ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
الفهرس
الفهرس ٧
كلمة المحقّق ٨
تفسير ١٨
سورة الأعراف ١٨
سورة الأعراف ٢٠
تفسير سورة الانفال ٢٩٩
سورة الأنفال ٣٠١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* ٣٠١
تفسير سورة البراءة ٤٢٣
سورة البراءة ٤٢٥
كلمة المحقّق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله ربّ العالمين والصّلواة والسّلام على نبينّا وآله الطيبّين الطاهرين ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين واللّعنة الدّائمة على أعدائه وأعدائهم أجمعين.
النسخ التي استفندنا عنها في تحقيق الربع الثاني من تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب (من أوّل سورة الأنعام إلى آخر سورة الكهف) :
١ ـ نسخة مكتوبة في حياة المؤلّف سنة ١١٠٥ هـ. ق في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي العامّة قم، رقم ١٢٨٣ مذكورة في فهرسها ١/٣٥٠، (رمز ب).
٣ ـ نسخة في مكتبة، مدرسة الشهيد المطهري، رقم ٢٠٥٤، مذكورة في فهرسها ١/١٦٢، مكتوبة في سنة ١٢٤٠ هـ. ق. (رمز س).
٤ ـ نسخة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي (١)، رقم ١٢٠٧٣، مكتوبة في حياة المؤلّف وعلى ظهرها تفريض العلّامة المجلسي ـ رحمة الله تعالى عليه ـ. (رمز ر).
والحمدلله أوّلاً وآخراً
تفسير
سورة الأعراف
سورة الأعراف
قيل(١) : مكّيّة إلّا ثمان آيات من قوله ـ تعالى ـ:( وَسْئَلْهُمْ ) (٢) إلى قوله ـ تعالى ـ:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ ) (٣) .
وقيل(٤) : وكلّها محكم.
وقيل(٥) : إلّا قوله:( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (٦) .
وآيها مائتان وخمس [أو ست](٧) آيات.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(٨) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام: من قرأ سورة الأعراف في كلّ شهر، كان يوم القيامة من الّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن قرأها في كلّ جمعة، كان ممّن لا يحاسب يوم القيامة. أمّا إنّ فيها محكما فلا تدعوا قراءتها، فإنّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها.
وفي مصباح الكفعميّ(٩) : عنه ـ صلّى الله عليه وآله: من قرأها، جعل الله بينه وبين إبليس سترا(١٠) . وكان آدم ـ عليه السّلام ـ شفيعا له يوم القيامة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤١.
(٢) الأعراف / ١٦٣.
(٣) الأعراف / ١٧١.
(١ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤١.
(٦) الأعراف / ١٩٩.
(٧) من المصدر.
(٨) ثواب الأعمال / ١٣٢، ح ١.
(٩) مصباح الكفعمي / ٤٣٩.
(١٠) ب: سدا.
( المص ) (١): قد سبق الكلام في تأويله في أوّل سورة البقرة.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل: «والمص» معناه: أنا(٢) الله المقتدر الصّادق.
وبإسناده(٣) إلى سليمان بن الخضيب(٤) قال: حدّثني ثقة قال: حدّثني أبو(٥) جمعة(٦) [رحمة](٧) بن صدقة قال: أتى رجل من بني أميّة ـ وكان زنديقا ـ جعفر بن محمّد فقال له: قول الله عزّ وجلّ في كتابه:( المص ) . أيّ شيء أراد بهذا، وأيّ شيء فيه من الحلال والحرام، وأيّ شيء فيه ممّا ينتفع به النّاس؟
قال: فاغتاظ(٨) عليه السّلام من ذلك فقال: أمسك، ويحك، «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. كم معك؟
فقال الرّجل: مائة وإحدى وستّون(٩) .
فقال ـ عليه السّلام: إذا انقضت سنة إحدى وستّون(١٠) ومائة، ينقضي ملك أصحابك.
قال: فنظر، فلمّا انقضت إحدى وستّون(١١) ومائة يوم عاشوراء دخل المسوّدة(١٢) الكوفة وذهب ملكهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١٣) خيثمة الجعفي(١٤) ، عن أبي لبيد(١٥) المخزوميّ قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام: يا أبا لبيد، إنّه يملك من ولد عبّاس إثنا عشر. ويقتل بعد الثّامن منهم أربعة، فتصيب أحدهم الذّبيحة(١٦) ، هم فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدّتهم، خبيثة
__________________
(١) المعاني / ٢٢، ضمن ح ١.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: أنّ.
(٣) نفس المصدر / ٢٨، ح ٥.
(٤) المصدر: الخصيب. ب: الخضب.
(٥) ب، ر: أبي.
(٦) ب: حميدة.
(٧) من المصدر.
(٨) ب: فاغتلظ.
(٩) المصدر: أحد وثلاثون ومائة.
(١ و ١١) ـ المصدر: ثلاثين.
(١٢) المسوّدة، أي: لابسي سواد. والمراد أصحاب الدّعوة العباسيّة. لأنّهم كانوا يلبسون ثيابا سوداء.
(١٣) تفسير العياشي ٢ / ٣، ح ٣.
(١٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٢٩٩. وفي النسخ: الجعفريّ.
(١٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: «حدثني أبو وليد» بدل «عن أبي لبيد».
(١٦) المصدر: «الذبحة فتذبحه» بدل «الذبيحة».
سيرتهم. منهم الفويسق(١) الملقّب بالهادي والنّاطق والغاوي(٢) والمعادي.
يا أبا لبيد، إنّ لي في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا. إنّ الله تبارك وتعالى أنزل «الم، ذلك الكتاب» فقام محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. حتّى ظهر نوره وثبتت كلمته وولد يوم ولد، وقد مضى من الألف السّابع مائة سنة وثلاث سنين.
ثمّ قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطّعة إذا أعددتها(٣) من غير تكرار.
وليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا وقائم من بني هاشم عند انقضائه.
ثمّ قال: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون. فذلك مائة وإحدى وستّون. ثمّ كان بدء(٤) خروج الحسين ـ عليه السّلام ـ «الم، الله». فلمّا بلغت مدّته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». ويقوم قائمنا عند انقضائها [«بالر»](٥) . فافهم ذلك وعه(٦) واكتمه(٧) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ حيّ(٩) بن أخطب وأبا ياسر بن أخطب ونفرا من اليهود من أهل نجران أتوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقالوا له: أليس تذكر فيما أنزل إليك «الم»؟
قال: بلى.
قالوا: أتاك(١٠) بها جبرئيل من عند الله؟
قال: نعم.
قالوا: لقد بعث أنبياء قبلك، ما نعلم نبيّا منهم أخبرنا(١١) مدّة ملكه وما أحلّ الله(١٢) غيرك.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: الغويسق.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: المعادي.
(٣) المصدر: عدّدتها.
(٤) كذا في المصدر، وفي ب: عدد. وفي سائر النسخ: مدد.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر، وفي ب: واعلم وفي سائر النسخ: وعد.
(٧) كذا في المصدر وفي ر: والتمس. وفي سائر النسخ: واكتم.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٢٢٣.
(٩) كذا في المصدر، وفي النسخ: يحيى.
(١٠) كذا في المصدر، وفي النسخ: أتى.
(١١) المصدر: «أخبر ما» بدل «أخبرنا».
(١٢) المصدر: «ما أكل أمّته» بدل «ما أحلّ الله».
قال: فأقبل حيّ(١) بن أخطب على أصحابه فقال لهم: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة. فعجّب ممّن يدخل في دين مدّة ملكه وأجل(٢) أمّته إحدى وسبعون سنة! قال: ثمّ أقبل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال له: يا محمّد، هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «المص».
قال: إنّها أثقل وأطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون، فهذه مائة وإحدى وستّون سنة.
ثمّ قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «الر».
قال: هذا أثقل وأطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الرّاء» مائتان. فهل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قال: هاته.
قال: «المر».
قال: هذا أثقل وأطول. «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الرّاء» مائتان.
ثمّ قال: هل مع هذا غيره؟
قال: نعم.
قالوا: قد التبس علينا أمرك، فما ندري ما أعطيت. ثمّ قاموا عنه.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: يحيى.
(٢) المصدر: أكل.
ثمّ قال أبو ياسر لحيّ(١) أخيه: وما يدريك لعلّ محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد جمع هذا كلّه وأكثر منه.
فقال أبو جعفر ـ صلوات الله عليه ـ: إنّ هذه الآيات أنزلت فيهم «منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات». وهي تجري في وجوه أخر على غير ما تأوّل(٢) به حيّ(٣) وأبو ياسر وأصحابه.
( كِتابٌ ) : خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب. أو خبر «المص». والمراد به، السّورة أو القرآن.
( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) : صفة.
( فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) ، أي: شكّ، فإنّ الشّكّ حرج الصّدر. أو ضيق قلب من تبليغه، مخافة أن تكذّب فيه أو تقصّر في القيام بحقّه.
وتوجيه النّهي إليه، للمبالغة، كقولهم: لا أرينّك ها هنا.
و «الفاء» تحتمل العطف والجواب، فكأنّه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به، فلا يحرج صدرك.
وفي مجمع البيان(٤) : وقد روي في الخبر: أنّ الله ـ تعالى ـ لـمـّـا أنزل القرآن إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إنّي أخشى أن يكذّبني النّاس ويقطعوا(٥) رأسي، فيتركوه كالجزّة(٦) . فأزال الله ـ تعالى ـ الخوف عنه.
( لِتُنْذِرَ بِهِ ) : متعلّق «بأنزل إليك»، أو بـــ«لا يكن». لأنّه إذا أيقن أنّه من عند الله، جسر على الإنذار. وكذا إذا لم يخف منهم، أو علم أنّه موفّق للقيام بتبليغه.
( وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٢): يحتمل النّصب بإضمار فعلها، أي: لتنذر به وتذكّر ذكرى. فإنّها بمعنى التّذكير.
والجرّ، عطفا على محلّ «تنذر».
والرّفع، عطفا على «كتاب»، أو خبرا لمحذوف.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: ليحيى.
(٢) من بداية تفسير سورة الأنعام إلى هنا لا يوجد في نسخة «أ».
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: يحيى.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٣٩٥.
(٥) المصدر: يثلغوا. ثلغ رأسه: شدخه وكسره.
(٦) المصدر: كالخبزة.
( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) : يعمّ القرآن والسّنّة، لقوله ـ تعالى ـ:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) .
( وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) : يضلّونكم(١) من الجنّ والإنس.
وقيل(٢) : الضّمير في «من دونه» «لما أنزل»، أي: ولا تتّبعوا من دون دين الله دين أولياء.
وقرئ(٣) : «ولا تبتغوا(٤) ».
( قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) (٣)، أي: تذكّرا(٥) قليلا. أو زمانا قليلا تذكّرون، حيث تتركون دين الله وتتّبعون غيره.
و «ما» مزيدة لتأكيد القلّة. وإن جعلت مصدريّة، لم ينتصب «قليلا» «بتذكّرون».
وقرأ(٦) حمزة والكسائيّ وحفص، عن عاصم: «تذكّرون» بحذف التّاء. وابن عامر «يتذكّرون» بالياء، على أنّ الخطاب بعد مع النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في خطبة: قال الله:( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) . ففي اتّباع ما جاءكم من الله الفوز العظيم، وفي تركه الخطأ المبين.
( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ) : وكثيرا من القرى.
( أَهْلَكْناها ) : أردنا إهلاك أهلها. أو أهلكناها بالخذلان.
( فَجاءَها ) : فجاء أهلها.
( بَأْسُنا ) : عذابنا.
( بَياتاً ) : بائتين، كقوم لوط. مصدر وقع موقع الحال.
( أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) (٤): عطف عليه، أي: قائلين نصف النّهار، كقوم شعيب.
وإنّما حذفت «واو» الحال استثقالا، لاجتماع حرفي عطف. فإنّها «واو»
__________________
(١) ب: يضلّوكم.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤١.
(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولا تتبعوا.
(٥) ب: تذكّروا.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٤١.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٩، ح ٤.
عطف استعيرت للوصل، لا اكتفاء بالضّمير فإنّه غير فصيح.
وفي التّعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم عن العذاب، ولذلك خصّ الوقتين.
ولأنّهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.
( فَما كانَ دَعْواهُمْ ) ، أي: دعاؤهم واستغاثتهم. أو ما كانوا يدّعونه من دينهم.
( إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) (٥): إلّا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسّرا عليه.
( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) : عن قبول الرّسالة وإجابتهم الرّسل.
( وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) (٦): عن تأدية ما حمّلوا من الرّسالة. والمراد من هذا السّؤال، توبيخ الكفرة وتقريعهم.
والمنفيّ في قوله:( وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) سؤال الاستعلام. أو الأوّل في موقف الحساب، وهذا عند حصولهم على العقوبة.
في كتاب الاحتياج(١) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث: فيقام الرّسل، فيسألون عن تأدية الرّسالات(٢) الّتي حملوها إلى أممهم. [فيخبرون أنّهم قد أدّوا ذلك إلى أممهم](٣) . وتسأل الأمم، فيجحدون(٤) ، كما قال الله:( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) . (الحديث).
وقد مضى تمامه في سورة النّساء عند تفسير( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) (٥) .
( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ ) : على الرّسل، حين يقولون:( لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) . أو على الرّسل والمرسل إليهم ما كانوا عليهم.
( بِعِلْمٍ ) : عالمين بظاهرهم وبواطنهم. أو بمعلومنا منهم.
( وَما كُنَّا غائِبِينَ ) (٧): عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قوله:( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ )
__________________
(١) الإحتجاج ١ / ٣٦٠.
(٢) المصدر: الرسالة.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: فتجحد.
(٥) النساء / ٤١.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٢٤.
. قال: الأنبياء عمّا حمّلوا من الرّسالة.( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ) . قال: لم نغب عن أفعالهم.
( وَالْوَزْنُ ) ، أي: القضاء. أو وزن الأعمال، وهو مقابلتها بالجزاء.
والجمهور، على أنّ صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفّتان ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما هو يسألهم عن أعمالهم فتعترّف بها ألسنتهم ويشهد لها جوارحهم.
ويؤيّده ما روي: أنّ الرّجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعين سجّلا. كلّ سجّل مدّ البصر. فتخرج له بطاقة فيها كلمتا الشّهادة. فيوضع السّجلات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السّجلّات وثقلت البطاقة.
وقيل(١) : توزن الأشخاص، لما روي عنه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ليأتي العظيم السّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة.
( يَوْمَئِذٍ ) : خبر المبتدأ الّذي هو «الوزن».
( الْحَقُ ) : صفة، أو خبر مبتدأ محذوف. ومعناه: العدل السّويّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : المجازاة بالأعمال، إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ.
قال وهو قوله: «فمن ثقلت» (الآية).
( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) : حسناته، أو ما يوزن به حسناته. وجمعه، باعتبار اختلاف الموزونات وتعدّد الوزن. فهو جمع موزون، أو ميزان.
( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٨): الفائزون بالنّجاة والثّواب.
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بتضييع الفطرة السّليمة الّتي فطرت عليها، واقتراف ما عرّضها للعذاب.
( بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) (٩): فيكذّبون بدل التّصديق.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: بالأئمّة يجحدون.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: أو ليس توزن الأعمال؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٢.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٢٤.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٢٢٤
(٤) الاحتجاج ٢ / ٩٨ ـ ٩٩.
قال: لا. لأنّ الأعمال ليست أجساما، وإنّما هي صفة ما عملوا. وإنّما يحتاج إلى وزن الشّيء من جهل عدد الأشياء ولا يعرف ثقلها وخفّتها. وإنّ الله لا يخفى عليه شيء.
قيل: فما معنى الميزان؟
قال: العدل.
قيل: فما معناه في كتابه( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) ؟
قال: فمن رجح عمله.
قيل(١) : وسرّ ذلك، أنّ ميزان كلّ شيء هو المعيار الّذي به يعرف قدر ذلك الشّيء. فميزان النّاس يوم القيامة، ما يوزن به قدر كلّ إنسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله، لتجزى كلّ نفس بما كسبت. وليس ذلك إلّا الأنبياء والأوصياء، إذ بهم وباتّباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار النّاس وقدر حسناتهم وسيّئاتهم. فميزان كلّ أمّة، هو(٢) نبيّ تلك الأمّة ووصيّ نبيّها والشّريعة الّتي أتى بها. فمن ثقلت حسناته وكثرت( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٣) فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) بظلمهم عليها من جهة تكذيبهم للأنبياء والأوصياء وعدم اتّباعهم.
وفي الكافي(٤) ، وفي معاني الأخبار(٥) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) .
قال: هم الأنبياء والأوصياء.
وفي رواية أخرى(٦) : نحن الموازين القسط.
وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: فإذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب، فانظر في قصد معناك وغور دعواك وعيّرهما(٨) بقسطاس من الله ـ عزّ وجلّ ـ، كأنّك في القيامة. قال الله ـ تعالى ـ:( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُ ) . فإذا اعتدل
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ١٨١.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: هي.
(٣) المصدر: «وقلّت» بدل «موازينه».
(٤) الكافي ١ / ٤١٩، ح ٣٦.
(٥) المعاني / ٣١ ـ ٣٢، ح ١.
(٦) تفسير الصّافي ٢ / ١٨٢.
(٧) مصباح الشريعة / ٤١٠.
(٨) كذا في المصدر. وفي ب: عيّر. وفي سائر النسخ: عيّرهما.
معناك بدعواك، ثبت لك الصّدق.
وفي كتاب الخصال(١) : عن محمّد بن موسى(٢) قال: سمعت [أبا عبد الله(٣) ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الخير ثقل على أهل الدّنيا على قدر ثقله في موازينهم يوم القيامة، وإنّ الشّرّ خفّ على أهل الدّنيا على قدر خفّته في موازينهم يوم القيامة.
عن أبي مسلم(٤) راعي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٥) يقول: خمس ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفّى لمسلم فيصبر ويحتسب.
( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ) ، أي: مكّنّاكم من سكناها وزرعها والتّصرّف فيها.
( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) : أسبابا تعيشون بها. جمع، معيشة.
وعن نافع(٦) ، أنّه همّزه تشبيها بما «الياء» فيه زائدة، كصحائف.
( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) (١٠): فيما صنعت إليكم.
( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ) :
قيل(٧) : أي: خلقنا أباكم آدم ـ عليه السّلام ـ طينا غير مصوّر، ثمّ صوّرناه. نزّل خلقه وتصويره، منزلة خلق الكلّ وتصويره. أو ابتدأنا خلقكم ثمّ تصويركم، بأن خلقنا آدم ـ عليه السّلام ـ ثمّ صوّرناه.
والحامل على هذا التّخصيص قوله: «ثمّ قلنا» (الخ). ولا حاجة إليه، إذ يمكن أن يكون كلّمه.
«ثمّ» لتأخير الإخبار.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) :( خَلَقْناكُمْ ) ، أي: في أصلاب الرّجال.
و( صَوَّرْناكُمْ ) ، أي: في أرحام النّساء.
ثمّ قال: وصوّر ابن مريم في الرّحم دون الصّلب، وإن كان مخلوقا في أصلاب
__________________
(١) الخصال / ١٧، ح ٦١.
(٢) المصدر: محمد بن مسلم.
(٣) المصدر: أبا جعفر.
(٤) الخصال / ٢٦٧، ح ١. وفيه: أبي سالم.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في «ب».
(١ و ٧) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٢.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٢٢٤.
الأنبياء، ورفع وعليه مدرعة من صوف.
حدّثنا(١) أحمد بن محمّد عن جعفر بن عبد الله المحمّديّ قال: حدّثنا كثير بن عيّاش(٢) ، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أمّا( خَلَقْناكُمْ ) ، فنطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظما ثمّ لحما. وأمّا( صَوَّرْناكُمْ ) ، فالعين والأنف والأذنين والفم واليدين والرّجلين. صوّر هذا ونحوه، ثمّ جعل الدّميم(٣) والوسيم(٤) والجسيم(٥) والطّويل والقصير وأشباه هذا.
( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) (١١): ممّن سجد لآدم.
( قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) ، أي: أن تسجد.
و «لا» صلة مثلها في لئلّا يعلم، مؤكّدة معنى الفعل الّذي دخلت عليه، ومنبّهة على أنّ الموبّخ عليه ترك السّجود.
وقيل(٦) : الممنوع من الشّيء مضطرّ إلى خلافه، فكأنّه قيل: ما اضطرّك إلى أن لا تسجد.
( إِذْ أَمَرْتُكَ ) : دليل على أنّ مطلق الأمر للوجوب والفور.
( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) : جواب من حيث المعنى استأنف به، استبعادا لأن يكون مثله مأمور بالسّجدة، كأنّه قال: المانع أنّي خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الّذي سن القياس أوّلا، وتبعه فيه غيره.
( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (١٢): تعليل لفضله(٧) تفضّله عليه. وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كلّه باعتبار العنصر، وغفل مّا يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله ـ تعالى ـ:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) بغير واسطة. وباعتبار الصّورة، كما نبّه بقوله ـ تعالى ـ:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) . وباعتبار
__________________
(١) نفس المصدر، والموضع.
(٢) كذا في المصدر، وجامع الرواة ٢ / ٢٧. وفي النسخ: كثير بن عبّاس.
(٣) الدميم: القبيح المنظر، والوسيم خلافه.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الدسيم.
(٥) ليس في المصدر: والجسيم.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
(٧) كذا في ب، أ، ر. وفي سائر النسخ: «تفضّله» بدل «لفضله».
الغاية، وهو ملاكه. ولذلك أمر الملائكة بسجوده له لما بيّن لهم أنّه أعلم منهم، وأنّ له خواصّ ليست لغيره.
وقيل(١) : الآية دليل الكون والفساد، وأنّ الشّياطين أجسام كائنة. وفيه نظر، لأنّها إنّما تدلّ على الكون والفساد لو كان حدوث المركّبات بزوال صور البسائط، وليس كذلك، كما حقّق في موضعه. ولعلّ إضافة خلق الإنسان إلى الطّين والشّيطان إلى النّار، باعتبار الجزء الغالب.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن [الحسن بن](٣) عليّ بن يقطين، عن الحسين بن ميّاح(٤) ، عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ إبليس قاس نفسه بآدم فقال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) . فلو قاس الجوهر الّذي خلق الله منه آدم ـ عليه السّلام ـ بالنّار، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النّار.
وبإسناده(٥) إلى داود بن فرقد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الملائكة كانوا يحسبون أنّ إبليس منهم، وكان في علم الله أنّه ليس منهم. فاستخرج ما في نفسه من الحميّة فقال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى جعفر بن محمّد بن عمارة(٧) القرشيّ رفع الحديث قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقال له: يا أبا حنيفة، بلغني أنّك تقيس. قال: نعم، أنا أقيس.
قال: لا تقس، فإنّ أوّل من قاس إبليس حين قال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) . فقاس ما بين النّار والطّين. ولو قاس نوريّة آدم ـ عليه السّلام ـ بنوريّة النّار ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
(٢) الكافي ١ / ٥٨، ح ١٨.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٢٥٧.
وفي النسخ: «صباح» بدل «مياح». وفي «ب»: «الحسن» بدل «الحسين».
قال الأردبيلي في جامع الرواة: الظاهر أنّ الحسن مكبرا سهو لعدم وجوده في كتب الرجال ـ والله أعلم ـ.
(٥) الكافي ٢ / ٣٠٨، ح ٦.
(٦) العلل / ٨٦، ح ١.
(٧) المصدر: «عيسى بن عبد الله» بدل «جعفر بن محمد بن عمارة».
من(١) عرف الفضل ما بين النّورين وصفاء أحدهما على الآخر. ولكن قس لي رأسك(٢) ، أخبرني عن أذنيك ما لهما مرّتان؟
قال: لا أدري.
قال: فأنت لا تحسن أن تقيس رأسك، [فكيف](٣) تقيس الحلال والحرام.
قال: يا ابن رسول الله، أخبرني ما هو؟
قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ جعل الأذنين مرّتين لئلّا يدخلهما شيء إلّا مات، ولولا ذلك لقتل ابن آدم الهوامّ. وجعل الشّفتين عذبتين(٤) ليجد ابن آدم طعم الحلو والمرّ. وجعل العينين مالحتين لأنّهما شحمتان، ولولا ملوحتهما لذابتا. وجعل الأنف باردا سائلا لئلّا يدع في الرّأس داء إلّا أخرجه، ولولا ذلك لثقل الدّماغ وتدوّد.
وبإسناده(٥) إلى ابن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ فقال لأبي حنيفة: اتّق الله ولا تقس الدّين برأيك، فإنّ أوّل من قاس إبليس.
أمره الله ـ عزّ وجلّ ـ بالسّجود لآدم، فقال:( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٦) إلى ابن أبي ليلى قال: دخلت أنا والنّعمان على جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ فرحّب بنا.
فقال: يا ابن أبي ليلى، من هذا الرّجل؟
قلت: جعلت فداك، هذا رجل من أهل الكوفة له رأي ونظر ونقاد.
قال: فلعلّه الّذي يقيس الأشياء برأيه. ثمّ قال: يا نعمان، إيّاك والقياس. فإنّ أبي حدّثني عن آبائه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من قاس شيئا في(٧) الدّين برأيه، قرنه الله مع إبليس في النّار فإنّه أوّل من قاس حين قال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: «ما سألت» بدل «رأسك».
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: عند تبيين.
(٥) العلل / ٨٦، صدر ح ٢.
(٦) نفس المصدر / ٨٨ ـ ٨٩، ح ٤.
(٧) المصدر: من.
وبإسناده(١) إلى أبي زهير(٢) شيب بن أنس(٣) ، عن بعض أصحاب(٤) أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، إذا ورد(٥) عليك شيء ليس في كتاب الله ولم تأت به الآثار والسّنّة، كيف تصنع؟
قال: أصلحك الله، أقيس وأعمل فيه برأيي.
قال: يا أبا حنيفة، إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا ـ تبارك وتعالى ـ فقال:( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) .
فسكت أبو حنيفة.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٦) إلى جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول ـ عليه السّلام ـ في آخره: إنّ أمر الله ـ تعالى ذكره ـ لا يحمل على المقاييس. ومن حمل أمر الله على المقاييس، هلك وأهلك. إنّ أوّل معصية ظهرت، الأنانيّة من إبليس اللّعين حين أمر الله ملائكته بالسّجود لآدم فسجدوا وأبي [إبليس](٧) اللّعين أن يسجد. فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) . فكان أوّل كفره قوله:( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) ثم قياسه بقوله:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) .](٨) . فطرده الله ـ عزّ وجلّ ـ عن جواره ولعنه وسمّاه رجيما. وأقسم بعزّته لا يقيس أحد في دينه، إلّا قرنه مع عدوّه إبليس في أسفل درك من النّار.
أبي(٩) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، [عن أحمد بن محمد](١٠) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ القبضة الّتي قبضها الله من الطّين الّذي خلق منه آدم ـ عليه السّلام ـ أرسل إليها جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أن يقبضها.
__________________
(١) العلل / ٩٠، ضمن ح ٥.
(٢) ب: ابن أبي زهير.
(٣) المصدر: أبي زهير بن شبيب بن أنس.
(٤) المصدر: عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله
(٥) ب: أورد.
(٦) العلل / ٦٢، ضمن ح ١.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: «الآية» بدل ما بين المعقوفتين.
(٩) العلل / ٥٧٩، ح ٩.
(١٠) من المصدر.
فقالت الأرض: أعوذ بالله أن تأخذ منّي شيئا.
فرجع إلى ربّه، فقال: يا ربّ، تعوّذت بك منّي.
فأرسل إليها إسرافيل، فقالت له مثل ذلك.
فأرسل إليها ميكائيل، فقالت له مثل ذلك.
فأرسل إليها ملك(١) الموت، فتعوّذت بالله منه أن يسبي(٢) منها شيئا.
فقال ملك الموت: وأنا أعوذ بالله أن أرجع إليه حتّى أقبض منك.
قال: وإنّما سمّي آدم: آدم، لأنّه خلق من أديم الأرض.
وبإسناده(٣) إلى [عبد الله بن](٤) يزيد بن سلام، أنّه سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: آدم خلق من الطّين كلّه أو من طين واحد؟
فقال: بل من الطين كلّه. ولو خلق من طين واحد، لما عرف النّاس بعضهم بعضا وكانوا على صورة واحدة.
قال: فلهم في الدّنيا مثل؟
قال(٥) : التّراب فيه أبيض، وفيه أخضر، وفيه أشقر، وفيه أغبر، وفيه أحمر، وفيه أزرق، وفيه عذب، وفيه ملح، وفيه خشن، وفيه ليّن، وفيه أصهب. فلذلك صار النّاس فيهم ليّن، وفيهم خشن، وفيهم أبيض، وفيهم أصفر وأحمر وأصهب وأسود على ألوان التّراب.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسن بن زيد(٧) ، عن الحسن(٨) بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمـّـا أراد أن يخلق آدم ـ عليه السّلام ـ بعث جبرئيل ـ عليه السّلام ـ في أوّل ساعة من يوم الجمعة. فقبض بيمينه قبضة [بلغت قبضته](٩) من السّماء السّابعة إلى
__________________
(١) كذا في أ، ب، ر، المصدر. وفي غيرها ملكوت.
(٢) المصدر: يأخذ.
(٣) العلل / ٤٧١، ضمن ح ٣٣.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: «ألوان» بدل «قال».
(٦) الكافي ٢ / ٥، صدر ح ٧.
(٧) بعض نسخ المصدر: الحسن بن يزيد. قال الأردبيلي في جامع الرواة ١ / ٢٠١: الظاهر أنّ ابن يزيد فيه اشتباه لعدم وجوده في كتب الرجال.
(٨) كذا في أ، ب، ر، المصدر، وجامع الرواة ١ / ٢٠٨. وفي غيرها: الحسين.
(٩) من المصدر.
السّماء الدّنيا وأخذ من كلّ سماء تربة، وقبض قبضة أخرى من الأرض السّابعة العليا إلى الأرض السّابعة القصوى.
فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ كلمته(١) ، فأمسك القبضة الأولى بيمينه والقبضة الأخرى بشماله. ففلق الطّين فلقتين، فذرا من الأرض ذروا(٢) ومن السّموات ذروا. فقال للّذي بيمينه: منك الرّسل والأنبياء والأوصياء والصّدّيقون والمؤمنون والسّعداء ومن أريد كرامته، فوجب لهم ما قال كما قال. وقال للّذي بشماله: منك الجبّارون والمشركون والكافرون والطّواغيت ومن أريد هوانه وشقوته، فوجب لهم ما قال كما قال. ثمّ أنّ الطّينتين خلطتا جميعا.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، عنه ـ عليه السّلام ـ: كذب إبليس [لعنه الله يا إسحاق](٤) ما خلقه الله [إلّا](٥) من طين. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً ) (٦) قد خلقه الله من تلك النّار، و [النار](٧) من تلك الشّجرة، والشّجرة أصلها من طين.
( قالَ فَاهْبِطْ مِنْها ) : من السّماء، أو الجنّة، أو من المنزلة الّتي أنت عليها.
( فَما يَكُونُ لَكَ ) : فما يصحّ.
( أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ) : وتعصي، فإنّها مكان الخاشع المطيع. وفيه تنبيه على أنّ التّكبّر لا يليق بأهل الجنّة، وأنّه ـ تعالى ـ إنّما طرده وأهبطه لتكبّره لا لمجرّد عصيانه.
( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (١٣): ممن أهانه الله ـ تعالى ـ لتكبّره.
قال(٨) النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من تواضع لله، رفعه الله، ومن تكبّر، وضعه الله.
( قالَ أَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (١٤): أمهلني إلى يوم القيامة. فلا تمتني، ولا تعجّل عقوبتي.
( قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) (١٥): يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرا، لكنّه
__________________
(١) أ، ر: كلمة.
(٢) الذرو: الاذهاب والتفريق.
(٣) تفسير القمّي ٢ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
(١ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) يس / ٨٠.
(٧) من المصدر.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
محمول على ما جاء مقيّدا بقوله ـ تعالى ـ:( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) وهو النّفخة الأولى.
ويوم البعث والقيامة، هو النّفخة الثّانية.
في كتاب العلل(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: يموت إبليس ما بين النّفخة الأولى والثّانية.
وفي ـ تفسير العيّاشي(٢) : عنه ـ عليه السّلام ـ: أنظره(٣) إلى يوم يبعث فيه قائمنا.
وفي إسعافه إليه، ابتلاء للعباد وتعريضهم للثّواب بمخالفته.
( قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي ) ، أي: بعد أن أمهلتني لأجهدن(٤) في اغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب اغوائك إيّاي بواسطتهم، تسمية أو حملا على المعنى أو تكليفا بما غويت لأجله.
و «الباء» متعلّقة بفعل القسم المحذوف لا «بأقعدنّ»، فإن «اللّام» تصدّ عنه.
وقيل(٥) : «الباء» للقسم.
( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ) : ترصّدا بهم، كما يقعد القطّاع للسّابلة.
( صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) (١٦) :
قيل(٦) : طريق الإسلام. ونصبه على الظّرف، كقوله :
كما عسل الطّريق الثّعلب
وقيل(٧) : تقديره: على صراطك، كقولهم: ضرب زيد الظّهر والبطن.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: الصّراط هنا(٩) عليّ ـ عليه السّلام ـ.
وفي الكافي(١٠) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: يا زرارة، إنّما عمد(١١) لك ولأصحابك.
فأمّا الآخرون، فقد فرغ منهم.
__________________
(١) العلل / ٤٠٢، ضمن ح ٢.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٢، ضمن ح ١٤.
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: النظرة.
(٤) ب، ر: لأجتهدنّ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
(١ و ٧) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٩، ح ٦.
(٩) المصدر: هو.
(١٠) الكافي ٨ / ١٤٥، ح ١١٨. (١١) المصدر: صمد.
وفي رواية العيّاشيّ(١) : إنّما صمد(٢) .
( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) ، أي: من جميع الجهات، مثل قصده إيّاهم بالتّسويل والإضلال من أيّ وجه يمكنه بإتيان العدوّ من الجهات الأربع. ولذلك لم يقل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم.
وقيل(٣) : لم يقل: من فوقهم، لأنّ الرّحمة تنزل(٤) منه. ولم يقل: من تحتهم، لأن الإتيان(٥) منه يوحش [الناس](٦) .
وعن ابن عبّاس(٧) ( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) من قبل الآخرة.( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) من قبل الدّنيا.( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) من جميع جهة حسناتهم وسيّئاتهم.
وقيل(٨) : يحتمل أن يقال:( مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) من حيث يعلمون ويقدرون على التّحرّز عنه.( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) من حيث لا يعلمون ولا يقدرون.( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) من حيث يتيسّر(٩) لهم أن يعلموا ويتحرّزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقّظهم واحتياطهم.
وإنّما عديّ الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء، لأنّه منهما متوجّه إليهم. وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة، فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عرضهم. ونظيره قولهم: جلست عن يمينه.
وفي مجمع البيان(١٠) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ:( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) .
معناه: أهوّن عليهم أمر الآخرة.( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم.( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ ) أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضّلالة وتحسين الشّبهة.( وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) بتحبيب اللّذّات إليهم، وتغليب(١١) الشّهوات على قلوبهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٢) ، ما يقرب منه ببيان أبسط.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ٩، ح ٧.
(٢) بعض نسخ المصدر: عمد.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣.
(٤) المصدر: تنزيل.
(٥) ب: الإيمان.
(٦) من المصدر.
(٧) نفس المصدر، والموضع.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٣ ـ ٣٤٤.
(٩) ب: يتسنّى. (١٠) مجمع البيان ٢ / ٤٠٤.
(١١) أ: تغلب. (١٢) تفسير القمّي ١ / ٢٢٤.
وفي نهج البلاغة(١) ، من كتاب له ـ عليه السّلام ـ إلى زياد بن أبيه وقد بلغه أنّ معاوية قد كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: وقد عرفت أنّ معاوية كتب إليك يستزلّ(٢) لبّك ويستفلّ غربك(٣) فاحذره، فإنّما هو الشّيطان يأتي المرء من(٤) بين يديه ومن خلفه وعن(٥) يمينه وعن(٦) شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرّته.
( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) (١٧): مطيعين. وإنّما قاله ظنّا لقوله ـ تعالى ـ:( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) لـمـّـا رأى فيهم(٧) مبدأ الشّرّ متعدّدا، ومبدأ الخير واحدا.
وقيل(٨) : سمعه من الملائكة.
( قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً ) : مذموما. من ذأمه: إذا ذمّه.
وقرئ(٩) : «مذوما»(١٠) ، كمسول، في مسؤول. أو كمكول(١١) ، في مكيل. من ذامه يذيمه(١٢) ذيما.
( مَدْحُوراً ) : مطرودا.
( لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) :
«اللّام» فيه لتوطئة القسم. وجوابه( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١٨).
وهو سادّ مسدّ جواب الشّرط.
وقرئ(١٣) : «لمن» بكسر اللّام، على أنّه خبر «لأملأنّ» على معنى: لمن تبعك هذا الوعيد. أو علّة «لأخرج»، و «لأملأنّ» جواب قسم محذوف. ومعنى «منكم»: منك ومنهم، فغلّب المخاطب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ) .
__________________
(١) نهج البلاغة / ٤١٥ ـ ٤١٦، صدر كتاب ٤٤
(٢) ب، ر: يتنزّل.
(٣) ب: غيرتك. والغرب: الحدّة والنشاط.
(٤) كذا في المصدر. وفي أ، ر، ب: المؤمن من. وفي غيرها: المؤمنين.
(١ و ٦) ـ أ: من.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤: لـمـّـا رأوا فيه.
(١ و ٩) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤.
(١٠) المصدر: مذموما.
(١١) المصدر: ككول.
(١٢) المصدر: يمذيمه.
(١٣) نفس المصدر، والموضع.
(١٤) تفسير القمّي ١ / ٤٢.
فقال إبليس: يا ربّ، فكيف وأنت العدل الّذي لا تجور، فثواب عملي(١) بطل؟
قال: لا، ولكن سلني من أمر الدّنيا ما شئت ثوابا لعملك أعطك.
فأوّل ما سأل البقاء إلى يوم الدّين.
فقال الله: قد أعطيتك.
قال: سلّطني على ولد آدم.
قال: سلّطتك.
قال: أجرني فيهم مجرى الدّم في العروق.
قال: قد أجريتك.
قال: لا يولد(٢) لهم واحد إلّا ولد(٣) لي اثنان، وأراهم ولا يروني، وأتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.
قال: قد أعطيتك.
قال: يا ربّ، زدني.
قال: قد جعلت لك [ولذريّتك](٤) صدورهم أوطانا.
قال: ربّ، حسبي. قال إبليس عند ذلك:( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٥) .( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ ـ إلى قوله ـ:شاكِرِينَ ) .
قال(٦) : وحدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمـّـا أعطى الله ـ تعالى ـ إبليس ما أعطاه من القوّة، قال آدم ـ عليه السّلام ـ: يا ربّ، سلّطت إبليس على ولدي وأجريته فيهم مجرى الدّم في العروق وأعطيته ما أعطيته، فما لي ولولدي؟
فقال: لك ولولدك السّيّئة بواحدة، والحسنة بعشر أمثالها.
قال: يا ربّ، زدني.
قال: التّوبة مبسوطة إلى أن تبلغ النّفس الحلقوم.
فقال: يا ربّ، زدني.
__________________
(١) ب: عبادتي.
(٢) المصدر: ولا يلد.
(٣) المصدر: ويلد.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) ص / ٨٢.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٤٢.
قال: أغفر ولا أبالي.
قال: حسبي.
قال: قلت له: جعلت فداك، بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه؟
فقال: بشيء(١) كان منه شكره الله عليه.
قلت: وما كان منه، جعلت فداك.
قال: ركعتين ركعهما في السّماء في أربعة آلاف سنة.
( وَيا آدَمُ ) ، أي: وقلنا: يا آدم.
( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) .
وقرئ(٢) : «هذي»(٣) . وهو الأصل، لتصغيره على «ذيا». و «الهاء» بدل من الياء.
( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١٩): فتصيرا من الّذين ظلموا أنفسهم.
«فتكونا» يحتمل الجزم، على العطف. والنّصب، على الجواب.
( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ ) ، أي: فعل الوسوسة لأجلهما. وهي في الأصل: الصّوت الخفيّ، كالهينمة(٤) والخشخشة(٥) . ومنه: وسوس الحليّ وسوسة. وقد سبق في البقرة كيفيّة وسوسته.
والفرق بين وسوسه ووسوس له، أنّ الأوّل بمعنى: ألقى إلى قلبه المعنى وبصوت خفيّ. والثّاني، أنّه أوهمه النّصيحة له بذلك.
( لِيُبْدِيَ لَهُما ) : ليظهر لهما.
و «اللّام» للعاقبة. أو للغرض على أنّه أراد ـ أيضا ـ بوسوسته أن يسوأهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبّر عنهما بالسّوءة. وفيه دليل على أنّ كشف العورة في الخلوة وعند الزّوج من غير حاجة، قبيح مستهجن في الطّباع.
( ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ) : ما غطّي عنهما من عوراتهما. وكانا لا
__________________
(١) ب، أ: لشيء.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤.
(٣) المصدر: هذه.
(٤) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤. وفي ب: كالهنيمة، وفي سائر النسخ: كالهيمنة.
(٥) ب: الحشحشة.
يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وإنّما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور، كما قلبت الواو في «أو يصل» تصغير «واصل» لأنّ الثّانية مدّة.
وقرئ(١) : «سوآتهما» بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الواو، وبقلبها واوا، وإدغام الواو السّاكنة فيها.
( وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا ) : إلّا كراهة أن تكونا.
( مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) (٢٠): الّذين لا يموتون، أو يخلدون في الجنّة.
واستدلّ به على فضل الملائكة على الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ.
وجوابه: أنّه كان من المعلوم أنّ الحقائق لا تنقلب، وإنّما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما ـ أيضا ـ ما للملائكة من الكمالات الفطريّة والاستغناء عن الأطعمة والأشربة. وذلك لا يدلّ على فضلهم مطلقا.
( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) (٢١)، أي: أقسم لهما على ذلك.
وأخرجه على زنة المفاعلة، للمبالغة.
وقيل(٢) : أقسما له بالقبول.
وقيل(٣) : أقسما عليه بالله أنّه لمن النّاصحين، فأقسم لهما. فجعل ذلك مقاسمة.
( فَدَلَّاهُما ) : فنزّلهما إلى الأكل من الشّجرة. نبه به على أنّه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة. فإنّ التّدلية والإدلاء: إرسال الشّيء من أعلى إلى أسفل.
( بِغُرُورٍ ) : بما غرّهما به من القسم، فإنّهما ظنّا أنّ أحدا لا يحلف بالله كاذبا. أو ملتبسين بغرور.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في قصّة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ: حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ قال: حدّثني أبي، عن حمدان بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
قال: فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٤.
(٤) العيون ١ / ١٩٥ ـ ١٩٦، صدر ح ١.
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) (١) ؟
فقال ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ قال لآدم ـ عليه السّلام ـ:( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) . وأشار لهما إلى شجرة الحنطة( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) (٢) . ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشّجرة ولا ممّا كان من جنسها. فلم يقربا تلك الشّجرة [ولم يأكلا منها](٣) . وإنّما أكلا من غيرها لـمـّـا أن وسوس الشّيطان إليهما، وقال:( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ ) وإنّما نهاكما أن تقربا غيرها، [ولم ينهكما](٤) عن الأكل منها( إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) .
ولم يكن آدم وحوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذبا.( فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) فأكلا منها ثقة بيمينه بالله. وكان ذلك من آدم قبل النّبوّة. ولم يكن ذلك بذنب كبير استحقّ به دخول النّار، وإنّما كان من الصّغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم. فلمّا اجتباه الله ـ تعالى ـ وجعله نبيّا كان معصوما لا يذنب صغيرة ولا كبيرة. قال الله ـ تعالى ـ:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ) (٥) .
وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ) (٦) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وروي عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمـّـا أخرج الله آدم من الجنّة، نزل عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا آدم، أليس الله خلقك بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وزوّجك أمته حوّاء وأسكنك الجنّة وأباحها لك ونهاك مشافهة أن تأكل(٨) من هذه الشّجرة، فأكلت منها وعصيت الله؟
فقال آدم ـ عليه السّلام ـ: يا جبرئيل، إنّ إبليس حلف بالله أنّه لي ناصح، فما ظننت أنّ أحدا من الخلق يحلف بالله كاذبا.
__________________
(١) طه / ١٢١.
(٢) البقرة / ٣٥.
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٥) طه / ١٢١ ـ ١٢٢.
(٦) آل عمران / ٣٤.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٢٢٥.
(٨) المصدر: ألّا تأكل.
وفي تفسير العياشيّ(١) : عن جميل بن درّاج(٢) ، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته: كيف أخذ الله آدم بالنّسيان؟
فقال: إنّه لم ينس، وكيف ينسى وهو يذكّره ويقول له إبليس: ما نهاكما عن تلكما الشّجرة( إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) .
عن مسعدة بن صدقة(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ رفعه إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ سأل ربّه أن يجمع بينه وبين آدم حيث عرج إلى السّماء في أمر الصّلاة، ففعل.
فقال له موسى ـ عليه السّلام ـ: [يا آدم](٤) أنت الّذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأباح لك جنّته، وأسكنك جواره، وكلّمك قبلا.
ثمّ نهاك عن شجرة واحدة، فلم تصبر عنها حتّى أهبطت إلى الأرض بسببها. فلم تستطع أن تضبط نفسك عنها حتّى أغراك(٥) إبليس، فأطعته. فأنت الّذي أخرجتنا من الجنّة بمعصيتك.
فقال له آدم: ارفق بأبيك، أي بنيّ، محنة ما لقي في أمر هذه الشّجرة. يا بنيّ، إنّ عدوّي أتاني من وجه المكر والخديعة، فحلف لي بالله أنّ مشورته عليّ «لمن النّاصحين». وذلك أنّه قال مستنصحا(٦) : إنّي لشأنك، يا آدم، لمغموم.
قلت: وكيف؟
قال: قد كنت أنست بك وبقربك منّي، وأنت تخرج ممّا أنت فيه إلى ما ستكرهه(٧) .
فقلت: وما الحيلة؟
فقال: إنّ الحيلة هو ذا معك، قال(٨) أفلا أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟
فكلا منها أنت وزوجك فتصيرا معي في الجنّة أبدا «من الخالدين».
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٩ ـ ١٠، ح ٩.
(٢) كذا في المصدر. وفي ب: أحمد بن حميد بن درّاج. وفي سائر النسخ: حميد بن درّاج.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠، ح ١٠.
(٤) من المصدر.
(٥) ب: أغواك.
(٦) ب، ر: منتصحا. أ: منتضجا.
(٧) كذا في المصدر، وفي النسخ: ما استكرهه.
(٨) ليس في المصدر.
وحلف بالله كاذبا أنّه «لمن النّاصحين». ولم أظنّ، يا موسى، أنّ أحدا يحلف بالله كاذبا. فوثقت بيمينه. فهذا عذري. فأخبرني، يا بنيّ، هل تجد فيما أنزل الله إليك أنّ خطيئتي كائنة من قبل أن أخلق.
قال له موسى: بدهر طويل(١) .
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فحجّ آدم موسى ـ عليه السّلام ـ. قال ذلك ثلاثا.
عن عبد الله بن سنان(٢) قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ وأنا حاضر: كم لبث آدم وزوجته في الجنّة حتّى أخرجهما منها بخطيئتهما؟
فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لـمـّـا(٣) نفخ في آدم من روحه بعد زوال الشّمس من يوم الجمعة، برأ(٤) زوجته من أسفل أضلاعه. ثمّ أسجد له ملائكته، واسكنه جنّته من يومه ذلك. فو الله، ما استقرّ فيها إلّا ستّ ساعات في يومه ذلك حتّى عصى الله، فأخرجهما الله منها بعد غروب الشّمس. وما باتا فيها وصيّرا بفناء الجنّة حتّى أصبحا( فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) ( وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) . فاستحى آدم من ربّه وخضع، وقال:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) واعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال الله لهما: اهبطا من سمواتي إلى الأرض، فإنّه لا يجاورني في جنّتي عاص ولا في سمواتي.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ آدم لـمـّـا أكل من الشّجرة ذكر ما نهاه الله عنها، فندم. فذهب ليتنحّى(٥) من الشّجرة، فأخذت الشّجرة برأسه فجرّته إليها وقالت له: أفلا كان فراقي(٦) من قبل أن تأكل منّي.
( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) ، أي: فلمّا وجدا طعمها آخذين في الأكل منها، أخذتهما العقوبة فتهافت عنهما لباسهما فظهرت لهما عوراتهما.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) ، والعيّاشيّ(٨) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: كانت
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي ب، ر: بمدّة طويلة.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١٠ ـ ١١، ح ١١.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: ثمّ برأ.
(٥) ج: يتنحى. أ: ليضحي. ب: لتضحى.
(٦) المصدر: فرارك.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٢٢٥.
(٨) تفسير العيّاشي ١ / ١١، ح ١٢.
سوءاتهما لا تبدو لهما فبدت(١) ، يعني: كانت من داخل.
واختلف في أنّ الشّجرة كانت السّنبلة أو الكرم أو غيرهما، وقد مرّ في سورة البقرة توجيهه، وأنّ اللّباس كان نورا أو حلّة أو ظفرا.
( وَطَفِقا يَخْصِفانِ ) : أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة.
( عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) : يغطّيان سوءاتهما به.
قيل(٢) : كان ورق التّين.
وقرئ(٣) : «يخصفان» من أخصف، أي: يخصفان أنفسهما. و «يخصفان» من خصّف. و «يخصفان» أصله: يختصفان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي ـ رحمه الله ـ رفعه قال: سئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن جنّة آدم: أمن جنان الدّنيا كانت أم من جنان الآخرة؟
فقال: كانت من جنان الدّنيا تطلع فيها الشّمس والقمر. ولو كانت من جنان الآخرة، ما اخرج(٥) منها أبدا لـمـّـا أسكنه الله الجنّة وأباحها له إلّا الشّجرة لأنّه خلق خلقه لا يبقى إلّا بالأمر والنّهي والغذاء واللّباس والأكنان(٦) والتّناكح. ولا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتّوقيف. فجاءه إبليس فقال له إن أكلتما من هذه الشّجرة الّتي نهاكما الله عنها، صرتما ملكين وبقيتما(٧) في الجنّة أبدا. وإن لم تأكلا منها، أخرجكما من الجنّة. وحلف لهما، أنّه لهما ناصح. فقبل آدم قوله، فأكلا من الشّجرة. وكان، كما حكى الله( بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) . وسقط عنهما ما ألبسهما الله من لباس الجنّة، وأقبلا يستتران من ورق الجنّة.
( وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (٢٢): عتاب على مخالفة النّهي، وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ.
( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) : أضررناها بالمخالفة، والتّعريض للإخراج عن الجنّة.
( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٢٣): إنّما قالا ذلك ،
__________________
(١) ليس في تفسير القمّي.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٥.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٤٣ باختلاف في بعض الألفاظ.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: خرج.
(٦) الأكنان ـ جمع الكنّ ـ: البيت.
(٧) كذا في المصدر، وفي النسخ: تقيما.
على عادة المقرّبين في استعظام الصّغير من العثرات، واستحقار العظيم من الحسنات.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ، بإسناده إلى محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه قال ـ عليه السّلام ـ: فلمّا أسكن الله ـ عزّ وجلّ ـ آدم وزوجته الجنّة قال لهما:( كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) ، يعني: شجرة الحنطة(٢) .( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) . فنظرا(٣) إلى منزلة محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم ـ عليهم السّلام ـ فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة.
فقالا: ربّنا، لمن هذه المنزلة؟
فقال الله ـ جلّ جلاله ـ: ارفعا رأسكما(٤) إلى ساق العرش(٥) .
فرفعا رؤوسهما، فوجدا أسماء محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة [بعدهم](٦) ـ عليهم السّلام ـ مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الله الجبّار ـ جلّ جلاله ـ. [فقالا: يا ربنا، ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبّهم إليك، وما أشرفهم لديك؟ فقال الله ـ جلّ جلاله ـ :](٧) لولاهم ما خلقتكما. هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سرّي. إيّاكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنّيا(٨) منزلتهم عندي ومحلّهم من كرامتي، فتدخلا(٩) بذلك في نهيي وعصياني( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .
قالا: ربّنا، ومن الظّالمون؟
قال: المدّعون لمنزلتهم بغير حقّ.
قالا: ربّنا، فأرنا منزلة ظالميهم في نارك حتّى نراها، كما رأينا منزلتهم في جنّتك.
فأمر الله ـ تبارك وتعالى ـ النّار، فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النّكال والعذاب.
وقال ـ عزّ وجلّ ـ: مكان الظّالمين لهم المدّعين لمنزلتهم في أسفل درك منها
__________________
(١) المعاني / ١٠٩ ـ ١١٠، ضمن ح ١.
(٢) ب: الحنة.
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: فنظر.
(٤) المصدر: رءوسكما.
(٥) المصدر: ساق عرشي.
(٦) من المصدر.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: تمنى.
(٩) كذا في المصدر، وفي النسخ: فتدخلان.
( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها ) و( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ) بدّلناها(١) سواها( لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) الأليم. يا آدم ويا حوّاء، لا(٢) تنظرا إلى أنواري وحججي بعين الحسد فأهبطكما عن جواري وأحلّ بكما هواني.
( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ، وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) ، وحملهما على تمنّي منزلتهم. فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا حتّى أكلا من شجرة الحنطة. فعاد مكان ما أكلا شعيرا. فأصل الحنطة كلّها ممّا لم يأكلاه. وأصل الشّعير كلّه ممّا عاد مكان ما أكلاه.
فلمّا أكلا من الشّجرة طار الحلي والحلل عن أجسادهما، وبقيا عريانين( وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) .
قال: اهبطا من جواري، فلا يجاورني في جنّتي من يعصيني. فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش.
( قالَ اهْبِطُوا ) : الخطاب لآدم وحوّاء وذرّيّتهما، أو لهما ولإبليس. كرّر الأمر له تبعا، ليعلم أنّهم قرناء أبدا. وأخبر عمّا قال لهم متفرّقا.
( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) : في موضع الحال، أي: متعادين.
( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) : استقرارا، أو موضع استقرار.
( وَمَتاعٌ ) : وتمتّع.
( إِلى حِينٍ ) (٢٤): إلى أن تنقضي آجالكم.
( قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ) (٢٥): للجزاء.
وقرأ(٣) حمزة والكسائيّ وابن ذكوان: «ومنها تخرجون». وفي الزّخرف «كذلك تخرجون»(٤) بفتح التّاء وضمّ الرّاء.
( يا بَنِي آدَمَ )
__________________
(١) المصدر: «بدّلوا» بدل «بدّلناها».
(٢) أ: ألا تنظرا.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٥.
(٤) الزخرف / ١١.
في تفسير العياشيّ(١) ، عنهما ـ عليهما السّلام ـ قالا: هي عامّة.
( قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً ) ، أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماويّة وأسباب نازلة. ونظيره قوله ـ تعالى ـ:( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ) . وقوله:( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) .
( يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) : الّتي قصد الشّيطان إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق.
قيل(٢) : روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها. فنزلت. ولعلّه ذكر قصّة آدم تقدمة لذلك، حتّى يعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشّيطان، وأنّه أغواهم في ذلك، كما أغوى أبويهم.
( وَرِيشاً ) : ولباسا تتجمّلون به.
و «الرّيش» الجمال.
وقيل(٣) : مالا. ومنه، ترّيش الرّجل: إذا تموّل.
وقرئ(٤) : «رياشا». وهو جمع، ريش، كشعب وشعاب.
( وَلِباسُ التَّقْوى ) : خشية الله.
وقيل(٥) : الإيمان. الحسن(٦) .
وقيل(٧) : السّمت الحسن.
وقيل(٨) : لباس الحرب.
ورفعه بالابتداء، وخبره( ذلِكَ خَيْرٌ ) . أو «خير»، و «ذلك» صفته، كأنّه قيل:( وَلِباسُ التَّقْوى ) المشار إليه «خير».
وقرأ(٩) نافع وابن عامر والكسائيّ:( وَلِباسُ التَّقْوى ) بالنّصب، عطفا على «ريشا»(١٠) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١١) : قال:( لِباسُ التَّقْوى ) الثّياب البيض.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ١١، ح ١٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٥.
(١ و ٤) ـ نفس المصدر، والموضع.
(٥) نفس المصدر، والموضع.
(٦) ليس في المصدر: الحسن.
(١ و ٨) ـ نفس المصدر، والموضع.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٥.
(١٠) المصدر: لباسا.
(١١) تفسير القمّي ١ / ٢٢٥.
وعن الباقر ـ عليه السّلام ـ(١) : فأمّا اللّباس، فالثّياب الّتي تلبسون. وأمّا الرّياش، فالمتاع والمال. وأمّا «لباس التّقوى»، فالعفاف. لأنّ العفيف لا تبدو له عورة وإن كان عاريا من الثّياب، والفاجر بادي العورة وإن كان لابسا(٢) من الثّياب. «ذلك خير» يقول: العفاف(٣) خير.
وفي كتاب الخصال(٤) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه من الأربعمائة باب: البسوا ثياب القطن، فإنّها لباس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [وهو لباسنا](٥) . ولم نكن نلبس(٦) الشّعر والصّوف إلّا من علّة.
وقال: إنّ الله جميل يحبّ الجمال، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده.
عن أمّ الدّرداء قالت(٧) : قال(٨) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أصبح معافى في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا. يا ابن آدم(٩) ، يكفيك من الدّنيا ما سدّ جوعتك ووارى عورتك. فإن لكن لك بيت يكنّك، فذاك. وإن يكن لك دابّة تركبها، فبخ. بخ والخير وما الخير(١٠) وما بعد ذلك حساب عليك وعذاب.
عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي(١١) ، بإسناده يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [يكره السواد إلّا في ثلاثة: العمامة والخفّ والكساء.
عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(١٢) قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ :](١٣) خمس لا أدعهنّ حتّى
__________________
(١) نفس المصدر والمجلّد / ٢٢٦.
(٢) المصدر: كاسيا.
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: العقاب.
(٤) الخصال / ٤١٣.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: لم يكن يلبس.
(٧) الخصال / ١٦١ ـ ١٦٢، ح ٢١١.
(٨) المصدر: عن امّ الدرداء عن أبي الدرداء قال.
(٩) المصدر: يا ابن خثعم. وقد أشير في هامشه إلى أن الصواب: يا ابن آدم جفينة.
(١٠) المصدر: فبخ فلق الخبز وماء الجرّ. وقد أشير في هامشه إلى أنّه في النسخ المطبوعة «بخ والخير وماء الخير» ولكنّه تصحيف من النساخ انتهى.
(١١) الخصال / ١٤٨، ح ١٧٩.
(١٢) نفس المصدر / ٢٧١، ح ١٢.
(١٣) من المصدر.
الممات: الأكل على الحضيض(١) مع العبيد، وركوب الحمار مردفا(٢) ، وحلب العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصّبيان لتكون سنّة [من](٣) بعدي.
وفي الكافي(٤) : أحمد بن محمّد بن سعيد، عن جعفر بن عبد الله العلويّ وأحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن العبّاس، عن إسماعيل بن إسحاق جميعا، عن أبي روح فرج بن قرّة، عن مسعدة(٥) بن صدقة قال: حدّثني ابن أبي ليلى، عن عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه، ومنحهم(٦) كرامة منه لهم ونعمة ذخرها. والجهاد لباس التّقوى، ودرع الله الحصينة، وجنّته الواقية(٧) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي نهج البلاغة(٨) ، نحوه من غير حذف مغيّر للمعنى.
( ذلِكَ ) ، أي: إنزال اللّباس.
( مِنْ آياتِ اللهِ ) : الدّالّة على فضله ورحمته.
( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (٢٦): فيعرفون نعمته. أو يتّعظون، فيتورّعون عن القبائح.
( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ) : لا يمحننّكم، بأن يمنعكم من دخول الجنّة بإغوائكم.
( كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) ، كما محن أبويكم، بأن أخرجهما منها.
والنّهي في اللّفظ للشّيطان. والمعنى: نهاهم عن اتّباعه والافتتان به.
( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ) : حال من «أبويكم». أو من فاعل «أخرج». وإسناد النّزع إليه، للتّسبّب.
( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) : تعليل للنّهي، وتأكيد للتّحذير من فتنته.
«وقبيله» جنوده.
__________________
(١) الحضيض: القرار من الأرض.
(٢) المصدر: مؤكفا.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٥ / ٤، صدر ح ٦.
(٥) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٢٢٨. وفي النسخ: سعد بن صدقة.
(٦) المصدر: سوغهم.
(٧) المصدر: جنّته الوثيقة.
(٨) نهج البلاغة / ٦٩، صدر خطبة ٢٧.
ورؤيتهم إيّانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثّلهم لنا.
وفي الحديث(١) : إنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم منه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن العالم ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه ذكر طلب إبليس من الله وإجابته. ومن جملة الطّلب قال: قال: وأراهم ولا يروني، وأتصوّر لهم في كلّ صورة شئت.
فقال: قد أعطيتك.
( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) (٢٧): بما أوجدنا بينهم من التّناسب. أو بإرسالهم عليهم، وتمكينهم من خذلانهم، وحملهم على ما سوّلوا لهم.
والآية مقصود القصّة، وفذلكة الحكاية.
( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) : فعلة متناهية في القبح، كعبادة الأصنام، والائتمام بإمامة الجور، وكشف العورة في الطّواف.
( قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها ) : اعتذروا واحتجّوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله. فأعرض عن الأوّل، لظهور فساده. وردّ الثّاني بقوله:( قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) : لأنّ عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحثّ على مكارم الخصال.
قيل(٣) : ولا دلالة فيه على أنّ قبح الفعل، بمعنى ترتّب الذّمّ عليه [عاجلا والعقاب](٤) آجلا، عقليّ. فإنّ المراد بالفاحشة، ما ينفر عنه الطّبع السّليم ويستنقصه(٥) العقل المستقيم.
وفيه: أنّه يدلّ على أنّ قبح الفعل، بمعنى أنّ فيه شيئا يقتضي النّهي عنه وترتّب الذّمّ آجلا، عقليّ. وهو المدعى.
وقيل(٦) : هما جوابا سؤالين مترتّبين، كأنّه قيل لهم لـمـّـا فعلوها: لم فعلتم؟ فقالوا:( وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ) . فقيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا:( اللهُ أَمَرَنا بِها ) . وعلى
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ١٨٧.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٤٢.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٦.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: وسيتبغضه.
(٦) نفس المصدر، والموضع.
الوجهين يمنع التّقليد مطلقا إلّا ما دلّ دليل على جوازه.
وفي الكافيّ(١) مضمرا، وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد صالح قال: هل رأيت أحدا زعم، أنّ الله أمر بالزّنا وشرب الخمر وشيء من هذه المحارم؟
فقيل: لا.
قال: ما هذه الفاحشة الّتي يدّعون أنّ الله أمرهم بها؟
قيل: الله أعلم ووليّه.
فقال: فإنّ هذا في أئمّة الجور، ادّعوا أنّ الله أمرهم بالائتمام [بقوم لم يأمرهم الله بالائتمام](٣) بهم. فردّ الله ذلك عليهم. فأخبر أنّهم قد قالوا عليه الكذب، ويسمّى ذلك منهم فاحشة.
وفي أصول الكافي:(٤) الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من زعم أنّ الله أمر بالفحشاء، فقد كذب على الله. ومن زعم أنّ الخير والشّرّ إليه، فقد كذب على الله.
( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٢٨): إنكار يتضمّن النّهي عن الافتراء.
( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) : بالعدل. وهو الوسط من كلّ أمر، للتّجافي عن طرفي الإفراط والتّفريط.
( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ) : وتوجّهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها. أو أقيموها نحو القبلة.
( عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) : في كلّ وقت سجود. أو مكانه، وهو الصلاة. أو في أيّ مسجد حضرتكم الصلاة. ولا تؤخّروها حتّى تعودوا إلى مساجدكم.
وفي كتاب تهذيب الأحكام(٥) : علي بن الحسن(٦) الطاطريّ، عن [ابن](٧)
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٧٣، ح ٩.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١٢، ح ١٥ ببعض الاختلاف.
(٣) من الكافي.
(٤) الكافي ١ / ١٥٦ ـ ١٥٧، ح ٢.
(٥) التهذيب ٢ / ٤٣، ح ١٣٤.
(٦) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٥٦٨. وفي النسخ: علي بن الحسين. قال الأردبيلي: الظاهر ان علي بن الحسين مصغرا سهو.
(٧) من المصدر.
أبي حمزة، عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هذه في(١) القبلة.
وعنه(٢) ـ عليه السّلام ـ: مساجد محدثة، فأمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام.
وفي تفسير العياشي(٣) مثل الحديثين وزاد في الاوّل: ليس فيها عبادة الأوثان خالصا مخلصا.
وعنه(٤) ـ عليه السّلام ـ: «كلّ مسجد»، يعني: الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
( وَادْعُوهُ ) : واعبدوه.
( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ، أي: الطّاعة. فإنّ إليه مصيركم.
( كَما بَدَأَكُمْ ) ، كما أنشأكم ابتداء.
( تَعُودُونَ ) (٢٩): بإعادته، فيجازيكم على أعمالكم. وإنّما شبّه الإعادة بالإبداء(٥) . تقريرا لإمكانها والقدرة عليها.
وقيل(٦) :( كَما بَدَأَكُمْ ) من التّراب. «تعودون» إليه.
وقيل(٧) :( كَما بَدَأَكُمْ ) حفاة عراة غرلا(٨) . «تعودون».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: خلقهم من طينتهم(١٠) مؤمنا وكافرا وشقيّا وسعيدا. وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضالّ.
( فَرِيقاً هَدى ) : بأن وفّقهم للإيمان.
( وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) ، أي: الخذلان، إذ لم يقبل الهدى. وانتصابه بفعل يفسّره ما بعده، أي: وخذل فريقا.
( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ ) : تعليل لخذلانهم، أو تحقيق
__________________
(١) ليس في المصدر: في.
(٢) التهذيب ٢ / ٤٣، ح ١٣٦.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ١٢، ح ١٩ و ٢٠.
(٤) نفس المصدر والمجلّد / ١٣، ح ٢٢.
(٥) ب: بالابتداء.
(١ و ٧) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٦.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: عزلا. والعزل جمل الأغرل ـ: وهو الأقلف.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٢٦.
(١٠) المصدر: «حين خلقهم» بدل «من طينتهم»
لضلالتهم.
( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) (٣٠): يدلّ على أنّ الكافر المخطئ والمعاند سواء في استحقاق الذّمّ. وللفارق أن يحمله على المقصّر في النّظر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وهم القدريّة، الّذين يقولون: لا قدر. ويزعمون أنّهم قادرون(٢) على الهدى والضّلال. وذلك إليهم إن شاءوا اهتدوا، وإن شاءوا ضلّوا.
وهم مجوس هذه الأمّة. وكذب أعداء الله، المشيئة والقدرة لله كما بدأهم يعودون من خلقه الله شقيّا يوم خلقه، كذلك يعود إليه [شقيّا](٣) ومن خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا.
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الشّقيّ، من شقي في بطن أمّه. والسّعيد، من سعد في بطن أمّه.
وفي العلل(٤) ، عنه ـ عليه السّلام ـ:( إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ ) ، يعني: أئمّة [الجور](٥) دون أئمّة الحقّ.
( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ) : ثيابكم لمواراة عوراتكم.
( عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) : لصلاة أو طواف.
قيل(٦) : كانوا يطوفون عراة بالبيت، الرّجال بالنّهار والنّساء باللّيل، فأمرهم الله بلبس الثّياب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قال: في العيدين والجمعة يغتسل ويلبس ثيابا بيضا(٨) .
وروي(٩) ـ أيضا ـ: المشط عند كلّ صلاة.
وفي الكافي(١٠) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٢٦ ـ ٢٢٧.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: قاصرون.
(٣) من المصدر.
(٤) علل الشرائع / ٦٠، ذيل ح ٨١.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٢٢٩.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: بياضا.
(٩) نفس المصدر والموضع.
(١٠) الكافي ٣ / ٤٢٤، ح ٨.
سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) .
قال: في العيدين والجمعة.
وفي مجمع البيان(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أي: خذوا ثيابكم الّتي تتزيّنون بها للصّلاة في الجمعات والأعياد.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن محمّد بن الفضل(٣) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: الثّياب.
وعن الصّادق ـ عليه السّلام ـ(٤) : هي الأردية في العيدين والجمعة.
وفي الجوامع(٥) وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : كان الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ إذا قام إلى الصّلاة، لبس أجود ثيابه.
فقيل له في ذلك.
فقال: إنّ الله جميل يحبّ الجمال، فأتجمّل لربّي. وقرأ الآية.
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: من ذلك التّمشّط عند كلّ صلاة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي كتاب الخصال(٩) ، عنه ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: تمشّط، فإنّ التّمشّط يجلب الرّزق ويحسن الشّعر وينجز الحاجة ويزيد في ماء الصّلب ويقطع البلغم. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يسرح لحيته أربعين مرّة ويمرّ(١٠) فوقها سبع مرّات، ويقول: إنّه يزيد في الذّهن ويقطع البلغم.
__________________
(١) المجمع ٢ / ٤١٢.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢، ح ٢١.
(٣) المصدر: محمد بن الفضيل.
(٤) نفس المصدر والمجلد / ١٣، ح ٢٧.
(٥) جوامع الجامع / ١٤٤.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١٤، ح ٢٩ ببعض الاختلاف.
(٧) الفقيه ١ / ٧٥، ح ٣١٩.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣، ح ٢٥.
(٩) الخصال / ٢٦٨، ح ٣.
(١٠) المصدر: «من» بدل «يمرّ».
وفي تهذيب الأحكام(١) ، عنه ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: الغسل عند لقاء كلّ إمام.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) ، عنه ـ عليه السّلام ـ: يعني: الأئمّة.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: وصل(٤) الله طاعة وليّ أمره بطاعة رسوله، و [طاعة رسوله](٥) بطاعته.
فمن ترك طاعة ولاة الأمر، لم يطع الله ولا رسوله. وهو الإقرار بما أنزل من عند الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) . والتمسوا(٦) البيوت الّتي( أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (٧) . فإنّه أخبركم أنّهم( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) : ما طاب لكم.
نقل(٨) : أنّ بني عامر في أيّام حجّهم كانوا لا يأكلون الطّعام إلّا قوتا، ولا يأكلون دسما. يعظّمون بذلك حجّهم، فهم المسلمون به. فنزلت.
( وَلا تُسْرِفُوا ) : بالإفراط والإتلاف والتّعدّي إلى الحرام، وبتحريم الحلال وغير ذلك.
قال عليّ بن الحسين بن واقد(٩) : قد جمع الله ـ تعالى ـ الطّبّ في نصف آية، فقال:( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) .
( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (٣١)، أي: لا يرضى فعلهم.
وفي تفسير العيّاشي(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أترى الله أعطى من
__________________
(١) التهذيب ٦ / ١١٠، ح ١٩٧.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣، ح ٢٢.
(٣) الكافي ٢ / ٤٧ ـ ٤٨، ضمن ح ١.
(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: وسل.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: والتمس.
(٧) النور / ٣٦.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧. وفيه «روى» بدل «نقل».
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧. (١٠) تفسير العيّاشي ١ / ١٣، ح ٢٣.
أعطى من كرامته(١) عليه، ومنع من منع من هوان به عليه؟ لا، ولكنّ المال مال الله يضعه عند الرّجل ودائع. وجوّز لهم أن يأكلوا قصدا، ويشربوا قصدا، ويلبسوا قصدا، وينكحوا قصدا، ويركبوا قصدا، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء المؤمنين ويلمّوا به شعثهم. فمن فعل ذلك، كان ما يأكل حلالا ويشرب حلالا ويركب [حلالا](٢) وينكح حلالا. ومن عدا ذلك كان عليه حراما. ثمّ قال:( وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) . أترى الله ائتمن رجلا على ما(٣) خوّل له أن يشتري فرسا بعشرة آلاف درهم ويجزئه فرس بعشرين درهما، ويشتري جاريته(٤) بألف دينار ويجزئه [جارية](٥) بعشرين دينارا؟ وقال:( وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) .
وفي عيون أخبار الرّضا(٦) ـ عليه السّلام ـ بإسناده قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ليس شيء أبغض على الله من بطن ملآن(٧) .
وبإسناده(٨) قال: قال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: أتى أبو جحيفة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يتجشّأ.
فقال: اكفف جشأك، فإنّ أكثر النّاس في الدّنيا شبعا أكثرهم يوم القيامة جوعا.
قال: فما ملأ أبو حنيفة بطنه من طعام حتّى لحق بالله ـ تعالى ـ.
وفي كتاب الخصال(٩) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: أبعد ما يكون العبد من الله إذا كان همّه فرجه وبطنه.
عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام(١٠) ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء.
وفي كتاب علل الشّرائع(١١) ، بإسناده إلى عمر بن عليّ، عن أبيه، عن(١٢) عليّ بن
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: كرامة.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: «مال» بدل «ما».
(٤) المصدر: جارية.
(٥) من المصدر.
(٦) العيون ٢ / ٣٦، ح ٨٩.
(٧) كذا في المصدر، وفي النسخ: فلان.
(٨) نفس المصدر والمجلّد / ٣٨ ـ ٣٩، ح ١١٣.
(٩) نور الثقلين ٢ / ٢٠، ح ٧٣ عن الخصال.
(١٠) الخصال / ٣٥١، ح ٢٩.
(١١) العلل / ٤٩٧، ح ١.
(١٢) ليس في المصدر.
أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: مرّ أخي عيسى(١) ـ عليه السّلام ـ بمدينة فيها رجل وامرأة يتصايحان(٢) .
فقال: ما شأنكما؟
فقال: يا نبيّ الله، هذه امرأتي وليس بها بأس صالحة، ولكنّي أحبّ فراقها.
قال: فأخبرني على كلّ حال، ما شأنها؟
قال: هي خلقة الوجه من غير كبر.
قال لها: يا امرأة، أتحبّين أن يعود ماء وجهك طريّا؟
قالت: نعم.
قال لها: إذا أكلت، فإيّاك أن تشبعي(٣) . لأنّ الطّعام إذا تكاثر على الصّدر فزاد في القدر، ذهب ماء الوجه.
ففعلت ذلك، فعاد وجهها طريّا.
( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ) : من الثّياب، وسائر ما يتجمّل به.
( الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ) : من الأرض، كالقطن والكتّان والأبريسم والصّوف والمعادن والجواهر.
( وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) : المستلذّات من المآكل والمشارب. وفيه دلالة على أنّ الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التّجمّلات، الإباحة، لأنّ الاستفهام في «من» للإنكار. وكذا في قوله ـ تعالى ـ:( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) ، دلالة على أنّ الأصل في كلّ المأكولات والمشروبات الإباحة إلّا ما أخرجه الدّليل.
وفي الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد عن(٥) عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: بعث أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ عبد الله بن عبّاس إلى ابن الكوّاء وأصحابه وعليه قميص رقيق وحلّة. فلمّا نظروا إليه، قالوا: يا ابن عبّاس، أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا
__________________
(١) كذا في ب والمصدر. وفي سائر النسخ: موسى.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتصاحبان.
(٣) المصدر: أن تشبعين.
(٤) الكافي ٦ / ٤٤١ ـ ٤٤٢، ح ٦.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: «عن» بدل «بن».
اللّباس! فقال: وهذا أوّل ما أخاصمكم فيه( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (١) . وقال الله:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٢) ، عنه ـ عليه السّلام ـ ما في معناه.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن عليّ [رفعه](٤) قال: مرّ سفيان الثّوريّ في المسجد الحرام، فرأى أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ وعليه ثياب كثيرة القيمة حسان.
فقال: والله، لآتينّه ولأوبّخنّه.
فدنا منه فقال: يا ابن [رسول الله، ما لبس](٥) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مثل هذا اللّباس ولا عليٌّ ولا أحدٌ من آبائك.
فقال ـ عليه السّلام ـ: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في زمان قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره وإقتاره(٦) . وأنّ الدّنيا بعد ذلك أرخت عزاليها(٧) ، فأحقّ أهلها بها أبرارها. ثمّ تلا:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي ) (الآية) فنحن أحقّ من أخذ منها ما أعطاه الله. غير أنّي، يا ثوريّ، ما ترى عليّ من ثوب إنّما لبسته للنّاس.
ثمّ اجتذب(٨) يد سفيان، فجرّها إليه. ثمّ رفع الثّوب الأعلى، وأخرج ثوبا تحت ذلك على جلده غليظا فقال: هذا لبسته لنفسي، وما رأيته للنّاس.
ثمّ اجتذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن وداخل ذلك ثوب ليّن، فقال: لبست هذا الأعلى للنّاس، ولبست هذا لنفسك تسرّها.
عدّة من أصحابنا(٩) ، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح قال: كان أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ متّكئا على بعض أصحابه، فلقيه عبّاد بن
__________________
(١) الأعراف / ٣١.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥، ذيل ح ٣٢.
(٣) الكافي ٦ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣، ح ٨.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: اقتداره.
(٧) كذا في المصدر. وفي ب: غزالتها. وفي سائر النسخ: غزاليها. يقال: أرخت الدّنيا عزاليها: كثرت نعيمها.
(٨) ب: أجذب.
(٩) الكافي ٦ / ٤٤٣، ح ١٣.
كثير وعليه ثياب مزيّنة(١) حسان.
فقال: يا أبا عبد الله، إنّك من أهل بيت النبوّة وكان أبوك وكان. فما لهذه الثياب المزيّنة(٢) عليك؟ فلو لبست دون هذه الثّياب.
فقال له ـ عليه السّلام ـ: ويلك، يا عبّاد،( مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) . إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ إذا أنعم على عبد نعمة، أحبّ أن يراها عليه ليس بها بأس. ويلك، يا عبّاد، إنّما أنا بضعة من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فلا تؤذني(٣) .
وكان عباد يلبس ثوبين من قطن(٤) .
وعنه ـ عليه السّلام(٥) ـ أنّه قيل له: أصلحك الله، ذكرت أنّ عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللّباس الجيّد.
فقال له ـ عليه السّلام ـ: إنّ عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر. ولو لبس مثل ذلك اليوم، لشهّر به. فخير لباس كلّ زمان لباس أهله. غير أنّ قائمنا ـ عليه السّلام ـ إذا قام، لبس لباس عليٍّ وسار بسيرته.
سهل بن زياد(٦) ، عن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن هلال الشّامي مولى أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ، عنه قال: قلت: جعلت فداك، ما أعجب إلى النّاس من يأكل الجشب ويلبس الخشن ويتخشّع.
فقال: أما علمت أنّ يوسف النّبيّ ـ عليه السّلام ـ [نبي ابن نبي](٧) كان يلبس أقبية الدّيباج مزرورة(٨) بالذّهب، ويجلس في مجالس آل فرعون ويحكم. فلم يحتج النّاس إلى لباسه، وإنّما احتاجوا إلى قسطه. وإنّما يحتاج من الإمام إلى أن إذا قال صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا حكم عدل. إنّ الله لم يحرّم طعاما ولا شرابا من حلال، وإنّما
__________________
(١) المصدر: مرويّة. يعني المنسوب إلى مرو.
(٢) المصدر: المرويّة.
(٣) كذا في المصدر: وفي النسخ: فلا تؤذوني.
(٤) المصدر: «قطريّين» بدل «من قطن».
(٥) الكافي ٦ / ٤٤٤، ح ١٥ باختصار سنده.
(٦) الكافي ٦ / ٤٥٣ ـ ٤٥٤، ح ٥. وفي بعض نسخ المصدر: حميد بن زياد.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: مزورة.
حرّم الحرام قلّ أو كثر. وقد قال ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن الحكم بن عيينة قال: رأيت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ وعليه إزار أحمر. قال: فأحددت(٢) النّظر إليه.
فقال: يا أبا محمّد، إنّ هذا ليس به بأس. ثمّ تلا:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .
عن الوشّاء(٣) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ يلبس الجبّة والمطرف والخزّ والقلنسوة، ويبيع المطرف ويتصدّق بثمنه ويقول:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .
عن يوسف بن إبراهيم(٤) قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وعليّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ، فنظر إليّ.
فقلت: جعلت فداك، عليّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ، ما تقول فيه؟
قال: ولا بأس بالخزّ.
قلت: وسداه أبريسم.
فقال: [لا بأس به، فقد](٥) أصيب الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ وعليه جبّة خزّ.
عن أحمد بن محمّد(٦) ، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ يلبس الثّوب بخمسمائة [دينار](٧) والمطرف بخمسين دينارا يشتو(٨) فيه. فإذا ذهب الشّتاء، باعه وتصدّق بثمنه.
وفي خبر(٩) عمر بن عليّ(١٠) ، عن أبيه، عليّ بن الحسين(١١) أنّه كان يشتري الكساء
__________________
(١) بل في تفسير العيّاشي ٢ / ١٤، ح ٣٠.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأجدت.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤، ح ٣١.
(٤) نفس المصدر والمجلّد / ١٥، صدر ح ٣٢.
(٥) من المصدر.
(٦) نفس المصدر والمجلّد / ١٦، ح ٣٤.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يشتي.
(٩) نفس المصدر والصفحة، ح ٣٥.
(١٠) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦٣٦. وفي النسخ: عمير بن عليّ.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «عن الحسين»
الحسن بخمسين دينارا، فإذا صاف تصدّق به. ولا يرى بذلك بأسا ويقول:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .
( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : بالأصالة. والكفرة وإن شاركوهم، فتبع.
( خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : لا يشاركهم فيها غيرهم. وانتصابها، على الحال.
وقرأ(١) نافع، بالرّفع، على أنّها خبر بعد خبر.
وفي أمالي الصّدوق(٢) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث: واعلموا، يا عباد الله، إنّ المتّقين حازوا عاجل الخير وآجله. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم. أباحهم الله في الدّنيا ما كفاهم به وأغناهم. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ) (إلى آخر الآية). سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها(٣) بأفضل ما أكلت. شاركوا أهل الدّنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيّبات ما يأكلون، وشربوا من طيّبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوّجوا من أفضل ما يتزوّجون، وركبوا من أفضل ما يركبون. وأصابوا لذّة الدّنيا مع أهل الدّنيا، وهم غدا جيران الله، يتمنّون عليه فيعطيهم ما يتمنّون، لا تردّ لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من اللّذّة. فإلى هذا، يا عباد الله، يشتاق إليه من كان له عقل.
( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (٣٢)، أي: كتفصيلنا هذا الحكم نفصّل سائر الأحكام لهم.
( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ) : [ما تزايد قبحه.
وقيل(٤) : ما يتعلّق بالفروج.](٥) ( ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) : [جهرها وسرّها.
__________________
بدل «علي بن الحسين».
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧.
(٢) بل في أمالي الطوسي ١ / ٢٥ ـ ٢٦.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أكلوه.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) :( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) .](٢) قال: من ذلك أئمّة الجور.
( وَالْإِثْمَ ) : وما يوجب الإثم. تعميم بعد تخصيص.
وقيل(٣) : شرب الخمر.
( وَالْبَغْيَ ) : الظّلم، أو الكبر. أفرده بالذّكر، للمبالغة.
( بِغَيْرِ الْحَقِ ) : متعلّق «بالبغي» مؤكّد له معنى.
( وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) : تهكّم بالمشركين، وتنبيه على حرمة اتّباع ما لا يدلّ عليه برهان.
( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٣٣): بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه، كقولهم:( وَاللهُ أَمَرَنا بِها ) .
وفي الكافي(٤) : أبو عليّ الأشعريّ، عن بعض أصحابنا وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن عليّ بن يقطين قال: سأل المهديّ أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن الخمر: هل محرّمة في كتاب الله ـ جلّ اسمه ـ؟
فقال: نعم، يا أمير المؤمنين.
فقال له: في أيّ موضع محرّمة في كتاب الله ـ جلّ اسمه ـ يا أبا الحسن؟
فقال: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِ ) . وأمّا قوله: ما ظهر منها، يعني: الزّنا المعلن، ونصب الرّايات الّتي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهليّة. وأمّا قوله ـ عزّ وجلّ ـ: «وما بطن»، يعني: ما نكح من أزواج الآباء. لأنّ النّاس كانوا قبل أن يبعث النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا كان للرّجل زوجة ومات عنها، تزوّجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمّه، فحرّم الله ـ عزّ وجلّ ـ ذلك. وأمّا «الإثم» فإنّها الخمر بعينها وقد قال الله ـ عزّ وجلّ ـ في
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٣٠.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧.
(٤) الكافي ٦ / ٤٠٦، ح ١. لخصّ المؤلف صدر الخبر وله تتمّة.
موضع آخر:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) (١) . فأمّا «الإثم» في كتاب الله، فهي الخمر والميسر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) ، مثله سواء.
إلّا أنّه بعد قوله: «والميسر» أخيرا: فهي النّرد فقال: [والشطرنج](٣) وإثمهما كبير [كما قال الله](٤) وأمّا قوله: «والبغي»، فهو الزّنا سرا.
وفي الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي وهب، عن محمّد بن منصور قال: سألت [أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٦) عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) .
قال: فقال: إنّ القرآن له ظهر وبطن. فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظّاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور. وجميع ما أحلّ الله في الكتاب هو الظّاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ.
[( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) أي تتقوّلوا وتفتروا فيه](٧) .
وفي كتاب الخصال(٨) ، عن مفضّل بن يزيد(٩) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرّجال: أن تدين الله بالباطل، وتفتي النّاس بما لا تعلم.
عن عبد الرّحمن بن الحجّاج(١٠) قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إيّاك وخصلتين فيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي النّاس برأيك، وتدين بما لا تعلم.
وفي كتاب التّوحيد(١١) ، بإسناده إلى جعفر بن [محمّد: عن](١٢) سماعة، عن غير واحد، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما حجّة الله على العباد؟
__________________
(١) البقرة / ٢١٦.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧، ح ٣٨.
(٣) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ١ / ٣٧٤، ح ١٠.
(٦) المصدر: «عبدا صالحا» بدل ما بين المعقوفتين.
(٧) الظاهر أنّ ما بين المعقوفتين زائد لأنّ الآية مرّت آنفا. ويوجد هذه الفقرة في تفسير الصافي ذيل الحديث السابق.
(٨) الخصال / ٥٢، ح ٦٥.
(٩) المصدر: المفضّل بن مزيد.
(١٠) نفس المصدر والصفحة، ح ٦٦.
(١١) التوحيد / ٤٥٩، ح ٢٧.
(١٢) ليس في المصدر.
فقال: أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في وصيّته لابنه محمّد ابن الحنفيّة: يا بنيّ، لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم.
وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أفتى النّاس بغير علم، لعنته ملائكة السّموات والأرض.
وفي نهج البلاغة(٣) : وقال ـ عليه السّلام ـ علامة الإيمان أن تؤثر الصّدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، وأن لا يكون في حديثك فضل عن علمك(٤) ، وأن تتّقي الله في حديث غيرك.
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) : مدّة، أو وقت لنزول العذاب بهم.
قيل(٥) : وهو وعيد لأهل مكّة.
( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) : انقرضت مدّتهم، أو حان وقتهم.
( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (٣٤)، أي: لا يتأخّرون ولا يتقدّمون أقصر وقت. أو لا يطلبون التّأخّر والتّقدّم، لشدّة الهول.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قوله:( ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) .
قال: الأجل الّذي غير مسمّى موقوف، يقدّم منه ما شاء ويؤخّر ما شاء. وأمّا الأجل المسمّى، فهو الّذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل.
فذلك قول الله:( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) .
عن حمران(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله:( ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) .
قال: المسمّى، ما يسمّى لملك الموت في تلك اللّيلة. وهو الّذي قال الله :
__________________
(١) نور الثقلين ٢ / ٢٦، ح ٩٢ عنه.
(٢) العيون ٢ / ٤٦، ح ١٧٣.
(٣) نهج البلاغة / ٥٥٦ حكمة ٤٥٨.
(٤) بعض نسخ المصدر: عن عملك.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧.
(٦) تفسير العياشي ١ / ٣٥٤، ح ٥.
(٧) تفسير العياشي ١ / ٣٥٤، ح ٦. وله تتمة.
( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) . وهو الّذي سمّي لملك الموت في ليلة القدر.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) إلى قوله: «تعملون»(٢) . قال: تعد(٣) السّنين، ثمّ تعد(٤) الشّهور، ثمّ تعد الأيّام، ثمّ تعد النّفس( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) .
وفي كتاب التّوحيد(٥) : حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال: حدّثنا عليّ بن زياد قال: حدّثنا مروان بن معاوية، عن الأعمش، عن أبي حسّان(٦) التّيميّ، عن أبيه، وكان مع عليّ ـ عليه السّلام ـ يوم صفّين، وفيما بعد ذلك قال: بينما عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ يعبّأ الكتائب يوم صفّين ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكّل له(٧) تحته تأكّلا وعليٌّ ـ عليه السّلام ـ على فرس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المرتجز وبيده حربة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو متقلّد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس، يا أمير المؤمنين. فإنّا نخشى أن يغتالك هذا الملعون.
فقال ـ عليه السّلام ـ: لئن قلت ذلك إنّه غير مأمون على دينه، وأنّه لأشقى(٨) القاسطين وألعن الخارجين على الأئمّة المهتدين، ولكن كفى بالأجل حارسا. إنّه ليس أحد من النّاس إلّا ومعه ملائكة حفظة، يحفظونه من أن يتردّى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء. فإذا جاء(٩) أجله، خلّوا بينه وبين ما يصيبه. وكذا إذا حان أجلي، انبعث أشقاها فخضّب هذه من هذا ـ وأشار إلى لحيته ورأسه ـ عهدا معهودا ووعدا غير مكذوب.
وبإسناده إلى الأصبغ بن نباتة(١٠) قال: إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر.
__________________
(١) الكافي ٣ / ٢٦٢، ح ٤٤.
(٢) الجمعة / ٨.
(١ و ٤) ـ كذا في المصدر. وفي النسخ: بعد.
(٥) التوحيد / ٣٦٧ ـ ٣٦٨، ح ٥.
(٦) المصدر: أبي حيّان.
(٧) ليس في المصدر: له.
(٨) كذا في المصدر: وفي ب: لأتقى. وفي سائر النسخ: لا يتقى.
(٩) المصدر: حان.
(١٠) التوحيد / ٣٦٩، ح ٨.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتفرّ من قضاء الله.
قال: [أفرّ من قضاء الله](١) إلى قدر الله ـ عزّ وجلّ ـ.
وبإسناده إلى عمرو بن جميع(٢) ، عن جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهما السّلام ـ قال: دخل الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ على معاوية.
فقال له: ما حمل أباك على أن قتل أهل البصرة ثمّ دار عشيا(٣) في طرقهم في ثوبين؟
فقال ـ عليه السّلام ـ: حمله على ذلك علمه أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال: صدقت.
قال: وقيل لأمير المؤمنين لـمـّـا أراد قتال الخوارج: لو احترزت يا أمير المؤمنين.
فقال ـ عليه السّلام ـ :
أيّ يوميّ من الموت أفرّ |
يوم لم يقدر أو يوم قدر |
|
يوم لم يقدر لا أخشى الرّدى |
وإذا قدّر لم يغن الحذر |
وبإسناده(٤) إلى يحيى بن [أبي](٥) كثير قال: قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: ألا نحرسك؟
قال: كلّ(٦) حرس كلّ امرئ أجله.
وبإسناده إلى سعيد بن وهب(٧) قال: كنّا مع سعيد بن قيس بصفّين ليلا، والصّفان ينظر كلّ واحد منهما إلى صاحبه حتّى جاء أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. فنزلنا على فنائه(٨) .
فقال له سعيد بن قيس: أفي هذه السّاعة، يا أمير المؤمنين، أما خفت شيئا؟
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(٢) التوحيد / ٣٧٤ ـ ٣٧٥، ح ١٩.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عيشا.
(٤) التوحيد / ٣٧٩، ح ٢٥.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر: كلّ.
(٧) نفس المصدر والصفحة، ح ٢٦.
(٨) كذا في المصدر. وفي ب: فناه. وفي سائر النسخ: قفاه.
قال: وأيّ شيء أخاف؟ إنّه ليس من أحد إلّا ومعه ملكان موكّلان به، أن يقع في بئر أو تضربه دابّة أو يتردّى من جبل حتّى يأتيه القدر. فإذا أتى القدر، خلّوا بينه وبينه.
( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ) قيل(١) : شرط ذكره بحرف الشّكّ، للتّنبيه على أنّ إتيان الرّسل أمر جائز غير واجب، كما يظنّه أهل التّعليم.
وفيه، أنّ الإتيان بحرف الشّكّ إنّما هو بالنّظر إلى كون الرّسل كثيرة، كما يدلّ عليه الجمع. وكونهم منكم، كما يدلّ عليه تقييده به. فلا تنبيه فيه على ما ادّعاه.
وضمّت إليها «ما»، لتأكيد معنى الشّرط. ولذلك أكّد فعلها بالنّون. وجوابه( فَمَنِ اتَّقى ) : التّكذيب.
( وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٣٥).( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٣٦).
والمعنى: فمن اتّقى التّكذيب وأصلح عمله منكم، والّذين كذّبوا بآياتنا منكم.
وإدخال «الفاء» في الخبر الأوّل دون الثّاني، للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد.
( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) : ممّن تقوّل على.
الله ـ تعالى ـ ما لم يقله، أو كذّب ما قاله.
( أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ) : ممّا كتب(٢) لهم من الأرزاق والآجال.
وقيل(٣) : «الكتاب» اللّوح، أي: ما أثبت لهم فيه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، أي: ينالهم ما في كتابنا من عقوبات المعاصي.
( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) ، أي: يتوفّون أرواحهم.
وهو حال من الرّسل.
و «حتّى» غاية نيلهم. وهي الّتي يبتدأ بعدها الكلام.
( قالُوا ) : جواب «إذا».
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٧.
(٢) ب: كسبت.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٨.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٢٣٠.
( أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) : أين الآلهة الّتي كنتم تعبدونها؟
و «ما» وصلت «بأين» في خطّ المصحف(١) ، وحقّها الفصل. لأنّها موصولة.
( قالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) : غابوا عنّا.
( وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) (٣٧): اعترفوا بأنّهم كانوا ضالّين فيما كانوا عليه.
( قالَ ادْخُلُوا ) ، أي: قال الله لهم يوم القيامة. أو واحد من الملائكة.
( فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ، أي: كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة.
( مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) ، يعني: كفّار الأمم الماضية من النّوعين.
( فِي النَّارِ ) : متعلّق «بادخلوا».
( كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ) ، أي: في النّار.
( لَعَنَتْ أُخْتَها ) : الّتي ضلّت بالاقتداء بها.
( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً ) ، أي: تداركوا وتلاقوا في النّار.
في أصول الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ:( وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) (٣) ، يعنون: المشركون(٤) الّذين اقتدوا بهم هؤلاء، فاتّبعوهم على شركهم. وهم قوم محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ليس فيهم من اليهود والنّصارى. وتصديق ذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ) (٥) . و( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ ) (٦) .( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) (٧) . ليس فيهم(٨) اليهود الّذين قالوا: عزيز ابن الله. ولا النّصارى الّذين قالوا: المسيح ابن الله.
وسيدخل الله اليهود والنّصارى النّار، ويدخل [كلّ](٩) قوم بأعمالهم.
__________________
(١) أي المصحف الّذي هو متن أنوار التنزيل وإلّا جاءت في غيره مفصولة.
(٢) الكافي ٢ / ٣١.
(٣) الشعراء / ٩٩.
(٤) المصدر: يعني المشركين.
(٥) ص / ١٢.
(٦) الشعراء / ١٧٦.
(٧) الشعراء / ١٦٠.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: هم.
(٩) من المصدر.
وقولهم:( وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) إذ دعونا إلى سبيلهم. ذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ فيهم حين جمعهم إلى النّار:( قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ ) . وقوله:( كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً ) بريء بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحجّ بعضا رجاء(١) الفلج فيفلتوا(٢) من عظيم ما نزل بهم. وليس بأوان بلوى ولا اختبار(٣) ولا قبول معذرة.
ولات حين نجاة.
( قالَتْ أُخْراهُمْ ) : دخولا ومنزلة.
( لِأُولاهُمْ ) ، أي: لأجل أولاهم. إذ الخطاب مع الله، لا معهم. وهم القادة والرّؤساء.
وفي مجمع البيان(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يعني: أئمّة الجور.
( رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا ) : سنّوا لنا الضّلال، فاقتدينا بهم.
( فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ ) : مضاعفا، لأنّهم ضلّوا وأضلّوا.
( قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) : أمّا القادة، فبكفرهم وتضليلهم. أمّا الأتباع، فبكفرهم وتقليدهم.
( وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ) (٣٨): ما لكم، أو لكلّ فريق.
وقرأ(٥) عاصم برواية أبي بكر، بالياء، على الانفصال.
( وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) : عطفوا كلامهم على جواب الله لأخراهم ورتّبوه عليه، أي: فقد ثبت أن لا فضل علينا، إنّا وإيّاكم متساوون في الضّلال واستحقاق العذاب.
( فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) (٣٩): من قول القادة. أو من قول الله للفريقين. أو من قول الفريقين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قال: شماتة بهم.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وجاء.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيغلبوا.
(٣) كذا في ب والمصدر. وفي سائر النسخ: ولا اختيار.
(٤) المجمع ٢ / ٤١٧.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٨.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٢٣٠.
( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ) ، أي: عن الإيمان بها.
( لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ) : لأدعيتهم وأعمالهم أو لأرواحهم، كما تفتّح لأعمال المؤمنين وأرواحهم لتتّصل بالملائكة.
وفي مجمع البيان(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أمّا المؤمنون، فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السّماء فتفتح لهم أبوابها. وأمّا الكافر(٢) ، فيصعد بعمله وروحه حتّى إذا بلغ السّماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجّين. وهو واد بحضرموت يقال له: برهوت.
و «التّاء» في «تفتّح» لتأنيث الأبواب، والتّشديد لكثرتها.
وقرأ(٣) أبو عمرو، بالتّخفيف. وحمزة والكسائي، به وبالياء. لأنّ التّأنيث غير حقيقيّ، والفعل مقدّمة.
وقرئ(٤) ، على البناء للفاعل، ونصب «الأبواب» على أنّ الفعل «للآيات».
وبالتّاء، على أنّ الفعل لله ـ تعالى ـ.
( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) ، أي: حتّى يدخل ما هو مَثَلٌ في عظم الجرم وهو البعير، فيما هو مثل في ضيق المسلك وهو ثقبة الإبرة. وذلك ممّا لا يكون، فكذا ما نوقف عليه.
وقرئ(٥) : «الجمّل» كالقمّل. و «الجمل»، كالقفل. و «الجمل»، كالنّصب. و «الجمل»، كالحبل. وهي الحبل الغليظ من القنب. وقيل(٦) : حبل السّفينة.
و «سمّ» بالضّمّ والكسر.
و «في سمّ المخيط». وهو «الخياط» ما يخاط به، كالحزام والمحزم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن ضريس، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية في أهل الجمل(٨) ، طلحة وزبير. و «الجمل» جملهم.
__________________
(١) المجمع ٢ / ٤١٨.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الكافرون.
(١ و ٤) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٨.
(١ و ٦) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٢٣٠.
(٨) ليس في المصدر: أهل الجمل.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن منصور بن يونس، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) : نزلت في طلحة والزّبير. و «الجمل» جملهم.
وفي كتاب الخصال(٢) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: تفتح أبواب السّماء في خمس مواقيت: عند نزول الغيث، وعند الزّحف، وعند الأذان، وعند قراءة القرآن مع زوال الشّمس، وعند طلوع الفجر.
وعن عليّ ـ عليه السّلام ـ(٣) وقد سأله بعض اليهود عن مسائل: أمّا أقفال السّموات، فالشّرك بالله. ومفاتيحها، قول: لا إله إلّا الله.
وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : في بيان ذلك، أنّ أهل الجمل هم الّذين كذّبوا بآياته، وأعظم آياته أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ. «واستكبروا عنها» وبغوا عليها(٥) .
( لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ) ، أي: لأرواحهم الخبيثة وأعمالهم القبيحة. [فهي الّتي لا تفتح لها أبواب السّماء](٦) .
كما جاء في تفسير مولانا الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّ ـ عليه السّلام ـ قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد حكى لأصحابه عن حال من يبخل بالزّكاة.
فقالوا له: ما أسوء حال هذا! فقال قال(٧) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أو لا أنبّئكم بأسوإ حالا من هذا؟
فقالوا: بلى، يا رسول الله.
قال: رجل حضر الجهاد في سبيل الله، فقتل مقبلا غير مدبر. وحور العين يطّلعن إليه، وخزّان الجنان يتطّلعون ورود روحه عليهم، وأملاك الأرض يتطّلعون نزول حور العين إليه والملائكة وخزّان الجنان فلا يأتونه.
فتقول ملائكة الأرض حوالي ذلك المقتول: ما بال الحور العين(٨) لا ينزلن، وما
__________________
(١) العيّاشي ٢ / ١٧، ح ٤٠.
(٢) الخصال / ٣٠٣.
(٣) نفس المصدر / ٤٥٦، ضمن ح ١.
(٤) تأويل الآيات الباهرة / ٦٣ ـ ٦٤.
(٥) المصدر: عنها.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) ليس في المصدر: العين.
بال خزّان الجنان لا يردون؟
فينادون من فوق السّماء السّابعة: أيّتها الملائكة، انظروا إلى آفاق السّماء دوينها.
فينظرون، فإذا توحيد هذا العبد وإيمانه برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصلاته وزكاته وصدقته وأعمال برّه كلّها محبوسات دوين السّماء. قد أطبقت آفاق السّماء كلّها، كالقافلة العظيمة، قد ملأت ما بين أقصى المشارق والمغارب ومهابّ الشّمال والجنوب.
وتنادي أملاك تلك الأفعال الحاملون لها الواردون بها: ما بالنا لا تفتّح لنا أبواب السّماء، فندخل إليها أعمال هذا الشّهيد؟
فيأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ بفتح أبواب السّماء، فتفتّح. ثمّ ينادى هؤلاء الأملاك: ادخلوها إن قدرتم.
فلم تقلّها أجنحتهم، ولا يقدرون على الارتفاع بتلك الأعمال. فيقولون: يا ربّنا، لا نقدر على الارتفاع بهذه الأعمال.
فيناديهم منادي ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ: يا أيّتها الملائكة، لستم حمّالي هذه الأثقال الصّاعدين بها. إذ حملتها الصّاعدون بها مطاياها الّتي ترفعها إلى دوين العرش، ثمّ تقرّها في درجات الجنان.
فتقول الملائكة: يا ربّنا، وما مطاياها؟
فيقول الله ـ تعالى ـ: وما الّذي حملتم من عنده؟
فيقولون: توحيده لك وإيمانه بنبيّك.
فيقول الله ـ تعالى ـ: فمطاياها موالاة عليّ أخ نبيّي وموالاة الأئمّة الطّاهرين.
فإن أوتيت، فهي الحاملة الرّافعة الواضعة(١) لها في الجنان.
فينظرون، فإذا الرّجل مع ماله من هذه الأشياء ليس له موالاة عليّ والطّيّبين من آله ومعاداة أعدائهم.
فيقول الله ـ تبارك وتعالى ـ للأملاك الّذين كانوا حامليها: اعتزلوها والحقوا بمراكزكم من ملكوتي، ليأتيها من هو أحقّ بحملها ووضعها في موضع استحقاقها.
__________________
(١) المصدر: الواصفة.
فتلحق تلك الأملاك بمراكزها المجعولة لها.
ثمّ ينادي منادي ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ: يا أيّتها الزّبانية، تناوليها وحطّيها إلى سواء الجحيم. لأنّ صاحبها لم يجعل لها [مطايا](١) من مطايا موالاة عليّ والطّيّبين من آله.
قال: فتنادى تلك الأملاك، ويقلب(٢) الله ـ عزّ وجلّ ـ تلك الأثقال أوزارا وبلايا على باعثها(٣) لما فارقتها مطاياها من موالاة عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. ونوديت تلك الأملاك إلى مخالفته لعليّ وموالاته لأعدائه. فيسلّطها(٤) الله ـ عزّ وجلّ ـ وهي في صورة الأسد على تلك الأعمال وهي كالقربان والقوقس(٥) . فيخرج من أفواه تلك الأسد نيران تحرقها، ولا يبقى له عمل إلّا حبط، ويبقى عليه موالاة أعداء عليّ وجحد ولايته فيقرّ ذلك في سواء الجحيم. فإذا هو قد حبطت أعماله وعظمت أوزاره وأثقاله. فهذا أسوأ حالا من مانع الزّكاة.
( وَكَذلِكَ ) : ومثل ذلك الجزاء القطيع.
( نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) (٤٠)
( لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ ) : فراش.
( وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ) : أغطية.
والتّنوين فيه، للبدل عن الإعلال، عند سيبويه. وللصّرف، عند غيره.
وقرئ(٦) : «غواش» على إلغاء المحذوف.
( وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) (٤١): عبّر عنهم بالمجرمين تارة وبالظّالمين أخرى، إشعارا بأنّهم بتكذيبهم الآيات اتّصفوا بهذه الأوصاف الذّميمة. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنّة والظّلم مع التّعذيب بالنّار، تنبيها على أنّه أعظم الإجرام.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٤٢): جرى على عادته ـ سبحانه ـ في أن يشفع الوعيد بالوعد.
و( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) اعتراض بين المبتدأ وخبره، للتّرغيب في اكتساب النّعيم المقيم بما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ب: ويقلب الأملاك ويقلب الله ـ عزّ وجلّ ـ
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: باغيها.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيسلّطهما.
(٥) المصدر: القرقيس.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
وقرئ(١) : «لا تكلّف نفس».
( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ ) ، أي: نخرج من قلوبهم أسباب الغلّ. أو يطهّروا منه، حتّى لا يكون بينهم إلّا التّوادّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: العداوة تنزع منهم، أي: من المؤمنين في الجنّة.
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) : زيادة في لذّتهم وسرورهم.
( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ) : لما جزاؤه هذا.
( وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) : لو لا هداية الله وتوفيقه.
و «اللّام» لتأكيد النّفي. وجواب «لولا» محذوف دلّ عليه ما قبله.
وقرأ ابن عامر: «ما كنّا» بغير واو، على أنّها مبيّنة للأولى.
وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن ابن هلال، عن أبيه، عن أبي الصّباح(٤) ، عن أبي يعقوب(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: إذا كان يوم القيامة دعي بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وبأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وبالأئمّة من ولده ـ عليهم السّلام ـ فينصبون للنّاس. فإذا رأتهم شيعتهم( قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا ) (الآية)، يعني: هدانا الله ـ تعالى ـ في ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من ولده ـ عليهم السّلام ـ.
وفي كتاب الاحتجاج(٦) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل في خطبة الغدير. وفيها: معاشر النّاس، سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وقولوا(٧) ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) .
وفي مجمع البيان(٨) : عن عاصم بن ضمرة(٩) ، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه ذكر أهل الجنّة، فقال: يجيئون ويدخلون، فإذا أساس بيوتهم من جندل الّلؤلؤ وسرر مرفوعة
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٣١.
(٣) الكافي ١ / ٤١٨، ح ٣٣.
(٤) المصدر: أبي السفاتج.
(٥) المصدر: أبي بصير.
(٦) الاحتجاج ١ / ٨٣.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: قوله.
(٨) المجمع ٥ / ٤٨٠.
(٩) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٤٢٦. وفي النسخ: عاصم بن حمزة.
وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة. ولولا أنّ الله قدّرها لهم، لالتمعت أبصارهم بما يرون. يعانقون الأزواج ويقعدون على السّرر، ويقولون:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ) .
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن الدّهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قال إذا ركب الدّابّة: بسم الله لا حول ولا قوّة إلّا بالله( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ) (الآية) سبحان الله(٢) ( سُبْحانَ ) (٣) ( الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) (٤) ، إلّا(٥) حفظت له دابّته ونفسه [حتّى ينزل](٦) .
( لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ ) : فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك اغتباطا وتبجّحا، بأنّ ما علموه يقينا في الدّنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة.
( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ) : إذا رأوها من بعيد، أو بعد دخولها والمنادى له بالذّات.
( أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٤٣).
قيل(٧) : أي: أعطيتموها بسبب أعمالكم.
وفي مجمع البيان(٨) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما من أحد إلّا وله منزل في الجنّة ومنزل في النّار. فأمّا الكافر، فيرث المؤمن منزله في النّار. والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة. فذلك قوله:( أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
وهو حال من «الجنّة»، والعامل فيها معنى الإشارة. أو خبر، والجملة صفة «تلكم». و «أن» في المواقع الخمسة هي المخفّفة، أو المفسّرة. لأنّ المناداة والتّأذين من القول.
( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ) : إنّما قالوه، تبجّحا بحالهم وشماتة بأصحاب النّار وتحسيرا
__________________
(١) الكافي ٦ / ٥٤٠، ذيل ح ١٧.
(٢) المصدر: «و» بدل «سبحان الله».
(٣) ليس في ب.
(٤) الزخرف / ١٣.
(٥) ليس في المصدر: إلّا.
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
(٨) المجمع ٢ / ٤٢٠.
لهم. وإنّما لم يقل: ما وعدكم، كما قال: «ما وعدنا»، لأنّ ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنّة لأهلها.
( قالُوا نَعَمْ ) .
وقرأ(١) الكسائيّ حيث وقع، بكسر العين. وهما لغتان.
( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ) .
قيل(٢) : هو صاحب الصّور.
وفي أصول الكافي(٣) : الحسن بن محمّد(٤) ، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر(٥) الحلّال قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن قوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) .
قال: «المؤذن» أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(٦) : روى الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ، بإسناده، عن محمّد بن الحنفيّة، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: أنا ذلك المؤذّن.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، خطبة لعليّ ـ عليه السّلام ـ يذكر فيها نعم الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه. وفيها يقول ـ عليه السّلام ـ: ألا وإنّي مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها فتضلّوا في دينكم. وأنا المؤذّن في الدّنيا والاخرة. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) . أنا ذلك المؤذن. وقال الله:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (٨) فأنا ذلك الأذان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضل(١٠) ، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ وفي تفسير العياشي(١١) . عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: المؤذن(١٢)
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
(٣) الكافي ١ / ٤٢٦، ح ٧٠.
(٤) المصدر: الحسين.
(٥) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٥٧. وفي النسخ: عبد الله بن عمر.
(٦) المجمع ٢ / ٤٢٢.
(٧) المعاني / ٥٩.
(٨) التوبة / ٣.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٣١.
(١٠) المصدر: محمّد بن الفضيل.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧، ح ٤١.
(١٢) كذا في المصدر وتفسير القمّي. وفي النسخ: الأذان.
أمير المؤمنين. يؤذّن أذانا يسمع الخلائق.
وفي مجمع البيان(١) ـ أيضا ـ بإسناده: عن أبي صالح، عن ابن عبّاس أنّه قال: لعليّ ـ عليه السّلام ـ في كتاب الله أسماء لا يعرفونها النّاس. قوله ـ تعالى ـ:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) . وهو المؤذّن أن لعنة الله على الظّالمين(٢) .
( بَيْنَهُمْ ) : بين الفريقين.
( أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٤٤).
وقرأ(٣) ابن كثير، برواية البزّيّ، وابن عامر وحمزة والكسائيّ: «أنّ لعنة الله» بالتّشديد والنّصب.
وقرئ(٤) ، بالكسر، على إرادة القول. أو أجراء «أذّن» مجرى قال.
( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : صفة للظّالمين مقرّرة. أو ذمّ مرفوع أو منصوب.
( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) : زيغا وميلا عمّا هو عليه.
و «العوج» بالكسر، في المعاني والأعيان، ما لم تكن منتصبة. وبالفتح في المنتصبة، كالحائط والرّمح.
( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ) (٤٥)( وَبَيْنَهُما حِجابٌ ) ، أي: بين الفريقين، لقوله ـ تعالى ـ:( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ) . أو بين الجنّة والنّار، ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الاخرى.
( وَعَلَى الْأَعْرافِ ) ، أي: على أعراف الحجاب، أي: أعاليه. وهو السّور المضروب بينهما. جمع، عرف. مستعار من عرف الفرس.
وقيل(٥) : العرف، ما ارتفع من الشّيء. فإنّه يكون بظهوره أعرف من غيره.
( رِجالٌ ) : من الموحّدين العارفين المعروفين، كالأنبياء والأوصياء وخيار المؤمنين.
وقيل(٦) : طائفة من الموحّدين قصّروا في العمل، فيحبسون بين الجنّة والنّار حتّى
__________________
(١) المجمع ٢ / ٤٢٢.
(٢) المصدر: فهو المؤذن بينهم، يقول ألا لعنة الله على الّذين كذّبوا بولايتي واستخفّوا بحقّي.
(١ و ٤) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٤٩.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٠.
(٦) نفس المصدر والموضع.
يقضي الله فيهم ما يشاء.
وقيل(١) : أو ملائكة يرون في صورة الرّجال.
( يَعْرِفُونَ كُلًّا ) : من أهل الجنّة والنّار.
( بِسِيماهُمْ ) : بعلامتهم الّتي أعلمهم الله بها. لأنّهم من المتوسّمين أهل الفراسة.
في كتاب معاني الأخبار(٢) ، خطبة لعليّ ـ عليه السّلام ـ يذكر فيها نعم الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه. وفيها يقول ـ عليه السّلام ـ: ونحن أصحاب الأعراف، أنا وعمّي وأخي وابن عمّي. والله فالق الحبّ والنّوى، لا يلج النّار لنا محبّ ولا يدخل الجنّة لنا مبغض.
لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) .
وفي مصباح الشّريعة(٣) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ولأهل التّواضع سيماء يعرفه أهل السّماء من الملائكة، وأهل الأرض من العارفين. قال الله ـ تعالى ـ:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) .
وفي مجمع البيان(٤) والجوامع(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنّار. فمن نصرنا، عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة. ومن أبغضنا، عرفناه بسيماه فأدخلناه النّار.
وفيهما(٦) ، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «الأعراف» كثبان بين الجنّة والنّار. و «الرّجال» الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ. ويأتي تمام الحديث.
وفي الكافي(٨) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: نحن على الأعراف، نعرف أنصارنا بسيماهم. ونحن الأعراف الّذين لا يعرف الله ـ عزّ وجلّ ـ إلّا بسبيل معرفتنا. ونحن الأعراف يوقفنا(٩) الله ـ عزّ وجلّ ـ يوم القيامة على الصّراط. فلا يدخل الجنّة
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المعاني / ٥٩.
(٣) مصباح الشريعة / ٣٢٣.
(٤) المجمع ٢ / ٤٢٣.
(٥) جوامع الجامع / ١٤٦.
(٦) المجمع ٢ / ٤٢٣، وجوامع الجامع / ١٤٦.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٢٣١.
(٨) الكافي ١ / ١٨٤، ح ٩.
(٩) المصدر: يعرّفنا.
إلّا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النّار إلّا من أنكرنا وأنكرناه.
ومثله في بصائر الدّرجات(١) .
وفي كتاب الاحتجاج(٢) ، إلّا أنّه قال: نوقف(٣) يوم القيامة بين الجنّة والنّار. فلا يدخل الجنّة (الحديث). وزاد في آخره: وذلك بأنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لو شاء، عرّف للنّاس نفسه حتّى يعرفوه وحده(٤) ويأتوه من بابه. ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الّذي(٥) يؤتى منه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: أنا يعسوب المؤمنين. وأنا أوّل السّابقين، وخليفة رسول الله ربّ العالمين. وأنا قسيم الجنّة والنّار. وأنا صاحب الأعراف.
عن هشام(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ ) ما يعني بقوله:( وَعَلَى الْأَعْرافِ ) .
قال: ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم، لتعرفون من فيها من صالح أو طالح؟
قلت: بلى.
قال: فنحن أولئك الرّجال الّذين يعرفون كلّا بسيماهم.
عن زاذان(٨) ، عن سلمان قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول لعليّ ـ عليه السّلام ـ أكثر من عشر مرّات: يا عليّ، إنّك والأوصياء من بعدك أعراف بين الجنّة والنّار. ولا يدخل الجنّة إلّا من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النّار إلّا من أنكركم وأنكرتموه.
عن سعد بن طريف(٩) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية
__________________
(١) البصائر / ٥١٧، ضمن ح ٨.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٣٨.
(٣) المصدر: «ونحن الاعراف» بدل «نوقف»
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: حتى يعرفوا جده.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الذين.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١٧ ـ ١٨، ح ٤٢.
(٧) نفس المصدر والمجلد / ١٨، ح ٤٣، وفيه: «هلقام» بدل «هشام».
(٨) تفسير العياشي ٢ / ١٨، ح ٤٤.
(٩) نفس المصدر والصفحة، ح ٤٥.
( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) .
قال: يا سعد، هم آل محمّد. لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النّار إلّا من أنكرهم وأنكروه.
وعن الثّماليّ(١) قال: سئل أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) .
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: نحن على(٢) الأعراف الّذين لا يعرف الله إلّا بسبب معرفتنا. ونحن الأعراف الّذين لا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النّار إلّا من أنكرنا وأنكرناه. وذلك بأنّ الله لو شاء أن يعرّف النّاس نفسه، لعرّفهم.
ولكن جعلنا سببه وسبيله وبابه الّذي يؤتى منه.
وفي بصائر الدّرجات(٣) ، عنه ـ عليه السّلام ـ: «الرّجال» هم الأئمّة من آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و «الأعراف» صراط بين الجنّة والنّار. فمن شفع له الأئمّة منّا من المؤمنين المذنبين، نجا. ومن لم يشفعوا له، هوى.
وعنه(٤) ـ عليه السّلام ـ قال: نحن أولئك الرّجال. الأئمّة منّا يعرفون من يدخل الجنّة ومن يدخل النّار، كما تعرفون في قبائلكم. الرّجل منكم يعرف من فيها من صالح أو طالح.
والأخبار في هذا المعنى كثيرة. وزاد في بعضها(٥) : لأنّهم عرفاء العباد، عرّفهم الله إيّاهم عند أخذ المواثيق عليهم بالطّاعة لهم. فوصفهم في كتابة فقال:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) . وهم الشّهداء على النّاس، والنّبيّون شهداء لهم بأخذهم(٦) لهم مواثيق العباد بالطّاعة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: كلّ أمّة يحاسبها إمام زمانها، ويعرف الأئمّة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم. وهو قوله:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) . فيعطون أولياءهم كتابهم بيمينهم، فيمرّون إلى الجنّة بلا
__________________
(١) نفس المصدر / ١٩، ح ٤٨.
(٢) ليس في المصدر: على.
(٣) البصائر / ٥١٦، ذيل ح ٥.
(٤) نفس المصدر / ٥١٥ ـ ٥١٦، ح ١.
(٥) نفس المصدر / ٥١٨، ضمن ح ٩. وكشف المحجّة / ١٩٠ ـ ١٩١.
(٦) المصدر: بأخذه.
(٧) تفسير القمّي ٢ / ٣٨٤.
حساب. ويعطون أعداءهم كتابهم بشمالهم، فيمرّون إلى النّار بلا حساب.
وروى الشّيخ أبو جعفر الطّوسيّ(١) ، عن رجاله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وقد سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَبَيْنَهُما حِجابٌ ) .
فقال: سور بين الجنّة والنّار قائم عليه محمّد وعليّ والحسن والحسين وفاطمة وخديجة ـ عليهم السّلام ـ فينادون: أين محبّونا، وأين شيعتنا؟ فيقبلون إليهم، فيعرفونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. وذلك قوله:( يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) . فيأخذون بأيديهم، فيجوزون بهم على الصّراط ويدخلونهم الجنّة.
وفي بصائر الدّرجات، وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن أصحاب الأعراف.
فقال: إنّهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فقصرت بهم الأعمال. وإنّهم لكما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي الكافي(٣) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عنهم.
فقال: قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم. فإن أدخلهم النّار، فبذنوبهم. وإن أدخلهم الجنّة، فبرحمته.
وفي رواية العيّاشي(٤) : فإن أدخلهم الله الجنّة، فبرحمته. وإن عذّبهم، لم يظلمهم.
قيل(٥) : لا منافاة بين هاتين الرّوايتين وبين ما تقدّمهما من الأخبار، كما زعمه الأكثرون. لأنّ هؤلاء القوم يكونون مع الرّجال الّذين على الأعراف، وكلاهما أصحاب الأعراف. يدلّ على ما قلناه صريحا حديث الجوامع.
( وَنادَوْا ) ، يعني: ونادى أصحاب الأعراف. أريد بهم من كان مع الأئمّة على الأعراف من مذنبي شيعتهم، الّذين استوت حسناتهم وسيّئاتهم.
( أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) ، أي: إذا نظروا عليهم، سلّموا عليهم.
( لَمْ يَدْخُلُوها ) : استئناف لا محلّ له. كأنّ سائلا سأل عن دخولهم الجنّة.
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة / ٦٥.
(٢) تفسير الصافي ٢ / ١٩٩ عنهما.
(٣) الكافي ٢ / ٣٨١، ذيل ح ١.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨، ذيل ح ٤٦.
(٥) تفسير الصافي ٢ / ٢٠٠.
فقيل: «لم يدخلوها».
( وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) (٤٦): حال من «الواو»، أو من «الأصحاب».
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن كرام قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إذا كان يوم القيامة، أقبل سبع قباب من نور يواقيت خضر وبيض. في كلّ قبّة إمام دهره، قد أحفّ(٢) به أهل دهره برّها وفاجرها حتّى يقفون بباب الجنّة(٣) . فيطّلع أوّلها [صاحب](٤) قبّة اطّلاعة، فيميّز أهل ولايته من عدوّه. ثمّ يقبل على عدوّه فيقول: أنتم( الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ) اليوم. [يقوله](٥) لأصحابه، فتسوّد وجوه الظّالمين. فيصير(٦) أصحابه إلى الجنّة، وهم يقولون:( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
فإذا نظر أهل القبّة الثّانية إلى قلّة من يدخل الجنّة وكثرة من يدخل النّار، خافوا أن لا يدخلوها. وذلك قوله:( لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) .
( وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا ) : تعوّذا بالله.
( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٤٧)، أي: في النّار.
وفي مجمع البيان(٧) : أنّ في قراءة الصّادق ـ عليه السّلام ـ: قالوا ربنا عائذا بك أن لا(٨) تجعلنا مع القوم الظالمين.
( وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ ) ، أي: الأئمّة منهم. والإسناد، كما في قولهم: بنو تميم قتلوا زيدا. وإنّما قتلوه بعضهم.
( رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ) : من رؤساء الكفرة.
( قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ) : كثرتكم، أو جمع المال.
( وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) (٤٨): عن الحقّ، أو على الخلق.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨ ـ ١٩، ح ٤٧.
(٢) المصدر: احتفّ.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: حتّى تغيب عن باب الجنّة.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٦) المصدر: فيسودّ وجه الظالم فيميز أصحابه إلى الجنّة.
(٧) المجمع ٢ / ٤٢٤.
(٨) ليس في المصدر: لا.
وقرئ(١) : «تستكثرون» من الكثرة.
( أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ) : من تتمّة قولهم للرّجال.
والإشارة إلى شيعتهم الّذين كانوا معهم على الأعراف، الّذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدّنيا ويحلفون أنّ الله لا يدخلهم الجنّة.
( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) (٤٩)، أي: فالتفتوا إلى أصحاب الجنّة وقالوا لهم: «ادخلوا». وهو أوفق.
وقيل(٢) : فقيل لأصحاب الأعراف:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ) بفضل الله، بعد أن حبسوا حتّى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا.
وقيل(٣) : لـمـّـا عيّروا أصحاب النّار، أقسموا أنّ أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة. فقال الله أو بعض الملائكة:( أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ ) .
وقرئ(٤) : «ادخلوا» أو «دخلوا» على الاستئناف وتقديره: دخلوا الجنّة مقولا لهم: «لا خوف عليكم».
في الجوامع(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «الأعراف» كثبان بين الجنّة والنّار.
يوقف عليها كلّ نبيّ وكلّ خليفة نبيّ مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضّعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون إلى الجنّة.
فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سبقوا(٦) إلى الجنّة.
فيسلّم عليهم المذنبون. وذلك قوله:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) .
