: يا بنيّ لكلّ شيء علامة يعرف بها ويشهد عليها - إلى قوله - : وللمنافق ثلاث
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٥١.
(٢) الكافي ٥ / ٨٥، ح ٢.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٤) نفس المصدر ٥ / ٨٦، ح ٨.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٥١.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) الخصال ١ / ١٢١، ح ١١٣.
علامات: يخالف لسانه قلبه، وفعله قوله، وعلانيته سريرته. وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتّى يفرّط، ويفرّط حتّى يضيّع، ويضيّع حتّى يأثم. وللمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان النّاس عنده، ويتعرّض في كلّ أمر للمحمدة.
وعن أبي الحسن الأوّلعليهالسلام (١) قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أربع خصال يفسدن القلب وينبتن النّفاق في القلب كما ينبت الماء الشّجر: استماع اللهو، والبذاء، وإتيان باب السّلطان، وطلب الصّيد.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) بإسناده إلى زرارة، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، بقوله فيه: ولا تقم إلى الصّلاة متكاسلا ولا متناعسا ولا متثاقلا. فإنّها من خلال النّفاق. وقد نهي من خلال النّفاق. وقد نهى الله - عزّ وجلّ - أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى، يعني: من النّوم. وقال للمنافقين: وإذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يراؤون النّاس ولا يذكرون الله إلّا قليلا.
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) : حدّثنا أبي - رضي الله عنه - قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال: كنّا جلوسا عند أبي عبد اللهعليهالسلام إذا قال له رجل من الجلساء: جعلت فداك يا بن رسول الله، أخاف على أن أكون منافقا.
فقال له: إذا خلوت في بيتك ليلا أو نهارا، أليس تصلّي؟
فقال: بلى.
فقال: فلمن تصلّي؟
فقال: لله - عزّ وجلّ -
فقال: فكيف تكون منافقا وأنت تصلّي لله - عزّ وجلّ - لا لغيره؟!
وفي أصول الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو عن أبي المغرا الخصّاف رفعه قال: قال أمير المؤمنينعليهالسلام : من ذكر الله - عزّ وجلّ - في السّرّ، فقد ذكر الله كثيرا. إنّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السّرّ، فقال الله
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٢٧، ح ٦٣.
(٢) علل الشرائع ٢ / ٣٥٨، ح ١.
(٣) معاني الأخبار / ١٤٢.
(٤) الكافي ٢ / ٥٠١، ح ٢.
ـ عزّ وجلّ - :( يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) .
الحسين بن محمّد، عن محمّد بن جمهور(١) ، عن عبد الله بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن الهيثم بن واقد، عن محمّد بن مسلم، عن ابن مسكان، عن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - قال: إنّ المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، وإذا قام إلى الصّلاة اعترض.
قلت: يا بن رسول الله، وما الاعتراض؟
قال: الالتفات. وإذا ركع ربض. يمسي وهمّه العشاء وهو مفطر. ويصبح وهمّه النّوم ولم يسهر وإن حدّثك كذبك. وإن ائتمنته خانك. وإن غبت اغتابك. وإن وعدك أخلفك.
أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسين بن عليّ الكوفي(٢) ، عن عثمان بن عيسى، عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مثل المنافق، مثل جذع أراد صاحبه أن ينتفع به في بعض بنيانه فلم يستقم له في الموضع الّذي أراد، فحوّله في موضع آخر فلم يستقم، فكان آخر ذلك أن أحرقه بالنّار.
( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ) : حال من واو «يراؤون»، كقوله: ولا يذكرون، أي: يراؤونهم غير ذاكرين مذبذبين. أو واو «يذكرون». أو منصوب على الذّمّ، والمعنى: مردّدين بين الإيمان والكفر. من الذّبذبة، وهو جعل الشّيء مضطربا. وأصله، الذّبّ، بمعنى: الطّرد.
وقرئ، بكسر الذّال، بمعنى: يذبذبون قلوبهم، أو دينهم. أو يتذبذبون.
كقولهم: صلصل، بمعنى: تصلصل(٣) .
وقرئ، بالدّال الغير المعجمة، بمعنى: أخذوا تارة في دبّة وتارة في دبّة أخرى.
وهي الطّريقة(٤) .
( لا إلى هؤُلاءِ وَلا إلى هؤُلاءِ ) : لا يصيرون إلى المؤمنين بالكليّة، ولا إلى الكافرين. كذلك يظهرون الإيمان كما يظهره المؤمنون، ولكن لا يضمرونه كما
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٣٩٦، ح ٥٣.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥١.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٥١ - ٢٥٢.
يضمرون. ويضمرون الكفر كما يضمره الكافرون، ولكن لا يظهرونه كما يظهرون.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) (١٤٣): إلى الحقّ والصّواب. ونظيره قوله - تعالى - :( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) : فإنّه صنيع المنافقين وديدنهم، فلا تتشبّهوا بهم.
( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) (١٤٤): حجّة بيّنة، فإنّ موالاة الكافرين دليل على النّفاق. أو سلطانا يسلّط عليكم عقابه.
( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) : وهو الطّبقة الّتي في قعر جهنّم.
لأنّهم أخبث الكفرة، إذ ضمّوا إلى الكفر استهزاءا بالإسلام وخداعا للمسلمين. وللنّار دركات، وللجنّة درجات. وإنّما سمّيت طبقاتها دركات، لأنّها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.
وقرأ الكوفيّون، بسكون الرّاء. وهو لغة، كالسّطر والسّطر. والتّحريك أوجه، لأنّه يجمع على أدراك(١) .
وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام : معاشر النّاس، سيكون من بعدي أئمّة يدعون إلى النّار ويوم القيامة لا ينصرون. معاشر النّاس، إنّ الله وأنا بريئان منهم. معاشر النّاس، إنّهم وأنصارهم وأشياعهم وأتباعهم في الدّرك الأسفل من النّار ولبئس مثوى المتكبّرين.
( وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) (١٤٥): يخرجهم منه.
[وفي روضة الكافي(٣) بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : واعلم(٤) أنّ المنكرين هم المكذّبون، وأنّ المكذّبين هم المنافقون، وإنّ الله قال للمنافقين وقوله الحقّ:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ) ](٥) .
( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) : عن النّفاق.
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٢٥٢.
(٢) الاحتجاج ١ / ٧٨.
(٣) الكافي ٨ / ١١، ضمن حديث ١.
(٤) المصدر: اعلموا.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
( وَأَصْلَحُوا ) : ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النّفاق.
( وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ ) : وثقوا به، وتمسّكوا بدينه.
( وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ) : لا يريدون بطاعتهم إلّا وجهه.
( فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) : ومن عدادهم في الدّارين.
( وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (١٤٦): فيساهمونهم فيه.
( ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ) ، أي: أيتشفّى(١) به غيظا، أو يدفع به ضررا، أو يستجلب به نفعا؟ سبحانه هو الغنيّ المتعالي عن النّفع والضّرر، وإنّما يعاقب المصرّ على كفره. لأنّ إصراره عليه كسوء مزاج يؤدّي إلى مرض، فإذا أزاله بالإيمان والشّكر ونقّى نفسه عنه تخلّص من تبعته. وإنّما قدّم الشّكر، لأنّ النّاظر يدرك النّعمة أوّلا فيشكر شكرا مبهما، ثمّ يمعن النّظر حتّى يعرف المنعم فيؤمن به.
( وَكانَ اللهُ شاكِراً ) : مثيبا، يقبل القليل ويعطي الجزيل.
( عَلِيماً ) (١٤٧): بحقّ شكركم وإيمانكم.
( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) : إلّا جهر من ظلم.
بالدّعاء على الظّالم، أو التّظلّم منه.
في مجمع البيان(٢) : المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام : لا يحبّ الله الشّتم في الانتصار إلّا من ظلم، فلا بأس له أن ينتصر ممّن ظلمه بما يجوز الانتصار به في الدّين.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٣) : أنّه الضّيف ينزل بالرّجل فلا يحسن ضيافته، فلا جناح عليه أن يذكره بسوء ما فعله.
وفي تفسير العيّاشي(٤) ، عنهعليهالسلام في هذه الآية: من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهي ممّن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه.
وعنهعليهالسلام (٥) : قال:( الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) أن يذكر الرّجل بما فيه.
__________________
(١) النسخ: «يتشفّى». وما أثبتناه في المتن موافق أنوار التنزيل وهو الأظهر.
