ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
الفهرس
الفهرس ٧
تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُس ١٠
سورة يونس ١٢
تفسير سورة هود ١٠٤
سورة هود ١٠٦
سورة يوسف ٢٥٢
سورة يوسف ٢٥٤
تفسير سورة الرّعد ٣٩٠
سورة الرّعد ٣٩٢
كلمة المحقِّق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصّلوة والسّلام على نبيّنا وآله الطيّبين الطاهرين ولا سيّما بقية الله في الأرضين واللّعنة الدّائمه على أعدائه وأعدائهم أجمعين.
النسخ التي استفدنا منها في تحقيق الربع الثاني من تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب (من أوّل سورة الأنعام الى آخر سورة الكهف) :
١ ـ نسخة مكتوبة في حياة المؤلّف سنة ١١٠٥ ه. ق. في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي العامّة، قم، رقم ١٢٨٣، مذكورة في فهرسها ٤/٨٣ (رمز ج).
٢ ـ نسخة في نفس المكتبة، رقم ٣٠٧، مذكورة في فهرسها ١/٣٥٠. (رمز ب).
٣ ـ نسخة في مكتبة مدرسة الشهيد المطهّري، رقم ٢٠٥٤، مذكورة في فهرسها ١/١٦٢، مكتوبة في سنة ١٢٤٠ ه ز ق. (رمز س).
٤ ـ نسخة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي (١)، رقم ١٢٠٧٣، مكتوبة في حياة المؤلّف وعلى ظهرها تقريض العلّامة المجلسي ـ رحمة الله تعالى عليه ـ , (رمز ر).
والحمد لله أوّلا وآخرا
تَفْسِيرُ
سُورَةِ يُونُس
سورة يونس
مكّيّة. وهي مائة وتسع آيات.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(١) ، بإسناده: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة يونس في كلّ شهرين أو ثلاثة، لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين. وكان يوم القيامة من المقرّبين.
وفي مجمع البيان(٢) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من قرأها، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس وكذّب به، وبعدد من غرق مع فرعون.
( الر ) :
فخّمها(٣) ابن كثير ونافع وحفص. وأَمالها الباقون، إجراء لألف الرّاء مجرى المنقلبة من الياء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : هو حرف من حروف الاسم الأعظم المنقطع في القرآن. فإذا ألفّه الرّسول أو الإمام فدعا به، أجيب.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، مضى بتمامه
__________________
(١) ثواب الأعمال / ١٣٢، ح ١.
(٢) المجمع ٣ / ٨٧.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٨.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٠٨.
في أوّل آل عمران وأوّل الأعراف. وفي آخره: وليس من حروف مقطّعة حرف ينقضي أيّامه، إلّا وقد قام قائم من بني هاشم عند انقضائه.
ـ إلى قوله ـ: ثمّ كان بدو خروج الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ «الم [، الله». فلمّا](١) بلغت مدّته(٢) مقدمته، قام قائم ولد العبّاس عند «المص». ويقوم قائمنا عند انقضائها ب «المر»(٣) . فافهم ذلك، وعه، واكتمه.
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) ، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه الصّادق ـ عليه السّلام ـ: و «الر» معناه: أنا الله الرّؤوف الرّحيم.
( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) (١): إشارة إلى ما تضمّنته السّورة، أو القرآن من الآي. والمراد من «الكتاب»: أحدهما. ووصفه بالحكيم، لإشتماله على الحكم، أو لأنّه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ منها.
( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) : استفهام إنكار، للتّعجّب.
و «عجبا» خبر كان، واسمه( أَنْ أَوْحَيْنا ) .
وقرئ(٥) ، [بالرفع على أن الأمر](٦) بالعكس. أو على أن «كان» تامّة، و «أن أوحينا» بدل من عجب و «اللّام» للدّلالة على أنّهم جعلوه أعجوبة لهم يوجّهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم.
( إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) : من أفناء رجالهم، دون عظيم من عظمائهم.
قيل(٧) : كانوا يقولون: العجب أنّ الله لم يجد رسولا يرسله إلى النّاس إلّا يتيم أبي طالب. وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنّبوّة. هذا وإنّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه، إلّا في المال وخفّة الحال أعون شيء في هذا الباب(٨) . ولذلك كان أكثر الأنبياء ـ عليهم
__________________
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٣، ح ٣.
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «مقدمته» بدل «مدّته».
(٣) المصدر: الرا.
(٤) المعاني / ٢٢، ح ١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٨.
(٦) من المصدر.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) كذا في المصدر. وفي أ: البال، وفي سائر
السّلام ـ قبله كذلك.
وقيل(١) : تعجّبوا من أنّه بعث بشرا رسولا، كما سبق ذكره في سورة الأنعام.
( أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) .
«أن» هي المفسّرة. أو المخفّفة من الثّقيلة، فتكون في موضع مفعول «أوحينا».
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ) : عمّم الإنذار، إذ قلّما أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه. وخصّص البشارة بالمؤمنين، إذ ليس للكفّار ما يصحّ أن يبشّروا به.
( أَنَّ لَهُمْ ) : بأنّ لهم.
( قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) : سابقة ومنزلة رفيعة. سمّيت: قدما، لأنّ السّبق بها، كما سمّيت النّعمة: يدا، لأنّها تعطى باليد. وإضافتها إلى الصّدق، لتحقّقها والتّنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول والنّيّة.
وفي أصول الكافي(٢) : الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن يونس قال: أخبرني من رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ـ إلى قوله ـعِنْدَ رَبِّهِمْ ) .
قال: ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) .
قال: هو رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله سواء.
وفي مجمع البيان(٥) :( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) . قيل: إنّ معنى( قَدَمَ صِدْقٍ ) : شفاعة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو المرويّ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
وقيل(٦) : هو تقديم الله إيّاهم في البعث يوم القيامة.
__________________
النسخ: المال.
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٩.
(٢) الكافي ١ / ٤٢٢، ح ٥٠.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٠٨.
(٤) الكافي ٨ / ٣٦٤، ح ٥٥٤.
(٥) المجمع ٣ / ٨٩.
(٦) نفس المصدر والموضع.
أقول: ما روي من أنّها ولاية أمير المؤمنين، أو هو رسول الله، أو شفاعة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أو قيل: هو تقديم الله إيّاهم في البعث يوم القيامّة، مرجعه إلى شيء واحد. فإنّ شفاعة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ لمن له الولاية، ومن له الولاية هو الّذي يقدّمه الله في البعث.
( قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا ) ، يعنون: الكتاب وما جاء به رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( لَساحِرٌ مُبِينٌ ) (٢).
وقرأ(١) ابن كثير والكوفيّون: «لساحر»، على أنّ الإشارة إلى الرّسول. وفيه اعتراف بأنّهم صادفوا من الرّسول أمورا خارقة للعادة، معجزة إيّاهم عن المعارضة.
وقرئ(٢) : «ما هذا إلّا سحر مبين».
( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) : الّتي هي أصول الممكنات.
( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) : يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته، ويهيّء بتحريكه أسبابها وينزلها منه.
و «التّدبير» النّظر في أدبار الأمور، لتجيء محمودة العاقبة.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن الصّباح بن سيابة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله خلق السّنة اثني عشر شهرا، وهو ثلاثمائة وستّون يوما، فحجز(٤) منها ستّة أيّام خلق فيها السّموات والأرض. في ستّة أيّام(٥) فمن ثمّ تقاصرت الشّهور.
عن أبي جعفر(٦) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال إنّ الله خلق السّموات والأرض في ستّة أيّام، فالسّنة تنقص ستّة أيّام.
عن جابر(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ: إنّ الله ـ جلّ ذكره وتقدّست أسماؤه ـ خلق الأرض قبل السّماء، ثمّ استوى على العرش لتدبير الأمور.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٣٩.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٠، ح ٧.
(٤) المصدر: فخرج.
(٥) ليس في ب: في ستة أيام.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٦.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٨.
وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل.
وفيه قوله:( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) .
يقول: على الملك احتوى.
وفيه(٢) ، خطبة ـ أيضا ـ للرّضا ـ عليه السّلام ـ. وفيها: مدبّر لا بحركة.
وبإسناده(٣) إلى أنس: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ، عن جبرئيل ـ عليه السّلام ـ، عن الله ـ تعالى ـ حديث طويل. وفيه: وأنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه، لئلّا يدخله العجب فيفسده ذلك. وأنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده(٤) . وأنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك. وأنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه [إلّا بالسّقم، ولو صححت جسمه لأفسده ذلك. وأنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه](٥) إلا بالصّحّة، ولو أسقمته لأفسده ذلك. إنّي أدبّر من عبادي لعلمي بقلوبهم، فإنّي عليم خبير.
( ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) : تقرير لعظمته وعزّ جلاله، وردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله. وفيه إثبات الشّفاعة لمن إذنه له.
( ذلِكُمُ اللهُ ) ، أي: الموصوف بتلك الصّفات المقتضية للألوهيّة والرّبوبيّة.
( رَبَّكُمُ ) : لا غير. إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك.
( فَاعْبُدُوهُ ) : وحّدوه بالعبادة.
( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٣): تتفكّرون أدنى تفكّر، فينبّهكم على أنّه المستحقّ للرّبوبيّة والعبادة، لا ما تعبدونه.
( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) : بالموت أو النّشور، لا إلى غيره، فاستعدّوا للقائه.
( وَعْدَ اللهِ ) : مصدر مؤكّد لنفسه. لأنّ قوله: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ » وعد من الله.
( حَقًّا ) : مصدر آخر مؤكّد لغيره، وهو ما دلّ عليه «وعد الله».
( إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) : بعد بدئه وإهلاكه.
__________________
(١) التوحيد / ٣٢١، ح ١.
(٢) نفس المصدر / ٣٧.
(٣) نفس المصدر / ٣٩٨، ح ١.
(٤) ليس في أ، ب، ر: لأفسده.
(٥) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ ) ، أي، بعدله.
أو بعدالتهم، وقيامهم على العدل في أمورهم.
أو بإيمانهم، لأنّه العدل القويم، كما أنّ الشّرك ظلم عظيم. وهو الأوجه، لمقابلة قوله:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) (٤): فإنّ معناه: ليجزي الّذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم. لكنّه غير النّظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتّنبيه على أنّ المقصود بالذّات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض. وأنّه ـ تعالى ـ يتولّى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعيّنه، وأمّا عقاب الكفره فكأنّه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم.
والآية كالتّعليل لقوله: «مرجعكم جميعا». فإنّه لـمّا كان المقصود من الإعادة مجازاة الله المكلّفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة. ويؤيّده قراءة من قرأ: «أنّه يبدأ» بالفتح، أي: لأنّه. ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب «وعد الله» حقّاً».
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ) ، أي: ذات ضياء. وهو مصدر، كقيام. أو جمع ضوء، كسياط وسوط. والياء فيه منقلبة عن الواو.
وعن ابن كثير(١) برواية قنبل: «ضئاءا» بهمزتين في كلّ القرآن، على القلب بتقديم اللّام على العين.
( وَالْقَمَرَ نُوراً ) ، أي: ذات نور. وسمّي «نورا» للمبالغة. وهو أعمّ من الضّوء، كما عرفت.
وقيل(٢) : ما بالذّات ضوء(٣) ، وما بالعرض نور.
وقد نبّه ـ سبحانه ـ بذلك على أنّه خلق الشّمس نيّرة بذاتها والقمر نيّرا بعرض، مقابلة الشّمس والاكتساب منها.
وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: فضرب [الله](٥) مثل
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٠.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: منورة.
(٤) الكافي ٨ / ٣٧٩، ح ٥٧٤.
محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ الشّمس، ومثل الوصي القمر. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب التّوحيد(١) : حدّثنا محمّد [بن](٢) موسى بن المتوكّل قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ، عن موسى بن عمران النّخعيّ، عن عمّه، الحسين بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم قال: حدّثنا أبو نعيم البلخيّ، عن مقاتل بن حيان(٣) ، عن عبد الرّحمن بن ذرّ(٤) ، عن أبي ذرّ الغفاريّ ـ رحمه الله ـ قال: كنت آخذا بيد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ونحن نتماشى جميعا، فما زلنا(٥) ننظر إلى الشّمس حتّى غابت.
فقلت: يا رسول الله، أين تغيب؟
قال: في السّماء. ثمّ ترفع من السّماء السّابعة(٦) حتّى تكون تحت العرش، فتخرّ ساجدة فتسجد معها الملائكة الموكّلون بها. ثمّ تقول: يا ربّ، من أين تأمرين أن أطلع، أمن مغربي أم من مطلعي؟ فذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ، يعني بذلك: صنع الرّبّ العزيز في ملكه [العليم](٧) بخلقه.
قال: فيأتيها جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بحلّة ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النّهار في طوله في الصّيف وفي قصره في الشّتاء، أو ما بين ذلك في الخريف والرّبيع.
قال: فتلبس تلك الحلّة، كما يلبس أحدكم ثيابه، ثمّ تنطلق بها في جوّ السّماء حتّى تطلع من مطلعها.
قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فكأنّي بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ثمّ لا تكسى ضوءا، وتؤمر أن تطلع من مغربها(٨) . فذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) . والقمر كذلك مطلعه ومجراه في أفق السّماء ومغربه
__________________
(٥) من المصدر.
(١) التوحيد / ٢٨٠، ح ٧.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: مقاتل بن جنان.
(٤) المصدر: عبد الرحمن بن أبي ذرّ.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فجاز لنا.
(٦) المصدر: «ثم ترفع من سماء إلى سماء حتّى ترفع إلى السماء السابعة العليا» بدل «ثمّ ترفع من السماء السابعة».
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي المتن: مطلعها.
وارتفاعه إلى السّماء السّابعة، ويسجد تحت العرش. ثمّ يأتيه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بالحلّة من نور الكرسيّ، فذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ) .
( وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ ) :
الضّمير لكلّ واحد، أي: قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو للقمر.
وتخصيصه بالذّكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشّرع به، ولذلك علّله بقوله:( لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) : حساب الأوقات من الأشهر والأيّام(١) في معاملاتكم وتصرّفاتكم.
( ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ إلّا ) : إلّا ملتبسا بالحقّ، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة.
( يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (٥): فإنّهم المنتفعون بالتّأمّل فيها.
وقرأ(٢) ابن كثير والبصريّان وحفص: «يفصّل» بالياء.
( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : من أنواع الكائنات.
( لَآياتٍ ) : على وجود الصّانع ووحدته وكمال علمه وقدرته.
( لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) (٦): العواقب. فإنّه يحملهم على التّدبّر والتّفكر.
( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ) : لا يتوقّعونه، لإنكارهم بالبعث وذهولهم بالمحسوسات عمّا وراءها.
( وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) : من الآخرة، لغفلتهم عنها.
( وَاطْمَأَنُّوا بِها ) : وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها.
( وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ) (٧): لا يتفكّرون فيها، لانهماكهم فيما يضادّها.
والعطف، إمّا لتغاير الوصفين والتّنبيه على أنّ الوعيد على الجمع بين الذّهول عن الآيات رأسا والانهماك في الشّهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا. وإمّا لتغاير
__________________
(١) ب: من الأشهر والأيام والليالي.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٠.
الفريقين.
والمراد بالأوّلين: من أنكر البعث، ولم ير إلّا الحياة الدّنيا. وبالآخرين: من ألهاه حبّ العاجل عن التّأمّل في الآجل والإعداد له.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: «الآيات» أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ. والدّليل على ذلك قول أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: ما لله آية أكبر منّي.
( أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٨): بما واطبوا عليه وتمرّنوا به من المعاصي.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) : بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدّي إلى الجنّة. أو لإدراك الحقائق، كما قال ـ عليه السّلام ـ: من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم. أو لما يريدونه في الجنّة.
ومفهوم التّرتيب وإن دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصّالح، لكن دلّ منطوق قوله: «بإيمانهم» على استقلال الإيمان بالسّببيّة، وأنّ العمل، كالتّتمّة والرّديف له.
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) : إستئناف. أو خبر ثان. أو حال من الضّمير المنصوب على المعنى الأخير. وقوله:( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) (٩): خبر. أو حال أخرى منه، أو من «الأنهار». أو متعلّق «بتجري»، أو «بيهدي».
وفي كتاب التّوحيد(٢) : حدّثني عليّ بن عبد الله الورّاق ومحمد بن أحمد السّنانيّ(٣) وعليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق ـ رضي الله عنه ـ قالوا: حدّثنا أبو العبّاس، أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، عن أبيه [عن](٤) ، جعفر بن سليمان البصريّ(٥) ، عن عبد الله بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد الله، جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ) .
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٠٩.
(٢) التوحيد / ٢٤١، ح ١.
(٣) كذا في المصدر وتنقيح المقال ٢ / ٧١. وفي النسخ: محمد بن علي السناني.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ١٥٢. وفي النسخ: جعفر بن سليمان النضريّ.
فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يضلّ الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، ويهدي أهل الإيمان والعمل الصّالح إلى جنّته، كما قال:( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـفِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) .
( دَعْواهُمْ فِيها ) ، أي: دعاؤهم.
( سُبْحانَكَ اللّهُمَّ ) : أللّهمّ، إنّا نسبّحك تسبيحا.
( وَتَحِيَّتُهُمْ ) : ما يحيّي بعضهم بعضا. أو تحية الملائكة إيّاهم.
( فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ ) : وآخر دعائهم.
( أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (١٠): أي أن يقولوا ذلك.
ولعلّ المعنى: أنّهم إذا دخلوا الجنّة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه، مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال. ثمّ حيّاهم الملائكة بالسّلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو الله ـ تعالى ـ فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الكرام.
و «أن» هي المخفّفة من الثّقيلة. وقد قرئ بها، وبنصب الحمد.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى الحسن بن عبد الله: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ، عن النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل في تفسير: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر.
وفي آخره قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وإذا قال: الحمد لله، أنعم الله عليه نعم الدّنيا موصولا بنعم الآخرة. وهو الكلمة الّتي يقولها أهل الجنّة إذا دخلوها. وينقطع الكلام الّذي يقولونه في الدّنيا ما خلا «الحمد [لله](٢) وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( دَعْواهُمْ ـ إلى قوله ـأَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن التّسبيح.
فقال: هو اسم من أسماء الله، ودعوى أهل الجنّة.
وفي روضة الكافي(٤) ، بإسناده إلى أبي حمزة الثّماليّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر الشّيعة وقربهم من الله
__________________
(١) العلل / ٢٥١، ذيل ح ٨.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٠، ح ٩.
(٤) الكافي ٨ / ٣٦٦، ح ٥٥٦.
ـ عزّ وجلّ ـ: أنتم أهل تحيّة الله بسلامه.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمّد بن إسحاق المدنيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سئل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ونقل عنه حديثا طويلا. يقول فيه حاكيا حال أهل الجنّة: وإذا أراد المؤمن(٢) شيئا [أو اشتهى](٣) ، إنّما دعواه فيها إذا أراد، أن يقول:( سُبْحانَكَ أللَّهُمَّ ) . فإذا قالها، تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلبه منهم أو أمر به. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ أللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ) ، يعني: الخدّام.
قال:( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، يعني بذلك: عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع والطّعام والشّراب، يحمدون الله ـ عزّ وجلّ ـ عند فراغهم.
وفيها(٤) خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ مسندة. وفي آخرها: والجنّة لأهلها مأوى، دعواهم فيها أحسن الدّعاء( سُبْحانَكَ أللَّهُمَّ ) دعاؤهم(٥) المولى على ما آتاهم.( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .
وفي مصباح الشّريعة(٦) : وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّ أطيب شيء في الجنّة وألذّه حبّ الله والحبّ في الله والحمد لله. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . وذلك أنّهم إذا عاينوا لما في الجنّة من النّعيم، هاجت المحبّة في قلوبهم. فينادون عند ذلك: الحمد لله ربّ العالمين.
وفي مجمع البيان(٧) : وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ منّ عليّ بفاتحة الكتاب ـ إلى قوله ـ: و( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) دعوى أهل الجنّة حين شكروا منه(٨) حسن الثّواب.
( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ) : ولو يسرع إليهم.
( اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ ) .
قيل(٩) : وضع موضع تعجيلهم لهم بالخير، إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير، حتّى
__________________
(١) نفس المصدر والمجلّد / ١٠٠، ح ٦٩.
(٢) المصدر: المؤمنون.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٨ / ١٧٣، ح ١٩٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: دعائم.
(٦) مصباح الشريعة / ١٩٥.
(٧) المجمع ١ / ٣١.
(٨) المصدر: «لله» بدل «منه».
كأنّ استعجالهم به تعجيله لهم. أو بأنّ المراد: شر استعجلوه، كقولهم:( فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) . وتقدير الكلام: ولو يعجّل الله للنّاس الشّرّ تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا، كاستعجالهم بالخير. فحذف منه ما حذف، لدلالة الباقي عليه.
( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) : لأميتوا واهلكوا.
وقرأ(١) ابن عامر ويعقوب: «لقضي» على البناء للفاعل، وهو الله ـ تعالى ـ.
وقرئ(٢) : «لقضينا».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: لو عجّل الله الشّرّ، كما يستعجلون الخير( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) ، أي: فرغ من أجلهم.
( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (١١): عطف على فعل محذوف دلّت عليه الشّرطيّة، كأنّه قيل: ولكن لا نعجّل ولا نقضي، فنذرهم إمهالا لهم واستدراجا.
( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا ) : لإزالته مخلصا فيه.
( لِجَنْبِهِ ) : ملقى لجنبه، أي: مضطجعا.
( أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ) .
وفائدة التّرديد تعميم الدّعاء لجميع الأحوال، أو الأصناف المضارّ.
( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ) : مضى على طريقه واستمرّ على كفره. أو مرّ عن موقف الدّعاء لا يرجع إليه.
( كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا ) »، كأنّه لم يدعنا. فخفّف وحذف ضمير الشّأن، كما قال: ونحر مشرق اللّون كانّ ثدياه حقّان.
( إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ) : إلى كشف ضرّ.
( كَذلِكَ ) ، أي: مثل ذلك التّزيين.
( زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٢): من الانهماك في الشّهوات والإعراض عن العبادات.
( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) : يا أهل مكّة.
__________________
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٤١.
(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٠٩.
( لَمَّا ظَلَمُوا ) : حين ظلموا بالتّكذيب.
( وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) : بالحجج الدّالة على صدقهم. وهو حال من الواو بإضمار «قد»، أو عطف على «ظلموا».
( وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) : وما استقام لهم أن يؤمنوا، لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنّهم يموتون على كفرهم.
و «اللّام» لتأكيد النّفي.
( كَذلِكَ ) ، مثل ذلك الجزاء. وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرّسل وإصرارهم عليه، بحيث تحقّق أنّه لا فائدة في إمهالهم.
( نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) (١٣): كلّ مجرم، أو مجزيكم. فوضع المظهر موضع المضمر، للدّلالة على كمال جرمهم وأنّهم أعلام فيه.
( ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) : استخلفناكم فيها بعد القرون الّتي أهلكناها استخلاف من يختبر.
( لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (١٤): أتعملون خيرا أو شرّا، فنعاملكم على مقتضى أعمالكم.
و «كيف» معمول «تعملون» فإنّ معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله. وفائدته الدّلالة على أنّ المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفيّاتها، لا هي من حديث ذاتها، ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى. وفيه دلالة على أنّ للفعل جهة محسّنة وجهة مقبّحة يؤمر به أو ينهى عنه لها.
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ) ، يعني: المشركين.
( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ) : بكتاب آخر ليس فيه ما نستبعده من البعث والثّواب والعقاب بعد الموت، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا.
( أَوْ بَدِّلْهُ ) : بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. ولعلّهم سألوا ذلك، كي يسعفهم إليه فيلزموه.
( قُلْ ما يَكُونُ لِي ) : ما يصحّ لي.
( أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ) : من قبل نفسي. وهو مصدر استعمل ظرفا. وإنّما اكتفى بالجواب عن التّبديل، لإستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ـ إلى قوله ـمِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ) : قالوا: بدّل مكان عليّ ـ عليه السّلام ـ أبو بكر أو عمر، اتّبعناه.
وفي أصول الكافيّ(٢) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن الحسين، عن عمر بن يزيد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن سنان، عن مفضّل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تعالى ـ:( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ) .
قال: قالوا: أو بدّل عليّا.
( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي السّفاتج، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ) ، يعني: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ.
وقوله:( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ ) تعليل لما يكون، فإنّ المتّبع لغيره في أمر لا يستبدّ بالتّصرّف فيه بوجه، وجواب للنّقض بنسخ بعض الآيات ببعض، وردّ لما عرّضوا له بهذا السّؤال من أنّ القرآن كلامه واختراعه. ولذلك قيّد التّبديل في الجواب وسمّاه عصيانا، فقال:( إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ) ، أي: بالتّبديل.
( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (١٥): وفيه إيماء بأنّهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما ترك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله(٥) ـ:( إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) حتّى نزلت سورة الفتح، فلم يعد إلى ذلك الكلام.
( قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ) : غير ذلك.
( ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ) : ولا أعلمكم به على لساني.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٠، ح ١٠.
(٢) الكافي ١ / ٤١٩، ح ٣١٧.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣١٠.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٠، ح ١٢.
(٥) المصدر: «لم يزل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول» بدل «ما ترك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وعن إبن كثير(١) : «ولأدراكم» بلام التّأكيد، أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، ولأعلمكم به على لسان غيري. والمعنى: أنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري.
وقرئ(٢) : «ولا أدرأتكم» بالهمزة فيهما، على لغة من يقلّب المبدّلة من الياء همزة. أو على أنّه من الدّرء، بمعنى: الدّفع، أي: ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال. والمعنى: أنّ الأمر بمشيئة الله لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه. ثمّ قرّر ذلك بقوله:( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً ) : مقدار عمر أربعين سنة.
( مِنْ قَبْلِهِ ) : من قبل القرآن، لا أتلوه ولا أعلمه. فإنّه إشارة إلى أنّ القرآن معجز خارق للعادة. فإنّ من عاش بين أظهرهم أربعين سنة، ولم يمارس فيها علما ولم يشاهد عالما ولم ينشئ قريضا ولا خطبة، ثمّ قرأ عليهم كتابا بزّت(٣) فصاحته كلّ منطيق وعلا كلّ منثور ومنظوم واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأوّلين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه، علم أنّه معلّم من الله.
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١٦)»، أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتّدبّر والتّفكّر، لتعلموا أنّه ليس إلّا من الله.
( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) : تفاد ممّا أضافوه إليه كناية أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله في قولهم: إنّه لذو شريك وذو ولد.
( أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) : فكفر بها.
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) (١٧)( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) : لأنّه جماد لا يقدر على نفع ولا ضرّ. والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا، حتّى يعود عليه بجلب نفع أو دفع ضرر.
( وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ ) : الأوثان.
( شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) : تشفع لنا فيما يهمّنا من أمر الدّنيا أو في الآخرة إن يكن بعث، وكأنّهم كانوا شاكّين فيه.
وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضّار النّافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنّه لا يضرّ ولا ينفع، على توهّم أنّه ربّما يشفع لهم عنده.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٢.
(٣) بزّ: غلب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ـ إلى قوله ـعِنْدَ اللهِ ) .
قال: كانت قريش يعبدون الأصنام، ويقولون: إنّما نعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى، فإنّا لا نقدر على عبادة الله.
فردّ الله عليهم، فقال: قل لهم، يا محمّد:( أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ ) ، أي: ليس. فوضع حرفا مكان حرف، أي: ليس له شريك يعبد.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الزّهريّ قال: أتى رجل أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فسأله عن شيء، فلم يجبه.
فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك، فأنت من أبناء عبدة الأصنام.
فقال له: كذبت. إنّ الله أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل. فقال إبراهيم:( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) .(٣) فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما قطّ، لكنّ العرب عبدة الأصنام. وقالت بنو إسماعيل: «هؤلاء شفعاؤنا [عند الله](٤) » وكفرت ولم تعبد الأصنام.
( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ ) : أتخبرونه.
( بِما لا يَعْلَمُ ) : وهو أنّ له شريكا، وفيه تقريع وتهكّم بهم. أو هؤلاء شفعاؤنا عنده. وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات، لا يكون له تحقّق ما.
( فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) : حال من العائد المحذوف، مؤكّدة للنّفي، منبّهه على أنّ ما يعبدونه من الله إمّا سماويّ أو أرضيّ. ولا شيء من الموجودات فيهما إلّا وهو حادث مقهور مثلهم، لا يليق أن يشرك به.
( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (١٨): عن إشراكهم، أو عن الشّركاء الّذين يشركونهم به.
وقرأ(٥) حمزة والكسائيّ هنا وفي الموضعين في أوّل النّحل والرّوم، بالتاء.
( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً ) ، يعني: قبل بعث نوح ـ عليه السّلام ـ كانوا
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٠.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٣١.
(٣) ابراهيم / ٣٥.
(٤) من المصدر.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٣.
على الفطرة لا مهتدين ولا ضلّالا، كما مضي بيانه.
( فَاخْتَلَفُوا ) : باتّباع الهوى والأباطيل أو ببعثة الرّسل، فتبعتهم طائفة وأصرّت أخرى.
( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) : بتأخير الحكم بينهم. أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل والجزاء.
( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) : عاجلا.
( فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (١٩): بإهلاك المبطل وإبقاء المحقّ. ولكنّ الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدّار للتّكليف والاجتناب، وتلك للثّواب والعقاب.
( وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) : أي: من الآيات الّتي اقترحوها.
( فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ) : هو المختصّ بعلمه. فلعلّه يعلم في إنزال الآيات المقترحة مفاسد تصرف عن إنزالها.
( فَانْتَظِرُوا ) : لنزول ما اقترحتموه.
( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (٢٠): لما يفعل الله بكم، بجحودكم ما نزل من الآيات العظام واقتراحكم غيره.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى محمّد بن الفضيل: عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن شيء من الفرج.
قال: أليس انتظار الفرج من الفرج(٢) . إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال(٣) :( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) .
وبإسناده(٤) إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: ما أحسن الصّبر وانتظار الفرج. أما سمعت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) . وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) . فعليكم بالصّبر، فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس. فقد كان الّذي من قبلكم أصبر منكم.
( وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ) : صحّة وسعة.
__________________
(١) كمال الدين ٦٤٥، ح ٤.
(٢) ليس في المصدر: أليس انتظار الفرج من الفرج.
(٣) المصدر: يقول.
(٤) نفس المصدر والصفحة، ح ٥.
( مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ) »، كقحط ومرض.
( إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا ) : بالطّعن فيها والاحتيال في دفعها.
قيل(١) : قحط أهل مكّة سبع سنين، حتّى كادوا يهلكون. ثمّ رحمهم بالمطّر، فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله.
( قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً ) : منكم، قد دبّر عقابكم قبل أن تدبّروا كيدكم. وإنّما دلّ على سرعتهم المفضّل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جوابا «لإذا» الشّرطيّة.
فالمكر إخفاء الكيد. وهو من الله إمّا الاستدراج، أو الجزاء على المكر.
( إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ) (٢١): تحقيق للانتقام، وتنبيه على أنّ ما دبّروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلا عن أن يخفى على الله.
وعن يعقوب(٢) : «يمكرون» بالياء، ليوافق ما قبله.
( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ) : يحملكم على السّير، ويمكّنكم منه.
( فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ) : في السّفن.
( وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) : بمن فيها.
عدل عن الخطاب إلى الغيبة، للمبالغة، كأنّه تذكرة لغيرهم ليتعجبّ من حالهم وينكر عليهم.
( بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) : لينة الهبوب.
( وَفَرِحُوا بِها ) : بتلك الرّيح.
( جاءَتْها ) : جواب «إذا». والضّمير «للفلك» أو «للرّيح الطّيّبة»، بمعنى: تلقّتها.
( رِيحٌ عاصِفٌ ) : شديدة الهبوب.
( وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) : يجيء الموج منه.
( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ) : اهلكوا وسدّت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط به العدوّ.
( دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) : من غير إشراك، لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدّة الخوف. وهو بدل من «ظنّوا» بدل اشتمال، لأنّ دعاءهم من لوازم
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٤.
ظنّهم.
( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (٢٢): على إرادة القول. أو مفعول «دعوا» لأنّه من جملة القول.
( فَلَمَّا أَنْجاهُمْ ) : إجابة لدعائهم.
( إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ ) : فاجئوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه.
( بِغَيْرِ الْحَقِ ) : مبطلين فيه. وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم، فإنّها إفساد بحقّ.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أسباط ومحمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجليّ [عن علي بن أسباط](٢) ، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فإن اضطرب بك البحر، فاتّكِ على جانبك الأيمن وقل: بسم الله، أُسكن بسكينة الله، وقرّ بوقار الله، واهدأ بإذن الله، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) : فإنّ وباله عليكم. أو إنّه على أمثالكم وأبناء جنسكم.
( مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) : لا تبقى، ويبقى عقابها.
ورفعه، على أنّه خبر «بغيكم»، و «على أنفسكم» صلته. أو خبر محذوف، تقديره: ذلك متاع الحياة الدّنيا، و «على أنفسكم» خبر «بغيكم».
ونصبه(٣) حفص، على أنّه مصدر مؤكّد، أي: تتمتّعون متاع الحياة الدّنيا. أو مفعول البغي، لأنّه بمعنى الطّلب، فيكون الجارّ من صلته، والخبر محذوف، تقديره: بغيكم متاع الحياة الدّنيا محذور أو ضلال. أو مفعول فعل دلّ عليه البغي، و «على أنفسكم» خبره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في كتابه الّذي كتبه إلى شيعته، ويذكر خروج عائشة [إلى البصرة وعظّم خطأ طلحة والزبير فقال: وأيّ خطيئة أعظم ممّا أتيا، أخرجا زوجة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٥) من بيتها: وكشفا
__________________
(١) الكافي ٣ / ٤٧١، ح ٥.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٤.
(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢١٠.
عنها حجابا ستره الله عليها، وصانا حلائلهما في بيوتهما. ما أنصفا لا لله ولا لرسوله من أنفسهما ثلاث خصال، مرجعها على النّاس في كتاب الله: البغي والمكر والنّكث. قال الله:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) . وقال:( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) . وقال:( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) . وقد بغيا علينا، ونكثا بيعتي، ومكرا بي.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن منصور بن يونس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ثلاث يرجعن على صاحبهنّ: النّكث والبغي والمكر. قال الله:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) .
( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ ) : في القيامة.
( فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢٣): بالجزاء عليه.
( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) : حالها العجيبة في سرعة تقضّيها وذهاب نعيمها، بعد إقبالها واغترار النّاس بها.
( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ) : فاشتبك بسببه، حتّى خالط بعضها بعضا.
( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ ) : من الزّروع والبقول والحشيش.
( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ ) : بأصناف النّبات وأشكالها وألوانها المختلفة، كعروس أخذت من ألوان الثّياب والتّزيّن، فتزيّنت بها.
و «ازّيّنت» أصله: تزيّنت، فأدغم.
وقد قرئ(٢) على الأصل: «وازينت». على «أفعلت» من غير إعلال، كأغيلت. والمعنى: صارت ذات زينة. و «ازيانت»، كابياضت.
( وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ) : متمكّنون من حصدها ودفع غلّتها.
( أَتاها أَمْرُنا ) : ضرب زرعها ما يجتاحه.
( لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها ) : زرعها.
( حَصِيداً ) : شبيها بما حصد من أصله.
__________________
(٥) من المصدر.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢١، ح ١٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٤.
( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ) : كأن لم يغن زرعها، أي: لم يلبث. فالمضاف محذوف في الموضعين، للمبالغة.
وقرئ(١) ، بالياء، على الأصل.
( بِالْأَمْسِ ) : فيما قبله. وهو مثل في الوقت القريب. والممثّل به مضمون الحكاية، وهو زوال خضرة النّبات فجأة وذهابه حطاما بعد ما كان غضّا والتفّ وزيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله وظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء، وإن وليه حرف التّشبيه. لأنّه من التّشبيه المركّب.
( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (٢٤): فإنّهم المنتفعون به.
وفي روضة الكافي(٢) ، كلام لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في الوعظ والزّهد في الدّنيا. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فازهدوا فيما زهّدكم ـ عزّ وجلّ ـ فيه من عاجل الدّنيا.
فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول وقوله الحقّ:( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) (إلى آخر الآية). فكونوا عباد الله من القوم الّذين يتفكّرون.
وفيها(٣) خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وفيها: فاجعلوا عبادة الله(٤) اجتهادكم في هذه(٥) ، التّزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطّويل، فإنّها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء. فتجافوا عنها، فإنّ المغترّ من اغترّ بها. لن تعدو الدّنيا إذا تناهت إليه أمنية أهل الرّغبة فيها، المحبّين لها، المطمئنّين إليها، المفتونين بها أن تكون، كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: جعلت فداك، بلغنا أنّ لآل جعفر راية ولآل العبّاس رايتين. فهل انتهى إليك من علم ذلك شيء؟
قال: أمّا آل جعفر، فليس بشيء ولا إلى شيء. وأمّا آل العبّاس، فإنّ لهم ملكا مبطئا، يقرّبون فيه البعيد ويبعّدون فيه القريب، وسلطانهم عسر ليس فيه(٧) يسر، حتّى
__________________
(١) نفس المصدر والمجلّد / ٤٤٥.
(٢) الكافي ٨ / ٧٥، ح ٢٩.
(٣) نفس المصدر والمجلّد / ١٧٤، ح ١٩٤.
(٤) المصدر: عباد الله.
(٥) المصدر: في هذه الدنيا.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣١٠.
إذا أمنوا مكر الله وأمنوا عقابه صيح فيهم صيحة لا يبقى لهم منال يجمعهم ولا آذان تسمعهم. وهو قول الله(١) ـ عزّ وجلّ ـ:( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ ) (الآية).
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) : حدّثنا أبو الحسن، عليّ بن موسى بن إبراهيم بن محمّد بن عبد الله [بن موسى](٣) بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ قال: وجدت في كتاب أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن الطّوّال، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ الطّبرسي، عن أبي جعفر، محمّد [بن الحسن](٤) بن عليّ بن إبراهيم بن مهزيار قال: سمعت أبي يقول: سمعت جدّي عليّ بن إبراهيم [بن مهزيار](٥) يقول: قال لي صاحب الزّمان ـ صلوات الله عليه ـ: يا بن مهزيار، كيف خلّفت إخوانك في العراق؟
قلت: في ضنك عيش وهناة(٦) وقد تواترت عليهم سيوف بني الشيصبان(٧) .
فقال: قاتلهم الله، أنّى يؤفكون، كأنّي بالقوم قد قتلوا في ديارهم، وأخذهم أمر ربّهم ليلا ونهارا.
قلت: متّى يكون ذلك، يا بن رسول الله؟
قال: إذا حيل بينكم وبين سبل الكعبة بأقوام لا خلاق لهم، والله ورسوله منهم براء، وظهرت الحمرة في السّماء فيها أعمدة، كأعمدة اللّجين تتلألأ نورا(٨) ، ويخرج الشروسي(٩) من إرمنية وآذربيجان يريدون الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر لزيق جبال طالقان. فيكون بينه وبين المروزيّ وقعة صيلمانية(١٠) ، يشبّ فيها الصّغير ويهرم منها الكبير، ويظهر القتل بينهما، فعندها توقّعوا خروجه إلى الزّوراء. فلا يلبث فيها، حتّى
__________________
(٧) ليس في المصدر.
(١) المصدر: «ولا (رجال تمنعهم ك) وهو قول الله» بدل «ولا اذان تسمعهم وهو قول الله».
(٢) كمال الدين / ٤٦٥ ـ ٤٧٠، ح ٢٣.
(٣) من المصدر.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: هذا. والهناة: الداهية.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «بني الشيطان» بدل «سيوف بني الشيصبان» وهو كناية عن بني العبّاس.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتلألأ الألوان.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ويسير» بدل «الشروسي».
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: صلبانية. والصيلم: الأمر الشديد. وقعة صيلمة: مستأصلة.
يوافي باهات(١) . ثمّ يوافي واسط العراق فيقيم بها سنة أو دونها. ثمّ يخرج إلى كوفان، فتكون بينهم [وقعة من النجف إلى الحيرة إلى الغرىّ](٢) وقعة شديدة تذهل منها العقول، فعندها يكون(٣) بوار الفئتين(٤) وعلى الله حصاد الباقين. ثمّ تلا: «بسم الله الرّحمن الرّحيم،( أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) .
فقلت: سيّدي يا ابن رسول الله، فما الأمر؟
قال: نحن أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ وجنوده.
قلت: سيّدي يا ابن رسول الله، حان(٥) الوقت؟
قال: و( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ) .
قيل(٦) : أي: دار السّلامة من التّقضّي والآفة. أو دار يسلّم الله والملائكة على من يدخلها.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، بإسناده إلى العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية يقول: إنّ السّلام هو الله ـ عزّ وجلّ ـ. وداره الّتي خلق لعباده ولأولياءه(٨) ، الجنّة.
وبإسناده(٩) إلى عبد الله بن الفضل(١٠) الهاشميّ، عن أبي عبد الله حديث طويل.
يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: اسم من أسماء الله ـ عزّ وجلّ ـ.
( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) : بالتّوفيق.
( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٢٥): الّذي هو طريقها.
وفي شرح الآيات الباهرة(١١) : روى الحسين بن جبير في كتابه، نخب المناقب ،
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بأهاب. وفي نور الثقلين ٢ / ٣٠٠، ح ٤١ «ماهان» بدل «باهات».
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يوكون.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بوار الفشي.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: حال.
(٦) المجمع ٣ / ١٣٠، وأنوار التنزيل ١ / ٤٤٥.
(٧) المعاني / ١٧٦، ح ١.
(٨) المصدر: وداره الّتي خلقها لأولياءه.
(٩) نفس المصدر والموضع.
(١٠) أ، ب: عبد الله بن الفضيل.
بإسناده حدّثنا، يرفعه إلى عبد الله بن العبّاس وزيد بن عليّ في قوله:( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ) ، يعني به: الجنّة.( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) قال: يعني: ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.
وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فأخبر الله ـ تبارك وتعالى ـ أوّل من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتّباع أمره، فبدأ بنفسه فقال:( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .
( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ) : المثوبة الحسنى.
( وَزِيادَةٌ ) : وما يزيد على المثوبة تفضّلا، لقوله:( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) .
وقيل(٢) : «الحسنى» الجنّة، مثل حسناتهم والزّيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر.
وقيل(٣) : «الزّيادة» مغفرة من الله ورضوان.
وقيل(٤) : «الحسنى» الجنّة. و «الزّيادة» هو اللّقاء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) .
قال: النّظر إلى رحمة الله ـ تعالى ـ.
وفي رواية أبي الجارود(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) .
قال: أمّا الحسنى، فالجنّة. وأمّا الزّيادة، فالدّنيا. ما أعطاهم الله في الدّنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، ويجمع لهم ثواب الدّنيا والآخرة.
وفي مجمع البيان(٧) :( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) ذكر في ذلك وجوه.
إلى قوله: وثالثها، أنّ الزّيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب. عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
__________________
(١١) تأويل الآيات الظاهرة ١ / ٢١٤.
(١) الكافي ٥ / ١٣، ح ١.
(١ و ٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٥.
(٥ و ٦) تفسير القمّي ١ / ٣١١.
(٧) المجمع ٣ / ١٠٤.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(١) ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: قال الله ـ تعالى ـ:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) [و «الحسنى»](٢) هي الجنّة. و «الزّيادة» هي الدّنيا.
( وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ) : لا يغشاها.
( قَتَرٌ ) : غبرة فيها سواد.
( وَلا ذِلَّةٌ ) : هوان.
والمعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النّار، ولا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال.
وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن ميمون القدّاح قال: قال لي أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: اقرأ.
قلت: من أيّ شيء أقرأ؟
قال: من السّورة التّاسعة(٤) .
قال: قلت: فجعلت ألتمسها.
فقال: اقرأ من سورة يونس.
قال: فقرأت:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ) .
قال: حسبك.
قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّي لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن [منصور بن](٦) يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما من شيء إلّا وله كيل ووزن إلّا الدّموع، فإنّ القطرة تطفئ بحارا من نار. فإذا اغرورقت العين بمائها، لم يرهق وجها قتر ولا ذلّة. فإذا فاضت، حرّمه الله على النّار. ولو أنّ باكيا [بكى](٧) في أمّة، لرحموا.
__________________
(١) أمالي الطوسي ١ / ٢٥.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٦٣٢، ح ١٩.
(٤) في القرآن هي العاشرة.
(٥) الكافي ٢ / ٤٨١، ح ١.
(٦) من المصدر.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة ومنصور بن يونس، عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في حديث طويل: ولا فاضت عين على خدّه فرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلّة.
وفي مجمع البيان(٢) : وروى الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما من عين ترقرقت(٣) بمائها، إلّا حرّم الله ذلك الجسد على النّار، فإن فاضت من خشية الله، لم يلحق(٤) ذلك الوجه قتر ولا ذلّة.
وفي تفسير العيّاشي(٥) ، مثله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وقال عليّ بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ: «القتر» الجوع والفقر. و «الذلّة» الخوف.
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢٦): دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها، بخلاف الدّنيا وزخارفها.
( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ) : عطف على قوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ) ، على مذهب من يجوّز: في الدّار زيد والحجرة عمرو. أو الّذين مبتدأ والخبر( جَزاءُ سَيِّئَةٍ ) ، على تقدير: وجزاء الّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها، أيّ: أن تجازى سيئة بسيّئة مثلها لا يزاد عليها.
وفيه تنبيه على أنّ الزّيادة هي الفضل، أو التّضعيف. أو كأنّما أغشيت وجوههم. أو «أولئك أصحاب النّار»، وما بينهما اعتراض. «فجزاء سيّئة» مبتدأ، خبره محذوف، أي: جزاء سيّئة بمثلها واقع. أو بمثلها واقع. أو بمثلها، على زيادة الباء. أو تقديره: مقدّر بمثلها.
( وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) .
وقرئ(٧) ، بالياء.
__________________
(٧) من المصدر.
(١) نفس المصدر والمجلّد / ٤٨٢، ح ٢.
(٢) المجمع ٣ / ١٠٤.
(٣) في تفسير العيّاشي: ما من عبد اغرورقت بمائها.
(٤) المصدر وتفسير العيّاشي: لم يرهق.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢١، ح ١٥.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣١١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٥.
( ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) : ما من أحد يعصمهم من سخط الله. أو من جهة الله. أو من عنده، كما يكون للمؤمنين.
( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) : لفرط سوادها وظلمتها.
و «مظلما» حال من «اللّيل»، والعامل فيه «أغشيت» لأنّه العامل في «قطعا». وهو موصوف بالجارّ والمجرور. فالعامل في الموصوف عامل في الصّفة، أو معنى الفعل في «من اللّيل».
وقرأ(١) ابن كثير والكسائيّ ويعقوب: «قطعا» بالسّكون. وعلى هذا يصحّ أن يكون «مظلما» صفة له، أو حالا منه.
( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢٧).
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: هؤلاء أهل البدع والشّبهات والشّهوات يسود وجوههم، ثمّ يلقونه. يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) [يسوّد الله وجوههم يوم القيامة](٣) ويلبسهم الذّلّة والصّغار. ويقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .
وفي روضة الكافي(٤) : يحيى الحلبي، عن المثنّى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) . أما ترى البيت إذ كان اللّيل، كان أشدّ سوادا من خارج؟ فكذلك هم يزدادون سوادا.
( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) ، يعني: الفريقين.
( ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ ) : الزموا مكانكم حتّى تنظروا ما يفعل بكم.
( أَنْتُمْ ) : تأكيد للضّمير المنتقل إليه من عامله.
( وَشُرَكاؤُكُمْ ) : عطف عليه.
وقرئ(٥) ، بالنّصب، على المفعول معه.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣١١.
(٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٨ / ٢٥٢، ح ٣٥٥.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٦.
( فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ) : وقطعنا الوصل الّتي بينهم، وفرّقنا بينهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : يبعث الله نارا تزيّل بين الكفّار والمؤمنين.
( وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ) (٢٨): مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم. فإنّهم إنّما عبدوا في الحقيقة أهواءهم، لأنّها الآمرة بالإشراك لا ما أشركوا به.
وقيل(٢) : ينطق الله الأصنام، فتشافههم بذلك مكان الشّفاعة الّتي توقّعوا منها.
وقيل(٣) : المراد بالشّركاء: الملائكة المسيح.
وقيل(٤) : الشّياطين.
( فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) : فإنّه العالم بكنه الحال.
( إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ) (٢٩) :
«إن» هي المخفّفة عن الثّقيلة. و «اللّام» هي الفارقة.
( هُنالِكَ ) : في ذلك المقام.
( تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) : تختبر ما قدّمت من عمل، فتعاين نفعه وضرّه.
وقرأ(٥) حمزة والكسائيّ: «تتلوا» من التّلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت. أو من التّلو، أي: تتبّع عمله، فيقوده إلى الجنّة أو إلى النّار.
وقرئ(٦) : «نبلوا» بالنّون، ونصب «كلّ»، وإبدال «ما» منه. والمعنى: نختبرها، أي: نفعل بها فعل المختبر لحالها، المعترّف لسعادتها وشقاوتها بتعرّف ما أسلفت من أعمالها.
ويجوز أن يراد: نصيب بالبلاء، أي: بالعذاب كلّ نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشّرّ. فتكون «ما» منصوبة بنزع الخافض.
( وَرُدُّوا إِلَى اللهِ ) : إلى جزائه إيّاهم بما أسلفوا.
( مَوْلاهُمُ الْحَقِ ) : ربّهم ومتولّي أمرهم على الحقيقة، لا ما اتّخذوه مولى.
وقرئ(٧) : «الحقّ» بالنّصب، على المدح أو المصدر المؤكّد.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) : وضاع عنهم.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٢.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٦.
(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٦.
( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (٣٠): من أنّ آلهتهم تشفع لهم. أو ما كانوا يدّعون أنّها آلهة.
[وفي نهج البلاغة(١) : فكيف لو تناهت بكم الأمور وبعثرت القبور( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ، وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) ](٢) .
( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) : منهما جميعا، فإنّ الأرزاق تحصل بأسباب سماويّة وموادّ أرضيّ. أو من كلّ واحد منهما، توسعة عليكم.
وقيل(٣) «من» لبيان «من» على حذف المضاف، أي: من أهل السّماء والأرض.
( أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ) : أمّن يستطيع خلقهما وتسويتهما. أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتهما وسرعة انفعالهما من أدنى شيء.
( وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ) : من يحيي ويميت.
أو من ينشئ الحيوان من النّطفة، والنّطفة منه.
( وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) : ومن يلي تدبير أمر العالم. وهو تعميم بعد تخصيص.
( فَسَيَقُولُونَ اللهُ ) : إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك، لفرط وضوحه.
( فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) (٣١): أنفسكم عقابه، بإشراككم إيّاه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.
( فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ ) : المتولّي لهذه الأمور، المستحقّ للعبادة. هو ربّكم الثّابت ربوبيّته، لأنّه الّذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبّر أموركم.
( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) : استفهام إنكار، أي: ليس بعد الحقّ إلّا الضّلال. فمن تخطّى الحقّ الّذي هو عبادة الله، وقع في الضّلال.
( فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) (٣٢)»: عن الحقّ إلى الضّلال.
( كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) »، أي: كما حقّت الرّبوبيّة لله. أو أنّ الحقّ بعد الضّلال. أو أنّهم مصروفون عن الحقّ حقّت كلمة الله وحكمه.
وقرأ(٤) نافع وابن عامر: «كلمات» هنا وفي آخر السّورة، وفي غافر.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٣٤٩، خطبة ٢٢٦.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٦.
(٤) المجمع ٣ / ١٠٦.
( عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ) : تمرّدوا في كفرهم، وخرجوا عن حدّ الاستصلاح.
( أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) (٣٣): بدل من «الكلمة». أو تعليل لحقّيّتها، والمراد بها: العدة بالعذاب.
( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) : جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها، لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها. ولذلك أمر الرّسول بأن ينوب عنهم في الجواب، فقال:( قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) . لأنّ لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها.
( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) (٣٤): تصرفون عن قصد السّبيل.
( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) : بنصب الحجج، وإرسال الرّسل، والتّوفيق للنّظر والتّدبّر.
و «هدى»، كما يعدّى «بإلى» لتضمّنه معنى الانتهاء، يعدّى باللّام، للدّلالة على أنّ المنتهى غاية الهداية، ولأنّها لم تتوجّه نحوه على سبيل الاتّفاق، ولذلك عدّي بها ما أسند إلى الله.
( قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي ) : أم الّذي لا يهتدي.( إِلَّا أَنْ يُهْدى ) . من قولهم: هدي بنفسه: إذا اهتدى. أو لا يهدي غيره إلّا أن يهديه الله. وهذا حال أشراف شركائهم، كالملائكة والمسيح وعزير.
وقرأ(١) ابن كثير، وورش عن نافع، وابن عامر: «يهدّي» بفتح الهاء وتشديد الدّال. ويعقوب وحفص، بالكسر والتّشديد. والأصل: يهتدي، فأدغم وفتحت الهاء بحركة التّاء، أو كسرت لالتقاء السّاكنين.
وروى(٢) أبو بكر «يهدّي» باتّباع الياء الهاء.
وقرأ(٣) أبو عمرو، بالإدغام المجرّد، ولم يبال بالتقاء السّاكنين. لأنّ المدغم في حكم المتحرّك.
وعن نافع(٤) برواية قالون، مثله.
وقرئ(٥) : «أن يهدى» على المبالغة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٧.
(١ و ٣) نفس المصدر والموضع.
(٥) نفس المصدر والموضع.
( فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٣٥): بما يقتضي صريح العقل بطلانه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال والحجّال جميعا، عن ثعلبة، عن عبد الرّحمن بن مسلمة الجريريّ(٢) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يوبّخونا ويكذّبونا إنّا نقول: إنّ صيحتين تكونان. يقولون: من أين تعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟
قال: فما ذا تردّون عليهم؟
قلت: ما نردّ عليهم شيئا.
قال: قولوا: يصدّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( أَفَمَنْ يَهْدِي ـ إلى قوله ـكَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .
عنه(٣) ، عن محمّد [عن](٤) ابن فضّال والحجّال، عن داود بن فرقد قال: سمع رجل من العجليّة(٥) هذا الحديث، قوله: ينادي مناد: ألا إنّ فلان بن فلان وشيعته هم الفائزون أوّل النّهار. وينادي آخر النّهار: ألّا إن عثمان وشيعته هم الفائزون.
قال: وينادي أوّل النّهار منادي آخر النّهار.
فقال الرّجل: فما يدرينا أيّما الصّادق من الكاذب؟
فقال: يصدّق عليها من كان يؤمن بها قبل أن ينادي. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) (الآية).
وفي كشف المحجّة(٦) لابن طاوس ـ رحمه الله ـ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: اسمعوا قولي يهدكم الله إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت. فو الله لئن أطعتموني، لا تغووا. وإن عصيتموني، لا ترشدوا. قال الله ـ تعالى ـ:( أَفَمَنْ يَهْدِي ) (الآية).
وفي عيون الأخبار(٧) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في وصف الإمامة
__________________
(١) بل الكافي ٨ / ٢٠٨، ح ٢٥٢.
(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٤٥٤. وفي النسخ: الجزيريّ.
(٣) الكافي ٨ / ٢٠٩، ح ٢٥٣.
(٤) من المصدر.
(٥) العجلية: قبيلة من ربيعة، وهو عجل بن لجيم بن صعب.
(٦) كشف المحجة / ١٨٧.
(٧) العيون ١ / ١٧٤، ح ١.
والإمام، وذكر فضل الإمام ورتبته حديث طويل. يقول فيه الرّضا ـ عليه السّلام ـ: إنّ الأنبياء والأئمّة يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم. فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) (الآية).
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) (الآية): فأمّا من يهدي إلى الحقّ، فهم محمّد وآل محمّد من بعده. وأمّا من لا يهدي إلّا أن يهدى، فهو من خالف من قريش وغيرهم أهل بيته من بعده.
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عمرو بن عثمان(٣) ، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لقد قضى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بقضيّة ما قضى بها أحد كان قبله. وكانت أوّل قضيّة قضى بها بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وذلك أنّه لـمّا قبض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأفضى الأمر إلى أبي بكر، أتي برجل قد شرب الخمر.
فقال له أبو بكر: أشربت الخمر؟
فقال الرّجل: نعم.
فقال: ولم شربتها وهي محرّمة؟
فقال: إنّي أسلمت ومنزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر ويستحلّونها ولو أعلم أنّها حرام، اجتنبتها.
قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال: ما تقول، يا أبا حفص، في أمر هذا الرّجل؟
فقال: معظلة، وأبو الحسن لها.
فقال أبو بكر: يا غلام، ادع لنا عليّا.
فقال عمر: بل يؤتي الحكم في منزله.
فأتوه ومعهم سلمان الفارسيّ ـ رضي الله عنه ـ. فأخبروه بقضيّة الرّجل، فاقتصّ
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٢.
(٢) الكافي ٧ / ٢٤٩، ح ٤.
(٣) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦٢٦، وفي النسخ: عمر بن عثمان.
عليه قصّته.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ لأبي بكر: إبعث(١) من يدور به على مجالس المهاجرين والأنصار. فمن كان تلا عليه آية التّحريم، فليشهد عليه.
ففعل أبو بكر ما قال عليّ ـ عليه السّلام ـ. فلم يشهد عليه أحد، فخلّي(٢) سبيله.
فقال سلمان لعليّ ـ عليه السّلام ـ(٣) : لقد أرشدتهم.
فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: إنّما أردت أن أجدّد تأكيد هذه الآية فيّ وفيهم( أَفَمَنْ يَهْدِي ) (الآية).
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عمرو بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر أصحاب النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ قرأ:( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ـ إلى قوله ـتَحْكُمُونَ ) .
فقلنا: من هو، أصلحكم الله؟
فقال: بلغنا أنّ ذلك عليّ ـ عليه السّلام ـ.
( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ) : فيما يعتقدون.
( إِلَّا ظَنًّا ) : مستند إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشّاهد، والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. والمراد بالأكثر: الجميع. أو من ينتمي إلى تمييز ونظر، ولا يرضى بالتّقليد.
( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ ) : من العلم والاعتقاد الحقّ.
( شَيْئاً ) : من الإغناء. ويجوز أن يكون مفعولا به و «من الحقّ» حالا منه.
قيل(٥) : وفيه دليل على أنّ تحصيل العلم في الأصول واجب، والاكتفاء بالتّقليد والظّنّ غير جائز.
وأقول: في الآية دلالة على النّهي عن اتّباع الظّنّ مطلقا، وذمّ تقليد من لا يحصل بقوله غير الظّنّ.
__________________
(١) المصدر: إبعث معه.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتخلي.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فقال عليّ ـ عليه السّلام ـ» بدل «فقال سلمان لعليّ ـ عليه السّلام ـ».
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٢، ح ١٨.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٧.
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ) (٣٦): وعيد على اتّباعهم للظّنّ وإعراضهم عن البرهان.
( وَما كانَ ) : ما صحّ واستقام.
( هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ ) : افتراء من الخلق.
( وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) : مطابق لما تقدّمه من الكتب الإلهيّة، المشهود على صدقها. ولا يكون كذبا، كيف وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحّتها.
ونصبه بأنّه خبر «لكان» مقدّرا. أو علّة لفعل محذوف، تقديره: لكن أنزله الله تصديقا للّذي.
وقرئ(١) ، بالرّفع، على تقدير: ولكن هو تصديق.
( وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ ) : وتفصيل ما حقّق وأثبت من العقائد والشّرائع.
( لا رَيْبَ فِيهِ ) : منتفيا عنه الرّيب.
وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك. ويجوز أن يكون حالا من «الكتاب» فإنّه مفعول في المعنى، وأن يكون استئنافا.
( مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (٣٧): خبر آخر، تقديره: كائنا من ربّ العالمين. أو متعلّق «بتصديق»، أو «بتفصيل» و «لا ريب فيه» اعتراض، أو بالفعل المعلّل بهما.
ويجوز أن يكون حالا من «الكتاب» أو الضّمير في «فيه». ومساق الآية، بعد المنع عن اتّباع الظّنّ، لبيان ما يجب اتّباعه والبرهان عليه.
( أَمْ يَقُولُونَ ) : بل يقولون.
( افْتَراهُ ) : محمّد. ومعنى الهمزة فيه، للإنكار.
( قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) : في البلاغة وحسن النّظم وقوّة المعنى على وجه الافتراء. فإنّكم مثلي في العربيّة والفصاحة، وأشدّ تمرّنا في النّظم والعبارة.
( وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ) : ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به.
( مِنْ دُونِ اللهِ ) : سوى الله ـ تعالى ـ. فإنّه وحده قادر على ذلك.
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (٣٨): أنّه اختلقه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٤٧.
( بَلْ كَذَّبُوا ) : بل سارعوا إلى التّكذيب.
( بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) : بالقرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يتدبّروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه. أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما، من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم.
( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) : ولم يعثروا بعد على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه. أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الأخبار بالغيوب، حتى يتبيّن لهم أنّه صدق أم كذب.
والمعنى أنّ القرآن معجز من جهة اللّفظ.
والمعنى: ثمّ أنّهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبّروا نظمه ويتفحّصوا معناه.
ومعنى التّوقّع في «لمّا»: أنّه ظهر لهم بالآخرة إعجازه، لما كرّر عليهم التّحدّي.
فرازوا(١) قواهم في معارضته، فتضاءلت دونها. أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لإخباره مرارا، فلم يقلعوا عن(٢) التّكذيب تمرّدا وعنادا.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن الأمور العظام الّتي تكون ممّا لم تكن.
فقال: لم يأن أوان كشفها بعد. وذلك قوله:( بَلْ كَذَّبُوا ) (الآية).
عن حمران(٤) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الأمور العظام من الرّجعة وغيرها.
فقال: إنّ هذا الّذي تسألوني عنه لم يأت أوانه. قال الله:( بَلْ كَذَّبُوا ) (الآية).
وفي أصول الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي، عمير عن يونس، عن أبي يعقوب، إسحاق بن عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله خصّ عباده بآيتين من كتاب الله، أن لا يقولوا حتّى يعلموا، ولا يردّوا ما لم يعلموا. وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) . وقال:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) . [قال كذب الّذين من قبلهم قال
__________________
(١) فرازوا: فجرّبوا واختبروا.
(٢) أ، ب: فلم يقدموا على.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٢، ح ١٩.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٢٠.
(٥) الكافي ١ / ٤٣، ح ٨.
نزلت في الرّجعة كذّبوا بها أي أنّها لا تكون](١) .
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: خصّ الله هذه الأمّة بآيتين من كتابه، ألّا يقولوا ما لا يعلمون [وألّا يردّوا ما لا يعلمون](٣) ثمّ قرأ:( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ) (الآية). وقوله:( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) (الآية).
( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : أنبياءهم.
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) (٣٩): فيه وعيد لهم، بمثل ما عوقب به من قبلهم.
( وَمِنْهُمْ ) : ومن المكذّبين.
( مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) : من يصدّق به في نفسه ويعلم أنّه حقّ، ولكن يعاند. أو من سيؤمن به ويتوب عن كفره.
( وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ ) .
قيل(٤) : في نفسه لفرط غباوته وقلّة تدبّره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: هم أعداء محمّد وآل محمّد ـ عليهم السّلام ـ من بعده.
( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) (٤٠): بالمعاندين، أو بالمصرّين.
( وَإِنْ كَذَّبُوكَ ) : فإن أصرّوا على تكذيبك بعد إلزام الحجّة.
( فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ) : فتبرّأ منهم، فقد أعذرت.
والمعنى: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، حقّا كان أو باطلا.
( أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (٤١): لا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم. ولما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم.
قيل(٦) : إنّه منسوخ بآية السّيف.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٣، ح ١٢٢.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير الصافي ٢ / ٤٠٣، وأنوار التنزيل ١ / ٤٤٨.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣١٢.
(٦) تفسير الصافي ٢ / ٤٠٣، وأنوار التنزيل ١ / ٤٤٨.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) : إذا قرأت القرآن وعلّمت الشّرائع ولكن لا يقبلون، كالأصمّ الّذي لا يسمع أصلا.
( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ ) : تقدر على إسماعهم.
( وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ) (٤٢): ولو انضمّ إلى صممهم عدم تعقّلهم.
وفيه تنبيه، على أنّ حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه. ولذلك لا يوصف به البهائم. وهو لا يتأتّى، إلّا باستعمال العقل السّليم في تدبّره. وعقولهم لـمّا كانت مؤوفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتّقليد، تعذّر إفهامهم الحكم والمعاني الدّقيقة. فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام النّاعق.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ) : يعاينون دلائل نبوّتك ولكن لا يصدّقونك.
( أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ) : تقدر على هدايتهم.
( وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) (٤٣): وإن انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة. فإنّ المقصود من الإبصار: هو الاعتبار والاستبصار. والعمدة في ذلك البصيرة، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر يتفطّن ما لا يدركه البصير الأحمق. والآية، كالتّعليل للأمر بالتّبرّي والإعراض عنهم.
( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ) : بسلب حواسّهم وعقولهم.
( وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٤٤): بإفسادها وتفويت منافعها عليهم.
وفيه دليل، على أنّ للعبد فعلا، وأنّه ليس مسلوب الاختيار بالكلّيّة، كما زعمت الأشاعرة.
ويجوز أن يكون وعيدا لهم، بمعنى: أنّ ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله لا يظلمهم به، ولكنّهم ظلموا به أنفسهم باقتراف أسبابه.
وقرأ حمزة والكسائيّ، بالتخفيف ورفع «النّاس».
وفي الكافي(١) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله الحليم(٢) العليم إنّما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، وإنّما يمنع من لم يقبل منه عطاءه، وإنّما يضلّ من لم يقبل منه هداه. (الحديث).
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ) : يستقصرون مدّة لبثهم في
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٤٠٤.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحكيم.
الدّنيا أو القبور، لهول ما يرون.
والجملة التّشبيهيّة في موقع الحال، أي: يحشرهم مشبّهين بمن لم يلبث إلّا ساعة.
أو صفة «ليوم» والعائد محذوف، تقديره: كأن لم يلبثوا قبله. أو لمصدر محذوف، أي: حشرا كأن لم يلبثوا قبله.
( يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) : يعرف بعضهم بعضا، كأنّهم لم يتفارقوا إلّا قليلا. فهذا أوّل ما نشروا، ثمّ ينقطع التّعارف لشدّة الأمر عليهم.
وهو حال أخرى مقدّرة. أو بيان لقوله: «كأن لم يلبثوا». أو متعلّق الظّرف، والتّقدير: يتعارفون يوم يحشرهم.
( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ ) : استئناف، للشّهادة على خسرانهم والتّعجب منه. ويجوز أن يكون حالا من الضّمير في «يتعارفون»، على إرادة القول.
( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) (٤٥): لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف، فاستكسبوا بها جهالات أدّت بهم إلى الرّدى والعذاب الدّائم.
( وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) : نبصّرنّك.
( بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) : من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر.
( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) : قبل أن نريك.
( فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ) : فنريكه في الآخرة. وهو جواب «نتوفّينّك». وجواب «نرينّك» محذوف، مثل فذاك.
( ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ) (٤٦): مجاز عليه ذكر الشّهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها، ولذل رتّبها على الرّجوع «بثُمّ». أو مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة.
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ) : من الأمم الماضية.
( رَسُولٌ ) : يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحقّ.
( فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ ) : بالبيّنات، فكذّبوه.
( قُضِيَ بَيْنَهُمْ ) : بين الرّسول ومكذّبيه.
( بِالْقِسْطِ ) : بالعدل. فانجي الرّسول، وأهلك المكذّبون( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٤٧).
وقيل(١) : معناه: لكلّ أمّة يوم القيامة رسول تُنسب إليه. فإذا جاء رسولهم الموقف
ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، قضي بينهم بإنجاء المؤمن وعقاب الكافر لقوله:( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) .
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: تفسيرها بالباطن: أنّ لكلّ قرن من هذه الأمّة رسولا من آل محمّد يخرج إلى القرن الّذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء وهم الرّسل. وأمّا قوله:( فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) قال: معناه: أنّ رسل الله يقضون بالقسط( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ، كما قال الله.
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ ) : استبعادا له، واستهزاء به.
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (٤٨): خطاب منهم للنّبيّ والمؤمنين.
( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) : فكيف أملك لكم، فاستعجل في جلب العذاب إليكم.
( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) : أن أملكه. أو ولكن ما شاء الله من ذلك كائن.
( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) : مضروب لهلاكهم.
( إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (٤٩): لا يتأخّرون ولا يتقدّمون. فلا تستعجلوا، فيجيء وقتكم وينجز وعدكم.
وقوله: «لا يستقدمون» معطوف على الشّرطيّة.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن حمران قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِذا جاءَ ) (الآية).
قال: هو الّذي سمّي لملك الموت ليلة القدر.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ ) : الّذي تستعجلون به.
( بَياتاً ) : وقت بيات واشتغال بالنّوم.
( أَوْ نَهاراً ) : حين كنتم منشغلين بطلب معاشكم.
( ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ) (٥٠): أيّ شيء من العذاب يستعجلونه وكلّه مكروه لا يلائم الاستعجال؟! وهو متعلّق «ب أرأيتم»، لأنّه بمعنى: أخبروني. و «المجرمون» وضع موضع
__________________
(١) المجمع ٣ / ١١٤ بتفاوت يسير وأنوار التنزيل ١ / ٤٤٩.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٣، ح ٢٣.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٣، ح ٢٤.
الضّمير، للدّلالة على أنّهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد لا لأن يستعجلوه.
وجواب الشّرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا خطأه.
ويجوز أن يكون الجواب «ما ذا»، كقولك: إن أتيتك ما ذا تعطيني؟ وتكون الجملة متعلّقة «ب أرأيتم»، أو بقوله:( أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ) . بمعنى: إن أتاكم عذابه، آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان.
وعلى التّقدير الآخر «ما ذا يستعجل» اعتراض، ودخول حرف الاستفهام على «ثمّ» لإنكار التّأخير.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ـ إلى قوله ـمِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ) : فهذا عذاب ينزل في آخر الزّمان على فسقة أهل القبلة، وهم يجحدون نزول العذاب عليهم.
وفي مجمع البيان(٢) : عنه ـ عليه السّلام ـ مثله.
( آلْآنَ ) : على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به.
وعن نافع(٣) «الآن» بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللّام.
( وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) (٥١): تكذيبا واستهزاء.
( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) : عطف على «قيل» المقدّر.
( ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ ) : المؤلم على الدّوام.
( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) (٥٢): من الكفر والمعاصي.
( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ) : ويستخبرونك.
( أَحَقٌّ هُوَ ) .
قيل(٤) : أحقّ ما تقول من الوعد أو ادّعاء النّبوّة، تقوله بجدّ أم باطل تهزل به.
قيل(٥) : قاله حيّ بن أخطب لما قدم مكّة.
والأظهر، أنّ الاستفهام فيه على أصله، لقوله: «ويستنبئونك».
وقيل(٦) : إنّه للإنكار. ويؤيّده أنّه قرئ: «الحقّ هو»، فإنّ فيه تعريضا بأنّه
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٢.
(٢) المجمع ٣ / ١١٥ بتفاوت.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٠.
(٤) نفس المصدر والموضع.
باطل. و «أحقّ» مبتدأ، والضّمير مرتفع به سادّ مسدّ الخبر. أو خبر مقدّم، والجملة في موضع النّصب ب «يستنبئونك».
( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ ) : أنّ العذاب لكائن. أو ما ادّعيته لثابت.
وقيل(١) : كلا الضّميرين للقرآن.
و «إي» بمعنى: نعم. وهو من لوازم القسم. ولذلك يوصل بواوه في التّصديق، فيقال: إي والله. ولا يقال: إي، وحده.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم [عن أبيه](٣) ، عن القسم بن محمّد الجوهريّ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ) : ما تقول في(٤) عليّ ـ عليه السّلام ـ.( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .
وفي أمالي الصّدوق(٥) : حدّثنا محمّد بن الحسن ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفّار، عن عليّ بن محمّد القاسانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عبد الله الصّادق ـ عليه السّلام ـ، عن أبيه ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ـ إلى قوله ـلَحَقٌ ) .
قال: يستنبئك، يا محمّد، أهل مكّة عن عليّ بن أبي طالب إمام هو؟( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ ) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) ، مثله.
وفي شرح الآيات الباهرة(٧) : روى أبو عبد الله الحسين بن جبير ـ رحمه الله ـ في نخب المناقب، حدّثنا مسندا عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .
قال: يسألونك، يا محمّد: أعليّ ـ عليه السّلام ـ وصيّك؟ قل: إي وربّي، إنّه
__________________
(٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ١ / ٤٣٠، ح ٨٧.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ما يقول محمد في» بدل «ما تقول في».
(٥) أمالي الصدوق / ٥٣٥، ح ٧.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣١٣.
(٧) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢١٤.
لوصيّي.
( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) (٥٣): بفائتين العذاب.
( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ) قيل(١) : بالشّرك، أو التّعدّي على الغير.
( ما فِي الْأَرْضِ ) : من خزائنها وأموالها.
( لَافْتَدَتْ بِهِ ) : لجعلته فدية من العذاب. من قولهم: افتدى به، بمعنى: فداه.
( وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) .
قيل(٢) : لأنّهم بهتوا بما عاينوا ممّا لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهو له، فلم يقدروا أن ينطقوا.
وقيل(٣) :( أَسَرُّوا النَّدامَةَ ) أخلصوها. لأنّ إخفاءها إخلاصها. أو لأنّه يقال: سرّ الشّيء، لخالصته. من حيث أنّها تخفى ويضنّ(٤) بها.
وقيل(٥) : أظهروها. من قولهم: أسرّ الشّيء وأشره: إذا أظهره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : ثمّ قال:( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ) آل محمّد ـ صلوات الله عليهم ـ حقّهم.( ما فِي الْأَرْضِ ) جميعا( لَافْتَدَتْ بِهِ ) ذلك الوقت، يعني: الرّجعة.
وحدّثني محمّد بن جعفر(٧) قال: حدّثني محمّد بن أحمد، عن أحمد بن الحسين، عن صالح بن أبي حمار(٨) ، عن أبي(٩) الحسن بن موسى الخشّاب، عن رجل، عن حمّاد بن عيسى، عمّن رواه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سئل عن قوله:( وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) . قال: قيل له: ما ينفعهم إسرار النّدامة وهم في العذاب؟
قال: كرهوا شماتة الأعداء.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٠.
(٢) نفس المصدر والموضع، وتفسير الصافي ٢ / ٤٠٦.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) ضنّ به عليه: بخل.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣١٣.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣١٣.
(٨) المصدر: صالح بن أبي عمّار. وجامع الرواة ١ / ٤٠٥: صالح بن أبي حمّاد.
(٩) ليس في المصدر: أبي.
وفي روضة الكافي(١) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وشرّ النّدامة ندامة يوم القيامة.
( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (٥٤): ليس تكريرا. لأنّ الأوّل قضاء بين الأنبياء ومكذّبيهم، والثّاني مجازاة المشركين على الشّرك أو الحكومة بين الظّالمين والمظلومين. والضّمير إنّما يتناولهم، لدلالة الظّلم عليهم.
( أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : تقرير لقدرته ـ تعالى ـ على الإثابة والعقاب.
( أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ ) : ما وعده من الثّواب والعقاب كائن لا خلف فيه.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٥٥): لأنّهم لا يعلمون، لقصور عقلهم، إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا.
( هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ) : في الدّنيا، فهو يقدر عليها في العقبى. لأنّ القادر لذاته لا تزول قدرته. والمادّة القابلة بالذّات، الحياة والموت، قابلة لهما أبدا.
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٥٦): بالموت والنّشور.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٥٧)، أي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العمليّة الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها والمرغّبة في المحاسن والزّاجرة عن المقابح، والحكمة النّظريّة الّتي هي شفاء لما في الصّدور من الشّكوك وسوء الإعتقاد، وهدى إلى الحقّ واليقين، ورحمة للمؤمنين حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضّلال إلى نور الإيمان وتبدّلت مقاعدهم من طبقات النّيران بمصاعد من درجات الجنان.
والتّنكير فيها، للتّعظيم.
وفي كتاب الإهليلجة(٢) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: وأنزل عليكم(٣) كتابا فيه شفاء لما في الصّدور من أمر(٤) الخواطر ومشبهات(٥) الأمور.
وفي أصول الكافي(٦) : عليّ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي
__________________
(١) الكافي ٨ / ٨٢، ضمن ح ٣٩.
(٢) البحار ٣ / ١٥٢.
(٣) المصدر: انزاله عليهم.
(٤) المصدر: أمراض.
(٥) المصدر: مشتبهات.
(٦) الكافي ٢ / ٦٠٠، ح ٧.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: شكا رجل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وجعا في صدره.
قال: استشف بالقرآن. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ ) .
وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه قال: إنّ موسى ـ عليه السّلام ـ ناجاه الله ـ تبارك وتعالى ـ. فقال في مناجاته: يا موسى، لا يطول في الدّنيا أملك. وذكر حديثا قدسيّا طويلا. يقول فيه ـ عزّ من قائل ـ وقد ذكر محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ولأنزلنّ عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصّدور من نفث(٢) الشّيطان.
وفي نهج البلاغة(٣) : قال ـ عليه السّلام ـ: وتعلّموا القرآن، فإنّه ربيع القلوب.
واستشفوا بنوره، فإنّه شفاء لما في الصّدور.
( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ ) «الباء» متعلّقة بفعل يفسّره قوله:( فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) . فإنّ اسم الإشارة بمنزلة الضّمير، تقديره: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا، أو فليفرحوا( فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) . وفائدة ذلك التّكرير، التأكيد والبيان بعد الإجمال وإيجاب اختصاص الفضل والرّحمة بالفرح.
أو بفعل دلّ عليه «قد جاءتكم». وذلك إشارة إلى مصدره، أي: فبمجيئها فليفرحوا.
و «الفاء» بمعنى الشرط، كأنّه قيل: إن يفرحوا بشيء فيهما، فليفرحوا. أو للرّبط بما قبلها. والدّلالة على أنّ مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصّفات موجب للفرح وتكريرها للتّأكيد، كقوله :
لا تجزعي ان منفسا بأهلكة |
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي(٤) |
وعن يعقوب(٥) : «فلتفرحوا» بالتاء، على الأصل المرفوض.
وقد روي، مرفوعا. ويؤيّده أنّه قرئ: «فافرحوا».
( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (٥٨): من حطام الدّنيا، فإنّها إلى الزّوال. وهو ضمير
__________________
(١) الكافي ٨ / ٤٢، ح ٨.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: نفس.
(٣) نهج البلاغة / ١٦٤ خطبة ١١٠.
(٤) صدر البيت ليس في أنوار التنزيل ١ / ٤٥١.
(٥) نفس المصدر والموضع.
«ذلك».
وقرأ(١) ابن عامر: «تجمعون» على معنى: فبذلك فليفرح المؤمنون، فهو خير ممّا تجمعونه أيّها المخاطبون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: ثمّ قال ـ جلّ ذكره ـ:( يا أَيُّهَا النَّاسُ ـ إلى قوله ـوَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) .
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: والقرآن.
ثمّ قال: قل لهم، يا محمّد:( بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .
قال: «الفضل» رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و «رحمته» أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.( فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) قال: [فليفرح](٣) شيعتنا، هو خير ممّا أعطوا أعداءنا من الذّهب والفضّة.
وفي مجمع البيان(٤) : روي، عن أنس، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من هداه الله للإسلام وعلّمه القرآن ثمّ شكا بالفاقة، كتب الله الفاقة بين عينيه إلى يوم القيامة. ثمّ تلا:( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ ) (الآية).
وقال أبو جعفر(٥) ـ عليه السّلام ـ: «فضل الله» رسوله. و «رحمته» عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
وفي أصول الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عبد العزيز، عن محمّد بن الفضيل، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له:( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) .
قال: بولاية محمّد وآل محمّد ـ عليهم السّلام ـ هو خير ممّا يجمع هؤلاء من دنياهم.
وفي أمالي الصّدوق(٧) ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: والّذي بعث محمّدا بالحقّ
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣١٣.
(٣) من المصدر.
(٤) المجمع ٣ / ١١٧.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) الكافي ١ / ٤٢٣، ح ٥٥.
(٧) أمالي الصدوق / ٤٠٠، ح ١٣.
نبيّا، ما آمن بي من أنكرك، ولا أقرّ بي من جحدك، ولا آمن بالله من كفر بك.
وأنّ فضلك لمن فضلي، وأنّ فضلي لفضل الله ـ عزّ وجلّ ـ. وهو قول ربّي ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) (١) ( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) . «ففضل الله» نبوة نبيّكم. و «رحمته» ولاية عليّ بن أبي طالب. «فبذلك» قال: بالنّبوة والولاية.
«فليفرحوا»، يعني: الشّيعة.( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ، يعني: مخالفيهم من الأهل والمال والولد في دار الدّنيا.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الأصبغ بن نُباتَة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) .
قال: فليفرح(٣) شيعتنا. «هو خير ممّا» أعطي عدوّنا من الذّهب والفضّة.
عن أبي حمزة(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال قلت:( بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) . قال: الإقرار بنبوّة محمّد ـ عليه وآله السّلام ـ.
والائتمام(٥) بأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. هو خير ممّن يجمع هؤلاء في دنياهم.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ) : جعل الرّزق منزّلا، لأنّه مقدّر في السّماء محصّل بأسباب منها.
و «ما» في موضع النّصب «بأنزل»، أو ب «أرأيتم» فإنّه بمعنى: أخبر وفي.
و «لكم» دلّ على أنّ المراد منه: ما حلّ.
( فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً ) ، مثل( هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ) (٦) ( ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ) (٧) .
( قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ ) : في التّحريم والتّحليل، فتقولون ذلك بحكمه.
( أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ) (٥٩): في نسبة ذلك إليه.
ويجوز أن تكون المنفصلة متّصلة «ب أرأيتهم». و «قل» مكرّر للتّأكيد. والمعنى: أخبروني آلله إذن لكم في التّحليل والتّحريم، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تكذبون على
__________________
(١) أ، ب، ر: فليفرحوا يعني الشيعة.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٤، ح ٢٨.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فليفرحوا.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٢٩.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الائتمار.
(٦) الأنعام / ١٣٨.
(٧) الأنعام / ١٣٩.
الله في نسبة ذلك إليه.
ويجوز أن يكون الاستفهام للإنكار، و «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها التّقرير، لافترائهم على الله.
( وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) : أيّ شيء ظنّهم؟
( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) : أيحسبون أن لا يجازوا عليه.
وهو منصوب بالظّنّ. ويدلّ عليه أنّه قرئ بلفظ الماضي، لأنّه كائن. وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم.
( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) : حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرّسل وإنزال الكتب.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) (٦٠): هذه النّعمة.
( وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ) : ولا تكون في أمر.
وأصله الهمز، من شأنت شأنه: إذا قصدت قصده. والضّمير في( وَما تَتْلُوا مِنْهُ ) له. لأنّ تلاوة القرآن معظّم شأن الرّسول، أو لأنّ القراءة تكون لشأن. فيكون التّقدير: من أجله. ومفعول تتلو( مِنْ قُرْآنٍ ) . على أنّ «من» تبعيضيّة، أو مزيدة لتأكيد النّفي، أو للقرآن. وإضماره قبل الذّكر ثمّ بيانه، تفخيم له أو لله.
( وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ) : تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم. ولذلك ذكر حيث خصّ ما فيه فخامة، وذكر حيث عمّ ما يتناول الجليل والحقير.
( إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ) : رقباء مطّلعين عليه.
( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) : تخوضون فيه وتندفعون.
وفي مجمع البيان(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ. وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا قرأ هذه الآية، بكى بكاء شديدا.
( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ) : ولا يبعد عنه، ولا يغيب عن علمه.
وقرأ(٢) الكسّائيّ، بكسر الزّاء.
( مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ) : موازن نملة صغيرة، أو هباء.
__________________
(١) المجمع ٣ / ١١٩، وتفسير القمّي ١ / ٣١٣ ـ ٣١٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٢.
( فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) ، أي: في الوجود والإمكان. فإنّ العامّة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما ولا متعلّقا بهما. وتقديم «الأرض» لأنّ الكلام في حال أهلها.
والمقصود منه: هو البرهان على إحاطة علمه بها.
وفي كتاب التّوحيد(١) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ. يقول فيه، وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: وأمّا قوله:( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) كذلك ربّنا لا يعزب عنه شيء. وكيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق وهو الخلّاق العليم.
( وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) (٦١): كلام برأسه مقرّر لما قبله.
و «لا» نافية للجنس. و «أصغر» أسمها. و «في كتاب» خبرها.
وقرأ(٢) حمزة ويعقوب، بالرّفع، على الابتداء والخبر. ومن عطف على لفظ «مثقال ذرّة» وجعل الفتح بدل الكسر، لامتناع الصّرف، أو على محلّه مع الجارّ، جعل الاستثناء منقطعا.
وقيل(٣) : المراد بالكتاب: اللّوح المحفوظ.
( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ ) : الّذين يتولّونه بالطّاعة، ويتولّاهم بالكرامة.
( لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) : من لحوق مكروه.
( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (٦٢): لفوات مأمول.
والآية، كمجمل فسّره قوله:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) (٦٣): بيان لتولّيهم إيّاه.
ومحلّ «الّذين آمنوا» النّصب. أو الرّفع على المدح، أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء، وخبره «لهم البشرى».
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ، عن بعض الفقهاء قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ:( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ ـ إلى قوله ـوَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
ثمّ قال: أتدرون من أولياء الله؟
__________________
(١) التوحيد / ٢٦٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٢.
(٣) المجمع ٣ / ١١٩، وأنوار التنزيل ١ / ٤٥٢.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٤، ح ٣٠.
قالوا: من هم، يا أمير المؤمنين؟
فقال: هم نحن وأتباعنا. فمن تبعنا من بعدنا، طوبى لنا وطوبى لهم.
وطوباهم أفضل من طوبانا.
قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا، ألسنا نحن وهم على أمر؟
قال: لا، لأنّهم حملوا ما لم تحملوا وأطاقوا ما لم تطيقوا.
عن بريد العجليّ(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وجدنا في كتاب عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ ـ إلى قوله ـيَحْزَنُونَ ) : إذا أدّوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وتورّعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدّنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطّيّب من رزق الله، لا يريدون به التّفاخر والتّكاثر، ثمّ أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الّذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدّموا لآخرتهم.
وفي مجمع البيان(٢) ، مثله.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: يا أبا بصير، طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره. أولئك أولياء الله ـ إلى قوله ـ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
وفي الجوامع(٤) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ سئل عن أولياء الله.
فقال: هم الّذين يذكرون الله برؤيتهم، يعني: في السّمت والهيئة.
وفي الكافي(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من عرف الله وعظّمه، منع فاه من الكلام وبطنه من الطّعام وعنّى نفسه بالصّيام والقيام.
فقالوا: بآبائنا وأمّهاتنا يا رسول الله، هؤلاء أولياء الله؟
قال: إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين النّاس بركة. لو لا الآجال الّتي كتب الله عليهم(٦) ، لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم، خوفا من العذاب وشوقا إلى الثّواب.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع، ح ٣١.
(٢) المجمع ٣ / ١٢٠.
(٣) كمال الدين / ٣٥٧، ح ٥٤.
(٤) الجوامع / ١٩٦.
(٥) الكافي ٢ / ٢٣٧، ح ٢٥.
(٦) المصدر: قد كتبت عليهم.
وفي كتاب الخصال(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أخفى أربعة في أربعة: أخفى وليّه في عباده، فلا تستصغرنّ عبدا من عبيد الله، فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) : وهو ما بشّر به المتّقين في كتابه وعلى لسان نبيّه، وما يريهم من الرّؤيا الصّادقة، وبشّرهم عند النّزع.
( وَفِي الْآخِرَةِ ) بيان لتولّيه لهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وأتى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل من أهل البادية، له جسم(٣) وجمال.
فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـوَفِي الْآخِرَةِ ) .
فقال: أمّا قوله:( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) ، فهي الرّؤيا الحسنة يراها المؤمن فيبشّر بها في دنياه. وأمّا قوله ـ عزّ وجلّ ـ: «في الآخرة»، فإنّها بشارة المؤمن يبشّر بها عند موته. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد غفر لك، ولمن يحملك إلى قبرك.
وفي أصول الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في قوله ـ تعالى ـ:( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) : يبشّرهم بقيام القائم، وبظهوره، وبقتل أعدائهم، وبالنّجاة في الآخرة، والورود على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ الصّادقين على الحوض.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا عقبة، لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلّا هذا الأمر الّذي أنتم عليه. وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينه، إلّا أن تبلغ نفسه إلى هذه ـ ثمّ أهوى بيده الى الوريد، ثمّ اتكأ.
وكان معي المعلّى، فغمزني أن أسأله.
__________________
(١) الخصال / ٢١٠، ح ٣١.
(٢) الفقيه ١ / ٧٩، ح ٣٥٦.
(٣) المصدر: حشم.
(٤) الكافي ١ / ٤٢٩، ح ٨٣.
(٥) نفس المصدر ٣ / ١٢٨، ح ١.
فقلت: يا ابن رسول الله، فإذا بلغت نفسه هذه أيّ شيء يرى؟ فقلت له بضع عشرة مرّة: أيّ شيء؟
فقال في كلّها: يرى. لا يزيد عليها.
ثمّ جلس في آخرها، فقال: يا عقبة.
فقلت: لبيّك وسعديك.
فقال: أبيت إلّا أن تعلم؟.
فقلت: نعم، يا ابن رسول الله. إنّما ديني مع دينك، فإذا ذهب ديني كان ذلك(١) . كيف لي بك، يا ابن رسول الله، كلّ ساعة؟ وبكيت فرقّ لي.
فقال: يراهما، والله.
قلت: بأبي وأمّي، من هما؟ قال: ذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ ـ عليه السّلام ـ. يا عقبة، لن تموت نفس مؤمنة أبدا حتّى تراهما.
قلت: فإذا نظر إليهما المؤمن، أيرجع إلى الدّنيا؟.
فقال: لا، يمضي أمامه. إذا نظر إليهما، مضى أمامه.
فقلت له: يقولان شيئا؟
قال: نعم. يدخلان جميعا على المؤمن، فيجلس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عند رأسه وعليّ ـ عليه السّلام ـ عند رجليه. فيكبّ(٢) عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيقول: يا وليّ الله، أبشر أنا رسول الله. إنّي خير لك ممّا تركت من الدّنيا. ثمّ ينهض رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فيقوم عليّ ـ عليه السّلام ـ حتّى يكبّ عليه، فيقول: يا وليّ الله، أبشر أنا عليّ بن أبي طالب الّذي كنت تحبّه. أما لأنفعنّك.
ثمّ قال: إنّ هذا في كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ.
فقلت: أين، جعلني الله فداك، هذا من كتاب الله؟
قال: في يونس، قول الله ـ عزّ وجلّ ـ ها هنا:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ
__________________
(١) قال في الوافي: «كان» تامة، أي: إذا ذهب ديني، تحقق تخلّفي عنك ومفارقتي إيّاك وعدم اكتراثي بالجهل بما تعلم. وفي تفسير العيّاشي والمنقول عن المحاسن: «إنّما ديني مع دمي، فإذا ذهب ديني كان ذلك». وعليه فالمعنى: أن ديني مقرون بحياتي، فمع عدم الدين فكأنّي لست بحيّ.
(٢) أكبَّ عليه: أقبل إليه ولزمه.
الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
ابن عثمان، عن عقبة أنّه سمع أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الرّجل إذا وقعت نفسه في صدره، رأى.
قلت: جعلت فداك، وما يرى؟
قال: يرى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فيقول له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا رسول الله أبشر. ثمّ يرى عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ فيقول: أنا عليُّ بن أبي طالب الّذي كنت تحبّه، يجب عليّ(١) أن أنفعك اليوم؟
قال: قلت له: يكون أحد من النّاس يرى هذا ثمّ يرجع إلى الدّنيا؟
قال: إذا رأى هذا أبدا مات، وأعظم ذلك(٢) .
قال: وذلك في القرآن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ آمَنُوا ـ إلى قوله ـلِكَلِماتِ اللهِ ) .
أبو عليّ الأشعريّ(٣) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن أبي المستهلّ، عن محمّد بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: جعلت فداك، حديث سمعته من بعض شيعتك ومواليك يرويه عن أبيك.
قال: وما هو؟
قلت: زعموا أنّه كان يقول: أغبط ما يكون أمر بما نحن عليه إذا كانت النّفس في هذه.
فقال: نعم. إذا كان ذلك، أتاه نبيّ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأتاه عليّ ـ عليه السّلام ـ وأتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وأتاه ملك الموت ـ عليه السّلام ـ.
فيقول ذلك الملك لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ، إنّ فلانا كان مواليا لك ولأهل بيتك؟
فيقول: نعم، كان يتولّانا ويتبرّأ من عدوّنا.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) قال في الوافي: أي: مات موتا دائما لا رجعة بعده. أو المعنى: ما رأى هذا قطّ إلّا مات.
«وأعظم»، أي: عدّ سؤالي عظيما. ولنا أن نجعل قوله: «وأعظم ذلك» عطفا على قوله: «مات»، يعني: مات وعدّ ما رأى وما بشر به عظيما لم يرد معهما رجوعا إلى الدنيا.
(٣) الكافي ٣ / ١٣٤، ح ١٣.
فيقول ذلك نبيّ الله لجبرئيل ـ عليه السّلام ـ. فيرفع ذلك جبرئيل إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
عدّة من أصحابنا(١) ، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبديّ، عن ابن أبي يعفور قال: كان خطّاب الجهنيّ خليطا لنا، وكان شديد النّصب لآل محمّد، وكان يصحب نجدة الحروري(٢)
قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة والتّقيّة، فإذا هو يغمى(٣) عليه في حدّ الموت.
فسمعته يقول: ما لي ولك، يا عليّ؟
فأخبرت بذلك أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
قال: رآه، وربّ الكعبة. رآه، وربّ الكعبة.
سهل بن زياد(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الحميد بن عوّاض قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إذا بلغت نفس أحدكم هذه، قيل له: أما ما كنت تحذر(٥) من همّ الدّنيا وحزنها، فقد أمنت منه. ويقال له: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ وفاطمة ـ عليهما السّلام ـ أمامك.
وفي روضة الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمر بن خلّاد(٧) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا أصبح، قال لأصحابه: هل من مبشرات، يعني به: الرّؤيا.
عنه(٨) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رجل لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) .
قال: هي الرّؤيا الحسنة، يرى المؤمن فيبشّر بها في دنياه.
وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن عبد الرّحيم قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أما
__________________
(١) الكافي ٣ / ١٣٣، ح ٩.
(٢) الحروريّة: طائفة من الخوارج، منسوبة إلى حروراء، وهي قرية بالكوفة.
(٣) المصدر: مغمى.
(٤) الكافي ٣ / ١٣٤، ح ١٠.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تحضر.
(٦) الكافي ٨ / ٩٠، ح ٥٩.
(٧) كذا في المصدر. وجامع الرواة ٢ / ٢٥٢. وفي النسخ: عمر بن خلّاد.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٦٠.
أحدكم حين تبلغ نفسه ها هنا، ينزل عليه ملك الموت فيقول له: أمّا ما كنت ترجو، فقد أعطيته. وأمّا ما كنت تخافه، فقد أمنت منه. ويفتح له باب إلى منزله من الجنّة، ويقال له: أُنظر إلى مسكنك من الجنّة، وانظر هذا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ والحسن والحسين ـ عليهم السّلام ـ رفقاؤك. وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) .
عن أبي حمزة الثّماليّ(١) قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما يصنع بأحد عند الموت؟
قال: أما والله، يا أبا حمزة، ما بين أحدكم وبين أن يرى مكانه من الله ومكانه منّا إلّا أن تبلغ نفسه ها هنا ـ ثمّ أهوى بيده إلى نحره. ألا أبشرك، يا أبا حمزة؟
فقلت: بلى، جعلت فداك.
فقال: إذا كان ذلك، أتاه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ ـ عليه السّلام ـ معه قعد عند رأسه.
فقال له إذا كان ذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أما تعرفني؟ أنا رسول الله. هلّم إلينا، فما أمامك خير لك ممّا خلّفت. أمّا ما كنت تخاف، فقد أمنته. وأمّا ما كنت ترجو، فقد هجمت عليه. أيّتها الرّوح، أخرجي إلى روح الله ورضوانه.
فيقول له عليّ ـ عليه السّلام ـ مثل قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ قال: يا أبا حمزة، ألا أخبرك بذلك في كتاب الله( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) (الآية).
( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ) : لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى كونهم مبشّرين في الدّارين.
( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٦٤).
هذه الجملة والّتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشّر به وتعظيم شأنه. وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله.
( وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) : إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم.
وقرأ(٢) نافع: «يحزنك» من أحزنه. وكلاهما بمعنى.
__________________
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٤، ح ٣٢.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٦، ح ٣٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٢.
( إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) : استئناف، بمعنى التّعليل. ويدلّ عليه القراءة بالفتح، كأنّه قيل: لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم، لأنّ الغلبة لله جميعا لا يملك غيره شيئا منها، فهو يقهرهم وينصرك عليهم.
( هُوَ السَّمِيعُ ) : لأقوالهم.
( الْعَلِيمُ ) (٦٥): بعزماتهم، فيكافئهم عليها.
( أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) : من الملائكة والثّقلين. وإذا كان هؤلاء الّذين هم أشرف الممكنات عبيدا لا يصلح أحد منهم للرّبوبيّة، فما لا يعقل منها أحقّ أن لا يكون له ندّا أو شريكا. وهو، كالدّليل على قوله:( وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ ) ، أي: شركاء على الحقيقة وإن كان يسمّونها شركاء.
ويجوز أن يكون «شركاء» مفعول «يدعون». ومفعول «يتّبع» محذوف دلّ عليه( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ ) »، أي: ما يتّبعون يقينا، وإنّما يتّبعون ظنّهم أنّها شركاء.
ويجوز أن يكون «ما» استفهاميّة منصوبة «بيتّبع». وموصولة معطوفة على «من».
وقرئ(١) : «تدعون» بالتّاء. والمعنى: أيّ شيء يتّبع به الّذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنّبيّين، أي: أنّهم لا يتّبعون إلّا الله ولا يعبدون غيره، فما لكم لا تتّبعونهم فيه، كقوله:( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) فيكون إلزاما بعد برهان.
وما بعده مصروف عن خطابهم، لبيان سندهم ومنشأ رأيهم.
( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) (٦٦): يكذبون فيما ينسبون إلى الله. أو يحزرون ويقدّرون أنّها شركاء تقديرا باطلا.
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) : تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته المتوحّد هو بهما، ليدلّهم على تفرده باستحقاق العبادة. وإنّما قال: «مبصرا» ولم يقل: «لتبصروا فيه» تفرقة بين الظّرف المجرّد والظّرف الّذي هو سبب.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) (٦٧): سماع تدبّر واعتبار.
( قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) : أي: تبنّاه.
( سُبْحانَهُ ) : تنزيه له من التّبنّي، فإنّه لا يصحّ إلّا ممّن يتصوّر له الولد، وتعجّب
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٣.
من كلمتهم الحمقاء.
( هُوَ الْغَنِيُ ) : علّة لتنزّهه. فإنّ اتّخاذ الولد [مسبب عن الحاجة.( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) : تقرير لغناه.( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا ) : نفي لمعارض](١) ما أقامه من البرهان، مبالغة في تجهيلهم وتحقيقا لبطلان قولهم.
و «بهذا» متعلّق بسلطان. أو نعت له أو «بعندكم»، كأنّه قيل: إن عندكم في هذا من سلطان.
( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٦٨): توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم. وفيه دليل على أنّ كلّ قول لا دليل عليه، فهو جهالة. والعقائد لا بدّ لها من قاطع، وأنّ التّقليد فيها غير سائغ.
( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) : باتّخاذ الولد، وإضافة الشّريك إليه.
( لا يُفْلِحُونَ ) (٦٩): لا ينجون من النّار، ولا يفوزون بالجنّة.
( مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ) : خبر لمبتدأ محذوف، أي: افتراؤهم متاع في الدّنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر. أو حياتهم، أو تقلّبهم متاع.
أو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم تمتّع في الدّنيا.
( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ) : بالموت، فيلقون الشّقاء المؤبّد.
( ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) (٧٠): بسبب كفرهم.
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ) : خبره مع قومه.
( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ) : عظم عليكم وشقّ.
( مَقامِي ) : نفسي، كقولك: فعلت كذا لمكان فلان. أو كوني وإقامتي بينكم مدّة مديدة. أو قيامي على الدّعوة.
( وَتَذْكِيرِي ) : إيّاكم.
( بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ ) : وثقت به.
( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ) : فاعزموا عليه.
( وَشُرَكاءَكُمْ ) : أي: مع شركائكم. ويؤيّده القراءة، بالرّفع، عطفا على
__________________
(١) ليس في أ، ب، ر.
الضّمير المتّصل. وجاز من غير أن يؤكّد، للفصل.
وقيل(١) : إنّه معطوف على «أمركم» بحذف المضاف، أي: وأمر شركائكم.
وقيل(٢) : إنّه منصوب بفعل محذوف، تقديره: وادعوا شركاءكم. وقد قرئ به.
وعن نافع(٣) : «فاجمعوا» من الجمع. والمعنى: أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده والسّعي في إهلاكه على أيّ وجه يمكنهم، ثقة بالله وقلّة مبالاة بهم.
( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ ) : في قصدي.
( عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) : مستورا، واجعلوه ظاهرا مكشوفا. من غمّه: إذا ستره.
أو ثمّ لا يكن عليكم حالكم غمّا إذا أهلكتموني وتخلّصتم من ثقل مقامي وتذكيري.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ـ رحمه الله ـ: لا تغتمّوا.
( ثُمَّ اقْضُوا ) : أدّوا.
( إِلَيَ ) : ذلك الأمر الّذي تريدون لي.
وقرئ(٥) : «ثمّ افضوا» بالفاء، أي: انتهوا إليّ بشرّكم، أو ابرزوا إليّ. من أفضى: إذا خرج إلى الفضاء.
( وَلا تُنْظِرُونِ ) (٧١): ولا تمهلوني.
( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) : أعرضتم عن تذكيري.
( فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ) : يوجب تولّيكم لثقله عليكم واتّهامكم إيّاي لأجله، أو يفوتني لتولّيكم.
( إِنْ أَجْرِيَ ) : ما ثوابي على الدّعوة والتّذكير.
( إِلَّا عَلَى اللهِ ) : لا تعلّق له بكم يثيبني به، آمنتم أو تولّيتم.
( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (٧٢): المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره ولا أرجو غيره.
( فَكَذَّبُوهُ ) : فأصرّوا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجّة وبيّن أنّ تولّيهم ليس إلّا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٤.
(٢) نفس المصدر والموضع. والمجمع ٣ / ١٢٣.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٤.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣١٤.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٤.
لعنادهم وتمردّهم، لا جرم حقّت عليهم كلمة العذاب.
( فَنَجَّيْناهُ ) : من الغرق.
( وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ) .
قيل(١) : وكانوا ثمانين.
( وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ ) : من الهالكين به.
( وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) : بالطّوفان.
( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ) (٧٣): تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن كذّب الرّسول، وتسلية له.
( ثُمَّ بَعَثْنا ) : أرسلنا.
( مِنْ بَعْدِهِ ) : من بعد نوح.
( رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ ) : كلّ رسول إلى قومه.
( فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) : بالمعجزات الواضحة، المثبتة لدعواهم.
( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) : فما استقام لهم أن يؤمنوا، لشدّة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله إيّاهم.
( بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ) .
قيل(٢) : أي: بسبب تعوّدهم تكذيب الحقّ وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرّسل.
وفي الأخبار(٣) : أنّ المراد: في الذّرّ.
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين عن(٥) محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن عقبة(٦) ، عن عبد الله بن محمّد الجعفيّ وعقبة جميعا، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق الخلق. فخلق من أحبّ ممّا أحبّ، وكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة. وخلق من أبغض ممّا أبغض، أن خلقه من طينة النّار. ثمّ بعثهم في الظّلال.
فقلت: وأي شيء الظّلال؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٤.
(٣) تفسير الصافي ٢ / ٤١٢، والبرهان ٢ / ١٩٢.
(٤) الكافي ٢ / ١٠، ح ٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.
(٦) ليس في المصدر: عن عبد الله بن عقبة.
فقال: ألم تر إلى ظلّك في الشّمس شيئا، وليس بشيء؟ ثمّ بعث منهم النّبيّين، فدعوهم إلى الإقرار بالله ـ عزّ وجلّ ـ. وهو قوله:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) .
ثمّ دعوهم إلى الإقرار بالنّبيّين، فأقرّ بعضهم [وأنكر بعض](١) . ثمّ دعوهم إلى ولايتنا فأقرّ بها، والله، من أحبّ وأنكرها من أبغض. وهو قوله:( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ) .
ثمّ قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: كان التّكذيب ثمّة(٢) .
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالا: إنّ الله خلق [الخلق](٤) ، وهم(٥) أظلّة. فأرسل رسوله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ فمنهم من آمن به ومنهم من كذّبه.
عن أبي بصير(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( ثُمَّ بَعَثْنا ـ إلى قوله ـمِنْ قَبْلُ ) .
قال: بعث الله الرّسل إلى الخلق وهم كذبوا به من قبل في أصلاب الرّجال وأرحام النّساء. فمن صدّق حينئذ، صدّق بعد ذلك. ومن كذّب حينئذ، كذّب بعد ذلك.
[( كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) (٧٤): بخذلانهم، لانهماكهم في الضّلال واتّباع المألوف. وفي أمثال ذلك دليل على أنّ الأفعال واقعة بقدرة الله ـ تعالى ـ وكسب العبد. وقد مرّ تحقيق ذلك](٧) .
( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ ) : من بعد هؤلاء الرّسل.
( مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا ) : بالآيات التّسع.
( فَاسْتَكْبَرُوا ) : عن اتّباعهما.
( وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ) (٧٥): معتادين الإجرام. فلذلك تهاونوا برسالة ربّهم ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ثمّة: هناك.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٦، ح ٣٥.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: وهي.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٣٦.
(٧) الآية وجدت مكتوبة بالقلم الرّصاص من دون شرح وأخذنا الشرح من أنوار التنزيل كما عليه المؤلّف.
واجترءوا على ردّها.
( فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ) : وعرفوه بتظاهر المعجزات القاهرة المزيلة للشّكّ.
( قالُوا ) : من فرط تمرّدهم.
( إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) (٧٦): ظاهر أنّه سحر. أو فائق في فنّه، واضح فيما بين إخوانه.
( قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ ) : إنّه لسحر. فحذف محكي القول، لدلالة ما قبله عليه. ولا يجوز أن يكون( أَسِحْرٌ هذا ) لأنّهم بتّوا القول، بل هو استئناف بإنكار ما قالوه. أللّهمّ إلّا أن يكون الاستفهام فيه للتّقرير، والمحكي مفهوم قولهم.
ويجوز أن يكون معنى( أَتَقُولُونَ لِلْحَقِ ) : أتعيبونه. من قولهم: فلان يخاف القالة، كقوله:( سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ) فيستغني عن المفعول.
( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) (٧٧): من تمام كلام موسى. للدّلالة على أنّه ليس بسحر، فإنّه لو كان سحرا لاضمحلّ ولم يبطل سحر السّحرة، ولأنّ العالم بأنّه لا يفلح السّاحر لا يسحر.
أو من تمام قولهم، إن جعل( أَسِحْرٌ هذا ) محكيا، كأنّهم قالوا: أجئتنا بالسّحر تطلب به الفلاح( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) .
( قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ) : لتصرفنا عن الحقّ.
و «اللّفت» و «الفتل» إخوان.
( عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) : من عبادة الأصنام.
( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ ) : الملك فيها. سمّي بها لاتّصاف الملوك بالكبرياء، أو التّكبّر على النّاس باستتباعهم.
( وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ) (٧٨): بمصدّقين فيما جئتما به.
( وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ ) وقرأ(١) حمزة والكسائيّ: «بكلّ سحّار».
( عَلِيمٍ ) (٧٩): حاذق فيه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٥.
( فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) (٨٠)( فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ) ، أي: الّذي جئتم به هو السّحر، لا ما سمّاه فرعون وقومه سحرا.
وقرأ(١) أبو عمرو: «السّحر» على أنّ «ما» استفهاميّة مرفوعة بالابتداء، «وجئتم به» خبرها، و «السّحر» بدل منه. أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهو السّحر. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: آلسّحر هو.
ويجوز أن ينتصب «ما» بفعل يفسّره ما بعده، تقديره: أيّ شيء أتيتم.
( إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) (٨١): لا يثبته ولا يقوّيه.
قيل(٢) : وفيه دليل على أنّ السّحر إفساد وتمويه لا حقيقة له.
( وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَ ) : ويثبته.
( بِكَلِماتِهِ ) : بأوامره وقضاياه.
وقرئ: «بكلمته».
( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (٨٢): ذلك.
( فَما آمَنَ لِمُوسى ) : في مبدأ أمره.
( إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ) : إلّا أولاد من أولاد قومه، بني إسرائيل، دعاهم فلم يجيبوه خوفا من فرعون، إلّا طائفة من شبّانهم.
وقيل(٣) : الضّمير لفرعون، و «الذّرّيّة» طائفة من شبّانهم آمنوا به. أو مؤمن آل فرعون وامرأته، آسية، وخازنة، وزوجته، وماشطته(٤) ومشّاطته.
( عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ ) : أي: مع خوف منهم.
والضّمير لفرعون، وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء. أو على أنّ المراد بفرعون: آله، كما يقال: ربيعة ومضر. أو للذّرّيّة. أو للقوم.
( أَنْ يَفْتِنَهُمْ ) : أن يعذّبهم فرعون. وهو بدل منه، أو مفعول «خوف». وإفراده بالضّمير، للدّلالة على أنّ الخوف من الملأ كان بسببه.
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) المجمع ٣ / ١٢٧ بتفاوت يسير. وأنوار التنزيل ١ / ٤٥٥.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مشاطتة.
( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ ) : لغالب فيها.
( وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) (٨٣): في الكبر والعتوّ، حتّى ادّعى الرّبوبيّة واسترقّ أسباط الأنبياء.
( وَقالَ مُوسى ) : لـمّا رأى تخوّف المؤمنين به.
( يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ) : فثقوا به واعتمدوا عليه.
( إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) (٨٤): مستسلمين لقضاء الله، مخلصين له.
وليس هذا من تعلّق الحكم بشرطين. فإنّ المعلّق بالإيمان وجوب التّوكّل. فإنّه المقتضي له. والمشروط بالإسلام حصوله، فإنّه لا يوجد مع التّخليط. ونظيره: إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت.
( فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا ) : لأنّهم كانوا مؤمنين مخلصين، ولذلك أجيب دعوتهم.
( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ) : موضع فتنة.
( لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٨٥): أي: لا تسلّطهم علينا، فيفتنونا عن ديننا أو يعذّبونا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: قوم موسى استعبدهم آل فرعون، وقالوا: لو كان لهؤلاء على الله كرامة، كما يقولون ما سلّطنا عليهم. فقال موسى لقومه:( يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم في قوله:( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
قال: لا تسلّطهم علينا، فتفتنهم بنا.
وفي تهذيب الأحكام(٣) ، في دعاء مرويّ عنهم ـ عليهم السّلام ـ: ودعاك المؤمنون فقالوا:( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
( وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) (٨٦): من كيدهم وشؤم مشاهدتهم.
وفي تقديم التّوكّل على الدّعاء، تنبيه على أنّ الدّاعي ينبغي أن يتوكّل أوّلا لتجاب دعوته.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٤.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٧، ح ٣٨.
(٣) نور الثقلين ٢ / ٣١٤، ح ١١١ عنه.
( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا ) : أن اتّخذا مباءة، أي: مرجعا.
( لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ) : يسكنون فيها، أو يرجعون إليها للعبادة.
( وَاجْعَلُوا ) : أنتما وقومكما.
( بُيُوتَكُمْ ) : تلك البيوت.
( قِبْلَةً ) : مصلّى.
وقيل(١) : مساجد متوجّهة نحو القبلة، يعني: الكعبة. وكان موسى يصلّي إليها.
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) : فيها. أمروا بذلك أوّل أمرهم، لئلّا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن الكاظم ـ عليه السّلام ـ: لـمّا خافت بنو إسرائيل جبابرتها، أوحى الله إلى موسى وهارون:( أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) .
قال: أمروا أن يصلّوا في بيوتهم.
( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (٨٧): بالنّصرة في الدّنيا، والجنّة في العقبى.
وإنّما ثنّى بالضّمير أوّلا، لأنّ التّبوّء للقوم واتّخاذ المعابد ممّا يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور. ثمّ جمع، لأنّ جعل البيوت مساجد والصّلاة فيها ممّا ينبغي أن يفعله كلّ أحد.
ثمّ وحّد، لأنّ البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشّريعة.
وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل. وفيه قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر الله ـ تعالى ـ الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا، أو موضعا. فأوّل ذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ.
إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: وأمّا الرّابعة، فإخراجه ـ صلّى الله عليه وآله ـ النّاس من المسجد ما خلا العترة، حتّى تكلّم النّاس في ذلك.
وتكلّم العبّاس، فقال: يا رسول الله، تركت عليّا وأخرجتنا؟
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٢٩. وأنوار التنزيل ١ / ٤٥٦.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣١٥. وفيه: عن الكاظم ـ عليه السّلام ـ عن أبي ابراهيم ـ عليه السّلام ـ.
(٣) العيون ١ / ١٨١ ـ ١٨٢.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما تركته وأخرجتكم، ولكنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ تركه وأخرجكم.
وفي هذا بيان قوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
قالت العلماء: وأين هذا من القرآن؟
قال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: أوجدكم في ذلك قرآنا وأقرأه عليكم؟
قالوا: هات.
قال: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) . ففي هذه الآية منزله هارون من موسى. وفيها ـ أيضا ـ منزلة عليّ من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [وهذا دليل ظاهر في قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حين قال: ألا إنّ هذا المسجد لا يحلّ لجنب إلّا لمحمّد وآله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](١) .
قالت العلماء: يا أبا الحسن، هذا الشّرح وهذا البيان لا يوجد إلّا عندكم، معشر أهل بيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
قال: ومن ينكر لنا ذلك، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. فمن أراد المدينة، فليأتها من بابها. ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشّرف والتّقدمة والاصطفاء والطّهارة ما لا ينكره معاند، ولله ـ تعالى ـ الحمد على ذلك، فهذه الرّابعة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى أبي رافع قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ خطب النّاس، فقال: يا أيّها النّاس إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أمر موسى وهارون( أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ) . وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب ولا يقرب فيه(٣) النّساء، إلّا هارون وذرّيّته. إنّ عليّا منّي بمنزلة هارون من موسى، فلا يحلّ لأحد أن يقرّب النّساء في مسجدي ولا يبيّت فيه جنب إلّا عليّ وذرّيّته. فمن ساءه(٤) ذلك، فهاهنا. وضرب بيده
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(٢) العلل / ٢٠١، ح ٢.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: منها.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «سار» بدل «ساءه».
نحو الشّام.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا بن محمّد بن مالك، عن عباد بن يعقوب، [عن محمّد بن يعقوب](٢) ، عن [أبي](٣) جعفر الأحول، عن منصور، عن أبي إبراهيم ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا خافت بنو إسرائيل جبابرتها أوحى الله ـ تعالى ـ إلى موسى وهارون ـ عليهما السّلام ـ:( أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) .
قال: أمروا أن يصلّوا في بيوتهم.
حدّثني(٤) أبي، عن الحسن(٥) بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: فقلت: كان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه؟
قال: نعم.
إلى قوله: قلت: فكان الوحي ينزل عليهما جميعا؟
قال كان الوحي ينزل على موسى، وموسى يوحيه إلى هارون.
( وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ) : ما يتزيّن به من اللّباس والمراكب ونحوهما.
( وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : وأنواعا من المال.
( رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ) .
قيل(٦) : دعا عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنّه لا يكون غيره، كقولك: لعن الله إبليس.
وقيل(٧) : «اللّام» للعاقبة وهي متعلّقة «بآتيت».
وجوّز(٨) البعض أن تكون للعلّة، لأنّ إيتاء النّعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضّلال، ولأنّهم لـمّا جعلوها سببا للضّلال فكأنّهم أوتوها ليضلّو. فيكون «ربّنا» تكريرا للأوّل، تأكيدا وتنبيها على أنّ المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٤ ـ ٣١٥.
(٢) ليس في ب.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر ٢ / ١٣٦ ـ ١٣٧.
(٥) بعض نسخ المصدر: الحسين بن محبوب.
(٦) المجمع ٣ / ١٢٩، وأنوار التنزيل ١ / ٤٥٦.
(٧ و ٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٦.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، أي: يفتنوا النّاس بالأموال، ليعبدوه ولا يعبدوك.
( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ ) : أهلكها.
و «الطّمس» المحق.
وقرئ(٢) : «واطمس» بالضّمّ.
( وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ) ، أي: وأقسها واطبع عليها، حتّى لا تنشرح للإيمان.
( فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) (٨٨): جواب للدّعاء. أو دعاء بلفظ النّهي. أو عطف على «ليضلّوا»، وما بينهما دعاء معترض.
( قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) : يعني: موسى وهارون، لأنّه كان يؤمّن.
( فَاسْتَقِيما ) : فاثبتا على ما أنتما عليه من الدّعوة وإلزام الحجّة ولا تستعجلا، فإنّ ما طلبتما كائن ولكن في وقته.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أملى الله ـ تعالى ـ لفرعون ما بين الكلمتين [قوله:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) (٤) وقوله:( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) (٥) ](٦) أربعين سنة، ثمّ أخذه الله نكال الآخرة والأولى. وكان بين أن قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لموسى وهارون:( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) وبين أن عرّفه الله تعالى الإجابة أربعون(٧) سنة(٨) .
عليّ بن إبراهيم(٩) ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: دعا موسى ـ عليه السّلام ـ وأمّن هارون ـ عليه السّلام ـ وأمّنت الملائكة ـ عليهم السّلام ـ. فقال الله ـ تعالى ـ:( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما ) . ومن غزا في سبيل الله أستجيب له، كما استجبت لكما(١٠) يوم القيامة.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٥.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٦.
(٣) الخصال / ٥٣٩ ـ ٥٤٠، ح ١١، ونور الثقلين ٢ / ٣١٥، ح ١١٦ عنه.
(٤) النازعات / ٢٤.
(٥) القصص / ٣٨.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في نور الثقلين. وفي المصدر: أربعين.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وبين أخذ فرعون أربعون عاما» بدل «وبين أن عرّفه سنة».
(٩) الكافي ٢ / ٥١٠، ح ٨.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لهما.
وفي الكافي(١) ، وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: كان بين قول الله ـ تعالى ـ:( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) وبين أخذ فرعون أربعون سنة.
( وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (٨٩): طريق الجهلة في الاستعجال، أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله.
وعن ابن عامر(٣) «ولا تتّبعان» بالنّون الخفيفة وكسرها، لالتقاء السّاكنين. «ولا تتبعان» من تبع. «ولا تتبعانّ» أيضا.
( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) ، أي: عبّرناهم في البحر حتّى بلغوا الشّطّ حافظين لهم.
وقرئ(٤) : «جوّزنا». وهو من فعل المرادف لفاعل، كضعف، وضاعف.
( فَأَتْبَعَهُمْ ) : فأدركهم.
يقال: تبعته، حتّى أتبعته.
( فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً ) : باغين وعادين. أو للبغي والعدو.
«وقرى(٥) . «وعدوّاً».
وفي تفسير العيّاشي(٦) : روينا لـمّا صار موسى في البحر أتبعه فرعون وجنوده.
قال: فتهيّب فرس فرعون أن يدخل البحر، فمثل له جبرئيل على رمكة(٧) . فلمّا رأى فرس فرعون الرّمكة، أتبعها فدخل البحر هو وأصحابه فغرقوا(٨) .
( حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ) : لحقه.
( قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ ) : أي: بأنّه.
( لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (٩٠).
وقرأ(٩) حمزة والكسّائي: «إنّه» بالكسر، على إضمار القول أو الاستئناف، بدلا وتفسيرا «لآمنت». فنكب عن الإيمان أوان القبول، وبالغ فيه ولا يقبل.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٨٩، ح ٥.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٧، ح ٤٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٦.
٤، ٥ ـ نفس المصدر والموضع.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٧، ح ٤١. وفيه: «عن ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا يرفعه قال» بدل «روينا».
(٧) الرّمكة: الفرس البرذونة تتّخذ للنسل.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: ففزعوا.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٧.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى ابن أبي عمير: عن موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: أمّا قوله:( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) فإنّما قال ليكون أحرص لموسى على الذّهاب، وقد علم الله ـ عزّ وجلّ ـ أنّ فرعون لا يتذكّر ولا يخشى إلّا عند رؤية البأس. ألّا تسمع الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . فلم يقبل الله إيمانه. وقال:( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) .
وفي عيون الأخبار(٢) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: لأي علّة غرّق الله ـ تعالى ـ فرعون، وقد آمن به وقد أقرّ بتوحيده؟
قال: لأنّه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله ـ تعالى ذكره ـ [في السّلف والخلف. قال الله ـ تعالى ـ:( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ] ) (٣) ( إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً ) . وهكذا فرعون لـمّا أدركه الغرق قال:( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . فقيل له:( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) .
وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد قد لبسه على بدنه. فلمّا غرق، ألقاه الله ـ تعالى ـ على نجوة(٤) من الأرض [ببدنه](٥) ليكون لمن بعده علامة. فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الأرض، وسبيل الثّقل أن يرسب ولا يرتفع، فكان ذلك آية وعلامة. ولعلّة أخرى أغرقه الله ـ عزّ وجلّ ـ وهي أنّه استغاث بموسى لـمّا أدركه الغرق، ولم يستغث بالله. فأوحى الله إليه: يا موسى، لم تغث(٦) فرعون لإنّك لم تخلقه. ولو استغاث مجيب(٧) بي، لأغثته.
( آلْآنَ ) : أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار.
__________________
(١) علل الشرايع / ٦٧، ح ١.
(٢) العيون ٢ / ٧٦، ح ٧.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(٤) النجوة: ما ارتفع من الأرض.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: ما أعنت.
(٧) ليس في المصدر.
وفي مجمع البيان(١) :( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ ) (الآية). وروي عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: «الآن» بإلقاء حركة الهمزة على اللّام، وحذف الهمزة.
( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) : قبل ذلك مدّة عمرك.
( وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (٩١): الضّالّين، المضلّين عن الإيمان.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ما أتى جبرئيل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا كئيبا حزينا، ولم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون. فلمّا أمره الله بنزول هذه الآية آلآن( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ، نزل عليه وهو ضاحك مستبشر.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما أتيتني، يا جبرئيل، إلا وتبيّنت الحزن في وجهك حتّى السّاعة.
قال: نعم، يا محمّد. لـمّا غرّق الله فرعون، قال:( آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . فأخذت حمأة(٣) فوضعتها في فيه، ثمّ قلت:( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) . وعملت ذلك من غير أمر الله، ثمّ خفت أن تلحقه الرّحمة من الله ـ عزّ وجلّ ـ ويعذبني الله على ما فعلت. فلمّا كان الآن وأمرني الله أن أؤدّي إليك ما قلته أنا لفرعون أمنت وعلمت أنّ ذلك كان لله ـ تعالى ـ رضى(٤) فيه.
وفي رواية أبي الجارود(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ بني إسرائيل قالوا: يا موسى، ادع الله ـ تعالى ـ أن يجعل لنا ممّا نحن فيه فرجا.
[فدعا](٦) فأوحى الله إليه: أن سر بهم.
قال: يا رب، البحر أمامهم.
قال: امض فإني آمره أن يطيعك وينفرج(٧) لك.
فخرج موسى ببني إسرائيل، وأتبعهم فرعون. حتّى إذا كاد أن يلحقهم ونظروا إليه قد أظلّهم، قال موسى للبحر: انفرج لي.
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٣٠.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣١٦.
(٣) الحمأة: الطين الأسود المنتن.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ورضائه
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣١٥ ـ ٣١٦.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيفرج.
قال: ما كنت لأفعل.
وقال بنو إسرائيل لموسى: غررتنا وأهلكتنا، فليتك تركتنا يستعبدنا آل فرعون ولم نخرج الآن نقتل قتلة.
( قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) واشتدّ على موسى ما كان يصنع به عامّة قومه وقالوا يا موسى( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) زعمت أنّ البحر ينفرج لنا حتّى نمضي ونذهب، وقد رهقنا(١) فرعون وقومه وهم هؤلاء تراهم قد دنوا منّا.
فدعا موسى ربّه، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر. فضربه، فانفلق البحر. فمضى موسى وأصحابه حتّى قطعوا البحر.
وأدركهم آل فرعون. فلمّا نظروا إلى البحر قالوا لفرعون. ما تعجب ممّا ترى؟
قال: أنا فعلت هذا. فمرّوا وامضوا فيه.
فلمّا توسّط فرعون ومن معه، أمر الله البحر فأطبق(٢) فغرّقهم أجمعين. فلمّا أدرك فرعون الغرق( قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ ـ إلى قوله ـوَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) يقول: كنت من العاصين( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ) .
قال: إنّ قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر فلم ير منهم أحد، هووا في البحر إلى النّار. فأمّا فرعون فنبذه الله ـ عزّ وجلّ ـ وحده فألقاه(٣) بالسّاحل، لينظروا إليه وليعرفوه ليكون لمن خلفه آية، ولئلّا يشكّ أحد في هلاكه. إنّهم كانوا اتّخذوه ربّا، فأراهم(٤) الله ـ عزّ وجلّ ـ إيّاه جيفة ملقاة في السّاحل ليكون لمن خلفه عبرة وعظة. يقول الله:( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ) .
( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ) : ننقذك ممّا وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا. أو نلقيك على نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع، ليراك بنو إسرائيل.
وقرأ(٥) يعقوب: «ننجيك». من أنجى.
وقرئ(٦) : «ننجيك» بالحاء، أي: نلقيك بناحية السّاحل.
__________________
(١) رهقنا، أي: لحقنا.
(٢) المصدر: فانطبق عليهم.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأفهاه.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فإذا هم.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٧.
( بِبَدَنِكَ ) : في موضع الحال، أي: ببدنك عاريا عن الرّوح. أو كاملا سويّا. أو عريانا من غير لباس. أو بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها.
وقرئ(١) : «بأبدانك»، أي: بأجزاء البدن كلّها، كقولهم: هوى بأجرامه. أو بدروعك، كأنّه كان تظاهرا بينها.
( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) : لمن وراءك علامة، وهم بنو إسرائيل، إذ كان في نفوسهم من عظمته ما يخيّل إليهم أنّه لا يهلك حتّى كذّبوا موسى ـ عليه السّلام ـ حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينه مطروحا على ممرّهم من السّاحل.
أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممّن شاهدك، عبرة ونكالا عن الطّغيان، أو حجّة تدلّهم على أنّ الإنسان على ما كان عليه من عظم الشّأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظانّ الرّبوبيّة.
وقرئ(٢) : «لمن خلقك»، أي لخالقك آية، كسائر الآيات. فإنّ إفراده إيّاك بالإلقاء إلى السّاحل دليل على أنّه تعمّد منه، لكشف تزويرك وإماطة الشّبهة في أمرك، وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته. وهذا الوجه ـ أيضا ـ محتمل على القراءة المشهورة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أنّ موسى ـ على نبيّنا وآله وعليه السّلام ـ أخبر بني إسرائيل انّ الله قد أغرق فرعون، يصدّقوه. فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ البحر، فلفظ به على ساحل البحر حتّى رأوه ميّتا. ويأتي تمام الكلام فيه.
( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ) (٩٢): لا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.
( وَلَقَدْ بَوَّأْنا ) : أنزلنا.
( بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ) : منزلا صالحا مرضيا، وهو الشّام ومصر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : ردّهم إلى مصر، وغرّق فرعون.
( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) : من اللّذائذ.
( فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) : فما اختلفوا في أمر دينهم، إلّا من بعد
__________________
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٧.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣١٦.
(٤) نفس المصدر والموضع.
ما قرأوا التّوراة وعلموا أحكامها. أو في أمر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته.
( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (٩٣): فيميز المحقّ عن المبطل بالإنجاء والإهلاك.
( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) : من القصص، على سبيل الفرض والتّقدير.
( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) : فإنّه محقّق عندهم، ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك. والمراد تحقيق ذلك، والاستشهاد بما في الكتب المتقدّمة وأنّ القرآن مصدّق لما فيها. أو وصف أهل الكتاب بالرّسوخ في العلم بصحّة ما أنزل الله. أو تهييج الرّسول وزيادة تثبّته لا إمكان وقوع الشّكّ له.
وقيل(١) : الخطاب للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمراد أمّته، أو لكلّ من يسمع، أي: إن كنت أيّها السّامع في شك ممّا نزّلنا على لسان نبيّنا عليك( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) واضحا. لأنّه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة.
( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) (٩٤): بالتزّلزل عمّا أنت عليه من الجزم واليقين.
( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٩٥): أيضا من باب التّهييج والتّثبيت وقطع الأطماع عنه، كقوله:( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : حدّثنا [المظفر بن](٣) جعفر بن المظفّر العلويّ [حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود، عن أبيه قال: حدّثنا عليّ بن عبد الله عن بكر بن صالح عن أبي الخير عن محمد](٤) بن حسّان، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل الدّارميّ، عن محمّد بن سعيد الإذخريّ، وكان ممّن يصحب موسى بن محمّد بن الرضا، أن موسى أخبره أنّ يحيى بن أكتم كتب إليه يسأله عن مسائل فيها: وأخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) من المخاطب بالآية. فإن كان المخاطب بها النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أليس قد شكّ فيما أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه. وإن كان المخاطب به غيره، فعلى غيره إذن انزل
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٧ ـ ٤٥٨.
(٢) العلل / ١٢٩، ح ١.
(٣ و ٤) من المصدر.
الكتاب؟
قال موسى: فسألت أخي، عليّ بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ عن ذلك.
قال: أمّا قوله:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) فإنّ المخاطب بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ولم يكن في شكّ ممّا أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ. ولكن قالت الجهلة: كيف لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة إنّه لم يفرّق(١) بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) بمحضر من الجهلة، هل بعث الله رسولا قبلك إلّا وهو يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق ولك بهم أسوة.
وإنّما قال:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ ) ولم يكن، ولكن ليتبعهم، كما قال له ـ عليه السّلام ـ:( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ ) . ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة. وقد عرف أنّ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ مؤدّ عنه رسالته وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه صادق فيما يقول ولكن أحبّ أن ينصف من نفسه.
وبإسناده(٢) إلى إبراهيم بن أبي(٣) عمير، رفعه إلى أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ـ إلى قوله ـمِنْ قَبْلِكَ ) .
قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا أشكّ ولا أسأل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثني أبي، عن عمرو بن سعيد الرّاشديّ، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أسري برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى السّماء وأوحى إليه في عليٍّ ما أوحى إليه من شرفه ومن عظمته عند الله وردّ إلى البيت المعمور وجمع له النّبيّين وصلّوا خلفه، عرض في نفس رسول الله من عظم ما أوحى إليه في عليّ. فأنزل الله( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ليفرق» بدل «إنه لم يفرق».
(٢) العلل / ١٣٠، ح ٢.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) تفسير القمي ١ / ٣١٧.
الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) ، يعني: الأنبياء، فقد أنزلنا إليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك.( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ ـ إلى قوله ـفَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) .
فقال الصّادق ـ عليه السّلام: فو الله، ما شكّ وما سأل.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن عبد الصّمد بن بشير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) .
قال: لـمّا أسري بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ففرغ من مناجاة ربّه، ردّ إلى البيت المعمور، وهو بيت في السّماء الرّابعة بحذاء الكعبة. فجمع الله له النّبييّن والمرسلين والملائكة، ثمّ أمر جبرئيل فأذّن وأقام الصّلاة(٢) ، وتقدّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فصلّى بهم. فلمّا فرغ التفت إليهم، فقال له الله( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) . فسألهم يومئذ النّبيّ، ثمّ نزل.
وفي الخرائج والجرائح(٣) : في روايات الخاصّة أنّ أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: لـمّا أسري بي نزل جبرئيل بالبراق، وهو أصغر من البغل وأكبر من الحمار، مضطرب الأذنين، عيناه في حوافره، خطاه مدّ البّصر، وله جناحان يجريان به من خلفه، عليه سرج من ياقوت فيه من كلّ لون، أهدب العرف(٤) الأيمن. فوقفه(٥) على باب خديجة ودخل إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فمرح(٦) البراق.
فخرج إليه جبرئيل وقال: اسكن، فإنّما يركبك أحبّ خلق الله إليه.
فسكن. فخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فركب ليلا، فتوجّه نحو بيت المقدس، فاستقبله شيخ.
فقال جبرئيل: هذا أبوك إبراهيم ـ عليه السّلام ـ.
[فثنى رجله](٧) وهمّ بالنّزول.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٨، ح ٤٣.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) الخرائج / ١٥ ونور الثقلين ٢ / ٣٢٠ ـ ٣٢١، ح ١٣٠ عنه.
(٤) العرف: شعر عنق الفرس. وأهدب العرف، أي: طويله وكثيره مرسلا من الجانب الأيمن.
(٥) المصدر: فأوقفه.
(٦) المرح: شدّة النشاط والفرح.
(٧) من المصدر.
فقال له جبرئيل: كما أنت.
فجمع ما شاء الله من الأنبياء في بيت المقدس. فأذّن جبرئيل، وتقدّم رسول الله فصلّى بهم.
ثمّ قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) : هؤلاء الأنبياء الّذين جمعوا.( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) قال: فلم يشكّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ولم يسأل.
( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ) : ثبت عليهم.
( كَلِمَتُ رَبِّكَ ) ، أي: إخباره بأنّهم يموتون على الكفر، أو يخلّدون في العذاب.
( لا يُؤْمِنُونَ ) (٩٦): إذ لا يكذّب كلامه ولا ينتقض قضاؤه، لأنّه لا يخبر إلّا عن علم بأنّهم لا يؤمنون.
( وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) (٩٧): وحينئذ لا ينفعهم، كما لم ينفع فرعون.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) .
قال: الّذين جحدوا أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه.
وقوله ـ تعالى ـ:( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ) .
قال: عرضت عليهم الولاية وقد فرض الله ـ تعالى ـ عليهم الإيمان بها، فلم يؤمنوا بها.
( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ) : فهلّا كانت قرية من القرى الّتي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب ولم تؤخّر إليها، كما اخّر فرعون.
( فَنَفَعَها إِيمانُها ) : بأن يقبله الله منها، ويكشف العذاب عنها.
( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) : لكنّ قوم يونس.
( لَمَّا آمَنُوا ) : أوّل ما رأوا أمارة العذاب، ولم يؤخّروه إلى حلوله( كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) .
ويجوز أن تكون الجملة في معنى النّفي، لتضمّن حرف التّحضيض معناه فيكون
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٧.
الاستثناء متّصلا. لأنّ المراد من القرى: أهاليها، كأنّه قال: ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم، إلّا قوم يونس. ويؤيّده قراءة الرّفع، على البدل.
( وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) (٩٨): إلى آجالهم.
وفي الجوامع(١) : وكان قد بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذّبوه، فذهب عنهم مغاضبا: فلمّا فقدره، خافوا نزول العذاب. فلبسوا المسوح وعجّوا وبكوا، فصرف الله عنهم العذاب وكان قد نزل وقرب منهم.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن أبي عبيدة الحذّاء، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: كتب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: حدّثني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ جبرئيل حدّثه، أنّ يونس بن متّي ـ عليه السّلام ـ بعثه الله إلى قومه، وهو ابن ثلاثين سنة. وكان رجلا تعتريه الحدّة(٣) . وكان قليل الصّبر على قومه والمداراة لهم، عاجزا عمّا حمل من ثقل حمل أوقار النّبوّة وأعلامها. وأنه تفسّخ تحتها، كا يتفسّخ الجذع تحت حمله. وأنّه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله والتّصديق به واتّباعه ثلاثا وثلاثين سنة، فلم يؤمن به ولم يتّبعه من قومه إلّا رجلان، اسم أحدهما روبيل، واسم الآخر تنوخا.
وكان روبيل من أهل بيت العلم والنّبوّة والحكمة، وكان قديم الصّحبة ليونس بن متّي من قبل أن يبعثه الله بالنّبوّة. وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمّكا في العبادة، وليس له علم ولا حكم. وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوّت منها. وكان تنوخا رجلا حطّابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه. وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا، لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته.
فلمّا رأى يونس أنّ قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون، ضجر وعرف من نفسه قلّة الصّبر فشكى ذلك إلى ربّه. وكان فيما شكا أن قال: يا ربّ، إنّك بعثتني إلى قومي ولي ثلاثون سنة. فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإيمان بك والتّصديق برسالتي وأخوّفهم عذابك ونقمتك ثلاثا وثلاثين سنة، فكذّبوني ولم يؤمنوا بي وجحدوا نبوّتي واستخفّوا برسالتي. وقد توعّدوني(٤) ، وخفت أن يقتلوني. فانزل عليهم عذابك، فإنّهم قوم لا يؤمنون.
قال: فأوحى الله إلى يونس: أنّ فيهم الحمل والجنين والطّفل والشّيخ الكبير
__________________
(١) الجوامع / ١٩٩.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٢٩، ح ٤٤.
(٣) أي: يصيبه البأس والغضب.
(٤) الصدر: تواعدوني.
والمرأة الضّعيفة والمستضعف المهين، وأنا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبي لا أعذّب الصّغار بذنوب الكبار من قومك. وهم، يا يونس، عبادي وخلقي وبريّتي في بلادي وفي عيلتي أحبّ أن أتأنّاهم(١) وأرفق بهم وأنتظر توبتهم. وإنّما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا(٢) عليهم، تعطف عليهم بسجال الرّحمة(٣) الماسّة منهم، وتأنّاهم برأفة النّبوّة. وتصبر معهم بأحلام الرّسالة، وتكون لهم، كهيئة الطّبيب المداوي العالم بمداواة الدّواء. فخرقت(٤) بهم، ولم تستعمل قلوبهم بالرّفق، ولم تسسهم بسياسة المرسلين. ثمّ سألتني، مع سوء نظرك، العذاب لهم عند قلّة الصّبر منك. وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه، وأحسن صحبة، وأشدّ تأنّيا في الصّبر عندي، وأبلغ في العذر فغضبت له حين غضب لي، وأجبته حين دعاني.
فقال يونس: يا ربّ، إنّما غضبت عليهم فيك، وإنّما دعوت عليهم حين عصوك. فو عزّتك، لا أتعطّف عليهم برأفة أبدا، ولا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم وتكذيبهم إيّاي وجحدهم نبوّتي، فأنزل عليهم عذابك فإنّهم لا يؤمنون أبدا.
فقال الله: يا يونس، إنّهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي، يعمرون بلادي، ويلدون عبادي. ومحبّتي أن أتأنّاهم للّذي سبق من علمي فيهم وفيك، وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك. وأنت المرسل، وأنا الرّبّ الحكيم. وعلمي فيهم، يا يونس، باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه، وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له. يا يونس، قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم. وما ذلك، يا يونس، بأوفر لحظّك عندي، ولا أحمد(٥) لشأنك. وسيأتيهم عذابي في شوّال، يوم الأربعاء، وسط الشّهر، بعد طلوع الشّمس، فأعلمهم ذلك.
قال: فسرّ ذلك يونس ولو يسؤه، ولم يدر ما عاقبته. فانطلق يونس إلى تنوخا العابد، فأخبره بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم.
وقال له: انطلق حتّى أعلمهم بما أوحى الله إليّ من نزول العذاب.
فقال: تنوخا: فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتّى يعذّبهم الله.
__________________
(١) من التأنّي، أي: الرفق والمداراة.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: حفيظا.
(٣) المصدر: لسخاء الرحمة.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فخرجت.
(٥) المصدر: أجمل.
فقال له يونس: بل نلقي روبيل فنشاوره، فإنّه رجل عالم حكيم من أهل بيت النّبوّة.
فانطلقا إلى روبيل، فأخبره يونس بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوّال يوم الأربعاء في وسط الشّهر بعد طلوع الشّمس.
فقال له: ما ترى؟ انطلق بنا حتّى أعلمهم ذلك.
فقال له روبيل: ارجع إلى ربّك رجعة نبيّ حكيم ورسول كريم، واسأله أن يصرف عنهم العذاب. فإنّه غنيّ عن عذابهم، وهو يحبّ الرّفق بعباده، وما ذلك بأضر لك عنده ولا أسوء لمنزلتك لديه. ولعلّ قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما، فصابرهم وتأنّاهم.
فقال له تنوخا: ويحك، يا روبيل، ما أشرت على يونس وأمرته به بعد كفرهم بالله وجحدهم لنبيّه(١) وتكذيبهم إيّاه وإخراجهم إيّاه من مساكنه وما همّوا به من رجمه.
فقال روبيل لتنوخا: اسكت، فإنّك رجل عابد لا علم لك.
ثمّ أقبل على يونس، فقال: أرأيت، يا يونس، إذا أنزل الله العذاب على قومك فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقي بعضا.
فقال له يونس: بل يهلكهم جميعا، وكذلك سألته. ما دخلتني لهم رحمة(٢) تعطّف، فأراجع(٣) الله فيهم وأسأله أن يصرف عنهم.
فقال له روبيل: أتدري، يا يونس، لعلّ الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسّوا به أن يتوبوا إليه أو يستغفروه. فيرحمهم فإنّه أرحم الرّاحمين، ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله ـ تعالى ـ أنّه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء، فتكون بذلك عندهم كذّابا.
فقال له تنوخا: ويحك، يا روبيل، لقد قلت عظيما. يخبرك النّبيّ المرسل أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليهم، فتردّ قول الله وتشكّ فيه وفي قول رسوله. اذهب، فقد حبط عملك.
فقال روبيل لتنوخا: لقد فسد(٤) رأيك.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لنبيهم.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: رحمته.
(٣) المصدر: فارجع.
(٤) المصدر: فشل.
ثمّ أقبل على يونس، فقال: أنزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم، وقوله الحقّ. أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلّهم وخربت قريتهم، أليس يمحو الله اسمك من النّبوّة وتبطل رسالتك وتكون، كبعض ضعفاء النّاس ويهلك على يديك مائة ألف [أو يزيدون](١) من النّاس.
فأبى يونس أن يقبل وصيّته فانطلق ومعه تنوخا(٢) إلى قومه، فأخبرهم أنّ الله أوحى إليه أنّه منزل العذاب عليهم يوم الأربعاء في شوّال في وسط الشّهر بعد طلوع الشّمس. فردّوا عليه قوله وكذّبوه، وأخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا. فخرج يونس ومعه تنوخا من القرية وتنحيّا عنهم غير بعيد وأقاما ينتظران العذاب.
وأقام روبيل مع قومه في قريتهم. حتّى إذا دخل عليهم شوّال، صرخ(٣) روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم: أنا روبيل الشّفيق عليكم الرّحيم بكم إلى ربّه، قد أنكرتم(٤) عذاب الله. هذا شوّال قد دخل عليكم، وقد أخبركم يونس، نبيّكم ورسول ربّكم، أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب عليكم في شوّال في وسط الشّهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشّمس. ولن يخلف الله وعده رسله، فانظروا ما ذا أنتم صانعون؟
فأفزعهم كلامه، فوقع في قلوبهم تحقّق نزول العذاب. فأجفلوا(٥) نحو روبيل، وقالوا له: ما ذا أنت مشير به علينا، يا روبيل؟ فإنك رجل عالم حكيم، لم نزل نعرفك بالرّأفة(٦) علينا والرّحمة لنا، وقد بلغنا ما أشرت به على يونس، فمرنا بأمرك وأشر علينا برأيك.