أن يدخلهم الله إيّاها بشفاعة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ والإمام. وينظر هؤلاء إلى أهل النّار فيقولون:( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وينادي «أصحاب الأعراف» وهم الأنبياء والخلفاء. «رجالا» من أهل النّار ورؤساء الكفّار، يقولون لهم مقرّعين:( ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ) واستكباركم.( أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ) . إشارة إلى أهل الجنّة الّذين كان الرّؤساء
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٠.
(١ و ٣) ـ نفس المصدر والموضع.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) جوامع الجامع / ١٤٦.
(٦) المصدر: سيقوا.
يستضعفونهم ويحتقرونهم بفقرهم، ويستطيلون عليهم بدنياهم، ويقسمون أنّ الله لا يدخلهم الجنّة.( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ) يقول أصحاب الأعراف لهؤلاء المستضعفين عن أمر من الله ـ عزّ وجلّ ـ لهم بذلك:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) ، أي: لا خائفين ولا محزونين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، [عن أبي أيوب](٢) عن بريد(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: «الأعراف» كثبان(٤) بين الجنّة والنّار. و «الرّجال» الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يقفون على الأعراف مع شيعتهم، وقد سبق(٥) المؤمنون إلى الجنّة. [بلا حساب](٦) فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذّنوب: انظروا إلى إخوانكم في الجنّة قد سبقوا(٧) إليها بلا حساب. وهو قول الله ـ تعالى ـ:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) .
ثمّ يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النّار. وهو قوله:( وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ) في النّار.( قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ) في الدّنيا.( وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) .
ثمّ يقولون لمن في النّار من أعدائهم: هؤلاء شيعتي وإخواني الّذين كنتم أنتم تحلفون في الدّنيا( لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ) .
ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) .
( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا ) ، أي: صبّوا. وهو دليل على أنّ الجنّة فوق النّار.
( مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) : من سائر الأشربة، ليلائم الإفاضة. أو من المطاعم، كقوله :
علفتها تبنا وماء باردا
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٣١ ـ ٢٣٢.
(٢) من المصدر.
(٣) ب: يزيد.
(٤) ب: كثيبان.
(٥) المصدر: سيق.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: سيقوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ أهل النّار يموتون عطاشا [، ويدخلون قبورهم عطاشا (، ويحشرون عطاشا)](٢) ويدخلون جهنّم عطاشا. فيرفع لهم قراباتهم من الجنّة، فيقولون:( أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) .
عن الزّهريّ(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يوم التّناد، يوم ينادي أهل النّار أهل الجنّة( أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ) .
وفي كتاب الاحتجاج(٤) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن عبد الرّحمن بن عبد الله الزّهريّ قال: حجّ هشام بن عبد الملك. فدخل المسجد الحرام متّكئا على يد سالم مولاه، ومحمّد بن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ جالس في المسجد.
فقال له سالم: يا أمير المؤمنين هذا محمّد بن عليّ بن الحسين.
فقال هشام: المفتون به أهل العراق؟
فقال: نعم.
قال: اذهب إليه فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الّذي يأكل النّاس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: يحشر النّاس على مثل قرصة البرّ النّقي(٥) ، فيها أنهار مفجّرة، يأكلون ويشربون حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
قال: فرأى هشام أنه ظفر به، فقال: الله أكبر، اذهب(٦) إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشّرب يومئذ! فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: هم في النّار أشغل [ولم يشغلوا](٧) عن أن قالوا:( أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) .
فسكت هشام لا يرجع كلاما.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩، ح ٤٩.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والصفحة، ح ٥٠.
(٤) الاحتجاج ٢ / ٥٧.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «نقيّ» بدل «البرّ النقيّ».
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ادخل.
(٧) من المصدر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) . حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الربيع قال: سأل نافع مولى عمر بن الخطّاب أبا جعفر محمّد بن عليّ ـ عليه السّلام ـ.
فقال: يا أبا جعفر، أخبرني عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) . أي أرض تبدّل؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: بخبزة(٢) بيضاء، يأكلون منها حتّى يفرغ الله من حساب الخلائق.
فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أهم حينئذ أشغل أم هم في النّار؟
فقال نافع: بل وهم في النّار.
قال: فقد قال الله:( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) . ما شغلهم إذ دعوا الطّعام، فأطعموا الزّقّوم. ودعوا الشّراب، فسقوا الحميم.
فقال: صدقت، يا ابن رسول الله.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ) (٥٠): منعهما عنهم، منع المحرّم عن المكلّف.
( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ) :
و «اللهو» صرف الهمّ بما لا يحسن أن يصرف به. و «اللّعب» طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به.
( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ ) : نفعل بهم فعل النّاسين، فنتركهم في النّار.
( كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا ) : فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدّوا له.
في عيون الأخبار(٣) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وإنّما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم(٤) أنفسهم، كما قال ـ تعالى ـ :
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٣٢ ـ ٢٣٥.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بحر بيضاء.
(٣) العيون ١ / ١٢٥، ضمن ح ١٨.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ينسيه.
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (١) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا ) ، أي: نتركهم، كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في تفسيره: يعني بالنّسيان: أنّه لم يثبهم، كما يثيب أولياءه الّذين كانوا في دار الدّنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به وبرسله وخافوه بالغيب. وقد يقول العرب في باب النّسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي: أنّه لا يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به.
( وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) (٥١): ولما كانوا منكرين أنّها من عند الله.
( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ) : بيّنّا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصّلة.
( عَلى عِلْمٍ ) : عالمين بوجه تفصيله حتّى جاء حكيما. وفيه دليل على أنّه ـ تعالى ـ عالم بعلمه. أو مشتملا على علم، فيكون حالا من المفعول.
وقرئ(٣) : «فضّلناه»، أي: على سائر الكتب، عالمين بأنّه حقيق بذلك.
( هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٥٢): حال من «الهاء».
( هَلْ يَنْظُرُونَ ) : هل ينتظرون.
( إِلَّا تَأْوِيلَهُ ) : إلّا ما يؤول إليه أمره، من تبيين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد.
( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) : قبل يوم القيامة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : ذلك في قيام القائم ـ عليه السّلام ـ.
( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ) : تركوه ترك النّاسي.
( قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ ) ، أي: قد تبيّن أنّهم جاؤوا بالحقّ.
( فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا ) : اليوم.
( أَوْ نُرَدُّ ) : أو هل نردّ إلى الدّنيا؟
__________________
(١) الحشر / ١٩.
(٢) التوحيد / ٢٥٩ ـ ٢٦٠. أسقط المؤلف جملة من وسطه.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٥١.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦.
وقرئ(١) ، بالنّصب، عطفا على «فيشفعوا». أو لأنّ «أو» بمعنى: «إلى أن».
فعلى الأوّل المسئول أحد الأمرين. وعلى الثّاني المسئول أن يكون لهم شفعاء، إمّا لأحد الأمرين أو لأمر واحد وهو الرّدّ.
( فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) : جواب الاستفهام الثّانيّ.
وقرئ(٢) ، بالرّفع، أي: فنحن نعمل.
( قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بصرف أعمارهم في الكفر.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (٥٣): بطل عنهم، فلم ينفعهم.
( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) ، أي: في ستّة أوقات، كقوله( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) . أو في مقدار ستّة أيّام، فإنّ المتعارف في اليوم زمان طلوع الشّمس إلى غروبها ولم تكن حينئذ. وفي خلق الأشياء مدرجا مع القدرة على إيجادها دفعة، دليل الاختيار واعتبار النّظام(٣) وحثّ على التأنيّ في الأمور.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: في ستّة أوقات.
وفي الاحتجاج(٥) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وأمّا قوله:( إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ) (٦) فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ذكره ـ أنزل عزائم الشّرائع وآيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام. ولو شاء أن يخلقهما في أقلّ من لمح البصر، لخلق. ولكنّه جعل الأناة والمداراة أمثالا(٧) لأنبيائه وإيجابا للحجّة على خلقه.
وفي عيون الأخبار(٨) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: وكان قادرا على أن يخلقهما في طرفة عين. ولكنّه ـ عزّ وجلّ ـ خلقها في ستّة أيّام، ليظهر على الملائكة(٩) ما يخلقه منها شيئا بعد شيء، فيستدلّ بحدوث ما يحدث على الله ـ تعالى ـ مرّة بعد مرّة.
وفي روضة الواعظين(١٠) ، للمفيد ـ رحمه الله ـ وروى أنّ اليهود أتت النّبيّ ـ صلّى الله
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥١.
(٢) نفس المصدر، والموضع.
(٣) ب: للنّظار.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٢٣٦.
(٥) الاحتجاج ١ / ٣٧٩.
(٦) سبأ / ٤٦. (٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: مثالا.
(٨) العيون ١ / ١٣٤ ـ ١٣٥، ضمن ح ٣٣.
(٩) المصدر: للملائكة. (١٠) روضة الواعظين / ٣٩٤.
عليه وآله ـ. فسألته عن خلق السّموات والأرض.
قال: خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين. وخلق الجبال وما فيهنّ يوم الثّلاثاء. وخلق يوم الأربعاء الشّجر والماء والمدائن والعمران والخراب. وخلق يوم الخميس السّماء.
[وخلق يوم الجمعة النّجوم والشّمس والقمر و](١) الملائكة.
قالت اليهود: ثمّ ما ذا يا محمّد؟
قال:( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) .
وفيها(٢) قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خلق الله الجنه يوم الخميس، وسمّاه مؤنسا.
وفي الكافي(٣) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله خلق الخير يوم الأحد، وما كان ليخلق الشّرّ قبل الخير. وفي [يوم](٤) الأحد والإثنين خلق الأرضين، وخلق أقواتها يوم الثّلاثاء. وخلق السّموات يوم الأربعاء ويوم الخميس، وخلق أقواتها يوم الجمعة.
وذلك قوله ـ تعالى ـ:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) .
قيل(٥) : هذه الآية المشتملة على قوله: «وما بينهما» إنّما هي في سورة الفرقان وفي سورة السّجدة التّالية للقمان. ويستفاد منها ومن هذا الحديث وأمثاله ممّا ورد من هذا القبيل، أنّ «ما بينهما» ـ أيضا ـ داخل في المقصود من الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها.
وفي الكافي(٦) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق الدّنيا في ستّة أيّام، ثمّ اختزلها عن أيّام السّنة. والسنّة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما.
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) والتّهذيب(٨) ، عنه ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق السنّة ثلاثمائة وستّين يوما، وخلق السّموات والأرض في ستّة أيّام، فحجزها من ثلاثمائة وستّين يوما. فالسّنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. (الحديث).
__________________
(١) من الهامش.
(٢) روضة الواعظين / ٣٩٤.
(٣) الكافي ٨ / ١٤٥، ح ١١٧.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير الصافي ٢ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤.
(٦) الكافي ٤ / ٧٨، صدر ح ٢.
(٧) الفقيه ٢ / ١١١، ضمن ح ٤٧٢.
(٨) التهذيب ٤ / ١٧١ ـ ١٧٢، ضمن ح ٤٨٤.
وفي كتاب الخصال(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تعالى ـ خلق الشهور اثني عشر شهرا. وهو ثلاثمائة وستّون يوما. فحجز(٢) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات والأرض، فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.
عن بكر بن عليّ(٣) بن عبد العزيز(٤) ، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن السّنة، كم يوما هي؟
قال: هي ثلاثمائة وستّون يوما. منها ستّة أيّام خلق الله فيها السّموات والأرض، فطرحت من أصل السنّة، فصارت السنّة ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ ما يقرب منه.
قيل(٦) : فإن قيل: إنّ الأيّام إنّما تتقدّر وتتمايز بحركة الفلك، فكيف خلقت السّموات والأرض في الأيّام المتمايزة قبل تمايزها؟ قلنا: مناط تمايز الأيّام وتقدّرها، إنّما هو حركة الفلك الأعلى دون السّموات السّبع [والمخلوق في الأيّام المتمايزة، إنّما هو السموات السبع](٧) والأرض وما بينهما [دون ما فوقها](٨) ولا يلزم من ذلك خلاء لتقدّم الماء الّذي خلق منه الجميع على الجميع.
وفيه نظر. لأنّ مناط تقدّر الزّمان، إنّما هو الفلك الأعلى. وأمّا مناط تقدّر الأيّام، فإنّما هو الشّمس المنوط بغيره من الأفلاك. فافهم. وليعلم أنّ هذه الآية وأمثال هذه الأخبار من المتشابهات، الّتي تأويلها عند الرّاسخين في العلم.
( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) .
في كتاب الاحتجاج(٩) ، للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: استوى تدبيره وعلا أمره.
وعن أبي الحسن موسى(١٠) ـ عليه السّلام ـ: استولى على ما رقّ(١١) وجلّ.
__________________
(١) الخصال / ٤٨٦، ح ٦٢.
(٢) المصدر: فحجر.
(٣) نفس المصدر / ٦٠٢، صدر ح ٧.
(٤) المصدر، أ، ب، ر: عن بكر بن عليّ بن عبد العزيز.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٠، ح ٧.
(٦) تفسير الصافي ٢ / ٢٠٤.
(١ و ٨) ـ من المصدر.
(٩) الاحتجاج ١ / ٣٧٣.
(١٠) نفس المصدر ٢ / ١٥٧.
(١١) المصدر: دقّ.
وفي الكافي(١) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ثمّ استوى على كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء.
وفي رواية أخرى(٢) : استوى في كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء. لم يبعد منه بعيد ولم يقرب منه قريب، استوى(٣) في كلّ شيء.
قيل(٤) : قد يراد «بالعرش» الجسم المحيط بجميع الأجسام. وقد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام، أعني: العالم الجسمانيّ بتمامه. وقد يراد به ذلك المجموع مع جميع ما يتوسّط بينه وبين الله ـ سبحانه ـ من الأرواح الّتي لا تتقوّم الأجسام إلّا بها، أعني: العوالم كلّها بتمامها بملكها وملكوتها وجبروتها، وبالجملة ما سوى الله ـ عزّ وجلّ ـ. وقد يراد علم الله ـ سبحانه ـ المتعلّق بما سواه. وقد يراد به علم الله الّذي اطّلع عليه أنبياؤه ورسله وحججه ـ صلوات الله عليهم ـ. وقد وقعت الإشارة إلى كلّ منها في كلامهم ـ عليهم السّلام ـ. وربّما يفسّر بالملك. و «الاستواء» بالاحتواء، كما يأتي في سورة «طه» ويرجع إلى ما ذكر.
ثمّ قال(٥) : أقول: فسّر الصّادق ـ عليه السّلام ـ «الاستواء» في روايات الكافي باستواء النّسبة، و «العرش» بمجموع الأشياء.
ضمّن الاستواء [في الرواية الأولى](٦) ما يتعدّى «بعلى»، كالاستيلاء والإشراف ونحوهما لموافقة القرآن. فيصير المعنى: استوى نسبته إلى كلّ شيء حال كونه مستوليا على الكلّ. ففي الآية دلالة على نفي المكان عنه ـ سبحانه ـ خلاف ما يفهمه الجمهور منها.
وفيها ـ أيضا ـ إشارة إلى معيّته(٧) القيّوميّة واتّصاله المعنويّ بكلّ شيء على السّواء، على الوجه الّذي لا ينافي أحديّته وقدس جلاله. وإلى إفاضة الرّحمة العامّة على الجميع على نسبة واحدة، وإحاطة علمه بالكلّ على نحو واحد، وقربه من كلّ شيء على نهج سواء.
وأتى بلفظة «من» في الرّواية الثّانية، تحقيقا لمعنى الاستواء في القرب والبعد.
وبلفظة «في» في الثّالثة، تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه.
__________________
(١) الكافي ١ / ١٢٧ ـ ١٢٨، ح ٦ و ٧.
(٢) نفس المصدر والمجلّد / ١٢٨، ح ٨.
(٣) ب: استولى.
(٤) تفسير الصافي ٢ / ٢٠٤ ـ ٢٠٥.
(٥) يعني صاحب الصافي.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي ب: معيّة. وفي سائر النسخ: معنى.
وأمّا اختلاف المقرّبين، كالأنبياء والأولياء مع المبعدين، كالشّياطين والكفّار في القرب والبعد، فليس ذلك من قبله ـ سبحانه ـ بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها.
وفي التّوحيد(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث الجاثليق قال: إنّ الملائكة تحمل العرش. وليس العرش كما تظنّ كهيئة السّرير، ولكنّه شيء [محدود](٢) مخلوق مدبّر وربّك ـ عزّ وجلّ ـ مالكه. لا أنّه عليه، ككون الشّيء على الشّيء.
( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) : يغطّيه به. ولم يذكر عكسه للعلم به، أو لأنّ اللّفظ يحتملها. ولذلك قرئ(٣) بنصب «اللّيل» وبرفع «النّهار».
وقرأ(٤) حمزة والكسائيّ ويعقوب وأبو بكر عن عاصم، بالتّشديد، فيه وفي الرّعد للدّلالة على التّكرار. والجملة في موضع الحال من فاعل «خلق». ويحتمل كونها خبرا بعد خبر ل «إنّ».
وإيراد الخبرين مختلفين بالمضيّ والمضارعة، للتّنبيه على تقدّم أحدهما على الآخر.
( يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) : يعقبه سريعا، كالطّالب له لا يفصل بينهما شيء.
و «الحثيث» فعيل، من الحثّ. وهو صفة مصدر محذوف. أو حال من الفاعل بمعنى: حاثّا. أو المفعول بمعنى: محثوثا.
( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ ) : بقضائه وتصريفه. ونصبها بالعطف على «السّموات». ونصب «مسخرات» على الحال.
وقرأ(٥) ابن عامر كلّها، بالرّفع، على الابتداء والخبر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) ، بإسناده إلى عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفي آخره: وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: الأرض مسيرة خمسمائة سنة، الخراب منها مسيرة أربعمائة عام والعمران منها مسيرة مائة عام. والشّمس ستّون فرسخا في ستّين فرسخا. والقمر أربعون فرسخا في أربعين فرسخا. بطونهما يضيئان لأهل السّماء، وظهورهما لأهل الأرض. والكواكب، كأعظم جبل على الأرض. وخلق
__________________
(١) التوحيد / ٣١٦، ضمن ح ٣.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٥١.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٢.
(٦) تفسير القمّي ٢ / ١٧.
الشّمس قبل القمر.
وقال سلام بن المستنير: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: لم صارت الشّمس أحرّ من القمر؟
قال: إنّ الله خلق الشّمس من نور النّار وصفو الماء، طبق من هذا وطبق من هذا، حتّى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من نار. فمن هنالك صارت [الشّمس](١) أحرّ من القمر.
قلت: فالقمر.
قال: إنّ الله خلق القمر من ضوء نور النّار وصفو الماء، طبق من هذا وطبق من هذا، حتّى إذا صارت سبعة أطباق ألبسها لباسا من ماء. فمن هنالك صار القمر أبرد من الشّمس.
( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) : فإنّه الموجد والمتصرّف، إذ له عالم الأجسام وعالم الأرواح.
( تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٥٤): تعالى بالوحدانيّة في الألوهيّة، وتعظّم بالتّفرّد في الرّبوبيّة، لكونه ـ تعالى ـ متباركا بكلّ ما هو من لوازم الألوهيّة وخصائص الرّبوبيّة. فإنّه خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم، كما فصّله أوّلا وأجمله ثانيا في قوله ـ تعالى ـ:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) .
وفي الخرائج والجرائح(٢) : قال أبو همام: سأل محمّد بن صالح أبا محمّد ـ عليه السّلام ـ عن قوله ـ تعالى ـ:( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) (٣) .
فقال: له الأمر من قبل أن يأمر به، وله الأمر من بعد أن يأمر به ممّا يشاء.
فقلت في نفسي: هذا قول الله:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) .
فأقبل عليّ وقال: هو كما أسررت في نفسك( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) .
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن
__________________
(١) من المصدر.
(٢) نور الثقلين ٢ / ٤٠، ح ١٦١ عنه.
(٣) الروم / ٤.
(٤) الكافي ٢ / ٦٢٥ ـ ٦٢٦، ضمن ح ٢١.
محمّد بن بكر(١) ، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) إلى قوله:( تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) ، حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشّياطين.
قال: فمضى الرّجل، فإذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية.
فتغشّاه الشّيطان(٢) ، فإذا هو آخذ بخطمه(٣) . فقال له صاحبه: أنظره. واستيقظ الرّجل، فقرأ الآية. فقال الشّيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك واحرسه الآن حتّى يصبح.
فلمّا أصبح رجع إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وأخبره، وقال له: رأيت في كلامك الشّفاء والصّدق. ومضى بعد طلوع الشّمس، فإذا هو بأثر(٤) شعر الشّيطان مجتمعا في الأرض.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) ، في وصيّة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ، من يخاف ساحرا أو شيطانا، فليقرأ:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) (الآية).
( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) ، أي: ذوي تضرّع وخفية. فإنّ الإخفاء أدعى إلى الإخلاص.
ويجوز أن يكون التّقدير: دعوة تضرّع وخفية.
وفي أصول الكافي(٦) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: دعاء التّضرّع، أن تحرّك أصبعك السّبّابة ممّا يلي وجهك. وهو دعاء الخفية(٧) والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (٥٥): المجاوزين ما أمروا به في الدّعاء وغيره.
وفي مجمع البيان(٨) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه كان في غزاة، فأشرف(٩)
__________________
(١) ج: محمد بن كثير.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الشياطين.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بعظمه. والخطم من كل دابّة: مقدّم أنفه وفمه.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: باشر.
(٥) الفقيه ٤ / ٢٦٩.
(٦) الكافي ٢ / ٤٨١، ذيل ح ٥.
(٧) المصدر: الخيفة.
(٨) المجمع ٢ / ٤٢٩.
(٩) المصدر: فأشرفوا.
على واد. فجعل النّاس يهلّلون ويكبّرون ويرفعون أصواتهم.
فقال: أيّها النّاس، أربعوا(١) على أنفسكم. أما إنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، إنّكم تدعون سميعا قريبا، إنّه معكم.
وفي مصباح الشّريعة(٢) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: استعن بالله في جميع أمورك متضرّعا إليه آناء اللّيل والنّهار. قال الله ـ تعالى ـ:( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .
ولا يخفى دلالة الآية والخبر. على أنّ الإجهار المفرط بالدّعاء وغيره، اعتداء لا يحبّه الله. والّذي يحبّه هو الإخفاء والتّضرّع. فالّذين ينتحبون إلى الله بالتّرنّم بالأصوات والإجهار بالأشعار والأبيات، عن الصّراط لناكبون، ولطريق الاعتداء سالكون.
( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) : بالكفر والمعاصي.
( بَعْدَ إِصْلاحِها ) : ببعث الأنبياء، ونصب الأوصياء، وشرع الأحكام.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أصلحها برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين [وذريته ـ عليهم السّلام ـ](٤) .
( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ) : ذوي خوف من الرّدّ لقصور أعمالكم وعدم استحقاقكم، وطمع في إجابته تفضّلا وإحسانا لفرط رحمته.
( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٥٦): ترجيح للطّمع، وتنبيه على ما يتوصّل به إلى الإجابة، وتذكير قريب، لأنّ الرّحمة، بمعنى: الرّحم. أو لأنّه صفة محذوف، أي: أمر قريب. أو على تشبيهه بفعيل، الّذي بمعنى: المفعول. أو الّذي هو مصدر، كالنّقيض. أو للفرق بين القريب من النّسب والقريب من غيره.
( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ ) وقرأ(٥) ابن كثير وحمزة والكسائيّ: «الرّيح» على الوحدة.
( بُشْراً ) : جمع، بشور، بمعنى: باشر.
__________________
(١) أربع على نفسك أي: توقّف.
(٢) مصباح الشريعة / ٣٧٤ ـ ٣٧٥.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٣٦.
(٤) من المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٢.
وقرأ(١) ابن عامر: «نشرا» بالتّخفيف حيث وقع. وحمزة والكسائيّ: «نشرا» بفتح النّون حيث وقع، على أنّه مصدر في موضع الحال، بمعنى: ناشرات. أو مفعول مطلق، فإنّ الإرسال والنّشر متقاربان.
وعاصم: «بشرا». وهو تخفيف «بشر». جمع، بشير. وقد قرئ به. و «بشرا» بفتح الباء مصدر، بشره، أي: باشرات. أو للبشارة.
( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) : قدّام رحمته، يعني: المطر. فإنّ الصّبا تثير السّحاب، والشّمال تجمعه، والجنوب تحلبه، والدّبور تفرّقه.
( حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ ) ، أي: حملت. واشتقاقه من القلّة، فإنّ المقلّ للشّيء يستقلّه.
( سَحاباً ثِقالاً ) : بالماء.
و «السّحاب» اسم جمع، بمعنى: السّحائب.
( سُقْناهُ ) ، أي: السّحاب. وإفراد الضّمير، باعتبار اللّفظ. وفيه تلوين الخطاب.
( لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ) : لأجله ولإحيائه، أو لسقيه.
وقرئ(٢) : «ميت».
( فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ) : بالبلد، أو بالسّحاب، أو بالسّوق، أو بالرّيح. وكذلك( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) .
ويحتمل فيه عود الضّمير إلى الماء. وإذا كان للبلد، فالباء للإلصاق في الأوّل، وللظّرفيّة في الثّاني. وإذا كان لغيره، فهي للسّببية.
( مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) : من كلّ أنواعها.
( كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى ) : الإشارة فيه إلى إخراج الثّمرات، أو إلى إحياء البلد الميّت، أي: كما نحييه بإحداث القوّة النّباتيّة(٣) فيه وتطرئتها بأنواع النّبات والثّمرات، نخرج الموتى من الأجداث ونحييها بردّ النّفوس إلى موادّ أبدانها بعد جمعها وتجزءتها بالقوى والحواسّ.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٣: القوّة النامية.
( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (٥٧): فتعلمون أنّ من قدر على ذلك، قدر على هذا.
( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ ) : الأرض الكريمة التّربة.
( يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) : بأمره وتيسيره. عبّر به عن كثرة النّبات وحسنه وغزارة نفعه، بقرينة المقابلة.
( وَالَّذِي خَبُثَ ) ، كالحرّة(١) والسّبخة.
( لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) : قليلا، عديم النّفع. ونصبه على الحال.
وتقدير الكلام: والبلد الّذي خبث لا يخرج نباته إلّا نكدا. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار مرفوعا مستترا.
وقرئ(٢) : «يخرج»، أي: يخرجه البلد. فيكون «إلّا نكدا» مفعولا. ونكدا على المصدر، أي: ذا نكد. أو بالإسكان، للتّخفيف.
( كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ) : نردّدها ونكررّها.
( لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) (٥٨): نعمة الله. فيتفكّرون فيها، ويعتبرون بها.
قيل(٣) : والآية مثل لمن تدبّر في الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسا ولم يتأثّر بها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : [وهو](٥) مثل للأئمّة ـ عليهم السّلام ـ يخرج علمهم بإذن ربّهم. «و [الذي خبث» مثل](٦) لأعدائهم. «لا يخرج» علمهم إلّا «نكدا» كذبا(٧) فاسدا.
وفي كتاب المناقب(٨) لابن شهر آشوب قال عمرو بن العاص للحسين ـ عليه السّلام ـ ما بال لحاكم أوقر من لحانا(٩) ؟
فقرأ هذه الآية.
( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ) : جواب قسم محذوف. ولا تكاد تطلق هذه
__________________
(١) الحرّة: أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٣.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٣.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٢٣٦.
(١ و ٦) ـ من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «كدرا» بدل نكدا كذبا.
(٨) المناقب ٤ / ٦٧.
(٩) المصدر: ما بال لحائكم أوفر من لحائنا؟
«اللّام» إلّا مع «قد»، لأنّها مظنّة التّوقّع. فإن المخاطب إذا سمعها، توقّع وقوع ما صدر بها.
قيل(١) : هو نوح بن لمك بن متوشلخ بن إدريس. أوّل نبيّ بعث بعده. وهو ابن خمسين سنة، أو أربعين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : روي في الخبر، أنّ اسم نوح عبد الغفّار. وإنّما سمّي: نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.
وفي علل الشّرائع(٣) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ مثله.
قال(٤) : وفي رواية اسمه عبد الأعلى.
وفي(٥) أخرى: عبد الملك.
وفي رواية(٦) : إنّما سمّي: نوحا، لأنّه بكى خمسمائة عام.
وفي روضة الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل(٨) ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر(٩) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: وبشّر آدم بنوح ـ عليه السّلام ـ. فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ باعث نبيّا اسمه نوح، وأنّه يدعو إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ. ويكذّبه قومه، فيهلكهم الله بالطّوفان. وكان بين آدم وبين نوح ـ عليه السّلام ـ عشرة آباء، أنبياء وأوصياء كلّهم. وأوصى آدم ـ عليه السّلام ـ إلى هبة الله: أنّ من أدركه منكم فليؤمن به وليتّبعه وليصدّق به، فإنّه ينجو من الغرق. ثمّ أنّ آدم ـ عليه السّلام ـ مرض المرضة الّتي مات فيها ـ إلى قوله: ثمّ أنّ هبة الله لـمـّـا دفن أباه، أتاه قابيل.
فقال: يا هبة الله، إنّي قد رأيت أبي آدم قد خصّك من العلم ما لم أخصّ به أنا. وهو العلم الّذي دعا به أخوك هابيل فقبل قربانه. وإنّما قتلته، لكي لا يكون له عقب فيفتخرون على عقبي، فيقولون: نحن أبناء الّذي تقبّل قربانه، وأنتم أبناء الّذي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٣.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٢٨.
(٣) العلل / ٢٨، ح ١.
(٤) نفس المصدر والصفحة، ح ٣.
(٥) نفس المصدر والصفحة، صدر ح ٢.
(٦) نفس المصدر والصفحة، تتمة ح ٢ وأيضا تتمة ح ٣.
(٧) الكافي ٨ / ١١٤ ـ ١١٥، ضمن ح ٩٢.
(٨) ب: محمد بن الفضل.
(٩) ب: أبي عبد الله.
ترك قربانه. فإنّك إن أظهرت من العلم الّذي اختصّك به أبوك شيئا قتلتك، كما قتلت أخاك هابيل.
فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث النّبوّة وآثار علم النّبوّة، حتّى بعث الله نوحا ـ عليه السّلام ـ وظهرت وصيّة هبة الله حين نظروا في وصيّة آدم، فوجدوا نوحا ـ عليه السّلام ـ نبيّا قد بشر به آدم ـ عليه السّلام ـ. فآمنوا به واتّبعوه وصدّقوه.
وكان آدم ـ عليه السّلام ـ وصّى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة فيكون يوم عيدهم، ويتعاهدون نوحا وزمانه الّذي يخرج فيه. وكذلك جاء في وصيّة كلّ نبيّ حتّى بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وإنّما عرفوا نوحا بالعلم الّذي عندهم.
وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ) (إلى آخر الآية). وكان من بين آدم ونوح من الأنبياء مستخفين. ولذلك خفي ذكرهم في القرآن فلم يسمّوا، كما سمّي من استعلن من الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(١) : روى الشّيخ أبو جعفر بن بابويه، بإسناده في كتاب النّبوّة، مرفوعا إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمـّـا أن بعث الله ـ عزّ وجلّ ـ نوحا، دعا قومه علانية. فلمّا سمع عقب هبة الله من نوح تصديق ما في أيديهم من العلم وعرفوا أنّ العلم الّذي في أيديهم هو العلم الّذي جاء به نوح، صدّقوه وسلّموا له. فأمّا ولد قابيل فإنّهم كذّبوه، وقالوا: إنّ الجنّ كانت قبلنا، فبعث الله إليهم ملكا. فلو أراد الله أن يبعث إلينا، لبعث إلينا ملكا من الملائكة.
وفي تفسير العسكري ـ عليه السّلام ـ: كانت شريعة نوح، أن يعبد الله بالتّوحيد والإخلاص وخلع الأنداد. وهي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. وأخذ الله ميثاقه على نوح والنّبيّين أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا. وأمر بالصّلاة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والحلال والحرام، ولم يفرض عليهم أحكام حدود ولا فرض مواريث.
( فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ) ، أي: اعبدوه وحده، لقوله:( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) .
__________________
(١) المجمع ٢ / ٤٣٤.
وقرأ(١) الكسائي: «غيره» بالجرّ [نعتا أو بدلا](٢) على اللّفظ.
وقرئ(٣) ، بالنّصب، على الاستثناء.
( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (٥٩): إن لم تؤمنوا. وهو وعيد وبيان للدّاعي إلى عبادته ـ تعالى ـ.
و «اليوم» يوم القيامة، أو يوم نزول الطّوفان.
( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ ) ، أي: الأشراف. فإنّهم يملئون العيون رواء.
( إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ ) : زوال عن الحقّ والصّواب.
( مُبِينٍ ) (٦٠): بيّن.
( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ) : بالغ في النّفي، كما بالغوا في الإثبات، وعرّض لهم به.
( وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (٦١): استدرك باعتبار ما يلزمه وهو كونه على هدى، كأنّه قال: ولكنّي على هدى في الغاية، لأنّي رسول من الله.
( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٦٢) :
صفات لرسول، أو استئناف. ومساقها على الوجهين، لبيان كونه رسولا.
وقرأ(٤) أبو عمرو: «أبلغكم» بالتّخفيف.
وجمع «الرّسالات» لاختلاف أوقاتها، أو لتنوّع معانيها، كالعقائد والمواعظ والأحكام. أو لأنّ المراد بها ما أوحى إليه وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث وإدريس.
وزيادة «اللّام» للدّلالة على إمحاض النّصح لهم.
وفي( أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ) تقرير لما أوعدهم به. فإنّ معناه: أعلم من قدرته وشدّة بطشه، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها.
( أَوَعَجِبْتُمْ ) «الهمزة» للإنكار. و «الواو» للعطف على محذوف، أي: أكذّبتم وعجبتم.
( أَنْ جاءَكُمْ ) : من أن جاءكم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٣.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٤.
( ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) : رسالة، أو موعظة.
( عَلى رَجُلٍ ) : على لسان رجل.
( مِنْكُمْ ) : من جملتكم، أو من جنسكم. فإنّهم كانوا يتعجّبون من إرسال البشر، ويقولون:( لَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ) .
( لِيُنْذِرَكُمْ ) : ليحذّركم عاقبة الكفر والمعاصي.
( وَلِتَتَّقُوا ) : منهما، بسبب إنذاره.
( وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٦٣): بالتّقوى.
وفي إيراد حرف التّرجّي، تنبيه على أنّ التّقوى غير موجب، وأن المتّقي لا ينبغي أن يعتمد على تقواه ولا يأمن سوء العاقبة.
( فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) : وهم من آمن به.
قيل(١) : كانوا أربعين رجلا، وأربعين امرأة.
وقيل(٢) : تسعة، بنو سام وحام ويافث، وستّة ممّن آمن به.
( فِي الْفُلْكِ ) : متعلّق «بمعه»، أو «بأنجينا». أو حال من الموصول، أو الضّمير في «معه».
( وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) : بالطّوفان.
( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ) (٦٤): عمي القلب، غير مستبصرين. وأصله «عميين»، فخفّف.
وقرئ: «عامين». والأوّل أبلغ، لدلالته على الثّبات. ويأتي تمام قصّة نوح ـ على نبيّنا وعليه السّلام ـ في سورة هود إن شاء الله ـ تعالى ـ.
( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ ) : عطف على «نوحا إلى قومه».
( هُوداً ) : عطف بيان «لأخاهم». والمراد به الواحد منهم، كقولهم: يا أخا العرب. وإنّما جعل منهم، لأنّهم أفهم لقوله وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه(٣) .
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن يحيى بن المساور(٥) الهمدانيّ، عن أبيه: جاء رجل من
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٥٤.
(٣) ب: اقتضائه.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٢٠، ح ٥٣.
(٥) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٣٣٩. وفي النسخ: يحيى بن المثاور.
أهل الشّام [إلى عليّ بن الحسين](١) فقال: أنت عليّ بن الحسين؟
قال: نعم.
قال: جدّك الّذي قتل المؤمنين؟
فبكى عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ ثمّ مسح عينه، فقال: ويلك، كيف قطعت على جدّي أنّه قتل المؤمنين؟
قال: إخواننا قد بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم.
فقال: ويلك، أما تقرأ القرآن؟
قال: بلى.
قال: فقد قال الله:( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ) (٢) .( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) .
( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ) . فكانوا إخوانهم في دينهم، أو إخوانهم في عشيرتهم؟
فقال الرّجل: لا بل في عشيرتهم.
قال: فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم، وليسوا إخوانهم في دينهم.
قال: فرّجت عنّي، فرّج الله عنك.
وفي رواية أخرى(٣) قال: فأهلك الله عادا، وأنجى هودا. وأهلك ثمودا، وأنجى صالحا.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل.
وفيه: لقد علمت صاحبة الحرب(٥) والمستحفظون من آل محمّد، أنّ أصحاب الجمل وأصحاب صفّين وأصحاب النّهروان لعنوا على لسان النّبيّ الأمّيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وقد خاب من افترى.
فقال شيخ من أهل الكوفة: يا عليّ بن الحسين، إنّ جدّك كان يقول: لإخواننا بغوا علينا.
فقال علي بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: أما تقرأ كتاب الله
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الآية ليست في المصدر.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ١٥٢، ذيل ح ٤٣ ببعض التصرف.
(٤) الاحتجاج ٢ / ٤٠.
(٥) المصدر: الجدب. كذا في النسخ والمصدر. ولعله كناية
( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ) . أنّهم مثله نجّى الله(١) ـ عزّ وجلّ ـ هودا والّذين معه، وأهلك عادا بالرّيح العقيم.
قيل(٢) : إنّه هود بن عبد الله بن رياح(٣) بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام [بن نوح](٤) .
وقيل(٥) : هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.
[وقيل(٦) : هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام](٧) بن عمّ أبي عاد.
وفي روضة الكافي(٨) : عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول: وبشّر نوح ساما بهود. فكان فيما بين نوح وهود أنبياء. وقال نوح: إنّ الله باعث نبيّا يقال له: هود. وإنّه يدعو قومه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ فيكذّبونه. وإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يهلكهم بالرّيح. فمن أدركه منكم، فليؤمن به وليتّبعه. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ينجيه من عذاب الرّيح.
وأمر نوح ـ عليه السّلام ـ ابنه ساما أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة، فيكون حينئذ عيدا لهم. فيتعاهدون فيه ما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر ومواريث العلم و [آثار](٩) علم النّبوّة. فوجدوا هودا نبيّا ـ عليه السّلام ـ قد بشرّ به إبراهيم و(١٠) نوح ـ عليه السّلام ـ. فآمنوا به واتّبعوه وصدّقوه، فنجوا من عذاب الرّيح. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ) . وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ) (١١) .
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١٢) ، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه قال: قال الصّادق جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: لـمـّـا حضرت نوحا(١٣) الوفاة، دعا الشّيعة. فقال لهم: اعلموا أنّه سيكون من بعدي غيبة يظهر فيها الطّواغيت. وأنّ الله
__________________
(١) المصدر: فهم مثلهم، أنجى الله.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٤.
(٣) المصدر: رباح.
(٤) من المصدر.
(١ و ٦) ـ نفس المصدر والموضع.
(٧) من المصدر.
(٨) الكافي ٨ / ١١٥ ـ ١١٦، ضمن ح ٩٢.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: «أبوهم» بدل «إبراهيم و».
(١١) الشعراء / ١٢٣ ـ ١٢٤.
(١٢) كمال الدين / ١٣٥، صدر ح ٤.
(١٣) ليس في «ب»: نوحا.
ـ عزّ وجلّ ـ سيفرّج عنكم بالقائم من ولدي اسمه هود، له سمت وسكينة ووقار، يشبهني في خلقي وخلقي.
وبإسناده(١) إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن الصّادق أبي عبد الله جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: أنّ هودا لـمـّـا بعثه الله ـ عزّ وجلّ ـ سلّم له العقب من ولد سام. وأمّا الآخرون فقالوا: من أشدّ منّا قوّة، فأهلكوا بالرّيح العقيم. وأوصاهم هود وبشّرهم بصالح.
وفيه(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. فيه: أنّ الأنبياء(٣) بعثوا خاصّة وعامّة.
أمّا هود، فإنّه أرسل إلى عاد بنبوّة خاصّة.
( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) : استأنف به ولم يعطف، كما في قصّة نوح. كأنّه جواب سائل قال: فما قال لهم حين أرسل؟ وكذلك جوابهم في القصّتين.
( أَفَلا تَتَّقُونَ ) (٦٥): عذاب الله.
ووصف الملأ في( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) : إذ كان من أشرافهم من آمن به، كمرثد بن سعد. على ما نقل.
( إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ) : متمكّنا في خفّة عقل راسخا فيها، حيث فارقت دين قومك.
( وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) (٦٦): فيما تقوله.
( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (٦٧).
( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ ) : فيما أدعوكم من توحيد الله وطاعته.
( أَمِينٌ ) (٦٨): ثقة مأمون في تأدية الرّسالة، فلا أكذب ولا أغيّر.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : وقال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما يجوز(٥) أن يزكّي الرّجل نفسه؟
قال: نعم، إذا اضطر إليه. أما سمعت قول يوسف :
__________________
(١) كمال الدين / ١٣٦، ح ٥.
(٢) نفس المصدر / ٢١٩ ـ ٢٢٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الأوصياء.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ١٨١، ح ٤٠.
(٥) ب: أيجوز.
( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (١) . وقول العبد الصّالح:( وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) .
( أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ) : مرّ تفسيره.
وفي إجابة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقابلتهم بمثلها، مع علمهم بأنّهم أضلّ الخلق وأسفههم، أدب حسن.
وحكاية الله ذلك، تعليم لعباده كيف يخاطبون السّفهاء ويدارونهم. وفي قوله( وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) ، تنبيه على أنّهم عرفوه بالأمرين.
( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) .
قيل(٢) : أي: في مساكنهم [من رمل عالج إلى شجر عمّان](٣) . أو في الأرض، بأن جعلكم ملوكا. فإنّ شدّاد بن عاد ممّن ملك معمورة الأرض(٤) .
وقيل(٥) : أو خلّفتموهم في الأرض بعد هلاكهم بالعصيان.
خوّفهم من عقاب الله، ثمّ ذكّرهم بإنعامه.
( وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ) : قامة وقوّة.
وفي مجمع البيان(٦) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: كانوا كالنّخل الطّوال. وكان الرّجل منهم ينحو الجبل بيده، فيهدم منه قطعة.
( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٦٩): لكي يفضي ذكر النّعم إلى الشّكر، المؤدّي إلى الفلاح.
وفي أصول الكافي(٧) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن عبد الله بن عبد الرّحمن، عن الهيثم بن واقد، عن أبي يوسف(٨) البزّاز قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: أو تدري ما «آلاء الله»؟
قلت: لا.
__________________
(١) يوسف / ٥٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٤.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: ممّن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى بحر عمان.
(٥) تفسير الصافي ٢ / ٢١٠.
(٦) المجمع ٢ / ٤٣٧.
(٧) الكافي ١ / ٢١٧، ح ٣.
(٨) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٤٢٦. وفي النسخ: ابن يوسف.
قال: هي أعظم نعم الله على خلقه، وهي ولايتنا.
( قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) : استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والإعراض عمّا أشرك آباؤهم، انهماكا في التّقليد وحبّا لما ألفوه.
ومعنى «المجيء» في «أجئتنا»: إمّا المجيء من مكان اعتزل به عن قومه، أو من السّماء. على التّهكّم، أو القصد على المجاز، كقولهم: ذهب يسبّني.
( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) : من العذاب، المدلول عليه بقوله: «أفلا تتّقون».
( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٧٠): فيه.
( قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ) : وجب وحقّ عليكم، أو نزل عليكم. على أنّ المتوقّع، كالواقع.
( مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ ) : عذاب. من الارتجاس: وهو الاضطراب.
( وَغَضَبٌ ) : إرادة انتقام.
( أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ) ، أي: في أشياء سمّيتموها آلهة، وليس فيها معنى الإلهيّة. لأنّ المستحقّ للعبادة بالذّات، هو الموجد للكلّ. وأنّها لو استحقّت، كان استحقاقها بجعله ـ تعالى ـ إمّا بإنزال آية، أو نصب حجّة.
( ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) : من آية ونصب حجّة.
ومنتهى حجّتهم وسندهم، أنّ الأصنام تسمّى آلهة من غير دليل يدلّ على تحقّق المسمّى، وإسناد الإطلاق إلى من يؤبه بقوله. واستدلّ به على أنّ الاسم عين المسمّى، إذ المجادلة في المسمّيات لا في الأسماء. وأنّ اللّغات توقيفيّة، إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجّه الذّمّ والإبطال بأنّها أسماء مخترعة لم ينزل بها سلطان. وهو ضعيف، إذ الذّمّ للمجادلة في المسمّيات ولإطلاق أسماء الآله والمعبود عليها واتّباع معاني تلك الأسماء فيها، لا لمجرد المجادلة في الأسماء وإطلاقها عليها.
( فَانْتَظِرُوا ) : لـمـّـا وضح الحقّ، وأنتم مصرّون على العناد نزول العذاب.
( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (٧١).
في تفسير العيّاشيّ(١) : عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: ما أحسن الصّبر وانتظار الفرج. أما سمعت قول العبد الصّالح :
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠، ح ٥٢.
( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) .
( فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) : في الدّين.
( بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) : عليهم.
( وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) : استأصلناهم.
( وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ ) (٧٢): تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أنّ الفارق بين من نجا وبين من هلك هو الإيمان.
نقل(١) : أنّهم كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم هودا فكذّبوه وازدادوا عتوّا. فأمسك الله القطر عنهم ثلاث سنين، حتّى جهدهم. وكان النّاس حينئذ مسلمهم ومشركهم إذا نزل بهم بلاء، توجّهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج. فجهّزوا إليه قيل بن عثر(٢) ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم. وكان إذ ذاك بمكّة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام، وسيّدهم معاوية بن بكر.
فلمّا قدموا عليه، وهو بظاهر مكّة، أنزلهم وأكرمهم. وكانوا أخواله وأصهاره.
فلبثوا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان(٣) فيبشان(٤) له. فلمّا رأى ذهولهم باللهو عمّا بعثوا له، أهمّه ذلك. واستحيا أن يكلّمهم فيه، مخافة أن يظنّوا به ثقل مقامهم. فعلّم المغنّيتين(٥) :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم |
لعلّ الله يسقينا الغماما |
|
فيسقي أرض عاد إنّ عادا |
قد أمسوا ما يبينون الكلاما |
[وفي تفسير المغنيّ بعد هذا الكلام :
من العطش الشّديد ليس يرجو |
به الشّيخ الكبير ولا الغلاما |
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٥ ـ ٣٥٦. وفيه «روى» بدل «نقل».
(٢) المصدر: قيل بن عنز.
(٣) أ: جاريتان. ب: الجوارتان.
(٤) كذا في المصدر. وفي ب، ر: بنتان. وفي سائر النسخ: فيشبان.
(٥) المصدر القينتين.
وأنّ الوحش تأتيهم جهارا |
فلا تخشى لعاديّ سهاما |
|
وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم |
نهاركم وليلكم تماما |
|
فقبّح وفدكم من وفد قوم |
ولالقوا التّحيّة والسّلاما](١) |
حتّى غنّتا به. فأزعجهم ذلك.
فقال مرثد: والله، لا تسقون بدعائكم. ولكن إن أطعتم نبيّكم وتبتم إلى الله، سقيتم.
فقالوا لمعاوية: أحبسه عنّا، لا يقدمنّ معنا مكّة. فإنّه قد تبع(٢) دين هود، وترك ديننا.
ثمّ دخلوا مكّة.
فقال قيل: أللّهمّ، اسق عادا ما كنت تسقيهم.
فأنشا الله ـ سبحانه ـ سحابات ثلاثا، بيضاء وحمراء وسوداء. ثمّ نادى مناد من السّماء: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك.
فاخترت السّوداء، فإنّها أكثرهنّ ماء.
فخرجت السّحابة على عاد من وادي المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا. فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم. ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكّة وعبدوا الله فيها حتّى ماتوا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: الرّيح العقيم تخرج من تحت الأرضين السّبع. وما [خرجت منها ريح على قوم(٤) قطّ، إلّا على قوم عاد حين غضب الله عليهم. فأمر الخزّان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم، فقست على الخزّان(٥)
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(٢) المصدر: اتّبع.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٣٠.
(٤) المصدر: «يخرج منها شيء» بدل «خرجت منها ريح على قوم».
(٥) المصدر: «فعصت على الخزنة» بدل «فقست على الخزّان».
فخرج منها على مقدار منخر الثّور تغيّظا منها على قوم عاد. فضجّ الخزنة(١) إلى الله ـ تعالى ـ من ذلك.
فقالوا: يا ربّنا، إنّها قد عتت عن أمرنا. ونحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك وعمّار بلادك.
فبعث الله إليها جبرئيل، فردّها بجناحه. وقال لها: اخرجي على ما أمرت به.
فخرجت على ما أمرت به، وأهلكت قوم عاد ومن كان بحضرتهم.
وفي مجمع البيان(٢) : وروى أبو حمزة الثّماليّ، عن سالم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ لله ـ تبارك وتعالى ـ بيت ريح مقفّل عليه. لو فتح، لأذرت(٣) ما بين السّماء والأرض. ما أرسل على قوم عاد، إلّا قدر الخاتم.
قال: وكان هود وصالح وشعيب وإسماعيل ونبيّنا ـ عليهم السّلام ـ يتكلّمون بالعربيّة.
( وَإِلى ثَمُودَ ) : قبيلة أخرى من العرب سمّوا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم(٤) بن سام.
وقيل: سمّوا به، لقلّة مائهم. من الثّمد: وهو الماء القليل.
وقرئ(٥) ، مصروفا، بتأويل الحيّ. أو باعتبار الأصل.
قيل(٦) : كانت مساكنهم الحجر، بين الشّام والحجاز إلى وادي القرى.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضل(٨) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل: أمّا صالح، فإنّه أرسل إلى ثمود. وهي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر(٩) صغيرة.
( أَخاهُمْ صالِحاً ) : صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الخزانة.
(٢) المجمع ٢ / ٤٣٩.
(٣) أذرته الريح إذراءا: أطارته وأذهبته.
(٤) أ، ر: آدم.
(١ و ٦) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٥٦.
(٧) كمال الدين / ٢٢٠.
(٨) المصدر، ب: محمد بن الفضيل.
(٩) ب: «ماحل بحر» بدل «ساحل البحر».
( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) : معجزة ظاهرة الدّلالة على صحّة نبوّتي.
( هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ ) : استئناف لبيان البيّنة.
( آيَةً ) : نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة. و «لكم» بيان لمن هي له آية.
ويجوز أن تكون «ناقة الله» أن يكون(١) بدلا، أو عطف بيان. و «لكم» خبرا عاملا في «آية».
وإضافة النّاقة إلى الله، لتعظيمها، ولأنّها جاءت من عنده بلا وسائط وأسباب معهودة. ولذلك كانت آية.
( فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ ) : العشب.
( وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ) : نهي عن المسّ، الّذي هو مقدّمة الإصابة بالسّوء الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر.
( فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٧٣): جواب للنّهي.
( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً ) : تبنون في سهولها. أو من سهولة الأرض بما تعملون منها، كاللّبن والآجر.
( وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ) .
وقرئ(٢) : «تنحتون» بالفتح. و «تنحاتون» بالإشباع.
وانتصاب «بيوتا» على الحال المقدّرة، أو المفعول. على أنّ التّقدير: بيوتا من الجبال. أو «تنحتون»، بمعنى: تتّخذون.
وفي مجمع البيان(٣) : يروى أنّهم لطول أعمارهم، كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا في الجبال بيوتا، لأنّ السّقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم.
( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (٧٤)، أي: ولا تبالغوا في الفساد.
__________________
(١) ليس في ب: أن يكون.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٦.
(٣) المجمع ٢ / ٤٤٠.
( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) ، أي: عن الإيمان.
( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) : للّذين استضعفوهم واستذلّوهم.
( لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) : بدل من «للّذين استضعفوا» بدل الكلّ، إن كان الضّمير «لقومه». وبدل البعض، إن كان «للّذين».
( أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ) : قالوه على الاستهزاء.
( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) (٧٥): عدلوا به عن الجواب السّويّ، الّذي هو «نعم»، تنبيها على أنّ إرساله أظهر من أن يشكّ فيه عاقل أو يخفى على ذي رأي.
وإنّما الكلام فيمن آمن به ومن كفر. فلذلك قال:( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) (٧٦): على المبالغة. ووضعوا «آمنتم به» موضع «أرسل به» ردّا لما جعلوه معلوما مسلّما.
في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى زيد الشّحّام: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ صالحا ـ عليه السّلام ـ غاب عن قومه زمانا. وكان يوم غاب عنهم كهلا، مبدّح البطن(٢) ، حسن الجسم، وافر اللّحية، خميص البطن، خفيف العارضين، مجتمعا ربعة(٣) من الرّجال. فلمّا رجع إلى قومه، لم يعرفوه بصورته. فرجع إليهم وهم على ثلاث طبقات: طبقة جاحدة لا ترجع أبدا، وأخرى شاكّة فيه، وأخرى على يقين.
فبدأ ـ عليه السّلام ـ حين رجع بالطّبقة الشّاكّة فقال لهم: أنا صالح. فكذّبوه وشتموه وزجروه، وقالوا: بريء(٤) الله منك، إنّ صالحا كان في غير صورتك.
قال: فأتى الجحّاد، فلم يسمعوا منه القول ونفروا منه أشدّ النّفور.
ثمّ انطلق إلى الطّبقة الثّالثة، وهم أهل اليقين. فقال لهم: أنا صالح.
فقالوا: أخبرتنا خبرا لا نشكّ فيه معك أنّك صالح. فإنّا لا نمتري. فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ ينقل ويحوّل في أيّ صورة شاء. وقد أخبرنا وتدارسنا فيما بيننا بعلامات القائم إذا جاء. وإنّما يصحّ عندنا إذا أتى الخبر من السّماء.
__________________
(١) كمال الدين / ١٣٦ ـ ١٣٧، ح ٦.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: مبذح البطن. والمبدّح: بمعنى الموسّع، أو واسع البطن.
(٣) ربعة، أي: لا بالطويل ولا بالقصير.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: نبرأ.
فقال لهم: أنا صالح، الّذي أتيتكم بالنّاقة.
فقالوا: صدقت، وهي الّتي نتدارس، فما علامتها؟
فقال:( لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) .
قالوا: آمنا بالله وبما جئتنا به.
فعند ذلك قال ـ تبارك وتعالى ـ:( أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ) .
فقال أهل اليقين:( إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) وهم الشّكّاك [والجحّاد](١) ( إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) .
قلت: هل كان فيهم ذلك اليوم عالم به؟
فإنّ الله أعدل من أن يترك الأرض بلا عالم يدلّ على الله ـ عزّ وجلّ ـ. ولقد مكث القوم بعد خروج صالح ـ عليه السّلام ـ سبعة أيّام على فترة لا يعرفون إماما، غير أنّهم على ما في أيديهم من دين الله ـ عزّ وجلّ ـ كلمتهم واحدة. فلمّا ظهر صالح ـ عليه السّلام ـ اجتمعوا عليه. وإنّما مثل القائم ـ عليه السّلام ـ مثل صالح.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ) (٣) .
يقول: مصدّق ومكذّب. قال الكافرون منهم: أتشهدون( أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ) . قال المؤمنون: إنا بالذي أرسل به مؤمنون. قال الكافرون:( إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) .
وفي كتاب الاحتجاج(٤) ، للطّبرسي ـ رحمه الله ـ روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فإنّ هذا صالح أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة.
قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أعطي ما هو أفضل من ذلك. إنّ ناقة صالح لم تكلّم صالحا ولم تناطقه ولم تشهد له بالنّبوّة ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) تفسير القمّي ٢ / ١٣٢.
(٣) النمل / ٤٥.
(٤) الاحتجاج ١ / ٣١٧.
ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ بينا نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قد دنا ثمّ رغا، فأنطقه الله ـ عزّ وجلّ ـ. ثمّ قال: يا رسول الله، إنّ فلانا استعملني حتّى كبرت ويريد نحري، فأنا أستعيذ بك منه. فأرسل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى صاحبه، فاستوهبه منه، فوهبه له وخلّاه.
ولقد كنّا معه، فإذا نحن بأعرابيّ معه ناقة يسوقها، وقد استسلم للقطع لما زوّر عليه من الشّهود، فنطقت النّاقة فقالت: يا رسول الله، إنّ فلانا منّي بريء، وإنّ الشّهود يشهدون عليه بالزّور، وإنّ سارقي فلان اليهوديّ.
وفي كتاب الخصال(١) : عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: خرج(٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات يوم وهو آخذ بيد عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. وهو يقول: يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد المطّلب، أنا محمّد رسول الله. ألا إنّي خلقت من طينة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا وعليّ وحمزة وجعفر.
فقال قائل: يا رسول الله، هؤلاء معك ركبان يوم القيامة؟
فقال: ثكلتك أمّك، إنّه لن يركب يومئذ إلّا أربعة: أنا وعليّ وفاطمة وصالح، نبيّ الله. فأمّا أنا، فعلى البراق. وأمّا فاطمة ابنتي، فعلى ناقتي العضباء. وأمّا صالح، فعلى ناقة الله الّتي عقرت. وأمّا عليّ، فعلى ناقة من نور(٣) زمامها من ياقوت عليه حلّتان خضراوان.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: بني الكفر على أربع دعائم ـ إلى أن قال ـ: ومن عتا عن أمر الله، شكّ. ومن شكّ، تعالى الله عليه فأذلّه بسلطانه وصغره بجلاله، كما اغترّ بربّه الكريم وفرط في أمره.
( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ) : فنحروها. أسند إلى جميعهم فعل بعضهم للملابسة، أو لأنّه كان برضاهم.
( وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) : واستكبروا عن امتثاله. وهو ما بلّغهم صالح بقوله :
__________________
(١) الخصال / ٢٠٤ ـ ٢٠٥ ح ٢٠.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(٣) المصدر: «نوق الجنّة» بدل «نور».
(٤) الكافي ٢ / ٣٩١ و ٣٩٢.
«فذروها».
( وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٧٧)
( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) : الزّلزلة.
وفي سورة هود( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) (١) .
وفي الحجر( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) (٢) . ولعلّها كانت من مبادئها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة، فهلكوا.
( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) (٧٨): خامدين ميّتين، لا يتحرّكون.
يقال: النّاس جثم، أي: قعود لا حراك بهم.
وأصل الجثوم: اللّزوم في المكان.
في روضة الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ سأل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: كيف كان مهلك قوم صالح ـ عليه السّلام ـ؟
فقال: يا محمّد، إنّ صالحا بعث إلى قومه وهو ابن ستّ عشرة سنة. فلبث فيهم حتّى بلغ عشرين ومائة سنة، لا يجيبونه إلى خير.
قال: وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله.
فلمّا رأى ذلك منهم قال: يا قوم بعثت إليكم وأنا ابن ستّ عشرة سنة، وقد بلغت عشرين ومائة سنة. وأنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فاسألوني، حتّى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني السّاعة. وإن شئتم سألت آلهتكم، فإن أجابتني بالّذي أسألها خرجت عنكم فقد سأمتكم وسأمتموني.
فقالوا: قد أنصفت، يا صالح.
فاتّعدوا ليوم يخرجون فيه.
فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم، ثمّ قرّبوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا. فلمّا أن فرغوا، دعوه.
فقالوا: يا صالح، سل.
__________________
(١) هود: ٦٧.
(٢) الحجر: ٧٣.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٣٢.
(٤) الكافي ٨ / ١٨٥ ـ ١٨٧، ح ٣١٣.
فقال لكبيرهم: ما اسم هذا؟
قالوا: فلان.
فقال له صالح: يا فلان، أجب.
فلم يجبه.
فقال صالح: ما له لا يجيب؟
قالوا: ادع غيره.
قال: فدعاها كلّها بأسمائها، فلم يجبه منها شيء.
فاقبلوا على أصنامهم، فقالوا لها: ما لك لا تجيبين صالحا؟
فلم تجب.
فقالوا: تنحّ عنّا، ودعنا وآلهتنا ساعة.
ثمّ نحّوا بسطهم وفرشهم، ونحّوا ثيابهم، وتمرّغوا على التّراب، وطرحوا التّراب على رؤوسهم وقالوا لأصنامهم: لئن لم تجبن صالحا اليوم لتفضحنّ(١) قال: ثمّ دعوه.
فقالوا: يا صالح، ادعها.
فدعاها، فلم تجبه.
فقال لهم: يا قوم، قد ذهب صدر النّهار ولا أرى آلهتكم تجيبني، فاسألوني حتّى ادعوا إلهي يجيبكم السّاعة.
فانتدب له منهم سبعون رجلا من كبرائهم والمنظور إليهم منهم، فقالوا: يا صالح، نحن نسألك. فإن أجابك ربّك، اتّبعناك وأجبناك ويبايعك جميع أهل قريتنا.
فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم.
فقالوا: تقدّم بنا إلى هذا الجبل.
وكان الجبل قريبا منهم. فانطلق معهم صالح. فلمّا انتهوا إلى الجبل، قالوا: يا صالح، ادع لنا ربّك يخرج لنا من هذا الجبل السّاعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء، بين جبينها ميل.
فقال لهم صالح: لقد سألتموني شيئا يعظم عليّ ويهون على ربّي ـ تعالى ـ.
قال: فسأل الله ـ تعالى ـ صالح ذلك، فانصدع الجبل صدعا كادت تطير منه
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لنفضحنّ.
عقولهم لـمـّـا سمعوا ذلك. ثمّ اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا، كالمرأة إذا أخذها المخاض. ثمّ لم يفجأهم إلّا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصّدع، فما استتمّت رقبتها حتّى اجترّت. ثمّ خرج سائر جسدها. ثمّ استوت قائمة على الأرض.
فلمّا رأوا ذلك، قالوا: يا صالح، ما أسرع ما أجابك ربّك! ادع لنا [ربّك](١) يخرج لنا فصيلها.
فسأل الله ـ تعالى ـ ذلك، فرمت به، فدبّ حولها.
فقال لهم: يا قوم، أبقي شيء؟
قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون بك.
قال: فرجعوا. فلم يبلغ السّبعون إليهم حتّى ارتدّ منهم أربعة وستّون رجلا، وقالوا: سحر وكذب.
قال: فانتهوا إلى الجميع، فقال السّتّة: حقّ. وقال الجميع: سحر وكذب.
قال: فانصرفوا على ذلك. ثمّ ارتاب من السّتّة واحد، فكان فيمن عقرها.
قال ابن محبوب: فحدّثت بهذا الحديث رجلا من أصحابنا يقال له: سعيد بن يزيد.
فأخبرني، أنّه رأى الجبل الّذي منه خرجت بالشّام. قال: فرأيت جنبها قد حكّ الجبل، فأثّر جنبها فيه. وجبل آخر بينه وبين هذا ميل.
وعن الصّادق(٢) ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) . هذا فيما كذّبوا صالحا(٣) . وما أهلك الله ـ تعالى ـ قطّ قوما، حتّى يبعث إليهم قبل ذلك الرّسل فيحتجّوا عليهم. فبعث الله إليهم صالحا. فدعاهم إلى الله، فلم يجيبوا وعتوا عليه وقالوا: لن نؤمن لك حتّى تخرج لنا من هذه الصّخرة ناقة عشراء. وكانت الصّخرة يعظّمونها ويعبدونها، ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة ويجتمعون عندها.
فقالوا له: إن كنت كما تزعم نبيّا رسولا، فادع لنا إلهك حتّى يخرج لنا من هذه الصّخرة الصّمّاء ناقة عشراء.
فأخرجها الله، كما طلبوا منه.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٨ / ١٨٧ ـ ١٨٩، ح ٢١٤.
(٣) المصدر: قال: هذا كان بما كذّبوا به صالحا.
ثمّ أوحى الله ـ تعالى ـ إليه أن يا صالح، قل لهم: إنّ الله قد جعل لهذه النّاقة من الماء شرب يوم ولكم شرب يوم.
فكانت النّاقة إذا كان يوم شربها، شربت ذلك اليوم الماء. فيحلبونها، فلا يبقى صغير ولا كبير إلّا شرب من لبنها يومهم ذلك. فإذا كان اللّيل وأصبحوا، غدوا(١) إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب النّاقة ذلك اليوم.
فمكثوا بذلك ما شاء الله. ثمّ أنّهم عتوا على الله، ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه النّاقة واستريحوا منها. لا نرضى أن يكون لها شرب يوم، ولنا شرب يوم.
ثمّ قالوا: من الّذي يلي قتلها، ونجعل له جعلا ما أحبّ؟
فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق [ولد زنا](٢) ، لا يعرف له أب. يقال له: قدار.
شقيّ من الأشقياء مشؤوم عليهم. فجعلوا له جعلا.
فلمّا توجّهت النّاقة إلى الماء الّذي كانت ترده، تركها حتّى شربت ذلك الماء وأقبلت راجعة. فقعد لها في طريقها. فضربها بالسّيف ضربة، فلم تعمل شيئا. فضربها ضربة أخرى، فقتلها وخرّت(٣) إلى الأرض على جنبها. وهرب فصيلها حتّى صعد إلى الجبل، فرغا ثلاث مرّات إلى السّماء. وأقبل قوم صالح، فلم يبق أحد منهم إلّا شركه في ضربته. واقتسموا لحمها فيما بينهم، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها.
فلمّا رأى ذلك صالح، أقبل إليهم فقال: يا قوم، ما دعاكم إلى ما صنعتم، أعصيتم ربّكم؟
فأوحى الله ـ تعالى ـ إلى صالح ـ عليه السّلام ـ: إنّ قومك قد طغوا وبغوا، وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجّة عليهم، ولم يكن عليهم منها ضرر، وكان لهم فيها أعظم المنفعة.
فقل لهم: إنّي مرسل إليكم(٤) عذابي إلى ثلاثة أيّام. فإن هم تابوا ورجعوا، قبلت توبتهم وصددت عنهم. وإن هم لم يتوبوا فيها ولم يرجعوا، بعثت عليهم عذابي في اليوم الثّالث.
__________________
(١) ب: عمدوا.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «جرت» بدل. «وخرّت».
(٤) المصدر: عليكم.
فأتاهم صالح ـ عليه السّلام ـ. فقال لهم: يا قوم، إنّي رسول ربّكم إليكم. وهو يقول لكم: إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم، غفرت لكم وتبت عليكم.
فلمّا قال لهم ذلك، كانوا أعتا ما كانوا وأخبث. وقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصّادقين.
قال: يا قوم، إنّكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرّة، واليوم الثّاني وجوهكم محمرّة، واليوم الثّالث وجوهكم مسودّة.
فلمّا أن كانوا(١) أوّل يوم، أصبحوا ووجوههم مصفرّة. فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله، وإن كان عظيما.
فلمّا كان اليوم الثّاني، أصبحت وجوههم محمرّة. فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لو أهلكنا جميعا، ما سمعنا قول صالح، ولا تركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها. ولم يتوبوا ولم يرجعوا.
فلمّا كان اليوم الثّالث، أصبحوا ووجوههم مسودّة. فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: يا قوم، قد أتاكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح.
فلمّا كان نصف اللّيل، أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة، خرقت تلك الصّرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم. وقد كانوا في تلك الثّلاثة الأيّام قد تحنّطوا وتكفّنوا، وعلموا أنّ العذاب نازل بهم. فماتوا أجمعون في طرفة عين، صغيرهم وكبيرهم. فلم يبق لهم ثاغية(٢) ولا راغية(٣) ولا شيء إلّا أهلكه الله، فأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى أجمعين. ثمّ أرسل الله عليهم مع الصّيحة النّار من السّماء فأحرقتهم أجمعين وكانت هذه قصّتهم وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، ما يقرب من بعض ما في الحديثين في سورة هود.
( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا
__________________
(١) المصدر: كان.
(٢) المصدر: ناعقة.
(٣) ب: باعية.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٣٠ ـ ٣٣٢.
تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) (٧٩): ظاهره أنّ تولّيه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين. ولعلّه خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أهل قليب بدر.
وقال: إنّا( وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ) . أو ذكر ذلك على سبيل التّحسّر عليهم.
( وَلُوطاً ) ، أي: وأرسلنا لوطا.
( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ) : وقت قوله لهم. أو اذكر لوطا. و «إذ» بدل منه
في الكافي(١) عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ(٢) أمّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ وأمّ لوط ـ عليه السّلام ـ كانتا(٣) أختين. وهما ابنتان للاحج. وكان اللّاحج نبيّا منذرا، ولم يكن رسولا.
وفي علل الشّرائع(٤) ، وفي تفسير العيّاشي(٥) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: وكان لوطا ابن خالة إبراهيم وكانت سارة امرأة إبراهيم [اخت لوط. وكان لوط وابراهيم نبيين مرسلين منذرين.](٦)
[وفي الكافي(٧) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ إنّ إبراهيم](٨) خرج من بلاد نمرود ومعه لوط لا يفارقه وجاءت(٩) سارة. إلى أن نزل بأعلى الشّامات، وخلّف لوطا بأدنى الشّامات.
( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) : توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح.
( ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) (٨٠): ما فعلها أحد قبلكم قطّ.
و «الباء» للتّعدية. و «من» الأولى لتأكيد النّفي والاستغراق، والثّانية للتّبعيض. والجملة استئناف مقرّرة للإنكار، كأنّه وبّخهم أولا بإتيان الفاحشة، ثمّ باختراعها فإنّه أسوء.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٧٠، صدر ح ٥٦٠.
(٢) المصدر: «كانت» بدل «إنّ».
(٣) المصدر: «سارة وورقة ـ وفي نسخة ـ رقية» بدل «كانتا».
(٤) العلل / ٥٤٩، ضمن ح ٤.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٥، ضمن ح ٢٦.
(٦) من المصدرين.
(٧) الكافي ٨ / ٣٧١ و ٣٧٣، ح ٥٦٠.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.
(٩) ليس في المصدر.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى أبي حمزة(٢) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قوم لوط: أنّ إبليس أتاهم في صورة حسنة، فيها تأنيث، عليه ثياب حسنة. فجاء إلى شبّان منهم، فأمرهم أن يقعوا به. ولو طلب إليهم أن يقع بهم، لأبوا عليه ولكن طلب إليهم أن يقعوا به. فلمّا وقعوا به، التذّوه. ثمّ ذهب عنهم وتركهم، وأحال بعضهم على بعض.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قوم لوط:( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) . وذكر كما في علل الشّرائع سواء.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن بريد بن ثابت(٥) قال: سأل رجل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أن يؤتى النّساء في أدبارهنّ؟
فقال: سفلت سفل الله بك. أما سمعت الله يقول:( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) .
وفي عيون الأخبار(٦) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة، حديث طويل. وفيه: وسأله عن أوّل من عمل عمل قوم لوط.
قال: إبليس، فإنّه(٧) أمكن من نفسه.
( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ) : بيان لقوله:( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ ) . وهو أبلغ في الإنكار والتّوبيخ.
وقرأ(٨) نافع وحفص: «إنّكم» على الإخبار المستأنف. و «شهوة» مفعول له، أو مصدر وقع موقع الحال. وفي التّقييد بها، وصفهم بالبهيمة الصّرفة، وتنبيه على أنّ العاقل ينبغي أن يكون الدّاعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النّوع لا قضاء الوطر.
__________________
(١) العلل / ٥٤٨، ح ٣. لخّص المؤلف صدر الخبر.
(٢) المصدر: أبي بصير.
(٣) الكافي ٥ / ٥٤٤، ح ٤.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢، ح ٥٥.
(٥) المصدر، أ، ب: يزيد بن ثابت.
(٦) العيون ١ / ٢٤٦.
(٧) المصدر: لأنّه.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٧.
( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) (٨١): إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم الّتي أدّت بهم إلى ارتكاب أمثالها، وهي اعتياد الإسراف في كلّ شيء. أو عن الإنكار عليها إلى الذّم على جميع معايبهم. أو عن محذوف، مثل لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف.
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ما كتب الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وعلّة تحريم الذّكران [للذكران](٢) والإناث للإناث، لما ركّب في الإناث وما طبع عليه الذّكران. ولما في إتيان الذّكران [الذّكران](٣) والإناث [الإناث](٤) من انقطاع النّسل وفساد التّدبير وخراب الدّنيا.
وفي تفسير العيّاشي(٥) ، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ ذكر عنده إتيان النّساء في أدبارهنّ.
قال: ما أعلم آية في القرآن أحلّت ذلك إلّا واحدة( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ) (الآية).
وفي كتاب الخصال(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: فما كان من شيعتنا، فلا يكون فيهم ثلاثة ـ إلى قوله ـ: فلا يكون فيهم من يؤتى في دبره.
( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) ، أي: ما جاؤوا بما يكون جوابا عن كلامه، ولكنهم قابلوا النّصيحة بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم والاستهزاء بهم. فقالوا:( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (٨٢)، أي: من الفواحش.
( فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ ) ، أي: من آمن به.
( إِلَّا امْرَأَتَهُ ) : واهلة(٧) . فإنّها كانت تسرّ الكفر.
( كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) (٨٣): من الّذين بقوا في ديارهم، فهلكوا. والتّذكير، لتغليب الذّكور.
( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ) ، أي: نوعا من المطر عجيبا. وهو مبيّن بقوله:( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) .
__________________
(١) العيون ٢ / ٩٧.
(٢) من المصدر.
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢، ح ٥٦.
(٦) الخصال / ١٣١، ح ١٣٧.
(٧) واهلة: اسم زوجة لوط.
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) (٨٤).
نقل(١) : أنّ لوط بن هاران بن تارخ لما هاجر مع عمّه إبراهيم إلى الشّام، نزل بالأردنّ. فأرسله الله إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله وينهاهم عمّا اخترعوه من الفاحشة. ولم ينتهوا عنها. فأمطر الله عليهم الحجارة، فهلكوا.
وقيل(٢) : خسف الله بالمقيمين منهم، وأمطرت الحجارة على مسافريهم.
وفي مجمع البيان(٣) ، قصّة لوط ـ عليه السّلام ـ على ما روي، عن أبي حمزة الثّماليّ وأبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، وكان نازلا فيهم ولم يكن منهم، يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الفواحش ويحثّهم على الطّاعة. فلم يجيبوه، ولم يطيعوه. وكانوا لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطّعام، فأعقبهم البخل الدّاء الّذي لا دواء له في فروجهم. وذلك لأنّهم على طريق السّيّارة إلى الشّام ومصر، وكان ينزل بهم الضّيفان. فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضّيف، فضحوه. وإنّما فعلوا ذلك، لينكل النّازلة عليهم من غير شهوة بهم إلى ذلك. فأوردهم البخل هذا الدّاء، حتّى صاروا يطلبونه من الرّجال ويعطون عليه الجعل. وكان لوط سخيا كريما يقري الضيف إذا نزل به. [فنهوه عن ذلك وقالوا: لا تقرينّ ضيفا جاء ينزل بك، فإنّك إن فعلت فضحنا ضيفك. فكان لوط إذا نزل به](٤) الضيف كتم أمره، مخافة أن يفضحه قومه وذلك أنه لم يكن للوط عشيرة فيهم.
وفي علل الشرايع(٥) ، وتفسير العيّاشي(٦) ، عنه ـ عليه السّلام ـ مثله.
( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) ، أي: وأرسلنا إليهم. وهم أولاد مدين بن إبراهيم [بن شعيب بن ميكيل بن بشخر بن مدين. وكان يقال له: خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه. وكان شعيب منهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) :](٨) قال: بعث الله شعيبا إلى مدين، وهي قرية على طريق الشّام، فلم يؤمنوا به.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٨.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) المجمع ٢ / ٤٤٥.
(٤) من المصدر.
(٥) العلل / ٥٤٨ ـ ٥٤٩، ضمن ح ٤.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٥ ـ ٢٤٦، ضمن ح ٢٦
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٣٧.
(٨) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل(٢) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول في آخره: وإنّ الأنبياء بعثوا خاصّة وعامّة. أمّا شعيب، فإنّه أرسل إلى مدين وهي لا تكمل(٣) أربعين بيتا.
( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) : يريد المعجزة الّتي كانت له، وليس في القرآن أنّها ما هي. وما روي من محاربة عصا موسى التّنين حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الّتي دفعها إليه، الدّرع خاصّة وكانت الموعودة له من أولادها، ووقوع عصا آدم على يده في المرّات السّبع، متأخّر عن هذه المقاولة. ويحتمل أن تكون كرامة لموسى، أو إرهاصا لنبوّته.
( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) ، أي: آلة الكيل على الإضمار. أو إطلاق الكيل على المكيال، كالعيش على المعاش لقوله:( وَالْمِيزانَ ) . أو الكيل ووزن الميزان.
ويجوز أن يكون «الميزان» مصدرا، كالميعاد.
( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) : ولا تنقصوهم حقوقهم. وإنّما قال: «أشياءهم»، للتّعميم. تنبيها على أنّهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير.
وقيل(٤) : كانوا مكّاسين، لا يدعون شيئا إلّا مكسوة.
( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) : بالكفر والحيف.
( بَعْدَ إِصْلاحِها ) : بعد ما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشّرائع وأصلحوا فيها. والإضافة إليها، كالإضافة في( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) .
( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (٨٥): إشارة على العمل، بما أمرهم به ونهاهم عنه.
ومعنى الخيريّة: إمّا الزّيادة مطلقا، أو في الإنسانيّة وحسن الأحدوثة وجمع المال.
( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ ) : بكلّ طريق من طريق الدّين، كالشّيطان.
وصراط الحقّ وإن كان واحدا، لكنّه يتشعّب إلى معارف وحدود وأحكام
__________________
(١) كمال الدين ٢١٩ و ٢٢٠، ح ١.
(٢) أ: محمد بن الفضل.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: هؤلاء يكمل.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٨.
وكانوا إذا رأوا أحدا يسعى في شيء منها، منعوه.
وقيل(١) : كانوا يجلسون على المراصد، فيقولون لمن يريد شعيبا: إنّه كذّاب، فلا يفتننّك عن دينك. ويوعدون من آمن به.
وقيل(٢) : كانوا يقطعون الطّريق.
( وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ، يعني: الّذي قعدوا عليه.
وضع الظّاهر موضع المضمر، بيانا لكلّ صراط، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه، وتقبيحا لما كانوا عليه. أو الإيمان، أي: بالله.
( مَنْ آمَنَ بِهِ ) ، أي: بالله. أو بكلّ صراط، على الأوّل.
و «من» مفعول «تصدّون»، على إعمال الأقرب. ولو كان مفعول «توعدون» لقال: وتصدّونهم وتوعدون، بما عطف عليه في موقع الحال من الضّمير في «لا تقعدوا».
( وَتَبْغُونَها عِوَجاً ) : وتطلبون لسبيل الله عوجا بإلقاء الشّبهة. أو وصفها للنّاس بأنّها معوجّة.
( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً ) : عددكم.
( فَكَثَّرَكُمْ ) : بالبركة في النّسل والمال.
قيل(٣) : إنّ مدين بن إبراهيم الخليل تزوّج بنت لوط، فولدت له. فرمى الله في نسلها بالبركة والنّماء(٤) والبقاء، فكثروا.
( وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (٨٦): من الأمم قبلكم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد بهم.
( وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ) : فتربّصوا.
( حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا ) ، أي: بين الفريقين بنصر المحقّين على المبطلين. فهو وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين.
( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) (٨٧): إذ لا معقّب لحكمه، ولا حيف فيه.
( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٥٨.
(٣) تفسير الصافي ٢ / ٢١٩.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «والبقاء» بدل «والنماء».
مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) ، أي: ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم عن القرية، أو عودكم في الكفر.
وشعيب لم يكن في ملّتهم قطّ، لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقا. لكن غلّبوا الجماعة على الواحد، فخوطب هو وقومه بخطابهم. وعلى ذلك أجري الجواب في قوله:( قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) (٨٨)، أي: وكيف نعود فيها ونحن كارهون لها، أو أتعيدوننا في حال كراهتنا؟
( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً ) : قد اختلقنا عليه.
( إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها ) : شرط جوابه محذوف، دل عليه «قد افترينا». وهو بمعنى المستقبل، لأنّه لم يقع. لكنّه جعل كالواقع، للمبالغة. وأدخل عليه «قد»، ليقرّبه من الحال، أي: قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها، حيث نزعم أنّ لله ندّا. وأنّه قد بيّن لنا أنّ ما كنّا عليه باطل، وما أنتم عليه حقّ.
وقيل(١) : إنّه جواب قسم، تقديره: والله لقد افترينا.
( وَما يَكُونُ لَنا ) : وما يصحّ لنا.
( أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا ) : خذلاننا ومنعنا الإلطاف، بأن يعلم أنّه لا ينفع فينا. أو أراد به حسم طمعهم في العود، بالتّعليق على ما لا يكون.
( وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) ، أي: أحاط علمه بكلّ شيء ممّا كان وما يكون منّا ومنكم.
( عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا ) : في أن يثبّتنا على الإيمان، ويخلّصنا من الأشرار.
( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ ) : أحكم بيننا. والفتّاح، القاضي.
والفتّاحة، الحكومة. أو أظهر أمرنا حتّى ينكشف ما بيننا وبينهم، وتمييز المحقّ من المبطل. من فتح المشكل: إذا بيّنه.
( وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) (٨٩): على المعنيين.
( وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ) : وتركتم دينكم.
( إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) (٩٠): لاستبدالكم ضلالته بهداكم. أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتّطفيف. وهو سادّ مسدّ جواب الشّرط، والقسم الموطّأ باللّام.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٥٩.
( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) : الزّلزلة.
وفي سورة الحجر( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) . ولعلّها كانت من مبادئها.
في مجمع البيان(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: بعث الله عليهم صيحة واحدة، فماتوا.
وقد سبق نظيره.
( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ) (٩١)، أي: في مدينتهم.
( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً ) : مبتدأ خبره( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) ، أي: استؤصلوا، كأن لم يقيموا.
والمغني: المنزل.
( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ) (٩٢): دينا ودنيا. لا الّذين صدّقوه واتّبعوه، كما زعموا، فإنّهم الرّابحون في الدّارين. وللتّنبيه على هذا والمبالغة فيه، كرّر الموصول واستأنف بالجملتين وأتى بهما اسميّتين.
( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ) : قاله تأسّفا بهم، لشدّة حزنه عليهم.
ثمّ أنكر على نفسه فقال:( فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ) (٩٣): ليسوا أهل حزن، لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم. وقاله اعتذارا عن عدم شدّة حزنه عليهم.
والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النّصح والإشفاق، فلم تصدّقوا قولي «فكيف آسى» عليكم.
وقرئ(٢) : «فكيف آيسي» بإمالتين.
( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ ) : بالبؤس والضّرّ.
( لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) (٩٤): كي يتضرّعوا ويتذلّلوا.
( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) ، أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الشّدّة السّلامة والسّعة، ابتلاء لهم بالأمرين.
( حَتَّى عَفَوْا ) : كثروا عددا، فلم ينتقلوا عمّا كانوا عليه.
__________________
(١) المجمع ٢ / ٤٥٠.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٠.
يقال: عفا النّبات: إذا كثر. ومنه: إعفاء اللّحى.
( وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) : كفرانا لنعمة الله، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنّه من عادة الدّهر يعاقب في النّاس بين السّرّاء والضّرّاء. وقد مسّ آباءنا منه، مثل ما مسّنا.
( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ) : فجأة.
( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (٩٥): بنزول العذاب.
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى ) ، يعني: المدلول عليها بقوله:( ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ ) .
وقيل(١) : مكّة وما حولها.
( آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) : مكان كفرهم وعصيانهم.
( لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) : لوسّعنا عليهم الخير، ويسرّناه لهم من كلّ جانب.
وقيل(٢) : المراد: المطر والنّبات.
وقرأ(٣) ابن عامر: «لفتّحنا» بالتّشديد.
( وَلكِنْ كَذَّبُوا ) : الرّسل.
( فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٩٦): من الكفر والمعاصي.
وفي الخرائج والجرائح(٤) ، عن الحسن بن عليّ(٥) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل في الرّجعة. وفيه: ولتنزلنّ البركة من السّماء والأرض، حتّى أنّ الشّجرة لتصيف بما يريد الله فيها من الثّمرة، وليؤكل ثمرة الشّتاء في الصّيف وثمرة الصّيف في الشّتاء. وذلك قوله:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا ) .
( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) : عطف على قوله:( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) .
وما بينهما اعتراض.
والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى.
__________________
(١ و ٢ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٦٠.
(٤) تفسير نور الثقلين ٢ / ٥٢، ح ١٩٩.
(٥) المصدر: الحسين بن عليّ.
( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً ) : تبييتا، أو وقت بيات، أو مبيتا، أو مبيتين. وهو في الأصل مصدر، بمعنى: البيتوتة. ويجيء بمعنى: التّبييت، كالسّلام بمعنى: التّسليم.
( وَهُمْ نائِمُونَ ) (٩٧): حال من ضميرهم البارز، أو المستتر في «بياتا».
( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) وقرأ(١) ابن كثير ونافع وابن عامر: «أو» بالسّكون على التّرديد.
( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى ) : ضحوة النّهار. وهو في الأصل ضوء الشّمس إذا ارتفعت.
( وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) (٩٨): يلهون من فرط الغفلة. أو يشتغلون بما لا ينفعهم.
( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ ) : تقدير لقوله:( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) .
و «مكر الله» استعارة، لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب.
( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) (٩٩): الّذين خسروا بالكفر، وترك النّظر والاعتبار. وفيه تنبيه على ما يجب أن يكون عليه العبد من الخوف لعقاب الله واجتناب معصيته.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قوله:( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ ) .
قال: المكر من الله، العذاب.
وفي نهج البلاغة(٣) : وقال ـ عليه السّلام ـ: لا تأمننّ على خير هذه الأمّة عذاب الله، لقوله ـ سبحانه ـ:( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) .
وفيه(٤) : قال ـ عليه السّلام ـ: الفقيه كلّ الفقيه، من لم يقنّط النّاس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) ، عن صفوان الجمّال قال: جلست خلف أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. ثمّ قال: أللّهمّ، لا تؤمنّي مكرك. ثمّ جهم فقال:( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) .
( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ) ، أي: يخلفون من خلا قبلهم
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٠.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٣٦.
(٣) نهج البلاغة / ٥٤٢ ـ ٥٤٣، صدر حكمة ٣٧٧.
(٤) نفس المصدر / ٤٨٣، حكمة ٩٠.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يؤمنهم.
ويرثون ديارهم. وإنّما عدّي «يهدي» باللّام، لأنّه بمعنى: يبيّن.
( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) : أن الشّأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم. وهو فاعل «يهد».
ومن قرأه بالنّون، جعله مفعولا.
( وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) : عطف على ما دلّ عليه «أو لم يهد»، أي: يغفلون عن الهداية. أو منقطع عنه، بمعنى: ونحن نطبع. ولا يجوز عطفه على «أصبناهم» على أنّه بمعنى: وطبعنا. لأنّه في سياقه جواب «لو» لإفضائه إلى نفي الطّبع عنهم.
( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) (١٠٠): سماع تفهّم واعتبار.
( تِلْكَ الْقُرى ) : قرى الأمم المارّ ذكرهم.
( نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ) : حال، إن جعل «القرى» خبرا، ويكون إفادته بالتّقييد. وخبر، إن جعلت صفته. ويجوز أن يكونا خبرين.
و «من» للتّبعيض، أي: نقصّ بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لا نقصّها.
( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) : بالمعجزات.
( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) : عند مجيئهم بها.
( بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) : بما كذّبوه من قبل(١) الرّسل، بل كانوا مستمرّين على التّكذيب. أو فما كانوا ليؤمنوا مدّة عمرهم بما كذّبوا به أوّلا حين جاءتهم الرّسل، ولم يؤثّر فيهم قطّ دعوتهم المتطاولة والآيات المتتالية(٢) .
و «اللّام» لتأكيد النّفي، والدّلالة على أنّهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالهم في التّصميم على الكفر والطّبع على قلوبهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: لا يؤمنون في الدّنيا بما كذّبوا في الذّرّ. وهو ردّ على من أنكر الميثاق في الذّرّ الأوّل.
قال: حدّثني أبي(٤) ، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . قلت معاينة كان هذا؟
__________________
(١) ليس في ب: بما كذّبوه من قبل.
(٢) ب: المتتابعة.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٣٦.
(٤) نفس المصدر والمجلّد / ٢٤٨.
قال: نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه. ولولا ذلك، لم يدر أحد من خالقه ورازقه. فمنهم من أقرّ بلسانه في الذّرّ ولم يؤمن بقلبه، فقال الله:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) .
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمّد الجعفريّ، عن حفص(٢) .
وعن عقبة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله خلق الخلق. فخلق من(٣) أحبّ ممّا أحبّ، وكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة. وخلق من(٤) بغض ممّا أبغض، وكان ما أبغض أن خلقه من طينة السّجين. ثمّ بعثهم في الظّلال.
فقلت: وأيّ شيء الظّلال؟
قال: ألم تر إلى ظلّك في الشّمس، شيء وليس بشيء؟ ثمّ بعث الله فيهم(٥) النّبيّين، فدعوهم إلى الإقرار بالله. وهو قوله:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) (٦) .
ثمّ دعاهم إلى الإقرار بالنّبيّين، فأقرّ بعضهم وأنكر بعض. ثمّ دعوهم إلى ولايتنا، فأقرّ بها ـ والله ـ من أحبّ وأنكرها من أبغض. وهو قوله:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) .
ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ: كان التّكذيب [ثمّ](٧) .
وفي تفسير العيّاشي(٨) : إنّ الله خلق الخلق وهم أظلّة. فأرسل إليهم رسوله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ فمنهم من آمن به، ومنهم من كذّبه. ثمّ بعثه في الخلق الآخر، فآمن به من آمن به في الأظلّة وجحده من جحده يومئذ. فقال:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) .
وعن الصّادق(٩) ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: بعث الله الرّسل إلى الخلق، وهم في أصلاب الرّجال وأرحام النّساء. فمن صدّق حينئذ، صدّق بعد ذلك. ومن كذّب
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٣٦ ـ ٤٣٧، ح ٢.
(٢) المصدر: «أبي جعفر» بدل «حفص».
(١ و ٤) ـ المصدر: «ما» بدل «من».
(٥) كذا في المصدر. وفي ب: بعثه فيهم. وفي أ، ر: بعث فمنهم. وفي سائر النسخ: بعثهم منهم.
(٦) الزخرف / ٨٧.
(٧) من المصدر. ثمّ: هناك.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٦، ح ٣٥.
(٩) نفس المصدر والصفحة، ح ٣٦.
حينئذ، كذّب بعد ذلك.
( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ) (١٠١): فلا تدين شكيمتهم بالآيات والنّذر.
( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ ) : لأكثر النّاس. والآية اعتراض. أو لأكثر الأمم المذكورين.
( مِنْ عَهْدٍ ) : وفاء عهد، فإن أكثرهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإيمان والتّقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج. أو ما عهدوا إليه حين كانوا في ضرّ ومخافة، مثل( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) .
( وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ ) ، أي: علمناهم.
( لَفاسِقِينَ ) (١٠٢): من وجدت زيدا ذا الحفاظ. لدخول «أن» المخفّفة و «اللّام» الفارقة. وذلك لا يجوز إلّا في المبتدأ والخبر والأفعال الدّاخلة عليهما.
وعند الكوفيّين «إن» للنّفي، و «اللّام» بمعنى: «إلا».
في أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصّالح ـ عليه السّلام ـ أخبره أنّي شاكّ، وقد قال إبراهيم:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ) (٢) . وأنا أحبّ أن تريني شيئا.
فكتب ـ عليه السّلام ـ إليه: إنّ إبراهيم كان مؤمنا، وأحبّ أن يزداد إيمانه.
وأنت شاكّ، والشّاكّ لا خير فيه. وإنّما الشّك، ما لم يأت اليقين. فإذا جاء اليقين، لم يجز(٣) الشّكّ.
وكتب: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) . قال: نزلت في الشّاكّ.
( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى ) :
الضّمير للرّسل، في قوله:( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) . أو للأمم.
( بِآياتِنا ) ، يعني: المعجزات.
( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها ) : بأن كفروا بها مكان الإيمان الّذي هو من
__________________
(١) الكافي ٢ / ٣٩٩، ح ١.
(٢) البقرة / ٢٦٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يخبر.
حقّها لوضوحها. ولهذا المعنى وضع «ظلموا» موضع «كفروا».
«وفرعون» لقب لمن ملك مصر، ككسرى لملك فارس، وقيصر لمن ملك الروم، وكان اسمه قابوس.
وقيل(١) : الوليد بن مصعب بن الرّيّان.
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) (١٠٣).
في كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: ثمّ أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أرسل الأسباط أثني عشر بعد يوسف. ثمّ موسى وهارون إلى فرعون وملائه إلى مصر وحدّها(٣) .
وفي تفسير العيّاشي(٤) ، عن عاصم المصريّ رفعه قال: إنّ فرعون بنى سبع مدائن يتحصّن فيها من موسى ـ عليه السّلام ـ وجعل فيما بينها آجاما وغياظا(٥) ، وجعل فيها الأسد ليتحصّن(٦) بها من موسى.
قال: فلمّا بعث الله موسى إلى فرعون فدخل المدينة، فلمّا رآه الأسد تبصبصت(٧) وولت مدبرة.
قال: ثمّ لم يأت مدينة، إلّا انفتح له بابها حتّى انتهى إلى قصر فرعون الّذي هو فيه.
قال: فقعد على بابه، وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه. فلمّا خرج الآذن قال له موسى: استأذن لي على فرعون. فلم يلتفت إليه.
[قال: فقال له موسى: إنّي رسول ربّ العالمين.
قال: فلم يلتفت إليه](٨) .
قال: فمكث بذلك ما شاء الله، يسأله أن يستأذن له.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦١.
(٢) كمال الدين / ٢٢٠، ضمن ح ١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وحدودها.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣ ـ ٢٤، ح ٦١.
(٥) الآجام: الشجر الملتفّ. والغياض ـ جمع غيضة ـ: مجتمع الشجر في مغيص ماء.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لتحصّن.
(٧) بصبص الكلب: حرّك ذنبه. والتبصبص: التملّق.
(٨) من المصدر.
قال: فلمّا أكثر عليه، قال له: أما وجد ربّ العالمين من يرسله غيرك؟
قال: فغضب موسى. فضرب الباب بعصاه، فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلّا انفتح حتّى نظر إليه فرعون وهو في مجلسه.
فقال: أدخلوه.
قال: فدخل عليه وهو في قبّة له مرتفعة كثيرة الارتفاع ثمانون ذراعا.
قال: فقال: إنّي رسول ربّ العالمين إليك.
قال: فقال: فأت بآية إن كنت من الصّادقين.
قال: فألقى عصاه، وكان لها شعبتان.
قال: فإذا هي حيّة، قد وقع إحدى الشّعبتين في الأرض والشّعبة الأخرى في أعلى القبّة.
قال: فنظر فرعون إلى جوفها وهو يلتهب نيرانا.
قال: وأهوت إليه، فأحدث وصاح: يا موسى، خذها.
( وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (١٠٤): إليك.
( حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) ، كأنّه جواب لتكذيبه إيّاه في دعوى الرّسالة، كأنّ أصله: حقيق عليّ أن لا أقول. فقلب «لا» من الالتباس. أو لأنّ ما لزمك، فقد لزمته. أو للإغراق في الوصف بالصّدق، يعني: أنّه حقّ واجب عليّ القول الحقّ أن أكون أنا قائله، لا يرضى إلّا بمثلي ناطقا به. أو ضمّن حقيق معنى: حريص. أو وضع على مكان الباء، كقولهم: رميت على القوس.
وقرئ: «عليّ» على الأصل.
وعن ابن أبيّ، أنّه قرأ: بالباء.
وقرئ، بحذف «على».
( قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) (١٠٥): فخلّهم، حتّى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة الّتي هي وطن آبائهم. وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشّاقّة.
( قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ) : من عند من أرسلك.
( فَأْتِ بِها ) : فأحضرها عندي، ليثبت بها صدقك.
( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (١٠٦): في الدّعوى.
( فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) (١٠٧): ظاهر أمره لا يشكّ في أنّه ثعبان. وهو الحيّة العظيمة.
( وَنَزَعَ يَدَهُ ) : من جيبه، أو من تحت إبطه.
( فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) (١٠٨)، أي: عليه يغلب نوره شعاع الشّمس. أو بيضاء للنّظّار، لا أنّها كانت بيضاء في جبلتها.
نقل(١) : أنّ موسى كان [آدم](٢) شديد الأدمة. فأدخل [يده](٣) في جيبه أو تحت إبطه ثمّ نزعها، فإذا هي بيضاء نورانيّة غلب شعاعها شعاع الشّمس.
وفي عيون الأخبار(٤) ، بإسناده إلى [أبي](٥) يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السّكيت لأبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: لما ذا بعث الله ـ تعالى ـ موسى بن عمران بيده البيضاء والعصاء وآلة السّحر، وبعث عيسى بالطّبّ، وبعث محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالكلام والخطب؟
فقال له أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله لـمـّـا بعث موسى ـ عليه السّلام ـ، كان الأغلب على أهل عصره السّحر. فأتاهم من عند الله بما لم يكن من عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجّة عليهم. (الحديث).
وقد مضى عند قوله ـ تعالى ـ:( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) (٦) .
وفي باب(٧) ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة. حديث طويل. وفيه: وسأله عن شيء شرب وهو حيّ، وأكل وهو ميّت.
فقال: تلك عصا موسى.
وفيه(٨) وقال: أخبرنا عن أوّل شجرة غرست في الأرض.
فقال: العوسجة، ومنها عصا موسى ـ عليه السّلام ـ.
( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) (١٠٩).
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٢.
(١ و ٣) ـ من المصدر.
(٤) العيون ٢ / ٧٩ ـ ٨٠، صدر ح ١٢.
(٥) من المصدر.
(٦) البقرة / ٢٣.
(٧) العيون ١ / ٢٤٥.
(٨) نفس المصدر / ٢٤٤.
قيل(١) . قاله هو وأشراف قومه على سبيل التّشاور في أمره، فحكي عنه في سورة الشّعراء [بقوله: «قال للملإ حوله» وعنهم ها هنا.](٢) ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ) (١١٠): تشيرون في أن نفعل.
( قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ ) : أخّرهما وأصدرهما عنك، حتّى نرى رأيك فيهما.
و «الإرجاء» التّأخير. وأصله: أرجئه، كما قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب.
وقرأ(٣) حمزة وحفص: «أرجه» بسكون الهاء.
وقرأ(٤) بن كثير وهشام، عن ابن عامر: «أرجئهوه».
وقرأ(٥) نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائيّ: «أرجهي».
وقرأ(٦) ابن عامر: «أرجئه» بالهمزة وكسر الهاء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : يونس بن ظبيان قال: قال: إنّ موسى وهارون حين دخلا إلى فرعون، لم يكن في جلسائه يومئذ ولد سفاح. كانوا ولد نكاح كلّهم. ولو كان [فيهم ولد سفاح](٨) ، لأمر بقتلهما. فقالوا: «أرجه وأخاه». وأمروه بالتّأنّي والنّظر. ثمّ وضع يده على صدره وقال: وكذلك نحن لا يسرع(٩) إلينا إلّا كلّ خبيث الولادة.
( وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) (١١١)( يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ) (١١٢).
وقرأ(١٠) حمزة والكسائيّ: «بكلّ سحّار» فيه ويونس. ويؤيّده اتّفاقهم عليه في الشّعراء.
( وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ ) : بعد ما أرسل في طلبهم حاشرين.
( قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ) (١١٣): استئناف، كأنّه جواب سؤال قال: ما قالوا إذ جاؤوا؟
وقرأ(١١) ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم:( إِنَّ لَنا لَأَجْراً ) على الإخبار وإيجاب الأجر، كأنّهم قالوا: لا بدّ لنا من الأجر. فالتّنكير، للتّعظيم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٢.
(٢) ليس في المصدر.
(٣ و ٤ و ٥ و ٦) ـ نفس المصدر والموضع.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤، ح ٦٢.
(٨) من الهامش.
(٩) المصدر: لا ينزع.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٢.
(١١) نفس المصدر والموضع.
( قالَ نَعَمْ ) : إنّ لكم أجرا.
( وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (١١٤): عطف على ما سدّ مسدّه «نعم»، وزيادة على الجواب لتحريضهم.
( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) (١١٥): خيّروا موسى مراعاة للأدب، أو إظهارا للجلادة. ولكن كان رغبتهم في أن يلقوا قبله. فنبهّوا عليها بتغيير النّظم إلى ما هو أبلغ، وتعريف الخبر وتوسيط الفصل أو توكيد الضّمير المتّصل بالمنفصل. فلذلك( قالَ أَلْقُوا ) : إكراما وتسامحا. أو ازدراء بهم، ووثوقا على شأنه.
( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) : بأن خيّلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل والشّعبذة.
( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ) : وأرهبوهم إرهابا شديدا، كأنّهم طلبوا رهبتهم.
( وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) (١١٦): في فنّه.
نقل(١) : أنّهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، كأنّها حيّات، ملأت الوادي وركب بعضها بعضا.
( وَأَوْحَيْنا إلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ) : فألقاها، فصارت حيّة عظيمة.
( فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ) (١١٧): ما يزوّرونه. من الإفك: وهو الصّرف وقلب الشّيء عن وجهه.
ويجوز أن يكون «ما» مصدريّة. وهي مع الفعل بمعنى: المفعول.
نقل(٢) : أنّها لـمـّـا تلقّفت حبالهم وعصيّهم وابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين. فهربوا وازدحموا، حتّى هلك جمع عظيم. ثمّ أخذها موسى، فصارت عصا، كما كانت. فقالت السّحرة: لو كان هذا سحر، لبقيت حبالنا وعصيّنا.
وقرأ(٣) حفص: «تلقف» هنا وفي طه(٤) وفي الشّعراء.
وفي أصول الكافي(٥) ، بإسناده إلى محمّد بن العيص: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كانت عصا موسى ـ عليه السّلام ـ لآدم ـ عليه السّلام ـ. فصارت إلى شعيب ـ عليه
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٣.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) من هنا يوجد في الهامش إلى موضع سيأتي.
(٥) الكافي ١ / ٢٣١، ح ١.
السّلام ـ ثمّ صارت إلى موسى ـ عليه السّلام ـ. وإنّها لعندنا. وإنّ عهدي بها آنفا وهي خضراء، كهيئتها حين انتزعت من شجرتها. وإنّها لتنطق إذا استنطقت. أعدّت لقائمنا، يصنع بها ما كان يصنع موسى. [وإنّها](١) لتروع وتلقف بها ما يأفكون، وتصنع ما تؤمر به. إنّها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون. يتشج(٢) لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السّقف، وبينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون [بلسانها](٣) .
( فَوَقَعَ الْحَقُ ) : فحصل وثبت، لظهور أمره.
( وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١١٨): من السّحر والمعارضة.( فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ) (١١٩): صاروا أذلّاء مبهوتين. أو رجعوا إلى المدينة أذلّاء مقهورين.
والضّمير لفرعون وقومه.
( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) (١٢٠): جعلهم ملقين على وجوههم، تنبيها على أنّ الحقّ بهرهم واضطرهم إلى السّجود بحيث لم يبق لهم تمالك. أو أنّ الله ألهمهم ذلك وحملهم عليه، حتّى ينكسر فرعون بالّذين أراد بهم كسر موسى ـ عليه السّلام ـ. وينقلب الأمر عليه. أو مبالغة في سرعة خرورهم وشدّته.
( قالُوا آمَنَّا ) : في موضع الحال من ضمير «ساجدين»، أو من «السّحرة».
( بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) (١٢١)( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) (١٢٢): أبدلوا الثّاني من الأوّل، لئلّا يتوهّم أرادوا به فرعون.
في الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عمّن ذكره، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ، عن أبيه، عن جدّه قال: قال أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو. إلى أن قال: وخرجت سحرة فرعون يطلبون العزّة لفرعون، فرجعوا مؤمنين.
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [وعلي
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتشج.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٥ / ٨٣ ـ ٨٤، ح ٣.
(٥) الكافي ٨ / ١٢٨، ح ٩٨.
بن محمد، عن القاسم بن محمد](١) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: ومن ذهب يرى أنّ له على الآخر فضلا، فهو من المستكبرين.
فقلت له: إنّما يرى [أنّ](٢) له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي.
فقال: هيهات هيهات، فلعلّه أن يكون قد غفر له(٣) ما أتى وأنت موقوف محاسب. أما تلوت قصّة سحرة موسى ـ عليه السّلام ـ. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ ) ، أي: بالله وبموسى. أو الاستفهام فيه للإنكار.
وقرأ(٤) حمزة والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب وهشام، بتخفيف الهمزتين، على الأصل.
وقرأ(٥) حفص: «آمنتم به»، على الإخبار.
وقرأ قنبل: قال فرعون وآمنتم. يبدل في حال الوصل من همزة الاستفهام واوا مفتوحة، ويمدّ بعدها مدّة، في تقدير ألفين. وقرأ في طه على الخبر، بهمزة وألف. وقرأ في الشّعراء على الاستفهام بهمزة ومدّة مطوّلة، في تقدير ألفين.
وقرأ الباقون، بتخفيف الهمزة الأولى وتليين الثّانية.
( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ ) ، أي: أنّ هذا الصّنع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى.
( فِي الْمَدِينَةِ ) : في مصر، قبل أن تخرجوا منها للميعاد إلى هذه الصّحراء وتواطأتم.
( لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها ) ، يعني: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل. وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على النّاس، لئلّا يتّبعوا السّحرة في الإيمان.
( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (١٢٣): عاقبة ما فعلتم. وهو تهديد مجمل تفصيله.
( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) : من كلّ شقّ طرفا.
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «غفر أن يكون» بدل: «أن يكون قد غفر له».
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٣.
(٥) نفس المصدر، والموضع.
( ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١٢٤): تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم.
قيل(١) : إنّه أوّل من سنّ ذلك. فشرعه الله للقطّاع، تعظيما لجرمهم. ولذلك سمّاه محاربة الله ورسوله، ولكن على التّعاقب لفرط رحمته.
( قالُوا إِنَّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ) (١٢٥): بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك. أو إنّا لمنقلبون إلى ربّنا وثوابه إن فعلت بنا ذلك، كأنّهم استطابوه شغفا على لقاء الله. أو مصيرك ومصيرنا إلى ربّنا، فيحكم بيننا.
( وَما تَنْقِمُ مِنَّا ) : وما تنكر منّا وتعيب.
( إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لـمـّـا جاءَتْنا ) : وهو خير الأعمال وأصل المناقب، ليس ممّا يأتي لنا العدول عنه، طلبا لمرضاتك.
ثمّ فزعوا إلى الله فقالوا:( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ) أفض علينا صبرا يغمرنا، كما يفرغ الماء. أو صبّ علينا ما يطهّرنا من الآثام، وهو الصّبر على وعيد فرعون.
( وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ) (١٢٦): ثابتين على الإسلام.
وقيل(٢) : إنّه فعل بهم ما أوعدهم به.
وقيل(٣) : لم يقدر عليهم، لقوله ـ تعالى ـ:( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ) .
( وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) : بتغيير النّاس عليك، ودعوتهم إلى مخالفتك.
( وَيَذَرَكَ ) : عطفا على «يفسدوا». أو جواب للاستفهام بالواو، كقول الحطيئة :
ألم أك جاركم ويكون بيني |
وبينكم المودّة والإخاء |
على معنى: أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إيّاك.
وقرئ(٤) ، بالرّفع، على أنّه عطف على «أتذر». أو استئناف. أو حال.
وقرئ(٥) ، بالسّكون، كأنّه قيل: يفسدوا ويذرك، كقوله:( فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ ) .
( وَآلِهَتَكَ ) : معبوداتك.
قيل(٦) : كان يعبد الكواكب.
وقيل(٧) : صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها، تقرّبا إليه. ولذلك
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
(٥، ٦، ٧) ـ نفس المصدر، والموضع.
( فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : كان [فرعون](٢) يعبد الأصنام، ثمّ ادّعى بعد ذلك الرّبوبيّة.
وفي مجمع البيان(٣) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ:( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) (٤) ، يعني: عبادتك.
وروي(٥) : أنّه كان يأمرهم ـ أيضا ـ بعبادة البقر. ولذلك أخرج السّامريّ لهم عجلا جسدا له خوار، وقال: هذا إلهكم وإله موسى.
( قالَ ) : فرعون.
( سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) ، كما كنّا نفعل من قبل. ليعلم إنّا على ما كنّا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهّم أنّه المولود الّذي حكم المنجّمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده.
وقرأ(٦) ابن كثير ونافع: «سنقتل» بالتّخفيف.
( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) (١٢٧): غالبون. وهم مقهورون تحت أيدينا.
( قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا ) : لـمـّـا سمعوا قول فرعون وتضجّروا منه، تسكينا لهم.
( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) : تسلية لهم، وتقرير للأمر بالاستعانة بالله، والتّثبّت في الأمر.
( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (١٢٨): وعد لهم بالنّصرة، وتذكير لما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم، وتحقيق له.
وقرئ(٧) : «والعاقبة» عطفا على اسم «إنّ».
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٣٧.
(٢) من المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٤٦٤.
(٤) كذا في المصدر لكن الظاهر أنها اشتباه من النساخ أو المطبعة والموجود في جوامع الجامع / ١٥٢، وتفسير الصافي ٢ / ٢٢٧ نقلا عن المجمع: إلاهتك. وفي أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤ قال :قرئ إلاهتك أي عبادتك.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٤٦٤ ـ ٤٦٥.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
و «اللّام» في «الأرض» يحتمل العهد والجنس.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن عمّار السّاباطيّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول:( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) .
قال: فما كان لله، فهو لرسوله، وما كان لرسوله، فهو للإمام بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى](٣) عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي خالد الكابليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وجدنا في كتاب عليّ ـ عليه السّلام ـ( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .
... أنا وأهل بيتي، الّذين أورثنا الله الأرض. ونحن المتّقون. والأرض كلّها لنا. فمن أحيى أرضا من المسلمين، فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها. فإن تركها أو أخربها بعد ما عمرها(٤) فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها، فهو أحقّ بها من الّذي تركها، فليؤدّ(٥) خراجها إلى الإمام من أهل بيتي. وله ما أكل منها حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسّيف، فيحويها(٦) ويمنعها ويخرجهم منها، كما حواها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومنعها. إلّا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنّه يقاطعهم [على ما في أيديهم](٧) ويترك الأرض في أيديهم.
وفي أصول الكافي(٨) : الحسين بن محمّد، [عن معلّى بن محمّد](٩) عن عليّ بن أسباط، عن صالح بن حمزة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرميّ قال: لـمـّـا حمل أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى الشّام، إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه، قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني أميّة: إذا رأيتموني قد وبّخت محمّد بن عليّ ثمّ رأيتموني قد سكت، فليقبل عليه كلّ رجل منكم وليوبخّه. ثمّ أمر أن يؤذن له.
فلمّا دخل أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ قال بيده: السّلام عليكم. فعمّهم جميعا
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥، ح ٦٥.
(٢) الكافي ١ / ٤٠٧ ـ ٤٠٨، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس في المصدر: «بعد ما عمرها».
(٥) المصدر: يؤدي.
(٦) ب، ح: فيحوزها.
(٧) من المصدر.
(٨) الكافي ١ / ٤٧١، ح ٥.
(٩) من المصدر.
بالسّلام، ثمّ جلس.
فازداد هشام عليه حنقا بتركه السّلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير إذن. فأقبل يوبّخه، ويقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ، لا يزال الرّجل منكم قد شقّ عصا المسلمين، ودعا إلى نفسه، وزعم أنّه الإمام سفها وقلّة علم. ووبّخه بما أراد أن يوبّخه.
فلمّا سكت، أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه حتّى انقضى آخرهم.
فلمّا سكت القوم، نهض ـ عليه السّلام ـ قائما، ثمّ قال: أيّها النّاس، أين تذهبون، وأين يراد بكم!؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم(١) آخركم. فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا. وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .
فأمر به إلى الحبس.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( قالُوا ) ، أي: بنو إسرائيل.
( أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا ) : بالرّسالة، بقتل الأبناء.
( وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ) ، أي: بإعادته.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: قال الّذين آمنوا لموسى(٣) : قد «أوذينا» قبل مجيئك ـ يا موسى(٤) ـ بقتل أولادنا.( وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ) لـمـّـا حبسهم فرعون لإيمانهم بموسى.
( قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) : تصريحا بما كنّى عنه أوّلا، لـمـّـا رأى أنّهم لم يتسلّوا بذلك. ولعلّه أتى بفعل الطّمع، لعدم جزمه بأنّهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم.
وقد روي(٥) : أنّ مصرا إنّما فتح لهم في زمن داود ـ عليه السّلام ـ.
( فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (١٢٩): فيرى ما تعملون من شكر وكفران وطاعة وعصيان، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.
( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ) : بالجدب، لقلّة الأمطار والمياه. والسّنة.
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يحكم.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٣٧.
(٣) المصدر: يا موسى.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
غلبت على عام القحط، لكثرة ما يذكر عنه ويؤرّخ به ثمّ اشتقّ منها. فقيل(١) : أسنت(٢) القوم: إذا قحطوا.
( وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ) : بكثرة العاهات.
( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (١٣٠): لكي يتنبّهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، فيتّعظوا. أو لترقّ قلوبهم بالشّدائد، فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده.
( فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ) : من الخصب والسّعة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: «الحسنة» ها هنا، الصّحة والسّلامة والأمن والسّعة.
( قالُوا لَنا هذِهِ ) : لأجلنا، ونحن مستحقّوها( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) جدب وبلاء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: «السّيِّئة» هنا، الجوع والخوف والمرض.
( يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) : يتشأموا بهم، ويقولوا: ما أصابتنا إلّا بشؤمهم.
وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة. فإنّ الشّدائد ترقّق القلوب وتذلّل العرائك وتزيل التّماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثّر فيهم بل زادوا عندها عتوّا وانهماكا في الغيّ.
وإنّما عرّف «الحسنة» وذكرها مع أداة التّحقيق، لكثرة وقوعها وتعلّق الإرادة بإحداثها بالّذات، ونكّر «السّيئة» وأتى بها مع حرف الشّكّ، لندورها وعدم القصد بها إلّا بالتّبع.
( أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ ) ، أي: سبب خيرهم وشرّهم عنده، وهو حكمه ومشيئته. أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده. فإنّها الّتي ساقت إليهم ما يسوءهم.
وقرئ(٥) : «إنّما طيرهم». وهو اسم الجمع.
وقيل: هو جمع.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١٣١): أنّ ما يصيبهم من الله ـ تعالى ـ. أو من
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٤.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: آمنت.
(١ و ٤) ـ تفسير القمّي ١ / ٢٣٧.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٥.
شؤم أعمالهم.
( وَقالُوا مَهْما ) أصلها «ما» الشّرطيّة، ضمّت إليها «ما» المزيدة للتّأكيد، ثمّ قلبت ألفها هاء استثقالا للتّكرير.
وقيل(١) : مركّبة من «مه» الّذي يصوت به الكاف، و «ما» الجزائيّة.
ومحلّها الرّفع على الابتداء، أو النّصب بفعل يفسّره( تَأْتِنا بِهِ ) ، أي: أيّما شيء تحضرنا وتأتنا به.
( مِنْ آيَةٍ ) : بيان «لمهما». وإنّما سمّوها: آية، على زعم موسى لا لاعتقادهم.
ولذلك قالوا:( لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) (١٣٢)، أي: لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا.
والضّمير في «به» و «بها» «لمهما». ذكّره قبل التّبيين، باعتبار اللّفظ. وأنّثه بعده، باعتبار المعنى.
( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ) : ماء طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم، من مطر أو سيل.
وقيل(٢) : الجدري.
وقيل(٣) : الموتان.
وقيل(٤) : الطّاعون.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: ما الطّوفان؟
فقال: هو طوفان الماء والطّاعون.
( وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ ) .
قيل(٥) : هو كبار القردان.
وقيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
( وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ ) .
نقل(٦) : أنّهم مطروا ثمانية أيّام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته.
__________________
(١) نفس المصدر، والموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٥.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) نفس المصدر، والموضع.
(١ و ٦) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٦٥.
ودخل الماء بيوتهم، حتّى قاموا فيه إلى تراقيهم. وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم، ولم تدخل فيها قطرة ماء(١) . وركد على أراضيهم، فمنعهم من الحرث والتّصرف فيها ودام ذلك عليهم أسبوعا.
فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك يكشف عنّا ونحن نؤمن بك.
فدعا، فكشف عنهم ونبت لهم من الكلأ والزّرع ما لم يعهد مثله ولم يؤمنوا.
فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت زروعهم وثمارهم ثمّ أخذت تأكل الأبواب والسّقوف والثّياب. ففزعوا إليه ثانيا. فدعا، وخرج إلى الصّحراء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النّواحي الّتي جاءت منها، فلم يؤمنوا.
فسلّط الله عليهم القمّل، فأكل ما أبقاه الجراد. وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين أثوابهم وجلودهم، فيمصّها. ففزعوا إليه، فرفع عنهم.
فقالوا: قد تحقّقنا الآن أنّك ساحر.
ثمّ أرسل الله عليهم الضّفادع، بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام إلّا وجدت فيه.
وكانت تمتلى منها مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي، وإلى(٢) أفواههم عند التّكلم. ففزعوا إليه وتضرّعوا. فأخذ عليهم العهود، ودعا. فكشف الله عنهم. فنقضوا العهود.
ثمّ أرسل الله عليهم الدّم، فصارت مياههم دماء(٣) . حتّى كان يجتمع القبطيّ مع الإسرائيليّ على إناء، فيكون ما [يلي القبطي](٤) دما وما يلي الإسرائيليّ ماء. ويمصّ الماء من فم الإسرائيليّ، فيصير دما في فيه.
وقيل(٥) : سلّط الله عليهم الرّعاف.
( آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ) : مبيّنات، لا يشكل على عاقل أنّها آيات الله ونعمته عليهم، أو منفصلات.
قيل(٦) : لامتحان أحوالهم، إذ كان بين كلّ اثنتين(٧) منها شهر. وكان امتداد كلّ
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) سقطت من المصدر.
(٣) المصدر: دما.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يليه.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٥.
(٦) نفس المصدر، والموضع.
(٧) المصدر: آيتين.
واحدة أسبوعا.
وقيل(١) : إنّ موسى لبث فيهم، بعد ما غلب السّحرة، عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل.
والّذي في الخبر الآتي: أنّ المهلة بين أكثر الآيات سنة.
( فَاسْتَكْبَرُوا ) : على الإيمان.
( وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ) (١٣٣)( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ) قيل(٢) : يعني: العذاب المفصّل. أو الطّاعون، أرسله الله عليهم بعد ذلك.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: «الرّجز» هو الثّلج. ثمّ قال: خراسان بلاد رجز.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّه أصابهم ثلج أحمر لم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه وجزعوا. وأصابهم ما لم يعهدوه قبله.
( قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ) : بعهدك عندك، وهو النّبوّة أو بالّذي عهده إليك، أن تدعو فيجيبك، كما أجابك لآياتك.
وهو صلة «لادع»، أو حال من الضّمير فيه. بمعنى: ادع الله متوسّلا إليه بما عهد عندك.
أو متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه التماسهم، مثل أسعفنا إلى ما نطلب منك بحقّ ما عهد عندك.
أو قسم مجاب بقوله:( لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) (١٣٤)، أي: أقسمنا بعهد الله عندك «لئن كشفت عنّا الرّجز لنؤمننّ لك ولنرسلنّ».
( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ ) ، أي: حدّ من الزّمان هم بالغوه، فمعذّبون فيه. أو مهلكون، وهو وقت الغرق أو الموت.
وقيل(٥) : إلى أجل عيّنوه لإيمانهم.
__________________
(١) نفس المصدر، والموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥، ح ٦٨.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٤٦٩.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
( إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ) (١٣٥): جواب «لما»، أي: فلمّا كشفنا عنهم، فاجئوا النّكث من غير توقّف وتأمّل فيه.
( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) : فأردنا الانتقام.
( فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ ) : أي: البحر الّذي لا يدرك قعره.
وقيل(١) : لجّة البحر، ومعظم مائه.
واشتقاقه من التّيمّم، لأنّ المنتفعين به يقصدونه.
( بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) (١٣٦)، أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها، حتّى صاروا كالغافلين عنها.
وقيل(٢) : الضّمير للنّقمة، المدلول عليها بقوله: «فانتقمنا».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، مقطوعا. ونسب حديثه في مجمع البيان(٤) إلى الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام ـ قال: لـمـّـا سجد السّحرة و [من](٥) آمن به [من](٦) النّاس، قال هامان لفرعون: إنّ النّاس قد آمنوا بموسى فانظر من دخل في دينه فاحبسه.
فحبس كلّ من آمن به من بني إسرائيل. فتابع الله عليهم بالآيات، وأخذهم بالسّنين ونقص من الثّمرات.
ثمّ بعث عليهم الطّوفان، فخرّب دورهم ومساكنهم حتّى خرجوا إلى البريّة وضربوا الخيام. وامتلأت بيوت القبط ماء، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل الماء قطرة.
وأقام الماء على وجه أرضهم لا يقدروه على أن يحرثوا. [فجاء إليه موسى](٧) .
فقال فرعون لموسى: ادع لنا ربّك، حتّى يكشف(٨) عنّا الطّوفان، حتّى أخلّي عن بني إسرائيل وأصحابك.
فدعا موسى ربّه، فكشف(٩) عنهم الطّوفان. وهمّ فرعون أن يخلّي عن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦ ببعض التصرّف.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٣٧ ـ ٢٣٨ ولا يخفى أنّ المؤلّف أورده خلطا من المصدرين ولكن أكثر نقلها من تفسير القمّي وما نقل من مجمع البيان فهو قليل.
(٤) المجمع ٢ / ٤٦٨ ـ ٤٦٩.
(٥، ٦) ـ من تفسير القمّي.
(٧) العبارة لا توجد في المصدرين.
(٨) المصدر: يكفّ.
(٩) المصدر: كفّ.
بني إسرائيل، فقال له هامان: إن خلّيت عن بني إسرائيل، غلبك موسى وأزال ملكك.
فقبل منه، ولم يخلّ عن بني إسرائيل.
فأنزل الله عليهم في السنّة الثّانية الجراد. فجردت كلّ شيء كان لهم من النّبت(١) والشّجر، حتّى كانت تجرد شعر لحيتهم(٢) .
فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا، وقال: يا موسى، ادع لنا(٣) ربّك أن يكشف(٤) عنّا الجراد حتّى أخلّي عن بني إسرائيل وأصحابك.
فدعا موسى ربّه، فكشف(٥) عنهم الجراد. فلم يدعه هامان أن يخلّي عن بني إسرائيل.
فأنزل الله عليهم في السّنة الثّالثة القمّل. فذهبت زروعهم، فأصابتهم المجاعة.
فقال فرعون لموسى: إن دفعت عنّا القمّل، كففت عن بني إسرائيل.
فدعا موسى ربّه حتّى ذهب عنهم القمّل.
وقال: أوّل ما خلق الله القمّل في ذلك الزّمان. فلم يخلّ عن بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضّفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم.
ويقال: إنّها تخرج من أدبارهم وآذانهم وأنافهم.
فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاءوا إلى موسى فقالوا: ادع الله أن يذهب عنّا الضّفادع، فإنّا نؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا موسى ربّه. فرفع الله عنهم ذلك.
فلمّا أبوا أن يخلّوا عن بني إسرائيل، حوّل الله ماء النّيل دما. فكان القبطيّ يراه دما والإسرائيليّ يراه ماء. فإذا شربه الإسرائيليّ، كان ماء. وإذا شربه القبطيّ، كان دما. فكان القبطيّ يقول للإسرائيليّ: خذ الماء في فمك وصبّه في فمي. [فكان إذا](٦) صبّه في فم القبطيّ، يحوّل دما.
فجزعوا [من ذلك](٧) جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع [الله](٨) عنّا الدّم ،
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: البيت.
(٢) المصدر: شعرهم ولحيتهم.
(٣) ليس في المصدرين: لنا.
(٤) المصدر: يكفّ.
(٥) المصدر: فكفّ.
(٦) تفسير القمّي: فإذا.
(٧) ليس في المصدرين.
(٨) من تفسير القمّي.
لنرسلنّ معك بني إسرائيل.