(٢) مجمع البيان ٢ / ١٣١.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٨٣، ح ٢٩٦.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٢٩٧.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : بعد ما يقرب ممّا ذكر في المجمع أوّلا.
وفي حديث آخر في تفسير هذا(٢) : إن جاءك رجل وقال فيك ما ليس فيك من الخير والثّناء والعمل الصّالح، فلا تقبله منه وكذّبه، فقد ظلمك.
وقرئ: «إلّا من ظلم» على البناء للفاعل، فيكون الاستثناء منقطعا، أي: ولكنّ الظّالم يفعل ما لا يحبّه الله(٣) .
( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً ) : لما يجهر به من سوء القول.
( عَلِيماً ) (١٤٨): بصدق الصّادق وكذب الكاذب، فيجازي كلا بعمله.
( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً ) : طاعة وبرّا.
( أَوْ تُخْفُوهُ ) : تفعلوه سرا.
( أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ) : لكم المؤاخذة عليه. وهو المقصود. وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له، ولذلك رتّب عليه قوله:( فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ) (١٤٩): أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم لعدم كمال قدرتكم أولى بذلك. وهو حثّ المظلوم على العفو، بعد ما رخّص له في الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق.
وفي تقديم «العفوّ» على «القدير» إشارة لطيفة إلى أنّ المعافي من كمال عفوه أن لا يشعر بقدرته حين العفو، ليتمّ إحسانه بالنسبة إلى المعفوّ عنه، ولا يصير كالمنّ بعد الصّدقة.
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ ) : بأن يؤمنوا بالله، ويكفروا برسله.
( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) : نؤمن ببعض الأنبياء، ونكفر ببعض. كما فعلته اليهود، صدّقوا بموسى ومن تقدّمه من الأنبياء، وكذّبوا عيسى ومحمّدا - صلوات الله عليهما - وكما فعلت النّصارى، صدّقوا عيسى ومن تقدّمه، وكذّبوا محمّداصلىاللهعليهوآله هكذا قيل(٤) .
والأولى، أن يفسّر التّفريق بالإيمان بالله والإيمان بالرّسل أو ببعضهم، ويجعل
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٧.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٢.
(٤) نفس المصدر ١ / ٢٥٣.
قوله: «ويقولون» بيانا للتّفريق، ليناسبه قوله:( وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) (١٥٠): طريقا وسطا بين الإيمان والكفر ولا واسطة. إذ الحقّ لا يختلف. فإنّ الإيمان بالله إنّما يتمّ بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلّغوا عنه تفصيلا وإجمالا. فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكلّ في الضّلال، كما قال:( أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) ، أي: الكاملون في الكفر، لا عبرة بإيمانهم هذا.
( حَقًّا ) : مصدر مؤكّد لغيره. أو صفة لمصدر «الكافرين»، يعني: هم الّذين كفروا كفرا حقّا، أي: يقينا محقّقا.
( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) (١٥١): يهينهم ويذلّهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: هم الّذين أقرّوا برسول اللهصلىاللهعليهوآله وأنكروا أمير المؤمنينعليهالسلام
ومعناه: أنّ ذلك كفر ببعض الرّسل(٢) ، أي: بما جاء به من ولاية أمير المؤمنينعليهالسلام وكذلك الّذين أقرّوا برسول الله وأمير المؤمنين، وأنكروا ما قرّراه من الشّرع الظّاهر، وآمنوا بأمر آخر سمّوه: باطنا. وسمّوا الإيمان به: إيمانا حقيقيّا.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) : وآمنوا بجميعهم وجميع ما جاؤوا به. وإنّما دخل «بين» على «أحد» وهو يقتضي متعدّدا لعمومه، من حيث أنّه وقع في سياق النّفي.
( أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ) : الموعودة لهم. سمّي الثّواب أجرا، للدّلالة على استحقاقهم لها. والتّصدير «بسوف» للدّلالة على أنّه كائن لا محالة وإن تأخّر.
وقرأ حفص عن عاصم، وقالون عن يعقوب، بالياء، على تلوين الخطاب(٣) .
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) : لم يزل يغفر ما فرط منهم من المعاصي.
( رَحِيماً ) (١٥٢): يتفضّل عليهم بتضعيف الحسنات.
( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ) :
في مجمع البيان(٤) : روي أنّ كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا: إن كنت
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٧.
(٢) كذا في النسخ ولعل الصواب: الرسالة.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٣.
(٤) مجمع البيان ٢ / ١٣٣.
صادقا، فأتنا بكتاب من السّماء جملة كما أتى موسى.
وقيل(١) : كتابا محرّرا بخطّ سماويّ على ألواح، كما كانت التّوراة. أو كتابا نعاينه حين ينزل. أو كتابا إلينا بأعياننا، بأنّك رسول الله.
( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ ) : جواب شرط مقدّر، أي: إن استكبرت ما سألوه منك، فقد سألوا موسى أكبر منه.
وهذا السّؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم، لأنّهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم.
والمعنى: أنّ عرقهم راسخ في ذلك، وأنّ ما اقترحوه عليك ليس بأوّل جهالاتهم وخيالاتهم.
( فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً ) : عيانا، أي: أرنا نره جهرة. أو مجاهرين ومعاينين.
( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) : نار جاءت من السّماء، وأهلكتهم.
( بِظُلْمِهِمْ ) : بسبب ظلمهم، وتعنّتهم، وسؤالهم ما يستحيل على الله - تعالى -
( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) : هذه الجناية الثّانية الّتي اقترفها - أيضا - أوائلهم.
و «البيّنات» المعجزات ولا يجوز حملها على التّوراة، إذ لم تأتهم بعد.
( فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ) : لسعة رحمتنا.
[( وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ) (١٥٣): حجّة بيّنة، تبيّن صدقه.
( وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ) : الجبل.( بِمِيثاقِهِمْ ) : ليقبلوه](٢) .
( وَقُلْنا لَهُمُ ) : على لسان موسى، والجبل مظلّ عليهم.
( ادْخُلُوا الْبابَ ) ، أي: باب حطّة.
( سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ) :
قيل(٣) : على لسان داود. ويحتمل أن يراد على لسان موسى حين ظلّل الجبل عليهم، فإنّه شرّع السّبت ولكن كان الاعتداء فيه والمسخ به في زمن داود.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٣.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في ر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٤.
وقرأ ورش، عن نافع «ولا تعدّوا» على أن أصله «لا تعتدوا» فأدغمت التّاء في الدّال(١) .
وقرأ قالون، بإخفاء حركة العين وتشديد الدّال والنّصّ عنه بالإسكان(٢) .
( وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) (١٥٤): على ذلك. وهو قولهم: سمعنا وأطعنا.
( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ) ، أي: فخالفوا ونقضوا، ففعلنا ما فعلنا بنقضهم.
و «ما» مزيدة للتّأكيد.
و «الباء» متعلّقة بالفعل المحذوف. ويجوز أن تتعلّق «بحرّمنا عليهم» المذكور الآتي. فيكون التّحريم بسبب النّقض، و «ما» عطف عليه إلى قوله: «فبظلم» لا بما دلّ عليه قوله:( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها ) مثل «لا يؤمنون» لأنّه ردّ لقولهم:( قُلُوبُنا غُلْفٌ ) فيكون من صلة قولهم المعطوف على المجرور، فلا يتعلّق به جارّه.
( وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ ) : بالقرآن. أو بما في كتابهم.
( وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) قال: هؤلاء لم يقتلوا الأنبياء وإنّما قتلهم أجدادهم، فرضي هؤلاء بذلك، فألزمهم الله القتل بفعل أجدادهم. وكذلك من رضى بفعل، فقد لزمه وإن لم يفعله.
( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ) : أوعية للعلوم. أو في أكنّة. وقد مرّ تفسيره.
( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ) : فجعلها محجوبة عن العلم. أو خذلها ومنعها التّوفيق للتّدبّر في الآيات والتّذكير بالمواعظ.
وفي عيون الأخبار(٤) ، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرّضاعليهالسلام إلى أن قال: وسألته عن قول الله - عزّ وجلّ - :( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ) .
قال: الختم، هو الطّبع على قلوب الكفّار، عقوبة على كفرهم. قال - عزّ وجلّ - :( بَلْ طَبَعَ اللهُ ) إلى قوله:( بُهْتاناً عَظِيماً ) .
( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) (١٥٥): منهم، كعبد الله بن سلام. أو إيمانا قليلا،
__________________
(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير القمي ١ / ١٥٧.
(٤) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ١ / ١٠١، ح ١٦.