فقال لهم روبيل: فإنّي أرى لكم وأشير عليكم أن تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء في وسط الشّهر، أن تعزلوا الأطفال عن الأمّهات في أسفل الجبل في طريق الأودية، وتقفوا النّساء في سفح الجبل، ويكون هذا كلّه قبل طلوع الشّمس. فعجّوا عجيج الكبير منكم والصّغير بالصّراخ والبكاء والتّضرّع إلى الله والتّوبة إليه والاستغفار له، وارفعوا رؤوسكم إلى السّماء وقولوا: ربّنا، ظلمنا وكذّبنا نبيّك وتبنا إليك
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: تنوخا من القرية وتنحيّا عنهم غير بعيد ورجع يونس إلى قومه.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: خرج.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنكر بكم.
(٥) فأجفلوا، أي: أسرعوا نحوه بالذهاب.
(٦) بعض نسخ المصدر: بالرقّة.
من ذنوبنا. وإن لا تغفر لنا وترحمنا، لنكوننّ من الخاسرين المعذّبين. فاقبل توبتنا وارحمنا، يا أرحم الرّاحمين. ثمّ لا تملّوا من البكاء والصّراخ والتّضرّع إلى الله والتّوبة إليه حتّى توارى الشّمس بالحجاب، أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك.
فأجمع رأي القوم على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل. فلمّا كان يوم الأربعاء الّذي توقّعوا فيه العذاب، تنحّى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا نزل. فلمّا طلع الفجر يوم الأربعاء، فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به. فلمّا بزغت الشّمس، أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير وحفيف [وهدير](١) . فلمّا رأوها عجّوا جميعا بالصّراخ والبكاء والتّضرّع إلى الله وتابوا إليه واستغفروه، وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمّهاتها، وعجّت سخال البهائم تطلب الثّدي، وعجّت(٢) الأنعام تطلب الرعاء. فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان صيحتهم(٣) وصراخهم، ويدعون الله عليهم بتغليظ العذاب عليهم. وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجّتهم(٤) ويرى ما نزل، وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم.
فلمّا أن زالت الشّمس وفتحت أبواب السّماء وسكن غضب الرّبّ ـ تعالى ـ رحمهم الرّحمن، فاستجاب دعاءهم وقبل توبتهم وأقالهم عثرتهم.
وأوحى إلى إسرافيل: أن اهبط إلى قوم يونس. فإنّهم قد عجّوا إليّ بالبكاء والتّضرّع وتابوا إليّ واستغفروني، فرحمتهم وتبت عليهم. وأنا الله التّوّاب الرّحيم، أسرع إلى قبول توبة عبدي التّائب من الذنب(٥) . وقد كان عبدي، يونس، ورسولي سألني نزول العذاب على قومه، وقد أنزلته عليهم. وأنا الله أحقّ من وفى بعهده وقد أنزلته عليهم، ولم يكن اشترط يونس حين سألني أن أنزل عليهم العذاب أن أهلكهم فاهبط إليهم فاصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابي.
فقال إسرافيل: يا ربّ، إنّ عذابك قد بلغ أكتافهم، وكاد أن يهلكهم، وما أراه إلّا وقد نزل بساحتهم، فإلى أين أصرفه؟
فقال الله: كلّا، إنّي قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ولا ينزلوه عليهم حتّى يأتيهم
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وسعت.
(٣) بعض نسخ المصدر: ضجيجهم.
(٤) المصدر: عجيجهم.
(٥) المصدر: الذّنوب.
أمري فيهم وعزيمتي. فاهبط، يا إسرافيل، عليهم واصرفه عنهم. واصرف به إلى الجبال وبناحية مفاوض(١) العيون ومجاري السّيول في الجبال العاتية العادية المستطيلة على الجبال، فأذلّها به وليّنها حتّى تصير ملتئمة(٢) حديدا جامدا.
فهبط إسرافيل عليهم، فنشر أجنحته، فاستاق بها ذلك العذاب حتّى ضرب بها تلك الجبال الّتي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: وهي الجبل الّتي بناحية الموصل اليوم، فصارت حديدا إلى يوم القيامة.
فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم، هبطوا إلى منازلهم من رؤوس الجبال وضمّوا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم، وحمدوا الله على ما صرف عنهم. وأصبح يونس وتنوخا يوم الخميس، في موضعهما الّذي كانا فيه، لا يشكّان أنّ العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعا لـمّا خفيت أصواتهم عنهما. فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس، مع طلوع الشّمس، ينظران إلى ما صار إليه القوم.
فلمّا دنوا واستقبلهم(٣) الحطّابون والحمّارة والرّعاة بأعناقهم ونظروا إلى أهل القرية مطمئنّين، قال يونس لتنوخا: يا تنوخا، كذّبني الوحي وكذبت وعدي لقومي. لا وعزّة ربّي، لا يرون لي وجها أبدا بعد ما كذبني(٤) الوحي.
فانطلق يونس هاربا على وجهه، مغاضبا لربّه ناحية بحر أيلة، مستنكرا فرارا من أن يراه أحد من قومه، فيقول له: يا كذّاب. فلذلك قال الله:( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) (الآية).
ورجع تنوخا إلى القرية فتلقى روبيل، فقال له: يا تنوخا، أيّ الرّأيين كان أصوب وأحقّ [أن يتّبع](٥) أرأيي أو رأيك؟
فقال تنوخا: بل رأيك كان أصوب، ولقد كنت أشرت برأي العلماء والحكماء.
وقال له تنوخا: أما إنّي لم أزل أرى أنّي أفضل منك لزهدي وفضل عبادتي، حتّى استبان فضلك بفضل علمك. وما أعطاك الله، ربّك من الحكمة مع التّقوى أفضل
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وناحية مفاض.
(٢) المصدر: مليّنة.
(٣) المصدر: فلمّا دنوا من القوم واستقبلتهم.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأكذبني.
(٥) من المصدر.
من الزّهد والعبادة بلا علم.
فاصطحبا، فلم يزالا مقيمين مع قومهما. ومضى يونس على وجهه مغاضبا لربّه، فكان من قصّته ما أخبر الله به في كتابه. فآمنوا فمتّعناهم إلى حين.
قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: كم كان غاب يونس عن قومه حتّى رجع إليه بالنّبوّة والرّسالة، فآمنوا به وصدّقوه؟
قال: أربعة أسابيع: سبعا منها في ذهابه إلى البحر، [وسبعا في بطن الحوت، وسبعا تحت الشّجرة بالعراء](١) ، وسبعا منها في رجوعه إلى قومه. فقلت له: وما هذه الأسابيع، شهور أو أيّام أو ساعات؟
فقال: يا أبا عبيدة، إنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء في النّصف من شوّال وصرف عنهم من يومهم ذلك. فانطلق يونس مغاضبا، فمضى يوم الخميس سبعة أيّام في مسيره إلى البحر وسبعة أيّام في بطن الحوت وسبعة أيّام تحت الشّجرة بالعراء وسبعة أيّام في رجوعه إلى قومه. فكان ذهابه ورجوعه ثمانية وعشرون يوما. ثمّ أتاهم، فآمنوا به وصدّقوه واتّبعوه. فلذلك قال:( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) .
عن أبي بصير(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أظلّ قوم يونس العذاب، دعوا الله فصرفه عنهم.
قلت: كيف ذلك؟
قال: كان في العلم أنّه يصرفه عنهم.
عن الثّماليّ(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ يونس لـمّا آذاه قومه، دعا الله عليهم. فأصبحوا أوّل يوم ووجوههم صفر(٤) ، وأصبحوا اليوم الثّاني ووجوههم سود.
قال: وكان الله واعدهم أن يأتيهم العذاب، حتّى نالوه برماحهم(٥) . ففرّقوا بين النّساء وأولادهنّ والبقر وأولادها، ولبسوا المسوح والصّوف، ووضعوا الحبال في أعناقهم والرّماد على رؤوسهم، وضجّوا ضجّة واحدة إلى ربّهم، وقالوا: آمنا بإله يونس.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في المصدر.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣٦، ح ٤٥.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٤٦.
(٤) المصدر: صفرة.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: برياحهم.
قال: فصرف الله عنهم العذاب إلى جبال أمد(١) .
قال: وأصبح يونس وهو يظنّ أنّهم هلكوا، فوجدهم في عافية.
عن معمّر(٢) قال: قال أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: إنّ يونس لـمّا أمره الله [بما أمره](٣) فأعلم قومه فأظلّهم العذاب، فرقوا بينهم وبين أولادهم وبين البهائم وأولادها، ثمّ عجّوا وضجّوا فكشف(٤) الله عنهم العذاب. وهذان الحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لأيّ علّة صرف الله العذاب عن قوم يونس وقد أظلّهم، ولم يفعل كذلك بغيرهم من الأمم؟
قال: لأنّه كان في علم الله أنّه سيصرفه عنهم لتوبتهم. وإنّما ترك إخبار يونس بذلك، لأنّه ـ عزّ وجلّ ـ أراد أن يفرّغه لعبادته في بطن الحوت فيستوجب بذلك ثوابه وكرامته.
وبإسناده(٦) إلى سماعة، أنّه سمعه ـ عليه السّلام ـ وهو يقول: ما ردّ الله العذاب عن قوم قد أظلّهم إلّا قوم يونس.
فقلت: أكان قد أظلّهم؟
فقال: نعم، حتّى نالوه بأكفّهم.
قلت: فكيف كان ذلك؟
قال: كان في العلم المثبت عند الله ـ عزّ وجلّ ـ الّذي لم يطّلع عليه أحد أنّه سيصرفه عنهم.
وفي الكافي(٧) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: إنّ جبرئيل استثنى في هلاك قوم يونس، ولم يسمعه يونس.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعد. قال الحمويّ: آمد: أعظم ديار بكر.
(٢) نفس المصدر والمجلد / ١٣٧، ح ٤٧.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: فكفّ.
(٥) العلل / ٧٧، ح ١.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢.
(٧) نور الثقلين ٢ / ٣٣٠، ح ١٤٢، وتفسير الصافي ٢ / ٤٢٧ عنه.
وفي تهذيب الأحكام(١) : عليّ بن الحسين(٢) ، عن محمّد بن عبد الله بن زرارة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النّوا، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال، وقد ذكر يوم عاشوراء: وهذا اليوم الّذي تاب الله فيه على قوم يونس ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما ردّ الله ـ عزّ وجلّ ـ العذاب إلّا عن قوم يونس. وكان يونس يدعوهم إلى الإسلام، فيأبوا ذلك، فهمّ أن يدعو عليهم. وكان فيهم رجلان، عابد وعالم. وكان اسم أحدهما مليخا(٤) ، والآخر اسمه روبيل. وكان العابد يشير على يونس بالدّعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول: لا تدع(٥) عليهم، فإنّ الله يستجيب لك ولا يحبّ هلاك عباده.
فقبل قول العابد، ولم يقبل قول العالم، فدعا عليهم.
فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، وفي شهر كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا.
فلمّا قرب الوقت، خرج يونس من بينهم مع العابد وبقي العالم فيهم. فلمّا كان ذلك اليوم، نزل العذاب.
فقال العالم لهم: يا قوم، افزعوا إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ فلعلّه يرحمكم فيردّ العذاب عنكم.
فقالوا: كيف نصنع؟
قال: اجتمعوا واخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النّساء والأولاد وبين الإبل وأولادها وبين البقر وأولادها وبين الغنم وأولادها، ثمّ ابكوا وادعوا.
فذهبوا وفعلوا ذلك وضجّوا وبكوا، فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب. وفرّق العذاب على الجبال، وقد كان نزل وقرب منهم. فأقبل يونس لينظر كيف أهلكهم الله، فرأى الزّارعين يزرعون في أرضهم.
__________________
(١) التهذيب ٤ / ٣٠٠، ح ٩٠٨. لخّص المؤلف الخبر.
(٢) المصدر: علي بن الحسن.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣١٧ ـ ٣١٨.
(٤) مرّ في الحديث السابق: أنّ اسمه «تنوخا».
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تدعوا.
قال لهم: ما فعل قوم يونس؟
فقالوا له، ولم يعرفوه: إنّ يونس دعا عليهم، فاستجاب الله ـ عزّ وجلّ ـ له ونزل العذاب عليهم. فاجتمعوا وبكوا ودعوا، فرحمهم الله وصرف ذلك عنهم وفرّق العذاب على الجبال. فهم إذن يطلبون يونس، ليؤمنوا به.
فغضب يونس ومرّ على وجهه مغاضبا لله، كما حكى الله ـ تعالى ـ. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي رواية أبي الجارود(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيّام، ونادى في الظّلمات، ظلمة بطن الحوت وظلمة اللّيل وظلمة البحر:( أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) . فاستجاب الله له، فأخرجه الحوت إلى السّاحل، ثمّ قذفه فألقاه بالسّاحل. وأنبت الله عليه شجرة من يقطين: وهو القرع. فكان يمصّه ويستظلّ به وبورقه. وكان تساقط شعره ورقّ جلده. وكان يونس يسبّح الله ويذكره باللّيل والنّهار.
فلمّا أن قوي واشتدّ، بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثمّ يبست. فشقّ ذلك على يونس، فظلّ حزينا.
فأوحى الله إليه: ما لك حزينا، يا يونس؟
قال: يا ربّ، هذه الشّجرة الّتي كانت تنفعني فسلّطت عليها دودة فيبست.
قال: يا يونس، أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعن(٢) بها إن يبست حين استغنيت عنها، ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف أردت أن ينزل عليهم العذاب. إنّ أهل نينوى آمنوا واتّقوا، فارجع إليهم.
فانطلق يونس إلى قومه. فلمّا دنا يونس من نينوى، استحيى أن يدخل.
فقال لراع لقيه: ائت أهل نينوى وقل لهم: إنّ هذا يونس قد جاء.
قال له الرّاعي: أتكذب، أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب؟
قال له يونس: أللّهمّ، إنّ هذه الشّاة تشهد لك أنّي يونس.
فنطقت الشّاة بأنّه يونس. فلمّا أتى الرّاعي قومه وأخبرهم، أخذوه وهمّوا بضربه.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٩ ـ ٣٢٠.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم تعبأ.
فقال: إنّ لي بيّنة بما أقول.
قالوا: من يشهد لك؟
قال: هذه الشّاة تشهد.
فشهدت بأنّه صادق، وأنّ يونس قد ردّه الله إليهم. فخرجوا يطلبونه، فجاءوا به وآمنوا وحسن إيمانهم. فمتّعهم الله إلى حين: وهو الموت، وأجارهم من ذلك العذاب.
وعن عليّ(١) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول في آخره: وأنبت الله عليه شجرة من يقطين: وهي الدّبا، فأظلّته من الشّمس فسكن(٢) . ثمّ أمر الشّجرة، فتنحّت عنه ووقع الشّمس عليه، فجزع.
فأوحى الله إليه: يا يونس، لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون، وأنت تجزع من ألم ساعة؟
فقال: ربّ، عفوك عفوك.
فردّ الله عليه بدنه، ورجع إلى قومه وآمنوا به. وهو قوله:( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) .
وفي روضة الكافي(٣) : عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ لله ـ عزّ وجلّ ـ رياح رحمة ورياح عذاب. فإن شاء أن يجعل الرّياح من العذاب رحمة، فعل.
قال: ولن يجعل الرّحمة من الرّيح عذابا.
قال: وذلك أنّه لم يرحم قوما قطّ أطاعوه فكانت طاعتهم إياه وبالا عليهم، إلّا بعد تحولّهم عن طاعته. قال: وكذلك فعل بقوم يونس لـمّا آمنوا، رحمهم الله بعد ما كان قدّر عليهم العذاب وقضاه. ثمّ تداركهم برحمته، فجعل العذاب المقدّر عليهم رحمة، فصرفه عنهم وقد أنزله عليهم وغشيهم. وذلك لما آمنوا به وتضرّعوا إليه.
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وفي العلل الّتي ذكرها الفضل بن شاذان ـ رحمه الله ـ عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: إنّما جعل للكسوف صلاة، لأنّه من آيات الله ـ عزّ وجلّ ـ
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣١٩.
(٢) المصدر: فشكر.
(٣) الكافي ٨ / ٩٢، ح ٦٤.
(٤) الفقيه ١ / ٣٤٢، ح ١٥١٣.
لا يدرى ألرحمة ظهرت أم لعذاب. فأحبّ النّبيّ أن تفزع أمّته إلى خالقها وراحمها عند ذلك، ليصرف عنهم شرّها ويقيهم(١) مكروهها، كما صرف عن قوم يونس حين تضرّعوا إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) : إيمان كلّ من في الأرض مشيئة حتم.
( لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ ) : بحيث لا يشذّ منهم أحد.
( جَمِيعاً ) : مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه. ولكن ـ حينئذ ـ يفوتهم استحقاق الثّواب، وينافي فائدة التّكليف.
( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (٩٩).
وترتيب الإكراه على المشيئة «بالفاء» وإيلاؤها حرف الاستفهام، للإنكار.
وتقديم الضّمير على الفعل، للدّلالة على أنّ شأن النّبيّ ـ أيضا ـ التّبليغ لا الإكراه للجمع على الإيمان، فإنّه لا يمكنه.
وفي كتاب التّوحيد(٢) : أبي قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: اجعلوا أمركم لله، ولا تجعلوه للنّاس. فإنّه ما كان لله، فهو لله ـ عزّ وجلّ ـ. وما كان للنّاس، فلا يصعد إلى الله. لا تخاصموا النّاس لدينكم، فإنّ المخاصمة ممرضة للقلب. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) . وقال:( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) . ذروا النّاس، فإنّ النّاس أخذوا عن النّاس، وأنّكم أخذتم عن رسول الله. وأنّي سمعت أبي يقول: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ إذا كتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر كان أسرع إليه من الطّير إلى وكره.
( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) : إلّا بإرادته وألطافه وتوفيقه. فلا تجهد نفسك في هداها، فإنّه إلى الله.
( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ) : العذاب. أو الخذلان، فإنّه سببه.
وقرئ(٣) ، بالزّاء.
وقرأ(٤) ابو بكر: «ونجعل» بالنّون.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويقيها.
(٢) التوحيد / ٤١٤، ح ١٣.
(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٨.
( عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) (١٠٠): لا يستعملون عقولهم بالنّظر في الحجج والآيات. أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطّبع.
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ما جاء عن الرّضا من الأخبار في التّوحيد: حدّثنا [تميم بن](٢) عبد الله بن تميم القرشي قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن أبي الصّلت، عبد السّلام بن صالح الهروي قال: سأل المأمون أبا الحسن عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ جلّ ثناؤه ـ:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ـ إلى قوله ـإِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) .
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: حدّثني أبي، موسى بن جعفر، عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين، عن أبيه، الحسين بن عليّ، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ قال: إنّ المسلمين قالوا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لو أكرهت، يا رسول الله، من قدرت عليه من النّاس على الإسلام لكثر عددنا وقوّتنا على عدوّنا.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما كنت لألقى الله ـ تعالى ـ ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئا وما أنا من المتكلّفين.
فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ عليه: يا محمّد( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدّنيا، كما يؤمنون(٣) عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة. ولو فعلت ذلك بهم، لم يستحقّوا منّي ثوابا ولا مدحا. ولكنّي أريد منكم أن تؤمنوا مختارين غير مضطرّين، لتستحقوا منّي الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنّة الخلد.( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) .
وأمّا قوله:( وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) ، فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها ولكن على معنى: أنّها ما كانت لتؤمن إلّا بإذن الله. و «إذنه» أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة، وإلجاؤه إيّاها إلى الإيمان عند زوال [التكليف](٤) التّعبّد عنها.
فقال المأمون: فرّجت عنّي، [يا أبا الحسن](٥) فرّج الله عنك.
__________________
(١) العيون ١ / ١١٠، ح ٣٣.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يؤمن.
(٤) من المصدر.
(٥) من المصدر.
( قُلِ انْظُرُوا ) : أي: تفكّروا.
( ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : من عجائب صنعه، ليدلّكم على وحدته وكمال قدرته.
و «ما ذا» إن جعلت استفهاميّة علّقت «انظروا» عن العمل.
( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) (١٠١): في علم الله وحكمه.
و «ما» نافية. أو استفهاميّة في موضع النّصب.
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، عن أحمد بن هلال، عن أميّة بن عليّ، عن داود الرّقيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) .
قال: «الآيات» هم الأئمّة. و «النّذر» هم الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ.
وفي روضة الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهليّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما تُغْنِي ـ إلى قوله ـلا يُؤْمِنُونَ ) .
قال: لـمّا اسري برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أتاه جبرئيل بالبراق. فركبها فأتى بيت المقدس، فلقي من لقي من إخوانه من الأنبياء ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ. ثمّ رجع فحدّث أصحابه: إنّي أتيت بيت المقدس ورجعت من اللّيلة، وقد جاءني جبرئيل بالبراق فركبتها. وآية ذلك أنّي مررت بعير لأبي سفيان على ماء لبني فلان، وقد أضلّوا جملا لهم أحمر، وقد همّ القوم في طلبه.
فقال بعضهم لبعض: إنّما جاء الشّام وهو راكب سريع، ولكنّكم قد أتيتم الشّام وعرفتموها، فسلوه عن أسواقها وأبوابها وتجّارها.
فقالوا: يا رسول الله، كيف الشّام وكيف أسواقها؟
قال: وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا سئل عن الشّيء لا يعرفه، شقّ عليه حتّى يرى ذلك في وجهه.
قال: فبينما هو كذلك إذ أتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا رسول الله، هذه
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٠٧، ح ١.
(٢) نفس المصدر ٨ / ٣٤٦، ح ٥٥٥.
الشّام قد رفعت لك.
فالتفت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإذا هو بالشّام بأبوابها وأسواقها وتجّارها.
قال: أين السّائل عن الشّام؟
فقالوا له: فلان وفلان.
فأجابهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في كلّ ما سألوه عنه، فلم يؤمن منهم إلّا قليل. وهو قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) .
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: نعوذ بالله أن لا نؤمن بالله ورسوله، آمنا بالله ورسوله.
( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ) ، مثل وقائعهم، ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقّون غيره. من قولهم: أيّام العرب لوقائعها.
( قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (١٠٢): لذلك. أو فانتظروا هلاكي إنّي معكم من المنتظرين هلاككم.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن محمّد بن الفضل(٢) ، عن أبي الحسن، الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن شيء في الفرج.
فقال: أو ليس تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟ إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) .
( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) : عطف على محذوف دلّ عليه( إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ) ، كأنّه قيل: نهلك الأمم ثمّ ننجّي رسلنا ومن آمن بهم. على حكاية الحال الماضية.
( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٠٣): كذلك الإنجاء. أو إنجاء كذلك ننجّي محمّدا وصحبه حين نهلك المشركين.
و( حَقًّا عَلَيْنا ) قيل: اعتراض. ونصبه بفعل مقدّر، أي: حقّ ذلك علينا حقّا.
وقيل(٣) : بدل من «كذلك».
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣٨، ح ٥٠.
(٢) المصدر: محمد بن الفضيل.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٩.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن مصقلة الطحّال، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما يمنعكم أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الأمر أنّه من أهل الجنّة؟ إنّ الله يقول:( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) .
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ) قيل(٢) : خطاب لأهل مكّة.
( إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ) : وصحّته.
( فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) : فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا. فاعرضوها على العقل الصّرف وانظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا صحّتها. وهو أنّي لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الّذي هو يوجدكم ويتوفّاكم.
وإنّما خصّ التّوفّي بالذّكر، للتّهديد.
( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٠٤): بما دلّ عليه العقل ونطق به الوحي.
وحذف الجار من «أن» يجوز أن يكون من المطّرد مع «أن». وأن يكون من غيره، كقوله :
أمرتك بالخير فافعل ما أمرت به
( وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ) : عطف على «أن أكون»، غير أنّ صلة «أن» محكيّة بصيغة الأمر. ولا فرق بينهما في الغرض، لأنّ المقصود وصلها بما يتضمّن معنى المصدر لتدلّ معه عليه. وصيغ الأفعال كلّها كذلك، سواء الخبر منها والطّلب.
والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدّين والاشتداد فيها بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، أو في الصّلاة باستقبال القبلة.
( حَنِيفاً ) : حال من «الدّين» أو «الوجه».
( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٠٥)( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ) : بنفسه إن دعوته أو خذلته.
( فَإِنْ فَعَلْتَ ) : فإن دعوته.
( فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١٠٦): جزاء للشّرط، وجواب لسؤال مقدّر عن تبعة
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣٨، ح ٥١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٥٩.
الدّعاء.
( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ ) : وإن يصبك به.
( فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) : إلّا الله.
( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ ) : فلا دافع.
( لِفَضْلِهِ ) : الّذي أرادك به.
ولعلّه ذكر الإرادة مع الخير والمسّ مع الضّرّ، مع تلازم الأمرين، للتّنبيه على أنّ الخير مراد بالذّات وأنّ الضّرّ إنّما مسّهم لا بالقصد الأوّل.
ووضع الفضل موضع الضّمير، للدّلالة على أنّه متفضّل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه. ولم يستثن، لأنّ مراد الله لا يمكن ردّه.
( يُصِيبُ بِهِ ) : بالخير.
( مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (١٠٧): فتعرّضوا لرحمة بالطّاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية.
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) : رسوله أو القرآن، ولم يبق لكم عذر.
( فَمَنِ اهْتَدى ) : بالإيمان والمتابعة.
( فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) : لانّ نفعه لها.
( وَمَنْ ضَلَ ) : بالكفر بهما.
( فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) : لأنّ وبال الضّلال عليها.
( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) (١٠٨): بحفيظ موكول إليّ أمركم، وإنّما أنا بشير ونذير.
( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ ) : بالامتثال والتّبليغ.
( وَاصْبِرْ ) : على دعوتهم وتحمّل أذيّتهم.
( حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ ) : بالنّصرة، أو بالأمر بالقتال.
( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) (١٠٩): إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطّلاعه على السّرائر اطّلاعه على الظّواهر.
تفسير سورة هود
سورة هود
مكّيّة. وهي مائة وثلاث وعشرون آية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(١) ، بإسناده إلى أبي محمّد، الحسن بن عليّ(٢) ـ عليهما السّلام ـ قال: من قرأ سورة هود في كلّ جمعة، بعثه الله ـ عزّ وجلّ ـ يوم القيامة في زمرة النّبيّين، ولم يعرف له خطيئة عملها يوم القيامة.
وفي مجمع البيان(٣) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قرأها، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح ـ عليه السّلام ـ وكذّب به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى. وكان يوم القيامة من السّعداء.
وروى الثّعلبيّ(٤) ، بإسناده: عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال: قيل: يا رسول الله، قد أسرع إليك الشّيب.
قال: شيّبتني هود وأخواتها.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، أسرع إليك الشّيب.
قال: شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون.
__________________
(١) ثواب الأعمال / ١٣٣.
(٢) المصدر: أبي جعفر محمد بن علي.
(٣ و ٤) المجمع ٣ / ١٤٠.
(٥) الخصال / ١٩٩، ح ١٠.
( الر كِتابٌ ) : مبتدأ وخبر. أو «كتاب» خبر مبتدأ محذوف. وسبق تأويل «الر» في أوّل سورة يونس.
( أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) : نظّمت نظما محكما، لا يعتريه إخلال من جهة اللّفظ والمعنى.
قيل(١) : أو منعت من الفساد والنّسخ، فإنّ المراد آيات السّورة وليس فيها منسوخ.
أو أحكمت بالحجج والدّلائل. أو جعلت حكيمة، منقول(٢) من حكم بالضّمّ: إذا صار حكيما. لأنّها مشتملة على أمّهات الحكم النّظريّة والعمليّة.
( ثُمَّ فُصِّلَتْ ) : بالفوائد، من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار. أو بجعلها سورا. أو بالإنزال نجما نجما. أو فصّل فيها ولخّص ما يحتاج إليه.
وقرئ(٣) : «ثمّ فصلت»، أي: فرقت بين الحقّ والباطل. و( أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) على البناء للمتكلّم. و «ثمّ» للتّفاوت في الحكم أو للتّراخي في الأخبار.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: هو القرآن.
( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (١): صفة أخرى للكتاب. أو خبر بعد خبر. أو صلة ل «أحكمت» أو «فصّلت». وهو تقرير لإحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي، باعتبار ما ظهر أمره وما خفي.
( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) : لأن لا تعبدوا.
وقيل(٥) : «أن» مفسّرة، لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول.
وقيل(٦) : يجوز أن يكون كلاما مبتدأ، للإغراء على التّوحيد. أو الأمر بالتّبرؤ من عبادة الغير، كأنّه قيل: ترك عبادة غير الله، بمعنى: ألزموه(٧) ، أو اتركوها(٨) تركا.
( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ ) : من الله.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٠.
(٢) كذا في المصدر، وفي أ، ب، ر: مفعولة. وفي سائر النسخ: منقولة.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٠.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٢١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٠.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) ب: الزموها.
(٨) أ، ب، ر: تركوها.
( نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) (٢): بالعقاب على الشّرك، والثّواب على التّوحيد.
( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) : عطف على «ألّا تعبدوا».
( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) : ثمّ توسّلوا إلى مطلوبكم بالتّوبة. فإنّ المعرض عن طريق الحقّ لا بدّ له من رجوع.
وقيل(١) : استغفروا من الشّرك، ثمّ توبوا إلى الله بالطّاعة.
ويجوز أن يكون «ثمّ» لتفاوت ما بين الأمرين.
( يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً ) : يعيّشكم في أمن ودعة.
( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) : هو آخر أعماركم المقدّرة. أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال.
( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) : ويعط كلّ ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدّنيا والآخرة. وهو وعد للموحد التّائب بخير الدّارين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ ذلك عليّ بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ.
ونقل ابن مردويه(٣) من العامّة(٤) ، بإسناده: عن رجاله، عن ابن عبّاس قال: قوله ـ تعالى ـ:( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) أنّ المعنيّ به: عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) : وإن تتولّوا.
( فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) (٣): يوم القيامة.
وقيل(٥) : يوم الشّدائد، وقد ابتلوا بالقحط حتّى أكلوا الجيف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّه الدّخان والصّيحة.
وقرئ(٧) : «وإن تولّوا» من ولي.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٢١.
(٣) أي: وهو من العامة.
(٤) تفسير البرهان ٢ / ٢٠٦، ح ٥ عنه.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٢١.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١.
( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ) : رجوعكم في ذلك اليوم. وهو شاذّ عن القياس.
( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٤): فيقدر على تعذيبهم أشدّ عذاب. وكأنّه تقدير لكبر اليوم.
( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) : يثنونها عن الحقّ وينحرفون عنه. أو يعطفونها على الكفر وعداوة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. أو يولّون ظهورهم.
وقرئ(١) : «تثنوني» بالتّاء والياء، من أثنوني، وهو بناء المبالغة.
وفي الجوامع(٢) : وفي قراءة أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ: يثنوني، على يفعول(٣) . من الثّني وهو [بناء](٤) مبالغة.
و «تثنون» من الثّن: وهو الكلأ الضّعيف. أراد به ضعف قلوبهم، أو مطاوعة صدورهم للثّني. و «نثنئنّ» من اثنأنّ، كابيأضّ، بالهمزة.
( لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ) : من الله بسرّهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه.
قيل(٥) : أو من رسوله.
قيل(٦) : إنّها نزلت في طائفة من المشركين، قالوا: إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ، كيف يعلم.
وقيل(٧) : نزلت في المنافقين. وفيه نظر، إذ الآية مكّيّة، والنّفاق حدث بالمدينة.
وفي روضة الكافي(٨) : ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أخبرني جابر بن عبد الله، أنّ المشركين كانوا إذا مرّوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حول البيت، طأطأ أحدهم ظهره ورأسه ـ هكذا ـ وغطّى رأسه بثوبه حتّى(٩) لا يراه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأنزل الله الآية.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: يكتمون ما في صدورهم من بغض عليّ ـ عليه السّلام ـ. قال رسول الله ـ صلّى
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١.
(٢) الجوامع / ٢٠١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفعولي.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير الصافي ٢ / ٤٣١.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) الكافي ٨ / ١٤٤، ح ١١٥.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) تفسير القمّي ١ / ٣٢١.
الله عليه وآله ـ: إنّ آية المنافق بغض عليّ ـ عليه السّلام ـ [قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](١) فكان قوم يظهرون المودّة لعليّ ـ عليه السّلام ـ عند النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ويسرّون(٢) بغضه.
( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ) : ألا حين يأوون إلى فراشهم يتغطّون(٣) ثيابهم كراهة استماع كلام الله، كقوله:( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) .
وقيل(٤) : يتغطّون بثيابهم.
( يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ) : في قلوبهم.
( وَما يُعْلِنُونَ ) : بأفواههم. يستوي في علمه سرّهم وعلتهم، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه.
( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) (٥): بالأسرار ذات الصّدور، أو بالقلوب وأحوالها.
( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها ) : غذاؤها ومعاشها، لتكفّله إيّاه تفضّلا ورحمة. وإنّما أتى بلفظ الوجوب، تحقيقا لوصوله، وحملا على التّوكّل فيه.
( وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ) : أماكنها في الحياة والممات. أو الأصلاب والأرحام. أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل، ومودعها من الموادّ والمقارّ حين كانت بعد بالقوة.
( كُلٌ ) كلّ واحد من الدّوابّ وأحوالها.
( فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) (٦): مذكور في اللّوح المحفوظ. وكأنّه أريد بالآية: بيان كونه عالما بالمعلومات كلّها وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها، تقريرا للتّوحيد ولما سبق من الوعد الوعيد.
وفي نهج البلاغة(٥) : قال ـ عليه السّلام ـ: قسّم أرزاقهم، وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدّد أنفسهم(٦) وخائنة أعينهم وما تخفي صدورهم من الضّمير، ومستقرّهم
__________________
(١) من الهامش وليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يسترون.
(٣) أ، ب، ر: يقطعون.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٦١، وتفسير الصافي ٢ / ٤٣١.
(٥) نهج البلاغة / ١٢٣، ضمن خطبة ٩.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قسّم أرزاقهم، وأعمارهم، وعدّد أنفاسهم.
ومستودهم من الأرحام والظّهور، إلى أن تتناهى بهم(١) الغايات.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : محمد بن فضيل، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أتى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل من أهل البادية.
فقال: يا رسول الله، إنّ لي بنين وبنات وإخوة وأخوات وبني بنين وبني بنات وبني إخوة وبني أخوات، والمعيشة علينا خفيفة(٣) . فإن رأيت، يا رسول الله، أن تدعو الله أن يوسّع علينا؟
قال: وبكى. فرقّ له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٤) وقرأ:( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) . وقال و(٥) من كفل بهذه الأفواه المضمونة على الله رزقها، صبّ الله عليه الرّزق صبّا، كالماء المنهمر.
إن قليل فقليلا، وإن كثير فكثيرا.
قال: ثمّ دعا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأمّن له المسلمون.
قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فحدّثني من رأى الرّجل في زمن عمر، فسأله عن حاله.
فقال: من أحسن من خوّله(٦) حلالا وأكثرهم مالا.
( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) ، أي: خلقهما وما فيهما، كما مرّ بيانه في الأعراف. أو ما في جهتي العلو والسّفل. وجمع السّموات دون الأرضين، لاختلاف العلويّات بالأصل والذّات دون السّفليّات.
وفي الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق الدّنيا في ستّة أيّام، ثمّ اختزلها(٨) عن أيّام السّنة. فالسّنة ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما.
وفي كتاب الاحتجاج(٩) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: تناهى لهم.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣٩ ـ ١٤٠، ح ٣.
(٣) لعلّه مصحّف «ضيّقة».
(٤) المصدر: فرقّ له المسلمون فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَما مِنْ دَابَّةٍ ) الخ.
(٥) ليس في المصدر، وب: وقال و.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: حوله. وخوّله الله المال: أعطاه إيّاه متفضّلا وملكه إيّاه.
(٧) الكافي ٤ / ٧٨، صدر ح ٢.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: أخذتها. ( ٩) الاحتجاج ١ / ٣٧٩.
وفيه: وأمّا قوله:( إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ) (١) فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ذكره ـ أنزل(٢) عزائم الشّرائع وآيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) . ولو شاء لخلقها في أقل من لمح البصر(٣) ، ولكنّه جعل الأناة والمداراة أمثالا(٤) لأمنائه وإيجابا للحجّة على خلقه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ـ إلى قوله(٦) ـوَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) . وذلك في مبتدأ(٧) الخلق، أنّ الرّبّ ـ تبارك وتعالى ـ خلق الهواء، ثمّ خلق القلم فأمره أن يجري.
فقال: يا ربّ، بما أجري؟
فقال: بما هو كائن.
ثمّ خلق الظّلمة من الهواء، وخلق النّور من الهواء، [وخلق الماء من الهواء ،](٨) وخلق العرش من الهواء، وخلق العقيم(٩) من الهواء، وهو الرّيح الشّديد، وخلق النّار من الهواء، وخلق الخلق كلّهم من هذه السّتّة الّتي خلقت من الهواء. فسلّط العقيم على الماء، فضربته فأكثرت الموج والزّبد، وجعل يثور دخانه في الهواء.
فلمّا بلغ الوقت الّذي أراد، قال للزّبد: اجمد، فجمد. وقال للموج: اجمد، فجمد. فجعل الزّبد أرضا، وجعل الموج جبالا رواسي للأرض.
فلمّا أجمدها، قال للرّوح والقدرة: سوّيا عرشي إلى السّماء، فسوّيا عرشه إلى السّماء. وقال للدّخان: اجمد، فجمد. ثمّ قال له: ازفر، فزفر. فناداها والأرض جميعا( ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ ) .
فلمّا أخذ في رزق خلقه خلق السّماء وجنانها(١٠) والملائكة يوم الخميس، وخلق
__________________
(١) سبأ / ٤٦.
(٢) المصدر: نزّل.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مثالا.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٢١ ـ ٣٢٢.
(٦) ليس في المصدر: إلى قوله.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: مبدأ.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: الغيم.
(١٠) المصدر: جناتها.
الأرض يوم الأحد، وخلق دواب البرّ والبحر يوم الاثنين، وهما اليومان اللّذان يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) (١) . وخلق الشّجر ونبات الأرض(٢) وأنهارها وما فيها والهوامّ في يوم الثّلاثاء، وخلق الجانّ، وهو أبو الجنّ يوم السّبت، وخلق الطّير في يوم الأربعاء، وخلق آدم في ستّ ساعات في يوم الجمعة. فهذه(٣) السّتّة الأيّام خلق الله السّموات والأرض وما بينهما.
وفي روضة الكافي(٤) : عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله خلق الخير يوم الأحد [وما كان ليخلق الشّرّ قبل الخير، وفي يوم الأحد](٥) والاثنين خلق الأرضين، وخلق أقواتها في يوم الثّلاثاء، وخلق السّموات يوم الأربعاء ويوم الخميس، وخلق أقواتها يوم الجمعة. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) .
( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) : قبل خلقهما.
قيل(٦) : لم يكن حائل بينهما، لا أنّه كان موضوعا على متن الماء. واستدلّ به على إمكان الخلاء، وأنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم.
وقيل(٧) : كان الماء على متن الرّيح.
وفي كتاب التّوحيد(٨) : حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقّاق ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفيّ، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ قال: حدّثنا جذعان بن نصر [أبو نصر](٩) الكنديّ قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدميّ، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله(١٠) بن كثير، عن داود الرّقّيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) .
فقال لي: ما يقولون [في ذلك](١١) .
__________________
(١) فصّلت / ٩.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: والنبات والأرض.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ففي هذه.
(٤) الكافي ٨ / ١٤٥، ح ١١٧.
(٥) من المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٢.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) التوحيد / ٣١٩ ـ ٣٢٠، ح ١.
(٩) من المصدر.
(١٠) بعض نسخ المصدر: عبد الرحمن.
(١١) من المصدر.
قلت: يقولون: إنّ العرش كان على الماء، والرّبّ فوقه.
فقال: كذبوا. من زعم هذا، فقد صيّر الله محمولا ووصفه بصفة المخلوقين ولزمه أنّ الشّيء الّذي يحمله أقوى منه.
قلت: بيّن لي، جعلت فداك.
فقال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ حمّل علمه ودينه الماء قبل أن تكون سماء أو أرض أو إنس أو جنّ أو شمس أو قمر. فلمّا أراد أن يخلق الخلق، نثرهم بين يديه.
فقال لهم: من ربّكم؟
فكان أوّل من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ. فقالوا: أنت ربّنا.
فحمّلهم العلم والدّين. ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي، وهم المسئولون.
ثمّ قيل لبني آدم: أقرّوا لله بالرّبوبيّة ولهؤلاء النّفر بالطّاعة.
فقالوا: نعم، ربّنا، أقررنا.
فقال للملائكة: اشهدوا.
فقالت الملائكة: شهدنا على أن لا يقولوا( إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) (١) .
إنّ(٢) ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق.
وعلى هذا الخبر، المراد بالعرش: العلم، كما سبق ـ أيضا ـ في الأخبار الاخر.
ومعنى( كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) : أنّ علمه التّفصيليّ الّذي هو عين الموجودات كان منحصرا في الماء. فلا يلزم إمكان الخلاء، ولا مح(٣) آخر.
وفي أصول الكافي(٤) : محمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن كثير، عن داود الرّقّيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) .
فقال: ما يقولون؟
__________________
(١) الأعراف / ١٧٣.
(٢) المصدر: «يا داود» بدل «إنّ».
(٣) كذا في النسخ. ويمكن أن يكون «محلّ».
(٤) الكافي ١ / ١٣٢ ـ ١٣٣، صدر ح ٧.
قلت: يقولون: إنّ العرش كان على الماء، والرّب فوقه.
فقال: كذبوا. من زعم هذا، فقد صيّر الله محمولا ووصفه بصفة المخلوقين(١) ولزمه أنّ الشّيء الّذي يحمله أقوى منه.
قلت: بيّن لي، جعلت فداك.
فقال: إنّ الله حمّل دينه وعلمه على(٢) الماء قبل أن يكون سماء أو أرض أو جن أو إنس أو شمس أو قمر.
محمّد بن يحيى(٣) ، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن سدير الصّيرفيّ قال: سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) (٤) .
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله. فابتدع السّموات والأرضين، ولم يكن قبلهنّ سموات ولا أرضون. أما تسمع لقوله ـ تعالى ـ:( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن محمّد بن عمران العجليّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أيّ شيء كان موضع البيت حيث كان الماء في قول الله ـ تعالى ـ:( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) ؟
قال: كان مهاة بيضاء، يعني: درّة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن عليّ بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: خرج هشام بن عبد الملك حاجّا ومعه الأبرش الكلبيّ، فلقيا أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ في المسجد الحرام.
فقال هشام للأبرش: تعرف هذا؟
قال: لا.
قال: هذا الّذي تزعم الشّيعة أنّه وصيّ إمام لكثرة(٧) علمه.
__________________
(١) المصدر: المخلوق.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) الكافي ١ / ٢٥٦، صدر ح ٢.
(٤) الأنعام / ١٠١.
(٥) الكافي ٤ / ١٨٨، ح ١.
(٦) تفسير القمّي ٢ / ٦٩ ـ ٧٠.
فقال الأبرش: لأسألنّه عن مسألة(١) لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.
فقال هشام: وددت أنّك فعلت ذلك.
فلقي الأبرش أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ. فقال: يا أبا عبد الله، أخبرني عن قول الله:( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) (٢) . فبما كان رتقهما، وبما كان فتقهما؟
فقال أبو عبد الله: يا أبرش، هو كما وصف نفسه( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) والماء على الهواء، والهواء لا يحدّ ولم يكن يومئذ خلق غيرهما، والماء عذب فرات. فلمّا أراد أن يخلق الأرض أمر الرّياح فضربت الماء حتّى صار موجا، ثمّ أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثمّ جعله جبلا من زبد، ثمّ دحى الأرض من تحته فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ) (٣) ، ثمّ مكث الرّبّ ـ تبارك وتعالى ـ ما شاء. فلمّا أراد أن يخلق السّماء، أمر الرّياح، فضربت البحور حتّى أزبدت بها. فخرج من ذلك الموج والزّبد من وسطه دخان ساطع من غير نار، فخلق منه السّماء وجعل فيها البروج والنّجوم ومنازل الشّمس والقمر وأجراها في الفلك. وكانت السّماء خضراء على لون الماء الأخضر، وكانت الأرض غبراء على لون الماء العذب. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة. وستقف عليه بتمامه عند قوله ـ تعالى ـ:( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (الآية) إن شاء الله.
حدّثني أبي(٤) ، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن الطّفيل(٥) ، عن أبي جعفر، عن أبيه، عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: وقد أرسل إليه ابن عبّاس يسأل عن مسائل: وأمّا ما سأل عنه من العرش ممّ خلقه الله؟ فإنّ الله خلقه أرباعا لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء: الهواء والقلم والنّور. ثمّ خلقه الله ألوانا مختلفة(٦) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
حدّثني أبي(٧) ، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام
__________________
(٧) المصدر: «نبيّ من كثرة» بدل «وصيّ الامام لكثرة».
(١) المصدر: مسائل.
(٢) الأنبياء / ٣٠.
(٣) آل عمران / ٩٦.
(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢٣ ـ ٢٤.
(٥) المصدر: أبي الطفيل.
(٦) المصدر: ثمّ خلقه من ألوان أنوار مختلفة.
(٧) تفسير القمّي ٢ / ٢٥٢ والحديث عن علي بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ.
بن المستنير(١) ، عن ثوير(٢) بن أبي فاختة، وذكر حديثا طويلا ستقف عليه إذا لزم إن شاء الله ـ تعالى ـ. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) ، يعني: بأرض لم تكسب عليها الذّنوب، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات، كما دحاها أوّل مرّة. ويعيد عرشه على الماء، كما كان أوّل مرّة، مستقلّا بعظمته وقدرته.
( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) : متعلّق ب «خلق»، أي: خلق ذلك، كخلق من خلق، ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. فإنّ جملة ذلك أسباب وموادّ لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلّون بها وتستنبطون منها.
وإنّما جاز تعليق فعل البلوى، لما فيه من معنى العلم من حيث أنّه طريق إليه، كالنّظر والاستماع.
وإنّما ذكر صيغة التّفضيل والاختبار الشّامل، لفرق المكلّفين باعتبار الحسن والقبح، للتّحريض على أحاسن المحاسن والتّحضيض على التّرقّي دائما من مراتب العمل والعلم. فإنّ المراد بالعمل ما يعمّ عمل القلب والجوارح.
وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه](٤) عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) .
قال: ليس معنى: أكثركم(٥) عملا، ولكن أصوبكم عملا. وإنّما الإصابة خشية الله والنّيّة الصّادقة. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وروى العامّة(٦) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أيّكم أحسن عقلا(٧) ، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله.
__________________
(١) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٣٧٠. وفي النسخ: سالم بن المستنير.
(٢) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ١٤١. وفي النسخ: ثور.
(٣) الكافي ٢ / ١٦، صدر ح ٤.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: «يعني: أكثر» بدل «معنى: أكثركم».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٢.
(٧) ب: عملا.
وفي نهج البلاغة(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: ألا إنّ الله قد كشف الخلق كشفة، لا أنّه جهل ما أخفوه من [مصون](٢) أسرارهم و(٣) مكنون ضمائرهم «ولكن ليبلوهم أيّهم أحسن عملا». فيكون الثّواب جزاء، والعقاب بواء(٤) .
وفي كتاب الاحتجاج(٥) للطّبرسيّ: عن [الحسن بن](٦) عليّ بن محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ أنّ أبا الحسن، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صائرون، فأمرهم(٧) ونهاهم. فما أمرهم به من شيء، فقد جعل لهم السّبيل إلى الأخذ به. وما نهاهم عنه من شيء، فقد جعل لهم السّبيل إلى تركه. ولا يكونون آخذين ولا تاريكن إلّا بأذنه. [وما جبر الله أحدا من خلقه على معصية(٨) ، بل اختبرهم بالبلوى، كما قال:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) .
قوله ـ عليه السّلام ـ: ولا يكونون آخذين ولا تاركين، إلّا بإذنه](٩) أي: إلّا(١٠) بتخليته(١١) .
( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (٧)، أي: ما البعث، أو القول به، أو القرآن المتضمّن لذكره إلّا، كالسّحر في الخديعة والبطلان.
وقرأ(١٢) حمزة والكسائيّ: «إلّا ساحر». على أنّ الإشارة إلى القائل.
وقرئ(١٣) : «أنّكم» بالفتح. على تضمّن «قلت» معنى: ذكرت. أو «أنّ» بمعنى: علّ، أي: ولئن قلت علّكم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثكم ولا تبتّوا بإنكاره، لعدّوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره.
( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ ) : الموعود.
__________________
(١) نهج البلاغة / ٢٠٠ ـ ٢٠١، ضمن خطبة ١٤٤.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «في» بدل «و».
(٤) البواء: المكافاة.
(٥) الاحتجاج ٢ / ١٥٨.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ممّا أمرهم.
(٨) المصدر: معصيته.
(٩) ليس في ب.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) بتخليته وعلمه.
(١٢ و ١٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٢.
( إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) : إلى جماعة من الأوقات قليلة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: يعني به: الوقت.
( لَيَقُولُنَ ) : استهزاء.
( ما يَحْبِسُهُ ) : ما يمنعه من الوقوع.
( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ) .
قيل(٢) : كيوم بدر.
( لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) : ليس العذاب مدفوعا عنهم.
و «يوم» منصوب بخبر ليس مقدّما عليه. وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها.
( وَحاقَ بِهِمْ ) : وأحاط بهم. وضع الماضي موضع المستقبل، تحقيقا ومبالغة في التّهديد.
( ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) (٨)، أي: العذاب الّذي كانوا به يستعجلون. فوضع «يستهزئون» موضع «يستعجلون»، لأنّ استعجالهم كان استهزاء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، يعني: إن متّعناهم في هذه الدّنيا إلى خروج القائم ـ عليه السّلام ـ فنردّهم ونعذّبهم.( لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ) ، أي: ليقولون لا يقوم القائم ولا يخرج على حدّ الاستهزاء.
أخبرنا أحمد بن إدريس(٤) قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن سيف عن(٥) حسّان، عن هشام بن عمّار، عن أبيه، وكان من أصحاب عليّ ـ عليه السّلام ـ. [عن علي ـ عليه السّلام ـ](٦) في قوله:( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ) .
[قال :](٧) الأمة المعدودة أصحاب القائم ـ صلوات الله عليه ـ الثّلاثمائة والبضعة عشر.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٣. والظاهر أنّه توضيح من نفس علي بن إبراهيم.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٢.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٢٢.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٢٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.
(٦) من المصدر.
(٧) من المصدر.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الحسين، عن الخرّاز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) . [قال: هو القائم وأصحابه.
عن أبان بن مسافر(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: في قول الله( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) ](٣) ، يعني: عدّة، كعدّة بدر.( لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) . قال: العذاب.
عن عبد الأعلى الحلبيّ(٤) قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أصحاب القائم الثّلاثمائة والبضعة عشر رجلا، هم والله الأمّة المعدودة، الّتي قال الله في كتابه. وتلا هذه الآية.
قال: يجتمعون، والله(٥) ، في ساعة واحدة قزعا(٦) ، كقزع الخريف.
وفي روضة الكافي(٧) ، وفي مجمع البيان: عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي خالد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) (٨) .
قال: «الخيرات» الولاية.
وقوله ـ تبارك وتعالى ـ:( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً ) ، يعني: أصحاب القائم الثّلاثمائة والبضعة عشر رجلا.
قال: وهم، والله، الأمّة المعدودة.
قال: يجتمعون، والله، في ساعة واحدة قزعا، كقزع الخريف.
( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ) : ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذّتها.
( ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ ) : ثمّ سلبنا تلك النّعمة منه.
( إِنَّهُ لَيَؤُسٌ ) : قطوع رجاءه من فضل الله، لقلّة صبره وعدم ثقته بالله.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤١، ح ٩.
(٢) نفس المصدر والمجلّد / ١٤٠، ح ٧.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٠، ح ٨.
(٥) المصدر: «له» بدل «والله».
(٦) القزع ـ محرّكة ـ: قطع من السحاب متفرقة صغار.
(٧) الكافي ٨ / ٣١٣، ح ٤٨٧، والمجمع ٣ / ١٤٤ ولا يوجد فيه الّا ذيل الحديث مرسلا.
(٨) البقرة / ١٤٨.
( كَفُورٌ ) (٩): مبالغ في كفران ما سلف له من النّعمة.
( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) : كصحّة بعد سقم، وغنى بعد عدم.
وفي اختلاف الفعلين في الإسناد نكتة لا تخفى.
( لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ) ، أي: المصائب الّتي ساءتني.
( إِنَّهُ لَفَرِحٌ ) : بطر بالنّعم، مغترّ بها.
( فَخُورٌ ) (١٠): على النّاس، مشغول عن الشّكر والقيام بحقّها.
وفي لفظ الإذاقة والمسّ تنبيه على أنّ ما يجده الإنسان في الدّنيا من النّعم والمحن، كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنّه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء. لأنّ الذّوق إدراك الطّعم، والمسّ مبتدأ الوصول.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: إذا أغنى الله العبد ثمّ افتقر، أصابه الأياس والجزع والهلع. وإذا كشف الله عنه ذلك، فرح.
( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) : على الضّرّاء، إيمانا بالله واستسلاما لقضائه.
( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) : شكرا لآلائه، سابقها ولاحقها.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: صبروا في الشّدّة، وعملوا الصّالحات في الرّخاء.
( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) : لذنوبهم.
( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) (١١): أقلّه الجنّة.
والاستثناء من الإنسان، لأنّ المراد به: الجنس. فإذا كان محلّى بالّلام، أفاد الاستغراق. ومن حمله على الكافر، لسبق ذكرهم، جعل الاستثناء منقطعا.
( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) : تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ما يخالف رأي المشركين، مخافة ردّهم واستهزائهم. ولا يلزم من توقّع الشّيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرّسل عن الخيانة في الوحي والثّقة في التّبليغ هاهنا.
( وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) : وعارض لك أحيانا ضيق صدرك، بأن تتلوه عليهم مخافة.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٣.
(٢) نفس المصدر والمصدر.
( أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ) : ينفقه في الاستتباع، كالملوك.
( أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) : يصدّقه.
وقيل(١) : الضّمير في «به» مبهم، يفسّره «أن يقولوا».
( إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ) : ليس عليك إلّا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردّوا أو اقترحوا. فما بالك يضيق به صدرك.
( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) (١٢): فتوكّل عليه، فإنّه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم.
وفي روضة الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد](٣) بن خالد والحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن مسكان، عن عمّار بن سويد(٤) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول في هذه الآية: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا نزل قديد(٥) ، قال لعليّ ـ عليه السّلام ـ: [يا علي](٦) إنّي سألت ربّي أن يوالي بيني وبينك، ففعل. وسألت ربّي أن يؤاخي بيني وبينك، ففعل. وسألت ربّي أن يجعلك وصيّي، ففعل.
فقال رجلان من قريش: والله، لصاع من تمر في شنّ بال(٧) أحب إلينا ممّا سأل محمّد ربّه. فهلّا سأل ربّه ملكا يعضده على عدوّه، أو كنزا يستغني به عن فاقته. والله، ما دعاه إلى حقّ ولا باطل إلّا أجابه إليه.
فأنزل الله إليه:( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ) (الآية).
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن جابر بن أرقم، عن أخيه، زيد بن أرقم قال: إنّ جبرئيل، الرّوح الأمين نزل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بولاية عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ عشيّة عرفة. فضاق بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، مخافة تكذيب أهل الإفك والنّفاق. فدعا قوما أنا فيهم، فاستشارهم في ذلك ليقوم به في الموسم، فلم ندر
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٣.
(٢) الكافي ٨ / ٣٧٨ ـ ٣٧٩، ح ٥٧٢.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦١٢. وفي النسخ: عمارة بن سويد.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: غديرا.
(٦) من المصدر.
(٧) شنّ بال: قربة بالية.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤١، ح ١٠.
ما نقول له. وبكى ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال له جبرئيل: [ما لك](١) يا محمّد، أجزعت من أمر الله؟
فقال كلّا، يا جبرئيل، ولكن قد علم ربّي ما لقيت من قريش إذ لم يقرّوا لي بالرّسالة حتّى أمرني بجهادهم وأهبط إليّ جنودا من السّماء فنصروني. فكيف يقرّون لعليّ من بعدي؟
فانصرف عنه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ. فنزل عليه( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ) (الآية).
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) «أم» منقطعة. و «الهاء» لما يوحى.
( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ) : في البيان وحسن النّظم.
تحدّاهم أوّلا بعشر سور، ثمّ لـمّا عجزوا عنها سهّل الأمر عليهم وتحدّاهم بسورة.
وتوحيد المثل، باعتبار كلّ واحدة.
( مُفْتَرَياتٍ ) : مختلقات من عند أنفسكم، إن صحّ أنّي اختلقته من عند نفسي. فإنّكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر لتعلّمكم القصص والأشعار وتعوّدكم القريض والنّظم.
( وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ) : إلى المعاونة على المعارضة.
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١٣): أنّه مفترى.
( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ) : بإتيان ما دعوتم إليه.
وجمع الضّمير إمّا لتعظيم الرّسول، أو لأنّ المؤمنين ـ أيضا ـ كانوا يتحدّونهم. وكان أمر الرّسول متناولا لهم من حيث أنّه يجب اتّباعه عليهم في كلّ أمر إلّا ما خصّه الدّليل. وللتّنبيه على أنّ التّحدّي ممّا يوجب رسوخ إيمانهم وقوّة يقينهم، فلا يغفلون عنه. ولذلك رتب عليه قوله:( فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ) : ملتبسا بما لا يعلمه إلّا الله ولا يقدر عليه سواه.
( وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : واعلموا أن لا إله إلّا هو، الله العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، ولظهور عجز آلهتهم، ولتنصيص هذا الكلام الثّابت صدقه بإعجازه عليه.
وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله ـ تعالى ـ آلهتهم.
__________________
(١) من المصدر.
( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (١٤): ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه، إذا تحقّق عندم إعجازه مطلقا.
ويجوز أن يكون الكلّ خطابا للمشركين.
والضّمير في «لم يستجيبوا» ل «من استطعتم»، أي: فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، فاعلموا أنّه نظم لا يعلمه إلّا الله، وأنّه منزل من عند الله، وأنّ ما دعاكم إليه من التّوحيد حقّ، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجّة القاطعة؟
وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطّلب، والتّنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «فإن لم يستجيبوا لك» في ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) لعليّ ولايته.
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ) : بإحسانه وبرّه.
( نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها ) : نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدّنيا، من الصّحّة والسعة والرّئاسة وسعة الرّزق وكثرة الأولاد.
وقرئ(٢) : «يوفّ» بالياء، أي.: يوفّ الله. و «توفّ» بالتّاء، على البناء للمفعول. و «نوف» بالتّخفيف والرّفع، لأنّ الشّرط ماض، كقوله :
وإن أتاه كريم(٣) يوم مسغبة |
يقول لا غائب مالي ولا حرم |
( وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) (١٥): لا ينقصون شيئا من أجورهم.
والآية قيل(٤) : في أهل الرّياء.
وقيل(٥) : في المنافقين.
وقيل(٦) : في الكفرة وبرّهم.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ، يعني: فلان وفلان.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٢، ضمن ح ١١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٤.
(٣) المصدر، ب: خليل.
(٤ و ٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٢، ضمن ح ١١.
( أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ) : مطلقا في مقابلة ما عملوا. لأنّهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السّيّئة.
( وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها ) : لأنّه لم يبق لهم ثواب في الآخرة. أو لم يكن، لأنّهم لم يريدوا به وجه الله. والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإخلاص.
ويجوز تعليق الظّرف ب «صنعوا». على أنّ الضّمير للدّنيا.
( وَباطِلٌ ) : في نفسه.
( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (١٦): لأنّه لم يعمل على ما ينبغي. وكأنّ كلّ واحدة من الجملتين علّة لما قبلها.
وقرئ(١) : «وباطلا» على أنّه مفعول «يعملون»، و «ما» إبهاميّة. أو في معنى المصدر، و «ما» موصولة على معنى: وبطل بطلانا ما كانوا يعملون. و «بطل»(٢) على الفعل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال(٤) : من عمل الخير على أن يعطيه الله ثوابه في الدّنيا، أعطاه الله ثوابه في الدّنيا، وكان له في الآخرة النّار.
وفي مجمع البيان(٥) : أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: بشّروا(٦) أمّتي بالثّناء والتّمكين في الأرض. فمن عمل منهم عملا للدّنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف.
فقال: أترى يخيب الله هذا الخلق كلّه؟
فقال أبي: ما وقف [بهذا الموقف](٨) أحد إلّا غفر له، مؤمنا كان أو كافرا. إلّا أنّهم في مغفرتهم على ثلاث منازل: مؤمن غفر الله له.
ـ إلى أن قال ـ: وكافر وقف هذا الموقف يريد(٩) زينة الحياة الدّنيا، غفر الله ما
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٤.
(٢) أي: وقرئ: «وبطل».
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٢٤.
(٤) ب: قال الجعفي.
(٥) المجمع ٣ / ١٤٨.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بشّر.
(٧) الكافي ٤ / ٥٢١ ـ ٥٢٢، ح ١٠.
(٨) من المصدر.
تقدّم من ذنبه إن تاب من الشّرك فيما بقي من عمره. وإن لم يتب، وفّاه أجره ولم يحرمه أجر هذا الموقف. وذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) .
( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) : برهان من الله يدلّه على الحقّ والثّواب فيما يأتيه ويذره.
و «الهمزة» لإنكار أن يعقب ما هذا شأنه هؤلاء المقصّرين هممهم وأفكارهم على الدّنيا، وأن يقارب بينهم في المنزلة. وهو الّذي أغنى عن ذكر الخبر، وتقديره: أفمن كان على بيّنة، كمن كان يريد الدّنيا.
( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ ) : من الله يشهد له.
( مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ) ، يعني: التّوراة.
و( مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ) جملة مبتدأة.
وقرئ: «كتاب» بالنّصب، عطفا على الضّمير في «يتلوه»، أي: يتلو القرآن شاهد من كان على بيّنة دالّة على أنّه حقّ، كقوله ـ تعالى ـ:( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) .
ويقرأ: «من قبل القرآن التّوراة».
( إِماماً ) : كتابا مؤتمّا به في الدّين.
( وَرَحْمَةً ) : على المنزّل عليهم، لأنّه الوصلة إلى الفوز بخير الدّارين.
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن أحمد بن عمر الحلّال قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) .
فقال: أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ الشّاهد على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على بيّنة من ربّه.
وفي مجمع البيان(٢) : عن الباقر والرّضا ـ عليهما السّلام ـ: أنّ الشّاهد منه عليّ بن
__________________
(٩) ليس في المصدر.
(١) الكافي ١ / ١٩٠، ح ٣.
(٢) المجمع ٣ / ١٥٠ ببعض التصرّف.
أبي طالب، يشهد للنّبيّ وهو منه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن [الصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّما نزل ا فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى.
حدّثني](٢) أبي(٣) ، عن يحيى بن أبي عمران(٤) ، عن يونس، عن أبي بصير والفضيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّما أنزلت( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) ، يعني: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى أولئك يؤمنون به. فقدّموا وأخّروا في التّأليف.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن بريد بن معاوية العجليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الّذي على بيّنة من ربّه رسول الله. والّذي تلاه من بعده الشّاهد منه أمير المؤمنين، ثمّ أوصياؤه واحد بعد واحد.
عن جابر بن عبد الله بن يحيى(٦) قال: سمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ وهو يقول: ما من رجل من قريش إلّا وقد نزل(٧) فيه آية أو آيتان من كتاب الله.
فقال له رجل من القوم: فما نزل فيك، يا أمير المؤمنين؟
فقال: أما تقرأ الآية الّتي في هود( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) . محمّد على بيّنة من ربّه، وأنا الشّاهد.
وفي بصائر الدّرجات(٨) : محمّد بن الحسين، عن عبد الله بن حمّاد، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: والله، ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلّا وقد علمت أن فيمن أنزلت ولا ممّن على رأسه المواسي(٩) [من قريش](١٠) إلّا وقد أنزلت فيه آية من كتاب الله، تسوقه إلى الجنّة أو إلى
__________________
(١) لم نعثر عليه في تفسير القمّي ولم ينقل عنه في تفسير البرهان ولكن نقل عنه في تفسير الصافي ونور الثقلين.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب، ر.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٢٤.
(٤) كذا في المصدر، وجامع الرواة ٢ / ٣٢٤. وفي النسخ: يحيى بن عمران.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٢، ح ١٢.
(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٣.
(٧) المصدر: أنزلت.
(٨) بصائر الدرجات / ١٥٢ ـ ١٥٣، ح ٢ بإسقاط صدره.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: انزل ولا مرّ على رأسه الموسى.
النّار.
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، ما الآية الّتي نزلت فيك؟
قال له: أما سمعت الله يقول:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ـ إلى قوله ـشاهِدٌ مِنْهُ ) .
فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على بيّنة من ربّه، وأنا شاهد له فيه وأتلوه منه(١) .
وعلى هذه الرّواية يكون المراد بالبيّنة: القرآن. ويكون «يتلوه» من التّلاوة.
وفي كتاب الاحتجاج(٢) : قال سليم بن قيس: سأل رجل عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
فقال، وأنا أسمع: أخبرني بأفضل منقبة لك.
قال: ما أنزل الله في كتابه.
قال: و(٣) ما أنزل الله فيك؟ قال:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) (٤) .
أنا الشّاهد من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفيه(٥) : في حديث قال له بعض الزّنادقة: وأجد الله يخبر أنّه يتلو نبيّه شاهد منه، وكان الّذي تلاه عبّد الأصنام برهة من دهره.
فقال ـ عليه السّلام ـ: وأمّا قوله:( وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) فذلك حجّة الله أقامها الله على خلقه، وعرّفهم أنّه لا يستحقّ مجلس النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا من يقوم مقامه، ولا يتلوه إلّا من يكون في الطّهارة مثله بمنزلته(٦) . لئلّا يتّسع لمن ماسّه حسّ(٧) الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق بمقام الرّسول، وليضيّق العذر على من يعينه على إثمه وظلمه. إذ كان الله قد حظر على من ماسّه(٨) الكفر تقلّد ما فوّضه إلى أنبيائه وأوليائه بقوله(٩) لإبراهيم:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١٠) ، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما
__________________
(١٠) من المصدر.
(١) المصدر: معه.
(٢) الاحتجاج ١ / ٢٣١ ـ ٢٣٢.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أو قال» بدل «قال و».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أنّه سئل عن أفضل منقبة له فتلا هذه الآية وقال» بدل «قال: أفمن كان شاهد منه».
(٥) الاحتجاج ١ / ٣٦٥ ـ ٣٧٤.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجس.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: مسّه.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقول ـ تعالى ـ.
(١٠) البقرة / ١٢٤.
بقوله:( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (١) . فلمّا علم إبراهيم أنّ عهد الله [بالإمامة](٢) لا ينال عبدة الأصنام قال:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) (٣) . واعلم أنّ من آثر المنافقين على الصّادقين والكفّار على الأبرار، فقد افترى على الله إثما عظيما. إذ كان قد بيّن في كتابه الفرق بين المحقّ والمبطل والطّاهر والنّجس والمؤمن والكافر، وأنّه لا يتلو النّبيّ عند فقده إلّا من حلّ محلّه صدقا وعدلا وطهارة وفضلا.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٤) ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه كان يوم الجمعة يخطب على المنبر، فقال: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي(٥) إلّا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ.
أعرفها، كما أعرفه.
فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما آيتك الّتي أنزلت فيك؟
فقال: إذا سألت فافهم، ولا عليك أن لا تسأل عنها غيري. أقرأت سورة هود؟
قال: نعم، [يا أمير المؤمنين.
قال: أفسمعت الله يقول:( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ) ؟
قال: نعم](٦) .
قال: الّذي على بيّنه من ربّه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و [الذي](٧) يتلوه شاهد منه، [وهو الشاهد وهو منه وأنا عليّ بن أبي طالب وأنا منه](٨) أنا الشّاهد وأنا منه.
وفي مجمع البيان(٩) : عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ: شاهد من الله، محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وعلى هذا( فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ ) يعمّ كلّ مؤمن مخلص ذو بصيرة في دينه، وهذا لا ينافي في نزوله في النّبيّ والوصيّ. وإلى التّعميم نظر من فسّر الشّاهد بالقرآن، أي: شاهد من الله يشهد بصحّته.
__________________
(١) لقمان / ١٣.
(٢) من المصدر.
(٣) إبراهيم / ٣٥.
(٤) أمالي الطوسي ١ / ٣٨١ ـ ٣٨٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المواثيق.
(٦) ما بين المعقوفتين ليس في ب.
(٧) من المصدر.
(٨) من المصدر. ( ٩) مجمع البيان ٣ / ١٥٠.
( أُولئِكَ ) : إشارة إلى «من كان على بيّنة».
( يُؤْمِنُونَ بِهِ ) : بالقرآن، أو بالرّسول.
( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ ) : من أهل مكّة ومن تحزّب معهم على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
( فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) : يردها لا محالة.
وفي مجمع البيان(١) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا يسمع بي أحد من الامة، لا يهوديّ ولا نصرانيّ ثمّ لا يؤمن بي، إلّا كان من أهل النّار.
وفي روضة الكافي(٢) ، خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وهي خطبة الوسيلة.
يقول ـ عليه السّلام ـ فيها، بعد أن ذكر النّبيّ: وفي التّولي والإعراض عنه محادّة الله وغضبه وسخطه، والبعد منه و(٣) مسكن النّار. وذلك قوله:( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) ، يعني: الجحود به والعصيان له.
( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) : من الموعد، أو القرآن.
وقرئ(٤) : «مرية» بالضّمّ. وهما: الشّكّ.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: في ولاية عليّ.
( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) (١٧): لقلّة نظرهم واختلال فكرهم.
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) ، كأن أسند إليه ما لم ينزله. أو نفي عنه ما أنزله.
( أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ) : في الموقف، بأن يحبسوا وتعرّض أعمالهم.
( وَيَقُولُ الْأَشْهادُ ) : من الملائكة والنّبيّين. أو من جوارحهم.
وفي كتاب المناقب(٦) لابن شهر آشوب: عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَيَقُولُ الْأَشْهادُ ) .
قال: نحن الأشهاد.
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٥٠.
(٢) الكافي ٨ / ٢٦.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٤.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٢، ضمن ح ١١.
(٦) المناقب ٤ / ١٧٩.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً، أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ، وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ) ، يعني بالأشهاد: الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) لآل محمّد حقّهم.
وهو جمع، شاهد، كأصحاب. أو شهيد، كأشراف، جمع شريف.
( هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (١٨): تهويل عظيم ممّا يحيق بهم ـ حينئذ ـ لظلمهم بالكذب على الله.
( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : عن دينه.
( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) : ويصفونها بالانحراف عن الحقّ والصّواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالرّدّة.
( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) (١٩): والحال أنّهم كافرون بالآخرة.
وتكرير كلمة «هم» لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبي عبيدة قال: سألت أبا جعفر عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمَنْ أَظْلَمُ ـ إلى قوله ـيَبْغُونَها عِوَجاً ) .
قال: هم أربعة ملوك من قريش، يتبع بعضهم بعضا.
والملوك الأربعة: الثّلاثة، ومعاوية.
وفيه(٤) :( يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ، [يعني :](٥) يصدّون عن طريق الله، وهي الإمامة.( يَبْغُونَها عِوَجاً ) صرفوها إلى غيره(٦) .
( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) ، أي: ما كانوا معجزين الله في الدّنيا أن يعاقبهم.
( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) : يمنعونهم من العقاب، ولكنّه أخّر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشدّ وأدوم.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٤ ـ ٣٢٥.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٣، ح ١٤.
(٣) ليس في المصدر: علي بن إبراهيم.