فلمّا رفع الله عنهم الدّم، غدروا ولم يخلّوا عن بني إسرائيل.
فأرسل الله عليهم الرّجز، وهو الثّلج، ولم يروه قبل ذلك. فماتوا فيه وجزعوا [جزعا شديدا](١) ، وأصابهم ما لم يعهدوه(٢) قبله.
فقالوا:( يا مُوسَى ) (٣) ( ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، لَئِنْ كَشَفْتَ ) (٤) ( عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) .
فدعا ربه، فكشف عنهم الثّلج، فخلّى عن بني إسرائيل.
فلمّا خلّى عنهم، اجتمعوا إلى موسى ـ عليه السّلام ـ. وخرج موسى من مصر، واجتمع إليه من كان هرب من فرعون. وبلغ فرعون ذلك. فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلّي بني إسرائيل، فقد اجتمعوا(٥) إليه. فجزع فرعون وبعث( فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) (٦) وخرج في طلب موسى.
( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ) ، أي: بالاستبعاد وذبح الأبناء من مستضعفيهم.
( مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ) ، يعني: أرض الشّام. ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكّنوا في نواحيها.
( الَّتِي بارَكْنا فِيها ) : بالخصب وسعة العيش.
( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) : ومضت عليهم، واتّصلت بالإنجاز عدته إيّاهم بالنّصرة والتّمكين. وهو قوله:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَ ) ـ إلى قوله ـ:( ما كانُوا يَحْذَرُونَ ) .(٧) وقرئ(٨) : «كلمات ربّك» لمتعدّد المواعيد.
( بِما صَبَرُوا ) : بسبب صبرهم على الشّدائد.
( وَدَمَّرْنا ) : وخرّبنا.
__________________
(١) من تفسير القمّي.
(٢) تفسير القمّي: لم يعهدوا.
(٣) ليس في تفسير القمّي.
(٤) تفسير القمّي: كشفت.
(٥) كذا في تفسير القمّي، وفي النسخ: استجمعوا.
(٦) الأعراف / ١١١.
(٧) القصص / ٥ ـ ٦.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
( ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ) : من القصور والعمارات.
( وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ) (١٣٧): من الجنّات. أو ما كانوا يرفعون من البنيان، كصرح هامان.
وقرأ(١) ابن عامر وأبو بكر، هنا وفي النّحل: «يعرشون» بالضّمّ.
وهذا آخر قصّة فرعون وقومه.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا حفص، إنّه من صبر، صبر قليلا، إلى قوله ـ عليه السّلام ـ: ثمّ بشّر في عترته بالأئمّة ووصفوا بالصّبر، فقال ـ جل ثناؤه ـ:( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لـمـّـا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ) (٣) .
فعند ذلك قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الصّبر من الإيمان، كالرّأس من الجسد.
فشكر الله ـ عزّ وجلّ ـ ذلك له، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ) . [فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٤) إنّه بشرى وانتقام.
( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) : هذا وما بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشّنيعة، بعد أن منّ الله عليهم بالنّعم الجسام وأراهم من الآيات العظام، تسلية لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ممّا رأى منهم بالمدينة، وإيقاظا للمؤمنين حتّى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم.
نقل(٥) : أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه، فصاموه شكرا.
( فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ ) : فمرّوا عليهم.
( يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ) : يقيمون على عبادتها.
قيل(٦) : كانت تماثيل بقر، وذلك أوّل شأن العجل. والقوم كانوا من العمالقة
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
(٢) الكافي ٢ / ٨٨ ـ ٨٩، ح ٣.
(٣) السجدة / ٢٤.
(٤) من المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٦.
الّذين أمر موسى بقتالهم.
وقيل: من لخم.
وقرأ حمزة والكسائي: «يعكفون» بالكسر.
( قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً ) : مثالا نعبده.
( كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) : يعبدونها.
و «ما» كافّة «للكاف».
( قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (١٣٨): وصفهم بالجهل المطلق وأكّده لبعد ما صدر عنهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى، عن العقل.
وفي نهج البلاغة(١) : وقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه.
فقال: نرى(٢) إنّما اختلفنا عنه، لا فيه. ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر، حتّى قلتم لنبيّكم:( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) .
( إِنَّ هؤُلاءِ ) : إشارة إلى القوم.
( مُتَبَّرٌ ) : مكسّر.
( ما هُمْ فِيهِ ) ، يعني: إنّ الله يهدم دينهم الّذي هم عليه، ويحطّم أصنامهم هذه، ويجعلها رضاضا.
( وَباطِلٌ ) : مضمحلّ.
( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٣٩): من عبادتها، وإن قصدوا بها التّقرّب إلى الله ـ تعالى ـ.
وإنّما بالغ في هذا الكلام بجعل «هؤلاء» اسم «إنّ»، والإخبار عمّا هم فيه بالتّبار وعمّا فعلوا بالبطلان، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرا «لأنّ»، للتّنبيه على أنّ الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، وأنّ الإحباط الكلّيّ لازب لما مضى عنهم، تنفيرا وتحذيرا عمّا طلبوا.
( قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً ) : أطلب لكم معبودا.
( وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) (١٤٠): والحال أنّه خصّكم بنعم لم يعطها غيركم.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٥٣١، الحكمة ٣١٧.
(٢) ليس في المصدر.
وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم. حيث قابلوا تخصيص الله إيّاهم من أمثالهم بما لم يستحقّوه، تفضّلا بأن قصدوا أن يشركوا به أخسّ شيء من مخلوقاته.
( وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) : واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت.
وقرأ(١) ابن عامر: «أنجاكم».
( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) : استئناف لبيان ما أنجاهم. أو حال من المخاطبين. أو من آل فرعون، أو منهما، أي: يبغونكم ويكلّفونكم شدّة العذاب.
( يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) : بدل مبيّن منه.
وقرأ نافع: «يقتلون» بفتح الياء، وإسكان القاف، وضمّ التّاء، مخفّفا.
( وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (١٤١): وفي الإنجاء أو العذاب، نعمة أو محنة عظيمة.
( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ) : ذا العقدة.
وقرأ(٢) أبو عمرو ويعقوب: «ووعدنا».
( وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ) : من ذي الحجّة.
وفي مجمع البيان(٣) :( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ) ولم يقل: أربعين [ليلة، كما قاله في سورة البقرة لفائدة](٤) زائدة ذكر فيها وجوه ـ إلى قوله ـ: وثالثها، أنّ موسى ـ عليه السّلام ـ قال لقومه: إنّي أتأخّر عنكم ثلاثين يوما، ليسهّل عليكم. ثمّ زاد عليهم عشرا(٥) وليس في ذلك خلف، لأنّه إذا تأخّر عنهم أربعين [ليلة](٦) فقد تأخّر ثلاثين قبلها. عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن محمّد بن عليّ(٨) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ) .
قال: بعشر ذي الحجّة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٧.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٤٧٣.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «عشرة» بدل «عليهم عشرا».
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥، ح ٦٩.
(٨) في المصدر: «الحلبيّ» بدل «بن عليّ».
( فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) : بالغا أربعين.
نقل(١) : أنّه ـ عليه السّلام ـ وعد بني إسرائيل بمصر، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله، فيه بيان ما يؤتون وما يذرون. فلمّا هلك، سأل ربّه. فأمره بصوم ثلاثين. فلمّا أتمّ، أنكر خلوف(٢) فيه فتسوّك.
فقالت الملائكة: كنّا نشمّ منك رائحة المسك، فأفسدته بالسّواك. فأمره الله أن يزيد عليها عشرا.
وقيل(٣) : أمره بتخلّي(٤) ثلاثين بالصّوم والعبادة. ثمّ أنزل الله عليه التّوراة في العشر، وكلّمه فيها.
في أصول الكافي(٥) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الخزّاز، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعميّ، عن الفضيل(٦) بن يسار، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: لهذا الأمر وقت؟
فقال: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون. كذب الوقّاتون. إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ لـمـّـا خرج وافدا إلى ربّه، واعدهم ثلاثين يوما، فلمّا زاده الله على الثّلاثين عشرا، قال قومه: قد أخلفنا موسى. فضيعوا بما صنعوا(٧) فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على ما حدّثناكم [به]، فقولوا: صدق الله [ورسوله](٨) . وإذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به، فقولوا: صدق الله. تؤجروا(٩) مرّتين.
وفي كتاب معاني الأخبار(١٠) ، بإسناده إلى [محمّد بن يعقوب بن](١١) شعيب: عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ذو القعدة ثلاثون يوما، لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٧.
(٢) خلف الشيء خلوفا: تغيّر وفسد. يقال :خلف الطعام، وخلف فم الصائم. وفي الحديث «لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك».
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) المصدر: بأن يتخلّى.
(٥) الكافي ١ / ٣٦٨ ـ ٣٦٩، ح ٥.
(٦) المصدر: الفضل. وهو غلط.
(٧) المصدر: «فصنعوا ما صنعوا» بدل: «فضيعوا بما صنعوا».
(٨) ليس في المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: تؤجرون.
(١٠) معاني الأخبار / ٣٨٣، ضمن ح ١٤.
(١١) من المصدر.
( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. في حديث طويل نحوه.
( وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) : كن خليفتي فيهم.
( وَأَصْلِحْ ) : ما يجب أن يصلح من أمورهم.
( وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (١٤٢): ولا تتّبع من سلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٢) ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ في غزوة تبوك: اخلفني في أهلي.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: يا رسول الله، إنّي أكره أن تقول العرب: خذل ابن عمّه وتخلّف عنه.
فقال: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟
قال: بلى.
قال: فاخلفني.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ. وذكر حديثا طويلا فيه ذكر موسى وهارون ـ عليهما السّلام ـ. وفيه: فقلت له: أخبرني عن الأحكام والقضايا(٤) والأمر والنّهي، [أ](٥) كان ذلك إليهما؟
قال: كان موسى الّذي يناجي ربّه ويكتب العلم ويقضي بين بني إسرائيل، وهارون يخلفه إذا غاب من قومه للمناجاة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في
__________________
(١) الكافي ٤ / ٧٩، ضمن ح ٢.
(٢) أمالي الطوسي ١ / ٢٦٧.
(٣) تفسير القمّي ٢ / ١٣٧.
(٤) المصدر: القضاء.
(٥) من المصدر.
(٦) كمال الدين / ٢٧٨، ضمن ح ٢٥.
المسجد أيّام خلافة عثمان: أنشدكم بالله(١) ، أتعلمون أنّي قلت لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في غزوة تبوك: لم خلّفتني [مع الصبيان والنساء](٢) ؟
فقال: إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك. وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟
قالوا: أللّهمّ، نعم.
وفي روضة الكافي(٣) ، خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وهي خطبة الوسيلة.
يقول ـ عليه السّلام ـ فيها بعد أن ذكر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: واختصّني بوصيّته، واصطفاني بخلافته في أمّته. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد حشده المهاجرون والأنصار وانعصّت بهم المحافل: أيّها النّاس، إنّ عليّا منّي، كهارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي. فعقل المؤمنون عن الله نطق الرّسول. إذ عرفوني أنّي لست بأخيه لأبيه وأمّه، كما كان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه. ولا كنت نبيّا، فاقتضى نبوّة. ولكن كان ذلك منه استخلافا لي، كما استخلف موسى هارون ـ عليه السّلام ـ حيث يقول:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) .
( وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ) : لوقتنا الّذي وقّتناه.
و «اللّام» للاختصاص، أي: اختصّ بميقاتنا.
( وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) : من غير وسط، كما يكلّم الملائكة.
( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) : بأن تمكّنني من رؤيتك. أو تتجلّى لي، فأنظر إليك وأراك.
( قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ) : لـمـّـا تجلّيت عليه.
( فَسَوْفَ تَرانِي ) : استدراك، يريد أن يبيّن به أنّه لا يطيقه.
واستدلّت الأشاعرة بهذه الآية على جواز الرّؤية من وجهين: الأوّل، أنّ موسى طلب الرّؤية. وطلب المستحيل من الأنبياء محال، خصوصا ما يقتضي الجهل بالله.
والثّاني، أنّه ـ تعالى ـ علّق الرّؤية باستقرار الجبل، وهو ممكن. والمعلّق على
__________________
(١) المصدر: الله.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٨ / ٢٦ ـ ٢٧.
الممكن، يكون ممكنا.
وردّ الأوّل، بأنّ سؤال موسى لقومه، وإتمام الحجّة عليهم فإنّهم اقترحوا منه أن يسأل الرّؤية، فسأل لتمام الحجّة، كما قال في الخبر.
والثّاني، بأن المعلّق عليه استقرار الجبل بعد التّجلّي. وكونه ممكنا، غير ممكن.
( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) : ظهر له عظمته، وتصدّى له اقتداره وأمره.
وفي مجمع البيان(١) : وقيل: إنّ «تجلّى» بمعنى: جلّى، كقولهم: حدّث وتحدّث.
في تقديره: جلّى ربّه أمره للجبل، أي: أبرزه من(٢) ملكوته للجبل ما تدكدكه به. ويؤيّده ما جاء في الخبر: أنّ الله ـ تعالى ـ أبرز من العرش مقدار الخنصر(٣) ، فتدكدك به الجبل.
وفي علل الشرائع(٤) ، بإسناده إلى إسحاق بن غالب: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ كلام طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو يرى.
( جَعَلَهُ دَكًّا ) : مدكوكا مفتّتا.
والدّكّ والدّق أخوان، كالشّكّ والشّقّ.
وقرأ(٥) حمزة والكسائي: «دكّا»، أي: أرضا مستوية. ومنه: ناقة دكّاء، للّتي لا سنام لها.
وقرئ: «دكّا» أي: قطعا. و «دكّا» جمع، دكّاء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن حفص بن غياث قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول في قوله:( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) .
قال: ساخ الجبل في البحر، فهو يهوي حتّى السّاعة.
وفي مجمع البيان(٧) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: صار الجبل ستّة أجبل.
وقعت ثلاثة بالمدينة، وهي أحد ورقان(٨) ورضوى. وثلاثة بمكّة، وهي ثور وثبير وحراء.
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٤٧٥.
(٢) المصدر: في.
(٣) هكذا في المصدر. وفي أوب ور: الخصف.
(٤) علل الشرائع / ١١٩، ضمن ح ١، وعنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٦٦ ح ٢٥١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٨.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧، ح ٧٥.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٤٧٥.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: قار.
وفي علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى عمر بن عليّ: عن أبيه عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. أنّه سئل: ممّا خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ الذّرّ الّذي يدخل في كوّة البيت؟
فقال: إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ لـمـّـا( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: إن استقرّ الجبل لنوري، فإنّك ستقوى(٢) على أن تنظر إليّ. وإن لم يستقرّ، فلا تطيق إبصاري لضعفك. فلمّا تجلّى الله للجبل تقطّع ثلاث قطع: قطعة ارتفعت في السّماء، وقطعة ساخت في(٣) تحت الأرض، وقطعة تفتّت(٤) . فهذا الذرّ من ذاك الغبار، غبار الجبل.
ويأتي، أنّه تقطّع فصار رميما.
( وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) : مغشيا عليه من هول ما رأى.
( فَلَمَّا أَفاقَ قالَ ) : تعظيما لما رأى.
( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) : من الجرأة، والإقدام على مثل هذا السّؤال.
( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٤٣): بأنّك لا ترى.
وفي مجمع البيان(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: معناه: أنا أوّل من آمن بك(٦) ، وصدّق بأنّك لا ترى.
وفي عيون الأخبار(٧) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في عصمة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ: حدّثنا الحسين بن عبد الله القرشيّ(٨) قال: حدّثني أبي، عن أحمد(٩) بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ [بن محمد](١٠) بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون، وعنده الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى أن قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) علل الشرائع / ٤٩٧، ح ١.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تقوى.
(٣) المصدر: غاصت في.
(٤) هكذا في المصدر، وفي النسخ: بقيت.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٤٧٩.
(٦) ليس في المصدر: يك.
(٧) عيون الأخبار ١ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ ضمن ح ١.
(٨) المصدر، جامع الرواة ١ / ١٣٣: تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ.
(٩) المصدر: حمدان.
(١٠) من المصدر.
( وَلَمَّا ) (١) ( جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ) (الآية).
كيف يجوز أن يكون كليم الله، موسى بن عمران أن(٢) لا يعلم أنّ الله ـ تعالى ذكره ـ لا يجوز عليه الرّؤية حتّى يسأله هذا السّؤال؟
فقال ـ عليه السّلام ـ: إنّ كليم الله، موسى بن عمران علم أنّ الله منزّه عن أن يرى بالأبصار. ولكنّه لـمـّـا كلّمه الله ـ عزّ وجلّ ـ وقرّبه نجيّا، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى نسمع كلامه، كما سمعته.
وكان القوم سبعمائة ألف رجل. فاختار منهم سبعين ألفا، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمّ اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربّه.
فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل. وصعد موسى ـ عليه السّلام ـ إلى الطّور، وسأل الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يكلّمه ويسمعهم كلامه. فكلّمه(٣) الله، وسمعوا كلامه من فوق ومن(٤) أسفل ويمين وشمال ووراء وأمام. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أحدثه في الشّجرة، ثمّ(٥) جعله منبعثا منها حتّى سمعوه من جميع الوجوه.
فقالوا: لن نؤمن بأنّ هذا الّذي سمعناه كلام الله، حتّى نرى الله جهرة.
فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة.
فأخذتهم الصّاعقة بظلمهم، فماتوا.
فقال موسى: يا ربّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم، لأنّك لم تك صادقا فيما ادّعيت من مناجاة الله ـ عزّ وجلّ ـ إيّاك؟
فأحياهم وبعثهم معه.
فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يريك تنظر(٦) إليه، لأجابك. فتخبرنا(٧) كيف هو، ونعرفه حقّ معرفته.
فقال موسى: يا قوم، إنّ الله لا يرى بالأبصار، ولا كيفيّة له. وإنّما يعرف
__________________
(١) هكذا في المصحف أيضا، ولكن في المصدر :فلمّا.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وكلّمهم.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: و.
(٦) المصدر: ننظر.
(٧) المصدر: وكنت تخبرنا.
بآياته، ويعلم بأعلامه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتّى تسأله.
فقال موسى: يا ربّ، إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم.
فأوحى الله إليه: يا موسى، سلني ما سألوك، فلن أؤاخذك بجهلهم.
فعند ذلك قال موسى:( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ) (١) ( فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) بآية من آياته( جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) منهم بأنّك لا ترى.
قال المأمون: لله درك، يا أبا الحسن.
وفي كتاب التّوحيد(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. يقول فيه، وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: وسأل موسى ـ عليه السّلام ـ وجرى على لسانه من حمد الله ـ عزّ وجلّ ـ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) . فكانت مسألته تلك أمرا عظيما وسأل أمرا جسيما، فعوقب.
فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( لَنْ تَرانِي ) في الدّنيا حتّى تموت فتراني في الآخرة.
ولكن إن أردت أن تراني في الّدنيا، فانظر( إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ) .
فأبدى الله ـ سبحانه ـ بعض آياته، وتجلّى ربّنا للجبل، فتقطّع الجبل فصار رميما.( وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) [يعني ميّتا، فكان عقوبته الموت](٣) ثمّ أحياه الله وبعثه [وتاب عليه](٤) . فقال:( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، يعني: أوّل من آمن بك منهم أنّه لن يراك.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ موسى بن عمران لـمـّـا سأل ربّه النّظر إليه، وعده الله أن يقعد في موضع. ثمّ أمر
__________________
(١) هنا يوجد زيادة في المصدر هكذا: «وهو يهوي».
(٢) التوحيد / ٢٦٢ ـ ٢٦٣.
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧، ح ٧٤.
الملائكة أن تمرّ عليه موكبا موكبا، بالبرق والرّعد والرّيح والصّواعق. فكلّما مرّ به موكب من المواكب، ارتعدت فرائصه. فيرفع رأسه، فيسأل: أفيكم ربّي؟
فيجاب: هو آت، وقد سألت عظيما، يا ابن عمران.
عن أبي بصير(١) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قال: لـمـّـا سأل موسى ربّه ـ تبارك وتعالى ـ:( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ) .
فلمّا صعد موسى على(٢) الجبل، فتحت أبواب السّماء، وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد، وفي رأسها النّور، يمرّون به فوجا بعد فوج. يقولون: يا ابن عمران، أثبت فقد سألت أمرا عظيما.
قال: فلم يزل موسى واقفا حتّى تجلّى ربّنا ـ جلّ جلاله ـ. فجعل الجبل( دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) . فلمّا أن ردّ الله إليه روحه و( أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وفي رواية(٣) : أنّ النّار أحاطت بموسى، لئلّا يهرب لهول ما رأى.
وقال: لـمـّـا( خَرَّ مُوسى صَعِقاً ) مات. فلمّا أن ردّ الله إليه روحه، أفاق فقال:( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : في قوله:( وَلكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ ) .
قال: فرفع الله الحجاب ونظر إلى الجبل، فساخ الجبل في البحر. فهو يهوي حتّى السّاعة. ونزلت الملائكة، وفتحت أبواب السّماء.
فأوحى الله إلى الملائكة: أدركوا موسى لا يهرب.
فنزلت الملائكة وأحاطت بموسى، وقالت تب(٥) ، يا ابن عمران، فقد سألت الله عظيما.
فلمّا نظر موسى إلى الجبل قد ساخ والملائكة قد نزلت، وقع على وجهه. فمات من خشية الله، وهول ما رأى. فردّ الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه روحه. فرفع رأسه وأفاق و
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ٢٦ ـ ٢٧، ح ٧٢.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلى.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ٢٧، ح ٧٦.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أتيت.
( قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، أي: أوّل من صدّق أنّك لا ترى.
وفي بصائر الدّرجات(١) : بعض أصحابنا، عن أحمد بن محمّد السّياريّ قال: وقد سمعت أنا من أحمد بن محمّد قال: حدّثني أبو محمّد، عبيد بن أبي عبد الله القاري أو(٢) غيره، رفعوه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الكرّوبين قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل، جعلهم الله خلف العرش. لو قسّم نور واحد منهم على أهل الأرض، لكفاهم.
ثمّ قال: إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ لـمـّـا سأل ربّه ما سأل، أمر واحدا من الكروبيّين فتجلّى للجبل فجعله دكّا.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ مجيبا لبعض الزّنادقة، وقد قال: وأجده قد شهر هفوات أنبيائه بتهجينه موسى حيث( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ) (الآية): وأما هفوات الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ وما بيّنه الله في كتابه، فإنّ ذلك من أدلّ(٤) الدلائل على حكمته ـ عزّ وجلّ ـ الباهرة وقدرته القاهرة وعزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ تكبر في صدور أممهم، وأنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذلك دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي انفرد به ـ عزّ وجلّ ـ.
قال في الجوامع: وقيل(٥) : في الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بقوله:( أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) : عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا، بإظهار بعض الآيات الأخر الّتي تضطرّ الخلق إلى معرفتك. «أنظر إليك»: أعرفك معرفة ضروريّة، كأنّي أنظر إليك، كما جاء في الحديث: سترون ربّكم، كما ترون القمر ليلة البدر، بمعنى: ستعرفونه معرفة جليّة.
وهي في الجلاء، مثل إبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى بدرا.( قالَ لَنْ تَرانِي ) : لن تطيق معرفتي على هذه الطّريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية.( لكِنِ انْظُرْ إلى الْجَبَلِ ) فإنّي أورد عليه آية من تلك الآيات. فإن ثبتت(٦) لتجلّيها واستقرّ مكانه، فسوف تثبت
__________________
(١) بصائر الدرجات / ٨٩، ح ٢.
(٢) المصدر: أبي عبد الله الفارسي و.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٦٤ و ٣٦٥ و ٣٧٠.
(٤) هكذا في المصدر، وفي النسخ: أوّل.
(٥) جوامع الجامع / ١٥٦.
(٦) المصدر: ثبتّ.
بها(١) وتطيقها.( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ ) : فلمّا ظهرت للجبل آية من آيات ربّه،( جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) لعظم ما رأى.( فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) ممّا اقترحت.
( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) بعظمتك وجلالك.
وعن أمير المؤمنين(٢) ـ عليه السّلام ـ: لم تره العيون بمشاهدة الأبصار(٣) ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواسّ، ولا يشبه بالنّاس.
موصوف بالآيات، معروف بالعلامات.
وقال(٤) ـ عليه السّلام ـ: لم أعبد(٥) ربّا لم أره.
وفي كتاب التّوحيد(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن الله ـ عزّ وجلّ ـ: هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟
قال: نعم، وقد رأوه قبل يوم القيامة.
فقيل: متى؟
قال: حين قال لهم:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟قالُوا: بَلى ) .
ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: وإنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا؟
قيل: فأحدّث بهذا عنك؟
فقال: لا. فإنّك إذا حدّثت به، فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقوله ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه، كفر. وليست الرّؤية بالقلب كالرّؤية بالعين. تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون والملحدون.
أقول: ومن هذا ظهر معنى قوله ـ عليه السّلام ـ في الحديث المنقول عنه ـ عليه السّلام ـ من كتاب التّوحيد: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة، أي: ما تراني بنهاية عظمتي في الدّنيا، ممّا يمكنك أن تراني به في الآخرة.
( قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ ) : اخترتك.
__________________
(١) المصدر: لها.
(٢) التوحيد / ١٠٨، ح ٥. والظاهر أنّ المؤلّف نقل هذا الحديث وما بعده من تفسير الصافي ٢ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦.
(٣) المصدر: العيان.
(٤) التوحيد / ١٠٩.
(٥) المصدر: ما كنت أعبد.
(٦) التوحيد / ١١٧، ح ٢٠.
( عَلَى النَّاسِ ) ، أي: الموجودين في زمانك. وهارون، وإن كان نبيّا، كان مأمورا باتّباعه. ولم يكن كليما، ولا صاحب شرع.
( بِرِسالاتِي ) ، يعني: أسفار التّوراة.
وقرأ(١) ابن كثير ونافع: «برسالتي».
( وَبِكَلامِي ) : إيّاك.
( فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ) : أعطيتك من الرّسالة.
( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (١١٤): على النّعمة فيه.
نقل(٢) : أنّ سؤال الرّؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التّوراة يوم النّحر.
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن يقطين، عن زرارة(٤) ، عن أبي عبد الّله ـ عليه السّلام ـ قال: أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى موسى: أن، يا موسى، أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟
قال: يا ربّ، ولم ذاك؟
قال: فأوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إليه: يا موسى، إنّي قلّبت عبادي ظهرا لبطن، فلم أجد فيهم أحدا أذلّ لي نفسا منك. يا موسى، إنّك إذا صلّيت وضعت حدّك على التّراب. أو قال: على الأرض.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى محمّد بن سنان: عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الّله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ احتبس عنه الوحي أربعين أو ثلاثين صباحا.
قال: فصعد على جبل بالشّام، يقال له: أريحا.
فقال: يا ربّ، إن كنت حبست عنّي وحيك وكلامك لذنوب بني إسرائيل، فغفرانك القديم.
قال: فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه أن: يا موسى بن عمران، أتدري لم اصطفيتك لوحيي وكلامي دون خلقي؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٨.
(٣) الكافي ٢ / ١٢٢.
(٤) المصدر: عمن رواه بدل زرارة.
(٥) علل الشرائع / ٥٦ ـ ٥٧، ح ٢، وعنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٦٧ ح ٢٥٥.
فقال: لا علم لي، يا ربّ.
فقال: يا موسى، إنّي اطّلعت إلى خلقي اطّلاعة، فلم أجد في خلقي أشدّ تواضعا لي منك، فمن ثمّ خصصتك بوحيي وكلامي من بين خلقي.
قال: وكان موسى ـ عليه السّلام ـ إذا صلّى، لم ينفتل حتّى يلصق خدّه الأيمن بالأرض والأيسر.
( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) : ممّا يحتاجون إليه في أمر الدّين.
( مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) : بدل من الجار والمجرور، أي: كتبنا كلّ شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام.
واختلف في أنّ الألواح كانت عشرة، أو سبعة. وكانت من زمرّد، أو زبرجد، أو ياقوت أحمر، أو صخرة صمّاء لينّها الله لموسى فقطعها بيده أو شقّها بأصابعه وكان فيها التّوراة، أو غيرها.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّها كانت زبرجدة من الجنّة.
وفي بصائر الدّرجات(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أنّها كانت [ألواح موسى](٣) من زمرّد أخضر.
ويمكن الجمع بين الرّوايتين، بأنّهما واحدة. أو كان بعضها من زبرجدة، وبعضها من زمرّد.
( فَخُذْها ) : على إضمار القول عطفا على «كتبنا». أو بدل من قوله:( فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ) . و «الهاء» للألواح، أو لكلّ شيء. فإنّه بمعنى: الأشياء. أو للرّسالات.
( بِقُوَّةٍ ) : بجد وعزيمة، أي: قوّة القلب.
( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ) ، أي: بأحسن ما فيها، كالصّبر والعفو.
بالإضافة إلى الانتصار والاقتصاص، على طريقة النّدب والحثّ على الأفضل، كقوله ـ تعالى ـ:( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) . أو بواجباتها، فإنّ الواجب أحسن من غيره.
ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقا، لا بالإضافة. وهو المأمور به ،
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨، ح ٧٧.
(٢) بصائر الدرجات / ١٦١، ضمن ح ٦.
(٣) من المصدر.
كقولهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء.
( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) (١٤٥): دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها. أو منازل عاد وثمود وأضرابهم، لتعتبروا ولا تفسقوا. أو دارهم في الآخرة، وهي جهنّم.
وقرئ(١) : «سأريكم»، بمعنى: سأبيّن لكم. من: أوريت الزّند.
و «سأورثكم». ويؤيّده قوله: «وأورثنا القوم».
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [قال](٣) في الجفر، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمـّـا أنزل الألواح على موسى ـ عليه السّلام ـ أنزلها عليه وفيها تبيان كلّ شيء كان، أو هو كائن إلى أن تقوم السّاعة.
فلمّا انقضت أيّام موسى ـ عليه السّلام ـ، أوحى الله إليه: أن استودع الألواح، وهي زبرجدة من الجنّة، جبلا يقال له: زينة.
فأتى موسى الجبل، فانشقّ له الجبل، فجعل فيه الألواح ملفوفة. فلمّا جعلها فيه، انطبق الجبل عليها. فلم تزل في الجبل حتّى بعث الله نبيّه محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فأقبل ركب من اليمن يريدون الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلمّا انتهوا إلى الجبل، انفرج الجبل وخرجت الألواح ملفوفة، كما وضعها موسى ـ عليه السّلام ـ.
فأخذها القوم. فلمّا وقعت في أيديهم، ألقى [الله](٤) في قلوبهم [الرعب](٥) أن لا ينظروا إليها وهابوها حتّى يأتوا بها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأنزل جبرئيل على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخبره بأمر القوم وبالّذي أصابوه.
فلمّا قدموا على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [وسلّموا عليه](٦) ابتدأهم فسألهم عمّا وجدوا.
فقالوا: وما علمك بما وجدنا؟
قال: أخبرني به ربّي، وهو الألواح.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٩.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ٢٨، ح ٧٧.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر ويوجد فيه بين المعقوفتين أيضا.
(٦) ليس في المصدر.
قالوا: نشهد أنّك لرسول الله.
فأخرجوها، فوضعوها إليه. فنظر إليها وقرأها، وكانت بالعبرانيّ. ثمّ دعا أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقال: دونك هذه، ففيها علم الأوّلين والآخرين. وهي ألواح موسى. وقد أمرني ربّي أن أدفعها إليك.
فقال: [يا رسول الله](١) لست أحسن قراءتها.
فقال: إنّ جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه. فإنّك تصبح وقد علمت قراءتها.
فقال: فجعلها تحت رأسه. فأصبح وقد علّمه الله كلّ شيء فيها. فأمره رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بنسخها في جلد [شاة](٢) . وهو الجفر. وفيه علم الأوّلين والآخرين.
وهو عندنا، والألواح عندنا، وعصا موسى عندنا. ونحن ورثنا النّبيّين ـ صلّى الله عليهم أجمعين ـ.
قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: تلك الصّخرة الّتي حفظت ألواح موسى تحت شجرة في واد، يعرف بكذا.
وفي بصائر الدّرجات(٣) : أنّ الباقر ـ عليه السّلام ـ عرّف تلك الصّخرة ليمانيّ دخل عليه.
وفيه(٤) : محمّد بن عيسى بن عبيد(٥) ، عن محمّد بن عمرو(٦) ، عن عبد الله بن الوليد السّمان(٧) قال: قال لي أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: يا عبد الله ما تقول الشّيعة في عليّ وموسى وعيسى؟
قلت: جعلت فداك، وعن أيّ حالات تسألني؟
قال: سألتك عن العلم. [فامّا الفضل، فهم سواء.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) بصائر الدرجات / ١٥٧، ح ٧.
(٤) بصائر الدرجات / ٢٤٨، ح ٣.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: جعفر بن محمد بن عيسى بن عبيد.
(٦) المصدر: عمر.
(٧) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٥١٥، وفي النسخ: السمانيّ.
قال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم؟](١) .
قال: هو [ـ والله ـ](٢) أعلم منهما.
ثمّ قال: يا عبد الله، أليس يقولون: إنّ لعليّ ما لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من العلم؟
قلت: نعم.
فقال: فخاصمهم فيه، أنّ الله قال لموسى:( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) . وعلّمنا(٣) أنّه لم يبيّن له الأمر كلّه. وقال ـ تبارك وتعالى ـ لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (٤) .
عليّ(٥) بن إسماعيل(٦) ، عن محمّد بن عمر الزّيّات، عن عبد الله بن الوليد قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أيّ شيء يقول الشّيعة في عيسى وموسى وأمير المؤمنين؟
قلت: يقولون: إنّ عيسى وموسى أفضل من أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
فقال: أتزعمون أنّ أمير المؤمنين قد علم ما علم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قلت: نعم، ولكن لا يقدّمون على أولي العزم من الرّسل أحدا.
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: فخاصمهم بكتاب الله.
قلت: في أيّ موضع منه أخاصمهم؟
قال: قال الله [لموسى](٧) ( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) علمنا(٨) أنّه لم يكتب لموسى كلّ شيء. وقال الله ـ تعالى ـ لعيسى:( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (٩) . وقال ـ تبارك وتعالى ـ لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ )
وفي كتاب الاحتجاج(١٠) : محمّد بن أبي عمير الكوفيّ، عن عبد الله بن الوليد
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) المصدر ـ فأعلمنا.
(٤) النحل: ٨٩.
(٥) المصدر: محمد.
(٦) بصائر الدرجات / ٢٤٧، ح ١.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: علما.
(٩) الزخرف / ٦٣.
(١٠) الاحتجاج ٢ / ١٣٧ ـ ١٣٨.
السّمانّ(١) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما تقول الشّيعة(٢) في أولي العزم وصاحبكم أمير المؤمنين؟
قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحدا.
قال: فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قال لموسى:( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً ) ولم يقل: كلّ شيء. وقال لعيسى(٣) ـ عليه السّلام ـ:( وَلِأُبَيِّنَ ) (٤) ( لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) (٥) ولم يقل: كلّ شيء. وقال لصاحبكم أمير المؤمنين:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (٦) .
وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) (٧) . وعلم هذا الكتاب عنده.
( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ) : المنصوبة في الآفاق والأنفس.
( الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ) : بالطّبع على قلوبهم. فلا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.
وقيل(٨) : سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون، فعاد عليه بإعلائها أو بإهلاكهم.
( بِغَيْرِ الْحَقِ ) : [صلة «يتكبّرون»](٩) : أي: يتكبّرون بما ليس بحقّ، وهو دينهم الباطل. أو حال من فاعله.
( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ) : منزلة، أو معجزة.
( لا يُؤْمِنُوا بِها ) : لعنادهم أو اختلال عقلهم، بسبب انهماكهم في الهوى والتّقليد. وهو يؤيّد الوجه الأوّل.
في الحديث(١٠) : إذا عظّمت أمّتي الدّنيا، نزعت عنها سنة(١١) الإسلام. وإذا تركوا
__________________
(١) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٥١٥، وفي النسخ: السّمانيّ.
(٢) المصدر: ما يقول الناس
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عيسى.
(٤) المصدر: ليبيّن.
(٥) الزخرف / ٦٣.
(٦) الرعد / ٤٣.
(٧) الأنعام / ٥٩.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٩.
(٩) من المصدر.
(١٠) تفسير الصّافي ٢ / ٢٣٨. (١١) المصدر: هيبة.
الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي.
( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) : لاستيلاء الشّيطنة عليهم.
وقرأ(١) حمزة والكسائيّ: «الرّشد» بفتحتين.
وقرئ(٢) : «الرّشاد». وثلاثتها لغات، كالسّقم والسّقم والسّقام.
( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) .
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: إذا رأوا الإيمان والصّدق والوفاء والعمل الصّالح، لا يتّخذوه سبيلا. وإن يروا الشّرك والزّنا والمعاصي، يأخذوا بها ويعملوا بها.
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) (١٤٦)، أي: ذلك الصّرف، لسبب تكذيبهم وعدم تدبّرهم للآيات.
ويجوز أن ينتصب «ذلك» على المصدر، أي: سأصرف ذلك الصّرف بسببها.
( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ) ، أي: ولقائهم الدّار الآخرة، أو ما وعد الله في الآخرة.
( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) : لا ينتفعون بها.
( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٤٧): إلّا جزاء أعمالهم.
( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ ) ، أي: بعد ذهابه للميقات.
( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) : الّتي استعاروا من القبط حين همّوا بالخروج من مصر.
وإضافتها إليهم، لأنّها كانت في أيديهم أو ملكوها بعد هلاكهم. وهو جمع، حلي، كثدي وثديّ.
وقرأ(٤) حمزة والكسائيّ، بالكسر، بالاتباع، كدلي. ويعقوب، على الإفراد.
( عِجْلاً جَسَداً ) : بدنا ذا لحم ودم. أو جسدا من الذّهب خاليا من الرّوح.
ونصبه، على البدل.
( لَهُ خُوارٌ ) : صوت البقر.
__________________
١، ٢ ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٦٩.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٤٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٦٩.
نقل(١) : أنّ السّامريّ لـمـّـا صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبرئيل، فصار حيّا.
وقيل(٢) : صاغه بنوع من الحيل، فتدخل الرّيح جوفه وتصوّت. وإنّما نسب الاتّخاذ إليهم، وهو فعله، إمّا لأنّهم رضوا به. أو لأنّ المراد اتّخاذهم إيّاه إلها.
وقرئ: «جؤار»، أي: صياح.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن ابن مسكان، عن [الوصاف](٤) الباقر ـ عليه السّلام ـ: إنّ فيما ناجى موسى ربّه، أن قال: يا ربّ، هذا السّامريّ صنع العجل، فالخوار من صنعه؟
قال: فأوحى الله إليه: يا موسى، إن تلك فتنتي. فلا تفحّص(٥) عنها.
وعن محمّد بن أبي حمزة(٦) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: يا ربّ، ومن أخار الصّنم؟
فقال الله ـ تعالى ـ: يا موسى، أنا(٧) أخرته.
فقال موسى:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٨) ، بإسناده إلى جميل بن أنس قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أكرموا البقرة، فإنّها سيّد البهائم. ما رفعت طرفها إلى السّماء حياء من الله ـ عزّ وجلّ ـ منذ عبد العجل.
( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) : تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنّظر.
والمعنى: ألم يروا حين اتّخذوه إلها أنّه لا يقدر على كلام ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر؟ حتّى حسبوا أنّه خالق الأجسام والقوى والقدر.
( اتَّخَذُوهُ ) : تكرير للّذمّ، أي: اتّخذوه إلها.
( وَكانُوا ظالِمِينَ ) (١٤٨): واضعين الأشياء في غير موضعها. فلم يكن اتّخاذ
__________________
١، ٢ ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٦٩.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩، ح ٨٠.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: تفصّحني.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩، ح ٧٩.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) علل الشرائع / ٤٩٤، ح ٢.
العجل بدعا منهم.
( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) : كناية من أن اشتدّ ندمهم. فإنّ النّادم المتحسّر يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها.
وقرئ(١) : «سقط» على بناء الفاعل، بمعنى: وقع العضّ فيها.
وقيل(٢) : معناه: سقط النّدم في أنفسهم.
( وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ) : باتّخاذ العجل.
( قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ) : بإنزال التّوراة.
( وَيَغْفِرْ لَنا ) : بالتّجاوز عن الخطيئة.
( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (١٤٩).
وقرأهما(٣) حمزة والكسائي: ترحمنا وتغفر لنا بالتّاء. و «ربّنا» على النّداء.
( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً ) : شديد الغضب.
وقيل(٤) : حزينا.
( قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ) : فعلتم من بعدي، حيث عبدتم العجل.
والخطاب للعبدة. أو قمتم مقامي، فلم تكفّوا العبدة. والخطاب لهارون والمؤمنين معه.
و «ما» نكرة موصوفة تفسّر المستكنّ في «بئس». والمخصوص بالذّمّ محذوف، تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها بعدي خلافتكم.
ومعنى «من بعدي»: من بعد انطلاقي. أو من بعد ما رأيتم منّي من التّوحيد، والتّنزيه، والحمل عليه، والكفّ عمّا ينافيه.
( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) : أتركتموه غير تامّ، كأنّه ضمّن «عجل» معنى: سبق، فعدّى تعديته. أو أعجلتم وعد ربّكم الّذي وعدنيه من الأربعين وقدّرتم موتي وغيّرتم بعدي، كما غيّرت الأمم بعد أنبيائهم.
( وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ) : طرحها من شدّة الغضب وفرط الضّجر، حميّة للدّين.
نقل(٥) : أنّ التّوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح. فلمّا ألقاها، انكسرت.
فرفعت ستّة أسباعها، وكان فيها تفصيل كلّ شيء. وبقي سبع، كان فيه المواعظ
__________________
١، ٢ ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
(٣، ٤) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
والأحكام.
وفي بصائر الدّرجات(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أنّ منها ما تكسّر، ومنها ما بقي، ومنها ما ارتفع.
وعن الباقر(٢) ـ عليه السّلام ـ: أنّه عرّف يمانيّا صخرة باليمن، ثمّ قال: تلك الصّخرة الّتي [التقمت ما ذهب من التّوراة حين ألقى موسى الألواح](٣) . فلمّا بعث الله رسوله، ردّته إليه. وهي عندنا.
وفي مجمع البيان(٤) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: رحم الله أخي، موسى.
ليس المخبر، كالمعاين. لقد أخبره الله بفتنة قومه. ولقد عرف أنّ ما أخبره ربّه حقّ، وأنّه على ذلك لمتمسّك(٥) بما في يديه. فرجع إلى قومه ورآهم، فغضب وألقى الألواح.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ ما في معناه.
( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ) : بشعر رأسه.
( يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) .
قيل(٧) : توهّما بأنّه قصّر في كفّهم. وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولا ليّنا. ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل.
( قالَ ابْنَ أُمَ ) : ذكر الأمّ ليرفقه عليه، وإلّا كانا من أب وأمّ.
في كتاب علل الشّرائع(٨) ، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أخبرني عن هارون، لم قال لموسى: يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. ولم يقل: يا ابن أبي؟
فقال: إنّ العدوان(٩) بين الإخوة أكثرها تكون إذا كانوا بني علّات(١٠) يكون بني
__________________
(١) بصائر الدرجات / ١٦١، ح ٦.
(٢) بصائر الدرجات / ١٥٧، ح ٧.
(٣) المصدر: حيث غضب موسى فألقى الألواح فما ذهب من التورية التقمته الصخرة.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٤٨٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لتمسّك.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩، ح ٨١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
(٨) علل الشرائع / ٦٨، ح ١.
(٩) المصدر: العداوات.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «يكون بني أمّهات» بدل: «تكون إذا كانوا بني علّات». وبنو علّات: أي أولاد أمّهات شتّى من أب واحد.
أمّهات. ومتى كانوا بني أمّ، قلّت العداوة بينهم، إلّا أن ينزغ الشّيطان بينهم فيطيعوه.
فقال هارون لأخيه موسى: يا أخي الّذي ولدته أمّي ولم تلدني غير أمّه، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. ولم يقل: يا ابن أبي. لأنّ بني الأب إذا كانت [من أمّهات](١) شتّى، لم تستبعد(٢) العداوة بينهم إلّا من عصمه الله منهم. وإنّما تستبعد(٣) العداوة بين بني أمّ واحدة.
قال: قلت له: فلم أخذ برأسه يجرّه إليه وبلحيته، ولم يكن(٤) في اتّخاذهم العجل وعبادته له ذنب؟ فقال: إنّما فعل ذلك، لأنّه لم يفارقهم لـمـّـا فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى. وكان إذا فارقهم، نزل بهم العذاب. ألا ترى أنّه قال لهارون:( ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) . قال هارون: لو فعلت ذلك لتفرّقوا و( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) .
وفي روضة الكافي(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في خطبة الوسيلة: أنّه كان أخاه لأبيه وأمّه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) ، مثله عن الباقر وعن الصّادق ـ عليهما السّلام ـ.
وعن الباقر(٧) ـ عليه السّلام ـ: أنّ الوحي ينزل على موسى، وموسى يوحيه إلى هارون. وكان موسى الّذي يناجي ربّه، ويكتب العلم، ويقضي بين بني إسرائيل.
قال: ولم يكن لموسى ولد، وكان الولد لهارون.
وقرأ(٨) ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، عن عاصم، هنا وفي طه: «قال ابن أمّ» بالكسر. وأصله: يا ابن أمّي. فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا، كالمنادى المضاف إلى الياء. والباقون، بالفتح، زيادة في التّخفيف لطوله. أو تشبيها بخمسة عشر.
( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) : إزالة لتوهّم التّقصير في حقّه.
والمعنى: بذلت وسعي في كفّهم، حتّى قهروني واستضعفوني، وقاربوا قتلي.
__________________
(١) المصدر: أمهاتهم.
(١ و ٣) ـ المصدر: تستبدع.
(٤) المصدر: لم يكن له.
(٥) الكافي ٨ / ٢٧ ببعض التصرّف.
(٦) عنه تفسير الصافي ٢ / ٢٤٠.
(٧) تفسير القمّي ٢ / ١٣٧ ببعض التصرّف في آخره.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
في كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية.
فبلغ ذلك عليّا ـ عليه السّلام ـ. فنادى: الصّلاة الصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا وكذا.
قالوا: صدق أمير المؤمنين، قد قلنا ذلك.
قال: إنّ لي بسنّة الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٢) .
قالوا: ومن هم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أوّلهم إبراهيم ـ عليه السّلام ـ إلى أن قال: ولي بأخي هارون ـ عليه السّلام ـ إسوة، إذ قال لأخيه: يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) . فإن قلتم لم يستضعفوه ولم يشرفوا على قتله، فقد كفرتم. وإن قلتم: استضعفوه وأشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم، فالوصيّ أعذر.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى سلمان الفارسيّ: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. يقول فيه لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا أخي، إنّك ستبقى بعدي. وستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك، وظلمهم لك. فإن وجدت عليهم أعوانا، فجاهدهم وقاتل من خالفك بمن وافقك. وإن لم تجد أعوانا، فاصبر وكفّ يدك ولا تلق بها إلى التّهلكة. فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى. ولك بهارون إسوة حسنة، إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه. فاصبر لظلم قريش إيّاك وتظاهرهم عليك. فإنّك بمنزلة هارون من موسى(٤) ومن تبعه، وهم بمنزلة العجل ومن تبعه.
وفي كتاب الاحتجاج(٥) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: وفي رواية سليم بن قيس الهلاليّ: عن سلمان الفارسيّ حديث طويل. وفيه قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لأبي بكر
__________________
(١) علل الشرائع / ١٤٨ ـ ١٤٩، ح ٧.
(٢) الأحزاب / ٢١.
(٣) كمال الدّين / ٢٦٤، ح ١٠.
(٤) ليس في المصدر: «من موسى».
(٥) الاحتجاج ١ / ١١٠.
وأصحابه: أما والله، لو أنّ أولئك الأربعين رجلا الّذين بايعوني وفوا لجاهدتكم(١) في الله حقّ جهاده. أما والله، لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة. ثمّ نادى [قبل أن يبايع](٢) يا( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) .
وبإسناده(٣) إلى محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: حجّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من المدينة. وبلغ من حجّ مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من أهل المدينة وأهل الأطراف والأعراب سبعين ألف إنسان أو يزيدون، على نحو عدد أصحاب موسى ـ عليه السّلام ـ السّبعين ألف الّذين أخذ عليهم بيعة هارون ـ عليه السّلام ـ. فنكثوا، واتّبعوا العجل والسّامريّ. [وكذلك أخذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ البيعة لعليّ ـ عليه السّلام ـ بالخلافة على عدد أصحاب موسى ـ عليه السّلام ـ. فنكثوا البيعة، واتّبعوا العجل والسّامريّ ،](٤) سنّة بسنّة، ومثلا بمثل. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ) : فلا تفعل بين ما يشمتون بي لأجله.
( وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (١٥٠): معدودا في عدادهم بالمؤاخذة عليّ، أو نسبة التّقصير إليّ.
( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ) : ما صنعت بأخي.
( وَلِأَخِي ) : إن فرّط في كفّهم. ضمّ إليه نفسه بالاستغفار ترضية له ودفعا للشّماتة عنه.
( وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ) : بمزيد الإنعام علينا.
( وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (١٥١): فأنت أرحم بنا منّا على أنفسنا.
( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) قيل(٥) : هو ما أمرهم به من قتل أنفسهم.
( وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) .
قيل(٦) : هي خروجهم من ديارهم.
__________________
(١) هكذا في المصدر، وفي النسخ: وفوا إلى الجهاد لكم
(٢) من المصدر.
(٣) الاحتجاج ١ / ٦٨ بتصرّف.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٠.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٧١.
وقيل: الجزية.
( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) (١٥٢): على الله. ولا فرية أعظم من فريتهم( هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ) . ولعلّه لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم.
في الكافي(١) : عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن السّديّ(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: ما أخلص عبد الإيمان لله(٣) أربعين صباحا.
أو قال: وما أجلّ(٤) عبد ذكر الله أربعين يوما، إلّا أن هداه(٥) الله في الدّنيا، وبصّره داءها ودواءها، وأثبت(٦) الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه.
ثمّ تلا هذه الآية، فقال: فلا ترى صاحب بدعة إلّا ذليلا، ولا مفتريا(٧) على الله وعلى رسوله وأهل بيته ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا ذليلا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: عرضت لي(٩) إلى الله حاجة، فهجّرت(١٠) فيها إلى المسجد. وبينا أنا أصلّي في الرّوضة، إذا رجل على رأسي.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
فقال: من أهل الكوفة.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
قال: من أسلم.
قال: قلت: ممّن الرّجل؟
قال: من الزيديّة.(١١)
__________________
(١) الكافي ٢ / ١٦، ح ٦.
(٢) المصدر: السندي، وكلاهما وردا في جامع الرواة ٢ / ٤٤٦.
(٣) المصدر: بالله.
(٤) المصدر: ما أجمل.
(٥) المصدر غ «زهّره» بدل: «أن هداه».
(٦) المصدر: فأثبت.
(٧) المصدر ع «ومفتريا» بحذف «لا».
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩ ـ ٣٠، ح ٨٢.
(٩) ليس «لي» في المصدر.
(١٠) هجّرت، أي: خرجت وقت المهاجرة، وهي شدّة الحرّ.
(١١) هكذا في المصدر: وفي النسخ: الزهريّة.
قال: قلت: يا أخا أسلم، من تعرف منهم؟
قال: أعرف صبورهم(١) ورشيدهم وأفضلهم، هارون بن سعد.
قلت: يا أخا أسلم، ذاك من(٢) العجليّة. أما(٣) سمعت الله يقول:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) .
( وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ) : من الكفر والمعاصي.
( ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها ) : من بعد السّيّئات.
( وَآمَنُوا ) : واشتغلوا بالإيمان، وما هو مقتضاه من الأعمال الصّالحة.
( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) : من بعد التّوبة.
( لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٥٣): وإن عظم الذّنب، كجريمة عبدة العجل. وكثر، كجرائم بني إسرائيل.
( وَلَمَّا سَكَتَ ) : سكن. وقد قرئ(٤) به.
( عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) : باعتذار هارون، أو بتوبتهم. وفي هذا الكلام مبالغة وبلاغة، من حيث أنّه جعل الغضب الحامل له على ما فعل، كالآمر به والمغري عليه.
حتّى عبّر عن سكونه بالسّكوت.
وقرئ(٥) : «سكت» و «أسكت». على أنّ المسكّت هو الله، أو أخوه، أو الّذين تابوا.
( أَخَذَ الْأَلْواحَ ) : الّتي ألقاها.
( وَفِي نُسْخَتِها ) : وفيما نسخ فيها، أي: كتب. فعلة، بمعنى: مفعول، كالخطبة.
وقيل(٦) : فيما نسخ منها، أي: من الألواح المنكسرة.
( هُدىً ) : بيان للحقّ.
( وَرَحْمَةٌ ) : إرشاد إلى الصّلاح والخير.
( لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) (١٥٤) :
__________________
(١) المصدر: خيرهم وسيّدهم.
(٢) المصدر: رأس.
(٣) المصدر: كما.
(١ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧١.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٧١.
دخلت اللّام على المفعول، لضعف الفعل بالتّأخير. أو حذف المفعول واللّام للتّعليل. والتقدير: يرهبون معاصي الله لربّهم.
وفي بصائر الدّرجات(١) : محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة، عن حبّة [بن جوين](٢) العرنيّ قال: سمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ يوشع بن نون كان وصيّ موسى بن عمران، وكانت ألواح موسى من زمرّد أخضر. فلمّا غضب موسى ـ على نبيّنا وعليه السّلام ـ ألقى(٣) الألواح من يده. فمنها ما تكسّر، ومنها ما بقي، ومنها ما ارتفع.
فلمّا ذهب عن موسى الغضب، قال يوشع بن نون: عندك تبيان ما في الألواح؟
قال: نعم.
فلم يزل يتوارثها(٤) رهط بعد رهط، حتّى وقعت في أيدي أربعة رهط من اليمن.
وبعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ [بتهامة](٥) وبلغهم الخبر.
فقالوا: ما يقول هذا النّبيّ؟
قيل: ينهى عن الخمر والزّنا، ويأمر بمحاسن الأخلاق وكرم الجوار.
فقالوا: هذا أولى بما في أيدينا منّا.
فاتّفقوا أن يأتوه شهر كذا وكذا.
فأوحى الله إلى جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: أن ائت النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخبره الخبر.
فأتاه، فقال: إنّ فلانا وفلانا وفلانا وفلانا ورثوا ما كان في(٦) ألواح موسى ـ عليه السّلام ـ. وهم يأتونك(٧) في شهر كذا وكذا، في ليلة كذا وكذا.
فسهر لهم تلك اللّيلة.
فجاء الرّكب. فدقّوا عليه الباب، وهم يقولون: يا محمّد.
__________________
(١) بصائر الدرجات / ١٦١، ح ٦.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: أخذ.
(٤) هكذا في المصدر، وفي النسخ: «نزل كذا توارثها» بدل: «فلم يزل يتوارثها».
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر: «ما كان في».
(٧) المصدر: يأتوك.
قال: نعم، يا فلان بن فلان. [و](١) يا فلان بن فلان. [و](٢) يا فلان بن فلان.
[و](٣) يا فلان بن فلان. أين الكتاب الّذي توارثتموه من يوشع بن نون وصيّ موسى بن عمران؟
قالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّك رسول الله. والله، ما علم به أحد قطّ منذ وقع عندنا أحد(٤) قبلك.
قال: فأخذه النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وإذا هو كتاب بالعبرانيّة دقيق، فدفعه إليّ. ووضعته عند رأسي، فأصبحت بالكتاب(٥) وهو كتاب بالعربيّة(٦) جليل. فيه علم ما خلق الله منذ قامت السّموات والأرض إلى أن تقوم السّاعة، فعلمت ذلك.
( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) : أي: من قومه. فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه.
( سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا ) : سبقت قصّتهم عند سؤال الرّؤية.
( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) .
نقل(٧) : أنّه ـ تعالى ـ أمره بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل. فاختار من كلّ بني سبط ستّة، فزاد اثنان.
فقال: ليتخلّف منكم رجلان. فتشاحّوا(٨) .
فقال: إنّ لمن قعد أجر من خرج.
فقعد كالب ويوشع، وذهب مع الباقين. فلمّا دنوا من الجبل، غشيه غمام.
فدخل موسى بهم [الغمام](٩) وخرّوا سجّدا. فسمعوه يكلّم موسى، يأمره وينهاه، ثمّ انكشف الغمام. فأقبلوا إليه وقالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) ، أي: الصّاعقة. أو رجفة الجبل، فصعقوا منها.
( قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) : تمنّى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما رأى، أو بسبب آخر. أو عنى به: أنّك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم، أو بإغراقهم في البحر وغيرها، فترّحمت عليهم بالإنقاذ. فإن
__________________
(١ و ٢ و ٣) ـ من المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: بالغداة.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: بالعبرانيّة.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧١.
(٨) المصدر: فتشاجروا.
(٩) من المصدر.
ترّحمت عليهم مرّة أخرى، لم يبعد من عميم إحسانك.
( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) : من العناد والتّجاسر على طلب الرّؤية.
وكأنّ ذلك قاله بعضهم.
وقيل(١) : المراد( بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ ) : عبادة العجل.
في كتاب التّوحيد(٢) : عن الرّضا(٣) ـ عليه السّلام ـ: أنّ السّبعين لـمـّـا صاروا معه إلى الجبل، قالوا له: إنّك قد رأيت الله ـ سبحانه ـ. فأرناه، كما رأيته.
فقال: إنّي لم أره.
فقالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) . واحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيدا.
فقال: يا ربّ، اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي.
فكيف يصدّقني قومي بما أخبرتهم(٤) ؟ فلو( شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ، أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) . فأحياهم الله بعد موتهم.
وفي عيون الأخبار(٥) ، ما يقرب منه، كما مرّ.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى سعد بن عبد الله القمّي: عن الحجّة القائم ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم.
قال: مصلح، أم مفسد؟
قلت: مصلح.
قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟
قلت: بلى.
قال: فهي العلّة. وأوردها لك ببرهان ينقاد له(٧) عقلك.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧١.
(٢) التوحيد / ٤٢٤.
(٣) أ، ب، ر: الصادق.
(٤) المصدر: أخبرهم به.
(٥) العيون ١ / ١٦٠ ـ ١٦١.
(٦) كمال الدين / ٤٦١ ـ ٤٦٢.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ذلك.
[ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ :](١) أخبرني عن الرّسل الّذين اصطفاهم الله ـ عزّ وجلّ ـ وأنزل عليهم الكتب(٢) وأيّدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمّم وأهدى إلى الاختيار منهم، مثل موسى وعيسى ـ عليهما السّلام ـ. هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما، إذ همّا بالاختيار، أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنه مؤمن؟
قلت: لا.
فقال: هذا موسى كليم الله، مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه، اختار من أعيان [قومه ووجوه](٣) عسكره لميقات ربّه ـ عزّ وجلّ ـ سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خيرته على المنافقين. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا ) ـ إلى قوله ـ:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) . فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله ـ عزّ وجلّ ـ بالنّبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح، وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن [لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور وما تكنّ الضمائر وتتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار](٤) المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لـمـّـا أرادوا أهل الصّلاح.
( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ) : ابتلاؤك، حين أسمعتهم كلامك حتّى طمعوا في الرّؤية. أو أوجدت في العجل خوارا، فزاغوا به.
( تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ) : ضلاله بالتّجاوز عن حدّه، أو باتّباع المخايل.
( وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) : هداه، فيقوى بها إيمانه.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن محمّد بن أبي حمزة، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ ) .
فقال موسى ـ عليه السّلام ـ: يا ربّ، ومن أخار الصّنم؟
فقال الله: أنا يا موسى(٦) ، أخرته.
فقال موسى:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) .
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: الكتاب.
(٣) من المصدر. وفي النسخ: قوم.
(٤) من المصدر. وفي النسخ: اختيار.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩، ح ٧٩.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يا موسى أنا.
عن أبي بصير(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمـّـا ناجى موسى ربّه، أوحى الله إليه: أن يا موسى، فتنت قومك.
قال: وبماذا، يا ربّ؟
قال: بالسّامريّ، صاغ لهم من حليّهم عجلا.
قال: ربّ، إنّ حليّهم لا تحتمل أن يصاغ منها غزال [أ](٢) وتمثال [أ](٣) وعجل.
فكيف فتنتهم؟
قال: صاغ لهم عجلا، فخار.
قال: يا ربّ، ومن أخاره؟
قال: أنا.
قال موسى:( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) .
( أَنْتَ وَلِيُّنا ) : القائم بأمرنا.
( فَاغْفِرْ لَنا ) : بمغفرة ما قارفنا.
( وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ) (١٥٥): تغفر السّيّئة، وتبدّلها بالحسنة.
( وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ) : حسن معيشة، وتوفيق طاعة.
( وَفِي الْآخِرَةِ ) : الجنّة.
( إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ) : تبنا إليك. من هاد يهود: إذا رجع.
وقرئ(٤) ، بالكسرة. من هاده يهيده: إذا أماله.
ويحتمل أن يكون مبنيّا للفاعل وللمفعول، [بمعنى: أملنا أنفسنا، أو أملنا إليك ويجوز أن يكون المضموم ـ أيضا ـ مبنيّا للمفعول](٥) منه. على لغة من يقول: عود المريض.
( قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ) : تعذيبه.
( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) : في الدّنيا، المؤمن والكافر، بل المكلّف وغيره.
__________________
(١) العياشي ٢ / ٣١، ح ٨٥.
(١ و ٣) ـ من المصدر. ويوجدان هكذا بين المعقوفتين.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٢.
(٥) ليس في أ، ب، ر.
وفي روضة الواعظين(١) للمفيد ـ رحمه الله ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أوحى الله إلى داود ـ عليه السّلام ـ: يا داود، كما لا تضيق الشّمس على من جلس فيها، كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها.
وفي مجمع البيان(٢) : وفي الحديث: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قام في الصّلاة.
فقال أعرابيّ، وهو في الصّلاة: أللّهمّ، ارحمني ومحمّدا، [ولا ترحم معنا أحدا](٣) .
فلمّا سلّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: مهلا لك، يا أعرابيّ، تحجّرت(٤) واسعا، يريد: رحمة الله ـ عزّ وجلّ ـ. أورده البخاريّ في الصّحيح.
( فَسَأَكْتُبُها ) : فسأثبتها في الآخرة. أو فاكتبها كتبة خاصّة منكم، يا بني إسرائيل.
( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) : الكفر والمعاصي.
( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) : خصّها بالذّكر، لأنافتها. ولأنّها كانت أشقّ عليهم.
( وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) (١٥٦): فلا يكفرون بشيء منها.
( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَ ) : مبتدأ خبره «يأمرهم». أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الّذين. أو بدل من «الّذين يتّقون» بدل البعض أو الكلّ. والمراد: من آمن بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وإنّما سمّاه: رسولا، بالإضافة إلى الله ـ تعالى ـ. ونبيًّا، بالإضافة إلى العباد.
في الكافي(٥) عنهما ـ عليهما السّلام ـ: «الرّسول» الّذي يظهر له الملك، فيكلّمه. و «النّبيّ» هو الّذي يرى في منامه. وربّما اجتمعت النّبوّة والرّسالة لواحد.
( الْأُمِّيَ ) ، أي: المنسوب إلى أمّ القرى، وهي مكّة. [كذا](٦) في مجمع البيان(٧) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ.
__________________
(١) روضة الواعظين / ٣٨٢.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٤٨٦.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: قال للأعرابي: لقد تحجّرت . وتحجّر ما وسعه الله: ضيّقه على نفسه.
(٥) الكافي ١ / ١٧٧، ح ٤.
(٦) ما بين المعقوفتين منّا.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٤٨٧.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عنه ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: لم سمّي النّبيّ: الأمّيّ؟
قال: نسب إلى مكّة. وذلك من قول الله:( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) (٢) . وأمّ القرى مكّة، فقيل: أمّيّ، لذلك.
وفي علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى جعفر بن محمّد الصّوفيّ قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر(٤) ـ عليه السّلام ـ فقلت: يا ابن رسول الله، لم سمّي النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الأمّيّ؟
فقال: ما يقول النّاس؟
قلت: يزعمون أنّه إنّما سمّي: الأمّيّ، لأنّه لم يحسن أن يكتب.
فقال: كذبوا، عليهم لعنة الله. أنّى ذلك والله يقول:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) (٥) . فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ والله، لقد كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقرأ ويكتب باثنين وسبعين ـ أو قال: بثلاثة وسبعين ـ لسانا. وإنّما سمّي: الأمّيّ، لأنّه كان من أهل مكّة، [ومكّة](٦) من أمّهات القرى. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( لِتُنْذِرَ ) (٧) ( أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) .
وبإسناده(٨) إلى عليّ بن حسّان وعليّ بن أسباط وغيره، رفعوه: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: إنّ النّاس يزعمون أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يكتب ولا يقرأ.
فقال: كذبوا، لعنهم الله. أنّى ذلك، وقد قال ـ عزّ وجلّ ـ:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) .
[أفيكون](٩) يعلّمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ ويكتب!؟
قال: قلت: فلم سمّي النّبيّ الأمّيّ؟
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١، ح ٦٨ ببعض التصرّف.
(٢) الأنعام / ٩٢.
(٣) علل الشرائع / ١٢٤ ـ ١٢٥، ح ١.
(٤) المصدر: الرضا.
(٥) الجمعة / ٢.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: لينذر.
(٨) العلل / ١٢٥، ح ٢.
(٩) المصدر: فكيف.
قال: لأنّه نسب إلى مكّة. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) . فأمّ القرى مكّة، فقيل: أمّيّ، لذلك.
وبإسناده(١) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان ممّا منّ الله ـ عزّ وجلّ ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه كان يقرأ ولا يكتب. فلمّا توجّه أبو سفيان إلى أحد، كتب العبّاس إلى النّبيّ. فجاءه الكتاب وهو في بعض حيطان المدينة، فقرأه ولم يخبر أصحابه، وأمرهم أن يدخلوا المدينة.
فلمّا دخلوا المدينة، أخبرهم.
وحدّثنا(٢) محمّد بن الحسن الصّفّار ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقرأ الكتاب، ولا يكتب.
أبي(٣) ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن زياد الصّيقل قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: كان ممّا منّ الله ـ عزّ وجلّ ـ به على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ [أنّه كان](٤) أمّيّا لا يكتب ولا يقرأ الكتاب.
( الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ) : اسما وصفة.
في تفسير العيّاشيّ(٥) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ [في قوله: «يجدونه»](٦) يعني: اليهود والنّصارى صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ واسمه.
وفي أمالي الصّدوق(٧) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. قال يهوديّ لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّي قرأت نعتك(٨) في التّوراة: محمّد بن عبد الله ،
__________________
(١) العلل / ١٢٥ ـ ١٢٦، ح ٥.
(٢) العلل / ١٢٦، ح ٦.
(٣) العلل / ١٢٦، ح ٧.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١، ح ٨٧.
(٦) من المصدر.
(٧) الأمالي / ٣٧٦ ـ ٣٧٧، ح ٦.
(٨) ليس في المصدر.
مولده بمكّة، ومهاجره بطيبة. ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخاب(١) ولا مترنّن(٢) بالفحش ولا قول الخنا. وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله. وهذا مالي، فاحكم فيه بما أنزل الله.
وفي روضة الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ عهد إلى آدم.
ـ إلى أن قال ـ: فلمّا أنزلت(٤) لتّوراة على موسى ـ عليه السّلام ـ، بشّر بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
قال: فلم تزل الأنبياء تبشّر به، حتّى بعث الله المسيح عيسى بن مريم فبشّر بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وذلك قوله ـ تعالى ـ: «يجدونه»، يعني: اليهود والنّصاري.
«مكتوبا»، يعني: صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. «عندهم»، يعني: في التّوراة والإنجيل(٥) . وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ يخبر عن عيسى: «ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد»(٦) . وبشّر موسى وعيسى بمحمّد، كما بشّر الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ بعضهم ببعض.
وفيه(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان(٨) ، عن عليّ بن عيسى رفعه، قال: إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ ناجاه ربّه ـ تبارك وتعالى ـ.
فقال له في مناجاته: أوصيك، يا موسى، وصيّة الشّفيق المشفق بابن البتول، عيسى بن مريم(٩) . ومن بعده بصاحب الجمل الأحمر، الطيّب الطّاهر المطهّر. فمثله في كتابك، أنّه [مؤمن](١٠) مهيمن على الكتب كلّها، وأنّه راكع ساجد راغب راهب. إخوانه
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: سحاب، يقال: وجدته مارث السخاب، أي: وجدته مثل الطّفل لا علم له جمع سخب.
(٢) المصدر: متزيّن (متزيّن ـ خ ل)
(٣) الكافي ٨ / ١١٧، ضمن ح ٩٢.
(٤) المصدر: نزلت.
(٥) في المصدر بعدها: «يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر».
(٦) الصفّ / ٦.
(٧) الكافي ٨ / ٤٢ و ٤٣، ضمن ح ٨.
(٨) هكذا في المصدر. وفي النسخ: عمر بن سمان. وهو غلط.
(٩) المصدر: عيسى بن مريم صاحب الأتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب.
(١٠) من المصدر.
المساكين، وأنصاره قوم آخرون. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الخرائج والجرائح(١) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه، فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أنت، يا جاثليق، آمن في ذمّة الله وذمّة رسوله. لأنّك لا يبدأك منّا شيئا يكره ممّا تخافه وتحذره.
فقال: أنا إذا آمنتني، فإنّ هذا النّبيّ اسمه أحمد. وهذا الوصيّ الّذي اسمه عليّ. وهذا البنت الّتي اسمها فاطمة. وهذان السّبطان اللّذان اسمهما الحسن والحسين، في التّوراة والإنجيل والزّبور.
وفي كتاب التّوحيد، وعيون الأخبار(٢) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع أصحاب الملل والمقالات. قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ لرأس الجالوت: لتسألني أو أسألك؟
فقال: بل أسألك. ولست أقبل منك حجّة إلّا من التّوراة، أو من الإنجيل، أو من زبور داود، أو ممّا في صحف إبراهيم وموسى.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: لا تقبل منّي حجّة إلّا بما تنطق به التّوراة على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزّبور على لسان داود.
فقال رأس الجالوت: من أين تثبت(٣) نبوّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: بنبوّة موسى(٤) بن عمران، وعيسى بن مريم، وداود خليفة الله في الأرض.
فقال له: أثبت(٥) قول موسى بن عمران.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هل تعلم ـ يا يهوديّ ـ أنّ موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنّه سيأتيكم نبيّ هو من إخوانكم، فبه فصدّقوا، ومنه فاسمعوا؟ فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل، إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل والنّسب الّذي بينهما من قبل إبراهيم ـ عليه السّلام ـ؟
فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى، لا ندفعه.
فقال له الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبيّ غير محمّد
__________________
(١) عنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٧٩، ح ٢٩٥.
(٢) التوحيد / ٤٢٧ ـ ٤٢٩، والعيون ١ / ١٦٤ ـ ١٦٦.
(٣) هكذا في المصدرين. وفي النسخ: ثبت.
(٤) المصدران: شهد بنبوّته.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ثبت.
ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: لا.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أفليس قد صحّ هذا عندكم؟
قال: نعم، ولكنّي أحبّ أن تصحّحه(١) لي من التّوراة.
فقال له الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هل تنكر أنّ التّوراة تقول لكم: جاء النّور من جبل طور سيناء، وأضاء للنّاس(٢) من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟
قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات، وما أعرف تفسيرها.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أنا أخبرك به. أمّا قوله: جاء النور منا جبل طور سيناء فذلك وحي الله ـ تبارك وتعالى ـ الّذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء.
وأمّا قوله: وأضاء للناس(٣) منك جبل ساعير فهو الجبل الّذي أوحى الله ـ تعالى ـ إلى عيسى بن مريم، وهو عليه. وأمّا قوله: واستعلن علينا من جبل فاران فذلك جبل من جبال مكّة، بينه وبينها يوم.
وقال شعياء(٤) النّبيّ فيما تقول أنت وأصحابك في التّوراة: رأيت راكبين أضاء لهما(٥) الأرض: أحدهما [راكب](٦) على حمار، والآخر على جمل. فمن راكب الحمار، ومن راكب الجمل؟
قال رأس الجالوت: لا أعرفهما، فأخبرني بهما.
قال: أمّا راكب الحمار، فعيسى. وأمّا راكب الجمل، فمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. أتنكر هذا من التّوراة؟
قال: لا، ما أنكره.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هل تعرف حيقوق النّبيّ؟
قال: نعم، إنّي به لعارف.
[قال ـ عليه السّلام ـ: فإنّه](٧) قال وكتابكم ينطق به: جاء الله بالبيّنات(٨) من
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تصحّه.
(٢) المصدر: لنا.
(٣) المصدر: لنا.
(٤) أ: شعيا، ور: شعيبا.
(٥) العيون: لهم.
(٦) من التوحيد.
(٧) من المصدرين. وفي النسخ: له و.
(٨) المصدران: بالبيان.
جبل فاران، وامتلأت السّموات من تسبيح أحمد وأمّته. تحمل خيله في البحر، كما تحمل في البرّ. يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس. يعني بالكتاب: القرآن.
أتعرف هذا وتؤمن به؟
قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق [النبيّ](١) ، ولا ننكر قوله.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: وقد قال داود في زبوره، وأنت تقرأه: أللّهمّ ابعث مقيم السّنّة بعد الفترة. فهل تعرف نبيّا أمّام السّنّة بعد الفترة غير محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره. ولكن عنى بذلك: عيسى.
وأيّامه هي الفترة.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: جهلت. إنّ عيسى لم يخالف السّنّة، وقد كان موافقا لسنّة التّوراة حتّى رفعه الله إليه. وفي الإنجيل مكتوب: إنّ ابن البرّة لذاهب، والفارقليطا جاء من بعده. وهو الّذي [يخفّف الآصار](٢) ويفسّر لكم كلّ شيء ويشهد لي، كما شهدت له. أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتّأويل. أتؤمن بهذا في الإنجيل؟
قال: نعم، لا أنكره.
وفي كتاب التوحيد(٣) ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن الأسود: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليه السّلام ـ قال: كان لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ صديقان يهوديّان، قد آمنا بموسى رسول الله ـ صلّى الله على نبيّنا وعليه ـ. وأتيا محمّدا [رسول الله](٤) ـ صلّى الله عليه وآله ـ وسمعا منه. وقد كانا قرءا التّوراة وصحف إبراهيم وموسى ـ عليهما السّلام ـ. وعلما علم الكتب الأولى.
فلما قبض الله ـ تبارك وتعالى ـ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أقبلا يسألان عن صاحب الأمر بعده.
وقالا: إنّه لم يمت نبيّ قطّ إلّا وله خليفة يقوم بالأمر في أمّته من بعده، قريب القرابة إليه، من أهل بيته، عظيم القدر، جليل الشّأن.
فقال أحدهما لصاحبه: هل تعرف صاحب هذا الأمر من بعد هذا النّبيّ؟
__________________
(١) من العيون.
(٢) من المصدرين. وفي النسخ: يحقّق الأخبار.
(٣) التوحيد / ١٨٠ ـ ١٨١.
(٤) من المصدر.
قال الآخر: لا أعلمه إلّا بالصّفة الّتي أجدها في التّوراة. وهو الأصلع المصفّر(١) .
فإنّه كان أقرب القوم من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فلمّا دخلا المدينة وسألا عن الخليفة، أرشدا إلى أبي بكر.
فلمّا نظرا إليه، قالا: ليس هذا صاحبنا. ثمّ قالا له: ما قرابتك من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: إنّي رجل من عشيرته، وهو زوج ابنتي عائشة.
قالا: هل غير هذا؟
قال: لا.
قالا: ليست هذه بقرابة. فأخبرنا أين ربّك؟
قال: فوق سبع سموات.
قالا: هل غير هذا؟
قال: لا.
قالا: دلّنا على من هو أعلم منك. فإنّك لست بالرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة، إنّه وصيّ هذا النّبيّ وخليفته.
[قال: فتغيّظ من قولهما وهمّ بهما](٢) . ثمّ أرشدهما إلى عمر. [وذلك أنّه عرف من عمر أنّهما إن استقبلاه بشيء، بطش بهما](٣) .
فلمّا أتياه، قالا: ما قرابتك من هذا النّبيّ؟
قال: أنا من عشيرته، وهو زوج ابنتي حفصة.
قالا: هل غير ذلك؟
قال: لا.
قالا: ليست بقرابة، وليست هذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة.
ثمّ قالا له: فأين ربّك؟
قال: فوق سبع سموات.
قالا: هل غير هذا؟
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الأضلع المصقر.
(١ و ٣) ـ من المصدر.
قال: لا.
قالا: دلّنا على من هو أعلم منك.
فأرشدهما إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ.
فلمّا جاءاه فنظرا إليه، قال أحدهما لصاحبه: إنّه الرّجل الّذي نجد صفته في التّوراة. إنّه وصيّ هذا النّبيّ، وخليفته، وزوج بنته، وأبو السّبطين، والقائم بالحقّ من بعده.
ثمّ قالا لعليّ ـ عليه السّلام ـ: أيّها الرّجل، ما قرابتك من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: هو أخي، وأنا وارثه ووصيّه، أوّل من آمن به، وزوج ابنته فاطمة.
قالا له: هذه القرابة الفاخرة، والمنزلة القريبة. وهذه الصّفة الّتي نجدها في التّوراة.
قال اليهوديّان: فما منع صاحبيك أن يكونا جعلاك في موضعك الّذي أنت أهله؟ فو الّذي أنزل التّوراة على موسى، إنّك لأنت الخليفة حقّا. نجد صفتك في كتبنا، ونقرأه في كنائسنا(١) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنّصارى. يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ) ، يعني: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) (٣) لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أنزل عليهم في التّوراة والإنجيل والزّبور صفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وصفة أصحابه، ومبعثه، ومهاجره.
وهو قوله ـ تعالى ـ:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ) (٤) . فهذه صفة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في التّوراة والإنجيل، وصفة أصحابه.
فلمّا بعثه الله ـ عزّ وجلّ ـ عرفه أهل الكتاب، كما قال ـ جلّ جلاله ـ :
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كتابنا.
(٢) عنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٨٤ ـ ٨٥ ح ٣٠٣.
(٣) البقرة / ١٤٦.
(٤) الفتح / ٢٩.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) (١) .
( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ) : ممّا حرّم عليهم، كالشّحوم.
( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) ، كالدّم ولحم الخنزير. أو، كالرّبا والرّشوة.
( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) : ويخفّف عليهم ما كلّفوا به من التّكاليف الشّاقة، كتعيين القصاص في العمد والخطأ، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النّجاسة.
وأصل الإصر: الثّقل الّذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله.
وقرأ(٢) ابن عامر: «إصارهم».
( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ ) : عظّموه بالتّقوى.
وقرئ(٣) ، بالتّخفيف. وأصله: المنع. ومنه: التّعزير.
( وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) ، أي: مع نبوّته.
قيل(٤) : يعني: القرآن. وإنّما سمّاه: نورا، لأنّه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره.
أو لأنّه كاشف الحقائق مظهر لها.
ويجوز أن يكون معه متعلّقا «باتّبعوا»، أي: واتّبعوا النّور المنزل مع اتّباع النّبيّ.
فيكون إشارة إلى اتّباع الكتاب والسّنّة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن أبي بصير، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: «النّور» عليّ ـ عليه السّلام ـ.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «النّور» في هذا الموضع عليّ [أمير المؤمنين](٧) والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
( أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (١٥٧): الفائزون بالرّحمة الأبديّة. ومضمون الآية جواب دعاء موسى ـ عليه السّلام ـ.
__________________
(١) البقرة / ٨٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٢.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٢.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١، ح ٨٨.
(٦) الكافي ١ / ١٩٤، ح ٢.
(٧) من المصدر.
وفي تأويل هذه الآية، روى في أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الاستطاعة وقول النّاس. فقال ـ وتلا هذه الآية( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) (٢) ـ: يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلّهم هالك.
قال: قلت: قوله( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) ؟
قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم. وهو قوله( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) ، يقول: لطاعة الامام، الرحمة التي يقول:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) ، يقول: علم الإمام ووسع علمه الذي هو من علمه كلّ شيء هم شيعتنا.
ثمّ قال:( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ، يعني: ولاية غير الامام وطاعته.
ثمّ قال:( يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ) ، يعني: النّبيّ والوصيّ والقائم.( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) إذا قام.( وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ) . [والمنكر](٣) من أنكر فضل الإمام وجحده.( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ) أخذ العلم من أهله.( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) والخبائث، قول من خالف.( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) وهي الذّنوب الّتي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام.( وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) والأغلال، ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام. فلمّا عرفوا فضل الإمام، وضع عنهم إصرهم. والإصر: الذّنب. وهي الإصار.
ثمّ نسبهم فقال:( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ) ، يعني: النّبيّ(٤) .( وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) وهو أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ(٥) .( أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
محمّد بن يحيى(٦) ومحمّد بن عبد الله [عن عبد الله](٧) بن جعفر، عن الحسن بن
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٢٩، ح ٨٣.
(٢) هود / ١١٨.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: الإمام.
(٥) هذه العبارة الموجودة وسط الآية ليست في المصدر.
(٦) الكافي ١ / ٥٢٨.
(٧) من المصدر.
ظريف(١) وعليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن بكر بن صالح، عن عبد الرّحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ قرأ اللّوح الّذي أهداه الله إلى رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. الّذي فيه اسم النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأسماء الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
في آخره، بعد أن ذكر عليّ بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: أخرج منه الدّاعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه «م ح م د» رحمة للعالمين. عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيّوب. فيذلّ أوليائي في زمانه، وتتهادى رؤوسهم، كما تتهادى رؤوس الدّيلم والتّرك. فيقتلون ويحرّقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين.
تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشوا الويل والرّنّة(٢) في نسائهم. أولئك أوليائي حقّا. بهم أدفع(٣) كلّ فتنة عمياء حندس(٤) ،(٥) وبهم أكشف الزّلازل وأرفع(٦) الآصار والأغلال.
( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (٧) .
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ ) : الخطاب عام. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مبعوثا إلى كافّة الثّقلين، وسائر الرّسل إلى أقوامهم.
( جَمِيعاً ) : حال من «إليكم».
في أمالي الصّدوق(٨) : عن الحسن المجتبى ـ عليه السّلام ـ قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقالوا: يا محمّد، أنت الّذي تزعم أنّك رسول الله، وأنّك الّذي يوحى إليك، كما أوحي(٩) إلى موسى.
فسكت النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ساعة. ثمّ قال: نعم، أنا سيّد ولد آدم ولا فخر. وأنا خاتم النّبيّين، وإمام المتّقين، ورسول ربّ العالمين.
قالوا: إلى من، إلى العرب أم إلى العجم أم إلينا؟
__________________
(١) المصدر: طريف. وهو غلط.
(٢) الرنّة: الصيحة.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أرفع.
(٤) الحندس: المظلم.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: مرّ.
(٦) المصدر: أدفع.
(٧) البقرة / ١٥٧.
(٨) الأمالي / ١٥٧، ح ١.
(٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: يوحى.
فأنزل الله هذه الآية.
( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : صفة لله، وإن حيل بينهما بما هو متعلّق المضاف إليه، لأنّه، كالمتقدّم عليه.
أو مدح منصوب، أو مرفوع.
أو مبتدأ خبره( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) .
وهو على الوجوه الأول بيان لما قبله. فإنّ من ملك العالم، كان هو الإله لا غيره.
وفي( يُحيِي وَيُمِيتُ ) : مزيد تقدير لاختصاصه بالألوهيّة.
( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ ) : ما أنزل عليه، وعلى سائر الرّسل من كتبه ووحيه.
وقرئ(١) «وكلمته» على إرادة الجنس أو القرآن، أو عيسى. تعريضا لليهود، وتنبيها على أنّ من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه. وإنّما عدل عن التّكلم إلى الغيبة، لإجراء هذه الصّفات الدّاعية إلى الإيمان والاتّباع له.
( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١٥٨): جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، تنبيها على أنّ من صدّقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعدّ في خطط الضّلالة.
( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ) ، يعني: بني إسرائيل.
( أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ ) : يهدون النّاس محقّين، أو بكلمة الحقّ.
( وَبِهِ ) : وبالحقّ.
( يَعْدِلُونَ ) (١٥٩): بينهم في الحكم.
قيل(٢) : هم مؤمنو أهل الكتاب.
وقيل: المراد بها: الثّابتون على الإيمان، القائمون بالحقّ من أهل زمانه. أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن، تنبيها على أنّ تعارض الخير والشّرّ وتزاحم أهل الحقّ والباطل أمر مستمرّ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن عبد الله بن سنان، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: قوم موسى، هم أهل الإسلام.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١ ـ ٣٢، ح ٨٩.
وقيل(١) : قوم وراء الصّين. رآهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ليلة المعراج، فآمنوا به.
عن المفضّل بن عمر(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا قام قائم آل محمّد، استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلا، خمسة عشر من القوم الّذين يهدون(٣) بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصيّ موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسيّ ـ رضي الله عنه ـ، وأبا دجانة الأنصاريّ، ومالك الأشتر.
عن أبي الصّهبان(٤) البكريّ(٥) قال: سمعت عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ ودعا رأس الجالوت وأسقف النّصارى فقال: إنّي سائلكما(٦) عن أمر وأنا أعلم به منكما [فلا تكتماني](٧) . يا رأس الجالوت، بالّذي أنزل التّوراة على موسى، وأطعمكم المنّ والسّلوى، وضرب لكم في البحر طريقا [يبسا](٨) ، وفجّر لكم من الحجر الطّوريّ أثنتي عشرة(٩) عينا لكلّ سبط من بني إسرائيل عينا، إلّا ما أخبرتني، على كم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟
فقال: [لا و](١٠) فرقة واحدة.
فقال: كذبت. والّذي لا إله غيره، لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلّها في النّار إلّا واحدة. فإنّ الله يقول:( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) [فهذه الّتي تنجو](١١) .
وفي الكافي(١٢) : عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. وقال بعده، وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول وسئل عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أواجب هو على الأمّة
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٢، ح ٩٠.
(٣) المصدر: من قوم موسى الّذين يقضون .
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أبي الصهباء وهو غلط.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٩١.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: «قال: سألتكما» بدل «فقال إنّي سائلكما».
(١ و ٨) ـ من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: حجر الطور اثنتي عشر.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) من المصدر.
(١٢) الكافي ٥ / ٥٩ ـ ٦٠، ح ١٦.
جميعا؟
فقال: لا.
فقلت له: ولم؟
قال: إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر. لا على الضّعيف الّذي لا يهتدي سبيلا إلى أيّ من أيّ، يقول من الحقّ إلى الباطل. والدّليل على ذلك كتاب الله ـ تعالى ـ [قوله:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (١) . فهذا خاصّ غير عامّ، كما قال الله ـ تعالى ـ :](٢) ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . ولم يقل: على أمّة موسى، ولا على كلّ قوم. وهم يومئذ أمم مختلفة. والأمّة واحدة فصاعدا، كما قال الله ـ تعالى ـ:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ) (٣) . يقول: مطيعا لله والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ هذه الأمّة قوم من وراء الصّين.
بينهم وبين الصّين واد جار من الرّمل، لم يغيّروا ولم يبدّلوا.
[قالوا و](٥) ليس لأحد منهم مال دون صاحبه. يمطرون باللّيل، ويضحون بالنّهار، ويزرعون. لا يصل إليهم منّا أحد، ولا منهم إلينا. وهم على الحقّ.
قال(٦) : وقيل(٧) : إنّ جبرئيل انطلق بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ليلة المعراج إليهم. فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكّة، فآمنوا به وصدّقوه. وأمرهم أن يقيموا مكانهم، ويتركوا السّبت. وأمرهم بالصّلاة والزّكاة، ولم يكن نزلت فريضة غيرهما، ففعلوا.
قال(٨) : وروى أصحابنا، أنّهم يخرجون مع قائم آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ.
وروي: أنّ ذا القرنين رآهم. قال: لو أمرت بالمقام، ليسرّني أن أقيم بين أظهركم».
__________________
(١) آل عمران / ١٠٤.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(٣) النحل / ١١٩.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٤٨٩.
(٥) من المصدر.
(٦) أي صاحب مجمع البيان.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٤٨٩.
(٨) نفس المصدر والموضع.
ويمكن الجمع بين الرّوايتين، بالحمل على عموم الفريقين.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل في خطبة الغدير.
وفيها: معاشر النّاس، أنا الصّراط المستقيم، الّذي أمركم الله باتّباعه. ثمّ عليّ من بعدي. ثمّ ولدي من صلبه، أئمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون.
وفيه(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: لم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه ومعلّم(٣) على سبيل النّجاة. أولئك هم الأقلّون عددا. وقد بيّن الله ذلك من أمم الأنبياء، وجعلهم مثلا لمن تأخّر، مثل قوله فيمن آمن من قوم(٤) موسى:( وَمِنْ قَوْمِ ) (٥) ( مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) .
( وَقَطَّعْناهُمُ ) : وصيّرناهم قطعا متميّزا، بعضهم عن بعض.
( اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ) : مفعول ثان «لقطّع»، فإنّه متضمّن معنى: صيّر. أو حال، وتأنيثه للحمل على الأمّة أو القطعة.
( أَسْباطاً ) : بدل منه، ولذلك جمع. أو تمييز له، على أنّ كلّ واحدة من اثنتي عشرة أسباط. أو كأنّه قيل: اثنتي عشرة قبيلة.
وقرئ(٦) : بكسر السّين(٧) . وإسكانها.
والأسباط: أولاد الأولاد.
والأسباط في ولد يعقوب، بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل.
وفي كتاب التّوحيد(٨) : عن عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن [بن الحسن](٩) بن عليّ قال: سألت عليّ بن موسى بن جعفر ـ عليهم السّلام ـ عمّا يقال في بني الأفطس.
فقال: إنّ الله أخرج من بني إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليه السّلام ـ اثني عشر سبطا، [وجعل فيهم النّبوّة والكتاب](١٠) . وأنشر من الحسن والحسين
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٧٨ ـ ٧٩.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٦٨.
(٣) هكذا في ر. وفي المصدر: متعلّم. وفي سائر النسخ: معمّا.
(٤) المصدر: امّة.
(٥) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أمّة.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٧) المصدر: الشين. (٨) بل في الخصال ٤٦٥ ـ ٤٦٦ ح ٥، وعنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٨٧ ح ٣١٣.
(٩ و ١٠) من المصدر.
ابني أمير المؤمنين لفاطمة بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ اثني عشر سبطا.
ثمّ عدّد الاثني عشر من ولد إسرائيل فقال: زيلون(١) بن يعقوب، وشمعون بن يعقوب، ويهودا بن يعقوب، [ويشاجر بن يعقوب](٢) وريكون(٣) بن يعقوب، ويوسف بن يعقوب، وبنيامين بن يعقوب، ونشاحن(٤) بن يعقوب، وتفشال بن يعقوب(٥) ، وداني(٦) بن يعقوب. وسقط عن [أبي](٧) الحسن النّسابة ثلاثة منهم.
ثمّ عدّد الاثني عشر من ولد الحسن والحسين ـ عليهما السّلام ـ فقال: وأمّا الحسن، فانتشر منه ستّة أبطن: بنو الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ، وبنو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وبنو إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وبنو الحسن بن الحسن بن عليّ، وبنو داود بن الحسن بن الحسن بن عليّ، وبنو جعفر بن الحسن بن الحسن بن عليّ. فعقب الحسن ـ عليه السّلام ـ من هذه السّتّة الأبطن.
ثمّ عدّ بني الحسين ـ عليه السّلام ـ فقال: بنو محمّد بن عليّ الباقر بن عليّ بن الحسين بن عليّ(٨) ، وبنو عبد الله الباهر(٩) بن عليّ، وبنو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ، وبنو الحسين(١٠) بن عليّ بن الحسين بن [عليّ، وبنو عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ، وبنو عليّ [بن عليّ](١١) بن الحسين بن](١٢) عليّ. فهؤلاء السّتّة الأبطن نشر الله منهم ولد الحسين(١٣) بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ.
__________________
(١) المصدر: روبيل.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: زيلون. قال مصحّح المصدر في الهامش: الصواب: زبولون.
(٤) المصدر: نفتالي.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: دان.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: «بطن» بدل «بن عليّ».
(٩) المصدر: بنو عبد الله بن الباهر. وهو غلط.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الحسن.
(١١) من المصدر.
(١٢) من الهامش.
(١٣) المصدر: نشر الله من الحسين .
( أُمَماً ) : على الأوّل، بدل بعد بدل، أو نعت «أسباط». وعلى الثّاني، بدل من «أسباط».
( وَأَوْحَيْنا إلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ) : في التّيه.
( أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ ) ، أي: فضرب، فانبجست. [وحذفه للايماء على](١) أنّ موسى لم يتوقّف في الامتثال، وأنّ ضربه لم يكن مؤثّرا يتوقّف عليه الفعل في ذاته.
( مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ) : سبط.
( مَشْرَبَهُمْ، وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ) : ليقيهم حرّ الشّمس.
( وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا ) ، أي: وقلنا لهم: كلوا.
( مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١٦٠) :
مضى تفسيره في سورة البقرة.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .
فقال: إنّ الله أعزّ وأمنع من أن يظلم، أو ينسب نفسه إلى ظلم. ولكنّ الله خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته. ثمّ أنزل بذلك قرآنا على نبيّه، فقال:( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
بعض أصحابنا(٣) ، عن محمّد بن أبي عبد الله، عن عبد الوهّاب بن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .
قال: إنّ الله أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يظلم. ولكنّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته. حيث يقول:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٤)
__________________
(١) هكذا في أنوار التنزيل ٣ / ٣٠. وفي النسخ: وفي الحديث إيماء إلى.
(٢) الكافي ١ / ٤٣٥.
(٣) الكافي ١ / ١٤٦، ح ١١.
(٤) المائدة / ٥٥.
[يعني الأئمّة منّا](١) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وأمّا قوله:( وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) فهو ـ تبارك وتعالى اسمه ـ أجلّ وأعظم من أن يظلم. ولكنّه قرن أمناءه على خلقه بنفسه، وعرّف الخليقة جلالة قدرهم عنده، وأنّ ظلمهم ظلمه [بقوله :](٣) «وما ظلمونا» ببغضهم أولياءنا وبمعونة أعدائهم عليهم( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ، إذ حرموها الجنّة وأوجبوا عليها خلود النّار.
( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) : بإضمار «اذكر».
و «القرية» بيت المقدس.
( وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ) .
قيل(٤) : معناه مثل ما [مرّ](٥) في البقرة. غير أنّ قوله: «فكلوا منها» بالفاء، أفاد تسبّب سكناهم للأكل منها. ولم يتعرّض له ها هنا اكتفاء بذكره ثمّة، أو بدلالة الحال عليه. وأمّا تقديم «قولوا» على «وادخلوا» فلا أثر له في المعنى، لأنّه لا يوجب التّرتيب.
وكذا «الواو» العاطفة بينهما.
( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ، سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) (١٦١): وعد بالغفران، والزّيادة عليه بالإثابة. وإنّما أخرج الثّاني مخرج الاستئناف، للدّلالة على أنّه تفضّل محض ليس في مقابلة ما أمروا به.
وقرأ(٦) نافع وابن عامر ويعقوب: «تغفر» بالتّاء والبناء للمفعول. و «خطيئاتكم» بالرّفع والجمع. غير ابن عامر، فإنّه وحّد.
وقرأ(٧) أبو عمر: «وخطاياكم».
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٧٩.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٥) من المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٣.
( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ) (١٦٢): مرّ تفسيرها فيها.
( وَسْئَلْهُمْ ) : سؤال تقريع بتقديم كفرهم وعصيانهم، إعلاما بما هو من علومهم الّتي لا تعلم إلّا بتعليم أو وحي. ليكون ذلك معجزة عليهم.
( عَنِ الْقَرْيَةِ ) : عن خبرها، وما وقع بأهلها.
( الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ) : قريبة منه.
قيل(١) : هي إيلة، قرية بين مدين والطّور على شاطى البحر.
وقيل(٢) : مدين.
وقيل(٣) : طبريّة.
( إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ) : يتجاوزون حدود الله، بالصّيد يوم السّبت.
و «إذ» ظرف «لكانت» أو «حاضرة». أو للمضاف المحذوف، أو بدل منه بدل الاشتمال.
( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ) : ظرف «ليعدون»، أو بدل منه.
وقرئ(٤) «يعدون». وأصله: يعتدون. ويعدّون من الإعداد، أي: يعدّون آلات الصّيد يوم السّبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة.
( يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ) : يوم تعظيمهم أمر سبتهم. مصدر سبتت اليهود: إذا عظّمت سبتها بالتّجرّد للعبادة.
و «الشرع» جمع، شارع. من شرع عليه: إذا دنا منه وأشرف، أي: ظاهره على وجه الماء.
وقيل(٥) : السّبت اسم لليوم، والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه. ويؤكد الأوّل أن قرئ: «يوم إسباتهم». وقوله:( وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) .
وقرئ(٦) : «لا يسبتون» من أسبت. و «لا يسبتون» على البناء للمفعول، بمعنى: لا يدخلون في السّبت.
( كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) (١٦٣)، أي: مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم.
__________________
(١ و ٢ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
(١ و ٦) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
وقيل(١) : «كذلك» متّصل بما قبله، أي: لا تأتيهم مثل إتيانهم يوم السّبت.
والباء متعلّقه «بيعدون».
( وَإِذْ قالَتْ ) : عطف على «إذ يعدون».
( أُمَّةٌ مِنْهُمْ ) : جماعة من أهل القرية، يعني: صلحاءهم الّذين اجتهدوا في موعظتهم، حتّى أيسوا من إيقاظهم.
( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ ) : محترمهم في الدّنيا.
( أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) : في الآخرة، لتماديهم في العصيان. قالوه مبالغة في أنّ الموعظة لا تنفع فيهم، أو سؤالا عن علّة الوعظ ونفعه وكأنّه تقاول بينهم، أو قول من ارعوى(٢) من الوعظ لمن لم يرعو منهم.
وقيل(٣) : المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعّاظهم ردّا عليهم، وتهكّما بهم.
( قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ) : جواب للسّؤال، أي: موعظتنا إنهاء عذر إلى الله ـ تعالى ـ حتّى لا تنسب إلى تفريط في النّهي عن المنكر.
وقرأ(٤) حفص: «معذرة» بالنّصب على المصدر أو العلّة، أي: اعتذرنا به معذرة أو وعظهم معذرة.
( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (١٦٤): إذ اليأس لا يحصل إلّا بالهلاك.
( فَلَمَّا نَسُوا ) : تركوا ترك النّاسي.
( ما ذُكِّرُوا بِهِ ) : ما ذكّرهم به الواعظون.
( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : بالاعتداء ومخالفة أمر الله.
( بِعَذابٍ بَئِيسٍ ) : شديد. فعيل، من بؤس يبأس بأسا: إذا اشتدّ.
وقرأ(٥) أبو بكر: «بيئس» على فيعل، كضيغم.
وابن عامر: «بئس» بكسر الباء وسكون الهمزة، على أنّه «بيس»، كحذر ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
(٢) رعا عنه يرعو رعوا، ورعوى: كفّ وارتدع. ارعَوى عنه: رعا.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
(٤) نفس المصدر، والموضع.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
كما قرئ به، فخفّف عينه بنقل حركتها إلى الفاء، ككبد في كبد.
ونافع: «بيس» على قلب الهمزة ياء، كما قلبت في ذئب. أو على أنّه فعل الذّم وصف به، فجعل اسما.
وقرئ(١) : «بيّس»، كريّس، على قلب الهمزة ياء ثمّ إدغامها. و «بيس» على التّخفيف للبيس، كهين، وبائس.
( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) (١٦٥): بسبب فسقهم.
( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ) : تكبّروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: «وعتوا عن أمر ربّهم». أو تكبّروا عن النّهي.
( قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) (١٦٦): مطرودين مبعدين من كلّ خير، كقوله:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .
قيل(٢) : الظّاهر يقتضي أنّ الله ـ تعالى ـ عذّبهم أوّلا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك، فمسخهم.
ويجوز أن تكون الآية الثّانية تقريرا وتفصيلا للأولى.
وعن مجاهد: مسخت قلوبهم، لا أبدانهم.
وفي تفسير الإمام(٣) في سورة البقرة عند قوله:( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) .
قال عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ: كان هؤلاء قوم يسكنون على شاطئ بحر، نهاهم الله وأنبياؤه عن اصطياد السّمك في يوم السّبت. فتوصّلوا إلى حيلة، ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم الله. فخدّوا أخاديد وعملوا طرقا تؤدّي إلى حياض تتهيّأ للحيتان الدّخول فيها من تلك الطّرق، ولا يتهيّأ لها الخروج إذا همّت بالرّجوع [منها إلى اللّجج](٤) فجاءت الحيتان يوم السّبت جارية على أمان لها، فدخلت الأخاديد وحصلت في الحياض والغدران.
فلمّا كانت عشيّة اليوم، همّت بالرّجوع منها إلى اللّجج لتأمن من صائدها.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٥.
(٣) تفسير العسكري / ١٠٧ ـ ١٠٨ وعنه تفسير البرهان ٢ / ٤٢، ح ٣.
(٤) من المصدر.
فرامت الرّجوع فلم تقدر. وبقيت ليلها في مكان يتهيّأ أخذها [يوم الأحد](١) بلا اصطياد، لاسترسالها فيه وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها. فكانوا يأخذونها يوم الأحد، ويقولون: ما اصطدنا في السّبت، بل اصطدنا في الأحد. وكذب أعداء الله، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم الّتي عملوها يوم السّبت. حتّى كثر من ذلك مالهم وشراؤهم، وتنعّموا(٢) بالنّساء وغيرهم لاتّساع أيديهم به.
وكانوا في المدينة نيفا وثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا وأنكر عليهم الباقون، كما قصّ الله:( وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ) (الآية).
وذلك أنّ طائفة منهم وعظوهم وزجروهم، ومن عذاب الله ـ تعالى ـ خوّفوهم، ومن انتقامه وشدائد بأسه حذّروهم.
فأجابوهم عن وعظهم:( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ ) بذنوبهم هلاك الاصطلام،( أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) . أجابوا القائلين لهم هذا:( مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ) .
هذا القول منا لهم معذرة إلى ربّكم، إذ كلّفنا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فنحن ننهى عن المنكر، ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم وكراهتنا لفعلهم. قالوا:( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .
ونعظهم(٣) ـ أيضا ـ لعلّهم تنجع فيهم المواعظ، فيتّقوا هذه الموبقة ويحذروها عقوبتها.
قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: «فلمّا عتوا» حادوا وأعرضوا وتكبّروا عن قبول الزّجر( عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) . مبعدين من الخير، مقصين(٤) .
فلمّا نظر العشرة آلاف والنّيف أنّ السّبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم ولا يخافون بتخويفهم إيّاهم وتحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية [أخرى قريبة](٥) من قريتهم. وقالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب ونحن في خلالهم.
فأمسوا ليلة، فمسخهم الله كلّهم قردة. وبقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد، ولا يدخله أحد. وتسامع بذلك أهل القرى، فقصدوهم وتسلّقوا حيطان البلد.
فاطّلعوا عليهم، فإذا هم كلّهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض. يعرف هؤلاء النّاظرين معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم، يقول المطّلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلانة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: تمتّعوا.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: تعظهم.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: مبغضين.
(٥) من المصدر. وفي النسخ: أخر [أخسر ـ أو ب] وانتقلوا إلى قرية.
فتدمع عينه ويؤمئ برأسه، أو بفمه(١) بلا ونعم. فما زالوا كذلك ثلاثة أيّام، ثمّ بعث الله ـ تعالى ـ عليهم مطرا وريحا فجرفهم إلى البحر. وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيّام. وإنّما الّذين ترون من هذه المصوّرات بصورها، فإنّما هي أشباهها لا هي بأعيانها ولا من نسلها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وجدنا في كتاب عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّ قوما من أهل إيلة من ثمود، وأنّ الحيتان كانت سيقت إليهم يوم السّبت ليختبر الله طاعتهم في ذلك. فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدّام أبوابهم في أنهارهم وسواقيهم، فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها.
فلبثوا في ذلك ما شاء الله، لا ينهاهم عنها الأحبار ولا يمنعهم العلماء من صيدها. ثمّ إنّ الشّيطان أوحى إلى طائفة منهم: إنّما نهيتم عن أكلها يوم السّبت ولم تنهوا عن صيدها. فاصطادوها يوم السّبت، وأكلوها فيما سوى ذلك من الأيّام.
فقالت طائفة منهم: الآن نصطادها. فعتت.
وانحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين، فقالوا: ننهاكم من عقوبة الله أن تتعرّضوا لخلاف أمره.
واعتزلت طائفة منهم ذات الشّمال(٣) ، فسكتت فلم تعظهم، فقالت للطّائفة الّتي وعظتهم:( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) .
فقالت الطّائفة الّتي وعظتهم:( مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَ ) (٤) ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) .
قال: فقال الله ـ تعالى ـ:( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ) ، يعني: لـمـّـا تركوا ما وعظوا به، مضوا على الخطيئة.
فقالت الطّائفة الّتي وعظتهم: لا والله، لا نجامعكم ولا نبايتكم اللّيلة في مدينتكم هذه الّتي عصيتم الله فيها، مخافة أن ينزل بكم البلاء فيعمّنا معكم.
قال: فخرجوا عنهم من المدينة، مخافة أن يصيبهم البلاء. فنزلوا قريبا من المدينة، فباتوا تحت السّماء. فلمّا أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله ـ تعالى ـ، غدوا
__________________
(١) ليس في المصدر: أو بفمه.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٤٤ ـ ٢٤٥.
(٣) المصدر: اليسار.
(٤) سقط الواو من المصدر.
لينظروا ما حال أهل المعصية. فأتوا باب المدينة، فإذا هو مصمت. فدقّوه، فلم يجابوا ولم يسمعوا منها حسّ أحد(١) . فوضعوا سلّما على سور المدينة، ثمّ أصعدوا رجلا منهم.
فأشرف على المدينة فنظر، فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون، [لها أذناب](٢) .
فقال الرّجل لأصحابه: يا قوم، [أرى والله](٣) عجبا.
قالوا: وما ترى؟
قالوا: أرى القوم [قد صاروا](٤) قردة [يتعاوون لها أذناب](٥) .
فكسروا الباب ودخلوا المدينة(٦) .
قال: فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة.
فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟
قال: فقال عليٌّ ـ عليه السّلام ـ: والله الّذي خلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّي لأعرف أنسابها من هذه الأمّة. لا ينكرون ولا يغيّرون، بل تركوا ما أمروا به فتفرّقوا. وقد قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) . فقال الله:( أَنْجَيْنَا ) (٧) ( الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن عليّ بن عقبة، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ اليهود أمروا بالإمساك يوم الجمعة. فتركوا يوم الجمعة، وأمسكوا(٩) يوم السّبت.
عن(١٠) هارون بن [عبيد، رفعه](١١) إلى أحدهم قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بالكوفة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ هذه الجراري تباع في أسواقنا.
قال: فتبسّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ضاحكا. ثمّ قال: قوموا لأريكم عجبا.
ولا تقولوا في وصيّكم إلّا خيرا.
فقاموا معه، فأتوا بشاطئ. فتفل فيه تفلة وتكلّم بكلمات، فإذا بجرّيّة رافعة
__________________
(١) المصدر: «خبر أحد» بدل «حسّ أحد».
(٢) ليس في المصدر.
(٣ و ٤ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) سقط من المصدر: ودخلوا المدينة.
(٧) في المصدر: «وأنجينا» والواو زائدة.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٤، ح ٩٤.
(٩) المصدر: فأمسكوا.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٥، ح ٩٦.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: عبد الله.
رأسها فاتحة فاها.
فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: من أنت؟ الويل لك ولقومك.
فقال: نحن من أهل القرية الّتي كانت حاضرة البحر. إذ يقول الله في كتابه:( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ) (الآية). فعرض الله علينا ولايتك، فقعدنا عنها، فمسخنا الله. فبعضنا في البرّ، وبعضنا في البحر. فأمّا الّذين في البحر، فنحن الجراري.
وأمّا الّذين في البرّ، فالضّبّ واليربوع.
قال: ثمّ التفت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ إلينا فقال: أسمعتم مقالتها؟
قلنا: أللّهمّ ، نعم.
قال: والّذي بعث محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ، لتحيض، كما تحيض نساؤكم.
عن طلحة بن زيد(١) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) (٢) ( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ) (٣) .
قال: إفترق القوم ثلاث فرق: فرقة نهت(٤) واعتزلت، وفرقة أقامت ولم تقارف الذّنوب، وفرقة قارفت الذّنوب. فلم تنج من العذاب إلّا من نهى(٥) .
قال جعفر: قلت لأبي جعفر: ما صنع بالّذين أقاموا ولم يقارفوا الذّنوب؟
قال: بلغني أنّهم صاروا ذرّا.
وفي روضة الكافي(٦) : سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا، فنجوا وصنف ائتمروا ولم يأمروا، فمسخوا ذرّا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا، فهلكوا.
وفي كتاب الخصال(٧) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ) .
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٥، ح ٩٧.
(٢) هود / ٦٢.
(٣) الأعراف / ١٦٥.
(٤) المصدر: انتهت.
(٥) المصدر: انتهت.
(٦) الكافي ٨ / ١٥٨، ح ١٥١.
(٧) الخصال / ١٠٠، ح ٥٤.
قال: كانوا ثلاثة أصناف: فصنف ائتمروا وأمروا، [فنجوا](١) ، وصنف ائتمروا ولم يأمروا، [فمسخوا ذرّا](٢) وصنف لم يأمروا ولم يأتمروا، فهلكوا.
وفي مجمع البيان(٣) : وردت الرّواية عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ لم يمسخ(٤) شيئا فجعل له نسلا وعقبا.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وقد روي أنّ المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيّام. وأنّ هذه مثلها(٦) ، فنهى الله ـ عزّ وجلّ ـ عن أكلها.
( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ) : أي: أعلم. تفعّل، من الإيذان بمعناه، كالتّوعّد والإيعاد.
أو عزم، لأنّ العازم على الشّيء يؤذن نفسه بفعله. فأجري مجرى فعل القسم، كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بجوابه، وهو:( لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) .
والمعنى: وإذ أوجب ربّك على نفسه ليسلطنّ على اليهود.
( مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) : كالإذلال وضرب الجزية.
بعث الله(٧) عليهم بعد سليمان ـ عليه السّلام ـ بخت نصّر. فقتل مقاتليهم، وخرّب ديارهم، وسبى نساءهم وذراريّهم، وضرب الجزية على من بقي منهم. وكانوا يؤدّونها إلى المجوس حتّى بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ ففعل ما فعل بهم، ثمّ ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدّهر.
وفي مجمع البيان(٨) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: إنّ المعنيّ بهم: أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ) : عاقبهم في الدّنيا.
( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٦٧): لمن تاب وآمن.
( وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً ) : وفرّقناهم فيها، بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمّة لأدبارهم حتّى لا يكون لهم شوكة قطّ.
و «أمما» مفعول ثان، أو حال.
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٤٩٣.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: لم ينسخ.
(٥) الفقيه ٣ / ٢١٣، ح ٩٨٩.
(٦) المصدر: مثل لها.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٥.
(٨) مجمع البيان ٢ / ٤٩٤.
( مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ ) : صفة، أو بدل منه. وهم الّذين آمنوا بالمدينة، ونظراؤهم.
( وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ) :
تقديره: ومنهم ناس دون ذلك منحطّون عن الصّلاح، وهم كفرتهم وفسقتهم.
( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ) : بالنّعم والنّقم.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١٦٨): ينتهون، فيرجعون عمّا كانوا عليه.
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) : من بعد المذكورين.
( خَلْفٌ ) : بدل سوء. مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع.
وقيل(١) : جمع. وهو، بالتّسكين، شائع في الشّرّ. وبالفتح في الخير. والمراد به: الّذين كانوا في عصر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( وَرِثُوا الْكِتابَ ) : التّوراة من أسلافهم، يقرءونها ويقفون على ما فيها.
( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ) : حطام هذا الشّيء الأدنى، يعني: الدّنيا. وهو من الدّنو، أو الدّناءة.
قيل(٢) : هو ما كانوا يأخذون من الرّشا في الحكومة، وعلى تحريف الكلم.
[للتّسهيل على العامّة](٣) والجملة حال من «الواو».
( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ) ، أي: لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه.
وهو يحتمل العطف والحال على تقدير المبتدأ، أي: وهم يقولون. والفعل مسند إلى الجارّ والمجرور، أو مصدر «يأخذون».
( وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) : حال من الضّمير في «لنا»، أي: يرجون المغفرة، مصرّين على الذّنب، عائدين إلى مثله، غير تائبين عنه.
( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ) ، أي: في الكتاب.
( أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) : عطف بيان «للميثاق». أو متعلّق به، أي: بأن لا يقولوا.
والمراد: توبيخهم على البتّ بالمغفرة مع عدم التّوبة، والدّلالة على أنّه افتراء
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٥.
(٣) ليس في المصدر.
على الله وخروج عن ميثاق الكتاب.
( وَدَرَسُوا ما فِيهِ ) : عطف على «ألم يؤخذ» من حيث المعنى، فإنّه تقرير. أو على «ورثوا» وهو اعتراض.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس [بن عبد الرحمن](٢) ، عن أبي يعقوب، إسحاق بن عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله خصّ عباده بآيتين من كتابه. أن لا يقولوا حتّى يعلموا ولا يردّوا ما لم يعلموا. قال ـ عزّ وجلّ ـ:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) . وقال:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) (٣) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: خصّ الله هذه الأمّة بآيتين من كتابه، أن لا يقولوا ما لا يعلمون [وألّا يردّوا ما لا يعلمون](٥) . ثمّ قرأ:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ) (الآية). وقوله:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) ـ إلى قوله ـ:( الظَّالِمِينَ ) .
عن أبي السفاتج(٦) قال(٧) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: آيتان(٨) في كتاب الله خصّ الله النّاس، ألّا يقولوا ما لا يعلمون. قول الله:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) . وقوله:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) .
وفي نهج البلاغة(٩) : ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي [نقضه، ولن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الّذي نبذه](١٠) فالتمسوا ذلك عند أهله، فإنّهم عيش العلم وموت الجهل. هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم. لا يخالفون الدّين ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صدق وصامت ناطق.
( وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) : محارم الله ممّا يأخذ هؤلاء.
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٣، ح ٨.
(٢) من المصدر.
(٣) يونس / ٤٠.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٣، ح ٢٢.
(٥) من المصدر.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أبي الفاتح.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٢، ح ٢١.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: آيتين.
(٩) نهج البلاغة / ٢٠٦. (١٠) من المصدر. وفي النسخ: «بعده» بدل هذه العبارة.
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١٦٩): فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى الدّنيء المؤدّي إلى العقاب بالنّعيم المخلّد.
وقرأ(١) نافع وابن عامر وحفص ويعقوب، بالتّاء، على التّلوين.
( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) : عطف على «الّذين يتّقون».
وقوله: «أفلا تعقلون» اعتراض، أو مبتدأ خبره( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) (١٧٠)، على تقدير منهم. أو وضع الظّاهر موضع المضمر، تنبيها على أنّ الإصلاح، كالمانع من التّضييع.
وقرأ(٢) أبو بكر: «يمسكون» بالتّخفيف. وإفراد الإقامة، لأنافتها على سائر أنواع التّمسّكات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: نزلت في آل محمّد وأشياعهم.
( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ) ، أي: قلعناه ورفعناه فوقهم.
وأصل النّتق: الجذب.
( كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) : سقيفة. وهي كلّ ما أظلّك.
( وَظَنُّوا ) : وتيقّنوا.
( أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ) : ساقط عليهم. لأنّ الجبل لا يثبت في الجوّ، ولأنّهم كانوا يوعدون به.
وإنّما أطلق الظّنّ، لأنّه لم يقع متعلّقه. وذلك أنّهم أبوا أن يقبلوا أحكام التّوراة لثقلها، فرفع الله الطّور فوقهم. وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلّا ليقعنّ عليكم.
( خُذُوا ) : على إضمار القول، وقلنا: خذوا. أو قائلين: خذوا.
( ما آتَيْناكُمْ ) : من الكتاب.
( بِقُوَّةٍ ) : بجدّ وعزم على تحمّل مشاقّه. وهو حال من «الواو».
وفي تفسير العيّاشي(٤) : وفي رواية إسحاق بن عمّار، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن هذه الآية: أقوّة في الأبدان أم قوّة في القلوب؟
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٦.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٤٦.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٣٧، ح ١٠.
قال: فيهما جميعا.
عن محمّد بن أبي حمزة(١) ، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ) .
قال: السّجود، ووضع [اليدين على](٢) الركبتين في الصّلاة.
( وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ) : بالعمل به، ولا تتركوه، كالمنسيّ.
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (١٧١): قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: لـمـّـا أنزل الله التّوراة على بني إسرائيل، لم يقبلوه. فرفع الله عليهم جبل طور سيناء، فقال لهم موسى ـ عليه السّلام ـ: إن لم تقبلوا، وقع عليكم الجبل. فقبلوه وطأطئوا(٤) رؤوسهم.
وفي كتاب الاحتجاج(٥) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أبي عبد الله(٦) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه قال السّائل: أخبرني عن طائر طار مرّة ولم يطر قبلها ولا بعدها ذكره الله في القرآن، ما هو؟
فقال: طور سيناء، أطاره الله ـ عزّ وجلّ ـ على بني إسرائيل حين أظلّهم بجناح منه فيه ألوان العذاب حتّى قبلوا التّوراة. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ) (الآية).
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قيل(٧) : أي: أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن.
و «من ظهورهم» بدل من «بني آدم» بدل البعض.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: «ذرّيّاتهم».
( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) .
قيل(٨) : أي: نصب لهم دلائل ربوبيّته وركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها، حتّى صاروا بمنزلة من قيل لهم:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . فنزّل تمكينهم من العلم
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١٠٢.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٤٦.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ طأطأ.
(٥) الاحتجاج ٢ / ٦٥.
(٦) المصدر عن الباقر.
(١ و ٨) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٧٦.
بها وتمكنّهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التّمثيل. ويدلّ عليه( قالُوا بَلى شَهِدْنا ) .
وقيل(١) : لا يبعد أن يكون ذلك النّطق باللّسان الملكوتيّ في العالم المثاليّ، الّذي دون عالم العقل. فإنّ لكلّ شيء ملكوتا في ذلك العالم، كما أشير إليه بقوله ـ سبحانه ـ:( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) . والملكوت باطن الملك، وهو كلّه حياة. ولكلّ ذرّة لسان ملكوتي ناطق بالتّسبيح والتّمجيد والتّوحيد والتّحميد. وبهذا اللّسان نطق الحصى في كفّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وبه تنطق الأرض يوم القيامة( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ) ، وبه تنطق الجوارح. أنطقنا الله، الّذي أنطق كلّ شيء.
( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، أي: كراهة أن تقولوا.
( إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) (١٧٢): لم ننبّه عليه.
( أَوْ تَقُولُوا ) : عطف على «أن تقولوا».
وقرأ أبو عمرو(٢) كليهما، بالياء. لأنّ أوّل الكلام على الغيبة.
( إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) : فاقتدينا بهم. لأنّ التّقليد عند قيام الدّليل والتّمكّن من العلم به لا يصلح عذرا.
( أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) (١٧٣)، يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشّرك.
وقيل(٣) : لـمـّـا خلق الله آدم، أخرج من ظهره ذرّيّة، كالذّرّ. وأحياهم وجعل لهم العقل والنّطق، وألهمهم ذلك.
وعلى هذا تدلّ صريحا الأحاديث الإماميّة.
والمقصود من إيراد هذا الكلام ـ ها هنا ـ إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العامّ بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السّمعيّة والعقليّة، ومنعهم عن التّقليد، وحملهم على النّظر والاستدلال، كما قال:( وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١٧٤): عن التّقليد واتّباع الباطل.
وفي كتاب التّوحيد(٤) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٢٥١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧.
(٤) التوحيد / ٣٣٠ ـ ٣٣١.
بن هاشم ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب ويعقوب بن يزيد جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية.
فقال: أخرج من ظهر آدم ذرّيّته إلى يوم القيامة، فخرجوا، كالذّرّ. فعرّفهم نفسه، وأراهم صنعه. ولولا ذلك، لم يعرف أحد ربّه.
أبي(١) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أصلحك الله، قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه:( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) .
قال: فطرهم على التّوحيد عند الميثاق، وعلى معرفة(٢) أنّه ربّهم.
قلت: وخاطبوه؟
قال: فطأطأ رأسه. ثمّ قال: لولا ذلك، لم يعلموا من ربّهم ولا من رازقهم.
وفيه(٣) ، بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: أخبرني عن الله ـ عزّ وجلّ ـ هل يراه المؤمنون(٤) يوم القيامة؟
قال: نعم، وقد رأوه(٥) قبل يوم القيامة.
فقلت متى؟
قال: حين قال لهم:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) .
ثمّ سكت ساعة. ثمّ قال: وإنّ المؤمنين ليرونه في الدّنيا قبل يوم القيامة. ألست تراه في وقتك هذا!؟
قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فأحدّث بهذا عنك؟
فقال: لا. فإنّك إذا حدّثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول، ثمّ قدّر أنّ ذلك تشبيه، كفر. وليست الرّؤية بالقلب كالرّؤية بالعين. تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون والملحدون.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن زرارة: أنّ رجلا سأل أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية.
__________________
(١) التّوحيد / ٣٣٠، ح ٧.
(٢) المصدر: معرفته.
(٣) التوحيد / ١١٧، ح ٢٠.
(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: المؤمن.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: رآه.
(٦) الكافي ٢ / ٧، ح ٢.
فقال، وأبوه يسمع: حدّثني أبي، أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قبض قبضة من تراب التربة الّتي خلق منها آدم ـ عليه السّلام ـ. فصبّ عليها الماء العذب الفرات، ثمّ تركها أربعين صباحا. ثمّ صبّ عليها الماء المالح الأجاج، فتركها أربعين صباحا. فلمّا اختمرت الطّينة أخذها فعركها عركا شديدا. فخرجوا، كالذّرّ من يمينه وشماله. وأمرهم جميعا أن يقعوا في النّار. فدخل أصحاب اليمين، فصارت عليهم بردا وسلاما. وأبى أصحاب الشّمال أن يدخلوها.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كيف أجابوا وهم ذرّ؟
فقال: جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه، يعني: في الميثاق.
محمّد بن الحسن(٢) ، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لـمـّـا أراد الله أن يخلق الخلق، نثرهم(٣) بين يديه.
فقال لهم: من ربّكم؟
فأول من نطق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ، فقالوا: أنت ربّنا.
فحمّلهم العلم والدّين.
ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة ديني وعلمي، وأمنائي في خلقي، وهم المسئولون.
ثمّ قال لبني آدم: أقرّوا لله بالربوبيّة(٤) ، ولهؤلاء النّفر بالولاية والطّاعة.
فقالوا: نعم، ربّنا، أقررنا.
فقال الله للملائكة: اشهدوا.
قال الملائكة: شهدنا.
قال: على أن لا يقولوا غدا:( إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا ) (الآية).
__________________
(١) الكافي ٢ / ١٢، ح ١.
(٢) الكافي ١ / ١٣٣.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نشرهم.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: أقرّوا بالله بالعبوديّة.
يا داود، ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق.
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بكير بن أعين قال: كان أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا، وهم ذرّ، يوم أخذ الميثاق على الذّرّ. بالإقرار له بالرّبوبيّة، ولمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالنّبوّة. وعرض الله ـ عزّ وجلّ ـ على محمّد أمّته في الطّين، وهم أظلّة. وخلقهم من الطّينة الّتي خلق منها آدم. وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، وعرضهم عليهم(٢) ، وعرّفهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وعرّفهم عليّا. ونحن نعرفهم في لحن القول.
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ بعض قريش قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بأيّ شيء سبقت الأنبياء، وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟
قال: إنّي كنت أوّل من آمن بربّي، وأوّل من أجاب حين أخذ الله ميثاق.