لا عبرة به لنقصانه.
( وَبِكُفْرِهِمْ ) : بعيسى. وهو معطوف على «بكفرهم»، لأنّه من أسباب الطّبع.
أو على قوله: «فبما نقضهم». ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه، على مجموع ما قبله. ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرير كفرهم، فإنّهم كفروا بموسى ثمّ بعيسى ثمّ بمحمّدصلىاللهعليهوآله
( وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ) (١٥٦)، يعني: نسبتها إلى الزّنا.
في أمالي الصّدوق - رحمه الله(١) - ، بإسناده إلى الصّادقعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام لعلقمة: يا علقمة، إنّ رضا النّاس لا يملك وألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوا مريم ابنة عمران - عليها السّلام -(٢) إلى أنّها حملت بعيسىعليهالسلام من رجل نجّار اسمه يوسف.
( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ ) ، يعني: رسول الله بزعمهم.
ويحتمل أنّهم قالوه استهزاء، ونظيره:( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) . وأن يكون استئنافا من الله بمدحه. أو وضعا للذّكر الحسن، مكان ذكرهم القبيح.
( وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) : قد مضى ذكر هذه القصّة في سورة، عند قوله - تعالى - :( إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ ) .
قيل(٣) : إنّما ذمّهم الله بما دلّ عليه الكلام من جرأتهم على الله، وقصدهم قتل نبيّه المؤيّد بالمعجزات القاهرة، وتبجّحهم به، لا لقولهم هذا على حسب حسبانهم.
والظّاهر، أنّ ذمّهم لجرأتهم، وقولهم كليهما.
و «شبّه» مسند إلى الجار والمجرور، وكأنّه قيل: ولكن وقع لهم التّشبيه بين عيسى والمقتول. أو إلى الأمر. أو إلى ضمير المقتول، لدلالة «إنّا قتلنا» على أنّ ثمّة مقتولا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ، عن أبي
__________________
(١) أمالي الصدوق / ٩١ و ٩٢، ضمن حديث ٣.
(٢) المصدر: مريم بنت عمران - عليها السّلام -
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٤.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة / ٣٥٤، ح ٤٩.
عبد اللهعليهالسلام حديث طويل، وفيه: وأمّا غيبة عيسىعليهالسلام فإنّ اليهود والنّصارى اتّفقت على أنّه قتل، فكذّبهم الله - جل ذكره - بقوله - عزّ وجلّ - :( وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) .
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إنّ عيسىعليهالسلام وعد أصحابه ليلة رفعه الله إليه، فاجتمعوا إليه عند المساء وهم اثنا عشر رجلا، فأدخلهم بيتا ثمّ خرج عليهم من عين في زاوية البيت وهو ينفض رأسه من الماء.
فقال: إنّ الله أوحى إليّ أنّه رافعي إليه السّاعة ومطهّري من اليهود. فأيّكم يلقى عليه شبحي فيقتل ويصلب ويكون معي في درجتي؟ فقال شابّ منهم: أنا يا روح الله.
فقال: فأنت هو ذا.
فقال لهم عيسى: أما إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة.
فقال له رجل منهم: أنا يا نبيّ الله. فقال عيسى: أتحسّ(٢) بذلك في نفسك، فلتكن هو.
ثمّ قال لهم عيسى: أما إنّكم ستفترقون بعدي على ثلاث فرق، فرقتين مفتريتين على الله في النّار وفرقة تتّبع شمعون صادقة على الله في الجنّة.
ثمّ قال(٣) رفع الله عيسى إليه من زاوية البيت وهم ينظرون إليه.
ثمّ قال أبو جعفرعليهالسلام : إنّ اليهود جاءت في طلب عيسى من ليلتهم، فأخذوا الرّجل الّذي قال له عيسى: إنّ منكم لمن يكفر بي قبل أن يصبح اثنتي عشرة كفرة. وأخذوا الشّابّ الّذي ألقي عليه شبح عيسىعليهالسلام فقتل وصلب، وكفر الّذي قال له عيسى: تكفر قبل أن تصبح اثنتي عشرة كفرة](٤) .
( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) : في شأن عيسى.
قال البيضاويّ(٥) : فإنّه لـمّا وقعت تلك الواقعة اختلف النّاس. فقال بعض اليهود: إنّه كان كاذبا فقتلناه حقّا. وتردّد آخرون. فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٠٣.
(٢) المصدر: أن تحسّ.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٥.
فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا. وقال من سمع منه: إنّ الله يرفعني إلى السّماء، إنّه رفعه إلى السّماء. وقال قوم: صلب النّاسوت وصعد اللّاهوت.
( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) : لفي تردّد.
و «الشّكّ» كما يطلق على ما لا يترجّح أحد طرفيه، يطلق على مطلق التردّد وعلى ما يقابل العلم. ولذلك أكّده بقوله :
( ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ ) : استثناء منقطع، أي: ولكنّهم يتّبعون الظّنّ.
ويجوز أن يفسّر «الشّكّ» بالجهل والعلم بالاعتقاد الّذي تسكن إليه النّفس، جزما كان أو غيره، فيتّصل الاستثناء.
( وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ) (١٥٧)، أي: وما قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقّنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم:( إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ) . أو يجعل يقينا تأكيدا لقوله:( وَما قَتَلُوهُ ) كقولك: وما قتلوه حقّا، أي: حقّ انتفاء قتله حقّا.
وقيل(١) : هو من قولهم: قتلت الشّيء علما، إذا بالغ فيه علمك.
وفيه تهكّم. لأنّه إذا نفى عنهم العلم نفيا كلّيا بحرف الاستغراق. ثمّ قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة، لم يكن إلّا تهكّما بهم.
( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ) : ردّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) ، عن زيد بن عليّ، عن أبيه سيّد العابدينعليهالسلام حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام : وإنّ لله - تبارك وتعالى - بقاعا في سماواته. فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله يقول(٣) :( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) ويقول - عزّ وجلّ - في قصّة عيسى بن مريم:( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : رفع، وعليه مدرعه من صوف.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) من لا يحضره الفقيه ١ / ١٢٧، ح ٦٠٣.
(٣) المعارج / ٤.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٢٤.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الصّادقعليهالسلام قال: رفع عيسى بن مريم - عليهما السّلام - بمدرعة صوف من غزل مريم ومن نسج مريم وخياطة مريم. فلمّا انتهى إلى السّماء نودي: يا عيسى، ألق عنك زينة الدّنيا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن إسماعيل القرشي، عمّن حدّثه، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن أبيه قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ جبرئيلعليهالسلام نزل عليّ بكتاب فيه خبر الملوك ملوك الأرض قبلي، وخبر من بعث قبلي من الأنبياء والرّسل - وهو حديث طويل، قال فيهعليهالسلام : إنّ عيسى بن مريم أتى بيت المقدس. فمكث يدعوهم ويرغّبهم فيما عند الله ثلاث وثلاثين سنة حتّى طلبته اليهود.
وادّعت أنّها عذّبته ودفنته في الأرض حيّا. وادّعى بعضهم أنّهم قتلوه وصلبوه. وما كان الله ليجعل لهم سلطانا عليه. وإنّما شبّه لهم. وما قدروا على عذابه ودفنه ولا على قتله وصلبه. لأنّهم لو قدروا على ذلك لكان تكذيبا لقوله - تعالى - :( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ) بعد أن توفّاهعليهالسلام
[وبإسناده إلى أبان بن تغلب(٣) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام حديث طويل يذكر فيه القائم، وفيه: فإذا نشر راية رسول اللهصلىاللهعليهوآله انحطّ عليه(٤) ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثة عشر ملكا كلّهم ينظرون(٥) القائمعليهالسلام وهم الّذين كانوا مع نوحعليهالسلام في السّفينة، والّذين كانوا مع إبراهيم الخليلعليهالسلام حين(٦) ألقي في النّار، وكانوا مع عيسى حين رفع.
وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد وعليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لـمّا قبض أمير المؤمنينعليهالسلام قام الحسن بن عليّ - عليهما السّلام - في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبيّصلىاللهعليهوآله ثمّ قال: يا أيّها النّاس، إنّه قد قبض في هذه اللّيلة رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون. والله لقد
__________________
(١) تفسير العيّاشي ١ / ١٧٥، ح ٥٣.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٢٤، ح ٢٠.
(٣) نفس المصدر / ٦٧٢، ضمن حديث ٢٢ وأوّله في ص ٦٧١.