(٤) أي في تفسير القمّي ١ / ٣٢٥ ولعلّ عبارة «علي بن ابراهيم» الواردة في صدر حديث العيّاشي تقدمت سهوا.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: «يعني حرّفوها إلى غيرها» بدل «صرفوها إلى غيره».
( يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ) : استئناف.
وقرأ(١) ابن كثير وابن عامر ويعقوب: «يضعّف» بالتّشديد.
( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ) : لتصامّهم عن الحقّ وبغضهم له.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: ما قدروا أن يسمعوا بذكر أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
( وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) (٢٠): لتعاميهم عن آيات الله. وكأنّه العلّة لمضاعفة العذاب.
وقيل(٣) : هو بيان لما نفاه من ولاية الآلهة(٤) بقوله:( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) . فإنّ ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية. وقوله:( يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ) اعتراض.
( أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) : باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (٢١): من الآلهة وشفاعتها. أو خسروا بما بدّلوا وضاع عنهم ما حصلوا، فلم يبق لهم سوى الحسرة والنّدامة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : بطل الّذين دعوا غير أمير المؤمنين.
( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) (٢٢): لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ) : اطمأنّوا إليه وخشعوا له. من الخبت: وهي الأرض المطمئنّة.
وفي أصول الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: إنّ عندنا رجلا يقال له: كليب، فلا يجيء عنكم شيء إلّا قال: أنا أسلّم. فسمّيناه: كليب تسليم.
قال: فترحّم عليه.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٥.
(٢) تفسير القمي ١ / ٣٢٥.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٥.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الاله.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٢٥.
(٦) الكافي ١ / ٣٩٠ ـ ٣٩١، ح ٣.
ثمّ قال: أتدرون ما التّسليم؟
فسكتنا.
فقال: هو، والله، الإخبات. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ) .
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٢٣): دائمون.
( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ) : الكافر والمؤمن.
( كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ) .
يجوز أن يراد به: تشبيه الكافر بالأعمى، لتعاميه عن آيات الله. وبالأصمّ، لتصامّه عن استماع كلام الله وتأبّيه عن تدبّر معانيه. وتشبيه المؤمن بالسّميع والبصير، لأنّ أمره بالضّدّ. فيكون كلّ واحد منهما مشبّها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصّمم، والمؤمن بالجامع بين ضدّيهما. والعاطف لعطف الصّفة على الصّفة، كقوله :
الصّابح فالغانم فالآيب
وهذا من باب اللّفّ والطّباق.
( هَلْ يَسْتَوِيانِ ) : هل يستوي الفريقان.
( مَثَلاً ) : تمثيلا، أو صفة، أو حالا.
( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٢٤): بضرب الأمثال والتّأمّل فيها.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ ) : بأنّي لكم.
وقرأ(١) عاصم وابن عامر وحمزة، بالكسر، على إرادة القول.
( نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (٢٥): أبيّن لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ عهد إلى آدم ـ وذكر حديثا طويلا ـ، يذكر فيه وصيّة آدم إلى هبة الله وأشياء كثيرة. وفيه: وبشّر آدم بنوح ـ عليه السّلام ـ. فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ باعث
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٥.
(٢) الكافي ٨ / ١١٣ و ١١٤ و ١١٥، مقاطع ضمن ح ٩٢.
نبيّا، اسمه نوح. وإنّه يدعو إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ويكذّبه قومه، فيهلكهم الله بالطّوفان. وكان بين آدم وبين نوح ـ عليه السّلام ـ عشرة آباء، أنبياء وأوصياء كلّهم. وأوصى آدم إلى هبة الله: أنّ من أدركه منكم فليؤمن به وليتّبعه وليصدّق به، فإنّه ينجو من الغرق.
إلى أن قال: فلبث هبة الله والعقب منه مستخفين(١) بما عندهم من العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث النّبوّة وآثار علم النّبوّة، حتّى بعث الله نوحا ـ عليه السّلام ـ.
وظهرت وصيّة هبة الله حين نظروا في وصيّة، آدم، فوجدوا نوحا نبيّا قد بشّر به آدم ـ عليه السّلام ـ. فآمنوا به واتّبعوه وصدّقوه. وقد كان آدم ـ عليه السّلام ـ وصّى هبة الله أن يتعاهد هذه الوصيّة عند رأس كلّ سنة، فيكون يوم عيدهم، ويتعاهدون نوحا وزمانه الّذي يخرج فيه. وكذلك جاء في وصيّة كلّ نبيّ، حتّى بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وإنّما عرفوا نوحا بالعلم الّذي عندهم، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) (إلى آخر الآية).
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وروي في الخبر، أنّ اسم نوح ـ عليه السّلام ـ عبد الغفّار. وإنّما سمّي نوحا، لأنّه كان ينوح على نفسه.
( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) : بدل من «إنّي لكم». أو مفعول «مبين».
ويجوز أن يكون «أن» مفسّرة متعلّقة «بأرسلنا»، أو «بنذير».
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كانت شريعة نوح ـ عليه السّلام ـ أن يعبد الله بالتّوحيد والإخلاص وخلع الأنداد، وهي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها. وأخذ ميثاقه على نوح والنّبيّين أن يعبدوا(٤) الله، ولا يشركوا(٥) به شيئا. وأمره بالصّلاة والأمر والنّهي والحرام والحلال، ولم يفرض عليه أحكام حدود ولا فرض مواريث. فهذه شريعته.
وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ، نحوه. إلّا أنّ فيها: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صريحا.
__________________
(١) أ، ب: مستحقين.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٢٨.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٤، صدر ح ١٨.
(٤) المصدر: أن يعبدون.
(٥) المصدر: لا يشركون.
(٦) الكافي ٨ / ٢٨٢ ـ ٢٨٣، ح ٤٢٤.
( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) (٢٦): مؤلم. وهو في الحقيقة صفا المعذّب، لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة: جدّ جدّه، ونهاره صائم للمبالغة.
( فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ) : لا مزيّة لك علينا تخصّك بالنّبوّة ووجوب الطّاعة.
( وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا ) : أخسّاؤنا.
جمع، أرذل، كأنّه بالغلبة صار مثل الاسم، كالأكبر. أو أرذل، جمع، رذل.
( بادِيَ الرَّأْيِ ) : ظاهر الرّأي من غير تعمّق، من البدوّ. أو أوّل الرّأي، من البدء. والياء مبدّلة من الهمزة، لانكسار ما قبلها.
وقرأ(١) أبو عمرو، بالهمزة. وانتصابه بالظّرف على حذف المضاف، أي: وقت حدوث بادي الرّأي. والعامل فيه «اتّبعك». وإنّما استرذلوهم لذلك، أو لفقرهم. فإنّهم لـمّا لم يعلموا إلّا ظاهرا من الحياة الدّنيا، كأنّ الأحظّ بها أشرف عندهم، والمحروم منها أرذل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، يعني: الفقراء والمساكين.
( وَما نَرى لَكُمْ ) : لك ولمتّبعيك.
( عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) : يؤهّلكم للنّبوّة، واستحقاق المتابعة.
( بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ) (٢٧): إيّاك في دعوى النّبوّة، وإيّاهم في دعوى العلم بصدقك. فغلّب المخاطب على الغائبين.
( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ ) : أخبروني.
( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) : حجّة شاهدة بصحّة دعواي.
( وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) : بإيتاء البيّنة، أو النّبوّة.
( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) : فخفيت عليكم، فلم تهدكم.
وتوحيد الضّمير، لأنّ البيّنة في نفسها هي الرّحمة. أو لأنّ خفاءها يوجب خفاء النّبوّة. أو على تقدير: فعمّيت بعد البيّنة، وحذفها للاختصار. أو لأنّه لكلّ واحدة منهما.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٦.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٢٥.
وقرأ(١) حمزة والكسائيّ وحفص: «فعميت»، أي: أخفيت.
وقرئ(٢) : «فعماها». على أنّ الفعل لله.
( أَنُلْزِمُكُمُوها ) : أنكرهكم على الاهتداء بها.
( وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) (٢٨): لا تختارونها ولا تتأمّلون فيها. وحيث اجتمع ضميران، وليس أحدهما مرفوعا وقدّم الأعرف منهما، جاز في الثّاني الفصل والوصل.
( وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) : على التّبليغ. وهو وإن لم يذكر، فمعلوم من ما ذكر.
( مالاً ) : جعلا.
( إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) : فإنّه المأمول منه.
( وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ) : جواب لهم حين سألوا طردهم.
( إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) : فيخاصمون طاردهم عنده. أو إنّهم يلاقونه ويفوزون بقربه، فكيف أطردهم.
( وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) (٢٩): بلقاء ربّكم. أو بأقداركم. أو في التماس طردهم. أو تتسفّهون عليهم، بأن تدعوهم أراذل.
( وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ ) : بدفع انتقامه.
( إِنْ طَرَدْتُهُمْ ) : وهم بتلك الصّفة والمثابة.
( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (٣٠): لتعرفوا أنّ التماس طردهم وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب.
( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) : خزائن رزقه وأمواله حتّى جحدتم فضلي.
( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) : عطف على( عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) ، أي: ولا أقول أنا أعلم الغيب حتّى تكذّبوني، استبعادا. أو حتّى أعلم أنّ هؤلاء اتّبعوني بادي الرّأي من غير بصيرة وعقد قلب.
وعلى الثّاني يجوز عطفه على «أقول».
( وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) : حتّى تقولوا: ما أنت إلّا بشر مثلنا.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٦.
( وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ) : ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم.
( لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً ) : فإنّ ما أعدّه الله لهم في الآخرة خير ممّا آتاكم في الدّنيا.
( اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) (٣١): إن قلت شيئا من ذلك.
و «الازدراء» افتعال. من زري عليه: إذا عابه. قلبت تاؤه دالا، لتجانس الرّاء في الجهر.
وإسناده إلى الأعين للمبالغة، والتّنبيه على أنّهم استرذلوهم بادي الرّؤية من غير رؤية، وبما عاينوه من رثاثة حالهم وقلّة منالهم دون تأمّل في معانيهم وكمالاتهم.
( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ) : خاصمتنا.
( فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ) : فأطلته، أو أتيت بأنواعه.
( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) : من العذاب.
( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٣٢): في الدّعوى والوعيد. فإنّ مناظرتك لا تؤثّر فينا.
( قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ ) : عاجلا أو آجلا.
( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) (٣٣): بدفع العذاب، أو الهرب منه.
( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) : شرط ودليل جواب قوله:( إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) .
وتقدير الكلام: إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي.
وقيل(١) : «أن يغويكم» أن يهلككم. من غوي الفصيل: إذا [بشم(٢) ف](٣) هلك.
وفي قرب الاسناد(٤) للحميريّ: أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: وقال نوح:( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ـ إلى قوله ـيُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٧.
(٢) بشم من الطعام: أكثر منه حتّى اتّخم وسئمه.
(٣) من المصدر.
(٤) قرب الاسناد / ١٥٨.
قال: الأمر إلى الله، يهدي ويضلّ(١) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر، عن أبيه، عليّ بن الحسين ـ عليهم السّلام ـ أنّه قال، وقد ذكر عبد الله بن عبّاس: وأمّا قوله:( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ) (الآية) نزلت في أبيه.
وفي تفسير العيّاشي(٣) ، نحوه. إلّا أنّ فيه بدل «أبيه» «العبّاس» صريحا.
( هُوَ رَبُّكُمْ ) : خالقكم، والمتصرّف فيكم وفق إرادته.
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٣٤): فيجازيكم على أعمالكم.
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي ) : وباله.
وقرئ(٤) : «أجرامي» على الجمع.
( وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ) (٣٥): من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ.
( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ ) : فلا تحزن حزن بائس مستكين.
( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) (٣٦): أقنطه الله من إيمانهم، ونهاه أن يغتمّ بما فعلوه من التّكذيب والإيذاء.
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ نوحا لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم سرّا وعلانية. فلمّا أبوا وعتوا، قال: يا ربّ( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) (٦) فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه:( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ ـ إلى قوله ـبِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) . فلذلك قال نوح ـ على نبيّنا وآله وعليه السّلام ـ:( وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) (٧) . فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه:( أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ ) (٨) والحديث طويل أخذت منه
__________________
(١) المصدر: «من يشاء» بدل «ويضلّ».
(٢) تفسير القمّي ٢ / ٢٣.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٤، ح ١٧.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٧.
(٥) الكافي ٨ / ٢٨٣، ذيل ح ٤٢٤. ببعض التصرّف في صدر المنقول هنا.
(٦) القمر / ١٠.
(٧) نوح / ٢٧.
(٨) المؤمنون / ٢٧.
موضع الحاجة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثنا أحمد بن محمّد بن موسى قال: حدّثنا محمد بن حمّاد، عن عليّ بن إسماعيل التّيميّ، عن فضل رسان(٢) ، عن صالح بن ميثم قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما كان علم نوح حين دعا إلى(٣) قومه أنّهم( لا يَلِدُوا ) (٤) ( إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
فقال: أما سمعت قول الله لنوح:( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أرأيت نوحا حين دعا على قومه فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
قال ـ عليه السّلام ـ: علم أنّه لا ينجب من بينهم أحد.
قال: قلت: وكيف علم ذلك؟
قال: أوحى الله إليه:( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ) (٦) ( مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) . فعند ذلك دعا عليهم بهذا الدّعاء.
( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) : ملتبسا بأعيننا. عبّر بكثرة العين، الّذي يحفظ به الشّيء ويراعى عن الاختلال والزّيغ، عن المبالغة في الحفظ والرّعاية على طريقة التّمثيل.
( وَوَحْيِنا ) : إليك كيف تصنعها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: بقي نوح في قومه ثلاثمائة سنة يدعوهم إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ فلم يجيبوه. فهمّ أن يدعو عليهم، فوافاه عند طلوع الشّمس اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السّماء الدّنيا، وهم العظماء من الملائكة.
فقال لهم نوح: ما أنتم؟
__________________
(١) تفسير القمّي ٢ / ٣٨٨.
(٢) كما في جامع الرواة ٢ / ٥ وفي ب: فضل بن رسان، وفي المصدر: فضيل الرسام.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: لا يلدون.
(٥) العلل / ٣١، ح ١.
(٦) المصدر: لا يؤمن.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٢٥ ـ ٣٢٦.
فقالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السّماء الدّنيا. وأنّ غلظ مسيرة سماء الدّنيا خمسمائة عام، ومن سماء الدّنيا إلى الدّنيا مسيرة خمسمائة عام. وخرجنا عند طلوع الشّمس، ووافيناك في هذا الوقت، فنسألك أن لا تدعو على قومك.
فقال نوح ـ عليه السّلام ـ: قد أجّلتهم ثلاثمائة سنة.
فلمّا أتى عليهم ستّمائة سنة ولم يؤمنوا، هم أن يدعو عليهم. فوافاه اثنا عشر ألف قبيلة من قبائل ملائكة السّماء الثّانية.
[فقال نوح: من أنتم؟
قالوا: نحن اثنا عشر ألف قبيل من قبائل ملائكة السماء الثانية](١) وأنّ غلظ السماء الثّانية مسيرة خمسمائة عام، ومن السّماء الثّانية إلى السّماء الدّنيا مسيرة خمسمائة عام، وغلظ السّماء الدّنيا مسيرة خمسمائة عام، ومن السّماء الدّنيا إلى الدّنيا مسيرة خمسمائة عام. خرجنا عند طلوع الشّمس ووافيناك ضحوة، نسألك أن لا تدعو على قومك.
فقال نوح ـ عليه السّلام ـ: قد أجّلتهم ثلاثمائة سنة.
فلمّا أتى عليهم تسعمائة سنة ولم يؤمنوا(٢) ، هم أن يدعو عليهم. فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) .
فقال نوح:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
فأمره الله ـ تعالى ـ أن يغرس النّخل، [فأقبل يغرس النّخل](٣) . فكان قومه يمرّون به ويسخرون منه ويستهزئون به، ويقولون: شيخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النّخل. وكانوا يرمونه بالحجارة. فلمّا أتى لذلك خمسون سنة وبلغ النّخل واستحكم، أمر بقطعه. فسخروا منه، وقالوا: بلغ النّخل مبلغه. وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) .
فأمره الله أن يتّخذ(٤) السّفينة، وأمر جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أن ينزل عليه ويعلمه كيف يتّخذها. فقدّر طولها في الأرض ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ثمانمائة ذراع، وطولها في السّماء ثمانون ذراعا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ليس في المصدر: ولم يؤمنوا.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: ينحت.
فقال: يا ربّ، من يعينني على اتّخاذها؟
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: ناد في قومك: من أعانني عليها وينجر منها شيئا، فصار ما ينجره ذهبا وفضّة.
فنادى نوح ـ عليه السّلام ـ فيهم بذلك، فأعانوه عليها. وكانوا يسخرون منه، ويقولون: يتّخذ(١) سفينة في البرّ.
وفي روضة الكافي(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في تقدير السّفينة، مثله.
وأمّا ما روي في عيون الأخبار(٣) ، في باب ما جاء من خبر الشّاميّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: سأله عن سفينة نوح: ما كان عرضها وطولها؟
فقال: «كان طولها ثمانمائة ذراع، وعرضها خمسمائة ذراع، وارتفاعها في السّماء ثمانين ذراعا». فمخالف لما مضى من وجهين: أحدهما، أنّ فيما سبق أنّ عرضها كان ثمانمائة، وفي هذا الخبر طولها. والثّاني، أنّ فيما مضى أنّ طولها ألف ومائتي ذراع، وفي هذا الخبر ثمانمائة. فلعلّه وهم الرّاوي وأبدل العرض بالطّول، وألفا ومائتي ذراع بخمسمائة ذراع.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى أيّوب بن راشد: عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان أعمار قوم نوح ـ عليه السّلام ـ ثلاثمائة سنة، [ثلاثمائة سنة](٥) .
وبإسناده إلى سدير الصّيرفيّ(٦) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل.
وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: وأمّا إبطاء نوح ـ عليه السّلام ـ فإنّه لـمّا استنزل العقوبة على قومه من السّماء، بعث الله ـ تبارك وتعالى ـ جبرئيل، الرّوح الأمين معه سبع(٧) نوايات.
فقال: يا نبيّ الله، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي، لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلّا بعد تأكيد الدّعوة وإلزام الحجّة. فعاود اجتهادك في
__________________
(١) المصدر: ينحت.
(٢) الكافي ٨ / ٢٨٣، صدر ح ٤٢٦.
(٣) العيون ١ / ٢٤٤.
(٤) كمال الدين / ٥٢٣، ح ٢.
(٥) من المصدر.
(٦) كمال الدين / ٣٥٥ ـ ٣٥٦.
(٧) المصدر: «بسبع» بدل «معه سبع»
الدّعوة لقومك، فإنّي مثيبك عليه. واغرس هذه النّوى، فإنّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص. فبشّر بذلك من اتّبعك من المؤمنين.
فلمّا نبتت الأشجار وتأزّرت(١) وتسوّقت وأغصنت(٢) وأثمرت وزها التّمر عليها(٣) بعد زمان طويل، أستنجز من الله العدة. فأمره الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يغرس من نوى تلك الأشجار، ويعاود الصّبر والاجتهاد ويؤكّد الحجّة على قومه. فأخبر بذلك الطّوائف الّتي آمنت به، فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل وقالوا: لو كان ما يدّعيه نوح حقّا لما وقع في وعد ربّه خلف.
ثمّ أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يزل يأمره عند كلّ مرّة بأن يغرسها مرّة بعد أخرى، إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك الطّوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة، إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا.
فأوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إليه عند ذلك، وقال: يا نوح، الآن أسفر الصّبح عن اللّيل لعينك، حين صرح الحقّ عن محضه وصفا [الامر والايمان](٤) من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة. فلو أنّي أهلكت الكفّار وأبقيت من قد ارتد من الطّوائف الّتي كانت آمنت بك، لما كنت صدّقت وعدي السّابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التّوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوّتك، بأن أستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم وأبدّل(٥) خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشّرك(٦) من قلوبهم. وكيف يكون الاستخلاف والتّمكين وبدل [الخوف ب](٧) الأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا وخبث طينتهم وسوء سرائرهم الّتي كانت نتائج النّفاق وسنوخ(٨) الضّلالة. فلو أنّهم تنسّموا من الملك الّذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم ،
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بارزت.
(٢) المصدر: تغصّنت.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «زهر الثّمر على ما كان» بدل «زها التّمر عليها».
(٤) كذا في المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبدلّهم.
(٦) كذا أيضا في بعض نسخ المصدر. وفيه: الشك.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر، ب: سنوح. وسنوخ ـ جمع سنخ ـ: الأصل.
لنشقوا(١) روائح صفاته ولاستحكمت(٢) سرائر نفاقهم وثارت خبال(٣) ضلالة قلوبهم ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة وحار بوهم على طلب الرّئاسة والتّفرّد بالأمر والنّهي. وكيف يكون التّمكين في الدّين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب، كلّا ف( اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ) .
وفي مجمع البيان(٤) : عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فإنّ نوحا لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى الهدى، فيمرّون به ويسخرون منه. فلمّا رأى ذلك منهم، دعا عليهم. فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ـ إلى قوله ـإِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) .
قال: فأوحى الله إليه: يا نوح، أن( اصْنَعِ الْفُلْكَ ) وأوسعها وعجّل عملها( بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ) . فعمل نوح سفينته(٥) في مسجد الكوفة بيده، يأتي بالخشب من بعد حتّى فرغ منها.
وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: جعلت فداك، في كم عمل نوح ـ عليه السّلام ـ سفينته حتّى فرغ منها؟
قال: في دورين.
قلت: وكم الدّور؟
قال: ثمانين سنة.
قلت: إنّ العامّة يقولون: عملها في خمسمائة عام.
فقال: كلا، كيف كان(٧) والله يقول:( وَوَحْيِنا ) .
وفي الكافي(٨) والعيّاشيّ(٩) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: وكان منزل(١٠) نوح وقومه
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لتشفوا.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: والّا استحكمت.
(٣) المصدر: «تأبّدت حبال» بدل «ثارت خبال».
(٤) بل في تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٤ ـ ١٤٥، ضمن ح ١٩، ونور الثقلين ٢ / ٣٥٤ ح ٧٤ عنه.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فعجّل نوح سفينة.
(٦) الكافي ٨ / ٢٨٠ ـ ٢٨١، ضمن ح ٤٢١.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) الكافي ٨ / ٢٨٠ ـ ٢٨١، ضمن ح ٤٢١.
في قرية على منزل من الفرات، ممّا يلي غربي الكوفة. وكان نوح رجلا نجّارا، فجعله الله نبيّا وانتجبه. ونوح أوّل من عمل سفينة تجري على ظهر الماء.
قال: ولبث نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى الهدى، فيمرّون(١) به ويسخرون منه. فلمّا رأى ذلك منهم، دعا عليهم.
فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) .
فأوحى الله إليه: يا نوح( اصْنَعِ الْفُلْكَ ) (٢) وأوسعها وعجّل عملها( بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ) (٣) .
فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده، فأتي بالخشب من بعد حتّى فرغ منها.
سئل: في كم عمل نوح سفينته حتّى فرغ منها؟
قال: في دورين.
قيل: وكم الدّور؟
قال: ثمانون سنة.
قيل: فإنّ العامّة يقولون: عملها في خمسمائة عام.
فقال: كلا، كيف والله يقول:( وَوَحْيِنا ) .
قيل(٤) : آخر الحديث يحتمل معنيين: أحدهما، أنّ ما يكون بأمر الله وتعليمه كيف يطول زمانه إلى هذه المدّة!؟ والثّاني، أن يكون ـ عليه السّلام ـ قد فسّر الوحي هنا بالسّرعة والعجلة، فإنّه جاء بهذا المعنى. يقال: الوحا الوحا ممدودا ومقصورا، يعني: البدار البدار(٥) .
( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : ولا تراجعني فيهم، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم.
( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) (٣٧): محكوم عليه بالإغراق، فلا سبيل إلى كفّه.
__________________
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٤ ـ ١٤٥، ضمن ح ١٩.
(١٠) كذا في الكافي. وفي النسخ والعياشي: نزل.
(١) الكافي: «الله فيهزؤون» بدل» الهدى، فيمرّون».
(٢) الكافي: سفينة.
(٣) ليس في الكافي: «بأعيننا ووحينا».
(٤) تفسير الصافي ٢ / ٤٤٦ ـ ٤٤٧.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: البدا البدا.
( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) : حكاية حال ماضية.
( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ) : استهزؤوا به لعمله السّفينة.
قيل(١) : كان يعملها في بريّة بعيدة من الماء أوان عزّته، وكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجّارا بعد ما كنت نبيّا.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن عليّ، عن عمر بن أبان، عن إسماعيل الجعفيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ لـمّا غرس النّوى، مرّ عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد غرّاسا. حتّى إذا طال(٣) النّخل، وكان جبّارا طوّالا، قطعه ثم نحته، فقالوا قد قعد نجّارا. ثمّ ألّفه فجعله سفينة، فمرّوا عليه يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملّاحا في فلاة من الأرض حتّى فرغ منها.
( قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ) (٣٨): منّا.
( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) : إذا أخذكم الغرق في الدّنيا، والحرق في الآخرة.
وقيل(٤) : المراد بالسّخرية: الاستجهال(٥) .
( مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ) ، يعني به: إيّاهم. وبالعذاب: الغرق.
( وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ) : وينزل عليه. أو يحلّ حلول الدّين لا انفكاك عنه.
( عَذابٌ مُقِيمٌ ) (٣٩): دائم. وهو عذاب النّار.
( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا ) : هو غاية لقوله:( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) ، وما بينهما حال من الضّمير فيه. أو حتّى، هي الّتي يبتدأ بعدها الكلام.
( وَفارَ التَّنُّورُ ) : نبع الماء منه وارتفع، كالقدر تفور.
و «التّنّور» تنّور الخبز. ابتدأ منه النّبوع على خرق العادة. وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة من أرض الجزيرة.
وقيل(٦) : «التّنّور» وجه الأرض، أو أشرف موضع فيها.
وفي روضة الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٨.
(٢) الكافي ٨ / ٢٨٣، ح ٤٢٥.
(٣) أ، ب، ر: حال.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٨.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الاستعجال.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٨.
الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: جعلت فداك، أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ) . فأين كان موضعه، وكيف كان؟
قال: كان التّنّور في بيت عجوز مؤمنة، في دبر قبلة ميمنة المسجد. فقلت له: فإنّ ذلك موضع زاوية باب الفيل اليوم.
ثمّ قلت له: وكان بدو خروج الماء من ذلك التّنّور؟
فقال: نعم. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أحبّ أن يري قوم نوح آية. ثمّ أنّ الله ـ تعالى ـ أرسل عليهم(١) المطر يفيض فيضا، وفاض الفرات فيضا، والعيون كلّهن فيضا. فغرّقهم الله، وأنجى نوحا ومن معه في السّفينة.
وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلّى فيه ألف نبيّ وألف وصيّ. ومنه فار التّنّور، وفيه نجرت السّفينة.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٣) : وروى أبو عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: مسجد كوفان روضة من رياض الجنّة، الصّلاة فيه بسبعين(٤) صلاة، صلّى فيه ألف نبيّ وسبعون نبيّا، وفيه فار التّنّور ونجرت(٥) السّفينة. وهو سرّة بابل(٦) ، ومجمع الأنبياء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : عن الأعمش يرفعه إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ في قوله:( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ) .
فقال: أما، والله، ما هو تنور الخبز ـ ثمّ أومأ بيده إلى الشّمس فقال ـ: طلوعها.
عن الحسن بن عليّ(٨) ، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
__________________
(٧) الكافي ٨ / ٢٨١، ضمن ح ٤٢١.
(١) أ: إليهم.
(٢) الكافي ٣ / ٤٩٢، صدر ح ٣.
(٣) المجمع ٣ / ١٦٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «تسعين» بدل «بسبعين».
(٥) المصدر: جرت.
(٦) سرّة بابل، أي: وسطه الحقيقيّ وبابل: اسم موضع بالعراق.
(٧) بل في تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٧، ح ٢٥، ونور الثقلين ٢ / ٣٥٦، ح ٨٢ عنه.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٧، ح ٢٢.
جاءت امرأة نوح إليه، وهو يعمل السّفينة. فقالت له: إنّ التّنّور قد خرج منه ماء. فقام إليه مسرعا حتّى جعل الطّبق عليه، فختمه بخاتمه، فقام الماء. فلمّا فرغ نوح من السّفينة، جاء إلى خاتمه ففضّه وكشف الطّبق، ففار الماء.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عنه ـ عليه السّلام ـ [جاءت امرأة نوح إليه، وهو يعمل السّفينة. فقالت له: إنّ التّنّور قد خرج منه ماء. فقام إليه مسرعا حتّى جعل الطّبق عليه، فختمه بخاتمه، فقام الماء. ف](٢) لـمّا فرغ من السّفينة، وكان ميعاده فيما بينه وبين ربّه في إهلاك قومه أن يفور التّنور، ففار. فقالت امرأته: إنّ التّنور قد فار. فقام إليه فختمه، فقام الماء وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج. ثمّ جاء إلى خاتمه فنزعه. يقول الله:( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) (٣) .
قال: وكان نجرها في وسط مسجدكم [ولقد نقص عن ذرعه سبعمائة ذراع](٤) .
( قُلْنَا احْمِلْ فِيها ) : في السّفينة.
( مِنْ كُلٍ ) : نوع من الحيوانات المنتفع بها.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى أبان بن عثمان: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: إنّ النّبيّ لما حضرته الوفاة، دفع إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ ميراثه من الدّواب وغيره.
وفي آخره قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ أوّل شيء [مات](٦) من الدّواب الحمار(٧) اليعفور، توفّي ساعة قبض رسول الله. قطع خطامه، ثمّ مرّ يركض حتّى أتى(٨) بئر بني حطمة بقبا(٩) فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره.
__________________
(١) بل في الكافي ٨ / ٢٨١ ـ ٢٨٢، ح ٤٢٢ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وتفسير الصافي ٢ / ٤٤٣ ـ ٤٤٤.
(٢) المصدر: «إنّ نوحا ـ صلّى الله عليه ـ» بدل ما بين المعقوفتين والظاهر أنه تكرار لحديث العيّاشي السابق.
(٣) القمر / ١١ ـ ١٣.
(٤) من المصدر.
(٥) العلل / ١٦٧، ذيل ح ١.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: حماره.
(٨) المصدر: وافى.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: بئر حطيم بقباء.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ يعفور كلّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [فقال :](١) بأبي أنت وأمّي، إنّ أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه، أنّه كان مع نوح في السّفينة. فنظر إليه يوما نوح ـ عليه السّلام ـ ومسح يده على وجهه، ثمّ قال: يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيّد النّبيّين وخاتمهم. والحمد لله الّذي جعلني ذلك الحمار.
وفي أصول الكافي(٢) : وروي أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ ذلك الحمار كلّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وذكر نحوه.
( زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) : ذكرا وأنثى. هذا على قراءة حفص. والباقون أضافوا على معنى: احمل اثنين من كلّ زوجين، أي: من كلّ صنف ذكر، وكلّ صنف أنثى.
وفي روضة الكافي(٣) : محمّد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل الجعفيّ وعبد الكريم بن عمر وعبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا حمل نوح في السّفينة الأزواج الثّمانية الّتي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ) ( ... وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ) (٤) ](٥) ، فكان من الضّأن اثنين، زوج داجنة يربيّها النّاس والزّوج الآخر الضّأن الّتي تكون في الجبال الوحشيّة، أحلّ لهم صيدها. ومن المعز اثنين، زوج داجنة يربّيها النّاس والزّوج الآخر الظّباء(٦) الّتي تكون في المفاوز. ومن الإبل اثنين، البخاتيّ والعراب. ومن البقر اثنين، زوج داجنة للنّاس والزّوج الآخر البقر الوحشيّة. وكلّ طير طيّب وحشي [أ](٧) وانسي، ثمّ غرقت الأرض.
وفي مجمع البيان(٨) : وروى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أراد الله هلاك قوم نوح، عقّم أرحام النّساء أربعين سنة فلم يلد لهم مولود. فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السّفينة. أمره الله أن ينادي بالسّريانيّة أن يجتمع إليه جميع الحيوانات، فلم يبق حيوان إلّا حضر. فأدخل من
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ١ / ٢٣٧، ذيل ح ٩.
(٣) الكافي ٨ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤، ح ٤٢٧.
(٤) الانعام / ١٤٣.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: الظبي.
(٧) من المصدر. وفيه: أ[و].
(٨) المجمع ٣ / ١٦٠.
كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين، ما خلا الفأر والسّنّور. وأنّهم لـمّا شكوا من سرقين الدّوابّ والقذر، دعا بالخنزير، فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فأر فتناسل. فلمّا كثروا شكوا إليه منها، فدعا بالأسد، فمسح جبينه فعطس(١) فسقط من أنفه زوج سنّور.
وفي حديث آخر(٢) : أنّهم شكوا العذرة، فأمر الله الفيل، فعطس فسقط الخنزير.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ نوحا حمل الكلب في السّفينة، ولم يحمل ولد الزّنا.
عن عبيد الله(٤) الحلبيّ(٥) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: ينبغي لولد الزّنا أن لا تجوز له شهادة، ولا يؤمّ بالنّاس. لم يحمله نوح في السّفينة، وقد حمل فيها الكلب والخنزير.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) : عن الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين ـ عليهم السّلام ـ أنّه سئل: ما بال الماعز معرقبة(٧) الذّنب باذلة(٨) الحياء والعورة؟
فقال: لأنّ الماعز عصت نوحا لـمّا أدخلها السّفينة، فدفعها فكسر ذنبها. والنّعجة مستورة الحياء والعورة، لأنّ النّعجة بادرت بالدّخول إلى السّفينة، فمسح نوح يده على حيائها(٩) وذنبها فاستوت الألية.
وفي عيون الأخبار(١٠) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: وما(١١) سأله: ما بال المعز(١٢) معرقبة(١٣) الذّنب بادية الحياء والعورة؟
فقال: لأنّ المعز(١٤) عصت نوحا ـ عليه السّلام ـ لـمّا أدخلها السّفينة(١٥) ، فدفعها فكسر
__________________
(١) ليس في ب.
(٢) المجمع ٣ / ١٦٠.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٨، ح ٢٧.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٢٨.
(٥) بعض نسخ المصدر: عبد الله الحلبيّ.
(٦) العلل / ٤٩٤ ـ ٤٩٥، ح ١.
(٧) المصدر: مفرقعة. وهي ملويّة من فرقع فلانا: إذا لوى رقبته فسمع لها صوت ومعرقبة: مقطوعة.
(٨) المصدر: بادية.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: حيالها.
(١٠) العيون ١ / ٢٤٦. (١١) ليس في المصدر. (١٢) المصدر: الماعز.
(١٣) بعض نسخ المصدر: مرفوعة.
(١٤) المصدر: الماعز.
ذنبها. والنّعجة مستورة الحياء والعورة، لأنّ النّعجة بادرت بالدّخول إلى السّفينة، فمسح يده على حيائها(١) وذنبها فاستوت الألية(٢) .
وفي كتاب الخصال(٣) : عن الرّضا(٤) ـ عليه السّلام ـ: اتّخذ نوح في الفلك تسعين بيتا للبهائم.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عنه ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله أمر نوحا أن حمل في السّفينة من كلّ زوجين اثنين، فحمل الفحل والعجوة(٦) فكانا زوجا.
( وَأَهْلَكَ ) : عطف على «زوجين»، أو «اثنين». والمراد: امرأته وبنوه ونساؤهم.
( إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) : بأنّه من المغرقين. يريد: ابنه كنعان وأمّه واعلة، فإنّهما كانا كافرين.
( وَمَنْ آمَنَ ) : والمؤمنين من غيرهم.
( وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (٤٠).
قيل(٧) : كانوا تسعة وسبعين، زوجته المسلمة وبنوه الثّلاثة: سام وحام ويافث [ونساؤهم](٨) . واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم.
وروى الشّيخ أبو جعفر في كتاب النّبوّة(٩) ، بإسناده: عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من(١٠) آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر.
وفي كتاب معاني الأخبار(١١) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثني محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن عمر، عن جعفر بن محمّد بن يحيى، عن
__________________
(١٥) ليس في أ، ب.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: حيالها.
(٢) المصدر: فاستترت بالألية.
(٣) الخصال / ٥٩٨ ببعض التصرّف.
(٤) المصدر: عليّ.
(٥) لم نعثر عليه في تفسير العيّاشي ولكن رواه عنه تفسير نور الثقلين ٢ / ٣٥٦، ح ٨٤ عن الصادق ـ عليه السّلام ـ وتفسير الصافي ٢ / ٤٤٥ ـ ٤٤٦.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فحمل العجل والعجرة.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٨.
(٨) من المصدر.
(٩) عنه المجمع ٣ / ١٦٠.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) المعاني / ١٥١، ح ١.
غالب، عن أبي خالد، عن حمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، وذكر حديثا طويلا. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السّفينة، أمره الله ـ تعالى ـ أن ينادي بالسّريانيّة: لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلّا حضر. فأدخل من كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين في السّفينة. وكان الّذين آمنوا به من جميع الدّنيا ثمانون رجلا. فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) (الآية). وكان نجر السّفينة في مسجد الكوفة. فلمّا كان اليوم الّذي أراد الله إهلاكهم، كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الّذي يعرف: بفار التّنّور، في مسجد الكوفة. وكان نوح اتّخذ لكلّ ضرب من أجناس الحيوانات(٢) موضعا في السّفينة، وجمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء. فصاحت امرأته لـمّا فار التّنّور، فجاء نوح إلى التّنّور فوضع عليها طينا وختمه حتّى أدخل جميع الحيوان السّفينة. ثمّ جاء إلى التّنور، ففضّ الخاتم ورفع الطّين. وانكسفت الشّمس، وجاء من السّماء ماء منهمر [صبّ بلا قطر، وتفجرت الأرض عيونا. وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ]) (٣) ( وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) .
وفي رواية أبي الجارود(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: ليس كلّ من في الأرض من بني آدم(٥) من ولد نوح. قال الله في كتابه:( احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ـ إلى قوله ـوَمَنْ آمَنَ ) . وقال:( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) (٦) .
( وَقالَ ارْكَبُوا فِيها ) ، أي: صيروا فيها راكبين، كما يركب الدّوابّ في البرّ.
( بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها ) : متّصل «باركبوا» حال من الواو، أي: اركبوا فيها مسمّين الله ـ تعالى ـ. أو قائلين: بسم الله وقت إجرائها وإرسائها. أو مكانهما، على أنّ المجرى والمرسى للوقت والمكان. أو للمصدر والمضاف محذوف، كقولهم: أتيك خفوق النّجم. وانتصابهما بما قدّرناه حالا.
ويجوز رفعهما «ببسم الله» على أنّ المراد بهما المصدر. أو جملة من مبتدأ وخبر، أي :
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧.
(٢) المصدر: الحيوان.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢٢٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: من نبيّ.
(٦) الاسراء / ٣.
إجراؤها بسم الله. على أنّ «بسم الله» خبره، أو صلته والخبر محذوف. وهي إمّا جملة مقتضية لا تعلّق لها بما قبلها، أو حال مقدّرة من الواو أو الهاء.
وقرأ(١) حمزة والكسائيّ وعاصم برواية حفص: «مجراها» بالفتح، من جرى.
وقرئ: «مرساها» أيضا، من رسا. وكلاهما يحتمل الثّلاثة. و «مجريها ومرسيها» بلفظ الفاعل، صفتين لله ـ تعالى ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. وذكر حديثا طويلا. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها ) .
يقول: «مجريها»، أي: مسيرها. «ومرسيها»، أي: موقعها(٣) .
( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٤١)، أي: لو لا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إيّاكم، لما نجّاكم.
( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ) : متّصل بمحذوف دلّ عليه «اركبوا»، أي: فركبوا مسمّين، وهي تجري وهم فيها.
( فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ) : في موج من الطّوفان، وهي ما يرتفع من الماء عند اضطرابه. كلّ موجة فيها، كجبل في تراكمها وارتفاعها.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى أبان بن تغلب: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه القائم ـ عليه السّلام ـ. وفيه: فإذا نشر راية رسول الله، تنحطّ(٥) إليه ثلاثة عشر ألف ملك ينصرون(٦) القائم ـ عليه السّلام ـ. وهم الّذين كانوا مع نوح ـ عليه السّلام ـ في السّفينة.
وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أسباط. ومحمّد بن أحمد، عن موسى بن القاسم البجليّ(٨) ، عن عليّ بن أسباط قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ :
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٩.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٢٧.
(٣) المصدر: موقفها.
(٤) كمال الدين / ٦٧٢، ضمن ح ٢٢.
(٥) المصدر: انحط.
(٦) المصدر: «وثلاثة عشر ملكا كلهم ينتظر» بدل «ينصرون».
(٧) الكافي ٣ / ٤٧١، صدر ح ٥.
(٨) ب: العجلي.
جعلت فداك، ما ترى آخذ برّا أو بحرا، فإنّ طريقنا مخوف شديد الخطر؟
فقال: اخرج برّا، ولا عليك أن تأتي في(١) مسجد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وتصلّي ركعتين في غير وقت فريضة. ثمّ تستخير الله مائة مرّة ومرّة. ثمّ تنظر، فإن عزم الله عليك(٢) على البحر، فقل الّذي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقالَ ارْكَبُوا ـ إلى قوله ـلَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن أبي الحسن، الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: إن ركبت البحر، فإذا صرت في السّفينة، فقل:( بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يوسف، يعقوب بن عبد الله من ولد أبي فاطمة، عن إسماعيل بن زيد، مولى عبد الله بن يحيى الكاهليّ، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه مسجد الكوفة. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: ومنه سارت سفينة نوح.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ هلاك قوم نوح ـ وذكر حديثا طويلا ـ.
وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: فبقي الماء يصبّ(٦) من السّماء أربعين صباحا ومن الأرض العيون، حتّى ارتفعت السّفينة، فمسحت السّماء.
وفي روضة الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن داود بن يزيد، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ارتفع الماء على كلّ جبل وعلى كلّ سهل خمسة عشر ذراعا.
وفي عيون الأخبار(٨) ، بإسناده إلى الحسين بن خالد الصيرفيّ: عن أبي الحسن، الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ لـمّا ركب السّفينة، أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: يا نوح، إن خفت الغرق، فهلّلني ألفا. ثمّ اسألني النّجاة أنجك من الغرق
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: لك.
(٣) الكافي ٥ / ٢٥٦، ضمن ح ٣.
(٤) الكافي ٣ / ٤٩٢، ضمن ح ٢.
(٥) تفسير القميّ ١ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧ و ٣٢٨.
(٦) المصدر: ينصبّ.
(٧) الكافي ٨ / ٢٨٤، ح ٤٢٨.
(٨) العيون ٢ / ٥٥، ضمن ح ٢٠٦.
ومن آمن معك.
قال: فلمّا استوى نوح ومن معه في السّفينة ورفع القلس و(١) عصفت الرّيح عليهم فلم يأمن نوح ـ عليه السّلام ـ [الغرق](٢) وأعجلته الرّيح فلم يدرك له أن يهلّل الله ألف مرّة. فقال بالسّريانيّة: هيلوليا، ألفا ألفا. يا ماريا يا ماريا، أتقن(٣) .
قال: فاستوى القلس واستقرّت(٤) السّفينة.
فقال نوح ـ عليه السّلام ـ: إنّ كلاما نجّاني الله به من الغرق، لحقيق أن لا يفارقني.
قال: فنقش في خاتمه: لا إله إلّا الله، ألف مرّة. يا ربّ، أصلحني.
وفي كتاب الخصال(٥) : عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ لـمّا ركب في(٦) السّفينة، أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه. وذكر، نحو ما في عيون الأخبار.
وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: وعن معمّر بن راشد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ نوحا لـمّا ركب السّفينة وخاف من الغرق، قال: أللّهمّ، إنّي أسألك بمحمّد وآل محمّد لـمّا أنجيتني [من الغرق](٨) . فنجّاه الله ـ عزّ وجلّ ـ. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٩) ، بإسناده إلى سهل بن زياد الآدميّ قال: حدّثني عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: سمعت عليّ بن محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ يقول: عاش نوح ـ عليه السّلام ـ ألفين وخمسمائة سنة. وكان يوما في السّفينة نائما، فهبّت الرّيح فكشفت عن عورته. فضحك حام ويافث، فزجرهما سام ـ عليه السّلام ـ ونهاهما عن
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «القلص» بدل «القلس و». والقلس: حبل للسفينة ضخم من ليف. وقيل: من غيره.
(٢) من المصدر.
(٣) بعض نسخ المصدر: أيقن.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: القلص واستمرّت.
(٥) الخصال / ٣٣٥، ضمن ح ٣٦.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) الاحتجاج ١ / ٥٥.
(٨) من المصدر.
(٩) العلل / ٣٢.
الضّحك. وكان كلّما غطى(١) سام شيئا تكشفه الرّيح، كشفه حام ويافث. فانتبه نوح فرآهم وهم يضحكون.
فقال: ما هذا؟
فأخبره سام بما كان.
فرفع نوح ـ عليه السّلام ـ يده إلى السّماء يدعو ويقول: أللّهمّ، غيّر ما في(٢) صلب حام حتّى لا يولد له ولد(٣) إلّا السّودان. أللّهمّ، غيّر ما في(٤) صلب يافث.
فغير الله ما في(٥) صلبيهما. فجميع السّودان حيث كانوا من حام، وجميع التّرك والسّقالب(٦) ويأجوج ومأجوج والصّين من يافث حيث كانوا، وجميع البيض سواهم من سام.
وقال نوح ـ عليه السّلام ـ لحام ويافث: جعل الله ذرّيّتكما خولا(٧) لذرّيّة سام إلى يوم القيامة، لأنّه برّني وعققتماني. فلا زالت سمة عقوقكما لي في ذرّيّتكما ظاهرة، وسمة البرّ بي في ذريّة سام ظاهرة ما بقيت الدّنيا.
( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) : كنعان.
وقرئ(٨) : «ابناه» على النّدبة، ولكونها حكاية سوّغ حذف الحرف.
وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) .
قال: إنّما في لغة طيء ابنه(١٠) بنصب الألف، يعني: ابن امرأته.
عن موسى(١١) ، عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) .
قال: ليس بابنه، إنّما هو ابن امرأته. وهو لغة طيئ، يقولون لابن امرأته: ابنه.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وكلّما كان غطى.
(٢) المصدر: «ماء» بدل «ما في».
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المصدر: «ماء» بدل «ما في».
(٥) المصدر: «ماء» بدل «ما في».
(٦) المصدر: السقالبة.
(٧) الخول ـ جمع الخولي ـ: بالعبيد والإماء.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٩.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٨، ح ٣٠.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابنيه.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٨، ح ٣١.
وفي مجمع البيان(١) : وروي عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وأبي جعفر، محمّد بن عليّ، وأبي عبد الله، جعفر بن محمّد ـ عليهم السّلام ـ:( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) . بفتح الهاء، على أنّ أصلها: ابنها، حذفت الألف.
وروي(٢) ـ أيضا ـ: ابنها. والضّمير على التّقديرين(٣) لامرأته.
( وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ) : عزل فيه نفسه عن أبيه، أو عن دينه. مفعل، للمكان. من عزله عنه: إذا أبعده.
( يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ) ، أي: في السّفينة.
والجمهور كسروا(٤) الياء، ليدلّ على ياء الإضافة المحذوفة، في جميع القرآن. غير ابن كثير فإنّه وقف عليها في لقمان في الموضع الأوّل باتّفاق الرّواة، وفي الثّالث في رواية قنبل وعاصم، فإنّه فتح هاهنا اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإضافة، واختلفت الرّواية عنه في سائر المواضع. وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو والكسائيّ وحفص، لتقاربهما.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول نوح ـ عليه السّلام ـ:( يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ) .
قال: ليس بابنه.
قال: قلت: إنّ نوحا قال:( يا بُنَيَ ) .
قال: فإنّ نوحا قال ذلك، وهو لا يعلم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: نظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم، فقال له:( يا بُنَيَّ ارْكَبْ ) (الآية).
( وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ) (٤٢): في الدّين والانعزال.
( قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ) : أن يغرقني.
وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى عليّ بن أبي حمزة: عن أبي نعيم، عن أبي
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٦٠.
(٢) تفسير الصافي ٣ / ٤٤٨.
(٣) ليس في المصدر: على التقديرين.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٩.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٩، ح ٣٢.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٢٧.
(٧) العلل / ٣١، ح ١.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ النّجف كان جبلا. وهو الّذي قال ابن نوح:( سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ) . ولم يكن على وجه الأرض جبل أعظم منه. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: يا جبل، أيعتصم بك منّي. فتقطّع قطعا [قطعا](١) إلى بلاد الشّام، وصار رملا رقيقا، وصار بعد ذلك بحرا. وكان يسمّى ذلك البحر: بحر «ني». ثمّ جفّ بعد ذلك، فقيل: ني جفّ(٢) فسمّي بنيجفّ. ثمّ صار النّاس بعد ذلك يسمّونه بنجف، لأنّه كان أخفّ على ألسنتهم.
وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : روى صفوان بن مهران الجمّال، عن الصّادق، جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ قال: سار وأنا معه في القادسيّة، حتّى أشرف على النّجف.
فقال: هو الجبل الّذي اعتصم به ابن جدّي نوح، فقال:( سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ) . فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: يا جبل، أيعتصم بك أحد منّي. فغار(٤) في الأرض، وتقطّع إلى الشّام.
( قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) : إلّا الرّاحم، وهو الله ـ تعالى ـ. أو الإمكان من رحمهم الله ـ تعالى ـ وهم المؤمنون. ردّ بذلك أن يكون اليوم معتصم(٥) من جبل ونحوه يعصم اللّائذ به، إلّا معتصم المؤمنين، وهو السّفينة.
وقيل(٦) : «لا عاصم»، يعني: لا ذا عصمة، كقوله:( فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) .
وقيل(٧) : الاستثناء(٨) منقطع، أي: لكن من رحمه الله يعصمه.
وقرئ: «إلّا من رحم»، على البناء للمفعول.
( وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ) : بين نوح وابنه. أو بين ابنه والجبل.
( فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) (٤٣): وصار من المهلكين بالماء.
( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) : نوديا بما ينادى به أولوا العلم وامرا بما يؤمرون به تمثيلا، لكمال قدرته وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما، بالآمر المطاع
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بنيجف.
(٣) الفقيه ٢ / ٣٥١، صدر ح ١٦١٢.
(٤) المصدر: «منّي أحد» بدل «أحد منّي فغار».
(٥) ب: المعتصم.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٩.
(٧) نفس المصدر والموضع.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: الاستئناف.
الّذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه.
و «البلع» النّشف. و «الإقلاع» الإمساك.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن إبراهيم بن أبي العلاء، عن غير واحد، عن أحدهما قال: لـمّا قال الله:( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) ، قال الأرض: إنّما أمرت أن أبلع مائي أنا فقط، ولم أؤمر أن أبلع ماء السّماء.
قال: فبلعت الأرض ماءها، وبقي ماء السّماء فصير بحرا [حول السّماء](٢) وحول الدّنيا.
عن عبد الرّحمن بن الحجّاج(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) .
قال: نزلت بلغة الهند، اشربي.
وفي رواية عبّاد(٤) ، عنه ـ عليه السّلام ـ:( يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) حبشيّة.
وفي عيون الأخبار(٥) ، بإسناده إلى عبد الله(٦) قال: قلت له: يا ابن رسول الله، لأيّ علّة أغرق الله ـ تعالى ـ الدّنيا كلّها في زمن نوح، وفيهم الأطفال وفيهم من لا ذنب له؟
فقال: ما كان فيهم الأطفال، لأنّ الله أعقم أصلاب قومه(٧) وأرحام نسائهم أربعين عاما فانقطع نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم. وما كان الله ـ تعالى ـ ليهلك بعذابه من لا ذنب له. وأمّا الباقون من قوم نوح ـ عليه السّلام ـ فاغرقوا لتكذيبهم لنبيّ الله نوح ـ عليه السّلام ـ. وسائرهم أغرق برضاهم بتكذيب المكذّبين. ومن غاب عن(٨) أمر فرضي به، كان كمن شهده وأتاه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : حدّثني أبي، عن صفوان، [عن أبي بصير](١٠) عن أبي
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٩، ح ٣٣.
(٢) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٤٩، ح ٣٤.
(٤) نفس المصدر والموضع ويوجد الرواية فيه بين المعقوفتين.
(٥) العيون ٢ / ٧٥، ح ٢.
(٦) المصدر: «عبد السّلام بن صالح الهروي عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ» بدل «عبد الله».
(٧) المصدر: قوم نوح.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: غلب في.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧.
(١٠) من المصدر.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ إهلاك قوم نوح، أعقم أرحام النّساء أربعين سنة فلم يولد(١) فيهم مولود.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَغِيضَ الْماءُ ) : نقص.
( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) : وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين.
( وَاسْتَوَتْ ) : واستقرّت السّفينة.
( عَلَى الْجُودِيِ ) : جبل بالموصل.
وقيل(٢) : بالشّام.
وقيل(٣) : بآمد(٤) .
( وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٤٤): هلاكا لهم.
يقال: بعد، بعدا وبعدا: إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عودة. ثمّ استعير للهلاك، وخصّ بدعاء السّوء.
والآية في غاية الفصاحة، لفخامة لفظها وحسن نظمها، والدّلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال.
وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنّه متعيّن في نفسه مستغن عن ذكره إذ لا يذهب الوهم إلى غيره. للعلم بإنّ مثل هذه الأفعال لا يقدر عليه سوى الواحد القهّار.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في حديث: ودارت السّفينة، وضربتها الأمواج حتّى وافت مكّة وطافت بالبيت. وغرق جميع الدّنيا، إلّا موضع البيت. وإنّما سمّي البيت العتيق، لأنّه أعتق من الغرق. فبقي الماء ينصبّ من السّماء أربعين صباحا ومن الأرض العيون، حتّى ارتفعت السّفينة فمسحت السّماء.
قال: فرفع نوح يده، فقال: يا رهمان اتقن. وفي(٦) تفسيرها: يا ربّ أحسن. فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ الأرض أن تبلع ماءها، [وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) ، أي: أمسكي.( وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ )
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلم يلد.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٦٩.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بآمل.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٢٨.
(٦) المصدر: «اخفرس» بدل «اتقن. وفي».
فبلعت الأرض ماءها](١) فأراد ماء السّماء أن يدخل في الأرض، فامتنعت الأرض [من](٢) قبولها، وقالت: إنّما أمرني الله أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الأرض، واستوت السفينة على جبل الجودي وهو بالموصل، جبل عظيم، فبعث الله ـ عزّ وجلّ ـ جبريل، فساق الماء إلى البحار حول الدنيا.
وفي تفسير العيّاشي(٣) عن أبي بصير، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال: يا [أبا](٤) محمّد، إنّ الله أوحى الى الجبال أنّي مهرق سفينة نوح على جبل منكنّ في الطوفان. فتطاولت، وشمخت، وتواضع جبل عندكم بالموصل يقال له: الجوديّ.
فمرّت السفينة تدور في الطوفان على الجبال كلّها حتّى أشرفت(٥) الى الجوديّ، فوقفت(٦) . فقال نوح: بارات قني، بارات قني(٧) .
قال: قلت: جعلت فداك أيّ شيء هذا الكلام.
فقال: أللّهمّ أصلح، أللّهمَّ أصلح.
عن أبي بصير(٨) عن أبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ قال: كان نوح في السّفينة، فلبث فيها ما شاء الله. وكانت مأمورة، فخلّى سبيلها نوح. فأوحى الله إلى الجبال: إنّي واضع سفينة عبدي نوح على جبل منكنّ. فتطاولت الجبال وشمخت غير الجوديّ، وهو جبل بالموصل. فضرب جؤجؤ(٩) السّفينة الجبل، فقال نوح عند ذلك: ربّ اتقن. وهو بالعربيّة: ربّ أصلح.
وروى كثير(١٠) النّوا(١١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: سمع نوح صرير السّفينة على الجوديّ، فخاف عليها. فأخرج رأسه من كوّة كانت فيها، فرفع يده وأشار بإصبعه ويقول: رهمان(١٢) اتقن. تأويلها: ربّ أحسن.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٠، ح ٣٧.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: انتهت.
(٦) المصدر: فوقعت.
(٧) هكذا في بعض نسخ المصدر، كما أشار إليه في هامشه وفيه: يا راتقي، يا راتقي.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٣٨.
(٩) جؤجؤ: صدر.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥١، ح ٣٩.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: النوى.
(١٢) بعض نسخ المصدر: ربعمان.
وفي تهذيب الأحكام(١) ، بإسناده إلى المفضّل بن عمر: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إلى نوح ـ عليه السّلام ـ وهو في السّفينة أن يطوف بالبيت أسبوعا. فطاف بالبيت، كما أوحى الله إليه. ثمّ نزل في الماء إلى ركبتيه، فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم ـ عليه السّلام ـ. فحمله في جوف السّفينة حتّى طاف ما شاء الله أن يطوف. ثمّ ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها، ففيها قال الله ـ تعالى ـ للأرض:( ابْلَعِي ماءَكِ ) . فبلعت ماءها من مسجد الكوفة، كما بدأ الماء منه، وتفرّق الجمع الّذي كان مع نوح ـ عليه السّلام ـ في السّفينة.
وفي مجمع البيان(٢) :( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) . قيل: إنّها لم تبتلع ماء السّماء لقوله:( ابْلَعِي ماءَكِ ) . وأنّ ماء السّماء صار بحارا وأنهارا. وهو المرويّ عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام ـ.
وفي أصول الكافي(٣) : أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن عليّ بن الحكم رفعه، إلى(٤) أبي بصير قال: دخلت على أبي الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ في السّنة الّتي قبض فيها أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقلت: جعلت فداك، ما لك ذبحت كبشا ونحر فلان بدنة؟
فقال: يا [أبا](٥) محمّد، إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ كان في السّفينة، وكان فيها ما شاء الله، وكانت السّفينة مأمورة فطافت بالبيت وهو طواف النّساء، وخلّى سبيلها نوح ـ عليه السّلام ـ. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى الجبال: إنّي واضع سفينة نوح [عبدي](٦) على جبل منكنّ. فتطاولت وشمخت وتواضع الجودي، وهو جبل عندكم. فضربت السّفينة بجؤجؤها الجبل.
قال: فقال نوح عند ذلك: يا بار(٧) اتقن. وهو بالسّريانيّة: ربّ أصلح.
قال: فظننت أنّ أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عرّض بنفسه.
وفي روضة الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام
__________________
(١) التهذيب ٦ / ٢٣، ضمن ح ٥١.
(٢) المجمع ٣ / ١٦٥.
(٣) الكافي ٢ / ١٢٤، ح ١٢.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.
(٥) من المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: يا ماري.
(٨) الكافي ٨ / ٢٨١، ضمن ح ٤٢٢ وهو عن أبي
الخراسانيّ، عن المفضّل بن عمر قال: قلت له: كم لبث نوح في السّفينة حتّى نضب [الماء](١) وخرجوا منها؟
فقال: لبثوا فيها سبعة أيّام ولياليها. فطافت بالبيت أسبوعا، ثمّ استوت على الجوديّ، وهو فرات الكوفة.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن الحسن بن صالح الثّوريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ سفينة نوح سعت بين الصّفا والمروة، وطافت بالبيت سبعة أشواط، ثمّ استوت على الجوديّ.
وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة قال: قال لي أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: إنّ سفينة نوح كانت مأمورة وطافت بالبيت [أسبوعا، ثمّ استوت على الجوديّ](٤) حيث غرقت الأرض، ثمّ أتت منى في أيّامها، ثمّ رجعت السّفينة وكانت مأمورة وطافت بالبيت طواف النّساء.
وفي تهذيب الأحكام(٥) : عليّ بن الحسن، عن محمّد بن عبد الله بن زرارة، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النّوا(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لزقت السّفينة يوم عاشوراء على الجوديّ، فأمر نوح ـ عليه السّلام ـ من معه من الجنّ والإنس أن يصوموا ذلك اليوم.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم [عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٨) قال: لـمّا ركب نوح ـ عليه السّلام ـ في السّفينة،( قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وفي مجمع البيان(٩) : ويروى أنّ كفّار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن، فعكفوا [على لباب البرّ ولحوم الضّأن وسلاف(١٠) الخمر أربعين يوما لتصفوا أذهانهم. فلمّا
__________________
عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٨ / ٢٨٣، ذيل ح ٤٢٦ بتصرّف في صدر المنقول هنا.
(٣) الكافي ٤ / ٢١٢، ح ١.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) التهذيب ٤ / ٣٠٠، صدر ح ٩٠٨.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: النوى.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥١، ح ٤٠.
(٨) من المصدر.
(٩) المجمع ٣ / ١٦٥.
(١٠) السلاف: ما تحلب وسال قبل العصر وهو أفضل الخمر.
أخذوا فيما أرادوا، سمعوا](١) هذه الآية. فقال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبه كلام المخلوقين(٢) . وتركوا ما أخذوا فيه، وافترقوا.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نوحا لـمّا كان أيّام الطّوفان، دعا مياه الأرض فأجابته ٢ إلّا الماء المرّ و [ماء](٤) الكبريت.
( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ ) : وأراد نداءه، بدليل عطف قوله:( فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) : فإنّه النّداء.
( وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ ) ، أي: كلّ وعد تعده حقّ، لا يتطرّق إليه الخلف. وقد وعدت أن تنجّي أهلي، فما حاله أو فما له لم ينج؟
ويجوز أن يكون هذا النّداء قبل غرقه.
( وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) (٤٥): لأنّك أعلمهم وأعدلهم، أو لأنّك أكثر حكمة من ذوي الحكم. على أنّ الحاكم من الحكمة، كالدّارع من الدّرع.
( قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) : لقطع الولاية بين المؤمن والكافر. وأشار إليه بقوله:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) : فإنّه تعليل لنفي كونه من أهله. وأصله: أنّه ذو عمل فاسد. فجعل ذاته ذات العمل، للمبالغة، كقول الخنساء تصف ناقة :
ترتاع ما رتعت(٥) حتّى إذا ادّكرت |
فإنّما هي إقبال وإدبار |
ثمّ بدّل الفاسد بغير الصّالح، تصريحا بالمناقضة بين وصفيهما، وانتفاء ما أوجب النّجاة لمن نجا من أهله.
وقرأ(٦) الكسائيّ ويعقوب: «إنّه عمل»، أي: عمل عملا غير صالح.
وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطّبرسيّ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عن الحسين بن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال
__________________
(١) ليس في ب.
(٢) المصدر: هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين.
(٣) الخصال / ٥٢، ح ٦٧.
(٤) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٠: «ترتع ما غفلت» بدل «ترتاع ما رتعت».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٠.
(٧) الاحتجاج ١ / ٣١٤.
لأمير المؤمنين فهذا نوح ـ عليه السّلام ـ صبر في ذات الله ـ عزّ وجلّ ـ وأعذر قومه إذ كذّب.
قال له عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ صبر في ذات الله، فأعذر(١) قومه إذ كذّب وشرّد وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا(٢) ناقة [وشاة](٣) . فأوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى جابيل ملك الجبال: أن شقّ الجبال وانته إلى أمر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فأتاه فقال له: إنّي أمرت لك بالطّاعة، فإن أمرت أن أطبقت عليهم الجبال فأهلكتهم بها.
قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّما بعثت رحمة، ربّ اهد(٤) أمّتي فإنّهم لا يعلمون.
ويحك يا يهوديّ، إنّ نوحا لـمّا شاهد غرق قومه رقّ عليهم رقّة القرابة(٥) وأظهر عليهم شفقة، فقال( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) .
فقال الله ـ تبارك وتعالى اسمه ـ:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) .
أراد ـ جلّ ذكره ـ أن يسلّيه بذلك. ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا غلبت عليه(٦) من قومه المعاندة، شهر عليهم سيف النّقمة ولم تدركه فيهم رقّة القرابة ولم ينظر إليهم بعين رحمة(٧) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وعن أمير المؤمنين(٨) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ مجيبا لبعض الزّنادقة ـ وقد قال: وأجده قد شهر هفوات أنبيائه بتكذيبه نوحا لـمّا قال:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) بقوله:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) ـ: وأمّا هفوات الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ وما بيّنه الله في كتابه [ووقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمه الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم](٩) ، فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة الله الباهرة وقدرته القاهرة(١٠)
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: إذ أعذر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: سبل. والسّلى: غشاء رقيق يحيط بالجنين، ويخرج معه من بطن أمّه.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ربّي على» بدل «ربّ اهد».
(٥) المصدر: القربة.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «علنت» بدل «غلبت عليه».
(٧) كذا في المصدر وفي ب: مقامه. وفي سائر النسخ: مقه.
(٨) الاحتجاج ١ / ٣٦٥ و ٣٧٠.
(٩) من المصدر.
وعزته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ تكبر في صدور أممهم(١) وأنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على تخلّفهم عن الكمال الّذي تفرّد به ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي مجمع البيان(٢) : وروى عليّ بن مهزيار، عن الحسن(٣) بن عليّ الوشّاء، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ قال لنوح ـ عليه السّلام ـ:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) . لأنّه كان مخالفا له، وجعل من اتّبعه من أهله.
وفي كتاب الغيبة(٤) لشيخ الطّائفة، بإسناده إلى إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ ـ رحمه الله ـ أن يوصل لي كتابا، قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ.
فورد التّوقيع بخطّ مولانا صاحب الدّار ـ عليه السّلام ـ: أمّا ما سألت عنه، أرشدك الله وثبّتك الله(٥) من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنّه ليس بين الله ـ عزّ وجلّ ـ وبين أحد قرابة. ومن أنكرني، فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح.
وفي عيون الأخبار(٦) : حدّثنا أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: قال أبي ـ عليه السّلام ـ [قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٧) : إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال [لنوح](٨) : «( يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) . لأنّه كان مخالفا له. وجعل من اتّبعه من أهله. [قال](٩) .
وسألني: كيف يقرءون(١٠) هذه الآية في ابن نوح؟
فقلت: يقرأها(١١) النّاس على وجهين: إنّه عمل غير صالح. وإنّه عمل غير صالح.
فقال: كذبوا، هو ابنه ـ ولكن الله ـ عزّ وجلّ ـ نفاه عنه حين خالفه في دينه.
__________________
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: الطاهرة.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: صدورهم.
(٢) المجمع ٣ / ١٦٧.
(٣) أ، ب: الحسين.
(٤) الغيبة / ١٧٦.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) العيون ٢ / ٧٥ ـ ٧٦، ح ٣.
(٧ و ٨ و ٩) من المصدر.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفسّرون.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفسّرونها.
وفي باب(١) ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون، في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل. يقول فيه الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أما علمتم أنّه وقعت الوراثة والطّهارة على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟
قالوا: من أين، يا أبا الحسن؟
فقال: من قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ، فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) (٢) . فصارت وراثة النّبوّة والكتاب للمهتدين دون الفاسقين. أما علمتم أنّ نوحا حين سأل ربّه ـ عزّ وجلّ ـ:( فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) . وذلك أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ وعده أن ينجّيه وأهله فقال ربّه ـ عزّ وجلّ ـ:( يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .
وفي باب(٣) قول الرّضا ـ عليه السّلام ـ لأخيه، زيد بن موسى حين افتخر على من في مجلسه، بإسناده إلى الحسن بن موسى [بن علي](٤) الوشّاء البغداديّ قال: كنت بخراسان مع عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ في مجلسه وزيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم، ويقول: نحن [ونحن](٥) . وأبو الحسن ـ عليه السّلام ـ مقبل على قوم يحدّثهم. فسمع مقالة زيد، فالتفت إليه.
فقال: يا زيد، أغرّك [قول](٦) ناقلي الكوفة: إنّ فاطمة أحصنت فرجها، فحرّم الله ـ تعالى ـ ذرّيّتها على النّار؟ فو الله، ما ذاك إلّا للحسن والحسين وولد بطنها خاصّة.
فأمّا أن يكون موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ يطيع الله ويصوم نهاره ويقوم ليله وتعصيه أنت، ثمّ تجيئان يوم القيامة سواء، لأنت أعزّ على الله ـ عزّ وجلّ ـ منه. إنّ عليّ بن ـ عليهما السّلام ـ كان يقول: كان(٧) لمحسننا كفلان من الأجر، ولمسيئنا ضعفان من العذاب.
قال الحسن الوشّاء: ثمّ التفت إليّ فقال لي: يا حسن، كيف تقرءون هذه الآية( قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) ؟
فقلت: من النّاس من يقرأ: إنّه عمل غير صالح. ومنهم من يقرأ: إنّه عمل غير
__________________
(١) العيون ١ / ٢٣٠.
(٢) الحديد / ٢٦.
(٣) العيون ٢ / ٢٣٢، ح ١.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
صالح. فمن قرأ إنّه عمل غير صالح، فقد نفاه عن أبيه.
فقال ـ عليه السّلام ـ: كلّا، لقد كان ابنه. ولكن لـمّا عصى الله ـ عزّ وجلّ ـ نفاه عن أبيه، كذا من كان منّا لم يطع الله ـ عزّ وجلّ ـ فليس منّا. وأنت إذا أطعت الله، فأنت منّا من(١) أهل البيت.
حدّثنا(٢) محمّد بن عليّ ماجيلويه ـ رحمه الله ـ ومحمّد بن موسى المتوكّل وأحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ ـ رضي الله عنه(٣) ـ قالوا: حدّثنا عليّ بن إبراهيم قال: حدّثني ياسر، أنّه خرج زيد بن موسى، أخو أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ بالمدينة وأحرق وقتل.
وكان يسمّى: زيد النّار. فبعث إليه المأمون، فأسر وحمل إلى المأمون.
فقال المأمون: اذهبوا به إلى أبي الحسن.
قال ياسر: فلمّا دخل إليه، قال له أبو الحسن الرّضا: يا زيد، أغرّك قول سفلة أهل الكوفة: إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ـ تعالى ـ ذرّيّتها على النّار؟ ذلك للحسن والحسين ـ عليهما السّلام ـ خاصّة. إن كنت ترى أنّك تعصي الله ـ تعالى ـ وتدخل الجنّة، وموسى بن جعفر أطاع الله ودخل الجنّة، فأنت إذا أكرم على الله من موسى بن جعفر. والله، ما ينال أحد ما عند الله إلّا بطاعته وزعمت أنّك تناله بمعصيته، فبئس ما زعمت.
فقال له زيد: أنا أخوك وابن أبيك.
فقال له أبو الحسن: أنت أخي ما أطعت الله ـ عزّ وجلّ ـ. إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ قال:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) . فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) . فأخرجه الله ـ عزّ وجلّ ـ من أن يكون من أهله بمعصيته.
( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) : ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك.
وإنّما سمّي نداءه: سؤالا، لتضمّن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده، أو استفسار المانع للإنجاز في حقّه.
وإنّما سمّاه: جهلا وزجر عنه بقوله:( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) (٤٦). لأنّ استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دلّه على الحال وأغناه
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) العيون ٢ / ٢٣٤، ح ٤.
(٣) المصدر: عنهم.
عن السّؤال، لكن أشغله حبّ الولد عنه حتّى اشتبه الأمر عليه.
وقرأ(١) ابن كثير، بفتح اللّام والنّون الشّديدة. وكذا نافع وابن عامر، غير أنّهما كسرا النّون، على أنّ أصله: تسألني. بحذف نون الوقاية، لاجتماع النّونات. وكسرت الشّديدة للياء ثمّ حذفت، اكتفاء بالكسرة.
وعن نافع(٢) ، إثباتها، برواية ورش(٣) في الوصل.
( قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ) : فيما يستقبل.
( ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) : ما لا علم لي بصحّته.
( وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ) : وإن لم تغفر لي ما فرط منّي من السّؤال.
( وَتَرْحَمْنِي ) : بالتّوبة والتّفضّل عليّ.
( أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) (٤٧): أعمالا. قاله على سبيل الخضوع لله والتّذلّل له والاستكانة.
( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا ) : انزل من السّفينة مسلّما من المكاره محفوظا من جهتنا. أو مسلّما عليك.
( وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ ) : ومباركا عليك. أو زيادات في نسلك حتّى تصير آدما ثانيا.