النّبيّين( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . فكنت أنا أوّل نبيّ قال: بلى. فسبقتهم بالإقرار بالله.
محمّد بن يحيى(٤) ، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن إسماعيل، عن محمّد بن إسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن صالح بن سهيل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سئل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بأيّ شيء سبقت ولد آدم؟
قال: إنّني أوّل من أقرّ بربّي. إنّ الله أخذ ميثاق النّبيّين( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . فكنت أوّل من أجاب.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن داود العجليّ، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ حيث خلق الخلق، خلق ماء عذبا وماء مالحا [أجاجا](٦) ، فامتزج الماءان. فأخذ طينا من أديم الأرض، فعركه عركا شديدا.
فقال لأصحاب اليمين، وهم كالذّرّ يدبّون: إلى الجنّة بسلام. وقال لأصحاب
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٣٧ ـ ٤٣٨، ح ٩.
(٢) المصدر: عليه.
(٣) الكافي ١ / ٤٤١، ح ٦.
(٤) الكافي ٢ / ١٢، ح ٣.
(٥) الكافي ٢ / ٨، ح ١.
(٦) من المصدر.
الشّمال: إلى النّار. ولا أبالي.
ثمّ قال:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى شَهِدْنا، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) .
ثمّ أخذ الميثاق على النّبيّين فقال:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ، وأنّ(١) هذا محمّد رسولي، وأنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟
( قالُوا بَلى ) .
فثبتت لهم النّبوّة. وأخذ الميثاق على أولي العزم، إنّي ربّكم ومحمّد رسولي وعليّ أمير المؤمنين. وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزّان علمي ـ عليهم السّلام ـ. وأنّ المهديّ أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعا وكرها.
قالوا: أقررنا به، يا ربّ، وشهدنا.
ولم يجحد آدم ولم يعزم(٢) ، فثبت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهديّ. ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) (٣) .
قال: إنّما هو فترك.
ثمّ أمر نارا فأجّجت، فقال لأصحاب الشّمال: ادخلوها.
فهابوها.
فقال لأصحاب اليمين: ادخلوها.
فدخلوها، فكانت عليهم بردا وسلاما.
فقال أصحاب الشّمال: يا ربّ، أقلنا.
فقال: قد أقلتكم، اذهبوا فادخلوها.
فهابوها. فثمّ(٤) ثبتت الطّاعة والولاية والمعصية.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فان.
(٢) المصدر: لم يقر.
(٣) طه / ١١٥.
(٤) ثم: هناك.
(٥) الكافي ٢ / ١٢، ح ٢.
( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) . ما تلك الفطرة؟
قال: هي الإسلام. فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التّوحيد، قال:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) . وفيه المؤمن والكافر.
محمّد بن يحيى،(١) عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ رجلا جاء أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وهو مع أصحابه، فسلّم عليهم. ثمّ قال له: أنا، والله، أحبّك وأتولّاك.
[فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: كذبت. قال: بلى، والله إني أحبّك وأتولّاك. فكرّر ثلاثا.](٢) فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: كذبت، ما أنت كما قلت. إنّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام. ثمّ عرض علينا المحبّ لنا. فو الله، ما رأيت روحك فيمن عرض. فأين كنت!؟ فسكت الرّجل عند ذلك، ولم يراجعه.
وفي رواية أخرى: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كان في النّار.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى حبيب قال: حدّثني الثّقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أخذ ميثاق العباد وهم أظلّة قبل الميلاد. فما تعارف من الأرواح، ائتلف. وما تناكر منها، اختلف.
وبإسناده(٤) إلى حبيب، عمّن رواه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما تقول في [الأرواح](٥) أنّها جنود مجنّدة. فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
اختلف.
قال: فقلت: إنّا نقول ذلك.
قال(٦) : فإنّه كذلك. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أخذ من العباد ميثاقهم، وهم أظلّة قبل الميلاد. وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) (إلى آخر الآية).
قال: فمن أقرّ به يومئذ، جاءت إلفته(٧) ها هنا. ومن أنكره يومئذ [جاء](٨) خلافه
__________________
(١) الكافي ١ / ٤٣٨، ح ١.
(٢) من المصدر.
(٣) العلل / ٨٤، ح ١.
(٤) العلل / ٨٤ ـ ٨٥، ح ٢.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: الألفة.
(٨) من المصدر.
ها هنا.
أبي(١) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) .
قال: ثبتت المعرفة ونسوا الوقت(٢) ، وسيذكرونه يوما. ولولا ذلك، لم يدر أحد من خالقه ولا من رازقه.
وفي أمالي(٣) شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لعليٍّ ـ عليه السّلام ـ: أنت الّذي احتجّ الله بك في ابتدائه الخلق، حيث أقامهم أشباحا.
فقال لهم:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ؟
( قالُوا بَلى ) .
قال ومحمّد رسولي؟
قالوا: بلى.
قال: وعليٌّ أمير المؤمنين(٤) فأبى الخلق جميعا إلّا استكبارا، وعتوّا عن ولايتك إلّا نفر قليل. وهم أقلّ القليل. وهم أصحاب اليمين.
وفي عوالي اللئالي(٥) : وقال ـ عليه السّلام ـ أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان(٦) ، يعني: عرفه. فأخرج من صلبه كلّ ذرّيّة ذرأها، فنشرهم بين يديه كالذّرّ. ثمّ كلّمهم.
وتلا:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى ) .
وفي تهذيب الأحكام(٧) ، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ومننت علينا بشهادة الإخلاص لك بموالاة أوليائك الهداة المهديّين(٨) من بعد
__________________
(١) العلل / ١١٧ ـ ١١٨، ح ٢.
(٢) المصدر: الموقت، وفي نسخة: «الموقف» كما في البحار ٥ / ٢٤٣.
(٣) أمالي الطوسي ١ / ٢٣٨.
(٤) المصدر: وعليّ بن أبي طالب وصيّي؟
(٥) عوالي اللئالي ١ / ١٨٢ ـ ١٨٣، ح ٢٤٧.
(٦) قال الجوهريّ في الصحاح: نعمان ـ بالفتح ـ: واد في طريق الطائف، يخرج إلى عرفات.
(٧) التهذيب ٣ / ١٤٦.
(٨) ليس في المصدر.
النّذير المنذر والسّراج المنير، وأكملت الدّين بموالاتهم والبراءة من عدوّهم، وأتممت علينا النّعمة الّتي جدّدت لنا عهدك وذكّرتنا ميثاقك المأخوذ منّا في مبدأ خلقك إيّانا، وجعلتنا من أهل الإجابة، وذكّرتنا العهد والميثاق ولم تنسنا ذكرك. فإنّك قلت:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قالُوا بَلى ) (١) ( شَهِدْنا ) بمنّك ولطفك، بأنّك أنت الله لا إله إلّا أنت ربّنا، ومحمّد عبدك ورسولك نبيّنا، وعليّ أمير المؤمنين والحجّة العظمى وآيتك الكبرى والنّبأ العظيم الّذي هم فيه مختلفون.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن جابر قال: قال لي أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: يا جابر، لو يعلم الجهّال متى سمّي أمير المؤمنين عليّ لم ينكروا حقّه.
قال: قلت: جعلت فداك، متى سمّي؟
فقال لي: قوله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) أنّي(٣) ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ، وأنّ محمّدا(٤) رسول الله، وأنّ عليّا أمير المؤمنين.
قال: ثمّ قال لي: يا جابر، هكذا والله جاء بها محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
عن ابن مسكان(٥) ، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ أمّتي عرضت عليّ في الميثاق. فكان أوّل من آمن بي عليّ، وهو أوّل من صدّقني حين بعثت. وهو الصّدّيق الأكبر والفاروق، يفرق بين الحقّ والباطل.
عن أبي بصير(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . قالوا بألسنتهم؟
قال: نعم، وقالوا بقلوبهم.
فقلت: وأيّ شيء كانوا يومئذ؟
قال: صنع منهم ما اكتفى به.
__________________
(١) المصدر: بلى، أللّهمّ بلى
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤١، ح ١١٤.
(٣) المصدر: إلى.
(٤) المصدر: محمّدا [نبيّكم].
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١١٥.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٤٠، ح ١١٠.
عن جابر(١) قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: من(٢) سمّي أمير المؤمنين [أمير المؤمنين](٣) ؟
قال: قال: الله(٤) ، أنزلت هذه الآية على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) وأنّ محمّدا رسول الله(٥) وأنّ عليّا أمير المؤمنين.
فسمّاه الله ـ والله ـ أمير المؤمنين.
عن الأصبغ بن نباتة(٦) ، عن عليٍّ ـ عليه السّلام ـ قال: أتاه ابن الكواء، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الله ـ تبارك وتعالى ـ. هل كلّم أحدا من ولد آدم قبل موسى؟
فقال عليٌّ ـ عليه السّلام ـ: قد كلّم الله جميع خلقه، برّهم وفاجرهم، وردّوا عليه الجواب.
فثقل ذلك على ابن الكواء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال له: أو ما تقرأ كتاب الله إذ يقول(٧) لنبيّه:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) ؟ فقد أسمعهم كلامه.
وردّوا عليه الجواب، كما تسمع في قول الله ـ يا ابن الكواء ـ( قالُوا بَلى ) . فقال لهم: إنّي أنا الله. لا إله إلّا أنا. وأنا الرّحمن [الرحيم](٨) . فأقرّوا له بالطّاعة والرّبوبيّة. وميّز الرّسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، وأقرّوا بذلك في الميثاق(٩) . فقالت الملائكة عند إقرارهم [بذلك](١٠) : شهدنا عليكم يا بني آدم( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) .
عن رفاعة(١١) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) .
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٤١، ح ١١٣.
(٢) المصدر: متى. والصحيح ما في المتن بقرينة الجواب.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: والله.
(٥) المصدر: رسول الله [نبيّكم].
(٦) نفس المصدر ٢ / ٤١ ـ ٤٢، ح ١١٦.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقال.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذلك.
(١٠) من المصدر.
(١١) نفس المصدر ٢ / ٣٧، ح ١٠٣.
قال: نعم(١) ، لله الحجّة على جميع خلقه يوم الميثاق هكذا. وقبض يده.
وفي الكافي(٢) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن الحذّاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ لا يرى بالعزل بأسا. فقرأ(٣) هذه الآية:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) . فكلّ شيء أخذ الله منه الميثاق، فهو خارج، وإن كان على صخرة صمّاء.
محمّد بن يحيى(٤) وغيره، عن أحمد، عن موسى بن عمر، عن ابن سنان، عن أبي سعيد القمّاط، عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لأيّ علّة وضع(٥) الحجر في الرّكن الّذي هو فيه ولم يوضع في غيره، ولأيّ علّة يقبّل(٦) ، ولأيّ علّة أخرج من الجنّة، و [لأيّ علّة](٧) وضع ميثاق العباد والعهد فيه ولم يوضع في غيره، وكيف السّبب في ذلك؟ تخبرني، جعلني الله فداك. فإنّ تفكّري فيه لعجب(٨) .
قال: فقال: سألت وأعضلت في المسألة(٩) واستقصيت، فافهم الجواب، وفرّغ قلبك، وأصغ سمعك، أخبرك إن شاء الله. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ وضع الحجر الأسود، وهي جوهرة، أخرجت من الجنّة إلى آدم ـ عليه السّلام ـ فوضعت في ذلك الرّكن لعلّة الميثاق. وذلك أنّه لـمـّـا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم، حين أخذ الله عليهم الميثاق، في ذلك المكان. [وفي ذلك المكان](١٠) تراءى لهم. وفي(١١) ذلك المكان يهبط الطّير على القائم ـ عليه السّلام ـ. فأوّل من يبايعه ذلك الطّير. وهو ـ والله ـ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ. وإلى ذلك المكان يسند القائم ظهره. وهو الحجّة والدّليل على القائم. وهو الشّاهد لمن وافى(١٢) في ذلك المكان، والشّاهد على من أدّى إليه الميثاق والعهد الّذي أخذ الله ـ عزّ وجلّ ـ على العباد.
__________________
(١) المصدر: أخذ.
(٢) الكافي ٥ / ٥٠٤، ح ٤.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أتقرأ.
(٤) الكافي ٤ / ١٨٤ ـ ١٨٦، ح ٣.
(٥) المصدر: وضع الله الحجر .
(٦) المصدر: تقبّل.
(٧) من المصدر.
(٨) ب: لعجيب.
(٩) أي جئت بمسألة معضلة مشكلة.
(١٠) من المصدر.
(١١) المصدر: من.
(١٢) المصدر: وافا [ه].
فأمّا القبلة والالتماس، فلعلّة العهد، تجديدا لذلك العهد والميثاق، وتجديدا للبيعة، ليؤدّوا إليه العهد الّذي أخذ الله عليهم في الميثاق، فيأتوه في كلّ سنة ويؤدّوا إليه ذلك العهد والأمانة اللّذين أخذ الله عليهم. ألا ترى أنّك تقول: أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته، لتشهد لي بالموافاة. والله، ما يؤدّي ذلك أحد غير شيعتنا. ولا حفظ ذلك العهد والميثاق أحد غير شيعتنا. وإنّهم ليأتوه، فيعرفهم [ويصدّقهم](١) . ويأتيه غيرهم، فينكرهم ويكذّبهم. وذلك أنّه لم يحفظ ذلك غيركم. فلكم ـ والله ـ يشهد، وعليهم ـ والله ـ يشهد بالخفر(٢) والجحود والكفر.
وهو الحجّة البالغة من الله عليهم يوم القيامة. يجيء وله لسان ناطق وعينان في صورته الأولى، يعرفه الخلق ولا ينكره. يشهد لمن وافاه، وجدّد العهد والميثاق عنده، بحفظ العهد والميثاق وأداء الأمانة. ويشهد على كلّ من أنكر وجحد ونسى الميثاق، بالكفر والإنكار.
فأمّا علّة ما أخرجه الله من الجنّة، فهل تدري ما كان الحجر؟
قلت: لا.
قال: كان ملكا من عظماء الملائكة عند الله. فلمّا أخذ الله من الملائكة الميثاق، كان أوّل من آمن به، وأقرّ ذلك الملك. فاتّخذه الله أمينا على جميع خلقه. فألقمه الميثاق وأودعه عنده، واستعبد(٣) الخلق أن يجدّدوا عنده في كلّ سنة الإقرار بالميثاق والعهد الّذي خذ الله ـ عزّ وجلّ ـ عليهم. ثمّ جعله الله مع آدم في الجنّة يذكّره الميثاق، ويجدّد عنده الإقرار في كلّ سنة.
فلمّا عصى آدم وأخرج من الجنّة، أنساه الله العهد والميثاق الّذي أخذ الله عليه وعلى ولده لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولوصيّه ـ عليه السّلام ـ، وجعله تائها حيرانا.
فلمّا تاب الله على آدم، حوّل ذلك الملك في صورة درّة بيضاء. فرماه من الجنّة إلى آدم، وهو بأرض الهند. فلمّا نظر إليه، أنس إليه. وهو لا يعرفه بأكثر من أنّه جوهرة.
وأنطقه الله ـ عزّ وجلّ ـ فقال له: يا آدم، أتعرفني؟
قال: لا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخفر: نقض العهد، والغدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: استقيد.
قال: أجل، استحوذ عليك الشّيطان، فأنساك ذكر ربّك.
ثمّ تحوّل إلى صورته الّتي كان مع آدم في الجنّة، فقال لآدم: أين العهد والميثاق؟
فوثب آدم إليه، وذكر الميثاق، وبكى وخضع وقبّله، وجدّد الإقرار بالعهد والميثاق. ثمّ حولّه الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى جوهرة الحجر، درّة بيضاء صافية تضيء. فحمله آدم ـ عليه السّلام ـ على عاتقه، إجلالا له وتعظيما. فكان إذا أعيا، حمله عنه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ حتّى وافى به مكّة. فما زال يأنس به بمكّة، ويجدّد الإقرار له كلّ يوم وليلة.
ثمّ إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمـّـا بنى الكعبة، وضع الحجر في ذلك المكان. لأنّه ـ تبارك وتعالى ـ حين أخذ الميثاق من ولد آدم، أخذه في ذلك المكان. وفي ذلك [المكان](١) ألقم الله الملك الميثاق، ولذلك وضع في ذلك الرّكن. ونحّى(٢) آدم من مكان البيت إلى الصّفا، وحوّاء إلى المروة ووضع الحجر في ذلك الرّكن.
فلمّا نظر آدم من الصّفا، وقد وضع الحجر في الرّكن، كبّر الله وهلّله ومجّده.
فلذلك جرت السّنّة بالتّكبير واستقبال الرّكن الّذي فيه الحجر من الصّفا. فإنّ الله أودعه الميثاق والعهد دون غيره من الملائكة. لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمـّـا أخذ الميثاق له بالرّبوبيّة، ولمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالنّبوّة، ولعليّ ـ عليه السّلام ـ بالوصيّة، اصطكّت(٣) فرائص(٤) الملائكة. فأوّل من أسرع إلى الإقرار ذلك الملك، ولم يكن فيهم أشدّ حبّا لمحمّد وآل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ منه. فلذلك اختاره الله من بينهم، وألقمه الميثاق. وهو يجيء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة، ليشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك المكان وحفظ الميثاق.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن محمّد بن موسى، عن العبّاس بن معروف، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال له رجل: كيف سمّيت الجمعة؟
قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ جمع فيها خلقه لولاية محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ووصيّه في الميثاق. فسمّاه يوم الجمعة، لجمعه فيه خلقه.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يجيء.
(٣) أي: ارتعدت.
(٤) جمع فريصة: لحمة بين الجنب والكتف.
(٥) الكافي ٣ / ٤١٥، ح ٧.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أوّل من سبق(٢) إلى «بلى» رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ. وكان بالمكان الّذي قال له جبرئيل ـ عليه السّلام ـ لـمـّـا أسري به إلى السّماء: تقدّم، يا محمّد. فقد وطئت موطنا لم يطأه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. ولولا أنّ روحه ونفسه كانت من ذلك المكان، لما قدر أن يبلغه. فكان من الله ـ عزّ وجلّ ـ، كما قال:( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) ، أي: بل أدنى.
وحدّثني(٣) أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية. قلت: معاينة كان هذا؟
قال: نعم فثبتت المعرفة ونسوا الموقف، وسيذكرونه. ولولا ذلك، لم يدر أحد من خالقه ورازقه. فمنهم من أقرّ بلسانه في الذّر ولم يؤمن بقلبه، فقال الله:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ) (٤) .
وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : وفي تفسير عليّ بن إبراهيم قال: قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله أخذ الميثاق على النّاس لله(٦) بالرّبوبيّة، ولرسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالنّبوّة، ولعليّ أمير المؤمنين(٧) والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ بالإمامة. ثمّ قال:( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ومحمّد نبيّكم وعليّ أميركم والأئمّة الهادون أولياؤكم؟( قالُوا بَلى ) . فمنهم من أقرّ باللّسان، ومنهم من أقرّ بالقلب(٨) .
وروى(٩) من طريق العامّة، في كتاب الفردوس لابن شيرويه حديثا، يرفعه إلى حذيفة اليمانيّ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لو يعلم النّاس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين، ما أنكروا فضله. سمّي أمير المؤمنين، وآدم بين الرّوح والجسد. [وقوله تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى )
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧.
(٢) المصدر: سبق من الرسل
(٣) نفس المصدر ١ / ٢٤٨.
(٤) الأعراف / ١٠١.
(٥) تأويل الآيات الباهرة / ٦٧ ـ ٦٩.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: ولأمير المؤمنين
(٨) المصدر: فمنهم إقرار باللسان، ومنهم تصديق بالقلب.
(٩) المصدر: ورد.
وقالت الملائكة: بلى. فقال ـ تبارك وتعالى ـ: أنا ربّكم و](١) محمّد نبيّكم وعليّ أميركم.
وروى الشّيخ محمّد بن يعقوب ـ رحمه الله ـ: عن عليّ بن إبراهيم، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي الرّبيع الفرّاز، عن جابر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: لم سمّي عليّ ـ عليه السّلام ـ: أمير المؤمنين؟
قال: الله سمّاه، وهكذا أنزل الله في كتابه. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم وأنّ محمّدا نبيّكم رسولي وأنّ عليّا أمير المؤمنين قالوا بلى».
وممّا ورد في تسميته بأمير المؤمنين ـ صلّى الله عليه وعلى ذرّيته الطّيبين ـ ما روى الشّيخ المفيد ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى أنس بن مالك قال: كنت خادم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلمّا كانت ليلة أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، أتيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بوضوء.
فقال: يا أنس، يدخل عليك السّاعة من هذا الباب أمير المؤمنين وخير الوصيّين، أقدم النّاس إسلاما(٢) وأكثرهم علما وأرجحهم حلما.
فقلت: أللّهمّ اجعله من قومي. [قال](٣) فلم ألبث أن دخل عليّ بن أبي طالب من الباب، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يتوضّأ. فرمى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الماء على وجهه حتّى امتلأت عيناه منه.
فقال: يا رسول الله، أحدث فيّ حدث؟
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما حدث فيك إلّا خير. أنت منّي، وأنا منك. تؤدّي عنّي [أمانتي](٤) ، وتفي بذمّتي، وتغسّلني، وتواريني في لحدي، وتسمع النّاس عنّي، وتبيّن لهم ما يختلفون فيه بعدي.
وذكر ـ أيضا ـ حديثا أسنده إلى ابن عبّاس: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لأمّ سلمة: اسمعي واشهدي، هذا عليّ أمير المؤمنين(٥) وسيّد المسلمين(٦) .
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: سلما.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: هذا عليّ بن أبي طالب.
(٦) المصدر: الوصيّين.
وروى ـ أيضا ـ حديثا مسندا إلى معاوية بن ثعلبة(١) قال: قيل لأبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ: أوص.
قال: أوصيت.
قيل: إلى من؟
قال: إلى أمير المؤمنين.
قيل: عثمان؟
قال: لا، ولكنّه أمير المؤمنين حقّا، عليّ بن أبي طالب. [إنّه لربّ هذه الأرض وربّ هذه الأمّة](٢) . لو فقدتموه، لأنكرتكم(٣) الأرض ومن عليها.
وروى حديثا مسندا، [عن أبي بريدة بن الخصيب](٤) . الأسلميّ ـ وهو المشهور بين العلماء ـ قال: قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمرني في سابع سبعة، فيهم أبو بكر وعمر وطلحة والزّبير، فقال: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين. فسلّمنا عليه بذلك ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حيّ بين أظهرنا.
وفي تفسير مجاهد، من طريق العامّة قال: ما في القرآن( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا ولعليّ ـ عليه السّلام ـ سابقة في ذلك. لأنّه سبقهم إلى الإسلام. فسمّاه الله ـ سبحانه ـ في تسعة وثمانين موضعا: أمير المؤمنين، وسيّد المخاطبين إلى يوم الدّين.
وروى الحسين بن جبير(٥) ، صاحب كتاب النخب(٦) ، في كتابه حديثا مسندا إلى الباقر ـ عليه السّلام ـ [قال: سئل الباقر ـ عليه السّلام ـ](٧) عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) من هؤلاء؟
فقال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمـّـا أسري بي إلى السّماء الرّابعة ،
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: تغلب.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وفي النسخ: بربّ هذه الأرض وربّ هذه الآية.
(٣) لأنكرتم.
(٤) من المصدر، وفي النسخ: أنّ الحصب.
(٥) المصدر: الحسين بن حبر.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: البخت.
(٧) ليس في المصدر.
أذّن جبرئيل وأقام، وجمع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والملائكة، وتقدّمت وصلّيت بهم.
فلمّا انصرفت، قال جبرئيل: قل لهم: بم تشهدون؟
قالوا: نشهد، أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وأنّ عليّا أمير المؤمنين.
وروى أخطب خوارزم حديثا مسندا، يرفعه إلى سعيد بن جبير: عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بيته، فغدا عليه عليّ بن أبي طالب بالغداة، وكان يحبّ أن لا يسبقه إليه أحد. فدخل، فإذا النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في صحن الدّار، وإذا رأسه في حجر دحية.
فقال: السّلام عليك، كيف أصبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
فقال له دحية: وعليك السّلام، أصبح بخير، يا أخا رسول الله.
فقال له عليّ: جزاك الله عنّا أهل البيت خيرا.
فقال له دحية: إنّي أحيّيك(١) وإن لك عندي مدحة أزفّها إليك، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين. وأنت سيّد ولد آدم ما خلا النّبيّين والمرسلين. لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزفّ أنت وشيعتك مع محمّد وحزبه إلى الجنان. قد أفلح من تولّاك، وخسر من قلاك(٢) . محبّو محمّد محبّوك، ومبغضوه مبغضوك. لن تنالهم شفاعة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ادن منّي ـ يا(٣) صفوة الله ـ وخذ رأس ابن عمّك، فأنت أحقّ به منّي.
فأخذ رأس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فانتبه، وقال: ما هذه الهمهمة؟
فأخبره الخبر.
فقال: لم يكن دحية، وإنّما كان جبرئيل. سمّاك باسم سمّاك الله. وهو الّذي ألقى محبّتك في صدور المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين.
وروى الشّيخ الفقيه محمّد بن جعفر ـ رحمه الله ـ حديثا مسندا: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ، طوبى لمن أحبّك
__________________
(١) المصدر: أحبّك.
(٢) المصدر: تخّلاك.
(٣) ليس في المصدر.
وويل لمن أبغضك وكذّب بك. يا عليّ، أنت العلم(١) لهذه الأمّة. من أحبّك، فاز. ومن أبغضك، هلك. يا عليّ، أنا مدينة العلم، وأنت الباب. يا عليّ، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين. يا عليّ، ذكرك في التّوراة وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكلّ خير، وكذلك ذكرك في الإنجيل، وما أعطاك الله من علم الكتاب. فإنّ أهل الإنجيل [يعظّمون عليّا](٢) وشيعته، وما يعرفونهم، وأنت وشيعتك مذكورون في كتبهم. يا عليّ، خبّر أصحابك، أنّ ذكرهم في السّماء أفضل وأعظم من ذكرهم في الأرض. فليفرحوا بذلك، وليزدادوا اجتهادا. فإنّ شيعتك على(٣) منهاج الحقّ والاستقامة. (الحديث).
وفي كتاب [حلية الأولياء لأبي نعيم](٤) ، من الجمهور، روى حديثا رفعه إلى أنس بن مالك قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أنس، اسكب لي(٥) وضوء. ثمّ صلّى ركعتين. ثمّ قال: يا أنس، يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيّد المسلمين وقائد الغرّ المحجّلين وخاتم الوصيّين.
قال أنس: فقلت: أللّهمّ، اجعله رجلا من الأنصار. وكتمته إذ جاء عليّ ـ عليه السّلام ـ.
فقال: من هذا، يا أنس؟
قلت: عليّ.
فقام مستبشرا، واعتنقه. ثمّ جعل يمسح عرق وجه عليّ بوجهه.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: يا رسول الله، رأيتك صنعت شيئا لم تصنعه من قبل.
قال: وما يمنعني وأنت تؤدّي عنّي، وتسمعهم صوتي، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي.
وروى الشّيخ الفقيه محمّد بن جعفر ـ رحمه الله ـ حديثا مسندا إلى أنس بن مالك وعبد الله بن عبّاس. قال: قالا جميعا: كنّا جلوسا مع النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذ جاء عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
فقال: السّلام عليك، يا رسول الله.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: تعلم.
(٢) من المصدر. وفي النسخ: يفرطون.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) من المصدر. وفي النسخ: جيد الأولياء لأبي تميم.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يا أنس ائت في.
قال: و(١) عليك السّلام، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته.
فقال عليّ: وأنت حيّ، يا رسول الله؟
قال: نعم، وأنا حيّ. إنّك، يا عليّ، مررت بنا أمس يومنا وأنا وجبرئيل في حديث ولم تسلّم. فقال جبرئيل: ما بال أمير المؤمنين مرّ بنا ولم يسلّم؟ أما والله لو سلّم، لسررنا ورددنا عليه.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: يا رسول الله، لقد(٢) رأيتك ودحية قد استخليتما في حديث، فكرهت أن أقطعه عليكما.
فقال له النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّه لم يكن دحية، وإنّما كان جبرئيل.
فقلت: يا جبرئيل، كيف سمّيته أمير المؤمنين؟
فقال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إليّ في غزاة بدر أن اهبط إلى محمّد، فمره أن يأمر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ يجول بين الصّفّين. فإنّ الملائكة يحبّون أن ينظروا إليه(٣) وهو يجول بين الصّفين. فسمّاه الله في السّماء أمير المؤمنين.
فأنت(٤) ، يا عليّ، أمير من في السّماء، وأمير من في الأرض، [وأمير من مضى](٥) ، وأمير من بقي. ولا أمير قبلك، ولا أمير بعدك. إنّه لا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم من لم يسمّه الله ـ تعالى ـ به.
وروى الشّيخ محمّد بن يعقوب ـ رحمه الله ـ: عن محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، بإسناده إلى عمر بن أبي نصر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال، وقد سأله رجل عن القائم ـ عليه السّلام ـ: يسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟
قال: لا. ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين، ولم يتسمّ(٦) به أحد قبله، ولم(٧) يتسمّ(٨) به أحد(٩) بعده [إلّا كافر](١٠) .
قال: قلت: فكيف نسلّم على القائم ـ عليه السّلام ـ؟
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: و.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: وأنت.
(٥) ليس في المصدر.
(١ و ٧) ـ كذا في المصدر: وفي النسخ: يسمّ.
(٨) المصدر: من.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) من المصدر.
قال: تقول: السّلام عليك، يا بقيّة الله.
قال: ثمّ قرأ:( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١) .
وروى ـ أيضا ـ عن(٢) سهل بن زياد، بإسناده: عن سنان بن ظريف، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّا أهل بيت نوّه الله بأسمائنا لـمـّـا خلق السّموات والأرض، وأمر مناديا ينادي: أشهد أن لا إله إلّا الله، ثلاثا. [أشهد أنّ محمّدا رسول الله، ثلاثا.
أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا، ثلاثا.](٣)
وروى الكراجكيّ ـ رحمه الله ـ في كنز الفوائد حديثا مسندا إلى ابن عبّاس قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: والّذي بعثني بالحقّ مبشّرا(٤) ونذيرا، ما استقرّ الكرسيّ والعرش ولا دار الفلك ولا قامت السّموات والأرض إلّا بأن كتب عليها: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين. إنّ الله ـ تعالى ـ لـمـّـا عرج بي إلى السّماء واختصّني بلطيف ندائه قال: يا محمّد.
قلت: لبيّك وسعديك.
قال: أنا المحمود، وأنت محمّد. شققت اسمك من اسمي، وفضّلتك على جميع بريّتي، فانصب أخاك عليّا [علما](٥) لعبادي يهديهم إلى ديني. يا محمّد، إنّي قد جعلت عليّا أمير المؤمنين. فمن تأمّر عليه، لعنته. ومن خالفه، عذّبته. ومن أطاعه، قرّبته.
يا محمّد، إنّي قد جعلت عليّا إمام المسلمين. فمن تقدّم عليه، أخّرته، ومن عصاه، استخففته(٦) . إنّ عليّا سيّد الوصيّين، وقائد الغرّ المحجّلين، وحجّتي على الخلائق أجمعين. انتهى ما في شرح الآيات الباهرة.
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) ، أي اليهود.
( نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ) .
قيل(٧) : هو أحد علماء بني إسرائيل. أو أميّة بن أبي الصّلت. فإنّه كان قد قرأ الكتب، وعلم أنّ الله ـ تعالى ـ يرسل رسولا في ذلك الزّمان، ورجا أن يكون هو. فلمّا
__________________
(١) هود / ٨٦.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: بشيرا.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: استخفته.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧.
أوتي علم بعض كتب الله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : نزلت في بلعم بن باعوراء، وكان من بني إسرائيل.
[أوتي علم بعض كتب الله](٢) .
وفي مجمع البيان(٣) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: الأصل فيه بلعم. ثمّ ضربه الله مثلا لكلّ مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن سليمان النّبّال قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أتدري ما مثل المغيرة بن سعيد(٥) مثل؟
قال: [قلت :](٦) لا.
قال: مثله، مثل بلعم الّذي أوتي الاسم الأعظم، الّذي قال الله ـ تعالى ـ:( آتَيْناهُ آياتِنا ) .
( فَانْسَلَخَ مِنْها ) : من الآيات، بأن كفر بها، وأعرض عنها.
( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ) : حتّى لحقه.
وقيل(٧) : استتبعه.
( فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) (١٧٥): فصار من الضّالّين.
قيل(٨) : روي أنّ قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه.
فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة؟! فألحّوا عليه، حتّى دعا عليهم، فبقوا في التّيه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أنّه أعطي بلعم بن باعوراء الاسم الأعظم. فكان يدعو به، فيستجاب(١٠) له. فمال إلى فرعون. فلمّا مرّ(١١) فرعون في طلب موسى وأصحابه، قال فرعون
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٤٨.
(٢) لا يوجد في المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥٠٠.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٢، ح ١١٨.
(٥) المصدر: شعبة. والصحيح ما في المتن.
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٤٨.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيستجيب. (١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمر.
لبلعم: ادع(١) الله على موسى وأصحابه، ليحبسه علينا.
فركب حمارته، ليمرّ في طلب موسى ـ عليه السّلام ـ [وأصحابه](٢) فامتنعت عليه حمارته. فأقبل يضربها، فأنطقها الله ـ عزّ وجلّ ـ فقالت: ويلك، على ما تضربني!؟
أتريد أن أجيء معك لتدعو على نبيّ الله وقوم مؤمنين!؟
فلم يزل يضربها حتّى قتلها. وانسلخ الاسم [الأعظم](٣) من لسانه. وهو قوله:( فَانْسَلَخَ مِنْها ) .
( وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ ) : إلى منازل الأبرار من العلماء.
( بِها ) : بسبب تلك الآيات وملازمتها.
( وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إلى الْأَرْضِ ) : مال إلى الدّنيا، أو إلى السّفل.
( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) : في إيثار الدّنيا واسترضاء قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات.
قيل(٤) : وإنّما علّق رفعه بمشيئة الله ثمّ استدرك عنه بفعل العبد، تنبيها على أنّ المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه، وأنّ عدمه دليل عدمها، دلالة انتفاء المسبّب على انتفاء سببه. لأنّ(٥) السّبب الحقيقيّ هو المشيئة، وأنّ ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المشيئة، من حيث إنّ المشيئة تعلّقت به كذلك. وكان من حقّه أن يقول ولكنّه أعرض عنها، فأوقع موقعه( أَخْلَدَ إلى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ) مبالغة، وتنبيها على ما حمله عليه. وأنّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة.
( فَمَثَلُهُ ) : فصفته الّتي هي مثل في الخسّة.
( كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) ، كصفته في أخسّ أحواله. وهو( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) ، أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزّجر والطّرد أو ترك ولم يتعرّض له، لضعف فؤاده. بخلاف سائر الحيوانات، فإنّه إذا هيّج وحرّك لهث وإلّا لم يلهث.
و «اللهث» إدلاع اللّسان من التّنفّس الشّديد.
والشّرطيّة في موضع الحال، والمعنى: لاهثا في الحالتين.
وخلاصة المعنى: إن وعظته، فهو ضالّ. وإن لم تعظه، فهو ضالّ في كلّ حال.
__________________
(١) المصدر: ادعو.
(٢) من المصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧.
(٥) المصدر: وأنّ.
والتّمثيل واقع موقع لازم التّركيب، الّذي هو نفي الرّفع ووضع المنزلة، للمبالغة في البيان.
وقيل(١) : لـمـّـا دعا على موسى ـ عليه السّلام ـ، خرج لسانه فوقع على صدره.
وجعل يلهث، كالكلب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، في الحديث السابق( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) وهو مثل ضربه الله(٣) .
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فلا يدخل الجنّة من البهائم إلّا ثلاث(٤) : حمارة بلعم، وكلب أصحاب الكهف، والذّئب. فكان سبب الذّئب، أنّه بعث ملك ظالم رجلا شرطيّا ليحشر قوما من المؤمنين ويعذّبهم. وكان للشّرطيّ ابن يحبّه. فجاء ذئب، فأكل ابنه، فحزن الشّرطيّ عليه. فأدخل الله ذلك الذّئب الجنّة لما أحزن الشّرطيّ.
( ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) : المذكورة على اليهود. فإنّها، نحو قصصهم.
( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (١٧٦): تفكّرا، يؤدّي بهم إلى الاتّعاظ.
( ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ ) ، أي: مثل القوم.
وقرئ(٥) : «ساء مثل القوم» على حذف المخصوص بالذّمّ.
( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) : بعد قيام الحجّة عليها، وعلمهم بها.
( وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) (١٧٧) :
إمّا أن يكون داخلا في الصّلة معطوفا على «كذّبوا»، بمعنى: الّذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلمهم أنفسهم. أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتّكذيب إلّا أنفسهم، فإنّ وباله لا يتخطّاها. ولذلك قدّم المفعول.
( مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (١٧٨) :
فيه تصريح بأنّ الهدى والضّلالة مطلقا من الله، لأنّ الموصول تضمّن معنى الشّرط.
والمعنى: إن يهد الله شخصا، فهو المهتدي. وإن يضله، فهو الخاسر.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٤٨ ـ ٢٤٩.
(٣) لا يوجد في المصدر.
(٤) المصدر: ثلاثة.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٨.
وليس فيه، أنّه يهديه ويضلّه قطعا. ولكنّ هداية الله بمعنى: الإيصال إلى الحقّ. قد يختصّ ببعض دون بعض، وأنّها مستلزمة للاهتداء، وإن لم تكن في تلك الآية دلالة على ذلك فتبصر.
والإفراد في الأوّل والجمع في الثّاني، باعتبار اللّفظ. والمعنى: تنبيه على أنّ المهتدين، كواحد، لاتّحاد طريقهم، بخلاف الضّالّين.
والاقتصار في الإخبار عمّن هداه الله بالمهتدي، تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنّه كمال في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم. لو لم يحصل له غيره، لكفاه، وأنّه المستلزم للفوز بالنّعم الآجلة، والعنوان لها.
( وَلَقَدْ ذَرَأْنا ) : خلقنا.
( لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) ، يعني: المصرّين على الكفر في علمه ـ تعالى ـ.
( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) : إذ لا يلقونها إلى معرفة الحقّ، والنّظر في دلائله.
( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ) ، أي: لا ينظرون إلى ما خلق الله ـ تعالى ـ نظر اعتبار.
( وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) : الآيات والمواعظ سماع تأمّل وتذكّر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ [في قوله :](٢) ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) .
يقول: طبع الله عليها، فلا تعقل.( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ ) عليها غطاء عن الهدى.( لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) ، أي: جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى.
( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ) : في عدم الفقه، والإبصار للاعتبار، والاستماع للتّدبّر. أو في أنّ مشاعرهم وقواهم متوجّهة إلى أسباب التّعيّش، مقصورة عليها.
( بَلْ هُمْ أَضَلُ ) : فإنّها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضارّ وتجتهد في جذبها ودفعها(٣) ، وهم ليسوا كذلك، بل أكثرهم يعلم أنّه معاند فيقدم على النّار.
( أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) (١٧٩): الكاملون في الغفلة.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٤٩.
(٢) من المصدر.
(٣) أوب: رفعها.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق ـ عليه السّلام ـ فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟
فقال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته، فهو خير من الملائكة. ومن غلبت شهوته عقله، فهو شرّ من البهائم.
( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) قيل(٢) : لأنّها دالّة على معان هي أحسن المعاني. والمراد بها: الألفاظ. وقيل: الصّفات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: الرّحمن الرّحيم.
( فَادْعُوهُ بِها ) : فسمّوه بتلك الأسماء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: إذا نزلت بكم شدّة، فاستعينوا بنا على الله. وهو قول الله:( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) .
وفي أصول الكافي(٥) : الحسين بن محمّد الاشعريّ ومحمّد بن يحيى جميعا، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) .
قال: نحن، والله، الأسماء الحسنى الّتي لا يقبل الله من العباد عملا إلّا بمعرفتنا.
وفي كتاب التّوحيد(٦) ، بإسناده إلى الحسين بن سعيد الحزّاز: عن رجاله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الله غاية من(٧) ما غيّاه، والمغييّ غير الغاية، توحّد بالرّبوبيّة، ووصف نفسه بغير محدوديّة. فالذّاكر الله، غير الله. والله، غير أسمائه. وكلّ شيء وقع عليه اسم شيء سواه، فهو مخلوق. ألا ترى إلى قوله: العزّة لله، العظمة لله.
وقال:( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) . وقال :
__________________
(١) العلل / ٤ ـ ٥، ح ١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٨.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٤٩.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٤٢.
(٥) الكافي ١ / ١٤٣ ـ ١٤٤.
(٦) التوحيد / ٥٨ ـ ٥٩، ح ١٦.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) (١) . فالأسماء مضافة إليه، وهو التّوحيد الخالص.
( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) : واتركوا تسمية الزّائغين فيها، الّذين يسمّونه ويصفونه بما يوهم معنى فاسدا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه.
أو لا تبالوا بإنكارهم ما يسمّي به نفسه، كقولهم: ما نعرف إلّا رحمن اليمامة.
أو ذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها، كالّلات، من الله. والعزّى، من العزيز. ولا توافقوهم عليه.
أو أعرضوا عنهم. فإنّ الله مجازيهم، كما قال:( سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٨٠).
وقرأ(٢) حمزة هنا وفي حم السّجدة: «يلحدون» بالفتح. يقال: لحد، وألحد: إذا مال عن القصد.
وفي أصول الكافي(٣) : أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرّة المحدّث، أن أدخله على أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
فاستأذنته، فأذن لي.
فدخل، فسأله عن الحلال والحرام. ثمّ قال له: أفتقرّ أنّ الله محمول؟
فقال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: كلّ محمول مفعول به، مضاف إلى غيره، محتاج، والمحمول اسم نقص في اللّفظ. والحامل فاعل، وهو في اللّفظ مدحة. وكذلك قول القائل: فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل. وقد قال الله:( لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) (٤) ولم يقل في كتبه، أنّه المحمول. بل قال، أنّه الحامل في البرّ والبحر والممسك السّموات والأرض أن تزولا. والمحمول ما سوى الله. ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قطّ قال في دعائه: يا محمول.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن المختار بن محمّد المختار ومحمّد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلويّ جميعا، عن الفتح بن يزيد الجرجانيّ، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ الخالق لا يوصف، إلّا بما وصف به نفسه. وأنّى يوصف، الّذي تعجز الحواسّ
__________________
(١) الإسراء / ١١٠.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٨.
(٣) الكافي ١ / ١٣٠، ح ٢.
(٤) الإسراء / ١١٠.
(٥) الكافي ١ / ١٣٨، ح ٣.
أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحدّه والأبصار عن الإحاطة به. جلّ عمّا يصفه الواصفون، وتعالى عمّا ينعته النّاعتون.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: وله الأسماء الحسنى، الّتي لا يسمّى بها غيره. وهي الّتي وصفها(٢) في الكتاب، فقال:( فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) جهلا بغير علم. فالّذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظنّ أنّه يحسن. ولذلك(٣) قال:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (٤) . فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم، فيضعونها غير مواضعها.
وإذ قد عرفت ممّا روي من بطون الآية، أنّ المراد بأسمائه الحسنى: الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ، عرفت بقرينة المقابلة أنّ المراد بالّذين يلحدون في أسمائه: هم الّذين يعدلون عنهم إلى أعدائهم الظّالمين لهم، الغاصبين لحقّهم. فإنّهم سيجزون بما كانوا يعملون.
( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (١٨١) :
ذكر ذلك، بعد ما بيّن أنّه خلق للنّار طائفة ضالّين ملحدين عن الحقّ، للدّلالة على أنّه ـ أيضا ـ خلق للجنّة أمّة هادين بالحقّ عادلين في الأمر. واستدلّ به على صحّة الإجماع. لأنّ المراد منه: أنّ في كلّ قرن طائفة بهذه الصّفة. إذ لو اختصّ بعهد الرّسول أو غيره، لم يكن لذكره فائدة فإنّه معلوم.
أقول: وفي الآية دلالة على وجود المعصوم في كلّ قرن. إذ لو لم يكن في قرن معصوم، لم يصدّق أنّ فيهم من( يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . إذ فيه تصريح بأنّ الهادين والعادلين بعض الخلق، لا كلّهم. وكلّ بعض لم يكن معصوما، ما لم يكن هاديا وعادلا كلّيّا. وصحّة الإجماع لو كان، فباعتبار دخوله.
وفي أصول الكافي(٥) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) التوحيد / ٣٢٤.
(٢) أوب وج: وضعها.
(٣) المصدر: فلذلك.
(٤) يوسف / ١٠٦.
(٥) الكافي ١ / ٤١٤، ح ١٣.
( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) .
قال: هم الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : هذه الآية لآل محمّد وأتباعهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن حمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) .
قال: هم الأئمّة.
وقال(٣) محمّد بن عجلان [عنه: نحن هم](٤) .
عن يحيى بن الصّهباء(٥) البكريّ(٦) قال: سمعت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول: والّذي نفسي بيده، لتفترّقنّ هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة. كلّها في النّار إلّا فرقة( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . فهذه الّتي تنجو من هذه الأمّة.
عن يعقوب بن يزيد(٧) قال(٨) : قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) .
قال: يعني: أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
عن زيد بن أسلم(٩) ، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: تفرّقت أمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة، سبعون ملّة(١٠) منها في النّار، وواحدة في الجنّة. وتفرّقت أمّة عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة(١١) في النّار، وواحدة في الجنّة. وتعلوا أمّتي على الفريقين(١٢) جميعا بملّة، واحدة في الجنّة، واثنتان وسبعون في النّار.
قالوا: من هم، يا رسول الله؟
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٤٩.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٢، ح ١٢٠.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٢١.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: أبي الصهبان.
(٦) نفس المصدر: ٢ / ٤٣، ح ١٢٢.
(٧) المصدر: يعقوب بن زيد.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١٢٣.
(٩) نفس المصدر ١ / ٣٣١، ح ١٥١.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ملّة منها بدل فرقة.
(١٢) المصدر: الفرقتين.
قال: الجماعات، [الجماعات](١) .
قال يعقوب بن يزيد: كان عليّ بن أبي طالب إذا حدّث هذا الحديث عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تلا فيه قرآنا:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ـ إلى قوله: ـساءَ ما يَعْمَلُونَ ) (٢) . وتلا ـ أيضا ـ:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ، يعني: أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي مجمع البيان(٣) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هذه لكم، وقد أعطى الله قوم موسى مثلها.
[وروى ابن جريح(٤) عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: هي لأمّتي.
بالحقّ يأخذون وبالحقّ يعطون. وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها](٥) ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (٦) .
وفيه(٧) : عنه ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ من أمّتي قوما على الحقّ، حتّى ينزل عيسى بن مريم.
أقول: والجمع بين تلك الأخبار، الدّالّ بعضها على أنّ المراد: الأئمّة، وبعضها على أنّ المراد أعمّ منهم إن خلص اتّباعهم، لا يفارقهم في تينك الصّفتين. فكأنّهم نفسهم، وليسوا سواهم. والمراد: شدّة المتابعة.
( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) : سنستدنيهم إلى الهلاك، قليلا قليلا.
وأصل الاستدراج: الاستصعاد. أو الاستنزال، درجة بعد درجة.
( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) (١٨٢): ما نريد بهم. وذلك أن تتواتر عليهم النّعم، فيظنّوا أنّها لطف من الله بهم، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغيّ حتّى تحقّ عليهم كلمة العذاب.
وفي أصول الكافي(٨) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المائدة / ٦٥.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٤٩٠.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٥٠٣.
(٥) من المصدر.
(٦) الأعراف / ١٥٩.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) الكافي ٢ / ٤٥٢.
عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) .
فقال: هو العبد يذنب الذّنب فتجدّد له النّعمة معه، تلهيه تلك النّعمة عن الاستغفار من ذلك الذّنب.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن سهل بن زياد، وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن بعض أصحابه قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الاستدراج.
فقال: هو العبد يذنب الذّنب، فيملى له ويجدّد له عندها النّعم، فتلهيه عن الاستغفار من الذّنوب. فهو مستدرج من حيث لا يعلم.
عليّ بن إبراهيم(٢) [عن أبيه](٣) ، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كم من مغرور [بما](٤) قد أنعم الله عليه. وكم من مستدرج يستر(٥) الله عليه، وكم من مفتون بثناء(٦) النّاس عليه.
عدّة من أصحابنا(٧) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السّمط قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله إذا أراد بعبد خيرا، فأذنب ذنبا، أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار. وإذا أراد بعبد شرّا، فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى(٨) بها. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) بالنّعم عند المعاصي.
وفي روضة الكافي(٩) ، خطبة طويلة مسندة إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. يقول ـ عليه السّلام ـ فيها: إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان، ليس في ذلك الزّمان شيء أخفى من الحقّ، ولا أظهر من الباطل، ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
... إلى أن قال: يدخل الدّاخل لما يسمع من حكم القرآن، فلا يطمئنّ جالسا حتّى يخرج من الدّين. ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بشر.
(٦) ج: بغى.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتمارى.
(٩) الكافي ٨ / ٣٨٧ و ٣٨٨.
ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك. فاستدرجهم الله من حيث لا يعلمون، وأنّ كيده متين بالأمل والرّجاء.
وفي نهج البلاغة(١) : إنّه من وسع عليه في ذات يده، فلم ير(٢) ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا.
( وَأُمْلِي لَهُمْ ) : وأمهلهم. عطف على «سنستدرجهم».
( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (١٨٣)، أي: أخذي شديد.
وإنّما سمّاه: كيدا، لأنّ ظاهره إحسان وباطنه خذلان.
( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ ) ، يعني: محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( مِنْ جِنَّةٍ ) : جنون.
نقل(٣) : أنّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ علا(٤) الصّفا، فدعاهم فخذا فخذا يحذّرهم بأس الله.
فقال قائلهم: إنّ صاحبكم لمجنون، بات يهوّت(٥) إلى الصّباح. فنزلت.
( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (١٨٤): موضح إنذاره بحيث لا يخفى على ناظر.
( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ) : نظر استدلال.
( فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) : ممّا يقع عليه اسم الشّيء من الأجناس، الّتي لا يمكن حصرها. ليدلّهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولّي أمرها. ليظهر لهم صحّة ما يدعوهم إليه.
( وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) : عطف على «ملكوت». و «أن» مصدريّة، أو خفيفة من الثّقيلة. واسمه ضمير الشّأن، وكذا اسم «يكون».
والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقّع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحقّ والتّوجّه إلى ما ينجيهم قبل معاينة الموت ونزول العذاب.
( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ) : بعد القرآن.
( يُؤْمِنُونَ ) (١٨٥): إذا لم يؤمنوا به وهو النّهاية في البيان، كأنّه إخبار عنهم
__________________
(١) نهج البلاغة / ٥٣٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يرد.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٧٩.
(٤) المصدر: صعد على.
(٥) هوّت به: صاح. وفي المصدر: يهوث.
بالطّبع والتّصميم على الكفر بعد إلزام الحجّة والإرشاد إلى النّظر.
وقيل(١) : هو متعلّق بقوله: «عسى أن يكون»، كأنّه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب.
فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن، وما ذا ينتظرون بعد وضوحه؟ فإن لم يؤمنوا به، فبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا به؟
وقوله:( مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ) ، كالتّقرير والتّعليل له.
( وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ ) : بالرّفع على الاستئناف.
وقرأ أبو عامر وعاصم ويعقوب، بالياء، لقوله: «من يضلل الله». وحمزة والكسائيّ به وبالجزم، عطفا على محلّ «فلا هادي له»، كأنّه قيل: لا يهده غيره ويذرهم.
( يَعْمَهُونَ ) (١٨٦): حال من «هم».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: يكله إلى نفسه.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ) : عن القيامة. وهي من الأسماء الغالبة. وإطلاقها عليها، إمّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنّها على طولها عند الله، كساعة.
( أَيَّانَ مُرْساها ) : متى إرساؤها، أي: إثباتها واستقرارها.
ورسوّ الشّيء: ثباته واستقراره. ومنه: رسا الجبل، وأرسى السّفينة.
واشتقاق «أيّان» من «أيّ»، لأنّ معناه: أيّ وقت. وهو من: أويت إليه، لأنّ البعض آو إلى الكلّ متساند إليه.
( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ) : استأثر به. لم يطلع عليه ملكا مقرّبا، ولا نبيّا مرسلا.
( لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها ) : لا يظهر أمرها في وقتها.
( إِلَّا هُوَ ) :
والمعنى: أنّ الخفاء بها مستمرّ على غيره إلى وقت وقوعها.
و «اللّام» للتّوقيت، كاللّام في قوله:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) .
( ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : عظمت على أهلها، من الملائكة والثّقلين لهولها. وكأنّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٤٩.
( لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ) : فجأة على غفلة.
في الجوامع(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: إنّ السّاعة تهيج بالنّاس والرّجل يصلح حوضه، والرّجل يسقي ماشيته، والرّجل يقوّم سلعته في سوقه، والرّجل يخفض ميزانه ويرفعه.
( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) : عالم بها. فعيل، من حفى عن الشّيء: إذا سأل عنه. فإنّ من بالغ في السّؤال عن الشّيء والبحث عنه، استحكم علمه فيه. ولذلك عدّي «بعن».
وقيل(٢) : هي صلة «يسألونك».
وقيل(٣) : هو من الحفاوة، بمعنى: الشّفقة. فإنّ قريشا قالوا له: إنّ بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى السّاعة. والمعنى: يسألونك عنها، كأنّك حفيّ تتحفّى بهم، فتخصّهم لأجل قرابتهم بك بتعليم وقتها.
وقيل(٤) : معناه: كأنّك حفيّ. بالسّؤال عنها تحبّه من حفي بالشّيء: إذا فرح. لا أنّك تكره. لأنّه من الغيب الّذي استأثره الله بعلمه.
( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ) : كرّره لتكرير «يسألونك»، لما نيط به من هذه الزّيادة، وللمبالغة.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (١٨٧): أنّ علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أنّ قريشا بعثت العاص بن وائل السّهميّ والنّضر بن الحارث بن كلدة وعقبة(٦) بن أبي معيط إلى نجران، ليتعلّموا من علماء اليهود مسائل يسألوا بها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وكان فيها: سلوا محمّدا: متى تقوم السّاعة؟
فإن ادّعى علم ذلك، فهو كاذب. فإنّ قيام السّاعة لم يطلع الله عليه ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا.
فلمّا سألوه، نزلت.
__________________
(١) جوامع الجامع / ١٦٢.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٨٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٠.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٢٤٩، باختصار لذيل الحديث.
(٦) المصدر: عتبة.
وفي عيون الأخبار(١) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: ولقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيّتك؟
فقال: مثله، مثل السّاعة( لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا ) : جلب نفع ودفع ضرّ. وهو إظهار للعبوديّة، والتّبريّ عن ادّعاء العلم بالغيوب.
( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) : من ذلك، فيلهمني إيّاه ويوفّقني له.
( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ) : ولو كنت أعلمه، لخالفت حالي ما هي عليه، من استكثار المنافع واجتناب المضارّ حتّى لا يمسّني سوء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: يعني: الفقر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: كنت اختار لنفسي الصّحّة والسّلامة.
( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) : وما أنا إلّا عبد مرسل للإنذار والبشارة.
( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١٨٨): فإنّهم المنتفعون بهما.
ويجوز أن يكون متعلّقا «بالبشير»، ومتعلّق «النّذير» محذوفا.
( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) : هو آدم ـ عليه السّلام ـ.
( وَجَعَلَ مِنْها ) : من فضل طينتها. أو من جنسها، كقوله:( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) .
( زَوْجَها ) : حوّاء.
( لِيَسْكُنَ إِلَيْها ) : ليأنس بها، ويطمئنّ إليها اطمئنان الشيء إلى جنسه.
وإنّما ذكر الضّمير، ذهابا إلى المعنى، ليناسب( فَلَمَّا تَغَشَّاها ) ، أي: جامعها.
( حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) : خفّ عليها، ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالبا من الأذى. أو محمولا خفيفا، وهو النّطفة.
__________________
(١) عنه تفسير نور الثقلين ٢ / ١٠٧.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٣، ح ١٢٤.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٥٠.
( فَمَرَّتْ بِهِ ) : فاستمرّت به، وقامت وقعدت.
وقرئ(١) : «فمرت» بالتّخفيف. و «فاستمرت» و «فمارت» من المور: وهو المجيء والذّهاب. أو من المرية، أي: فظنّت الحمل وارتابت به.
( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) : صارت ذات ثقل بكبر في بطنها.
وقرئ(٢) ، على البناء للمفعول، أي: أثقلها حملها.
( دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً ) : ولدا سويّا قد صلح بدنه.
( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (١٨٩): لك على هذه النّعمة المجدّدة.
( فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (١٩٠)( أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) (١٩١).
قيل(٣) : لـمـّـا حملت حوّاء، أتاها إبليس في صورة رجل.
فقال لها: ما يدريك ما في بطنك، لعلّه بهيمة أو كلب. وما يدريك من أين يخرج؟
فخافت من ذلك، وذكرت لآدم، فهمّا(٤) منه.
ثمّ عاد إليها وقال: إنّي من الله بمنزلة. فإن دعوت الله أن يجعله خلقا مثلك ويسهّل عليك خروجه، فسمّيه عبد الحارث.
وكان اسمه حارثا بين الملائكة.
فتقبّلت(٥) . فلمّا ولدت، سمّياه عبد الحارث، وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء.
قيل(٦) : يحتمل أن يكون الخطاب في «خلقكم» لآل قصيّ من قريش، فإنّهم خلقوا من نفس قصيّ. وكان له زوج من جنسه عربيّة قرشيّة. وطلبا من الله الولد، فأعطاهما أربعة بنين. فسمّياهم: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصيّ، وعبد الدّار.
ويكون الضّمير في «يشركون» لهما ولأعقابهما المقتدين بهما.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٠.
(٢) نفس المصدر، والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٨١.
(٤) أي: اغتمّا.
(٥) أ، ب، ر: فقبلت.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٨١.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم، والعيّاشيّ(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: هما(٢) آدم وحوّاء. وإنّما كان شركهما شرك طاعة، وليس شرك عبادة.
وزاد في تفسير عليّ بن إبراهيم: قال: جعلا للحارث نصيبا في خلق الله، ولم يكن أشركا إبليس في عبادة الله.
ثمّ ذكر في ذلك حديثا مبسوطا رواه عن الباقر ـ عليه السّلام ـ، موافقا لما نقلناه من قول القائل: إنّها ممّا لا يليق بالأنبياء ـ عليهم السّلام ـ.
وقيل(٣) : معناه: التّسمية بعبد عزّى، وعبد مناة، وعبد يغوث، وما أشبه ذلك من [أسماء](٤) الأصنام.
ومعنى «جعلا له»: جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما. على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في الموضعين.
وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون في عصمة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ: حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثني أبي، عن حمران(٦) بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) ؟
قال له الرّضا ـ عليه السّلام ـ: إنّ حوّاء ولدت لآدم خمسمائة بطن [في كلّ بطن](٧) ذكر وأنثى. وأنّ آدم وحوّاء عاهدا الله ـ تعالى ـ ودعواه وقالا:( لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً ) من النّسل خلقا سويّا بريئا من الزّمانة
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٥٣، وتفسير العيّاشي ٢ / ٤٣، ح ١٢٥.
(٢) المصدران: هو.
(٣) تفسير الصافيّ ٢ / ٢٥٩.
(٤) من المصدر.
(٥) العيون ١ / ١٩٥ ـ ١٩٧.
(٦) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٢٧٧، وفي النسخ: حمران.
(٧) لا يوجد في المصدر.
والعاهة، كان ما آتاهما صنفين: صنفا ذكرانا(١) ، وصنفا إناثا. فجعل الصّنفان لله ـ سبحانه ـ( شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) ، ولم يشكراه، كشكر أبويهما له ـ عزّ وجلّ ـ. قال الله ـ تعالى ـ:( فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
فقال المأمون: أشهد أنّك ابن رسول الله حقّا.
وما يستفاد من هذا الخبر موافق للقول الأخير، إلّا في شيئين: الأوّل، أنّه لا حاجة فيه إلى تقدير المضاف في الموضعين. لأنّ «صالحا» لـمـّـا كان صنفين، يمكن إرجاع ضمير التّثنية في «جعلا» وفي «آتاهما» إليه، باعتبار المعنى.
بخلاف ذلك القول، فإنّه قدّر المضاف في الموضعين.
والثّاني، أنّه جعل الشّرك عدم الشّكر على حدّ ما شكر أبواها. وهو أعمّ ممّا جعله هذا القائل عبارة منه.
( وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً ) ، أي: لعبدتهم.
( وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) (١٩٢): فيدفعون عنها ما يعتريها.
( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ) ، أي: المشركين.
( إِلَى الْهُدى ) : إلى الإسلام.
( لا يَتَّبِعُوكُمْ ) .
وقرأ(٢) نافع، بالتّخفيف.
وقيل(٣) : الخطاب للمشركين. و «هم» ضمير الأصنام، أي: إن تدعوهم إلى أن يهدوكم، لا يتّبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم، كما يجيبكم الله.
( سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ) (١٩٣): وإنّما لم يقل: «أم صمتّم» للمبالغة في عدم إفادة الدّعاء. من حيث أنّه مسوّى بالثّبات على الصّمات، أو لأنّه ما كانوا يدعونها لحوائجهم. فكأنّه قيل: سواء عليكم إحداثكم دعاءكم لهم واستمراركم على الصّمات عن دعائهم.
( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) ، أي: تعبدونهم، وتسمّونهم آلهة.
( عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) : من حيث أنّها مملوكة مسخّرة.
( فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١٩٤): أنّهم آلهة.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذكرا.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٨١.
ويحتمل أنّهم لـمـّـا نحتوها بصور الأناسيّ، قال لهم: إنّ قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فلا يستحقّون عبادتكم، كما لا يستحقّ بعضكم عبادة بعض. ثمّ عاد عليه بالنّقض فقال:( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ) وقرئ(١) : «إن الّذين». بتخفيف «إن»، ونصب «عباد». على أنّها نافية عملت عمل «ما» الحجازيّة، ولم يثبت مثله. و «يبطشون» بالضّمّ، ها هنا وفي القصص والدّخان.
( قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ) : واستعينوا بهم في عداوتي.
( ثُمَّ كِيدُونِ ) : فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي، أنتم وشركاؤكم.
( فَلا تُنْظِرُونِ ) (١٩٥): فلا تمهلوني. فإنّي لا أبالي بكم، لوثوقي على ولاية الله وحفظه.
( إِنَّ وَلِيِّيَ ) : حافظي وناصري.
( اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ ) : القرآن.
( وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) (١٩٦)، أي: ومن عادته ـ تعالى ـ أن يتولّى الصّالحين من عباده، فضلا عن أنبيائه.
( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) (١٩٧): من إتمام التّعليل، لعدم مبالاته بهم.
( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إلى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) (١٩٨): يشبهون النّاظرين إليك، بأنّهم صوّروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه.
( خُذِ الْعَفْوَ ) ، أي: خذ ما عفا لك من أفعال النّاس وتسهّل، ولا تطلب ما يشقّ عليهم.
ونحوه قوله ـ عليه السّلام ـ: يسّروا ولا تعسّروا.
من العفو، الّذي هو ضدّ الجهل.
أو خذ العفو من المذنبين، أو الفضل وما يسهّل من صدقاتهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الحسن(٣) بن عليّ بن النّعمان، عن أبيه، عمّن سمع أبا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨١.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٣، ح ٢٦.
(٣) كذا في النسخ وجامع الرواة ١ / ٢١٧، وفي المصدر: الحسين.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ وهو يقول: إنّ الله ـ تعالى ـ أدّب رسوله بذلك، أي: خذ منهم ما ظهر وما تيسّر.
وقال: «العفو» الوسط.
وفي من لا يحضره الفقيه(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال لرجل من ثقيف: إيّاك أن تضرب مسلما أو يهوديّا أو نصرانيّا في درهم خراج، أو تبيع دابّة عمله(٢) [في درهم](٣) فإنّا أمرنا أن نأخذ العفو.
( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) : المعروف المستحسن من الأفعال.
( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (١٩٩): فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم.
وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق، آمرة للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ باستجماعها.
في مجمع البيان(٤) : روي أنّه لـمـّـا نزلت هذه الآية، سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جبرائيل عن ذلك.
فقال: لا أدري، حتى أسأل العالم.
ثمّ أتاه فقال: يا محمّد، إنّ الله يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) .
وفي عيون الأخبار(٥) ، بإسناده إلى الحارث بن الدّلهاث، مولى الرّضا ـ عليه السّلام ـ. قال: سمعت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه، وسنّة من نبيّه، وسنّة من وليّه.
... إلى قوله: وأمّا السّنّة من نبيّه، فمداراة النّاس. [فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أمر نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمداراة النّاس](٦) فقال:( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) .
وفي جوامع الجامع(٧) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أمر الله نبيّه ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) الفقيه ٢ / ١٣.
(٢) المصدر: عمل.
(٣) من المصدر.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥١٢.
(٥) العيون ١ / ٢٥٦.
(٦) من المصدر.
(٧) جوامع الجامع / ١٦٣.
وآله ـ [بمكارم الأخلاق. وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها](١) .
( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ) : ينخسنّك منه نخس، أي: وسوسة، نحملك على خلاف ما أمرت به، كاعتراض غضب.
و «النّزغ» و «النّسغ» و «النّخس» الغرز. شبّه وسوسته للنّاس، إغراء لهم على المعاصي وإزعاجا، بغرز السّائق وما يسوقه.
وفي الجوامع: لـمـّـا نزلت الآية السّابقة، قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كيف، يا ربّ، والغضب؟ فنزلت.
( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ ) : يسمع استعاذتك.
( عَلِيمٌ ) (٢٠٠): يعلم ما فيه صلاح أمرك، فيحملك عليه. أو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها مغنيا إيّاك عن الانتقام ومتابعة الشّيطان.
والمراد بالنّزغ ومتابعة الشّيطان: ما ظاهر صورته ذلك، كالغضب. فإنّ غضب الشّيء، وإن لم يكن نزغة ومتابعة، لكن ظاهر صورته ذلك. ولهذا أمره بالاستعاذة يدلّ عليه الآية.
ويحتمل أن يكون الخطاب له ـ عليه السّلام ـ. والمراد الأمّة، كما في أكثر القرآن.
وفي كتاب الخصال(٢) : قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إذا وسوس الشّيطان لأحدكم، فليستعد(٣) بالله، وليقل: آمنت بالله وبرسوله مخلصا له الدّين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) :( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ) .
قال: إن عرض في قلبك منه شيء ووسوسة(٥) ،( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ) : لمّة(٦) منه. وهو اسم فاعل من: طاف يطوف. كأنّها طافت بهم ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثّر فيهم. أو من :
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بمدارة النّاس فقال: «خذ العفو» ـ إلى آخر الآية ـ. والظاهر أنّ الخطأ نشأ عند نقل الحديث من تفسير الصافي. فليراجع.
(٢) الخصال / ٦٢٤.
(٣) المصدر: إلى أحدكم، فليتعوّذ.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٢٥٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: وسوس.
(٦) اللمّة: الهمّة والخطرة تقع في القلب.
طاف به الخيال، يطيف طيفا.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائيّ ويعقوب: «طيف» على إنّه مصدر. أو تخفيف طيّف، كليّن وهيّن.
والمراد بالشّيطان: الجنس. ولذلك جمع ضمير «إخوانهم».
( تَذَكَّرُوا ) : ما أمر الله به ونهى عنه.
( فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (٢٠١): بسبب التّذكّر مواقع الخطأ ومكائد الشّيطان، فيحترزون عنها ولا يتبعونه فيها.
والآية تأكيد وتقرير لما قبلها.
وفي روضة الكافي(١) ، كلام لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في الوعظ والزّهد في الدّنيا. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: واحذروا، أيّها النّاس، من الذّنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذّركموها في كتابه الصّادق والبيان النّاطق. فلا تأمنوا مكر الله وتحذيره عند ما يدعوكم الشّيطان اللّعين إليه، من عاجل الشّهوات واللّذات في هذه الدّنيا.
فإن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) . فأشعروا [قلوبكم خوف](٢) الله، وتذكّروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما قد خوّفكم من شديد العقاب.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: ثلاث من أشدّ ما عمل العباد: إنصاف المؤمن من نفسه، ومواساة [المرء أخاه](٤) ، وذكر الله على كلّ حال. وهو أن يذكر الله عند المعصية [يهمّ بها، فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية](٥) . وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
وفي أصول الكافي(٦) : أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [قال :
__________________
(١) الكافي ٨ / ٧٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قلوبكم الله أنتم خوف.
(٣) الخصال / ١٣١، ح ٨.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: المؤاخاة.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٢ / ٤٣٤ ـ ٤٣٥، ح ٧.
سألته](١) عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
قال: هو العبد يهمّ بالذّنب ثمّ يتّذكر، فيمسك، فذلك قوله:( تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد الأعلى(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
قال: هو الذّنب يهمّ به العبد، فيتذكّر، فيدعه.
عن عليّ بن أبي حمزة(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
ما ذلك [الطائف](٥) ؟
فقال: هو السيّئ(٦) يهمّ به العبد، ثمّ يذكر الله، فيبصر ويقصر.
أبو بصير(٧) ، عنه قال: هو الرّجل يهمّ بالذّنب ثمّ يتذكّر فيدعه(٨) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : قال: إذا ذكّرهم الشّيطان المعاصي وحملهم عليها، يذكرون اسم الله( فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) .
( وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ ) ، أي: وإخوان الشّياطين الّذين لم يتّقوا يمدّهم الشّياطين.
( فِي الغَيِ ) : بالتّزيين، والحمل عليه.
وقرئ(١٠) : «يمدّونهم». من أمدّ.
وقرئ(١١) : «يمادّونهم»، كأنّهم يعينونهم بالتّسهيل والإغواء، وهؤلاء يعينونهم
__________________
(١) من المصدر.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٣ ـ ٤٤، ح ١٢٨.
(٣) المصدر: زيد بن أبي اسامة.
(٤) نفس المصدر ٢ / ٤٤، ح ١٢٩.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: شيء.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٠.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيه ويقصر.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٥٣.
(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٢.
(١١) نفس المصدر، والموضع.
بالاتّباع والامتثال.
( ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) (٢٠٢): لا يمسكون عن إغوائهم حتّى يردّوهم.
ويجوز أن يكون الضّمير «للإخوان»، أي: لا يكفّون عن الغيّ ولا يقصرون، كالمتّقين.
ويجوز أن يراد «بالإخوان»: الشّياطين. ويرجع الضّمير إلى الجاهلين، فيكون الخبر جاريا على ما هو له.
( وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ) : من القرآن، أو ممّا اقترحوه.
( قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ) : هلا جمعتها تقوّلا من نفسك، كسائر ما تقرأه. أو هلّا طلبتها من الله.
( قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ) : لست بمختلق للآيات، أو لست بمقترح لها.
( هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ) : هذا القرآن بصائر للقلوب، بها تبصر الحقّ وتدرك الصّواب.
( وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٢٠٣): سبق تفسيره.
( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (٢٠٤).
قيل(١) : نزلت في الصّلاة كانوا يتكلّمون فيها، فأمروا باستماع قراءة الإمام والإنصات له.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في خطبة يوم الجمعة الخطبة الأولى: الحمد لله نحمده ونستعينه ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ: إنّ كتاب الله أصدق الحديث وأحسن القصص. وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . [فاستمعوا طاعته](٣) ، وأنصتوا ابتغاء رحمته.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٣.
(٢) الكافي ٣ / ٤٢٢ ـ ٤٢٣.
(٣) المصدر: فاسمعوا طاعة [أ] لله.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: إذا كنت خلف [الإمام تأتمّ](٢) به، فأنصت، وسبّح في نفسك.
وعن الصّادق(٣) ـ عليه السّلام ـ: يجب الإنصات للقرآن في الصّلاة وفي غيرها.
وإذا قرئ عندك القرآن، وجب عليك الإنصات والاستماع.
وفي مجمع البيان(٤) : وروى زرارة، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: معناه: إذا كنت خلف إمام تأتمّ به، فأنصت وسبّح في نفسك فيما لا يجهر الإمام فيه بالقراءة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وفي رواية زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وإن كنت خلف إمام، فلا تقرأنّ شيئا في الأوّلتين، وأنصت لقراءته، ولا تقرأنّ شيئا في الأخيرتين. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول للمؤمنين:( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) ، يعني: في الفريضة خلف الإمام.( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . والأخيرتان تبعا للأوّلتين(٦) .
وفي تهذيب الأحكام(٧) ، بإسناده إلى جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنّه سئل عن القراءة(٨) خلف الإمام.
فقال: إذا [كنت خلف إمام تتولّاه](٩) وتثق به، فإنّه يجزيك قراءته. وإن أحببت أن تقرأ، فاقرأ فيما يخافت به. فإذا جهر، فأنصت. قال الله ـ تعالى ـ:( وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .
الحسين بن سعيد(١٠) ، عن حمّاد بن عيسى، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الرّجل يؤمّ القوم، وأنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة.
فقال: إذا سمعت كتاب الله يتلى، فأنصت له.
قيل: فإنّه يشهد عليّ بالشّرك.
قال: إن عصى الله، فأطع الله. فرددت عليه، فأبى أن يرخّص لي.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٤.
(٢) المصدر: إمام فأتم.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥١٥.
(٥) الفقيه ١ / ٢٥٦.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: للأوّليين.
(٧) التهذيب ٣ / ٣٣.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: القرآن.
(٩) من المصدر، وفي النسخ: كان الإمام تولّاه.
(١٠) التهذيب ٣ / ٣٥ ـ ٣٦.
قيل: أصليّ إذن في بيتي، ثمّ أخرج إليه.
فقال: أنت وذاك.
وقال: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ كان في صلاة الصّبح. فقرأ ابن الكواء وهو خلفه:( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (١) . فأنصت عليّ ـ عليه السّلام ـ تعظيما للقرآن حتّى فرغ من الآية. ثمّ عاد في قراءته. ثمّ أعاد ابن الكواء الآية. فأنصت عليّ ـ عليه السّلام ـ أيضا. ثمّ قرأ، فأعاد ابن الكواء. فأنصت عليّ ـ عليه السّلام ـ ثمّ قال:( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (٢) ثمّ أتمّ السّورة، ثمّ ركع.
قيل(٣) : هذان الحديثان وما في معناهما، ممّا يوافق ظاهر القرآن من عموم وجوب الاستماع والإنصات، محمول عند أصحابنا وعامّة الفقهاء على الاستحباب وتأكّده. بل قد ورد الأمر بالقراءة خلف المخالف، وإن سمعت قراءته، إذا لم تكن هناك تقيّة.
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ) : عامّ في الأذكار، من القراءة والدّعاء وغيرهما.
( تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) : متضرّعا وخائفا.
( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) : متكلّما كلاما فوق السّرّ، ودون الجهر. فإنّه أدخل في الخشوع والإخلاص.
( بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) : أوقات الغدوّ والعشيّات.
وقرئ: «الإيصال». وهو مصدر آصل: إذا دخل في الأصيل. مطابق للغدوّ.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: لا يكتب الملك إلّا ما سمع. وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) . فلا يعلم ثواب ذلك الذّكر في نفس الرّجل غير الله ـ عزّ وجلّ ـ لعظمته.
وبإسناده(٥) إلى أبي بصير: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في آخر حديث: ودعاء التّضرّع، أن تحرّك إصبعك السّبّابة مما يلي وجهك. وهو دعاء الخيفة.
__________________
(١) الزمر / ٦٥.
(٢) الروم / ٦٠.
(٣) تفسير الصّافي ٢ / ٢٦٣.
(٤) الكافي ٢ / ٥٠٢.
(٥) الكافي ٢ / ٤٨١.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن ابن فضّال، رفعه قال: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لعيسى ـ عليه السّلام ـ: اذكرني في نفسك، [أذكرك في نفسي](٢) واذكرني في ملئك، أذكرك(٣) في ملأ خير من ملأ الآدميّين.
وبإسناده(٤) إلى أبي المغرا الخصّاف، رفعه قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: من ذكر الله في السّرّ، فقد ذكر الله كثيرا. إنّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانيّة، ولا يذكرونه في السّرّ. فقال الله ـ تعالى ـ:( يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) (٥) .
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن إبراهيم بن عبد الحميد، رفعه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ) ، يعني: مستكينا. «وخيفة»، يعني :
خوفا من عذابه.( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) ، يعني: دون الجهر من القراءة( بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) [يعني: بالغداة](٧) بالغدوّ والعشيّ.
عن الحسين بن المختار(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) .
قال: تقول عند المساء: لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، ويميت ويحيي، وهو على كلّ شيء قدير(٩) .
قلت: بيده الخير.
[قال: إنّ بيده الخير](١٠) ولكن قل كما أقول لك عشر مرّات. وأعوذ بالله السّميع العليم من همزات الشّياطين( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) إن الله هو السميع العليم. [عشر مرّات حين تطلع الشمس وعشر مرّات حين تغرب.
عن محمّد بن مروان(١١) عن بعض أصحابه قال: قال جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ: قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون. إن الله
__________________
(١) الكافي ٢ / ٥٠٢.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: واذكرني.
(٤) الكافي ٢ / ٥٠١.
(٥) النساء / ١٤٢.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ٤٤. (٧) من المصدر. وفي النسخ: بالغدو. (٨) نفس المصدر ٢ / ٤٥، ح ١٣٦.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ قبل العبارة الأخيرة هذه الزيادة: وهو حي لا يموت بيده الخير.
(١٠) من المصدر. (١١) نفس المصدر والموضع، ح ١٣٧.
هو السميع العليم. و](١) قل: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو على كلّ شيء قدير.
فقال له الرّجل: مفروض هو؟
قال: نعم، مفروض هو محدود. تقوله قبل طلوع الشّمس، وقبل الغروب عشر مرّات. فإن فاتك شيء منها، فاقضه من اللّيل والنّهار.
وفي كتاب الخصال(٢) : حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زبيرة القطّان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه قال: حدّثنا إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها ) (٣) .
فقال ـ عليه السّلام ـ: فريضة على كلّ مسلم أن يقول قبل طلوع الشّمس عشر مرّات: [وقبل غروبها عشر مرّات](٤) لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير.
قال: فقلت: لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي.
فقال: [يا](٥) هذا، لا شكّ في أنّ الله يحيي ويميت ويميت ويحيي. ولكن قل كما أقول(٦) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) :( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) قال: في الظّهر والعصر.( دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) قال: بالغداة والعشيّ(٨) .
( وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ) (٢٠٥): عن ذكر الله.
وفي الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أيّما مؤمن حافظ على الصلوات
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخصال / ٤٥٢.
(٣) طه / ١٣٠.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قلت.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٢٥٤.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: نصف النهار.
(٩) الكافي ٣ / ٢٧٠.
المفروضة فصلّاها لوقتها، فليس هذا من الغافلين.
محمّد بن يحيى(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من كان معه كفنه في بيته، لم يكتب من الغافلين. وكان مأجورا كلّما نظر إليه.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال لقمان لابنه: يا بنيّ، لكلّ شيء علامة يعرف بها ويشهد عليها ـ إلى أن قال ـ: وللغافل ثلاث علامات: اللهو، والسّهو، والنّسيان.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٣) ، بإسناده إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قرأ عشر آيات في ليلة، لم يكتب من الغافلين.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل عن الفارّين. والمقاتل عن الفارّين له الجنّة.
( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) قيل: يعني: الملائكة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، يعني: الأنبياء والرّسل والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ ) : وينزّهونه.
( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) (٢٠٦): ويخصّونه بالعبادة والتّذلّل، لا يشركون به غيره. هذا أول سجدات القرآن.
وفي الحديث(٦) : إذا قرأ ابن آدم السّجدة فسجد، اعتزل الشّيطان يبكي ويقول: يا ويله، امر هذا بالسّجود فسجد، فله الجنّة. وأمرت بالسّجود فعصيت، فلي النّار.
__________________
(١) الكافي ٣ / ٢٥٦.
(٢) الخصال / ١٢١ ـ ١٢٢.
(٣) ثواب الأعمال / ١٢٩.
(٤) الكافي ٢ / ٥٠٢.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٢٥٤.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٣.
تفسير سورة الانفال
سورة الأنفال
وهي مكّيّة(١) . وهي ستّ وسبعون آية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
في تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: من قرأ سورة الأنفال وسورة براءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق أبدا. وكان من شيعة أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ [حقّا](٣) ويأكل(٤) يوم القيامة من موائد الجنّة مع شيعته، حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٥) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة الأنفال وسورة براءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق أبدا. وكان من شيعة أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(٦) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من
__________________
(١) بل مدنيّة. كما قال البيضاوي في أنوار التنزيل ١ / ٣٨٣، والطبرسي في مجمع البيان ٢ / ٥١٦.
وذكر في المجمع: «غير سبع آيات نزلت بمكّة: «وإذ يمكر بك الّذين كفروا» ـ إلى آخرهنّ». وكذلك في تفسير الصّافي ٢ / ٢٦٦.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٦، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: أكل.
(٥) ثواب الأعمال / ١٣٢، ح ١.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٥١٦.
قرأ سورة الأنفال وبراءة، فأنا شفيع له وشاهد يوم القيامة أنّه بريء من النّفاق. واعطي من الأجر بعدد كلّ منافق ومنافقة في [دار](١) الدّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات [ورفع له عشر درجات](٢) . وكان العرش وحملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدّنيا.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) ، أي: الغنائم، يعني: حكمها.
وإنّما سمّيت الغنيمة نقلا، لأنّها عطيّة من الله ـ تعالى ـ وفضل، كما سمّي به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر: عطيّة له، وزيادة على سهمه.
وفي مجمع البيان(٣) : قرأ السّجاد والباقر والصّادق ـ عليهم السّلام ـ: «يسألونك الأنفال».
يعني: أن يعطيهم.
وقرئ: «يسألونك علنفال» بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللّام، وإدغام نون «عن» فيها.
( قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) : مختصّة بهما يضعانها حيث شاءا.
وفي التّهذيب(٤) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: «الفيء والأنفال» ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم(٥) ، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة(٦) أو بطون أودية. فهو كلّه من الفيء والأنفال(٧) . فهذا كلّه لله ولرسوله. فما كان لله، فهو لرسوله يضعه حيث شاء. وهو للإمام بعد الرّسول.
وفيه(٨) : محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد قال: حدّثنا بعض أصحابنا، رفع الحديث فقال: «الخمس» من خمسة أشياء: من الكنوز، والمعدن(٩) ، والغوص، والمغنم الّذي يقاتل عليه ولم يحفظ عليه الخامس، وما كان من فتح لم يقاتل عليه ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب إلّا أنّ أصحابنا يأتونه فيعاملون عليه، فكيف ما عاملهم، عليه النّصف أو الثّلث أو الرّبع، أو ما كان يسهم له خاصّة وليس لأحد فيه شيء إلّا ما أعطاه هو منه. وبطون الأودية ورؤوس الجبال والموات كلّها هي له. وهو قوله ـ تعالى ـ :
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥١٦ و ٥١٧.
(٤) التهذيب ٤ / ١٣٤.
(٥) المصدر: الدماء.
(٦) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جزية.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) التهذيب ٤ / ١٢٦ ـ ١٢٧.
(٩) المصدر: المعادن.
( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) أن تعطيهم منه. قال:( قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) . وليس هو( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) (١) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الأنفال» ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكلّ أرض خربة(٣) أو بطون الأودية.
فهو لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن رفاعة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في الرّجل يموت ولا وارث له ولا موالي(٥) .
قال: هو من أهل هذه الآية( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) .
[عدّة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: «الأنفال» هو النّفل. وفي سورة الأنفال يقال جدع الأنف(٧) .
عليّ بن إبراهيم(٨) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن شعيب، عن أبي الصّباح قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: نحن قوم فرض الله طاعتنا. لنا الأنفال ولنا صفو المال](٩) .
وفي الجوامع(١٠) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «الأنفال» كلّما أخذ من دار
__________________
(١) قال الفيض ـ رحمه الله ـ: يعني: ليس المعنى: يسألونك عن حقيقة الأنفال. وإنّما المعنى: يسألونك أن تعطيهم من الأنفال.
(٢) الكافي ١ / ٥٣٩، ح ٣.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جزية.
(٤) الكافي ١ / ٥٤٦، ح ١٨.
(٥) المصدر: مولى.
(٦) الكافي ١ / ٥٤٣ ـ ٥٤٤، ح ٦.
(٧) جدعه: قطع أنفه. ولعلّ الوجه في كلامه ـ عليه السّلام ـ هو اشتمال السورة على ذكر الخمس لذوي القربى، فهذا قطع أنف المخالفين الجاحدين لحقوقهم ـ عليهم السّلام ـ.
(٨) الكافي ١ / ٥٤٦، ح ١٧.
(٩) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(١٠) جوامع الجامع / ١٦٤.
الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال ـ أيضا ـ وسمّاها الفقهاء: فيئا ـ [والأرضون الموات](١) ، والآجام، وبطون الأودية، وقطائع الملوك، وميراث من لا وارث له. وهي لله وللرّسول ولمن قام مقامه بعده.
وفي الكافي(٢) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمّد الحلبي، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) .
قال: من مات وليس له موالي(٣) ، فما له من الأنفال.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من مات وليس له موالي، فما له من الأنفال.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن سهل بن زياد ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.
قال: من مات وليس له وارث من قرابة(٦) ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته، فما له من الأنفال.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «الأنفال» ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
عن عبد الله بن سنان(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الأنفال.
قال: هي القرى الّتي قد جلا أهلها وهلكوا، فخربت. فهي لله وللرّسول.
عن أبي أسامة بن زيد(٩) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الأنفال.
فقال: هو كلّ أرض خربة(١٠) ، وكلّ أرض لم يوجف عليها خيل ولا ركاب.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٧ / ١٦٩، ح ٤.
(٣) المصدر: مولى.
(٤) الكافي ٧ / ١٦٨، ح ١.
(٥) الكافي ٧ / ١٦٩، ح ١.
(٦) المصدر: قرابته.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٧، ح ٥.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٧، ح ٦.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٧، ح ١٠.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جزية.
عن أبي بصير(١) قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: لنا الأنفال.
قلت: وما الأنفال؟
قال: منها المعادن، والآجام، وكلّ أرض لا ربّ لها، وكلّ أرض باد أهلها.
فهو لنا.
عن أبي حمزة الثّمالي(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول، في الملوك الّذين يقطعون النّاس: من الفيء والأنفال وأشباه ذلك.
وفي رواية أخرى(٣) ، عن الثّماليّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) .
قال: ما كان للملوك، [فهو للإمام.
عن سماعة بن مهران(٤) قال: سألته عن الأنفال. قال: كلّ أرض خربة وأشياء كانت تكون للملوك](٥) فذلك خاصّ للإمام. ليس للنّاس فيه سهم. قال: ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.
عن داود بن فرقد(٦) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: الأنفال؟
قال: بطون الأودية، ورؤوس الجبال، والآجام، والمعادن، وكلّ أرض لم يوجف عليها خيل ولا ركاب، وكلّ أرض ميتة قد جلا أهلها، وقطائع الملوك.
عن أبي مريم الأنصاري(٧) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) .
قال: سهم(٨) لله وسهم للرّسول.
قال: قلت: فلمن سهم الله؟
فقال: للمسلمين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٨، ح ١١.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٨، ح ١٦.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٨، ح ١٧.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٨، ح ١٨.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٩، ح ٢١.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٩، ح ٢٢.
(٨) «ر»: فأسهم.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥.
عثمان، عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الأنفال.
فقال: هي القرى الّتي قد خربت وانجلى أهلها، فهي لله وللرّسول. وما كان للملوك، فهو للإمام. وما كان من أرض خربة(١) لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكلّ أرض لا ربّ لها، والمعادن، ومن مات وليس له مولى، فماله من الأنفال.
وقال: نزلت يوم بدر لـمـّـا انهزم النّاس. كان أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على ثلاث فرق: فصنف كانوا عند خيمة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وصنف أغاروا على النّهب، وفرقة طلبت العدوّ وأسروا وغنموا.
فلمّا جمعوا الغنائم والأسارى، تكلّمت الأنصار في الأسارى. فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ:( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) (٢) .
فلمّا أباح الله لهم الأسارى والغنائم، تكلّم سعد بن معاذ وكان ممّن أقام عند خيمة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، ما منعنا أن نطلب العدوّ زهادة في الجهاد ولا جبنا من العدوّ، ولكنّا خفنا أن يغزى موضعك فتميل(٣) عليك خيل المشركين.
وقد أقام عند الخيمة وجوه المهاجرين والأنصار، ولم يشك أحد منهم. والنّاس كثير [يا رسول الله](٤) والغنائم قليلة. ومتى تعطي(٥) هؤلاء، لم يبق لأصحابك شيء.
وخاف أن يقسّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الغنائم وأسلاب القتلى بين من قاتل، ولا يعطي من تخلف على(٦) خيمة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ شيئا. فاختلفوا فيما بينهم حتّى سألوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقالوا: لمن هذه الغنائم؟
فأنزل الله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ: الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) .
فرجع النّاس وليس لهم في الغنيمة شيء. ثمّ أنزل الله بعد ذلك( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية)(٧) . فقسّمه(٨) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بينهم.
فقال سعد بن أبي وقّاص: يا رسول الله، أتعطي فارس القوم الّذي يحميهم مثل ما تعطي الضّعيف؟
__________________
(١) المصدر: الجزية.
(٢) الأنفال / ٦٧.
(٣) هكذا في المصدر، وفي النسخ: فيميل.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: يعطى.
(٦) المصدر: عليه عند خيمة
(٧) الأنفال / ٤١.
(٨) المصدر: فقسّم.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ثكلتك أمّك، وهل تنصرون إلّا بضعفائكم؟
قال: فلم يخمّس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ببدر، وقسّم بين أصحابه ثم استقبل يأخذ الخمس بعد بدر، [فأنزل الله قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ) بعد انقضاء حرب بدر. وقد كتب ذلك في أوّل السّورة، وكتب بعده خروج النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الحرب](١) .
( فَاتَّقُوا اللهَ ) : في الاختلاف والمشاجرة.
( وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) : الحالة الّتي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله والرّسول.
( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) : فيه.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١): فإنّ الإيمان يقتضي ذلك. أو أن كنتم كاملي الإيمان، فإنّ كمال الإيمان بهذه الثّلاثة: طاعة الأوامر، والاتّقاء عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان.
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) ، أي: الكاملون في الإيمان.
( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) : فزعت لذكره، استعظاما له، وتهيّبا من جلاله.
وقيل(٢) : هو الرّجل يهمّ بمعصية، فيقال له: اتّق الله. فينزع عنها خوفا من عقابه.
وقرئ(٣) : «وجلت» بالفتح. وهي لغة. و «فرقت»، أي: خافت.
( وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ) : لزيادة المؤمن به. أو لأطمئنان النّفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلّة، بناء على أنّ اليقين يقيل التّشكيك. أو بالعمل بموجبها، وهو قول من قال: الإيمان يزيد بالطّاعة وينقص، بالمعصية، بناء على أنّ العمل داخل فيه.
( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (٢): يفوّضون إليه أمورهم، ولا يخشون ولا يرجون إلّا إيّاه.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٤.
(٣) نفس المصدر والموضع.
( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) : لأنّهم حقّقوا إيمانهم، بأن ضمّوا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص. والتوكّل، ومحاسن أفعال الجوارح الّتي هي العيار عليها من الصّلاة والصّدقة.
و «حقّا» صفة مصدر محذوف، أي: إيمانا حقّا. أو مصدر مؤكّد، كقوله: هو عبد الله حقّا.
( لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) : كرامة وعلوّ منزلة.
وقيل: درجات الجنّة يرتقونها بأعمالهم(١) .
( وَمَغْفِرَةٌ ) : لما فرط منهم.
( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (٤): اعدّ لهم في الجنّة، لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : نزلت في أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ، وأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد.
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند الله، وبالنّقصان دخل المفرطون النّار.
ويأتي صدر الحديث في أواخر سورة التّوبة إن شاء الله.
( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) : خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال في كراهتهم إيّاها، كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له.
أو صفة مصدر للفعل المقدّر في قوله: «لله والرّسول»، أي: الأنفال ثبتت لله والرّسول، مع كراهتهم، ثباتا، مثل ثبات إخراجك ربّك من بيتك، يعني المدينة. لأنّها مهاجره ومسكنه. أو بيّته فيها مع كراهتهم.
( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ) (٥): في موقع الحال.
قيل(٤) : يعني: حالهم هذه في كراهة ما حكم الله في الأنفال، مثل حالهم في
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٤.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٥٥.
(٣) الكافي ٢ / ٣٧، ح ١.
(٤) تفسير الصافي ٢ / ٢٦٩.
كراهة خروجك من بيتك للحرب.
وفي مجمع البيان(١) : في حديث أبي حمزة: فالله ناصرك، كما أخرجك من بيتك.
( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ ) : في إيثارك الجهاد، إظهارا للحقّ لإيثارهم تلقّي العير عليه.
( بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) : أنّهم ينصرون أينما توجّهوا بإعلام الرّسول.
( كَأَنَّما يُساقُونَ إلى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) (٦)، أي: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه. وكان ذلك لقلّة عددهم، وعدم تأهّبهم.
إذ نقل: أنّهم كانوا رجّالة، وما كان فيهم إلّا فارسان. وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم إنّما كانت لفرط فزعهم ورعبهم(٢) .
( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ) : على إضمار «اذكر».
و «إحدى» ثاني مفعولي «يعدكم». وقد أبدل عنهما.
( أَنَّها لَكُمْ ) : بدل الاشتمال.
( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) ، يعني: العير. فإنّه لم يكن فيها إلّا أربعون فارسا. ولذلك يتمنّونها ويكرهون ملاقاة النّفير، لكثرة عددهم وعدّتهم.
و «الشّوكة» الحدّة. مستعارة من حدّة الشّوك.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: «ذات(٤) الشّوكة» الّتي فيها القتال.
( وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ ) : أن يثبته ويغلبه.
( بِكَلِماتِهِ ) : الموحى بها في هذه الحال. أو بأوامره للملائكة بالإمداد.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: «الكلمات» الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
وقرئ(٦) : «بكلمته».
( وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) (٧): ويستأصلهم.
والمعنى: أنّكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها، والله يريد إعلاء الدّين
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٥٢١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٦.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٤٩ ـ ٥٠، ح ٢٣.
(٤) المصدر: فقال: الشوكة .
(٥) تفسير القمّي ١ / ٢٧٠.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٦.
وإظهار الحقّ وما يحصل لكم فوز الدّارين.
( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) ، أي: فعل ما فعل. وليس بتكرير. لأنّ الأوّل لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التّفاوت، والثّاني لبيان الدّاعي إلى حمل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على اختيار ذات الشّوكة ونصره عليها.
( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (٨): ذلك.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن جابر قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن تفسير هذه الآية في قول الله:( يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) .
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: تفسيرها في الباطن( يُرِيدُ اللهُ ) ، فإنّه شيء يريده(٢) ولم يفعله بعد. وأمّا قوله:( يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ ) ، فإنّه يعني: يحقّ حقّ آل محمّد. وأمّا قوله ـ سبحانه ـ: «بكلماته» قال: بكلماته(٣) في الباطن عليّ، هو كلمة الله في الباطن.
وأمّا قوله:( وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) فهو(٤) بنو أميّة، هم الكافرون، يقطع الله دابرهم.
وأمّا قوله: «ليحقّ الحقّ» فإنّه يعني حقّ آل محمّد حين يقوم القائم ـ عليه السّلام ـ. وأمّا قوله:( وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) ، يعني القائم. فإذا قام يبطل بني أميّة(٥) . وذلك [قوله](٦) ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) .
( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) : بدل من «إذ يعدكم». أو متعلّق بقوله: «ليحقّ الحقّ». أو على إضمار «اذكر». واستغاثتهم لـمـّـا علموا أنّ لا محيص من القتال.
وفي مجمع البيان(٧) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمـّـا نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين، استقبل القبلة وقال: أللّهمّ، أنجز لي ما وعدتني. أللّهمّ، إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض. فما زال يهتف به(٨) ، مادّا يديه، حتّى سقط رداؤه عن منكبه. فأنزل الله ـ تعالى ـ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) (الآية).
( فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ) : بأنّي ممدّكم. فحذف الجارّ، وسلط عليه
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٠، ح ٢٤.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: فإنّه يريد و....
(٣) المصدر: كلماته.
(٤) المصدر: فهم.
(٥) المصدر: «باطل بني اميّة» بدل «بني اميّة».
(٦) من المصدر.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٥٢٥. (٨) المصدر: ربّه.
الفعل.
وقرأ(١) أبو عمرو، بالكسر، على إرادة القول. أو إجراء «استجاب» مجرى «قال»، لأنّ الاستجابة من القول.
( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (٩): متبعين المؤمنين، أو بعضهم بعضا. من أردفته: إذا جئت بعده. أو متّبعين بعضهم بعض المؤمنين، أو أنفسهم المؤمنين. من أردفته إيّاه، فردفه.
وقرأ(٢) نافع ويعقوب، بفتح الدّال، أي: متّبعين، أو متّبعين. بمعنى: أنّهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم.
وقرئ(٣) : «مردفين» بكسر الرّاء، وضمّها. وأصله، مرتدفين بمعنى: مترادفين.
فأدغمت التّاء في الدّال، فالتقى ساكنان، فحرّكت الرّاء بالكسر على الأصل أو بالضّمّ على الإتباع.
وقرئ(٤) : «بآلاف» ليوافق ما في سورة آل عمران. ووجه التّوفيق بينه وبين المشهور، أنّ المراد بالألف الّذين كانوا على المقدّمة، أو السّاقة، أو وجوههم وأعيانهم، أو من قاتل منهم.
( وَما جَعَلَهُ اللهُ ) ، أي: الإمداد.
( إِلَّا بُشْرى ) ، أي: إلّا بشارة لكم بالنّصر.
( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) : فيزول ما بها من الوجل، لقلّتكم وذلّتكم.
( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (١٠): وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوها وسائط لا تأثير لها. فلا تحسبوا النّصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها.
( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ) : بدل ثان من «إذ يعدكم»، لإظهار نعمة ثالثة. أو متعلّق «بالنّصر». أو بما في «عند الله» من معنى الفعل. أو «بجعل»، أو بإضمار «اذكر».
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٦.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) نفس المصدر، والموضع.
وقرأ(١) نافع، بالتّخفيف. من أغشيته الشّيء: إذا غشيته إيّاه. والفاعل على القراءتين، هو الله ـ تعالى ـ.
وقرأ(٢) ابن كثير وأبو عمرو: «يغشاكم النّعاس» بالرّفع.
( أَمَنَةً مِنْهُ ) : أمنا من الله. وهو مفعول له، باعتبار المعنى. فإنّ قوله:( يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ) يتضمّن معنى: تنعسون. ويغشاكم بمعناه.
و «الأمنة» فعل لفاعله. ويجوز أن يراد بها الإيمان، فيكون فعل المغشيّ. وأن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النّعاس على المجاز. لأنّها لأصحابه، أو لأنّه كان من حقّه أن لا يغشاهم لشدّة الخوف. فلمّا غشيهم فكأنّه حصلت لهم أمنة من الله، لولاها لم يغشيهم، كقوله: يهاب النّوم أن يغشى عيونا تهابك فهو نفّار شرور.
وقرئ(٣) : «أمنة»، كرحمة. وهي لغة.
( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) : من الحدث والجنابة.
وفي الكافي(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ [قال: قال أمير المؤمنين](٥) اشربوا ماء السّماء، فإنّه يطهّر البدن، ويدفع الأقسام. ثمّ تلا هذه الآية.
ومثله في كتاب الخصال(٦) .
( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) ، يعني: الجنابة. لأنّها من تخييله، أو وسوسته وتخويفه إيّاهم من العطش.
إذ نقل(٧) : أنّهم نزلوا في كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام على غير ماء. وناموا، فاحتلم أكثرهم. وقد غلب المشركون على الماء. فوسوس إليهم الشّيطان، وقال: كيف تنصرون وقد غلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنّكم أولياء الله، وفيكم رسوله؟ فأشفقوا. فأنزل الله المطر، فمطروا [ليلا](٨) حتّى جرى الوادي. واتّخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الرّكاب، واغتسلوا، وتوضّئوا. وتلبّد الرّمل الّذي بينهم
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٧.
(٢) نفس المصدر، والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٧.
(٤) الكافي ٦ / ٣٨٧ ـ ٣٨٨، ح ٢.
(٥) من المصدر.
(٦) الخصال / ٦٣٦ ـ ٦٣٧.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٧.
(٨) من المصدر.
وبين العدوّ، حتّى ثبتت عليه الأقدام وزالت [وسوسة الشّيطان](١) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) .
قال: لا يدخلنا ما يدخل النّاس من الشّكّ.
( وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ) : بالوثوق على لطف الله بكم.
( وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ) (١١)، أي: بالمطر، حتّى لا تسوخ في الرّمل. أو بالرّبط على القلوب، حتّى يثبت في المعركة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن جابر، عن أبي [عبد الله](٤) جعفر [بن محمّد](٥) ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية في البطن [وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشّيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام](٦) .
قال: «فالسّماء» في الباطن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و «الماء» عليّ.
جعل الله عليّا من رسول الله. فذلك قوله:( لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) . فذلك عليّ يطهّر الله به قلب من والاه. وأمّا قوله:( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) من والى عليّا، يذهب الرجز عنه ويقوى عليه.( وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ) فإنّه يعني: عليّا. من والى عليّا، يربط الله على قلبه بعليّ، فيثبت على ولايته.
( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ ) : بدل ثالث. أو متعلّق «بيثبّت».
( إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ) : في إعانتهم وتثبيتهم. وهو مفعول «يوحي».
وقرئ(٧) بالكسر، على إرادة القول. أو إجراء الوحي مجراه.
( فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) : بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم.
فيكون قوله:( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) كالتفسير لقوله: «أنّي معكم فثبّتوا». وفيه دليل على أنّهم قاتلوا.
ومن منع ذلك، جعل الخطاب فيه مع المؤمنين. إمّا على تغيير الخطاب، أو على أنّ قوله: «سألقي» إلى قوله: «كلّ بنان» تلقين للملائكة ما يثبّتون المؤمنين به، كأنّه
__________________
(١) المصدر: الوسوسة.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٠، ح ٢٧.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٠، ح ٢٥.
(١ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٧.
قال: قولوا لهم قولي هذا.
( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ) : أعاليها، الّتي هي المذابح والرّؤوس.
( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) (١٢)، أي: الأصابع، أي: جزّوا رقابهم، واقطعوا أطرافهم.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى الضّرب، أو الأمر به. والخطاب للرّسول، أو لكلّ أحد من المخاطبين.
( بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) : بسبب مشاقّتهم لهما.
واشتقاقه من الشّقّ، لأنّ كلا من المتعاندين في شقّ خلاف شقّ الآخر، كالمعاداة، من العدوّ. والمخاصمة، من الخصم. وهو الجانب.
( وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (١٣): تقرير للتّعليل. أو وعيد بما أعدّ لهم في الآخرة، بعد ما حاق بهم في الدّنيا.
( ذلِكُمْ ) : الخطاب فيه مع الكفرة، على طريقة الالتفات.
ومحلّه الرّفع، أي: الأمر ذلكم، أو «ذلكم» واقع. أو نصب بفعل دلّ عليه( فَذُوقُوهُ ) أو غيره، مثل باشروا. أو عليكم، لتكون الفاء عاطفة.
( وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ) (١٤): عطف على «ذلكم». أو نصب على المفعول معه.
والمعنى: ذوقوا ما عجّل لكم، مع ما أعدّ لكم في الآخرة.
ووضع الظّاهر فيه موضع المضمر، للدّلالة على أنّ الكفر سبب العذاب الآجل، أو الجمع بينهما.
وقرئ(١) : «إنّ» بالكسر، على الاستئناف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : كان سبب نزول(٣) ذلك، أنّ عيرا لقريش خرجت إلى الشّام فيها خزائنهم. فأمر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أصحابه بالخروج، ليأخذوها فأخبرهم أنّ الله قد وعده إحدى الطّائفتين: إمّا العير، أو قريش إن ظفر(٤) بهم. فخرج في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٨.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٢٥٦ ـ ٢٧٠.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: أظفر.
فلمّا قارب بدرا(١) ، كان أبو سفيان في العير. فلمّا بلغه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد خرج يتعرّض العير، خاف خوفا شديدا ومضى إلى الشّام.
فلمّا وافى النّقرة(٢) ، اكترى ضمضم بن عمرو الحرّاعي(٣) بعشرة دنانير، وأعطاه قلوصا(٤) ، وقال له: امض إلى قريش، وأخبرهم أنّ محمّدا والصّباة(٥) من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم، فأدركوا العير. وأوصاه أن يخرم ناقته ويقطع أذنها حتّى يسيل الدّم، ويشقّ ثوبه من قبل ودبر فإذا دخل مكّة ولّى وجهه إلى ذنب البعير، وصاح بأعلى صوته: يا آل غالب يا آل غالب(٦) ، اللّطيمة اللّطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا وما أراكم تدركون، فإنّ محمّدا والصّباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم.
فخرج ضمضم يبادر إلى مكّة.
ورأت عاتكة بنت عبد المطّلب، قبل قدوم ضمضم، في منامها بثلاثة أيّام كأنّ راكبا قد دخل مكّة ينادي: يا آل عذر يا آل فهر(٧) ، أغدوا إلى مصارعكم صبح ثالث. ثمّ وافى بحمله على أبي قبيس، فأخذ حجرا فدهدهه(٨) من الجبل، فما ترك دارا(٩) من دور قريش إلّا أصابه منه فلذة. وكأنّ وادي مكّة قد سال من أسفله دما.
فانتبهت ذعرة. فأخبرت العبّاس بذلك. فأخبر العبّاس عتبة بن ربيعة.
فقال عتبة: هذه(١٠) مصيبة تحدث في قريش.
وفشت الرّؤيا في قريش. فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: ما رأت عاتكة هذه الرّؤيا، وهذه نبيّة ثانية في بني عبد المطّلب! واللّات والعزّى، لننظرنّ(١١) ثلاثة أيّام، فإن كان ما رأت حقّا فهو، كما رأت. وإن كان غير ذلك، لنكتبنّ بيننا كتابا، أنّه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ونساء من بني هاشم.
__________________
(١) المصدر: بدر.
(٢) النّقرة: موضع في طريق مكّة. كما قاله الحموي. وفي المصدر: «البهرة». قال الفيروزآبادي: البهرة: موضع بنواحي المدينة.
(٣) المصدر: ضمضم الخزاعي.
(٤) القلوص من الإبل: الشابّة.
(٥) الصّباة: جمع الصابي، وهو: الّذي خرج من دين إلى دين آخر.
(٦) المكرّر ليس في المصدر.
(٧) كذا في المصدر، وفي النسخ: عذر.
(٨) المصدر: فدهده.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) المصدر: لننتظر.
فلمّا مضى يوم، قال أبو جهل: هذا يوم قد مضى. فلمّا كان اليوم الثّاني، قال أبو جهل: هذان يومان قد مضيا. فلمّا كان اليوم الثّالث، وافى ضمضم ينادي في الوادي: يا آل غالب يا آل غالب، اللّطيمة اللّطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا وما أراكم تدركون، فإنّ محمّدا والصّباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم الّتي فيها خزائنكم.
فتصايح النّاس بمكّة، وتهيّؤوا للخروج. وقام سهيل بن عمرو، وصفوان بن أميّة، وأبو البختريّ بن هشام، ومنبّه ونبيه، ابنا الحجّاج، ونوفل بن خويلد، فقالوا(١) : يا معشر قريش، والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه. أن يطمع محمّد والصّباة من(٢) أهل يثرب، أن يتعرّضوا لعيركم الّتي فيها خزائنكم. فو الله، ما قرشيّ ولا قرشيّة إلّا ولهما(٣) في هذا العير نشّ(٤) فصاعدا. وإنّه للذّل والصّغار أن يطمع محمّد في أموالكم، فيفرق بينكم وبين متجركم، فاخرجوا.
وأخرج صفوان بن أميّة خمسمائة دينار، وجهّز بها. وأخرج سهيل بن عمرو [خمسمائة](٥) وما بقي أحد من عظماء قريش، إلّا أخرجوا مالا وحملوا وقودا(٦) . وخرجوا على الصّعب والذّلول لا يملكون أنفسهم، كما قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ ) (٧) .
وخرج معهم العبّاس بن عبد المطّلب، ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب.
وأخرجوا معهم المغنّيات، يشربون الخمر ويضربون بالدّفوف. وخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
فلمّا كان بقرب بدر على ليلة منها، بعث بشير بن أبي الرّغباء(٨) ومحمّد بن عمير(٩) يتجسّسان خبر العير. فأتيا ماء بدر، فأناخا راحلتيهما، واستعذبا من الماء. وسمعا جاريتين، قد تشبّثت إحداهما بالأخرى تطالبها بدرهم كان لها عليها. فقالت: عير
__________________
(١) المصدر: قال.
(٢) المصدر: عن.
(٣) المصدر: لها.
(٤) النشّ: نصف الأوقية. وفي المصدر: شيء
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: وقووا.
(٧) الأنفال / ٤٧.
(٨) المصدر: الرعبا (الدعناء ـ خ ل)
(٩) المصدر: مجد بن عمرو.
قريش نزلت أمس في موضع كذا، وهي تنزل غدا ها هنا وأنا أعمل لهم وأقضيك.
فرجعا، فأخبراه بما سمعا.
فأقبل أبو سفيان بالعير. فلمّا شارف بدرا، تقدّم العير وأقبل وحده حتّى انتهى إلى ماء بدر. وكان بها رجل من جهينة(١) يقال له: كسب الجهنيّ.
فقال له: يا كسب، هل لك علم بمحمّد وأصحابه؟
قال: لا.
قال: واللّات والعزّى، لئن كتمتنا أمر محمّد، لا تزال لك قريش معادية آخر الدّهر. فإنّه ليس أحد من قريش، إلّا وله في هذه العير النش(٢) فصاعدا. فلا تكتمني.
فقال: والله، مالي علم بمحمّد [وما بال محمّد](٣) وأصحابه بالتّجّار؟ إلّا أنّي رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا، فاستعذبا من الماء، وأناخا راحلتيهما ورجعا. فلا أدري من هما.
فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما، ففتّ أبعار الإبل بيده، فوجد فيها النّوى. فقال: هذه علائف يثرب، هؤلاء ـ والله(٤) ـ عيون محمّد. فرجع مسرعا، وأمر بالعير، فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومرّوا مسرعين.
ونزل جبرائيل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأخبره أنّ العير قد أفلتت، وأنّ قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها. وأمره بالقتال، ووعده النّصر. وكان نازلا ماء بالصّفراء(٥) . فأحبّ أن يبلو الأنصار، لأنّهم إنّما وعدوه أن ينصروه في الدّار. فأخبرهم أنّ العير قد جازت، وأنّ قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، وأنّ الله قد أمرني بمحاربتهم.
فجزع أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من ذلك. وخافوا خوفا شديدا. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أشيروا عليّ.
فقام أبو بكر، فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها. ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلّت منذ عزّت، ولم نخرج على هيئة الحرب.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ له: اجلس.
__________________
(١) المصدر: جهينيّة.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: نشر.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) قرية بين جبلين.
فجلس.
فقال: أشيروا عليّ.
فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر.
فقال: اجلس.
ثمّ قام المقداد، فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها.
وإنّا قد آمنّا بك، وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله. ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا(١) وشوك الهراس(٢) ، لخضنا معك. ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى:( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) (٣) . ولكنّا نقول: اذهب أنت وربّك فقاتلا، إنّا معكما مقاتلون.
فجزاه النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ خيرا. ثمّ جلس.
ثمّ قال: أشيروا عليّ.
فقام سعد بن معاذ، فقال: بأبي أنت وأمّي، يا رسول الله، كأنّك أردتنا؟
قال: نعم.
قال: فلعلّك خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟ [قال: نعم](٤) .
قال: بأبي أنت وأمّي، يا رسول الله، إنّنا قد آمنا بك وصدّقناك و(٥) شهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله. فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منه ما شئت. والّذي أخذت منه أحبّ إليّ من الّذي [تركت منه](٦) . والله، لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك. [فجزاه خيرا](٧) .
ثمّ قال [سعد](٨) : بأبي أنت وأمّي، يا رسول الله، [والله](٩) ما خضت هذا الطّريق قطّ وما لي به علم. وقد خلّفنا بالمدينة قوما، ليس نحن بأشدّ جهادا لك منهم.
__________________
(١) الغضاة: شجر عظيم وخشبة من أصلب الخشب. وهو حسن النار، وجمره يبقى زمانا طويلا لا ينطفئ.
(٢) الهراس: شجر كثير الشوك طويلة. وفي المصدر: الهراش.
(٣) المائدة / ٢٤.
(٤) من المصدر.
(٥) من هنا ليس في «أ» إلى موضع سيأتي.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: تركته.
(٧) من المصدر.
(٨) من المصدر.
(٩) من المصدر.
ولو علموا أنّه الحرب، لما تخلّفوا. ولكن نعدّ لك الرّواحل، ونلقى عدوّنا. فإنّا صبر(١) عند اللّقاء، أنجاد في الحرب. وإنّا لنرجو أن يقرّ الله عينيك بنا. فإنّ يك ما تحبّ، فهو ذاك.
وإن يكن غير ذلك، قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو يحدث الله غير ذلك؟ كأنّي بمصرع فلان ها هنا، وبمصرع فلان ها هنا، وبمصرع أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومنبّه ونبيه، ابني الحجّاج. فإنّ الله قد وعدني إحدى الطّائفتين، ولن يخلف الله الميعاد.
فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بهذه الآية( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) ـ إلى قوله ـ:( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) . فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالرّحيل حتّى نزل عشاء على ماء بدر، وهي العدوة الشّامية.
وأقبلت قريش، ونزلت بالعدوة اليمانيّة. وبعثت عبيدها تستعذب من الماء، فأخذهم أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وحبسوهم.
فقالوا لهم: من أنتم؟
قالوا: نحن عبيد قريش.
قالوا: فأين العير؟
قالوا: لا علم لنا بالعير.
فأقبلوا يضربونهم. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يصلي.
فانفتل من صلاته فقال: إن صدقوكم، ضربتموهم. وإن كذبوكم، تركتموهم. عليّ بهم.
فأتوا بهم.
فقال لهم: من أنتم؟
قالوا: يا محمّد، نحن عبيد قريش.
قال: كم القوم؟
قالوا له: لا علم لنا بعددهم.
قال: كم ينحرون في كلّ يوم جزورا.
قالوا: تسعة إلى(٢) عشرة.
__________________
(١) المصدر: نصبر.
(٢) المصدر: أو.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: القوم(١) تسعمائة إلى(٢) ألف. [ثمّ](٣) .
قال: فمن فيهم من بني هاشم؟
فقالوا(٤) : العباس بن عبد المطّلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب.
فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بهم فحبسوا(٥) . وبلغ قريشا ذلك، فخافوا خوفا شديدا.
ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختريّ بن هشام، فقال له: أما ترى هذا البغي، والله، ما أبصر موضع قدمي. خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت، فجئنا بغيا وعدوانا. والله، ما أفلح قوم قطّ بغوا. ولوددت أنّ ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كلّه، ولم نسر هذا المسير.
فقال له أبو البختريّ: إنّك سيّد من سادات قريش. [فسر في الناس و](٦) نحمل العير الّتي أصابها محمّد وأصحابه بنخلة، ودم ابن الحضرميّ فإنّه حليفك.
فقال عتبة: أنت تشير(٧) عليّ بذلك(٨) . وما على أحد منّا خلاف إلّا ابن الحنظليّة(٩) ، يعني: أبا جهل. فسر(١٠) إليه، وأعلمه أنّي قد تحمّلت العير الّتي [قد](١١) أصابها محمّد بنخلة(١٢) ودم ابن الحضرميّ.
فقال أبو البختري: فقصدت خباءه فإذا هو قد أخرج درعا له.
فقلت له: إنّ أبا الوليد بعثني إليك برسالة.
فغضب، ثمّ قال: أما وجد عتبة رسولا غيرك؟
فقلت: أما، والله، لو غيره أرسلني ما جئت. ولكن أبا الوليد سيّد العشيرة.
فغضب [أشدّ من الأولى](١٣) غضبة أخرى، فقال: تقول: سيّد العشيرة!
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: أو.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: قال.
(٥) المصدر: فحبسوهم.
(٦) ليس في المصدر، ر، ب.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) أي: قد فعلت، وأنت الشاهد على ذلك.
(٩) المصدر: حنظلة بدل الحنظليّة.
(١٠) كذا في المصدر، وفي النسخ: فصر.
(١١) من المصدر.
(١٢) ليس في المصدر.
(١٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: غضبة أخرى.
فقلت: أنا أقوله، وقريش كلّها تقوله. إنّه قد تحمّل العير ودم ابن الحضرميّ.
فقال: إنّ عتبة أطول النّاس لسانا، وأبلغهم في الكلام، ويتعصّب لمحمّد. فإنّه من بني عبد مناف، وابنه معه، ويريد أن يخذله(١) بين النّاس. لا، واللّات والعزّى، حتّى نقتحم عليهم بيثرب، ونأخذهم أسارى. فندخلهم مكّة، وتتسامع العرب بذلك، ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه.
وبلغ أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كثرة قريش، ففزعوا فزعا شديدا وشكوا وبكوا واستغاثوا. فأنزل الله على رسوله:( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .
فلمّا أمسى(٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وجنّه اللّيل، ألقى الله على أصحابه النّعاس حتّى ناموا. وأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ عليهم السّماء(٣) ، وكان نزول(٤) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في موضع لا يثبت فيه القدم، فأنزل الله عليهم السّماء [ولبّد الأرض](٥) حتى تثبت الأقدام. وهو قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) . وذلك أنّ بعض أصحاب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ احتلم.( وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ) .
وكان المطر على قريش، مثل العزالي(٦) . وكان على أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رذاذا(٧) بقدر ما يلبّد الأرض. وخافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات.
فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، فقال: ادخلا في القوم واتياني(٨) بأخبارهم.
__________________
(١) المصدر: يحذر (يخذل ـ خ)
(٢) المصدر: مشى.
(٣) المصدر: الماء، والسماء هنا بمعنى المطر.
(٤) المصدر: نزل.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) العزالي: جمع العزلاء: مصب الماء من الراوية. ومنه قولهم: أرخت السّماء عزاليها.
(٧) الرذاذ: المطر الضعيف.
(٨) كذا في المصدر، وفي النسخ: ائتونا.
فكانا يجولان في عسكرهم. لا يرون إلّا خائفا ذعرا، إذا سمعوا(١) سهل الفرس وثبوا(٢) على جحفلته. فسمعوا منبّه بن الحجّاج يقول: لا يترك الجوع لنا مبيتا لا بدّ أن نموت أو نميتا.
قال: قد والله، كانوا شباعا، ولكنّهم من الخوف قالوا هذا.
وألقى الله في(٣) قلوبهم الرّعب، كما قال الله ـ تعالى ـ:( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) (٤) .
فلمّا أصبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. عبّأ أصحابه. وكان في عسكر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فرسان: فرس للزّبير بن العوّام، وفرس للمقداد بن أسود.
وكان في عسكره سبعون جملا يتعاقبون عليها. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنويّ على جمل يتعاقبون عليه، والجمل لمرثد. وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس. فعبّأ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أصحابه بين يديه، وقال: غضّوا أبصاركم، ولا تبدأوهم بالقتال، ولا يتكلّمنّ أحد.
فلمّا نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، قال أبو جهل: ما هم إلّا أكلة رأس. ولو بعثنا إليهم عبيدنا، لأخذوهم أخذا باليد.
فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كمينا ومددا؟
فبعثوا عمرو بن وهب الجمحيّ. وكان فارسا شجاعا. فجال بفرسه حتى طاف على(٥) عسكر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ صعد في(٦) الوادي، وصوّت. ثمّ رجع إلى قريش، فقال: ما لهم كمين ولا مدد، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت النّاقع. أما ترونهم خرسا لا يتكلّمون؟ يتلمّظون تلمّظ الأفاعي. ما لهم ملجأ إلّا سيوفهم. وما أراهم يولّون حتّى يقتلوا(٧) ، ولا يقتلون حتّى يقتلوا بعددهم. فارتئوا رأيكم.
فقال له أبو جهل: كذبت وجبنت، وانتفخ سحرك(٨) حين نظرت إلى سيوف
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: وثب.
(٣) المصدر: على.
(٤) الأنفال / ١٢.
(٥) المصدر: إلى.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: يقتلون.
(٨) السحر: الرئة. وانتفاخ السحر كناية عن الجبن. وفي المصدر: منخرك.
أهل(١) يثرب.
وفزع أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين نظروا إلى كثرة قريش وقوّتهم. فأنزل الله على رسوله( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) (٢) . وقد علم الله أنّهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السّلم، وإنّما أراد بذلك ليطيّب قلوب أصحاب النّبيّ.
فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى قريش، فقال: يا معشر قريش، ما أحد من العرب أبغض إليّ من أن أبدأ(٣) بكم. فخلّوني والعرب. فإن أك صادقا، فأنتم أعلى بي عينا. وإن أك كاذبا، كفتكم ذؤبان العرب أمري. فارجعوا.
فقال عتبة: والله، ما أفلح قوم قطّ ردّوا هذا.
ثمّ ركب جملا له أحمر.
فنظر إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يجول في العسكر وينهى عن القتال، فقال: إن يكن عند أحد خير، فعند صاحب الجمل الأحمر. إن يطيعوه، يرشدوا.
فأقبل عتبة يقول: يا معشر قريش، اجتمعوا واسمعوا(٤) . ثمّ خطبهم، فقال: يمن مع رحب، ورحب مع يمن. يا معشر قريش، أطيعوني اليوم وأعصوني الدّهر. وارجعوا إلى مكّة، واشربوا الخمور وعانقوا الحور. فإنّ محمّدا له إلّ وذمّة. وهو ابن عمّكم. فارجعوا، ولا تردّوا(٥) رأيي. وإنّما تطالبون بالعير الّتي أخذها محمّد بنخلة(٦) ، ودم ابن الحضرميّ، وهو حليفي وعليّ عقله.
فلمّا سمع أبو جهل ذلك، غاظه(٧) وقال: إنّ عتبة أطول النّاس لسانا، وأبلغهم في الكلام. ولئن رجعت قريش بقوله، ليكوننّ سيّد قريش آخر الدّهر.
ثمّ قال: يا عتبة، نظرت إلى سيوف بني عبد المطّلب وجبنت وانتفخ سحرك وتأمر النّاس بالرّجوع، وقد رأينا [ثأرنا](٨) بأعيننا.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) الأنفال / ٦١.
(٣) المصدر: «إليّ ممّن بدأ» بدل: «إليّ من أن أبدأ».
(٤) المصدر: استمعوا.
(٥) لا تنبذوا.
(٦) المصدر: بنخيلة.
(٧) هامش المصدر: أي أداره في فيه.
(٨) من المصدر.
فنزل عتبة عن جمله وحمل على أبي جهل، وكان على فرس، فأخذ بشعره.
فقال النّاس: يقتله.
فعرقب فرسه وقال: أمثلي يجبن؟ وستعلم قريش اليوم أيّنا الأم وأجبن(١) ، وأيّنا المفسد لقومه. لا يمشي إلّا أنا وأنت إلى الموت عيانا. ثمّ قال: هذا جناي وخياره فيه وكلّ جان يده إلى فيه.
ثمّ أخذ بشعره يجرّه.
فاجتمع إليه النّاس، فقالوا: يا أبا الوليد، الله الله، لا تفتّ في أعضاد النّاس.
تنهى عن شيء وتكون أوّله.
فخلّصوا أبا جهل من يده.
فنظر عتبة إلى أخيه شيبه ونظر إلى ابنه الوليد، فقال: قم، يا بنيّ.
فقام. ثمّ لبس درعه. وطلبوا له بيضة يتسع(٢) رأسه، فلم يجدوها لعظم هامته.
فاعتمّ بعمامتين. ثمّ أخذ سيفه، وتقدّم هو وأخوه وابنه ونادى: يا محمّد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش.
فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار، عوذ ومعوّذ(٣) وعوف من بني عفراء.
فقال عتبة: من أنتم؟ انتسبوا لنعرفكم.
فقالوا: نحن بنو عفراء، أنصار الله وأنصار رسوله.
فقالوا: ارجعوا، فإنّا لسنا إيّاكم نريد. إنّما نريد الأكفاء من قريش.
فبعث إليهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن ارجعوا، فرجعوا. وكره أن يكون أوّل الكرّة بالأنصار، فرجعوا ووقفوا موقفهم.
ثمّ نظر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، وكان له سبعون سنة، فقال له: قم يا عبيدة.
فقام بين يديه بالسّيف.
ثمّ نظر إلى حمزة بن عبد المطّلب، فقال له: قم، يا عمّ.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: الأليم والأجبن.
(٢) المصدر ور وب: تسع.
(٣) المصدر: عود ومعود.
ثم نظر إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقال له: قم، يا عليّ ـ وكان أصغر القوم(١) ـ فاطلبوا بحقّكم الّذي جعله الله لكم. فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها، تريد أن تطفى نور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عبيدة، عليك بعتبة. وقال لحمزة: عليك بشيبة. وقال لعليّ: عليك بالوليد بن عتبة.
فمرّوا حتى انتهوا إلى القوم.
فقال عتبة: من أنتم؟ انتسبوا لنعرفكم.
فقال [عبيدة](٢) : أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب.
فقال: كفو كريم. فمن هذان؟
فقال: حمزة بن عبد المطّلب، وعليّ بن أبي طالب.
فقال: كفوان كريمان. لعن الله من أوقفنا وإيّاكم هذا الموقف.
فقال شيبة لحمزة: من أنت؟
فقال: أنا حمزة بن عبد المطّلب، أسد الله وأسد رسوله.
فقال له شيبة: لقد لقيت أسد الحلفاء. فانظر كيف تكون صولتك، يا أسد الله.
فحمل عبيدة على عتبة، فضربه على رأسه ضربة فلق هامته.
وضرب عتبة عبيدة على ساقه، فقطعها وسقطا جميعا. وحمل حمزة على شيبة، فتضاربا بالسّيفين حتى انثلما. وكلّ واحد منهما يتّقي بدرقته. وحمل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ على الوليد بن عتبة، فضربه على حبل عاتقه، فأخرج السّيف من إبطه. فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: فأخذ يمينه المقطوعة بيساره، فضرب بها هامتي، فظننت أنّ السّماء وقعت على الأرض.
ثمّ اعتنق حمزة وشيبة، فقال المسلمون: يا عليّ، أما ترى الكلب قد بهر(٣) عمّك.
فحمل إليه عليّ ـ عليه السّلام ـ. ثمّ قال: يا عمّ، طأطئ رأسك. وكان حمزة أطول من شيبة. فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضربه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ على رأسه فطير(٤) نصفه. ثمّ جاء إلى عتبة وبه رمق، فأجهز عليه. وحمل عبيدة بين حمزة وعليّ حتّى
__________________
(١) المصدر: وكان أصغرهم فقال .
(٢) من المصدر.
(٣) بهر: غلب. وفي المصدر: أبهر.
(٤) إلى هنا ليس في نسخة «أ».
أتيا به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فنظر إليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فاستعبر.
فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، ألست شهيدا؟
قال: بلى، أنت أوّل شهيد من أهل بيتي.
فقال: أمّا لو كان عمك حيّا، لعلم أني أولى بما قال منه.
قال: وأيّ أعمامي تعني؟
قال: أبو طالب، حيث يقول :
كذبتم وبيت الله نبرى محمدا |
ولما نطاعن دونه ونناضل |
|
ونسلمه حتى نصرّع حوله |
ونذهل عن أبنائنا والحلائل |
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله: أما ترى ابنه: كاللّيث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة؟
فقال: يا رسول الله، أسخطت عليّ في هذه الحالة؟
فقال: ما سخطت عليك، ولكن ذكرت عمي فانقبضت لذلك.
وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا، كما عجل وبطر أبناء ربيعة.
عليكم بأهل يثرب، فاجزروهم جزرا. وعليكم بقريش، فخذوهم أخذا حتّى ندخلهم مكّة فنعرّفهم ضلالتهم التي كانوا عليها.
وكان فئة(١) من قريش أسلموا بمكّة فأجلسهم(٢) آباؤهم. فخرجوا مع قريش إلى بدر وهم على الشّكّ والارتياب والنّفاق، منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكهة، والحارث بن ربيعة، وعليّ بن أمية بن خلف، والعاص بن المنبّه. فلمّا نظروا إلى قلة أصحاب محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ قالوا: مساكين هؤلاء، نحرهم(٣) دينهم فيقتلون الساعة. فأنزل الله على رسوله( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٤) .
وجاء إبليس ـ عليه اللّعنة ـ إلى قريش في صورة سراقة بن مالك، فقال لهم: «إني جار لكم»(٥) ادفعوا إليّ رايتكم. فدفعوها إليه. وجاء بشياطينه يهول بهم على
__________________
(١) المصدر: فتية.
(٢) المصدر: فاحتبسهم.
(٣) المصدر: غرّهم.
(٤) الأنفال / ٤٩.
(٥) المصدر: أنا جاركم.
أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ ويخيل إليهم ويفزعهم. وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الرّاية.
فنظر إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ فقال: غضّوا أبصاركم، وعضّوا على النّواجذ، ولا تسلّوا سيفا حتّى آذن لكم. ثمّ رفع يده إلى السّماء، فقال: يا ربّ، إن تهلك هذه العصابة لم تعبد. وان شئت أن لا تعبد، لا تعبد.
ثمّ أصابه الغشي، فسرى عنه وهو يسكب العرق عن وجهه وهو يقول: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين.
قال: فنظرنا، فإذا سحابة سوداء فيها برق لائح وقد وقعت على عسكر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ. وقائل يقول: أقدم حيزوم، أقدم حيزوم(١) . وسمعنا قعقعة السّلاح من الجوّ.
ونظر إبليس إلى جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فراجع(٢) ورمى باللّواء. فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه، ثمّ قال: ويلك، يا سراقة، تفتّ في أعضاد النّاس.
فركله إبليس ركلة في صدره، وقال: إني بريء منكم(٣) ، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله. وهو قول الله:( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (٤) . ثمّ قال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) (٥) .
وحمل جبرئيل على إبليس، فطلبه حتّى غاص في البحر. وقال: ربّ، أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم القيامة(٦) .
روي في خبر: أنّ إبليس التفت إلى جبرئيل وهو في الهزيمة، فقال: يا هذا، بدا(٧) لكم فيما أعطيتمونا؟
__________________
(١) حيزوم: اسم فرس جبرئيل. أي: أقدم يا حيزوم.
(٢) المصدر: فتراجع.
(٣) ليس في المصدر: «إنّي بريء منكم».
(٤) الأنفال / ٤٨.
(٥) الأنفال / ٥٠.
(٦) المصدر: يوم الدّين.
(٧) المصدر: أبدا.
فقيل لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أترى كان يخاف أن يقتله؟
فقال: لا ولكنّه كان يضربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة.
وأنزل الله على نبيّه( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) (١) . قال: أطراف الأصابع. فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره.
وخرج أبو جهل من بين الصّفين، فقال: أللّهمّ(٢) ، إن محمّدا قطعنا الرّحم وأتانا بما لا نعرفه، فأهنه(٣) الغداة.
فأنزل الله على رسوله( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ، وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ، وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٤) .
ثم أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ كفا من حصاة، فرمى به في وجوه قريش وقال: شاهت الوجوه. فبعث الله رياحا تضرب في وجوه قريش، فكانت الهزيمة. ثمّ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ: أللّهمّ، لا يغلبنّك(٥) فرعون هذه الأمة، أبو جهل بن هشام.
فقتل منهم سبعين وأسر منهم سبعين.
والتقى عمرو بن الجموح مع أبي جهل، فضرب عمرو أبا جهل على فخذه، وضرب أبو جهل عمروا على يده فأبانها من العضد فتعلّقت بجلدة. فاتكأ عمرو على يده برجله، ثمّ تراخى(٦) في السّماء حتّى انقطعت الجلدة ورمى بيده.
وقال عبد الله بن مسعود: انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحّط بدمه، فقلت: الحمد لله الّذي أخزاك.
فرفع رأسه، فقال: إنّما أخزى الله عبد بن أمّ عبد. لمن الدين(٧) ، ويلك؟
قلت: لله وللرّسول، وإنّي قاتلك، ووضعت رجلي على عنقه.
__________________
(١) الأنفال / ١٢.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: فأحنه، أي: أهلكه.
(٤) الأنفال / ١٩.
(٥) المصدر: لا يفلتن.
(٦) المصدر: نزا.
(٧) الدين هنا: القهر والغلبة والاستعلاء.
فقال: لقد(١) ارتقيت مرتقى صعبا، يا رويعي الغنم. أما إنّه ليس شيء أشدّ من قتلك إيّاي في هذا اليوم. ألّا تولّي قتلي رجلا من المطلبيين، أو رجلا من الأحلاف؟
فانقلعت(٢) بيضة كانت على رأسه، فقتلته. وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ. فقلت: يا رسول الله، البشرى. هذا رأس أبي جهل بن هشام.
فسجد لله شكرا.
وأسر أبو بشير الأنصاريّ العبّاس بن عبد المطّلب وعقيل بن أبي طالب، وجاء بهما إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال له: هل أعانك عليهما أحد؟
قال: نعم، رجل عليه ثياب بيض.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذاك من الملائكة.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للعبّاس: أفد نفسك وابن أخيك.
فقال: يا رسول الله، قد كنت أسلمت ولكن القوم استكرهوني.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقّا، فإنّ الله يجزيك(٣) عليه. فأمّا ظاهر أمرك، فقد كنت علينا.
ثمّ قال: يا عبّاس، إنكم خاصمتم الله، فخصمكم.
ثمّ قال: أفد نفسك وابن أخيك.
وقد كان العبّاس أخذ معه أربعين أوقيّة من ذهب.
فغنمها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلمّا قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للعبّاس: «أفد نفسك» قال: يا رسول الله، أحسبها من فدائي.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا، ذاك شيء أعطانا الله منك. فأفد نفسك وابن أخيك.
فقال العبّاس: ليس لي مال غير الّذي ذهب منّي.
قال: بلى، المال الّذي خلّفته عند أمّ الفضل بمكّة. وقلت لها: إن حدث عليّ حدث، فاقسموه بينكم.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: فاقتلعت.
(٣) المصدر: يجزك.
فقال له: تتركني وأنا أسأل النّاس بكفي.
فأنزل الله على رسوله في ذلك( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . ثمّ قال الله:( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ ) [في علي](١) ( فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٢) .
ثمّ قال رسول الله لعقيل: قد قتل الله، يا أبا يزيد، أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبّه ونبيه، ابني الحجّاج ونوفل بن خويلد. وأسر سهيل بن عمرو والنضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان.
فقال عقيل: إذا لا تنازعوا في تهامة. فإن كنت قد أثخنت القوم، وإلّا فاركب أكتافهم.
فتبسم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من قوله.
وكان القتلى ببدر سبعين، والأسرى سبعين. قتل منهم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ سبعة وعشرين، ولم يؤسر أحدا. فجمعوا الأسارى، وقرنوهم في الحبال، وساقوهم على أقدامهم، وجمعوا الغنائم. وقتل من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تسعة رجال، فيهم(٣) سعد بن خيثمة، وكان من النّقباء. فرحل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ونزل الأثيل عند غروب الشّمس، وهو من بدر على ستّة أميال. فنظر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى عقبة بن أبي معيط وإلى النضر بن الحارث بن كلدة، وهما في قرآن(٤) واحد.
فقال النّضر لعقبة: يا عقبة أنا وأنت مقتولان.
قال عقبة: من بني(٥) قريش؟
قال: نعم. لأنّ محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد نظر إلينا نظرة، رأيت فيها القتل.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عليّ، عليّ بالنّضر وعقبة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الأنفال / ٧٠ و ٧١.
(٣) المصدر: فمنهم.
(٤) المصدر: قرن. والقرن ـ محرّكة ـ الحبل يجمع به البعيران.
(٥) المصدر: بين.
وكان النّضر رجلا جميلا، عليه شعر. فجاء عليّ ـ عليه السّلام ـ فأخذ بشعره فجرّه إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال النضر: يا محمد، أسألك بالرّحم الّذي بيني وبينك إلا أجريتني، كرجل من قريش. إن قتلتهم، قتلتني. وإن فاديتهم، فاديتني. وإن أطلقتهم، أطلقتني. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا رحم بيني وبينك، قطع الله الرحم بالإسلام. قدّمه، يا عليّ، فاضرب عنقه.
فقال عقبة: يا محمّد، ألم تقل: لا تصبر قريش، أي: لا يقتلون صبرا؟
قال: وأنت(١) من قريش؟ إنّما أنت علج من أهل صفوريّة. لا أنت في الميلاد أكبر من أبيك الّذي تدعى له، ليس منها. قدّمه، يا عليّ، فاضرب عنقه.
فقدّمه، فضرب عنقه. فلمّا قتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ النضر وعقبة، خافت الأنصار أن يقتل الأسارى كلّهم. فقاموا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقالوا: يا رسول الله، قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين. وهم قومك وأساراك. هبهم لنا، يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم. فأنزل الله عليه( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً ) (٢) . فأطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم، وشرط أنّه يقتل منهم في عام قابل بعدد من يأخذون منهم الفداء. فرضوا منه بذلك. وتمام الحديث مضى في سورة آل عمران.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ) : كثيرا. بحيث يرى لكثرتهم كأنّهم يزحفون، أي: يدبّون.
وهو مصدر زحف الصبيّ: إذا دبّ على مقعده قليلا. سمّي به. وجمع على زحوف. وانتصابه على الحال.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، أي: يدنوا بعضهم(٤) من بعض.
( فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) (١٥): بالانهزام، فضلا أن يكونوا مثلكم أو أقلّ
__________________
(١) المصدر.
(٢) الأنفال / ٦٧ ـ ٦٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٠.
(٤) المصدر: بعضكم.
منكم.
والأظهر أنّها محكمة، مخصوصة بقوله:( حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) (الآية).
ويجوز أن ينتصب «زحفا» على الحال من الفاعل والمفعول، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين يدبّون إليكم وتدبون إليهم، فلا تنهزموا. أو من الفاعل وحده، ويكون أشعارا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولّوا، وهم اثنا عشر ألفا.
( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ) : يريد الكر بعد الفرّ وتغرير العدوّ، فانّه من مكائد الحرب.
( أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ) ، أي: منحازا إلى طائفة أخرى من المسلمين على القرب، ليستعين بهم.
ومنهم من لم يعتبر القرب، لما نقل(١) ابن عمر أنّه كان في سريّة بعثهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ففرّوا إلى المدينة.
فقلت: يا رسول الله، نحن الفرّارون؟
فقال: بل أنتم العكارون، وأنا فئتكم.
وانتصاب «متحرّفا» و «متحيزا» على الحال، وإلّا لغو لا عمل لها. أو الاستثناء من المولين، أي: إلّا رجلا متحرفا أو متحيزا.
ووزن «متحيّز» «متفيعل» لا «متفعّل»، وإلا لكان متحوزا، من حاز يحوز.
( فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (١٦).
قيل: هذا إذا لم يزد العدوّ على الضعف، لقوله:( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ ) (الآية).
وقيل(٢) : الآية مخصوصة بأهل بيته(٣) ، والحاضرين معه في الحرب.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن أبي أسامة، زيد الشّحام قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ: جعلت فداك، إنّهم يقولون: ما منع عليا، ان كان له حقّ، أن يقوم بحقّه؟
فقال: إنّ الله لم يكلّف هذا أحدا إلّا نبيّه ـ عليه وآله السّلام ـ قال له :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٨
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٨.
(٣) ح: بدر.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٥١، ح ٣١.
( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) (١) . وقال لغيره:( إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ) (٢) . فعليّ لم يجد فئة. ولو وجد فئة، لقاتل.
ثمّ قال: لو كان جعفر وحمزة حيّين، إنّما هما رجلان(٣) . قال:( مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ) . قال: متطرّفا(٤) يريد الكرة عليهم. «أو متحيزا»، يعني: متأخرا إلى أصحابه من غير هزيمة. فمن انهزم حتى يخوض(٥) صفّ أصحابه،( فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) .
عن زرارة(٦) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: قلت: الزّبير شهد بدرا؟
قال: نعم، ولكنّه فرّ يوم الجمل. فإن كان قاتل المؤمنين، فقد هلك بقتاله إياهم. وان كان قاتل كفّارا،( فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ) ، حين ولّاهم دبره.
[سئل](٧) عن أبي جعفر(٨) ـ عليه السّلام ـ ما شأن أمير المؤمنين حين ركب منه ما ركب، [لم يقاتل](٩) .
فقال: للّذي(١٠) سبق في علمه أن يكون. ما كان لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أن يقاتل وليس معه إلّا ثلاثة رهط(١١) ، فكيف يقاتل؟ ألم تسمع قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ـ إلى ـوَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) . فكيف يقاتل أمير المؤمنين بعدها، وإنّما هو يومئذ ليس معه [مؤمن](١٢) غير ثلاثة رهط.
وفي كتاب الخصال(١٣) ، في مناقب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وتعدادها: وقال ـ عليه السّلام ـ: وأمّا الثّالثة والسّتّون، فاني لم أفرّ من الزّحف قطّ، ولم يبارزني أحد إلّا سقيت الأرض من دمه.
وفي عيون الأخبار(١٤) ، في باب ما كتب به الرضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمد بن سنان
__________________
(١) النساء / ٨٤.
(٢) الانفال / ١٦.
(٣) للعلامة المجلسي ـ رحمه الله ـ بيان فيه. راجع البحار (ط. الكمباني) ٨ / ١٥٢.
(٤) المصدر: «متطرّدا»، أي: متباعدا.
(٥) المصدر: يجوز.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٥١، ح ٢٩.
(٧) ما بين المعقوفتين منّا.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٥١، ح ٣٠.
(٩) من المصدر.
(١٠) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الله من، بدل: للّذي.
(١١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: برهط. (١٢) من المصدر. (١٣) الخصال / ٥٨٠.
(١٤) العيون ٢ / ٩٢.
في جواب مسائله في العلل: وحرّم الله ـ تعالى ـ الفرار من الزّحف لما فيه من الوهن في الدّين، والاستخفاف بالرّسل والائمّة العادلة ـ عليهم السّلام ـ وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على انكار ما دعوا إليه من الإقرار بالرّبوبيّة وإظهار العدل، وترك الجور، وإماتته والفساد(١) ، لما في ذلك من جرأة العدو على المسلمين، وما يكون من السّبي والقتل وإبطال من دين الله ـ عزّ وجلّ ـ وغيره من الفساد.
وفي الكافي(٢) : علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن أبي حمزة، عن عقيل الخزاعيّ، أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ كان إذا حضر الحرب، يوصي المسلمين بكلمات يقول: تعاهدوا الصّلاة ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ: ثمّ أنّ الرعب والخوف من جهاد المستحق للجهاد والمؤازرين على الضّلال ضلال في الدين، وسلب للدّنيا مع الذّلّ والصّغار، وفيه استيجاب النّار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال. يقول الله ـ تعالى ـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ )
أحمد بن محمّد الكوفيّ(٣) ، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وعن عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لأصحابه: إذا لقيتم عدوكم في الحرب، فأقلّوا الكلام واذكروا الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) فتسخطوا الله ـ تبارك وتعالى ـ وتستوجبوا غضبه.
محمّد بن يحيى(٤) ، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان يقول: من فرّ من رجلين في القتال من الزحف، فقد فرّ. ومن فرّ من ثلاثة في القتال من الزّحف، فلم يفرّ.
( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ) : بقوّتكم.
( وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) : بنصركم وتسليطكم عليهم، وإلقاء الرّعب في قلوبهم.
نقل(٥) : انّه لـمـّـا طلعت قريش من العقنقل، قال ـ عليه السّلام ـ: هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك. أللّهمّ، إنّي أسألك ما وعدتني.
__________________
(١) المصدر: وإماتة الفساد.
(٢) الكافي ٥ / ٣٦ و ٣٨.
(٣) الكافي ٥ / ٤٢، ح ٥.
(٤) الكافي ٥ / ٣٤، ح ١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٨.
فأتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وقال له: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها.
فلمّا التقى الجمعان، تناول كفّا من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك الّا شغل بعينيه. فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. ثمّ لـمـّـا انصرفوا، أقبلوا على التّفاخر. فيقول الرجل: قتلت وأسرت. فنزلت.
و «الفاء» جواب شرط محذوف، تقديره: إن فخرتم(١) بقتلهم فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم.
( وَما رَمَيْتَ ) : يا محمّد، رميا توصله إلى أعينهم ولم تقدر عليه.
( إِذْ رَمَيْتَ ) : أي: أتيت بصورة الرّمي.
( وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) ، أي: أتى بما هو غاية الرّمي، فأوصلها إلى أعينهم حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم.
وقد عرفت أنّ اللّفظ يطلق على المسمّى، وعلى ما هو كماله، والمقصود منه.
وقيل(٢) : معناه: ما رميت بالرّعب إذ رميت بالحصباء، ولكنّ الله رمى بالرّعب في قلوبهم.
وقيل(٣) : انّه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتّى مات. أو رمية سهم رماه يوم حنين نحو الحصن، فأصاب لبابة بن الحقيق(٤) على فراشه.
وفي تفسير(٥) علي بن ابراهيم، يعني: الحصى الّذي حمله رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ورمى به في وجوه قريش، وقال: شاهت الوجوه.
وفي كتاب الاحتجاج(٦) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل. وفيه قال في هذه الآية: سمّي فعل النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فعلا له. ألا ترى تأويله على غير تنزيله.
__________________
(١) المصدر: افتخرتم.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٩.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٩.
(٤) المصدر: كنانة بن أبي الحقيق.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٧٠ ـ ٢٧١.
(٦) الاحتجاج ١ / ٣٧٢.
وفي تفسير العياشيّ(١) : عن محمّد بن كليب الأسديّ، عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) .
قال: عليّ ناول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ القبضة التي رمى بها.
وفي خبر آخر(٢) عنه: أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ ناوله قبضة من تراب، رمى بها.
عن عمرو بن أبي المقدام(٣) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ قال: ناول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّ بن أبي طالب قبضة من تراب [القبضة](٤) التي رمى بها في وجوه المشركين. فقال [الله](٥) :( وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) .
وفي كتاب الخصال(٦) ، في مناقب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وتعدادها. قال ـ عليه السّلام ـ: وأمّا الخامسة والثّلاثون، فإن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وجهني يوم بدر فقال: ائتني بكف حصيات مجموعة في مكان واحد. فأخذتها ثمّ شممتها، فإذا هي طيّبة تفوح منها رائحة المسك. فأتيته بها، فرمى بها وجوه المشركين. وتلك الحصيات أربع منها كن(٧) من الفردوس وحصاة من المشرق، وحصاة من المغرب، وحصاة من تحت العرش. مع كلّ حصاة مائة ألف ملك مداد لنا. لم يكرم الله ـ عزّ وجلّ ـ بهذه الفضيلة أحدا قبلنا ولا بعدنا.
( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) : ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، ومشاهدة الآيات.
( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) : لاستغاثتهم ودعائهم.
( عَلِيمٌ ) (١٧): بنيّاتهم وأحوالهم.
( ذلِكُمْ ) : إشارة إلى البلاء الحسن أو القتل، أو الرّمي.
ومحلّه الرّفع، أي: المقصود، أو الأمر «ذلكم».
( وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ) (١٨): معطوف عليه، أي: المقصود إيلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ٥٢، ح ٣٢.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ٥٢، ح ٣٣.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ٥٢، ح ٣٤.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) الخصال / ٥٧٦.
(٧) هكذا في المصدر. وفي النسخ: كان.
وقرأ(١) ابن كثير ونافع وابو عمرو: «موهن» بالتّشديد. وحفص: «موهن كيد الكافرين» بالإضافة والتّخفيف.
( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) قيل(٢) : خطاب لأهل مكّة على سبيل التّهكم. وذلك أنّهم حين أرادوا الخروج، تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: أللّهمّ، انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين.
وفي مجمع البيان(٣) ، في حديث أبي حمزة: قال أبو جهل: أللّهمّ ربّنا، ديننا القديم ودين محمّد الحديث. فأي الدّينين كان أحبّ إليك وأرضى عندك، فانصر أهله اليوم.
وروي أنّه قال: أيّنا أهجر وأقطع للرّحم، فأهنه اليوم فأهلكه.
وقيل(٤) : خطاب للمؤمنين، وكذا القولان فيما بعده.
( وَإِنْ تَنْتَهُوا ) : عن الكفر، ومعاداة الرسول.
( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) : لتضمنه سلامة الدّارين وخير المنزلين.
( وَإِنْ تَعُودُوا ) : لمحاربته.
( نَعُدْ ) : لنصره.
( وَلَنْ تُغْنِيَ ) : ولن تدفع.
( عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ ) : جماعتكم.
( شَيْئاً ) : من الإغناء، أو المضارّ.
( وَلَوْ كَثُرَتْ ) : فئتكم.
( وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٩): بالنّصر والمعونة.
وقرأ نافع(٥) وابن عامر وحفص: «وأنّ» بالفتح. على تقدير: ولأنّ الله مع المؤمنين كان ذلك.
وقيل(٦) : الآية خطاب للمؤمنين. والمعنى: إن تستنصروا، فقد جاءكم النصر.
وإن تنتهوا عن التّكاسل في القتال والرغبة عمّا يستأثره الرّسول،( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) . «وإن تعودوا إليه، نعد» عليكم بالإنكار أو تهييج العدوّ. «ولن تغني» حينئذ كثرتكم، إذا لم
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٩.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥٣١.
(٤) تفسير الصافي ٢ / ٢٨٨.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٨٩.
(٦) نفس المصدر، والموضع.
يكن الله معكم بالنّصر. فإنه مع الكاملين في إيمانهم. ويؤيّد ذلك:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ) : ولا تتولوا عن الرّسول. فإنّ المراد من الآية: الأمر بطاعته والنهي عن الإعراض عنه.
وذكر طاعة الله، للتّوطئة، والتّنبيه على أنّ طاعة الله هي طاعة الرّسول لقوله:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) .
وقيل: الضّمير للجهاد، أو للأمر الّذي دلّ عليه الطّاعة.
( وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) (٢٠): القرآن والمواعظ، سماع فهم وتصديق.
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا ) ، كالكفرة والمنافقين، الّذين ادّعوا السّماع.
( وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) (٢١): ينتفعون به، فكأنّهم لا يسمعون رأسا.
( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ ) : شرّ ما يدبّ على الأرض، أو شرّ البهائم.
( الصُّمُ ) : عن الحقّ.
( الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) (٢٢): إيّاه. عدّهم من البهائم، ثمّ جعلهم شرّها لإبطالهم ما امتازوا به وفضّلوا لأجله.
( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً ) : سعادة كتبت لهم، أو انتفاعا بالآيات.
( لَأَسْمَعَهُمْ ) : سماع تفهم.
( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ) : وقد علم أن لا خير فيهم.
( لَتَوَلَّوْا ) : ولم ينتفعوا به، وارتدّوا بعد التصديق والقبول.
( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (٢٣): لعنادهم.
وقيل(١) : كانوا يقولون للنبيّ: أحي لنا قصيا. فإنّه كان شيخا مباركا، حتى يشهد لك ونؤمن بك.
والمعنى: لأسمعهم كلام قصيّ.
وفي مجمع البيان(٢) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: نزلت في بني عبد الدار. لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير، وحليف لهم يقال له: سويط(٣) .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) : بالطّاعة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٠.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٣٢.
(٣) المصدر: سويبط.
( إِذا دَعاكُمْ ) .
وحدّ الضّمير فيه لما سبق. ولأنّ دعوة الله تسمع من الرّسول.
نقل(١) : أنّه ـ عليه السّلام ـ مرّ على أبي وهو يصلي. فدعاه، فعجل في صلاته ثمّ جاء.
فقال: ما منعك عن إجابتي؟
قال: كنت أصلي.
قال: ألم تخبر فيما أوحى الله إليّ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) ؟
( لِما يُحْيِيكُمْ ) .
قيل(٢) : من العلوم الدّينية. فإنّها حياة القلب، والجهل موته. قال: لا تعجبنّ الجهول حلّته فذاك ميت وثوبه كفن.
أو ممّا يورثكم الحياة الأبديّة في النّعيم الدائم، من العقائد والأعمال. أو من الجهاد، فإنّه سبب بقائكم. إذ لو تركوه، لغلبهم العدوّ وقتلهم. أو الشّهادة لقوله ـ تعالى ـ:( بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) (٣) .
وفي روضة الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الله بن مسكان، عن زيد بن الوليد الخثعميّ، عن أبي الربيع الشاميّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية.
قال: نزلت في ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: «الحياة» الجنة.
حدثنا أحمد بن محمّد، عن جعفر بن عبد الله، عن كثير بن عيّاش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول في هذه الآية: ولاية عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ فإنّ اتباعكم إيّاه وولايته، أجمع لأمركم وأبقى للعدل فيكم.
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) ، تأويله أورد من طريق العامّة نقله ابن مردويه، عن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٠.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) آل عمران / ١٦٩.
(٤) الكافي ٨ / ٢٤٨، ح ٣٤٩.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٧١.
(٦) تأويل الآيات الباهرة / ٧١.
رجاله مرفوعا إلى الإمام محمّد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال في قوله ـ تعالى ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) .
قال: إلى ولاية عليّ بن أبي طالب.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) .
قيل(١) : تمثيل لغاية قربه ـ تعالى ـ من العبد، كقوله( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (٢) . وتنبيه على أنه ـ تعالى ـ مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها. أو حثّ على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره. أو تصوير وتخييل لتملّكه على العبد قلبه، فيفسخ عزائمه ويغيّر مقاصده، ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان إن قضى شقاوته.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، أي: يحول بينه وبين ما يريد.
وفيه(٤) ، بالسّند السّابق: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: يحول بين المؤمن ومعصيته أن تقوده إلى النّار. وبين الكافر وبين طاعته أن يستكمل به الإيمان. قال واعلموا أنّ الأعمال بخواتيمها.
وفي كتاب التّوحيد(٥) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار وسعد بن عبد الله جميعا قالا: حدّثنا أيّوب بن نوح، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حقّ.
وفي مجمع البيان(٦) : وروى يونس [بن عمّار](٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ معناه: لا يستيقن القلب، أنّ الحقّ باطل أبدا. ولا يستيقن القلب، أنّ الباطل حقّ أبدا.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن حمزة بن الطّيار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: هو
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٠.
(٢) ق / ١٦.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٧١.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) التوحيد / ٣٨٥، ح ٦.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٥٣٤.
(٧) من المصدر.
أن يشتهي الشيء بسمعه وبصره ولسانه ويده. أما أنّه لا يغشى شيئا منها. وان كان غشي شيئا مما يشتهي، فانه لا يأتيه إلّا وقلبه منكر لا يقبل الذي يأتي، يعرف أنّ الحق ليس فيه.
وعن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: هذا الشيء يشتبه الرّجل بقلبه وسمعه وبصره لا تتوق نفسه إلى غير ذلك، فقد حيل بينه وبين قلبه إلّا ذلك الشيء.
( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (٢٤): فيجازيكم بأعمالكم.
( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) : اتّقوا ذنبا يعمّكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع والتّكاسل في الجهاد.
على أن قوله: «لا تصيبنّ» إمّا جواب الأمر على معنى: إن أصابتكم لا تصب الظّالمين منكم. وفيه أنّ جواب الشّرط متردد، فلا يليق به النّون المؤكّدة. لكنّه لما تضمّن معنى النهي، ساغ فيه، كقوله:( ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) .
وإمّا صفة «لفتنة» و «لا» للنفي. وفيه شذوذ، لأن النّون لا تدخل المنفي في غير القسم. أو للنهي على إرادة القول، كقوله: حتى إذا جنّ الظّلام واختلط جاءوا بمذق هل رأيت الذّئب قط.
وإمّا جواب قسم محذوف، كقراءة من قرأ: «لتصيبن»، وإن اختلفا في المعنى.
ويحتمل أن يكون نهيا بعد الأمر باتّقاء الذّنب عن التّعرض للظّلم، فإنّ وباله يصيب الظالم خاصّة ويعود عليه.
و «من» في «منكم» على الوجه الأول، للتّبعيض. وعلى الأخيرتين للتّبيين.
وفائدته التّنبيه، على أنّ الظّلم منكم أقبح من غيركم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن عبد الرّحمن بن سالم، عن الصادق ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: أصابت الناس فتنة بعد ما قبض الله نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ، حتّى تركوا عليّا وبايعوا غيره. وهي الفتنة الّتي فتنوا بها. وقد أمرهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ باتّباع عليّ والأوصياء من آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٣، ح ٤٠.
عن إسماعيل السريّ(١) ، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٢) في هذه الآية قال أخبرت، أنهم أصحاب الجمل.
وفي مجمع البيان(٣) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وأبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّهما قرءا: «لتصيبنّ».
وعن ابن عبّاس:(٤) : أنّهما لـمـّـا نزلت، قال [واتقوا فتنة](٥) ، قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنّما جحد نبوتي ونبوّة الأنبياء قبلي.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : نزلت في طلحة والزبير لـمـّـا حاربوا(٧) أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وظلموه.
وفي شرح الآيات الباهرة(٨) :
وذكر أبو عليّ الطبرسيّ، عن السّيد أبي طالب الهرويّ، بإسناده: عن علقمة وعن الأسود قالا: أتينا أبا أيّوب الأنصاريّ فأخبرنا، إن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لعمّار: إنّه سيكون من بعدي هنات، حتى يختلف السيف فيما بينهم، وحتّى يقتل بعضهم [بعضا، وحتّى يبرأ بعضهم](٩) من بعض. فإذا رأيت ذلك، فعليك بهذا الأصلع عن يميني، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ فإن سلك الناس كلّهم واديا وسلك عليّ واديا، فاسلك وادي عليّ وخلّ النّاس، يا عمّار. إنّ عليّ لا يردّك عن هدى، ولا يدلّك على ردى. يا عمّار، طاعة عليّ طاعتي، وطاعتي طاعة الله.
وذكر صاحب كتاب نهج الإيمان(١٠) قال: قال: ذكر أبو عبد الله، محمّد بن علي [بن] السراج في كتابه في تأويل هذه الآية. حديث يرفعه، بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا ابن مسعود، إنه قد نزلت في عليّ آية( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) . وأنا مستودعها، ومسلم لك الظّلمة فكن لما أقول واعيا، وعني مؤديا. من ظلم عليّا مجلسي هذا، كان كمن جحد نبوتي ونبوة الأنبياء
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ٥٣، ح ٤١.
(٢) المصدر: عن البهي .
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥٣٢.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥٣٤ ـ ٥٣٥.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٧١.
(٧) المصدر: حاربا.
(٨) تأويل الآيات الباهرة / ٧٢.
(٩) ليس في المصدر. (١٠) نفس المصدر والموضع.
من قبلي.
فقال له الرّاوي: يا أبا عبد الرّحمن، أسمعت هذا من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: نعم.
فقلت له: فكنت(١) للظّالمين [ظهيرا](٢) ؟
قال: لا جرم، حلّت بي عقوبة على أن(٣) لم أستأذن إمامي، كما استأذن جندب وعمار وسلمان. وأنا أستغفر الله وأتوب إليه.
وفي أصول الكافي(٤) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل وفيه: ثمّ قال في بعض كتابه:( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) في إنّا أنزلناه في ليلة القدر(٥) . ويقول: إنّ محمّدا حين يموت يقول أهل الخلاف لأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ: مضت ليلة القدر مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فهذه فتنة أصابتهم خاصة.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥)وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ) قيل(٦) : أرض مكّة، يستضعفكم قريش. والخطاب للمهاجرين. وقيل: للعرب كافة، فإنّهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والرّوم.
( تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ) : كفّار قريش، أو من عداهم. فانّهم جميعا معادين مضادّين لهم.
( فَآواكُمْ ) : إلى المدينة. أو جعل لكم مأوى تتحصّنون به عن أعدائكم.
( وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ) : على الكفار، أو بمظاهره الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر.
( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) : من المغانم.
__________________
(١) المصدر: فكيف وكنت.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: «عملي اني» بدل: «على أن».
(٤) الكافي ١ / ٢٤٨ و ٢٤٩، ضمن ح ٤.
(٥) الحديث في «باب شأن( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وتفسيرها» من كتاب أصول الكافي (الحديث ٤)، يعني: هذه الآية نزلت في إنّا أنزلناه في ليلة القدر. وتفسيره يعرف من كلامه ـ عليه السّلام ـ.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٩١.
( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٢٦): هذه النّعم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : نزلت في قريش خاصة.
وفي كشف المحجة(٢) لابن طاوس: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: فأمّا الآيات التي في قريش، فهي قوله: «واذكروا ـ إلى قوله ـ لعلّكم تشكرون».
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ) : بتعطيل الفرائض والسّنن. أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون. أو بالغلول في المغانم.
وأصل الخون: النّقص، كما أن أصل الوفاء: التّمام. واستعماله في ضد الأمانة، لتضمنه إيّاه.
( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) : فيما بينكم.
وهو مجزوم بالعطف، على الأوّل. أو منصوب على الجواب، بالواو.
( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٢٧): أنّكم تخونون. أو أنتم علماء، تميّزون الحسن من القبيح.
وفي مجمع البيان(٣) : عن الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام ـ: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاريّ. وذلك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حاصر يهود بني قريظة(٤) إحدى وعشرين ليلة. فسألوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الصّلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النّضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشّام. فأبى أن يعطيهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة.
وكان مناصحا لهم، لأنّ عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأتاهم.
فقالوا: ما ترى، يا أبا لبابة، أننزل على حكم سعد بن معاذ؟
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنّه الذّبح، فلا تفعلوا.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٢٧١.
(٢) كشف المحجّة / ١٧٥.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥٣٥ ـ ٥٣٦.
(٤) المصدر: يهود قريظة.
فأتاه جبرائيل ـ عليه السّلام ـ فأخبره بذلك.
قال أبو لبابة: فو الله، ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.
فنزلت الآية فيه. فلمّا نزلت، شدّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال والله، لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ.
فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا، حتى خرّ مغشيا عليه. ثمّ تاب الله عليه.
فقيل له: يا أبا لبابة، قد تيب عليك.
فقال: لا والله، لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هو الّذي يحلّني.
فجاءه، فحلّه بيده.
ثمّ قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذّنب وأن أنخلع من مالي.
فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يجزيك الثّلث أن تصدّق به.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل وقع لي عنده مال، وكابرني عليه وحلف. ثمّ وقع له عندي مال، فآخذه مكان مالي الّذي أخذ وأجحده وأحلف عليه، كما صنع؟
فقال: إن خانك، فلا تخنه، ولا تدخل فيما عبته عليه.
عليّ بن إبراهيم(٢) : عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم عن عبد الحميد، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: الرّجل يكون لي عليه الحقّ، فيجحدنيه. ثمّ يستودعني مالا، ألي أن آخذ مالي عنده؟
قال: لا، هذه خيانة.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٩٨، ح ١.
(٢) الكافي ٥ / ٩٨، ح ٢.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد وسهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: رجل كان له على رجل مال، فجحده إيّاه وذهب به. ثمّ صار بعد ذلك للرّجل الّذي ذهب بماله مال قبله، أيأخذه منه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرّجل؟
قال: نعم، ولكن لهذا كلام. يقول: أللّهمّ، إنّي آخذ هذا المال مكان مالي الّذي أخذه مني، وإني لم آخذها ما أخذت منه خيانة ولا ظلما.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) . وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) : وأما خيانة الأمانة، فكلّ إنسان مأمون على ما افترض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه.
قال(٣) : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر. فلفظ الآية عام، ومعناها خاصّ.
قال: ونزلت في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، وقد كتبت في هذه الصورة(٤) مع أخبار بدر. وكانت على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المدينة. ونزلت مع الآية التي في سورة التّوبة قوله:( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) التي نزلت في أبي لبابة.
قال: فهذا الدّليل على أنّ التأليف على خلاف ما أنزل الله على نبيّه.
ثم ذكر هذه القصة هناك، كما يأتي.
( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) : لأنّهم سبب الوقوع في الإثم والعقاب. أو محنة من الله، ليبلوكم فيه. فلا يحملنّكم حبّهم على الخيانة، كأبي لبابة.
( وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٢٨): لمن آثر رضا الله عليهم، وراعى حدوده فيهم. فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه.
وفي مجمع البيان(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: لا يقولنّ أحدكم: أللّهمّ إني أعوذ بك من الفتنة. لأنه ليس أحد إلّا وهو مشتمل على فتنة. ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن. فإنّ الله ـ سبحانه ـ يقول:( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .
__________________
(١) الكافي ٥ / ٩٨، ح ٣.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٧٢.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤.
(٤) المصدر: السورة.
(٥) مجمع البيان ٢ / ٥٣٦.
وفي كتاب المناقب(١) لابن شهر آشوب: وروى يحيى بن أبي كثير وسفيان بن عيينة، بإسنادهما، أنّه سمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بكاء الحسن والحسين وهم على المنبر، فقام فزعا. ثمّ قال: أيّها النّاس، ما الوليد(٢) إلّا فتنة. لقد قمت إليهم وحقّا(٣) ما معي عقلي.
وفي رواية بريدة(٤) : وما أعقل.
عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يخطب على المنبر. فجاء(٥) الحسن والحسين، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران.
فنزل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من المنبر، فحملهما ووضعهما على يديه ثمّ قال: صدق الله:( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) .
(إلى آخر كلامه).
وفي خبر آخر: أولادنا أكبادنا يمشون على الأرض.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) : هداية في قلوبكم، تفرقون بها بين الحقّ والباطل. أو نصرا، يفرق بين المحقّ والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين. أو مخرجا من الشّبهات. أو نجاة عمّا تحذرون في الدّارين. أو ظهورا يشهر أمركم ويثبت نعتكم، من قولهم: بتّ أفعل كذا حتّى سطح الفرقان، أي: الصّبح.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) ، يعني: العلم الّذي تفرقون به بين الحقّ والباطل.
( وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) : ويسترها.
( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) : ذنوبكم، بالتّجاوز والعفو عنها.
وقيل(٧) : «السّيّئات» الصّغائر. و «الذّنوب» الكبائر.
وقيل(٨) : المراد: ما تقدّم وما تأخّر. لأنّها في أهل بدر، وقد غفرهما(٩) الله لهم.( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (٢٩): تنبيه على أنّ ما وعده لهم من التّقوى، تفضّل منه وإحسان. وأنّه ليس ممّا يوجبه تقواهم عليه، كالسّيد إذا وعد عبده إنعاما على
__________________
(١) المناقب ٣ / ٣٨٥.
(٢) المصدر: الولد.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: فأتى.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٧٢.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٣٩١.
(٨) نفس المصدر.
(٩) كذا في المصدر، وفي النسخ: غفرها.
عمل.
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : تذكار لـمـّـا مكر قريش به حين كان بمكّة، ليشكر نعمة الله في خلاصه من مكرهم واستيلائه عليهم.
والمعنى: واذكر إذ يمكرون بك.
( لِيُثْبِتُوكَ ) : بالوثاق والحبس. أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتّى أثبته، ولا حراك به ولا براح.
وقرئ(١) : «ليثبّتوك» بالتّشديد. و «ليبيّتوك»، من البيات. و «ليقيّدوك».
( أَوْ يَقْتُلُوكَ ) : بسيوفهم.
( أَوْ يُخْرِجُوكَ ) : من مكّة.
( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ) : بردّ مكرهم عليهم. أو بمجازاتهم عليه. أو بمعاملة الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر وقلّل المسلمين في أعينهم حتّى حملوا عليهم فقتلوا.
( وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) (٣٠): إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره.
وإسناد أمثال هذا، إنّما يحسن للمزاوجة. ولا يجوز إطلاقها ابتداء، لما فيه من إيهام الذّمّ.
في أمالي(٢) شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى جابر بن عبد الله بن حزام الأنصاريّ ـ رحمه الله ـ قال: تمثّل إبليس ـ لعنه الله ـ في أربع صور.
ـ إلى قوله ـ: وتصوّر يوم اجتماع قريش في دار النّدوة في صورة شيخ من أهل نجد. وأشار عليهم في النّبيّ ـ عليه السّلام ـ بما أشار. فأنزل الله ـ تعالى ـ:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ ) (الآية).
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السلام ـ: أنّ قريشا اجتمعت فخرجت من كل بطن أناسا. ثمّ انطلقوا إلى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإذا هم بشيخ قائم على الباب.
فإذا ذهبوا إليه ليدخلوا، قال: أدخلوني معكم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٢.
(٢) أمالي الطوسي ١ / ١٨٠ ـ ١٨١.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٣ ـ ٥٤، ح ٤٢.
قالوا: ومن أنت، يا شيخ؟
قال: أنا شيخ من مصر(١) ، ولي رأي أشير به عليكم.
فدخلوا وجلسوا وتشاوروا، وهو جالس. وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه.
قال: ليس هذا بكم برأي. إن أخرجتموه، جلب عليكم النّاس فقاتلوكم.
قالوا: صدقت، ما هذا برأي.
ثمّ تشاوروا، وأجمعوا أمرهم على أن يوثقوه.
قال: هذا ليس برأي. إن فعلتم هذا، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل حلو اللّسان، أفسد عليكم أبناءكم وخدمكم. وممّا(٢) ينفع أحدكم إذا فارقه أخوه وابنه وامرأته.
ثمّ تشاوروا، فأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه. يخرجون من كلّ بطن منهم بشاهر، فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكعبة.
ثمّ قرأ هذه الآية:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ ) . (الآية).
عن زرارة وحمران(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٤) قوله:( وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) .
قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد كان لقي من قومه بلاء شديدا. حتى أتوه ذات يوم، وهو ساجد، حتى طرحوا(٥) عليه رحم شاة. فأتته ابنته، وهو ساجد لم يرفع رأسه، فرفعته عنه ومسحته. ثمّ أراه الله بعد ذلك الّذي يحبّ. إنه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد، ثمّ كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفا، حتى جعل أبو سفيان والمشركون يستغيثون(٦) . ثمّ لقي أمير المؤمنين من الشّدة والبلاء والتّظاهر عليه، ولم يكن معه أحد من قومه بمنزلته. أما حمزة فقتل يوم أحد، وأما جعفر فقتل يوم مؤنة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) ، في هذه الآية: أنّها نزلت بمكة قبل الهجرة. وكان سبب نزولها، أنّه لما أظهر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الدعوة بمكّة، قدمت عليه
__________________
(١) المصدر: بني مضر.
(٢) المصدر: ما.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٤، ح ٤٣.
(٤) من المصدر.
(٥) هكذا في المصدر، وفي النسخ: طردوا.
(٦) هكذا في المصدر، وفي النسخ: يستعينون.
(٧) تفسير القمي ١ / ٢٧٢ ـ ٢٧٦.
الأوس والخروج.
فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: تمنعوني وتكونون لي جارا(١) حتى أتلو عليكم كتاب ربي، وثوابكم على الله الجنّة؟
فقالوا: نعم، خذ لربّك ولنفسك ما شئت.
وقال لهم: موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التّشريق.
فحجّوا ورجعوا إلى منى. وكان فيهم ممّن قد حجّ كثيرا.
فلمّا كان اليوم الثاني من أيّام التشريق، فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا كان اللّيل، فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة. ولا تنبّهوا نائما. ولينسل واحد فواحد.
فجاء سبعون رجلا من الأوس والخزرج، فدخلوا الدّار.
فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: تمنعوني وتجيروني حتى أتلو عليكم كتاب ربي، وثوابكم على الله الجنّة؟
فقال سعد بن زرارة والبراء من معرور وعبد الله بن حزام: نعم، يا رسول الله اشترط لربّك ولنفسك ما شئت.
فقال: أمّا ما أشترط لربي، فأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم، وتمنعوا أهلي مما تمنعون أهليكم(٢) وأولادكم.
فقالوا: فما لنا على ذلك؟
قال: الجنة في الآخرة، وتملكون العرب، وتدين لكم العجم في الدنيا. وتكونون ملوكا في الجنّة.
فقالوا: قد رضينا.
فقال: أخرجوا إليّ منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون شهداء عليكم بذلك، كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثنى عشر نقيبا.
فأشار عليهم جبرئيل ـ عليه السّلام ـ.
فقال: هذا نقيب وهذا نقيب وهذا نقيب، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. فمن الخزرج، سعد بن زرارة والبراء بن معرور. وعبد الله بن حزام، ـ وهو
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: حبارا.
(٢) المصدر: أهاليكم.
أبو جابر بن عبد الله ـ ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الرّبيع، وعبادة بن الصامت. ومن الأوس، أبو الهيثم بن التّيهان، وهو من اليمن، وأسد بن حصين، وسعد بن خيثمة.
فلمّا اجتمعوا وبايعوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ صاح إبليس: يا معشر قريش والعرب، هذا محمّد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم.
فأسمع أهل منى. وهاجت قريش، فأقبلوا بالسّلاح. وسمع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ النّداء.
فقالوا للأنصار: تفرّقوا.
فقالوا: يا رسول الله، إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لم أؤمر بذلك، ولم يأذن الله لي في محاربتهم.
قالوا: فتخرج معنا؟
قال: أنتظر أمر الله.
فجاءت قريش على بكرة أبيها، قد أخذوا السّلاح. وخرج حمزة وأمير المؤمنين ـ عليهما السّلام ـ [ومعهما السيوف](١) ، فوقفنا على العقبة.
فلمّا نظرت قريش إليهما، قالوا: ما هذا الّذي اجتمعتم له؟
فقال حمزة: ما اجتمعنا، وما ها هنا أحد. والله، لا يجوز هذه العقبة أحد إلّا ضربته بسيفي.
فرجعوا إلى مكّة، وقالوا: لا نأمن من أن يفسد أمرنا، ويدخل واحد من مشايخ قريش في دين محمّد.
فاجتمعوا في الندوة. وكان لا يدخل دار الندوة، إلا من أتى عليه أربعون سنة.
فدخلوا أربعين رجلا من مشايخ قريش.
وجاء إبليس في صورة شيخ كبير، فقال له البواب، من أنت؟
فقال: أنا شيخ من أهل نجد، لا يعدمكم مني رأي صائب(٢) . إني حدث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرّجل، فجئت لأشير عليكم.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: تناسب.
فقال: ادخل.
فدخل إبليس.
فلمّا أخذوا مجلسهم، قال أبو جهل: يا معشر قريش: إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا. نحن أهل الله، وتغدوا إلينا العرب في السّنة مرّتين ويكرموننا ونحن في حرم الله، لا يطمع فينا طامع. فلم نزل كذلك، حتّى نشأ فينا محمّد بن عبد الله. فكنّا نسمّيه الأمين، لصلاحه وسكونه وصدق لهجته، حتّى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه، ادّعى أنّه رسول الله. وأنّ أخبار السّماء تأتيه. فسفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا، وزعم أنّه من مات من أسلافنا ففي النّار. فلم يرد علينا شيء أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأيا. وما رأيت؟
قال: رأيت أن ندسّ إليه رجلا منّا ليقتله. فإن طلبت بنو هاشم بدمه، أعطيناهم عشر ديات. فقال الخبيث: هذا رأي خبيث.
قالوا: وكيف ذلك؟
قال: لأنّ قاتل محمّد مقتول لا محالة. فمن هذا الّذي يبذل نفسه للقتل منكم؟
فإنّه إذا قتل محمّد، تعصّبت(١) بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة. وأنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على الأرض، فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا به.
فقال آخر منهم: فعندي رأي آخر.
قال: وما هو؟
نبيّته(٢) في بيت ونلقي إليه قوته، حتّى يأتيه ريب المنون فيموت، كما مات زهير والنّابعة وامرؤ القيس.
فقال إبليس: هذا أخبث من الآخر.
قالوا: وكيف ذلك؟
قال: لإنّ بني هاشم لا ترضى بذلك. فإذا جاء موسم من مواسم العرب، استعانوا(٣) بهم واجتمعوا عليكم فأخرجوه.
وقال آخر منهم: لا، ولكنّا نخرجه من بلادنا ونتفرّغ نحن لعبادة آلهتنا.
__________________
(١) المصدر: تغضب.
(٢) المصدر: نثبته.
(٣) المصدر: استغاثوا.
فقال إبليس: هذا أخبث من الرّأيين المتقدّمين.
قالوا: وكيف ذلك؟
قال: لأنّكم تعمدون إلى أصبح النّاس وجها وأنطق النّاس لسانا وأفصحهم لهجة، فتحملونه إلى بوادي(١) العرب فيخدعهم ويستجرّهم(٢) بلسانه. فلا يفجأكم إلّا وقد ملأها عليكم خيلا ورجالا(٣) .
فبقوا حائرين. ثمّ قالوا لإبليس: فما الرأي فيه، يا شيخ؟
قال: ما فيه إلّا رأي واحد.
قالوا: وما هو؟
قال: يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش واحد، ويكون معهم من بني هاشم رجل، فيأخذون سكينة أو حديدة أو سيفا، فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة، حتى يتفرّق دمه في قريش كلّها. فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه، وقد شاركوا فيه.
فإن سألوكم أن تعطوا الدّية، فأعطوهم ثلاث ديات.
فقالوا: نعم، وعشر ديات.
ثمّ قالوا: الرأي، رأي الشّيخ النجديّ.
فاجتمعوا، ودخل معهم في ذلك أبو لهب، عمّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ونزل جبرئيل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأخبره، أنّ قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك. وأنزل الله عليه في ذلك( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) .
واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلا فيقتلوه. وخرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفّقون، ويطوفون بالبيت. فأنزل الله( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) (٤) . «فالمكاء»، التصفير. و «التّصدية» صفق اليدين. وهذه الآية معطوفة على قوله:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) . وقد كتب بعد آيات كثيرة.
فلما أمسى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جاءت قريش ليدخلوا عليه.
فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه اللّيل. فإنّ في الدار صبيانا ونساء، ولا
__________________
(١) المصدر: وادي.
(٢) المصدر: يسحرهم.
(٣) المصدر: رجلا.
(٤) الأنفال / ٣٥.
نأمن أن تقع بهم يد خاطئة. فنحرسه اللّيلة، فإذا أصبحنا دخلنا عليه.
فناموا حول حجرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يفرش له، فراش(١) .
فقال لعليّ بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ: أفدني نفسك.
قال: نعم، يا رسول الله.
قال: يا عليّ، نم على فراشي والتحف ببردتي.
فنام على فراش رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والتحف ببردته. وجاء جبرئيل، فأخذ بيد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخرجه على قريش، وهم نيام. وهو يقرأ عليهم:( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) (٢) .
وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور. وهو جبل على طريق منى، له سنام، كسنان ثور.
فدخل الغار وكان من أمره ما كان. فلما أصبحت قريش، وأتوا(٣) إلى الحجرة وقصدوا الفراش.
فوثب عليّ في وجوههم، فقال: ما شأنكم؟
قالوا له: أين محمّد؟
قال: أجعلتموني عليه رقيبا، ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم.
فأقبلوا يضربون أبا لهب ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة.
فتفرّقوا في الجبال. وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز. يقفو الآثار.
فقالوا له: يا أبا كرز، اليوم اليوم.
فوقف بهم على باب حجرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: هذه قدم محمد، والله، إنّها لأخت القدم التي في المقام.
وكان أبو بكر استقبل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فردّه معه.
وقال أبو كرز: وهذه قدم ابن أبي قحافة، أو أبيه. ثمّ قال: وها هنا عبر ابن أبي قحافة.
فما زال يقفو بهم، حتّى أوقفهم على باب الغار. ثمّ قال: ما جاوزا هذا
__________________
(١) المصدر: ففرش له.
(٢) يس / ٩.
(٣) ح: وثبوا.
المكان. إمّا أن يكونوا صعدوا إلى السّماء، أو أدخلوا تحت الأرض.
فبعث الله العنكبوت، فنسجت على باب الغار. وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار، ثمّ قال: ما في الغار أحد(١) .
فتفرقوا في الشّعاب، وصرفهم الله عن رسوله. ثمّ أذن لنبيّه في الهجرة.
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ) : وهو قول النضر بن الحارث بن كلدة يوم بدر. وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنّه كان قاصّهم. أو قول الّذين ائتمروا في أمره ـ عليه السّلام ـ. وهذه غاية مكابرتهم وفرط عنادهم. إذ لو استطاعوا ذلك، فما منعهم أن يشاءوا وقد تحداهم وقرّعهم بالعجز عشر سنين ثمّ قارعهم بالسّيف. فلم يعارضوا سوره مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البيان.
( إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) (٣١): ما سطّره الأوّلون من القصص.
قيل(٢) : قاله النّضر ـ أيضا ـ. وذلك أنّه جاء بحديث رستم وإسفنديار من بلاد فارس، وزعم أنّ هذا هو مثل ذاك.
( وَإِذْ قالُوا أللّهمّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٣٢).
قيل(٣) : هذا ـ أيضا ـ من كلام ذلك القائل أبلغ في الجحود.
ونقل(٤) : أنّه لـمـّـا قال النّضر:( إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ، قال له النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ويلك، إنّه كلام الله.
فقال ذلك.
والمعنى: ان كان القرآن حقّا منزلا، فأمطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره. أو ائتنا بعذاب أليم سواء.
والمراد به: التّهكّم، وإظهار اليقين، والجزم التّامّ على كونه باطلا.
وقرئ(٥) : «الحقّ» بالرفع، على أنّ «هو» مبتدأ غير فصل. وفائدة التعريف فيه ،
__________________
(١) المصدر: واحد.
(٢) تفسير الصافي ٢ / ٢٩٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٢ ـ ٣٩٣.
(٤) نفس المصدر، والموضع.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٢.
الدّلالة على أنّ المعلّق به كونه حقّا بالوجه الّذي يدّعيه النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو تنزيله لا الحقّ مطلقا، لتجويزهم(١) أن يكون مطابقا للواقع غير منزل، كأساطير الأوّلين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قاله أبو جهل.
وفي روضة الكافي(٣) : عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [ذات يوم](٤) جالسا، وذكر كلاما طويلا في فضل عليّ ـ عليه السّلام ـ.
إلى أن قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال:( إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) إنّ بني هاشم يتوارثون هرقل بعد هرقل «فأرسل علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم».
فأنزل الله عليه مقالة الحارث.
وفي تفسير مجمع البيان(٥) ، بإسناده إلى سفيان بن عيينة: عن جعفر بن محمّد الصّادق، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: لـمـّـا نصب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ يوم غدير خمّ فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» طار ذلك في البلاد.
فقدم على النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ النّعمان بن الحارث الفهريّ، فقال: أمرتنا من الله أن نشهد لا إله الّا الله وأنّك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصّوم والصلاة والزكاة، فقبلناها. ثم لم ترض حتى نصّبت هذا الغلام فقلت: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله؟
فقال: والله الذي لا إله إلّا هو، إنّ هذا من عند الله.
فولّى النّعمان بن الحارث وهو يقول: «اللهم» (الآية). فرماه الله بحجر على رأسه، فقتله.
( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (٣٣): بيان لما كان الموجب لإمهالهم، والتّوقّف لإجابة دعائهم.
و «اللّام» لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم عذاب استئصال والنبيّ بين
__________________
(١) المصدر: ينجويزهم.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٧٧. بتصرف.
(٣) الكافي ٨ / ٥٧، ح ١٨.
(٤) من المصدر.
(٥) مجمع البيان ٥ / ٣٥٢.
أظهرهم خارج عن عادته غير مستقيم في قصائه.
والمراد بالاستغفار، إمّا استغفار من بقي فيهم من المؤمنين. أو قولهم: أللّهمّ غفرانك. أو فرضه على معنى: لو استغفروا لم يعذّبوا، كقوله:( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) .
وفي روضة الكافي(١) : عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة وغير واحد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ لكم في حياتي خيرا وفي مماتي خيرا.
قال: فقيل: يا رسول الله، أما حياتك فقد علمنا فما لنا في وفاتك؟
فقال: أما في حياتي، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) . وأمّا في مماتي، فتعرض عليّ أعمالكم فأستغفر لكم.
وفي نهج البلاغة(٢) : وحكى أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: كان في الأرض أمانان من عذاب الله ـ سبحانه ـ. فرفع أحداهما، فدونكم الآخر فتمسّكوا به. أمّا الأمان الّذى رفع، فهو رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأما الأمان الباقي، فالاستغفار. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) (الآية).
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم.
فقالوا: يا رسول الله، وكيف ذاك؟
فقال: أمّا حياتي، فإن الله يقول:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٤) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: [مقامي فيكم و](٥) الاستغفار لكم حصن حصين من العذاب. فمضى اكبر الحصنين، وبقي الاستغفار. فأكثروا منه، فانّه ممحاة للذنوب. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) (الآية).
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٥٤، ح ٣٦١.
(٢) نهج البلاغة / ٤٨٣، حكمة ٨٨.
(٣) الفقيه ١ / ١٢١، ح ٥٨٢.
(٤) ثواب الأعمال / ١٩٧، ح ٣.
(٥) من المصدر.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن عبد الله بن محمّد الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: الاستغفار حصن حصين(٢) لكم من العذاب. فمضى اكبر الحصنين، وبقي الاستغفار. فأكثروا منه، فإنّه ممحاة(٣) للذّنوب. وان شئتم فاقرؤوا:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) (الآية).
وفي كتاب علل الشرائع(٤) ، بإسناده إلى عمرو بن شمر: عن جابر بن يزيد الجعفي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ: لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ والإمام؟
فقال: لبقاء العالم على صلاحه. وذلك أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يرفع العذاب عن أهل الأرض، إذا كان فيها نبيّ أو إمام. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) . وقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: النجوم أمان لأهل السّماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض. فإذا ذهبت النجوم، أتى أهل السّماء ما يكرهون. وإذا ذهب أهل بيتي، أتى أهل الأرض ما يكرهون، يعني بأهل بيته: الأئمّة الّذين قرن الله ـ عزّ وجلّ ـ طاعتهم بطاعته.
وفي أمالي شيخ الطائفة(٥) ، بإسناده إلى سدير: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو في نفر من أصحابه: إنّ مقامي بين أظهركم خير لكم، وإنّ مفارقتي إيّاكم خير لكم.
فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وقال: يا رسول الله، أمّا مقامك بين أظهرنا فهو خير لنا. فكيف يكون مفارقتك إيانا خيرا لنا؟
فقال: أمّا مقامي بين أظهركم خير لكم، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يعني: يعذّبهم](٦) بالسّيف. فأمّا مفارقتي إيّاكم فهو خير لكم، لأنّ أعمالكم تعرض عليّ كلّ اثنين وخميس. فما كان من حسن، حمدت الله عليه. وما كان من سيء، استغفرت لكم.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٥٤٠، ح ٤٤.
(٢) المصدر: وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والاستغفار حصنين .
(٣) المصدر: منجاة.
(٤) العلل / ١٢٣ ـ ١٢٤، ح ١.
(٥) أمالي الطوسي ٢ / ٢٢ ـ ٢٣.
(٦) من المصدر.
وبإسناده(١) إلى جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: أربع للمرء، لا عليه. إلى قوله: والاستغفار فإنّه قال:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .
( وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ) : وما لهم ممّا يمنع تعذيبهم متى زال ذلك، وكيف لا يعذّبون؟
( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) : وحالهم ذلك. ومن صدّهم عنه إلجاء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمؤمنين إلى الهجرة، وإحصارهم عام الحديبيّة.
( وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ) : مستحقين ولاية أمره مع شركهم. وهو ردّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء.
( إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ) : من الشّرك. الّذين لا يعبدون فيه غيره.
وقيل(٢) : الضّميران لله.
وفي مجمع البيان(٣) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: معناه: وما أولياء المسجد الحرام إلّا المتّقون.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ) ، يعني: أولياء البيت، يعني: المشركين.( إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ) حيث ما كانوا، هم أولى به من المشركين.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٣٤): أنّ لا ولاية لهم عليه، كأنّه نبّه بالأكثر على أنّ منهم من يعلم ويعاند. أو أراد به الكلّ، كما يراد بالقلّة العدم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أنّها نزلت لـمـّـا قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لقريش: إنّ الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدّنيا وأجري الملك إليكم. فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه، تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم وتكونوا ملكوا في الجنّة.
فقال أبو جهل:( اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا ) الذي يقول محمّد
__________________
(١) أمالي الطوسي ٢ / ١٠٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
(٣) مجمع البيان ٢ / ٥٣٩ و ٥٤٠.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٥٥، ح ٤٦.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٧٦ ـ ٢٧٧.
( هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) . حسدا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ثمّ قال: كنّا وبنو هاشم، كفرسي رهان. نحمل، إذ احملوا. ونطعن، إذ طعنوا. ونوقد، إذا أوقدوا. فلما استوى بنا وبهم الرّكب، قال قائل منهم: منّا نبيّ. لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم، ولا يكون في بني مخزوم.
ثمّ قال: غفرانك، أللّهمّ.
فأنزل الله في ذلك( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) حين قال: غفرانك، أللّهمّ.
فلمّا همّوا بقتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأخرجوه من مكّة، قال الله:( وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ) ، يعني: قريشا ما كانوا أولياء مكّة.( إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ) أنت وأصحابك، يا محمّد. فعذّبهم الله بالسّيف يوم بدر، فقتلوا.
وفي روضة الكافي(١) : عن أبي بصير قال: بينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [ذات يوم](٢) جالس، إذ أقبل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم.
ولولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.
قال: فغضب الأعرابيّان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.
فأنزل الله على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال:( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ) ، يعني: من بني هاشم( مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) (٣) . قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال:( اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) [إنّ بني هاشم يتوارثون](٤) هرقلا بعد هرقل
__________________
(١) الكافي ٨ / ٥٧ ـ ٥٨، ح ١٨.
(٢) من المصدر.
(٣) الزخرف / ٥٧ ـ ٦٠.
(٤) ليس في المصدر.
فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فأنزل الله عليه مقالة الحارث. ونزلت هذه الآية( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .
ثمّ قال له: يا ابن عمرو، إمّا تبت وإما رحلت.
[فقال: يا محمّد، بل تجعل لسائر قريش شيئا ممّا في يديك. فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم.
فقال له النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ليس ذلك إليّ. ذلك إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ.
فقال: يا محمّد، قلبي ما يتابعني على التوبة، ولكن أرحل عنك](١) .
فدعا براحلته، فركبها. فلمّا صار بظهر المدينة، أتته جندلة فرضّت(٢) هامته.
[ثمّ أتى الوحي إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: «سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية عليّ ليس له دافع من الله ذي المعارج»(٣) .
قال: قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرؤها هكذا.
فقال: هكذا ـ والله ـ نزل بها جبرئيل على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهكذا هو ـ والله ـ مثبت في مصحف فاطمة ـ عليها السّلام ـ](٤) .
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم، فقد أتاه ما استفتح به. قال الله:( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (٥) .
( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ) ، أي: دعاؤهم. أو ما يسمّونه صلاة. أو ما يضعون موضعها.
( إِلَّا مُكاءً ) : صفيرا. فعال، من مكا يمكو: إذا صفر.
وقرئ(٦) ، بالقصر، كالبكا.
( وَتَصْدِيَةً ) : تصفيقا. تفعلة، من الصداء، أو من الصّدّ. على إبدال أحد حرفي التّضعيف بالياء.
__________________
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٢) المصدر: فرضخت.
(٣) المعارج / ١ ـ ٣.
(٥) إبراهيم / ١٥.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
وقرئ(١) : «صلاتهم» بالنّصب، على أنّه الخبر المقدّم. ومساق الكلام، لتقرير استحقاقهم العذاب. أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنّها لا تليق لمن هذه صلاته.
وفي تفسير العياشي(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: التصفير والتصفيق.
وفي عيون الأخبار(٣) : قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: وسميت مكّة: مكّة، لأنّ الناس كانوا يمكون فيها. وكان يقال لمن قصدها: قد مكأ. ذلك قول الله ـ تعالى ـ:( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) . «فالمكاء» التصفير. و «التّصدية» صفق اليدين.
وفي مجمع البيان(٤) : روي أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره يصفّقان بأيديهما فيخلطان عليه صلاته. فقتلهم الله جميعا ببدر.
قيل(٥) : إنّهم كانوا يطوفون عراة، الرّجال والنّساء، مشبّكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفّقون.
( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) يعني: القتل والأسر يوم البدر.
وقيل(٦) : عذاب الآخرة.
و «اللّام» يحتمل أن تكون للعهد والمعهود «ائتنا بعذاب أليم».
( بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) (٣٥): اعتقادا وعملا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : هذه الآية معطوفة على قوله:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، كما نقلنا عنه هناك.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) قيل(٨) : نزلت في المطعمين يوم بدر. وكان اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كلّ
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
(٢) تفسير العيّاشيّ ٢ / ٥٥، ح ٤٦.
(٣) عيون الأخبار ٢ / ٩٠ ـ ٩١.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥٤٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
(٧) تفسير القمي ١ / ٢٧٥.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
واحد منهم كلّ يوم عشر [جزر أو](١) في أبي سفيان، استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقيّة.
وسيأتي عن عليّ بن إبراهيم، أنه في أصحاب العير. فإنّه لـمـّـا أصيب قريش ببدر، قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمّد لعلّنا ندرك منه ثأرنا. ففعلوا.
والمراد بسبيل الله: دينه، واتباع رسوله.
( فَسَيُنْفِقُونَها ) : بتمامها.
قيل(٢) : لعلّ الأوّل إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق بدر. والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل، وهو إنفاق احد. ويحتمل أن يراد بهما واحد، على أنّ مساق الأول لبيان غرض الإنفاق. ومساق الثاني لبيان عاقبته، وإنّه لم يقع بعد.
( ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) : ندما وغمّا، لفواتها من غير مقصود. جعل ذاتها تصير حسرة، وهي عاقبة إنفاقها مبالغة.
( ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) : آخر الأمر. وإن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : نزلت في قريش، لـمـّـا وافاهم ضمضم وأخبرهم بخبر(٤) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في طلب العير. فأخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ببدر، فقتلوا وصاروا إلى النّار. وكان ما أنفقوا حسرة عليهم.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) ، أي: الّذين ثبتوا على الكفر منهم، إذا أسلم بعضهم.
( إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) (٣٦): يساقون.
( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) : الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصّلاح.
و «اللّام» متعلّقة «بيحشرون»، أو «يغلبون».
أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ممّا أنفقه المسلمون في نصرته. و «اللام» متعلّقة بقوله:( ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) .
وقرأ(٥) حمزة والكسائي ويعقوب: «ليميّز» من التّمييز. وهو أبلغ من الميز.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: جزورا و.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٣.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٧ ـ ٢٧٨.
(٤) المصدر: بخروج.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٤.
( وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) : فيجمعه ويضمّ بعضه إلى بعض، حتّى يتراكبوا لفرط ازدحامهم. أو يضمّ إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه، كما للكانزين.
( فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ ) : إشارة إلى الخبيث، لأنّه مقدر بالفريق الخبيث. أو إلى المنفقين.
( هُمُ الْخاسِرُونَ ) (٣٧): الكاملون في الخسران، لأنّهم خسروا أنفسهم وأموالهم.
وفي علل الشّرائع(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في حديث: إنّ الله ـ سبحانه ـ مزج طينة المؤمن حين أراد خلقه بطينة الكافر، فما يفعل المؤمن من سيئة فإنّما هو من أجل ذلك المزاج. وكذلك مزج طينة الكافر حين أراد خلقه بطينة المؤمن، فما يفعل الكافر من حسنة فإنّما هو من أجل ذلك المزاج.
أو لفظ هذا معناه قال: فإذا كان يوم القيامة، ينزع الله ـ تعالى ـ من العدوّ النّاصب سنخ المؤمن ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصّالحة ويرده على المؤمن. وينزع الله ـ تعالى ـ من المؤمن سنخ النّاصب ومزاجه وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السّيّئة الرّديئة، ويردّه إلى الناصب عدلا منه ـ جلّ جلاله ـ وتقدّست أسماؤه. ويقول للنّاصب: لا ظلم عليك بهذه الأعمال الخبيثة من طينك ومزاجك، وأنت أولى بها. وهذه الأعمال الصّالحة من طينة المؤمن ومزاجه وهو أولى بها. لا ظلم اليوم، إنّ الله سريع الحساب.
ثم قال: أزيدك في هذا المعنى من القرآن، أليس الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (٢) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ. لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) .
__________________
(١) عنه تفسير الصافي ٢ / ٣٠٢، وشرحه في الوافي المجلد ١ الجزء ٣ / ١١ ـ ١٣. والحديث موجود في علل الشرايع / ٦٠٦، ح ٨١. ولكن لم يرد فيه ذكر للآيتين الواردتين في ذيل الحديث.
(٢) النّور / ٢٦.
( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) : يعني: أبا سفيان وأصحابه.
والمعنى: قل لأجلهم.
( إِنْ يَنْتَهُوا ) : عن معاداة الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالدّخول في الإسلام.
( يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) : من ذنوبهم.
وقرئ(١) : بالتّاء والكاف، على أنّه خطابهم. و «يغفر» على البناء للفاعل. وهو الله ـ تعالى ـ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عليّ بن درّاج الأسديّ قال: دخلت على أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.
فقلت له: إنّي كنت عاملا لبني أميّة. فأصبت مالا كثيرا، فظننت أنّ ذلك لا يحلّ لي.
قال: فسألت عن ذلك غيري؟
قال: قلت: قد سألت. فقيل لي: إنّ أهلك ومالك وكلّ شيء لك حرام.
قال: ليس كما قالوا لك.
قلت: جعلت فداك، فلي توبة؟
قال: نعم، توبتك في كتاب الله( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) .
( وَإِنْ يَعُودُوا ) : إلى قتاله.
( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) (٣٨): الّذين تحزّبوا على الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ بالتّدبير، كما جرى على أهل بدر، فليتوقّعوا مثل ذلك.
( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) : لا يوجد فيهم شرك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أي: كفر.
قال: وهي ناسخة لقوله:( كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) . ولقوله:( دَعْ أَذاهُمْ ) .
( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) : وتضمحلّ عنهم الأديان الباطلة.
وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٤.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ٥٥، ح ٤٧.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٨.
(٤) الكافي ٨ / ٢٠١، ح ٤٣.
أذينة، عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) (الآية).
فقال: لم يجئ تأويل هذه الآية بعد. إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رخّص [لخاصة] أصحابه(١) . فلو قد جاء تأويلها، لم يقبل منهم. ولكنّهم يقتلون حتّى يوحّد الله ـ عزّ وجلّ ـ حتّى لا يكون شرك.
وفي تفسير مجمع البيان(٢) :( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ ) (الآية) وروى زرارة وغيره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لم يجئ تأويل هذه الآية. ولو قد قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية. وليبلغنّ دين محمد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما بلغ اللّيل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض، كما قال الله ـ تعالى ـ( يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) (٣) .
( فَإِنِ انْتَهَوْا ) : عن الكفر.
( فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٣٩): فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم.
وعن يعقوب(٤) ، بالتّاء. على معنى: «فإن الله بما تعملون» من الجهاد والدّعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإسلام والإيمان «بصير» يجازيكم.
ويكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنّه، كما يستدعي إثابتهم المباشرة، يستدعي إثابة مقاتليهم للتّسبّب.
( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) : ولم ينتهوا.
( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ ) : ناصركم. فثقوا به، ولا تبالوا بمعاداتهم.
( نِعْمَ الْمَوْلى ) : لا يضيّع من تولّاه.
( وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (٤٠): لا يغلب من نصره.
( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) ، أي: الّذي أخذتموه من الكفّار قهرا.
( مِنْ شَيْءٍ ) : ممّا يقع عليه اسم الشّيء، حتّى الخيط.
وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن
__________________
(١) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الخاصة.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٤٣.
(٣) النّور / ٥٥.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٤.
(٥) الكافي ١ / ٥٤٤، ح ١٠.
عبد الصّمد بن بشير، عن حكيم مؤذّن ابن عيسى قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) .
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمرفقيه على ركبتيه. ثمّ أشار بيده. ثمّ قال: هي، والله، الإفادة يوما بيوم. إلّا أنّ أبي جعل شيعته في حل ليزكوا(١) .
( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) : مبتدأ خبره محذوف، أي: فثابت أنّ لله خمسه.
وقرئ(٢) : «فإنّ» بالكسر.
والجمهور من العامّة: على أنّ ذكر الله ـ تعالى ـ للتّعظيم، كما في قوله:( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) . وأنّ المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين.
( وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) .
في تهذيب الأحكام(٣) : عليّ بن الحسين بن فضّال، عن محمّد بن إسماعيل الزّعفرانيّ، عن حمّاد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول كلاما كثيرا.
ثمّ قال: وأعظم(٤) من ذلك كلّه سهم ذي القربى، الّذين قال الله ـ تعالى ـ:( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) . نحن، والله، عنى بذي القربى. و [هم](٥) الّذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه، فقال:( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) منّا خاصّة. ولم يجعل لنا في سهم الصدّقة نصيبا، أكرم الله نبيّه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدي النّاس.
وفي أصول الكافي(٦) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن أورمة ومحمّد بن عبد الله، عن عليّ بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية).
قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: ليذكوا.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٤.
(٣) تهذيب الأحكام ٤ / ١٢٦، ح ٣٦٢.
(٤) المصدر: أعطهم.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ١ / ٤١٤، ح ١٢.
الحسين بن محمّد(١) ، عن معلّى [بن محمّد](٢) ، عن الوشّاء، عن أبان، عن محمد(٣) ابن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى ) .
قال: وهم قرابة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. والخمس [لله و](٤) للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ [ولنا](٥) .
أحمد(٦) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سئل عن قول الله:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) . فقيل له: فما كان لله، فلمن هو؟
فقال: لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وما كان لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فهو للإمام.
فقيل له: أرأيت إن كان صنف من الأصناف أكثر وصنف أقلّ، ما يصنع به؟
قال: ذاك إلى الإمام. أرأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كيف يصنع، أليس إنّما كان يعطي على ما يرى؟ وكذلك الإمام.
وفي روضة الكافي(٧) ، خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. يقول فيها: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [متعمّدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيّرين لسنّته](٨) ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لتفرّق عنّي جندي حتّى أبقى وحدي، أو قليل من شيعتي الّذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله وسنة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
إلى أن قال: إذا لتفرقوا عني. ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ والله، لقد أمرت النّاس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلّا في فريضة.
إلى أن قال: وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى، الّذي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) الكافي ١ / ٥٣٩، ح ٢.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: جعفر.
(١ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) الكافي ١ / ٥٤٤، ح ٧.
(٧) الكافي ٨ / ٥٩ و ٦٢ ـ ٦٣، ح ٢١.
(٨) من المصدر.
( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) . فنحن، والله، عنى بذي(١) القربى. الّذي قرننا الله بنفسه وبرسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال:( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) فينا خاصّة.
عليّ بن محمّد(٢) ، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، [عن أبي حمزة](٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: إنّ بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم.
فقال لي: الكف عنهم أجمل.
ثمّ قال: والله، يا أبا حمزة، إنّ الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا.
قلت: فكيف لي بالمخرج من هذا؟
فقال لي: يا أبا حمزة، كتاب الله المنزل يدلّ عليه. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيء. ثم قال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية). فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرّمناه على جميع النّاس ما خلا شيعتنا.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الاحتجاج للطبرسيّ(٤) : عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه لبعض الشّاميّين: فهل قرأت هذه الآية:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) ؟
فقال له الشّامي: بلى.
فقال له ـ عليه السّلام ـ: فنحن ذو القربى.
وفي تهذيب الأحكام(٥) : سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان قال: حدّثنا زكريا بن مالك الجعفيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ إنّه سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية).
فقال: أما خمس الله ـ عزّ وجلّ ـ فللرّسول، يضعه في سبيل الله. وأمّا خمس الرسول فلأقاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل بيته. فجعل هذه
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: بذلك.
(٢) الكافي ٨ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦، ح ٤٣١.
(٣) من المصدر.
(٤) الاحتجاج ٢ / ٣٣ ـ ٣٤.
(٥) تهذيب الأحكام ٤ / ١٢٥، ح ٣٦٠.
الأربعة أسهم فيهم. وأما المساكين وابن السّبيل، فقد عرفت أنّا لا نأكل الصّدقة ولا تحلّ لنا، فهي للمساكين وابن السّبيل.
وعنه(١) ، عن أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابه، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية).
قال: خمس الله ـ عزّ وجلّ ـ للإمام، وخمس الرّسول للإمام وخمس ذي القربى لقرابة الرّسول والإمام. واليتامى [يتامى](٢) آل الرّسول، والمساكين منهم، وأبناء السّبيل منهم. فلا يخرج منهم إلى غيرهم.
وفي عوالي اللّئالي(٣) : ونقل عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قيل له: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) .
فقال: أيتامنا ومساكيننا.
وفي تفسير الثعلبي(٤) : عن المنهال بن عمر قال: سألت زين العابدين ـ عليه السّلام ـ عن الخمس.
قال: هو لنا.
فقلت: إنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) .
قال: أيتامنا ومساكيننا.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام.
إلى قوله: ووجد كنزا، فأخرج منه الخمس وتصدّق به. فأنزل الله ـ تعالى ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) (الآية).
وفي عيون الأخبار(٦) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل. وفيه: قالت العلماء له: فأخبرنا هل فسّر الله ـ تعالى ـ
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٣٦١.
(٢) من المصدر.
(٣) عوالي اللّئالي ٢ / ٧٥ ـ ٧٦، ح ٢٠١.
(٤) تفسير الثعلبي.
(٥) الخصال / ٣١٢ ـ ٣١٣، ح ٩٠.
(٦) عيون الأخبار ١ / ٢٣١ و ٢٣٧ ـ ٢٣٩.
الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فسّر الاصطفاء في الظاهر دون الباطن في اثني عشر موطنا وموضعا. فأوّل ذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ.
إلى أن قال: وأمّا الآية الثّامنة فقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) . فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فهذا فصل(١) بين الآل والأمة. لأنّ الله ـ تعالى ـ جعلهم في حيّز وجعل النّاس في حيز دون ذلك، ورضي لهم ورضي لنفسه واصطفاهم فيه. فبدأ بنفسه، ثمّ ثنّى برسوله، ثمّ بذي القربى بكلّ ما كان من الفيء والغنيمة وغير ذلك ممّا رضيه ـ جلّ وعزّ ـ لنفسه ورضيه لهم. فقال ـ وقوله الحقّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) . فهذا تأكيد مؤكّد وأثر قائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (٢) . وأمّا قوله:( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) ، فإنّ اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم ولم يكن له فيها نصيب. وكذلك المسكين إذا انقطع مسكنته، لم يكن له نصيب من المغنم ولا يحلّ له أخذه. وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم فيهم للغنيّ والفقير منهم. لأنّه لا أحد أغنى من الله ـ عزّ وجلّ ـ ولا من رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فجعل لنفسه منها سهما، ولرسوله منها سهما. فما رضيه لنفسه ولرسوله، رضيه لهم. وكذلك الفيء، ما رضيه منه لنفسه ولنبيه، رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة، فبدأ بنفسه ـ جلّ جلاله ـ ثمّ برسوله ثمّ بهم، وقرن سهمهم بسهم [الله وسهم](٣) رسوله.
وكذلك في الطاعة قال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٤) . فبدأ بنفسه، ثمّ برسوله، ثمّ بأهل بيته.
وكذلك آية الولاية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) . فجعل طاعتهم وولايتهم مع طاعة الرّسول مقرونة بطاعته، كما جعل سهمهم مع سهم الرّسول مقرونا بسهمه في الغنيمة والفيء. فتبارك الله وتعالى، ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت! فلمّا جاءت قصّة الصّدقة، نزّه نفسه ورسوله ونزّه أهل بيته فقال :
__________________
(١) المصدر: فضل.
(٢) فصلت / ٤٢.
(٣) من المصدر.
(٤) النساء / ٥٩.
( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) (١) . فهل تجد في شيء من ذلك أنّه ـ عزّ وجلّ ـ سمّى لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟ لأنّه لـمـّـا نزّه نفسه عن الصّدقة ونزّه رسوله، نزّه أهل بيته. لا بل حرّم عليهم، لأنّ الصدقة محرمة على محمّد وآله. وهي أوساخ أيدي النّاس لا تحلّ(٢) لهم، لأنّهم طهّروا من كلّ دنس ووسخ. فلما طهرهم واصطفاهم، رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه. فهذه الثامنة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن محمد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) .
قال: هم قرابة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فسألته: منهم اليتامى والمساكين وابن السبيل؟
قال: نعم.
عن عبد الله بن سنان(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: أنّ نجدة الحروريّ كتب إلى ابن عبّاس يسأله عن موضع الخمس: لمن هو؟
فكتب إليه: أمّا الخمس، فإنّا نزعم أنه لنا. ويزعم قومنا أنّه ليس لنا، فصبرنا.
عن زرارة(٥) ومحمّد بن مسلم وأبي بصير أنّهم قالوا له: ما حقّ الإمام في أموال النّاس؟
قال: الفيء والأنفال والخمس. فكلّ ما دخل منه أو فيء أو أنفال أو خمس أو غنيمة، فإنّ له(٦) خمسه. فإنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) . وكل شيء في الدّنيا، فإنّ لهم فيه نصيبا. فمن وصلهم بشيء فما يدعون له، أكبر ممّا يأخذون منه.
__________________
(١) التوبة / ٦٠.
(٢) المصدر: لا يحلّ.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٦١، ح ٥٠.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٥٢.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٥٣.
(٦) المصدر: لهم.
عن محمّد بن الفضيل(١) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) .
قال: الخمس لله وللرّسول. وهو لنا.
عن الحلبي(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: في الرّجل من أصحابنا في لوائهم، فيكون معهم فيصيب غنيمة.
قال: يؤدي خمسنا، ويطيب له.
( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ ) : متعلّق بمحذوف دلّ عليه «واعلموا»، أي: كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء. فسلّموه إليهم، واقتسموا بالأخماس الأربعة الباقية. فإنّ العلم العمليّ إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرّد، لأنّه مقصود بالعرض، والمقصود بالذّات هو العمل.
( وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ) : محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من الآيات والملائكة والنّصر.
وقرئ: «عبدنا» بضمتين، أي: الرّسول والمؤمنين.
( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) : يوم بدر. فإنّه فرق فيه بين الحقّ والباطل.
( يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) : المسلمون والكفّار.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الغسل في سبعة عشر موطنا، ليلة سبع عشرة(٤) من شهر رمضان. وهي ليلة التقى الجمعان ليلة بدر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: في تسعة عشر من شهر رمضان يلتقي الجمعان.
قلت: ما معنى قوله: يلتقي الجمعان؟
قال: يجمع فيهما ما يريد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٢، ح ٥٦.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٤، ح ٦٦.
(٣) الخصال / ٥٠٨، ح ١.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: سبعة وعشرين.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٤، ح ٦٧.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٤١): فيقدر على نصر القليل على الكثير، والإمداد بالملائكة.
( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ) : بدل من «يوم الفرقان».
و «العداوة» بالحركات الثّلاث: شطّ الوادي، وقد قرئ بها. والمشهور الضمّ والكسر، وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب.
( وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ) : البعدى من المدينة. تأنيث الأقصى. وكان قياسه قلب الواو، كالدّنيا والعليا، تفرقة بين الاسم والصّفة. فجاء على الأصل، كالقود. وهو أكثر استعمالا من القصيا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ) (الآية)، يعني: قريشا حين نزلوا بالعدوة اليمانيّة، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين نزل بالعدوة الشّاميّة.
( وَالرَّكْبُ ) ، أي: العير، أو قوّادها.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) .
قال: أبا سفيان وأصحابه.
وموافق لما ذكره عليّ بن إبراهيم(٣) ، أنّ أبا سفيان كان مع العير.
( أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) : في مكان أسفل من مكانكم، يعني: السّاحل.
وهو منصوب على الظرف، واقع موقع الخبر. والجملة حال من الظرف قبله.
وفائدتها الدّلالة على قوة العدوّ، واستظهارهم بالرّكب، وحرصهم على المقاتلة، وتوطين نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة. وكذا ذكر مراكز الفريقين، فإنّ العدوة الدّنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فيها إلّا بتعب ولم يكن بها ماء، بخلاف العدوة القصوى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) وهو
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٧٨.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٥، ح ٦٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٥٦.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٧٨.
العير الّتى أفلتت.
( وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ) : أي: لو تواعدتم أنتم وهم للقتال ثمّ علمتم حالكم وحالهم، لاختلفتم في الميعاد هيبة منهم ويأسا من الظّفر عليهم. ليتحقّقوا أنّ ما اتّفق لهم من الفتح ليس إلّا صنعا من الله خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا وشكرا.
( وَلكِنْ ) : جميع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد.
( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) : حقيقا بأن يفعل. وهو نصر أوليائه، وقهر أعدائه.
وفي كتاب مقتل الحسين ـ عليه السّلام ـ لأبي مخنف: أنّ الحسين ـ عليه السّلام ـ بعد أن بلغه قتل مسلم وهانى ونزوله بالعقبة قال له بعض من حضر: ناشدتك الله، إلا ما رجعت. فو الله، ما تقدم إلّا على أطراف الأسنّة وحرارات السّيوف. وأنّ هؤلاء القوم الذين بعثوا إليك لو كان فيهم صلاح، لكفوك مؤنة الحرب والقتال، وطيّبوا لك الطريق، ولكان الوصول إليهم رأيا سديدا. فالرأي عندنا، أن ترجع عنهم ولا تقدم عليهم.
فقال له الحسين ـ عليه السّلام ـ: صدقت، يا عبد الله، فيما تقول( وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) .
( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) : بدل منه. أو متعلّق بقوله: «مفعولا».
قيل(١) : والمعنى: ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجّة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة. فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة. أو ليصدر كفر من كفر، وإيمان من آمن عن وضوح بيّنة. على استعارة الهلاك والحياة، للكفر والإسلام.
والمراد ب «من هلك» و «من حيّ»: المشارف للهلاك والحياة. أو من هذا حاله في علم الله وقضائه.
وقرئ(٢) : «ليهلك» بالفتح.
وقرأ(٣) ابن كثير، برواية البزيّ، ونافع وأبو بكر ويعقوب: «من حيي» بفكّ
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٦.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
الأدغام، للحمل على المستقبل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: يعلم من بقي أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ نصره.
( وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (٤٢): بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه.
ولعلّ الجمع بين الوصفين، لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.
وفي مصباح شيخ الطائفة(٢) ـ قدس سرّه ـ خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ خطب بها في يوم الغدير. وفيها: ولم يدع الخلق في بهم صما ولا عميا(٣) ، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم وتفرقت في هياكلهم وحققها في نفوسهم واستعبد لها حواسّهم. فقدر(٤) بها على أسماع ونواظر أفكار وخواطر، ألزمهم بها حجته وأراهم بها محجته وأنطقهم عمّا شهدته بألسن ذريّة بما قام فيها من قدرته وحكمته وبيّن عندهم بها( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) . بصير شاهد خبير.
( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) : مقدر «بأذكر». أو بدل ثان من «يوم الفرقان». أو متعلق ب «عليم»، أي: يعلم المصالح.
فقر(٥) : إذ يقلّلهم في عينك في رؤياك. وهو أن تخبر به أصحابك، فيكون تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم.
والضّمير المخاطب مفعول أول. والضّمير الغائب مفعول ثان. و «قليلا» ثالث.
و «في منامك» متعلّق بالفعل بعد التّجريد.
( وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) ، أي: في أمر القتال، وتفرّقت آراؤكم بين الثّبات والفرار.
( وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ ) : أنعم بالسّلامة من الفشل والتنازع.
( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) (٤٣): يعلم ما سيكون فيها، وما يغيّر أحوالها من الجرأة والجبن.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : فالمخاطبة لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، والمعنى لأصحابه. أراهم الله قريشا في منامهم أنهم قليل، ولو أراهم كثيرا لفزعوا.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٧٨.
(٢) مصباح المتهجد / ٦٩٨.
(٣) المصدر: ولا في عمى عمياء بكما.
(٤) المصدر: فقرّ.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٦.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٧٨ ـ ٢٧٩.
وفي روضة الكافي(١) ، بإسناده إلى زرارة: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار، ويكثر الكفّار في أعين المسلمين(٢) الناس.
فشد عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بالسّيف، فهرب منه. وهو يقول: يا جبرائيل، [إني مؤجّل](٣) . حتى وقع في البحر.
قال: فقلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: لأي شيء كان يخاف، وهو مؤجّل؟
قال: يقطع بعض أطرافه.
( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ) الضّميران مفعولا «يرى».
و «قليلا» حال من الثاني.
قيل(٤) : وانّما قللهم في أعين المسلمين، تصديقا لرؤيا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وتثبيتا لهم.
وفي الجوامع(٥) : عن ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟
قال: أراهم مائة.
فأسرنا رجلا منهم، فقلنا: كم كنتم؟
قال: ألفا.
( وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) : حتّى قال قائل منهم: إنّ محمّدا وأصحابه أكلة جزور.
وقال أبو جهل: ما هم إلّا أكلة رأس. لو بعثنا إليهم عبيدنا، لأخذوهم باليد، كما مرّ ذكره في القصّة.
وإنّما قلّلهم في أعينهم قبل التحام القتال، ليجترءوا عليهم ولا يستعدّوا لهم. ثمّ كثّرهم حتّى يرونهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم. وهذا من عظائم آيات تلك الواقعة. فإنّ البصر، وإن كان يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحدّ. وإنّما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٧٧، ح ٤١٩.
(٢) هكذا في المصدر. وفي النسخ: الناس.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٦ بتصرّف.
(٥) جوامع الجامع / ١٧٠.
بعض، مع التساوي في الشروط.
( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) : كرّره، لاختلاف الفعل المعلل به. أو لأنّ المراد الأمر ثمّة(١) الاكتفاء على الوجه المحكيّ، وها هنا إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وحزبه.
( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) (٤٤)، كما يمكن أن يوجد الكثير والقليل، يجوز أن يقلل الكثير ويرى الكثير قليلا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ) : حاربتم جماعة. ولم يصفها، لأنّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلّا الكفّار. واللّقاء ممّا غلب في القتال.
( فَاثْبُتُوا ) : للقائهم.
( وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً ) : في مواطن الحرب. داعين له، مستظهرين بذكره، مترقّبين لنصره.
( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (٤٥): تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة.
وفيه تنبيه على أنّ العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشّدائد، ويقبل عليه بشراشره فارغ البال، واثقا بأنّ لطفه لا ينفكّ عنه في شيء من الأحوال.
( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا ) : باختلاف الآراء، كما فعلتم ببدر واحد.
( فَتَفْشَلُوا ) : جواب النّهي.
وقيل(٢) : عطف عليه. ولذلك قرئ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) : بالجزم.
والرّيح مستعارة للدولة. من حيث أنّها في تمشي أمرها ونفاذه، مشبّهة بها في هبوبها ونفوذها.
وقيل(٣) : المراد بها الحقيقة. فإنّ النّصرة لا تكون إلّا بريح يبعثها الله. وفي الحديث: نصرت بالصّباء، وأهلكت عادا بالدّبور.
( وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (٤٦): بالكلاءة والنّصر.
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) ، يعني: أهل مكة، حين خرجوا منها لحماية العير.
__________________
(١) ثمة: هناك.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٣٩٧.
( بَطَراً ) : فخرا وأشرا.
( وَرِئاءَ النَّاسِ ) : ليثنوا عليه بالشّجاعة والسّماحة. وذلك أنّهم لـمـّـا بلغوا جحفة وافاهم رسول أبي سفيان، أن ارجعوا فقد سلمت عيركم. فقال أبو جهل: لا والله، حتّى نقدم بدرا ونشرب بها الخمور وتعرف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها، ولكن سقوا كأس المنايا وناحت عليهم النّوائح مكان القيان. فنهي المؤمنون أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين. وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، من حيث إن النّهي عن الشيء أمر بضدّه.
( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : معطوف على «بطرا»، إن جعل مصدرا في موضع الحال. وكذا إن جعل مفعولا له، لكن على تأويل المصدر.
( وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (٤٧): فيجازيكم عليه.
( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ) : مقدر «باذكر».
( أَعْمالَهُمْ ) : من معاداة الرّسول وغيرها، بأن وسوس إليهم.
( وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) : قد مرّ تفسيره.
وقيل(١) : قال مقالة نفسانية. والمعنى: أنّه ألقى في روعهم وخيّل إليهم أنّهم لا يغلبون ولا يطاقون لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أنّ اتباعهم إياه فيما يظنّون أنّها قربان(٢) مجير لهم، حتّى قالوا: أللّهمّ ، انصر أهدى الفئتين وأفضل الدّينين.
و «لكم» خبر «لا غالب»، أو صفته. وليس صلته، وإلّا لانتصب، كقولك: لا ضاربا زيدا عندنا.
( فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ) ، أي: تلاقى الفريقان.
( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ) : رجع القهقرى.
وقيل(٣) : أي: بطل كيده، وعاد ما خيّل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم.
( وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ ) .
قيل(٤) : أي: تبرّأ منهم، وخاف عليهم، وأيس من حالهم لـمـّـا رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٧.
(٢) المصدر: قربات.
(١ و ٤) ـ نفس المصدر والموضع.
( وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (٤٨): يجوز أن يكون من كلامه، وأن يكون مستأنفا.
وفي مجمع البيان(١) :( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) (الآية). اختلف في ظهور الشّيطان يوم بدر كيف كان.
فقيل: إنّ قريشا لـمـّـا أجمعت المسير، ذكرت الّذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانية من الحرب وكاد ذلك أن يثبتهم(٢) . فجاء إبليس في جند من الشياطين. فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن خيثم(٣) الكنانيّ، ثمّ المدلجيّ وكان من أشراف كنانة( وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) ، أي: مجيركم من كنانة. فلمّا رأى إبليس الملائكة نزلوا من السّماء وعلم أنّه لا طاعة له بهم( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ) . عن ابن عبّاس والسّديّ والكلبيّ وغيرهم.
وقيل: إنّهم لـمـّـا التقوا، كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه.
فقال له الحارث: يا سراقة، أتخذلنا على هذه الحال!؟
فقال له:( إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ) .
فقال: والله ما نرى إلّا جعاسيس(٤) يثرب. فدفع في صدر الحارث وانطلق وهزم الناس.
فلمّا قدم(٥) مكّة قالوا: هزم الناس سراقة. [فبلغ ذلك سراقة](٦) فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتّى بلغني هزيمتكم.
فقالوا: إنّك أتيتنا يوم كذا! فحلف لهم. فلمّا أسلموا، علموا أنّ ذلك كان الشّيطان. عن الكلبيّ. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين قال: لـمـّـا عطش القوم بيوم بدر، انطلق عليّ بالقربة ليستقي. وهو على القليب إذ جاءت
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٥٤٩.
(٢) المصدر: يثنيهم.
(٣) المصدر: جشعم.
(٤) هكذا في المصدر. وفي النسخ: جواسيس. والجعاسيس: جمع الجعسوس: القصير الدميم
(٥) المصدر: قدموا.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٥، ح ٧٠.
ريح شديدة ثمّ مضت فلبث ما بدا له، ثمّ جاءت ريح أخرى ثمّ مضت، ثمّ جاءته أخرى كاد أن تشغله وهو على القليب، ثمّ جلس حتّى مضى. فلما رجع إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أخبره بذلك.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمّا الرّيح الأوّل جبرائيل(١) مع ألف من الملائكة، والثّانية فيها ميكائيل مع ألف من الملائكة، والثّالثة فيها إسرافيل مع ألف من الملائكة. وقد سلّموا عليك، وهم مدد لنا. و(٢) هم الّذين رآهم إبليس ف( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ) يمشي القهقرى حين يقول:( إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ، وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) .
وفي هذا الخبر دلالة على أنّ الله شديد العقاب من قول الشّيطان.
( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قيل(٣) : الّذين لم يطمئنّوا إلى الإيمان بعد، وبقي في قلوبهم شبهة.
وقيل: هم المشركون.
وقيل: هم المنافقون. والعطف لتغاير الوصفين.
( غَرَّ هؤُلاءِ ) ، يعنون: المؤمنين.
( دِينُهُمْ ) : حتّى تعرضوا لما لا قوة لهم به، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف.
( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) : جواب لهم.
( فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) : غالب. لا يذلّ من استجار به، وإن قلّ.
( حَكِيمٌ ) (٤٩): يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل، ويعجز عن إدراكه.
( وَلَوْ تَرى ) : ولو رأيت. لإنّ «لو» تجعل المضارع ماضيا عكس «أنّ».
( إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ) : ببدر.
و «إذ» ظرف «ترى». والمفعول محذوف، أي: ولو ترى الكفرة، أو حالهم.
و «الملائكة» فاعل «يتوفى». ويدلّ عليه قراءة ابن عامر، بالتّاء.
__________________
(١) المصدر: الريح الأولى [فيها] جبرائيل.
(٢) من هنا ليس في المتن إلى موضع سيأتي.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٨.
ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله ـ تعالى ـ. وهو مبتدأ، خبره( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ) . والجملة حال من «الّذين كفروا»، واستغنى فيه بالضّمير عن الواو. وهو على الأول حال منهم، أو من «الملائكة»، أو منهما، لاشتماله على الضّميرين.
( وَأَدْبارَهُمْ ) .
قيل(١) : ظهورهم وأستاههم. ولعلّ المراد تعميم الضرب، أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : أبو عليّ المحموديّ، عن أبيه، رفعه في قول الله: «يضربون وجوههم وأدبارهم».
قال: إنّما أراد أستاههم. إنّ الله كريم يكني.
( وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) (٥٠): عطف على «يضربون» بإضمار القول، أي: ويقولون لهم: ذوقوا، بشارة لهم بعذاب الآخرة.
وقيل(٣) : كانت معهم مقامع من حديد. كلما ضربوا بها، التهبت النّار منها.
وفي مجمع البيان(٤) : روى مجاهد، أنّ رجلا قال للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إني حملت على رجل من المشركين فذهبت لأضربه فندر(٥) رأسه.
فقال: سبقك إليه الملائكة.
وجواب «لو» محذوف، لتفظيع الأمر وتهويله.
( ذلِكَ ) ، أي: الضرب والعذاب.
( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) : بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي. وهو خبر «لذلك».
( وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (٥١): عطف على «ما»، للدّلالة على أنّ سببيته مقيدة بانضمامه إليه. إذ لولاه لأمكن أن يعذّبهم بغير ذنوبهم، لا أن لا يعذّبهم بذنوبهم. فإنّ ترك التّعذيب من مستحقّه ليس بظلم شرعا ولا عقلا، حتّى ينتهض نفي الظّلم سببا للتّعذيب.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٨.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٥، ح ٧١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٨.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥٥١.
(٥) ندر: سقط.
و «ظلّام» للتّكثير، لأجل العبيد.
( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) ، أي: دأب هؤلاء، مثل دأب آل فرعون. وهو عملهم وطريقهم الّذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه.
( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : من قبل آل فرعون.
( كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ) : تفسير لدأبهم.
( فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ) ، كما أخذ هؤلاء.
( إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ) (٥٢): لا يغلبه في دفعه شيء.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما حل بهم.
( بِأَنَّ اللهَ ) : بسبب أنّ الله.
( لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ ) : مبدّلا إيّاها بالنّقمة.
( حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) : يبدّلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوا، كتغيير قريش حالهم في صلة الرّحم والكف عن تعرّض الآيات والرسل، بمعاداة الرّسول ومن تبعه منهم والسعي في إراقة دمائهم والتّكذيب بالآيات والاستهزاء بها إلى غير ذلك ممّا أحدثوه بعد المبعث. وليس السّبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم حتّى يغيّروا حالهم، بل ما هو المفهوم له. وهو جرى عادته ـ تعالى ـ على تغييره متّى يغيّروا حالهم.
وأصل «يك» «يكون»، فحذفت الحركة للجزم، ثمّ الواو لالتقاء الساكنين، ثمّ النّون لشبهه بالحروف اللّيّنة تخفيفا.
( وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) : لما يقولون.
( عَلِيمٌ ) (٥٣): بما يفعلون.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد. وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجريريّ(٢) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ بعث نبيّا من أنبيائه إلى قومه. وأوحى إليه: أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحوّلوا عمّا أحبّ إلى ما أكره، إلّا تحوّلت بهم عمّا يحبّون إلى ما يكرهون. وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحبّ، إلّا
__________________
(١) الكافي ٢ / ٢٧٤ ـ ٢٧٥، ح ٢٥.
(٢) المصدر: الجزري.
تحوّلت بهم عمّا يكرهون إلى ما يحبّون. (الحديث).
محمّد بن يحيى(١) وأبو علي الأشعريّ، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عمرو المدائني، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: كان أبي ـ عليه السّلام ـ [يقول: إنّ الله](٢) قضى قضاء حتما، لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إيّاه حتّى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النّقمة.
محمّد بن يحيى(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن سماعة قال(٤) : سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ما أنعم الله على عبد بنعمة فسلبها إيّاه، حتّى يذنب ذنبا يستحقّ بذلك السّلب.
وفي نهج البلاغة(٥) : قال ـ عليه السّلام ـ: وليس [شيء](٦) أدعى [إلى](٧) تغيير نعم الله وتعجيل نقمته من إقامة علم ظلم. فإنّ الله سميع دعوة [المضطهدين، وهو للظالمين](٨) بالمرصاد.
وقال ـ عليه السّلام ـ أيضا(٩) : إيّاك والدّماء وسفكها بغير حلّها. فإنّه ليس شيء أدعى(١٠) لنقمته(١١) ، ولا أعظم لتبعته(١٢) ، ولا أحرى بزوال النّعمة(١٣) وانقطاع يده(١٤) من سفك الدّماء بغير حقّ.
( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ) قيل(١٥) : تكرير للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة على كفران النّعم بقوله ـ تعالى ـ: «بآيات ربّهم»، وبيان ما أخذ به آل فرعون.
وقيل(١٦) : الأوّل، لتشبيه الكفر والأخذ به. والثاني، لتشبيه التّغيير في النّعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٢٧٣، ح ٢٢.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٢٧٤، ح ٢٤.
(٤) إلى هنا لا يوجد في المتن.
(١ و ٩) ـ نهج البلاغة / ٤٢٩ و ٤٤٣، الكتاب ٥٣.
(٦ و ٧ و ٨) ـ من المصدر.
(١٠) المصدر: أدنى.
(١١) المصدر: لنقمة.
(١٢) المصدر: لتبعة.
(١٣) المصدر: نعمة.
(١٤) المصدر: مدّة.
(١٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩.
(١٦) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩.
وفي قوله(١) :( بِآياتِ رَبِّهِمْ ) زيادة دلالة على كفران النّعم وجحود الحقّ. وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذّنوب.
( وَكُلٌ ) : من الفرق المكذّبة، أو من غرقى القبط وقتلى قريش.
( كانُوا ظالِمِينَ ) (٥٤): أنفسهم، بالكفر والمعاصي.
( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : وأصرّوا على الكفر ورسخوا فيه.
( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٥٥): فلا يتوقّع منهم إيمان. ولعلّه إخبار عن قوم مطبوعين على الكفر، بأنّهم لا يؤمنون.
و «الفاء» للعطف، والتّنبيه على أنّ تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقّق المعطوف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ ) (الآية).
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: نزلت في بني أميّة. فهم أشرّ خلق الله. هم الّذين كفروا في باطن القرآن.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) .
قال: نزلت في بني أميّة. هم شرّ خلق الله. هم الّذين كفروا في بطن القرآن، وهم الّذين لا يؤمنون. [شرّ خلق الله](٤) .
( الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) : بدل من( الَّذِينَ كَفَرُوا ) بدل البعض، للبيان والتخصيص.
قيل(٥) : وهم يهود قريظة. عاهدهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسّلاح وقالوا: نسينا. ثمّ عاهدهم، فنكثوا ومالئوهم عليه يوم الخندق. وركب كعب بن الأشرف إلى مكّة، فحالفهم.
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٣١٠.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٧٩.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٥، ح ٧٢.
(٤) ليس في المصدر بل يوجد في تفسير نور الثقلين.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩.
و «من» لتضمين المعاهدة معنى الأخذ.
والمراد بالمرة: مرّة المعاهدة، أو المحاربة.
( وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ) (٥٦): عاقبة الغدر. وما فيه من العار والنّار. أو لا يتّقون الله فيه. أو نصره للمؤمنين وتسليطه عليهم.
( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ ) : فإمّا تصادفنّهم وتظفرنّ بهم.
( فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ) : ففرّق عن مناصبتك ومحاربتك، ونكّل عنها قتلهم والنّكاية فيهم.
( مَنْ خَلْفَهُمْ ) : من وراءهم من الكفرة.
و «التّشريد» تفريق على اضطراب.
وقرئ(١) : «فشرّذ» بالذّال المعجمة. فكأنّه مقلوب «شذر» ومن خلفهم. والمعنى واحد، فإنّه إذا شرّد من ورائهم فقد فعل التشريد في الوراء.
( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (٥٧): لعلّ المشردين يتّعظون.
( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ ) : معاهدين.
( خِيانَةً ) : نقض عهد، بأمارات تلوح لك.
( فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ) : فاطرح إليهم عهدهم.
( عَلى سَواءٍ ) : على عدل، وطريق قصد في العداوة. وذلك بأن تخبرهم بنقض العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا، يتبين لهم أنّك قطعت ما بينك وبينهم. ولا تناجزهم الحرب، فإنّه يكون خيانة منك.
وقيل(٢) : أو على سواء في الخوف، أو العلم بنقض العهد. وهو في موضع الحال من النّابذ على الوجه الأوّل، أي: ثابتا على طريق سويّ. أو منه. أو من المنبوذ. أو منهما على غيره.
وقوله:( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) (٥٨): تعليل للأمر بالنّبذ والنّهي عن مناجزة القتال، المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : نزلت في معاوية لما خان أمير المؤمنين ـ عليه
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٩.
السلام ـ.
وفي كشف الغمّة(١) لابن طاوس ـ عليه الرّحمة ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وقدمت البصرة(٢) ، وقد ألتفت إلى(٣) الوجوه كلّها إلّا الشام.
فأحببت أن أتّخذ [الحجّة](٤) ، وأقضي العذر. وأخذت بقول الله:( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ) . فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معذرا إليه، متّخذ الحجّة عليه. فردّ كتابي، وجحد حقي، ودفع بيعتي.
وفي أصول الكافي(٥) : عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابه، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ثلاث من كنّ فيه كان منافقا، وان صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال في كتابه:( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) . قال:( أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) (٦) . وفي قوله ـ تعالى ـ:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) (٧) .
( وَلا يَحْسَبَنَ ) (٨) : خطاب للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وقوله:( الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ) : مفعولاه.
وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص، بالياء. على أنّ الفاعل ضمير «أحد»، أو «من خلفهم»، أو «الّذين كفروا». والمفعول الأوّل «أنفسهم»، فحذف للتكرار.
أو على تقدير: أن سبقوا. وهو ضعيف. لأنّ «أن» المصدرية، كالموصول، فلا تحذف.
أو على إيقاع الفعل على( إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) (٥٩) بالفتح، على قراءة ابن عامر. وأنّ «لا» صلة. و «سبقوا» حال، بمعنى: سابقين، أي: مفلتين.
والأظهر أنّه تعليل للنهي، أي: لا تحسبنّهم سبقوا، فأفلتوا. لأنّهم لا يفوتون
__________________
(١) هكذا في النسخ. والصحيح: كشف المحجّة. راجع ص ٨٤ منه.
(٢) المصدر: فقدمت الكوفة.
(٣) المصدر: اتسقت لي.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٢ / ٢٩٠ ـ ٢٩١، ح ٨.
(٦) النّور / ٧.
(٧) مريم / ٥٤.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٣٩٩، ولا تحسبنّ وفيه: قرأ ابن عامر وحمزة وحفص بياء.
الله، ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم.
وكذا ان كسرت «إن» إلّا أنّه تعليل على سبيل الاستئناف. ولعل الآية إزاحة لما يحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو.
وقيل(١) : نزلت في من أفلت من [فلّ](٢) المشركين.
( وَأَعِدُّوا ) : أيّها المؤمنون.
( لَهُمْ ) : لناقضي العهد، أو للكفّار.
( مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) : من كلّ ما يتقوّى به في الحرب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: السّلاح.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وقال ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) .
قال: منه الخضاب بالسّواد.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن محمّد بن عيسى، عمن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) .
قال: سيف وترس.
وفي الكافي(٦) : عن محمّد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن طريف، عن عبد الله بن المغيرة رفعه، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) . قال: الرّمي.
وفي مجمع البيان(٧) : وروي، عن عقبة بن عامر، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنّ القوة، الرّمي.
( وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) : اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. فعال، بمعنى: مفعول. أو مصدر سمي به، يقال: ربطه، ربطا، ورباطا. ورابطه، مرابطة، ورباطا.
أو جمع، ربيط، كفصيل وفصال.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٠.
(٢) من المصدر. والفلّ: المنهزم. يقال للواحد والجمع.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٩.
(٤) الفقيه ١ / ٧٠، ح ٢٨٢.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٦، ح ٧٣.
(٦) الكافي ٥ / ٤٩ ـ ٥٠، ح ١٢.
(٧) مجمع البيان ٢ / ٥٥٥.
وقرئ: «ربط الخيل» بضمّ الباء وسكونها جمع، رباط. وعطفها على القوّة، كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة.
وفي مجمع البيان(١) : وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فاربطوا الخيل. فإنّ ظهورها لكم عزّ، وأجوافها كنز.
( تُرْهِبُونَ بِهِ ) : تخوّفون به.
وعن يعقوب: «ترهّبون» بالتّشديد. والضّمير ل «ما استطعتم»، أو للإعداد.
( عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) ، يعني: كفّار مكّة.
( وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ ) : من غيرهم من الكفرة.
قيل(٢) : هم اليهود.
وقيل: المنافقون.
وقيل: الفرس.
( لا تَعْلَمُونَهُمُ ) : لا تعرفونهم بأعيانهم.
( اللهُ يَعْلَمُهُمْ ) : يعرفهم.
( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) : جزاؤه.
( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) (٦٠): بتضييع العمل، أو نقص الثّواب.
( وَإِنْ جَنَحُوا ) : مالوا. ومنه الجناح. وقد يعتدى ب «اللام» و «الى».
( لِلسَّلْمِ ) : للصّلح، أو الاستسلام.
وقرأ(٣) أبو بكر، بالكسر.
( فَاجْنَحْ لَها ) : وعاهد معهم.
وتأنيث الضّمير لحمل «السّلم» على نقيضها فيه. قال :
السّلم تأخذ منها ما رضيت به |
والحرب يكفيك من أنفاسها جرع |
وقرئ(٤) : «فاجنح» بالضّمّ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: وقوله:( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) .
__________________
(١) مجمع البيان ٢ / ٥٥٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٠.
قال: هي منسوخة بقوله:( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ ) .
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) . قلت: ما السّلم؟
قال: الدّخول في أمرنا.
( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) : ولا تخف من إبطانهم خداعا فيه. فإنّ الله يعصمك من مكرهم، ويحيقه بهم.
( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) : لأقوالهم.
( الْعَلِيمُ ) : (٦١): بنيّاتهم.
قيل(٢) : الآية مخصوصة بأهل الكتاب، لاتصالها بقصّتهم.
وقيل(٣) : عامّة، نسختها آية السّيف.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(٤) : أنّها منسوخة بقوله:( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ ) (٥) .
( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ ) : فإنّ محسبك الله وكافيك.
قال جرير :
إني وجدت من المكارم حسبكم |
أن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا. |
( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) (٦٢): جميعا.
وفي شرح الآيات الباهرة(٦) : وتأويله ما ذكره أبو نعيم في كتابه، حلية الأولياء، بإسناده إلى محمّد بن السّائب الكلبيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: مكتوب على العرش: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، محمّد عبدي ورسولي، أيّدته بعليّ بن أبي طالب. وذلك قوله:( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) ، يعني: عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
__________________
(١) الكافي ١ / ٤١٥، ح ١٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٠.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٧٩.
(٥) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ / ٣٥.
(٦) تأويل الآيات الباهرة / ٧٢.
ويؤيده ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسيّ ـ رحمه الله ـ عن رجاله قال: أخبرنا الشّريف أبو نصر، محمّد بن محمّد الريسيّ(١) ، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ، عن سعيد بن جبير، عن أبي النّجم، خادم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: لـمـّـا أسري بي إلى السماء، رأيت على ساق العرش: مكتوب لا إله إلا الله، محمّد رسولي وصفيي من خلقي، أيّدته بعليّ ونصرته به.
( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) : مع ما فيهم من العصبيّة والضّغينة في أدنى شيء، والتّهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتّى صاروا كنفس واحدة. وهذا من معجزاته ـ عليه السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(٢) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّه أراد بالمؤمنين: الأنصار. وهم الأوس والخزرج.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: كان بين الأوس والخزرج حرب شديدة وعداوة في الجاهلية، فألّف الله بين قلوبهم ونصرهم بنبيّه(٤) ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٥) ، بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: المؤمن غر(٦) كريم، والفاجر خبث(٧) لئيم. وخير المؤمنين من كان تألّفه للمؤمنين. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف.
قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: شرار النّاس من يبغض المؤمنين، وتبغضه قلوبهم. المشاءون(٨) بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبة، الباغون للنّاس العيب. أولئك لا ينظر الله إليهم، ولا يزكّيهم يوم القيامة. ثمّ تلا ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) .
__________________
(١) المصدر: محمّد بن محمد بن عليّ الزينبيّ.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٥٦.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٧٩.
(٤) المصدر: ونصر بهم نبيّه.
(٥) أمالي الطوسي ٢ / ٧٨.
(٦) المصدر: عز.
(٧) المصدر: خبّ.
(٨) المصدر: وسحقا وبعدا للمشائين بالنميمة، المفرّقين بين الأحبّة، الباغين .
وفي نهج البلاغة(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: وبلّغ برسالة ربّه. فلم [الله](٢) به الصدع، ورتق به الفتق، وألف [به الشمل](٣) بين ذوي الأرحام بعد العداوة الواغرة في الصدور دون الضّغائن القارحة في القلوب.
( لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) : تناهي عداوتهم على حدّ، لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض جميعا من الأموال لم يقدر على الألفة والإصلاح.
( وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) : بقدرته البالغة. فإنّه المالك للقلوب، يقلّبها كيف يشاء.
( إِنَّهُ عَزِيزٌ ) : تامّ القدرة والغلبة، لا يعصي عليه ما يريده.
( حَكِيمٌ ) (٦٣): يعلم أنّه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ) : كافيك.
( وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٦٤): إمّا في محلّ النّصب على المفعول معه، كقوله :
إذا كانت الهيجاء واشتجر القنا |
فحسبك والضّحاك سيف مهنّد |
أو الجرّ، عطفا على المكنى، عند الكوفيّين.
أو الرّفع، عطفا على اسم الله، أي: كفاك الله والمؤمنون.
قيل(٤) : والآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر.
وقيل: أسلم مع النّبيّ ثلاثة وثلاثون رجلا وستّ نسوة، ثمّ أسلم عمر، فنزلت.
فذلك قال ابن عبّاس: نزلت في إسلامه.
وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : ذكر أبو نعيم في حلية الأولياء، بطريقه وإسناده عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وهو المعنيّ بقوله: «المؤمنين».
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ) : بالغ في حثّهم عليه.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٣٥٣، الخطبة ٢٣١.
(١ و ٣) ـ من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٥) تأويل الآيات الباهرة / ٧٢.
وأصله: الحرض. وهو أن ينهكه المرض، حتّى يشفى على الموت.
وقرئ(١) : «حرّص»، من الحرص.
( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : شرط في معنى الأمر، بمصابرة الواحد للعشرة. والوعد بأنّهم إن صبروا، غلبوا بعون الله وتأييده.
وقرأ(٢) ابن كثير ونافع وابن عامر: «تكن» بالتّاء في الآيتين. ووافقهم البصريّان في «وإن تكن منكم مائة».
( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) (٦٥): بسبب أنّهم جهلة بالله واليوم الآخر. لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثّواب وعوالي الدّرجات قتلوا أو قتلوا، ولا يستحقّون من الله إلّا الهوان والخذلان.
( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ) : لـمـّـا أوجب الله على الواحد مقاومة العشرة والثّبات لهم، وثقل ذلك عليهم، خفّف عنهم.
وقيل(٣) . كان فيهم قلّة، أوّلا فأمروا بذلك. ثمّ لـمـّـا كثروا، خفّف عنهم.
وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة، للدّلالة على أنّ حكم القليل والكثير واحد.
والضّعف، ضعف البدن. وقيل: ضعيف البصيرة، وكانوا متفاوتين فيها. وفيه لغتان: الفتح، وهو قراءة حمزة وعاصم. والضّمّ، وهو قراءة الباقين.
وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: اعلم(٥) أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرّجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم. ومن ولّاهم يومئذ دبره، فقد تبوأ مقعده من النّار. ثمّ حولهم [عن حالهم](٦) رحمة منهم لهم، فصار الرّجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفا من
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٤) الكافي ٥ / ٦٩.
(٥) المصدر: أما علمتم.
(٦) من المصدر.
الله ـ عزّ وجلّ ـ للمؤمنين فنسخ الرّجلان العشرة.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول في آخره وقد اكره على بيعة أبي بكر مغضبا: أللّهمّ، إنّك تعلم أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد قال لي: إن تمّوا عشرين فجاهدهم. وهو قولك في كتابك:( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) .
قال: وسمعته يقول: أللّهمّ، فإنّهم لا يتمّوا(٢) عشرين. حتّى قالها ثلاثا، ثمّ انصرف.
عن فرات بن أحنف(٣) ، عن بعض أصحابه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ما نزل بالنّاس أزمة قطّ، إلّا كان شيعتي فيها أحسن حالا. وهو قول الله:( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) .
عن الحسين بن صالح(٤) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: كان عليّ ـ صلوات الله عليه ـ يقول: من فرّ من رجلين في القتال من الزّحف، فقد فرّ من الزّحف.
ومن فر من ثلاثة رجال في القتال، فلم يفرّ.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، يقرب من معنى الحديثين.
( وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (٦٦): بالنّصر والمعونة، فلا محالة يغلبون.
( ما كانَ لِنَبِيٍ ) وقرئ(٦) : «للنبيّ» على العهد.
( أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ) .
وقرأ(٧) البصريان، بالتّاء.
( حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) : يكثر القتل ويبالغ فيه. حتّى يذلّ الكفر، ويقلّ حزبه، ويعزّ الإسلام ويستولي أهله.
من أثخنه المرض: إذا أثقله. وأصله: الثّخانة.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٨، ح ٧٦.
(٢) المصدر: وإنّهم لم يتموا.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٨، ح ٧٧.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٦٨، ح ٧٨.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٧٩ ـ ٢٨٠.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٧) نفس المصدر، والموضع.
وقرئ(١) : «يثخّن» بالتّشديد، للمبالغة.
( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ) : حطامها، بأخذكم الفداء.
( وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) : والله يريد لكم ثواب الآخرة. أو سبب نيل ثواب الآخرة، من إعزاز دينه وقمح أعدائه.
وقرئ بجرّ «الآخرة»، على إضمار المضاف، كقوله :
أكلّ امرئ تحسبين امرأ |
ونار توقد باللّيل نارا |
( وَاللهُ عَزِيزٌ ) : يغلب أولياءه على أعدائه.
( حَكِيمٌ ) (٦٧): يعلم ما يليق بكلّ حال ويخصّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع من الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيّر بينه وبين المنّ لـمـّـا تحوّلت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين. وقد سبق لهذه الآية وما بعدها بيان في قصّة بدر.
( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ ) : لو لا حكم من الله سبق إثباته في اللّوح المحفوظ بإباحة الغنائم لكم.
( لَمَسَّكُمْ ) : لنالكم.
( فِيما أَخَذْتُمْ ) : من الفدية.
( عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٦٨)( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ) : من الفدية. فإنّه من جملة الغنائم.
وقيل(٢) : أمسكوا عن الغنائم، فنزلت.
و «الفاء» للتسبب. والسّبب محذوف، تقديره: أبحت لكم الغنائم، فكلوا.
( حَلالاً ) : حال من المغنوم. أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا.
وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة. ولذلك وصفه بقوله:( طَيِّباً ) .
( وَاتَّقُوا اللهَ ) : في مخالفته.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) : غفر لكم ذنبكم.
( رَحِيمٌ ) (٦٩): أباح لكم ما أخذتم.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى )
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٢.
وقرأ(١) أبو عمرو: «من الأسارى».
( إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ) : خلوص عقيدة، وصحّة نيّة في الإيمان.
( يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ) : من الفداء.
( وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٧٠) :
قد مضى لهذه الآية بيان في قصّة بدر.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول في هذه الآية: إنّها نزلت في العبّاس وعقيل ونوفل.
وقال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم. فأسروا. فأرسل عليّا ـ عليه السّلام ـ. فقال: انظر من ها هنا من بني هاشم.
قال: فمرّ علي ـ عليه السّلام ـ على عقيل بن أبي طالب، فحاد عنه.
فقال له عقيل: يا ابن أمّ، عليّ. أما والله، لقد رأيت مكاني.
قال: فرجع إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقال: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا عقيل في يد فلان، وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان.
فقام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى انتهى إلى عقيل، فقال له: يا أبا يزيد، قتل أبو جهل.
فقال: إذا لا تنازعوا في تهامة. فقال: إن كنتم أثخنتم القوم، وإلّا فاركبوا أكتافهم.
قال: فجيء بالعبّاس، فقيل له: أفد نفسك وأفد ابني أخيك.
فقال: يا محمّد، تتركني أسأل قريشا في كفي!؟
فقال: أعط ممّا خلّفت عند أمّ الفضل، وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شيء، فأنفقيه على ولدك ونفسك.
فقال له: يا ابن أخي، من أخبرك بهذا؟
فقال: أتاني به جبرئيل ـ عليه السّلام ـ من عند الله ـ تعالى ـ.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٢.
(٢) الكافي ٨ / ٢٠٢، ح ٢٤٤.
فقال: [ممّا محلوفه](١) ما علم بهذا أحد إلّا أنا وهي. وأشهد أنّك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
قال: فرجع الأسرى كلّهم مشركين، إلا عبّاس وعقيل ونوفل. وفيهم نزلت هذه الآية( قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى ) (الآية).
وفي مجمع البيان(٢) : وعن ابن عبّاس قال: لما أمسى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم بدر والنّاس محبوسون بالوثاق، بات ساهرا أوّل اللّيل.
فقال له أصحابه: ما لك لا تنام؟
فقال: سمعت أنين(٣) عمي العبّاس في وثاقه.
فأطلقوه، فسكت. فنام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وروى عبيدة السّلمانيّ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال لأصحابه يوم بدر في الأسارى: إن شئتم، قتلتموهم. وإن شئتم، فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم.
وكانت الأسارى سبعين.
فقالوا: نأخذ الفداء ونتمتع به، ونتقوي به على عدوّنا ويستشهد منّا بعدّتهم.
ثمّ قال عبيدة: طلبوا الخيرتين كلتيهما، فقتل منهم يوم أحد سبعون.
وقال أبو جعفر الباقر(٤) ـ عليه السّلام ـ: كان الفداء يوم بدر عن كلّ رجل من المشركين بأربعين أوقيّة. والأوقيّة أربعون مثقالا، إلّا العبّاس فإنّ فداءه مائة أوقيّة.
وكان أخذ منه حين أسر عشرون أوقية ذهبا.
فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ذلك غنيمة، ففاد نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا.
فقال: أين الذّهب فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أسلمته إلى أمّ الفضل، وقلت لها: إن حدث في حدث، فهو لك وللفضل ولعبد الله؟
فقال: من أخبرك هذا؟
قال: الله ـ تعالى ـ.
__________________
(١) المصدر: «ومحلوفه». أي: أقسم بالّذي تقسم به في شرع محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
(٢) مجمع البيان ٢ / ٥٥٩.
(٣) هكذا في المصدر. وفي النسخ: ابن.
(٤) مجمع البيان ٢ / ٥٥٩ ـ ٥٦٠.
فقال: أشهد أنّك رسول الله. [والله](١) ما اطّلع على هذا أحد إلّا الله ـ تعالى ـ.
وفي قرب الإسناد للحميريّ(٢) ، بإسناده إلى أبي جعفر(٣) : عن أبيه ـ عليه السّلام ـ قال: أوتي النبيّ بمال دراهم.
فقال: يا عبّاس، أبسط رداءك وخذ من هذا المال طرفا.
فبسط رداءه، فأخذ منه طائفة.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ هذا من الّذي قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ ) (الآية).
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ مثله.
( وَإِنْ يُرِيدُوا ) ، يعني: الأسرى.
( خِيانَتَكَ ) : نقض عهدك.
( فَقَدْ خانُوا اللهَ ) : بالكفر، ونقض ميثاقه المأخوذ بالعقل.
( مِنْ قَبْلُ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) :( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ ) في عليّ( فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ ) فيك، كما مضى في قصّة بدر.
( فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ) ، أي: أمكنك منهم يوم بدر. فإن أعادوا الخيانة، فسيمكّنك منهم.
( وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا ) : هم المهاجرون.
هاجروا أوطانهم، حبّا لله ولرسوله.
( وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ ) : صرفوها في الكراع والسّلاح، وأنفقوها على المحاويج.
( وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : بمباشرة القتال.
( وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ) : هم الأنصار، آووا المهاجرين إلى ديارهم، ونصروهم على أعدائهم.
( أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) : في الميراث.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) قرب الإسناد / ١٢.
(٣) المصدر: إلى جعفر.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ٦٩، ح ٨٠.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٦٩.
قيل(١) : كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنّصرة دون الأقارب، حتّى نسخ بقوله:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . أو بالنصرة والمظاهرة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : لـمـّـا هاجر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى المدينة، آخى بين [المهاجرين والمهاجرين وبين الأنصار والأنصار وبين](٣) المهاجرين والأنصار. وكان إذا مات الرّجل، يرثه أخوه في الدين ويأخذ المال و [كان له](٤) ما ترك دون ورثته. فلمّا كان بعد بدر، أنزل الله( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ، وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فنسخت آية الأخوة [بقوله:( أُولُوا الْأَرْحامِ ](٥) بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) .
وفي مجمع البيان(٦) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: إنّهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الأولى.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ) ، أي: من تولّيهم في الميراث.
وقرأ(٧) حمزة: «ولايتهم» بالكسر. تشبيها لها بالعمل والصّناعة، كالكتابة والإمارة، كأنّه بتولّيه صاحبه يزاول عملا.
وفي عيون الأخبار(٨) ، في باب جمل من أخبار موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ مع هارون الرشيد، ومع موسى المهديّ، حديث طويل بينه وبين هارون. وفيه: قال: فلم ادّعيتم أنّكم ورثتم النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. والعمّ يحجب ابن العمّ. وقبض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد توفيّ أبو طالب قبله، والعبّاس عمّه حيّ؟
فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة، ويسألني عن كلّ باب سواه يريده.
فقال: لا، أو تجيب.
فقلت: فآمني.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٢.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٨٠.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) مجمع البيان ٢ / ٥٦١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٣.
(٨) عيون الأخبار ١ / ٨٢ ـ ٨٣.
قال: آمنتك قبل الكلام.
فقلت: إنّ في قول عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: إنّه ليس مع ولد الصّلب، ذكرا كان أو أنثى، لأحد سهم للأبوين والزّوج والزّوجة. ولم يثبت للعمّ مع ولد الصّلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب. إلّا أنّ تيما وعديا وبني امية قالوا: العمّ والد.
رأيا منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
إلى أن قال: زد لي يا موسى.
قلت: المجالس بالأمانات، وخاصّة مجلسك.
فقال: لا بأس عليك.
فقلت: إنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت لهم ولاية حتّى يهاجروا.
فقال: ما حجّتك فيه؟
فقلت: قول الله ـ تعالى ـ:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ) . وإنّ عمي العبّاس لم يهاجر.
فقال: أسألك، يا موسى، هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا أم أخبرت أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشيء؟
فقلت: أللّهمّ، لا. وما سألني عنها إلّا أمير المؤمنين.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالوا: سألناهما عن قوله:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ) . قالا: إنّ أهل مكّة لا يولّون أهل المدينة.
( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) : فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين.
( إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) : عهد. فإنّه لا ينقض عهدهم، لنصرهم عليهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قوله:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ... وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) . فإنّها نزلت في
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٠، ح ٨١.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٨٠.
الأعراب. وذلك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ صالحهم على أن يدعهم في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة، وعلى أنه إذا أرادهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ غزا بهم، وليس لهم في الغنيمة شيء. وأوجبوا على النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إن أرادهم الأعراب من غيرهم أو دعاهم دهم من عدوّهم، أن ينصرهم إلّا على قوم بينهم وبين الرسول عهد وميثاق إلى مدّة.
( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (٧٢)( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) : في الميراث، أو المؤازرة. وهو بمفهومه يدلّ على منع التّوارث، أو المؤازرة بينهم وبين المسلمين.
( إِلَّا تَفْعَلُوهُ ) : إلّا تفعلوا ما أمرتم به من التّواصل بينكم، وتولي لبعض حتّى في التّوارث، وقطع العلائق بينكم وبين الكفّار.
( تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ ) : تحصل فتنة فيها عظيمة. وهي ضعف الإيمان، وظهور الكفر.
( وَفَسادٌ كَبِيرٌ ) (٧٣): في الدّين.
وقرئ(١) : «كثير».
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وروى محمّد بن الوليد، عن الحسين بن بشّار قال: كتبت إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في رجل خطب إليّ.
فكتب: من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته، كائن من كان، فزوّجوه.
و( إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ) .
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) : لـمـّـا قسّم المؤمنين ثلاثة أقسام، بيّن أنّ الكاملين في الإيمان منهم هم الّذين حقّقوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحقّ.
ووعد لهم موعده الكريم فقال:( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) (٧٤): لا تبعة له ولا منّة فيه.
ثمّ ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتّسم بسمتهم، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ) ، أي: من جملتكم، أيّها
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٣.
(٢) الفقيه ٣ / ٢٤٨ ـ ٢٤٩، ح ١١٨١.
المهاجرون والأنصار.
( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) : في التّوارث من الأجانب.
( فِي كِتابِ اللهِ ) : في حكمه، أو في اللّوح، أو في القرآن. وفيه دلالة على أنّ من كان أقرب إلى المسبب في النّسب، كان أولى بالميراث.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: الخال والخالة يرثان، إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهما. إنّ الله يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) .
حميد بن زياد(٢) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهب(٣) ، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: الخال والخالة يرثان، إذا لم يكن معهما أحد يرث غيرهما، إنّ الله يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين [أبدا](٥) . إنّما جرت من عليّ بن الحسين، كما قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فلا تكون بعد علي بن الحسين، إلّا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: كان الحسن أولى بها لكبره. فلمّا توفي، لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك والله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) فيجعلها في ولده.
إذا لقال الحسين ـ عليه السّلام ـ: أمر الله بطاعتي، كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك. وبلّغ في رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، كما بلّغ فيك وفي أبيك. وأذهب الله عني الرّجس، كما أذهب عنك وعن أبيك.
فلما صار إلى الحسين، لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه، كما
__________________
(١) الكافي ٧ / ١١٩، ح ٢.
(٢) نفس المصدر والموضع. ح ٣.
(٣) المصدر: وهيب.
(٤) الكافي ١ / ٢٨٥ ـ ٢٨٦، ح ١.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ١ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨، ح ١.
كان هو يدّعي على أخيه وعلى أبيه لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلا. ثمّ صارت حتّى أفضت إلى الحسين ـ عليه السّلام ـ. فجرى تأويل هذه الآية( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . ثمّ صارت [من بعد [الحسين لعليّ بن الحسين. ثمّ صارت](١) . عليّ بن الحسين إلى محمد بن عليّ.
وقال: «الرّجس» هو الشّكّ. والله، لا نشك بربّنا(٢) أبدا.
محمد(٣) بن](٤) الحسين(٥) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن صباح الأزرق، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ رجلا من المختاريّة لقيني، فزعم أنّ محمد بن الحنفية إمام.
فغضب أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ. ثمّ قال: أفلا قلت له؟
قال: قلت: لا والله، ما دريت ما أقول.
قال: أفلا قلت له: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أوصى إلى عليّ والحسن والحسين. فلمّا مضى علي ـ عليه السّلام ـ أوصى إلى الحسن والحسين. ولو ذهب يزويها عنهما، لقالا له: نحن وصيان مثلك. ولم يكن ليفعل ذلك. وأوصى [الحسن](٦) إلى الحسين. ولو ذهب يزويها عنه، لقال له: أنا وصيّ مثلك من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومن أبي. ولم يكن ليفعل ذلك. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) . هي فينا وفي أبنائنا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى محمد بن قيس: عن ثابت الثّماليّ، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: فينا نزلت هذه الآية( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٨) ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما عنى الله ـ عزّ وجلّ ـ بقوله ـ تعالى ـ :
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: في ربنا.
(٣) الكافي ١ / ٢٩١ ـ ٢٩٢، ح ٧.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في «ب».
(٥) المصدر: محمد بن الحسن.
(٦) من المصدر.
(٧) كمال الدين / ٣٢٣، ح ٨.
(٨) علل الشرائع / ٢٠٥، ح ٢.
( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (١) .
قال: نزلت هذه الآية في النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة ـ عليهم السّلام ـ. فلمّا قبض الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين ـ عليهم السّلام ـ. ثمّ وقع تأويل هذه الآية( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) وكان عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ [اماما](٢) . ثمّ جرت في الأئمة من ولده الأوصياء ـ عليهم السّلام ـ.
فطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله ـ عزّ وجلّ ـ.
[وبإسناده إلى عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ](٣) خصّ عليّا ـ عليه السّلام ـ بوصيّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وما يصيبه له، فأقرّ الحسن والحسين له بذلك. ثمّ وصيّته للحسن وتسليم الحسين للمحسن ذلك. حتّى أقضى الأمر للحسين(٤) لا ينازعه فيه أحد، ليس له(٥) من السّابقة مثل ماله. واستحقّها عليّ بن الحسين بقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فلا تكون بعد عليّ بن الحسين إلّا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب.
وفي نهج البلاغة(٦) . من كتاب له ـ عليه السّلام ـ إلى معاوية: وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا. وهو قوله ـ تعالى ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وقوله:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) . فنحن مرّة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطّاعة.
وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: وروى عبد الله بن الحسن بإسناده، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ: أنّه لـمـّـا أجمع أبو بكر [وعمر](٨) على منع فاطمة فدكا وبلغها ذلك، جاءت إليه وقالت: يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث(٩)
__________________
(١) الأحزاب / ٣٣.
(٢) من المصدر.
(٣) ما بين المعقوفتين من نور الثقلين وليس في المصدر.
(٤) المصدر: إلى الحسين.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: لاحد.
(٦) نهج البلاغة / ٣٨٧ ضمن كتاب ٢٨.
(٧) الاحتجاج ١ / ١٣١ و ١٣٨ بتصرّف هاهنا.
(٨) من المصدر. (٩) هكذا في المصدر. وفي النسخ: نرث.
أبي؟ لقد جئت شيئا فريا. [أفتركتم](١) كتاب الله [ونبذتموه](٢) وراء ظهوركم إذ يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفيه(٣) خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وفيها: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ ) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فنحن أولى النّاس بإبراهيم، ونحن ورثناه، ونحن أولو الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، ونحن آل ابراهيم.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: دخل عليّ ـ عليه السّلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في مرضه، وقد أغمي عليه، ورأسه في حجر جبرئيل، وجبرئيل على صورة دحية الكلبيّ.
فلمّا دخل عليّ ـ عليه السّلام ـ قال له جبرئيل: دونك رأس ابن عمك. فأنت أحقّ به مني، لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول في كتابه:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
فجلس ـ عليه السّلام ـ وأخذ رأس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فوضعه في حجره. فلم يزل رأس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [في حجره](٥) حتّى غابت الشّمس.
وأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أفاق، فرفع رأسه فنظر إلى عليّ.
فقال: يا عليّ، أين(٦) جبرئيل؟
فقال: يا رسول الله، ما رأيت إلّا دحية الكلبيّ رفع(٧) إليّ رأسك وقال: يا عليّ، دونك رأس ابن عمّك فأنت أحق به مني، لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فجلست وأخذت برأسك. فلم يزل(٨) في حجري، حتّى غابت الشّمس.
__________________
(١) المصدر: أفعلى عمد تركتم.
(٢) من المصدر.
(٣) الاحتجاج ١ / ٢٣٤.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٠ ـ ٧١، ح ٨٢.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: رأيت.
(٧) المصدر: دفع.
(٨) المصدر: فلم تزل.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أفصلّيت العصر؟
قال: لا.
قال: فما منعك أن تصلي؟
فقال: قد أغمي عليك، وكان رأسك في حجري وكرهت أن أشقّ عليك، يا رسول الله، وكرهت أن أقوم وأصلي وأضع رأسك.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: «أللّهمّ، إنّ عليّا كان في طاعتك وطاعة رسولك حتّى فاتته صلاة العصر. أللّهمّ، فردّ عليه الشّمس حتّى يصلي العصر في وقتها.
قال: فطلعت الشّمس، فصارت في وقت العصر بيضاء نقيّة. ونظر إليها أهل المدينة، وإنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قام وصلّى. فلمّا انصرف، غابت الشّمس وصلّى المغرب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : ثمّ قال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ. وَأُولُوا )
( الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
قال: نسخت قوله:( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) .(٢)
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قضى أمير المؤمنين في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل [مات](٤) فقرأ هذه الآية:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . فدفع الميراث إلى الخالة، ولم يعط المولى.
أبو عليّ الأشعريّ(٥) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: كان عليّ ـ عليه السّلام ـ إذا مات مولى له وترك ذات قرابة، لم يأخذ من ميراثه شيئا ويقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : [وروى أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سهل ،
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٨١.
(٢) النّساء / ٣٣.
(٣) الكافي ٧ / ١٣٥، ح ٢.
(٤) من المصدر.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٥.
(٦) الفقيه ٤ / ٢٢٣، ح ٧٠٨.
عن الحسن بن الحكم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في رجل ترك خالتيه ومواليه، قال:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) ](١) المال بين الخالتين.
وروى أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٢) ، عن الحسن بن موسى الخياط، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: لا والله، ما ورث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ العبّاس ولا عليّ ـ عليه السّلام ـ [ولا ورثته إلّا فاطمة ـ عليها السّلام ـ.
وما كان أخذ علي ـ عليه السّلام ـ](٣) السّلاح وغيره، إلا لأنه قضى عنه دينه.
ثمّ قال:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: الخال والخالة يرثان، إذا لم يكن معهم أحد غيرهم. إنّ الله يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . إذا التقت القرابات، فالسابق أحقّ بالميراث من قرابته.
عن زرارة(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . أنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض. لأنّ أقربهم إليه [رحما](٦) أولى به.
عن ابن سنان(٧) ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمـّـا اختلف علي بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وعثمان بن عفّان في الرّجل يموت وليس له عصبة يرثونه، وله ذو قرابة يرثونه(٨) ، ليس له سهم مفروض.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: ميراثه لذوي قرابته. لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
وقال عثمان: أجعل ميراثه في بيت مال المسلمين، ولا يرثه أحد من قرابته.
( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٧٥): من المواريث والحكمة في إناطتها. بنسبة الإسلام والمظاهرة أوّلا، وباعتبار القرابة ثانيا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الفقيه ٤ / ١٩٠ ـ ١٩١، ح ٦٦٠.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٧١، ح ٨٣.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٢، ح ٨٦.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٧١، ح ٨٤.
(٨) المصدر: لا يرثونه.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ ـ عليه السّلام ـ لا يعطي الموالي شيئا مع ذي رحم، سمّيت له فريضة [أم لم تسمّ له فريضة](٢) . وكان يقول:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ، إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) قد علم مكانهم. فلم يجعل لهم مع أولي الأرحام حيث قال:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) .
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٧١، ح ٨٥.
(٢) من الهوامش.
تفسير سورة براءة
سورة البراءة
المشهور، أنّها مدنيّة.
وقيل(١) : إلّا آيتين من قوله ـ تعالى ـ:( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ ) . وهي آخر ما نزلت.
قيل: ولها أسماء اخر: التّوبة، والمقشقشة، والبحوث، والمبعثرة، والمنقرة، والمثيرة، والحافرة، والمخزية(٢) ، والفاضحة، والمنكلة، والمشردة، والمدمدمة، وسورة العذاب. لما فيها من التّوبة [للمؤمنين](٣) ،: والقشقشة من النّفاق وهي التبري منه، والبحث عن حال المنافقين وإثارتها، والحفر(٤) عنها، وما يخزيهم، ويفضحهم، وينكّلهم، ويشرّدهم، ويدمدم عليهم.
وآيها قيل: مائة وثلاثون. وقيل: تسع وعشرون.
وإنّما تركت التّسمية فيها، إمّا لأنّها نزلت للأمان والرّحمة ونزلت براءة لدفع الأمان والسّيف، وإمّا لأنّ الأنفال وبراءة واحدة.
ففي مجمع البيان(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: لم ينزل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) على رأس سورة براءة. لأنّ( بِسْمِ اللهِ ) للأمان والرّحمة، ونزلت براءة لدفع الأمان بالسّيف(٦) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: النحرية.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحضر.
(٥) المجمع ٣ / ٢.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لدفع الأمان
وفيه(١) ، في تفسير العيّاشي(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: الأنفال والبراءة واحدة.
ترك البسملة في أوّلها قراءة وكتابة.
ويمكن الجمع بين الخبرين، بأنّها سورة واحدة. ولذا لم يكتب( بِسْمِ اللهِ ) على رأس براءة، لكن لـمـّـا كان إفرادها للبعث بمكّة بمنزلة جعلها سورة ورسالة توهّم استحباب تصديرها بها، كما هو المتعارف في المكتوبات والرّسائل، دفع ـ عليه السّلام ـ هذا الوهم بقوله: لأنّ( بِسْمِ اللهِ ) للأمان والرّحمة، ونزلت سورة براءة لدفع الأمان والسّيف. ويؤيّد كونها واحدة، ما روي في أوّل الأنفال من كتاب ثواب الأعمال(٣) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة الأنفال وسورة البراءة في كلّ شهر، لم يدخله نفاق ابدا وكان من شيعة أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير العيّاشي(٤) ، مثله. إلّا أنّه زاد قوله ـ عليه السّلام ـ: حقّا وأكل(٥) يوم القيامة من موائد الجنة مع شيعة عليّ(٦) حتّى يفرغ النّاس من الحساب.
وما في مجمع البيان(٧) : عن أبي بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قرأ الأنفال وبراءة، فأنا شفيع له وشاهد يوم القيامة أنّه بريء من النّفاق، واعطي من الأجر بعدد كلّ منافق ومنافقة في دار الدّنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدّنيا.
فإن جعل الثواب المذكور على قراءة المجموع، يدلّ ظاهرا على أنهما واحد، خصوصا الحديث الأخير المحذوف فيه لفظ السّورة عن البراءة.
( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) ، أي: هذه براءة.
و «من» ابتدائية متعلّقة بمحذوف، تقديره: واصلة من الله ورسوله.
ويجوز أن يكون «براءة» مبتدأ لتخصّصها بصفتها، والخبر( إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١).
__________________
والسيف.
(١) كذا. والصحيح: وفي.
(٢) المجمع ٣ / ١، وتفسير العيّاشي ٢ / ٧٣.
(٣) ثواب الأعمال / ١٣٢.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يأكل.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: مع شيعته .
(٧) المجمع ٢ / ٥١٦.
وقرئ، بنصبها، على تقدير: اسمعوا براءة.
والمعنى: أنّ الله ورسوله بريئان من العهد الّذي عاهدتم به المشركين.
وفي مجمع البيان(١) : إذا قيل: كيف يجوز أن ينقض النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك العهد؟
فأقول فيه: إنه يجوز أن ينقض ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك على ثلاثة أوجه: إمّا(٢) أن يكون العهد مشروطا، بأن يبقى إلى أن يرفعه الله ـ تعالى ـ بوحي. وإمّا أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة وإما أن يكون مؤجّلا إلى مدّة.
وقد وردت الرّواية، بأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ شرط عليهم ما ذكرناه.
وروي ـ أيضا ـ: أنّ المشركين كانوا قد نقضوا العهد وهمّوا بذلك، فأمره الله ـ سبحانه ـ أن ينقض عهدهم. (انتهى).
وأمهل المشركين أربعة أشهر يسيروا أين شاءوا، فقال:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) : خطاب للمشركين. أمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، ثمّ يقتلون حيث وجدوا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) :( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
قال: حدثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من غزوة تبوك في سنة تسع(٤) من الهجرة.
قال: وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمـّـا فتح مكّة، لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السّنة. وكان سنّة من العرب في الحجّ أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه، لم يخل له إمساكها. وكانوا يتصدّقون بها، ولا يلبسونها بعد الطّواف. وكان من وافى مكّة، يستعير ثوبا ويطوف فيه ثمّ يرده. ومن لم يجد عارية، اكترى ثيابا. ومن لم يجد عارية ولا كراء ولم يكن له إلّا ثوب واحد، طاف بالبيت عريانا. فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة، وطلبت ثوبا عارية أو كراء فلم تجده.
فقالوا لها: إن طفت في ثيابك، احتجت أن تتصدقي بها.
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢ ـ ٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أحدها.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.
(٤) المصدر: سبع. والصحيح ما في المتن.
فقالت: أتصدّق!؟ وكيف أتصدّق بها وليس لي غيرها؟! فطافت بالبيت عريانة. وأشرف عليها النّاس. فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها وقالت :
اليوم يبدو بعضه أو كلّه |
فما بدا منه فلا أحلّه |
فلمّا فرغت من الطّواف، خطبها جماعة.
فقالت: إنّ لي زوجا.
وكانت سيرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلّا من قاتله، ولا يحارب إلّا من حاربه وأراده. وقد كان نزل عليه في ذلك من الله ـ عزّ وجلّ ـ( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) (١) . فكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا يقاتل أحدا قد تنحّى عنه واعتزله حتّى نزلت عليه سورة براءة، وأمره [الله](٢) بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله، إلّا الّذين قد كان عاهدهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم فتح مكّة إلى مدّة. منهم صفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو. فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: «براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر» ثمّ يقتلون حيث ما وجدوا. فهذه أشهر السّياحة، عشرون من ذي الحجّة الحرام والمحرّم وصفر وربيع الأوّل، وعشر(٣) من ربيع الآخر.
فلمّا نزلت الآيات من أوّل براءة، دفعها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى أبي بكر، وأمره أن يخرج إلى مكّة ويقرأها على النّاس بمنى(٤) يوم النّحر.
فلمّا خرج أبو بكر، نزل جبرئيل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا محمّد، لا يؤذي عنك إلّا رجل منك.
فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في طلبه. فلحقه بالروحاء، فأخذ منه الآيات.
فرجع أبو بكر إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، أنزل فيّ
__________________
(١) النساء / ٨٩.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عشرين.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يمسي.
شيء؟
فقال: لا، إنّ الله أمرني أن لا يؤدي عني إلّا أنا أو رجل مني.
وأمّا ما رواه العيّاشيّ(١) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لا، والله، ما بعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أبا بكر ببراءة. أهو كان يبعث بها [معه](٢) ثمّ يأخذها منه؟ ولكنّه استعمله على الموسم، وبعث بها عليّا ـ عليه السّلام ـ بعد ما فصل أبو بكر عن الموسم. فقال لعليّ ـ عليه السّلام ـ حين بعثه الله(٣) : إنّه لا يؤدي عني إلّا أنا أو أنت»
فمخالف لما روي سابقا. وما روي في هذا الباب محمول على التّقية، لأنّه وافق لما رواه العامّة في هذا الباب.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم، ليقرأها على النّاس.
فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: لا يبلّغ عنك إلّا عليّ.
فدعا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ فأمره أن يركب فاقته(٥) العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأه على النّاس بمكّة.
فقال أبو بكر: أسخطة؟
فقال: لا، إلّا أنه أنزل عليه: أن لا يبلّغ إلّا رجل منك.
فلما قدم عليّ ـ عليه السّلام ـ مكّة، وكان يوم النّحر بعد الظّهر ـ وهو يوم الحجّ الأكبر ـ قام ثمّ قال: إني رسول [رسول الله](٦) إليكم. فقرأها عليهم:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) عشرين(٧) من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول، وعشرا(٨) من شهر بيع الآخر.
وقال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك، إلّا من كان له عهد عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فمدّته(٩) إلى هذه الأربعة أشهر.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٤.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٣ ـ ٧٤.
(٥) المصدر: ناقة.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: وعشرا.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: عشرين. (٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: فدية.
وفي خبر محمد بن مسلم(١) : فقال: يا عليُّ، هل نزل في شيء منذ فارقت(٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: لا، ولكن أبي الله أن يبلّغ عن محمّد إلّا رجل منه.
فوافى(٣) الموسم، فبلّغ عن الله وعن رسوله بعرفة والمزدلفة ويوم النّحر عند الجمار وفي أيّام(٤) التشريق كلّها ينادي:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) ولا يطوفنّ بالبيت عريان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ـ أيضا ـ قال: وحدثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمرني [أن أبلّغ](٦) عن الله، أن لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام. وقرأ عليهم:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) فأجل الله المشركين الّذين حجّوا تلك السّنة أربعة أشهر حتّى يرجعوا(٧) إلى مأمنهم، ثم يقتلون حيث وجدوا.
وفي مجمع البيان(٨) : وروى أصحابنا، أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولّى عليّا الموسم. وأنه حين أخذ براءة من أبي بكر، رجع أبو بكر.
وروى عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: خطب عليّ ـ عليه السّلام ـ [الناس](٩) واخترط سيفه، فقال: لا يطوفنّ بالبيت عريان، ولا يحجّن البيت مشرك. ومن كانت له مدة، فهو إلى مدّته. ومن لم تكن له مدّة، فمدّته أربعة أشهر. وكان خطب يوم النّحر، فكان عشرون من ذي الحجّة ومحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر.
وروي أنّه ـ عليه السّلام ـ قام عند جمرة العقبة وقال: أيّها الناس، إني رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر ولا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ومن
__________________
(١) نفس المصدر ٢ / ٧٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأرقب عند.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: قوله في.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بأيّام.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٨٢.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يراجعوا.
(٨) المجمع ٣ / ٣ ـ ٤.
(٩) من المصدر.
كان له عهد عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فله عهده إلى أربعة أشهر. ومن لا عهد له، فله [مدّة](١) بقية الأشهر الحرم. وقرأ عليهم براءة.
وقيل: قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أوّل براءة.
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، [عن أحمد بن محمّد](٣) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الحسين بن خالد قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ: لأيّ شيء صار الحاج لا يكتب عليه الذّنب أربعة أشهر؟
قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أباح المشركين الحرم في أربعة أشهر، إذ يقول:( فَسِيحُوا ( فِي الْأَرْضِ ) أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) أثمّ وهب لمن يحجّ من المؤمنين البيت الذّنوب أربعة أشهر.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، بإسناده قال: أشهر الحجّ، شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة. وأشهر السّياحة، عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من ربيع الآخر.
عدة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي أيّوب عن سعد الإسكاف قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: انّ الحاج إذا أخذ في جهازه ـ إلى قوله ـ: وكان ذا الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول [أربعة](٦) أشهر تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السّيئات، إلّا أن يأتي بموجبه. فإذا مضت الأربعة أشهر، خلط بالناس.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : جعفر بن أحمد، عن عليّ بن محمّد بن شجاع قال: روى أصحابنا [قيل](٨) لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لم(٩) صار الحاجّ لا يكتب عليه ذنب أربعة أشهر؟
قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أمر المشركين، فقال:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) ولم يكن يقصر بوفده عن ذلك.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٤ / ٢٥٥.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٤ / ٢٩٠.
(٥) الكافي ٤ / ٢٥٤ ـ ٢٥٥.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٥.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: إنّه.
عن زرارة(١) وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) .
قال: عشرون من ذي الحجّة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر.
وعن داود بن سرحان(٢) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: كان الفتح في سنة ثمان، وبراءة في سنة تسع، وحجّة الوداع في سنة عشر.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى جميع بن عمّار قال: صليت في المسجد الجامع، فرأيت ابن عمر جالسا. فجلست إليه، فقلت: حدثني عن عليّ ـ عليه السّلام ـ.
فقال: بعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أبا بكر ببراءة. فلمّا أتى بها ذا الحليفة، اتبعه عليّ ـ عليه السّلام ـ فأخذها منه.
فقال أبو بكر: يا عليّ، مالي، أنزل فيّ شيء؟ قال: لا، ولكن [رسول الله قال :](٤) لا يؤدي عني إلّا [أنا أو رجل](٥) من أهل بيتي.
قال: فرجع إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، ولكن لا يؤدي عني إلّا أنا أو رجل من أهل بيتي.
قال كثير: قلت لجميع: أتشهد على ابن عمر بهذا هذا.
قال: نعم ـ ثلاثا ـ.
وبإسناده(٦) إلى ابن عباس: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث أبا بكر ببراءة، ثمّ اتبعه عليّا ـ عليه السّلام ـ فأخذها منه.
فقال أبو بكر: يا رسول الله، خيف فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنه لا يؤدي عني إلّا أنا أو عليّ.
وكان الّذي بعث به عليّ ـ عليه السّلام ـ: لا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة(٧) ، ولا
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٧٣.
(٣) العلل / ١٨٩.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يودّي قل.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجل أنا أو.
(٦) العلل / ١٩٠.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: نفس مؤمن مسلمة.
يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان بينه وبين رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عهد، فهو إلى مدّته.
وبإسناده(١) إلى الحارث بن مالك قال: خرجت إلى مكة، فلقيت سعد بن مالك. فقلت له: هل سمعت لعلي ـ عليه السّلام ـ منقبة؟
قال: قد شهدت له أربع، لئن تكون لي إحداهنّ أحبّ إليّ من الدّنيا أعمر فيها عمر نوح ـ عليه السّلام ـ أحدها، أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوما وليلة. ثمّ قال لعلي: اتبع أبا بكر فبلّغها.
وردّ أبا بكر، فقال: يا رسول الله، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنّه لا يبلغ عني إلّا أنا أو رجل مني.
وبإسناده(٢) إلى أنس بن مالك، أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث ببراءة إلى أهل مكة مع أبي بكر. فبعث عليّا ـ عليه السّلام ـ وقال: لا يبلّغها إلّا رجل من أهل بيتي.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن الحارث بن ثعلبة قال: قلت لسعد(٤) : أشهدت شيئا من مناقب عليّ ـ عليه السّلام ـ؟
قال: نعم، شهدت له أربع مناقب والخامسة شهدتها. لئن يكون لي منهنّ واحدة، أحبّ إليّ من حمر النّعم. بعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أبا بكر ببراءة، ثمّ أرسل عليّا ـ عليه السّلام ـ فأخذها منه.
فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله، أنزل فيّ شيء؟
قال: لا، إلّا أنه لا يبلغ عني إلّا رجل مني.
وفي احتجاج عليّ(٥) ـ عليه السّلام ـ يوم الشورى على النّاس، قال: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ رسوله أن يبعث ببراءة بها مع أبي بكر، فأتاه جبرائيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا محمّد، إنّه لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك. فبعثني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخذتها من أبي بكر. فمضيت بها فأدّيتها عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأثبت الله على لسان رسول الله أني منه، غيري؟
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) الخصال / ٣١١.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لو.
(٥) الخصال / ٥٥٨.
قالوا: [أللّهمّ](١) لا.
وفي مناقب أمير المؤمنين(٢) ـ عليه السّلام ـ وتعدادها، قال ـ عليه السّلام ـ: وأمّا الخمسون، فإنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث ببراءة مع أبي بكر. فلمّا مضى، أتى جبرائيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا محمّد، لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك. فوجّهني على ناقته العضباء، فلحقته بذي الحليفة، فأخذتها منه. فخصّني الله بذلك.
عن جابر الجعفيّ(٣) ، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وقد سأله رأس اليهود: ولم تمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء وبعد وفاتهم؟
قال: يا أخا اليهود، إنّ الله ـ تعالى ـ امتحنني في حياة نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله ـ في سبعة مواطن. فوجدني فيها ـ من غير تزكية لنفسي بنعمة الله ـ له مطيعا.
قال: فيم وفيم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أمّا أوّلهنّ ـ إلى أن قال ـ: وأما السّابعة ـ يا أخا اليهود ـ فإن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمـّـا توجّه لفتح مكّة، أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله آخرا(٤) ، كما دعاهم أولا. فكتب إليهم كتابا يحذرهم فيه، وينذرهم عذاب ربّهم، ويعدهم الصفح، [يمنّيهم مغفرة ربّهم](٥) . ونسخ لهم في آخره سورة براءة، لتقرأ عليهم. ثمّ عرض على جميع أصحابه المضيّ إليهم فكلّ منهم يرى التّثاقل فيه. فلمّا رأى ذلك، ندب منهم رجلا فوجهه به.
فأتاه جبرائيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا محمّد، إنّه لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك.
فأنبأني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بذلك، ووجهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة. فأتيت مكّة، وأهلها من قدم عرفتم، ليس منهم أحد إلّا ولو قدر أن يضع على كلّ جبل مني إربا لفعل ولو أن يبذل في ذلك نفسه وماله وأهله وولده. فبلّغتهم رسالة النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقرأت عليهم كتابه. فكلّ تلقاني بالتّهديد(٦) والوعيد، ويبدي لي
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخصال / ٥٧٨.
(٣) الخصال / ٣٦٥ و ٣٦٦، و ٣٦٩ ـ ٣٧٠.
(٤) كذا في المصدر وفي روح: أخرى. وفي أو ب: احدى.
(٥) من المصدر. وفي النسخ: ينذرهم.
(٦) المصدر: بالتهدد.
البغضاء، ويظهر لي الشّحناء، من رجالهم ونسائهم. فكان مني في ذلك ما قد رأيتم. ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟
فقالوا: بلى، يا أمير المؤمنين.
( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) : لا تفوتونه وإن أمهلكم.
( وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ) (٢): بالأسر والقتل في الدّنيا، والعذاب في الآخرة.
( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ ) ، أي: إيذان وإعلام. فعال، بمعنى: الإفعال، كالأمان والعطاء، بمعنى: الإيمان والإعطاء. ورفعه، كرفع براءة على الوجهين.
( يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) .
قيل(١) : يوم العيد. لأنّ فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأنّ الإعلام كان فيه.
ولما نقل: أنه ـ عليه السّلام ـ وقف يوم النّحر عند الجمرات في حجّة الوداع فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.
وقيل: يوم عرفة، لقوله ـ عليه السّلام ـ: الحج عرفة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: يوم الحجّ الأكبر، يوم النّحر. قال: ولو كان [الحج الأكبر](٣) يوم عرفة، لكان أربعة أشهر ويوما.
وقيل(٤) : وصف الحجّ بالأكبر. لأنّ العمرة تسمّى بالحجّ الأصغر، أو لأن المراد بالحجّ: ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فإنّه أكبر من باقي الأعمال، أو لأنّ ذلك الحجّ اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنّه ظهر فيه عزّ المسلمين وذلّ الكافرين(٥) .
وسيأتي بعض تلك الوجوه في الأخبار.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن فضالة بن أيّوب، عن أبان بن عثمان، عن حكيم بن جبير، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في قوله :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٥.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ٧٧.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٥.
(٥) المصدر: المشركين.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٨٢.
( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) .
قال: «الأذان» أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي حديث آخر: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: كنت أنا الأذان في النّاس.
وفي أمالي شيخ الطائفة(١) ـ قدس سرّه ـ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: قال أبي: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: أنت الّذي أنزل الله فيه( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) .
وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : روي الحسن الدّيلميّ، بإسناده عن رجاله إلى عبد الله بن سنان قال: قال الصادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أسماء لا يعلمها إلّا العالمون، وأنّ منها «الأذان» من الله ورسوله. وهو الأذان.
وفي كتاب الخصال(٣) ، في احتجاج عليّ ـ عليه السّلام ـ على أبي بكر قال: فأنشدك بالله، أنا الأذان من الله ورسوله لأهل الموسم ولجميع الأمّة بسورة براءة أم أنت؟
قال: بل أنت.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) ، خطبة لعليّ ـ عليه السّلام ـ يذكر فيها نعم الله ـ عزّ وجلّ ـ. وفيها يقول ـ عليه السّلام ـ: ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم. أنا المؤذّن في الدّنيا والآخرة. قال الله ـ تعالى ـ:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٥) . أنا ذلك المؤذن. وقال:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ]) (٦) وأنا ذلك الأذان.
حدّثنا(٧) محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن عليّ بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن الحارث بن المغيرة النضري، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) .
فقال: اسم نحله الله ـ عزّ وجلّ ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ من السّماء، لأنّه هو الذي
__________________
(١) الامالي ١ / ٣٦١.
(٢) تأويل الآيات الباهرة / ٧٤.
(٣) الخصال / ٥٤٩.
(٤) المعاني / ٥٩.
(٥) الأعراف / ٤٣.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المعاني / ٢٩٨.
أدّى عن رسوله براءة. وقد كان بعث بها مع أبي بكر أوّلا، فنزل عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا محمّد، إنّ الله يقول لك: لا يبلّغ عنك إلّا أنت أو رجل منك. فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عند ذلك عليّا ـ عليه السّلام ـ فلحق أبا بكر وأخذ الصّحيفة من يده، ومضى بها إلى مكة. فسمّاه الله ـ تعالى ـ: وأذان من الله. إنّه اسم نحله الله ـ تعالى ـ من السّماء لعليّ ـ عليه السّلام ـ.
وفي عيون الأخبار(١) ، بإسناده: عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) . [فكنت أنت المبلغ عن الله وعن رسوله.
في كتاب علل الشّرائع بإسناده إلى حفص بن غياث النخعي القاضي قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) ].
فقال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: كنت أنا الأذان في الناس.
قلت: فما معنى هذه اللّفظة «الحجّ الأكبر»؟
قال: إنّما سمي «الأكبر» لأنها كانت سنة حجّ فيها المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد تلك السّنة.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن جابر، عن جعفر بن محمّد وأبي جعفر ـ عليهما السلام ـ في قول الله:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) .
قال: خروج القائم. و «أذان» دعوته إلى نفسه.
عن حريز(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في الأذان: هو اسم في كتاب الله، لا يعلم ذلك أحد غيري.
عن عبد الرّحمن(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «يوم الحج الأكبر» يوم النحر. و «الحجّ الأصغر» العمرة.
وفي رواية ابن سرحان(٥) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: «الحجّ الأكبر» يوم عرفة ،
__________________
(١) العيون ٢ / ١٠.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٦.
(٣ و ٤ و ٥) ـ نفس المصدر والموضع.
والجمع، ورمى الجمار بمنى. و «الحجّ الأصغر» بمعنى العمرة.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) : حدّثنا أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقري، عن فضيل بن عيّاض(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الحجّ [الأكبر](٣) .
فقال: أعندك فيه شيء؟
فقلت: نعم.
كان ابن عبّاس يقول: «الحجّ الأكبر» يوم عرفة، يعني: أنه من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النّحر، فقد أدرك الحجّ. ومن فاته ذلك، فاته الحجّ. فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها. والدّليل على ذلك أنّ من أدرك ليلة النّحر إلى طلوع الفجر، فقد أدرك الحجّ وأجزأ عنه من عرفة.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قال أمير المؤمنين: الحج الأكبر يوم النحر.
واحتجّ بقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) . فهي عشرون من ذي الحجة والمحرّم وصفر وربيع الأوّل، وعشر من شهر ربيع الآخر. ولو كان الحجّ الأكبر يوم عرفة، لكان [السّيح](٤) أربعة أشهر ويوما. واحتجّ بقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) ، وكنت أنا الأذان في النّاس.
فقلت له: فما معنى هذه اللّفظة «الحجّ الأكبر»؟
فقال: إنّما سمي «الأكبر» لأنّها كانت سنة حجّ فيها المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد تلك السّنة.
أبي(٥) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح المحاربيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الحجّ الأكبر» يوم النّحر.
حدّثنا(٦) محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله
__________________
(١) المعاني / ٢٩٦.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: غياث.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) المعاني / ٢٩٥.
(٦) المعاني / ٢٩٥.
ـ عليه السّلام ـ عن يوم الحجّ الأكبر.
فقال: هو يوم النّحر. و «الأصغر» العمرة.
أبي(١) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الحجّ الأكبر» يوم الأضحى.
[حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رحمه الله ـ قال :](٢) حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن عيسى، عن عبيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ، مثل ذلك.
أبي(٣) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عليّ بن الحسين، عن حمّاد بن عيسى، عن شعيب، عن أبي بصير والنضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «الحجّ الأكبر» يوم الأضحى.
وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن يوم الحجّ الأكبر.
فقال: هو يوم النّحر. و «الأصغر» العمرة.
أبو عليّ الأشعري(٥) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «[الحجّ](٦) الأكبر» يوم النّحر.
عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمسائل، إلى قوله: وسألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «الحجّ الأكبر»، ما يعني بــــ«الحج الأكبر»؟
فقال: «الحجّ الأكبر» الوقوف بعرفة، ورمي الجمار. و «الحجّ الأصغر» العمرة.
( أَنَّ اللهَ ) ، أي: بأنّ الله.
( بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، أي: من عهودهم.
( وَرَسُولِهِ ) : عطف على المستكنّ في «بريء». أو على محل «أنّ» واسمها في
__________________
(١) المعاني / ٢٩٥.
(٢) من المصدر.
(٣) المعاني / ٢٩٦.
(١ و ٥) ـ الكافي ٤ / ٢٩٠.
(٦) من المصدر.
(٧) الكافي ٤ / ٢٦٤ ـ ٢٦٥.
قراءة من كسرها، إجراء للأذن مجرى القول.
وقرئ، بالنصب، عطفا على اسم «أنّ». أو لأنّ الواو بمعنى: مع. ولا تكرير فيه، فإن قوله:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام. ولذلك علّقه بالنّاس، ولم يخصّه بالمعاهدين.
وفي مجمع البيان(١) : قال: وقد روى عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديثا طويلا. روي أنّه لـمـّـا نادى فيهم:( أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [أي: كلّ مشرك](٢) .
قال المشركون: نحن نتبرأ(٣) من عهدك وعهد ابن عمّك.
( فَإِنْ تُبْتُمْ ) : من الكفر والغدر.
( فَهُوَ ) : فالتّوب.
( خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) : عن التوبة. أو ثبتم(٤) على التّولي عن الإسلام والوفاء.
( فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) : لا تفوتونه طلبا، ولا تعجزونه هربا في الدّنيا.
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٣): في الآخرة.
( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) : استثناء من المشركين. أو استدراك، فكأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى النّاكثين: ولكنّ الّذين عاهدوا منهم.
( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) : من شروط العهد، ولم ينكثوه. أو لم يقتلوا منكم، ولم يضروكم قطّ.
( وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً ) : من أعدائكم.
( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ ) : إلى تمام مدّتهم. ولا تجروهم مجرى النّاكثين، ولا تجعلوا الوفيّ مجرى الغادر.
( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٤): تعليل وتنبيه على إتمام عهدهم، من باب التقوى.
( فَإِذَا انْسَلَخَ ) : انقضى. وأصل الانسلاخ: خروج الشيء ممّن لابسه. من
__________________
(١) المجمع ٣ / ٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ورسوله.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: نبرأ
(٤) ح: تثبّتم.
سلخ الشّاة.
( الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ) : الّتي أبيح للنّاكثين أن يسيحوا فيها.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: هي يوم النحر إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر.
( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) : النّاكثين.
( حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) : من حلّ وحرم.
( وَخُذُوهُمْ ) : وأسروهم. والأخيذ: الأسير.
( وَاحْصُرُوهُمْ ) : واحبسوهم، وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام.
( وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) : كلّ ممّر ومرصد يرصدونهم، لئلّا يتبسّطوا في البلاد.
( فَإِنْ تابُوا ) : عن الشّرك بالإيمان.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) : تصديقا لتوبتهم وإيمانهم.
( فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) : فدعوهم، ولا تتعرّضوا لهم بشيء.
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٥): تعليل للأمر، أي: فخلوهم، لأنّ الله غفور رحيم، غفر لهم ما سلف ووعد لهم الثّواب بالتّوبة.
وفي كتاب الخصال(٢) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. وفيه: «منها أربعة حرم» رجب نص الّذي بين جمادى وشعبان، وذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم.
وعن محمّد بن أبي عمير(٣) ، حديث يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. وفيه: «منها أربعة حرم» عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر.
وفي تهذيب الأحكام(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وكان السّائل من محبينا.
فقال له أبي: إنّ الله ـ تعالى ـ بعث محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بخمسة أسياف ،
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٧.
(٢) الخصال / ٤٨٧.
(٣) الخصال / ٤٨٨.
(٤) التهذيب ٤ / ١١٥.
ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها. فإذا طلعت الشّمس من مغربها، آمن النّاس كلّهم في ذلك اليوم. فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في إيمانها خيرا.
[وسيف منها مكفوف](١) وسيف منها مغمد سلّه إلى غيرنا وحكمه إلينا.
فأمّا السيوف الثّلاثة الشّاهرة، فسيف على مشركي العرب. قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا ) ، يعني: فإن آمنوا [( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) ](٢) فإخوانكم في الدّين فهؤلاء لا يقبل منهم إلّا القتل، أو الدّخول في الإسلام. [وأموالهم و](٣) ذراريّهم [تسبى على ما سبى](٤) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإنه سبى وعفا، وقبل الفداء.
( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) : المأمور بالتعرض لهم.
( اسْتَجارَكَ ) : استأمنك، وطلب منك جوارك.
( فَأَجِرْهُ ) : فآمنه.
( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ) : ويتدبّره ويطّلع على حقيقة الأمر. فإنّ معظم الأدلّة فيه.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: أظنّه عن أبي حمزة الثماليّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا أراد أن يبعث سريّة، دعاهم فأجلسهم بين يديه.
ثمّ يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. لا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرا إلّا أن تضطروا إليها. وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل(٦) من المشركين، فهو جار حتّى يسمع كلام الله. فإن تبعكم، فأخوكم(٧) في الدّين.
وإن أبى، فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله عليه.
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) من المصدر. وفي النسخ: وما لهم في.
(٤) من المصدر. وفي النسخ: سبي على ما أمر.
(٥) الكافي ٥ / ٢٧ ـ ٢٨.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجلين.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فإخوانكم.
وفي نهج البلاغة(١) : وإنّما كلامه ـ سبحانه ـ فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا. ولو كان قديما، لكان [إلها ثانيا](٢) .
( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) : موضع أمنه إن لم يسلم.
و «أحد» رفع بفعل يفسره ما بعده، لا بالابتداء. لأنّ «إن» من عوامل الفعل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال الباقر(٤) ـ عليه السّلام ـ: اقرأ عليه وعرّفه، ثمّ لا تتعرّض له حتى يرجع إلى مأمنه.
( ذلِكَ ) : الأمن والأمر.
( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) (٦): ما الإيمان، وما حقيقته، وما تدعوهم إليه. فلا بد من أمانهم، ريثما يسمعون ويتدبّرون.
( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ) : استفهام بمعنى الإنكار، والاستبعاد لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع وغرة صدورهم. أو لأن يفي الله ورسوله بالعهد، وهم نكثوه.
وخبر «يكون» «كيف» وقدّم للاستفهام، أو «للمشركين» أو «عند الله». وهو على الأوّلين صفة «للعهد» أو ظرف له، أو «ليكون». و «كيف» على الأخيرين حال من «العهد» و «للمشركين»، إن لم يكن خبرا فتبين.
( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) : هم المستثنون قبله.
ومحلّه النّصب، على الاستثناء. أو الجرّ، على البدل. أو الرّفع، على أنّ الاستثناء منقطع، أي: ولكنّ الّذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام.
( فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) ، أي: فتربّصوا أمرهم، فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء. وهو كقوله:( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ) ، غير أنّه مطلق وهذا مقيّد.
و «ما» تحتمل الشّرطية والمصدريّة.
( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (٧): سبق بيانه.
( كَيْفَ ) : تكرار، لاستبعاد ثباتهم على العهد، أو بقاء حكمه مع التّنبيه على
__________________
(١) نهج البلاغة / ٢٧٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أزلا ثابتا.
(٣) تفسير القمي ١ / ٢٨٣.
(٤) ليس في المصدر.
العلّة. وحذف الفعل للعلم به، كما في قوله :
وخبّرتماني إنّما الموت بالقرى |
فكيف وهاتا هضبة وقليب |
أي: فكيف مات.
( وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) ، أي: وحالهم أنّهم إن يظفروا بكم.
( لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ ) : لا يراعوا فيكم.
( إِلًّا ) : حلفا.
وقيل(١) : قرابة. قال حسّان :
لعمرك إن إلّك(٢) من قريش |
كإلّ السقب(٣) من رأل(٤) النّعام |
وقيل: ربوبيّة. ولعلّة اشتقّ للحلف من الأل، وهو الجواز. لأنّهم كانوا إذا تحالفوا، رفعوا به أصواتهم وشهروه. ثمّ استعير للقرابة، لأنها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف. ثمّ للربوبية والتّربية.
وقيل: اشتقاقه من ألل الشيء: إذا حدّده. أو من ألّ البرق: إذا لمع.
وقيل: إنّه عبريّ: بمعنى: الاله. لأنه قرئ: إيلا، كجبرئل وجبرئيل.
( وَلا ذِمَّةً ) : عهدا، أو حقّا يعاب على إغفاله.
( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) : استئناف، لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظّفر. ولا يجوز جعله حالا من فاعل «لا يرقبوا». فإنّهم بعد ظهورهم لا يرضون. ولأنّ المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان والطّاعة والوفاء بالعهد في الحال واستبطان الكفر والمعاداة، بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم، والحاليّة تنافيه.
( وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ) : ما تتفوه به أفواههم.
( وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) (٨): متمرّدون. لا عقيدة تزعهم، ولا مروءة تردعهم.
وتخصيص الأكثر، لما في بعض الكفرة من التفادي عن الغدر والتعفف عمّا يجرّ إلى أحدوثة
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٦.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلّكم.
(٣) السقب: ولد الناقة الذكر ساعة يولد.
(٤) الرأل: فرخ النعام.
السّوء.
( اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ) : استبدلوا بالقرآن.
( ثَمَناً قَلِيلاً ) : عرضا يسيرا. وهو اتّباع الأهواء والشّهوات.
( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) : عن دينه الموصل إليه، أو سبيل بيته بحصر الحجّاج والعمّار.
و «الفاء» للدّلالة على أنّ اشتراءهم أدّاهم إلى الصّدّ.
( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٩): عملهم هذا. أو ما دلّ عليه قوله:( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) : فهو تفسير لا تكرير.
وقيل(١) : الأوّل عامّ في الناقضين(٢) وهذا خاصّ بالّذين اشتروا، وهم اليهود أو الأعراب الّذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) (١٠)»: في الشّرارة.
( فَإِنْ تابُوا ) ، أي: من الكفر.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ ) : فهم إخوانكم.
( فِي الدِّينِ ) : لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم.
( وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (١١): اعتراض للحثّ على تأمّل ما فصّل من أحكام المعاهدين، أو خصال التّائبين.
( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) : وإن نكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان أو الوفاء بالعهود.
( وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) : بصريح التّكذيب، وتقبيح الأحكام.
( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) ، أي: فقاتلوهم. فوضع «أئمّة الكفر» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّهم صاروا بذلك ذوي الرّئاسة والتقدّم في الكفر أحقّاء بالقتل.
وقيل(٣) : المراد بالأئمّة، رؤساء المشركين. فالتّخصيص إمّا لأنّ قتلهم أهمّ وهم أحقّ به، أو للمنع من مراقبتهم.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ وروح، عن يعقوب: «أئمّة» بتحقيق
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: المنافقين.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٧.
الهمزتين على الأصل، والتّصريح بالياء لحن.
وقرأ هشام، بإدخال الألف بين الهمزتين.
وروي ـ أيضا ـ عنه بخلاف ذلك.
( إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ ) : على الحقيقة، وإلّا لما طعنوا ولم ينكثوا.
قيل(١) : وفيه دليل على أنّ الذّمّيّ إذا طعن في الإسلام، فقد نكث عهده.
وقرأ ابن عامر: «لا إيمان» بكسر الهمزة، بمعنى: لا أمان، أو لا إسلام.
ورواها في مجمع البيان(٢) عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ.
يعني: لا عبرة بما أظهروه من الإيمان.
( لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) (١٢): متعلّق بقاتلوا، أي: ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عمّا هم عليه لا إيصال الأذيّة بهم، كما هو طريقة المؤذين. وهذا من غاية كرمه ـ سبحانه ـ وفضله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : نزلت هذه الآية في أصحاب الجمل. وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يوم الجمل: [والله](٤) ما قاتلت هذه الفئة النّاكثة إلّا بآية من كتاب الله.( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) (الآية).
وفي قرب الإسناد(٥) للحميريّ: حدّثني محمّد بن عبد الحميد وعبد الصّمد بن محمّد جميعا، عن حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: دخل عليّ أناس من أهل البصرة، فسألوني عن طلحة والزّبير.
فقلت لهم: كانا من أئمّة الكفر. إنّ عليّا يوم البصرة لـمـّـا صفّ الخيول، قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بيني وبين الله ـ عزّ وجلّ ـ وبينهم.
فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة، هل تجدون عليّ جور في حكم الله؟
قالوا: لا.
قال: فحيفا في قسمة؟
قالوا: لا.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المجمع ٣ / ١٠.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٢٨٣.
(٤) من المصدر.
(٥) قرب الإسناد / ٤٦.
قال: فرغبة في دنيا أخذتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم بيعتي؟
قالوا: لا.
قال: فأقمت فيكم الحدود وعطّلتها عن غيركم؟
قالوا: لا.
قال: فما بال بيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث؟ إنّي ضربت الأمر(١) أنفه وعينه، فلم أجد إلّا الكفر(٢) .
ثمّ ثنى إلى أصحابه(٣) فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول في كتابه: «وإن نكثوا أيمانهم» (الآية).
ثمّ قال: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة واصطفى محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالنّبوّة، إنّهم لأصحاب هذه الآية، وما قوتلوا منذ نزلت.
وفي أمالي(٤) شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى أبي عثمان البجليّ، مؤذّن بني أقصى. قال بكير: أذن لها أربعين سنة. قال: سمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ يقول [يوم الجمل](٥) :( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) (الآية). ثمّ حلف حين قرأها، إنّه ما قوتل أهلها منذ نزلت حتّى اليوم.
قال بكير: فسألت عنها أبا جعفر.
فقال: صدق الشّيخ. هكذا قال عليّ ـ عليه السّلام ـ هكذا كان.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن أبي الطّفيل قال: سمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ يوم الجمل وهو يحرّض(٧) النّاس على قتالهم، ويقول: والله، ما رمى أهل هذه الآية بكنانة قبل اليوم( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) .
فقلت لأبي الطفيل: ما الكنانة؟
قال: السّهم يكون موضع الحديد فيه عظم، تسميّه بعض العرب: الكنانة.
عن الحسن البصريّ(٨) قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ على هذا
__________________
(١) المصدر: الأمر أو السيف.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الكفر والسيف.
(٣) المصدر: صاحبه.
(٤) الأمالي ١ / ١٣١.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٨.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يحضّض.
(٨) نفس المصدر والموضع.
المنبر، وذلك بعد ما فرغ من أمر طلحة والزّبير وعائشة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ثمّ قال: يا أيّها النّاس، والله، ما قاتلت هؤلاء [بالأمس](١) إلّا بآية نزلت(٢) في كتاب الله. إنّ الله يقول:( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) . أما والله، لقد عهد إليّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقال: يا عليّ، لتقاتلنّ الفئة الباغية والفئة النّاكثة والفئة المارقة.
عن عمّار(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من طعن في دينكم هذا، فقد كفر. قال الله: «( وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) ـ إلى قوله ـ:( يَنْتَهُونَ ) ».
عن الشّعبيّ(٤) قال: قرأ عبد الله:( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) (إلى آخر الآية) ثم قال: ما قوتل أهلها بعد. فلمّا كان يوم الجمل، قرأها عليّ ـ عليه السّلام ـ. ثمّ قال: ما قوتل أهلها منذ يوم نزلت حتّى كان اليوم.
عن أبي عثمان(٥) مولى بني أقصى قال: سمعت عليّا ـ صلوات الله عليه ـ يقول: عذرني الله من طلحة والزّبير، بايعاني طائعين غير مكرهين ثمّ نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته. والله، ما قوتل أهل هذه الآية منذ نزلت حتّى قاتلتهم( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) (الآية).
( أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً ) : تحريض على القتال. لأنّ الهمزة دخلت على النّفي للإنكار، فأفادت المبالغة في الفعل.
( نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) : الّتي حلفوها مع الرّسول والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة.
( وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ) : حين تشاوروا في أمره بدار النّدوة. على ما مرّ ذكره في قوله: «وإذ يمكر بك الّذين كفروا».
وقيل(٦) : هم اليهود، نكثوا عهد الرّسول وهمّوا بإخراجه من المدينة.
( وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) : بالمعاداة والمقاتلة. لأنّه ـ عليه السّلام ـ بدأهم بالدّعوة
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: تركتها.
(١ و ٤) ـ نفس المصدر ٢ / ٧٩.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٨.
وإلزام الحجّة بالكتاب والتّحدّي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة فما يمنعكم إن تعارضوهم وتصادموهم.
( أَتَخْشَوْنَهُمْ ) : أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم.
( فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ) : فقاتلوا أعداءه، ولا تتركوا أمره.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (١٣): فإنّ قضيّة الإيمان أن لا يخشى إلّا منه.
( قاتِلُوهُمْ ) : أمر بالقتال بعد بيان موجبه، والتّوبيخ على تركه، والتّوعّد عليه.
( يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) : وعد لهم إن قاتلوهم بالنّصر عليهم، والتّمكّن من قتلهم وإذلالهم.
( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) (١٤).
قيل(١) : يعني: بني خزاعة.
وقيل: بطونا من اليمن وسبأ قدموا مكّة، فأسلموا. فلقوا من أهلها أذى شديدا، فشكوا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقال: أبشروا، فإنّ الفرج قريب.
( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ) : لما لقوا منهم، وقد أوفى الله بما وعدهم. والآية من المعجزات.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: دخلت أنا والمعلّى على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقال: أبشروا. أنتم على إحدى الحسنيين، شفى الله صدوركم وأذهب غيظ قلوبكم وأدالكم(٣) على عدوّكم. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) .
فإن مضيتم قبل(٤) أن تروا(٥) ذلك، مضيتم على دين الله الّذي رضيه لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولعليّ ـ عليه السّلام ـ.
عن أبي الأغرّ اليمنيّ(٦) قال: كنت واقفا يوم صفّين إذ نظرت إلى العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب وهو شاك في السّلاح، على رأسه مغفر وبيده صفيحة(٧)
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٧٩.
(٣) المصدر: أنالكم.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.
(٥) المصدر: يروا.
(٦) نفس المصدر ٢ / ٧٩ ـ ٨١.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: صحيفة. والصفيحة: السيف العريض.
يمانيّة، وهو على فرس أدهم(١) [وكأنّ عينيه عينا أفعى. فبينا هو يروض فرسه ويلين عن عريكته](٢) إذ هتف به هاتف من أهل الشّام، يقال له: عرار بن أدهم: يا عبّاس، هلمّ إلى البراز. [قال: فالنزول إذا](٣) .
قال: ثمّ تكافحا بسيفيهما مليّا من نهارهم لا يصل واحد منهما إلى صاحبه، لكمال لأمته. إلى أن لحظ(٤) العبّاس وهياً(٥) في درع الشّاميّ، فأهوى إليه [بيده، فهتكه إلى ثندوته. ثمّ عاود لمجاولته وقد أصحر له، ففتق الدرع. فضربه العبّاس](٦) بالسّيف، فانتظم به جوانح صدره(٧) وخرّ الشّاميّ صريعا. وكبّر النّاس تكبيرة ارتجّت [لها الأرض](٨) فسمعت قائلا يقول:( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ) (الآية) فالتفتّ، فإذا هو أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) : ابتداء إخبار، بأنّ بعضهم يتوب عن كفره.
وقد كان ذلك ـ أيضا ـ.
وقرئ: «ويتوب» بالنّصب على إضمار «أن»، على أنّه من جملة ما أجيب به الأمر. فإنّ القتال، كما تسبّب لتعذيب قوم، تسبّب لتوبة آخرين.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : بما كان وبما سيكون.
( حَكِيمٌ ) (١٥): لا يفعل ولا يحكم إلّا على وفق الحكمة.
( أَمْ حَسِبْتُمْ ) قيل(٩) : خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال.
وقيل: للمنافقين. و «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها: التّوبيخ على الحسبان.
( أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) : ولم يتبيّن الخلّص منكم، وهم الّذين جاهدوا من غيرهم. نفى العلم وأراد نفي المعلوم، للمبالغة. فإنّه، كالبرهان عليه، من حيث أن تعلّق العلم به مستلزم لوقوعه.
( وَلَمْ يَتَّخِذُوا ) : عطف «على جاهدوا» داخل في الصّلة.
( مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) : بطانة يوالونهم، ويفشون
__________________
(١) الأدهم: الأسود.
(٢ و ٣ و ٦ و ٨) ـ من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: خطّ.
(٥) الوهي: الشقّ في الشيء.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الشاميّ.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٨.
إليهم أسرارهم. وما في «لمّا» من معنى التّوقّع منبّه على أنّ تبيّن ذلك متوقّع.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن أبان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: يا معشر الأحداث، اتّقوا الله ولا تأتوا الرّؤساء، دعوهم حتّى يصيروا(٢) أذنابا. لا تتّخذوا الرّجال ولائج دون الله. أنا والله خير لكم منهم. ثمّ ضرب بيده إلى صدره.
عن أبي الصّباح الكنانيّ(٣) قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: ايّاكم والولائج.
فإنّ كلّ وليجة دوننا، فهي طاغوت. أو قال: ندّ.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: فأنشدكم الله ـ عزّ وجلّ ـ، أتعلمون حيث نزلت( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٥) . وحيث نزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) (٦) . وحيث نزلت( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) . قال النّاس: يا رسول الله، أهذه خاصّة لبعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يعلمهم ولاة أمرهم، وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجّهم. فنصّبني للنّاس بغدير خمّ.
إلى قوله: فقام أبو بكر وعمر، فقالا: يا رسول الله، هذه الآيات خاصّة(٧) .
قال: بلى، فيّ(٨) وفي أوصيائي إلى يوم القيامة.
قالا: يا رسول الله، بيّنهم لنا.
قال: عليّ أخي ووزيري ووارثي ووصيّي وخليفتي في أمّتي، ووليّ كلّ مؤمن من بعدي. ثمّ ابني الحسن. ثمّ ابني الحسين. ثمّ تسعة من ولد الحسين واحد بعد واحد. القرآن معهم، وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم، حتّى يردوا عليّ حوضي.
__________________
(١ و ٣) ـ تفسير العيّاشي ٢ / ٨٣.
(٢) المصدر: يسيروا.
(٤) كمال الدّين / ٢٧٦ ـ ٢٧٧.
(٥) النساء / ٥٩.
(٦) المائدة / ٥٩.
(٧) المصدر: خاصّة لعليّ.
(٨) المصدر: فيه.
[فقالوا كلّهم](١) : أللّهمّ، نعم، قد سمعنا ذلك وشهدنا، كما قلت سواء.
والحديث بتمامه مذكور في النّساء والمائدة عند الآيتين.
وفي أصول الكافيّ(٢) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن مثنى، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) ، يعني: أمير المؤمنين و(٣) الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ. لم يتّخذوا الولائج من دونهم.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، مرسلا قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: لا تتّخذوا من دون الله وليجة، فلا تكونوا مؤمنين. فإنّ كلّ سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع، إلّا ما أثبته القرآن.
عليّ بن محمّد(٥) ومحمّد بن أبي عبد الله، عن إسحاق بن محمّد النّخعيّ قال: حدّثني سفيان بن محمّد الضيعيّ قال: كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الوليجة، وهو قول الله:( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) . [قلت في نفسي ـ لا في الكتاب ـ: من ترى المؤمنين ها هنا؟
فرجع الجواب: الوليجة الّذي يقام دون وليّ الأمر. وحدّثتك نفسك عن المؤمنين: من هم في هذا الموضع؟ فهم الأئمّة الّذين يؤمنون على الله، فيجيز أمانهم.](٦)
في تفسير عليّ بن إبراهيم: وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) :(٧) يعني بالمؤمنين: آل محمّد.
و «بالوليجة» البطانة.
( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) (١٦): يعلم غرضكم منه. وهو، كالمزيح لما يتوهّم من ظاهر قوله: «ولمّا يعلم الله».
( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ) : ما صحّ لهم.
__________________
(١) من المصدر. وفي النسخ: قالوا.
(٢) الكافي ١ / ٤١٥.
(٣) المصدر: يعني بالمؤمنين .
(٤) الكافي ١ / ٥٩.
(٥) الكافي ١ / ٥٠٨.
(٦) من المصدر.
(٧) هكذا في تفسير نور الثقلين ٢ / ١٩٢، ح ٧٥.
( أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ ) : شيئا من مساجده، فضلا عن المسجد الحرام.
وقيل(١) : هو المراد. وإنّما جمع، لأنّه قبلة المساجد وإمامها. فعامره، كعامر الجميع. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، بالتّوحيد.
( شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) : بإظهار الشّرك وتكذيب الرّسول. وهو حال من الواو. والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين، عمارة بيت الله وعبادة غيره.
وفي الجوامع(٢) : روي أنّ المسلمين عيّروا أسارى بدر، ووبّخ عليّ العبّاس بقتال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقطيعة الرّحم.
فقال العبّاس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا.
فقالوا: او لكم محاسن؟
قال(٣) : نعم. إنّما نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني(٤) . فنزلت.
( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) : الّتي يفتخرون بها بما قارنها من الشّرك.
( وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ) (١٧): لأجله.
( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ )
وفي الحديث النّبويّ(٥) : يأتي في آخر الزّمان أناس من أمّتي يأتون المساجد، يقعدون(٦) فيها حلقا، ذكرهم الدّنيا وحبّ الدّنيا. لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة.
أي: إنّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميّة والعمليّة. ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسّراج، وإدامة العبادة فيها، والذكر ودرس العلم فيها، وصيانتها ممّا لم تبن له، كحديث الدّنيا.
عن النّبيّ(٧) ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قال الله ـ تعالى ـ: إنّ بيوتي في أرضي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٨.
(٢) جوامع الجامع / ١٧٥.
(٣) المصدر: قالوا.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: المعالي.
(٥) تفسير الصّافي ٢ / ٣٢٧.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يعدون.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٩.
المساجد، وإنّ زوّاري فيها عمّارها. فطوبى لعبد تطهّر في بيته، ثمّ زارني في بيتي. فحقّ على المزور أن يكرم زائره.
وإنّما لم يذكر الإيمان بالرّسول، لما علم أنّ الإيمان بالله قرينه وتمامه الإيمان به، ولدلالة قوله:( وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ) عليه.
( وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ ) ، أي: في أبواب الدّين. فإنّ الخشية عن المحاذير جبليه، لا يكاد العاقل يتمالك عنها.
( فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) (١٨).
ذكره بصيغة التّوقّع، قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخا لهم بالقطع بأنّهم مهتدون. فإنّ هؤلاء مع كمالهم، إذا كان اهتداؤهم دائرا بين «عسى» و «لعلّ»، فما ظنّك بأضدادهم؟! ومنعا للمؤمنين أن يغترّوا بأحوالهم ويتّكلوا عليها.
( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) «السّقاية» و «العمارة» مصدرا، سقى وعمر، فلا يشبّهان بالجثث. بل لا بدّ من إضمار، تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاجّ، كمن آمن. أو أجعلتم سقاية الحاج، كإيمان من آمن. ويؤيد الأوّل قراءة من قرأ: «سقاة الحاجّ وعمرة المسجد الحرام» والمعنى: إنكار أن يشبّه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة.
ثمّ قرر ذلك بقوله:( لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ ) . وبيّن عدم تساويهم بقوله:( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (١٩)، أي: الكفرة ظلمة بالشّرك ومعاداة الرّسول، منهمكون في الضّلالة، فكيف يساوون الّذين هداهم الله ووفّقهم للحقّ والصّواب.
وقيل(١) : المراد بالظّالمين: الّذين يسوّون بينهم وبين المؤمنين.
وفي أصول الكافيّ(٢) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت في عليّ والعبّاس وشيبة.
قال العبّاس: أنا أفضل، لأنّ سقاية الحاجّ بيدي.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) بل تفسير القميّ ١ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤. كما نقل عنه في تفسير نور الثقلين أيضا.
وقال شيبة: أنا أفضل، لأنّ حجابة البيت بيدي.
وقال عليّ: أنا أفضل، فإنّي آمنت قبلكما ثمّ هاجرت وجاهدت.
فرضوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأنزل الله( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ ) (الآية).
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
وفي كتاب الخصال(١) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال في وصيّته له: يا عليّ، إنّ عبد المطّلب سنّ في الجاهليّة خمس سنن أجراها الله في الإسلام.
إلى قوله: ولـمّا حفر زمزم، سمّاه(٢) سقاية الحاجّ. فأنزل الله ـ تعالى ـ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ ) (الآية).
وفي روضة الكافي(٣) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : نزلت في حمزة وعليّ وجعفر والعبّاس وشيبة، أنّهم فخروا بالسّقاية والحجابة فأنزل الله ـ عزّ ذكره ـ( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ ) (الآية).
وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطّاب: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد أنزل الله ـ تعالى ـ فيه( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ ) غيري؟
قالوا: لا.
وفي مجمع البيان(٥) : عن محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: سقاة(٦) الحاجّ وعمرة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله.
__________________
(١) الخصال / ٣١٢ ـ ٣١٣.
(٢) المصدر: سمّاها.
(٣) الكافي ٨ / ٢٠٣ ـ ٢٠٤.
(٤) الاحتجاج ١ / ٢٠٢.
(٥) المجمع ٣ / ١٤. بعض التصرّف.
(٦) المصدر: أجعلتم سقاية.
وفيه(١) : أنّه قيل: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال للعبّاس: يا عمّ، ألا تهاجر ألا تلحق برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
فقال: ألست في أعظم(٢) من الهجرة، أعمر المسجد الحرام وأسقي حاجّ بيت الله؟
فنزل( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) .
وروى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ(٣) ، بإسناده: عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينا شيبة والعبّاس يتفاخران، إذ مرّ بهما عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
فقال: بماذا تتفاخران؟
فقال العبّاس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد، سقاية الحاجّ.
وقال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام.
فقال عليٌّ ـ عليه السّلام ـ: استحييت لكما، فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا.
فقالا: وما أوتيت، يا عليّ؟
فقال: ضربت خراطيمكما(٤) بالسّيف حتّى آمنتما بالله [ورسوله](٥) .
فقام العبّاس مغضبا يجرّ ذيله(٦) حتّى دخل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: أما ترى إلى ما استقبلني به عليّ ـ عليه السّلام ـ.
فقال: أدعوا لي عليّا.
فدعي له، فقال: ما دعاك إلى(٧) ما استقبلت به عمّك؟
فقال: يا رسول الله، صدمته بالحقّ. فمن شاء، فليغضب. ومن شاء فليرض.
فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرأ [عليك](٨) السّلام، ويقول: أتل عليهم:( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ ) (الآية).
فقال العبّاس: إنّا قد رضينا ـ ثلاث مرّات ـ.
وفي تفسير العيّاشيّ(٩) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قيل
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٤ ـ ١٥.
(٢) المصدر: أفضل.
(٣) المجمع ٣ / ١٥.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ضربة بكما.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الذيل.
(٧) المصدر: ما حملك على
(٨) من المصدر. (٩) تفسير العيّاشيّ ٢ / ٨٣.
لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: يا أمير المؤمنين، أخبرنا بأفضل مناقبك.
قال: نعم. كنت أنا وعبّاس وعثمان بن أبي شيبة في المسجد الحرام. قال عثمان بن أبي شيبة: أعطاني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الخزانة. [يعني](١) مفاتيح الكعبة.
وقال العبّاس: أعطاني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ السّقاية، وهي زمزم. ولم يعطك شيئا، يا عليّ. فأنزل الله( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ ) .
( الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ ) : أعلى رتبة وأكثر كرامة ممّن لم تستجمع فيه هذه الصّفات. أو من أهل السّقاية والعمارة عندكم.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) (٢٠): بالثّواب، ونيل الحسنى عند الله دونكم.
( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها ) : في الجنّات.
( نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) (٢١): دائم.
وقرأ حمزة: «يبشرهم» بالتّخفيف. وتنكير المبشّر به إشعار بأنّه وراء التّعيين والتّعريف.
( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) : أكّد الخلود بالتّأبيد، لأنّه قد يستعمل للمكث الطّويل.
( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (٢٢): يستحفر دونه ما استوجبوه لأجله. أو نعيم الدّنيا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ ) قيل(٢) : نزلت في المهاجرين. فإنّهم لـمـّـا أمروا بالهجرة، قالوا: إن هاجرنا، قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجاراتنا وبقينا ضائعين.
وقيل: نزلت نهيا عن موالاة التّسعة الّذين ارتدّوا ولحقوا بمكّة. والمعنى: لا تتّخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان ويصدّونكم عن الطّاعة. لقوله:( إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ ) : إن اختاروه وحرصوا عليه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن
__________________
(١) من المصدر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٠٩.
(٣) تفسير العيّاشيّ ٢ / ٨٤، ببعض التصرّف.
هذه الآية.
قال: الكفر في الباطن في هذه الآية ولاية الأوّل والثّاني، والإيمان ولاية عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(١) : روي عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمـّـا أراد فتح مكّة.
( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢٣): بوضعهم الموالاة في غير موضعها.
وفي اعتقادات الإماميّة للصّدوق(٢) : ولـمّا نزلت هذه الآية:( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) (٣) ، قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنّما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ قبلي. ومن تولّى ظالما، فهو ظالم. قال الله ـ تعالى ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ـ إلى قوله ـ:( هُمُ الظَّالِمُونَ ) .
( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ) :
أقرباؤكم. مأخوذ من العشرة.
وقيل(٤) : من العشرة. فإنّ العشرة جماعة ترجع إلى عقد، كعقد العشرة.
وقرأ أبو بكر: «وعشيراتكم».
وقرئ: «وعشائركم».
( وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ) : اكتسبتموها.
( وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ) : فوات وقت نفاقها.
( وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ) : الحبّ الاختياريّ دون الطّبيعيّ، فإنّه لا يدخل تحت التّكليف في التّحفّظ عنه.
( فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) : جواب ووعيد. والأمر عقوبة عاجلة، أو آجلة.
وقيل: فتح مكّة.
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٦.
(٢) الاعتقادات / ١٠٢.
(٣) الأنفال / ٢٥.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤١٠.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) (٢٤): لا يرشدهم. وفي الآية تشديد عظيم، وقلّ من يتخلّص منه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : لـمـّـا أذّن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بمكّة، أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام، جزعت قريش جزعا شديدا وقالوا: ذهبت تجارتنا، وضاع عيالنا، وخربت دورنا(٢) . فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ في ذلك: قل يا محمّد: «إن كان آباؤكم» (الآية).
وفي الحديث(٣) : لا يجد أحدكم طعم الإيمان، حتّى يحبّ في الله ويبغض في الله.
وفي نهج البلاغة(٤) : ولقد كنّا مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نقتل(٥) آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا. ما يزيدنا ذلك إلّا إيمانا وتسليما، ومضيّا على اللّقم(٦) ، وصبرا(٧) على مضض الألم، وجدّا على جهاد العدوّ.
( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) ، يعني: مواطن الحرب، وهي مواقعها.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : يوسف بن سخت قال: اشتكى المتوكّل شكاة شديدة.
فنذر لله، إن شفاه الله يتصدّق بمال كثير. فعوفي من علّته. فسأل أصحابه عن ذلك، فأعلموه أنّ أباه تصدّق بثمانية ألف ألف درهم، وأن أراه تصدّق(٩) بخمسة ألف ألف درهم. فاستكثر ذلك.
فقال يحيى بن أبي منصور المنجّم: لو كتبت إلى ابن عمّك ـ يعني: أبا الحسن عليه السّلام ـ فيسأل.
فأمر أن يكتب له.
فكتب أبو الحسن: تصدّق بثمانين درهم.
فقالوا: هذا غلط، سلوه من أين قال هذا؟
فكتب: قال الله لرّسوله:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) . والمواطن الّتي
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٢٨٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: دورا.
(٣) تفسير الصّافي ٢ / ٣٢٩.
(٤) نهج البلاغة / ٩١ ـ ٩٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقتل.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الهم. ولقم الطريق: الجادّة الواضحة.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: سيروا.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٤.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: تتصدّق.
نصر الله رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيها ثمانون موطنا. فثمانون(١) درهما من حلّه مال كثير.
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا عليّ بن الحسين السّعدآبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في رجل نذر أن يتصدّق بمال كثير.
فقال: الكثير ثمانون فما زاد، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) . وكانت ثمانين موطنا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني محمّد بن أبي عمير(٤) قال: كان المتوكّل قد اعتلّ علّة شديدة. فنذر إن عافاه الله أن يتصدّق بدنانير كثيرة. أو قال: بدراهم كثيرة.
فعوفي، فجمع العلماء، فسألهم عن ذلك. فاختلفوا(٥) عليه. قال أحدهم: عشرة آلاف.
وقال بعضهم: مائة ألف.
فلمّا اختلفوا، قال له عيّادة: ابعث إلى ابن عمّك، [عليّ بن](٦) محمّد بن عليّ الرّضا ـ عليه السّلام ـ فاسأله.
فبعث إليه، فسأله.
فقال: الكثير ثمانون.
فقال(٧) له: ردّ إليه الرّسول، فقل: من أين قلت هذا(٨) ؟
فقال: من قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) .
وكانت المواطن ثمانين موطنا.
وفي الكافي(٩) : عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه](١٠) عن بعض أصحابه ذكره قال: لـمـّـا(١١)
__________________
(١) المصدر: فثمانين.
(٢) المعاني / ٢١٨.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥.
(٤) المصدر: محمد بن عمير.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فاختلفوا.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: فقالوا.
(٨) المصدر: ذلك.
(٩) الكافي ٧ / ٤٦٣ ـ ٤٦٤.
(١٠) من المصدر. (١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم.
سمّ المتوكّل، نذر إن عوفي بأن يتصدّق بمال كثير. فلمّا عوفي، سأل الفقهاء عن حدّ المال الكثير. فاختلفوا عليه. فقال بعضهم: مائة ألف. وقال بعضهم: عشرة آلاف. فقالوا فيه أقاويل مختلفة. فاشتبه عليه الأمر.
فقال رجل من ندمائه يقال له: صنعان(١) : ألا تبعث إلى هذا الأسود فتسأل منه؟
فقال له المتوكّل: من تعني، ويحك؟
فقال له ابن الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
فقال له: وهو يحسن من هذا شيئا؟
فقال له: إن أخرجك من هذا، فلي عليك كذا وكذا. وإلّا فاضربني مائة مقرعة(٢) .
فقال المتوكّل: قد رضيت. يا جعفر بن محمود، صر إليه وأسأل(٣) عن حدّ المال الكثير.
فصار جعفر بن محمود إلى أبي الحسن، عليّ بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ فسأله عن حدّ المال الكثير.
فقال له: الكثير ثمانون.
فقال له جعفر: يا سيّدي، إنّه يسألني عن العلّة فيه.
فقال له أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) . فعدّدنا المواطن، فكانت ثمانين.
( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) : وموطن يوم حنين.
ويجوز أن يقدر: في أيّام مواطن. أو يفسر الموطن بالوقت، كمقتل الحسين ـ عليه السّلام ـ.
ولا يمنع إبدال قوله:( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) منه أن يعطف على موضع في «مواطن». فإنّه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف، حتّى يقتضي كثرتهم وإعجابها إيّاهم في جميع المواطن.
و «حنين» واد بين مكّة والطّائف، حارب فيه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ
__________________
(١) المصدر: صفعان.
(٢) المقرعة: السوط.
(٣) المصدر: سله.
والمسلمون.
( فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ ) ، أي: الكثرة.
( شَيْئاً ) : من الإغناء، أو أمر العدوّ.
( وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) : برحبها، أي: سعتها. لا تجدون فيها مفرّا تطمئنّ إليه نفوسكم من شدّة الرّعب، أو لا تثبتون فيها، كمن لا يسعه مكانه.
( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ ) : الكفّار ظهوركم.
( مُدْبِرِينَ ) (٢٥) منهزمين.
و «الإدبار» الذّهاب إلى خلف، خلاف الإقبال.
( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) : رحمته الّتي سكنوا بها وأمنوا.
( عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) : الّذين انهزموا. وإعادة الجارّ، للتّنبيه على اختلاف حاليهما.
وقيل(١) : هم الّذين ثبتوا مع الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولم يفرّوا.
( وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) : بأعينكم من الملائكة. وكانوا خمسة آلاف، أو ثمانية، أو سبعة عشر على اختلاف الأقوال.
( وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : بالقتل والأسر والسّبي.
( وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ) (٢٦)، أي: ما فعل بهم إلّا جزاء كفرهم في الدّنيا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : كان سبب غزوة حنين، أنّه لـمـّـا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى فتح مكّة، أظهر أنّه يريد هوازن. فبلغ الخبر(٣) هوازن، فتهيّأوا وجمعوا الجموع والسّلاح، واجتمعوا. [واجتمع](٤) رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النّضريّ، فرأسّوه عليهم. وخرجوا وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريّهم، ومرّوا حتّى نزلوا بأوطاس(٥) . وكان دريد بن الصّمّة الجشميّ(٦) في القوم(٧) ، وكان رئيس جشم(٨) ، وكان
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١١.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٢٨٥ ـ ٢٨٨.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلى.
(٤) لا يوجد في المصدر.
(٥) أوطاس: واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين. وفيها قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ الآن حمي الوطيس. وذلك حين استعرت الحرب. وهي من الكلم الّتي لم يسبق النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إليها.
(٦) كذا في المصدر. وفي ح: الجثمي. وفي أ، ب، ر: الخيثمي.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: القوّة.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: جثم.
شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر.
فلمس الأرض بيده، فقال: في أيّ واد أنتم؟
قالوا: بوادي أوطاس.
قال: نعم مجال خيل، لا حزن(١) ضرس ولا سهل دهس(٢) . وقال: ما لي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير(٣) وخوار البقر وثغاء(٤) الشّاة وبكاء الصّبيّ؟
فقالوا له: إنّ مالك بن عوف ساق مع النّاس أموالهم ونساءهم وذراريّهم، ليقاتل كلّ امرئ عن نفسه وماله وأهله.
فقال دريد: راعي ضأن، وربّ الكعبة. ما له وللحرب.
ثمّ قال: ادعوا(٥) لي مالكا.
فلمّا جاء، قال: يا مالك، ما فعلت!؟
قال: سقت مع النّاس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، ليجعل كلّ رجل أهله وماله وراء ظهره فيكون أشدّ لحربه.
فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك وإنّك تقاتل رجلا كريما. وهذا اليوم لما بعده، ولم تضع في تقدّمة(٦) بيضة هوازن(٧) إلى نحور الخيل شيئا. ويحك، وهل يلوي المنهزم على شيء؟ اردد بيضة هوازن إلى علياء بلادهم وممتنع محالّهم، وأبق(٨) الرّجال على متون الخيل. فإنّه لا ينفعك إلّا رجل بسيفه ودرعه وفرسه. فإن(٩) كانت لك، لحق(١٠) من ورائك. وإن كانت عليك، لا تكون(١١) قد فضحت في أهلك وعيالك.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلا حزف.
والحزن: المرتفع من الأرض. والضرس: الّذي فيه حجارة محدّدة.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الدهش.
والدهس: اللّبن الكثير التراب.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحمار.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثناء.
(٥) المصدر: ادعوهم.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: مقدمه.
(٧) أي جماعتهم.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: والوا.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: إذا.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحق.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تكن.
فقال له مالك: إنّك قد كبرت وذهب(١) علمك [وعقلك](٢) .
فلم يقبل من دريد.
فقال دريد: ما فعلت كعب وكلاب؟
قالوا: لم يحضر منهم أحد.
قال: غاب الجدّ والحزم. لو كان يوم علاء وسعادة، ما كانت تغيب كعب ولا كلاب.
[قال :](٣) فمن حضرها من هوازن؟
قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر.
قال: ذانك(٤) الجذعان(٥) ، لا ينفعان ولا يضرّان.
ثمّ تنفّس دريد، وقال: حرب عوان(٦) . ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضع أقود وطفاء الزّمع كأنّها شاة صدع.
وبلغ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ اجتماع هوازن بأوطاس. فجمع القبائل ورغّبهم في الجهاد ووعدهم النّصر، وأنّ الله قد وعده أن يغنمه أموالهم ونساءهم وذراريّهم. فرغب النّاس، وخرجوا على راياتهم. وعقد اللّواء الأكبر ودفعه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وكلّ من دخل مكّة براية، أمره أن يحملها. وخرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممّن كانوا معه.
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وكان معه من بني سليم ألف رجل، رئيسهم عبّاس بن مرداس السّلميّ. ومن مزينة ألف رجل.
رجع الحديث إلى عليّ بن إبراهيم، قال: فمضوا حتّى كان من القوم على مسيرة بعض ليلة.
قال: وقال مالك بن عوف لقومه: ليصيّر كلّ رجل منكم أهله وماله خلف ظهره، واكسروا جفون سيوفكم، واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي الشّجر. فإذا كان في
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: كبر.
(١ و ٣) ـ من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذينك.
(٥) الجذع من البهائم: الشابّ الحدث. يريد أنّهما ضعيفان في الحرب بمنزلة الجذع في سنّه.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: هوان.
والحرب العوان: أشدّ الحروب.
غلس الصّبح، فاحملوا حملة رجل واحد وهدّوا(١) القوم. فإنّ محمّدا لم يلق أحدا يحسن الحرب.
قال: فلمّا صلّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الغداة، انحدر في وادي حنين، وهو واد له انحدار بعيد. وكانت بنو سليم على مقدّمته، فخرج عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية، فانهزمت بنو سليم وانهزم من ورائهم، ولم يبق أحد إلّا انهزم. وبقي أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقاتلهم في نفر قليل. ومرّ المنهزمون برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا يلوون على شيء. وكان العبّاس أخذ بلجام بغلة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن يمينه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب عن يساره.
فأقبل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ينادي: يا معشر الأنصار، إلى أين المفرّ؟
إليّ(٢) أنا رسول الله. فلم يلو أحد عليه.
وكانت نسيبة بنت كعب المازنيّة تحثو في وجوه المنهزمين التّراب، وتقول: إلى أين تفرّون عن الله وعن رسوله؟ ومرّ بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الّذي صنعت؟
فقال لها: هذا أمر الله.
فلمّا رأى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الهزيمة، ركض يحوم على بغلته وقد شهر سيفه. فقال: يا عبّاس، اصعد هذا الظّرب(٣) وناد: يا أصحاب البقرة، ويا أصحاب الشّجرة، إلى أين تفرّون؟ هذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ثمّ رفع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يده فقال: أللّهمّ، لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان.
فنزل عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا رسول الله، دعوت بما دعا به موسى حين(٤) فلق الله له البحر ونجّاه من فرعون.
ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفّا من حصى.
فناوله، فرماه في وجوه المشركين. ثمّ قال: شاهت الوجوه. ثمّ رفع رأسه إلى
__________________
(١) هدّ الشيء: كسره.
(٢) المصدر: ألا.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الطرف.
والظّرب: التلّ من الرمل.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: حيث.
السّماء وقال: أللّهمّ، إن تهلك هذه العصابة، لم تعبد. وإن شئت أن لا تعبد، لا تعبد.
فلمّا سمعت الأنصار نداء العبّاس، عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم يقولون: لبّيك. ومرّوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالرّاية.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للعبّاس: من هؤلاء، يا أبا الفضل؟
فقال: يا رسول الله، هؤلاء الأنصار.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الآن حمي الوطيس.
ونزل النّصر من السّماء، وانهزمت هوازن، وكانوا يسمعون قعقعة السّلاح في الجوّ، وانهزموا في كلّ وجه. وغنّم الله رسوله أموالهم ونساءهم وذراريّهم. وهو قول الله:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن عجلان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) ـ إلى قوله ـ:( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) .
فقال: أبو فلان.
عن الحسن بن عليّ بن فضّال(٢) قال: قال أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ للحسن بن أحمد: أيّ شيء السّكينة عندكم؟ قال: لا أدري، جعلت فداك، أيّ شيء هو؟
فقال: ريح من الجنّة(٣) ، تخرج طيّبة. لها صورة، كصورة وجه الإنسان، فتكون مع الأنبياء.
وفي الكافيّ(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفي آخره: قال عليّ بن أسباط: وسألته فقلت: جعلت فداك، ما السّكينة؟
قال: ريح من الجنّة. لها وجه، كوجه الإنسان. ريحها أطيب من المسك. وهي الّتي أنزلها الله على رسوله بحنين، فهزم(٥) المشركين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وفي رواية أبي الجارود:( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وهو القتل.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ٤٨.
(٢) نفس المصدر ٢ / ٨٤.
(٣) المصدر: الله.
(٤) الكافي ٥ / ٢٥٧.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فهزموا.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٨٨.
( وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ) .
قال: وقال رجل من بني نضر بن معاوية يقال له: شجرة بن ربيعة، للمؤمنين وهو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق، والرّجال عليهم الثّياب البيض؟ فإنّما كان قتلنا بأيديهم، وما كنّا نراكم فيهم إلّا، كهيئة الشّامة(١) قالوا: تلك الملائكة.
( ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ ) : منهم بالتّوفيق للإسلام.
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٢٧) يتجاوز عنهم، ويتفضّل عليهم.
نقل(٢) : أنّ ناسا منهم جاؤوا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأسلموا، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير النّاس وأبرّهم. وقد سبي أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا.
وقد سبي يومئذ ستّة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.
فقال ـ عليه السّلام ـ: اختاروا إمّا سباياكم، وإمّا أموالكم.
فقالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا.
فقام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقال: إنّ هؤلاء جاؤوا مسلمين، وإنّا خيّرناهم بين الذّراريّ والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا. فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يردّه، فشأنه. ومن لا، فليعطنا وليكن قرضا علينا متى نصيب شيئا فنعطيه مكانه.
فقالوا: رضينا وسلّمنا.
فقال: إنّي لا أدري، لعلّ فيكم من لا يرضى. فمروا عرفاءكم، فليرفعوا.
إلينا فرفعوا إليهم قد رضوا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) :
ظاهره، أن أعيانهم نجسة. ويؤيّده قوله:( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) .
وظاهره، أنّ النّجاسة مطلقة لا تدخل المسجد الحرام.
وكذا قيل في سائر المساجد. وبعضهم خصّ المنع بالنّجاسة المتعدّية.
قيل(٣) : لخبث باطنهم. أو لأنّه يجب أن يجتنب عنهم، كما يجتنب عن الأنجاس.
__________________
(١) الشّامة: الخال.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١١.
(٣) نفس المصدر والموضع.
أو لأنّهم لا يتطهّرون ولا يجتنبون عن النجاسات، فهم لابسون لها غالبا.
وقرئ: «نجس» بالسّكون وكسر النّون. وهو ككبد في كبد. وأكثر ما جاء تابعا لرجس.
( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) : لنجاستهم. وإنّما نهي عن الاقتراب، للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم.
وقيل(١) : المراد به النّهي عن الحجّ والعمرة، لا عن الدّخول مطلقا.
( بَعْدَ عامِهِمْ هذا ) : بعد سنة براءة، وهي التّاسعة.
وقيل(٢) : سنة حجّة الوداع.
( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) : فقرا. بسبب منعهم من الحرم، وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والأرزاق.
( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) : من عطائه، أو تفضّله بوجه آخر. وقد أنجز وعده بأن أرسل السّماء عليهم مدرارا، ووفّق أهل تبالة وجرش فأسلموا وامتاروهم. ثمّ فتح عليهم البلاد والغنائم، وتوجّه إليهم النّاس من أقطار الأرض.
وقرى: «عائلة». على أنّها مصدر، كالعافية. أو حال.
( إِنْ شاءَ ) : قيّده بالمشيئة، لتنقطع الآمال إلى الله، ولينبّه على أنّه متفضّل في ذلك. وأنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام.
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) : بأحوالكم.
( حَكِيمٌ ) (٢٨): فيما يعطي ويمنع.
( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ، أي: لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، كما بيّنّاه في أوّل البقرة. فإيمانهم كلا إيمان.
( وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) : ما ثبت تحريمه بالكتاب والسّنّة.
وقيل(٣) : «رسوله» هو الّذي يزعمون اتّباعه.
والمعنى: أنّهم يخالفون أصل دينهم، المنسوخ اعتقادا وعملا.
( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ ) : الثّابت، الّذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها.
( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) : بيان «الّذين لا يؤمنون».
__________________
(١ و ٢) ـ نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) : ما تقرّر عليهم أن يعطوه. مشتقّ من جزى دينه: إذا قضاه.
( عَنْ يَدٍ ) : حال من الضّمير، أي: عن يد مؤاتية، بمعنى: منقادين. أو عن يدهم، بمعنى: مسلّمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم. ولذلك منع من التّوكيل فيه.
وقيل(١) : أو عن غنى، ولذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير. أو عن يد قاهرة عليهم، بمعنى: عاجزين أذلّاء. أو عن إنعام عليهم، فإنّ إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة. أو من الجزية، بمعنى: نقدا مسلمة عن يد إلى يد.
( وَهُمْ صاغِرُونَ ) (٢٩): أذلّاء، يعني: يؤخذ منهم على الصّغار والذّل.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، وعليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن الفصيل بن عيّاض. إلى أن قال: وبإسناده، عن المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [قال: سأل رجل أبي ـ صلوات الله عليه ـ](٣) عن حروب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وكان السّائل من محبّينا.
فقال له أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بخمسة أسياف، ثلاثة منها شاهرة فلا تغمد حتّى تضع الحرب أوزارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتّى تطلع الشّمس من مغربها. فإذا طلعت الشّمس من مغربها، آمن النّاس كلّهم ذلك اليوم(٤) .
إلى قوله ـ عليه السّلام ـ: والسّيف الثّاني على أهل الذّمّة. قال الله ـ تعالى ـ:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) (٥) . [نزلت هذه الآية في أهل الذّمّة](٦) ثم نسخها قوله ـ تعالى ـ:( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (الآية). فمن كان منهم في دار الإسلام، فلن يقبّل منهم إلّا الجزية أو القتل، وما لهم فيء وذراريهم سبي. فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم، حرم علينا سبيهم وحرمت أموالهم وحلّت لنا مناكحتهم. ومن كان
__________________
(١) نفس المصدر ١ / ٤١٢.
(٢) الكافي ٥ / ٩ ـ ١١.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذلك كلّهم اليوم.
(٥) البقرة / ٨٣.
(٦) من المصدر.
منهم في دار الحرب، حلّ لنا سبيهم [وأموالهم](١) ، ولم تحلّ لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم إلّا الدّخول في الإسلام(٢) أو الجزية أو القتل.
محمّد بن يحيى(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن المجوس: أكان لهم نبيّ؟
فقال: نعم. فقال: أما بلغك كتاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى أهل مكّة أن أسلموا وإلّا فأذنوا بحرب من الله(٤) .
فكتبوا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أن خذ منّا الجزية، ودعنا على عبادة الأوثان.
فكتب إليهم النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّي لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب.
فكتبوا إليه يريدون بذلك تكذيبه: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب، ثمّ أخذت الجزية من مجوس هجر.
فكتب إليهم النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ المجوس كان لهم نبيّ فقتلوه، وكتاب أحرقوه. أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثني عشر ألف جلد ثور.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى الزّهريّ: عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن النّساء: كيف سقطت الجزية ورفعت عنهنّ؟
فقال: لأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نهى عن قتل النّساء والولدان في دار الحرب، إلّا أن تقاتل. وإن قاتلت ـ أيضا ـ فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللا. فلمّا نهى عن قتلهنّ في دار الحرب، كان ذلك في دار الإسلام [أولى. ولو امتنعت](٦) أن تؤدّي الجزية، لم يمكنها قتلها. [فلمّا لم يمكن قتلها، رفعت](٧) الجزية عنها. ولو منع الرّجال وأبوا أن يؤدّوا الجزية، كانوا ناقضين للعهد وحلّت دماؤهم وقتلهم. لأنّ قتل الرّجال مباح في
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: دار الإسلام.
(٣) الكافي ٣ / ٥٦٧ ـ ٥٦٨.
(٤) المصدر: وإلّا نابذتكم بحرب.
(٥) العلل / ٣٧٦.
(٦) من المصدر. وفي النسخ: أو إلى.
(٧) من المصدر. وفي النسخ: وقعت.
دار الشّرك، وكذلك المقعد من أهل الشّرك [والذمّة](١) والأعمى والشّيخ الفاني والمرأة والولدان في أرض [الحرب](٢) فمن أجل ذلك رفعت عنهم الجزية.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن(٤) محمّد، عن محمّد بن يحيى جميعا، عن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: جرت السّنّة ألّا تؤخذ الجزية من المعتوه، ولا من المغلوب على عقله.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما حدّ الجزية على أهل الكتاب، وهل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره؟
فقال: ذلك إلى الإمام، يأخذ من كلّ إنسان منهم ما شاء على قدر ماله بما يطيق. إنّما هم قوم فدوا أنفسهم من أن يستعبدوا أو يقتلوا. فالجزية تؤخذ منهم على قدر ما يطيقون له أن يأخذهم به، حتّى يسلموا. فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قال:( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ) . فكيف يكون صاغرا وهو لا يكترث لما يؤخذ منه، حتّى لا تجد ذلّا لما أخذ منه، فيألم لذلك، فيسلم.
قال ابن مسلم: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية ويأخذ من الدّهاقين جزية رؤوسهم، أما عليهم في ذلك شيء موظّف؟
فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم، وليس على أموالهم شيء. وإن شاء فعلى أموالهم، وليس على رؤوسهم شيء.
فقلت: فهذا الخمس؟
فقال: إنّما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
محمّد بن يحيى(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن
__________________
(١ و ٢) ـ من المصدر.
(٣) الكافي ٣ / ٥٦٧.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٣ / ٥٦٦ ـ ٥٦٧.
(٦) الكافي ٣ / ٥٦٨.
محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في أهل الجزية، يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية؟
قال: لا.
( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ) قيل(١) : إنّما قاله بعض من متقدّميهم، أو ممّن كانوا(٢) بالمدينة. وإنّما قالوا ذلك، لأنّه لم يبق فيهم بعد وقعة بخت نصر من يحفظ التّوراة. وهو لـمـّـا أحياه الله بعد مائة عام، أملى عليهم التّوراة حفظا. فتعجّبوا من ذلك، وقالوا: ما هذا إلّا لأنّه ابن الله. والدّليل على أنّ هذا القول كان فيهم، أنّ الآية قرئت عليهم فلم يكذّبوا مع تهالكهم على التّكذيب.
وقرأ عاصم والكسائيّ ويعقوب: «عزير» بالتّنوين. على أنّه عربيّ مخبر عنه «بابن» غير موصوف به. وحذفه في القراءة الأخرى إمّا لمنع صرفه للعجمة والتّعريف، أو لالتقاء السّاكنين تشبيها للنّون بحرف اللّين، أو لأنّ «الابن» وصف والخبر محذوف، مثل معبودنا أو صاحبنا. وهو مزّيف، لأنّه يؤدّي إلى تسليم النّسب وإنكار الخبر المقدّر.
( وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ) : هو ـ أيضا ـ قول بعضهم. وإنّما قالوه استحالة، لأن يفعل ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلها.
وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: قال أبو محمّد العسكريّ: ـ عليه السّلام ـ: قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ولقد حدّثني أبي، عن جدّي، عليّ بن الحسين زين العابدين، عن الحسين بن عليّ سيد الشّهداء، عن عليّ بن أبي طالب ـ صلوات الله عليهم ـ: أنّه اجتمع يوما عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أهل خمسة أديان، اليهود والنّصارى والدّهريّة والثّنويّة ومشركوا العرب.
فقالت اليهود: نحن نقول: عزير ابن الله. وقد جئناك، يا محمّد، لننظر ما تقول.
فإن اتّبعتنا، فنحن أسبق إلى الصّواب منك وأفضل. وإن خالفتنا، خصمناك(٤) .
وقالت النّصارى: نحن نقول: المسيح ابن الله اتّحد به. وقد جئناك لننظر ما تقول. فإن اتّبعتنا، فنحن أسبق إلى الصّواب منك وأفضل. وإن خالفتنا، خصمناك.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٢.
(٢) المصدر: كان.
(٣) الاحتجاج ١ / ١٦ ـ ٢٠.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أخصمناك.
ثمّ قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ لليهود: أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجّة؟
قالوا: لا.
قال: فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ عزيز ابن الله؟
قالوا: لأنّه أحيا لبني إسرائيل التّوراة بعد ما ذهبت، ولم يفعل بها هذا إلّا لأنّه ابنه.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فكيف صار عزير ابن الله دون موسى، وهو الّذي جاءهم بالتّوراة ورأوا منه من المعجزات ما قد علمتم؟ فإن كان عزير ابن الله لما ظهر من إكرامه من إحياء التّوراة، فلقد كان موسى بالنّبوّة أحقّ وأولى. ولئن كان هذا المقدار من إكرامه لعزير يوجب له أنّه ابنه، فأضعاف هذه كرامة لموسى توجب له منزلة أجلّ من النّبوّة. لأنّكم إن كنتم إنّما تريدون بالنّبوّة الدّلالة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم هذه من ولادة الأمّهات الأولاد بوطئ آبائهم لهنّ، فقد كفرتم بالله وشبّهتموه بخلقه وأوجبتم فيه صفات المحدثين. ووجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا، وأن يكون له خالق صنعه وابتدعه.
قالوا: لسنا نعني هذا. فإنّ هذا كفر كما ذكرت. ولكنّا نعني أنّه ابنه، على معنى الكرامة وإن لم يكن هناك ولادة، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه وإبانته بالمنزلة عن غيره: يا بنيّ، وأنّه ابني. لا على إثبات ولادته منه. ولأنّه قد يقول ذلك لمن هو أجنبيّ، لا نسب له بينه وبينه. وكذلك لـمـّـا فعل الله بعزير ما فعل، كان قد اتّخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فهذا ما قلته لكم، أنّه إن أوجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه. فإنّ هذه المنزلة لموسى أولى. وأنّ الله يفضح كلّ مبطل بإقراره ويقلب عليه حجّته، لأنّ ما احتججتم به يؤدّيكم إلى ما هو أكبر(١) ممّا ذكرته لكم.
لأنّكم قلتم: إنّ عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبيّ لا نسب بينه وبينه: يا بنيّ، وهذا ابني. لا على طريق الولادة. فقد تجدون ـ أيضا ـ هذا العظيم يقول لأجنبيّ آخر: هذا أخي. ولآخر: هذا شيخي، وأبي. ولآخر: هذا سيّدي، ويا سيّدي. على سبيل الإكرام. وأنّ من زاده في الكرامة، زاده في مثل هذا القول. فإذا يجوز عندكم أن يكون
__________________
(١) المصدر: أكثر.
موسى أخا لله أو شيخا أو أبا أو سيّدا. لأنّه قد زاده في الإكرام ممّا لعزير، كما أنّ من زاد رجلا في الإكرام فقال له: يا سيّدي، ويا شيخي، ويا عمّي، ويا رئيسي. على طريق الإكرام. وأنّ من زاده في الكرامة، زاده في مثل هذا القول. أفيجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله، أو شيخا، أو عمّا، أو رئيسا، أو سيّدا، أو أميرا. لأنّه قد زاده في الإكرام على من قال له: يا شيخي، أو يا سيّدي، أو يا عمّي(١) ، أو يا رئيسي [أو يا أميري](٢) !؟
قال: فبهت القوم وتحيّروا، وقالوا: يا محمّد، أجّلنا نتفكّر فيما قد قلته لنا.
فقال: انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف، يهدكم الله.
ثمّ أقبل ـ صلّى الله عليه وآله ـ على النّصارى، فقال: وأنتم قلتم: إنّ القديم ـ عزّ وجلّ ـ اتّحد بالمسيح(٣) ـ عليه السّلام ـ ابنه. فما الّذي أردتموه بهذا القول؟ أردتم(٤) أنّ القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الّذي هو عيسى، أو المحدث الّذي هو عيسى صار قديما لوجود(٥) القديم الّذي هو الله، أو معنى قولكم: أنّه اتّحد به أنّه اختصّه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه؟ فإنّ أردتم أنّ القديم صار محدثا، فقد أبطلتم، لأنّ القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا. وإن أردتم أنّ المحدث صار قديما، فقد أحلتم(٦) ، لأنّ المحدث ـ أيضا ـ محال أن يصير قديما. وإن أردتم أنّه اتّحد به بان اختصه واصطفاه على سائر عباده، فقد أقررتم بحدوث عيسى وبحدوث المعنى الّذي اتّحد من أجله. لأنّه إذا كان عيسى محدثا وكان الله قد اتّحد به بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده، فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين. وهذا خلاف ما بدأتم تقولونه.
فقالت النّصارى: يا محمّد، إنّ الله لـمـّـا أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة(٧) ما أظهر، فقد اتّخذه ولدا على جهة الكرامة.
فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الّذي ذكرتموه.
ثمّ أعاد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك كلّه. فسكتوا، إلّا رجلا واحدا منهم قال
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يا أميري.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: اتّخذ المسيح.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: إن أردتم.
(٥) في المصدر: كوجود.
(٦) كذا في المصدر. وفي أو ب: أبطلتم. وفي ج: أحلهم. وفي ر: احليم.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: القبيحة.
له: يا محمّد، أو لستم تقولون: إنّ إبراهيم خليل الله؟
قال: قد قلنا ذلك.
فقال: إذا قلتم ذلك، فلم منعتمونا من أن نقول: إنّ عيسى ابن الله؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّهما [لن يشتبها](١) . لأنّ قولنا: إنّ إبراهيم خليل الله، فإنّما هو مشتقّ من الخلّة. والخلّة إنّما معناها: الفقر والفاقة. فقد كان خليلا إلى ربّه فقيرا، وإليه منقطعا، وعن غيره متعفّفا معرضا مستغنيا. وذلك لـمـّـا أريد قذفه في النّار، فرمي به في المنجنيق، فبعث الله جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وقال له: أدرك عبدي.
فجاءه فلقيه في الهواء، فقال: كلّفني ما بدا لك، فقد بعثني الله لنصرتك.
فقال: بل حسبي الله ونعم الوكيل، إنّي لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلّا إليه.
فسمّاه خليله، أي: فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عمّن سواه.
وإذا جعل معنى ذلك من الخلّة(٢) ـ وهو أنّه قد تخلّل معانيه ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره ـ كان [الخليل](٣) معناه: العالم به وبأموره. ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه. ألا ترون أنّه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله؟ وإنّ من يلده الرّجل ـ وإن أهانه وأقصاه ـ لم يخرج عن أن يكون ولده. لأنّ معنى الولادة قائم به. ثمّ [إن وجب لأنّه قال لإبراهيم: خليلي، أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأنّ](٤) عيسى ابنه، وجب ـ أيضا ـ [كذلك أن تقولوا لموسى: إنّه ابنه. فإنّ](٥) الّذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى. فقولوا: إنّ موسى ـ أيضا ـ ابنه. وإنّه يجوز أن تقولوا على هذا المعنى: إنّه شيخه وسيّده وعمّه ورئيسه وأميره، كما ذكرته لليهود.
فقال بعضهم لبعض: وفي الكتب المنزلة، أنّ عيسى قال: أذهب إلى أبي [وأبيكم](٦) .
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون، فإنّ فيه :
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يشبها.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الخلّة والعالم.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر. وفي النسخ: انّ من أوجب أن يقول على قول إبراهيم خليله أن يقسوا أنتم كذلك فتقولون: إنّ.
(٥) من المصدر. وفي النسخ: قال.
(٦) من المصدر.
أذهب إلى أبي وأبيكم. فقولوا: إنّ جميع الّذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء الله، كما كان عيسى ابنه، من الوجه الّذي كان عيسى ابنه. ثمّ إنّ ما(١) في هذا الكتاب يبطل(٢) عليكم هذا الّذي زعمتم أنّ عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له. لأنّكم قلتم: إنّما قلنا: إنّه ابنه، لأنّه اختصّه بما لم يختصّ به غيره. وأنتم تعلمون أنّ الّذي خصّ به عيسى لم يخصّ به هؤلاء القوم الّذين قال لهم عيسى: أذهب إلى أبي وأبيكم. فبطل أن يكون الاختصاص بعيسى، لأنّه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى. وأنتم إنّما حكيتم لفظة عيسى وتأوّلتموها على غير وجهها(٣) ، لأنّه إذا قال: [أذهب إلى](٤) أبي وأبيكم، فقد أراد غير ما ذهبتم إليه وتخيلتموه. وما يدريكم لعلّه عنى: أذهب إلى آدم(٥) أو إلى نوح ـ عليه السّلام ـ. لأنّ الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم، وآدم أبي وأبيكم وكذلك نوح. بل ما أراد غير هذا.
قال: فسكت النّصارى. وقالوا: ما رأينا كاليوم مجادلا ولا مخاصما مثلك، وسننظر في أمورنا. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. وتتمّته، وهي الرّدّ على الفرق الثّلاثة الباقية، مضى في أوّل سورة الأنعام.
وفي آخر الحديث قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا، ما أتت على جماعتهم إلّا ثلاثة أيّام حتّى أتوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأسلموا.
وكانوا خمسة وعشرين رجلا، من كلّ فرقة خمسة. وقالوا: ما رأينا مثل حجّتك، يا محمّد، نشهد أنّك رسول الله.
وفي عيون الأخبار(٦) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ: عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا سأل عليّ بن أبي طالب، فقال: أخبرني عمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله، وعمّا ليس لله.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: أمّا ما لا يعلمه الله، فذاك قولكم، يا معشر اليهود: إنّ عزير ابن الله، والله لا يعلم له ولدا(٧) . وأمّا قولك: ما ليس عند الله، فليس عند الله ظلم
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: مبطل.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: نعمها.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: آدم أبي وأبيكم.
(٦) العيون ٢ / ٤٦.
(٧) المصدر: ابنا.
للعباد. فأمّا قولك: ما ليس لله، فليس لله شريك.
فقال اليهوديّ: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف(٢) ، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا كلّه، حتّى دعي للرّحمن ولد. عزّ الرّحمن وجلّ أن يكون له ولد. [فكادت السموات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّا](٣) . فعند ذلك اقشعرّ الشّجر وصار له شوك، حذرا أن ينزل به العذاب.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن عطيّة العوفيّ، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اشتدّ غضب الله على اليهود حين قالوا: عزير ابن الله.
واشتدّ غضب الله على النّصارى حين قالوا: المسيح ابن الله. واشتدّ غضب الله على من أراق دمي، وآذاني في عترتي.
عن يزيد(٥) بن عبد الملك(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لم(٧) يغضب لله شيء كغضب الطّلح والسّدر. إنّ الطّلح كانت كالأترج(٨) ، والسّدر كالبطّيخ. فلمّا قالت اليهود:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) تقبّض(٩) حملها فصغر، فصار له عجم واشتدّ العجم(١٠) . فلمّا أن قالت النّصارى:( الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ) [اذعرّتا فخرج لهما هذا الشّوك](١١) وتقبّض(١٢) حملهما، وصار النّبق(١٣) إلى هذا الحمل. وذهب حمل الطّلح فلا يحمل حتّى يقوم قائمنا.
ثمّ قال: من سقى طلحة أو سدرة، فكأنّما سقى مؤمنا من ظمأ(١٤) .
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٨٥ ـ ٨٦.
(٢) المصدر: ظريف.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٦.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بريد.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) المصدر: لن.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان كالأتروج.
(٩) المصدر: نقّصا.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: عجز فاشتدّ العجز.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: خرج لها الشّوك.
(١٢) المصدر: نقّصتا.
(١٣) المصدر: الشوك. والنبق: حمل شجر السدر.
(١٤) المصدر: ظمان.
( ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) : إمّا تأكيد لنسبة هذا القول إليهم ونفي للتجوز عنها، أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان وتحقيق مماثل للمهمل الّذي يوجد في الأفواه ولا يوجد مفهومه في الأعيان.
( يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، أي: يضاهي قولهم قول الّذين كفروا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
( مِنْ قَبْلُ ) : من قبلهم. والمراد: قدماؤهم. على معنى أنّ الكفر قديم فيهم. أو المشركون الّذين قالوا: الملائكة بنات الله. أو اليهود، على أنّ الضّمير للنّصارى.
و «المضاهاة» المشابهة. والهمزة لغة فيه.
وقد قرأ به عاصم. ومنه قولهم: امرأة ضهياء، على فعلاء، للتي شابهت الرّجال في أنّها لا تحيض.
( قاتَلَهُمُ اللهُ ) .
قيل(١) : دعاء عليهم بالإهلاك. فإنّ من قاتله الله، هلك. أو تعجّب من شناعة قولهم.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في حديث طويل، أي: لعنهم الله [أنّى يؤفكون](٣) . فسمى اللّعنة: قتالا.
( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (٣٠): كيف يصرفون عن الحقّ إلى الباطل.
( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) : بأن أطاعوهم في تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّم الله.
قيل(٤) : أو بالسّجود لهم.
وفي مجمع البيان(٥) : وروي الثّعلبيّ، بإسناده: عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وفي عنقي صليب.
فقال لي: يا عديّ، اطرح هذا الوثن من عنقك.
قال: فطرحته. ثمّ أتيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٢.
(٢) الاحتجاج ١ / ٣٧٢.
(٣) من المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤١٢.
(٥) المجمع ٢ / ٢٣ ـ ٢٤.
( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً ) حتى فرغ منها. فقلت: إنّا لسنا نعبدهم! قال: أليس يحرّمون ما أحلّ الله، فتحرّمونه. ويحلّون ما حرّم الله، فتستحلّونه؟
قال: فقلت: بلى.
قال: فتلك عبادتهم.
وفي أصول الكافي(١) : عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، [عن أبيه](٢) عن عبد الله بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية.
فقال: أما، والله، ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم. ولو دعوهم [إلى عبادة أنفسهم](٣) ، لما أجابوهم. ولكن أحلّوا لهم حراما، وحرّموا عليهم حلالا. فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
عليّ بن محمّد(٤) ، عن صالح بن أبي حمّاد وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من أطاع رجلا في معصية الله(٥) ، فقد عبده.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: أمّا، والله، ما صاموا لهم ولا صلّوا. ولكنّهم أحلّوا لهم حراما وحرّموا عليهم حلالا، فاتبعوهم.
وقال(٧) في خبر آخر، عنه: ولكنّهم أطاعوهم في معصية الله.
عن جابر(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية.
قال: أما إنّهم لم يتّخذوهم آلهة، إلّا أنّهم أحلوا حراما(٩) فأخذوا به، وحرّموا حلالا(١٠) فأخذوا به. فكانوا أربابا لهم من دون الله.
( وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) : بأن جعلوه ابنا لله.
__________________
(١) الكافي ١ / ٥٣.
(١ و ٣) ـ ليس في المصدر.
(٤) الكافي ٢ / ٣٩٨.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٦.
(١ و ٨) ـ نفس المصدر والموضع.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: هو حلالا.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: حراما.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: أمّا المسيح، فعصوه، وعظّموه في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله وأنّه ابن الله. وطائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة. وطائفة منهم قالوا: هو الله.
وأما أحبارهم ورهبانهم، فإنّهم أطاعوهم وأخذوا بقولهم، واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا(٢) بما دعوهم إليه، فاتّخذوهم أربابا بطاعتهم لهم، وتركهم أمر الله وكتبه ورسله، فنبذوه(٣) وراء ظهورهم. وما أمرهم به الأحبار والرّهبان اتبعوه وأطاعوهم، وعصوا الله ورسوله. وإنما ذكر هذا في كتابنا، لكي نتّعظ بهم. فعيّر الله ـ تبارك وتعالى ـ بني إسرائيل بما صنعوا. بقوله(٤) :( وَما أُمِرُوا ) ، أي: وما أمر المتّخذون، أربابا. فيكون، كالدّليل على بطلان الاتخاذ.
( إِلَّا لِيَعْبُدُوا ) : ليطيعوا.
( إِلهاً واحِداً ) : وهو الله ـ تعالى ـ. وأمّا طاعة الرّسل وسائر من أمر الله بطاعته، فهي في الحقيقة طاعة الله.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : صفة ثانية. أو استئناف مقرر للتّوحيد.
( سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (٣١): تنزيله له عن أن يكون له شريك.
( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا ) : يخمدوا.
( نُورَ اللهِ ) : حجته الدّالّة على وحدانيته وتقدسه عن الولد. أو القرآن. أو نبوة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( بِأَفْواهِهِمْ ) : بشركهم، أو تكذيبهم.
( وَيَأْبَى اللهُ ) : لا يرضى.
( إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) : بإعلاء التّوحيد وإعزاز الإسلام.
وقيل(٥) : إنّه تمثيل لحالهم في طلبهم إبطال نبوّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالتكذيب، بحال من يطلب إطفاء نور عظيم منبثّ في الآفاق يريد الله أن يزيده بنفخه.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩.
(٢) المصدر: دانوا بهم.
(٣) أوب: فنبذوهم.
(٤) جعل المصنف نصّ الآية ضمن تفسيره.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤١٣.
وانّما صح الاستثناء المفرغ والفعل موجب، لانّه في معنى النّفي.
( وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (٣٢): محذوف الجواب، لدلالة ما قبله عليه.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: يعني: أنّهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله، ليلبسوا على الخليفة. فأعمى الله قلوبهم، حتّى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه [وحرّفوا منه](٢) .
وفيه(٣) : عنه ـ عليه السّلام ـ: وجعل أهل الكتاب المقيمين به والعالمين بظاهره وباطنه من شجرة،( أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ. تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) ، أي: يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، وجعل أعدائها أهل الشّجرة الملعونة الّذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم. فأبى الله إلّا أن يتمّ نوره.
وفي كتاب الغيبة(٤) لشيخ الطائفة ـ قدس سرّه ـ: وروى محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد بن سنان قال: ذكر عليّ بن أبي حمزة عند الرّضا ـ عليه السّلام ـ فلعنه.
ثمّ قال: إنّ عليّ بن أبي حمزة أراد أن لا يعبد الله في سمائه وأرضه.( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ... وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ولو كره اللّعين المشرك.
قلت: المشرك.
قال: نعم، والله، وان رغم أنفه. كذلك هو في كتاب الله:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ ) . وقد جرت فيه وفي أمثاله، أنّه أراد أن يطفئ نور الله.
بإسناده(٥) إلى الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر شقّ فرعون بطون الحوامل في طلب موسى ـ عليه السّلام ـ: كذلك بنو اميّة وبنو العبّاس لـمـّـا أن وقفوا أن زوال ملك(٦) الأمراء والجبابرة منهم على يدي القائم ـ عليه السّلام ـ، [منّا](٧) ناصبونا العداوة(٨) ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وإبادة نسله، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم ـ عليه السّلام ـ. فأبى الله أن يكشف
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٧١.
(٢) المصدر: فيه.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٧٦.
(٤) الغيبة / ٤٦.
(٥) الغيبة / ١٠٦.
(٦) المصدر: مملكة.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: العداوة.
أمره لواحد من الظّلمة( إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، مثله سواء.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أحمد بن محمّد قال: وقف عليّ أبو الحسن الثّاني ـ عليه السّلام ـ في بني زريق، فقال لي وهو رافع صوته(٣) : يا أحمد.
قلت: لبيك.
قال: إنّه لـمـّـا قبض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جهد النّاس على إطفاء نور الله. فأبى الله إلّا أن يتمّ نوره بأمير المؤمنين.