(٤) المصدر: إليه.
(٥) المصدر: ينتظر.
(٦) المصدر: حيث.
(٧) الكافي ١ / ٤٥٧، صدر وذيل حديث ٨.
قبض في اللّيلة الّتي قبض فيها وصي موسى يوشع بن نون، واللّيلة الّتي عرج فيها بعيسى بن مريم(١) ، واللّيلة الّتي ينزل(٢) فيها القرآن.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة].(٣)
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني الحسين بن عبد الله السّكينيّ، عن أبي سعيد البجليّ، عن عبد الملك بن هارون، عن أبي عبد اللهعليهالسلام عن الحسن بن عليّ - عليهما السّلام - ، وذكر حديثا طويلا، وفيه قالعليهالسلام وقد ذكر عيسى بن مريم - عليهما السّلام - : وكان عمره ثلاث وثلاثون سنة. ثمّ رفعه الله إلى السّماء. ويهبط إلى الأرض بدمشق. وهو الّذي يقتل الدّجّال.
( وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) : لا يغلب على ما يريده.
( حَكِيماً ) (١٥٨): فيما دبّر لعباده.
( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) :
قيل(٥) : أي: وما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ به.
فقوله:( لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) جملة قسميّة وقعت صفة «لأحد» ويعود الضّمير الثّاني إليه، والأوّل إلى عيسى، فالمعنى: ما من اليهود والنّصارى أحد، إلّا ليؤمننّ بأنّ عيسى عبد الله ورسوله قبل أن يموت ولو حين يزهقه روحه، ولا ينفعه إيمانه.
ويؤيّد ذلك، أنّه قرئ: «إلّا ليؤمننّ به قبل موتهم» بضمّ النّون، لأنّ «أحدا» في معنى الجمع. وهذا كالوعيد لهم، والتّحريض على معاجلة الإيمان به قبل أن يضطرّوا إليه ولم ينفعهم إيمانهم.
وقيل(٦) : الضّميران لعيسى، والمعنى: إذا نزل من السّماء آمن به أهل الملل جميعا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : [حدّثني أبي، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن أبي حمزة ،](٨) عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجّاج: يا شهر، آية في كتاب الله قد أعيتني. فقلت: أيّها الأمير، أيّة آية هي؟
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عيسى بن مريم.
(٢) المصدر: نزل.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٤) تفسير القمي ٢ / ٢٧٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٥.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) تفسير القمي ١ / ١٥٨.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
فقال: قوله:( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) . والله إنّي لآمر باليهوديّ والنّصرانيّ فيضرب عنقه ثمّ أرمقه بعيني(١) فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد.
فقلت: أصلح الله الأمير ليس على ما تأوّلت.
قال: كيف هو؟
قلت: إنّ عيسى ينزل(٢) قبل يوم القيامة إلى الدّنيا، فلا يبقى أهل ملّة يهوديّ ولا غيره إلّا آمن به قبل موته، ويصلّي خلف المهديّ.
قال: ويحك، أنّى لك هذا، ومن أين جئت به؟
فقلت: حدّثني به محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - عليهم السّلام -
فقال: جئت بها من عين صافية.
وروي فيه(٣) - أيضا - : أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله إذا رجع آمن به النّاس كلّهم.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن أبي جعفرعليهالسلام في تفسيرها: ليس من أحد من جميع الأديان يموت إلّا رأى رسول الله وأمير المؤمنين - عليهما السّلام - حقّا من الأوّلين والآخرين.
وفي مجمع البيان(٥) : في أحد معانيها: ليؤمننّ بمحمّدصلىاللهعليهوآله قبل موت الكتابيّ - عن عكرمة.
ورواه أصحابنا - أيضا - قال: وفي هذه الآية دلالة على أنّ كلّ كافر يؤمن عند المعاينة، وعلى أنّ إيمانه ذلك غير مقبول كما لم يقبل إيمان فرعون في حال اليأس عند زوال التّكليف.
ويقرب من هذا ما رواه الإماميّة: أنّ المحتضرين من جميع الأديان يرون رسول اللهصلىاللهعليهوآله وخلفاءه عند الوفاة.
__________________
(١) هكذا في تفسير البرهان ١ / ٤٢٦ نقلا عن المصدر وفي نسخة أو في سائر النسخ والمصدر: نفسي.
(٢) هكذا في تفسير البرهان ١ / ٤٢٦ نقلا عن المصدر وفي نسخة أوفي سائر النسخ والمصدر: نزل.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٨٤، ح ٣٠٣.
(٥) مجمع البيان ٢ / ١٣٧ - ١٣٨.
ويروون في ذلك :
عن عليّعليهالسلام أنّه قال للحارث الهمدانيّ :
يا حار همدان من يمت يرني |
من مؤمن أو منافق قبلا |
|
يعرفني طرفه وأعرفه |
بعينه واسمه وما فعلا |
وفي الجوامع(١) : عنهما - عليهما السّلام - : حرام على روح أن تفارق جسدها حتّى ترى محمّدا وعليّا.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الصّادقعليهالسلام أنّه سئل عن هذه الآية.
فقال: هذه نزلت فينا خاصّة. أنّه ليس رجل من ولد فاطمة يموت ولا يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ للإمام وبإمامته، كما أقرّ ولد يعقوب ليوسف حين قالوا:( تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) .
[وفي تفسير فرات بن إبراهيم الكوفي(٣) قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعنا، عن جعفر بن محمّد - عليهما السّلام - قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا عليُّ، إنّ فيك مثلا من عيسى بن مريم، قال الله - تعالى - :( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) . يا عليّ، إنّه لا يموت رجل يفتري على عيسى بن مريم - عليهما السّلام - حتّى يؤمن له قبل موته ويقول فيه الحقّ حيث لا ينفعه ذلك شيئا. وإنّك يا عليّ مثله(٤) لا يموت عدوّك حتّى يراك عند الموت، فتكون عليه غيظا وحزنا حتّى يقرّ بالحقّ من أمرك ويقول فيك الحقّ ويقرّ بولايتك حيث لا ينفعه ذلك شيئا. وأمّا وليّك فإنّه يراك عند الموت فتكون له شفيعا ومبشّرا وقرّة عين](٥) .
( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (١٥٩): على اليهود بالتّكذيب، وعلى النّصارى بأنّهم دعوه ابن الله، ويكون الرّسول والإمام شهيدا على أعمال كلّ واعتقاداتهم.
( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) ، أي: فبظلم عظيم منهم.
( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) : في الآية الّتي ذكرت في الأنعام(٦) :
( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا ) (الآية).
__________________
(١) جوامع الجامع / ١٠١.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٨٣ - ٢٨٤، ح ٣٠٠.
(٣) تفسير فرات / ٣٤.
(٤) المصدر: «على مثاله» بدل «يا عليّ مثله».
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) الأنعام / ١٤٦.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: من زرع حنطة في أرض ولم يزكّ زرعه فخرج زرعه كثير الشّعير، فبظلم عمله في ملك رقبة الأرض، أو بظلم لمزارعه وأكرته، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) ، يعني: لحوم الإبل والبقر والغنم.
وفي الكافي والعيّاشي(٢) ، عن الصّادقعليهالسلام مثله.
( وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً ) (١٦٠): أناسا كثيرا، وصدّا كثيرا.
( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ) : كان الرّبا محرّما عليهم، كما هو محرّم علينا. وفيه دلالة على دلالة النّهي على التّحريم.
( وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) : بالرّشوة، وسائر الوجوه المحرّمة.
( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (١٦١): دون من تاب وآمن.
( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ) : كعلمائهم المؤمنين.
( وَالْمُؤْمِنُونَ ) ، أي: منهم. وهو من آمن من غير العلماء، أو من المهاجرين والأنصار.
( يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إليك وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) : خبر المبتدأ.
( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) : نصب على المدح إن جعل «يؤمنون» الخبر لا «أولئك». و «الواو» اعتراض. أو عطف على «ما أنزل». والمراد بهم، الأنبياء. وإن جعل الخبر «أولئك» فيكون «يؤمنون» حالا. ويحتمل العطف عليه بإرادة التّنكير.
وقرئ، بالرّفع، عطفا على «الرّاسخون». أو الضّمير في «يؤمنون». أو على أنّه مبتدأ، والخبر «أولئك»(٣) .
( وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) : رفعه لأحد الوجوه المذكورة.
( وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : قدّم عليه الإيمان بالأنبياء والكتب وما يصدّقه من اتّباع الشّرائع، لأنّه المقصود بالآية.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٨.