وقرئ(٤) : «اهبط» بالضّمّ. «وبركة» على التّوحيد: وهي الخير النّامي.
( وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) : وعلى أمم هم الّذين معك. سمّوا: أمما، لتحزّبهم.
أو تشعّب الأمم منهم. أو على أمم ناشئة ممّن معك، والمراد بهم: المؤمنون. لقوله:( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) : أي: وممّن معك أمم سنمتّعهم في الدّنيا.
( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٤٨): في الآخرة. والمراد بهم: الكفّار من ذرّيّة من معه.
وقيل(٥) : هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب. والعذاب، ما نزل بهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٠.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: رويس.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٠.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧ و ٢٣٨.
عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أراد الله ـ عزّ وجلّ ـ هلاك قوم نوح ـ عليه السّلام ـ. وذكر حديثا طويلا.
وفي آخره: وأنزل الله على نوح ـ عليه السّلام ـ( يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) . فنزل نوح بالموصل من السّفينة، وبنوا مدينة الثّمانين. وكانت لنوح ابنة ركبت معه السّفينة، فتناسل النّاس منها. وذلك قول النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: نوح أحد الأبوين.
وفي كتاب الخصال(١) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا هبط نوح ـ عليه السّلام ـ من السّفينة، أتاه إبليس عليه اللّعنة فقال: ما في الأرض [رجل](٢) أعظم منّة عليّ منك، دعوت [الله](٣) على هؤلاء الفسّاق فأرحتني منهم. ألا أعلّمك خصلتين: إيّاك والحسد، فهو الّذي عمل بي ما عمل. وإيّاك والحرص، فهو الّذي عمل بآدم ما عمل.
وفي الكافي(٤) : عنه، عن القاسم بن(٥) الرّيّان، عن أبان بن عثمان، عن موسى بن العلاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا حسر الماء عن عظام الموتى فرأى ذلك نوح ـ عليه السّلام ـ، جزع جزعا شديدا واغتمّ لذلك.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ: هذا عملك بنفسك، أنت دعوت عليهم.
فقال: يا ربّ، إنّي أستغفرك وأتوب إليك.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: أن كل العنب الأسود، ليذهب غمّك.
( تِلْكَ ) : إشارة إلى قصّة نوح. ومحلّها الرّفع بالابتداء، وخبرها( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ) ، أي: بعضها.
( نُوحِيها إِلَيْكَ ) : خبر ثان. والضّمير لها، أي: موحاة إليك. أو حال من الأنباء. أو هو الخبر «ومن أنباء» متعلّق به. أو حال من «الهاء» في «نوحيها».
( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) : خبر آخر، أي: مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك. أو حال من «الهاء» في «نوحيها»، أو «الكاف» في «إليك»، أي: جاهلا أنت وقومك بها.
__________________
(١) الخصال / ٥٠ ـ ٥١، ح ٦١.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) الكافي ٦ / ٣٥٠، ح ٢.
(٥) ليس في المصدر.
وفي ذكرهم تنبيه على أنّه لم يتعلّمها إذ لم يخالط(١) غيرهم، وأنّهم مع كثرتهم لـمّا لم يسمعوها فكيف بواحد منهم.
( فَاصْبِرْ ) : على مشاقّ الرّسالة وأذيّة القوم، كما صبر نوح ـ عليه السّلام ـ.
( إِنَّ الْعاقِبَةَ ) : في الدّنيا بالظّفر، وفي الآخرة بالفوز.
( لِلْمُتَّقِينَ ) (٤٩): عن الشّرك والمعاصي.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٢) ، بإسناده إلى عبد الحميد بن أبي الدّيلم: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: بقي نوح بعد النّزول من السّفينة خمسين سنة. ثمّ أتاه جبرئيل، فقال له: يا نوح، قد انقضت(٣) نبوّتك واستكملت أيّامك، فانظر الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النّبوّة الّتي معك فادفعها إلى ابنك سام.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي روضة الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: عاش نوح ـ عليه السّلام ـ ألفي سنة وثلاثمائة سنّة. منها ثمانمائة سنة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلّا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم، وهو(٥) خمسمائة عام بعد ما نزل من السّفينة ونضب الماء. فمصّر الأمصار واسكن ولده البلدان، ثمّ أنّ ملك الموت جاءه وهو في الشّمس.
فقال: السّلام عليك.
فردّ عليه نوح ـ عليه السّلام ـ فقال: ما جاء بك، يا ملك الموت.
فقال: جئتك لأقبض روحك.
قال: دعني أدخل من الشّمس إلى الظّل.
فقال له: نعم.
فتحوّل، ثمّ قال: يا ملك الموت، كلّ ما مرّ بي من الدّنيا، مثل تحويلي من الشّمس إلى الظّل، فامض لما أمرت به.
فقبض روحه.
__________________
(١) أ، ب، ر: يتخالط.
(٢) كمال الدين / ١٣٤ ـ ١٣٥، صدر ح ٣.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: انقظت.
(٤) الكافي ٨ / ٢٨٤، ح ٤٢٩.
(٥) ليس في المصدر.
وعنه(١) ـ عليه السّلام ـ: عاش نوح بعد الطّوفان خمسمائة عام. ثمّ أتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ.
فقال: يا نوح، إنّه قد انقضت نبوّتك واستكملت أيّامك. فانظر إلى الاسم الأكبر [وميراث العلم](٢) وآثار علم النّبوّة الّتي معك، فادفعها إلى ابنك سام. فإنّي لا أترك الأرض إلّا وفيها عالم تعرف به طاعتي، ويعرف به هداي، وتكون النجاة فيما بين مقبض النّبيّ ومبعث النّبيّ الآخر. ولم أكن أترك النّاس بغير حجّة لي، وداع إليّ، وهاد إلى سبيلي، وعارف بأمري. فإنّي قد قضيت أن أجعل لكلّ قوم هاديا أهدي به السّعداء، ويكون حجّة لي على الأشقياء.
قال: فدفع نوح ـ عليه السّلام ـ الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النّبوّة إلى سام. وأمّا حام ويافث، فلم يكن عندهما علم ينتفعان به.
قال: وبشّرهم نوح بهود، وأمرهم باتّباعه، وأمرهم أن يفتحوا الوصيّة في كلّ عام وينظروا فيها ويكون عيدا لهم.
( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ ) ، أي: أحدهم.
( هُوداً ) : عطف على قوله:( نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) .
«وهودا» عطف بيان.
( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ) : وحده.
( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) .
وقرئ(٣) ، بالجرّ، حملا على المجرور وحده.
( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ) (٥٠): على الله، باتّخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء.
( يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ) : خاطب كلّ رسول به قومه، إزاحة للتّهمة وتمحيضا للنّصيحة. فإنّها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع.
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (٥١): أفلا تستعملون عقولكم، فتعرفوا المحقّ من المبطل
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٨٥، ح ٤٣٠.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧١.
والصّواب من الخطأ.
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون، في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل. وفيه قالت العلماء له(٢) : فأخبرنا، هل فسّر الله ـ تعالى ـ الاصطفاء في الكتاب؟
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا وموضعا. فأوّل ذلك ـ إلى قوله ـ: والآية السّادسة قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٣) . وهذه خصوصيّة للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى يوم القيامة، وخصوصيّة للآل دون غيرهم. وذلك أنّ الله ـ تعالى ـ حكى ذكر نوح ـ عليه السّلام ـ في كتابه:( يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) (٤) . وحكى ـ عزّ وجلّ ـ عن هود ـ عليه السّلام ـ أنّه قال:( لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي، أَفَلا تَعْقِلُونَ ) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ لنبيّه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قل يا محمّد:( لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) . ولم يفرض الله ـ تعالى ـ مودّتهم إلّا وقد علم أنّهم لا يرتدّون عن الدّين أبدا، ولا يرجعون إلى الضّلال بعد الإيمان(٥) .
( وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) : اطلبوا مغفرة الله بالإيمان، ثمّ توسّلوا إليها بالتّوبة، وأيضا التّبرّي من الغير إنّما يكون بعد الإيمان والرّغبة فيما عنده.
( يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) : كثير الدّرّ.
( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ) : يضاعف قوّتكم.
قيل(٦) : إنّما رغّبهم بكثرة المطر وزيادة القوّة، لأنّهم كانوا أصحاب زروع وعمارات.
وقيل(٧) : حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث(٨) سنين. فوعدهم هود ـ عليه السّلام ـ على الإيمان والتّوبة بكثرة الأمطار، وتضاعف القوّة بالتّناسل.
__________________
(١) العيون ١ / ٢٣١ و ٢٣٣ ـ ٢٣٤.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) الشورى / ٢٠.
(٤) هود / ٢٩.
(٥) المصدر: «ضلال أبدا» بدل «الضلال بعد الإيمان».
(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٧١.
(٨) المصدر: ثلاثين سنة.
( وَلا تَتَوَلَّوْا ) : ولا تعرضوا عمّا أدعوكم إليه.
( مُجْرِمِينَ ) (٥٢): مصرّين على إجرامكم.
( قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ) : بحجّة تدلّ على صحّة دعواك. وهو كذب وجحود، لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات.
( وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا ) : بتاركي عبادتهم.
( عَنْ قَوْلِكَ ) : صادرين عن قولك. حال من الضّمير في «تاركي».
( وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) (٥٣): إقناط له من الإجابة والتّصديق.
( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ ) : ما نقول إلّا قولنا: اعتراك، أي: أصابك. من عراه يعروه: إذا أصابه.
( بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ) : بجنون، لسبّك إيّاها وصدّك عنها. ومن ذلك تهذي وتتكلّم بالخرافات.
والجملة مفعول القول، وإلّا لا عمل لها لأنّ الاستثناء مفرغ.
( قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) (٥٤)( مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) (٥٥): أجاب به عن مقالتهم الحمقاء، بأن أشهد الله ـ تعالى ـ على براءته من آلهتهم وفراغه عن إضرارهم، تأكيدا لذلك وتثبيتا له. وأمرهم بأن يشهدوا عليه، استهانة بهم، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار. حتّى إذا اجتهدوا فيه، ورأوا أنّهم عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشدّاء أن يضرّوه، لم يبق شبهة أنّ آلهتهم الّتي هي جماد لا تضرّ ولا تتمكن من إضراره.
وهذا من جملة معجزاته، فإنّ مواجهة الواحد الجمّ الغفير من الجبابرة العتاة العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلّا لثقته بالله، وتثبّطهم عن إضراره ليس إلّا بعصمته إيّاه. ولذلك عقّبه بقوله:( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ) : تقريرا له.
والمعنى: أنّكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضرّوني. فإنّي متوكّل على الله واثق بكلاءته، وهو مالكي ومالككم، لا يحيق بي ما لم يرده، ولا تقدرون على ما لم يقدّره.
ثمّ برهن عليه بقوله:( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ) ، أي: إلّا هو مالك لها قادر عليها، يصرّفها على ما يريد بها.
و «الأخذ بالنّواصي» تمثيل لذلك.
( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٥٦)، أي: إنّه على الحقّ والعدل، فلا يضيع
عنده معتصم ولا يفوته ظالم.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ، يعني: أنّه على حقّ، يجزي بالإحسان إحسانا وبالسّيء سيّئا، ويعفو عمّن يشاء ويغفر ـ سبحانه وتعالى ـ.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : فإن تتولّوا.
( فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ) : فقد أدّيت ما عليّ من الإبلاغ وإلزام الحجّة، فلا تفريط منّي ولا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.
( وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ) : استئناف بالوعيد لهم، بأنّ الله يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم. أو عطف على الجواب بالفاء، ويؤيّده القراءة بالجزم على الموضع، وكأنّه قيل: فإن تتولّوا يعذرني ويستخلف.
( وَلا تَضُرُّونَهُ ) : بتولّيكم.
( شَيْئاً ) : من الضّرر. ومن جزم «يستخلف»، أسقط النّون منه.
( إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) (٥٧): رقيب، فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضرّه شيء.
( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) : عذابنا، أو أمرنا بالعذاب.
( نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) .
قيل(٢) : كانوا أربعة آلاف.
( وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) (٥٨): تكرير نجّاهم منه.
قيل: هو السّموم، كانت تدخل من أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم، فتقطّع أعضاءهم.
أو المراد به: تنجيتهم من عذاب الآخرة ـ أيضا ـ. ولتعريض بأنّ المهلكين، كما عذّبوا في الدّنيا بالسّموم فهم معذّبون في الآخرة بالعذاب الغليظ.
( وَتِلْكَ عادٌ ) أنّث اسم الإشارة باعتبار القبيلة. أو لأنّ الإشارة إلى قبورهم وآثارهم.
( جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ) : كفروا بها.
( وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) : لأنّهم عصوا رسولهم. ومن عصى رسولا، فكأنّما عصى الكلّ.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥١، ح ٤٢.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٢.
لأنّهم أمروا بطاعة كلّ رسول.
( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (٥٩)، يعني: كبراءهم الطّاغين.
و «عنيد» من عند، عندا، وعندا، وعنودا: إذا طغى.
والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم.
( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، أي: جعلت اللّعنة تابعة لهم في الدّارين، تكبّهم في العذاب.
( أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) : جحدوه. أو كفروا نعمه. أو كفروا به، فحذف الجارّ.
( أَلا بُعْداً لِعادٍ ) : دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به: الدّلالة على أنّهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكى عنهم. وإنما كرّر «ألا» وأعاد ذكرهم، تفظيعا لأمرهم وحثّا على الاعتبار بحالهم.
( قَوْمِ هُودٍ ) (٦٠): عطف بيان «لعاد». وفائدته تمييزهم عن عاد الثّانية، عاد إرم. والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: إنّ عادا كانت بلادهم في البادية من الشقيق(٢) إلى الأجفر أربعة منازل. وكان لهم زرع ونخيل كثير، ولهم أعمار طويلة وأجسام طويلة، فعبدوا الأصنام. وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد، فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه، فكفّت السّماء عنهم سبع سنين حتّى قحطوا. وكان هود زرّاعا. وكان يسقي الزّرع، فجاء قوم إلى بابه يريدونه، فخرجت عليهم امرأة شمطاء عوراء.
فقالت: من أنتم؟
فقالوا: نحن من بلاد كذا وكذا، أجدبت بلادنا، فجئنا إلى هود نسأله أن يدعو الله حتّى نمطر(٣) وتخصب بلادنا.
فقالت: لو استجيب(٤) لهود لدعا لنفسه، فقد احترق زرعه لقلّة الماء.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٩ ـ ٣٣٠.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: المشرق. والشقيق والأجفر: منزلان بطريق مكة.
(٣) المصدر: تمطر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: استجيبت.
قالوا: فأين هود؟
قالت: هو في موضع كذا وكذا.
فجاءوا إليه، فقالوا: يا نبيّ الله، قد أجدبت بلادنا ولم نمطر(١) ، فاسأل الله أن يخصب بلادنا ونمطر(٢) .
فتهيّأ للصّلاة، وصلّى ودعا لهم.
فقال لهم: ارجعوا، فقد أمطرتم(٣) وأخصبت بلادكم.
فقالوا: يا نبيّ الله، إنّا رأينا عجبا.
قال: وما رأيتم؟
قالوا: رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء، قالت لنا: من أنتم، وما تريدون؟ فقلنا: جئنا إلى هود، ليدعو الله لنا فنمطر. فقالت: لو كان هود داعيا لدعا لنفسه، فإنّ زرعه قد احترق.
فقال هود: تلك(٤) أهلي، وأنا أدعو الله لها بطول البقاء.
فقالوا: وكيف ذلك؟
قال: لأنّه ما خلق الله مؤمنا إلّا وله عدوّ يؤذيه، وهي عدوّتي. فلئن يكون عدوّي ممّن أملكه خير من أن يكون عدوّي ممّن يملكني.
فبقى هود في قومه يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى تخصب(٥) بلادهم. وأنزل الله عليهم المطر، وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) (الآيات). فلمّا لم يؤمنوا، أرسل الله عليهم الرّيح الصّرصر [يعني: الباردة](٦) . وهو قوله في سورة القمر(٧) :( كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ، إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ) (٨) . وحكى في سورة الحاقّة، فقال:( وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) (٩) .
__________________
(١ و ٢) المصدر: تمطر.
(٣) ب: مطرتم.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «هو ذاك» بدل «هود تلك».
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أخصبت.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: «اقتربت» بدل «القمر».
(٨) القمر / ١٨ ـ ١٩.
(٩) الحاقة / ٦ ـ ٧.
قال: كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيّام.
قال: فحدّثني(١) أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: الرّيح العقيم تخرج من تحت الأرضين السّبع. وما خرج منها شيء قطّ إلّا على قوم عاد، حين غضب الله عليهم. فأمر الخزّان أن يخرجوا منها، مثل سعة الخاتم. فعصت على الخزنة، فخرج منها، مثل مقدار منخر الثّور تغيّظا منها على قوم عاد. فضجّ الخزنة إلى الله من ذلك.
فقالوا: يا ربّنا، إنّها قد عصت(٣) علينا، ونحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك وعمّار بلادك.
فبعث الله جبرئيل فردّها بجناحه، وقال لها: اخرجي على ما أمرت به.
فخرجت(٤) على ما أمرت به، فأهلكت(٥) قوم عاد ومن كان بحضرتهم.
( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) : هو كوّنكم منها لا غيره. فإنّه خلق آدم وموادّ النّطف الّتي خلق نسله منها من التّراب.
( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ) : عمّركم واستبقاكم. من العمر. أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها.
وقيل(٦) : هو من العمرى، بمعنى: أعمركم فيها دياركم، ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم. أو جعلكم معمّرين دياركم تسكنونها مدّة عمركم، ثمّ تتركونها لغيركم.
فعلى الأوّل «استعمر»، بمعنى: أعمر. وعلى الثّاني، بمعنى: جعلك معمّرا.
جاز في الاستفعال الوجهان.
( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ) : قريب الرّحمة.
( مُجِيبٌ ) (٦١): لداعيه.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٢٩ ـ ٣٣٠.
(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٢٤٦ وفي النسخ: خربوز.
(٣) المصدر: عتت.
(٤) المصدر: فرجعت وخرجت.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأهلك.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٣.
( قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا ) : لما نرى فيك من مخايل الرّشد والسّداد، أن تكون لنا سيّدا ومستشارا في الأمور، وأن توافقنا في الدّين. فلمّا سمعنا هذا القول منك، انقطع رجاؤنا عنك.
( أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) : على حكاية الحال الماضية.
( وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ) : من التّوحيد، والتّبرّؤ عن الأوثان.
( مُرِيبٍ ) (٦٢): موقع في الرّيبة. من أرابه. أو ذي ريبة، على الإسناد المجازيّ. من أراب في الأمر.
( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) : بيان وبصيرة. وحرف الشّكّ باعتبار المخاطبين.
( وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) : نبوّة.
( فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ ) : فمن يمنعني من عذابه.
( إِنْ عَصَيْتُهُ ) : في تبليغ رسالته، والمنع عن الإشراك به.
( فَما تَزِيدُونَنِي ) : إذن باستتباعكم إيّاي.
( غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) (٦٣): غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله والتّعرّض لعذابه.
أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران.
( وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) انتصب «آية» على الحال، وعاملها معنى الإشارة. و «لكم» حال منها تقدّمت عليها، لتنكيرها.
( فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ ) : ترع نباتها وتشرب ماءها.
( وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ) (٦٤): عاجل. لا يتراخى عن مسّكم لها بالسّوء إلّا يسيرا، وهو ثلاثة أيّام.
( فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ) : عيشوا في منازلكم، أو في داركم الدّنيا.
وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما يسأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة حديث طويل. وفيه: ثمّ قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيّرنا منه وثقله منه(٢) ، وأيّ أربعاء
__________________
(١) العيون ١ / ٢٤٧.
(٢) ليس في المصدر.
هو؟
قال آخر أربعاء في الشّهر وهو المحاق، وفيه قتل قابيل أخاه ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ: ويوم الأربعاء عقروا النّاقة.
( ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) : الأربعاء والخميس والجمعة، ثمّ تهلكون.
( ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (٦٥)، أي: غير مكذوب فيه. فاتسع بإجرائه مجرى المفعول به: كقوله :
ويوما شهدناه سليما وعامرا
أو غير مكذوب على المجاز، وكأنّ هذا الواعد قال له: أفي بك، فإن وفى به صدّقه وإلّا كذّبه.
أو وعد غير كذب، على أنّه مصدر، كالمجلود والمعقول.
وفي مجمع البيان(١) : وروى جابر بن عبد الله الأنصاريّ، أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّا نزل الحجر في غزوة تبوك قام فخطب النّاس، وقال: يا أيّها النّاس، لا تسألوا نبيّكم الآيات. فهؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث لهم النّاقة، فكانت ترد من هذا الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها ويحلبون من لبنها، مثل الّذي كانوا يشربون من مائها يوم غبّها(٢) . فعتوا عن أمر ربّهم( فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) فذلك وعد من الله غير مكذوب. ثمّ جاءتهم الصّيحة، فأهلك الله من كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم، إلّا رجلا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله ـ تعالى ـ يقال له: أبو رغال(٣) .
قيل: يا رسول الله، من أبو رغال؟
قال: أبو ثقيف.
( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ) ، أي: ونجّيناهم من خزي يومئذ. وهو هلاكهم بالصّيحة، أو ذلّهم وفضيحتهم يوم القيامة.
وعن نافع(٤) والكسائيّ، هنا وفي المعارج، في قوله: «من عذاب يومئذ» بالفتح ،
__________________
(١) المجمع ٣ / ١٧٥.
(٢) الغبّ: من أوراد الإبل، أن ترد الماء يوما وتدعه يوما ثمّ تعود.
(٣) نور الثقلين ٢ / ٣٧٤، ح ١٥١: أبو زعال.
على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه.
( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (٦٦): القادر على كلّ شيء والغالب عليه.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن أبي عبد الله، رفعه إلى أبي هاشم الجعفريّ قال: كنت عند أبي جعفر الثّاني ـ عليه السّلام ـ. فسأله رجل، فقال: أخبرني عن الرّبّ ـ تبارك وتعالى ـ له أسماء وصفات في كتابه، وأسماؤه وصفاته هي هو(٢) ؟
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ لهذا الكلام وجهين.
ـ إلى قوله ـ: وكذلك سمّينا ربّنا قويّا، لا بقوّة البطش المعروف من المخلوق. ولو كانت قوته [قوة](٣) البطش المعروف من المخلوق، لوقع التّشبيه ولاحتمل الزّيادة. وما احتمل الزيادة، احتمل(٤) النقصان. وما كان ناقصا، [كان](٥) غير قديم. وما كان غير قديم، كان عاجزا.
( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) (٦٧): ميّتين.
( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) : كأن لم يقيموا فيها أحياء. وتمام القصّة قد سبق في سورة الأعراف.
( أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) .
نوّنه أبو بكر، ها هنا، وفي النّجم. والكسائي في جميع القرآن. وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو في قوله: «( أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ) (٦٨). ذهابا إلى الحيّ، أو الأب الأكبر.
وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه قصّة صالح ـ عليه السّلام ـ وقوله. وفيه قال: يا قوم، [إنّكم](٧) تصبحون
__________________
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(١) الكافي ١ / ١١٦ و ١١٧ صدر وقطعة من ح ٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: هي.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «احتمال» بدل «وما احتمل الزيادة احتمل».
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٨ / ١٨٨ ـ ١٨٩، ذيل ح ٢١٤.
(٧) من المصدر.
غدا ووجوهكم مصفرّة، واليوم الثّاني ووجوهكم محمرّة، واليوم الثّالث ووجوهكم مسودّة.
فلمّا أن كان أوّل يوم، أصبحوا ووجوههم مصفرّة. فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لا نسمع قول صالح، ولا نقبل قوله وإن كان عظيما.
فلمّا كان اليوم الثّاني، أصبحت وجوههم محمّرة. فمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: يا قوم، قد جاءكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: لو أهلكنا(١) جميعا، ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا الّتي كان آباؤنا يعبدونها.
ولم يتوبوا، ولم يرجعوا. فلمّا كان اليوم الثّالث، أصبحوا ووجوههم مسوّدة. فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: يا قوم، أتاكم ما قال لكم صالح.
فقال العتاة منهم: قد أتانا ما قال لنا صالح.
فلمّا كان نصف اللّيل، أتاهم جبرئيل، فصرخ بهم صرخة خرقت تلك الصّرخة أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم. وقد كانوا في تلك الثّلاثة أيّام قد تحنّطوا وتكفّنوا، وعلموا أنّ العذاب نازل بهم. فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم، فلم يبق لهم ناعقة ولا راغية(٢) ولا شيء إلّا أهلكه الله. فأصبحوا في ديارهم وكانوا في(٣) مضاجعهم موتى أجمعين، ثمّ أرسل الله عليهم مع الصّيحة النّار من السّماء، فأحرقهم أجمعين.
( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ ) ، يعني: الملائكة.
قيل(٤) : كانوا تسعة.
وقيل(٥) : كانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل.
وفي مجمع البيان(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قيل: كانوا أربعة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وكروبيل.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «إن هلكنا».
(٢) كذا في المصدر وفي النسخ: ناعية ولا داعية.
(٣) ليس في المصدر: كانوا في.
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(٦) المجمع ٣ / ١٧٩.
( بِالْبُشْرى ) .
قيل(١) : بهلاك قوم لوط.
وفي مجمع البيان(٢) ، وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ هذه البشارة كانت بإسماعيل، من هاجر.
ويأتي من العلل.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : أنّها بإسحاق.
( قالُوا سَلاماً ) : سلّمنا عليك سلاما. ويجوز نصبه ب «قالوا»، على معنى ذكروا سلاما.
( قالَ سَلامٌ ) :، أي: أمركم، أو جوابي سلام، أو عليكم سلام. رفعه إجابة بأحسن من تحيّتهم.
وقرأ(٥) حمزة والكسائيّ: «سلم»، وكذلك في الذّاريات. وهما لغتان، كحرم، أو حرام.
وقيل(٦) : المراد به: الصّلح.
( فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) (٦٩): فما أبطأ مجيئه به، أو فما أبطأ في المجيء به، أو فما تأخّر عنه. والجارّ مقدّر أو محذوف.
و «الحنيذ» المشويّ بالرّضف(٧) .
وقيل(٨) الّذي يقطر(٩) ودكه. من حنذت الفرس: إذا عرقته بالجلال. لقوله: «بعجل سمين»(١٠) .
وفي تفسير العيّاشي(١١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ، يعني: زكيا(١٢) مشويّا نضيجا.
وعن الصّادق ـ عليه السّلام ـ(١٣) ، يعني: مشويّا نضيجا.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(٢) المجمع ٣ / ١٧٩.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، ضمن ح ٤٤.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، ح ٤٤ و ٤٥.
٥ و ٦ ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(٧) الرضف ـ جمع رضفة ـ: الحجر المحمى بالنّار او الشمس.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقطرك.
(١٠) الذاريات: ٢٦.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، ضمن ح ٤٤.
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذكيا.
وعنه(١) ـ عليه السّلام ـ: أنّه قال: كلوا.
فقالوا: لا نأكل، حتّى تخبرنا ما ثمنه.
فقال: إذا أكلتم، فقولوا: بسم الله. وإذا فرغتم، فقولوا: الحمد لله.
فالتفت جبرئيل إلى أصحابه، وكانوا أربعة رئيسهم جبرئيل، فقال: حقّ لله أن يتّخذ هذا خليلا(٢) .
( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ ) : لا يمدّون إليه أيديهم.
( نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) : أنكر ذلك منهم، وخاف أن يريدوا به مكروها.
و «نكر» و «أنكر» و «استنكر» بمعنى.
والإيجاس: الإدراك.
وقيل(٣) : الإضمار.
( قالُوا ) : له لـمّا أحسّوا منه أثر الخوف.
( لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) (٧٠): إنّا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب.
وإنّما لم نمدّ إليه أيدينا، لأنّا لا نأكل.
( وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ ) : وراء السّتر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة. وهي سارة، ابنة لاحج. وهي ابنة خالته.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : إنّما عنى: سارة.
( فَضَحِكَتْ ) : سرورا بزوال الخيفة. أو بهلاك أهل الفساد. أو بإصابة رأيها، فإنّها كانت تقول لإبراهيم: أضمم إليك لوطا، فإنّي أعلم أنّ العذاب ينزل بهؤلاء القوم.
وقيل(٥) : «فضحكت»، أي: فحاضت.
قال [الشاعر :](٦)
وعهدي بسلمى ضاحكا في لبابة |
ولم تعد حقّا ثديها أن تحلبا |
__________________
(١٣) نفس المصدر والمجلد / ١٥٤، ح ٤٨.
(١) نفس المصدر والمجلّد / ١٥٣ ـ ١٥٤، ح ٤٧ بتصرّف في صدره.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: خليله.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، ضمن ح ٤٤.
ومنه: ضحكت السّمرة: إذا سال صمغها.
وقرئ(١) ، بفتح الحاء.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) ، وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن الباقر، يعني: تعجّبت(٤) من قولهم.
وفي معاني الأخبار(٥) ، وفي مجمع البيان(٦) ، وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: حاضت.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : ضحكت، أي: حاضت. وقد كان ارتفع حيضها منذ دهر طويل.
( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) (٧١).
نصبه(٩) ابن عامر وحمزة وحفص بفعل يفسّره ما دلّ عليه الكلام، وتقديره: ووهبناها من وراء إسحاق يعقوب.
وقيل(١٠) : إنّه معطوف على موضع «بإسحاق»، أو على لفظ «إسحاق». وفتحته للجرّ، فإنّه غير منصرف ورد للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظّرف.
وقرأ(١١) الباقون، بالرّفع، على أنّه مبتدأ خبره الظّرف، أي: ويعقوب مولود من بعده.
وقيل(١٢) : «الوراء» ولد الولد. ولعلّه سمّي به، لأنّه بعد الولد. وعلى هذا تكون إضافته إلى إسحاق ليس من حيث أنّ يعقوب وراءه، بل من حيث أنّه وراء إبراهيم من جهته، وفيه نظر. والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة، كيحيى. ويحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا، فسميا(١٣) به. وتوجيه البشارة إليها للدّلالة على أنّ الولد المبشّر به
__________________
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(٦) من المصدر.
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) العلل / ٥٥٠، ذيل ح ٤.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، ذيل ح ٤٤.
(٤) تفسير العيّاشي: فعجبت.
(٥) معاني الأخبار / ٢٢٤، ح ١.
(٦) المجمع ٣ / ١٨٠.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٢، صدر ح ٤٥.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٣٤.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٤.
(١٠) نفس المصدر والموضع.
(١١ و ١٢) نفس المصدر والموضع.
(١٣) كذا في المصدر. وفي أ، ب: فسميناه به ،
يكون منها، ولأنّها كانت عقيمة حريصة على الولد.
( قالَتْ يا وَيْلَتى ) : يا عجبا. وأصله في الشّرّ، فأطلق في كلّ أمر فظيع.
وقرئ(١) ، بالياء، على الأصل.
( أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) : ابنة تسعين.
( وَهذا بَعْلِي ) : زوجي. وأصله القائم بالأمر.
( شَيْخاً ) : ابن مائة وعشرين.
ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة.
وقرئ(٢) ، بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو شيخ. أو خبر بعد خبر.
أو هو الخبر، و «بعلي» بدل.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) : عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ: وهي يومئذ ابنة تسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن عشرين ومائة سنة.
وسيأتي الخبر بتمامه.
( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) (٧٢)، يعني: الولد من هرمين(٤) . وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة، ولذلك( قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) : منكرين عليها. فإنّ خوارق العادات، باعتبار أهل بيت النّبوّة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد النّعم والكرامات، ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمّن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات.
و «أهل البيت» نصب على المدح، أو النداء لقصد التّخصيص، كقولهم: أللّهمّ، اغفر لنا أيّتها العصابة.
وفي كتاب معاني الأخبار(٥) : أنّ الصّادق ـ عليه السّلام ـ سلّم على رجل.
فقال الرّجل: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ورضوانه.
فقال: لا تجاوزوا بنا قول الملائكة لأبينا إبراهيم:( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
__________________
وفي سائر النسخ: فسمياه به.
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٥.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) العلل / ٥٥١، صدر ح ٦.
(٤) الهرم: الشيخ، يبلغ أقصى الكبر.
(٥) لم نعثر عليه في المعاني ولا في مظانه من البحار ولكن رواه تفسير نور الثقلين ٢ / ٣٨٦ ح ١٧٠.
الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) .
وفي أصول الكافي(١) : أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن جميل، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: مرّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بقوم، فسلّم عليهم.
فقالوا: عليك السّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه.
فقال لهم أمير المؤمنين: لا تجاوزوا بنا، مثل ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم، إنّما قالوا:( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) .
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن عليّ بن حمّاد عن(٣) عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) (٤) [فأصل الشجرة المباركة](٥) إبراهيم ـ عليه السّلام ـ. وهو قول الله ـ تعالى ـ:( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ عليّ بن أبي طالب مرّ بقوم فسلّم عليهم.
فقالوا: وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه.
فقال لهم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: لا تجاوزوا بنا(٧) ما قالت الأنبياء لأبينا إبراهيم ـ عليه السّلام ـ. إنّما قالوا:( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) .
وروى(٨) الحسن بن محمّد، مثله. غير أنّه قال: ما قالت الملائكة [لأبينا ـ عليه السّلام ـ](٩) .
( إِنَّهُ حَمِيدٌ ) : فاعل ما يستوجب به الحمد.
( مَجِيدٌ ) (٧٣): كثير الخير والإحسان.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٦٤٦، ح ١٣.
(٢) الكافي ٨ / ٣٨١، ضمن ح ٥٧٤.
(٣) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٥٧٧. وفي النسخ: بن.
(٤) النور / ٣٥.
(٥) من المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٤، ح ٥٠.
(٧) المصدر: «تجاوزنا» بدل «تجاوزوا بنا».
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) من المصدر.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: أوحى الله إلى إبراهيم، أنّه سيولد لك. فقال لسارة.
فقالت:( أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) .
فأوحى الله إليه، أنّها ستلد ويعذّب أولادها أربعمائة سنة بردّها الكلام عليّ.
قال: فلمّا طال على بني إسرائيل العذاب، ضجّوا وبكوا إلى الله أربعين صباحا. فأوحى الله إلى موسى وهارون، نخلّصهم من فرعون. فحطّ عنهم سبعين ومائة سنة.
قال: وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هكذا أنتم، لو فعلتم لفرّج الله عنّا. فأمّا إذا لم تكونوا، فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه.
( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ) ، أي: ما أوجس من الخيفة، واطمأنّ قلبه بعرفانهم.
( وَجاءَتْهُ الْبُشْرى ) : بدل «الرّوع».
( يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) (٧٤): يجادل رسلنا في شأنّهم. ومجادلته إيّاهم قوله:( إِنَّ فِيها لُوطاً ) . وكان لوط ابن خالته.
وهو إمّا جواب لـمّا جيء به مضارعا على حكاية الحال. أو لأنّه في سياق الجواب بمعنى الماضي، كجواب لو. أو دليل جوابه المحذوف، مثل اجترأ على خطابنا، أو شرع في جدالنا. أو متعلّق به، فقام مقامه، مثل أخذ، أو أقبل يجادلنا.
( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ) : غير عجول على الانتقام على من أساء إليه.
( أَوَّاهٌ ) : كثير التّأوّه من الذّنوب والتّأسّف على النّاس.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عنهما ـ عليهما السّلام ـ قالا: دعّاء.
( مُنِيبٌ ) (٧٥): راجع إلى الله. والمقصود من ذلك: بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقّة قلبه وفرط ترحّمه.
( يا إِبْراهِيمُ ) : على إرادة القول، أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم.
( أَعْرِضْ عَنْ هذا ) : الجدال، وإن كانت الرّحمة حملتك عليه فلا فائدة فيه.
( إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) : قضاؤه وحكمه، الّذي لا يصدر إلّا عن حكمة.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٤، ح ٤٩.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٤، ح ٥١.
( وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) (٧٦): غير مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.
( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ) : ساءه مجيئهم، لأنّهم جاؤوا في صورة غلمان، فظن أنّهم أناس. فخاف عليهم أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم.
( وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) : وضاق بمكانهم ذرعه. وهو كناية عن شدّة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه.
( وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) (٧٧): شديد. من عصبه: إذا شدّه.
( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ) : يسرعون إليه، كأنّهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من أضيافه.
( وَمِنْ قَبْلُ ) : ومن قبل ذلك الوقت.
( كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) : الفواحش. فتمرّنوا بها ولم يستحيوا منها، حتّى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين.
( قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي ) : فدى بهنّ أضيافه، كرما وحميّة.
والمعنى: هؤلاء بناتي، فتزوّجوهنّ. وكانوا يطلبونهنّ قبل فلا يجيبهم، لخبثهم وعدم كفاءتهم.
وفي الكافي(١) ، وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: عرض عليهم التّزويج.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ: أنّه وضع يده على الباب ثمّ ناشدهم، فقال: «اتّقوا الله ولا تخزون في ضيفي [قالوا أو لم ننهك عن العالمين](٤) ». ثمّ عرض عليهم بناته بنكاح.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: عنى به: أزواجهم. وذلك أنّ النّبيّ هو أبو أمّته، فدعاهم إلى الحلال ولم يكن يدعوهم إلى الحرام.
وقيل(٦) : دعاهم إليهنّ إظهارا لشدّة امتعاضه من ذلك، كي يرقّوا له.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٥٤٨، ح ٧.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٦، ذيل ح ٥٤.
(٣) نفس المصدر والموضع، ضمن ح ٥٤.
(٤) من المصدر.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٣٥.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
( هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) : أنظف فعلا، وأقلّ فحشا.
قيل(١) : يعني: أدبارهنّ.
كقولك: الميتة أطيب من المغصوب، وأحلّ منه.
وقرئ(٢) : «أطهر» بالنّصب، على أنّ «هنّ» خبر «بناتي»، كقولك: هذا أخي هو. لا فصل، فإنّه لا يقع بين الحال وصاحبها.
وفي تهذيب الأحكام(٣) : أحمد بن محمّد(٤) بن عيسى، عن موسى بن عبد الملك، والحسين بن عليّ بن يقطين وموسى بن عبد الملك، عن رجل قال: سألت أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن إتيان الرّجل المرأة من خلفها.
قال: أحلّه(٥) آية من كتاب الله، قول لوط:( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) . وقد علم أنّهم لا يريدون الفرج.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : الحسين بن عليّ بن يقطين قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ عن إتيان الرّجل المرأة من خلفها. وذكر مثله.
( فَاتَّقُوا اللهَ ) : بترك الفواحش. أو بإيثارهنّ عليهم.
( وَلا تُخْزُونِ ) : ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية، بمعنى: الحياء.
( فِي ضَيْفِي ) : في شأنهم. فإن إخزاء ضيف الرّجل إخزاؤه.
( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) (٧٨): يهتدي إلى الحقّ، ويرعوي عن القبيح.
( قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ ) : حاجة.
( وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ) (٧٩): وهو إتيان الذّكران.
( قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ) : لو قويت بنفسي على دفعكم.
( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) (٨٠)، أي: قويّ، أتمنّع به عنكم. شبّهه بركن الجبل في شدّته.
وقرئ(٧) : «أو آويَ» بالنّصب، بإضمار «أن»، كأنّه قال: لو أنّ لي بكم قوّة أو
__________________
(١) تفسير الصافي ٢ / ٤٦١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
(٣) التهذيب ٧ / ٤١٤ ـ ٤١٥، ح ١٦٥٩.
(٤) ليس في المصدر: بن محمد.
(٥) المصدر: أحلّتها.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٧، ح ٥٦.
إيواء. وجواب «لو» محذوف، تقديره: لدفعتكم.
وفي الجوامع(١) : قال جبرئيل: أنا ركنك الشّديد، افتح الباب ودعنا وإيّاهم.
وفي مجمع البيان(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: [فقال جبرئيل :](٣) لو يعلم أيّ قوّة له.
وعن النّبيّ(٤) ـ صلّى الله عليه وآله ـ رحم الله أخي، لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد.
وفي الكافي(٥) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: رحم الله لوطا، لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنّه منصور. حيث يقول:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) . أيّ ركن أشدّ من جبرئيل معه في الحجرة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٦) ، بإسناده إلى أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما كان قول لوط [:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً] ) (٧) ( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) . إلّا تمنّيا لقوّة القائم ـ عليه السّلام ـ. ولا ذكر إلّا شدّة(٨) أصحابه، لأنّ الرّجل منهم يعطى قوّة أربعين رجلا، وأنّ قلبه لأشدّ من [زبر](٩) الحديد. ولو مرّوا بجبال الحديد لقلعوه و(١٠) لا يكفّون سيوفهم حتّى يرضى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي كتاب علل الشّرائع(١١) ، بإسناده إلى الحسين(١٢) بن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة.
فقالوا: ما بال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة [الزبير](١٣) وعائشة ومعاوية؟
__________________
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
(١) الجوامع / ٢٠٨.
(٢) المجمع ٣ / ١٨٤.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) الكافي ٥ / ٥٤٦، ذيل ح ٥.
(٦) كمال الدين / ٦٧٣، ح ٢٧.
(٧) ليس في ب.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «والّا ذكر الشدّة» بدل «ولا ذكر الّا شدة».
(٩) من المصدر.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لقطعوه» بدل «الحديد لقلعوها و».
(١١) العلل / ١٤٨ ـ ١٤٩، صدر ح ٧.
(١٢) ليس في المصدر: الحسين.
(١٣) من المصدر.
فبلغ ذلك عليّا ـ عليه السّلام ـ. فأمر أن ينادى الصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه.
ثمّ قال: معاشر النّاس، إنّه بلغني عنكم كذا وكذا.
قالوا: صدق أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. قد قلنا ذلك.
قال: إنّ لي بسنة الأنبياء أسوة. فقد قال الله في محكم كتابه:( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (١) .
قالوا: ومن هم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أوّلهم إبراهيم.
إلى أن قال: ولي بابن خالته، لوط أسوة إذ قال لقومه:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) . فإن قلتم: [إنّ لوطا كانت له بهم قوّة، فقد كفرتم. وإن قلتم :](٢) لم يكن له قوّة، فالوصيّ أعذر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : محمد بن جعفر قال: حدّثنا محمّد بن أحمد، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن صالح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في قوله: «قوّة».
قال: «القوّة» القائم ـ عليه السّلام ـ. و «الرّكن الشّديد» ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
أخبرني الحسن بن عليّ بن مهزيار(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما بعث الله نبيّا بعد لوط إلّا في عزّ من قومه.
نقل(٥) : أنّه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوّروا(٦) الجدار. فلمّا رأت الملائكة ما على لوط من الكرب( قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) : إلى إضرارك بإضرارنا، فهوّن عليك ودعنا وإيّاهم. فخلّاهم أن يدخلوا. فضرب جبرئيل بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم وأعماهم. فخرجوا يقولون :
__________________
(١) الأحزاب / ٢١.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٣٥.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتسوّر.
النّجا النّجا، فإنّ في بيت لوط سحرة.
( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) : بالقطع من الإسراء.
وقرأ(١) ابن كثير ونافع، بالوصل، حيث وقع في القرآن، من السّري.
بقطع من اللّيل: بطائفة.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «بقطع من اللّيل مظلما».
قال: هكذا قرأه أمير المؤمنين.
( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) : ولا يتخلّف، أو لا ينظر إلى ورائه. والنّهي في اللّفظ ل «أحد»، والمعنى للوط.
( إِلَّا امْرَأَتَكَ ) .
قيل(٣) : استثناء من قوله:( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) . ويدلّ عليه أنّه قرئ: «فأسر بأهلك بقطع من اللّيل إلّا امرأتك». وهذا إنّما يصحّ على تأويل الالتفات بالتّخلّف، فإنّه إن فسّر بالنّظر إلى الوراء في الذّهاب، ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرّفع على البدل من «أحد». ولا يجوز حمل القراءتين على الرّوايتين في أنّه خلّفها مع قومها أو أخرجها. فلمّا سمعت صوت العذاب التفتت، وقالت: يا قوماه. فأدركها حجر فقتلها.
لأنّ القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة. والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله:( وَلا يَلْتَفِتْ ) ، مثله في قوله:( ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) . ولا يبعد أن يكون أكثر القرّاء على غير الأفصح. ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نفيها عنه استصلاحا. ولذلك علّله على طريقة الاستئناف بقوله:( إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ ) . ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعا على قراءة الرّفع.
( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) ، كأنّه علّة الأمر بالإسراء.
( أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) (٨١): جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب.
وفي الجوامع(٤) : روي أنّه قال: متى موعد إهلاكهم؟
قالوا: الصّبح.
فقال: أريد أسرع من ذلك. لضيق صدره بهم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٨، ح ٥٨ بتصرّف.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٦.
(٤) الجوامع / ٢٠٨.
فقالوا:( أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ:( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) يا لوط، إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيّام ولياليها.( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) إذا مضى نصف اللّيل.
قال: فلمّا كان اليوم الثّامن من طلوع الفجر، قدّم الله رسلا إلى إبراهيم يبّشرونه بإسحاق ويعزونه بهلاك قوم لوط. وذلك قوله ـ تعالى ـ:( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ) .
وسيأتي تمام الحديث.
( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) : عذابنا، أو أمرنا به. ويؤيّده الأصل، وجعل التّعذيب مسبّبا عنه بقوله:( جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ) . فإنّه جواب «لمّا». وكان حقّه: جعلوا عاليها، أي: الملائكة المأمورون به. فأسند إلى نفسه من حيث أنّه المسبّب، تعظيما للأمر. فإنّه روي: أنّ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أدخل جناحه تحت مدائنهم ورفعها إلى السّماء، ثمّ قلبها عليهم.
( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها ) : على المدن، أو على شذّاذها.
( حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) : من طين متحجّر، لقوله:( حِجارَةً مِنْ طِينٍ ) . وأصله سنكيل، فعرّب.
وقيل(٢) : إنّه من أسجله: إذا أرسله، أو أدرّ عطيّته. والمعنى: من مثل الشّيء المرسل. أو من مثل العطيّة في الإدرار. أو من السّجل، أي: ممّا كتب الله أن يعذّبهم به.
وقيل(٣) : أصله من سجين، أي: من جهنّم. فأبدلت لاما بنونه(٤) .
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن أبي بصير [وغيره](٦) عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ الملائكة لـمّا جاءت في هلاك قوم لوط( قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ) (٧) .
__________________
(١) العلل / ٥٤٩ ـ ٥٥٠ بإسقاط عبارة من وسط المنقول هنا.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٧.
(٤) المصدر: فأبدلت نونه لاما.
(٥) العلل / ٥٥١ ـ ٥٥٢، ح ٦.
(٦) من المصدر.
(٧) العنكبوت / ٣١.
قالت سارة: عجبت من قلّتهم وكثرة أهل القرية.
فقالت: ومن يطيق قوم لوط؟( وَبَشَّرُوهُ ـ إلى قوله ـعَجُوزٌ عَقِيمٌ ) . وهي يومئذ ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة.
فجادل إبراهيم عنهم، وقال:( إِنَّ فِيها لُوطاً ) .
قال جبرئيل:( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها ) .
فزاده إبراهيم.
فقال جبرئيل:( يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) . [( إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) .
قال: وأنّ جبرئيل لـمّا أتى لوطا في هلاك قومه فدخلوا عليه( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ) ، قام فوضع يده على الباب، ثمّ ناشدهم. فقال:( فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ) .
قالوا: او لم ننهك عن العالمين؟
ثمّ عرض عليهم بناته نكاحا.
قالوا:( ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ. وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ) .
قال: فما منكم رجل رشيد؟
قال: فأبوا.
فقال:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) .](١) .
قال: وجبرئيل ينظر إليهم، فقال: لو يعلم أيّ قوّة له. ثمّ دعاه، فأتاه. ففتحوا الباب ودخلوا. فأشار إليهم جبرئيل بيده، فرجعوا عميانا يلتمسون الجدار بأيديهم، يعاهدون الله: لئن أصبحنا لا نستبقي أحدا من آل لوط.
قال: فلمّا قال جبرئيل:( إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ) .
قال له لوط: يا جبرئيل، عجّل.
قال: نعم.
قال: يا جبرئيل، [عجّل.
قال :](٢) ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .
__________________
(١) من المصدر. وفي النسخ: «الآيات» بدل ما بين المعقوفتين.
(٢) من المصدر.
ثمّ قال جبرئيل: يا لوط، اخرج منها أنت وولدك حتّى تبلغ موضع كذا.
قال: يا جبرئيل، إنّ حمري ضعاف.
قال: ارتحل، فاخرج منها.
قال: فارتحل. حتّى إذا كان السّحر، نزل إليها [جبرئيل](١) فأدخل جناحه تحتها حتّى إذا استعلت، قلبها عليهم ورمى جدران المدينة بحجارة من سجيل. وسمعت امرأة لوط الهزّة(٢) ، فهلكت منها.
( مَنْضُودٍ ) (٨٢): نضد معدّا لعذابهم. أو نضد في الإرسال بتتابع بعضه بعضا، كقطار الأمطار. أو نضد بعضه على بعض، وألصق به.
( مُسَوَّمَةً ) : معلّمة للعذاب.
وقيل(٣) : معلّمة ببياض وحمرة. أو بسيماء تتميّز به عن حجارة الأرض. أو باسم من يرمي بها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، أي: منقوطة.
وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة حديث طويل. وفيه: ثمّ قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيّرنا منه وثقله، وأيّ أربعاء هو؟
قال: آخر أربعاء في الشّهر.، وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه.
إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: ويوم الأربعاء جعل الله ـ عزّ وجلّ ـ قرية(٦) قوم لوط عاليها سافلها. ويوم الأربعاء أمطرت عليهم حجارة من سجيل.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن سليمان الدّيلمي، عن أبي بصير عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً ) .
قال: ما من عبد يخرج من الدّنيا يستحلّ عمل قوم لوط إلّا رمى الله كبده من تلك الحجارة، تكون منيّته فيها ولكن الخلق لا يرونه.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: الهدّة.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٧.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٣٦.
(٥) العيون ١ / ٢٤٧، مقاطع من الحديث.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قوم.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٣٦ ـ ٣٣٧.
( عِنْدَ رَبِّكَ ) : في خزائنه.
( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) (٨٣): فإنّهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم.
وفيه وعيد لكلّ ظالم.
وقيل(١) : الضّمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكّة يمرّون بها في أسفارهم إلى الشّام. وتذكير «البعيد» على تأويل الحجر، أو المكان.
وفي الكافي(٢) : عليّ بن أبي(٣) إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن سعيد، عن محمّد بن سليمان، عن ميمون البان قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقرئ عنده آيات من هود(٤) . فلمّا بلغ( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) .
قال: من مات مصرّا على اللّواط، لم يمت حتّى يرميه الله بحجر من تلك الأحجار فيكون منيّته(٥) ولا يراه أحد.
وفيه(٦) : عنه ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّا عمل قوم لوط ما عملوا، بكت الأرض إلى ربّها حتّى بلغ دموعها [إلى السّماء. وبكت السّماء حتّى بلغ دموعها](٧) العرش. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى السّماء أن أحصهم، وأوحى إلى الأرض أن اخسفي بهم.
عدّة من أصحابنا(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سعيد قال: أخبرني زكرياء بن محمّد، عن أبيه، عن عمرو، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله، فطلبهم إبليس الطّلب الشّديد. وكان من فضلهم وخيرتهم أنّهم إذا خرجوا إلى العمل، خرجوا بأجمعهم وتبقى النّساء خلفهم. فلم يزل إبليس يعتادهم، فكانوا إذا رجعوا خرّب إبليس ما كانوا(٩) يعملون.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٧.
(٢) الكافي ٥ / ٥٤٨، ح ٩.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: هذه.
(٥) المصدر: تلك الحجارة، تكون فيه منيّته.
(٦) بل في تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩، ح ٦٠: عن السّكوني، عن أبي جعفر، عن أبيه قال: قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ورواه عنه نور الثقلين ٢ / ٣٨٩، ح ١٨٤. والبرهان ٢ / ٢٣١، ح ٣١.
(٧) من المصدر.
(٨) الكافي ٥ / ٥٤٤ ـ ٥٤٦، ح ٥.
فقال بعضهم لبعض: تعالوا نرصد هذا الّذي يخرّب متاعنا.
فرصدوه، فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان.
فقالوا له: أنت الّذي تخرّب متاعنا مرّة بعد مرّة.
فاجتمع رأيهم على أن يقتلوه، فبيّتوه عند رجل. فلمّا كان اللّيل، صاح.
فقال له: ما لك؟
فقال: كان أبي ينوّمني على بطنه.
فقال له: تعال، فنم على بطني.
قال: فلم يزل يدلّك الرّجل حتّى علّمه أن يفعل بنفسه. فأوّلا علّمه إبليس، والثّانية علّمه هو. ثمّ انسلّ، ففرّ منهم وأصبحوا. فجعل الرّجل يخبر بما فعل بالغلام ويعجبهم منه، وهم لا يعرفونه. فوضعوا أيديهم فيه، حتّى اكتفى الرّجال بالرّجال بعضهم ببعض. ثمّ جعلوا يرصدون مارّة الطّريق، فيفعلون بهم حتّى تنكّب مدينتهم النّاس. ثمّ تركوا نساءهم وأقبلوا على الغلمان. فلمّا رأى أنّه قد أحكم أمره في الرّجال، جاء إلى النّساء فصيّر نفسه امرأة.
فقال: إنّ رجالكنّ يفعل بعضهم ببعض.
قلن: نعم، قد رأينا ذلك.
وكلّ ذلك يعظهم لوط ويوصيهم(١) ، وإبليس يغويهم حتّى استغنى النّساء بالنّساء. فلمّا كملت عليهم الحجّة، بعث الله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في زيّ غلمان، عليهم أقبية، فمرّوا بلوط وهو يحرث.
قال: أين تريدون، ما رأيت أجمل منكم قطّ؟
قالوا: إنّا أرسلنا سيّدنا إلى ربّ هذه المدينة.
قال: أو لم يبلغ سيّدكم ما يفعل أهل هذه المدينة؟ قال(٢) يا بنيّ، إنّهم والله يأخذون الرّجال فيفعلون بهم حتّى يخرج الدّم.
فقالوا: أمرنا سيّدنا أن نمرّ في وسطها.
قال: فلي إليكم حاجة.
__________________
(٩) ليس في المصدر.
(١) أ، ب: ويرهبهم.
(٢) ليس في المصدر.
قالوا: وما هي؟
قال: تصبرون ها هنا إلى اختلاط الظّلام.
قال: فجلسوا.
قال: فبعث ابنته، فقال: جيئي لهم بخبز، جيئي لهم بماء في القرعة(١) ، وجيئي لهم عباء يتغطّون بها من البرد.
فلمّا أن ذهبت الابنة، أقبل المطر والوادي.
فقال لوط: السّاعة يذهب بالصّبيان الوادي، قالوا(٢) قوموا حتّى نمضي.
وجعل لوط يمشي في أصل الحائط، وجعل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل يمشون وسط الطّريق.
فقال: يا بنيّ، امشوا ها هنا.
فقالوا: أمرنا سيّدنا أن نمرّ في وسطها.
وكان لوط يستغنم الظّلام. ومرّ إبليس، فأخذ من حجر امرأة صبيّا، فطرحه في البئر، فتصايح أهل المدينة كلّهم على باب لوط.
فلمّا أن نظروا إلى الغلمان في منزل لوط، قالوا: يا لوط، قد دخلت في عملنا؟
فقال: هؤلاء ضيفي، فلا تفضحون في ضيفي.
قالوا هم ثلاثة، خذ واحدا وأعطنا اثنين.
قال: فأدخلهم الحجرة، وقال لوط(٣) : لو أنّ لي أهل بيت يمنعوني منكم.
[قال :](٤) وتدافعوا على الباب وكسروا باب لوط، وطرحوا لوطا.
فقال له جبرئيل:( إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) . فأخذ كفّا من بطحاء(٥) ، فضرب بها وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فعمي أهل المدينة كلّهم.
وقال لهم لوط: يا رسل ربّي، فما أمركم ربّي فيهم؟
قالوا: أمرنا أن نأخذهم بالسّحر.
قال: فلي إليكم حاجة.
__________________
(١) القرعة ـ واحدة القرع ـ: وهو حمل اليقطين يجعل وعاء.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) البطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.
قالوا: وما حاجتك؟
قال: تأخذونهم السّاعة، فإنّي أخاف أن يبدو لربّي فيهم.
[فقالوا: يا لوط](١) فقال( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) لمن يريد أن يأخذ(٢) . فخذ أنت بناتك وامض ودع امرأتك.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: رحم الله لوطا، لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنّه منصور حيث يقول:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) . أيّ ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة. فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) من ظالمي أمّتك إن عملوا ما عمل قوم لوط.
قال: وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من ألحّ في وطء الرّجال، لم يمت حتّى يدعو الرّجال إلى نفسه.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، [عن أبيه](٤) عن ابن فضّال، عن داود بن فرقد، عن أبي يزيد الحمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ بعث أربعة أملاك في إهلاك قوم لوط: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وكروبيل. فمرّوا بإبراهيم ـ عليه السّلام ـ وهم معتمّون. فسلّموا عليه، فلم يعرفهم ورأى هيئة حسنة. فقال لا يخدم هؤلاء أحد(٥) إلّا أنا بنفسي. وكان صاحب ضيافة. فشوى لهم عجلا سمينا حتّى أنضجه، ثمّ قرّبه إليهم. فلما وضعه بين أيديهم( رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) . فلمّا رأى ذلك جبرئيل، حسر العمامة عن وجهه فعرفه إبراهيم.
فقال: أنت هو؟
قال: نعم.
ومرّت سارة، امرأته، فبشّرها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. فقالت ما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ. وأجابوها بما في الكتاب العزيز.
فقال لهم إبراهيم: لما ذا جئتم؟
قالوا: في إهلاك قوم لوط.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم نريد أن نأخذ.
(٣) الكافي ٥ / ٥٤٦ ـ ٥٤٨، ح ٦.
(٤) من المصدر.
(٥) ليس في المصدر.
فقال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أتهلكونهم؟
فقال جبرئيل: لا.
قال: فإن كان فيها خمسون؟
قال: لا.
قال: فإن كان فيها ثلاثون؟
قال: لا.
[قال: فإن كان فيها عشرون؟
قال: لا](١) .
قال: فإن كان فيها عشرة؟
قال: لا.
قال: فإن كان فيها خمسة؟
قال: لا.
قال: فإن كان فيها واحد؟
قال: لا.
( قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) (٢) .
قال الرّاوي(٣) : لا أعلم هذا القول إلّا وهو يستبقيهم، وهو قول الله:( يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) .
فأتوا لوطا، وهو في زراعة قرب القرية، فسلّموا عليه وهم معتمّون.
فلمّا رأى هيئة حسنة عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، فقال لهم: المنزل.
فقالوا: نعم.
فتقدّمهم ومشوا خلفه. فتندّم على عرضه المنزل عليهم، فقال: أيّ شيء صنعت، آتي بهم قومي وأنا أعرفهم؟
فالتفت إليهم، فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق الله.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) العنكبوت / ٣٢.
(٣) المصدر: الحسن بن علي. وفي هامشه: يعني: ابن فضال الراوي للخبر.
قال: [فقال](١) جبرئيل: لا تعجّل عليهم حتّى يشهد عليهم ثلاث مرّات.
فقال جبرئيل: هذه واحدة.
ثمّ مشى ساعة، ثمّ التفت إليهم فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق الله.
قال جبرئيل: هذه ثنتان.
ثمّ مشى. فلمّا بلغ باب المدينة، التفت إليهم فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق الله.
قال جبرئيل: هذه الثّالثة.
ثمّ دخل ودخلوا معه، حتّى دخل منزله. فلمّا رأتهم امرأته، رأت هيئة حسنة.
فصعدت فوق السّطح، فصفقت، فلم يسمعوا. فدخّنت فلمّا رأوا الدّخان، أقبلوا [إلى الباب](٢) يهرعون حتّى جاءوا إلى الباب. فنزلت إليهم، فقالت: عنده قوم ما رأيت قوما قطّ أحسن منهم هيئة. فجاءوا إلى الباب، ليدخلوا. فلمّا رآهم لوط، قام إليهم.
فقال لهم: يا قوم( فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) .
وقال:( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فدعاهم إلى الحلال.
فقالوا:( لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ) .
فقال لهم:( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) .
فقال جبرئيل: لو يعلم أيّ قوّة له.
قال: فكاثروه، حتّى دخلوا البيت.
فصاح به جبرئيل، وقال: يا لوط، دعهم يدخلوا(٣) .
فلمّا دخلوا، أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم، فذهبت أعينهم. وهو قوله:( فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ) .
ثمّ ناداه جبرئيل، فقال له:( إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) .
وقال له جبرئيل: إنّا بعثنا في إهلاكهم.
فقال: يا جبرئيل، عجّل.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدخلون.
فقال:( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) .
فأمره بمحمل(١) هو ومن معه إلّا امرأته. ثمّ اقتلعها، ـ يعني: المدينة ـ جبرئيل بجناحه(٢) من سبعة أرضين. ثمّ رفعها، حتّى سمع أهل السّماء الدّنيا نباح الكلاب وصراخ الدّيوك. ثمّ قلبها، وأمطر عليها وعلى من حول المدينة حجارة من سجّيل.
محمّد بن يحيى(٣) ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى(٤) ، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أمكن من نفسه، طائعا يلعب به، ألقى الله عليه شهوة النّساء.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن عبيد الله(٦) الدّهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عطيّة، أخي أبي العرام قال: ذكرت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ المنكوح من الرّجال.
فقال: ليس يبلى الله بهذا البلاء أحدا وله فيه حاجة. إنّ في أدبارهم أرحاما منكوسة، وحياء أدبارهم، كحياء المرأة. قد شرك فيهم ابن لإبليس يقال له: زوال. فمن شرك فيه من الرّجال، كان منكوحا. ومن شارك(٧) من النّساء، كانت من الموارد.
والعامل(٨) على هذا من الرّجال إذا بلغ أربعين سنة، لم يتركه. وهم بقيّة سدوم. أما إنّي لست أعني بهم: بقيّتهم أنّه ولدهم ولكنّهم(٩) من طينتهم.
قال: قلت: سدوم الّتي قلبت؟
قال: هي أربع مدائن: سدوم وصريم ولدماء وعميراء.
قال أتاهن(١٠) جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وهنّ مقلوبات(١١) إلى تخوم الأرض السّابعة ،
__________________
(١) المصدر: فيحمل.
(٢) المصدر: بجناحيه.
(٣) الكافي ٥ / ٥٤٩، ح ١.
(٤) المصدر: عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى.
(٥) الكافي ٥ / ٥٤٩، ح ٢.
(٦) المصدر: عبد الله.
(٧) المصدر: شرك فيه.
(٨) كذا في المصدر وب. وفي سائر النسخ: المعامل.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنّهم ولدوهم ولكن.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولدنا عميرا أتاهنّ.
(١١) أ، ب، ر: مغلوبات. والمصدر: مقلوعات.
فوضع جناحه تحت السّفلى منهنّ ورفعهنّ جميعا حتّى سمع أهل السّماء الدّنيا نباح كلابهم، ثمّ قلبها.
محمّد(١) ، عن أحمد بن محمّد عن(٢) عليّ بن الحكم، عن عبد الرّحمن العزرميّ(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين: إنّ لله عبادا لهم في أصلابهم أرحام، كأرحام النّساء.
قال: فسئل: فما بالهم لا يحملون؟
فقال: إنّها منكوسة. ولهم في أدبارهم غدّة، كغدّة [الجمل أو](٤) البعير. فإذا هاجت، هاجوا. وإذا سكنت، سكنوا.
عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن يحيى، عن موسى بن(٦) الحسن، عن عمر بن عليّ بن عمر بن يزيد [عن محمّد بن عمر، عن أخيه، الحسين، عن أبيه عمر بن يزيد](٧) قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وعنده رجل.
فقال له: جعلت فداك، إنّي أحبّ الصّبيان.
فقال له أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: فتصنع ما ذا؟
قال: أحملهم على ظهري.
فوضع أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ يده على جبهته وولّى وجهه عنه. فبكى الرّجل، فنظر إليه أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ كأنّه رحمه.
فقال: إذا أتيت بلدك، فاشتر جزورا سمينا، واعقله عقالا شديدا. وخذ السّيف، واضرب السّنام ضربة تقشر عنه الجلد، واجلس عليه بحرارته.
قال عمر: قال الرّجل: فأتيت بلدي واشتريت جزورا، فعقلته عقالا شديدا.
وأخذت السّيف، فضربت السّنام ضربة وقشرت عنه الجلد، وجلست عليه بحرارته.
فسقط منّي على ظهر البعير شبه الوزغ، أصغر من الوزغ وسكن ما بي.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٥٤٩، ح ٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.
(٣) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٤٥٣. وفي النسخ: العرزمي.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٥ / ٥٠٥، ح ٦.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.
(٧) من المصدر.
محمّد بن يحيى(١) ، عن موسى بن الحسن، عن الهيثم النهديّ(٢) رفعه قال: شكا رجل إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ الابنة. فمسح أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ على ظهره، فسقطت منه دودة حمراء، فبرئ.
الحسين بن محمّد(٣) ، عن محمّد بن عمران، عن عبد الله بن جبلة(٤) ، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هؤلاء المخنّثون مبتلون بهذا البلاء، فيكون المؤمن مبتلى، والنّاس يزعمون أنّه لا يبتلي به أحد لله فيه حاجة.
فقال: نعم، قد يكون مبتلى به، فلا تكلّموهم فإنّهم يجدون لكلامكم راحة.
قلت: جعلت فداك، فإنّهم ليسوا يصبرون.
قال: هم يصبرون، ولكن يطلبون بذلك اللّذّة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) : حدّثنا محمّد بن موسى بن متوكّل(٦) ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يتعوّذ من البخل.
فقال: نعم، يا [أبا](٧) محمّد، في كلّ صباح ومساء. ونحن نتعوّذ بالله من البخل لقول الله:( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (٨) . وسأخبرك عن عاقبة البخل، أنّ قوم لوط كانوا أهل قرية أشحّاء على الطّعام، فأعقبهم البخل داء لا دواء له(٩) في فروجهم.
فقلت: وما أعقبهم؟
فقال: إنّ قرية قوم لوط كانت على طريق السّيّارة إلى الشّام ومصر، فكانت السّيّارة تنزل بهم فيضيفونهم. فلمّا كثر ذلك عليهم، ضاقوا بذلك ذرعا بخلا ولؤما.
__________________
(١) الكافي ٥ / ٥٠٥، ح ٧.
(٢) كذا في المصدر، وجامع الرواة ٢ / ٣١٨. وفي النسخ: «بن الهندي» بدل «النهديّ».
(٣) الكافي ٥ / ٥٥١، ح ١٠.
(٤) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٤٧٦. وفي النسخ: أبي عبد الله بن جبلة.
(٥) العلل / ٥٤٨ ـ ٥٥٠، ح ٤.
(٦) المصدر: موسى بن عمران المتوكّل ـ رحمه الله ـ.
(٧) من المصدر.
(٨) الحشر / ٩، والتغابن / ١٦.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «والأدالة»
فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضّيف، فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك [وإنّما كانوا يفعلون ذلك](١) بالضّيف، حتّى ينكل النّاس عنهم. فشاع أمرهم في القرية، وحذرهم النّازلة. فأورثهم البخل بلاء لا يستطيعون دفعه عن أنفسهم من غير شهوة بهم إلى ذلك، حتّى صاروا يطلبونه من الرّجال في البلاد ويعطونهم عليه الجعل. ثمّ ما من داء أدأى من البخل، ولا أضرّ عاقبة، ولا أفحش عند الله ـ عزّ وجلّ ـ.
قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك، فهل كان أهل قرية لوط كلّهم هكذا يعملون؟
فقال: نعم، إلّا أهل بيت منهم من المسلمين. أما تسمع لقوله ـ تعالى ـ:( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .
ثمّ قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ ويحذّرهم عذابه. وكانوا قوما لا يتنظّفون من الغائط، ولا يتطهّرون من الجنابة. وكان لوط ابن خالة إبراهيم، وكانت امرأة إبراهيم سارة أخت لوط. وكان لوط وإبراهيم نبيّين مرسلين منذرين. وكان لوط رجلا سخيّا كريما، يقري الضّيف إذا نزل به ويحذّرهم قومه.
قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك منه، قالوا له: إنّا ننهاك عن العالمين، لا تقر ضيفا ينزل بك، إن فعلت فضحنا ضيفك الّذي ينزل بك وأخزيناك. فكان لوط إذا نزل به الضّيف، يكتم أمره مخافة أن يفضحه قومه. وذلك، أنّه لم يكن للوط عشيرة.
قال: ولم يزل لوط وإبراهيم يتوقّعان نزول العذاب على قومهم(٢) . فكانت لإبراهيم وللوط منزلة من الله ـ عزّ وجلّ ـ شريفة. وأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ كان إذا أراد عذاب قوم لوط، أدركته مودّة إبراهيم وخلّته ومحبّة لوط، فيراقبهم فيؤخّر عذابهم.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فلمّا اشتدّ أسف الله(٣) على قوم لوط وقدّر عذابهم، وقضى أن يعوّض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام عليم فيسلّي به مصابه بهلاك قوم لوط، فبعث الله رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسماعيل. فدخلوا عليه ليلا، ففزع منهم وخاف أن
__________________
بدل «داء لا دواء له».
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قوم لوط.
(٣) كذا في المصدر. وفي أ: أشد لله، وفي سائر النسخ: «اشتدّ لله» بدل «اسف الله».
يكونوا سرّاقا. فلمّا رأته(١) الرّسل فزعا مذعورا( فَقالُوا سَلاماً قالَ ) سلام( إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا ) رسل ربك( نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) .
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: والغلام العليم، هو إسماعيل بن هاجر. فقال إبراهيم للرّسل:( أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ) . فقال إبراهيم ـ عليه السّلام ـ:( فَما خَطْبُكُمْ ) بعد البشارة( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) . قوم لوط أنّهم كانوا قوما فاسقين، لننذرهم عذاب ربّ العالمين.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فقال إبراهيم للرّسل:( إِنَّ فِيها لُوطاً، قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها، لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) أجمعين( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) (٢) .
قال:( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ ) قومك من عذاب الله( يَمْتَرُونَ، وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ ) لتنذر قومك العذاب( وَإِنَّا لَصادِقُونَ، فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيّام ولياليها( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) إذا مضى نصف اللّيل( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) إلّا امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم( وَامْضُوا ) في تلك اللّيلة( حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) [قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فقضوا ذلك الأمر إلى لوط ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين](٣) .
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فلمّا كان اليوم الثّامن مع طلوع الفجر، قدّم الله ـ عزّ وجلّ ـ رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق ويعزّونه بهلاك قوم لوط. وذلك قوله:( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا ) (الآيات)(٤) .
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فلمّا جاءت إبراهيم البشارة بإسحاق وذهب عنه الرّوع، أقبل(٥) يناجي ربّه في قوم لوط ويسأله كفّ(٦) البلاء عنهم.
فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ ) [عذابي](٧) بعد طلوع الفجر من ربّك «عذاب»(٨) محتوم( غَيْرُ مَرْدُودٍ ) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: رأيه.
(٢) الحجر / ٦٠.
(٣) من المصدر.
(٤) ذكر في المصدر نص الآيات إلى «رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد» بدل «الآيات».
(٥) كذا في المصدر. وفي ب: «قيل». وفي سائر النسخ: «قبل».
(٦) المصدر: كشف.
(٧) من المصدر.
وبهذا الإسناد(١) : عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ سأل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: كيف كان مهلك(٢) قوم لوط؟
فقال: إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية لا يتنظّفون من الغائط ولا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحاء على الطّعام. وأنّ لوطا لبث فيهم ثلاثين سنة. وإنّما كان نازلا عليهم، ولم يكن منهم ولا عشيرة له فيهم(٣) ولا قوم. وأنّه دعاهم إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وإلى الإيمان به واتّباعه، ونهاهم عن الفواحش، وحثّهم على طاعة الله، فلم يجيبوه ولم يطيعوه. وأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمّا أراد عذابهم، بعث إليهم رسلا منذرين عذرا ونذرا. فلمّا عتوا عن أمره، بعث إليهم ملائكة ليخرجوا من كان في قريتهم من المؤمنين، فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين. فأخرجوهم(٤) منها، وقالوا: يا لوط( فَأَسْرِ ) (٥) ( بِأَهْلِكَ ) من هذه القرية اللّيلة( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) و( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) .