وفي قرب الإسناد(٤) للحميريّ: معاوية بن حكيم، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: وعدنا أبو الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ [ليلة](٥) إلى مسجد دار معاوية. فجاء، فسلّم.
فقال: إنّ النّاس قد جهدوا على إطفاء نور الله حين قبض الله ـ تبارك وتعالى ـ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وأبى الله إلّا أن يتمّ نوره. وقد جهد عليّ بن أبي حمزة على إطفاء نور الله حين قبض(٦) أبو الحسن [الأوّل](٧) ، فأبى الله إلّا أن يتمّ نوره. وقد هداكم الله [إلى من](٨) جهله النّاس، فاحمدوا الله على ما منّ عليكم به.
( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) قيل(٩) : كالبيان لقوله:( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) . ولذلك كرّر( وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (٣٣). غير أنّه وضع «المشركون» موضع «الكافرون» للدّلالة على أنّهم ضمّوا الكفر بالرّسول إلى الشّرك بالله.
والضّمير في «ليظهره» للدّين الحقّ، أو للرّسول.
واللّام في «الدّين» للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم.
__________________
(١) كمال الدّين / ٣٥٤.
(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٣٧٢.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: حبوته.
(٤) قرب الإسناد / ١٥١.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: مضى.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: إليّ الأمر.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤١٣.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية. فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم ـ عليه السّلام ـ فإذا خرج القائم، لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه. حتّى لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة، لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني وأقتله.
وبإسناده(٢) إلى [عبد الرحمن بن](٣) سليط قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهما السّلام ـ: منّا اثنا عشرة مهديا. أوّلهم أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التّاسع من ولدي. وهو القائم بالحقّ، يحيى الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به الدّين الحقّ( [عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ](٤) وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٥) إلى محمّد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ ـ عليهما السلام ـ يقول: القائم منّا منصور بالرّعب، مؤيّد بالنّصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله ـ عزّ وجلّ ـ به دينه على الدّين كله( وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) . فلا يبقى في الأرض خراب، إلّا عمر. ولا ينزل روح الله، عيسى بن مريم ـ عليه السّلام ـ. فيصلي خلفه.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي ـ عليه السّلام ـ قال: قلت:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِ ) .
قال: هو الّذي أرسله(٧) بالولاية لوصيّه. والولاية هي دين الحقّ.
قلت:( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) .
قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم. قال: يقول الله: «والله متمّ [نوره](٨) ولاية القائم.( وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) (٩) بولاية عليّ.
__________________
(١) كمال الدّين / ٦٧٠.
(٢) كمال الدّين / ٣١٧.
(١ و ٤) ـ من المصدر.
(٥) كمال الدين / ٣٣١.
(٦) الكافي ١ / ٤٣٢.
(٧) المصدر: أمر رسوله.
(٨) من المصدر.
(٩) الصف / ٩.
قلت: هذا تنزيل؟
قال: نعم. أمّا هذا الحرف فتنزيل، وأما غيره فتأويل. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وغاب صاحب هذا الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب النّاس إليه أشدّهم عداوة له. وعند ذلك يؤيّده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ [على يديه](٢) ( عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن أبي المقدام، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: يكون أن لا يبقى أحد إلّا أقرّ بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي مجمع البيان(٤) : قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر، إلّا أدخله الله كلمة الإسلام.
إمّا بعزّ عزيز، أو بذلّ ذليل. إمّا يعز بهم فيجعلهم الله من أهله، فيعزّوا به، وإمّا يذلّهم، فيدينون له.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) : ليأخذونها بالرشى في الأموال. سمّى أخذ المال أكلا، لأنه الغرض الأعظم منه.
( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : دينه.
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ ) : يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرّهبان، فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضّنّ به. وأن يراد المسلمون الّذين يجمعون المال ويقتنونه، ولا يؤدون حقّه. ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب، للتغليظ قيد الكنز بعدم الإنفاق، لئلّا يعمّ من جمع للإنفاق وبعد إخراج الحقوق.
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٨٢.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٧.
(٤) المجمع ٣ / ٢٥.
( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٣٤): هو الكيّ بهما.
( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ) ، أي: يوم القيامة توقد النّار ذات حمى شديد عليها.
وأصله: تحمى بالنّار، فجعل الإحماء للنّار مبالغة فيه. ثمّ حذفت النّار وأسند الفعل إلى الجارّ والمجرور، تنبيها على المقصود. فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التّذكير. وانّما قال: «عليها» والمذكور شيئان، لأنّ المراد بهما دراهم ودنانير كثيرة.
وكذا قوله: «ولا ينفقونها».
وقيل(١) : الضّمير فيهما للكنوز، أو للأموال. فإن الحكم عامّ، وتخصيصهما بالذّكر، لأنّهما قانون التّمول. أو للفضة، وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أنّ الذّهب أولى بهذا الحكم.
( فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) .
قيل(٢) : لأن جمعهم وإمساكهم [إيّاه](٣) ، كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم(٤) بالمطاعم الشّهيّة والملابس البهية. أو لأنهم ازورّوا عن السّائل وأعرضوا عنه وولّوه ظهورهم. أو لأنّها أشرف الأعضاء الظّاهرة، فانّها المشتملة على الأعضاء الرّئيسية، التي هي الدماغ والقلب والكبد. أو لأنّها أصول الجهات الأربع، التي هي مقاديم البدن ومآخيره وجنباه(٥) .
( هذا ما كَنَزْتُمْ ) : على إرادة القول.
( لِأَنْفُسِكُمْ ) : لمنفعتها. وكان عين مضرتها، وسبب تعذيبها.
( فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) (٣٥)، أي: وبال كنزكم، أو ما تكنزونه.
وقرئ: «تكنزون»، بضمّ النّون.
في الكافي(٦) : محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن معاذ بن كثير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: موسع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف. فإذا قام قائمنا، حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه به فيستعين به
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤١٤.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: المتنعم.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: مؤخره وجنبتاه.
(٦) الكافي ٤ / ٦١.
على عدوّه. وهو قول الله ـ تعالى ـ:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ـ إلى قوله ـفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) .
وفي أمالي(١) شيخ الطائفة ـ قدس سره ـ بإسناده: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كل مال تؤدى زكاته، فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين. وكل مال لا تؤدّى زكاته، فهو كنز وان كان فوق الأرض.
وفي مجمع البيان(٢) : وروي عن عليّ ـ عليه السّلام ـ: ما زاد على أربعة آلاف، فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤدها. وما دونها فهي نفقة.
قيل(٣) : لعلّ التوفيق بين هذه الأخبار، أن يقال بجواز الجمع لغرض صحيح إلى ألفي درهم أو إلى أربعة آلاف، بعد إخراج الحقوق. ومن جملة الحقوق حقّ الإمام ـ عليه السّلام ـ إذا كان ظاهرا، وهو ما زاد على ما يكفّ صاحبه.
وروى(٤) سالم بن أبي جعدان، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمـّـا نزلت هذه الآية، قال: تبا للذّهب، تبّا للفضّة ـ يكررها ثلاثا ـ. فشقّ ذلك على أصحابه.
فسأله عمر، فقال: يا رسول الله، أيّ المال نتّخذ؟
فقال: لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، حديث طويل. وفيه: نظر عثمان بن عفّان إلى كعب الأحبار، فقال له: يا أبا إسحاق، ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيء(٦) ؟
فقال: لا، ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ما وجب عليه شيء.
فرفع أبو ذرّ ـ رضي الله عنه ـ عصاه فضرب بها رأس كعب. ثمّ قال له: يا ابن اليهوديّة الكافرة، ما أنت والنّظر في أحكام المسلمين. قول الله أصدق من قولك حيث قال:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ) (الآية).
وفي رواية أبي الجارود(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله :
__________________
(١) الأمالي ٢ / ١٣٣.
(٢) المجمع ٣ / ٢٦.
(٣) تفسير الصافي ٢ / ٣٤١.
(٤) مجمع البيان ٣ / ٤٦.
(٥) تفسير القمي ١ / ٥٢.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيء.
(٧) نفس المصدر ١ / ٢٨٩.
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ) (الآية) فإن(١) الله حرّم كنز الذّهب والفضّة، وأمر بإنفاقه في سبيل الله. وقوله:( يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى ) (الآية). قال: كان أبو ذرّ الغفاريّ يغدو كلّ يوم، وهو بالشّام، فينادي بأعلى صوته: بشر أهل الكنوز بكيّ في الجباه وكيّ بالجنوب وكيّ بالظّهور أبدا، حتّى يتردد(٢) الحرّ في أجوافهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه الكبائر. وفيه منع(٤) الزّكاة المفروضة، لأن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى ) (الآية).
وفي كتاب الخصال(٥) : عن الحارث قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم.
عن محمّد بن أحمد بن يحيى(٦) بن عمران، رفع الحديث قال: الذهب والفضّة حجران ممسوخان. فمن أحبّهما، كان معهما.
( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ ) : إنّ مبلغ عددها.
( عِنْدَ اللهِ ) : معمول «عدّة». لأنّها مصدر.
( اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ ) : في اللّوح المحفوظ، أو في حكمه. وهو صفة «لاثناعشر». وقوله:( يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) : متعلّق بما فيه من معنى الثّبوت. أو بالكتاب، ان جعل مصدرا.
والمعنى أنّ هذا الأمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة.
( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) : يحرم فيها القتال. واحد فرد، وهو رجب. وثلاثة سرد، ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم.
( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ، أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم، دين إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السّلام ـ. والعرب ورثوه منهما.
( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) : بهتك حرمتها، وارتكاب حرامها.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تبرد.
(٣) الفقيه ٣ / ٣٦٩.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: موضع.
(١ و ٦) ـ الخصال / ٤٣.
(٧) الكافي ٤ / ٦٥ ـ ٦٦.
الشّاميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( إِنَّ [عِدَّةَ ](١) الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) . فغرّة الشّهور(٢) شهر الله ـ عزّ ذكره ـ. وهو شهر رمضان. [قلب شهر رمضان](٣) ليلة القدر. ونزل القرآن في أوّل ليلة من شهر رمضان، فاستقبل الشّهر بالقرآن.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أذينة، عن زرارة قال: كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وهو محتب مستقبل القبلة.
فقال أما إنّ النظر إليها عبادة.
فجاءه رجل من بجيلة، يقال له: عاصم بن عمر. فقال لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كلّ غداة.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فما تقول فيما قال كعب؟ أصدق؟
قلت: أقول: القول ما قال كعب.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: كذبت وكذب كعب الأحبار معك. وغضب.
قال زرارة: ما رأيته استقبل أحدا يقول: كذبت، غيره.
ثمّ قال: ما خلق الله بقعة في الأرض أحبّ إليه منها ـ ثمّ أومأ بيده نحو الكعبة ـ ولا أكرم على الله ـ تعالى ـ منها بها(٥) حرم الله الأشهر الحرم في كتابه( يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) . ثلاثة متوالية للحجّ: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة. وشهر مفرد للعمرة، رجب.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عن أبي خالد الواسطيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: حدثني أبي(٧) ، عليّ بن الحسين، عن أمير المؤمنين، أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمـّـا ثقل في مرضه، قال: أيّها النّاس، إن السّنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم.
ثمّ قال بيده: رجب مفرد، وذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ثلاث متواليات. ألا
__________________
(١ و ٣) ـ من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الشهر.
(٤) الكافي ٤ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٨.
(٧) المصدر: أبي عن.
وهذا الشّهر المفروض رمضان، فصوموا للرّؤية(١) وأفطروا للرؤية(٢) . فإذا خفي الشّهر، فأتموا العدّة شعبان ثلاثين وصوموا الواحد والثّلاثين.
وقال بيده: الواحد والاثنين والثّلاثة.
ثمّ ثنّى إبهامه، ثمّ قال: إنّها شهر كذا وشهر كذا.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن محمّد بن أبي عمير، يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) .
قال: المحرّم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، وجمادي الأول، وجمادي الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة. منها أربعة حرم، عشرون من ذي الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل، وعشر من ربيع الآخر.
عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ خلق الشّهور اثني عشر شهرا، وهي ثلاثمائة وستّون يوما، فحجز(٤) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات والأرض. فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.
وفي شرح الآيات الباهرة(٥) ، ذكر(٦) الشيخ المفيد ـ رحمه الله ـ في كتاب الغيبة [قال](٧) حدّثنا عليّ بن الحسين قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عليّ، عن إبراهيم بن محمّد، عن محمّد بن عيسى، عن عبد الرّزاق، عن محمّد بن سنان، عن فضّال بن سنان(٨) ، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: كنت عند أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ ذات يوم. فلمّا تفرّق من كان عنده، قال: يا أبا حمزة، من المحتوم الّذي حتمه الله قيام قائمنا. فمن شكّ فيما أقول، لقى الله وهو كافر به وله جاحد.
ثمّ قال: بأبي وأمي، المسمّى باسمي، المكنّى بكنيتي، السّابع من ولدي. يأتي فيملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت جورا وظلما. يا أبا حمزة، من أدركه فيسلّم ما سلّم لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ، فقد وجبت له الجنة. ومن لم يسلّم، فقد حرّم الله عليه
__________________
(١ و ٢) ـ المصدر: لرؤية.
(٣) الخصال / ٤٨٧ ـ ٤٨٨، ح ٦٤.
(٤) المصدر: فحجر.
(٥) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٠٢ ـ ٢٠٦.
(٦) المصدر: تأويله ما ذكره بدل ذكر.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: «فضيل الرسان» بدل «فضّال بن سنان».
الجنّة ومأواه النّار وبئس مثوى الظّالمين. وأوضح من هذا، بحمد الله وأنور وأبين وأزهر لمن هداه وأحسن إليه، قول الله في محكم كتابه:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) .
ومعرفة الشّهور، المحرّم وصفر وربيع وما بعده. والحرم منها، رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم. وذلك لا يكون دينا قيّما. لأنّ اليهود والنّصارى والمجوس وسائر الملل والنّاس جميعا من الموافقين والمخالفين يعرفون هذه الشّهور ويعدونها بأسمائها، وليس هو كذلك. وإنّما عنى بهم: الأئمة القوّامين بدّين الله. والحرم منها أمير المؤمنين عليّ الّذى اشتقّ الله ـ سبحانه ـ له اسما من أسمائه العلى(١) ، كما اشتق لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ اسما من أسمائه(٢) المحمود. وثلاثة من ولده أسماؤهم [عليّ وهم](٣) عليّ بن الحسين وعليّ بن موسى وعليّ بن محمد. فصار لهذا الاسم المشتق من أسماء الله ـ عزّ وجلّ ـ حرمة به، يعني: أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ.
وقال أيضا ـ رحمه الله ـ: أخبرنا سلامة بن محمّد قال: حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن معمر(٤) قال: حدّثنا حمزة بن القاسم، عن جعفر بن محمّد، عن عبيد بن كثير، عن أحمد بن موسى، عن داود بن كثير الرّقيّ قال: دخلت على أبي عبد الله، جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ [بالمدينة](٥) .
فقال: ما الّذي أبطأك عنّا، يا داود؟
قلت: حاجة لي عرضت بالكوفة.
فقال: من خلّفت بها؟
قلت: جعلت فداك، خلّفت بها عمّك زيدا. تركته راكبا على فرس، متقلدا مصحفا، ينادي بعلو صوته سلوني قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جمّ. قد عرفت الناسخ والمنسوخ والمثاني والقرآن [ضرابه علم جم](٦) العظيم. وإني العلم بين الله وبينكم.
__________________
(١) المصدر: اسمه العلي.
(٢) المصدر: اسمه.
(٣) من المصدر.
(٤) بعض نسخ المصدر: عمر
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
فقال: يا داود، لقد ذهبت بك(١) لمذاهب.
ثمّ نادى: يا سماعة بن مهران، ائتني بسلّة الرّطب.
فأتاه بسلّة فيها رطب. فتناول رطبة وأكلها، واستخرج النّواة من فيه، وغرسها في الأرض. ففلقت، ونبتت، وأطلعت، وأعذفت(٢) . فضرب بيده إلى بسرة(٣) من عذق منها، فشقّها واستخرج منها رقا أبيض، [ففضّه](٤) ودفعه إليّ.
وقال: اقرأه.
فقرأته، وإذا فيه مكتوب سطران، الأوّل: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله.
والثاني:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) . أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن بن عليّ، الحسين بن عليّ، عليّ بن الحسين، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن عليّ، عليّ بن محمد، الحسن بن علي، الخلف الحجّة ـ عليهم السّلام ـ.
ثم قال: يا داود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟
قلت: الله ورسوله وأنتم أعلم.
قال: قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام.
وفي هذا المعنى ما رواه المقلد بن غالب الحسني ـ رحمه الله ـ عن رجاله، بإسناد متصل إلى عبد الله بن سنان الأسدي، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ قال: قال أبي، يعني: محمّد الباقر ـ عليه السّلام ـ لجابر بن عبد الله: لي إليك حاجة. أخلو [بك فيها](٥) .
فلمّا خلا به، قال: يا جابر، أخبرني عن اللّوح الّذي رأيته عند أمي، فاطمة.
فقال: أشهد بالله، لقد دخلت على سيدتي، فاطمة، لاهنئها(٦) بولدها(٧) الحسين(٨) . فإذا بيدها لوح أخضر، من زمرّدة خضراء، في كتابة أنور من الشّمس وأطيب
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: تلك.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعزقت.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: شيء.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيه.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأهنا.
(٧) ب: بولديها.
(٨) أ، ب: الحسنين.
رائحة من المسك الأذفر.
فقلت: ما هذا، يا بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
فقالت: هذا لوح أنزله الله على أبي، وقال: لي احفظيه. ففعلت. فإذا فيه اسم أبي، واسم(١) بعلي، واسم ابنيّ والأوصياء من بعد ولدي الحسين.
فسألتها أن تدفعه إليّ، لأنسخه. ففعلت.
فقال له [أبي: ما فعلت بنسختك(٢) ؟](٣) .
[فقال: هي عندي.
قال: فهل لك أن تعارضني عليها؟
قال: فمضى جابر إلى منزله، فأتاه بقطعة جلد أحمر.
فقال له :](٤) انظر في صحيفتك حتّى أقرأها عليك.
فكانت في صحيفته: بسم الله الرّحمن الرّحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم، نزل به(٥) الرّوح الأمين على محمّد خاتم النبيين. يا محمّد،( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) .
يا محمّد، عظّم أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي ولا ترج سواي ولا تخش غيري. فإنّه من يرجو سواي ويخشى(٦) غيري، أعذّبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين.
يا محمّد، إني اصطفيتك على الأنبياء واصطفيت وصيّك [عليا](٧) على الأوصياء. وجعلت الحسن عيبة علمي، بعد انقضاء مدّة أبيه. والحسين خير أولاد الأولين والآخرين، فيه تثبت الإمامة [ومنه](٨) العقب. وعليّ بن الحسين زين العابدين.
والباقر العلم الدّاعي إلى سبيلي على منهاج الحقّ. وجعفر الصادق في القول والعمل، تلبس من بعده فتنة [صمّاء](٩) ، فالويل كلّ الويل لمن كذّب عترة نبيي وخيرة خلقي.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بنسخك.
(٣) ليس في «ب».
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنزله.
(٦) المصدر: سوائي ويخش.
(٧) من المصدر.
(٨) من المصدر.
(٩) من المصدر.
وموسى الكاظم الغيظ. وعليّ الرضا، يقتله عفريت كافر، يدفن بالمدينة الّتي بناها العبد الصّالح إلى جنب شر خلق الله. ومحمّد الهادي شبيه جده الميمون. وعليّ الدّاعي إلى سبيلي، والذّابّ عن حرمي، والقائم في رعيّتي(١) . والحسن الأغر يخرج منه ذو الاسمين(٢) خلف محمّد، يخرج في آخر الزمان وعلى رأسه عمامة بيضاء تظله [عن](٣) الشّمس.
وينادي مناد بلسان فصيح يسمعه الثّقلان ومن بين الخافقين: هذا المهديّ من آل محمد.
فيملأ الأرض عدلا، كما ملئت جورا. (انتهى ما في شرح الآيات الباهرة).
وقال ـ أيضا ـ في كتاب الغيبة(٤) روى جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن تأويل قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ ) (الآية). فتنفّس [سيّدي](٥) الصّعداء. ثمّ قال: يا جابر، أما السّنة، فهي جدي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وشهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين، وإليّ، وإلى ابني(٦) جعفر، وابنه موسى، [وابنه عليّ](٧) وابنه محمّد، وابنه عليّ، وإلى ابنه الحسن، وإلى ابنه محمّد الهادي المهديّ، اثنا عشر اماما حجج الله في خلقه وأمناؤه على وحيه وعلمه. والأربعة الحرم الّذين هم الدّين القيّم، أربعة منهم يخرجون باسم واحد: عليّ أمير المؤمنين، وأبي عليّ بن الحسين، وعليّ بن موسى، وعليّ بن محمّد. فالإقرار بهؤلاء هو( الدِّينُ الْقَيِّمُ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) ، أي: قولوا بهم جميعا، تهتدوا.
( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) .
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ يقول: جميعا.
وهو مصدر، كفّ عن الشيء. فإنّ الجميع مكفوف عن الزّيادة، وتقع موقع الحال.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (٣٦): بشارة وضمان لهم بالنضرة، بسبب تقواهم.
( إِنَّمَا النَّسِيءُ ) ، أي: تأخير حرمة الشّهر إلى شهر آخر. كانوا إذا جاء شهر
__________________
(١) المصدر: رغبتي.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الأمين.
(٣) من المصدر.
(٤) الغيبة / ٩٦.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: ابنه.
(٧) من المصدر.
(٨) تفسير القمي ١ / ٢٨٩ ـ ٢٩٠ ببعض التصرّف
حرام، وهم محاربون، أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا آخر. حتّى رفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرّد العدد.
وعن نافع(١) : «انّما النّسيّ» بقلب الهمزة ياء، وادغام الياء فيها.
وقرئ(٢) : «النّسي» بحذفها: كالرّمي. ونسبه في مجمع البيان(٣) إلى الباقر ـ عليه السّلام ـ. وفي الجوامع(٤) إلى الصّادق ـ عليه السّلام ـ. و «النّسء» و «النّساء» وثلاثتها مصادر نسأه: إذا أخّره.
( زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) : لأنه تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرّمه. فهو كفر آخر ضمّوه إلى كفرهم.
( يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) : إضلالا زائدا.
وقرأ(٥) حمزة والكسائي وحفص: «يضلّ» على البناء للمفعول.
وعن يعقوب(٦) : «يضلّ»، على أنّ الفعل لله.
( يُحِلُّونَهُ عاماً ) : يحلّون «النّسيء» من الأشهر الحرم سنة، ويحرّمون مكانه شهرا آخر.
( وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ) : فيتركونه على حرمته.
والجملتان تفسير للضّلال، أو حال.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : كان سبب نزولها، أنّ رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلّين طيء وخثعم في شهر المحرّم، وأنسأته وحرّمت بدله صفر. فإذا كان العام المقبل يقول: قد أحللت صفر وأنسأته، وحرّمت بدله شهر المحرّم. فأنزل الله «إنّما النّسيء» (الآية).
وقيل(٨) : أوّل من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكنانيّ. كان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إن آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم، فأحلّوه. ثمّ ينادي في القابل: إنّ آلهتكم قد حرّمت عليكم المحرّم، فحرّموه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٤.
(٢) نفس المصدر، والموضع.
(١ و ٤) ـ مجمع البيان ٣ / ٢٨، وجوامع الجامع / ١٧٨.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
(٧) تفسير القمي ١ / ٢٩٠.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
( لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ ) ، أي: ليوافقوا عدة الأربعة المحرّمة.
و «اللّام» متعلقة «بيحرّمونه». أو بما دلّ عليه مجموع الفعلين.
( فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ ) : بمواطأة العدة وحدّها، من غير مراعاة الوقت.
( زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ) .
وقرئ(١) ، على البناء للفاعل، وهو الله ـ تعالى ـ. والمعنى: خذلهم وأظلّهم، حتّى حسبوا قبيح أعمالهم حسنا.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (٣٧): هداية موصلة إلى الاهتداء.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ ) : تباطأتم.
وقرئ(٢) : «تثاقلتم»، على الأصل. و «اثاقلتم»، على الاستفهام للتّوبيخ.
( إِلَى الْأَرْضِ ) : متعلّق به، كأنّه ضمن معنى: الإخلاد والميل، فعدي «بإلى».
وفي الجوامع(٣) : كان ذلك في غزوة تبوك، في سنة عشر، بعد رجوعهم من الطائف. استفروا في وقت قحط وقيظ مع بعد الشقّة وكثرة العدوّ، فشقّ ذلك عليهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وذلك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يسافر سفرا بعد ولا أشدّ منه. وكان سبب ذلك، أنّ الصيّافة(٥) كانوا يقدمون المدينة من الشّام معهم الدّرموك(٦) والطّعام، وهم الأنباط، فأشاعوا بالمدينة أنّ الرّوم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في عسكر عظيم، وأنّ هرقل قد سار(٧) في [جنوده، وجلب](٨) معهم غسّان وجذام وبهراء وعاملة، وقد قدم عساكره البلقاء(٩) ، ونزل هو حمص.
فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أصحابه بالتّهيّؤ إلى تبوك، وهي من بلاد البلقاء(١٠) ، وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
(٣) جوامع الجامع / ١٧٨.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٠ ـ ٢٩١.
(٥) أصاف القوم إذا دخلوا في الصيف وصائفة القوم مسيرتهم في الصيف.
(٦) الدرمك كجعفر: الدقيق الأبيض.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: صار.
(٨) المصدر: جنود رحلت.
(١ و ١٠) ـ كذا في المصدر. وفي النسخ: البلغا.
وحثّهم على الجهاد. وأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعسكره فضرب في ثنية الوداع.
وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوة به، ومن كان عنده شيء أخرجه. وحمّلوا وقوّوا(١) وحثّوا على ذلك. ثمّ خطب خطبته(٢) ، ورغّب النّاس في الجهاد.
[لما سمعوا هذا من رسول الله](٣) قدمت القبائل من العرب ممّن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين [وغيرهم](٤) .
( أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) : وغرورها.
( مِنَ الْآخِرَةِ ) : بدل الآخرة ونعيمها.
( فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) : فما التّمتّع بها.
( فِي الْآخِرَةِ ) : في جنب الآخرة.
( إِلَّا قَلِيلٌ ) (٣٨): مستحقر.
( إِلَّا تَنْفِرُوا ) : إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه.
( يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) : بالإهلاك بسبب فظيع، كالقحط وظهور عدوّ.
( وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) : ويستبدل بكم آخرين مطيعين، كأهل اليمن وأبناء فارس.
( وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً ) : إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئا. فإنّه الغنيّ عن كلّ شيء والنصرة. وفي كلّ أمر.
وقيل(٥) : الضّمير الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أي: ولا تضرّوه، فإنّ الله وعد له بالعصمة والنّصرة، ووعده حقّ.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٣٩): فيقدر على التّبديل وتغيير الأسباب والنّصرة بلا مدد، كما قال:( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) : ان لم تنصروه فسينصره الله، كما نصره.
( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ) : ولم يكن معه إلّا رجل واحد. فحذف الجزاء وأقيم ما هو، كالدّليل عليه، مقامه. أو ان لم تنصروه، فقد أوجب الله له النصرة
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: قرّوا.
(٢) الخطبة بتمامها في المصدر.
(٣) من المصدر وفي النسخ: بدل ما بين المعقوفتين قال.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
حتّى نصره في مثل ذلك الوقت، فلن يخذله في غيره. وإسناد الإخراج إلى الكفرة، لأنّ همّهم بإخراجه أو قتله، تسبّب لإذن الله له بالخروج.
وقرئ(١) : «ثاني اثنين» بالسّكون، على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب. ونصبه على الحال.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إن أبا طالب أظهر الكفر وأسرّ(٣) الإيمان. فلمّا حضرته الوفاة، أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اخرج منها، فليس لك بها ناصر [فهاجر إلى المدينة](٤)
( إِذْ هُما فِي الْغارِ ) : بدل من «إذ أخرجه» بدل البعض، إذ المراد به زمان متّسع.
و «الغار» نقب في أعلى ثور. وهو جبل في يمين مكّة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثا.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٥) ، بإسناده إلى سعد بن عبد الله القميّ: عن الحجّة القائم ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: يا سعد، وحين ادّعى خصمك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما أخرج من نفسه مختار هذه الأمة إلى الغار، الا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلّد أمور التأويل، [والملقى](٦) إليه أزمّة الأمّة، وعليه المعوّل في لمّ الشّعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود وتسرية(٧) الجيوش لفتح بلاد الكفر.
فلمّا(٨) أشفق على نبوّته، أشفق على خلافته. إذ لم يكن من حكم الاستتار والتّواري، أن يروم الهارب من الشّرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه. وإنّما أبات عليّا ـ عليه السّلام ـ على فراشه، لما لم [يكن](٩) يكترث له [ولم يحفل به](١٠) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٥.
(٢) كمال الدين / ١٧٤ ح ٣١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ستر.
(٤) من المصدر.
(٥) كمال الدين / ٤٦٢ ـ ٤٦٣.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: تسريب.
(٨) فكما.
(٩) من المصدر.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تجعل له.
لاستثقاله إيّاه وعلمه، أنه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب(١) الّتي كانت يصلح لها.
فهلّا نقضت(٢) دعواه بقولك: أليس قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الّذين هم الخلفاء الرّاشدون في مذهبكم؟ وكان لا يجد بدا من قوله لك: بلى.
قلت له(٣) حينئذ: أليس كما علم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر، علم أنها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعليّ ـ عليه السّلام ـ فكان ـ أيضا ـ لا يجد بدّا من قوله لك: نعم.
ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يخرجهم جميعا على التّرتيب(٤) إلى الغار، ويشفق عليهم، كما أشفق على أبي بكر. ولا يستخف بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إياهم، وتخصيصه أبا بكر وإخراجه مع نفسه دونهم.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة، فقالوا: ما بال أمير المؤمنين لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية؟
فبلغ ذلك عليّا ـ عليه السّلام ـ فأمر أن ينادى: الصّلاة الجامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثمّ قال: يا معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا وكذا.
قالوا: صدق أمير المؤمنين، قد قلنا ذلك.
قال: إنّ لي بسنة الأنبياء قبلي(٦) اسوة فيما فعلت. قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (٧) .
قالوا: ومن هم، يا أمير المؤمنين.
قال: أوّلهم إبراهيم ـ عليه السّلام ـ.
ـ إلى أن قال ـ: ولي بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أسوة حين فرّ من قومه ولحق
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: للخطور.
(٢) المصدر: نقضت عليه.
(٣) في المصدر: «فكيف تقول» بدل «له».
(٤) المصدر: [على الترتيب].
(٥) علل الشرائع ١٤٨ ـ ١٤٩، ح ٧.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) الأحزاب: ٢١.
بالغار من خوفهم، وأنامني على فراشه. فإن قلتم: فرّ من قومه لغير خوف، فقد كفرتم.
وان قلتم: خافهم وأنامني على فراشه ولحق بالغار من خوفهم، فالوصيّ أعذر.
( إِذْ يَقُولُ ) : بدل «ثاني». أو ظرف «لثاني».
( لِصاحِبِهِ ) : وهو أبو بكر.
( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) : بالعصمة والمعونة.
وفي الكافي(١) : حميد بن زياد، عن محمد بن أيّوب، عن عليّ ابن أسباط، عن الحكم بن مسكين، عن يوسف بن صهيب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن، فإنّ الله معنا. وقد أخذته الرّعدة، وهو لا يسكن. فلمّا رأى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حاله قال له: تريد أن أريك أصحابي من الأنصار في مجالسهم يتحدّثون، وأريك جعفرا وأصحابه في البحر يغوصون؟
قال: نعم.
فمسح رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بيده على وجهه، فنظر إلى الأنصار يتحدّثون ونظر إلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون. فأضمر تلك السّاعة، أنه ساحر.
( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) : أمنته، التي تسكن إليها القلوب.
( عَلَيْهِ ) : على النبيّ.
قيل(٢) : وعلى صاحبه. وهو الأظهر، لأنّه كان منزعجا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن عبد الله بن محمّد الحجّال قال: كنت عند أبي الحسن الثّاني، ومعي الحسن بن الجهم.
فقال له [الحسن](٤) : إنّهم كانوا(٥) يحتجّون علينا بقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ) .
قال وما لهم في ذلك؟ [من حجّة](٦) فو الله، لقد قال الله :
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٦٢ ـ ٢٦٣، ح ٣٧٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ٨٨ ـ ٨٩ ح ٥٨.
(٤) من المصدر.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ ) . [قال ألا ترى أنّ السّكينة أنّما نزلت على رسوله](١) وما ذكره فيها بخير.
قال: قلت له: جعلت فداك، هكذا تقرءونها(٢) ؟
قال: هكذا قرأتها.
قال زرارة: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ:( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ [عَلى رَسُولِهِ ]) (٣) .
ألا ترى أنّ السكينة انما نزلت على رسوله؟
وفي الجوامع(٤) ، نسب القراءة إلى الصادق ـ عليه السّلام ـ أيضا.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنه قال، وقد سأله رأس اليهود عمّا امتحن الله به الأوصياء في حياة الأنبياء وبعد وفاتهم: يا أخا اليهود، إنّ الله ـ تعالى ـ امتحنني في حياة نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله ـ في سبعة مواطن. فوجدني فيها، من غير تزكية لنفسي بنعمة الله، له مطيعا.
قال فيم وفيم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أمّا أوّلهنّ ـ إلى أن قال ـ: وأمّا الثانية، يا أخا اليهود، فإنّ قريشا [لم تزل تخيّل](٦) الآراء وتعمل الحيل في قتل النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك في(٧) يوم [الدار](٨) دار النّدوة، وإبليس الملعون، حاضر في صورة أعور ثقيف. فلم تزل تضرب أمرها ظهرا [لبطن](٩) وبطنا، حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب(١٠) من كلّ فخذ من قريش رجل، ثمّ يأخذ كلّ رجل [منهم](١١) سيفه، ثمّ يأتي النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو نائم على فراشه، فيضربونه جميعا بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلونه. فإذا(١٢) قتلوه، منعت قريش رجالها ولم تسلّمها. فيمضى دمه هدرا.
فهبط جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأنبأه بذلك ،
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تقرأها.
(٣) من المصدر، وفي النسخ بدل ما بين المعقوفتين: قال.
(٤) جوامع الجامع / ١٧٨.
(٥) الخصال / ٣٦٥ ـ ٣٦٧.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: نزل بحيك.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: وبطنا.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: تندب.
(١١) من المصدر. (١٢) المصدر: فيقتلوه وإذا.
وأخبره باللّيلة الّتي يجتمعون فيها [والساعة التي يأتون فراشه فيها](١) . وأمره بالخروج في الوقت الّذي خرج فيه إلى الغار. فأنبأني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه [وأقيه بنفسي فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا لنفسي بأن اقتل دونه فمضى ـ عليه السّلام ـ لوجهه واضطجعت في مضجعه](٢) . وأقبلت رجال من قريش موقنة في أنفسها بقتل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلمّا [استووا في](٣) البيت الّذي أنا فيه، ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس(٤) .
ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟
قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين.
وفي احتجاجه(٥) ـ عليه السّلام ـ على أبي بكر، قال: فأنشدك بالله، أنا وقيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بنفسي يوم الغار أم أنت؟
[قال: بل أنت](٦) .
وفي احتجاجه(٧) ـ عليه السّلام ـ على النّاس يوم الشّورى، قال: فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد وقى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حيث جاء المشركون يريدون قتله، فاضطجعت في مضجعه وذهب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نحو الغار، وهم يرون(٨) أني أنا هو. فقالوا: أين ابن عمّك؟ فقلت: لا أدري. فضربوني حتّى كادوا يقتلونني غيري؟
قالوا: أللّهمّ، لا.
وفي مناقبه(٩) ـ عليه السّلام ـ وتعدادها، قال ـ عليه السّلام ـ: وأما(١٠) السّابعة، أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنامني على فراشه حيث ذهب إلى الغار، وسجاني ببرده.
فلمّا جاء المشركون ظنوني محمدا، فأيقظوني وقالوا: ما فعل صاحبك؟
فقلت: ذهب في حاجة.
فقالوا: لو كان هرب، لهرب هذا معه.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: استوى بي وبهم.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الله.
(٥) الخصال / ٥٤٩.
(٦) من المصدر.
(٧) الخصال / ٥٦٠.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يريدون. (٩) الخصال / ٥٧٢. (١٠) ليس في المصدر.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطاب: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد كان يبعث إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الطّعام وهو في الغار، ويخبره الأخبار(٢) غيري؟
قالوا: لا.
وروي(٣) : عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال ليهوديّ في أثناء كلام طويل: ولئن كان يوسف القي في الجبّ، فلقد حبس محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ نفسه مخافة عدوه في الغار حتّى قال لصاحبه:( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) ومدحه [الله](٤) في كتابه.
( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ) ، يعني: الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو ليعينوه على العدوّ يوم بدر والأحزاب وحنين. فتكون الجملة معطوفة على قوله: «نصره الله».
( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ) .
قيل(٥) : يعني: الشّرك، أو دعوة الكفر.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : قال زرارة: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: هو الكلام الّذي يتكلّم به عتيق.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم، ما في معناه(٧) .
( وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا ) .
قيل(٨) : يعني: التّوحيد، أو دعوة الإسلام. والمعنى: وجعل ذلك بتخليص الرّسول عن أيدي الكفّار إلى المدينة، فإنّه المبدأ له. أو بتأييده إيّاه بالملائكة في هذه المواطن. أو بحفظه ونصره له حيث حضر.
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٢٠٤.
(٢) المصدر: بالأخبار.
(٣) الاحتجاج ١ / ٣٢٠.
(٤) المصدر: إليه بذلك.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ٨٩ ذيل ح ٥٨.
(٧) لم نعثر في تفسير القمي على كلام كذلك بل العبارة منقولة من تفسير الصافي ٢ / ٣٤٤.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
وقرأ(١) يعقوب: «كلمة الله» بالنّصب، عطفا على «كلمة الّذين». والرّفع أبلغ، لما فيه من الإشعار بأنّ كلمة الله عالية في نفسها. وان فاق غيرها، فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار. ولذلك وسّط الفصل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : هو قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (٤٠): في أمره وتدبيره.
( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً ) قيل(٣) : لقلّة عيالكم ولكثرتها. أو ركبانا ومشاة. أو خفافا وثقالا من السّلاح. أو صحاحا ومراضا، ولذلك لـمـّـا قال ابن أمّ مكتوم لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أعليّ أن أنفر؟ قال: نعم. حتّى نزل( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ) (٤) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال شبانا وشيوخا، يعني: إلى غزوة تبوك.
( وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : بما أمكن لكم منهما، كليهما أو أحدهما.
( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) : من تركه.
( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٤١): الخير، علمتم أنّه خير لكم. أو إن كنتم تعلمون أنه خير، إذ إخبار الله به صادق فبادروا إليه.
( لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً ) : لو كانوا ما دعوا إليه نفعا دنيويا قريبا، سهل المأخذ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ يقول: غنيمة قريبة.
( وَسَفَراً قاصِداً ) : متوسّطا.
( لَاتَّبَعُوكَ ) : لوافقوك.
( وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) : المسافة الّتي تقطع بمشقّة.
وقرئ(٧) ، بكسر العين والشّين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : إلى تبوك.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٢) تفسير القمي ١ / ٢٩٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٤) النور: ٦١ والفتح: ١٧.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩٠.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٩٠.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٢٩٠.
وفي كتاب التّوحيد(١) : حدّثني أبي ومحمد بن الحسن [بن أحمد بن الوليد](٢) ـ رضي الله عنهما ـ قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الله بن محمّد الحجّال الأسدي، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: [إنّهم كانوا يستطيعون](٣) وقد كان في العلم أنّه( لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً ) لفعلوا.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السلام ـ قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ ) (الآية): أنّهم يستطيعون. وقد كان في علم الله [أنّه](٥) «لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا» لفعلوا.
( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ) ، أي: المتخلّفون، إذا رجعت من تبوك مقتدرين.
( لَوِ اسْتَطَعْنا ) : لو كان لنا استطاعة العدّة، أو البدن.
وقرئ(٦) : «لو استطعنا» بضمّ الواو، تشبيها لها بواو الضّمير في قوله: «اشتروا الضّلالة».
( لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ) : سادّ مسدّ جوابي القسم والشرط. وهذا من المعجزات، لأنّه إخبار عمّا وقع قبل وقوعه.
( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ) : بإيقاعها في العذاب. وهو بدل من «سيحلفون»، لأنّ الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك. أو حال من فاعله.
( وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) (٤٢): في ذلك، لأنّهم كانوا مستطيعين للخروج.
وفي كتاب التّوحيد(٧) : حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنهما ـ قالا: حدّثنا [سعد بن عبد الله قال: حدثنا](٨) أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية.
__________________
(١) التوحيد / ٣٥١ ح ١٥.
(٢) من المصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٨٩ ح ٥٩.
(٥) من المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤١٦.
(٧) التوحيد / ٣٥١ ح ١٦.
(٨) من المصدر.
قال: كذّبهم(١) الله في قولهم:( لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ) . وقد كانوا مستطيعين للخروج.
( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) : بيان لما كنّى عنه بالعفو، ومعاتبة عليه.
والمعنى: لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتلّوا بأكاذيب، وهلّا توقّف؟
( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) : في الاعتذار.
( وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ) (٤٣): فيه.
قيل(٢) : انّما فعل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ شيئين لم يؤمر بهما: أخذه الفداء(٣) ، وإذنه للمنافقين. فعاتبه الله عليهما.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: لتعرف(٥) أهل العذر(٦) ، والّذين جلسوا بغير عذر.
وفي الجوامع(٧) : وهذا من لطيف المعاتبة، بدائه بالعفو قبل العتاب. ويجوز العتاب من الله فيما غيره أولى، لا سيما للأنبياء. وليس، كما قاله جار الله، من أنّه كناية عن الجناية. وحاشا سيد الأنبياء وخير بني حوّاء من أن ينسب إليه جناية.
وفي عيون الأخبار(٨) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا ـ عليه السّلام ـ.
فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك: إن الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى أن قال: فأخبرني عن قوله ـ تعالى ـ:( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) .
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هذا مما نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة. خاطب الله بذلك نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأراد به أمّته. وكذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ :
__________________
(١) المصدر: أكذبهم.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١٧.
(٣) المصدر: للفداء.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٤.
(٥) المصدر: تعرف.
(٦) المصدر: أهل الغدر.
(٧) جوامع الجامع / ١٧٩.
(٨) العيون ١ / ١٩٥ و ٢٠٢.
( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (١) . وقوله:( لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) (٢) .
قال: صدقت، يا ابن رسول الله.
( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا. وانّ الخلص منهم يبادرون إليه ولا يوقفونه(٣) على الإذن فيه، فضلا أن يستأذنوا في التّخلف عنه. أو أن يستأذنوك في التّخلف، كراهة أن يجاهدوا.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) (٤٤): شهادة لهم بالتّقوى، وعدة لهم بثوابه.
( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ ) : في التّخلف.
( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : تخصيص الإيمان بالله واليوم الآخر في الموضعين، للإشعار بأنّ الباعث على الجهاد والوازع عنه الإيمان وعدم الإيمان بهما.
( وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ) (٤٥): يتحيّرون.
في كتاب الخصال(٤) : عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: من تردّد في الرّيب، سبقه الأوّلون وأدركه الآخرون ووطأته(٥) سنابك الشّياطين.
وفي نهج البلاغة(٦) : قال ـ عليه السّلام ـ: من تردّد في الرّيب، وطأته سنابك الشّياطين.
( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ ) : للخروج.
( عُدَّةً ) : اهبة.
وقرى(٧) ، بحذف التّاء عند الإضافة، كقوله: وأخلفوك عدّ الأمر الّذي وعدوا.
و «عدة» بكسر العين، بإضافة وبغيرها.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن المغيرة قال: سمعته يقول في قول الله:( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) .
__________________
(١) الزمر: ٦٥.
(٢) الاسراء: ٧٤.
(٣) أ، ب، ر: لا يوقنون.
(٤) الخصال / ٢٣٣.
(٥) قطعته.
(٦) نهج البلاغة / ٤٧٤ ذيل حكمة ٣١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤١٧.
(٨) تفسير العياشي ٢ / ٨٩ ح ٦٠.
قال: يعني: بالعدّة النيّة. يقول: لو كان لهم نيّة، لخرجوا.
وفي كتاب الخصال(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: إذا أردتم الحجّ، فتقدّموا في شراء(٢) الحوائج ببعض يقوتكم(٣) على السّفر. فان الله يقول:( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) .
( وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ ) : استدراك عن مفهوم قوله:( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ ) ، كأنّه قال: ما خرجوا، ولكن ثبّطوا. لأنّه ـ تعالى ـ كره انبعاثهم، أي: نهوضهم للخروج.
( فَثَبَّطَهُمْ ) : فحبسهم بالجبن والكسل.
( وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ) (٤٦): تمثيل الإلقاء الله ـ تعالى ـ كراهة الخروج في قلوبهم. أو وسوسة الشّيطان بالأمر بالعقود. أو حكاية قول بعضهم لبعض. أو إذن الرّسول لهم.
و «القاعدين» يحتمل المعذورين وغيرهم. وعلى الوجهين لا يخلو عن ذمّ.
( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ ) : بخروجهم شيئا.
( إِلَّا خَبالاً ) : فسادا وشرّا. ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال، حتّى لو خرجوا زادوه. لأنّ الزّيادة باعتبار أعمّ العامّ الذي وقع منه الاستثناء. ولأجل هذا التّوهم جعل الاستثناء منقطعا، وليس كذلك لأنّه لا يكوم مفرغا.
( وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) : ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنّميمة والتضريب، أو الهزيمة والتّخذيل. من وضع البعير وضعا: إذا أسرع.
( يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) : يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف بينكم، أو الرّعب في قلوبكم.
والجملة، حال، من الضّمير في «أوضعوا».
( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) : ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم. أو نمّامون يسمعون حديثكم، للنّقل إليهم.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (٤٧): فيعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم.
( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ ) : تشتيت أمرك، وتفريق أصحابك.
__________________
(١) الخصال / ٦١٧.
(٢) المصدر: شرى.
(٣) المصدر: ما يقويكم.
( مِنْ قَبْلُ ) ، يعني: يوم أحد. فإنّ ابن أبي وأصحابه، كما تخلّفوا عن تبوك بعد ما خرجوا مع الرّسول إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع، انصرفوا يوم أحد.
( وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ) : ودبّروا لك المكائد والحيل، وزوّروا الآراء في إبطال أمرك.
( حَتَّى جاءَ الْحَقُ ) : النصر والتأييد الإلهيّ.
( وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ ) : وعلا دينه.
( وَهُمْ كارِهُونَ ) (٤٨)، أي: على رغم منهم.
والآيتان لتسلية الرّسول والمؤمنين على تخلّفهم، وبيان ما ثبّطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له، وهتك أستارهم وكشف أسرارهم وإزاحة اعتذارهم، تداركا لما فوت الرّسول ـ عليه السّلام ـ بالمبادرة إلى الإذن.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ) : في القعود.
( وَلا تَفْتِنِّي ) : ولا توقعني في الفتنة، أي: العصيان والمخالفة، بأن لا تأذن لي.
وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلّف أذنه أو لم يأذن.
أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال، إذ لا كافل لهم بعدي.
أو في الفتنة بنساء الرّوم، لـمـّـا يأتي في تفسير عليّ بن إبراهيم.
( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ) ، أي: انّ الفتنة هي الّتي سقطوا فيها. وهي فتنة التخلّف وظهور النفاق، لا ما احترزوا عنه.
( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) (٤٩): جامعة لهم يوم القيامة. أو الآن، لاحاطة أسبابها بهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : لقي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الحر(٢) بني قيس.
فقال له: يا أبا وهب، ألا تنفر معنا في هذه الغزوة(٣) ، لعلّك أن تحتفد(٤) من بنات الأصفر(٥) ؟
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٩١ ـ ٢٩٢.
(٢) المصدر: الجدّ.
(٣) المصدر: الغزاة.
(٤) المصدر: تستحفد.
حفد فلانا: خدمه، واحتفد بمعنى: حفد.
(٥) أ، ب: الأصغر. بنو الأصفر: الروم وقيل :
فقال: يا رسول الله، والله ان قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشدّ عجبا بالنّساء مني. وأخاف إن خرجت معك، ان لا أصبر إذا رأيت بنات الأصفر. فلا تفتنّي وائذن لي أن أقيم.
وقال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحرّ.
فقال ابنه: تردّ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فتقول(١) ما تقول. ثمّ تقول لقومك: لا تنفروا في الحرّ، والله، لينزلنّ الله(٢) في هذا قرآنا يقرأه النّاس إلى يوم القيامة، فأنزل الله على رسوله في ذلك( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ) (الآية) ثمّ قال الحر بن قيس(٣) : أيطمع محمد أنّ حرب الرّوم، مثل حرب غيرهم لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا.
( إِنْ تُصِبْكَ ) : في بعض غزواتك.
( حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) : لفرط حسدهم.
( وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ) : كسر أو شدة، كما أصاب يوم احد.
( يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ ) : يتبجّحون بانصرافهم، واستحمدوا آراءهم في التخلّف.
( وَيَتَوَلَّوْا ) : عن متحدّثهم بذلك ومجتمعهم له. أو عن الرسول.
( وَهُمْ فَرِحُونَ ) (٥٠): مسرورون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أمّا الحسنة، فالغنيمة والعافية. وأما المصيبة، فالبلاء والشّدة.
( قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا ) : إلّا ما اختصّنا بإثباته وإيجابه من النصرة، أو الشّهادة. أو ما كتب لأجلنا في اللّوح المحفوظ، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم.
وقرئ(٥) : «وهل يصيبنا». وهو من فيعل لا من فعل، لأنه من بنات الواو.
لقولهم: صاب السهم يصوب. واشتقاقه من الصواب، لأنّه وقوع الشيء فيما قصد به.
وقيل(٦) : من الصوب.
__________________
سمّوا بذلك لأن أباهم الأول كان أصفر اللّون، وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم.
(١) المصدر: ونقول له.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: الجد بن قيس.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٢.
(١ و ٦) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤١٨.
( هُوَ مَوْلانا ) : ناصرنا ومتولي أمرنا.
( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (٥١): لأنّ حقّهم أن لا يتوكلوا على غيره.
( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا ) : تنتظرون بنا.
( إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) : إلا إحدى العاقبتين اللّتين كلّ منهما حسنى العواقب، النصرة والشّهادة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ يقول: الغنيمة والجنّة.
( وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ) : أيضا إحدى السّوأيين.
( أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ ) : بقارعة من السّماء.
( أَوْ بِأَيْدِينا ) : أو بعذاب بأيدينا، وهو القتل على الكفر.
( فَتَرَبَّصُوا ) : ما هو عاقبتنا.
( إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) (٥٢): ما هو عاقبتكم.
وفي نهج البلاغة(٢) . قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة(٣) ينتظر إحدى الحسنيين: إمّا داعي الله، فما عند الله خير له. وإما رزق الله، فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه.
وفي روضة الكافي(٤) : علي بن محمد، عن عليّ بن عبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) .
قال: إمّا موت في طاعة الله، أو إدراك(٥) ظهور إمامه(٦) . ونحن نتربّص بهم مع ما نحن فيه من الشّدة( أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ ) قال: هو المسخ.( أَوْ بِأَيْدِينا ) وهو القتل. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ :
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٩٢، والظاهر ان السند هذا هو سند الشرح الوارد للآية السابقة.
(٢) نهج البلاغة / ٦٤ ضمن خطبة ٢٣.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الجنابة.
(٤) الكافي ٨ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧ ذيل ح ٤٣١.
(٥) المصدر: أدرك.
(٦) المصدر: إمام.
( فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) (١) . و «التربص» انتظار وقوع البلاء بأعدائهم.
( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ) : أمر في معنى الخبر، أي: لن يتقبّل منكم نفقاتكم، أنفقتم طوعا أو كرها.
وفائدته المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القبول، كأنّهم أمروا بأن يمتحنوا فينفقوا وينظروا، هل يتقبّل منهم.
قيل(٢) : وهو جواب قول حرّ(٣) بن قيس: وأعينك بمالي. ونفي التقبل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه.
وقوله:( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ) (٥٣) تعليل له على سبيل الاستئناف، وما بعده بيان وتقرير له.
( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ) ، أي: وما منعهم قبول نفقاتهم إلّا كفرهم.
وقرأ(٤) حمزة والكسائيّ: «أن يقبل» بالياء. لأنّ تأنيث النّفقات غير حقيقيّ.
وقرئ(٥) : «يقبل»، على أنّ الفعل لله.
وفي أصول الكافي(٦) : محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي بكير، عن أبي أمية، يوسف بن ثابت قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لا يضرّ مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل. ألا ترى أنه قال:( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ) .
محمّد بن يحيى(٧) ، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن ثعلبة، عن أبي أميّة، يوسف بن ثابت بن أبي سعدة(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الإيمان لا يضرّ معه عمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه عمل.
وفي روضة الكافي(٩) : أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن
__________________
(١) المصدر: المتربّصون.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١٩.
(٣) المصدر: جدّ.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤١٩.
(٥) نفس المصدر، والموضع.
(٦) الكافي ٢ / ٤٦٤ ح ٣.
(٧) الكافي ٢ / ٤٦٤ ح ٤.
(٨) ر: أبي سعيدة.
(٩) الكافي ٨ / ١٠٧، ضمن ح ٨٠.
عليّ بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أمية، يوسف بن ثابت بن أبي سعيدة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في حديث طويل: والله، لو أنّ رجلا صام النّهار وقام الليل، ثمّ لقي الله ـ عزّ وجلّ ـ بغير ولايتنا أهل البيت، لقيه الله وهو عنه غير راض أو ساخط عليه.
ثمّ قال: وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ) (الآية).
ثمّ قال: وكذلك الإيمان لا يضرّ معه العمل، وكذلك الكفر لا ينفع معه العمل.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: فكلّ عمل مجرى على(٢) غير أيدي أهل الأصفياء وعهودهم وحدودهم(٣) وشرائعهم وسننهم ومعالم دينهم، مردود غير مقبول. وأهله بمحلّ كفر، وإن شملتهم صفة الإيمان. ألم تسمع قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ) . فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النّجاة، لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حقّ أوليائه، وحبط عمله(٤) ، وهو في الآخرة من الخاسرين.
( وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ) : متثاقلين.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: لا يقومنّ(٦) أحدكم في الصّلاة متكاسلا ولا ناعسا، ولا يفكرن(٧) في نفسه. فانه بين يدي الله ـ عزّ وجلّ ـ وإنّما للعبد من صلاته ما أقبل عليها منها [بقلبه](٨) .
( وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ ) (٥٤): لأنّهم كانوا لا يرجون بهما ثوابا، ولا يخافون على تركهما عقابا.
( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) : فإن ذلك استدراج، ووبال لهم.
في مجمع البيان(٩) : الخطاب للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. والمراد جميع المؤمنين.
__________________
(١) الإحتجاج ١ / ٣٦٩.
(٢) المصدر: فكل من عمل من أعمال الخير فجرى على.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عملهم.
(٥) الخصال / ٦١٣.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يقوم.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يكفرون.
(٨) من المصدر.
(٩) مجمع البيان ٣ / ٣٩.
وقيل(١) : الخطاب للسّامع.
وفي روضة الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن احمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن أبي المعزاء، عن زيد الشّحام، عن عمرو بن سعيد بن الهلال، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، والورع والاجتهاد. واعلم أنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه. وايّاك أن تطمح نفسك إلى من فوقك، وكفى بما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشّدائد والمصائب.
( وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) (٥٥): فيموتوا كافرين مشتغلين بالتّمتّع عن النّظر في العاقبة، فيكون ذلك استدراجا لهم.
وأصل الزّهوق: الخروج بصعوبة.
( وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ) : لمن جماعة المسلمين.
( وَما هُمْ مِنْكُمْ ) : لكفر قلوبهم.
( وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) (٥٦): يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، فيظهرون الإسلام تقيّة.
( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ) : حصنا يلجئون إليه.
( أَوْ مَغاراتٍ ) : غيرانا.
( أَوْ مُدَّخَلاً ) : نفقا ينجحرون فيه. مفتعل، من الدّخول.
وقرأ(٣) يعقوب: «مدخلا». من دخل.
وقرى(٤) : «مدخلا»، أي: مكان يدخلون فيه أنفسهم. و «متدخلا» من تدخّل. و «مندخلا» من اندخل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: موضعا يلتجئون إليه.
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٣٤٩.
(٢) الكافي ٨ / ١٦٨ ح ١٨٩.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤١٩.
(٤) نفس المصدر، والموضع.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩٨.
وفي مجمع البيان(١) : قيل: أسرابا في الأرض.
( لَوَلَّوْا إِلَيْهِ ) : لأقبلوا نحوه.
( وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) (٥٧): يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء، كالفرس الجموح.
وقرئ(٢) : «يجمزون». ومنه الجمازة.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ) : يعيبك.
وقرأ(٣) يعقوب: «يلمزك» بالضّمّ. وابن كثير: «يلامزك».
( فِي الصَّدَقاتِ ) : في فيئها.
( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (٥٨)، يعني: أنّ رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدّين.
و «إذا» للمفاجأة، نائب مناب الفاء الجزائية.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: إذ جاءه ابن ذي الخويصرة(٥) التّميميّ، وهو حرقوص(٦) بن زهير أصل الخوارج. فقال: أعدل، يا رسول الله.
فقال: ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! (الحديث).
إلى أن قال: فنزلت.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : نزلت لـمـّـا جاءت الصّدقات، وجاء الأغنياء وظنّوا أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقسمهما بينهم. فلمّا وضعها في الفقراء، تغامزوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولمزوه. وقالوا: نحن الّذين نقوم في الحرب وننفر معه ونقوي أمره، ثمّ يدفع الصّدقات إلى هؤلاء الّذين لا يغنوه(٨) ولا يغنوا عنه شيئا.
وفي أصول الكافي(٩) : عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابراهيم بن
__________________
(١) مجمع البيان ٣ / ٤٠.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤١٩.
(٣) نفس المصدر، والموضع.
(٤) مجمع البيان ٣ / ٤٠ غير مسند إلى أحد من المعصومين بل أسنده إلى ابن سعيد الخدري، وابن عباس وهكذا في نور الثقلين. ولكن في الصافي نقله من المجمع مسندا إلى الباقر عليه السلام.
(٥) المصدر: ابن أبي ذي الخويصرة.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: خرقوص.
(٧) تفسير القمي ١ / ٢٩٨.
(٨) المصدر: لا يعينوه.
(٩) الكافي ٢ / ٤١٢ ح ٤.
عبد الحميد، عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: [يا إسحاق](١) كم ترى أهل هذه الآية( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) ؟
قال: ثمّ قال: هم أكثر من ثلثي النّاس.
( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) : بما أعطاهم الرّسول من الغنيمة، أو الصّدقة. وذكر الله للتّعظيم والتّنبيه. على أنّ ما فعله الرّسول كان بأمره.
( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ ) : كفانا فضله.
( سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) : صدقة، أو غنيمة أخرى.
( وَرَسُولُهُ ) : فيؤتينا أكثر ممّا آتانا الله.
( إِنَّا إلى اللهِ راغِبُونَ ) (٥٩): في أن يغنينا من فضله. والآية بأسرها في حيّز الشّرط، والجواب محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم.
( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) ، أي: الزّكاة لهؤلاء المعدودين دون غيرهم.
قيل(٢) : وهو دليل على أنّ المراد باللّمز: لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم.
( وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ) : السّاعين في تحصيلها وجمعها.
( وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) : قوم وحّدوا(٣) الله، ولم تدخل المعرفة في قلوبهم أنّ محمدا رسول الله. فكان رسول الله يتألّفهم ويعلّمهم لكي(٤) ما يعرفوا. فجعل الله لهم نصيبا في الصّدقات، لكي يعرفوا ويرغبوا.
وقيل(٥) : أو أشراف يترقّب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم. وقد أعطى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عيينة بن حصين والأقرع بن حابس والعبّاس بن مرداس لذلك.
وقيل(٦) : أشراف يستألفون.
وقيل(٧) : كان سهم المؤلّفة للتكثير. فلمّا أعز الله الإسلام وأهله، سقط.
( وَفِي الرِّقابِ ) : وللصرف في فكّ الرّقاب.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
(٣) أ، ب: وعدوا.
(٤) أ، ب: فقط من بدل لكي.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
(١ و ٧) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
قيل(١) : العدول عن «اللّام» إلى «في»، للدّلالة على أنّ الاستحقاق للجهة لا للرّقاب.
وقيل(٢) ، للإيذان، بأنّهم أحقّ بها.
( وَالْغارِمِينَ ) : المديونين، الّذين وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف.
( وَفِي سَبِيلِ اللهِ ) : وللصرف في الجهاد، بالإنفاق على المتطوّعة وابتياع الكراع والسلاح. والصّرف في جميع سبل الخير.
( وَابْنِ السَّبِيلِ ) : المسافر المنقطع عن ماله.
( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) : مصدر لما دلّ عليه الآية، أي: فرض الله لهم الصدقات فريضة. أو حال من الضّمير المستكنّ في «للفقراء».
وقرئ(٣) ، بالرّفع. على: تلك فريضة.
( وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (٦٠) يضع الأشياء في مواضعها.
قيل(٤) : وظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية، ووجوب الصّرف إلى كلّ صنف وجد منهم. ومراعاة التّسوية بينهم، قضيّة للاشتراك.
وفي أصول الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن صباح بن سيابة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أيّما مؤمن أو مسلم مات وترك دينا ولم يكن في فساد ولا إسراف، فعلى الإمام أن يقضيه. فان لم يقضه، فعليه إثم ذلك. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) (الآية). فهو من الغارمين، وله سهم عند الإمام. فإن حبسه، فإثمه عليه.
وفي الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة ومحمّد بن مسلم، إنّهما قالا لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أرأيت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ ـ إلى قوله ـفَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) . أكلّ هؤلاء يعطى إن كان لا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
(٢) نفس المصدر، والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٠.
(٥) الكافي ١ / ٤٠٧ ح ٧.
(٦) الكافي ٣ / ٤٩٦ ـ ٤٩٧ ح ١.
يعرف؟
فقال: إنّ الإمام يعطي هؤلاء جميعا، لأنّهم يقرّون له بالطّاعة.
قال: قلت: فإن كانوا [لا](١) يعرفون؟
فقال: يا زرارة، لو كان يعطي من يعرف [دون من لا يعرف](٢) ، لم يوجد(٣) لها موضع. وإنّما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدّين، فيثبت عليه. فأمّا اليوم، فلا تعطها أنت وأصحابك إلّا من يعرف. فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا، فأعطه دون النّاس.
ثمّ قال: سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم الرّقاب عامّ، والباقي خاصّ.
قال: قلت: فإن لم يوجدوا؟
قال: لا تكون فريضة فرضها الله ـ عزّ وجلّ ـ لا يوجد لها أهل.
قال: قلت: فإن لم تسعهم الصّدقات؟
فقال: إنّ الله فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم. ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم، لزادهم. إنّهم لم يؤتوا من قبل فريضة الله، ولكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم لا ممّا فرض الله لهم. ولو أنّ النّاس أدّوا حقوقهم، لكانوا عائشين بخير.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن خالد، عن عبد الله بن يحيى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) .
قال: «الفقير» الّذي لا يسأل النّاس، و «المسكين» أجهد منه، و «البائس» أجهدهم. فكلّ ما فرض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليك، فإعلانه أفضل من إسراره. وكل ما كان تطوعا، فإسراره أفضل من إعلانه. ولو أنّ رجلا يحمل زكاة ماله [على عاتقه](٥) فقسّمها علانية، كان ذلك حسنا جميلا.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يجد.
(٤) الكافي ٣ / ٥٠١ ح ١٦.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٥ / ٢٣ و ٢٦ ـ ٢٧ صدر وقطعة من حديث ١.
عن عبد الكريم بن عتبة الهاشميّ قال: كنت قاعدا عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمكّة إذ دخل عليه أناس من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد.
ـ إلى أن قال ـ: قال ـ عليه السّلام ـ لعمرو بن عبيد: ما تقول في الصّدقة؟
فقرأ عليه الآية:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ) (الى آخر الآية).
قال: نعم، فكيف تقسّمها؟
قال: أقسّمها على ثمانية أجزاء، فأعطي كلّ جزء من الثّمانية جزءا(١) .
قال: وإن كان صنف منهم عشرة آلاف، وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة، جعلت لهذا الواحد لما(٢) جعلت للعشرة آلاف؟
قال: نعم [قال: وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء قال: نعم](٣) .
قال: فقد خالفت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في كلّ ما قلت في سيرته. كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقسم صدقات أهل البوادي في أهل البوادي، وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر. ولا يقسمه بينّهم بالسّويّة، وإنّما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى. وليس عليه في ذلك شيء موقّت موظف، وإنما يصنع(٤) ذلك بما يرى على قدر ما يحضره منهم. فإن كان في نفسك ممّا قلت شيء، فالق فقهاء أهل المدينة، فإنّهم لا يختلفون في أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كذا كان يصنع.
وفي مجمع البيان(٥) : أنّ الفقير، هو المتعفف الّذي لا يسأل. والمسكين، الّذي يسأل. عن ابن عبّاس.
والحسن والزهريّ ومجاهد ذهبوا إلى، أنّ المسكين مشتق من المسكنة بالمسألة.
وروي ذلك عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ.
وقيل(٦) : إنّ الفقير، الّذي يسأل. والمسكين، الّذي لا يسأل. وجاء في
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: جزءه.
(٢) المصدر: مثل ما.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يصنع.
(٥) مجمع البيان ٣ / ٤١.
(٦) مجمع البيان ٣ / ٤١.
الحديث ما يدل على ذلك، فقد روي عن النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنه قال: [ليس](١) المسكين، الّذي تردّه(٢) الأكلة والأكلتان والتّمرة والتّمرتان، ولكنّ المسكين الّذي لا يجد غنيّا(٣) فيغنيه ولا يسأل النّاس شيئا ولا يفطن به فيتصدق عليه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وبيّن الصّادق ـ عليه السّلام ـ من هم، فقال: «الفقراء» هم الّذين لا يسألون وعليهم مؤنات من عيالهم. والدّليل على أنهم هم الّذين لا يسألون قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في سورة البقرة:( لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ) (٥) . و «المساكين» هم أهل الزّمانة من العميان والعرجان والمجذومين وجميع أصناف الزّمنى، الرّجال والنّساء والصّبيان. «والعاملين عليها» [هم](٦) السّعادة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها، حتّى يؤدّوها(٧) إلى من يقسمها.
«والمؤلّفة قلوبهم» قوم وحّدوا الله، ولم تدخل المعرفة في قلوبهم أن محمّدا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يتألّفهم ويعلّمهم كيما يعرفوا.
فجعل الله ـ عزّ وجلّ ـ لهم نصيبا في الصّدقات، لكي يعرفوا ويرغبوا.
وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «المؤلّفة قلوبهم» أبو سفيان بن حرب بن أميّة، وسهل(٨) بن عمرو، وهو من بني عامر بن لؤيّ، وهمام بن عمرو وأخوه، وصفوان بن أميّة بن خلف القرشي ثمّ [الجشمي الجمحي](٩) والأقرع بن حابس(١٠) التّميميّ، ثمّ [عمر](١١) أخو بني(١٢) حازم، وعيينة بن حصين الفزاريّ، ومالك بن عوف وعلقمة بن علاقة(١٣) . بلغنا أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يعطي الرّجل
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: يرده.
(٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: غنى.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩.
(٥) البقرة: ٢٧٣.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: يردّوها.
(٨) المصدر: سهيل.
(٩) كذا في المصدر، وفي النسخ: الحثمي بدل ما بين المعقوفتين.
(١٠) أ: فانس.
(١١) من المصدر.
(١٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: بن.
(١٣) كذا في المصدر، وفي النسخ: مالك بن عوّام، وعلقم بن علامة.
منهم مائة من الإبل ورعاتها، وأكثر من ذلك وأقلّ وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر وعليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل جميعا، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «المؤلّفة قلوبهم» قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمّدا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يتألّفهم ويعرّفهم لكيما يعرفوا، ويعلّمهم.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [قال: سألته](٣) عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «والمؤلّفة».
قال: هم قوم وحّدوا الله ـ عزّ وجلّ ـ وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، وشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه أن يتألّفهم بالمال والعطاء، لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الّذي دخلوا فيه وأقرّوا به. وأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم حنين تألّف رؤساء العرب من قريش وسائر مضر، منهم أبو سفيان بن حرب وعيينة بن حصين الفزاريّ وأشباههم من النّاس. فغضب الأنصار، واجتمعت إلى سعد بن عبادة.
فانطلق بهم إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالجعرانة، فقال: يا رسول الله، أتأذن لي في الكلام؟
فقال: نعم.
فقال: ان كان هذا الأمر من هذه الأموال التي قسّمت بين قومك شيئا أنزله الله، رضينا. وإن كان غير ذلك، لم نرض.
قال زرارة: وسمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا معشر الأنصار، أكلكم على قول سيّدكم سعد. فقالوا: سيّدنا الله ورسوله.
ثمّ قالوا في الثّالثة: نحن على مثل قوله ورأيه.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤١٠ ـ ٤١١ ح ١.
(٢) الكافي ٢ / ٤١١ ح ٢.
(٣) من المصدر.
فقال زرارة: فسمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: فحطّ الله نورهم، وفرض للمؤلّفة قلوبهم سهما في القرآن.
علي،(١) عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «المؤلّفة قلوبهم» لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم.
[عدة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسان، عن موسى بن بكر عن رجل، قال: قال أبو جعفر: ما كانت المؤلّفة قلوبهم قطّ اكثر منهم اليوم](٣) وهم(٤) قوم وحّدوا الله وخرجوا من الشّرك، ولم تدخل معرفة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ قلوبهم وما جاء به. فتألّفهم رسول الله، وتألّفهم المؤمنون بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لكيما يعرفوا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ـ رحمه الله ـ: «وفي الرّقاب» قوم قد لزمهم كفّارات في قتل الخطأ، وفي الظّهار، وقتل الصّيد في الحرم، وفي الأيمان. وليس عندهم ما يكفرون. وهم يؤمنون. فجعل الله ـ عزّ وجلّ ـ لهم سهما في الصّدقات، ليكفر عنهم.
«والغارمين» قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها(٦) في طاعة الله ـ عزّ وجلّ ـ من غير إسراف، فيجب على الإمام أن يقضي ذلك عنهم ويفكّهم من مال الصّدقات.
«وفي سبيل الله» قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير. فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات، حتّى ينفقونه(٧) على الحجّ والجهاد.
«وابن السّبيل» أبناء الطريق الّذين يكونون في الأسفار في طاعة الله، فيقطع عليهم ويذهب ما لهم. فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات.
والصدقات تتجزأ ثمانية أجزاء، فيعطى كلّ إنسان من هذه الثّمانية على قدر ما يحتاجون إليه، بلا إسراف ولا تقتير، مفوّض(٨) ذلك إلى(٩) الإمام، يعمل بما فيه الصّلاح.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤١١ ح ٣.
(٢) الكافي ٢ / ٤١١، ح ٥.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: منهم.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩٩.
(٦) كذا في المصدر، وفي النسخ: أنفقوا.
(٧) المصدر: ينفقوا به.
(٨) المصدر: يقوم في بدل مفوّض.
(٩) ليس في المصدر.
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه(١) : وسئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدّى بعضها.
قال: يؤدى عنه من مال الصّدقة. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول في كتابه: «وفي الرّقاب».
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر قال: قال لي أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: من طلب هذا الرّزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله. فإن غلب عليه، فليستدن على الله وعلى رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما يقوت به عياله. فإن مات ولم يقضه، كان على الإمام قضاؤه. فإن لم يقضه، كان عليه وزره. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ـ إلى قوله ـوَالْغارِمِينَ ) . فهو فقير مسكين مغرم.
محمّد بن يحيى(٣) ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى: أبا محمّد، قال: سأل الرّضا ـ صلوات الله عليه ـ رجل، وأنا أسمع.
فقال له: جعلت فداك، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ) (٤) . أخبرني عن هذه النظرة الّتي ذكرها الله في كتابه، لها حدّ يعرف إذا صار هذا المعسر إليه، لا بدّ له من أن ينتظر(٥) وقد أخذ مال هذا الرّجل وأنفقه على عياله، وليس له غلّة ينتظر إدراكها ولا دين ينتظر محلّه ولا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال [نعم](٦) ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام. فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين، إذا كان أنفقه في طاعة الله. فان كان أنفقه في معصية الله، فلا شيء له على الإمام.
قلت: فما بال هذا الرّجل الّذي ائتمنه، وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله أم في معصيته؟
قال: يسعى له في ماله، فيرده وهو صاغر.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، بإسناده إلى الحسين بن عمر قال: قلت لأبي
__________________
(١) الفقيه ٣ / ٧٤، ح ٢٥٨.
(٢) الكافي ٥ / ٩٣ ح ٣.
(٣) الكافي ٥ / ٩٣ ـ ٩٤، ح ٥.
(٤) البقرة: ٢٨١.
(٥) كذا في المصدر، وفي النسخ: ينظر.
(٦) من المصدر.
(٧) المعاني / ١٦٧ ح ٢.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ رجلا أوصى إليّ(١) في سبيل الله.
قال: أصرفه في الحجّ.
قال: قلت له: إنّه أوصى إليّ في سبيل الله.
قال: أصرفه في الحجّ، فإني لا أعرف سبيلا من سبله أفضل من الحجّ.
حدثنا أبي(٢) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعريّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن بن راشد قال: سألت أبا الحسن العسكريّ بالمدينة عن رجل أوصى بماله في سبيل الله.
قال: سبيل الله شيعتنا.
وفي عيون الأخبار(٣) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ كلام طويل في الفرق بين العترة والأمّة. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ في شأن ذي القربى: فما رضيه لنفسه ولرسوله، رضيه لهم. قاله ـ عليه السّلام ـ بعد أن ذكر قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ ) (الآية).
ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ: وكذلك [الفيء](٤) ما رضيه منه لنفسه ولنبيّه رضيه لذي القربى، كما أجراهم في الغنيمة. فبدأ بنفسه ـ جلّ جلاله ـ ثمّ برسوله ثم بهم، وقرن سهمهم بسهمه وسهم رسوله. وكذلك في الطاعة، قال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٥) . فبدأ بنفسه ثمّ برسوله ثمّ بأهل بيته. وكذلك آية الولاية( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (٦) فجعل طاعتهم(٧) مع طاعة الرّسول مقرونة بطاعته، [كذلك ولايتهم مع ولاية الرسول مقرونة بطاعته](٨) كما جعل سهمهم مع سهم الرّسول مقرونا بسهمه في الغنيمة والفيء. فتبارك الله وتعالى، ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت! فلما جاءت قصّة الصّدقة، نزّه نفسه ورسوله ونزه أهل بيته. فقال:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ ـ إلى قوله ـفَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) . فهل تجد في شيء من ذلك أنّه ـ عزّ وجلّ ـ سمّى
__________________
(١) كذا في المصدر، وفي النسخ: أبى.
(٢) المعاني / ١٦٧ ح ٣.
(٣) العيون ١ / ٢٣٨ ـ ٢٣٩.
(٤) من المصدر.
(٥) النساء: ٥٩.
(٦) المائدة: ٥٥.
(٧) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولايتهم.
(٨) من المصدر.
لنفسه أو لرسوله أو لذي القربى؟ لأنه لـمـّـا نزّه نفسه عن الصّدقة ونزه رسوله، نزّه أهل بيته. لا بل حرّم عليهم، لأن الصدقة محرّمة على محمد وآله. وهي أوساخ [أيدي](١) الناس لا تحلّ لهم، لأنّهم طهروا من كلّ دنس(٢) ووسخ. فلما طهرهم واصطفاهم، رضي لهم ما رضي لنفسه، وكره لهم ما كره لنفسه.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: لا تحلّ الصّدقة لبني هاشم، إلا في وجهين: إن كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا، وصدقة بعضهم على بعض.
وفي تهذيب الأحكام(٤) : محمّد بن يعقوب، عن احمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن عيص(٥) بن القاسم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: انّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي. وقالوا: يكون لنا هذا السّهم الّذي جعله الله للعاملين عليها، فنحن أولى به.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا بني عبد المطّلب، إنّ الصّدقة لا تحلّ لي ولا لكم. ولكني قد وعدت الشّفاعة.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أشهد لقد وعدها. فما ظنّكم، يا بني عبد المطلب، إذا أخذت بحلقة باب الجنّة أتروني مؤثرا عليكم غيركم؟
سعد بن عبد الله(٦) ، عن موسى بن الحسن، عن محمّد بن عبد الحميد، عن الفضل بن صالح، عن أبي اسامة، زيد الشّحام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألت عن الصدقة التي حرمت عليهم.
فقال: هي الزكاة المفروضة. ولم تحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض.
محمد بن عليّ بن محبوب(٧) ، عن أحمد بن محمد، عن الحسين، عن النّضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا تحلّ الصدقة لولد العبّاس ولا لنظرائهم من
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: ولد.
(٣) الخصال / ٦٢ ح ٨٨.
(٤) تهذيب الأحكام ٤ / ٥٨، ح ١٥٤.
(٥) ما في المتن هو الصحيح كما في تنقيح المقال ٢ / ٣٦٤، وفي أ، ب: عمير.
(٦) التهذيب ٤ / ٥٩ ح ١٥٧.
(٧) التهذيب ٤ / ٥٩ ح ١٥٨.
بني هاشم.
( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) : يسمع كلّ ما يقال له ويصدقه.
سمي بالجارحة للمبالغة، كأنّه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع، كما سمي الجاسوس: عينا، لذلك. أو أشتقّ له فعل من اذن، أذنا: إذا سمع، كأنفّ وشلل.
نقل(١) : أنّهم قالوا: محمّد أذن سامعة. نقول ما شئنا، ثمّ نأتيه فيصدّقنا بما نقول.
( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) : تصديق لهم بأنّه له أذن ولكن لا على الوجه الّذي ذمّوا به، بل من حيث إنّه يسمع الخير ثمّ يقبله.
ثم فسر ذلك بقوله:( يُؤْمِنُ بِاللهِ ) : يصدق به، لما قام عنده من الأدلّة.
( وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) : ويصدّقهم لما علم من خلوصهم.
و «اللّام» مزيدة للتّفرقة بين إيمان التّصديق، فإنه بمعنى: التسليم، وايمان الأمان.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ: عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. يقول فيه، وقد ذكر عليّا ـ عليه السّلام ـ وما أوصى الله فيه: وذكر المنافقين والآثمين والمستهزئين بالإسلام وكثرة أذاهم لي، حتّى سمّوني أذنا. وزعموا أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي وإقبالي عليه، حتّى أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ في ذلك قرآنا(٣) ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ، قُلْ أُذُنُ ) على الّذين يزعمون أنّه( أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) (الآية). ولو شئت أن أسمي بأسمائهم لسميت، وأن أومئ إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن ادلّ عليهم لدللت(٤) ، ولكني، والله، في أمورهم قد تكرّمت.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: كان سبب نزولها، أنّ عبد الله بن نفيل كان
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٢١.
(٢) الاحتجاج ١ / ٧٣ ـ ٧٤. بتلخيص من المؤلف
(٣) كذا في المصدر وفي النسخ: «بذلك» بدل «في ذلك قرآنا».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «إن اذن عليهم لذلك».
(٥) تفسير القمي ١ / ٣٠٠.
منافقا، وكان يقعد إلى رسول الله(١) ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينم عليه. فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال: يا محمّد، إنّ رجلا من المنافقين ينمّ عليك، وينقل حديثك إلى المنافقين.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من هو؟
فقال: الرّجل الأسود، الكثير شعر الرأس، ينظر بعينين، كأنّهما قدران وينطق بلسان شيطان.
فدعاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخبره.
فحلف، أنه لم يفعل.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قد قبلت منك، فلا تقعد.
فرجع إلى أصحابه، فقال: إنّ محمدا أذن. أخبره الله اني أنمّ عليه وأنقل أخباره، فقبل. وأخبرته أني لم أفعل ذلك، فقبل.
فأنزل الله على نبيّه( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ، أي: يصدق الله فيما يقول له، ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظّاهر ولا يصدّقك في الباطن. وقوله:( وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ، يعني: المقرّبين بالإيمان من غير اعتقاد.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ، يعني: يصدّق الله ويصدّق المؤمنين، لأنّه كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين.
وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ لابنه إسماعيل: يا بنيّ، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول في كتابه:( يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) . يقول: يصدّق الله ويصدق المؤمنين. فإذا شهد عندك المؤمنون، فصدّقهم.
حميد بن زياد(٤) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن حمّاد بن بشير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إني أردت أن أستبضع بضاعة إلى اليمن، فأتيت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ.
__________________
(١) المصدر: لرسول الله.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٩٥، ذيل ح ٨٣.
(٣) الكافي ٥ / ٢٩٩، ضمن ح ١.
(٤) نفس المصدر ٦ / ٣٩٧، ضمن ح ٩.
فقلت له: إنّي أريد أن أستبضع فلانا [بضاعة](١) .
فقال لي: أما علمت أنّه يشرب الخمر.
فقلت: قد بلغني من المؤمنين، أنّهم يقولون ذلك.
فقال لي: صدّقهم. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
( وَرَحْمَةٌ ) ، أي: هو رحمة.
( لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) : لمن أظهر الإيمان، حيث يقبله ولا يكشف سرّه. وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم لجهله بحالكم، بل رفقا بكم وترحما عليكم.
وقرأ(٢) حمزة، بالجرّ، عطفا على «خير».
وقرئ(٣) ، بالنّصب، على أنّها علّة فعل دلّ عليه «أذن خير»، أي: يأذن لكم رحمة.
وقرأ(٤) نافع: «أذن» بالتّخفيف فيهما.
وقرئ(٥) : «أذن خير» على أنّ الخير صفة له، أو خبر ثاني.
( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٦١): بإيذائه.
( يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ) : على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلّفوا.
( لِيُرْضُوكُمْ ) ، أي: لترضوا عنهم. والخطاب للمؤمنين.
( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) : أحقّ بالإرضاء بالطاعة والوفاق.
وتوحيد الضّمير، لتلازم الرّضاءين. أو لأنّ الكلام في إيذاء الرّسول وإرضائه. أو لأنّ التقدير: والله أحقّ أن يرضوه، والرسول كذلك.
( إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ) (٦٢): صدقا.
( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ ) : الشأن.
وقرئ(٦) ، بالتّاء.
( مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) : يشاقق. مفاعلة، من الحدّ.
( فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ) : على حذف الخبر، أي: فحقّ أن له. أو على تكرير «أنّ»، للتأكيد. ويحتمل أن يكون معطوفا على «أنّه» ويكون الجواب محذوفا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢ و ٣ و ٤ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٢١.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٢١.
تقديره: «من يحادد الله ورسوله» يهلك.
وقرئ(١) : «فإنّ» بالكسر.
( ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ) (٦٣): يعني: الهلاك الدّائم.
( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ) : على المؤمنين.
( سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ) : وتهتك عليهم أستارهم.
ويجوز أن تكون الضمائر «للمنافقين». فإنّ النّازل فيهم، كالنّازل عليهم من حيث أنّه مقروء ومحتج به عليهم. وذلك يدلّ على تردّدهم ـ أيضا ـ في كفرهم، وأنّهم لم يكونوا على بت في أمر الرّسول بشيء.
وقيل(٢) : إنّه خبر في معنى الأمر.
وقيل(٣) : إنّهم كانوا يقولونه فيما بينهم، استهزاء. لقوله:( قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ) : مبرز ومظهر.
( ما تَحْذَرُونَ ) (٦٤)، أي: ما تحذرونه من إنزال السّورة فيكم. أو ما تحذرون إظهاره من مساوئكم.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ )
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : كان قوم من المنافقين لـمـّـا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى تبوك، يتحدثون فيما بينهم ويقولون: أيرى محمّد أنّ حرب الروم، مثل حرب غيرهم، لا يرجع منهم أحد أبدا.
فقال بعضهم: ما أخلفه أن يخبر الله محمّدا بما كنا فيه وبما في قلوبنا، وينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه النّاس. وقالوا هذا على حدّ الاستهزاء.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعمّار بن ياسر: الحق القوم، فإنهم قد احترقوا.
فلحقهم عمّار، فقال: ما قلتم؟
قالوا: ما قلنا شيئا، انّما كنا نقول شيئا على حدّ اللّعب والمزاح. فنزلت وفي مجمع البيان(٥) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠٠.
(٥) المجمع ٢ / ٤٦. نقله المؤلف بتصرف.
العقبة، ائتمروا بينهم ليقتلوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وقال بعضهم لبعض: إن فطن، نقول إنّما كنّا نخوض ونلعب. وإن لم يفطن، نقتله وذلك(١) عند رجوعه من تبوك.
فأخبر جبرئيل ـ عليه السّلام ـ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم.
[وعمار كان يقود دابّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وحذيفة يسوقها.
فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم](٢) . فضربها حتّى نحّاهم. فلمّا نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟
فقال: لم أعرف منهم أحدا.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فلان بن فلان. حتّى عددهم.
فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم.
فقال: أكره أن تقول العرب لما ظفر أصحابه أقبل يقتلهم.
وفي الجوامع(٣) : توافقوا على أن يدفعوه عن راحلته في الوادي إذا تسنّم العقبة في اللّيل. فأمر(٤) عمّار بن ياسر بخطام ناقته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها. فبينا هما كذلك، إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح. فالتفت، فإذا قوم ملتثمون.
فقال: إليكم، يا أعداء الله. وضرب وجوه رواحلهم حتّى نحّاهم. (الحديث).
إلى آخر ما ذكره في مجمع البيان، أورده عند تفسير( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ) من هذه السّورة، كما يأتي.
( قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ) (٦٥): توبيخا على استهزاءهم بمن لا يصحّ الاستهزاء به، وإلزاما للحجّة عليهم. ولا تعبأ باعتذارهم الكاذب.
( لا تَعْتَذِرُوا ) : لا تشتغلوا باعتذاراتكم، فإنّها معلومة الكذب.
( قَدْ كَفَرْتُمْ ) : قد أظهرتم الكفر بإيذاء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والطعن فيه.
__________________
(١) ليس في المصدر: وذلك.
(٢) من المصدر.
(٣) الجوامع / ١٨٣.
(٤) المصدر: «بالليل فأخذ» بدل «في الليل فأمر».
( بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) : بعد إظهاركم الإيمان.
( إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ) : لتوبتهم وإخلاصهم، أو لتجنّبهم عن الإيذاء والاستهزاء.
( نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ) (٦٦): مصرّين على النّفاق، أو مقدمين على الإيذاء والاستهزاء.
وقرأ(١) عاصم، بالنّون، فيهما.
وقرئ(٢) ، بالياء، وبناء الفاعل فيهما. وهو الله. و «إن تعف» بالتّاء والبناء على المفعول، ذهابا إلى المعنى، كأنّه قيل: إن ترحم طائفة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( لا تَعْتَذِرُوا ) .
قال: هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين، ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم. وكانوا أربعة نفر. وقوله: «إن نعف عن طائفة منكم» كان أحد الأربعة مختبر بن الحمير(٤) ، فاعترف وتاب.
وقال: يا رسول الله، أهلكني اسمّي.
فسمّاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: عبد الله بن عبد الرّحمن.
فقال: يا ربّ، اجعلني شهيدا حيث لا يعلم [أحد](٥) أين أنا.
فقتل يوم اليمامة، ولم يعلم أحد أين قتل. فهو الّذي عفا الله عنه.
وفي مجمع البيان(٦) :( إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً ) . ويروي أنّ هاتين الطّائفتين كانوا ثلاثة نفر، فهزأ اثنان وضحك واحد.
وهو الّذي تاب من نفاقه.
واسمه مختبر بن حمير(٧) فعفا الله عنه.
وفي تفسير العياشيّ(٨) : عن جابر الجعفيّ قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: نزلت هذه الآية( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) ـ إلى قوله ـ:( نُعَذِّبْ طائِفَةً ) .
__________________
(١ و ٢) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٢٢.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٠٠ ـ ٣٠١.
(٤) المصدر: محتبر. أ، ب: مختير.
(٥) من المصدر.
(٦) المجمع ٣ / ٤٧.
(٧) المصدر: مخشي بن حمير.
(٨) تفسير العياشي ٢ / ٩٥، ح ٨٤.
قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما(١) تفسير هذه الآية؟
قال: تفسيرها، والله، ما نزلت آية قطّ إلّا ولها تفسير.
ثمّ قال: نعم، نزلت في [عدد بني اميّة(٢) والعشرة منهما](٣) . إنّهم اجمعوا اثني عشر، فكمنوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [في العقبة وائتمروا بينهم ليقتلوه فقال بعضهم لبعض ان فطن نقول انما كنا نخوض ونلعب وان لم يفطن لنقتلنه](٤) . فأنزل الله هذه الآية( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) . قال الله لنبيّه:( قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ ) ، يعني: محمدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ.( كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ) [يعني: عليا، أن يعف عنهما في أن يلعنهما على المنابر ويلعن غيرهما فذلك قوله ـ تعالى ـ: «إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ](٥) نُعَذِّبْ طائِفَةً ».
( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) ، أي: متشابهة في النّفاق والبعد عن الإيمان، كأبعاض الشيء الواحد.
وقيل(٦) : إنّه تكذيبهم في حلفهم بالله «أنّهم لمنكم»، وتقرير لقوله: «وما هم منكم»، وما بعده، كالدّليل عليه. فإنّه يدلّ على مضادّة حالهم لحال المؤمنين. وهو قوله:( يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ) : بالكفر والمعاصي.( وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) : عن الإيمان والطّاعة.( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) : عن المبارّ.
وقبض اليد، عبارة عن الشّحّ.
( نَسُوا اللهَ ) : أغفلوا ذكر الله، وتركوا طاعته.
( فَنَسِيَهُمْ ) : فتركهم من لطفه وفضله.
وفي عيون الأخبار(٧) ، بإسناده إلى عبد العزيز بن مسلم قال: سألت الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ) .
فقال: إنّ الله لا يسهو ولا ينسى، وإنّما ينسى ويسهو المخلوق والمحدث. ألا
__________________
(١) ليس في المصدر: ما.
(٢) المصدر: «التيمي والعدويّ» بدل «عدد بني اميّة».
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في بعض نسخ المصدر.
(٤) من المصدر. وفي النسخ: «ليقتل» بدل ما بين المعقوفتين.
(٥) من المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٢.
(٧) العيون ١ / ١٢٥، صدر ح ١٨.
تسمعه ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) (١) . وإنّما يجازي من نسيه ونسى لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال ـ تعالى ـ:( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٢) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا ) (٣) ، أي: نتركهم، كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.
وفي كتاب التّوحيد(٤) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: يعني: نسوا الله في دار الدّنيا فلم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيين من الخير.
وقد يقول العرب في باب النّسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي: أنّه لم يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به.
وفي تفسير العيّاشيّ(٥) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ «نسوا الله». قال: تركوا طاعة الله. «فنسيهم» قال: فتركهم.
عن أبي معمّر العمريّ(٦) قال(٧) : قال عليّ ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ ) : فإنّما يعني: أنّهم نسوا الله في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطّاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله، فنسيهم في الآخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيّين من الخير.
( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) (٦٧): الكاملون في التمرد والفسوق، والخروج من دائرة الخير.
( وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) : مقدرين الخلود.
( هِيَ حَسْبُهُمْ ) : عقابا وجزاء. وفيه دليل على عظم عذابها.
( وَلَعَنَهُمُ اللهُ ) : أبعدهم من رحمته وأهانهم.
( وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ) (٦٨): لا ينقطع.
والمراد به: ما وعدوه، أو ما يقاسونه من تعب النّفاق.
__________________
(١) مريم / ٦٤.
(٢) الحشر / ١٩.
(٣) الأعراف / ٥١.
(٤) التوحيد / ٢٥٩.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٩٥ ـ ٩٦، ح ٨٥.
(٦) أ، ب: أبي معمّر السعديّ.
(٧) تفسير العياشي ٢ / ٩٦، ح ٨٦.
( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) ، أي: أنتم، مثل الّذين. أو فعلتم، مثل الذين من قبلكم.
( كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً ) : بيان لتشبيههم بهم، وتمثيل حالهم بحالهم.
( فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ) : بنصيبهم من ملاذّ الدّنيا. واشتقاقه من الخلق، بمعنى: التّقدير. فإنه ما قدر لصاحبه.
( فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ) : ذمّ الأوّلين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشّهوات الفانية، والتّهائهم بها عن النّظر في العاقبة، والسّعي في تحصيل اللّذائذ الحقيقية، تمهيدا لذمّ المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم.
( وَخُضْتُمْ ) : دخلتم في الباطن.
( كَالَّذِي خاضُوا ) ، كالّذين خاضوا. أو كالفوج الّذى خاضوا. أو كالخوض الذي خاضوه.
( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) : لم يستحقّوا عليها ثوابا في الدّارين.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (٦٩): الّذين خسروا الدّنيا والآخرة.
( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ) : اغرقوا بالطّوفان.
( وَعادٍ ) : أهلكوا بالرّيح.
( وَثَمُودَ ) : أهلكوا بالرّجفة.
( وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ ) : أهلك نمرود ببعوض، وأهلك أصحابه.
( وَأَصْحابِ مَدْيَنَ ) : وأهل مدين، وهم قوم شعيب أهلكوا بالنّار يوم الظلة.
( وَالْمُؤْتَفِكاتِ ) : قريات قوم لوط ائتفكت بهم، أي: انقلبت فصارت عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجيل.
وقيل(١) : قريات المكذبين المتمرّدين. وائتفاكهنّ، انقلاب أحوالهنّ من الخير إلى الشّرّ.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٣.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت:( وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) .
قال: أولئك قوم لوط. ائتفكت عليهم: انقلبت عليهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : روى جويرية(٣) بن مسهر أنّه قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ من قتل الخوارج. حتّى إذا قطعنا في(٤) أرض بابل، حضرت صلاة العصر. فنزل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ونزل النّاس فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: أيّها النّاس، إنّ هذه الأرض ملعونة. قد عذّبت في الدّهر ثلاث مرّات.
وفي خبر آخر: مرّتين. وهي تتوقّع الثالثة. وهي إحدى المؤتفكات.
والحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.
( أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) ، يعني: الكلّ.
( بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) : أي: لم يكن من عادته ولم يجز له ظلم النّاس، كالعقوبة بلا جرم.
( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٧٠): حيث عرّضوها للعقاب، بالكفر والتّكذيب.
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) : في مقابلة قوله: «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن صفوان الجمّال قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: بأبي أنت وأمي، تأتيني المرأة المسلمة قد عرفتني بعملي وعرفتها بإسلامها وحبّها إيّاكم وولايتها لكم، وليس لها محرم.
قال: فإذا جاءتك المرأة المسلمة، فاحملها. فإنّ المؤمن محرم المؤمنة. وتلا هذه
__________________
(١) الكافي ٨ / ١٨١، ذيل ح ٢٠٢.
(٢) الفقيه ١ / ١٣٠، صدر ح ٦١١.
(٣) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ١٦٩. وفي النسخ: جرير.
(٤) ليس في المصدر: في.
(٥) تفسير العياشي ٢ / ٩٦، ح ٨٧. ونقله نور الثقلين ٢ / ٢٤٠، ح ٢٣٣ والبرهان ٢ / ١٤٤، ح ٢ عنه.
الآية:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) .
( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) : في سائر الأمور.
( أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ ) : لا محالة. فانّ السّين مؤكدة للوقوع.
( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) : غالب على كلّ شيء، لا يمتنع عليه ما يريده.
( حَكِيمٌ ) (٧١): يضع الأشياء مواضعها.
( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ) : تستطيبها النّفس، أو يطيب فيها العيش.
( فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) : إقامة وخلود.
ومرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدد الموعود لكلّ واحد. أو للجميع، على سبيل التّوزيع. أو إلى تغاير وصفه، وكأنّه وصفه أوّلا بأنّه من جنس ما هو أبهى الأماكن الّتي يعرفونها لتميل إليه طباعهم، أو إلى(١) ما يقرع أسماعهم. ثمّ وصفه بأنّه محفوف بطيب العيش، معرّى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين. ثمّ وصفه بأنّه دار إقامة وثبات في جوار العليين، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيّر.
وفي مجمع البيان(٢) : عن النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ [أنّه قال](٣) «عدن» دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. لا يسكنها غير ثلاثة: النّبيين والصّديقين والشّهداء. يقول الله ـ تعالى ـ: طوبى لمن دخلك.
وفي كتاب الخصال(٤) ، في احتجاج عليّ ـ عليه السّلام ـ على النّاس يوم الشّورى.
قال: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من سره أن يحيى حياتي ويموت ومماتي ويسكن جنتي التي وعدني الله ربي، جنّات عدن، قضيب غرسه الله بيده. ثمّ قال له: كن فيكون، فليوال عليّ بن أبي طالب وذرته من بعده ـ [إلى قوله ـ غيري قالوا: أللّهمّ، لا](٥) .
__________________
(١) ر: «أوّل» بدل «أو إلى».
(٢) المجمع ٣ / ٥٠.
(٣) من المصدر.
(٤) الخصال / ٥٥٨.
(٥) من المصدر.
وعن أمير المؤمنين(١) ـ عليه السّلام ـ أنّه سأله يهوديّ: أين يسكن نبيّكم(٢) من الجنّة؟
فقال: في أعلاها درجة وأشرفها مكانا، في جنات عدن.
فقال: صدقت، والله، إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) ، في حديث بلال: جنّة عدن في وسط الجنان، سورها ياقوت أحمر وحصاؤها اللّؤلؤ.
( وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ) : لأنّه المبدأ لكل سعادة وكرامة، والمؤدّي إلى نيل الوصول والفوز باللّقاء.
( ذلِكَ ) ، أي: الرّضوان. أو جميع ما تقدّم.
( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٧٢): الّذي تستحقر دونه الدّنيا وما فيها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : عن يونس(٥) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: إذا صار أهل الجنة في الجنّة ودخل ولي الله جناته ومساكنه واتكى(٦) كلّ مؤمن منهم على أريكته، حفته زوجاته وخدامه، وتهدّلت عليه الثّمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزرابي، وصفقت له النّمارق، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك.
قال: وتخرج عليهم الحور العين من الجنان، فيمكثون بذلك ما شاء الله. ثمّ أن الجبّار يشرف عليهم، فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكّان جنّتي في جواري، الأهل أنبئكم بخير ممّا أنتم فيه؟
فيقولون: ربّنا، وأيّ شيء خير ممّا نحن فيه؟ [نحن](٧) فيما اشتهت أنفسنا ولذّت أعيننا من النّعم في جوار الكريم.
قال: فيعود عليهم بالقول.
فيقولون: ربّنا [نعم، فأتنا بخير ممّا نحن فيه.
__________________
(١) نفس المصدر / ٤٧٦ ـ ٤٧٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: منكم.
(٣) الفقيه ١ / ١٩٣ ببعض التصرف.
(٤) بل في تفسير العياشي ٢ / ٩٦ ـ ٩٧، ح ٨٨.
ونور الثقلين ٢ / ٢٤٠ ـ ٢٤١ ح ٢٣٤، والبرهان ٢ / ١٤٥، ح ١ عنه.
(٥) كذا في نور الثقلين والبرهان. وفي المصدر: ثوير.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أتيكم.
(٧) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
فيقول لهم ـ تبارك وتعالى ـ: رضاي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم مما أنتم فيه.
قال: فيقولون: نعم، يا ربّنا](١) رضاك عنّا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا.
ثمّ قرأ عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ هذه الآية:( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ـ إلى قوله ـهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ ) قيل(٢) : بالسّيف.
( وَالْمُنافِقِينَ ) .
قيل(٣) : بالزام الحجّة، وإقامة الحدود.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ( جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) : بإلزام الفرائض.
وفيه(٥) ، في سورة التّحريم: أخبرني الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، [عن أحمد بن محمّد](٦) ، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن سليمان الكاتب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) .
[قال](٧) : هكذا نزلت: فجاهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الكفار وجاهد علي ـ عليه السلام ـ المنافقين. فجاهد عليّ جهاد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي مجمع البيان(٨) ، في قراءة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ: «جاهد الكفار بالمنافقين».
قالوا: لأنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يكن يقاتل المنافقين، ولكن كان يتألفهم. ولان المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله بكفرهم لا يبيح قتلهم إذ(٩) كانوا يظهرون الإيمان.
__________________
(١) من المصدر.
(١ و ٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٢٣.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠١.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٣٧٧.
(٦) ليس في المصدر. والظاهر أنها زائدة.
(٧) من المصدر.
(٨) المجمع ٣ / ٥٠.
(٩) المصدر: إذا.
وفيه(١) ، في سورة التحريم: عن الصادق ـ عليه السّلام ـ أنه قرأ: «جاهد الكفّار بالمنافقين».
قال: انّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يقاتل منافقا قط، إنّما كان يتألّفهم.
وفي أمالي شيخ الطائفة(٢) ـ قدس سره ـ بإسناده إلى ابن عبّاس قال: لـمـّـا نزلت( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) قال: النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لأجاهدن(٣) العمالقة، يعني: الكفّار والمنافقين.
فأتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وقال: أنت أو عليّ.
( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) : في ذلك، ولا تحابهم.
( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (٧٣): مصيرهم.
( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) :
وأظهروا الكفر بعد إظهار إسلامهم.
( وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) : من قتل الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي تفسير عليّ بن ابراهيم(٤) : نزلت في الّذين تحالفوا في الكعبة، أن لا يردّوا هذا الأمر في بني هاشم. فهي كلمة الكفر. ثمّ قعدوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله:( وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) .
قال في موضع آخر(٥) : فلما أطلع الله نبيّه وأخبره، حلفوا أنّهم لم يقولوا ذلك ولم يهموا به، حتّى أنزل الله ـ تعالى ـ( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ) (الآية).
وعن الصادق(٦) ـ عليه السّلام ـ: لـمـّـا أقام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يوم غدير خمّ، كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين، وهم أبو بكر، وعمر، وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة.
قال عمر: أما ترون عينيه، كانّها عينا مجنون، يعني: النبيّ ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) نفس المصدر ٥ / ٣١٩.
(٢) أمالي الطوسي ٢ / ١١٦.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأجاهد به.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠١.
(٥) نفس المصدر والمجلّد / ١٧٥ بتصرف في اللفظ.
(٦) نفس المصدر والمجلد / ٣٠١.
وآله ـ. السّاعة يقوم ويقول: قال لي ربيّ.
فلمّا قام، قال: يا أيها الناس، من أولى بكم من أنفسكم؟
قالوا: الله ورسوله.
قال: أللّهمّ، فاشهد.
ثمّ قال: ألا من كنت مولاه، فعليٌّ مولاه. وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين.
فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وأعلم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمقالة القوم.
فدعاهم وسألهم، فأنكروا وحلفوا. فأنزل الله( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ) .
وفي مجمع البيان(١) : نزلت في أهل العقبة. فإنّهم أضمروا أن يقتلوا(٢) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في عقبة حين مرجعهم من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع(٣) راحلته ثمّ ينخسوا به. فأطلعه الله على ذلك. وكان من جملة معجزاته. لأنه لا يمكن معرفة ذلك(٤) إلّا بوحي من الله. فبادر(٥) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في العقبة وحده(٦) وعمّار وحذيفة [معه](٧) ، أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها. وأمر النّاس كلّهم بسلوك بطن الوادي.
وكان الّذين همّوا بقتله اثني عشر رجلا أو خمسة عشر [رجلا على الخلاف فيه](٨) ، عرفهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وسمّاهم بأسمائهم.
قال: وقال الباقر(٩) ـ عليه السّلام ـ: ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب.
أقول: قد مضى بعض هذه القصّة عند تفسير( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) من المائدة، وعند تفسير( إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) من هذه السورة.
وفي تفسير العيّاشيّ(١٠) . عن جابر بن [أرقم، عن أخيه زيد بن](١١) أرقم قال: لـمـّـا أقام النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ بغدير خمّ وبلّغ فيه عن الله ـ عزّ وجلّ ـ
__________________
(١) المجمع ٣ / ٥١.
(٢) المصدر: «ائتمروا في أن يغتالوا» بدل «أضمروا أن يقتلوا».
(٣) الأتساع ـ جمع تسع ـ: حبل طويل تشدّ به الرّحال.
(٤) المصدر: معرفة مثل ذلك.
(٥) المصدر: فسار.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) من المصدر.
(٨) من المصدر.(٩) المجمع ٣ / ٥١.
(١٠) تفسير العياشي ٢ / ٩٨ ـ ٩٩، ضمن ح ٨٩. (١١) ليس في المصدر.
ما بلّغ ثمّ نزل، انصرفنا إلى رحالنا. وكان إلى جانب الخباء النّفر(١) من قريش، وهم ثلاثة، ومعي(٢) حذيفة بن اليمان(٣) .
فسمعنا أحد الثّلاثة وهو يقول: والله، انّ محمدا لأحمق ان كان يرى أنّ الأمر يستقيم لعلي من بعده.
وقال آخر: أتجعله أحمق، ألم تعلم أنّه مجنون قد كاد أن يصرع(٤) عند امرأة ابن أبي كبشة؟
وقال الثّالث: دعواه إن [شاء أن يكون أحمق وإن](٥) شاء أن يكون مجنونا. والله، ما يكون ما يقول أبدا.
فغضب حذيفة من مقالتهم، فرفع جانب الخباء، فأدخل رأسه إليهم وقال: فعلتموها ورسول الله بين أظهركم ووحي الله ينزل إليكم. والله، لأخبرنه(٦) بكرة بمقالتكم.
فقالوا له: يا أبا عبد الله، وإنّك لها هنا وقد سمعت ما قلنا؟ أكتم علينا. فانّ لكلّ جوار أمانة.
فقال لهم: ما هذا من جوار الأمانة، ولا من مجالسها: ما نصحت الله ورسوله إن أنا طويت عند هذا الحديث.
فقالوا: يا أبا عبد الله، فاصنع ما شئت. فو الله، لنحلفنّ إنا لم نقل وانّك قد كذبت علينا. أفتراه يصدقك ويكذبنا ونحن ثلاثة؟
فقال لهم: أما أنا، فلا أبالي إذا ادّيت النّصيحة إلى الله وإلى رسوله. فقولوا ما شئتم أن تقولوا.
ثم مضى حتى أتى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ ـ عليه السّلام ـ إلى
__________________
(١) المصدر: وكان إلى جانب خبائى خباء النفر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «نفر ومعهم» بدل «ومعي».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «اليماني» بدل «بن اليمان».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان أنّه يصرع.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأخبر.
جانبه محتب(١) بحمائل سيفه(٢) . فأخبره بمقالة القوم. فبعث إليهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأتوه.
فقال لهم: ما ذا قلتم؟
فقالوا: والله، ما قلنا شيئا. فإن كنت أبلغت عنّا شيئا، فمكذوب(٣) علينا.
فهبط جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بهذه الآية «يحلفون ـ إلى قوله ـ بعد إسلامهم».
وقال [عليّ](٤) ـ عليه السّلام ـ عند ذلك: ليقولوا ما شاءوا، والله، إنّ قلبي بين أضلاعي وإن سيفي لفي عنقي، ولإن همّوا، لأهمنّ.
فقال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اصبر للأمر(٥) الّذي هو كائن.
فأخبر النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ بما أخبره به جبرئيل.
فقال: إذا أصبر للمقادير.
عن جعفر بن محمّد الخزاعيّ(٦) ، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لـمـّـا قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما قال في غدير خم وصار بالأخبية(٧) ، مرّ المقداد بجماعة منهم يقولون: إذا دنا موته وفنيت أيّامه وحضر أجله، أراد أن يولّينا عليّا من بعده.
أما والله، ليعلمنّ.
قال: فمضى المقداد وأخبر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ به.
فقال: الصّلاة جامعة.
فقالوا: قد رمانا المقداد، فقوموا نحلف عليه.
قال: فجاءوا حتى جثوا بين يديه، فقالوا: بآبائنا وأمّهاتنا يا رسول الله، والذي(٨) بعثك بالحقّ والّذي أكرمك بالنّبوة، ما قلنا ما بلغك والذي(٩) اصطفاك على
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «جانب المخباء» بدل «جانب محتب».
(٢) ليس في أ، ب: بحمائل سيفه.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فكذوب.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أخبر الأمر» بدل «اصبر للأمر».
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٩٩ ـ ١٠٠، ح ٩٠، لخص المؤلف الخبر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالأخبتية.
(١ و ٩) ـ المصدر: لا والّذي.
البشر.
قال: فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بسم الله الرّحمن الرّحيم( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا ) بك، يا محمّد، ليلة العقبة.
( وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) .
كان أحدهم يبيع الرّؤوس وآخر يبيع الكراع ويفتل القرامل(١) ، فأغناهم الله برسوله. ثمّ [جعلوا](٢) حدّهم وحديدهم عليه.
قال أبان بن تغلب(٣) [عنه](٤) : لـمـّـا نصب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ يوم غدير خم فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، قال رجلان من قريش وسمّاهما: والله، لا نسلّم له ما قال أبدا.
فأخبر النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فسألهما عمّا قالا، فكذبا وحلفا بالله ما قالا شيئا.
فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ) (الآية).
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لقد تولّيا وماتا(٥) .
( وَما نَقَمُوا ) : وما أنكروا. أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم.
( إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) .
قد مرّ تفسيره في ذيل الحديث السابق.
والاستثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل، أو العلل.
( فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ) .
الضّمير في «يك» للتّوب.
( وَإِنْ يَتَوَلَّوْا ) : بالإصرار على النّفاق.
( يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) : بالقتل والنّار.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقتل القوامل.
والقرامل: ما تسدّ المرأة في شعرها من الخيوط.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٠، ح ٩١.
(٤) من المصدر ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٥) المصدر: ما تابا.
( وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (٧٤): فينجيهم من العذاب.
( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (٧٥).
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: هو ثعلبة من حاطب(٢) بن عمرو بن عوف، كان محتاجا، فعاهد الله ـ عزّ وجلّ ـ. فلمّا آتاه، بخل به.
وفي الجوامع(٣) : هو ثعلبة بن حاطب. قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا.
فقال: يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه.
فقال: والّذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالا لأعطين كلّ ذي حقّ حقّه.
فدعا له، فاتّخذ غنما، فنمت، كما ينمي(٤) الدّود حتّى ضاقت بها المدينة.
فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة. فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إليه المصّدق، ليأخذ الصّدقة. فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلّا أخت الجزية.
فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا ويح ثعلبة.
وفي مجمع البيان(٥) ، روي ذلك مرفوعا.
( فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ) : منعوا حقّ الله منه.
( وَتَوَلَّوْا ) : عن طاعة الله.
( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (٧٦): وهم قوم عادتهم الإعراض عنها.
( فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ) ، أي: فجعل الله عاقبا فعلهم ذلك نفاقا وسوء اعتقاد في قلوبهم.
ويجوز أن يكون الضمير للبخل. والمعنى: فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم.
( إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) : يلقون الله بالموت. أو يلقون عملهم، أي: جزاءه، وهو يوم القيامة.
وفي كتاب التّوحيد(٦) . عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠١ ـ ٣٠٢.
(٢) كما في جامع الرواة ١ / ١٤٠، وفي المصدر: ثعلبة بن خاطب.
(٣) الجوامع / ١٨٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثمّ.
(٥) المجمع ٣ / ٥٣.
(٦) التوحيد / ٢٦٧.
وقد سأله رجل عما اشتبه عليه من الآيات: وذكره(١) المؤمنين( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) (٢) . وقوله لغيرهم:( إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ ) .
إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: فاللّقاء ها هنا، ليس بالرّؤية. واللّقاء: هو البعث.
فافهم جميع ما في كتاب الله من لقائه، فإنّه يعني بذلك: البعث.
( بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ ) : بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصديق والصلاح.
( وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) (٧٧): وبكونهم كاذبين فيه. فإنّ خلف الوعد متضمن للكذب، مستقبح من الوجهين. أو المقال مطلقا.
وقرئ(٣) : «يكذّبون» بالتشديد.
وفي كتاب الخصال(٤) : عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: أربع من كنّ فيه، فهو منافق. فان كانت فيه واحدة منهنّ، كان فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها، من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
وفي مجمع البيان(٥) : وقد صحّ في الحديث عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنه قال: للمنافق ثلاث علامات: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان.
( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) : أي: المنافقون. أو من عاهد الله.
وقرئ(٦) ، بالتّاء، على الالتفات.
( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ) : ما أسرّوه في أنفسهم من النّفاق، أو العزم على الأخلاف.
( وَنَجْواهُمْ ) : وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن. أو تسمية الزكاة: جزية.
( وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) (٧٨): فلا يخفى عليه ذلك.
( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ) ، أي: يعيبون.
ذمّ مرفوع، أو منصوب، أو بدل من الضّمير في «سرّهم».
__________________
(١) المصدر: ذكر الله.
(٢) البقرة / ٤٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٥.
(٤) الخصال / ٢٥٤، ح ١٢٩.
(٥) المجمع ٣ / ٥٤.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٥.
وقرئ(١) : «يلمزون» بالضّمّ.
( الْمُطَّوِّعِينَ ) : المتطوّعين.
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ) : إلّا طاقتهم، فيتصدّقون بالقليل.
وفي مجمع البيان(٢) : أنّه سئل، فقيل: يا رسول الله، أيّ الصدقة أفضل؟
قال: جهد المقلّ(٣) .
وقرئ(٤) : بالفتح. وهو مصدر جهد في الأمر، إذا بالغ فيه.
( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ) : يستهزئون بهم.
( سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ) : جازاهم على سخريتهم، كقوله: «الله يستهزئ بهم».
وفي عيون الأخبار(٥) ، بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن فضّال [عن أبيه](٦) عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنه قال في كلام طويل: إنّ الله ـ تعالى ـ لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه ـ تعالى ـ يجازيهم جزاء السّخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة. تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٧٩): على كفرهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : جاء سالم بن عمير الأنصاري بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، كنت ليلتي أجر(٨) الجرير، حتى عملت بصاعين من تمر. فأمّا إحداهما، فأمسكته. وأما الآخر، فأقرضته ربي.
فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن ينشره في الصدقات. فسخر منه المنافقون، فقالوا: والله، وإنّ الله لغنيّ عن هذا الصّاع. ما يصنع الله بصاعه شيئا. ولكن
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المجمع ٣ / ٥٥.
(٣) قال الجزريّ في النهاية: جهد المقل أي: قدر ما يحتمله حال القليل المال.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٥.
(٥) العيون ١ / ١٢٦، ذيل ح ١٩.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير القمي ١ / ٣٠٢ باختلاف في بعض الألفاظ.
(٨) قال الجزريّ في النهاية: وفي الحديث: أنّ رجلا كان يجرّ الجرير، فأصاب صاعين من تمر، فتصدّق بأحدهما، يريد: أنّه كان يستقي الماء بالحبل.
أبا عقيل أراد أن يذكر نفسه، ليعطي من الصّدقات. فنزلت.
وفي تفسير العياشي(١) : عن أبي الجارود، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ذهب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فآجر نفسه على أن يسقي كلّ دلو بتمرة يخيارها(٢) . فأتى به النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعبد الرّحمن بن عوف [على الباب](٣) . فلمزه، أي: وقع فيه. فأنزلت هذه الآية.
( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) : يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصّ عليه بقوله:( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) .
قيل(٤) : إنّ الوجه في تعليق الاستغفار(٥) بسبعين مرة، المبالغة لا العدد المخصوص.
ويجرى ذلك مجرى قول القائل: لو قلت لي ألف مرّة ما قبلت. والمراد: أني لا أقبل منك، فكذا الآية. المراد فيها: نفي الغفران جملة.
وما روي عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: «والله، لأزيدنّ على السّبعين»
فإنّه خبر واحد لا يعوّل عليه، ولا(٦) يتضمّن أنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يستغفر الكفّار، وذلك غير جائز بالإجماع.
وقد(٧) روي أنّه قال: لو علمت أنّه لو زدت على السبعين مرّة لغفر لهم، لفعلت.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : أنّها نزلت لـمـّـا رجع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى المدينة، ومرض عبد الله بن ابيّ، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا. فجاء إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأبوه يجود بنفسه.
فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إنّك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا.
فدخل عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمنافقون عنده.
فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، استغفر له.
فاستغفر له.
فقال عمر: ألم ينهك الله، يا رسول الله، أن تصلّي عليهم أو تستغفر لهم؟
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠١، ح ٩٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بخيارها.
(٣) من المصدر.
(٤) المجمع ٣ / ٥٥.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الاستثناء.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لأنّه» بدل «لا».
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «كذا ما» بدل «قد».
(٨) تفسير القمي ١ / ٣٠٢.
فأعرض عنه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فأعاد عليه.
فقال له: ويلك، إنّي خيّرت فاخترت. إنّ الله يقول:( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) .
فلما مات عبد الله، جاء ابنه إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، إن رأيت أن تحضر جنازته.
فحضر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقام على قبره.
فقال عمر: يا رسول الله، ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم [مات](١) أبدا وأن تقيم(٢) على قبره؟
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ويلك، وهل تدري ما قلت؟ إنّما قلت: أللّهمّ ، احش قبره نارا وجوفه [نارا](٣) . وأصله النّار.
فبدا من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما لم يكن يحبّ.
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) : إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منّا ولا قصور فيك، بل لعدم قابليّتهم بسبب الكفر الصّارف عنها.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) : (٨٠): المتمردين في كفرهم.
( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ ) : بقعودهم عن الغزو خلفه.
يقال: أقام خلاف الحيّ، أي بعدهم.
ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة، فيكون انتصابه على العلة أو الحال.
( وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) : إيثارا للدّعة، والخفض على طاعة الله. وفيه تعريض بالمؤمنين الّذين آثروا عليها تحصيل رضاه، ببذل الأموال والمهج.
( وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ) : قاله بعضهم لبعض. أو قالوا للمؤمنين، تثبيطا.
( قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ) : وقد آثرتموها بهذه المخالفة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: تقوم.
(٣) من المصدر.
( لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ) (٨١): أنّ مآبهم إليها. أو أنّها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدّعة على الطّاعة.
( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ) : إمّا على ظاهر الأمر، وإمّا إخبار عمّار يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة. أخرجه على صيغة الأمر، للدّلالة على أنّه حتم واجب.
ويجوز أن يكون الضّحك والبكاء كنايتين عن السّرور والغمّ. والمراد من القلّة: العدم.
وفي مجمع البيان(١) : وروى أنس بن مالك، عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا.
( جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٨٢): من الكفر والنّفاق والتخلّف.
( فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ) : فإن ردك إلى المدينة وفيها طائفة من المتخلّفين، يعني: منافقيهم. فإنّ كلّهم لم يكونوا منافقين. أو من بقي منهم. وكان المتخلّفون اثني عشر رجلا.
( فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ) : إلى غزوة أخرى بعد تبوك.
( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) : إخبار في معنى النّهي، للمبالغة.
( إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) : تعليل له. وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم في تخلّفهم. وأوّل مرة، هي الخرجة إلى غزوة تبوك.
( فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ) (٨٣)، أي: المتخلّفين لعدم لياقتهم للجهاد، كالنّساء والصّبيان.
وقرئ(٢) : «مع الخلفين» على قصر «الخالفين».
( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ) : بأن تدعو له وتستغفر.
( وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) : للدّعاء.
وفي مجمع البيان(٣) : فإنّه ـ عليه السّلام ـ كان إذا صلّى على ميّت، يقف على قبره ساعة ويدعو له. فنهاه الله عن الصلاة على المنافقين، والوقوف على قبرهم(٤) ،
__________________
(١) المجمع ٣ / ٥٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٦.
(٣) المجمع ٣ / ٥٧.
(٤) المصدر: قبورهم.
والدّعاء لهم. ثمّ بيّن سبب الأمرين [فقال:( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) (الآية)](١) .
( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ) (٨٤).
في تفسير العيّاشيّ(٢) : عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لابن عبد الله بن أبيّ: إذا فرغت من أبيك فأعلمني.
وكان قد توفي. فأتاه، فأعلمه. فأخذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نعليه للقيام.
فقال له عمر: أليس قد قال الله ـ تعالى ـ: «ولا تصلّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره»؟
فقال له: ويحك ـ أو ويلك ـ إنّما أقول: أللّهمّ ، املأ قبره نارا واملأ جوفه نارا وأصله يوم القيامة نارا.
عن حنان بن سدير(٣) ، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: توفي رجل من المنافقين. فأرسل [رسول الله](٤) إلى ابنه: أن إذا أردتم أن تخرجوا، فاحضروني. فلمّا حضر أمره، أرسلوا إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأقبل ـ صلّى الله عليه وآله ـ نحوهم، حتّى أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى.
فتصدى له عمر، ثمّ قال: أما نهاك ربّك عن هذا أن تصلي على أحد منهم مات أبدا أو تقوم على قبره؟
فلم يجبه النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر، أعاد عمر ما قاله أوّلا.
فقال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعمر عند ذلك: ما رأيتنا صلينا له(٥) على جنازة ولا قمنا له على قبر.
ثمّ قال: إن ابنه رجل من المؤمنين وكان يحقّ علينا أداء حقّه.
فقال عمر: أعوذ بالله من سخط الله وسخطك، يا رسول الله.
واعلم أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان حييا كريما، كما قال الله
__________________
(١) من المصدر.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١٠١، ح ٩٤.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ١٠٢، ح ٩٥.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: به.
ـ عزّ وجلّ ـ:( فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ ) (١) . فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممّن يظهر الإيمان. وكان يدعو على المنافقين ويوري(٢) أنه يدعوا لهم. وهذا معنى قوله لعمر: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة ولا قمنا له على قبر. وكذا معنى قوله في حديث عليّ بن إبراهيم: خيّرت فاخترت. فورّى ـ عليه السّلام ـ باختيار الاستغفار.
وأمّا قوله فيه: «فاستغفر له» فلعلّه استغفر لابنه لـمـّـا سأل لأبيه الاستغفار، وكان يعلم أنّه من أصحاب الجحيم. ويدلّ على ما قلناه قوله ـ عليه السّلام ـ: فبدا من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما لم يكن يحبّ.
هذا ان صحّ حديث عليّ بن إبراهيم، فإنّه لم يستند إلى المعصوم. والاعتماد على حديث العيّاشيّ هنا أكثر منه على حديث عليّ بن إبراهيم، لاستناده إلى قول المعصوم دونه. لأنّ سياق كلام عليّ بن إبراهيم تارة يدل على أنّه كان سبب نزول الآية قصّة ابن أبي، وأخرى يدلّ على أنّ نزولها قبل ذلك.
وفي الكافي(٣) : عن الصادق ـ عليه السّلام ـ: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يكبّر على قوم خمسا، وعلى قوم آخرين أربعا. فإذ كبّر على رجل أربعا، اتّهم، يعنى: بالنّفاق.
وفيه(٤) ، وفي تفسير العيّاشي(٥) : عنه ـ عليه السّلام ـ: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا صلّى على ميّت كبّر وتشهد، ثم كبّر وصلّى على الأنبياء [ودعا](٦) ، ثمّ كبّر ودعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرابعة ودعا للميت، ثمّ كبّر وانصرف. فلمّا نهاه الله ـ عزّ وجلّ ـ عن الصلاة على المنافقين كبّر وتشهد، ثمّ كبر وصلّى على النبيين، ثمّ كبّر ودعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرّابعة وانصرف. ولم يدع للميت.
( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا ) :
__________________
(١) الأحزاب / ٣٥.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «المنافق ويدري» بدل «المنافقين ويوري» وورّيت الخبر تورية: إذا سترته وأظهرت غيره، حيث يكون للّفظ معنيان أحدهما أشيع من الآخر فتنطق به وتريد الخفيّ.
(٣) الكافي ٣ / ١٨١، ح ٢.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٢، ذيل ح ٩٦ ببعض الاختلاف.
(٦) من الكافي.
بما يلحقهم فيها من المصائب والغموم، وبما يشقّ عليهم إخراجها من الزكاة والإنفاق في سبيل الله.
( وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) (٨٥): تكرير للتّأكيد، والأمر حقيق به. فإنّ الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد والنّفوس، مغبوطة عليها.
ويجوز أن يكون هذه في فريق غير الأوّل.
وفي أصول(١) الكافي(٢) : أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي أميّة، يوسف بن ثابت، بن(٣) أبي سعيدة قال: دخل قوم على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقالوا لـمـّـا دخلوا عليه: إنّا أحببناكم لقرابتكم من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولما أوجب الله علينا من حقّكم. ما أحببناكم لدنيا نصيبها منكم، إلّا لوجه الله ـ تعالى ـ وللدّار الآخرة وليصلح امرؤ منا دينه.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: صدقتم [صدقتم، ثمّ قال](٤) من أحبّنا، كان معنا ـ أو قال: ـ جاء معنا يوم القيامة هكذا. ثمّ جمع بين السّبابتين.
ثمّ قال: والله، لو أنّ رجلا صام النّهار وقام اللّيل ثمّ لقي الله ـ عزّ وجلّ ـ بغير ولايتنا، أهل البيت، للقيه وهو عنه غير راض ـ أو قال: ـ ساخط عليه.
ثمّ قال: وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ* وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ، إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) (٥)
وهذا الخبر يدلّ بصريحه على كفر من أنكر الولاية، وإن أقرّ بما سواها وعبد ما عبد، كما قدّمنا لك بيانه مرارا.
( وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ) : من القرآن. ويجوز بها عن بعضها، كما في القرآن
__________________
(١) بل في روضة الكافي.
(٢) الكافي ٨ / ١٠٦ ـ ١٠٧، ح ٨٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «عن» بدل «بن».
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «وما منعهم أن تقبل منهم . وهم كافرون. (التوبة / ٥٤ ـ ٥٥) بدل وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: ولا تصلّ على أحد منهم . وهم كافرون (التوبة / ٨٤ ـ ٨٥)
والكتاب.
وقيل(١) : هي براءة(٢) ، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد.
( أَنْ آمِنُوا بِاللهِ ) : بأن آمنوا. ويجوز أن تكون «أن» المفسرة.
( وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) : ذو الفضل والسعة. من طال عليه، طولا.
( وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ) (٨٦): الّذين قعدوا لعذر.
( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ) : مع النّساء. جمع، خالفة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٣) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: النساء(٤) .
وقد يقال: الخالفة، للّذي لا خير فيه.
( وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) (٨٧): ما في الجهاد وموافقة الرّسول من السّعادة، وما في التّخلّف عنه من الشّقاوة.
( لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) ، أي: إن تخلّف هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهد من هو خير منهم.
( وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ) : منافع الدّارين، النصر والغنيمة في الدّنيا، والجنّة والكرامة في الآخرة.
وقيل(٥) : الحور، لقوله: «فيهنّ خيرات حسان». وهي جمع، خيرة. تخفيف، خيّرة.
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٨٨): الفائزون بالمطالب.
( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٨٩): بيان لما لهم من الخيرات الأخرويّة.
( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) قيل(٦) : يعني: أسدا وغطفان، استأذنوا في التّخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال.
وقيل(٧) : هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معكم، أغارت أعراب طيء
__________________
(١) الكشاف ٢ / ٢٠٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قراءة.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٣، ح ٩٧.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «مع نساء» بدل «النساء».
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٧.
(١ و ٧) ـ نفس المصدر والموضع.
على أهالينا ومواشينا.
و «المعذّر» إمّا من عذر في الأمر: إذا قصّر فيه، موهما أن له عذرا ولا عذر له. أو من اعتذر: إذا مهّد العذر. بإدغام التّاء في الذال، ونقل حركتها إلى العين. ويجوز في العربيّة(١) كسر العين لالتقاء السّاكنين، وضمّها للإتباع. لكن لم يقرأ بهما.
وقرأ(٢) يعقوب: «معذورون». من أعذر: إذا اجتهد في العذر.
وقرئ(٣) : «المعذّرون» بتشديد العين والذال، على أنه من تعذّر، بمعنى: اعتذر.
وهو لحن، إذ التّاء لا تدغم في العين.
وقد اختلف في أنّهم كانوا معتذرين بالتصنّع، أو بالصّحة. فيكون قوله:( وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) في غيرهم، وهم منافقوا الأعراب كذبوا الله ورسوله في ادّعاء الإيمان. وإن كانوا هم الأولين، فكذبهم بالاعتذار.
( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) : من الأعراب، أو المعذّرين. فإنّ منهم من اعتذر لكسله، لا للكفر.
( عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٩٠): بالقتل والنّار.
( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ) ، كالهرمى والزمنى.
وفي تفسير العيّاشيّ(٤) : عن عبد الرّحمن بن حرب قال: لـمـّـا أقبل النّاس مع أمير المؤمنين علّي ـ عليه السّلام ـ من صفّين، أقبلنا معه(٥) . حتّى إذا جزنا النخيلة ورأينا أبيات الكوفة، إذا شيخ جالس في ظلّ بيت وعلى وجهه أثر المرض. فأقبل إليه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ونحن معه حتّى سلّم عليه وسلّمنا معه، فردّ بنا حسنا(٦) . فقال له أمير المؤمنين: فهل شاهدت(٧) معنا غزانا(٨) هذه؟
فقال: لا. لقد أردتها، ولكن ما نزل في طلب حتّى(٩) الحمى خذلتني(١٠) عنها.
__________________
(١) ليس في المصدر: في العربيّة.
(١ و ٣) ـ نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٣ ـ ١٠٤، مقاطع من ح ٩٩.
(٥) المصدر: أقبلنا معه فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه حتّى الخ.
(٦) المصدر: فرد ردّا.
(٧) المصدر: شهدت.
(٨) المصدر: غزاتنا.
(٩) المصدر: «ولكن ما ترى من لجب» بدل «ولكن ما نزل في طلب حتّى».
(١٠) المصدر: خذلني.
فقال أمير المؤمنين:( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ) (إلى آخر الآية)
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ) : لفقرهم، كجهينة ومزينة وبني عذرة.
( حَرَجٌ ) : إثم في التأخر.
( إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) : بالإيمان والطّاعة في السّر والعلانية، كما يفعل الموالي النّاصح. أو بما قدروا عليه فعلا أو قولا، يعود على الإسلام والمسلمين بالصّلاح.
وفي كتاب الخصال(١) : عن تميم الدّارمي(٢) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من يضمن لي خمسا(٣) ، أضمن له الجنّة.
قال: وما هي، يا رسول الله؟
قال: النّصيحة لله ـ عزّ وجلّ ـ والنصيحة لرسوله، والنّصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله، والنصيحة لجماعة المسلمين.
( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) ، أي: ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل.
وإنّما وضع «المحسنين» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك.
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه(٤) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا. فأمّا التّائبون، فإن الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) .
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٩١): لهم. أو للمسيء، فكيف للمحسن.
( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) ، يعني: معك. عطف على «الضعفاء» أو على «المحسنين».
( قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) : حال من «الكاف» في «أتوك» بإضمار
__________________
(١) الخصال / ٢٩٤، ح ٦٠.
(٢) المصدر: تميم الداريّ.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ضمانا» بدل «خمسا».
(٤) الفقيه ٣ / ٣٧٦، ح ١٧٧٨.
«قد».
( تَوَلَّوْا ) : جواب «إذا».
( وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ ) : تسيل.
( مِنَ الدَّمْعِ ) : أي: دمعا. فإنّ «من» للبيان. وهي مع المجرور في محلّ النصب، على التّمييز. وهو أبلغ من: يفيض دمعها، لأنّه يدل على أنّ العين صارت دمعا فياضا.
( حَزَناً ) : نصب على العلّة. أو الحال. أو المصدر، لفعل دلّ عليه ما قبله.
( أَلَّا يَجِدُوا ) ، أي: لئلا يجدوا. متعلّق «بحَزَناً» أو «تفيض».
( ما يُنْفِقُونَ ) (٩٢): في مغزاهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الحلبيّ وزرارة، عن حمران ومحمّد بن مسلم(٢) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل. وفي آخره:( وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) (الآية).
قال: عبد الله بن يزيد(٣) [بن](٤) ورقاء الخزاعيّ أحدهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، في قصة غزوة تبوك. وجاء البكاؤون إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهم سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف، بن(٦) سالم بن عمير، قد شهد بدرا لا خلاف فيه. ومن بني واقف، هرمي(٧) بن عمير. ومن بني حارثة(٨) ، علية بن زيد. وهو الّذي تصدّق بعرضه، وذلك أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أمر بالصّدقة، فجعل النّاس يأتون بها.
فجاء علية، فقال: يا رسول الله، [والله](٩) ما عندي ما أتصدق به. وقد جعلت عرضي حلّا.
__________________
(١) تفسير العياشي ٢ / ١٠٥، ذيل ح ١٠٠.
(٢) المصدر: [عن الحلبي] عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم.
(٣) في حاشية نور الثقلين ٣ / ٢٥٣: كذا في النسخ، لكنّ الصحيح «بديل» بدل «يزيد» ويمكن التصحيف أيضا.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩٣.
(٦) ليس في المصدر: بن.
(٧) بعض نسخ المصدر: هدمي.
(٨) المصدر: بني جارية.
(٩) من المصدر.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قد قبل الله صدقتك.
ومن بني مازن بن النّجار، أبو ليلى، عبد الرّحمن بن كعب. ومن بني سلمة، عمرو بن غنيمة(١) . ومن بني زريق، مسلمة بن صخر(٢) . ومن بني المعز، ماضرة بن سارية السّلميّ، هؤلاء جاءوا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يبكون. فقالوا: يا رسول الله، ليس بنا قوة أن نخرج معك.
فأنزل الله ـ تعالى ـ فيهم( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ـ إلى قوله ـأَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ) .
قال: وإنّما سأل هؤلاء البكّاؤون نعلا(٣) يلبسونها.
وقيل(٤) : هم بنو مقرن، معقل وسويد ونعمان.
وقيل(٥) : أبو موسى وأصحابه.
( إِنَّمَا السَّبِيلُ ) : بالمعاتبة.
( عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ) : واجدون للأهبة.
( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ) : استئناف لبيان ما هو السّبب، لاستئذانهم من غير عذر. وهو رضاهم بالدّناءة والانتظام في جملة الخوالف، إيثارا للدّعة.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : و(٧) المستأذنون ثمانون رجلا من قبائل شتّى.
و «الخوالف» النّساء.
( وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) : حتّى غفلوا عن وخامة العاقبة.
( فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٩٣): مغبّته.
( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ ) : في التّخلّف.
( إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ) : من هذه السّفرة.
( قُلْ لا تَعْتَذِرُوا ) : بالمعاذير الكاذبة.
( لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ) : لم نصدقكم، لأنّه( قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ) : أعلمنا
__________________
(١) المصدر: عمرو بن غنمة.
(٢) المصدر: سلمة بن صخر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فلا» بدل «نعلا».
(١ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٢٨.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٩٣.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «النفرة» بدل «و».
بالوحي إلى نبيّه بعض أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشّرّ والفساد.
( وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) .
قيل(١) : أي: تتوبون عن الكفر(٢) أم تثبتون عليه. فكأنّه استتابه وإمهال للتّوبة.
( ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) ، أي: إليه. فوضع الوصف موضع الضّمير، للدّلالة على أنه مطلع على سرّهم وعلنهم، ولا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم.
( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٩٤): بالتّوبيخ والعقاب عليه.
( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ) : فلا تعاتبوهم.
( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ) : فلا توبّخوهم.
( إِنَّهُمْ رِجْسٌ ) : لا ينفع فيهم التّأنيب. فإنّ المقصود منه: التّطهير، بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاس لا تقبل التّطهير. فهو علّة الإعراض، وترك المعاتبة.
( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) : من تمام التّعليل، كأنّه قال: إنّهم أرجاس من أهل النّار، لا ينفع فيهم التّوبيخ في الدّنيا والآخرة. أو تعليل ثان، والمعنى: أنّ النّار كفتهم عتابا، فلا تتكلّفوا عتابهم.
( جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٩٥): يجوز أن يكون مصدرا، وأن يكون علّة.
( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) : بحلفهم، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم.
( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) (٩٦)، أي: فإنّ رضاكم لا يستلزم رضا الله، ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، وإن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله، فلا يهتك سترهم ولا ينزل الهوان بهم.
والمقصود من الآية: النهي عن الرّضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم.
وفي مجمع البيان(٣) : عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ [أنه قال](٤) من التمس رضا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٨.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أتبنون على الكفر.
(٣) المجمع ٣ / ٦١.
(٤) من المصدر.
الله بسخط النّاس، رضي الله عنه وأرضى عنه النّاس. ومن التمس رضا النّاس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه النّاس.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : لـمـّـا قدم النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ من تبوك، كان أصحابه المؤمنون يتعرّضون للمنافقين ويؤذونهم. وكانوا يحلفون لهم أنهم على الحقّ وليس هم بمنافقين، لكي يعرضوا عنهم ويرضوا عنهم. فأنزل الله( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ) (الآية).
( الْأَعْرابُ ) : أهل البدو.
( أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ) : من أهل الحضر. لتوحشهم، وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وقلّة استماعهم للكتاب والسنّة.
( وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا ) : وأحقّ بإن لا يعلموا.
( حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) : من الشرائع، فرائضها وسننها.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : يعلم كلّ واحد من أهل الوبر والمدر.
( حَكِيمٌ ) (٩٧): فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم، عقابا وثوابا.
وفي روضة الكافي(٢) : سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة(٣) ، عن إسحاق بن عمّار أو غيره قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: نحن بنو هاشم، وشيعتنا العرب، وسائر النّاس الأعراب.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن محمد بن عبد الرّحمن(٥) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: تفقّهوا في الدّين. فإنه من لم يتفقه منكم في الدّين، فهو أعرابيّ. إنّ الله يقول في كتابه(٦) :( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
الحسين بن محمّد(٧) ، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الرّبيع، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: عليكم بالتفقه في الدّين، ولا تكونوا
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٢ ـ ٣٠٣.
(٢) الكافي ٨ / ١٦٦، ح ١٨٣.
(٣) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٤٧٦. وفي النسخ: عبد الرحمن بن جبلة.
(٤) الكافي ١ / ٣١، ح ٦.
(٥) المصدر: «عبد الله» بدل «عبد الرحمن».
(٦) المصدر: [في كتابه].
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعرابيا.
أعرابا. فإنّه من لم يتفقّه في دين الله، لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا.
( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ ) : يصرفه في سبيل الله، ويتصدّق به.
( مَغْرَماً ) : غرامة وخسرانا. إذ لا يحتسبه [قربة](١) عند الله، ولا يرجو عليه ثوابه. وإنّما ينفق رياء، أو تقيّة.
( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ) : دوائر الزّمان ونوبه. لينقلب الأمر عليكم، فيتخلّص من الإنفاق.
( عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ) : اعتراض بالدّعاء عليهم بنحو ما يتربّصونه. أو الإخبار عن وقوع ما يتربّصون عليهم.
و «الدّائرة» في الأصل مصدر، أو اسم فاعل. من دار، يدور. سمّي بها عقبة الزّمان.
و «السّوء» بالفتح مصدر، أضيف إليه للمبالغة، كقولك: رجل صدق.
وقرئ(٢) : بضمّ السّين.
( وَاللهُ سَمِيعٌ ) : لما يقولون عند الإنفاق.
( عَلِيمٌ ) (٩٨): بما يضمرون.
( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ ) : سبب قربات. وهي ثاني مفعولي «يتّخذ». و «عند الله» صفتها، أو ظرف «ليتّخذ».
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ ) : أيثيبهم عليه؟
قال: نعم.
وفي رواية أخرى عنه(٤) : يثابون عليه؟
قال: نعم.
( وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ) : وسبب دعواته. لأنّه ـ عليه السّلام ـ كان يدعو للمتصدقين
__________________
(١) من أنوار التنزيل ١ / ٤٢٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٩.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ١٠٥، ح ١٠٢.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ١٠٣.
بالخير والبركة، ويستغفر لهم.
( أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ) : شهادة لهم من الله، بصحّة معتقدهم وتصديق لرجائهم.
على الاستئناف، مع حرف التّنبيه و «إنّ» المحققة للنسبة. والضّمير «لنفقتهم».
وقرأ(١) ورش: «قربة» بضمّ الرّاء.
( سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ ) : وعد لهم بإحاطة الرّحمة عليهم، والسّين لتحقيقه.
وقوله:( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٩٩): لتقريره.
وقيل(٢) : الأولى في أسد وغطفان وبني تميم. والثّانية في عبد الله ذي البجادين، وقومه.
( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ) قيل(٣) : هم الّذين صلوا إلى القبلتين. أو الّذين شهدوا بدرا. أو الذين اسلموا قبل الهجرة.
( وَالْأَنْصارِ ) .
وقرئ(٤) : بالرّفع، عطفا على «والسّابقون».
قيل(٥) : أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة، وأهل [بيعة](٦) العقبة الثانية [وكانوا](٧) سبعين، والّذين آمنوا حين تقدم عليهم أبو زرارة، مصعب بن عمير.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : هم النّقباء، و(٩) أبو ذر والمقداد وسلمان وعمّار، ومن آمن وصدّق وثبت على ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي نهج البلاغة(١٠) : قال ـ عليه السّلام ـ: لا يقع اسم الهجرة على أحد، إلّا بمعرفة الحجّة في الأرض. فمن عرفها وأقرّ بها، فهو مهاجر.
( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ) : اللّاحقون بالسّابقين من القبيلين. أو من اتّبعوهم بالإيمان والطّاعة إلى يوم القيامة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٢٩.
(٢) نفس المصدر والمجلّد / ٤٣٠.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(١ و ٥) ـ نفس المصدر والموضع.
(٦) من المصدر.
(٧) من المصدر.
(٨) تفسير القمي ١ / ٣٠٣.
(٩) ليس في المصدر: و.
(١٠) نهج البلاغة / ٢٨٠، ضمن خطبة ١٨٩.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: إنّ الإيمان(٢) درجات ومنازل، يتفاضل المؤمنون فيها عند الله؟
قال: نعم.
قلت: صفه لي، رحمك الله، حتى أفهمه.
قال: إنّ الله سبق بين المؤمنين، كما يسبّق بين الخيل يوم الرهان(٣) ، ثمّ فضّلهم على درجاتهم في السّبق إليه. فجعل كلّ امرئ منهم على درجة سبقه لا ينقصه فيها حقّه، ولا يتقدّم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الأمة وأواخرها.
و [لو](٤) لم يكن للسّابق إلى الإيمان فضل على المسبوق، إذا للحق آخر(٥) هذه الأمة أوّلها.
نعم، ولتقدّموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الإيمان الفضل على من أبطأ عنه. ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السّابقين، وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المقصرين. لأنّا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر عملا من الأولين، وأكثرهم صلاة وصوما وحجّا وزكاة وجهادا وإنفاقا. ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند الله، لكان الآخرون بكثرة(٦) العمل مقدّمين على الأولين. ولكن أبى الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يدرك آخر درجات الإيمان أوّلها، ويقدّم فيها من أخر الله أو يؤخّر فيها من قدّم الله.
قلت: أخبرني عمّا ندب الله ـ عزّ وجلّ ـ المؤمنين عليه من الاستباق إلى الإيمان.
فقال: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ـ إلى قوله ـوَرَضُوا عَنْهُ ) . فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم، ثم ثنّى بالأنصار، ثم ثلث بالتّابعين لهم بإحسان. فوضع كلّ قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلالي: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٠ ـ ٤١، صدر ح ١.
(٢) المصدر: للايمان.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يوم البرهان.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «الحق أواخر» بدل «للحق آخر».
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يكثرون.
(٧) كمال الدين / ٢٧٦.
المسجد أيّام خلافة عثمان: فأنشدكم الله، أتعلمون حيث نزلت( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) و( السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (١) ، سئل عنها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: أنزلها الله ـ تعالى ـ في الأنبياء وأوصيائهم. فأنا أفضل أنبياء الله ورسوله، وعليّ بن أبي طالب [وصييّ](٢) أفضل الأوصياء؟
قالوا: أللّهمّ، نعم.
وفي روضة الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: خرجت أنا وأبي، حتّى إذا كنّا بين القبر والمنبر إذا هو بإناس من الشّيعة. فسلّم عليهم، ثمّ قال: إني والله، لأحبّ رياحكم وأرواحكم. فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد، واعلموا أنّ ولايتنا لا تنال إلّا بالورع والاجتهاد. ومن ائتمّ منكم بعبد، فليعمل بعمله. أنتم شيعة الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السّابقون الأوّلون والسّابقون الآخرون والسّابقون في الدّنيا والسّابقون في الآخرة إلى الجنة.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٤) : واختلف في أوّل من أسلم من المهاجرين، فقيل: أوّل من أسلم(٥) خديجة بنت خويلد، ثمّ عليّ بن أبي طالب. وهو قول ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وأنس، وزيد بن أرقم، ومجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، وغيرهم.
قال أنس: بعث النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم الاثنين، صلّى عليّ وأسلم يوم الثّلاثاء.
وقال مجاهد وابن إسحاق: إنّه اسلم وهو ابن عشر سنين. وكان مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. أخذه من أبي طالب، وضمه إلى نفسه يربيه في حجره. وكان معه، حتّى بعث نبيا.
وروي(٦) أنّ أبا طالب قال لعليّ: أي بنيّ، ما هذا الدّين الذي آمنت(٧) عليه؟
قال: يا أبة، آمنت بالله وبرسوله وصدّقته فيما جاء به وصليت معه لله.
__________________
(١) الواقعة / ١٠.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٨ / ٢١٢ ـ ٢١٣، صدر ح ٢٥٩.
(٤) المجمع ٣ / ٦٥.
(٥) المصدر: آمن.
(٦) المجمع ٣ / ٦٥.
(٧) المصدر، ر: «أنت» بدل «آمنت».
فقال له: إنّ محمّدا لا يدعو إلّا إلى خير، فالزمه.
وروى(١) عبد الله بن موسى، عن العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمر، عن عبّاد بن عبد الله قال: سمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصّديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب مفتر. صليت قبل النّاس بسبع سنين.
وفي مسند السّيد(٢) ، أبي طالب الهرويّ، مرفوعا إلى أبي أيّوب: عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: صلّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين، وذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري وغيره.
وروى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ(٣) ، بإسناده مرفوعا إلى عبد الرحمن بن عوف، في قوله ـ سبحانه ـ:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) .
قال: هم عشرة من قريش، أوّلهم إسلاما علي بن أبي طالب.
( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) : بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم.
( وَرَضُوا عَنْهُ ) : بما نالوا منه من النّعمة الدينيّة والدّنيويّة.
( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ) .
وقرأ(٤) ابن كثير: «من تحتها»، كما هو في سائر المواضع.
( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١٠٠): البالغ في العظمة حدّ الأعظم منه.
( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ) ، أي: ممّن حول بلدتكم، يعني: المدينة.
( مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ) .
قيل(٥) : وهم جهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار. كانوا نازلين حولهم.
( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) : عطف على «ممّن حولكم». أو خبر لمحذوف، صفته قوله:( مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ) .
ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه قوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثّنايا |
متى أضع العمامة تعرفوني |
__________________
(١ و ٢) ـ نفس المصدر والموضع.
(٣) المجمع ٣ / ٦٥.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٠.
وعلى الأوّل صفة «للمنافقين»، فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر. أو كلام مبتدأ لبيان تمرّنهم وتمهرهم في النّفاق.
( لا تَعْلَمُهُمْ ) : لا تعرفهم بأعيانهم. وهو تقرير لمهارتهم فيه وتنوّقهم في تحامي مواقع التّهم، إلى حد اخفي عليك حالهم مع كمال فطنتك وصدق فراستك.
( نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) : نطلع على أسرارهم. إن قدروا أن يلبسوا عليك، لم يقدروا أن يلبسوا علينا.
( سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ) .
قيل(١) : بالفضيحة والقتل. أو بأحدهما وعذاب القبر. أو بأخذ الزّكاة ونهك الأبدان.
وفي الجوامع(٢) : ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، وعذاب القبر.
( ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) (١٠١): إلى عذاب النّار.
( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) : ولم يعتذروا من تخلّفهم بالمعاذير الكاذبة.
قيل(٣) : وهم طائفة من المتخلّفين، أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لـمـّـا بلغهم ما نزل في المتخلّفين.
وقدم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فدخل المسجد على عادته، فصلّى ركعتين، فرآهم، وسأل عنهم. وذكر له، أنهم أقسموا، أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى تحلّهم. فقال: وأنا أقسم ألّا أحلّهم حتّى أؤمر فيهم. فنزلت، فأطلقهم.
( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) : خلطوا العمل الصالح الذي هو اظهار النّدم والاعتراف بالذّنب، باخر سيء هو التخلّف وموافقة أهل النّفاق.
و «الواو» إمّا بمعنى: الباء، كما في قولهم: بعت الشّاء شاة ودرهما. أو للدّلالة على أنّ كلّ واحد منهما مخلوط بالآخر.
( عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) : أن يقبل توبتهم. وهي مدلول عليها بقوله: «اعترفوا بذنوبهم».
( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١٠٢): يتجاوز عن التّائب، ويتفضّل عليه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٠.
(٢) الجوامع / ١٨٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٠.
وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن موسى بن بكر، عن رجل قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: الّذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، فأولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذّنوب الّتي يعيبها المؤمنون ويكرهونها. فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن محمّد بن خالد بن الحجّاج الكرخيّ، عن بعض أصحابه، رفعه إلى خيثمة قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله: [( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) والعسى من الله واجب. وإنّما نزلت في شيعتنا المذنبين.
عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٣) ، رفعه إلى الشيخ في قوله ـ تعالى ـ :](٤) «خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا».
قال: قال اجترحوا ذنوبا، مثل قتل حمزة وجعفر الطّيار ثمّ تابوا.
ثمّ قال: ومن قتل مؤمنا، لم يوفق للتوبة، إلّا أنّ الله لم يقطع طمع العباد ورجاءهم منه.
قال: وقال: هو أو غيره: إنّ «عسى» من الله واجب.
عن زرارة(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) .
قال: أولئك قوم مذنبون، يحدثون في إيمانهم من الذّنوب التي يعينها المؤمنون ويكرهونها. فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم.
عن زرارة(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: من وافقنا من علويّ أو غيره، توليناه. ومن خالفنا، برئنا منه من علويّ أو غيره.
يا زرارة، قول الله أصدق من قولك. إنّ الّذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا؟
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَآخَرُونَ ـ إلى قوله ـإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٠٨، ح ٢.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١٠٥، ح ١٠٥.
(٣) نفس المصدر والمجلد / ١٠٥ ـ ١٠٦، ح ١٠٦.
(٤) من المصدر.
(٥) نفس المصدر والمجلد / ١٠٦، ح ١٠٩.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١١٠.
(٧) تفسير القمي ١ / ٣٠٣ ـ ٣٠٤.
نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لما حاصر بني قريضة، قالوا له: إبعث إلينا أبا لبابة نستشره في أمرنا.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [يا أبا لبابة](١) إئت حلفاءك ومواليك.
فأتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة، ما ترى، أننزل على ما حكم به محمّد؟
فقال: أنزلوا، واعلموا أنّ حكمه فيكم هو الذبح ـ وأشار إلى حلقه ـ ثمّ ندم على ذلك.
فقال: خنت الله ورسوله.
ونزل من حصنهم، ولم يرجع إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ومرّ إلى المسجد وشدّ في عنقه حبلا، ثمَّ شده إلى الأسطوانة التي تسمى: أسطوانة التّوبة. وقال: لا أحلّة حتّى أموت أو يتوب الله عليّ.
فبلغ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك، فقال: أما لو أتانا، لاستغفرنا الله له.
فأمّا إذا قصد إلى ربّه، فالله أولى به.
وكان أبو لبابة يصوم النّهار، ويأكل بالليل ما يمسك به نفسه(٢) . فكانت بنته تأتيه بعشائه وتحله عند قضاء الحاجة. فلمّا كان بعد ذلك ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بيت أمّ سلمة، نزلت توبته.
فقال: يا أمّ سلمة، قد تاب الله على أبي لبابة.
فقالت: يا رسول الله، أفأؤذنه بذلك؟
فقال: لتفعلنّ.
فأخرجت رأسها من الحجرة، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك.
فقال: الحمد لله.
فوثب المسلمون ليحلّوه، فقال: لا والله، حتّى يحلني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فجاء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك توبة لو ولدت من أمّك [يومك](٣) هذا لكفاك.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: «رمقه» بدل «نفسه».
(٣) من المصدر.
فقال: يا رسول الله، أفأتصدّق بمالي كلّه؟
قال: لا.
قال: فبثلثيه؟
قال: لا.
قال: فبنصفه؟
قال: لا.
قال: فبثلثه؟
قال: نعم.
فأنزل الله( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ـ إلى قوله ـهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .
( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : نزلت حين أطلق أبو لبابة وضمن ماله للتصديق.
( تُطَهِّرُهُمْ ) : عن الذّنوب. أو حبّ المال المؤذي بهم إلى مثله.
وقرى(٢) : «تطهرهم». من أطهره، بمعنى: طهره. و «تطهّرهم» بالجزم، جوابا للأمر.
( وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) : وتنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين.
( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) : واعطف عليه بالدّعاء والاستغفار لهم.
( إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) : تسكن إليها نفوسهم وتطمئنّ بها قلوبهم. وجمعها، لتعدد المدعوّ لهم.
وقرأ(٣) حمزة والكسائي وحفص، بالتّوحيد.
( وَاللهُ سَمِيعٌ ) : باعترافهم.
( عَلِيمٌ ) (١٠٣): بندامتهم.
وفي مجمع البيان(٤) : عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنه كان إذا أتاه قوم
__________________
(١) نفس المصدر والموضع. والعبارة خلاصة من الحديث السابق. والظاهر أنّ المؤلف نقلها من تفسير الصافي ظنا بأنّها غير الحديث السابق.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٣١.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) المجمع ٣ / ٦٨.
بصدقتهم، قال: أللّهمّ، صلّ عليهم.
وفي تفسير العيّاشيّ(١) : عن الصادق ـ عليه السّلام ـ أنه سئل عن هذه الآية: أجارية هي في الإمام بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
قال: نعم.
وفي عوالي اللّئالي(٢) : وروي أن الثّلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك لـمـّـا نزل في حقهم( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) (الآية) وتاب الله عليهم، قالوا: خذ من(٣) أموالنا صدقة، يا رسول الله، وتصدق بها وطهّرنا من الذّنوب.
فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا.
فنزل( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) . [فأخذ](٤) منهم الزّكاة المقررة [شرعا](٥) .
وفي تفسير العيّاشي(٦) : [عن زرارة](٧) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) : أهو قوله:( وَآتُوا الزَّكاةَ ) ؟
قال: قال: الصّدقات في النّبات والحيوان. والزكاة في الذهب والفضّة، وزكاة الصّوم.
وفي أصول الكافي(٨) : حسين بن محمّد بن عامر، بإسناده رفعه قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: من زعم أنّ الإمام يحتاج إلى ما في أيدي النّاس، فهو كافر. إنّما النّاس يحتاجون أن يقبل منهم الإمام، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) .
محمد بن يحيى(٩) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّي لآخذ من أحدكم الدّرهم، وإني لأكثر أهل المدينة مالا. ما أريد بذلك، إلّا أن تطهروا.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٦، ح ١١١ بتصرف في صدره.
(٢) عوالي اللئالي ٢ / ٦٩، ح ١٧٨.
(٣) ليس في المصدر.
(١ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١٠٧، ح ١١٢.
(٧) من المصدر. وفي النسخ: «عن عليّ بن حنان الواسطي، من بعض أصحابنا». وهي نفس صدر الحديث الذي مرّ آنفا ويوجد في المصدر ٢ / ١٠٦، ح ١١١.
(٨) الكافي ١ / ٥٣٧، ح ١.
(٩) نفس المصدر والمجلّد / ٥٣٨، ح ٧.
وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لـمـّـا نزلت آية الزكاة( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) ، وأنزلت في شهر رمضان، فأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مناديه فنادى في النّاس: إن الله فرض عليكم الزكاة، كما فرض عليكم الصلاة. ففرض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليهم من الذّهب والفضّة، وفرض عليهم الصّدقة من الإبل والبقر والغنم ومن الحنطة والشّعير والتمر والزّبيب. فنادى بهم(٢) بذلك في شهر رمضان، وعفا لهم عمّا سوى ذلك.
قال: ثمّ لم يفرض بشيء من أموالهم حتّى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا وأفطروا. فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون، زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم.
ثمّ(٣) قال: ثمّ وجه عمّال الصدقة وعمّال الطّسوق(٤) .
( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) :
الضمير إمّا للمتوب عليهم، والمراد: إن يمكّن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم. أو لغيرهم، والمراد: بالتخصيص عليهما.
( أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) : إذا صحت. وتعديته «بعن»، لتضمنه معنى التّجاوز.
( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) : يقبلها قبول من يأخذ شيئا، ليؤدي بدله.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن حفص(٦) بن غياث النخعي قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: رجل يزداد في كلّ يوم إحسانا، ورجل يتدارك ذنبه بالتوبة. وأنى به بالتّوبة، والله، لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت.
عن أمير المؤمنين(٧) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: إذا ناولتم السّائل شيئا، فاسألوه أن يدعو لكم. فانه يجاب له فيكم ولا يجاب في نفسه، لأنّهم يكذبون. وليرد
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤٩٧، ح ٢.
(٢) المصدر: فيهم.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) الطسق: كفلس: الوظيفة من خراج الأرض المقررة عليها. فارسيّ معرب.
(٥) الخصال / ٤١، ح ٢٩.
(٦) أ، ب: «جعفر» بدل «حفص».
(٧) الخصال / ٦١٩.
الّذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يأخذها قبل أن تقع في يده، كما قال ـ عزّ وجلّ ـ:( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ ـ إلى قوله ـوَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) .
وفي كتاب التوحيد(١) ، بإسناده إلى سليمان بن مروان(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: والقبض منه ـ عزّ وجلّ ـ في وجه آخر الأخذ. والأخذ في وجه القبول منه، كما قال: «ويأخذ الصّدقات»، أي: يقبلها من أهلها، ويثيب عليها.
وفي كتاب ثواب الأعمال(٣) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: تصدّقت يوما بدينار.
فقال لي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أما علمت، يا عليّ، أنّ الصّدقة(٤) لا تخرج من يده حتّى تفك عنها من لحيي(٥) سبعين شيطانا كلّهم يأمره بإن لا يفعل. وما تقع في يد السّائل، حتّى تقع في يد الرّبّ ـ جلّ جلاله ـ. ثمّ تلا هذه الآية:( أَلَمْ يَعْلَمُوا ـ إلى قوله ـهُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .
وفي تهذيب الأحكام(٦) : محمّد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن سعدان بن مسلم، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله لم يخلق شيئا إلا وله خازن يخزنه، إلّا الصدقة فإنّ الرّب يليها بنفسه. وكان أبي إذا تصدق بشيء، وضعه في يد السّائل، ثمّ ارتدّه منه فقبّله وشمّه، ثمّ ردّه في يد السائل. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٧) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ، [، قال: ما من شيء الّا وكل به ملك الّا الصدقة فانّها تقع في يد الله.
عن أبي بكر(٨) عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه](٩) عن آبائه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خصلتان لا أحبّ أن يشاركني فيهما أحد: وضوئي، فانّه
__________________
(١) التوحيد / ١٦١ ـ ١٦٢، ح ضمن ح ٢.
(٢) المصدر: سليمان بن مهران.
(٣) ثواب الاعمال / ١٦٩ ـ ١٧٠، ح ١٢.
(٤) المصدر: صدقة المؤمن.
(٥) اللّحيان: العظمان اللّذان تنبت اللّحية على بشرتهما.
(٦) التهذيب ٤ / ١٠٥، ضمن ح ٣٠٠.
(٧) تفسير العياشي ٢ / ١٠٨، ح ١١٥.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١١٥.
(٩) من المصدر.
من صلاتي. وصدقتي من يدي إلى يد السّائل، فإنها تقع في يد الرّب.
عن محمّد بن مسلم(١) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ إذا أعطى السّائل، قبل يد السائل.
فقيل له: لم تفعل ذلك؟
قال: لأنّها تقع في يد الله قبل يد العبد.
وقال: ليس من شيء إلّا وكل به ملك، إلّا الصدقة فإنها تقع في يد الله.
قال الفضل: أظنّه يقبّل الخبز، أو الدرهم.
عن مالك بن عطيّة(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ: ضمنت على ربي أن الصدقة لا تقع في يد العبد، حتّى تقع في يد الرّب. وهو قوله:( هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) .
وفي الكافي(٣) : عن الصادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله يقول: ما من شيء إلّا وقد وكّل(٤) به من يقبضه غيري، إلّا الصّدقة فإنّي أتلقّفها بيدي تلقّفا. حتّى أنّ الرّجل ليتصدّق بالتّمرة أو بشقّ التّمرة، فأربيها له(٥) ، كما يربي الرّجل فلوه(٦) وفصيله(٧) . فيأتي يوم القيامة وهو، مثل احد وأعظم من احد.
( وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (١٠٤): فإن من شأنه قبول توبة التّائبين والتّفضل عليهم.
( وَقُلِ اعْمَلُوا ) : ما شئتم.
( فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ ) : فإنّه لا يخفى عليه، خيرا كان أو شرا.
( وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سئل
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ١١٧.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١١٨.
(٣) الكافي ٤ / ٤٧، ح ٦.
(٤) المصدر: وكلت.
(٥) المصدر: [له].
(٦) كذا في المصدر. وفي ب: فصله. وفي سائر النسخ: فضله.
والفلو، والفلوّ: الجحش أو المهر يفطم أو يبلغ السنة.
(٧) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن امّه.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٠٨، ح ١١٩.
عن الأعمال: هل تعرض على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟
فقال: ما فيه شكّ.
قيل: أرأيت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «وقل اعملوا» ما شئتم(١) ـ إلى قوله ـ «والمؤمنون».
قال: لله شهداء في أرضه(٢) .
عن أبي بصير(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أن أبا الخطّاب كان يقول: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تعرض عليه أعمال أمّته كلّ خميس.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هو هكذا. ولكنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تعرض عليه أعمال أمّته كلّ صباح ومساء(٤) أبرارها وفجارها، فاحذروا. وهو قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
عن زرارة(٥) ، عن بريد العجليّ قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
فقال: ما من مؤمن يموت ولا كافر يوضع في قبره، حتّى يعرض عمله على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ ـ عليه السّلام ـ فهلم إلى آخر من فرض الله طاعته على العباد.
وقال أبو عبد الله(٦) ـ عليه السّلام ـ: «والمؤمنون» هم الأئمة ـ عليهم السلام ـ.
عن محمّد بن مسلم(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) .
قال: إنّ لله شاهد في أرضه، وأنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
عن محمّد بن حسّان الكوفيّ(٨) ، عن محمّد بن جعفر، عن أبي عبد الله ـ عليه
__________________
(١) ليس في المصدر: ما شئتم.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الله شهد في أرضه.
(٣) تفسير العياشي ٢ / ١٠٩.
(٤) ليس في المصدر: مساء.
(٥) نفس المصدر والصفحة، ح ١٢٤.
وفيه: [عن زرارة] بدل «عن زرارة».
(٦) نفس المصدر والصفحة، ح ١٢٥.
(٧) نفس المصدر والصفحة، ح ١٢٦.
(٨) نفس المصدر والمجلّد / ١١٠، ح ١٢٧.
السّلام ـ قال: إذا كان يوم القيامة، نصب منبر عن يمين العرش له أربع وعشرون مرقاة.
ويجيء عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وبيده لواء الحمد، فيرتقيه ويركبه وتعرض(١) الخلائق عليه. فمن عرفه، دخل الجنّة. ومن أنكره، دخل النّار. وتفسير ذلك في كتاب( قُلِ اعْمَلُوا ـ إلى قوله ـوَالْمُؤْمِنُونَ ) .
[قال: هو، والله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ.](٢) .
وفي أمالي شيخ الطائفة(٣) ـ قدس سره ـ بإسناده إلى عمر بن أذينة قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقلت له: جعلت فداك، قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلِ اعْمَلُوا ـ إلى قوله ـوَالْمُؤْمِنُونَ ) .
قال: إيّانا عنى.
وفي أصول الكافي(٤) : أحمد، عن عبد العظيم، عن الحسين بن صباح(٥) ، عمّن أخبره قال: قرأ رجل عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ هذه الآية.
فقال: ليس هكذا هي. إنّما هي «والمأمونون». فنحن المأمونون.
محمّد بن يحيى(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: تعرض الأعمال على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أعمال العباد كلّ صباح، أبرارها وفجارها فاحذروه. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) وسكت.
عدة من أصحابنا(٧) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الحميد الطّائيّ، عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
قال: هم الأئمّة.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «يذكره ويعرض» بدل «يركبه وتعرض».
(٢) من المصدر.
(٣) أمالي الطوسي ٢ / ٢٣.
(٤) الكافي ١ / ٤٢٤، ح ٦٢.
(٥) المصدر: الحسين بن ميّاح.
(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٢١٩، ح ١.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ١.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: ما لكم تسوءون رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال له رجل: فكيف نسوؤه؟
فقال: أمّا تعلمون أنّ أعمالكم تعرض عليه؟ فإذا رأى فيها معصية، ساءه ذلك.
فلا تسوءوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وسرّوه.
عليّ(٢) ، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد الزّيات، عن عبد الله بن أبان الزّيات(٣) ، وكان مكينا عند الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قلت للرّضا ـ عليه السّلام ـ: ادع الله لي ولأهل بيتي.
فقال: أو لست أفعل؟ والله، إنّ أعمالكم لتعرض عليّ في كلّ يوم وليلة.
قال: فاستعظمت ذلك.
فقال: أما تقرأ كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ؟ قال: هو، والله، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ(٤) .
أحمد بن مهران(٥) ، عن محمّد بن عليّ، عن أبي عبد الله الصّامت، عن يحيى بن مساور، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه ذكر هذه الآية( فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) .
قال هو، والله، عليّ بن أبي طالب.
عدة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء قال: سمعت الرضا ـ عليه السّلام ـ يقول: انّ الأعمال تعرض على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أبرارها وفجّارها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: مقامي بين أظهركم
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٣.
(٢) الكافي ١ / ٢١٩ ـ ٢٢٠، ح ٤.
(٣) المصدر: «عن الزيات» بدل «الزيات».
(٤) يعني: عليّا وأولاده الائمة ـ عليهم السّلام ـ قاله الفيض في الوافي.
(٥) الكافي ١ / ٢٢٠، ح ٥.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٧) تفسير القمي ١ / ٢٧٧.
خير لكم، فإنّ الله يقول:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) (١) . ومفارقتي إياكم خير لكم.
فقالوا: يا رسول الله، مقامك بين أظهرنا خير لنا. فكيف يكون مفارقتك خير لنا؟
فقال: أمّا مفارقتي إيّاكم خير لكم، فلأنّه يعرض عليّ كلّ خميس واثنين أعمالكم. فما كان من حسنة، حمدت الله عليها. وما كان من سيّئة، استغفرت [الله](٢) لكم.
عن أبي عبد الله(٣) ـ عليه السّلام ـ: إنّ أعمال العباد تعرض على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كلّ صباح، أبرارها وفجّارها. فاحذروا، فليستحي(٤) أحدكم أن يعرض على نبيّه العمل القبيح.
وفي كتاب جعفر بن محمّد الدوريستي(٥) ، بإسناده إلى أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ: عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنه قال: تعرض أعمال أهل الدنيا على الله من الجمعة إلى الجمعة، في يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكلّ عبد مؤمن، إلّا عبدا كانت بينه وبين أخيه شحناء.
( وَسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) : بالموت.
( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١٠٥): بالمجازاة عليه.
( وَآخَرُونَ ) : من المتخلّفين.
( مُرْجَوْنَ ) : مؤخّرون، أي: موقوف أمرهم. من أرجأته: إذا أخرته.
وقرأ(٦) نافع وحمزة والكسائي وحفص: «مرجون» بالواو. وهما لغتان.
( لِأَمْرِ اللهِ ) : في شأنهم.
( إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ ) : إن أصروا على النّفاق.
( وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) : إن تابوا.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : بأحوالهم.
( حَكِيمٌ ) (١٠٦): فيما يفعل بهم.
__________________
(١) الانفال / ٣٣.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٠٤.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وليستحي.
(٥) نور الثقلين ٢ / ٢٦٤، ح ٣٣٢ عنه.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٣١.
وقرئ(١) : «والله غفور رحيم».
وفي كتاب معاني الأخبار(٢) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن حجر بن زائدة، عن حمران قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: «إلّا المستضعفين»(٣) .
قال: هم أهل الولاية.
قلت: وأيّ ولاية؟
قال: إنّها ليست بولاية في الدين، لكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة.
وهم ليسوا بالمؤمنين، ولا بالكفّار. وهم المرجون لأمر الله.
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن عمر بن أبان قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن المستضعفين.
فقال: هم أهل الولاية.
فقلت: أي ولاية؟
فقال: أما إنها ليست بالولاية في الدين، ولكنها الولاية في المناكحة والمخالطة والموارثة. وهم ليسوا بالمؤمنين، ولا بالكفّار. ومنهم المرجون لأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ ) .
قال: قوم كانوا مشركين، فقتلوا، مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين. ثمّ أنهم دخلوا في الإسلام، فوحّدوا الله وتركوا الشّرك. ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة. ولم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فتجب لهم النّار. فهم على تلك الحال( إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) .
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) المعاني / ٢٠٢، ح ٨.
(٣) النساء / ١٠٠.
(٤) الكافي ٢ / ٤٠٥، ح ٥.
(٥) نفس المصدر والمجلّد / ٤٧، ح ١.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن يحيى بن [أبي](٢) عمران، عن يونس، عن أبي الطّيّار قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: المرجون لأمر الله قوم كانوا مشركين، قتلوا حمزة. وذكر، كما قلنا عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ سواء.
وفي أصول الكافي(٣) : عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن حسّان، عن موسى بن بكر الواسطيّ، عن رجل قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: المرجون قوم مشركون، فقتلوا، مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين. ثمّ أنّهم بعد [ذلك](٤) دخلوا في الإسلام، فوحدوا [الله](٥) وتركوا الشّرك. ولم يكونوا يؤمنون، فيكونوا من المؤمنين. ثمّ أنهم لم يؤمنوا، فتجب لهم الجنّة. ولم يكفروا، فتجب لهم النّار. فهم في ذلك الحال مرجون لأمر الله.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله: [وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا](٧) ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ ) .
قال: هم قوم من المشركين أصابوا دماء من المسلمين، ثمّ أسلموا. فهم المرجون لأمر الله.
عن زرارة(٨) وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قالا: المرجون، هم قوم قاتلوا يوم بدر وأحد ويوم حنين وسلموا من(٩) المشركين، ثم أسلموا بعد تأخّره(١٠) . فإمّا يعذّبهم، وإمّا يتوب عليهم.
قال حمران(١١) : سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن المستضعفين.
قال: هم ليسوا بالمؤمن ولا بالكافر(١٢) ، وهم المرجون لأمر الله.
وعن ابن الطيّار(١٣) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: النّاس على ستّ فرق ،
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٤.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٤٠٧، ح ٢.
(١ و ٥) ـ من المصدر.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١١٠، ح ١٢٨.
(٧) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١٢٩.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «سألوا» بدل «سلموا من».
(١٠) المصدر: تأخّر. (١١) تفسير العياشي ٢ / ١١٠، ذيل ح ١٣٠.
(١٢) المصدر: بالمؤمنين ولا بالكفّار. (١٣) نفس المصدر والمجلد / ١١٠ ـ ١١١، ح ١٣١.
يؤولون إلى ثلاث فرق: الإيمان والكفر والضّلال. وهم أهل الوعد. الّذين وعدوا الجنّة والنّار. وهم المؤمنون، والكافرون، والمستضعفون، والمرجون لأمر الله إمّا يعذبهم وإمّا يتوب عليهم، والمعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأهل الأعراف.
عن الحارث(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قال: سألته: بين الإيمان والكفر منزلة؟
فقال: نعم. ومنازل لو يجحد شيئا منها، أكبه الله في النّار. بينهما آخرون مرجون لأمر الله. [وبينهما المستضعفون](٢) وبينهما آخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. وبينهما قوله:( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ ) (٣) .
عن زرارة(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: المرجون لأمر الله قوم كانوا مشركين، فقتلوا، مثل حمزة وجعفر وأشباههما(٥) . ثمّ دخلوا بعد في الإسلام، فوحدوا الله وتركوا الشّرك. ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة. ولم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فتجب لهم النّار. فهم على تلك الحال، إمّا يعذبهم وإمّا يتوب عليهم.
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ يرى فيهم رأيه(٦) .
قال: قلت: جعلت فداك، من أين يرزقون؟
قال: من حيث شاء الله.
وقال أبو إبراهيم ـ عليه السّلام ـ: هؤلاء يوقفهم حتّى يتبيّن(٧) فيهم [رأيه](٨) .
( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ) : عطف على( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ) . أو مبتدأ خبره محذوف، أي: وفيمن وصفنا «الذين اتخذوا». أو منصوب على الاختصاص.
وقرأ(٩) نافع وابن عامر، بغير واو.
في الجوامع(١٠) : روي إنّ بني عمرو بن عوف لـمـّـا بنوا مسجد قباء وصلّى فيه
__________________
(١) نفس المصدر والمجلّد / ١١١، ح ١١٣.
(٢) من المصدر.
(٣) الأعراف / ٤٦.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ١١١، ح ١٣٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أشباههم.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ترى فيهم راية.
(٧) المصدر: يرى.
(٨) من المصدر.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٣١.
(١٠) الجوامع / ١٨٦.
رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف، وقالوا: نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمّد. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وقالوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه.
فقال: إني على جناح سفر.
ولمّا انصرف من تبوك، نزلت. فأرسل من هدم المسجد وأحرقه، وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة.
( ضِراراً ) : مضارة للمؤمنين: أصحاب مسجد قباء.
( وَكُفْراً ) : وتقوية للكفر الّذي يضمرونه.
( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) : يريد الّذين كانوا يجتمعون للصّلاة في مسجد قباء، وأرادوا أن يتفرّقوا عنه وتختلف كلمتهم.
( وَإِرْصاداً ) : وإعدادا وترقّبا.
( لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ) ، يعني: أبا عامر الرّاهب.
قيل(١) : بنوه على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر، إذا قدم من الشّام «من قبل» متعلّق «بحارب». أو «باتّخذوا»، أي: اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتّخلّف.
وفي الجوامع(٢) : إنّه كان قد ترهب في الجاهلية، وليس المسوح. فلما قدم النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ المدينة، حسده وحزب عليه الأحزاب. ثمّ هرب بعد فتح مكّة، وخرج إلى الرّوم وتنصر. وكان هؤلاء يتوقعون رجوعه إليهم، وأعدّوا هذا المسجد له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وإنّه كان يقاتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في غزواته. إلى أن هرب إلى الشّام، ليأتي من قيصر بجنود. يحارب بهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومات بقنسرين(٣) وحيدا.
( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ) : ما أردنا بنيانه إلّا الخصلة الحسنى، أو الإرادة الحسنى. وهي الصّلاة والذّكر، والتّوسعة على المصلين.
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٣٧٥.
(٢) الجوامع / ١٨٦.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «بعترين» بدل «بقنسرين».
( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) (١٠٧): في حلفهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : كان سبب نزولها، أنّه جاء قوم من المنافقين إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالوا: يا رسول الله، أتأذن لنا أن نبي مسجدا في بني سالم للعليل والليلة المطيرة والشّيخ الفاني. فأذن لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو على الخروج إلى تبوك. فقالوا: يا رسول الله، لو أتيتنا فصلّيت فيه.
قال: أنا على جناح السفر. فإذا وافيت ان شاء الله، أتيته فصليت فيه.
فلما أقبل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من تبوك، نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد وأبي عامر الرّاهب. وقد كانوا حلفوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إنّهم يبنون ذلك للصّلاح والحسنى. فأنزل الله على رسوله( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ) (الآية). قال:( وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ) ، يعني: أبا عامر الرّاهب.
كان يأتيهم، فيذكر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأصحابه.
وفي تفسير الإمام(٢) ـ عليه السّلام ـ عند قوله:( لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا ) (٣) من سورة البقرة: أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل(٤) : وكانت تلك النّواحي له مملكة عظيمة(٥) مما يلي الشّام. وكان يهدّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بقصده وبقتل(٦) أصحابه. وكان أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ خائفين وجلين من قبله.
قال: ثمّ أنّ المنافقين اتفقوا وبايعوا لأبي عامر الرّاهب، الذي سماه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الفاسق. وجعلوه أميرا ونجعلوا(٧) له بالطاعة.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٥.
(٢) تفسير العسكري / ٤٨١ ببعض الاختلاف.
(٣) البقرة / ١٠٤.
(٤) دومة الجندل: حصن عادي بين المدينة والشام يقرب من تبوك، وهي أقرب إلى الشام وهي لفصل بين الشام والعراق، وهي احد حدود فدك. ويقال: إنّها تسمّى بالحوف.
قال الجوهريّ وأصحاب اللغة: يقولون بضم الدال وأصحاب الحديث يفتحونها.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وكان ملك النواحي له مملكة عظيمة».
(٦) المصدر: «بأن يقصده ويقتل» بدل «بقصده وبقتل».
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أسيرا ونخعوا» بدل «أميرا عليهم ونجعلوا».
فقال لهم: الرأي أن أغيب من المدينة، لئلّا اتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم.
وكانوا أكيدر صاحب دومة الجندل، ليقصد المدينة.
فأوحى الله ـ تعالى ـ إلى محمّد، وعرّفه ما أجمعوا عليه من أمره، وأمره بالمسير إلى تبوك.
وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كلّما أراد غزوا، ورّى بغيره. إلا غزاة تبوك، فإنّه أظهر ما كان يريده وأمرهم أن يتزودوا لها. وهي الغزاة الّتي افتضح فيها المنافقون، وذمّهم الله في تثبّطهم عنها. وأظهر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما أوحى الله ـ تعالى ـ إليه، أنّ الله سيظهره بأكيدر حتّى يأخذه ويصالحه على ألف أوقيّة ذهب في رجب، ومائتي حلّة وألف أوقية في صفر، [ومائتي حلّة](١) وينصرف سالما إلى ثمانين يوما.
فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة، وإني أعدكم ثمانين، أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب يكون ولا يشتاك أحد من المؤمنين.
فقال المنافقون: لا والله، ولكنها آخر كرّاته التي لا ينجبر بعدها. إنّ أصحابه ليموت بعضهم في هذه الحرب ورياح البوادي ومياه المواضع المؤذية الفاسدة، ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر وقتيل وجريح.
واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتل(٢) بالحرّ وبعضهم بمرض بجسده وبعضهم بمرض عياله. وكان يأذن لهم.
فلمّا أصبح وضحّ عزم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على الرّحلة إلى تبوك، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا وهو مسجد الضّرار. يريدون الاجتماع فيه، ويوهمون أنه للصّلاة. وإنما كان يجتمعون فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم ويقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون.
ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقالوا: يا رسول الله، إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك، فإنّا نكره الصلاة في غير جماعة ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجدا. فإن رأيت أن تقصده وتصلي فيه، لنتيمن ونتبرك بالصلاة في موضع
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقتل.
مصلاك.
فلم يعرفهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما عرفه الله ـ تعالى ـ من أمرهم ونفاقهم. وقال: ائتوني بحماري. فاتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم. فكلّما بعثه هو وأصحابه، لم ينبعث ولم يمش. فإذا صرف رأسه عنه إلى غيره، سار أحسن سيرة وأطيبه.
قالوا: لعلّ هذا الحمار قد رأى من الطريق شيئا كرهه، ولذلك لا ينبعث نحوه.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ائتوني بفرس. فركبه، فلمّا بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، وكلما حرّكوه نحوه، لم يتحرّك. حتى إذا فتلوا رأسه إلى غيره، سار أحسن سيره.
فقالوا: ولعلّ هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق.
فقال: تعالوا نمش إليه. فلمّا تعاطى هو ومن معه المشي نحو المسجد، جفوا في مواضعهم ولم يقدروا على الحركة. وإذا همّوا بغيره من المواضع، خفّت حركاتهم ونقيت أبدانهم وبسطت قلوبهم. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هذا أمر قد كرهه الله، وليس يريده الآن. وأنا على جناح سفر، فأمهلوني حتّى أرجع ـ إن شاء الله ـ. ثمّ أنظر في هذا نظرا يرضاه الله.
وجدّ في العزم على الخروج إلى تبوك، وعزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا. فأوحى الله ـ تعالى ـ إليه: يا محمّد، إنّ العليّ الأعلى يقرئك السّلام، ويقول: إمّا أن تخرج أنت ويقيم عليّ، وإمّا أن يخرج عليّ وتقيم أنت.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك لعليّ ـ عليه السّلام ـ.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: السّمع والطاعة لأمر الله وأمر رسوله. وإن كنت أحبّ أن لا أتخلّف عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حال من الأحوال.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي؟
قال: رضيت، يا رسول الله.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أبا الحسن، إنّ أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة. وإنّ الله قد جعلك أمّة وحدك، كما جعل إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أمّة، تمنع جماعة المنافقين والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين.
فلمّا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وشيّعه عليّ ـ عليه السّلام ـ، خاض
المنافقون وقالوا: إنّما خلّفه محمّد بالمدينة، لبغضه له وملاله منه، وما أراد بذلك إلّا أن يتنبّه المنافقون فيقتلوه.
فاتصل ذلك برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: أتسمع ما يقولون، يا رسول الله؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما يكفيك أنّك جلدة ما بين عينيّ، ونور بصري، وكالرّوح في بدني؟
ثمّ سار رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بأصحابه، وأقام عليّ ـ عليه السّلام ـ بالمدينة. فكان كلّما دبر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين، فزعوا من عليّ ـ عليه السّلام ـ وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك. وجعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرّة محمّد التي لا يؤوب منها.
ثمّ ذكر ـ عليه السّلام ـ قصّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مع أكيدر، وأخذه له، وصلحه معه ـ على ما مرّ ذكره ـ.
ثمّ قال: وعاد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ غانما ظافرا، وأبطل الله كيد المنافقين. وأمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بإحراق مسجد الضرار. فأنزل الله ـ تعالى ـ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ) (الآيات). أبا عامر الراهب كان عجل هذه الأمّة، كعجل قوم موسى. وأنه دمّر الله عليه، وأصابه بقولنج وبرص وفالج ولقوة. وبقي أربعين صباحا في أشدّ العذاب، ثمّ صار إلى عذاب الله.
( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) ، أي: لا تصلّ فيه أبدا. يقال: فلان يقوم باللّيل، أي: يصلي.
( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) : من أيام وجوده.
و «من» يعمّ الزّمان والمكان، كقوله :
لمن الدّيار بقنّة(١) الحجر |
أقوين من حجج ومن دهر |
وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن المسجد الّذي أسّس
__________________
(١) قنّة كلّ شيء: أعلاه.
(٢) الكافي ٣ / ٢٩٦، ح ٢.
على التقوى.
قال: مسجد قباء.
وفي تفسير العياشيّ(١) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ. عن قوله:( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) .
قال: مسجد قباء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، يعني: مسجد قباء.
أسسه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصلّى فيه أيّام مقامه بقباء.
قيل(٣) : من الاثنين إلى الجمعة.
وفسره(٤) بعضهم بمسجد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
لقول أبي سعيد(٥) : سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة. ولم يثبت رواية أبي سعيد.
( أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) : أولى أن تصلّي فيه.
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : قال: يعني: من مسجد النّفاق. وكان على طريقه رجل، إذا أتى مسجد قباء فيأمر(٧) فينضح بالماء والسّدر، ويرفع ثيابه عن ساقيه ويمشي على حجر في ناحية الطّريق ويسرع المشي، ويكره أن يصيب ثيابه منه شيء.
فسألته: هل كان النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يصلّي في مسجد قباء؟
قال: نعم.
( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) (١٠٨).
في تفسير العيّاشيّ(٨) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: هو الاستنجاء بالماء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : كانوا يتطّهرون بالماء.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١١١، ح ١٣٦.
(٢) تفسير القمي ١ / ٣٠٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٢.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) ب: أبي سعد.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١١١ ـ ١١٢، ضمن ح ١٣٦.
(٧) المصدر: «فقام» بدل «فيأمر».
(٨) نفس المصدر والمجلّد / ١١٢، ضمن ح ١٣٦.
(٩) تفسير القمي ١ / ٣٠٥.
وفي مجمع البيان(١) : قيل: يحبّون أن يتطهّروا بالماء من الغائط والبول. وهو المرويّ عن السّيدين الباقر والصّادق ـ عليهما السّلام ـ.
وروي(٢) عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنه قال لأهل قباء: ما ذا تفعلون في طهركم؟ فإن الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أحسن عليكم الثناء.
قالوا: نغسل أثر الغائط.
فقال: أنزل الله فيكم( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) .
( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ ) : بنيان دينه.
( عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ ) : على قاعدة محكمة، هي التقوى من الله وطلب مرضاته بالطّاعة.
( خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ) : على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلّها بقاء. وهو الباطل والنّفاق، الّذي مثله، مثل شفا جرف هار في قلّة.
الثّبات.
و «الشّفا» الشّفير. و «جرف الوادي» جانبه، الّذي ينحفر أصله بالماء وتجرفه السّيول. و «الهار» الهائر، الّذي أشفى على السّقوط والهدم.
( فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ) : لـمـّـا جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل، قيل(٣) : «فانهار به في نار جهنّم».
والمعنى: فهوى به الباطل في نار جهنّم، فكأنّ المبطل أسّس بنيانا على شفير جهنّم، فطاح به إلى قعرها.
وقرأ(٤) نافع وابن عامر: «اسّس» على البناء للمفعول.
وقرئ(٥) : «أساس بنيانه»، و «أسّ بنيانه» على الإضافة. و «أسس»، و «آساس»، و «إساس» بالكسر، وثلاثتها جمع، أسّ. و «تقوى» بالتّنوين، على أنّ الألف للإلحاق لا للتّأنيث، كتترى.
وقرأ(٦) ابن عامر وحمزة وأبو بكر: «جرف»: بالتّخفيف.
__________________
(١) المجمع ٣ / ٧٣.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير الصافي ٢ / ٣٧٩.
(١ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٣.
(٦) نفس المصدر والموضع.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: مسجد الضّرار، الّذي أسّس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم وفي مصباح الشّريعة(٢) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: وكلّ عبادة مؤسّسة على غير التّقوى(٣) فهي هباء منثورا. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ ) من الله(٤) ( خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ) (الآية).
وتفسير التقوى: ترك ما ليس بأخذه بأس(٥) ، حذرا عمّا به بأس.
( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (١٠٩): إلى ما فيه صلاح ونجاة.
وفي أمالي شيخ الطائفة(٦) ، بإسناده إلى خنيس بن معمّر(٧) قال: دخلت على أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. فقلت: السّلام عليك، يا أمير المؤمنين، ورحمة الله. كيف أمسيت؟
قال: أمسيت محبّا لمحبّنا ومبغضا لمبغضنا، [أمسى محبّنا مغتبطا](٨) برحمة من الله كان منتظرها(٩) . وأمسى عدوّنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم.
وبإسناده(١٠) إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ليس عبد من عباد الله ممّن امتحن الله قلبه بالإيمان، إلّا وهو يجد مودّتنا على قلبه، فهو محبّنا. وليس عبد من عباد الله ممّن سخط الله عليه، إلّا وهو يجد بغضنا على قلبه، فهو مبغضنا. فأصبح محبّنا ينتظر الرّحمة، وكأنّ أبواب الرّحمة قد فتحت له، وأصبح مبغضنا على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنّم فهنيّئا لأهل الرّحمة رحمتهم، وهنيئا(١١) لأهل النّار مثواهم.
وبإسناده(١٢) إلى صالح بن ميثم التمّار ـ رحمه الله ـ قال: وجدت في كتاب ميثم
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٥.
(٢) مصباح الشريعة / ٤٥٣ ـ ٤٥٤.
(٣) المصدر: كل عبادة غير مؤسسة على التقوى.
(٤) ليس في المصدر: من الله.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «يأخذه» بدل «يأخذه بأس».
(٦) أمالي الطوسي ١ / ١١٢.
(٧) المصدر: خنيس بن المعتمر.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: ينتظرها.
(١٠) أمالي الطوسي ١ / ٣٢.
(١١) المصدر: تعسا.
(١٢) أمالي الطوسي ١ / ١٤٧ ـ ١٤٨.
ـ رضي الله عنه ـ قال: تمسّينا ليلة عند أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
فقال لنا: ليس من عبد امتحن الله قلبه بالإيمان، إلّا أصبح يجد مودّتنا على قلبه. ولا أصبح عبد ممّن سخط الله عليه، إلّا يجد بغضنا على قلبه. فأصبحنا نفرح بحبّ المحبّ لنا، ونعرف بغض المبغض لنا. وأصبح محبنا مغتبطا بحبنا، برحمة من الله ينتظرها كلّ يوم. وأصبح مبغضنا يؤسّس بنيانه على شفا جرف هار، فكأنّ ذلك الشّفا قد انهار به في نار جهنّم، وكأنّ أبواب الرّحمة قد فتحت لأصحاب الرّحمة(١) . فهنيئا لأصحاب الرّحمة رحمتهم، وتعسا لأصحاب النّار مثواهم.
( لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ) : بناؤهم الّذي بنوه. مصدر، أريد به المفعول، وليس بجمع، ولذلك قد تدخله التّاء. ووصف بالمفرد، واخبر عنه بقوله:( رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) ، أي: شكّا ونفاقا.
والمعنى: أنّ بناءهم هذا لا يزال سبب شكّهم وتزايد نفاقهم، فإنّه حملهم على ذلك. ثمّ لما هدمه الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ رسخ ذلك في قلوبهم وازداد، بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم.
( إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ) : قطعا، بحيث لا يبقى لها قابليّة الإدراك والإضمار.
وهو في غاية المبالغة والاستثناء من أعمّ الأزمنة.
وقيل(٢) : المراد بالتقطع: ما هو كائن بالقتل، أو في القبر، أو في النّار.
وقيل(٣) : التّقطع بالتّوبة، ندما وأسفا.
وقرأ(٤) يعقوب: «إلى» بحرف الانتهاء. «وتقطّع»، بمعنى: تتقطّع. وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص.
وقرئ(٥) : «يقطع» بالياء. و «تقطع» بالتّخفيف. و «تقطع قلوبهم» على خطاب الرّسول، أو كلّ مخاطب. و «لو تقطعت» على البناء للفاعل أو المفعول.
وفي الجوامع(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنه قرأ: «إلى أن تقطّع».
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأهل اصحاب الرّحمة.
(٢ و ٣ و ٤) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٣.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) الجوامع / ١٨٧ بتصرّف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، يعني: حتّى ينقطع قلوبهم.
( وَاللهُ عَلِيمٌ ) : بنيّاتهم.
( حَكِيمٌ ) (١١٠): فيما أمر بهدم بنائهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مالك بن جشم(٣) الخزاعيّ وعامر بن عديّ، أخا بني عمرو بن عوف، على أن يهدموه ويحرقوه. فجاء مالك فقال لعامر: انتظرني حتّى اخرج نارا من منزلي. فدخل وجاء بنار وأشعل في سعف النّخل، ثمّ أشعله في المسجد فتفرّقوا. وقعد زيد بن حارثة حتّى احترقت البنية، ثمّ أمر بهدم حائطه.
وفي مجمع البيان(٤) : وروي أنّه أرسل عمّار بن ياسر ووحشيا، فحرقاه. وأمر بأن يتخذ كناسة يلقى فيه الزّبل و(٥) والجيف.
( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) : تمثيل لإثبات الله إيّاهم الجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله.
( يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) : استئناف ببيان ما لأجله الشّري.
وقيل(٦) : «يقاتلون» في معنى الأمر.
وقرأ(٧) حمزة والكسائي، بتقديم المبنيّ للمفعول. وقد عرفت أن الواو لا توجب التّرتيب، وأنّ فعل البعض قد يسند إلى الكلّ.
( وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ) : مصدر مؤكّد لما دلّ عليه الشّري، فإنّه في معنى: الوعد. أو فعله محذوف، أي: وعد ذلك على نفسه وعدا ثابتا.
( فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) : مذكورا فيهما، كما اثبت في القرآن.
( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ) : مبالغة في الإنجاز، وتقرير لكونه حقّا.
( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ) : فافرحوا به غاية الفرح. فإنّه أوجب لكم عظائم المطالب، كما قال:( وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)التَّائِبُونَ ) : رفع
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٥، بتصرّف في صدره.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) المصدر: الدجشم. ور: جثم. وأ، ب: خيثم.
(٤) المجمع ٣ / ٧٣.
(٥) المصدر: «فيها» بدل «فيه الزّبل و».
(١ و ٧) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٣.
على المدح، أي: هم التّائبون، والمراد بهم: المؤمنون المذكورون.
ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: التّائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا، لقوله:( وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) . أو خبره ما بعده، أي: التّائبون عن الكفر على الحقيقة، هم الجامعون لهذه الخصال.
وقرئ(١) ، بالياء، نصبا على المدح. أو جرّا، صفة للمؤمنين.
وفي قراءة الباقر والصّادق ـ عليهما السلام ـ: «التائبين ـ إلى قوله ـ والحافظين».
رواها في مجمع البيان(٢) عنهما ـ عليهما السّلام ـ.
وفي روضة الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [بن عليّ](٤) ، عن عليّ بن الحكم، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: تلوت «التائبون العابدون».
فقال: لا، اقرأ: «التّائبين العابدين» (إلى آخرها).
فسئل عن العلّة في ذلك.
فقال: اشترى من المؤمنين التّائبين العابدين.
( الْعابِدُونَ ) : الّذين عبدوا الله مخلصين له.
( الْحامِدُونَ ) : بنعمائه.
( السَّائِحُونَ ) : الصّائمون، لقوله ـ عليه السّلام ـ: سياحة أمّتي، الصّوم.
شبه بها، من حيث أنّه يعوق عن الشّهوات. أو لأنّه رياضة نفسانية، يتوصّل بها إلى الاطّلاع على خفايا الملك والملكوت. أو السائحون للجهاد، أو لطلب العلم.
( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) : في الصلاة.
( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) : بالإيمان والطّاعة.
( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) : عن الشرك والمعاصي.
قيل(٥) : العاطف فيه للدّلالة على أنّه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، كأنّه قال: الجامعون بين الوصفين.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٤.
(٢) المجمع ٣ / ٧٤.
(٣) الكافي ٨ / ٣٧٧ ـ ٣٧٨، ح ٥٦٩.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٤.
وفي قوله:( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ) ، أي: فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشّرائع. للتّنبيه على أنّ ما قبله مفصّل الفضائل، وهذا مجملها.
وقيل(١) : إنّه للإيذان بأنّ التعداد قد تمّ بالسّابع، من حيث أنّ السّبعة هو العدد التّام. والثّامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ولذلك سمي: واو الثّمانية.
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من أخذ سارقا فعفا عنه، فذاك له. فإن رفعه إلى الإمام، قطعه. فإن قال الّذي سرق منه: أنا أهب له، لم يدعه الإمام حتّى يقطعه إذا رفعه إليه، وإنما الهبة قبل أن يرفع إلى الإمام، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ) . فإنّ انتهى الحد إلى الإمام، فليس لأحد أن يتركه.
( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١١٢)، يعني به: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم، للتّنبيه على أنّ إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأنّ المؤمن الكامل من كان كذلك. وحذف المبشّر به، للتعظيم، كأنّه قيل: وبشّرهم بما يجلّ عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام.
وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابه قال: كتب أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ في رسالة إلى بعض خلفاء بني أميّة: ومن ذلك من ضيّع الجهاد الذي فضله الله ـ تعالى ـ على الأعمال وفضّل عامله على العمّال، تفضيلا في الدرجات والمغفرة والرّحمة. لأنّه ظهر به الدين، وبه يدفع عن الدّين، وبه اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنّة بيعا مفلحا منجحا، أشترط عليهم فيه حفظ الحدود. وأوّل ذلك الدّعاء إلى طاعة الله ـ عزّ وجلّ ـ من طاعة العباد، وإلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى ولاية الله من ولاية العباد. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: أخبرني عن الدّعاء إلى
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ٧ / ٢٥١، ح.
(٣) الكافي ٥ / ٣، صدر ح ٤.
(٤) الكافي ٥ / ١٣ ـ ١٥، صدر ح ١.
الله والجهاد في سبيل الله، أهو لقوم لا يحل إلّا لهم ولا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد الله ـ عزّ وجلّ ـ وآمن برسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ومن كان كذا، فله أن يدعو إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وإلى طاعته وأن يجاهد في سبيله؟
فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، ولا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.
قلت: من أولئك؟
قال: من قام بشرائط الله ـ تعالى ـ في القتال والجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدّعاء إلى الله. ومن لم يكن قائما بشرائط الله في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد ولا إلى(١) ولا الدّعاء إلى الله حتّى يحكّم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد.
قلت: فبيّن لي، يرحمك الله.
قال: الله ـ تبارك وتعالى ـ أخبر [نبيّه](٢) في كتابه الدّعاء إليه، ووصف الدّعاة إليه. فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضا، ويستدلّ ببعضها على بعض. فأخبر أنّه ـ تبارك وتعالى ـ أوّل من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتّباع أمره.
إلى قوله: ثمّ ذكر من أذن له في الدّعاء إليه بعده وبعد رسوله في كتابه، فقال:( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
ثمّ أخبر عن هذه الأمة وممّن هي، وأنها من ذرّيّة إبراهيم ومن ذرّيّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ، الّذين وجبت لهم دعوة إبراهيم وإسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمّة محمّد(٣) ، الّذين عناهم الله ـ تبارك وتعالى ـ في قوله:( أَدْعُوا إلى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ، يعني: أوّل من اتّبعه على الإيمان به والتصديق له بما جاء من عند الله ـ عزّ وجلّ ـ من أمّته التي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق، ممّن لم يشرك بالله قطّ ولم يلبس إيمانه(٤) بظلم وهو الشّرك.
__________________
(١) المصدر: «ولا» بدل «ولا إلى ولا».
(٢) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٣) بعض نسخ المصدر: «إبراهيم» بدل «محمد».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولم يلبسوا إيمانهم.
ثمّ ذكر أتباع نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأتباع هذه الأمة، الّتي وصفها بكتابه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلها داعية إليه وأذن لها في الدّعاء إليه، فقال:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .
ثمّ وصف أتباع نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ من المؤمنين فقال:( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ) (٢) . وقال: يوم لا يخزي الله النّبيّ والّذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم»(٣) يعني: أولئك المؤمنين. وقال:( أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) (٤) .
ثمّ حلاهم ووصفهم كيلا يطمع في اللّحاق بهم إلّا من كان منهم، فقال فيما حلالهم به ووصفهم:( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ـ إلى قوله ـأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٥) . وقال في صفتهم وحليتهم أيضا:( الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) (٦) .
ثمّ أخبر أنّه اشترى من هؤلاء المؤمنين ومن كان على مثل صفتهم( أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ) .
ثمّ ذكر وفاءهم له بعهده ومبايعته(٧) ، فقال:( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٨) .
فلما نزلت هذه الآية( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )
__________________
(١) الأنفال / ٦٤.
(٢) الفتح / ٢٩.
(٣) التحريم / ٨.
(٤) المؤمنون / ٢.
(٥) المؤمنون / ٣ ـ ١١.
(٦) الفرقان / ٦٨ ـ ٦٩.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثم ذكر وآفاهم (وأتاهم ـ خ ل) له بعده ومتابعته.
(٨) التوبة / ١١١.
قام رجل إلى النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا نبيّ الله، أرأيتك الرّجل يأخذ سيفه فيقاتل حتّى يقتل إلا أنّه يقترف من هذه المحارم، أشهيد هو؟
فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ على رسوله( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ) (١) (الآية). فبشر(٢) النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ المجاهدين من المؤمنين الّذين هذه صفتهم وحليتهم بالشّهادة والجنّة، وقال: «التّائبون» من الذنوب. [«العابدون»](٣) الّذين لا يعبدون إلّا الله ولا يشركون به شيئا. «الحامدون» الّذين يحمدون الله على كلّ حال في الشدّة والرّخاء.
و «السّائحون» الصّائمون.( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) الذين يواظبون على الصلوات الخمس، الحافظون لها والمحافظون عليها بركوعها وسجودها والخشوع فيها وفي أوقاتها.
( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) بعد ذلك، والعاملون به.( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) والمنتهون عنه.
قال: فبشّر من قتل وهو قائم بهذه الشّروط بالشّهادة والجنة.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لقي عبّاد البصريّ عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في طريق مكّة.
فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينته. إنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ـ إلى قوله ـهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . فقال له عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ: أتمّ الآية.
فقال:( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ـ إلى قوله ـوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
فقال عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحجّ.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد، عن ابن القداح، عن أبيه الميمون، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ كان إذا أراد القتال، قال هذه الدعوات: أللّهمّ، إنّك أعلمت(٦) سبيلا من سبلك، جعلت فيه
__________________
(١) التوبة / ١١٢.
(٢) المصدر: «ففسّر» بدل «فبشر».
(٣) من المصدر. (٤) الكافي ٥ / ٢٢، ح ١. (٥) الكافي ٥ / ٤٦، صدر ح ١.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعملت.
رضاك وندبت إليه أولياءك، وجعلته أشرف سبلك(١) عندك ثوابا وأكرمها لديك مآبا وأحبّها إليك مسلكا. ثمّ اشتريت فيه( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ) . فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه، ثمّ وفى لك ببيعه الّذي بايعك عليه، غير ناكث ولا ناقض عهدا ولا مبدّلا تبديلا.
والدّعاء طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: نزلت في الأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ.
حدثني أبي(٣) ، عن بعض رجاله قال: لقي الزّهريّ عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في طريق الحجّ.
فقال له: يا عليّ بن الحسين، تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينته. إن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
فقال عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: إنّما هم الأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ.
فقال:( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ ـ إلى قوله ـوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
فقال له عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحجّ.
وفيه(٤) ـ أيضا ـ: أنزلت في الأئمّة، لأنّه وصفهم بصفة لا تجوز في غيرهم.
فالآمرون بالمعروف هم الّذين يعرفون المعروف كلّه، صغيره وكبيره ودقيقه وجليله(٥) و( النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) هم الّذين يعرفون المنكر كلّه، صغيره وكبيره. و( الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ) هم الّذين يعرفون حدود الله، صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليلها(٦) . ولا يجوز أن يكون بهذه الصّفة غير الأئمّة.
وفي نهج البلاغة(٧) : إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّا الجنّة، فلا تبيعوها إلّا بها.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: سبيلك.
(٢) تفسير القمي ١ / ٣٠٦.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠٦ بتصرّف في صدره.
(٥) المصدر: جليّه.
(٦) المصدر: جليّها.
(٧) نهج البلاغة / ٥٥٦، ذيل حكمة ٤٥٦.
وفيه(١) : فلا أموال بذلتموها للّذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للّذي خلقها.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته(٣) أنّه سئل عن قول الله ـ تعالى ـ:( إِنَّ اللهَ اشْتَرى ) (الآية).
فقال: يعني: في الميثاق.
ثمّ قرأت عليه:( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ) .
فقال: لا، ولكن اقرأها: التائبين العابدين (إلى آخر الآية).
وقال: إذا رأيت هؤلاء، فعند ذلك هؤلاء اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، يعني: في الرّجعة.
( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ )
في مجمع البيان(٤) ، وفي تفسير الحسن: أنّ المسلمين قالوا للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ألا تستغفر لآبائنا الّذين ماتوا في الجاهلية؟
فأنزل الله هذه الآية.
( وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) (١١٣): بأن ماتوا على الكفر، أو بوحي من الله: أنّهم لن يؤمنوا.
وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم ما لم يعلم موتهم على الكفر، فإنّه طلب توفيقهم للإيمان.
وبه دفع النّقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر، سواء كان أباه الّذي ولده أو جده لأمّه أو عمّه، على ما رواه(٥) أصحابنا.
فقال:( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) : وعدها إبراهيم أباه بقوله: «لأستغفرنّ لك»، أي: لأطلبنّ مغفرتك بالتّوفيق للإيمان، فإنّه يجب ما قبله. ويدل عليه قراءة من قرأها: «أباه». أو «وعدها إبراهيم أبوه» وهي الوعد بالإيمان.
__________________
(١) نفس المصدر / ١٧٤، صدر خطبة ١١٧.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٢ ـ ١١٣، ح ١٤٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أنه سئل» بدل «قال: سألته».
(٤) المجمع ٣ / ٧٦.
(٥) المجمع ٢ / ٣٢٢.
( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ) : بأن مات على الكفر. [فإنّه يجب ما قبله ويدلّ على الكفر](١) أو أوحى إليه الله، بأنّه لن يؤمن.
( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) : قطع استغفاره.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما يقول النّاس في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) ؟
قلت: يقولون: إنّ إبراهيم وعد أباه أن يستغفر(٣) له.
قال: ليس هو هكذا. إنّ إبراهيم وعده أن يسلم، فاستغفر له. فلمّا تبين له أنّه عدوّ لله، تبرأ منه.
أبو إسحاق الهمدانيّ(٤) ، عن الخليل(٥) ، عن أبي عبد الله قال: صلّى رجل إلى جنبي فاستغفر لأبويه، وكانا ماتا في الجاهلية.
فقلت: تستغفر لأبويك، وقد ماتا في الجاهليّة؟
قال: فقد استغفر إبراهيم لأبيه.
فلم أدر ما أردّها عليه، فذكرت ذلك للنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأنزل الله( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ ـ إلى قوله(٦) ـوَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) .
قال: لـمـّـا مات(٧) تبيّن أنّه عدوّ لله، فلم يستغفر له.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله:( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) .
قال: قال إبراهيم لأبيه: إن لم تعبد الأصنام، استغفرت لك. فلمّا لم يدع الأصنام، تبرأ منه.
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ ) ، أي: يكثر التأوّه. وهو كناية عن فرط ترحّمه ورقّة قلبه.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المتن.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١١٤، ح ١٤٦.
(٣) المصدر: «ليستغفر» بدل «أن يستغفر».
(٤) تفسير العياشي ٢ / ١١٤، ح ١٤٨.
(٥) في بعض نسخ المصدر: عن رجل.
(٦) المصدر: «إلّا عن موعدة» بدل «إلى قوله».
(٧) المصدر: [مات].
(٨) تفسير القمي ١ / ٣٠٦.
( حَلِيمٌ ) (١١٤): صبور على الأذى.
والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له، مع شكايته عليه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: «الأوّاه» المتضرّع إلى الله في صلاته، وإذا خلا في قفرة(٢) من الأرض وفي الخلوات.
وفي مجمع البيان(٣) روى أصحابنا: «إنّ إبراهيم لأوّاه»، أي: دعّاء، كثير الدّعاء [والبكاء](٤) . وهو المروي عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
وقيل(٥) : هو الخاشع المتذلل. رواه ابن شدّاد، عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وقيل(٦) : هو المتأوّه شفقا وفرقا، المتضرّع(٧) يقينا بالإجابة ولزوما للطّاعة. عن أبي عبيدة.
وفي أصول الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ: أرأيت إن احتجت إلى متطبّب(٩) وهو نصرانيّ، أن أسلم عليه وأن أدعو له؟
قال: نعم، لا ينفعه دعاؤك.
محمّد بن يحيى(١٠) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ: أرأيت إن احتجت إلى الطّبيب وهو نصراني، أن أسلم عليه وأدعو له؟
قال: نعم، إنّه لا ينفعه دعاؤك.
عدّة من أصحابنا(١١) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن عيسى، بن(١٢)
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٦.
(٢) القفرة: الخلاء من الأرض، لا ماء به ولا نبات.
(٣) المجمع ٣ / ٧٧. وليس فيه: روى أصحابنا.
(٤) من المصدر.
(١ و ٦) ـ نفس المصدر والموضع.
(٧) كذا في المصدر. وفي ر، ب: للتضرع. وفي سائر النسخ: للمتضرّع.
(٨) الكافي ٢ / ٦٥٠، ح ٧.
(٩) أ، ب: الطبيب. والمتطبّب: المتعاطي علم الطّب.
(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٨.
(١١) نفس المصدر والموضع، ح ٩.
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «عن» بدل «بن».
عبيد، عن محمّد بن عرفة، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: قيل لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كيف أدعو لليهوديّ والنصرانيّ؟
قال: تقول: بارك الله لك في دنياك.
( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ) : ليحملهم على الضّلالة. أو ليسمّيهم: ضلالا. أو يؤاخذهم مؤاخذتهم.
( بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ) : للإسلام.
( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) : حتّى يبيّن لهم خطر ما يجب اتقاؤه. وهو دليل على أنّ الغافل غير مكلّف.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن شاهويه(٢) بن عبد الله الجلّاب قال: كتب إليّ أبو الحسن في كتاب: أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر، وقلقت(٣) لذلك. فلا تغتم، فإن الله ـ عزّ وجلّ ـ لا يضل( قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) . وصاحبكم بعدي أبو محمّد، ابني. وعنده(٤) ما تحتاجون إليه، يقدّم ما يشاء الله ويؤخر ما يشاء.( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) (٥) . قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان.
وفي قرب الإسناد(٦) للحميريّ ـ رحمه الله ـ: أحمد بن محمّد بن عيسى(٧) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول ـ إلى أن قال ـ: وعنه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: دخلت عليه بالقادسيّة.
فقلت له: جعلت فداك، إنّي أريد أن أسألك عن شيء وأنا أجلّك والخطب فيه جليل. وإنّما أريد فكاك رقبتي من النّار، فرآني وقد زمعت(٨) .
فقال: لا تدع شيئا تريد أن تسألني عنه(٩) ، إلّا سألتني عنه.
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٢٨، ح ١٢.
(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٣٩٨. وفي النسخ: شاوية.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: قلت.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عندي.
(٥) البقرة / ١٠٦.
(٦) قرب الإسناد / ١٦٥ ـ ١٦٦.
(٧) أ، ب، ر: عن أحمد بن محمد بن عيسى.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: ربعت. وزمع: دهش.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «تسأله» بدل «تسألني عنه».
قلت: جعلت فداك، إني سألت أباك وهو نازل في هذا الموضع عن خليفته من بعده، فدلّني عليك. وقد سألتك منذ سنين، وليس لك ولد، على(١) الإمامة فيمن تكون من بعدك؟ فقلت: في ولدي. وقد وهب لك ابنين، فأيّهما عندك بمنزلتك التي كانت عند أبيك؟
فقال لي: هذا الّذي سألت عنه ليس هذا وقته(٢) .
فقلت: جعلت فداك، قد رأيت ما ابتلينا به في أبيك ولست آمن الأحداث.
فقال: كلّا إن شاء الله، لو كان الّذي يخاف(٣) كان منّي في ذلك حجّة أحتجّ بها عليك وعلى غيرك. أما علمت أن الإمام، الفرض عليه والواجب من الله إذا خاف الفوت على نفسه أن يحتجّ في الإمام من بعده وبحجّة معروفة مثبتة(٤) ؟ إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول في كتابه:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) . فطب نفسا وطيّب نفس أصحابك، فان الأمر يجيء على غير ما تحذرون(٥) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٦) : عليّ بن أبي حمزة قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ: إنّ أباك أخبرنا بالخلف من بعده، فلو خبّرتنا به.
قال: فأخذ بيدي، فهزّها.
ثمّ قال:( ما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) .
وفي كتاب التوحيد(٧) : حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن عمّه، محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن الطّيار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) .
قال: حتّى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه.
حدّثنا(٨) [محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رض)، قال: حدثنا](٩) محمّد بن
__________________
(١) المصدر: من (عن ـ خ ل)
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وفيه.
(٣) المصدر: تخاف.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: والحجة معروفة مبيّنة. وفي بعض نسخ المصدر: «مبنية» «مثبتة».
(٥) المصدر: يحذرون إن شاء الله تعالى.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٥، صدر ح ١٤٩.
(٧) التوحيد / ٤١١، صدر ح ٤.
(٨) نفس المصدر / ٤١٤، ذيل ح ١١.
(٩) من المصدر.
الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار(١) ، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن حمّاد عن عبد الأعلى(٢) ، مثله.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن فضّال(٤) ، عن ثعلبة بن ميمون، عن حمزة بن محمّد الطّيار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله سواء.
( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (١١٥): فيعلم أمرهم في الحالين.
( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (١١٦): لـمـّـا منعهم عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، ويتضمّن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأسا، بيّن لهم أنّ الله مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه، ولا يتأتّى لهم ولاية ولا نصرة إلّا منه ليتوجّهوا بشراشرهم(٥) إليه ويتبرءوا عمّا عداه، حتّى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون، ويذرون سواه.
( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) قيل(٦) : من إذن المنافقين في التّخلف. أو برّأهم(٧) عن علقة الذّنوب، كقوله:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) .
وقيل(٨) : هو بعث على التّوبة. والمعنى: ما من أحد إلّا وهو محتاج إلى التّوبة، حتّى النبي والمهاجرين والأنصار لقوله:( وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعاً ) إذ ما من أحد إلّا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه، والترقيّ إليه توبة من تلك النّقيصة، وإظهار لفضلها بأنّها مقام الأنبياء والصّالحين من عباده.
وفي الاحتجاج(٩) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ وفي مجمع البيان: عن الرّضا
__________________
(١) أ، ب، ر: إسماعيل بن مهران.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «عمّار بن عبد الأعلى» بدل «حمّاد عن عبد الأعلى».
(٣) الكافي ١ / ١٦٣، صدر ح ٣.
(٤) المصدر: ابن فضّال.
(٥) الشراشر: الجسم بجملته: قالوا: ألقى عليه شراشره، أي: أعباءه وهمومه أو ألقى عليه نفسه حرصا ومحبّة.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٥.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: تبرأهم.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) المجمع ٣ / ٨٠ لم أعثر عليه في الاحتجاج، ولكن رواه عنه في تفسير الصافي ٢ / ٣٨٣.
ـ عليه السّلام ـ أنّهما قرءا: «لقد تاب الله بالنّبيّ على المهاجرين».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: هكذا نزلت.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: «لقد تاب الله بالنّبيّ على(٣) المهاجرين والأنصار».
قال أبان: فقلت له: يا ابن رسول الله، إنّ العامّة لا تقرأ، كما عندك.
قال: وكيف تقرأ، يا أبان.
قال: قلت: إنّها تقرأ:( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) .
قال: ويلهم، وأي ذنب كان لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى تاب الله عليه منه؟ إنّما تاب الله به على أمّته. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) : في وقتها. وهي حالهم في غزوة تبوك. كانوا في عسرة من الظّهر يعتقب العشرة على بعير واحد، والزّاد. حتّى قيل: إنّ الرّجلين كانا يقتسمان تمرة، والماء حتّى شربوا الفظّ(٤) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: وهم أبو ذرّ وأبو خيثمة وعميرة بن وهب، الّذين تخلفوا ثمّ لحقوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وتخلّف(٦) عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قوم من أهل نيات بصائر، لم يكن يلحقهم شكّ ولا ارتياب. ولكنّهم قالوا: فلحق(٧) برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. منهم أبو خيثمة. وكان قويا، وكان له زوجتان وعريشتان(٨) . فكانت زوجتاه قد رشتا(٩) عريشتيه، وبرّدتا له الماء، وهيّأتا له طعاما. فأشرف على عريشته.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٩٧.
(٢) لم أعثر عليه في الاحتجاج. ورواه عنه في تفسير الصافي ٢ / ٣٨٣ ـ ٣٨٤ ونور الثقلين ٢ / ٢٧٧ ـ ٢٧٨، ح ٣٨٦.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «و» بدل «على».
(٤) الفظّ: ماء الكرش يشرب عند عوز الماء في المفاوز.
(٥) تفسير القمي ١ / ٢٩٧.
(٦) من هنا إلى آخر الحديث في نفس المصدر والموضع / ٢٩٤ ـ ٢٩٥.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يلحق.
(٨) العريش: كالهودج، وما عرش للكرم، والبيت الذي يستظلّ به.
(٩) أي طلبتا أن تتخذاهما.
فلمّا نظر إليهما، قال: لا والله، ما هذا بإنصاف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر قد خرج في الضّحّ(١) والرّيح، وقد حمل السّلاح يجاهد في سبيل الله، وأبو خيثمة قويّ قاعد في عريشته وامرأتين حسناوين. لا والله، ما هذا بإنصاف.
ثمّ أخذ ناقته فشدّ عليها رحله، فلحق برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فنظر النّاس إلى راكب على الطريق، فأخبروا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بذلك فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كن أبا خيثمة. فكان أبا خيثمة(٢) .
فأقبل، وأخبر النبي بما كان منه. فجزّاه خيراً ودعا له.
وكان أبو ذرّ ـ رحمه الله ـ تخلّف عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ثلاثة أيّام، وذلك أنّ جمله كان أعجف(٣) ، فلحق بعد ثلاثة أيّام. ووقف عليه جملة في بعض الطريق، فتركه وحمل ثيابه على ظهره. فلمّا ارتفع النّهار، نظر المسلمون إلى شخص مقبل. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كن أبا ذرّ.
فقالوا: هو أبو ذرّ.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أدركوه بالماء، فإنّه عطشان. فأدركوه بالماء. ووافى أبو ذرّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومعه أداوة فيها ماء.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أبا ذرّ، معك ماء وعطشت؟
فقال: نعم، يا رسول الله. بأبي أنت وأمّي، انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السّماء، فذقته فإذا هو عذب بارد. فقلت: لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أبا ذرّ، رحمك الله، تعيش وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك وتدخل الجنّة وحدك. يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك والصّلاة عليك ودفنك.
وفي الجوامع(٤) . والعسرة حالهم في غزوة تبوك. كان يعتقب العشرة على بعير
__________________
(١) الضحّ: الشمس. وقولهم: جاء فلان بالضحّ والريح، أي: بما طلعت عليه. الشمس وما جرت عليه الريح.
(٢) ليس في المصدر: فكان أبا خيثمة.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعجب.
(٤) الجوامع / ١٨٨.
واحد، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر المدود والإهالة(١) السّنخة(٢) . وبلغت الشدّة بهم أن اقتسم التّمرة اثنان، وربّما مصها الجماعة يشربوا الماء عليها. وكانوا في حمازة القيظ(٣) ، وفي الضيقة الشديدة من القحط وقلّة الماء.
( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) : عن الثبات على الإيمان واتّباع الرّسول. وفي «كاد» ضمير الشّأن، أو ضمير القوم. والعائد عليه الضمير في «منهم». وقرأ(٤) حمزة وحفص: «يزيغ» بالياء، لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقيّ.
وقرئ(٥) : «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم»، يعني: المتخلفين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وكان مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ بتبوك رجل يقال له: المضرب، لكثرة ضرباته التي أصابته ببدر وأحد.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: عدّ لي أهل العسكر.
فعدّدهم، فقال: هم خمسة وعشرون ألف رجل سوى العبيد(٧) والتّبّاع.
فقال: عدّ لي المؤمنين. [فعدّدهم](٨) .
فقال: هم خمسة وعشرون رجل.
( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) : تكرير للتأكيد، وتنبيه على أنّه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة. أو المراد، أنه تاب عليهم لكيدودتهم.
( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (١١٧): تداركهم برأفته ورحمته.
( وَعَلَى الثَّلاثَةِ ) :
وتاب على الثّلاثة، كعب بن مالك، وهلال(٩) بن أميّة، ومرارة بن ربيع. على ما رواه العياشي(١٠) . عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ.
( الَّذِينَ خُلِّفُوا ) : تخلّفوا عن الغزو. أو خلف أمرهم، فإنّهم المرجون.
وفي مجمع البيان(١١) : وقراءة عليّ بن الحسين بن زين العابدين، وأبي جعفر، محمد بن
__________________
(١) الإهالة: الشحم، أو الزيت، أو كلّ ما يؤتدم به.
(٢) السنخة: الريح النتنة. وفي المصدر: «الزنخة» بدل «السنخة».
(٣) حمازة القيظ: شدّته.
(١ و ٥) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٥.
(٦) تفسير القمي ١ / ٢٩٦.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: العبد.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: هلاك.
(١٠) تفسير العياشي ٢ / ١١٥، ح ١٥١.
(١١) المجمع ٣ / ٧٨.
عليّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصّادق: «خالفوا»(١) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن فيض بن المختار قال: أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كيف تقرأ هذه الآية في التّوبة( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ ) ؟
قال: قلت: «خلّفوا».
قال: لو خلّفوا، لكانوا في حالة طاعة(٣) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال العالم ـ عليه السّلام ـ: إنّما نزل وعلى الثلاثة الذين خالفوا. ولو خلّفوا، لم يكن عليهم عيب.
( حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) ، أي: برحبها، لإعراض النّاس عنهم بالكليّة. وهو مثل لشدة الحيرة.
( وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ) : قلوبهم، من فرط الوحشة والغمّ، بحيث لا يسعها انس ولا سرور.
( وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ ) : من سخطه.
( إِلَّا إِلَيْهِ ) ، أي: استغفاره.
( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) : بالتّوفيق للتّوبة.
وفي معاني الأخبار(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: هي الإقالة.
( لِيَتُوبُوا ) : وأنزل قبول توبتهم، ليعدّوا في جملة التّوابين. أو رجع عليهم بالقبول والرّحمة مرّة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم.
وفي تفسير العياشيّ(٦) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) .
قال: أقالهم، فو الله، ما تابوا.
( إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ ) : لمن تاب، ولو عاد في اليوم مائة مرّة.
( الرَّحِيمُ ) (١١٨): المتفضّل عليهم بالنّعم.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: خالفوه.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٥، صدر ح ١٥٢.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: طاعته.
(٤) تفسير القمي ١ / ٢٩٧ ـ ٢٩٨.
(٥) المعاني / ٢١٥، ح ١.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١١٦، ح ١٥٤.
وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) ، في قصة غزوة تبوك: وقد كان تخلّف عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قوم من المنافقين، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق، منهم كعب بن مالك الشّاعر، ومرارة(٢) بن(٣) الرّبيع، وهلال بن أميّة الواقفيّ.
فلمّا تاب الله عليهم، قال كعب: ما كنت قطّ أقوى مني من ذلك الوقت الّذي خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى تبوك. وما اجتمعت لي راحلتان قطّ، إلّا في ذلك اليوم. فكنت أقول: أخرج غدا، أخرج بعد غد فاني قويّ(٤) . وتوانيت، وبقيت بعد خروج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أيّاما أدخل السوق ولا أقضي حاجة.
فلقيت هلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع، وقد كانا تخلّفا ـ أيضا ـ. فتوافقنا أن نبّكر إلى السّوق ولم نقض حاجة. فما زلنا نقول: نخرج غدا وبعد غد، حتّى بلغنا إقبال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فندمنا.
فلمّا وافى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ استقبلناه نهنّئه(٥) بالسّلامة. فسلّمنا عليه، فلم يردّ علينا السّلام، وأعرض عنا. وسلّمنا على إخواننا، فلم يردّوا علينا السلام. فبلغ ذلك أهلينا، فقطعوا كلامنا. وكنّا نحضر المسجد، فلا يسلّم علينا أحد ولا يكلّمنا.
فجاءت(٦) نساؤنا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا، أفنعتزلهم؟
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا تعتزلنّهم(٧) ، ولكن لا يقربوكنّ.
فلمّا رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حلّ بهم، [قالوا](٨) ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلّمنا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولا إخواننا ولا أهلونا. فهلموا [نخرج](٩) إلى هذا الجبل، فلا نزال فيه حتّى يتوب الله علينا أو نموت.
فخرجوا إلى ذناب جبل بالمدينة. فكانوا يصومون، وكان أهلوهم يأتونهم بالطّعام فيضعونه ناحية ثمّ يولّون عنهم فلا يكلّمونهم. فبقوا على هذه الحالة أيّاما كثيرة، يبكون
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٢٩٦ ـ ٢٩٧.
(٢) المصدر: مرادة.
(٣) ليس في ر: بن.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مقوي.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تهنئة.
(٦) المصدر: فجئن.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تعتزلهم.
(١ و ٩) ـ من المصدر.
باللّيل والنّهار، ويدعون الله أن يغفر لهم.
فلمّا طال عليهم الأمر، قال لهم كعب: يا قوم، قد سخط الله علينا، ورسوله قد سخط علينا، وإخواننا سخطوا علينا، [وأهلونا سخطوا علينا](١) ، فلا يكلّمنا أحد. فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟
فتفرّقوا في اللّيل، وحلفوا أن لا يكلّم أحد منهم صاحبه حتّى يموت أو يتوب الله عليهم. فبقوا على هذه ثلاثة أيّام، كلّ واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلّمه. فلمّا كان في الليلة الثّالثة ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بيت أمّ سلمة، نزلت توبتهم على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
قال:( حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) حيث لم يكلّمهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولا إخوانهم ولا أهلوهم. فضاقت المدينة عليهم حتّى خرجوا منها، وضاقت عليهم أنفسهم حيث حلفوا أن لا يكلّم بعضهم بعضا، فتفرّقوا وتاب الله عليهم لـمـّـا عرف صدق نيّاتهم.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ) : فيما لا يرضاه.
( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (١١٩): في إيمانهم وعهودهم. أو في دين الله، نيّة وقولا وعملا.
وقرئ(٢) : «من الصّادقين»، أي: في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد: هؤلاء الثّلاثة وأضرابهم.
وفي مجمع البيان(٣) : في مصحف عبد الله وقراءة ابن عبّاس: «من الصّادقين».
وروي ذلك ـ أيضا ـ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
وفي أصول الكافي(٤) : الحسين بن محمّد، عن معليّ بن محمّد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
قال: إيّانا عنى.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي بصير، عن أبي الحسن الرّضا
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المجمع ٣ / ٨٠.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) الكافي ١ / ٢٠٨، ح ١.
(٥) الكافي ١ / ٢٠٨، ح ٢.
ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
قال: «الصّادقون» هم الأئمة. و «الصّديقون» بطاعتهم.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وقد جعل الله للعلم أهلا وفرض طاعتهم بقوله: «و( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: هم الأئمة ـ عليهم السّلام ـ.
وفي كتاب كمال الدين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى سليم بن قيس الهلاليّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في المسجد أيّام خلافة عثمان: أسألكم بالله، أتعلمون أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمـّـا أنزل( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـمَعَ الصَّادِقِينَ ) فقال سلمان: يا رسول الله، عامة هذه الآية أم خاصّة؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أمّا المأمورون، فعامّة المؤمنين أمروا بذلك. وأمّا الصّادقون، فخاصة لأخي عليّ وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة؟
قالوا: أللّهمّ، نعم.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) ، خطبة لعليّ ـ عليه السّلام ـ يذكر فيها نعم الله ـ عزّ وجلّ ـ. وفيها يقول ـ عليه السّلام ـ: ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها، فتضلّوا في دينكم. يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ: إنّ الله مع الصادقين. أنا ذلك مع الصّادق(٥)
وفي أمالي شيخ الطائفة(٦) ـ قدس سرّه ـ، بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
قال: مع عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
وفي تهذيب الأحكام(٧) ، في الدّعاء بعد صلاة الغدير المسند إلى الصّادق ـ عليه
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣٦٩.
(٢) تفسير القمي ١ / ٣٠٧.
(٣) كمال الدين / ٢٧٨.
(٤) المعاني / ٥٩.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: إنّما ذلك مع الصادق.
(٦) أمالي الطوسي ١ / ٢٦١.
(٧) التهذيب ٣ / ١٤٧.
السّلام ـ: ربنّا، إنّك أمرتنا بطاعة ولاة أمرك وأمرتنا أن نكون مع الصادقين، فقلت:( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وقلت:( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) . فسمعنا وأطعنا. ربّنا، فثبّت أقدامنا وتوفّنا مسلمين مصدّقين لأوليائك و( لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) .
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: أصلحك الله، أيّ شيء إذا عملته استكملت حقيقة الإيمان؟
قال: توالي [أولياء الله وتعادي أعداء الله وتكون مع الصادقين كما أمرك الله.
قال: قلت: ومن أولياء الله ومن أعداء الله.
فقال :](٣) أولياء الله، محمّد رسول الله، وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين. ثمّ انتهى الأمر إلينا. ثمّ ابني جعفر، وأومأ إلى جعفر وهو جالس. فمن والى هؤلاء، فقد والى أولياء الله(٤) وكان مع الصادقين، كما أمره الله.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ) : نهي عبّر عنه بصيغة النفي، للمبالغة.
( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) : لا يصونوا أنفسهم، بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضّرّاء ويكابدوا معه الشّدائد برغبة ونشاط، كما فعله أبو ذرّ وأبو خيثمة.
وفي «لا يرغبوا» يجوز النّصب والجزم.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: «ما كان» من النهي عن التّخلف، أو وجوب المشايعة.
( بِأَنَّهُمْ ) : بسبب أنّهم.
( لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) : شيء من العطش.
( وَلا نَصَبٌ ) : تعب.
( وَلا مَخْمَصَةٌ ) : مجاعة.
__________________
(١) النساء / ٥٩.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٦، ضمن ح ١٥٥.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: فقد والى الله.
( فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً ) : ولا يدوسون مكانا.
( يَغِيظُ الْكُفَّارَ ) : يغضبهم وطؤه.
( وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ) ، كالقتل والأسر والنّهب.
( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ) : استوجبوا به الثّواب، وذلك ممّا يوجب المشايعة.
( إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (١٢٠): على إحسانهم. وهو تعليل «لكتب». وتنبيه على أنّ الجهاد إحسان، أمّا في حقّ الكفّار فلأنّه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون. وأما في حقّ المؤمنين، فلأنّه صيانة لهم عن سطوة الكفّار واستيلائهم.
( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ) : ولو علاقة.
( وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ) : في مسيرهم. وهو كلّ منعرج ينفذ فيه السّيل. اسم فاعل، من ودي: إذا سال. فشاع بمعنى: الأرض.
( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ) : أثبت لهم ذلك.
( لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ ) : بذلك.
( أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٢١): جزاء أحسن أعمالهم، أو أحسن جزاء أعمالهم.
( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) : وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يثبطوا جميعا، فإنّه يخلّ بأمر المعاش.
( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) : فهلّا نفر من كلّ جماعة كثيرة، كقبيلة وأهل بلدة، جماعة قليلة.
( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) : ليتكلّفوا الفقاهة فيه، ويتجشّموا مشاقّ تحصيلها.
( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) : وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم. وتخصيصه بالذكر، لأنّه أهم. وفيه دليل على أنّ التّفقّه والتّذكير من فروض الكفاية، فإنه ينبغي أن يكون غرض المتعلّم فيه أن يستقيم ويقيم لا التّرفع على النّاس والتّبسط في البلاد.
( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (١٢٢): إرادة أن يحذروا عمّا ينذرون منه.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: تفقّهوا في الدين. فانّه من لم يتفقّه منكم في الدّين، فهو أعرابيّ. إنّ الله يقول في كتابه:( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
محمّد بن يحيى(٢) ، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن يعقوب بن شعيب قال: [قلت](٣) لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إذا حدث على الإمام حدث، كيف يصنع النّاس؟
قال: أين قول الله ـ عزّ وجلّ ـ،( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ؟ قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول العامة: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.
قال: الحق، والله.
قلت: فإن إماما هلك ورجل بخراسان لا يعلم من وصيّه، لم يسعه ذلك؟
قال: لا يسعه. إنّ الإمام إذا هلك وقعت حجّة وصيّه [على](٥) من هو معه في البلدة، وحقّ النفر على من ليس بحضرته إذا بلغهم أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
محمّد بن يحيى(٦) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن خالد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد بن معاوية، عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أصلحك الله، بلغنا شكواك وأشفقنا، فلو أعلمتنا [أو علّمتنا](٧)
__________________
(١) الكافي ١ / ٣١، ح ٦.
(٢) نفس المصدر والمجلّد / ٣٧٨، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر والموضع، صدر ح ٢.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ١ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠، ح ٣.
(٧) من المصدر.
من؟
فقال: إنّ عليّا كان عالما، والعلم يتوارث. فلم يهلك أحد(١) عالم إلّا بقي من بعده من يعلم، مثل علمه أو ما شاء الله.
قلت: أفيسع النّاس إذا مات العالم أن لا يعرفوا الّذي بعده؟
فقال: أمّا أهل هذه البلدة فلا، يعني: المدينة. وأمّا غيرها من البلدان، فبقدر مسيرهم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي عيون الأخبار(٢) ، في باب العلل التي ذكر الفضل بن شاذان أنه سمعها عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فإن قال: فلم أمر بالحجّ؟
قيل: لعلّة الوفادة.
إلى أن قال: مع ما فيه من التّفقه، ونقل أخبار الأئمة ـ عليهم السّلام ـ إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) إلى قوله:( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) (٣) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، عليّ بن أحمد ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ، عن أبي الخير، صالح بن أبي حمّاد(٥) ، عن أحمد بن هلال، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الله بن المؤمن(٦) الأنصاريّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ قوما يروون أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إختلاف أمّتي رحمة.
فقال: صدقوا.
فقلت: إن كان إختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب.
قال: ليس حيث تذهب(٧) وذهبوا، إنّما أراد قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) ليس في المصدر: أحد.
(٢) العيون ٢ / ١١٩.
(٣) الحجّ / ٢٨.
(٤) العلل / ٨٥، ح ٤.
(٥) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٤٠٤. وفي النسخ: صالح بن حماد.
(٦) المصدر: «عبد المؤمن» بدل «عبد الله بن المؤمن».
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: تذهبوا.
وآله ـ ويختلفوا إليه فيتعلّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم. إنّما أراد اختلافهم(١) من البلدان، لا اختلافا في دين الله. إنّما الدّين واحد [إنّما الدين واحد](٢) .
وبإسناده إلى [محمّد بن](٣) عبد الجبّار(٤) : عمّن ذكره، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي الحسن(٥) ـ عليه السّلام ـ: إن بلغنا وفاة الإمام كيف نصنع؟
قال: عليكم النّفير(٦) .
قلت: [النّفير](٧) جميعا.
قال: إنّ الله يقول:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) (الآية).
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشيّ(٨) : عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: إذا حدث للإمام حدث، كيف يصنع النّاس؟
قال: يكونون، كما قال الله:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) .
قال: قلت: فما أحالهم؟
قال: هم في عذر.
وعنه(٩) ـ أيضا ـ في رواية أخرى: ما تقول في قوم هلك إمامهم، كيف يصنعون؟
قال: فقال لي: أما تقرأ كتاب الله( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ـ إلى قوله ـلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ؟
قلت: جعلت فداك، ما حال المنتظرين حتّى يرجع المتفقّهون؟
قال: فقال لي: رحمك الله، أما علمت أنّه كان بين محمّد وعيسى ـ صلّى الله عليه وآله ـ خمسون ومائتا سنة، فمات(١٠) قوم على دين عيسى انتظار الدين محمّد ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: اختلافا.
(٢) من المصدر.
(٣) من المصدر.
(٤) العلل / ٥٩١، صدر ح ٤٢.
(٥) المصدر: لأبي عبد الله.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: النفر.
(٧) من المصدر.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٧، ح ١٥٩.
(٩) نفس المصدر والموضع، ح ١٥٩.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فأمّا» بدل
وآله ـ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين؟
عن أحمد بن محمّد(١) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: كتب إليّ: إنّما شيعتنا من تابعنا ولم يخالفنا. فإذا خفنا، خاف. وإذا أمنا، أمن. قال الله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) (الآية). فقد فرضت عليكم المسألة والرّدّ إلينا، ولم يفرض علينا الجواب.
عن عبد الأعلى(٢) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: بلغنا وفاة الإمام؟
قال: عليكم النّفر.
قلت: جميعا؟
قال: إنّ الله يقول:( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ) (الآية).
قال: نفرنا، فمات بعضنا في الطّريق؟
قال: فقال:( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إلى اللهِ وَرَسُولِهِ ـ ) إلى قوله ـ:( أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) (٣) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عن أبي بصير(٤) قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: تفقّهوا. فإنه من لم يتفقّه منكم، فإنّه أعرابي. إنّ الله يقول في كتابه:( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ـ إلى قوله ـيَحْذَرُونَ ) .
وفي أصول الكافي(٥) : الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن الرّبيع، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: عليكم بالتّفقه في دين الله، ولا تكونوا أعرابا. فإنّ من لم يتفقّه في دين الله، لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا.
محمّد بن إسماعيل(٦) ، عن الفضل بن شاذان، عن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لوددت أنّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسّياط، حتّى يتفقّهوا.
__________________
«فمات».
(١) نفس المصدر والموضع ح ١٦٠.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١١٨، صدر ح ١٦١.
(٣) النساء / ١٠٠.
(٤) تفسير العياشي ٢ / ١١٨، ح ١٦٢.
(٥) الكافي ١ / ٣١، ح ٧.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٨.
عليّ بن محمّد(١) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن عيسى، عمّن رواه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر لزم بيته ولم يتعرّف إلى أحد من إخوانه.
قال: وكيف يتفقّه هذا في دينه؟
محمّد بن يحيى(٢) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان النيشابوريّ جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ من علامات الفقه، الحلم والصّمت.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن موسى بن أكيل النميري(٤) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لا يكون الرّجل فقيها، حتّى لا يبالي أي ثوبيه أبتذله(٥) وبما سدّ فورة(٦) الجوع.
عن الحارث الأعور(٧) قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: ثلاث بهنّ يكمل المسلم: التّفقه في الدّين، والتّقدير في المعيشة، والصّبر على النّوائب.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) : أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب، كما أمر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أوّلا بإنذار عشيرته. فإنّ الأقرب أحقّ بالشّفقة والاستصلاح.
وقيل(٨) : هم يهود حوالي المدينة، كقريظة والنّضير وخيبر.
وقيل(٩) : الرّوم. فإنّهم كانوا يسكنون الشّام، وهو قريب من المدينة.
وفي الكافي(١٠) ، وفي تفسير العيّاشي(١١) : قال: الدّيلم.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٩.
(٢) نفس المصدر والمجلّد / ٣٦، ح ٤.
(٣) الخصال / ٤٠، ح ٢٧.
(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٢٧١. وفي أ، ب، ر: اكير التمري وفي سائر النسخ: اكيد النميريّ.
(٥) المصدر: ابتذل.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قدرة.
(٧) نفس المصدر / ١٢٤، ح ١٢٠.
(١ و ٩) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٧.
(١٠) بل في التهذيب ٦ / ١٧٤، ح ٣٤٥ ويدلّ على ذلك ما في مفتاح الكتب الأربعة ومعجم رجال الحديث.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ١١٨، ح ١٦٣.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : يجب على كلّ قوم أن يقاتلوا من يليهم ممّن يقرب من الإمام(٢) ، ولا يجوزوا ذلك الموضع.
( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) : شدّة وصبرا على القتال.
وقرئ(٣) ، بفتح الغين وضمّها. وهما لغتان فيها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، اي، غلّظوا لهم القول والقتل.
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (١٢٣): بالحراسة والإعانة.
( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ ) : فمن المنافقين.
( مَنْ يَقُولُ ) : إنكارا واستهزاء.
( أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ ) : السّورة.
( إِيماناً ) .
وقرئ(٥) : «أيّكم» بالنّصب، على إضمار فعل يفسّره «زادته».
( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ) : بزيادة العلم الحاصل من تدبّر السّورة، وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم.
( وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) (١٢٤): بنزولها، لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وهو ردّ على من يزعم، أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد(٨) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا. وفيه بعد أن قال ـ عليه السّلام ـ: انّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرقه فيها وبيّن ـ عليه السّلام ـ ذلك.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٧.
(٢) المصدر: «بلادهم من الكفّار» بدل «الإمام».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٣٧.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠٧.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٧.
(٦) تفسير القمي ١ / ٣٠٨.
(٧) الكافي ٢ / ٣٤ و ٣٧.
(٨) كذا في المصدر، وجامع الرواة ٢ / ١٥. وفي النسخ: القاسم بن يزيد.
قيل: قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
قال: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ) (الآية). قال:( وَزِدْناهُمْ هُدىً ) (١) . ولو كان كلّه واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النّعم فيه ولاستوى(٢) النّاس وبطل التّفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّة، وبالزّيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند الله، وبالنّقصان دخل المفرطون النّار.
وفي نهج البلاغة(٣) ، ومن حديثه ـ عليه السّلام ـ: انّ الإيمان يبدو لمظة(٤) في القلب.
كلما ازداد الإيمان، ازدادت اللمظة.
( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) : كفر.
( فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) : كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، وفي تفسير العياشيّ(٦) : عن زرارة بن أعين، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ يقول: شكّا إلى شكّهم.
( وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ) (١٢٥): واستحكم ذلك فيهم حتّى ماتوا عليه.
( أَوَلا يَرَوْنَ ) ، يعني: المنافقين.
وقرأ(٧) حمزة ويعقوب، بالتّاء.
( أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ) .
قيل(٨) : يبتلون بأصناف البليّات، أو بالجهاد مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : يمرضون.
( فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ) : لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم.
( وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (١٢٦): ولا يعتبرون.
__________________
(١) الكهف / ١٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولا استوت النعم فيه ولا استوى.
(٣) نهج البلاغة / ٥١٨ قسم غريب كلامه رقم ٥.
(٤) اللمظة: النقطة من البياض.
(٥) تفسير القمي ١ / ٣٠٨.
(٦) تفسير العياشي ٢ / ١١٨، ح ١٦٤.
(١ و ٨) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٣٧.
(٩) تفسير القمي ١ / ٣٠٨.
( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ) : تغامزوا بالعيون إنكارا لها وسخرية، أو غيظا لما فيها من عيوبهم.
( هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ) ، أي: يقولون: هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟ فإن لم يرهم أحد، قاموا. وإن يرهم أحد، أقاموا.
( ثُمَّ انْصَرَفُوا ) : تفرقوا عن حضرته، مخافة الفضيحة.
( صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) : عن الإيمان، والانشراح به بالخذلان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن الحقّ إلى الباطل، باختيارهم الباطل على الحقّ.
قيل(٢) : ويحتمل [الاخبار و](٣) الدّعاء.
( بِأَنَّهُمْ ) : بسبب أنّهم.
( قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) (١٢٧): لسوء فهمهم وعدم تدبّرهم.
( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) : من جنسكم، عربيّ، مثلكم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، مثلكم في الخلقة.
قال: ويقرأ «من أنفسكم»، أي: من أشرفكم.
وفي الجوامع(٥) : قيل: هو قراءة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفاطمة ـ عليها السّلام ـ.
وفي مجمع البيان(٦) : قيل: معناه: أنّه من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهليّة.
عن الصادق ـ عليه السّلام ـ.
( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ) : شديد شاقّ.
( ما عَنِتُّمْ ) : محنتكم ولقاؤكم المكروه.
( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) ، أي: على إيمانكم وصلاح شأنكم.
( بِالْمُؤْمِنِينَ ) : منكم ومن غيركم.
( رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (١٢٨): قدّم الأبلغ منهما، وهو الرّؤوف. لأنّ الرّأفة شدّة
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٠٨.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٨.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣٠٨.
(٥) الجوامع / ١٨٩.
(٦) المجمع ٣ / ٨٦.
الرّحمة، محافظة على الفواصل.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : عن الإيمان بك.
( فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ) ، فإنّه يكفيك معرّتهم، ويعينك عليهم.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ، كالدّليل عليه.
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) : فلا أرجو ولا أخاف إلّا منه.
( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) (١٢٩): الملك العظيم. أو الجسم الأعظم المحيط، الّذي تنزل منه الأحكام والمقادير.
وقرئ(١) : «العظيم» بالرّفع.
وفي تفسير العيّاشيّ(٢) : عن ثعلبة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) قال: فينا.( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) [قال: فينا](٣) ( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) قال: فينا.( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) قال: شركنا المؤمنون في هذه الرّابعة، وثلاثة لنا.
عن عبد الله بن سليمان(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: تلا هذه الآية( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) قال: [من](٥) أنفسنا. قال:( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ) قال: ما عنتنا(٦) . قال:( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) قال علينا.( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) [قال: بشيعتنا رؤوف رحيم](٧) فلنا ثلاثة أرباعها، ولشيعتنا ربعها.
في روضة الكافي(٨) : عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: هكذا أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ: لقد جاءنا رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٨.
(٢) تفسير العياشي ٢ / ١١٨، ح ١٦٥.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في تفسير العياشي ٢ / ١١٨، ح ١٦٦، وجامع الرواة ١ / ٤٨٦. وفي النسخ: عبد الله بن سلمان.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما عندنا.
(٧) من المصدر.
(٨) الكافي ٨ / ٣٧٨، ح ٥٧٠.
وفي كتاب التّوحيد(١) : حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن عمران الدّقاق(٢) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا الحسين بن الحسن قال: حدّثنا أبي، عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن العرش والكرسيّ.
فقال: إنّ للعرش صفات كثير مختلفة، له في كلّ سبب وضع في القرآن صفة على حدة. فقوله:( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) يقول: الملك العظيم. وقوله:( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) (٣) يقول: على الملك احتوى، وهذا ملك الكيفوفيّة في الأشياء. ثمّ العرش في الوصل متفرد(٤) من الكرسيّ، لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب. وهما جميعا غيبان.
وهما في الغيب مقرونان، لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر من الغيب الّذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلّها، والعرش هو الباب الباطن الّذي يوجد فيه علم الكيف والكون والحدّ والقدر والأين والمشيئة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والتّرك وعلم العود والبدء. فهما في العلم بابان مقرونان، لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسيّ. فمن ذلك قال:( رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) ، اي: صفته أعظم من صفة الكرسي، وهما في ذلك مقرونان.
وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السّياريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نُباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: قام إليه رجل.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أرضي [أرض](٦) مسبعة، وأنّ السّباع تغشى منزلي، ولا تجوز حتّى تأخذ فريستها.
فقال: إقرأ( لَقَدْ جاءَكُمْ ـ إلى ـوَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) .
فقرأها الرّجل فاجتنبته السّباع.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) ، في وصيّة النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه
__________________
(١) التوحيد / ٣٢١ ـ ٣٢٢، صدر ح ١.
(٢) المصدر: علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق.
(٣) طه / ٥.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: منفرد.
(٥) الكافي ٢ / ٦٢٥، ضمن ح ٢١.
(٦) من المصدر.
(٧) الفقيه ٤ / ٢٦٨.
السّلام ـ: يا عليّ، من خاف من السّباع فليقرأ: «لقد جاءكم» (إلى آخر السّورة).
وفي تفاسير العامّة(١) : عن أُبيّ، أنّ آخر ما نزلت هاتان الآيتان.
وعن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما نزل القرآن عليّ إلا آية وحرفا [وحرفا](٢) . ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، فإنّهما نزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صفّ من الملائكة.
وفي كتاب التّوحيد(٣) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار، عن عليّ بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق العرش أرباعا، لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء: الهواء(٤) والقلم والنّور. ثمّ خلقه من أنوار مختلفة، فمن ذلك النّور نور أخضر اخضرّت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرت منه الصفرة، ونور أحمر احمرّت منه الحمرة، ونور أبيض وهو نور الأنوار ومنه ضوء النّهار.
ثمّ جعله سبعين ألف طبق غلظ، كلّ طبق، كأوّل العرش إلى أسفل السّافلين. ليس من ذلك طبق، الّا يسبّح بحمده(٥) ويقدّسه بأصوات مختلفة وألسنة غير مشتبهة، ولو أذن للسان منهما فأسمع شيئا ممّا تحته، لهدّم الجبال، والمدائن والحصون ولخسف البحار ولأهلك ما دونه. له ثمانية أركان، على كلّ ركن منها من الملائكة ما لا يحصى عددهم إلّا الله ـ عزّ وجلّ ـ يسبّحون اللّيل والنّهار لا يفترون. ولو حس(٦) شيء مما فوقه، ما قام لذلك طرفة عين. بينه وبين الإحساس، الجبروت والكبرياء والعظمة والقدس والرّحمة والعلم وليس وراء هذا مقال.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٨ والكشّاف ٢ / ٢٢٣.
(٢) من المصدر.
(٣) التوحيد / ٣٢٤ ـ ٣٢٦، ح ١.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «القوي» بدل «أشياء: الهواء».
(٥) المصدر: بحمد ربّه.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «حسر» بدل «حسّ».