(٢) الكافي ٥ / ٣٠٦، ح ٩ وتفسير العياشي ١ / ٢٨٤، ح ٣٠٤.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٦.
( أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) (١٦٢): على جمعهم بين الإيمان والعمل الصّالح.
وقرأ حمزة: «سيؤتيهم» بالياء(١) .
( إِنَّا أَوْحَيْنا إليك كَما أَوْحَيْنا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) :
قيل(٢) : جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم «أن تنزّل عليهم كتابا من السّماء» واحتجاج عليهم بأنّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء.
في تفسير العيّاشي(٣) : عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السّلام - قال: إنّي أوحيت إليك كما أوحيت إلى نوح والنّبيّين من بعده، فجمع له كلّ وحي هبط.
[وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي عبد اللهعليهالسلام (٥) قال: بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله جالسا وعنده جبرئيل إذ حانت من جبرئيل نظرة قبل السّماء - إلى أن قال - : قال جبرئيل: إنّ هذا حاجب الرّبّ وأقرب خلق الله منه واللّوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلّم الرّبّ - تبارك وتعالى - بالوحي ضرب اللّوح جنبيه، فينظر(٦) فيه ثمّ ألقاه(٧) إلينا فنسعى به في السّموات والأرض.
وفي أصول الكافي(٨) ، عن أبي جعفرعليهالسلام حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : فلمّا استجاب الله(٩) لكلّ نبيّ من استجاب له من قومه(١٠) من المؤمنين، جعل(١١) لكلّ [نبيّ](١٢) منهم شرعة ومنهاجا. والشّرعة والمنهاج، سبيل وسنّة. وقال لمحمّدصلىاللهعليهوآله :( إِنَّا أَوْحَيْنا إليك كَما أَوْحَيْنا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) . وأمر
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٨٥، ح ٣٠٥.
(٤) تفسير القمي ٢ / ٢٧ و ٢٨ ضمن حديث طويل.
(٥) المصدر: أبي جعفرعليهالسلام
(٦) المصدر: فنظر.
(٧) المصدر: يلقيه.
(٨) الكافي ٢ / ٢٩، ضمن حديث.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: في قومه.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يجعل.
(١٢) من المصدر.
كلّ نبيّ بالأخذ بالسّبيل والسّنّة، وكان(١) من السّبيل والسّنّة الّتي أمر الله - عزّ وجلّ - بها موسىعليهالسلام أن جعل عليهم السّبت](٢) .
( وَأَوْحَيْنا إلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ) :
قيل(٣) : خصّصهم بالذّكر مع اشتمال النّبيّين عليهم تعظيما لهم، فإنّ إبراهيم أوّل أولي العزم منهم، وعيسى آخرهم، والباقين أشرف الأنبياء ومشاهيرهم.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر - عليهما السّلام - حديث طويل، يقول فيهعليهالسلام : وكان ما بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين ومستعلنين ولذلك خفي ذكرهم في القرآن. فلم يسمّوا كما سمّي من استعلن من الأنبياء. وهو قول الله - عزّ وجلّ -( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) ، يعني: لم نسمّ المستخفين كما نسمّي المستعلنين من الأنبياء.
وفي روضة الكافي(٥) ، عن أبي جعفرعليهالسلام مثله.
( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) (١٦٣) :
وقرأ حمزة، بضمّ الزّاي. وهو جمع زبر، بمعنى: مزبور(٦) .
وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن سعد الإسكاف، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أعطيت السّور الطّوال مكان التّوراة. وأعطيت المئين مكان الإنجيل. وأعطيت المثاني مكان الزّبور. وفضّلت بالمفصّل ثمان وستّون سورة.
وفيه(٨) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام [قال: قال النّبيّ
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كلّ.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٦.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة ١ / ٢١٥، ح ٢.
(٥) الكافي ٨ / ١١٥، ح ٩٢.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٦.
(٧) الكافي ٢ / ٦٠١، ح ١٠.
(٨) نفس المصدر ٢ / ٦٢٩، ضمن حديث ٦ وأوله في ص ٦٢٨.
ـ صلّى الله عليه وآله - :](١) وأنزل الزّبور لثمان عشر خلون من شهر رمضان.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
( وَرُسُلاً ) : نصب بمضمر، دلّ عليه «أوحينا إليك» كأرسلنا. أو فسّره.
( قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) (١٦٤) :
قيل(٢) : وهو منتهى مراتب الوحي خصّ به موسى من بينهم، وقد فضّل الله محمّداصلىاللهعليهوآله بأن أعطاه ما أعطى كلّ واحد منهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث في قصّة الإسراء، وفيه يقولصلىاللهعليهوآله : ثمّ ركبت فمضينا ما شاء الله، ثمّ قال لي: إنزل فصلّ، فنزلت وصلّيت.
فقال لي: أتدري أين صلّيت؟
فقلت: لا.
فقال: صلّيت بطور سيناء، حيث كلّم الله موسى تكليما.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسي - رحمه الله - : عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل في مكالمة بينه وبين اليهود، وفيه قالت اليهود: موسى خير منك.
قال النّبيّصلىاللهعليهوآله ولم؟
قالوا: لأنّ الله - عزّ وجلّ - كلّمه بأربعة آلاف كلمة، ولم يكلّمك بشيء.
فقال النّبيّصلىاللهعليهوآله : لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك.
قالوا: وما ذاك؟
قال: قوله - عزّ وجلّ - :( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى ) .
(الحديث).
وروي عن صفوان بن يحيى(٥) قال، سألني أبو قرّة المحدّث - صاحب شبرمة - أن أدخله إلى أبي الحسن الرّضاعليهالسلام فاستأذنت، فأذن لي، فدخل فقال له: أخبرني - جعلني الله فداك - عن كلام الله لموسىعليهالسلام
__________________
(١) ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٦.
(٣) تفسير القمي ٢ / ٣.
(٤) الاحتجاج ١ / ٥٥.
(٥) نفس المصدر ٢ / ١٨٥.
فقال: الله أعلم ورسوله بأيّ لسان كلّمه، بالسّريانيّة أم بالعبرانيّة.
فأخذ أبو قرّة بلسانه فقال: إنّما أسألك عن هذا اللّسان.
فقال أبو الحسنعليهالسلام : سبحان الله ممّا تقول، ومعاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلّم بمثل ما هم به يتكلّمون. ولكنّه - تبارك وتعالى - ليس كمثله شيء ولا كمثله قائل فاعل.
قال: كيف ذلك؟
قال: كلام الخالق للمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، ولا يلفظ بشقّ فم ولسان. ولكن يقول له: كن فيكون. فكان بمشيئته ما خاطب به موسى من الأمر والنّهي من غير تردّد في نفس.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن خالد الطّيالسي، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: قلت له: لم يزل الله متكلّما؟
قال: فقال. إنّ الكلام صفة محدثة ليس بأزليّة. كان الله - عزّ وجلّ - ولا متكلّم.
وفي كتاب الخصال(٢) ، بإسناده إلى الضّحّاك، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إنّ الله ناجى موسى بن عمرانعليهالسلام بمائة ألف كلمة وأربعة وعشرين ألف كلمة في ثلاثة أيّام ولياليهنّ ما طعم فيها موسى ولا شرب فيها، فلمّا انصرف إلى بني إسرائيل وسمع كلامهم مقتهم لما كان وقع في مسامعه من حلاوة كلام الله - عزّ وجلّ -
وفي كتاب التّوحيد(٣) ، بإسناده إلى [عليّ بن](٤) محمّد بن الجهم، عن أبي الحسنعليهالسلام (٥) حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام حاكيا عن موسىعليهالسلام في قومه: فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل وصعد
__________________
(١) الكافي ١ / ١٠٧، ح ١.
(٢) الخصال ٢ / ٦٤١ - ٦٤٢، ح ٢٠.
(٣) التوحيد / ١٢١، ضمن حديث ٢٤.
(٤) من المصدر. ر. تنقيح المقال ٢ / ٣٠٣، رقم ٨٤٥٨.
(٥) المصدر: عن الرضا عليّ بن موسى - عليهما السّلام -
موسىعليهالسلام إلى الطّور وسأل الله - تبارك وتعالى - أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله - تعالى ذكره - وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لأنّ الله - تعالى - أحدثه في الشّجرة ثمّ جعله منبعثا منها(١) حتّى سمعوه من جميع الوجوه.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام (٢) : كلّم الله(٣) موسى تكليما بلا جوارح وأدوات وشفة، ولا لهوات، سبحانه وتعالى عن الصّفات.