فلمّا انتصف اللّيل، سار لوط ببناته. وتولّت امرأته مدبرة، فانقطعت إلى قومها تسعى بلوط وتخبرهم، أنّ لوطا قد سار ببناته. وأنّي نوديت من تلقاء العرش لـمّا طلع الفجر: يا جبرئيل، حقّ القول من الله تحتّم(٦) عذاب قوم لوط. [فأهبط إلى قرية قوم لوط](٧) وما حوت، فاقلعها من تحت سبع أرضين ثمّ اعرج بها إلى السّماء، فأوقفها(٨) حتّى يأتيك أمر الجبّار في قلبها، ودع منها آية بيّنة من منزل لوط عبرة للسّيارة.
فهبطت على أهل القرية الظّالمين، فضربت بجناحي الأيمن على ما حوى عليه شرقها(٩) ، وضربت بجناحي الأيسر على ما حوى عليه غربها(١٠) . فاقتلعتها، يا محمّد، من تحت سبع أرضين إلّا منزل لوط آية للسّيارة. ثمّ عرجت بها في خوافي جناحي، حتّى أوقفتها(١١) حيث يسمع أهل السّماء زقاء ديوكها ونباح كلابها.
__________________
(٨) المصدر: «الشمس من يوم» بدل «الفجر من ربّك عذاب».
(١) العلل / ٥٥٠ ـ ٥٥١، ح ٥.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يهلك.
(٣) ليس في المصدر، أ، ب.
(٤) المصدر: فأخرجهم.
(٥) المصدر: «للوط أسر» بدل «يا لوط فأسر».
(٦) المصدر: بحتم.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأرفعها.
(٩) المصدر: شرقيها.
(١٠) المصدر: غربيها.
فلمّا طلعت الشّمس، نوديت من تلقاء العرش: يا جبرئيل، اقلب القرية على القوم. فقلبتها عليهم، حتّى صار أسفلها أعلاها. وأمطر الله عليها( حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) «مسوّمة عند ربّك وما هي [يا محمّد](١) من الظّالمين» من أمّتك «ببعيد».
قال: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا جبرئيل، وأين كانت قريتهم من البلاد؟
فقال جبرئيل: كان موضع قريتهم في موضع بحيرة طبرية اليوم، وهي في نواحي الشّام.
قال: فقال رسول الله: أرأيتك حين قلبتها عليهم خرّ(٢) في أي موضع من الأرضين وقعت القرية وأهلها؟
فقال: يا محمّد، وقعت فيما بين بحر الشّام إلى مصر، فصارت تلولا في البحر.
وبإسناده(٣) إلى الحسن بن محبوب: عن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قيل له: كيف كان يعلم قوم لوط أنّه قد جاء لوطا رجل؟
قال: كانت امرأته تخرج، فتصفر. فإذا سمعوا التّصفير، جاءوا. فلذلك كره التّصفير.
( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) ، أراد: أولاد مدين بن إبراهيم، أو أهل مدين.
وهو بلد بناه، فسمّي باسمه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : ثمّ ذكر ـ عزّ وجلّ ـ هلاك أهل مدين، فقال:( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ ـ إلى قوله ـمُفْسِدِينَ ) .
قال: بعث الله شعيبا إلى مدين، وهي قرية على طريق الشّام، فلم يؤمنوا به.
( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ) : أمرهم بالتّوحيد أوّلا، فإنّه ملاك الأمر، ثمّ نهاهم عمّا اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخلّ بحكمة التّعاوض.
( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ) : بسعة تغنيكم عن البخس، أو بنعمة حقها أن تتفضّلوا
__________________
(١١) ب: رفعتها. أ: أوقعتها.
(١) من المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) العلل / ٥٦٤.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٣٧.
على النّاس شكرا عليها لا أن تنقصوا حقوقهم. أو بسعة، فلا تزيلوها بما أنتم عليه. وهو في الجملة علّة النّهي.
وقال ـ عليه(١) السّلام ـ وقوله(٢) :( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ) .
قال: كان سعرهم رخيصا.
( وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ) (٨٤): لا يشذّ منه أحد منكم.
وقيل(٣) : عذاب مهلك، من قوله:( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) . والمراد: عذاب يوم القيامة، أو عذاب الاستئصال.
وتوصيف اليوم بالإحاطة، وهي صفة العذاب، لاشتماله عليه.
( وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ) : صرح بالأمر بالإيفاء بعد النّهي عن ضدّه، مبالغة، وتنبيها على أنّه لا يكفيهم الكفّ عن تعمّدهم التّطفيف، بل يلزمهم السّعي في الإيفاء ولو بزيادة لا يتأتّى دونها.
( بِالْقِسْطِ ) : بالعدل والسّويّة.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان، عن رجل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا بالله منهنّ.
إلى أن قال: ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المؤنة وجور السّلطان.
عليّ بن إبراهيم(٥) ، [عن أبيه](٦) وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وجدنا في كتاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فإذا طفّف المكيال والميزان، أخذ [هم](٧) الله بالسّنين والنّقص.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩، ح ٦١ عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
(٢) المصدر: «في قول الله» بدل «وقوله».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٧.
(٤) الكافي ٢ / ٣٧٣، ضمن ح ١.
(٥) الكافي ٢ / ٣٧٤، ضمن ح ٢.
(٦) من المصدر.
(٧) من المصدر.
( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) : تعميم بعد تخصيص. فإنّه أعمّ من أن يكون في المقدار أو في غيره. وكذا قوله:( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (٨٥): فإنّ العثوّ يعمّ تنقيص الحقوق، وغيره من أنواع الفساد.
وقيل(١) : المراد بالبخس: المكس، كأخذ العشور في المعاملات. و «العثوّ» السّرقة وقطع الطريق والغارة. وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضر ـ عليه السّلام ـ.
وقيل(٢) : معناه( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) : أمر دينكم ومصالح آخرتكم.
وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد [عن محمّد](٤) بن خالد البرقيّ، عن سعد بن سعد، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قوم يصغّرون القفيزان يبيعون بها.
قال: أولئك الّذين يبخسون النّاس أشياءهم.
( بَقِيَّتُ اللهِ ) : ما أبقاه لكم من الحلال بعد التّنزّه عمّا حرّم عليكم.
( خَيْرٌ لَكُمْ ) : ممّا تجمعون بالتّطفيف.
( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) : بشرط أن تؤمنوا. فإنّ خيريّتها باستتباع الثّواب مع النّجاة، وذلك مشروط بالإيمان. أو إن كنتم مصدّقين لي في قولي لكم.
وقيل(٥) : «البقيّة» الطّاعة، كقوله:( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) .
وقرئ(٦) : «تقيّة الله» بالتّاء. وهي تقواه الّتي تكفّ عن المعاصي.
( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (٨٦): أحفظكم عن القبائح. أو أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، وإنّما أنا ناصح مبلّغ وقد أعذرت حين أنذرت. أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم.
وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن حفص(٨) بن محمّد قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الدّينوريّ، عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأله رجل عن القائم، يسلّم عليه بإمرة المؤمنين؟
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٧.
(٣) الكافي ٥ / ١٨٤، ح ٣.
(٤) من المصدر.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٨.
(٧) الكافي ١ / ٤١١ ـ ٤١٢، ح ٢.
(٨) المصدر: جعفر بن محمد.
قال: لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. لم يسمّ به أحدا قبله، ولا يتسمّى(١) به بعده إلّا كافر.
قلت: جعلت فداك، كيف يسلّم عليه(٢) ؟ قال :
يقولون: السّلام عليك، يا بقيّة الله. ثمّ قرأ:( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
الحسين بن محمّد(٣) ، عن معلّى بن محمّد، عن عليّ بن أسباط، عن صالح بن حمزة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرميّ قال: لـمّا حمل أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ إلى الشّام إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه، قال لأصحابه ومن كان بحضرته من بني أميّة: إذا رأيتموني [قد وبّخت محمّد بن عليّ ثم رأيتموني](٤) قد سكتّ، فليقبل عليه كلّ رجل منكم فليوبّخه. ثمّ أمر أن يؤذن له.
فلمّا دخل عليه أبو جعفر قال ـ عليه السّلام ـ بيده: السّلام عليكم. فعمّهم جميعا بالسّلام، ثمّ جلس.
فازداد هشام عليه حنقا بتركه السّلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير إذن. فأقبل يوبّخه، ويقول فيما يقول له: يا محمّد بن عليّ، لا يزال الرّجل منكم قد شقّ عصى المسلمين ودعا إلى نفسه، وزعم أنّه الإمام سفها وقلّة علم. ووبّخه بما أراد أن يوبّخه. فلمّا سكت، أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه حتّى انقضى آخرهم.
فلمّا سكت القوم، نهض ـ عليه السّلام ـ قائما. ثمّ قال: أيّها النّاس، أين تذهبون، وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أوّلكم، وبنا يختم آخركم. فإن يكن لكم ملك معجّل، فإنّ لنا ملكا مؤجّلا. وليس بعد ملكنا ملك، لأنّا أهل العاقبة. يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٥) .
فأمر به الى الحبس. فلمّا صار إلى الحبس، تكلّم فلم يبق في الحبس رجل إلّا ترشّفه وحنّ إليه(٦) . فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّي خائف
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يتسمّ.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «نسلّم» بدل «يسلّم عليه».
(٣) الكافي ١ / ٤٧١ ـ ٤٧٢، ح ٥.
(٤) من المصدر.
(٥) الاعراف / ١٢٥.
(٦) في هامش الكافي: ترشّفه، أي: مصّه. وهو كناية عن المبالغة في أخذ العلم عنه. وحنّ إليه :
عليك من أهل الشّام أن يحولوا بينك وبين مجلسك هذا. ثمّ أخبره بخبره.
فأمر به فحمل على البريد هو وأصحابه، ليردّوا إلى المدينة. وأمر أن لا يخرج لهم الأسواق، وحال بينهم وبين الطّعام والشّراب. فساروا(١) ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا، حتّى انتهوا إلى مدين فأغلق باب المدينة دونهم، فشكا أصحابه الجوع والعطش.
قال: فصعد جبلا يشرف عليهم، فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظّالم أهلها، أنا بقيّة الله. يقول الله:( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) .
قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم، فقال لهم: يا قوم، هذه والله دعوة شعيب النّبيّ ـ عليه السّلام ـ. والله، لئن لم تخرجوا إلى هذا الرّجل بالأسواق، لتؤخذنّ من فوقكم ومن تحت أرجلكم. فصدّقوني في هذه المرّة وأطيعوني، وكذّبوني فيما تستأنفون(٢) فإنّي ناصح لكم.
[قال :](٣) فبادروا فأخرجوا إلى محمّد بن عليّ وأصحابه بالأسواق. فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشّيخ، فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ذكر مولد الرّضا ـ عليه السّلام ـ: حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن عليّ بن ميثم، عن أبيه قال: سمعت أمّي تقول: سمعت نجمة، أمّ الرّضا ـ عليه السّلام ـ تقول: لـمّا حملت بابني، عليّ، لم أشعر بثقل الحمل. وكنت أسمع في منامي تسبيحا وتهليلا وتمجيدا من بطني، فيفزعني ذلك ويهولني. فإذا انتبهت، لم أسمع شيئا. فلمّا وضعته، وقع إلى الأرض واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السّماء يحرّك شفتيه، كأنّه يتكلّم. فدخل إليّ(٥) أبوه، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ.
فقال لي: هنيئا لك، يا نجمة، كرامة ربّك.
فناولته إيّاه في خرقة بيضاء. فأذّن في أذنه الأيمن، وأقام في الأيسر. ودعا بماء الفرات، فحنّكه به ثمّ ردّه إليّ.
وقال: خذيه، فإنّه بقيّة الله ـ عزّ وجلّ ـ في أرضه.
__________________
اشتاق.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فصاروا.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تشاءون.
(٣) من المصدر.
(٤) العيون ١ / ٢٠، ح ٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: عليه.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) : حدّثنا عليّ بن عبد الله الورّاق قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعريّ قال: خرج أبو محمّد، الحسن بن عليّ ـ عليه السّلام ـ علينا، وعلى عاتقه غلام، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين.
فقال: يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك على الله ـ عزّ وجلّ ـ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا. إنّه سميّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
إلى أن قال: فنطق الغلام ـ عليه السّلام ـ بلسان عربيّ فصيح.
فقال: أنا بقيّة الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه. فلا تطلب أثرا بعد عين.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(٢) إلى محمّد بن مسلم الثّقفيّ: عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه القائم ـ عليه السّلام ـ: فإذا خرج، أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. فأوّل ما ينطق به هذه الآية:( بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
ثمّ يقول: أنا بقيّة الله [في أرضه](٣) وحجّته وخليفته عليكم. فلا يسلّم عليه مسلم، إلّا قال: السّلام عليك، يا بقيّة الله في أرضه.
وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر الحجّج: هم بقيّة الله، يعني: المهديّ ـ عليه السّلام ـ. الّذي يأتي بعد انقضاء هذه النّظرة، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما.
( قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) : من الأصنام. أجابوا به بعد أمرهم بالتّوحيد، على الاستهزاء به والتّهكّم بصلاته، والإشعار بأنّ مثله لا يدعو إليه داع عقلي، وإنّما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه. وكان كثير الصّلاة، ولذلك جمعوا وخصّوا الصّلاة بالذّكر.
__________________
(١) كمال الدين / ٣٨٤، ضمن ح ١ بتصرّف في صدر المنقول هنا.
(٢) كمال الدين / ٣٣١، ضمن ح ١٦.
(٣) من المصدر.
(٤) الاحتجاج ١ / ٣٧٥.
وقرأ(١) حمزة والكسائيّ وحفص، على الإفراد. والمعنى: أصلواتك تأمرك بتكليف أن نترك. فحذف المضاف، لأنّ الرّجل لا يؤمر بفعل غيره.
( أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ) : عطف على «ما»، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا.
وقرئ(٢) ، بالتّاء، فيهما. على أنّ العطف على «أن نترك». وهو جواب النّهي عن التّطفيف، والأمر بالإيفاء.
وقيل(٣) : كان ينهاهم عن تقطيع الدّراهم والدّنانير، فأرادوا به ذلك.
( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) (٨٧) :
قيل(٤) : تهكّموا به، وقصدوا وصفه بضدّ ذلك. أو علّلوا إنكار ما سمعوا منه واستبعاده بأنّه موسوم بالحلم والرّشد المانعين من المبادرة إلى أمثال ذلك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قالوا: إنّك لأنت السّفيه الجاهل. فحكى(٦) الله ـ عزّ وجلّ ـ قولهم [فقال](٧) :( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) .
( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) : إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنّبوّة.
( وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ) :
إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال. وجواب الشّرط محذوف، تقديره: فهل يسع لي مع هذا الإنعام الجامع للسّعادات الرّوحانيّة والجسمانيّة أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه. وهو اعتذار عمّا أنكروا عليه من تغيير المألوف والنّهي عن دين الآباء.
والضّمير في «منه» لله، أي: من عنده وبإعانته، بلا كدّ منّي في تحصيله.
( وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ) : أي: وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه من شهواتكم، لأستبدّ به دونكم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٨.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٨.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) تفسير القميّ ١ / ٣٣٧.
(٦) المصدر: فكنّى.
(٧) من المصدر.
يقال: خالفت زيدا إلى كذا: إذا قصدته، وهو مولّ عنه. وخالفته عنه: إذا كان الأمر بالعكس، أي: قصده وأنت مولّ عنه.
( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) : ما أريد إلّا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر، ما دمت أستطيع الإصلاح. فلو وجدت الصّلاح فيما أنتم عليه، لما نهيتكم عنه.
ولهذه الأجوبة الثّلاثة عن هذا النّسق شأن، وهو التّنبيه على أنّ العاقل يجب أن يراعي في كلّ ما يليه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمّها وأعلاها حقّ الله، وثانيها حقّ النّفس، وثالثها حقّ النّاس. وكلّ ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به، وأنهاكم عمّا نهيتكم عنه. و «ما» مصدريّة واقعة موقع الظّرف.
وقيل(١) : خبريّة بدل من الإصلاح إلى المقدار الّذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته، فحذف المضاف.
( وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ ) : وما توفيقي لإصابة الحقّ والصّواب، إلّا بهدايته ومعونته.
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) ، فإنّه القادر المتمكّن من كلّ شيء، وما عداه عاجز في حدّ ذاته.
وفيه إشارة إلى محض التّوحيد الّذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ.
في نهج البلاغة(٢) : من كتاب له ـ عليه السّلام ـ إلى معاوية جوابا، قال فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن ذكر عثمان وقتله: وما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم(٣) عليه أحداثا.
فإن كان الذّنب إليه(٤) إرشادي وهدايتي له، فربّ ملوم لا ذنب له.
وقد يستفيد الظنّة المتنصح(٥)
وما أردت إلّا الإصلاح ما استطعت. «وما توفيقي إلّا بالله عليه توكّلت [وإليه أنيب](٦) ».
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٨.
(٢) نهج البلاغة / ٣٨٨، ضمن كتاب ٢٨.
(٣) أ، ب: أهم.
(٤) أ، ب: «الذنوب» بدل «الذنب إليه».
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المظنة المستنصح.
(٦) من المصدر.
( وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (٨٨) :
إشارة إلى معرفة المعاد. وهو أيضا يفيد الحصر بتقديم الصّلة على «أنيب».
وفي هذه الكلمات طلب التّوفيق لإصابة الحقّ فيما يأتي ويذره من الله، والاستعانة في مجامع أمره، والإقبال عليه بشراشره، وحسم أطماع الكفّار، وإظهار الفراغ عنهم، وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم، بالرّجوع إلى الله للجزاء.
وفي كتاب التّوحيد(١) بإسناده إلى عبد الله بن الفضل الهاشميّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: فقلت: قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ ) وقوله(٢) ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ) . فقال: إذا فعل العبد ما أمره الله ـ عزّ وجلّ ـ به من الطّاعة، كان فعله وفقا لأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ وسمّي العبد به موفّقا. وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله، فحال الله ـ تبارك وتعالى ـ بينه وبين تلك المعصية، فتركها، كان تركه لها بتوفيق الله ـ تعالى ذكره ـ. ومتى خلّى بينه وبين المعصية، فلم يخلّ بينه وبينها(٣) حتّى يرتكبها، فقد خذله ولم ينصره ولم يوفّقه.
( وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ ) : لا يكسبنّكم( شِقاقِي ) : خلافي ومعاداتي.
( أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ ) : من الغرق،( أَوْ قَوْمَ هُودٍ ) من الرّيح(٤) ،( أَوْ قَوْمَ صالِحٍ ) من الرّجفة.
و «أن» بصلتها ثاني مفعولي «جرم» فإنّه يعدّى إلى واحد وإلى اثنين، ككسب.
وعن ابن كثير(٥) : «يجرمنّكم» بالضّمّ. وهو منقول من المتعدّي إلى مفعول واحد.
والأوّل أفصح. فإنّ «أجرم» أقلّ دورانا على ألسنة الفصحاء.
وقرئ(٦) : «مثل» ـ بالفتح ـ لإضافته إلى المبنيّ، كقوله :
__________________
(١) التوحيد / ٢٤٢، ذيل ح ١.
(٢) آل عمران / ١٦٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يخلّ بينها بينه وبينها.
(٤) أ، ب: الهلاك.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
(٦) نفس المصدر والموضع.
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت |
حمامة في غصون ذات أو قال |
( وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ) (٨٩) زمانا ومكانا. فإن لم تعتبروا ممّن قبلهم، فاعتبروا بهم. أو: ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم.
وإفراد البعيد، لأنّ المراد: وما إهلاكهم ـ أو وما هم ـ بشيء بعيد. ولا يبعد أن يسوّي في أمثاله بين المذكّر والمؤنّث لأنّها على زنة المصادر كالصّهيل والشّهيق.
( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) عمّا أنتم عليه.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن [أبيه، و](٢) عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، جميعا عن ابن محبوب، عن محمّد بن نعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: حديث طويل، يقول فيه لأصحابه :
ولو لا أنّكم تذنبون فتستغفرون الله، لخلق الله خلقا حتّى يذنبوا ثمّ يستغفروا الله فيغفر(٣) لهم. إنّ المؤمن مفتّن توّاب. أما تسمع(٤) قول الله(٥) ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) وقال(٦) :( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) .
وفي كتاب الخصال(٧) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أربع خصال من كنّ فيه، كان في نور الله الأعظم ـ إلى أن قال ـ: ومن إذا أصاب خطيئة، قال: أستغفر الله، وأتوب إليه.
( إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ) عظيم الرّحمة للتّائبين( وَدُودٌ ) (٩٠) فاعل بهم من اللّطف والإحسان ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه.
وهو وعد على التّوبة، بعد الوعيد على الإصرار.
( قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ ) : ما نفهم( كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) ، كوجوب التّوحيد وحرمة البخس. وما ذكرت دليلا عليهما.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٤٢٤، ذيل ح ١.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: فيغفر [الله] لهم.
(٤) المصدر: سمعت.
(٥) البقرة / ٢٢٢.
(٦) هود / ٣.
(٧) الخصال ١ / ٢٢٢، ح ٤٩.
وذلك لقصور عقلهم، وعدم تفكّرهم.
وقيل(١) : قالوا، ذلك استهانة بكلامه. أو لأنّهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدّة نفرتهم عنه.
( وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ) لا قوّة لك فتمتنع منّا، إن أردنا بك سوء أو مهينا لا عزّة لك.
وقيل(٢) : أعمى، بلغة حمير.
قيل(٣) : وهو مع عدم مناسبته يرده التّقييد بالظّرف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وقد كان ضعف بصره.
ومنع بعض النّاس(٥) المعتزلة استنباء الأعمى، قياسا على القضاء والشّهادة. والفرق بيّن.
( وَلَوْ لا رَهْطُكَ ) : قومك وعزّتهم عندنا، لكونهم على ملّتنا، لا لخوف من شوكتهم. فإنّ الرّهط من الثّلاثة إلى العشرة.
وقيل(٦) : إلى السّبعة.
( لَرَجَمْناكَ ) : لقتلناك برمي الحجارة، أو بأصعب وجه.
( وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) (٩١) فتمنعنا عزّتك عن الرّجم.
قيل(٧) : وهذا ديدن السّفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسّبّ والتّهديد.
وفي إيلاء الضّمير حرف النّفي، تنبيه على أنّ الكلام فيه، لا في ثبوت العزّة، وأنّ المانع لهم من إيذائه عزّة قومه.
ولذلك( قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ) : وجعلتموه كالمنسيّ المنبوذ وراء الظّهر بإشراككم به، والإهانة برسوله، فلا تبقون عليّ لله وتبقون عليّ لرهطي.
وهو يحتمل الإنكار والتّوبيخ والرّدّ والتّكذيب. و «ظهريّ» منسوب إلى الظّهر ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٣٧.
(٥) ليس في أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٧٩.
والكسر من تغييرات النّسب.
( إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (٩٢) فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها.
( وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ) : سبق مثله في سورة الأنعام(١) . والفاء في «فسوف تعلمون»، ثمّة(٢) للتّصريح بأنّ الإصرار والتّمكّن فيما هم عليه سبب لذلك. وحذفها ها هنا، لأنّه جواب سائل قال: فما ذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل.
( وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ ) :
عطف على «من يأتيه»، لا لأنّه قسيم(٣) له ـ كقولهم: ستعلم الكاذب والصّادق ـ بل لأنّهم لـمّا أوعدوه وكذّبوه، قال: سوف تعلمون من المعذّب والكاذب منّي ومنكم.
وقيل(٤) : كان قياسه: «ومن هو صادق» لينصرف الأوّل إليهم، والثّاني إليه، لكنّهم لـمّا كانوا يدعونه كاذبا، قال: «ومن هو كاذب» على زعمهم.
( وَارْتَقِبُوا ) : وانتظروا ما أقول لكم.
( إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) (٩٣): فعيل بمعنى الرّاقب، كالصّريم. أو: المراقب، كالعشير. أو: المرتقب، كالرّفيع.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : محمّد بن الفضيل، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن انتظار الفرج، [فقال: أو ليس تعلم أنّ انتظار الفرج](٦) من الفرج؟ ثمّ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) .
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال الرّضا: ما أحسن الصّبر وانتظار الفرج! أما سمعت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) [وقوله](٨) :( فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (٩) . فعليكم
__________________
(١) الأنعام / ١٣٥.
(٢) أي: هناك.
(٣) أ، ب: قسم.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٠.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩، ح ٦٢.
(٦) من المصدر.
(٧) كمال الدين ٢ / ٦٤٥، ح ٥.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) الأعراف / ٧١.
بالصّبر! فإنّه إنّما يجيء الفرج على اليأس(١) . فقد كان الّذين من قبلكم أصبر منكم.
وفي مجمع البيان(٢) : وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: شعيب ـ عليه السّلام ـ خطيب الأنبياء.
( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) :
إنّما ذكره بالواو ـ كما في قصّة عاد ـ إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السّبب له، بخلاف قصّتي صالح ولوط، فإنّه ذكر بعد الوعد. وذلك قوله:( وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (٣) . وقوله:( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) (٤) . فلذلك جاء بفاء السّببيّة.
( وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) :
قيل(٥) : صاح بهم جبرئيل، فهلكوا.
وفي عيون الأخبار(٦) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ [من خبر الشّاميّ وما سأل عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ](٧) في جامع الكوفة حديث طويل. وفيه: ثمّ قام إليه [رجل](٨) آخر فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيّرنا منه وثقله. وأيّ أربعاء هو. قال: آخر أربعاء في الشّهر(٩) . وهو المحاق. وفيه قتل قابيل أخاه ـ إلى أن قال عليه السّلام ـ: يوم الأربعاء أخذتهم الصّيحة.
وفي الجوامع(١٠) : روي أنّ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ صاح بهم صيحة، فزهق روح كلّ واحد منهم حيث هو.
( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) (٩٤): ميّتين.
وأصل الجثوم: اللّزوم في المكان.
( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) : كأن لم يقيموا فيها أحياء.
( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (٩٥) :
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: البأس.
(٢) المجمع ٣ / ١٨٨.
(٣) هود / ٦٥.
(٤) هود / ٨١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٠.
(٦) العيون ١ / ٢٤٧.
(٧) ليس في أ، ب، ر.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: الشهور.
(١٠) الجوامع / ٢١٠.
قيل(١) : شبّههم بهم، لأنّ عذابهم كان أيضا بالصّيحة، غير أنّ صيحتهم كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم.
وقرئ(٢) : «بعدت» ـ بالضّمّ ـ على الأصل. فإنّ الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك، والبعد مصدر لهما، والبعد مصدر المكسور.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) : بالتّوراة، أو المعجزات.
( وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) (٩٦) :
قيل(٣) : هو المعجزات القاهرة أو العصا واليد(٤) وإفرادها لأنّها أبهرها.
ويجوز أن يراد بهما واحد. أي: ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوّته، واضحا في نفسه، أو موضّحا إيّاها. فإنّ «أبان» جاء لازما ومتعدّيا. والفرق بينهما أنّ الآية تعمّ الأمارة والدّليل القاطع، والسّلطان يخصّ بالقاطع، والمبين يخصّ بما فيه جلاء.
( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) : فاتّبعوا أمره بالكفر بموسى. أو: فما اتّبعوا موسى الهادي إلى الحقّ المؤيّد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتّبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضّلال والطّغيان، الدّاعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل، لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم.
( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) (٩٧): مرشد، أو ذي رشد، وإنّما هو غيّ محض وضلال صريح.
( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) إلى النّار، كما كان يقدمهم في الدّنيا إلى الضّلال. يقال: قدم، بمعنى: تقدّم.
( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) :
ذكره بلفظ الماضي، مبالغة في تحقيقه. ونزّل النّار لهم منزلة الماء، فسمّى إتيانها موردا. ثمّ قال :
( وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) (٩٨)، أي: بئس المورد الّذي وردوه(٥) ، فإنّه يراد
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٠.
(٤) ب: زيادة «واليد».
(٥) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٤٨٠. وفي النسخ: يوردونه.
لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنّار بالضّدّ.
والآية كالدّليل على قوله:( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) . فإنّ من هذا عاقبته، لم يكن في أمره رشد. أو تفسير له، على أنّ المراد بالرّشيد ما يكون مأمون العاقبة وحميدها.
( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، أي: يلعنون في الدّنيا والآخرة.
( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) (٩٩): بئس العون المعان، أو العطاء المعطى.
وأصل الرّفد: ما يضاف إلى غيره ليعمده. والمخصوص بالذّم محذوف. أي: رفدهم، وهو اللّعنة في الدّارين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) :( فِي هذِهِ لَعْنَةً ) ، يعني: الهلاك والغرق.( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ [بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) ، أي :](٢) يرفدهم الله بالعذاب.
( ذلِكَ ) ، أي: ذلك النّبأ( مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ) المهلكة.
( نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ) : مقصوص عليك.
( مِنْها قائِمٌ ) : من تلك القرى باق، كالزّرع القائم( وَحَصِيدٌ ) (١٠٠): [ومنها](٣) عافي الأثر، كالزّرع المحصود.
والجملة مستأنفة.
وقيل(٤) : حال من الهاء في «نقصّه» وليس بصحيح، إذ لا واو ولا ضمير.
وفي تفسير العيّاشي(٥) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قرأ: «فمنها قائما وحصيدا» ـ بالنّصب ـ ثمّ قال: يا أبا محمّد، لا يكون حصيدا(٦) إلّا بالحديد.
وفي رواية أخرى(٧) : «فمنها قائما وحصيدا» ـ بالنّصب ـ ثمّ قال: يا أبا محمّد، لا يكون(٨) الحصيد إلّا بالحديد.
( وَما ظَلَمْناهُمْ ) بإهلاكنا إيّاهم.
( وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بأن عرّضوها بارتكاب ما يوجبه.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٣٧.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في ب.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨١.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩، ح ٦٣.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحصيد.
(٧) تفسير العيّاشي ٣ / ١٥٩، ح ٦٤.
(٨) المصدر: «فمنها قائم وحصيد أيكون» بدل «فمنها قائما لا يكون».
( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ ) : فما نفعتهم، ولا قدرت أن تدفع عنهم( آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) حين جاءهم عذابه ونقمته.
( وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) (١٠١): إهلاك، أو تخسير(١) .
( وَكَذلِكَ ) : ومثل ذلك الأخذ( أَخْذُ رَبِّكَ ) :
وقرئ(٢) : «أخذ ربّك»(٣) بالفعل. وعلى هذا يكون محلّ الكاف النّصب على المصدر.
( إِذا أَخَذَ الْقُرى ) ، أي: أهلها.
وقرئ(٤) : «إذ» لأنّ المعنى على المضيّ.
( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) :
حال من «القرى». وهي في الحقيقة لأهلها، لكنّها لـمّا أقيمت مقامه، أجريت عليها. وفائدتها الإشعار بأنّهم أخذوا بظلمهم، وإنذار كلّ ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العاقبة.
( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (١٠٢): وجيع غير مرجوّ الخلاص عنه.
وهو مبالغة في التّهديد والتّحذير.
وفي مجمع البيان(٥) :( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ ) ـ إلى قوله ـ:( أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) . وفي الصّحيحين عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: [إنّ الله](٦) يمهل الظّالم(٧) حتّى إذا أخذه لم يفلته(٨) .
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) ، أي: فيما نزل بالأمم الهالكة. أو: فيما قصّه(٩) الله من قصصهم( لَآيَةً ) لعبرة.( لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ) يعتبر به عظمته، لعلمه بأنّ ما حاق بهم أنموذج ممّا أعدّ الله للمجرمين في الآخرة. أو: ينزجر به عن موجباته، لعلمه بأنّها من إله مختار يعذّب من يشاء، ويرحم من يشاء. فإنّ من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم، لم
__________________
(١) أ، ب، ر: تحير.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨١.
(٣) ليس في ب.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) المجمع ٣ / ١٩١.
(٦) ليس في أ، ب.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الظالمين.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يمهله.
(٩) أ، ب: قصّهم.
يقل(١) بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكيّة اتّفقت في تلك الأيّام، لا لذنوب المهلكين بها.
( ذلِكَ ) :
إشارة إلى يوم القيامة. وعذاب الآخرة دلّ عليه.
( يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ) ، أي: يجمع له النّاس. والتّغيير للدّلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّه من شأنه لا محالة، وأنّ النّاس لا ينفكّون عنه. فهو أبلغ من قوله(٢) :
( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ) .
ومعنى الجمع له: الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة.
( وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (١٠٣) :
قيل(٣) : أي مشهود فيه أهل السّموات والأرضين. فاتّسع فيه بإجراء الظّرف مجرى المفعول به، كقوله :
في محفل من نواصي النّاس مشهود
أي: كثير شاهدوه.
ولو جعل اليوم مشهودا(٤) في نفسه، لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه. فإنّ سائر الأيّام كذلك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : يشهد عليه الأنبياء والرّسل.
وفي كتاب معاني الأخبار(٦) : حدّثنا أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، ومحمّد بن عليّ بن محبوب، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن صفوان بن يحيى، عن إسماعيل بن جابر، عن رجاله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ذلِكَ يَوْمٌ ) ـ إلى قوله ـ:( يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) قال: المشهود يوم عرفة. والمجموع له النّاس يوم القيامة.
وبإسناده(٧) إلى محمّد بن هاشم، عمّن روى عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال :
__________________
(١) ب: لم يقبل.
(٢) التغابن / ٩.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٨١.
(٤) ب: من.
(٥) ب: زيادة فيه.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٧) المعاني / ٢٩٨، ح ١.
(٨) المعاني / ٢٩٩، ح ٥.
سأله الأبرش الكلبيّ عن قول الله(١) ـ عزّ وجلّ ـ:( وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) . فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما قيل لك؟ فقال: قالوا: الشاهد يوم الجمعة. والمشهود يوم عرفة.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: ليس كما قيل لك. الشّاهد يوم عرفة. والمشهود يوم القيامة. أما تقرأ القرآن!؟ قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) .
وفي روضة الكافي(٢) في كلام لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في الوعظ والزّهد في الدّنيا، وفيه: واعلم ـ يا ابن آدم! ـ أنّ من وراء هذا أعظم وأفضع(٣) وأوجع للقلوب يوم القيامة.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في هذه الآية: فذلك يوم القيامة. وهو اليوم الموعود.
ويمكن الجمع بين الأخبار الدّالّ بعضها على أنّ اليوم(٥) المشهود يوم(٦) عرفة، وبعضها على أنّه يوم القيامة، بأنّ كلا اليومين مشهود. واليوم المجموع له النّاس مخصوص بيوم القيامة.
( وَما نُؤَخِّرُهُ ) ، أي: اليوم( إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ) (١٠٤): إلّا لانتهاء مدّة معدودة متناهية. على حذف المضاف، أو على إرادة مدّة التأجيل. كلّها بالأجل لا منتهاها، فإنّه غير معدود.
( يَوْمَ يَأْتِي ) ، أي: الجزاء المدلول عليه بالفحوى. أو: اليوم ـ كقوله(٧) ـ:( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) ـ على أنّ «يوم» بمعنى حين. أو: الله ـ تعالى ـ، كقوله(٨) :( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ) ونحوه. وإتيان الله إتيان أمره أو شيء منسوب إليه.
وقرأ(٩) ابن عامر وعاصم وحمزة: «يأت» بحذف الياء، اجتزاء عنها بالكسرة.
( لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ) ، لا تتكلّم نفس بما ينفع وينجي، من جواب أو شفاعة.
__________________
(١) البروج / ٣.
(٢) الكافي ٨ / ٧٣، ضمن ح ٢٩.
(٣) ب: أفزع.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩، ح ٦٥.
(٥) أ، ب، ر: يوم.
(٦) ليس في ب، أ، ر.
(٧) يوسف / ١٠٧.
(٨) البقرة / ٢١٠.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٨١.
وهو النّاصب للظّرف. ويحتمل نصبه بإضمار اذكر، أو بالانتهاء المحذوف.
( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) : إلّا بإذن الله، كقوله(١) :( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) .
وهذا في موقف، وقوله(٢) :( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) في موقف آخر.
وقيل(٣) : أو المأذون فيه هي الجوابات الحقّة، والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة.
والأوّل هو المرويّ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في كتاب التّوحيد(٤) .
( فَمِنْهُمْ شَقِيٌ ) وجبت له النّار، بمقتضى الوعيد( وَسَعِيدٌ ) (١٠٥): وجبت له الجنّة، بمقتضى الوعد.
والضّمير لأهل الموقف، وإن لم يذكر. لأنّه معلوم مدلول عليه بقوله:( لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ) . أو للنّاس.
( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) (١٠٦) :
الزّفير: إخراج النّفس. والشّهيق: ردّه، واستعمالهما في أوّل النّهيق وآخره.
والمراد بهما الدّلالة على شدّة كربهم وغمّهم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه، وانحصر فيه روحه. أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير.
وقرئ(٥) : «شقوا» بالضّمّ.
( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) :
قيل(٦) : ليس لارتباط دوامهم في النّار بدوامهما ـ فإنّ النّصوص دالّة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما ـ بل التّعبير عن التّأبيد والمبالغة بما كانت العرب يعبّرون عنه، على سبيل التّمثيل. ولو كان للارتباط، لم يلزم ـ أيضا ـ من زوال السّموات والأرض زوال عذابهم، ولا من دوامه دوامهما، إلّا من قبيل المفهوم، لأنّ دوامهما كالملزوم لدوامه.
وقد عرفت أنّ المفهوم لا يقاوم المنطوق.
وقيل(٧) : المراد سموات الآخرة وأرضها. ويدلّ عليه قوله(٨) ـ تعالى ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ
__________________
(١) النبأ / ٣٨.
(٢) المرسلات / ٣٥ ـ ٣٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
(٤) التوحيد / ٢٦٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
(٨) إبراهيم / ٤٨.
الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) ، وأنّ أهل الآخرة لا بدّ لهم من مظلّ ومقلّ.
واعترض عليه بأنّه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه. ومن عرفه، فإنّما(١) يعرفه بما يدلّ عليه دوام الثّواب والعقاب. فلا يجدي له التّشبيه.
والتّحقيق أنّ هذا في نار الدّنيا في البرزخ، قبل يوم القيامة. وسيأتي من الأخبار ما يدلّ عليه. وحينئذ لا إشكال في الارتباط.
( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) :
قيل(٢) : استثناء من الخلود في النّار. لأنّ بعضهم ـ وهم فسّاق الموحّدين ـ يخرجون منها. وذلك كاف في صحّة الاستثناء. لأنّ زوال الحكم عن الكلّ يكفيه زواله عن البعض. وهم المراد بالاستثناء الثّاني. فإنّهم مفارقون عن الجنّة أيّام عذابهم. فإنّ التّأبيد من مبدأ معيّن ينتقض باعتبار الابتداء، كما ينتقض باعتبار الانتهاء. وهؤلاء، وإن شقوا بعصيانهم، فقد سعدوا بإيمانهم. قال(٣) : ولا يقال: فعلى هذا لم يكن قوله:( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) تقسيما صحيحا. لأنّ من شرطه أن يكون صفة كلّ قسم منتفية عن قسيمه. لأنّ ذلك الشّرط حيث التّقسيم لانفصال حقيقيّ، أو مانع من الجمع. وها هنا المراد أنّ أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وأنّ حالهم لا يخلو عن السّعادة والشّقاوة. وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين. أو لأنّ أهل النّار ينقلون منها إلى الزّمهرير وغيره من العذاب أحيانا. وكذلك أهل الجنّة ينعمون بما هو أعلى من الجنّة، كالاتّصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه. أو من أصل الحكم. والمستثنى زمان توقّفهم في الموقف للحساب. لأنّ ظاهره يقتضي أن يكونوا في النّار حين يأتي اليوم، أو مدّة لبثهم في الدّنيا والبرزخ، إن كان الحكم مطلقا غير مقيّد باليوم. وعلى هذا التّأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت.
وقيل(٤) : هو من قوله:( لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) .
وقيل(٥) : «إلّا» ها هنا بمعنى سوى ـ كقولك: عليّ ألف إلّا الألفان القديمان ـ والمعنى: سوى ما شاء ربّك من الزيّادة الّتي لا اخر لها على مدّة بقاء السّموات والأرض.
__________________
(١) ب: فإنّه.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
(٣) ليس في المصدر.
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٢.
انتهى، وعلى ما ذكرنا لا إشكال في الاستثناء.
( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) (١٠٧): من غير اعتراض.
( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (١٠٨): غير مقطوع.
وقرأ(١) حمزة والكسائي وحفص: «سعدوا» ـ على البناء للمفعول ـ من: سعده الله، بمعنى: أسعده. و «عطاء» نصب على المصدر المؤكّد. أي: أعطي عطاء. أو حال من «الجنّة».
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) في هذه الآية: «يوم يأت» والّتي بعدها: هذا في نار الدّنيا قبل يوم القيامة.
قال: وأمّا قوله:( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ) ، يعني: في جنان الدّنيا الّتي تنقل إليها أرواح المؤمنين.( ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ، يعني: غير مقطوع من نعيم الآخرة في الجنّة يكون متصلا به.
قال: وهو ردّ على من أنكر عذاب القبر والثّواب والعقاب في الدّنيا في البرزخ، قبل يوم القيامة.
ويؤيد هذا التّفسير قوله(٣) ـ تعالى ـ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) .
قال الصّادق(٤) ـ عليه السّلام ـ إنّ هذا في نار البرزخ قبل القيامة، إذ لا غدوّ ولا عشيّ في القيامة. ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ: ألم تسمع قول الله(٥) ـ عزّ وجلّ ـ:( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) !؟
وفي الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن بريد(٧) بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في خطبة يوم الجمعة الخطبة الأولى: الحمد لله. نحمده(٨) ونستعينه ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٣.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٣) غافر / ٤٦.
(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢٥٨ بتصرّف في الألفاظ، وتفسير الصافي ٢ / ٤٧٣.
(٥) غافر / ٤٦.
(٦) الكافي ٣ / ٤٢٢، صدر ح ٦.
(٧) ب: يزيد.
(٨) ليس في ب.
ونستغفره ونستهديه ـ إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ :
وقد أخبركم الله عن منازل من آمن وعمل صالحا، وعن منازل من كفر وعمل في غير سبيله ـ. وقال:( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ ) (الآيات). نسأل الله الّذي جمعنا لهذا الجمع، أن يبارك لنا في يومنا هذا، وأن يرحمنا جميعا. إنّه على كلّ شيء قدير.
وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى عبد الله بن سلام مولى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال :
سألت: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقلت: أخبرني أيعذّب الله ـ عزّ وجلّ ـ خلقا بلا حجّة؟ فقال: معاذ الله!
قلت: فأولاد المشركين في الجنّة أم في النّار؟ فقال: الله ـ تبارك وتعالى ـ أولى بهم. إنّه إذا كان يوم القيامة، وجمع الله ـ عزّ وجلّ ـ الخلائق لفصل القضاء(٢) ، يأتي بأولاد المشركين. فيقول لهم: عبيدي وإمائي! من ربّكم؟ وما دينكم؟ وما أعمالكم؟ فيقولون: أللّهمّ ربّنا! أنت خلقتنا، ولم نخلق(٣) شيئا. وأنت أمتّنا، ولم نمت(٤) شيئا. ولم تجعل لنا ألسنة [ننطق بها](٥) ولا أسماعا [نسمع بها](٦) ، ولا كتابا نقرؤه، ولا رسولا فنتّبعه. ولا علم لنا إلّا ما علّمتنا.
قال: فيقول لهم ـ عزّ وجلّ ـ: عبيدي وإمائي! إن أمرتكم بأمر تفعلونه(٧) ؟ فيقولون: السّمع والطّاعة لك يا ربّنا!
قال: فيأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ نارا يقال لها «الفلق» أشدّ شيء في جهنّم عذابا. فتخرج من مكانها سوداء مظلمة بالسّلاسل والأغلال. فيأمر [ها](٨) الله ـ عزّ وجلّ ـ أن تنفخ في وجوه الخلائق نفخة. [فتنفخ](٩) . فمن شدّة نفختها، تنقطع السّماء، وتنطمس النّجوم، وتجمد البحار، وتزول الجبال، وتظلم الأبصار، وتضع الحوامل حملها، وتشيب الولدان من هولها يوم القيامة.
ثمّ يأمر الله ـ تبارك وتعالى ـ أطفال المشركين أن يلقوا أنفسهم في تلك النّار. فمن
__________________
(١) التوحيد / ٣٩٠ ـ ٣٩٢، ح ١.
(٢) كذا في المصدر. وفي ب: الخطاب. وفي سائر النسخ: القظا.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم تخلق.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم تمت.
(٥ و ٦) من المصدر.
(٧) المصدر: أتفعلوه.
(٨ و ٩) من المصدر.
سبق له في علم الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يكون سعيدا، ألقى نفسه فيها، فكانت عليه بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم. ومن سبق له في علم الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يكون شقيّا، امتنع، فلم يلق نفسه في النّار. فيأمر الله ـ تبارك وتعالى ـ النّار فتلتقطه(١) لتركه أمر الله وامتناعه من الدّخول فيها، فيكون تبعا لآبائه في جهنّم. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) ـ إلى قوله ـ:( غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) .
وحدثنا الشّريف(٢) أبو عليّ محمّد بن أحمد [بن محمد](٣) بن عبد الله بن الحسن [بن الحسين بن عليّ بن الحسين](٤) بن عليّ بن أبي طالب قال: حدّثنا [عليّ بن](٥) محمّد بن قتيبة النيّشابوريّ، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير قال :
سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ عن معنى قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الشّقيّ من شقيّ في بطن أمّه. [والسعيد من سعد في بطن امّه](٦) . فقال: الشّقيّ من علم الله ـ عزّ وجلّ ـ وهو في بطن أمّه ـ أنّه يعمل عمل(٧) الأشقياء. والسّعيد من علم الله ـ وهو في بطن أمّه ـ أنّه سيعمل عمل(٨) السّعداء.
وفي أصول الكافي(٩) : محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله خلق السّعادة والشّقاوة قبل أن يخلق خلقه. فمن خلقه الله سعيدا، لم يبغضه أبدا. [وإن عمل شرّا، أبغض عمله ولم يبغضه](١٠) . [وإن كان شقيا، لم يحبّه أبدا، وإن عمل صالحا، أحبّ عمله وأبغضه، لما يصير إليه. فإذا أحبّ الله شيئا، لم يبغضه](١١) أبدا(١٢) . وإذا أبغض شيئا، لم يحبّه أبدا.
عليّ بن محمّد(١٣) ، رفعه عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ جالسا، وقد سأله سائل فقال: جعلت فداك ـ يا ابن رسول الله ـ
__________________
(١) ب: فتلقطه.
(٢) التوحيد / ٣٥٦، صدر ح ٣.
(٣ و ٤ و ٥) من المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: سيعمل أعمال.
(٨) المصدر: أعمال.
(٩) الكافي ١ / ١٥٢ ـ ١٥٣، ح ١.
(١٠) ليس في ب، ر.
(١١) من المصدر.
(١٢) ليس في ب، ر.
(١٣) نفس المصدر / ١٥٣، ح ٢.
من أين لحق الشّقاء أهل المعصية حتّى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أيّها السّائل! حكم الله ـ عزّ وجلّ ـ أن لا يقوم(١) له أحد من خلقه [بحقّه](٢) . فلمّا حكم بذلك، وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله. ووهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم، لسبق علمه فيهم ومنعهم إطاقة القبول منه. فواقعوا(٣) ما سبق لهم في علمه، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه. لأنّ علمه أولى بحقيقة التّصديق. وهو معنى شاء ما شاء. وهو سرّه.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن معلّى بن(٥) عثمان، عن عليّ بن حنظلة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
يسلك بالسّعيد في طريق الأشقياء، حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم! ثمّ تتداركه السّعادة. وقد يسلك بالشّقيّ طريق السّعداء، حتّى يقول النّاس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم! ثمّ يتداركه الشّقاء. إنّ من كتبه الله سعيدا ـ وإن لم يبق من الدّنيا إلّا فواق ناقة ـ ختم له بالسّعادة.
وفي كتاب التّوحيد(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ الله ـ تعالى ـ ينقل العبد من الشّقاء إلى السّعادة، ولا ينقله من السّعادة إلى الشّقاء.
وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى محمّد بن عبد الله بن زرارة، عن عليّ بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ :
تحوّل النّطفة في الرّحم أربعين يوما. فمن أراد أن يدعو الله ـ عزّ وجلّ ـ ففي تلك(٨) الأربعين قبل أن تخلق. ثمّ يبعث الله ـ عزّ وجلّ ـ ملك الأرحام. فيأخذها، فيصعد(٩) بها إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ فيقف منه حيث شاء(١٠) الله. فيقول: يا إلهي، أذكر أم أنثى؟ فيوحي
__________________
(١) ب: أن لا يقوم.
(٢) من المصدر.
(٣) بعض نسخ المصدر: فوافقوا.
(٤) نفس المصدر / ١٥٤، ح ٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي.
(٦) التوحيد / ٣٥٨، ذيل ح ٦.
(٧) العلل / ٩٥، ضمن ح ٤.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: ذلك.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيصعدها فيأخذ.
الله ـ عزّ وجلّ ـ ما يشاء، ويكتب الملك. [ثم يقول: يا إلهي(١) أشقيّ أم سعيد؟ فيوحي الله ـ عزّ وجلّ ـ (من ذلك)(٢) ما يشاء، ويكتب الملك.](٣) .
وفي كتاب معاني الأخبار(٤) : حدّثنا محمّد بن القاسم المفسّر الجرجانيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الحسينيّ، عن الحسن بن عليّ النّاصر [ي](٥) ، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه الرّضا، عن أبيه(٦) موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين ـ عليهم السّلام ـ قال: قيل لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: صف لنا الموت. فقال: على الخبير سقطتم. هو أحد أمور ثلاثة يرد عليها(٧) : إمّا بشارة بنعيم الأبد [وإمّا بشارة بعذاب الأبد.](٨) وإمّا تخويف(٩) وتهويل وأمر [ه](١٠) مبهم لا يدرى من أيّ الفريقين هو. فأمّا وليّنا المطيع لأمرنا، فهو المبشّر بنعيم الأبد. وأمّا عدوّنا المخالف علينا، فهو المبشّر بعذاب الأبد.
وأمّا المبهم أمره الّذي لا يدري ما حاله، فهو المؤمن المسرف على نفسه، لا يدري ما يؤول إليه حاله. يأتيه الخبر(١١) مبهما محزنا(١٢) . ثمّ لن يسوّيه(١٣) الله ـ عزّ وجلّ ـ بأعدائنا، لكن يخرجه من النّار بشفاعتنا.
فاعملوا وأطيعوا! ولا تنكلوا! ولا تستصغروا(١٤) عقوبة الله ـ عزّ وجلّ ـ! فإنّ من المسرفين من لا تلحقه(١٥) شفاعتنا إلّا بعد عذاب ثلاثمائة ألف سنة.
وفي كتاب الخصال(١٦) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، [عن آبائه](١٧) عن عليّ
__________________
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقف ما شاء.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقول يا رب.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في ب.
(٤) المعاني / ٢٨٨، ح ٢.
(٥) من المصدر مع المعقوفتين.
(٦) ليس في ب.
(٧) المصدر: عليه.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: تحزين.
(١٠) من المصدر مع المعقوفتين.
(١١) أ، ب: الخير.
(١٢) المصدر: مخوفا.
(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يستويه.
(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تصغروا.
(١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يلحق.
(١٦) الخصال ١ / ٥، ح ١٤.
(١٧) من المصدر.
ـ عليهم السّلام ـ أنّه قال: حقيقة السّعادة أن يختم الرّجل عمله بالسّعادة. وحقيقة الشّقاوة أن يختم للمرء عمله بالشّقاوة.
عن جعفر بن محمّد(١) ، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من علامات الشّقاء جمود العينين(٢) ، وقسوة القلب، وشدّة الحرص في طلب الرّزق، والإصرار على الذّنب.
وبالإسناد(٣) عن عليّ ـ عليه السّلام ـ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: يا عليّ، أربع خصال من الشّقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الأمل، وحبّ البقاء.
وفي تفسير العيّاشي(٤) ، عن مسعدة بن صدقة قال: قصّ أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ قصص أهل الميثاق من أهل الجنّة وأهل النّار، فقال في صفات أهل الجنّة: فمنهم من لقي الله شهيدا لرسله ـ ثمّ مرّ(٥) في صفتهم حتّى بلغ من قوله ـ :
ثمّ جاء الاستثناء من الله في الفريقين جميعا، فقال الجاهل بعلم التّفسير: «إنّ هذا الاستثناء من الله، إنّما هو لمن دخل الجنّة والنّار. وذلك أنّ الفريقين جميعا يخرجان منهما فيبقيان، وليس فيهما أحد».
وكذبوا! إنّما(٦) عنى بالاستثناء أنّ(٧) ولد آدم كلّهم وولد الجانّ معهم على الأرض، والسّموات تظلّهم، فهو ينقل المؤمنين حتّى يخرجهم إلى ولاية الشّياطين، وهي النّار. فذلك الّذي عنى الله في أهل الجنّة والنّار:( ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) . يقول: في الدّنيا.
والله ـ تبارك وتعالى ـ ليس مخرج(٨) أهل الجنّة منها [أبدا](٩) . ولا كلّ أهل النّار منها [أبدا](١٠) . كيف يكون ذلك، وقد قال الله ـ تعالى ـ في كتابه(١١) :( ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) !؟ ليس فيهما استثناء.
__________________
(١) الخصال ١ / ٢٤٣، ح ٩٦.
(٢) المصدر: العين.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٩٧.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٥٩ ـ ١٦٠، ح ٦٦.
(٥) بعض نسخ المصدر: من.
(٦) المصدر: لكن.
(٧) ليس في ب.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يخرج.
(٩ و ١٠) من المصدر.
(١١) الكهف / ٣.
وكذلك قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: من دخل ولاية آل محمّد، دخل الجنّة. ومن دخل في ولاية عدوّهم، دخل النّار. وهذا الّذي عنى(١) الله تفسير(٢) من الاستثناء في الخروج من الجنّة والنّار والدخول.
عن زرارة(٣) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ ) (إلى آخر الآيتين). قال: هاتان الآيتان في غير أهل الخلود من أهل الشّقاوة والسّعادة. إن شاء الله يجعلهم خارجين(٤) . ولا تزعم ـ يا زرارة! ـ أنّي أزعم ذلك.
حمران(٥) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ قلت(٦) : جعلت فداك، قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) لأهل النّار. أفرأيت قوله لأهل الجنّة:( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) ؟ قال: نعم. إن شاء، جعل لهم دنيا، فردّهم وما شاء(٧) .
وسئل(٨) عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) فقال: هذه في الّذين يخرجون من النّار.
عن أبي بصير(٩) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) قال: في ذكر أهل النّار استثنى(١٠) . وليس في ذكر أهل الجنّة استثناء(١١) .( أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ ـ إلى قوله: ـعَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (١٢) .
وفي رواية حمّاد(١٣) ، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) [بالذال](١٤) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: على.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٠، ح ٦٧.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يجعلهما حين.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٠، ح ٦٨.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) ب: ما شاءه.
(٨) المصدر: سألته.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٠، ح ٦٩. ( ١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: استثناء.
(١١) المصدر: استثنى. ( ١٢) في البحار: «غير مجدود» بالدال المهملة وهو الصحيح بحسب السياق.
(١٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦١، ح ٧٠. ( ١٤) من المصدر.
( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ) : في شكّ بعد ما أنزل عليك القصص في سوء عاقبة عبدة الأوثان وغيرهم.
( مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ) : من عبادة هؤلاء المشركين في أنّها ضلال مؤدّ إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم ممّن قصصت عليك سوء عاقبة(١) عبادتهم. أو: من حال ما يعبدونه فإنّه لا يضرّ ولا ينفع.
( ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) :
استئناف معناه تعليل النّهي عن المرية، أي: هم وآباؤهم سواء في الشّرك. أي: ما يعبدون عبادة إلّا كعبادتهم. أو: ما يعبدون شيئا إلّا مثل ما عبدوه من الأوثان، وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك، فسيلحقهم مثله. لأنّ التّماثل في الأسباب، يقتضي التماثل في المسبّبات.
ومعنى «كما يعبد»: كما كان يعبد. فحذف لدلالة «من قبل» عليه.
( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) : حظّهم من العذاب ـ كآبائهم ـ أو من الرّزق. فيكون عذرا لتأخّر العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه.
( غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) (١٠٩) :
حال من النّصيب لتقييد التّوفية. فإنّك تقول: وفّيته حقّه. ويريد به وفاء بعضه، ولو مجازا.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) ، فآمن به قوم، وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن.
( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) ، يعني: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة،( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بإنزال ما يستحقّه المبطل، ليتميّز به عن المحقّ.
وفي روضة الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسين بن عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ آتَيْنا ـ إلى قوله: ـفِيهِ ) قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمّة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الّذي مع القائم الّذي يأتيهم به، حتّى ينكره ناس
__________________
(١٤) من المصدر.
(١) ب: عاقبتهم.
(٢) الكافي ٨ / ٢٨٧، ضمن ح ٤٣٢.
كثير، فيقدّمهم فيضرب أعناقهم. وأمّا قوله:( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ) (١) ( مِنْ رَبِّكَ) لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) ، قال: لو لا ما تقدّم فيهم من الله ـ عزّ ذكره ـ ما أبقى القائم منهم أحدا(٢) .
( وَإِنَّهُمْ ) : وإنّ كفّار قومك( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) : من القرآن( مُرِيبٍ ) (١١٠): موقع للرّيبة.
( وَإِنَّ كُلًّا ) : كلّ(٣) المختلفين، المؤمنين منهم والكافرين.
والتّنوين بدل المضاف إليه.
وقرأ(٤) ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتّخفيف مع الإعمال، اعتبارا للأصل.
( لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: في القيامة.
واللّام الأولى موطّئة للقسم، والثّانية للتّأكيد، أو بالعكس. و «ما» مزيدة بينهما للفصل.
وقرأ(٦) ابن عامر وحمزة: «لمّا» ـ بالتّشديد ـ على أنّ أصله: «لمن ما» فقلبت النّون ميما [للإدغام. فاجتمعت ثلاث ميمات](٧) فحذفت أولاهنّ. والمعنى: لمن الّذين يوفّينّهم ربّك جزاء أعمالهم.
وقرئ(٨) : «لمّا» ـ بالتنوين ـ أي: جميعا، كقوله(٩) :( أَكْلاً لَمًّا ) . و( إِنْ كُلٌّ لَمَّا ) على أنّ «إن» نافية و «لمّا» بمعنى إلّا. وقد قرئ به(١٠) .
( إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (١١١) فلا يفوته شيء منه، وإن خفي.
( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) :
لمّا بيّن أمر المختلفين في التّوحيد والنّبوّة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد، أمر رسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالاستقامة مثل ما أمر بها. وهي شاملة للاستقامة في العقائد ـ كالتّوسّط بين التّشبيه والتّعطيل بحيث يبقى العقل مصونا من الطّرفين ـ والأعمال، من
__________________
(١) المصدر: الفصل.
(٢) المصدر: واحدا.
(٣) ب: كلّ من المختلفين.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٣.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٣.
(٧) ليس في أ، ب.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٣.
(٩) الفجر / ١٩.
(١٠) أى: «إن كلٌّ إلّا».
تبليغ الوحي وبيان الشّرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوّت للحقوق، ونحوها. وهو غاية العسر.
وقد مرّ ما روي عنه ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: شيّبتني سورة هود.
( وَمَنْ تابَ مَعَكَ ) ، أي: تاب من الكفر والشّرك وآمن معك.
وهو عطف على المستكنّ في «استقم» وإن لم يؤكّد بمنفصل، لقيام الفاصل مقامه.
( وَلا تَطْغَوْا ) : ولا تخرجوا عمّا حدّ لكم.
( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (١١٢) فهو مجازيكم عليه. وهو في معنى التّعليل للأمر والنّهي.
وفي الآية دليل على وجوب اتّباع النّصوص من غير تصرّف وانحراف بنحو قياس.
وفي الجوامع(١) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ:( [فَاسْتَقِمْ] ) (٢) ( كَما أُمِرْتَ ) ، أي: كما(٣) افتقر إلى الله بصحّة العزم.
وعن ابن عبّاس(٤) : ما نزلت آية كانت أشقّ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من هذه الآية. ولهذا قال: شيّبتني هود والواقعة وأخواتها.
( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : ولا تميلوا إليهم أدنى ميل ـ فإنّ الرّكون هو الميل اليسير ـ( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) بركونكم إليهم.
وإذا كان الرّكون إلى من وجد منه ما يسمّى ظلما كذلك، فما ظنّك بالرّكون إلى الظّالمين ـ أي: الموسومين بالظّلم ـ ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل، ثمّ بالظّلم على نفسه والانهماك فيه!؟
ولعلّ الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن الظّلم والتّهديد عليه.
وخطاب الرّسول ومن معه من المؤمنين بها، للتّثبّت على الاستقامة الّتي هي العدل. فإنّ الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط، فإنّه ظلم على نفسه أو غيره، بل ظلم في نفسه.
__________________
(١) الجوامع / ٢١١.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) نفس المصدر والموضع.
وقرئ(١) : «فتمسّكم» ـ بكسر التّاء ـ على لغة تميم. و «تركنوا» على البناء للمفعول، من أركنه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) . قال: ركون مودّة ونصيحة وطاعة.
وفي مجمع البيان(٣) : وروي عنهم ـ عليهم السّلام ـ مثله.
وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، رفعه عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَرْكَنُوا ـ إلى قوله: ـالنَّارُ ) قال: هو الرّجل يأتي السّلطان فيحبّ بقاءه إلى أن يدخل يده في(٥) كيسه فيعطيه.
وفي روضة الكافي(٦) كلام لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في الوعظ والزّهد في الدّنيا: ولا تركنوا إلى الدّنيا! فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قال لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَلا تَرْكَنُوا ـ إلى قوله: ـالنَّارُ ) .
وفي كتاب الخصال(٧) : وعن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قال: قال إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أوصى [إلى أمير المؤمنين](٨) عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ وكان فيما(٩) أوصى به ـ إلى أن قال: ـ لا تركن إلى ظالم، وإن كان حميما قريبا.
وفي تفسير العيّاشي(١٠) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( وَلا تَرْكَنُوا ) (الآية) قال: أما إنّه لم يجعلها خلودا، ولكن تمسّكم. فلا تركنوا إليهم.
وفي الآية دلالة على وجوب العصمة في الإمام وأولي الأمر. لأنّ الإمام واجب الإطاعة، بقوله(١١) :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) . ووجوب الإطاعة يستلزم الرّكون. وغير المعصوم من يصدر عنه الذّنب أحيانا، فيصدق عليه أنّه من الّذين
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٤.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٣) المجمع ٣ / ٢٠٠.
(٤) الكافي ٥ / ١٠٨ ـ ١٠٩، ح ١٢.
(٥) المصدر: إلى.
(٦) الكافي ٨ / ٧٥، ضمن ح ٢٩.
(٧) الخصال ٢ / ٥٤٣، ضمن ح ١٩.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فيما كان» بدل «وكان فيما».
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦١، ح ٧٢.
(١١) النساء / ٥٩.
ظلموا. والرّكون إليه منهيّ عنه.
( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) : من أنصار يمنعون العذاب عنكم.
( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) (١١٣): ثمّ لا ينصركم الله، إذ سبق في حكمه أن يعذّبكم به ولا يبقى عليكم.
و «ثمّ» لاستبعاد نصره إيّاهم، وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم. ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد. فإنّه لـمّا بيّن أنّ الله ـ تعالى ـ يعذّبهم، وأنّ غيره لا يقدر على نصرهم، أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا.
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) : غدوة وعشيّة.
وانتصابه على الظّرف، لأنّه مضاف إليه.
( وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) : وساعات منه قريبة من النّهار. فإنّه من: أزلفه: إذا قرّبه. وهو جمع زلفة.
وفي تهذيب الأحكام(١) : أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: وقال في ذلك( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) . وطرفاه(٢) المغرب والغداة،( وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) هي صلاة العشاء الآخرة.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ مثله(٤) .
وقيل(٥) : صلاة العشيّة والعصر.
وقيل(٦) : الظّهر. وصلاة الزّلف المغرب والعشاء.
وقرئ(٧) : «زلفا» بضمّتين وضمّة وسكون، كبسر وبسر في بسرة. و «زلفى» بمعنى زلفة، كقربى وقربة.
( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) : يكفرّنها.
وفي الحديث النّبوّي المشهور(٨) : أنّ الصّلاة إلى الصّلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنب
__________________
(١) التهذيب ٢ / ٢٤١.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «طرفاء» بدل «وطرفاه».
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦١، ح ٧٣.
(٤) ليس في أ، ب.
(٥ و ٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٤.
(٨) نفس المصدر والموضع.
الكبائر.
وفي الكافي(١) : محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عمّن حدّثه عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) قال: صلاة المؤمن بالّليل تذهب بما عمل من ذنب بالنّهار.
وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن فضيل(٣) بن عثمان المراديّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ :
أربع من كنّ فيه لم يهلك على الله بعدهنّ إلّا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها. فإن هو لم يعملها، كتب الله له حسنة(٤) . وإن هو عملها، كتب الله له عشرا. ويهمّ بالسّيّئة أن يعملها. فإن لم يعملها، لم يكتب عليه شيء. وإن هو عملها، أجّل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات ـ وهو صاحب الشّمال ـ: لا تعجل. عسى أن يتبعها(٥) بحسنة تمحوها. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) . أو الاستغفار. فإن هو قال: «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشّهادة العزيز الحكيم الغفور الرّحيم ذو الجلال والإكرام وأتوب إليه»، لم يكتب عليه شيء. وإن مضت سبع ساعات، ولم يتبعها(٦) بحسنة واستغفار، قال صاحب الحسنات لصاحب السّيّئات: أكتب على الشّقيّ المحروم.
وفي مجمع البيان(٧) : وروى أصحابنا عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال :
واعلم أنّه ليس شيء أضرّ عاقبة، ولا أسرع ندامة، من الخطيئة. وأنّه ليس شيء أشدّ طلبا، ولا أسرع دركا للخطيئة، من الحسنة. أما إنّها تدرك الذّنب العظيم القديم المنسيّ عند صاحبه، فتنحته(٨) وتسقطه وتذهب به بعد إثباته(٩) . وذلك قوله
__________________
(١) الكافي ٣ / ٢٦٦، ح ١٠.
(٢) الكافي ٢ / ٤٢٩ ـ ٤٣٠، ح ٤.
(٣) المصدر، ب: فضل.
(٤) المصدر: زيادة «بحسن نيّته».
(٥) أ، ر: يبقها.
(٦) أ، ر: لم يبقها.
(٧) المجمع ٣ / ٢٠١.
(٨) المصدر: عامله فتجتذبه.
ـ سبحانه ـ:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) .
وروي(١) عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أحدهما ـ عليهما السّلام ـ يقول: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال :
سمعت حبيبي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: أرجى آية في كتاب الله:( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) ـ وقرأ الآية كلّها قال :
يا عليّ، والّذي بعثني بالحقّ(٢) بشيرا ونذيرا، إنّ أحدكم ليقوم إلى وضوئه، فتساقط عن جوارحه الذّنوب. فإذا استقبل الله بقلبه ووجهه، لم ينفتل وعليه من ذنوبه شيء، كما ولدته أمّه. فإن أصاب شيئا بين الصّلاتين، كان له مثل ذلك ـ حتّى عدّ الصّلوات الخمس ثمّ قال :
[يا عليّ ،](٣) إنّما مثل الصّلوات الخمس لأمّتي، كنهر جار على باب أحدهم. فما يظنّ أحدكم لو(٤) كان في جسده درن، ثمّ اغتسل في ذلك النّهر خمس مرّات، أكان يبقى في جسده درن!؟ فكذلك ـ والله ـ الصّلوات الخمس لأمّتي.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٥) بإسناده إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: وإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يكفّر بكلّ حسنة سيّئة. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) .
وفي كتاب ثواب الأعمال(٦) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لا يغرّك النّاس من نفسك. فإنّ الأمر يصل إليك من(٧) دونهم. ولا تقطع النّهار بكذا وكذا. فإنّ معك من يحفظ عليك.
ولم أر شيئا قطّ أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من الحسنة المحدثة(٨) للذّنب القديم(٩) ولا تصغّر شيئا من الخير. [فإنّك تراه غدا حيث يسرّك. ولا تصغّر شيئا من الشّر.](١٠) فإنّك
__________________
(٩) ب: إسقاطه.
(١) نفس المصدر والموضع. وفيه: ورووا.
(٢) المصدر: في الحقّ.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أحدهم إذا.
(٥) أمالي الطوسي ١ / ٢٥.
(٦) ثواب الأعمال / ١٦٢، ح ١.
(٧) المصدر: [من].
(٨) ليس في المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: العظيم.
(١٠) من المصدر. وفي النسخ: «ولا تحتقر سيّئة» بدل ما بين المعقوفتين.
تراه غدا حيث يسوءك. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن إبراهيم الكرّخيّ قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. فدخل [عليه](٢) مولى له فقال: يا فلان، متى جئت؟ فسكت. فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ :
جئت من ها هنا ومن(٣) ها هنا. انظر بما تقع(٤) به يومك. فإنّ معك ملكا موكّلا يحفظ عليك ما تعمل. فلا تحتقر(٥) سيّئة، وإن كانت صغيرة. فإنّها ستسوؤك(٦) يوما. ولا تحتقر(٧) حسنة. فإنّه ليس شيء أشدّ طلبا، ولا أسرع دركا، من الحسنة. إنّها لتدرك الذّنب العظيم القديم، فتذهب به. وقال الله في كتابه:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) . قال(٨) : صلاة اللّيل تذهب بذنوب النّهار. وقال: تذهب ما(٩) جرحتم.
عن إبراهيم بن عمر(١٠) ، رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ـ إلى: ـالسَّيِّئاتِ ) . فقال: صلاة المؤمن(١١) باللّيل تذهب(١٢) بما عمل من ذنب النّهار.
عن سماعة بن مهران(١٣) قال: سأل(١٤) أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ رجل من أهل الجبال عن رجل أصاب مالا من أعمال السّلطان، فهو يتصدّق به، ويصل قرابته، ويحجّ، [ليغفر](١٥) له ما اكتسب، وهو يقول:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) . فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: [إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة، ولكنّ الحسنة تكفّر الخطيئة. ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ :](١٦) إن كان خلط الحلال حراما(١٧) ، فاختلط جميعا، فلم
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٢، ح ٧٥.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في ب.
(٤) المصدر: تقطع.
(٥) أ، ب: فلا تحقر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: تسوءك.
(٧) ب: ولا تحقر.
(٨) المصدر: زيادة «قال».
(٩) المصدر: يذهب بما.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٢، ح ٧٦.
(١١) المصدر: الليل. (١٢) المصدر: يذهب.
(١٣) نفس المصدر والموضع، ح ٧٧.
(١٤) كذا في المصدر. وفي ب: سمعت. وفي سائر النسخ: سألت.
(١٥) من المصدر.
يعرف الحلال من الحرام، فلا بأس.
وعنه(١) في رواية المفضّل بن سويد أنّه قال: انظر ما أصبت(٢) ، فعد به على إخوانك. فإنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) .
قال المفضّل: كنت خليفة أخي على الدّيوان. قال: وقد قلت: جعلت فداك، قد ترى مكاني من هؤلاء القوم. فما ترى لي؟ قال: لو لم تكن كنت(٣) .