وعنهعليهالسلام (٤) في حديث وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: وكلام الله - تعالى - ليس بنحو واحد، منه ما كلّم الله به الرّسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرّسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ. فهو كلام الله. فاكتف بما وصفت لك من كلام الله. فإنّ كلام الله ليس بنحو واحد. فإنّ منه ما تبلغ رسل السّماء ورسل الأرض.
( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) : نصب على المدح. أو بإضمار «أرسلنا». أو على الحال. ويكون «رسلا» موطّئا لما بعده، كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا.
( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) : فيقولوا:( لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ) فينبّهنا ويعلّمنا ما لم نعلم.
و «اللام» متعلّقة «بأرسلنا»، أو بقوله: «مبشّرين ومنذرين». و «حجّة» اسم كان وخبره «للنّاس»، أو «على الله». والآخر حال. ولا يجوز تعلّقه «بحجّة» لأنّه مصدر. و «بعد» ظرف لها، أو صفة.
[وفي نهج البلاغة(٥) : قالعليهالسلام : فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسي نعمته ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم آيات القدرة، من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع ومعايش وآجال تفنيهم وأوصاب تهرمهم وأحداث تتابع عليهم. ولم يخل الله - سبحانه - خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل أو حجّة لازمة أو محجّة قائمة، رسل لم
__________________
(١) أ: ميقاتها.
(٢) نفس المصدر / ٧٩، ضمن حديث ٣٤.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) نفس المصدر / ٢٦٤، ضمن حديث ٥.
(٥) نهج البلاغة / ٤٢ - ٤٤، ضمن خطبة ١.
تقصر(١) بهم قلّة عدوهم ولا كثرة المكذّبين(٢) لهم، من سابق سمّى له من بعده أو غابر عرّفه من قبله. على ذلك نسلت القرون ومضت الدّهور وسلفت الآباء وخلفت الأبناء إلى أن بعث [الله - سبحانه - ](٣) محمّدا [رسول الله - ](٤) صلّى الله عليه وآله - ](٥) .
( وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) : لا يغلب فيما يريده.
( حَكِيماً ) (١٦٥): فيما دبّر من أمر النّبوّة، وخصّ كلّ نبيّ بنوع من الوحي والإعجاز.
( لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ ) : استدراك من مفهوم ما قبله، فكأنّه لـمّا تعنّتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السّماء، واحتج عليهم( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) قال: إنّهم لا يشهدون، ولكن الله يشهد. أو أنّهم أنكروه، ولكنّ الله يبيّنه ويقرّره.
( بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ) : من القرآن المعجز، الدّالّ على نبوّتك.
نقل أنّه لـمّا نزل «إنّا أوحينا إليك» قالوا: ما نشهد لك. فنزلت(٦) .
( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) : ملتبسا بعلمه الخاصّ به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كلّ بليغ. أو من استعدّ للنّبوّة واستأهل نزول الكتاب عليه. أو بعلمه الّذي يحتاج إليه النّاس في معاشهم ومعادهم.
والجارّ والمجرور، على الأوّلين حال عن الفاعل. وعلى الثّالث حال عن المفعول. والجملة، كالتّفسير لما قبلها.
( وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) : أيضا بنبوّتك.
( وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) (١٦٦): وإن لم يشهد غيره أو كفى بما أقام من الحجج على صحّة نبوّتك عن استشهاد(٧) بغيره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: إنّما أنزلت( لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ) في
__________________
(١) المصدر: لا تقصر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: المكرمين.
(٣ و ٤) من المصدر.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٧.
(٧) هكذا في أنوار التنزيل وفي نسخة أ. وفي سائر النسخ: إشهاد.
(٨) تفسير القمي ١ / ١٥٩.
عليّ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) .
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ) (١٦٧) :
لأنّهم جمعوا بين الضّلال والإضلال، ولأنّ المضلّ يكون أعرق في الضّلالة وأبعد من الانقلاع عنه.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا ) : جمعوا بينهما. والظّلم أعمّ من الظّلم عليه وعلى غيره، إذا اجتمع مع الكفر.
( لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ) (١٦٨) :
( إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) : حال مقدّرة.
( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) (١٦٩): لا يصعب عليه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقرأ أبو عبد اللهعليهالسلام : إنّ الّذين كفروا وظلموا آل محمّد حقّهم. (الآية).
وفي أصول الكافي(٢) : أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: نزل جبرئيلعليهالسلام بهذه الآية هكذا: إنّ الّذين كفروا وظلموا آل محمّد حقّهم لم يكن الله.
(الآية).
وفي تفسير العيّاشي(٣) ، مثله.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ) :
قيل(٤) : لـمّا قرّر أمر النّبوّة وبيّن الطّريق الموصل إلى العلم بها وأوعد من أنكرها، خاطب النّاس عامّة بالدّعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرّدّ.
( فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ) ، أي: إيمانا خيرا لكم. أو ائتوا أمرا خيرا لكم ممّا أنتم عليه.
وقيل(٥) : تقديره: يكن الإيمان خيرا لكم. ومنعه البصريّون، لأنّ «كان» لا يحذف مع اسمه إلّا فيما لا بدّ منه، ولأنّه يؤدّي إلى حذف الشّرط وجوابه.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ١ / ٤٢٤، ح ٥٩.
(٣) تفسير العياشي ١ / ٢٨٥، ح ٣٠٧.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٧.
(٥) نفس المصدر والموضع.
( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : فهو غنيّ عنكم، لا يتضرّر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم. ونبّه على غناه بقوله:( فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وهو ما اشتملتا عليه وما تركّبتا منه.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) : بأحوالهم.
( حَكِيماً ) (١٧٠): فيما دبّر لهم.
وفي أصول الكافي(١) ، في تتمّة الخبر الأوّل، وفي تفسير العيّاشي(٢) ، عن الباقرعليهالسلام : قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم في ولاية عليّ فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا بولاية عليّ. (الآية).
( يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) قيل(٣) : الخطاب للفريقين، غلت اليهود في حطّ عيسى حتّى رموه بأنّه ولد لغير رشده، والنّصارى في رفعه حتّى اتّخذوه إلها.
وقيل: للنّصارى خاصّة. وهو أوفق لقوله:( وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) ، يعني: تنزيهه عن الشّريك والصّاحبة والولد.
( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إلى مَرْيَمَ ) :
أوصلها إليها، وحصلها فيها.
في مجمع البيان(٤) : وعيسىعليهالسلام ممسوح البدن من الأدناس والآثام، كما روي عن النّبيّصلىاللهعليهوآله
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : ثمّ قال: وصوّر ابن مريم في الرّحم دون الصّلب وإن كان مخلوقا في أصلاب الأنبياء - عليهم السّلام -
( وَرُوحٌ مِنْهُ ) : ذو روح صدر منه، لا بتوسّط ما يجري مجرى الأصل والمادّة.
وقيل(٦) : سمّي روحا، لأنّه كان يحيي الأموات والقلوب.
وفي أصول الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٢٤، ذيل حديث ٥٩.
(٢) تفسير العياشي ١ / ٢٨٥، ح ٣٠٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٧ - ٢٥٨.
(٤) مجمع البيان ٢ / ١٤٤.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٢٤.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٨.
(٧) الكافي ١ / ١٣٣، ح ٢.
الحجّال، عن ثعلبة، عن حمران قال: سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن قول الله: و( رُوحٌ مِنْهُ ) . قال: هي روح مخلوقة، خلقها الله في آدم وعيسى.
وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى أبي جعفر الأصمّ قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن الرّوح الّتي في آدم والّتي في عيسى، ما هما؟
قال: روحان مخلوقان اختارهما واصطفاهما، روح آدم وروح عيسى - عليهما السّلام -
( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) ، أي: الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، وأمّه. ويشهد له قوله:( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) . أو الله ثلاثة، إن صحّ أنّهم يقولون: الله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس.
ويريدون بالأب الذّات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة.
( انْتَهُوا ) : عن التّثليث.
( خَيْراً لَكُمْ ) : اقصدوا خيرا لكم. وهو التّوحيد.
( إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ ) ، أي: واحد بالذّات، لا تعدّد فيه بوجه.
( سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) : أسبّحه تسبيحا من أن يكون له ولد. كيف؟
والولد لا بدّ أن يكون مماثلا للوالد. تعالى الله عن أن يكون له مماثل ومعادل.
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : ملكا وخلقا. لا يماثله شيء من ذلك، فيتّخذه ولدا.
( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) (١٧١): تنبيه على غناه عن الولد. فإنّ الحاجة إلى الولد ليكون وكيلا لأبيه. والله سبحانه قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمّن يخلّفه أو يعينه.
( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ ) : لن يأنف. من نكفت الدمع، إذا نحّيته بإصبعك كيلا يرى أثره على وجهك.
( أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ) : من أن يكون عبدا له. فإنّ عبوديّته شرف يتباهى به، وإنّما المذلّة والاستنكاف في عبوديّة غيره.
في مجمع البيان(٢) : روي أنّ وفد نجران قالوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآله :
__________________
(١) التوحيد / ١٧٢، ح ٤.
(٢) مجمع البيان ٢ / ١٤٦.
يا محمّد، لم تعيب صاحبنا؟
قال ومن صاحبكم؟
قالوا: عيسى.
قال: وأيّ شيء أقول فيه؟
قالوا: تقول إنّه عبد الله ورسوله. فنزلت الآية.
( وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) : عطف على المسيح، أي: ولن تستنكف الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبيد الله.
في كتاب علل الشّرايع(١) ، بإسناده إلى سلمان الفارسي قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليّعليهالسلام : يا عليّ، تختّم باليمين تكن من المقرّبين.
قال: يا رسول الله، وما المقرّبون؟
قال: جبرئيل وميكائيل.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حاكيا عن جبرئيلعليهالسلام : إنّ بين الله وبين خلقه تسعين ألف حجاب. وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل. وبيننا وبينه أربعة حجب: حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من الغمام، وحجاب من الماء.
واحتج بالآية من زعم فضل الملائكة على الأنبياء وقال: مساقه لردّ النّصارى في رفع المسيح عن مقام العبوديّة، وذلك يقتضي أن يكون المعطوف عليه أعلى درجة منه حتّى يكون عدم استنكافهم كالدّليل على عدم استنكافه.
وجوابه، أنّ الآية للرّدّ على عبدة المسيح والملائكة، فلا يتّجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنّصارى، فلعلّه أراد بالعطف المبالغة باعتبار آخر دون التّكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس(٣) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى ابن عبّاس، عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، وفيه يقولعليهالسلام : لـمّا عرج بي إلى السّماء الرّابعة أذّن جبرئيل وأقام ميكائيل، ثمّ قيل: ادن يا محمّد.
__________________
(١) علل الشرائع ١ / ١٥٨، ح ٣.
(٢) تفسير القمي ٢ / ١٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٨.
(٤) علل الشرائع / ٦، ح ١.
فقلت: أتقدم وأنت بحضرتي يا جبرئيل؟
قال: نعم، إنّ الله - عزّ وجلّ - فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلت أنت خاصّة. فدنوت وصلّيت بأهل السّماء الرّابعة.
[وفي كتاب الاحتجاج(١) ، للطّبرسيّ - رحمه الله - عن النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، وفيه قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن عليّ، أهو أفضل أم ملائكة الله المقرّبون؟
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وهل شرّفت الملائكة إلّا بحبّها لمحمّد وعليّ وقبولها لولايتهما؟ وإنّه لا أحد من محبيّ عليّعليهالسلام قد نظّف قلبه من قذر الغشّ والدّغل والغلّ(٢) ونجاسة(٣) الذّنوب إلّا كان أطهر وأفضل من الملائكة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى المفضّل بن عمر(٥) ، عن الصّادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السّلام - عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : لـمّا أسري بي إلى السّماء أوحى إليّ ربّي - جلّ جلاله - فقال: يا محمّد، إنّي اطلعت إلى(٦) الأرض اطّلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيّا وشققت لك من اسمي اسما. فأنا المحمود وأنت محمّد. ثمّ اطّلعت الثّانية. فاخترت منها عليّا. وجعلته وصيّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذرّيّتك.
وشققت له اسما من أسمائي. فأنا العليّ الأعلى وهو عليّ. وخلقت فاطمة والحسن والحسين من نور كما. ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة. فمن قبلها كان عندي من المقرّبين.
والحديث طويل، أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أمالي الصّدوق(٧) ، بإسناده إلى النّبيّصلىاللهعليهوآله حديث طويل، يذكر فيه فاطمة - عليها السّلام - وفيه: فإنّها تقوم(٨) في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٦٢.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: نجاسات.
(٤) كمال الدين وتمام النعمة / ٢٥٢، صدر حديث ٢.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فضل بن عمر.
(٦) المصدر: على.
(٧) أمالي الصدوق / ٣٩٤، ضمن حديث ١٨، وأوله في ص ٣٩٣.
(٨) المصدر: وإنّها لتقوم.
ملك من الملائكة المقرّبين، وينادونها بما نادت به الملائكة مريم](١) .
( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ ) : يترفّع عنها.
والاستكبار، دون الاستنكاف. وإنّما يستعمل حيث لا استحقاق، بخلاف التّكبر فإنّه قد يكون باستحقاق، كما هو في الله - سبحانه -
( فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) (١٧٢): المستنكف والمستكبر والمقرّ بالعبوديّة، فيجازيهم على حسب أحوالهم.
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) (١٧٣): تفصيل للمجازاة، المدلول عليها من فحوى الكلام. وكأنّه قال: فسيحشرهم إليه جميعا يوم يحشر العباد للمجازاة. أو لمجازاة المستنكف والمستكبر.
فإنّ إثابة مقابليهم والإحسان إليهم تعذيب لهم بالغمّ والحسرة.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) (١٧٤) :
قيل(٢) : المراد بالبرهان، المعجزات، وبالنّور، القرآن، أي: جاءكم دلائل العقل وشواهد النّقل، ولم يبق لكم عذر ولا علّة.
وقيل: البرهان، رسول الله، والنّور، القرآن.
وفي مجمع البيان(٣) ، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : النّور، ولاية عليّعليهالسلام
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ) : ثواب مستحقّ.
( وَفَضْلٍ ) : وإحسان زائد عليه.
( وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ) : إلى الله. أو الموعود من الرّحمة والفضل.
( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) (١٧٥): قد مرّ تحقيق معنى الصّراط في سورة الفاتحة.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عبد الله بن سليمان قال: قلت لأبي عبد الله
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٩.
(٣) مجمع البيان ٢ / ١٤٧.
(٤) تفسير العياشي ١ / ٢٨٥، ح ٣٠٨.
ـ عليه السّلام - : قوله:( قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ ) (الآية) قال: البرهان، محمّدصلىاللهعليهوآله والنّور، عليّعليهالسلام
قال: قلت له:( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) .
قال: الصّراط المستقيم، عليٌّعليهالسلام
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : النّور، إمامة أمير المؤمنين. والاعتصام، التّمسّك بولايته وولاية الأئمّة بعده.
( يَسْتَفْتُونَكَ ) ، أي: في الكلالة. حذفت لدلالة الجواب عليه.
نقل: أنّ جابر بن عبد الله كان مريضا. فعاوده رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، إنّ لي كلالة، فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت(٢) .
وروي في مجمع البيان(٣) ما يقرب من ذلك.
( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) : معنى تفسيرها في أوائل السّورة.
[وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن جميل بن درّاج، عن زرارة قال: إذا ترك الرّجل أمّه أو أباه أو ابنه أو ابنته فإذا ترك واحدا من الأربعة، فليس بالّذي عنى الله في كتابه:( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) .
عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد(٥) ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب وعبد الله بن بكير، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إذا ترك الرّجل أباه أو أمّه أو ابنه أو ابنته إذا ترك واحدا من هؤلاء الأربعة، فليس هم الّذين عنى الله:( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) ](٦) .
( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ) : ارتفع «امرؤ» بفعل يفسّره الظّاهر. وليس «له ولد» صفة له، أو حال من المستكنّ في «هلك». و
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ١٥٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٢٥٩ وجوامع الجامع / ١٠٣.
(٣) مجمع البيان ٢ / ١٤٩.
(٤) الكافي ٧ / ٨٣، ذيل حديث ١، وأوّله في ص ٨٢.
(٥) نفس المصدر ٧ / ٩٩، ح ١.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في أ.
«الواو» في «له» يحتمل الحال والعطف، أي: أخت لأب وأمّ. أو أخت لأب. كذا عن الصّادقعليهالسلام (١) فللأخت نصف ما ترك الميّت بالفرض، والباقي يردّ عليها - أيضا -
( وَهُوَ يَرِثُها ) ، أي: المرء يرث أخته جميع مالها، إن كانت الأخت هي الميّتة.
( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) : ولا والد. لأنّ الكلام في ميراث الكلالة، ولأنّ السّنّة دلّت على أنّ الإخوة لا يرثون مع الأب. كما تواتر عن أهل البيت - عليهم السّلام -
( فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ ) : الضّمير لمن يرث بالأخوّة. وتثنيته محمولة على المعنى.
وفائدة الأخبار باثنتين، التّنبيه على أنّ الحكم باعتبار العدد دون الصّغر والكبر وغيرهما.
( فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) : فيه تغليب وأصله: إن كانوا إخوة وأخوات. فغلّب المذكّر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن بكير، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: إذا مات الرّجل وله أخت تأخذ نصف الميراث بالآية، كما تأخذ البنت لو كانت والنّصف الآخر يردّ عليها بالرّحم إذا لم يكن للميّت وارث أقرب منها. فإن كان موضع الأخت أخ أخذ الميراث كلّه بالآية لقول الله - تعالى - :( وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) . فإن كانتا أختين أخذتا الثّلثين بالآية، والثّلث الباقي بالرّحم. وإن كانوا إخوة رجالا ونساء( فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) . وذلك كلّه إذا لم يكن للميّت ولد أو أبوان أو زوجة.
[وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن عيسى، عن يونس، عن عمر بن أذينة، عن بكير قال: جاء رجل إلى أبي جعفرعليهالسلام فسأله عن امرأة تركت زوجها وإخوتها لأمّها وأختها لأبيها.
فقال: للزّوج النّصف ثلاثة أسهم، وللإخوة من الأمّ الثّلث سهمان، وللأخت من الأب السّدس سهم.
فقال له الرّجل: فإنّ فرائض زيد وفرائض العامّة والقضاة(٤) على غير ذلك يا أبا جعفر، يقولون: للأخت من الأب ثلاثة أسهم تصير من ستّة وتعول إلى ثمانية.
__________________
(١) ر. الكافي ٧ / ١٠١ - ١٠٢، ضمن حديث ٣.
(٢) تفسير القمي ١ / ١٥٩.
(٣) الكافي ٧ / ١٠٢ - ١٠٣، ح ٤.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: القضاء.
فقال أبو جعفرعليهالسلام : فلم قالوا ذلك؟
قال: لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ) .
فقال أبو جعفرعليهالسلام : فإن كانت الأخت أخا؟
قال: فليس له إلّا السّدس.
فقال له أبو جعفرعليهالسلام : فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجّون للأخت النّصف بأنّ الله سمّى لها النّصف، فإنّ الله قد سمّى للأخ الكلّ. والكلّ أكثر من النّصف لأنّه قال - عزّ وجلّ - :( فَلَهَا النِّصْفُ ) وقال للأخ( وَهُوَ يَرِثُها ) ، يعني: جميع مالها( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) فلا تعطون الّذي جعل الله له الجميع في بعض فرائضكم شيئا، وتعطون الّذي جعل الله له النّصف تاما.
فقال له الرّجل: أصلحك الله، فكيف يعطى(١) الأخت النّصف ولا يعطى(٢) الذّكر لو كانت هي ذكرا شيئا؟
فقال: يقولون(٣) في أمّ وزوج وإخوة لأمّ وأخت لأب، فيعطون(٤) الزّوج النّصف والأمّ السّدس والإخوة من الأمّ الثّلث والأخت من الأب النّصف ثلاثة، فيجعلونها من تسعة وهي من ستّة، فترتفع إلى تسعة.
قال: وكذلك يقولون(٥) فإن كانت الأخت ذكرا أخا لأب.(٦) قال: ليس له شيء.
فقال الرّجل لأبي جعفرعليهالسلام : فما تقول أنت - جعلت فداك(٧) - ؟
فقال: ليس للإخوة من الأب والأمّ ولا للإخوة(٨) من الأمّ ولا الإخوة من الأب مع الأمّ شيء(٩) .
قال عمر بن أذينة: وسمعته من محمّد بن مسلم يرويه مثل ما ذكر من(١٠) بكير
__________________
(١) المصدر: نعطي.
(٢) المصدر: لا نعطي.
(٣) المصدر: قال تقولون.
(٤) المصدر: يعطون.
(٥) المصدر: تقولون.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأب.
(٧) المصدر: «جعلني الله فداك فما تقول أنت» بدل «فما تقول أنت جعلت فداك».
(٨) المصدر: الاخوة.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأبّ.
(١٠) ليس في المصدر.
المعنى سواء، ولست أحفظه بحروفه وتفصيله إلّا معناه. قال فذكرت ذلك لزرارة.
فقال: صدقا هو والله الحقّ.
محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان(١) ، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن بكير، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: سأله رجل عن أختين وزوج.
فقال: النّصف والنّصف.
فقال الرّجل: أصلحك الله، قد سمّى الله لهما أكثر من هذا، لهما(٢) الثّلثان.
فقال: ما تقول في أخ وزوج؟
فقال: النّصف والنّصف.
فقال: أليس الله قد سمّى له(٣) المال فقال:( وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) ؟
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد(٤) ، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الله بن المغيرة(٥) ، عن موسى بن بكر قال: قلت لزرارة: إنّ بكير حدّثني، عن أبي جعفرعليهالسلام أنّ الإخوة للأب والأخوات للأب والأمّ يزادون وينقصون لأنّهنّ لا يكنّ أكثر نصيبا من الإخوة والأخوات للأب والأمّ لو كانوا مكانهنّ، لأنّ الله - عزّ وجلّ - يقول:( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) يقول: يرث جميع مالها إن لم يكن لها ولد، فأعطوا من سمّى الله له النّصف كملا، وعمدوا فأعطوا الّذي سمّى الله له المال كلّه أقلّ من النّصف، والمرأة لا تكون أبدا أكثر نصيبا من الرّجل(٦) لو كان مكانها.
قال: فقال زرارة: وهذا قائم عند أصحابنا لا يختلفون فيه.
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ١٠٣، ح ٦.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «مع الله» بدل «من هذا لهما».
(٣) المصدر: «قد سمّى الله» بدل «الله قد سمّى له».
(٤) نفس المصدر ٧ / ١٠٤، ح ٧.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «عبيد الله بن المغيرة». وهي خطأ. لأنّه عدّه من أصحاب السجادعليهالسلام وبطلان روايته عن موسى بن بكر الّذي هو من أصحاب الباقر أو الصادق أو الكاظم - عليهم السّلام - واضح. ر، تنقيح المقال ٢ / ٢٤١، رقم ٧٦٤١ و ٣ / ٢٥٣ - ٢٥٤ رقمين ١٢٢٢٤ و ١٢٢٢٥. وأما بالنسبة إلى «عبد الله بن المغيرة» راجع نفس المصدر ٢ / ٢١٨، رقمين ٧٠٨٣ و ٧٠٨٤.
(٦) المصدر: رجل.
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه(١) ، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن عيسى، عن يونس جميعا، عن عمر بن أذينة، عن بكير بن أعين، عن أبي عبد اللهعليهالسلام وذكر حديثا طويلا يقولعليهالسلام في آخره: وفي آخر سورة النّساء( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ) ، يعني: أختا(٢) لأب وأمّ. أو أختا(٣) لأب( فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وهم الّذين يزادون وينقصون].(٤)
( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) ، أي: يبيّن لكم ضلالكم الّذي من شأنكم إذا خليتم وطبائعكم، لتحترزوا عنه وتتحرّوا خلافه. أو يبيّن لكم الحقّ والصّواب، كراهة أن تضلّوا.
وقال الكوفيّون(٥) : لئلّا تضلّوا. فحذف «لا».
( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (١٧٦): فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات.
قيل(٦) . هي آخر آية نزلت في الأحكام.
__________________
(١) نفس المصدر ٧ / ١٠١ - ١٠٢، ضمن حديث ٣.
(٢ و ٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أخت.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في أ. وفيه بدل ما نقل: ومضمون هذا الخبر [يعني به خبر الذي نقل عن تفسير القمي ١ / ١٥٩] مرويّ في كثير من الأخبار المعصوميّة المرويّة في الكافي [٧ / ١٠٥] وغيره.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٢٦٠.
(٦) مجمع البيان ٢ / ١٤٩، عن البراء بن عازب