عن المفضّل بن مزيد(٤) الكاتب(٥) قال: دخل عليّ أبو عبد الله(٦) ـ عليه السّلام ـ وقد أمرت أن أخرج لبني هاشم جوائز. فلم أعلم إلّا وهو على رأسي وأنا مستخل(٧) فوثبت إليه. فسألني عمّا أمر لهم. فناولته الكتاب. فقال: ما أرى(٨) لإسماعيل ها هنا شيئا؟ فقلت: هذا الّذي خرج إلينا. ثمّ قلت له: جعلت فداك، قد ترى مكاني من هؤلاء القوم. فقال لي: انظر ما أصبت، فعد به على إخوانك(٩) . فإنّ الله يقول:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) .
[وقرأ(١٠) ابن خرّاش(١١) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) ](١٢) قال: صلاة اللّيل يكفّر ما عمل من ذنوب النّهار.
( ذلِكَ ) :
قيل(١٣) : إشارة إلى قوله: «فاستقم» وما بعده.
وقيل(١٤) : إلى القرآن.
( ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) (١١٤): عظة للمتّعظين.
__________________
(١٦) من المصدر.
(١٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: مع الحرام حلالا.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٣، ح ٧٨.
(٢) المصدر: زيادة «به».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يكن كنت.
(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٢٦١. وفي النسخ: يزيد.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٤، ح ٧٩.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
(٧) المصدر: مستجل.
(٨) ب: لا أدري.
(٩) بعض نسخ المصدر: أصحابك.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٤ صدر ح ٨١.
(١١) كذا في نور الثقلين ٢ / ٤٠٣، ح ٢٤٥. وفي المصدر: ابن خرّاس.
(١٢) من المصدر.
(١٣ و ١٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٤.
( وَاصْبِرْ ) على الطّاعات وعن المعاصي.
( فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (١١٥) :
عدل عن المضمر، لأنّه كالبرهان على المقصود، ودليل على أنّ الصّلاة والصبر إحسان وإيماء بأنّه لا يعتدّ بهما دون إخلاص.
( فَلَوْ لا كانَ ) : فهلا كان( مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ) :
المراد: أولو بقيّة من الرّأي والعقل. أو: أولو فضل. وإنّما سمّي «بقيّة» لأنّ الرّجل يستبقي أفضل ما يخرجه. ومنه يقال: فلان من(١) بقيّة القوم، أي: من خيارهم. وقولهم: في الزّوايا خبايا، وفي الرّجال بقايا.
ويجوز أن يكون مصدرا، كالتّقيّة. أي: ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب. ويؤيّده أنّه قرئ(٢) : «بقية» وهي المرّة مصدر بقاه يبقه إذا راقبه.
( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ) : لكن قليلا ممّن أنجيناهم، لأنّهم كانوا كذلك.
ولا يصحّ اتّصاله إلّا إذا جعل استثناء من النّفي اللّازم للتّحضيض. والمعنى: ليس من القرون من قبلهم أولو بقيّة ينهون عن الفساد إلّا قليلا ـ إلى آخره.
( وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ ) : ما أنعموا فيه من الشّهوات، واهتمّوا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عمّا وراء ذلك.
( وَكانُوا مُجْرِمِينَ ) (١١٦): كافرين.
كأنّه أراد أن يبيّن ما كان السّبب لاستئصال الأمم السّالفة. وهو فشوّ الظّلم فيهم، واتّباعهم للهوى، وترك النّهي عن المنكرات، مع الكفر.
وقوله: «واتّبع» عطف على مضمر دلّ عليه الكلام، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد واتّبع الّذين ظلموا. «وكانوا مجرمين» عطف على «اتّبع» أو اعتراض.
وقرئ(٣) : «أتبع»، أي: وأتبعوا جزاء ما أترفوا. فيكون الواو للحال. ويجوز أن يفسّر به المشهورة. ويعضده تقدّم الإنجاء.
( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ ) :
__________________
(١) ليس في ب.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٤.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٥.
قيل(١) : بشرك.
( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) (١١٧) فيما بينهم، لا يضمّون إلى شركهم فسادا، ولا تباغيا.
وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه. ومن ذلك قيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظّلم.
وفي مجمع البيان(٢) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [أنّه قال](٣) :( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) ينصف بعضهم من بعض(٤) .
( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) : مسلمين كلّهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أي: على مذهب واحد.
( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) (١١٨): بعضهم على الحقّ، وبعضهم على الباطل، لا تكاد تجد اثنين يتّفقان مطلقا.
( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) : إلّا أناسا(٦) هداهم الله من فضله، فاتّفقوا على ما هو أصول دين الحقّ والعمدة فيه.
( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) :
قيل(٧) : إن كان الضّمير للنّاس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللّام للعاقبة. أو إليه وإلى الرّحمة. وإن كان ل «من»، فإلى الرّحمة.
وفي كتاب علل الشّرائع(٨) : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصّفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان قال :
سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ـ إلى قوله: ـوَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) فقال: كانوا أمّة واحدة. فبعث الله النّبيّين، ليتّخذ عليهم الحجّة.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٥.
(٢) المجمع ٣ / ٢٠٢.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: «بعضها بعضهم» بدل «بعضهم من بعض».
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٦) أ، ب، ر: ما.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٥.
(٨) العلل ١ / ١٢٠، ح ٢.
وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال :
سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً [وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) . فقال: كانوا أمّة واحدة.](٢) فبعث الله النّبيّين، ليتّخذ عليهم الحجّة.
وفي أصول الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء قال :
سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الاستطاعة وقول النّاس. فقال(٤) وتلا هذه الآية:( وَلا يَزالُونَ ـ إلى قوله: ـخَلَقَهُمْ ) (٥) : يا أبا عبيدة، النّاس مختلفون في إصابة القول، وكلّهم هالك.
قال: قلت: قوله:( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) . قال: هم شيعتنا. ولرحمته خلقهم. وهو قوله:( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) . يقول: لطاعة الإمام، الرّحمة الّتي يقول(٦) :( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) . يقول: علم الإمام، ووسع علمه الّذي هو من علمه كلّ شيء. [هم شيعتنا](٧) .
وفي كتاب التّوحيد(٨) ، بإسناده إلى عليّ بن سالم(٩) ، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ـ إلى قوله: ـخَلَقَهُمْ ) قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبوا به رحمة الله، فيرحمهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال [في قوله](١١) :( لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) في الدّين( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) ](١٢) ويعني: آل محمّد وأتباعهم. يقول الله:( وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) ، يعني: أهل رحمة(١٣)
__________________
(١) الكافي ٨ / ٣٧٩، ح ٥٧٣.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ١ / ٤٢٩، صدر ح ٨٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بها.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: زيادة «قال».
(٦) الأعراف / ١٥٦.
(٧) من المصدر.
(٨) التوحيد / ٤٠٣، ح ١٠.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: إبراهيم.
(١٠) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(١١) من المصدر.
(١٢) ليس في المصدر.
لا يختلفون في الدّين.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا خطب أبو بكر قام [إليه](٢) أبيّ بن كعب، فقال: يا معاشر المهاجرين الّذين ـ إلى قوله: ـ ويا معاشر الأنصار ـ إلى قوله: ـ
ثم أخبرنا باختلافكم [فقال](٣) :( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) ، أي: للرّحمة. وهم آل محمّد.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن رجل قال: سألت عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ عن قول الله:( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) . [قال: عنى بذلك من خالفنا من هذه الأمّة. وكلّهم يخالف بعضهم بعضا في دينهم. وأمّا قوله :](٥) ( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) . قال(٦) : فأولئك أولياؤنا من المؤمنين. ولذلك خلقهم من الطّينة الطيّبة(٧) . أما تسمع لقول إبراهيم(٨) :( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ ) . قال: إيّانا عنى وأولياءه [شيعته](٩) وشيعة وصيّه. قال(١٠) .( وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ ) . قال: عنى بذلك ـ [والله](١١) ـ من جحد وصيّه، ولم يتّبعه من أمّته. وكذلك ـ والله ـ حال هذه الأمّة.
عن سعيد بن المسيّب(١٢) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ في قوله:( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) : فأولئك هم أولياؤنا من المؤمنين. ولذلك خلقهم من الطّينة الطيّبة(١٣) ـ إلى آخر ما سبق ـ.
يعقوب بن سعيد(١٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله(١٥)
__________________
(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: رحمته.
(١) الاحتجاج ١ / ١١٣ ـ ١١٤ بتلخيص يسير.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٤، ح ٨٢.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: طيّبا.
(٨) البقرة / ١٢٦.
(٩) من المصدر.
(١٠) البقرة / ١٢٦.
(١١) من المصدر مع المعقوفتين.
(١٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٤ ـ ١٦٥، ح ٨٤.
(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: طيّبا.
(١٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٤، ح ٨٣.
ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) . قال: خلقهم للعبادة. قال: قلت: وقوله:( وَلا يَزالُونَ ـ إلى قوله: ـوَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) . فقال: نزلت هذه بعد تلك.
( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) : وعيده، أو قوله للملائكة.
( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) ، أي: من عصاتهما( أَجْمَعِينَ (١١٩) ) ، أي: منهما أجمعين، لا من أحدهما.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وهم الّذين سبق لهم الشّقاء، فحقّ عليهم القول أنّهم للنّار خلقوا. وهم الّذين حقّت عليهم كلمة ربّك أنّهم لا يؤمنون.
( وَكُلًّا ) : وكلّ نبأ( نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ) : نخبرك به.
( ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) :
بيان لكلّ، أو بدل منه. وفائدته التّنبيه على المقصود من الاقتصاص، وهو زيادة يقينه وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه على أداء الرّسالة واحتمال أذى الكفّار. أو مفعول، و «كلا» منصوب على المصدر. بمعنى: كلّ نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك ما نثبّت به فؤادك من أنباء الرّسل.
( وَجاءَكَ فِي هذِهِ ) السّورة أو الأنباء المقتصّة عليك( الْحَقُ ) : ما هو حقّ.
( وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١٢٠) :
إشارة إلى سائر فوائده العامّة.
( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) : على حالكم.
( إِنَّا عامِلُونَ ) (١٢١) على حالنا.
( وَانْتَظِرُوا ) بنا الدّوائر.
( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) (١٢٢) أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم.
( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : خاصّة، لا يخفى عليه خافية ممّا فيهما.
وفي مجمع البيان(٢) : وقد وجدت بعض المشايخ ـ ممّن يتّسم بالعدوان(٣) والتّشنيع ـ قد ظلم الشّيعة الإماميّة في هذا الموضع من تفسيره، فقال: هذا يدلّ على أنّ الله ـ سبحانه ـ يختصّ(٤) بعلم الغيب، خلافا لما يقوله الرّافضة إنّ الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ يعلمون الغيب.
__________________
(١٥) الذاريات / ٥٦.
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٣٨.
(٢) المجمع ٣ / ٢٠٥.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالعذل.
ولا شكّ أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الأئمّة(١) الاثني عشر، ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فإنّ هذا دأبه(٢) وديدنه(٣) فيهم(٤) . يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم، وينسب القبائح والفضائح إليهم. ولا نعلم أنّ(٥) أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق. وإنّما يستحقّ الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد. وهذه صفة القديم ـ سبحانه ـ العالم لذاته لا يشركه فيها(٦) أحد من المخلوقين. ومن اعتقد أنّ غير الله ـ سبحانه ـ يشركه في هذه الصّفة، فهو خارج عن ملّة الإسلام.
فأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ورواه عنه الخاصّ والعامّ، من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، مثل قوله ـ يومئ إلى صاحب الزّنج(٧) ـ: «كأنّي به ـ يا أحنف ـ وقد سار بالجيش الّذي ليس له غبار ولا لجب، ولا قعقعة لجم(٨) ، ولا صهيل خيل. يثيرون الأرض بأقدامهم، كأنّها أقدام النّعام». وقوله يشير إلى مروان بن الحكم: «أما إنّ له إمرة كلعقة(٩) الكلب أنفه. وهو أبو الأكبش الأربعة(١٠) . وستلقى الأمّة منه ومن
__________________
(٤) المصدر: يختص.
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: رأيه.
(٣) كذا في المصدر ور. وفي النسخ: دينه.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فبهم.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يشرك فيه.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الذبح.
وصاحب الزنج هو رجل ظهر في فرات البصرة سنة ٢٥٥ ه، وزعم أنّه عليّ بن محمّد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
قال ابن أبي الحديد: وأكثر الناس يقدحون في نسبه، وخصوصا الطالبيّين. وجمهور النّسابين اتّفقوا على أنّه من عبد القيس ـ إلى أن قال ـ: وذكر المسعوديّ في كتابه المسمّى بمروج الذهب أنّ أفعال عليّ بن محمّد صاحب الزّنج تدلّ على أنّه لم يكن طالبيّا. انتهى.
والزّنج اللّذين أشار إليهم كانوا عبيدا لدهاقين البصرة وبناتها، ولم يكونوا ذوي زوجات وأولاد، بل كانوا على هيئة الشّطار عزّابا، فلا نادبة لهم.
(٨) اللّجب: الصّوت. والقعقعة: تحريك الشّيء اليابس مع صوت. واللّجم: جمع اللّجام.
(٩) الإمرة: الولاية. ولعق الشّيء لعقة: لحسه، أي: أكله بلسانه. وأراد ـ عليه السّلام ـ بهذا القول قصر مدة ملكه، وكذلك كانت مدّة خلافة مروان فإنّه ولي تسعة أشهر.
(١٠) الأكبش الأربعة بنو عبد الملك، الوليد
ولده موتا أحمر».
وما نقل من هذا الفنّ عن أئمّة الهدى من أولاده ـ عليهم السّلام ـ مثل ما قاله أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لعبد الله بن الحسن ـ وقد اجتمع(١) هو وجماعة من العلوّيّة والعبّاسيّة ليبايعوا ابنه محمّدا ـ: «والله ما هي إليك، ولا إلى(٢) ابنيك، ولكنّها لهم ـ وأشار إلى العبّاسيّة ـ وأنّ ابنيك لمقتولان» ثمّ قام(٣) وتوكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزّهريّ فقال له: «أرأيت صاحب الرّداء الأصفر؟». يعني أبا جعفر المنصور. قال: نعم. فقال: «إنّا والله(٤) نجده يقتله» فكان كما قال(٥) .
قال(٦) : ومثل قول الرضا: «بورك(٧) قبر(٨) بطوس، وقبران ببغداد». فقيل له: قد(٩) عرفنا واحدا، فما(١٠) الآخر؟ قال: «ستعرفونه». ثمّ قال: «قبري وقبر هارون هكذا» ـ وضمّ أصبعيه(١١) ـ. وقوله في القصّة المشهورة لأبي حبيب النباجي(١٢) ـ وقد ناوله قبضة من
__________________
وسليمان ويزيد وهشام.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أجمع.
(٢) ليس في ب.
(٣) المصدر: نهض.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال والله إنّا.
(٥) أ، ب: كان.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) ب: بورك بورك.
(٨) ب: قبري.
(٩) ليس في ب.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: فمن.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: إصبعه.
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الناجي.
ونباج ـ ككتاب ـ: قرية بالبادية. كما قاله الفيروزآبادي.
وقصّة أبي حبيب، على ما ذكره الصدوق (ره) في كتاب عيون الأخبار، في باب دلالات الرضا ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في المنام، وقد وافى البناج، ونزل بها في المسجد الذي ينزله الحاجّ في كل سنة، وكأنّي مضيت إليه، وسلّمت عليه، ووقفت بين يديه، ووجدت عنده طبقا من خوص ـ وهو ورق النخل ـ نخل المدينة، فيه تمر صيحانيّ.
فكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولني منه. فعددته، فكان ثمان عشرة تمرة. فتأوّلت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة.
فلمّا كان بعد عشرين يوما، كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، حتّى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ من المدينة، ونزوله ذلك المسجد. ورأيت الناس يسعون إليه.
التّمر ـ: «لو زادك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لزدناك». وقوله في حديث علي بن أحمد الوشّاء ـ حين قدم مرو(١) من الكوفة ـ: «معك حلّة في السّفط(٢) الفلانيّ، دفعتها إليك ابنتك وقالت(٣) : اشتر لي بثمنها فيروزجا» ـ والحديث مشهور ـ.
إلى غير ذلك ممّا روي عنهم ـ عليهم السّلام ـ، فإنّ جميع ذلك متلقّى عن الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ ممّا أطلعه الله ـ تعالى ـ عليه. فلا معنى لنسبة(٤) من روى عنهم ـ عليهم السّلام ـ هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين للغيب. وهل هذا إلّا سبب قبيح وتضليل(٥) ، بل تكفير!؟ و(٦) لا يرتضيه من هو بالمذهب خبير. والله يحكم [بينه و](٧) بينهم. وإليه المصير.
وأقول: بعض ذلك متلقّى عن الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ وبعضه بتحديث الملك. وكلاهما إلقاء من الله ـ تعالى ـ للغيب إليهم. ولا ينافي ذلك اختصاص الغيب بالله ـ تعالى ـ. إذ معناه: لا يعلمه غيره إلّا بإلقائه ـ تعالى ـ بأحد الطّريقين المذكورين.
( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) فيرجع لا محالة أمرك وأمرهم إليه.
( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ، فإنّه كافيك.
وفي تقديم الأمر بالعبادة على التّوكّل، تنبيه على أنّه إنّما ينفع العابد.
( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (١٢٣) أنت وهم، فيجازي كلا ما يستحقّه.
وقرأ(٨) نافع وحفص وابن عامر(٩) بالياء هنا وفي آخر النّمل.
__________________
فمضيت نحوه. فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وتحته حصير مثل ما كان تحته، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحانيّ. فسلّمت عليه. فردّ السلام عليّ، واستدناني، فناولني قبضة من ذلك التمر.
فعددته. فإذا عدده مثل ذلك التمر الّذي ناولني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقلت له: زدني منه يا ابن رسول الله! فقال: لو زادك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لزدناك.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: مروان.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: السّقط. والسفط: الوعاء الذي يعبّأ فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقالت لي.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لنسبته.
(٥) المصدر: زيادة «لهم».
(٦) ليس في المصدر.
(٧) من المصدر.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٥.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابن عمرو.
تفسير
سورة يوسف
سورة يوسف
مكّيّة.
وقال المعدل(١) ، عن ابن عبّاس: غير أربع آيات نزلن بالمدينة، ثلاث من أوّلها، والرّابعة:( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ) (٢) .
وهي مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(٣) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «من قرأ سورة يوسف في كلّ يوم، أو في كلّ ليلة، بعثه الله يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسف. ولا يصيبه فزع يوم القيامة. وكان من خيار عباد الله الصّالحين.
وقال: إنّها كانت في التّوراة مكتوبة.
وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم، رفعه قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: لا تعلّموا نساءكم سورة يوسف، ولا تقرئوهنّ إيّاها، فإنّ فيها الفتن. وعلّموهنّ سورة النور، فإن فيها المواعظ.
وفي مجمع البيان(٥) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه(٦) قال :
__________________
(١) مجمع البيان ٣ / ٢٠٦.
(٢) ثواب الأعمال / ١٣٣، ح ١.
(٣) يوسف / ٧.
(٤) الكافي ٥ / ٥١٦، ح ٢.
(٥) المجمع ٣ / ٢٠٦.
(٦) ليس في المصدر.
علّموا أرقّاءكم سورة يوسف. فإنّه أيّما مسلم قرأها(١) ، وعلّمها أهله وما ملكت يمينه، هوّن الله ـ تعالى ـ عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلما(٢) .
وروى إسماعيل بن أبي زياد(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ :
لا تنزلوا نساءكم الغرف. ولا تعلّموهنّ الكتابة. ولا تعلّموهنّ سورة يوسف. وعلّموهنّ الغزل(٤) وسورة النّور.
وفي كتاب الخصال(٥) ، عن جابر بن يزيد الجعفيّ قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ يقول: ليس على النّساء أذان ـ إلى أن قال: ـ ويكره لهنّ تعلّم سورة يوسف.
وفي تفسير العيّاشي(٦) ، عن مسعدة بن صدقة قال: قال جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ: قال والدي ـ عليه السّلام ـ :
والله، إنّي لأصانع بعض ولدي، وأجلسه على فخذي، وأكثر له المحبة(٧) ، وأكثر له الشّكر، وإنّ الحقّ لغيره(٨) من ولدي، ولكن محافظة(٩) عليه منه، ومن غيره، [لئلّا](١٠) يصنعوا به ما فعل بيوسف إخوته.
وما أنزل الله سورة يوسف، إلّا أمثالا، لكي لا يحسد بعضنا بعضا، كما حسد يوسف(١١) ، وبغوا عليه. فجعلها حجّة [وحجّة](١٢) على من تولّانا، ودان بحبّنا(١٣) ، وجحد أعداءنا، أعني(١٤) من نصب لنا الحرب والعداوة.
__________________
(١) المصدر: تلاها.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «الدرجة» بدل «القوّة ان لا يحسد مسلما».
(٣) المجمع ٣ / ٢٠٦.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: المغزل.
(٥) الخصال ٢ / ٥٨٥ ـ ٥٨٦، صدر وقطعة من ح ١٢.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٦، ح ٢.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنكر له المخ.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: إسحاق كغيره.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: مخافة.
(١٠) من المصدر.
(١١) المصدر: بيوسف وإخوته. والأظهر: يوسف إخوته.
(١٢) ليس في المصدر.
(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: محبّينا.
(١٤) المصدر: على.
( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ) (١) :
«تلك» إشارة إلى آيات السّورة. وهي المراد ب «الكتاب». أي: تلك الآيات، آيات السّورة الظّاهر أمرها في الإعجاز. أو الواضحة معانيها والمبيّنة لمن تدبّرها أنّها من عند الله، أو لليهود ما سألوا. إذ نقل أنّ علماءهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمّدا لم انتقل آل(١) يعقوب من الشّام إلى مصر، وعن قصّة يوسف. فنزلت.
( إِنَّا أَنْزَلْناهُ ) ، أي: الكتاب.
( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) :
سمّي البعض قرآنا، لأنّه في الأصل اسم الجنس يقع على الكلّ والبعض، وصار علما للكلّ بالغلبة.
ونصبه على الحال، وهو في نفسه إمّا توطئة للحال الّتي هي «عربيّا»، أو حال لأنّه مصدر بمعنى مفعول. و «عربيّا» صفة له. أو حال من الضّمير فيه. أو حال بعد حال.
( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (٢) :
علّة لإنزاله بهذه الصّفة. أي: أنزلناه مجموعا، أو مقروء بلغتكم، كي تفهموه، وتحيطوا بمعانيه، وتستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أنّ اقتصاصه كذلك ـ ممّن لم يتعلّم القصص ـ معجز لا يتصوّر إلّا بإيحاء.
وفي كتاب الخصال(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: تعلّموا العربيّة. فإنّها كلام الله الّذي تكلّم به خلقه.
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) : أحسن الاقتصاص، لأنّه اقتصّ على أبدع الأساليب. أو: أحسن ما يقصّ، لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر.
القصّ(٣) فعل بمعنى مفعول، كالنّقض والسّلب. واشتقاقه من: قصّ أثره: إذا تبعه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) خطبة له ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وفيها: وأحسن القصص هذا القرآن.
__________________
(١) ليس في أ، ب.
(٢) الخصال ١ / ٢٥٨، ح ١٣٤.
(٣) يوجد في أ، ب.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٢٩١.
وفي روضة الكافي(١) خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. وفيها: ثمّ إنّ أحسن القصص وأبلغ الموعظة وأنفع التّذكر، كتاب الله ـ عزّ ذكره ـ.
وفي الكافي(٢) خطبة مسندة إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ. وفيها: وانّ كتاب الله أصدق الحديث، وأحسن القصص.
( بِما أَوْحَيْنا ) بإيحائنا( إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) ، يعني: السّورة.
ويجوز أن يجعل «هذا» مفعول «نقصّ»، على أنّ «أحسن» نصب على المصدر.
( وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ) (٣) عن هذه القصّة، لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قطّ.
وهو تعليل لكونه موحى.
«وإن» هي المخفّفة من الثّقيلة. واللّام هي الفارقة.
( إِذْ قالَ يُوسُفُ ) :
بدل من( أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) إن جعل مفعولا بدل الاشتمال. أو منصوب بإضمار اذكر.
و «يوسف» عبريّ. ولو كان عربيّا لصرف.
وقرئ(٣) بفتح السّين وكسرها، على التّلعّب به، لا على أنّه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من «آسف». لأنّ المشهورة شهدت بعجمته.
( لِأَبِيهِ ) : يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: وكان يعقوب إسرائيل الله ـ أي: خالص الله ـ ابن إسحاق نبيّ الله ابن إبراهيم خليل الله.
وفي الحديث النّبويّ(٥) : الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
( يا أَبَتِ ) :
أصله: يا أبي. فعوض(٦) عن الياء تاء التّأنيث، لتناسبهما في الزّيادة. ولذلك قلبها(٧)
__________________
(١) الكافي ٨ / ١٧٥، ضمن ح ١٩٤.
(٢) الكافي ٣ / ٤٢٣.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٦.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٠.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٦.
(٦) أ، ب، ر: «تعوض» بدل «فعوض».
هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. وكسرها لأنّها عوض حرف تناسبها. وفتحها(١) ابن عامر في كل القرآن، لأنّها حركة أصلها. أو لأنّه كان «يا أبتا» فحذف الألف وبقي الفتحة. وإنّما جاز «يا أبتا»، ولم يجز «يا أبتي»، لأنّه جمع بين العوض والمعوّض.
وقرئ(٢) بالضّمّ، إجراء لها مجرى الأسماء المؤنّثة بالتّاء، من غير اعتبار التّعويض. وإنّما لم تسكّن كأصلها، لأنّها حرف صحيح منزل منزلة الاسم، فيجب تحريكها، ككاف الخطاب.
( إِنِّي رَأَيْتُ ) :
من الرّؤيا، لا من الرّؤية، لقوله:( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ) وقوله( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ ) .
( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) :
في كتاب الخصال(٣) ، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ في قوله ـ تعالى ـ حكاية عن يوسف:( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) فقال في تسمية النّجوم: وهو الطّارق، وحوبان(٤) ، والذّيّال، و(٥) ذو الكتفين(٦) ، وقابس، ووثّاب، وعمودان(٧) ، وفيلق، ومصبح، والصّدوح(٨) ، وذو القروع(٩) ، والضّياء، والنّور، يعني: الشمس والقمر. وكلّ هذه الكواكب محيطة بالسّماء.
وعن جابر عن عبد الله(١٠) قال: أتى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل من اليهود يقال له بشّان(١١) اليهوديّ. فقال: يا محمّد، أخبرني عن الكواكب الّتي رآها يوسف أنّها ساجدة له، فما(١٢) أسماؤها؟ فلم يجبه نبيّ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يومئذ في شيء.
قال: فنزل(١٣) جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فأخبر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بأسمائها.
__________________
(٧) و (١) نفس المصدر والموضع.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٦.
(٣) الخصال ٢ / ٤٥٤، ح ١.
(٤) المصدر: جربان. وفي نور الثقلين ٢ / ٤٠٩، ح ١١: خوبان.
(٥) ليس في أ، ب، ر.
(٦) المصدر: «ذو الكنفان وذو القرع» بدل «ذو الكتفين». ( ٧) نور الثقلين ٢ / ٤٠٩، ح ١١. ( ٨) المصدر: الضروح. ونور الثقلين: الصدع. ( ٩) ليس في المصدر: ذو القروع. ( ١٠) الخصال ٢ / ٤٥٤ ـ ٤٥٥، ح ٢. ( ١١) المصدر: بستان.
(١٢) المصدر: «ما» بدل «له فما».
قال: فبعث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى بشّان(١) . فلمّا أن جاءه، قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هل أنت تسلم(٢) إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم.
فقال له النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: حوبان(٣) ، والطّارق، والذّيّال، وذو الكتفين(٤) ، وقابس، ووثّاب، وعمودان(٥) ، والفيلق، والمصبح(٦) ، والصّدوح، وذو القروع(٧) ، والضّياء، والنّور. رآها في أفق السّماء ساجدة له. فلمّا قصّها يوسف ـ عليه السّلام ـ على يعقوب ـ عليه السّلام ـ قال يعقوب: هذا أمر مشتّت(٨) يجمعه الله ـ عزّ وجلّ ـ من(٩) بعد.
فقال بشّان(١٠) : والله إنّ هذه لأسماؤها. ثمّ أسلم(١١) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٢) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: تأويل هذه الرّؤيا أنّه سيملك مصر، ويدخل عليه أبواه وإخوته. أمّا الشمس، فأمّ يوسف «راحيل». والقمر يعقوب. وأمّا الأحد عشر كوكبا، فإخوته. فلمّا دخلوا عليه، سجدوا شكرا لله وحده، حين نظروا إليه. وكان ذلك السّجود لله ـ تعالى ـ.
وفي رواية(١٣) أنّ الّتي سجدت له مع أبيه خالته لا أمّه.
( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (٤) :
استئناف لبيان حالهم الّتي رآهم عليها. فلا تكرير. وإنّما أجريت مجرى العقلاء، لوصفها بصفاتهم.
( قالَ يا بُنَيَ ) : تصغير ابن، للشّفقة، أو لصغر السّنّ، لأنّه كان ابن تسع سنين(١٤) .
__________________
(١٣) المصدر: «ونزل» بدل «قال فنزل».
(١) المصدر: بستان.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: مسلم.
(٣) المصدر: جربان. وفي نور الثقلين ٢ / ٤٠٩، ح ١٢: خوبان.
(٤) المصدر: ذو الكنفان.
(٥) نور الثقلين: عموران.
(٦) نور الثقلين: الصبيح.
(٧) المصدر: الضروح وذو القرع.
(٨) المصدر: المتشتت.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) المصدر: بستان.
(١١) ليس في المصدر: ثمّ أسلم.
(١٢) تفسير القميّ ١ / ٣٣٩.
(١٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٧، ح ٨٣.
(١٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٧: اثنتي عشرة سنة.
( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) : فيحتالوا لإهلاكك حيلة.
فهم يعقوب ـ عليه السّلام ـ من رؤياه أنّ الله يصطفيه لرسالته، ويفوّقه على إخوته، فخاف عليه حسدهم وبغيهم.
قيل(١) : الرّؤيا كالرّؤية، غير أنّها مختصّة بما يكون في النّوم. ففرّق بينهما بحرف التّأنيث، كالقربة والقربى. وهي: انطباع الصّورة المنحدرة من أفق المتخيلّة إلى الحسّ المشترك. والصّادقة منها يكون باتّصال النّفس بالملكوت، لما بينهما من التّناسب، عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصوّر بما فيها ممّا يليق بها من المعاني الحاصلة هناك. ثمّ إنّ المتخيّلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحسّ المشترك، فتصير مشاهدة. ثمّ إن كانت شديدة المناسبة، لذلك المعنى، بحيث لا يكون التّفاوت إلّا بالكلّيّة والجزئيّة، استغنت الرّؤيا عن التّعبير، وإلّا احتاجت إليه.
وإنّما عدّي كاد باللّام ـ وهو متعدّ بنفسه ـ لتضمينه معنى فعل يعدّى به، تأكيدا. ولذلك أكّد بالمصدر، وعلّله بقوله :
( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (٥): ظاهر العداوة، لما فعل بآدم وحوّاء. فلا يألوا جهدا في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم، حتّى يحملهم على الكيد.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: [أنّه كان من خبر يوسف أنّه](٣) كان له أحد عشر أخا. وكان له من أمّه أخ واحد يسمّى «بنيامين». وكان يعقوب إسرائيل الله ـ أي: خالص الله ـ ابن إسحاق نبيّ الله ابن إبراهيم خليل الله. فرأى يوسف هذه الرّؤيا وله تسع سنين. فقصّها على أبيه. فقال يعقوب:( يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ ) (الآية).
واعلم أنّ(٤) ما دلّ عليه هذا الحديث من كون يوسف وبنيامين من أمّ واحدة، هو المشهور رواه العيّاشي وغيره(٥) ، إلّا أنّ العيّاشي(٦) روى رواية أخرى بأنّه ابن خالته. وفي
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٧.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس في أ، ر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٤، ضمن ح ٤٥، وتفسير القمّي ١ / ٣٣٩ ـ ٣٤٠، وأمالي الصدوق / ٢٠٦، ضمن ح ٧.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٧، ذيل ح ٨٤.
بعض ما يرويه إطلاق «ابن ياميل» [عليه ـ بالّلام. وفي بعضه أنّ «ياميل»](١) اسم خالة يوسف، وأنّها هي الّتي سارت مع أبيه إلى مصر. وربّما يوجد في بعض الأخبار «ابن يامين» منفصلا. وصاحب القاموس ضبطه «بنيامين». قال: ولا تقل «ابن يامين».
وفي روضة الكافي(٢) : بعض أصحابنا، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن عبد الرّحمن، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال :
إنّ الأحلام لم تكن فيما مضى في أوّل الخلق، وإنّما حدثت.
فقلت: وما العلّة في ذلك؟ فقال: إنّ الله ـ عزّ ذكره ـ بعث رسولا إلى أهل زمانه، فدعاهم إلى عبادة الله وطاعته. فقالوا: إن فعلنا ذلك، فما لنا؟ فو الله ما أنت بأكثرنا مالا ولا بأعزّنا عشيرة! فقال: إن أطعتموني، أدخلكم الله الجنّة. وإن عصيتموني، أدخلكم الله النّار. فقالوا: وما الجنّة والنّار؟ فوصف لهم ذلك. فقالوا: متى نصير إلى ذلك؟ فقال: إذا ما(٣) متّم. فقالوا: لقد رأينا أمواتنا صاروا عظاما ورفاتا!؟ فازدادوا له تكذيبا، وبه استخفافا.
فأحدث الله ـ عزّ وجلّ ـ فيهم الأحلام. فأتوه، فأخبروه بما رأوا، وما أنكروا [من](٤) ذلك. فقال: إنّ الله ـ عزّ ذكره ـ [أراد أن](٥) يحتجّ عليكم بهذا. هكذا تكون أرواحكم. إذا متّم ـ وإن بليت أبدانكم ـ تصير الأرواح على عقاب، حتّى تبعث الأبدان.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: رئي المؤمن ورؤياه في آخر الزّمان على سبعين جزءا من أجزاء النّبوّة.
( وَكَذلِكَ ) ، أي: وكما اجتبيناك لمثل هذه الرّؤيا الدّالّة على شرف وكمال نفس.
( يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) للنّبوّة والملك. أو: لأمور عظام.
__________________
(١) ليس في أ، ب، ر.
(٢) الكافي ٨ / ٩٠، ح ٥٧.
(٣) ليس في أ، ب.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٨ / ٩٠، ح ٥٨.
والاجتباء، من: جبيت الشّيء: إذا حصّلته لنفسك.
( وَيُعَلِّمُكَ ) :
كلام مبتدأ خارج عن التّشبيه. كأنّه قيل: وهو يعلّمك.
( مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) : من التّعبير للرّؤيا. لأنّها أحاديث الملك، إن كانت صادقة، وأحاديث النّفس والشّيطان، إن كانت كاذبة. أو: من تأويل غوامض كتاب الله ـ تعالى ـ وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء. وهو اسم جمع للحديث، كأباطيل اسم جمع للباطل.
( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) بالنّبوّة، أو بإيصال نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة.
( وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) :
يريد به سائر بنيه، بأن يصل نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة، بأن يجعلهم أنبياء وملوكا، ثمّ ينقلهم إلى نعيم الآخرة والدّرجات العلى.
قيل(١) : ولعلّه استدلّ على نبوّتهم بضوء الكواكب. وسيأتي في الخبر أنّ سائر أبنائه لم يكونوا أنبياء، ولا بررة أتقياء، ولم يفارقوا الدّنيا إلّا سعداء. ثمّ تابوا، وتذكّروا ما صنعوا. فالمراد نسله.
( كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ) بالرّسالة.
وقيل(٢) : على إبراهيم، بالخلّة والإنجاء من النّار. وعلى إسحاق، بإنقاذه من الذّبح وفدائه بذبح عظيم.
( مِنْ قَبْلُ ) : من قبلك. أو: من قبل هذا الوقت.
( إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) :
عطف بيان ل «أبويك».
( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ) بمن يستحقّ الاجتباء،( حَكِيمٌ ) (٦) بفعل الأشياء على ما ينبغي.
( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ) ، أي: في قصصهم.
( آياتٌ ) : دلائل قدرة الله وحكمته. أو: علامات نبوّتك.
( لِلسَّائِلِينَ ) (٧): لمن سأل عن قصّتهم.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٧.
وأسماء الإخوة لم يوجد بتمامها في خبر معصوميّ.
وقيل(١) : هم: يهوذا، وروبيل، وشمعون، ولاوي، وزبالون(٢) ، ويشخر، ودينة، من بنت خالته، تزوّجها يعقوب أوّلا. فلمّا توفّيت، تزوّج أختها راحيل. فولدت له بنيامين [ويوسف](٣) .
وقيل(٤) : جمع بينهما، ولم يكن الجمع محرّما حينئذ.
وأربعة آخرون: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر، من سريّتين زلفة وبلهة.
وفي الجوامع(٥) : روي أنّ اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمّدا لم انتقل آل يعقوب من الشّام إلى مصر، وعن قصّة يوسف. قال: فأخبرهم بالقصّة من غير سماع ولا قراءة كتاب.
( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ) : بنيامين. وتخصيصه بالإضافة، لاختصاصه بالاخوّة من الطّرفين.
( أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ) :
وحّده، لأنّ أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما(٦) فوقه والمذكّر وما يقابله بخلاف أخويه. فإنّ الفرق في المحلّى واجب جائز في المضاف.
( وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) : والحال أنّا جماعة أقوياء، أحقّ بالمحبّة من صغيرين لا كفاية فيهما.
والعصبة والعصابة: العشرة فصاعدا.
( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٨)، لتفضيله المفضول. أو: لترك التّعديل في المحبّة.
نقل(٧) أنّه كان أحبّ إليه، لما يرى فيه من المخايل. وكان إخوته يحسدونه. فلمّا رأى الرّؤيا، ضاعف له المحبّة، بحيث لم يصبر عنه. فتبالغ حسدهم حتّى حملهم(٨) على التّعرض له.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٢) أ: وذنالون. ب: ودمالون.
(٣) ليس في أ، ب، ر: ويوسف.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٥) الجوامع / ٢١٣.
(٦) ليس في أ، ب، ر.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٨) ليس في أ، ب، ر.
( اقْتُلُوا يُوسُفَ ) :
من جملة المحكيّ بعد قوله: «إذ قالوا».
( أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) : منكورة بعيدة من العمران. وهو معنى تنكيرها وإبهامها. ولذلك نصب كالظّروف المبهمة.
( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) : محبّته(١) .
جواب الأمر. والمعنى: يصف لكم وجهه، فيقبل بكلّيّته عليكم، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، ولا ينازعكم في محبّته أحد.
( وَتَكُونُوا ) :
جزم بالعطف على «يخل». أو نصب بإضمار «أن».
( مِنْ بَعْدِهِ ) : بعد يوسف والفراغ من أمره، أو قتله، أو طرحه.
( قَوْماً صالِحِينَ ) (٩): تائبين إلى الله ـ تعالى ـ عمّا جنيتم. أو: صالحين مع أبيكم، يصلح ما بينكم وبينه، بعذر تمهّدونه(٢) . أو: صالحين في أمر دنياكم. فإنّه ينتظم لكم بعده، بخلوّ وجه أبيكم.
( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ) :
قيل(٣) : هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا.
وقيل(٤) : روبيل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : هو لاوي. [عن الهادي ـ عليه السّلام ـ](٦) .
( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ) ، فإنّ القتل عظيم.
( وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) : في قعره. سمّي بها، لغيبوبته عن عين(٧) النّاظر.
وقرأ(٨) نافع(٩) : «في غيابات» في الموضعين، على الجمع. كأنّه لتلك الجبّ غيابات.
وقرئ(١٠) : «غيبة» و «غيابات» بالتّشديد.
__________________
(١) ر: محبّة.
(٢) أ، ب، ر: تمهدون له.
(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٥) تفسير القميّ ١ / ٣٤٠.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في أ، ب.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٩) ليس في أ، ب، ر.
( يَلْتَقِطْهُ ) : يأخذه.
( بَعْضُ السَّيَّارَةِ ) : بعض الّذين يسيرون في الأرض.
( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) (١٠): بمشورتي. أو: إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه.
( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ ) : لم تخافنا عليه؟
( وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ) (١١): ونحن نشفق عليه، ونريد له الخير.
أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه، لـمّا تنسّم من حسدهم. والمشهور: «تأمنا» بالإدغام بالإشمام(١) .
وعن نافع(٢) بترك الإشمام. ومن الشّواذّ ترك الإدغام، لأنّهما من كلمتين، و «تيمنّا» بكسر التّاء.
( أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً ) إلى الصّحراء.
( يَرْتَعْ ) : نتّسع في أكل الفواكه ونحوها ـ من الرّتعة، وهي: الخصب ـ( وَنَلْعَبُ ) بالاستباق والانتضال.
وقرأ(٣) ابن كثير: «نرتع» ـ بكسر العين ـ على أنّه من: ارتعى يرتعي.
ونافع(٤) بالكسر والياء فيه وفي «يلعب».
وقرأ(٥) الكوفيون ويعقوب بالياء والسّكون، على إسناد الفعل إلى يوسف.
وقرئ(٦) : «يرتع» من: أرتع ماشيته. و «يرتع» ـ بكسر العين ـ «ويلعب» ـ بالرّفع ـ على الابتداء.
( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (١٢) من أن يناله مكروه.
__________________
(١٠) نفس المصدر والموضع.
(١) الإشمام ـ عند جمهور النّحاة والقرّاء ـ: صبغ الصّوت اللّغويّ بمسحة من صوت آخر، مثل نطق كثير من قيس وبني أسد لأمثال: «قيل وبيع» بإمالة تنحو واو المدّ. ومثل إشمام الصّاد صوت الزّاء في قراءة الكسائي بصفة خاصّة.
والإشمام أيضا ـ لدى القرّاء وحدهم ـ: الإشارة بالشّفتين إلى الضّمّة المحذوفة من آخر الكلمة الموقوف عليها بالسكون، من غير تصويت بهذه الضّمّة.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٨.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤ و ٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٩.
( قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ) ، لشدّة مفارقته عليّ وقلّة صبري عنه.
( وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) :
لأنّ الأرض كانت مذأبة.
وقيل(١) : رأى في المنام أنّ الذّئب قد شدّ على يوسف، فكان يحذره عليه.
وقد همّزها(٢) على الأصل ابن كثير ونافع [في رواية قالون](٣) . وفي رواية التّرمذيّ(٤) وأبو عمرو وقفا. [وقالون](٥) وعاصم وابن عامر وحمزة درجا [ووقفا](٦) .
واشتقاقه من: تذاءبت الرّيح: إذا هبّت من كلّ جهة.
( وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) (١٣) لاشتغالكم بالرّتع واللّعب، أو قلّة اهتمامكم بحفظه.
( قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) :
اللّام توطئة للقسم. وجوابه :
( إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ) (١٤): ضعفاء مغبونون. أو مستحقّون لأن يدعي عليهم بالخسار(٧) .
والواو في «ونحن» للحال.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي خديجة(٩) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّما ابتلي يعقوب بيوسف أنّه(١٠) ذبح كبشا سمينا، ورجل من أصحابه [يدعى بقوم](١١) محتاج لم يجد ما يفطر عليه. فأغفله، ولم يطعمه. فابتلي بيوسف. وكان بعد ذلك كلّ صباح مناديه ينادي: من لم يكن صائما، فليشهد غداء يعقوب. فإذا كان المساء، نادى: من كان صائما، فليشهد عشاء يعقوب.
وفي كتاب علل الشّرائع(١٢) ، بإسناده إلى عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ بني يعقوب لـمّا سألوا أباهم يعقوب أن يأذن ليوسف في الخروج معهم ،
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٩.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: اليزيديّ.
(٥ و ٦) ليس في المصدر.
(٧) أ، ب: بالجار.
(٨) تفسير العيّاشي ١ / ١٦٧، ح ٤.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي حذيفة.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: إذ.
(١١) من المصدر.
(١٢) العلل ٢ / ٦٠٠، ح ٥٦.
قال لهم: إني( أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) . قال: فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قرّب يعقوب لهم العلّة. فاعتلّوا(١) بها في يوسف.
وفي مجمع البيان(٢) : وروي عن النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: لا تلقّنوا الكذب، فتكذبوا(٣) . إنّ بني يعقوب لم يعلموا أنّ الذّئب يأكل الإنسان، حتّى لقّنهم أبوهم.
( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) : وعزموا على إلقائه فيها.
قيل(٤) : البئر بئر(٥) بيت المقدّس، أو بئر بأرض الأردنّ، أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب.
وجواب «لمّا» محذوف، مثل: فعلوا به ما فعلوا من الأذى.
فقد نقل(٦) أنّهم لـمّا برزوا به إلى الصّحراء، أخذوا يؤذونه ويضربونه، حتّى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح ويستغيث. فقال يهوذا: أما عاهدتموني أن لا تقتلوه!؟ فأتوا به إلى البئر، فدلّوه فيها. فتعلّق بشفيرها. فربطوا يديه، ونزعوا قميصه ليلطّخوه بالدّم، ويحتالوا به على أبيهم. وقال: يا إخوتاه! ردّوا عليّ قميصي، أتوارى به. فقالوا: ادع الأحد عشر كوكبا والشّمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك. فلمّا بلغ نصفها، ألقوه. وكان فيها ماء، فسقط فيه. ثمّ آوى إلى صخرة كانت فيها، فقام عليها يبكي. فجاءه جبرئيل بالوحي.
وفي علل الشّرائع(٧) : محمّد بن موسى بن المتوكّل ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن(٨) بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن الثّماليّ قال :
صلّيت مع عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ الفجر بالمدينة يوم الجمعة. فلمّا فرغ من صلاته وسبحته، نهض إلى منزله وأنا معه. فدعا مولاة له تسمّى سكينة. فقال لها :
__________________
(١) أ، ب: فاحتلوا.
(٢) المجمع ٣ / ٢١٦.
(٣) المصدر: فيكذبوا.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٩.
(٥) أ، ب، ر: من.
(٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) العلل ١ / ٤٥ ـ ٤٧ باختلاف يسير.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحسين.
لا يعبر على بابي اليوم(١) سائل، إلّا أطعمتموه. فإنّ اليوم يوم الجمعة.
قلت له: ليس كلّ من يسأل مستحقّا(٢) . فقال: يا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقّا، فلا نطعمه ونردّه، فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب وآله. أطعموهم! أطعموهم! إنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشا فيتصدّق منه، ويأكل هو وعياله منه. وإنّ سائلا مؤمنا صوّاما محقّا، له عند الله منزلة، وكان مجتازا غريبا، اعترّ(٣) على باب يعقوب عشيّة جمعة، عند(٤) أوان إفطاره. فهتف على بابه [وقال](٥) : أطعموا السّائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم! يهتف بذلك على بابه مرارا، وهم يسمعونه. وقد جهلوا حقّه، ولم يصدّقوا قوله.
فلمّا يئس أن يطعموه وغشيه اللّيل، استرجع واستعبر(٦) وبكى(٧) ، وشكا جوعه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ. وبات(٨) طاويا(٩) . وأصبح صائما جائعا حامدا لله. وبات يعقوب وآل يعقوب شباعا بطانا.
[فلمّا جاء اللّيلة الثّانية، جاء ووقف يهتف على بابه: أطعموا السّائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم. يهتف بذلك على بابه مرارا، وهم يسمعونه. وقد جهلوا حقّه، ولم يصدّقوا قوله. فلمّا يئس من أن يطعموه، وغشيه اللّيل، استرجع واستعبر وبكى، وشكا جوعه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ. وبات طويّا. وأصبح صائما حامدا جائعا صابرا. وأصبح آل يعقوب شباعا بطانا](١٠) . وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم.
قال: فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى يعقوب في صبيحة تلك اللّيلة: لقد أذللت ـ يا يعقوب! ـ عبدي ذلّة استجررت(١١) بها غضبي، واستوجبت بها أدبي ونزول عقوبتي وبلواي(١٢) عليك وعلى ولدك. يا يعقوب! إنّ أحبّ أنبيائي إليّ، وأكرمهم عليّ، من رحم
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: محقّا.
(٣) الاعترار: إتيان الفقير للمعروف من غير أن يسأل.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: غير.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) استعبر: بكى حتى جرى دمعه.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) يوجد في أ، ر.
(٩) الطاوي: الجائع.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: استحدثت.
مساكين عبادي، وقرّبهم إليه، وأطعمهم، وكان لهم(١) مأوى وملجأ.
يا يعقوب! أما رحمت ذميال(٢) عبدي المجتهد في عبادتي، القانع باليسير من ظاهر الدّنيا عشاء أمس لـمّا اعترّ(٣) ببابك أوان إفطاره، وهتف بكم: «أطعموا السّائل الغريب المجتاز القانع»!؟ فلم تطعموه شيئا، فاسترجع واستعبر، وشكا ما به إليّ. وبات(٤) طاويا حامدا لي صابرا(٥) . فأصبح صائما، وأنت ـ يا يعقوب! ـ وولدك شباعا! وأصبحتم وعندكم فضلة من طعامكم!
أو ما علمت ـ يا يعقوب! ـ أنّي بالعقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منّي بها إلى أعدائي!؟ وذلك حسن النّظر منّي لأوليائي، واستدراج منّي لأعدائي.
أما ـ وعزّتي ـ لأنزلنّ بك بلائي، ولأجعلنّك وولدك به(٦) غرضا لمصائبي، ولأؤدّبنّك بعقوبتي. فاستعدّوا لبلائي. وارضوا بقضائي. واصبروا للمصائب.
فقلت لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ: جعلت فداك، متى رأى يوسف الرّؤيا؟ فقال: في تلك اللّيلة التي بات فيها يعقوب شبعانا(٧) ، وبات فيها ذميال طاويا جائعا.
فلمّا رأى يوسف الرّؤيا، وأصبح فقصّها على أبيه يعقوب، فاغتمّ يعقوب لـمّا سمع من يوسف الرّؤيا(٨) ، مع ما أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه، أن استعدّ(٩) للبلاء. فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص(١٠) رؤياك هذه على إخوتك فإنّي أخاف أن يكيدوا لك كيدا. فلم يكتم يوسف رؤياه، وقصّها على إخوته.
قال عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: وكانت أوّل بلوى نزلت بيعقوب وآل يعقوب الحسد ليوسف، لـمّا سمعوا منه الرّؤيا.
قال: فاشتدّت رقّة يعقوب على يوسف، وخاف أن يكون ما أوحى الله
__________________
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بلائي.
(١) يوجد في ب.
(٢) الظاهر أنّ ذميال اسم ذلك الرجل.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعتري.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويأت.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) المصدر: شباعا.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: استعدّوا.
(١٠) ر: زيادة «لا تقصص».
ـ عزّ وجلّ ـ إليه من الاستعداد للبلاء، إنّما(١) هو في يوسف خاصّة، فاشتدّت رقّته عليه من بين ولده.
فلمّا رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف، وتكرمته(٢) إيّاه، وإيثاره إيّاه عليهم، اشتدّ ذلك عليهم، وبدأ البلاء فيهم. فتآمروا(٣) فيما بينهم وقالوا: إنّ يوسف وأخاه( أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ) ، أي: تتوبون. فعند ذلك قالوا:( يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) (الآية). فقال يعقوب:( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) .
فانتزعه حذرا عليه من أن تكون البلوى من الله على يعقوب في يوسف خاصّة، لموقعه من قلبه وحبّه له.
قال: فغلبت قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه، ولا عن يوسف وولده. فدفعه إليهم، وهو لذلك كاره(٤) متوقّع للبلوى من الله في يوسف.
فلمّا خرجوا من منزلهم، لحقهم أبوهم(٥) مسرعا. فانتزعه من أيديهم، فضمّه إليه، واعتنقه وبكى، ودفعه إليهم. فانطلقوا به مسرعين، مخافة أن يأخذه منهم، ولا يدفعه إليهم.
فلمّا مضوا(٦) به، أتوا به غيضة أشجار فقالوا: نذبحه ونلقيه تحت هذه الشّجرة، فيأكله الذّئب اللّيلة. فقال كبيرهم يهوذا(٧) : لا تقتلوا يوسف ولكن( أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .
فانطلقوا به إلى الجبّ. وألقوه فيه، وهم يظّنون أنّه يغرق فيه. فلمّا صار في قعر الجبّ، ناداهم: يا ولد رومين، اقرؤوا يعقوب منّي السّلام. فلمّا سمعوا كلامه، قال بعضهم لبعض: لا تزالوا من ها هنا، حتّى تعلموا أنّه قد مات. فلم يزالوا بحضرته، حتّى
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: من مكرمته.
(٣) أي: فتشاوروا.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: امنعوا.
(٧) ليس في المصدر.
أيسوا(١) ورجعوا ـ وسيأتي تمام الخبر ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : فأدنوه(٣) من رأس الجبّ، وقالوا: انزع قميصك. فبكى وقال: يا إخوتي! لا تجرّدوني. فسلّ واحد منهم عليه السّكّين وقال: لئن لم تنزعه، لأقتلنّك! فنزعه. فدّلوه في البئر(٤) وتنحّوا عنه.
فقال يوسف في الجبّ: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب! ارحم ضعفي وقلّة حيلتي وصغري.
ثمّ قال عليّ بن إبراهيم ـ ونسب ابن طاوس قوله هذا إلى الصّادق عليه السّلام ـ :
ورجع إخوته فقالوا: نعمد إلى قميصه، فنلطّخه بالدّم ونقول لأبينا: إنّ الذّئب أكله. فقال لهم أخوهم(٥) لاوي: يا قوم، ألسنا بني يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله(٦) ابن إبراهيم خليل الله!؟ أفتظنّون أن الله يكتم هذا الخبر عن أنبيائه!؟
[فقالوا: وما الحيلة؟ قال: نقوم ونغتسل ونصلّي جماعة، ونتضرّع إلى الله ـ تعالى ـ أن يكتم ذلك الخبر عن نبيّه](٧) فإنّه جواد كريم. فقاموا واغتسلوا. وكانوا في سنّة إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنّهم لا يصلّون جماعة حتّى يبلغوا أحد عشر [رجلا](٨) فيكون واحد منهم إماما، وعشرة يصلّون خلفه.
قالوا: وكيف نصنع، وليس لنا إمام؟ فقال لاوي: نجعل الله إمامنا. فصلّوا وتضرّعوا(٩) وبكوا. وقالوا: يا ربّ، أكتم علينا هذا.
وفي أصول الكافي(١٠) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن الحسن بن عمّار الدّهّان، عن مسمع، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
لمّا طرح إخوة يوسف [يوسف](١١) في الجبّ، أتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ. فدخل
__________________
(١) المصدر: امسوا.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٣٤٠ ـ ٣٤٢ باختلاف يسير.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأتوه.
(٤) كذا في ب. وفي النسخ والمصدر: اليم.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: نبيّ الله.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: جزعوا.
(١٠) الكافي ٢ / ٥٥٦، ح ٤.
(١١) من المصدر.
عليه فقال: يا غلام! ما تصنع ها هنا!؟ فقال: إنّ إخوتي ألقوني في الجبّ. قال: أفتحبّ أن تخرج منه؟ قال: ذاك إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ. إن شاء، أخرجني.
قال: فقال له: إنّ الله يقول لك: ادعني بهذا الدّعاء، حتّى أخرجك من الجبّ. فقال له: وما الدّعاء؟ قال: قل: «اللهمّ، إنّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت المنّان بديع السّموات والأرض، ذو الجلال والإكرام، أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل لي ممّا أنا فيه فرجا ومخرجا».
قال: ثمّ كان من قصّته ما ذكر الله في كتابه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) نحوه سندا ومتنا. وزاد بعد قوله: «ومخرجا»: «وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب». فدعا ربّه. فجعل له من الجبّ فرجا، ومن كيد المرأة مخرجا. وآتاه ملك مصر، من حيث لا يحتسب.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٢) ، بإسناده إلى أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ما كان دعاء يوسف ـ عليه السّلام ـ في الجبّ؟ فإنّا قد اختلفنا فيه.
فقال: إنّ يوسف ـ عليه السّلام ـ لـمّا صار في الجبّ، وأيس من الحياة، قال: «اللهمّ إن كانت الخطايا والذّنوب قد أخلقت وجهي عندك، فلن ترفع لي إليك صوتا، ولن تستجيب لي دعوة، فإنّي أسألك بحقّ الشّيخ يعقوب. فارحم ضعفه. واجمع بيني وبينه. فقد علمت رقّته عليّ، وشوقي إليه».
( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ ) :
أوحي إليه في صغره، كما أوحي إلى يحيى وعيسى ـ عليهما السّلام ـ.
( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا ) : لتحدثنّهم بما فعلوا بك.
( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (١٥): أنّك يوسف(٣) ، لعلوّ شأنك، وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغيّر للحلي والهيئات.
وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم، وهم له منكرون. بشّره بما يؤول إليه أمره، إيناسا له، وتطييبا لقلبه.
وقيل(٤) :( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) متّصل ب «أوحينا». أي: آنسناه بالوحي، وهم لا
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٥٤.
(٢) أمالي الطوسي ٢ / ٢٨ قريب منه.
(٣) ب: ليوسف.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٩.
يشعرون ذلك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) : يقول: لا يشعرون أنّك أنت يوسف. أتاه جبرئيل، فأخبره بذلك.
وفي علل الشّرائع(٢) وفي تفسير العيّاشي(٣) ، عن السّجّاد ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجبّ؟ قال: كان ابن تسع(٤) سنين.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن زيد الشّحّام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قوله:( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) قال: كان ابن سبع سنين.
( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً ) : آخر النّهار.
وقرئ(٦) : «عشيّا» وهو تصغير عشي. و «عشي» ـ بالضّمّ والقصر ـ جمع أعشى. أي: عشوا من البكاء.
( يَبْكُونَ ) (١٦): متباكين.
نقل أنّه لـمّا سمع بكاءهم، فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ وأين يوسف؟
( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ) : نتسابق في العدو أو الرّمي.
وقد يشترك الافتعال والتّفاعل، كالانتضال والتّناضل.
( وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) : بمصدّق لنا.
( وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) (١٧) لسوء ظنّك بنا وفرط محبّتك ليوسف.
( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) ، أي: ذي كذب، بمعنى: مكذوب فيه.
ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة.
وقرئ(٧) بالنّصب، على الحال من الواو. أي: جاؤوا كاذبين. و «كدب» ـ بالدّال غير المعجمة ـ أي: كدر أو طريّ. وقيل: أصله البياض الخارج على أظفار الأحداث، فشبّه به الدّم اللّاصق على القميص.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٤٠.
(٢) العلل ١ / ٤٨، ح ١.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٢، ح ١٦.
(٤) ب، العيّاشي: سبع.
(٥) نفس المصدر والمجلّد / ١٧٠، ح ٧.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٨٩.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٠.
و( عَلى قَمِيصِهِ ) في موضع النّصب، على الظّرف، أي: فوق قميصه. أو على الحال من الدّم، إن جوزّ تقديمها على المجرور.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) : قال: إنّهم ذبحوا جديا على قميصه.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن أبي جميل(٣) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أوتي بقميص يوسف إلى يعقوب، فقال: أللّهمّ، لقد كان ذئبا رقيقا حين لم يشقّ القميص! قال: وكان به نضح من دم.
وفيه(٤) : قال: ما كان أشدّ غضب ذلك الذّئب على يوسف، وأشفقه(٥) على قميصه، حيث أكل يوسف، ولم يمزّق قميصه!
وفي مجمع البيان(٦) : وروي أنّه ألقى ثوبه على وجهه وقال: يا يوسف، لقد أكلك ذئب رحيم! أكل لحمك، ولم يشقّ قميصك!
وفي كتاب الخصال(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات في قوله:( جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) ، وقوله(٨) :( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ) ، وقوله(٩) ـ تعالى ـ:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا ) .
( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) ، أي: سهّلت لكم، وهوّنت في أعينكم أمرا عظيما. من السّول، وهو: الاسترخاء.
( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) ، أي: فأمري صبر جميل. أو: فصبر جميل أجمل.
وفي الحديث النّبويّ(١٠) : الصّبر الجميل الّذي لا شكوى فيه إلى الخلق. ورواه ابن عقدة عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ والعيّاشيّ عن الباقر ـ عليه السّلام ـ.
( وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) (١٨): على احتمال ما تصفونه من هلاك
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤١.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧١، ح ٩.
(٣) المصدر: أبي جميلة.
(٤) لم نعثر على هذه الرواية في تفسير العيّاشي، ولكن رواه القميّ في تفسيره ١ / ٣٤٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الشّفقة.
(٦) المجمع ٣ / ٢١٨.
(٧) الخصال ١ / ١١٨، ح ١٠٤.
(٨) يوسف / ٢٦.
(٩) يوسف / ٩٣.
(١٠) تفسير الصافي ٤ / ٨٢٤.
يوسف.
في كتاب علل الشّرائع(١) وفي تفسير العيّاشي(٢) عن السّجاد ـ عليه السّلام ـ أنّه لـمّا سمع مقالتهم، استرجع واستعبر، وذكر ما أوحى الله إليه من الاستعداد للبلاء. [فصبر](٣) وأذعن للبلاء(٤) . [يعني بسبب غفلته عن إطعامه الجار الجائع.](٥) فقال لهم:( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) . وما كان الله ليطعم لحم يوسف الذّئب من قبل أن أرأى(٦) تأويل رؤياه الصّادقة.
( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ) : رفقة.
قيل(٧) : يسيرون من مدين إلى مصر. فنزلوا قريبا من الجبّ. وكان ذلك بعد ثلاث أيّام من إلقائه فيه.
( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ ) : الّذي يرد الماء ويستقي لهم.
قيل(٨) : وكان مالك بن ذعر الخزاعيّ.
( فَأَدْلى دَلْوَهُ ) : فأرسلها في الجبّ ليملأها، فتدلّى(٩) بها يوسف. فلمّا رآه( قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ ) : نادى البشرى، بشارة لنفسه، أو لقومه، كأنّه قال: تعالي، فهذا أوانك.
وقيل(١٠) . هو اسم صاحب له، ناداه ليعينه على إخراجه.
وقرأ(١١) غير الكوفيّين: «يا بشراي» بالإضافة. وأمال فتحة الرّاء حمزة والكسائي.
وقرأ(١٢) ورش بين اللّفظين.
وقرئ(١٣) : «يا بشرى» بالإدغام ـ وهو لغة ـ و «بشراي» ـ بالسّكون ـ على قصد الوقف.
( وَأَسَرُّوهُ ) :
__________________
(١) العلل ١ / ٤٧.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٦٩، ح ٥.
(٣) من المصدرين.
(٤) كذا في العلل. وفي النسخ والعياشي: للبلوى.
(٥) ليس في المصدرين.
(٦) كذا في العلل. وفي العيّاشي: أرى. وفي النسخ: أدى.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٠.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) أ، ب، ر: فتدالى.
(١٠ و ١١ و ١٢ و ١٣) ـ أنوار التنزيل ١ / ٤٩٠.
قيل(١) : أي الوارد وأصحابه من سائر الرّفقة.
وقيل(٢) : أخفوا أمره وقالوا لهم: دفعه أهل الماء إلينا، لنبيعه لهم بمصر.
والظّاهر أنّ الضّمير لإخوة يوسف. وذلك أنّ يهوذا كان يأتيه كلّ يوم بالطّعام.
فأتاه يومئذ، فلم يجده فيها. فأخبر إخوته. فأتوا الرّفقة، وقالوا: هذا غلامنا أبق(٣) منّا.
فاشتروه. وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
( بِضاعَةً ) :
نصب على الحال. أي: أخفوه متاعا للتّجارة. واشتقاقه من البضع، فإنّه ما يبضع من المال للتّجارة.
( وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ) (١٩)، لم يخف عليه أسرارهم، أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم.
( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ) : وباعوه. وفي مرجع الضّمير الوجهان. أو: اشتروه من إخوته.
( بَخْسٍ ) : مبخوس، لزيفه أو نقصانه.
( دَراهِمَ ) :
بدل من الثّمن.
( مَعْدُودَةٍ ) : قليلة.
فإنّهم كانوا يزنون ما بلغ الأوقيّة، ويعدّون ما دونها. وكان عشرين درهما.
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في خبر الشّاميّ، وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة، حديث طويل. وفيه: وسأله(٥) عن أوّل من وضع سكتة الدّنانير والدّراهم. فقال: نمرود بن كنعان.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن محمّد، بإسناده رفعه قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لبعض أصحابه ـ وقد سأله عن مسائل ـ :
وإنّما سمّي الدّرهم درهما، لأنّه دار همّ. من جمعه، ولم ينفقه في طاعة الله، أورثه النّار.
__________________
(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) أبق: هرب.
(٤) العيون ١ / ١٩٢، ح ١.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: سئل.
(٦) العلل ١ / ٣، ح ١.
( وَكانُوا فِيهِ ) : في يوسف.
( مِنَ الزَّاهِدِينَ ) (٢٠) من الرّاغبين عنه.
والضّمير في «وكانوا» إن كان للإخوة، فظاهر، وإن كان للرّفقة ـ وكانوا بائعين ـ فزهدهم فيه لأنّهم التقطوه، والملتقط للشّيء متهاون به، خائف عن حال انتزاعه، مستعجل في بيعه. وإن كانوا مبتاعين، فلأنّهم اعتقدوا أنّه آبق.
و «فيه» متعلّق بـ«الزّاهدين»، إن جعل اللّام للتّعريف. وإن جعل بمعنى «الّذي»، فهو متعلّق بمحذوف يبيّنه «الزّاهدين». لأنّ متعلّق الصّلة لا يتقدّم على الموصول.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أخبرنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر(٢) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ) قال :
كانت عشرين درهما. والبخس النّقص. وهي قيمة كلب الصّيد إذا قتل كان قيمته عشرين درهما.
وفي مجمع البيان(٣) : وكانت الدّراهم عشرين درهما. وهو المرويّ عن عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ. قال: وكانوا عشرة اقتسموها درهمين درهمين.
وفي كتاب الخصال(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في سؤال بعض اليهود عليّا ـ عليه السّلام ـ عن الواحد إلى المائة: فما العشرون؟ قال: بيع يوسف بعشرين درهما.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الحسن، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ) قال: كانت عشرين درهما.
عن ابن حصين(٦) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَشَرَوْهُ ـ إلى قوله: ـمَعْدُودَةٍ ) قال: كانت الدّراهم ثمانية عشر درهما.
وبهذا الإسناد(٧) ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: كانت الدّراهم عشرين درهما.
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤١.
(٢) المصدر: «عن أبي بصير» بدل «بن أبي نصر».
(٣) المجمع ٣ / ٢٢٠.
(٤) الخصال ٢ / ٥٩٧، ح ١.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٢، ح ١١.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٢، ح ١٤.
(٧) نفس المصدر والموضع، ح ١٥.
وهي قيمة كلب الصّيد إذا قتل. والبخس النّقص.
ويمكن الجمع بين الأخبار بأنّ الثّمن الّذي باعوه به، هو العشرون، واستحطّوا درهمين منه، بعد العقد على عشرين.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) وفي الحديث السّابق عن عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ.
انّهم لـمّا أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا، حتّى ننظر ما حال يوسف، أمات، أم هو حيّ. فلمّا انتهوا إلى الجبّ، وجدوا بحضرة الجبّ سيّارة، وقد أرسلوا واردهم وأدلى دلوه. فلمّا جذب دلوه، فإذا هو بغلام متعلّق بدلوه. فقال لأصحابه: يا بشرى! هذا غلام! فلمّا أخرجوه، أقبل إليهم إخوة يوسف، فقالوا: هذا عبدنا سقط [منّا](٢) أمس في هذا الجبّ، وجئنا اليوم لنخرجه. فانتزعوه من أيديهم. وتنّحوا به ناحية فقالوا: إمّا أن تقرّ لنا أنّك عبدنا، فنبيعك [على](٣) بعض هذه السّيّارة، أو نقتلك! فقال لهم يوسف: لا تقتلوني، واصنعوا ما شئتم.
فأقبلوا به إلى السّيّارة، فقالوا: أمنكم من يشتري منّا هذا العبد؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما. وكان إخوته فيه من الزّاهدين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : فحملوا يوسف إلى مصر، وباعوه من عزيز مصر.
وفي علل الشّرائع(٥) ، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ أنّه سئل: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ وبين مصر؟ فقال: مسيرة اثني عشر يوما.
وفي الكافي(٦) وكمال الدّين(٧) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في حديث يذكر فيه يوسف ـ عليه السّلام ـ: وكان بينه وبين والده ثمانية عشر يوما. قال: ولقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة(٨) تسعة أيّام من بدوهم(٩) إلى مصر.
ولعلّ الاختلاف في الخبرين باعتبار اختلاف سير السّيّارة. فإنّ بعضهم كان
__________________
(١) العلل ١ / ٤٨، ح ١.
(٢ و ٣) من المصدر.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٢.
(٥) العلل ١ / ٤٨، ح ١.
(٦) الكافي ١ / ٣٣٦، ح ٤.
(٧) كمال الدين ١ / ١٤٤، ح ١١.
(٨) كمال الدين: في.
(٩) ليس في كمال الدين: من بدوهم.
يسير اثني عشر يوما ـ كالرّاكبين على الفرس ـ وبعضهم ثمانية عشر، كالسّائرين على الإبل.
( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ ) :
قيل(١) : هو العزيز الّذي كان على خزائن مصر. وكان اسمه «قطفير» أو «إطفير». وكان الملك يومئذ ريّان بن الوليد العمليقيّ. وقد آمن بيوسف، ومات في حياته.
وقيل(٢) كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله(٣) :( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ) . والمشهور أنّه من أولاد فرعون يوسف، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.
نقل(٤) أنّه اشتراه العزيز، وهو ابن سبع عشرة سنة. ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة. واستوزره الرّيّان، وهو ابن ثلاثين سنة. أعطاه الله العلم والحكمة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وتوفيّ، وهو ابن مائة وعشرين.
واختلف فيما اشتراه به من جعل شرائه غير الأوّل. فقيل(٥) : عشرون دينارا وزوجا نعل وثوبان أبيضان. وقيل(٦) : ملؤه فضّة. وقيل(٧) : ذهبا.
( مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ ) ـ وكان اسمها(٨) زليخا. كما يأتي في الخبر ـ:( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) : اجعلي مقامه عندنا كريما، أي: حسنا. والمعنى: أحسني تعهّده.
( عَسى أَنْ يَنْفَعَنا ) في ضياعنا وأموالنا، ونستظهر به في مصالحنا.
( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) : نتبنّاه ـ وكان عقيما ـ لما تفرّس فيه من الرّشد.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : ولم يكن له ولد. فأكرموه وربّوه. فلمّا بلغ أشدّه، هوته امرأة العزيز. وكانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلّا هوته، ولا رجل إلّا أحبّه. وكان وجهه مثل القمر ليلة البدر.
( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) : وكما مكّنّا محبّته في قلب العزيز، أو كما
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩١، وفي ب: «يعني» بدل «قيل».
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) غافر / ٣٤.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥ و ٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٩١.
(٨) ليس في ب.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٣٤٢.
مكّنّاه في منزله، أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، مكّنّا له فيها.
( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) :
عطف على مضمر. تقديره: ليتصرّف فيها بالعدل، ولنعلّمه. أي: كان القصد في إنجائه وتمكّنه إلى أن يقيم العدل، ويدبّر أمور النّاس، ويعلم معاني كتب الله وأحكامه، فينفّذها. أو: تعبير المنامات المنبّئة عن الحوادث الكائنة، ليستعدّ لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحلّ.
( وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ) ، لا يردّه شيء، ولا ينازعه فيما يشاء. أو: على أمر يوسف. أراد به إخوة يوسف شيئا، وأراد الله غيره. فلم يكن إلّا ما أراده.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٢١) أنّ الأمر كلّه بيده. أو: لطائف صنعه، وخفايا لطفه.
( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) : منتهى اشتداده في جسمه وقوّته. وهو سنّ الوقوف ما بين الثّلاثين والأربعين.
وقيل(١) : سنّ الشّباب. ومبدؤه بلوغ الحلم.
( آتَيْناهُ حُكْماً ) : حكمة. وهو العلم المؤيّد بالعمل. أو: حكما بين النّاس.
( وَعِلْماً ) ، يعني: على تأويل الأحاديث.
( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (٢٢) :
تنبيه على أنّه ـ تعالى ـ إنّما آتاه ذلك، جزاء على إحسانه في عمله، واتّقائه(٢) في عنفوان أمره.
( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ) : طلبت وتمحّلت أن يواقعها. من: راد يرود: إذا جاء وذهب لطلب شيء. ومنه: الرّائد.
( وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ) :
قيل(٣) : كانت سبعة. والتّشديد للتّكثير، أو للمبالغة في الإيثاق.
( وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ) ، أي: أقبل وبادر. أو: تهيّأت لك. والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح، كأين. واللّام للتّبيين، كالّتي في: سقيا لك.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩١.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: إحصانه.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٩١.
وقرأ(١) ابن كثير بالضّمّ، تشبيها له بحيث. ونافع وأبو عامر بالفتح وكسر الهاء ـ كحيط ـ وهو لغة فيه.
وقرأ(٢) هشام كذلك إلّا أنّه يهمز. وقد روي عنه ضمّ التّاء.
وقرئ(٣) : «هيت» ـ كجير ـ و «هئت» ـ كجئت ـ من: هاء يهيء: إذا تهيّأ. وعلى هذا فالّلام من صلته.
وفي مجمع البيان(٤) : وروي عن عليّ ـ عليه السّلام ـ: «هئت لك» بالهمزة وضمّ التّاء.
( قالَ مَعاذَ اللهِ ) : أعوذ بالله معاذا.
( إِنَّهُ ) : إنّ الشّأن( رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) : سيّدي «قطفير» أحسن تعهّدي، إذ قال لك: «أكرمي مثواه». فما جزاؤه أن أخونه في أهله.
وقيل(٥) : الضّمير لله. أي: إنّه خالقي، وأحسن منزلتي، بأن عطف على قلبه، فلا أعصيه.
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (٢٣): المجازون الحسن بالسّيّئ.
وقيل(٦) : الزّناة. فإنّ الزّنا ظلم على الزّاني والمزنيّ بأهله.
( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ) :
قيل(٧) : قصدت مخالطته، وقصد مخالطتها. والهمّ بالشّيء: قصده والعزم عليه.
ومنه: الهمام، وهو: الّذي إذا همّ بشيء، أمضاه.
وقيل(٨) : المراد بهمّه، ميل الطّبع ومنازعة الشّهوة، لا القصد الاختياريّ. وذلك ممّا لا يدخل تحت التّكليف. بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله، من يكفّ عن الفعل عند قيام هذا الهمّ، أو مشارفة الهمّ، كقولك: لو لم أخف الله.
( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) :
__________________
(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
(٤) المجمع ٣ / ٢٢٢.
(٥ و ٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
قيل(١) : أي: في قبح الزّنا وسوء مغبّته، لخالطها، لشبق الغلمة وكثرة المبالغة. والجواب محذوف، يدلّ عليه المذكور سابقا، عند من لم يجوّز تقديم الجزاء عليها. ومن جوّزه، فلا حاجة إليه.
وقيل(٢) : رأى جبرئيل.
وقيل(٣) : تمثّل له يعقوب عاضّا على أنامله.
وقيل(٤) : «قطفير».
وقيل(٥) : نودي: يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السّفهاء!؟
وفي كتاب الاحتجاج(٦) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ مجيبا لبعض الزّنادقة ـ وقد قال: وأجده وقد شهر هفوات الأنبياء. يقول: في يوسف:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ـ: وأمّا هفوات الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ وما بيّنه الله في كتابه [ووقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم ممّا اجترمته الأنبياء، ممّن شهد الكتاب بظلمهم](٧) ، فإنّ ذلك من أدلّ الدّلائل على حكمة الله الباهرة، وقدرته القاهرة، وعزّته الظّاهرة. لأنّه علم أنّ براهين الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ تكبر في صدور أممهم، وأنّ منهم من يتّخذ بعضهم إلها، كالّذي كان من النّصارى في ابن مريم. فذكرها، دلالة على تخلّفهم(٨) عن الكمال الّذي انفرد(٩) به ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي مجمع البيان(١٠) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «البرهان» النّبوّة المانعة من ارتكاب الفواحش، والحكمة الصّارفة عن القبائح(١١) .
( كَذلِكَ ) ، أي: مثل ذلك التّثبيت ثبّتناه. أو: الأمر مثل ذلك( لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ) : خيانة السّيّد( وَالْفَحْشاءَ ) : الزّنا.
وفي كتاب معاني الأخبار(١٢) ، بإسناده إلى خلف بن حمّاد، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
__________________
(١ و ٢ و ٣ و ٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
(٦) الإحتجاج ١ / ٣٤٥ ـ ٣٤٩.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: تخليهم.
(٩) المصدر: تفرد.
(١٠) المجمع ٣ / ٢٢٥.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: القبيح.
(١٢) المعاني / ١٧٢، ح ١.
وَالْفَحْشاءَ ) ، يعني: أن يدخل في الزّنا.
( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (٢٤): الّذين أخلصهم الله لطاعته.
وقرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كلّ القرآن، أي: الّذين أخلصوا دينهم لله.
وفي عيون الأخبار(٢) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون، مع أهل الملل والمقالات، وما أجاب به عليّ بن الجهم في عصمة الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ حديث طويل. وفيه يقول: ـ عليه السّلام ـ :
وأما قوله في يوسف ـ عليه السّلام ـ:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ) ، فإنّها همّت بالمعصية، وهمّ يوسف بقتلها، إن أجبرته، لعظم ما تداخله. فصرف الله عنه قتلها والفاحشة. هو قوله:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) ، يعني: القتل والزّنا.
وفي مجلس آخر(٣) للرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في عصمة الأنبياء، بإسناده إلى عليّ بن محمّد بن الجهم قال :
حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا ـ عليه السّلام ـ. فقال له المأمون: يا ابن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى. قال: فما معنى قول الله عزّ وجلّ ـ إلى أن قال: ـ فأخبرني عن قول الله ـ تعالى ـ:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) .
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ:( لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) ولو لا أن رأى برهان ربّه، لهمّ بها، كما همّت به. لكنّه كان معصوما، والمعصوم لا يهمّ بذنب، ولا يأتيه. ولقد حدّثني أبي، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: همّت بأن تفعل، وهمّ بأن لا يفعل.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن!
وفي باب آخر(٤) ، فيما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من الأخبار المجموعة، قال: وبهذا الإسناد، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) قال :
قامت امرأة العزيز إلى الصّنم، فألقت عليه ثوبا. فقال لها يوسف: ما هذا؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
(٢) العيون ١ / ١٥٤، ح ١.
(٣) العيون ١ / ١٥٥ ـ ١٦٠، ح ١.
(٤) العيون ٢ / ٤٤، ح ١٦٢.
فقالت: أستحيي من الصّنم أن يرانا. فقال لها يوسف: أتستحيين ممّن لا يسمع ولا يبصر [ولا يفقه](١) ، ولا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا ممّن خلق الإنسان وعلّمه!؟ فذلك قوله ـ تعالى ـ:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) .
وفي أمالي الصّدوق(٢) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال لعلقمة: إنّ رضا النّاس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط. وكيف تسلمون ممّا لم تسلم منه أنبياء الله ورسله وحجج الله ـ عليهم السّلام ـ!؟ ألم ينسبوا يوسف ـ عليه السّلام ـ إلى أنّه همّ بالزّنا!؟ والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا همّت به وهمّ بها، قالت: كما أنت. قال: ولم؟ قالت: أغطّي وجه الصّنم لا يرانا. فذكر الله عند ذلك، وقد علم أنّ الله يراه. ففرّ منها(٤) .
وأمّا ما رواه عن محمّد بن قيس(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: إنّ يوسف لـمّا حلّ سراويله، رأى مثال يعقوب [قائما](٦) عاضّا على أصبعه، وهو يقول له: يا يوسف! قال: فهرب. ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لكنّي ـ والله ـ ما رأيت عورة أبي قطّ. ولا رأى أبي عورة جدّي قطّ. ولا رأى جدّي عورة أبيه قطّ. قال وهو عاضّ على إصبعه. فوثب. فخرج الماء من إبهام رجله. فموافق لمذهب العامّة، ومحمول على التّقيّة.
يدلّ على(٧) ما رواه عن بعض أصحابنا(٨) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أيّ شيء يقول النّاس في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ؟ قلت: يقولون: رأى يعقوب عاضّا على أصبعه. فقال: لا ليس كما يقولون.
فقلت: فأي شيء رأى؟ قال: لـمّا همّت به وهمّ بها، قامت إلى صنم معها في البيت، فألقت عليه ثوبا. فقال لها يوسف: ما صنعت؟ قالت(٩) : طرحت عليه ثوبا.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) أمالي الصدوق / ٩١، ح ٣.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٣، ح ١٧.
(٤) المصدر: ففرّ منها هاربا.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١٨.
(٦) من المصدر.
(٧) الصحيح: عليه.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٤، ح ١٩.
(٩) المصدر: قال.
أستحيي أن يرانا. قال: فقال يوسف: فأنت تستحين من صنمك ـ وهو لا يسمع ولا يبصر ـ ولا أستحيي أنا من ربّي!؟
إسحاق بن يسار(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله بعث إلى يوسف ـ وهو في السّجن ـ: يا ابن يعقوب! ما أسكنك مع الخطّائين؟ قال: جرمي(٢) . فاعترف(٣) بمجلسه منها مجلس الرّجل من أهله.
واعلم أنّ العامّة ـ خذلهم الله ـ نسبوا إلى يوسف ـ عليه السّلام ـ في هذا المقام أمورا، [ورووا بها روايات مختلقة لا يليق للمؤمنين نقلها، فكيف باعتقادها!](٤) .
ونعم ما قيل(٥) : إنّ الّذين لهم تعلّق بهذه الواقعة هم: يوسف ـ عليه السّلام ـ والمرأة، وزوجها، والنّسوة، والشّهود، وربّ العالمين، وإبليس. وكلّهم قالوا ببراءة يوسف عن الذّنب. فلم يبق لمسلم توقّف في هذا الباب :
أمّا يوسف، فقوله(٦) :( هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) . وقوله(٧) :( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) .
وأمّا المرأة، فلقولها(٨) :( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) . وقالت(٩) :( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ) .
وأمّا زوجها، فلقوله(١٠) :( إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .
وأمّا النّسوة، فلقولهنّ(١١) :( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وقولهنّ(١٢) :( حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) .
وأمّا الشّهود، فقوله(١٣) ـ تعالى ـ:( شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) (الآية).
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٨، ح ٨٧. كذا فيه. وفي النسخ: إسحاق بن بشار.
(٢) المصدر: زيادة «قال: فاعترف بجرمه فاخرج».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأعرف.
(٤) كذا في تفسير الصافي ٣ / ١٤، وهامش نور الثقلين ٢ / ٤٢٠، نقلا عنه. وفي النسخ: «نشير إلى أكثرها سابقا» بدل ما بين المعقوفتين.
(٥) تفسير الصّافي ٣ / ١٤.
(٦) يوسف / ٢٦.
(٧) يوسف / ٣٣.
(٨) يوسف / ٣٢.
(٩) يوسف / ٥١.
(١٠) يوسف / ٢٨.
(١١) يوسف / ٣٠.
(١٢) يوسف / ٥١.
وأمّا شهادة الله بذلك، فقوله ـ عزّ من قائل ـ:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) . وأمّا إقرار(١) إبليس بذلك(٢) فقوله(٣) :( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) . فقد أقرّ إبليس بأنّه لم يغوه.
وعند هذا نقول لهؤلاء الجهّال الّذين نسبوا إلى يوسف ـ عليه السّلام ـ الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله، فليقبلوا شهادة الله بطهارته. وإن كانوا من أتباع إبليس، وجنوده فليقبلوا إقرار إبليس بطهارته.
( وَاسْتَبَقَا الْبابَ ) :
أي: تسابقا إلى الباب.
وحذف الجارّ. أو ضمّن الفعل معنى الابتدار. وذلك أنّ يوسف ـ عليه السّلام ـ فرّ عنها ليخرج. وأسرعت وراءه، لتمنعه الخروج.
( وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) : اجتذبته من ورائه، فقدّ قميصه.
والقدّ: الشّق طولا. والقطّ: الشّقّ عرضا.
( وَأَلْفَيا سَيِّدَها ) : وصادفا زوجها( لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٢٥) :
بادرت إلى هذا القول، إيهاما بأنّها فرّت منه، تبرئة لساحتها عند زوجها وتغييره على يوسف وإغراءه به انتقاما منه.
و «ما» نافية. أو استفهاميّة، بمعنى: أي شيء جزاؤه إلّا السّجن!؟
( قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) : طالبتني بالمؤاتاة.
وإنّما قال ذلك، دفعا لما عرّضته له من السّجن أو العذاب الأليم. ولو لم تكذب، لما قاله.
( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) :
قيل(٤) : ابن عمّها.
وقيل(٥) : ابن خالها صبيّا في المهد.
__________________
(١٣) يوسف / ٢٦.
(١) ليس في أ، ب.
(٢) ليس في أ، ب، ر.
(٣) الحجر / ٣٩ ـ ٤٠، وص / ٨٢ ـ ٨٣.
(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٢.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن بعض رجاله، رفعه قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ألهم الله ـ عزّ وجلّ ـ يوسف أن قال للملك: سل هذا الصّبي في المهد، فإنّه سيشهد أنّها راودتني عن نفسي. فقال العزيز للصّبيّ. فأنطق الله الصّبي في المهد ليوسف فقال :
( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) (٢٦)، لأنّه يدلّ على أنّها قدّت قميصه من قدّامه بالدّفع عن نفسها، أو أنّه أسرع خلفها، فتعثّر بذيله، فانقدّ جيبه.
( وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٢٧)، لأنّه يدلّ على أنّها تبعته، فاجتذبت ثوبه، فقدّته.
والشّرطيّة محكيّة على إرادة القول، أو على أنّ فعل الشّهادة من القول ونحوه. ونظيره قولك: إن أحسنت إليّ، فقد أحسنت إليك. فإنّ معناه: أن تمنن عليّ بإحسانك، أمنن عليك بإحساني السّابق.
وقرئ(٢) : «من قبل» و «من دبر» بالضّمّ ـ لأنّهما قطعا عن الإضافة، كقبل وبعد ـ وبالفتح، كأنّهما جعلا علمين للجهتين، فمنعا من الصّرف، وبسكون العين.
وفي كتاب الخصال(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات في قوله ـ تعالى ـ:( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) وقوله ـ تعالى ـ:( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ) (الآية). وقوله ـ تعالى ـ:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا ) (الآية).
( فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ ) : إنّ قولك:( ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ) . أو: إنّ السّوء. أو: إنّ هذا الأمر( مِنْ كَيْدِكُنَ ) : من حيلتكنّ.
والخطاب لها ولأمثالها. أو لسائر النّساء.
( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) (٢٨) :
فإنّ كيد النّساء ألطف وأعلق بالقلب، وأشدّ تأثيرا في النّفس. ولأنهن يواجهن به الرّجال، والشّيطان يوسوس به مسارقة.
( يُوسُفُ ) :
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٤٢ ـ ٣٤٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٣.
(٣) الخصال ١ / ١١٨، ح ١٠٤.
حذف منه حرف النّداء، لقربه ومفاطنته للحديث.
( أَعْرِضْ عَنْ هذا ) : اكتمه ولا تذكره.
( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) يا زليخا.
( إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) (٢٩): من القوم المذنبين. من خطئ: إذا أذنب.
( وَقالَ نِسْوَةٌ ) :
هو اسم لجمع امرأة. وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقيّ. ولذلك جرّد فعله. وضمّ النّون لغة فيها.
( فِي الْمَدِينَةِ ) :
ظرف ل «قال». أي: أشعن الحكاية في مصر. أو صفة نسوة.
قيل(١) : وكنّ خمسا: زوجة الحاجب، والسّاقي، والخبّاز، والسّجّان، وصاحب الدّوابّ.
( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ) : تطلب مواقعة غلامها إيّاها.
والعزيز بلسان العرب: الملك. وأصل فتا: فتى، لقولهم: فتيان. والفتوّة شاذّة.
( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) : قد شقّ شغاف قلبها ـ وهو حجابه ـ حتّى وصل إلى فؤادها، حبّا.
ونصبه على التّمييز، لصرف الفعل عنه.
وقرئ(٢) : «شعفها». من: شعف البعير: إذا هنأه بالقطران، فأحرقه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) يقول: قد حجبها حبّه عن النّاس، فلا تعقل غيره. والحجاب هو الشّغاف. والشّغاف هو حجاب للقلب.
وفي مجمع البيان(٤) والجوامع(٥) ، نسب القراءة بالعين المهملة إلى أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ.
( إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٣٠): في ضلال عن الرّشد، وبعد عن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٣.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٣.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٥٧.
(٤) المجمع ٣ / ٢٢٨.
(٥) الجوامع / ٢١٦.
الصّواب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وشاع الخبر بمصر، وجعلت(٢) النّساء يتحدّثن بحديثها، ويعذلنها(٣) ويذكرنها.
( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ ) : [باغتيابهنّ.
وإنّما سمّاه مكرا، لأنهنّ أخفينه، كما يخفي الماكر مكره. أو قلن ذلك لتريهنّ يوسف. أو لأنّها استكتمتهنّ سرّها، فأفشين عليها.](٤)
( أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ ) تدعوهنّ.
قيل(٥) : دعت أربعين امرأة فيهنّ الخمس.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : فبعثت إلى كلّ امرأة رئيسة، فجمعن في منزلها. وهيّأت لهنّ مجلسا. ودفعت إلى كلّ امرأة أترجّة(٧) وسكّينا، فقالت اقطعن. ثمّ قالت ليوسف: اخرج عليهنّ. وكان في بيت. فخرج يوسف عليهنّ. فلمّا أن(٨) نظرن إليه، أقبلن يقطعنّ أيديهنّ، وقلن كما حكى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
( وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ) :
قيل(٩) : ما يتّكئن عليه من الوسائد.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : «متكا»، أي: أترجّة.
كأنّه قرأه بإسكان التّاء وحذف الهمزة. أو طعاما ومجلس طعام، كما يأتي عن السّجاد ـ عليه السّلام ـ. فإنّهم كانوا يتّكئون للطّعام والشّراب تترّفا. فنهي عنه لذلك.
( وَآتَتْ ) : أعطت( كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) ، حتّى يتّكئن والسّكاكين بأيديهنّ. فإذا خرج عليهنّ يبهتن ويشغلن عن أنفسهنّ، فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، فيبكتن بالحجّة. أو يهاب يوسف من مكرها، إذا خرج على أربعين امرأة في
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: جعلن.
(٣) المصدر: يعيّرنها.
(٤) ليس في أ، ب.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٣.
(٦) تفسير القميّ ١ / ٣٤٣.
(٧) الاترجّ: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثّمر، وثمره كاللّيمون الكبار، وهو ذهبيّ اللّون، ذكيّ الرائحة، حامض الماء.
(٨) ليس في المصدر.
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٣.
(١٠) تفسير القميّ ١ / ٣٤٣.
أيديهنّ الخناجر.
( وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) : عظّمنه، وهبن حسنه الفائق.
وقيل(١) : كان يرى(٢) تلألؤ وجهه على الجدران.
وقيل(٣) : «أكبرن» بمعنى: حضن. من أكبرت المرأة: إذا حاضت. والهاء ضمير للمصدر، أو ليوسف، على حذف اللّام. أي: حضن له من شدّة الشّبق.
وفي مجمع البيان(٤) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: رأيت في السّماء الثّانية رجلا صورته صورة القمر ليلة البدر. فقلت لجبرئيل: من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف. يعني حين أسري به.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ ما يقرب منه.
( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) : جرحنها بالسّكاكين من فرط الدّهشة.
( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ) ، تنزيها له من صفات العجز، وتعجّبا من قدرته على خلق مثله.
وأصله: حاشا. كما قرأ أبو عمرو(٦) في الدّرج. فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا. وهو حرف يفيد معنى التّنزيه في باب الاستثناء. فوضع موضع التّنزيه. واللّام للبيان، كما في قولك: سقيا لك.
وقرئ(٧) : «حاش الله» ـ بغير لام ـ بمعنى: براءة الله. و «حاشا لله» ـ بالتّنوين ـ على تنزيله منزلة المصدر.
وقيل(٨) : «حاشا» فاعل من الحشا الّذي هو النّاحية. وفاعله ضمير يوسف. أي: صار في ناحية لله ممّا يتوهّم فيه.
( ما هذا بَشَراً ) :
لأنّ هذا الجمال غير معهود للبشر. وهي على لغة أهل الحجاز في إعمال «ما»
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٤.
(٢) ليس في أ، ب.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) المجمع ٣ / ٢٣١.
(٥) تفسير القميّ ٢ / ٨ إلّا أنّ فيه: «في السماء الثالثة».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٤.
(٧ و ٨) نفس المصدر والموضع.
عمل «ليس» لمشاركتها في نفي الحال.
وقرئ(١) : «بشر» ـ بالرّفع ـ على لغة تميم. و «بشرى»، أي: بعبد مشترى لئيم.
( إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) (٣١) :
فإنّ الجمع بين الجمال الرّائق والكمال الفائق والعصمة البالغة، من خواصّ الملائكة. أو: لأنّ جماله فوق جمال البر، لا يفوقه فيه إلّا الملك.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن محمّد بن مروان، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ يوسف خطب امرأة جميلة كانت في زمانه. فردّت، وقالت: عبد الملك إيّاي تطلب!؟ قال: فطلبها إلى أبيها. فقال له أبوها: إنّ الأمر أمرها.
قال: فطلبها إلى ربّه وبكى. فأوحى الله إليه: إنّي قد زوّجتكها. ثمّ أرسل إليها أنّي أريد أن أزوركم. فأرسلت إليه أن تعال(٣) . فلمّا دخل عليها، أضاء البيت لنوره. فقالت: «ما هذا إلّا ملك كريم». فاستسقى. فقامت إلى الطّاس لتسقيه. فجعل يتناول [الطّاس](٤) من يدها. فتناوله فاها. فجعل يقول لها: انتظري، ولا تعجلي. قال: فتزوّجها.
( قالَتْ: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) ، أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنّني في الافتنان به، قبل ان تتصوّرنه حقّ تصوّره. فلو تصورتنّه بما عاينتنّ، لعذرتنني. أو: فهذا هو الّذي لمتنني فيه. فوضع «ذلك» موضع «هذا» رفعا لمنزلة المشار إليه.
( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) : فامتنع طلبا للعصمة. أقرّت لهنّ حين عرفت [أنّهنّ يعذرنها كي يعاونّها على إلانة عريكته.
( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ) ، أي: ما آمر به. فحذف الجارّ. أو: أمري إيّاه، بمعنى :](٥) موجب أمري. فيكون الضّمير ليوسف.
( لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) (٣٢): الأذلّاء.
وهو من: صغر ـ بالكسر ـ يصغر، صغرا وصغارا. والصّغير من: صغر ـ بالضّمّ ـ صغرا.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٤.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٥، ح ٢٠.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: تعالي.
(٤) من المصدر.
(٥) ليس في ب
وقرئ(١) : «ليكونن». وهو يخالف خطّ المصحف. لأنّ النّون كتبت فيه بالألف ك «لنسفعا» على حكم الوقف. وذلك في الخفيفة لشبهها بالتّنوين.
( قالَ رَبِّ السِّجْنُ ) :
وقرأ(٢) يعقوب بالفتح، على المصدر.
( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) ، أي: آثر عندي من مؤاتاتها زنا، نظرا إلى العاقبة.
وإسناد الدّعوة إليهنّ جميعا، لأنّهنّ خوّفنه عن مخالفتها وزيّنّ له مطاوعتها، أو دعونه إلى أنفسهنّ.
وقيل(٣) : إنّما ابتلي بالسّجن لقوله هذا. وإنّما كان الأولى به أن يسأل الله العافية.
ولذلك ردّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على من كان يسأل الصّبر على البلاء.
وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى ابن مسعود قال: احتجّوا في مسجد الكوفة فقالوا: ما بال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لم ينازع الثّلاثة، كما نازع طلحة والزّبير وعائشة ومعاوية!؟ فبلغ عليّا ـ عليه السّلام ـ. فأمر أن ينادى بالصّلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه.
ثمّ قال: يا معشر النّاس! إنّه قد بلغني عنكم كذا وكذا. قالوا: صدق أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قد قلنا ذلك.
قال: فإنّ لي بسنّة الأنبياء أسوة فيما فعلت. قال الله ـ تعالى ـ في محكم كتابه(٥) :( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) . قالوا: ومن هم، يا أمير المؤمنين؟
قال: أوّلهم إبراهيم ـ عليه السّلام إلى أن قال: ـ ولي بيوسف أسوة إذ قال:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) . فإن قلتم: إنّ يوسف دعا ربّه وسأله السّجن ليسخط(٦) ربّه، فقد كفرتم. وإن قلتم: إنّه أراد بذلك لئلّا يسخط ربّه عليه، فاختار السّجن، فالوصيّ أعذر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٤.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٤.
(٤) العلل ١ / ١٤٨ ـ ١٤٩، ح ٧.
(٥) الأحزاب / ٢١.
(٦) المصدر: لسخط.
(٧) تفسير القميّ ١ / ٣٥٤.
الرّضا ـ عليه السّلام ـ :
قال السّجّان ليوسف: إنّي لأحبّك. فقال يوسف ـ عليه السّلام ـ: ما أصابني إلّا من الحبّ. إن كانت خالتي(١) أحبّتني، فسرقتني. وإن كان أبي أحبّني، فحسدوني إخوتي. وإن كانت امرأة العزيز أحبّتني، فحبستني.
قال: وشكا [يوسف](٢) في السّجن إلى الله، فقال: يا ربّ، بما(٣) استحققت السّجن؟ فأوحى الله إليه: أنت اخترته حين قلت:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) . هلّا قلت: العافية أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه!؟
وفيه(٤) : فما أمسى يوسف في ذلك البيت، حتّى بعثت إليه كلّ امرأة رأته تدعوه إلى نفسها. فضجر يوسف ـ عليه السّلام ـ [في ذلك البيت](٥) فقال:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُ ) (الآية).
( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي ) : وإن لم تصرف عنّي( كَيْدَهُنَ ) في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه عندي، بالتّثبيت على العصمة،( أَصْبُ إِلَيْهِنَ ) : أمل إلى إجابتهنّ، أو إلى أنفسهنّ بطبعي ومقتضى شهوتي.
والصّبوة: الميل إلى الهوى. ومنه: الصّبا، لأن النّفوس تستطيبها، وتميل إليها.
وقرئ(٦) : «أصب». من الصّبابة، وهي: الشّوق.
( وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) (٣٣): من السّفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإنّ الحكيم لا يفعل القبيح. أو: من الّذين لا يعملون بما يعلمون، فإنّهم والجهّال سواء.
( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ) : فأجابه الله دعاءه الّذي تضمنّه قوله:( وَإِلَّا تَصْرِفْ ) .
( فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ ) : فثبّته بالعصمة، حتّى وطّن نفسه على مشقّة السّجن، وآثرها على اللّذّة المتضمّنة للعصيان(٧) .
( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لدعاء الملتجئين إليه( الْعَلِيمُ ) (٣٤) بأحوالهم وما يصلحهم.
__________________
(١) بعض نسخ المصدر: عمّتي.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: بماذا.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٣.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٥.
(٧) ب: للمعصية.
وفي علل الشّرائع(١) ، عن السّجّاد ـ عليه السّلام ـ: وكان يوسف من أجمل أهل زمانه. فلمّا راهق يوسف، راودته امرأة الملك عن نفسه. فقال: لها: معاذ الله أنا من أهل بيت لا يزنون. فغلّقت الأبواب عليها وعليه، [وقالت: لا تخف. وألقت نفسها عليه.](٢) فأفلت منها هاربا إلى الباب، ففتحه. فلحقته، فجذبت قميصه من خلفه، فأخرجته منه. فأفلت يوسف منها في ثيابه.( وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
قال: فهمّ الملك بيوسف ليعذّبه. فقال له يوسف: وإله يعقوب، ما أردت بأهلك سوءا، بل هي راودتني عن نفسي. فاسأل هذا الصّبي أيّنا راود صاحبه عن نفسه.
قال: وكان عندها من أهلها صبيّ(٣) زائر لها. فأنطق الله الصّبيّ لفصل القضاء، فقال: أيّها الملك انظر إلى قميص يوسف. فإن كان مقدودا من قدّامه، فهو الّذي راودها. وإن كان مقدودا من خلفه، فهي الّتي راودته. فلمّا سمع الملك كلام الصّبيّ وما اقتصّ، أفزعه ذلك فزعا شديدا. فجيء بالقميص، فنظر إليه. فلمّا رآه مقدودا من خلفه، قال لها:( إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) . وقال:( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) ولا يسمعه أحد منك وأكتمه.
[قال :](٤) فلم يكتمه يوسف وأذاعه في المدينة، حتّى قلنّ نسوة منهنّ:( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ) . فبلغها ذلك. فأرسلت إليهنّ، وهيّأت لهنّ طعاما ومجلسا. ثمّ أتتهنّ بأترجّ، وأتت كلّ واحدة منهنّ سكّينا. ثمّ قالت ليوسف:( اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) وقلن ما قلن. فقالت لهنّ: هذا الّذي لمتنّني فيه. يعني في حبّه. وخرجت(٥) النّسوة من عندها.
فأرسلت كلّ واحدة منهنّ إلى يوسف سرّا من صاحبتها(٦) تسأله الزّيارة. فأبى عليهنّ وقال:( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) . فصرف الله عنه كيدهنّ.
__________________
(١) العلل ١ / ٤٨ ـ ٤٩.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «صبيّ من أهلها» بدل «من أهلها صبيّ».
(٤) من المصدر.
(٥) كما هو الصحيح. وفي النسخ: خرجن.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: صواحبها.
( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ) : ثمّ ظهر للعزيز وأهله، من بعد ما رأوا الشّواهد الدّالة على براءة يوسف، كشهادة الصّبيّ، وقدّ القميص، وقطع النّساء أيديهنّ، واستعصامه عنهنّ.
وفاعل «بدا» مضمر يفسّره( لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) (٣٥).
وذلك أنّها خدعت زوجها، وحملته على سجنه زمانا، حتّى تبصر ما يكون منه، أو يحسب النّاس أنّه المجرم. فلبث في السّجن سبع سنين.
وقرئ(١) بالتّاء، على أنّ بعضهم خاطب به العزيز ـ على التّعظيم ـ أو العزيز ومن يليه. و «عتى» بلغة هذيل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: والآيات شهادة الصّبيّ، والقميص المخرق من دبر، واستباقهما الباب حتّى سمع(٣) مجاذبتها إيّاه على الباب. فلمّا عصاها، لم تزل ملحّة(٤) بزوجها، حتّى حبسه.
وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة، حديث طويل. وفيه: فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء والتّطيّر(٦) منه وثقله. وأيّ أربعاء هو؟
فقال ـ عليه السّلام ـ: آخر أربعاء في الشّهر. وهو المحاق. وفيه قتل قابيل هابيل أخاه ـ إلى أن قال: ـ ويوم الأربعاء ادخل يوسف ـ عليه السّلام ـ في(٧) السّجن.
وفي كتاب الخصال(٨) ، عن محمّد بن سهل البحرانيّ يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: البكّاؤون خمسة ـ إلى أن قال :
وأمّا يوسف، فبكى على يعقوب، حتّى تأذّى به أهل السّجن فقالوا له: إمّا أن تبكي اللّيل وتسكت النّهار، وإمّا أن تبكي النّهار وتسكت اللّيل! فصالحهم على واحد منهما.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٥.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٣٤٤.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: رأى.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مولعة.
(٥) العيون ١ / ١٩٣ ـ ١٩٤، ح ١.
(٦) المصدر: وتطيّرنا.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) الخصال ١ / ٣٧٢، ح ١٥.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما بكى أحد بكاء ثلاثة ـ إلى قوله: ـ
وأمّا يوسف، فإنّه كان يبكي على أبيه يعقوب وهو في السّجن فتأذّى به أهل السّجن فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن سيف بن عميرة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول :
جاء جبرئيل ـ عليه السّلام ـ إلى يوسف وهو في السّجن. فقال: يا يوسف، قل في دبر كلّ صلاة: «اللهمّ اجعل لي فرجا ومخرجا. وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب».
( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ) ، أي: ادخل مع يوسف عبدان آخران من عبيد الملك.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : عبدان للملك، أحدهما خبّاز ٢، والآخر صاحب الشّراب.
( قالَ أَحَدُهُما ) ، يعني: صاحب الشّراب:( إِنِّي أَرانِي ) ، أي: أرى في المنام. وهي حكاية الحال ماضية.
( أَعْصِرُ خَمْراً ) : أي: عنبا. سمّاه بما يؤول إليه.
( وَقالَ الْآخَرُ ) ، أي: الخبّاز(٤) .
( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) : تنهش منه.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن طربال، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أمر الملك بحبس يوسف في السّجن، ألهمه الله علم تأويل الرّؤيا. فكان يعبّر لأهل السّجن رؤياهم. وإنّ فتيين ادخلا معه في(٦) السّجن يوم حبسه. فلمّا باتا، أصبحا فقالا له: إنّا رأينا رؤيا، فعبّرها لنا. فقال: وما رأيتما؟ فقال أحدهما:( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) . وقال الآخر: [إنّي](٧) رأيت [أن](٨) أسقي الملك خمرا. ففسّر(٩) لهما
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٧ ـ ١٧٨، ح ٢٨.
(٢) الكافي ٢ / ٥٤٩، ح ٧.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٤٤.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: خبازه.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٦، ح ٢٣.
(٦) ليس في المصدر.
رؤياهما على ما في الكتاب. والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
ابن أبي يعفور(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ) . قال: أحمل فوق رأسي جفنة(٢) فيها خبز تأكل الطّير منها.
( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٣٦): إلى أهل السّجن. فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا، إن كنت تعرفه.
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله: «( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) قال: كان يقوم على المريض، ويلتمس للمحتاج، ويوسع على المحبوس.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) قال: كان يوسع المحبس، ويستقرض للمحتاج، ويعين الضّعيف.
وفي مجمع البيان(٥) وقيل: «من المحسنين»، أي: ممّن يحسن تأويل الرّؤيا.
قال: وهذا دليل على أنّ أمر الرّؤيا صحيح، وأنّها لم تزل في الأمم السّابقة. وفي الحديث أنّ الرّؤيا جزء من ستّة وأربعين جزءا من النّبوة. وتأويله أنّ الأنبياء يخبرون بما سيكون، والرّؤيا تدلّ على ما سيكون. فيكون معنى الآية: انا نعلمك ونظنّك ممّن يعرف [تعبير](٦) الرّؤيا. ومن ذلك قول أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قيمة كلّ امرئ ما يحسنه.
( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) ، أي: بتأويل ما قصصتما عليّ. أو: بتأويل الطّعام وكيفيّته. فإنّه يشبه تفسير المشكل.
كأنّه أراد أن يدعوهما إلى التّوحيد، ويرشدهما الطّريق القويم، قبل أن يسعف ما سألا منه، كما هو طريقة الأنبياء والأوصياء في الهداية والإرشاد. فقدّم ما يكون معجزة له من الإخبار بالغيب، ليدلّهما على صدقه في الدّعوة والتّعبير.
( ذلِكُما ) ، أي: ذلك التّأويل( مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) بالإلهام والوحي، وليس من
__________________
(٧ و ٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: فعبّر.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٧، ح ٢٥.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: جعبة.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٤٤.
(٤) الكافي ٢ / ٦٣٧، ح ٣.
(٥) المجمع ٣ / ٢٣٣.
(٦) من المصدر.
قبيل التّكهّن والتّنجيم.
( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) (٣٧) :
تعليل لما قبله. أي: علّمني ذلك، لأنّي تركت ملّة أولئك( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) . أو كلام مبتدأ لتمهيد الدّعوة وإظهار أنّه من بيت النّبوّة، ليقوّي رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق عليه. ولذلك جوّز للخامل(١) أن يصف نفسه، حتّى يعرف فيقتبس منه.
وتكرير الضّمير للدّلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالآخرة.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٢) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ تلا هذه فقال يوسف:( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ـ إلى قوله: ـيَعْقُوبَ ) .
( ما كانَ لَنا ) ما صحّ لنا معشر الأنبياء.( أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ) ، أيّ شيء كان.
( ذلِكَ ) أي التّوحيد.
( مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا ) بالوحي( وَعَلَى النَّاسِ ) : وعلى سائر النّاس، ببعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه،( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) المبعوث(٣) إليهم.( لا يَشْكُرُونَ ) (٣٨): هذا الفضل، فيعرضون عنه ولا يتنبّهون. أو: من فضل الله علينا وعليهم، بنصب الدّلائل وإنزال الآيات، ولكنّ أكثرهم لا ينظرون إليها، ولا يستدلّون بها فيلغونها، كمن يكفر النّعمة ولا يشكرها.
( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ) ، أي: يا ساكنيه. أو: يا صاحبي فيه. فأضافهما إليه على الاتّساع، كقوله :
يا سارق اللّيلة أهل الدّار
( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ ) ، أي: شتّى متعدّدة متساوية الأقدام( أَمِ اللهُ الْواحِدُ ) : المتوحّد في الألوهيّة( الْقَهَّارُ ) (٣٩): الغالب الّذي لا يعادله ولا يقاومه غيره.
__________________
(١) أ، ب: للحامل.
(٢) نور الثقلين ٢ / ٤٢٦، ح ٧٠.
(٣) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٤٩٦. وفي النسخ: المبعوثون.
( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ) :
خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر.
( إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) : إلّا أشياء باعتبار أسام أطلقتم عليها، من غير حجّة تدلّ على تحقّق مسمّياتها فيها. فكأنّكم لا تعبدون إلّا الأسماء المجرّدة. والمعنى: أنّكم سمّيتم ما لم يدلّ على استحقاقه الألوهيّة عقل ولا نقل آلهة، ثمّ أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.
( إِنِ الْحُكْمُ ) في أمر العبادة( إِلَّا لِلَّهِ ) :
لأنّه المستحقّ لها بالذّات، من حيث إنّه الواجب لذاته الموجد للكلّ والمالك لأمره.
( أَمَرَ ) على لسان نبيّه( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) : الّذي دلّت عليه الحجج.
( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) : الحقّ، وأنتم لا تميّزون المعوجّ من القويم.
وهذا من التّدرّج في الدّعوة وإلزام الحجّة. بيّن لهم أوّلا رجحان التّوحيد على اتّخاذ الآلهة، على طريق الخطابة. ثمّ برهن على أنّ ما يسمّونها آلهة ويعبدونها، لا تستحقّ الإلهيّة. فإنّ استحقاق العبادة إمّا بالذّات، وإمّا بالغير، وكلا القسمين منتف عنها. ثمّ نصّ على ما هو الحقّ القويم والدّين المستقيم الّذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٤٠) فيخبطون في جهالاتهم.
( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما ) ، يعني: صاحب الشّراب.
( فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ) ، كما كان يسقيه قبل، ويعود إلى ما كان عليه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال له يوسف: تخرج [من السّجن](٢) وتصير على شراب الملك، وترتفع منزلتك عنده.
وفي مجمع البيان(٣) :( أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ) (الآية). فروي أنّه قال: أمّا العناقيد الثّلاثة(٤) ، فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السّجن. ثمّ يخرجك الملك اليوم الرّابع، وتعود
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤٤.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المجمع ٣ / ٢٣٤.
(٤) ذكر الطبرسيّ (ره) قبل ذلك أنّ المعنى: قال أحدهما ـ وهو الساقي ـ: رأيت أصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وعصرتها في كأس
إلى ما كنت عليه.
( وَأَمَّا الْآخَرُ ) ـ يريد الخبّاز ـ( فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : ولم يكن رأى ذلك وكذب. فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك، ويصلبك، وتأكل الطّير من دماغك. فجحد الرّجل فقال: إنّي لم أر ذلك. فقال يوسف :
( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) (٤١) :
أي: قطع الأمر الّذي تستفتيان فيه، وهو ما يؤول إليه أمركما. ولذلك وحّده، فإنّهما، وإن استفتيا في الأمرين، لكنّهما أرادا استبانة غاية ما نزل بهما.
( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) : اذكر حالي عند الملك، كي يخلّصني.
( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) :
قيل(٢) : فأنسى صاحب الشّراب أن يذكره لربّه. فأضاف إليه المصدر، لملابسته له. أو: أنسى يوسف ذكر الله، حتّى استعان بغيره. ويؤيّده قوله ـ عليه السّلام ـ: رحم الله أخي يوسف! لو لم يقل:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) ، لما لبث في السّجن سبعا بعد الخمس.
( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) (٤٢) :
البضع ما بين الثّلاث إلى التّسع. من البضع، وهو: القطع.
وفي تفسير العيّاشي(٣) ، عن الصادق ـ عليه السّلام ـ قال: سبع سنين.
وفيه(٤) : وفي رواية عليّ بن إبراهيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أمر الملك بحبس يوسف ـ إلى قوله: ـ ثمّ( قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) . قال: ولم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه. فلذلك قال الله:( فَأَنْساهُ ـ إلى قوله: ـسِنِينَ ) . قال: فأوحى الله إلى يوسف في ساعته(٥) تلك :
__________________
الملك، وسقيته إيّاها. ثمّ قال بعد كلام طويل ما نقله المؤلّف (ره) من قوله: «فروي أنه قال: أمّا العناقيد ...».
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٧.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٨، ح ٣٠.
(٤) نفس المصدر / ١٧٦، ح ٢٣، إلّا أنّ الرواية عن طربال، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
يا يوسف! من أراك الرّؤيا الّتي رأيتها(١) !؟ فقال: أنت يا ربّي.
قال: فمن حبّبك إلى أبيك!؟ قال: أنت يا ربّي.
قال: فمّن وجّه السّيّارة إليك!؟ قال: أنت يا ربّي.
قال: فمن علّمك الدّعاء الّذي دعوت(٢) به، حتّى جعل لك من الجبّ فرجا!؟
قال: أنت يا ربّي.
قال: فمن جعل لك من كيد المرأة مخرجا!؟ قال: أنت يا ربّي.
قال: فمن أنطق لسان الصّبيّ بعذرك!؟ قال: أنت يا ربّي.
قال: فمن صرف كيد امرأة العزيز والنّسوة!؟ قال: أنت يا ربّي.
قال: فمن ألهمك تأويل الرّؤيا!؟ قال: أنت يا ربّي(٣) .
قال: فكيف(٤) استغثت بغيري، ولم تستغث بي!؟ ولم(٥) تسألني أن أخرجك من السّجن، واستغثت وأملت عبدا من عبادي، ليذكرك إلى مخلوق من خلقي في قبضتي، ولم تفزع إليّ! البث في السّجن بذنبك بضع سنين، بإرسالك عبدا إلى عبد.
عن يعقوب بن شعيب(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال الله ليوسف: ألست [الّذي](٧) حبّبتك إلى أبيك، وفضّلتك على النّاس بالحسن!؟ أو لست الّذي بعثت(٨) إليك السّيّارة، وأنقذتك وأخرجتك من الجبّ!؟ أو لست الّذي صرفت عنك كيد النّسوة!؟ فما حملك على(٩) أن ترفع رغبتك عنّي(١٠) ، أو تدعو مخلوقا دوني!؟ فالبث لما قلت في السّجن بضع سنين.
عن عبد الله بن عبد الرّحمن(١١) ، عمّن ذكره عنه قال: قال: لـمّا قال للفتى:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) ، أتاه جبرئيل. فضربه برجله، حتّى كشط له عن الأرض السّابعة. قال له: يا يوسف، انظر! ما ذا ترى؟ فقال: أرى حجرا صغيرا. ففلق الحجر فقال: ما ذا
__________________
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ساعة.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أريتها.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: دعوته.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يا ربّنا.
(٤) يوجد في أ، ب.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٧، ح ٢٦.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: سقت.
(٩) ليس في أ، ب.
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٧، ح ٢٧.
ترى؟ قال: أرى دودة صغيرة. قال: فمن رازقها؟ قال: ربّي.
قال: فإنّ ربّك يقول: لم أنس(١) هذه الدّودة في ذلك الحجر في قعر الأرض السّابعة، أظننت أنّي أنساك، حتّى تقول للفتى:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) !؟ لتلبثنّ في السّجن بمقالتك هذه بضع سنين.
قال: فبكى يوسف عند ذلك، حتّى بكى لبكائه الحيطان. قال(٢) : فتأذّى به أهل السّجن. فصالحهم على أن يبكي يوما، ويسكت يوما. فكان في اليوم الّذي يسكت أسوأ حالا.
وفي مجمع البيان(٣) : وقد روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: عجبت من أخي يوسف، كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق!
وروي(٤) أنّه قال: لو لا كلمته، ما لبث في السّجن طول ما لبث.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أخبرنا الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن عمر، عن شعيب العقرقوفيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
إنّ يوسف أتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له: يا يوسف! إنّ ربّ العالمين يقرئك السّلام ويقول لك: من جعلك [أحسن خلقه!؟ قال: فصاح ووضع خدّه على الأرض. ثمّ قال: أنت يا ربّ.
ثمّ قال له: ويقول لك: من حبّبك](٦) إلى أبيك دون إخوتك!؟ قال: فصاح ووضع خدّه على الأرض، وقال: أنت يا ربّ.
قال: ويقول لك من أخرجك من الجبّ، بعد أن طرحت فيها وأيقنت بالهلكة!؟
قال: فصاح ووضع خدّه على الأرض. ثمّ قال: أنت يا ربّ.
قال: فإنّ ربّك قد جعل لك عقوبة في استغاثتك بغيره. فالبث(٧) في السّجن بضع سنين.
قال: فلمّا انقضت المدّة، وأذن الله له في دعاء الفرج، وضع(٨) خدّه على
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم أنسي.
(٢) ليس في أ، ب.
(٣ و ٤) المجمع ٣ / ٢٣٥.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥.
(٦) ليس في أ، ب.
(٧) المصدر: فلبثت.
(٨) المصدر: فوضع.
الأرض. ثمّ قال: «اللهمّ، إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فإنّي أتوجّه إليك بوجه آبائي الصّالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب». ففرّج الله عنه.
قلت: جعلت فداك، أندعوا نحن بهذا الدّعاء؟ فقال: ادع بمثله: «اللهمّ، إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فإنّي أتوجّه إليك بنبيّك، نبيّ الرّحمة، محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ».
وفيه(١) : قال: ولـمّا أمر الملك بحبس يوسف في السّجن، ألهمه الله تأويل الرّويا، [فكان](٢) يعبّر لأهل السّجن. فلمّا سألاه الفتيان الرّؤيا، وعبّر لهما( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) ولم يفزع في تلك الحالة إلى الله، فأوحى الله إليه: من أراك الرّؤيا الّتي رأيتها!؟ فقال يوسف: أنت يا ربّ.
قال: فمن حبّبك إلى أبيك!؟ قال: أنت يا ربّ.
قال: فمن وجّه إليك السّيّارة الّتي رأيتها!؟ فقال: أنت يا ربّ.
قال: فمن علّمك الدّعاء الّذي دعوت به، حتّى جعلت لك من الجبّ فرجا!؟
قال: أنت يا ربّ.
قال: فمن أنطق لسان الصّبيّ بعذرك؟ قال: أنت يا ربّ.
قال: فمن ألهمك تأويل الرّؤيا!؟ قال: أنت يا ربّ.
قال: فكيف استعنت بغيري، ولم تستعن بي!؟ وأملت عبدا من عبيدي، ليذكرك إلى مخلوق من خلقي وفي قبضتي، ولم تفزع إليّ! البث(٣) في(٤) السّجن بضع سنين.
فقال يوسف: أسألك بحقّ آبائي [وأجدادي](٥) عليك، إلّا فرّجت عنّي. فأوحى الله إليه: يا يوسف! وأيّ حقّ لآبائك وأجدادك عليّ!؟
إن كان أبوك آدم، خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي. وأسكنته جنّتي، وأمرته أن لا يقرب شجرة منها. فعصاني. فسألني، فتبت عليه.
وإن كان أبوك نوح، انتجبته من بين خلقي، وجعلته رسولا إليهم. فلمّا عصوا، دعاني. فاستجبت له، وغرّقتهم(٦) . وأنجيته ومن معه في الفلك.
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: ولبثت.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) المصدر: أغرفتهم.
وإن كان أبوك إبراهيم، اتّخذته خليلا. وأنجيته من النّار، وجعلتها عليه(١) بردا وسلاما.
وإن كان أبوك يعقوب، وهبت له اثني عشر ولدا. فغيّبت عنه واحدا. فما زال يبكي، حتّى ذهب بصره. وقعد إلى الطّريق يشكوني إلى خلقي. فأيّ حقّ لآبائك [وأجدادك](٢) عليّ!؟
قال: فقال له(٣) جبرئيل: قل يا يوسف: «أسألك بمنّك العظيم وإحسانك القديم». فقالها. فرأى الملك الرّؤيا، وكان فرجه فيها.
( وَقالَ الْمَلِكُ ) :
في مجمع البيان(٤) : هو الوليد بن ريّان، والعزيز وزيره فيما رواه الأكثرون.
( إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ) وسبع بقرات مهازيل. فابتلع المهازيل السّمان.
( يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ) قد انعقد حبّها.
وفي مجمع البيان(٥) : [عن](٦) جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنّه قرأ: «وسبع سنابل».
وفي تفسير العيّاشي(٧) ، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقرأ: «سبع سنابل خضر(٨) ».
( وَأُخَرَ يابِساتٍ ) : وسبع أخر يابسات قد أدركت. فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبن عليها.
وإنّما استغنى عن بيان حالها، بما قصّ من حال البقرات.
وأجرى السّمان على المميّز دون المميّز، لأنّ التّمييز بها. ووصف السّبع الثاني بالعجاف لتعذّر(٩) التّمييز بها، مجرّدا عن الموصوف، فإنّه لبيان الجنس. وقياسه: «عجف» لأنّه جمع عجفاء، لكنّه حملت على «سمان» لأنّه نقيضه.
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) المجمع ٣ / ٢٣٧.
(٥) نفس المصدر والمجلّد / ٢٣٦.
(٦) منّا.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٩، ح ٣٣.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: خضرة.
(٩) ر: لتقدر.
( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ) : عبّروها.
( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) (٤٣) :
إن كنتم عالمين بعبارة الرّؤيا. فهي الانتقال من الصّور الخياليّة إلى المعاني النّفسانيّة الّتي هي مثالها. من العبور، وهو: المجاوزة. وعبرت الرّؤيا عبارة أثبت من عبّرتها تعبيرا.
واللّام للبيان. أو لتقوية العامل. فإنّ الفعل لـمّا تأخّر عن مفعوله، ضعف، فقوي باللّام، كاسم الفاعل. أو لتضمّن «تعبرون» معنى فعل يعدّى باللّام. كأنّه قيل: إن كنتم تنتدبون(١) لعبارة الرّؤيا.
( قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) :
أي: هذه أضغاث أحلام. وهي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من وسوسة وحديث نفس. جمع ضغث، وأصله: ما جمع من أخلاط النّبات وحزم، فاستعير للرّؤيا الكاذبة.
وإنّما جمعوا، للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان ـ كقولهم: فلان يركب الخيل ـ أو لتضمّنه أشياء مختلفة(٢) .
وفي روضة الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الرّؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن، وتحذير من الشّيطان، وأضغاث أحلام.
وفي أمالي الصّدوق(٤) ، بإسناده إلى النّوفليّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: الرّجل(٥) يرى الرّؤيا، فتكون كما رآها(٦) . وربّما رأى الرّؤيا، فلا تكون شيئا. فقال :
إنّ المؤمن إذا نام، خرجت من(٧) روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السّماء. فكلما رآه المؤمن(٨) في ملكوت السّماوات، في موضع التّقدير والتّدبير، فهو الحقّ. وكلّما رآه في
__________________
(١) أ، ب: تندبون.
(٢) كذا في أ، ب، ر. وفي سائر النسخ: مختلقة.
(٣) الكافي ٨ / ٩٠، ح ٩١.
(٤) أمالي الصدوق / ١٢٤ ـ ١٢٥ ح ١٥.
(٥) المصدر: المؤمن.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يراها.
(٧) ب: من.
الأرض، فهو أضغاث أحلام.
والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
وبإسناده(١) إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن الرّجل ينام فيرى الرّؤيا، فربّما كانت حقّا، وربّما كانت باطلا. فقال رسول الله(٢) ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [يا عليّ ،](٣) إنّه ما من عبد ينام، إلّا عرج بروحه إلى ربّ العالمين. فما رأى عند ربّ العالمين، فهو حقّ. ثمّ إذا أمر العزيز الجبّار بردّ روحه إلى جسده، فصارت الرّوح بين السّماء والأرض، فما رأته، فهو أضغاث أحلام.
وفي تفسير العيّاشي(٤) ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: رأت فاطمة في النّوم كأنّ الحسن والحسين ذبحا، أو قتلا. فأحزنها ذلك فأخبرت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رؤيا! فتمثّلت بين يديه. قال: أرأيت فاطمة هذا البلاء؟ قالت: لا. قال: يا أضغاث! أرأيت(٥) فاطمة هذا البلاء؟ قالت: نعم، يا رسول الله. قال: فما أردت بذلك؟ قالت(٦) : أردت أن أحزنها. فقال لفاطمة(٧) : اسمعي، ليس هذا بشيء.
( وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) (٤٤) :
يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصّة. أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنّما التّأويل للمنامات الصّادقة. اعتذار لجهلهم بتأويله.
( وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما ) : من صاحبي السّجن، وهو صاحب الشّراب( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) : وتذكّر بعد جماعة من الزّمان مجتمعة، أي: مدّة طويلة.
وقرئ(٨) : «إمّة» ـ بكسر الهمزة ـ وهي: النّعمة. أي: بعد ما أنعم الله عليه بالنّجاة. و «أمه»، أي: نسيان. يقال: أمه يأمه أمها: إذا نسي.
والجملة اعتراض ومقول القول :
__________________
(٨) المصدر: روح المؤمن.
(١) أمالي الصدوق / ١٢٥، ح ١٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: رسول رسول الله.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٨ ـ ١٧٩، ح ٣١.
(٥) المصدر: أنت أرأيت.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فاطمة.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٧.
( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ) (٤٥)، أي: إلى من عنده علمه. أو: إلى السّجن.
( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) :
أي: فأرسل إلى يوسف. فجاء وقال: يا يوسف. وإنّما وصفه بالصّدّيق ـ وهو المبالغ(١) في الصّدق ـ لأنّه جرّب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه.
( أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) ، أي: في تأويل رؤيا ذلك.
( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) : أعود إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد. إذ قيل(٢) : إنّ السّجن لم يكن فيه.
( لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٤٦) تأويلها. أو: فضلك ومكانك.
وإنّما لم يبتّ الكلام فيهما، لأنّه لم يكن جازما بالرّجوع، فربّما اخترم دونه، ولا يعلمهم.
( قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) :
أي: على عادتكم المستمرّة. وانتصابه على الحال بمعنى: دائبين. أو المصدر، بإضمار فعله. أي: تدأبون دأبا. وتكون الجملة حالا.
وقرأ(٣) حفص: «دأبا» بفتح الهمزة. وكلاهما مصدر دأب في العمل.
وقيل(٤) : «تزرعون» أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة، لقوله:( فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ) كيلا يأكله السّوس.
وهو على هذا نصيحة خارجة عن العبارة.
( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ) (٤٧) في تلك السّنين.
( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ ) ، أي: يأكل أهلهنّ ما ادّخرتم لأجلهنّ. فأسند إليهنّ على المجاز، تطبيقا بين المعبّر والمعبّر به.
وفي مجمع البيان(٥) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: «ما قرّبتم(٦) لهنّ».
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: المبالغة.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٨.
(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) المجمع ٣ / ٢٣٦.
(٦) المصدر: قرّأتم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ، عنه ـ عليه السّلام ـ: إنّما أنزل: «ما قرّبتم لهنّ».
( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ) (٤٨): تحرزون(٢) لبذور الزّراعة.
( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ ) : يُمطرون، من الغيث. أو: يغاثون من القحط، من الغوث.
( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) (٤٩) ما يعصر ـ كالعنب والزّيتون ـ لكثرة الثّمار.
وقيل(٣) : يحلبون الضّروع.
وقرأ(٤) حمزة والكسائي بالتّاء، على تغليب المستفتي.
وقرئ(٥) على بناء المفعول، من عصره: إذا أنجاه. ويحتمل أن يكون المبنيّ للفاعل منه. أي: يغيثهم الله، ويغيث بعضهم بعضا. أو من: أعصرت السّحابة عليهم. فعدّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.
وهذه بشارة بشّرهم بها، بعد أن أوّل البقرات السّمان والسّنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف اليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السّمان بأكل ما جمع في السّنين المخصبة في السّنين المجدبة.
قيل(٦) : ولعلّه علم ذلك بالوحي. أو بأنّ انتهاء الجدب بالخصب. أو بأنّ السّنّة الإلهيّة على أن يوسّع على عباده بعد ما ضيّق عليهم.
وفي مجمع البيان(٧) : وقرأ جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: «يعصرون» بياء مضمومة وصاد مفتوحة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قرأ رجل على أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ:( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) [يعني: على البناء للفاعل](٩) . فقال: ويحك! وأيّ شيء يعصرون؟ يعصرون الخمر!؟
قال الرّجل: يا أمير المؤمنين، كيف أقرأها؟ قال: إنّما أنزلت: «عام فيه يغاث النّاس وفيه يعصرون»، يمطرون بعد المجاعة(١٠) . والدّليل على ذلك قوله(١١) :( وَأَنْزَلْنا مِنَ
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٤٥.
(٢) ليس كذا في أنوار التنزيل ١ / ٤٩٨. وفي النسخ: تحصنون تحرزون.
(٣ و ٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٨.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٨.
(٧) المجمع ٣ / ٢٣٦.
(٨) تفسير القمي ١ / ٣٤٦ باختلاف يسير.
(٩) ليس في المصدر.
الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) .
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن محمّد بن عليّ الصّيرفيّ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ «( عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) [بالبناء للمفعول](٢) : يمطرون. ثمّ قال: أما سمعت قوله:( وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) !؟
( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ) ، بعد ما جاءه الرّسول.
( فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ) ليخرجه،( قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ) :
في تفسير العيّاشي(٣) : يعني العزيز.
( فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) :
إنّما تأنّى في الخروج، وقدّم سؤال النّسوة وفحص حالهنّ، ليظهر براءة ساحته، ويعلم أنّه سجن ظلما، فلا يقدر الحاسد أن يتوسّل به إلى تقبيح أمره. وإنّما لم يتعرّض لسيّدته [مع ما صنعت به](٤) ، كرما ومراعاة للأدب.
وفي مجمع البيان(٥) : وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره! والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسّمان. ولو كنت مكانه، ما أخبرتهم(٦) ، حتّى أشترط أن يخرجوني.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن أبان عن محمّد بن مسلم، عنهما قالا: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال :
لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك يسأله عن رؤياه(٨) ، ما حدّثته، حتّى أشترط عليه أن يخرجني من السّجن. وتعجّبت(٩) لصبره عن شأن امرأة الملك حتّى أظهر الله عذره.
وفي مجمع البيان(١٠) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ متّصلا بما سبق ـ يعني قوله :
__________________
(١٠) المصدر: سنين المجاعة.
(١١) النّبأ / ١٤.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٠، ح ٣٥.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٠، ح ٣٧.
(٤) ليس في أ، ب، ر.
(٥) المجمع ٣ / ٢٤٠.
(٦) أ، ب: أخبرته.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٩، ح ٣٢.
(٨) ب: الرّؤيا.
(٩) المصدر: عجبت.
(١٠) المجمع ٣ / ٢٤٠.
يخرجوني ـ :
ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه! والله يغفر له حين أتاه الرّسول فقال: ارجع إلى ربّك. ولو كنت مكانه، ولبثت في السّجن ما لبث، لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، وما ابتغيت العذر. إن كان لحليما ذا أناة.
وروي(١) أنّ يوسف لـمّا خرج من السّجن، دعا [لأهله](٢) وقال: «اللهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار، ولا تعمّ(٣) عليهم الأخبار». فلذلك يكون أصحاب السّجن أعرف النّاس بالأخبار في كلّ بلدة. وكتب على باب السّجن: هذا قبور الأحياء، وبيت الأحزان(٤) ، وتجربة(٥) الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
وقرئ(٦) : «النّسوة» بضمّ النّون.
( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) (٥٠) حين قلن لي: أطع مولاتك.
وفيه تعظيم كيدهنّ، والاستشهاد بعلم الله ـ تعالى ـ عليه، وعلى أنّه برئ ممّا قذف به، والوعيد لهنّ على كيدهنّ.
( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) : قال الملك لهنّ: ما شأنكنّ.
والخطب: أمر يحقّ أن يخاطب فيه صاحبه.
( قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ) :
تنزيه له وتعجّب من قدرته على خلق عفيف مثله.
( ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) : من ذنب.
( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ ) : ثبت واستقرّ. من: حصحص البعير: إذا ألقى مباركة ليناخ. أو: ظهر. من حصّ شعره: إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه.
وقرئ(٧) على البناء للمفعول.
( أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) (٥١): في قوله:( هِيَ راوَدَتْنِي
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٤٢.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تغم.
(٤) كذا في المصدر. وفي ب: الأشجان. وفي سائر النسخ: الإحسان.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تحزنة.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٨.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٩.
عَنْ نَفْسِي ) .
ولا مزيد على شهادة الخصم بأنّ صاحبه على الحقّ، وهو على الباطل.
( ذلِكَ لِيَعْلَمَ ) :
قال يوسف لـمّا عاد إليه الرّسول، وأخبر بكلامهنّ. أي: ذلك التّثبّت ليعلم العزيز :
( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) : بظهر الغيب.
وهو حال من الفاعل أو المفعول. أي: لم أخنه، وأنا غائب عنه، أو هو غائب عنّي. أو ظرف. أي: بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة.
( وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) (٥٢)، أي: لا ينفذه. أي: لا يهدي الخائنين بكيدهم. فأوقع الفعل على الكيد، مبالغة.
وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها زوجها، وتوكيد لأمانته.
ولذلك عقّبه بقوله:( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) ـ أي: لا أنزّهها ـ تنبيها على أنّه لم يرد بذلك تزكية نفسه، والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتّوفيق.
( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) :
من حيث إنّها بالطّبع مائلة إلى الشّهوات، آمرة بها.
( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) : إلّا وقت رحمة ربّي. أو: إلّا ما رحمه الله من النّفوس، فعصمه عن ذلك.
وقيل(١) : الاستثناء منقطع. أي: ولكن رحمة ربّي هي الّتي تصرف الإساءة.
وقيل(٢) : الآية حكاية قول امرأة العزيز، والمستثنى نفس يوسف وأضرابه. أي: ذلك الّذي قلته، ليعلم يوسف أنّي لم أكذب عليه في حال الغيب، وصدقت فيما سئلت عنه. وما أبرئ مع ذلك من الخيانة، فإنّي خنته حين قذفته وسجنته. تريد الاعتذار عمّا كان فيها.
وهذا التّفسير هو المستفاد من كلام عليّ بن إبراهيم(٣) ، حيث قال في قوله:( لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) : أي لا أكذب عليه الآن، كما كذبت عليه من قبل.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٩.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٤٦.
وقرأ(١) قالون والبزيّ: «بالسّوّ» على قلب الهمزة واوا، ثمّ الإدغام.
( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٥٣): يغفر ميل النّفس، ويرحم من يشاء بالعصمة. أو: يغفر المستغفر لذنبه، المعترف على نفسه، ويرحم من استرحمه ما أستغفره ممّا ارتكبه.
( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) : أجعله خالصا لنفسي.
( فَلَمَّا كَلَّمَهُ ) ، أي: فلمّا أتوا به، فكلّمه وشاهد منه الرّشد والذّكاء، واستدلّ بكلامه على عقله، وبعفّته على أمانته.
( قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ) : ذو مكانة ومنزلة( أَمِينٌ ) (٥٤) مؤتمن على كلّ شيء. نقل(٢) أنّه لـمّا خرج من السّجن، اغتسل وتنظّف، ولبس ثيابا جددا. فلمّا دخل على الملك قال: «اللهمّ إنّي أسألك من خيره، وأعوذ بك بعزّتك وقدرتك(٣) من شرّه». ثمّ سلّم عليه، ودعا له بالعبريّة. فقال: ما هذا اللّسان؟ فقال: لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لسانا. فكلّمه بها، فأجابه بجميعها. فتعجّب منه، فقال: إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك. فحكاها، ونعت له البقرات والسّنابل وأماكنها، على ما رآها. فأجلسه على السّرير، وفوّض إليه أمره.
( قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ) : ولّني أمرها. والأرض أرض مصر.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : يعني على الكناريج(٥) والأنابير(٦) .
( إِنِّي حَفِيظٌ ) لها ممّن لا يستحقّها( عَلِيمٌ ) (٥٥) بوجوه التّصرّف فيها.
وقيل(٧) : لعلّه(٨) ـ عليه السّلام ـ لـمّا رأى أنّه يستعمله في أمره لا محالة، آثر ما تعمّ فوائده وتجلّ عوائده.
وفي عيون الأخبار(٩) : حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ ـ رضي الله عنه ـ
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٤٩٩.
(٣) ليس في أ، ب، ر.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٦.
(٥) المصدر: الكناديج. وهو جمع الكندوج شبه مخزن من تراب أو خشب، توضع فيه الحنطة وغيرها. والكناريج ـ جمع الكرنج كقرطق ـ الحانوت أو متاع حانوت بقّال.
(٦) الأنابير ـ جمع أنبار ـ: بيت التاجر الّذي يجمع فيه المتاع والغلال.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٠.
(٨) أ، ب: لعل.
قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرّيان بن الصّلت الهرويّ قال :
دخلت على عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ فقلت: له يا ابن رسول الله، إنّ النّاس يقولون إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزّهد في الدّنيا! فقال ـ عليه السّلام ـ :
قد علم الله كراهتي لذلك. فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت(١) القبول على القتل.
ويحهم! أما علموا أنّ يوسف ـ عليه السّلام ـ كان نبيّا ورسولا، فلمّا دفعته الضّرورة إلى تولّي خزائن العزيز، قال:( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) !؟ ودفعتني الضّرورة إلى قبول ذلك، على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك. على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه. فإلى الله المشتكى. وهو المستعان.
حدّثنا المظّفر(٢) بن جعفر بن المظّفر العلويّ السّمرقندي(٣) ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود العيّاشي، عن أبيه قال: حدّثنا محمّد بن نصير، عن الحسن بن موسى قال :
روى أصحابنا عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه قال له رجل: أصلحك الله، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ وكأنّه أنكر ذلك عليه.
فقال أبو الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: يا هذا، أيّهما أفضل، النّبيّ أو الوصيّ؟ فقال: لا، بل النّبيّ.
قال: فأيّهما أفضل، مسلم أو مشرك؟ قال: لا، بل مسلم.
قال: فإنّ العزيز ـ عزيز مصر ـ كان مشركا، وكان يوسف ـ عليه السّلام ـ نبيّا. وإنّ المأمون مسلم، وأنا وصيّ. ويوسف سأل العزيز أن يولّيه، حين قال:( اجْعَلْنِي ) ـ إلى قوله ـ:( حَفِيظٌ ) . وأنا أجبرت(٤) على ذلك.
وقال ـ عليه السّلام ـ في قوله:( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) قال: حافظ لما في يدي، عالم(٥) بكلّ لسان.
__________________
(٩) العيون ٢ / ١٣٨، ح ٢.
(١) م، ب: أخذت.
(٢) العيون ٢ / ١٣٧ ـ ١٣٨، ح ١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: السرمقندي.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: جبرت.
(٥) ليس في أ، ب.
وفي الخرائج والجرائح(١) : روي عن محمّد بن زيد الرّزامي(٢) قال: كنت في خدمة الرّضا ـ عليه السّلام ـ لـمّا جعله المأمون وليّ عهده. فأتاه رجل [من الخوارج](٣) في كمّه مدية(٤) مسمومة. وقد قال لأصحابه: والله، لآتينّ هذا الّذي يزعم أنّه ابن رسول الله ـ وقد دخل لهذا الطّاغية فيما(٥) دخل ـ فأسأله عن حجّته. فإن كان له حجّة، وإلّا أرحت النّاس منه.
فأتاه، واستأذن عليه ـ عليه السّلام ـ فأذن له. فقال له أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ. أجيبك عن مسألتك على شريطة تفي(٦) لي بها. فقال: وما هذه الشّريطة؟ قال: إن أجبتك بجواب يقنعك وترضاه، تكسر الّتي(٧) في كمّك وترمي بها(٨) .
فبقي الخارجيّ متحيّرا، وأخرج المدية وكسرها. ثمّ قال له: أخبرني عن دعواك مع هذا(٩) الطّاغية فيما دخلت له ـ وهم عندك كفّار، وأنت ابن رسول الله ـ ما حملك على هذا؟
فقال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: أرأيت(١٠) هؤلاء أكفر عندك أم عزيز مصر وأهل مملكته!؟ أليس هؤلاء على حال يزعمون أنّهم موحّدون، وأولئك لم يوحّدوا الله ولم يعرفوه!؟ وأنّ يوسف بن يعقوب نبيّ ابن نبيّ، وقال لعزيز(١١) مصر ـ وهو كافر ـ(١٢) :( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) . وكان يجالس الفراعنة(١٣) . وأنا رجل من ولد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أجبرني على هذا الأمر، وأكرهني عليه. فما الّذي أنكرت ونقمت عليّ!؟
فقال: لا عتب عليك. أشهد أنّك ابن نبيّ الله، وأنّك صادق.
__________________
(١) الخرائج ٢ / ٧٦٦، ح ٨٦.
(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ١١٥. وفي النسخ: الرازيّ.
(٣) يوجد في المصدر وب.
(٤) المدية ـ بالتثليث ـ: السكّين العظيمة العريضة.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: توفي.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الّذي.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: به.
(٩) المصدر: دخولك لهذا.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: أرأيتك.
(١١) المصدر: «يسأل العزيز» بدل «قال لعزيز».
(١٢) المصدر: زيادة «فقال».
(١٣) المصدر: كان يجلس مجالس الفراعنة.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول يوسف ـ عليه السّلام ـ:( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) قال: حفيظ بما تحت يدي عليم بكلّ لسان.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : وقال سليمان: قال سفيان: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يجوز(٣) أن يزكّي الرّجل نفسه؟ قال: نعم، إذا اضطرّ إليه. أما سمعت قول يوسف:( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) !؟ وقول العبد الصالح(٤) :( وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) !؟.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ لأقوام يظهرون الزّهد ويدعون النّاس أن يكونوا معهم، على مثل الّذي هم عليه من التّقشّف: وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود ـ عليه السّلام ـ؟ ثمّ يوسف النّبيّ ـ عليه السّلام ـ حيث قال لملك مصر:( اجْعَلْنِي ـ إلى قوله: ـعَلِيمٌ ) ؟ فكان من أمره الّذي كان [أن](٦) أختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن. وكانوا يمتارون الطّعام من عنده لمجاعة أصابتهم. وكان يقول الحقّ ويعمل به. فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه.
عدّة من أصحابنا(٧) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عبد الرّحمن بن حمّاد، عن يونس بن يعقوب، عن سعد، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
لمّا صارت الأشياء ليوسف بن يعقوب ـ عليهما السّلام ـ جعل الطّعام في بيوت، وأمر بعض وكلائه، وكان يقول: بع كذا وكذا. والسّعر قائم. فلمّا علم أنّه يزيد في ذلك اليوم، كره أن يجري الغلاء على لسانه. فقال له: اذهب وبع. ولم يسمّ(٨) له سعرا.
فذهب الوكيل غير بعيد. ثمّ رجع إليه. فقال له: اذهب فبع. وكره أن يجري الغلاء على لسانه. فذهب الوكيل. فجاء أوّل من اكتال. فلمّا بلغ دون ما كان بالأمس بمكيال، قال المشتري: حسبك، إنّما أردت بكذا وكذا. فعلم الوكيل أنّه قد غلا
__________________
(١) العلل ١ / ١٢٥، ح ٤.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨١، ح ٤٠.
(٣) المصدر: [ما] يجوز.
(٤) الأعراف / ٦٨.
(٥) الكافي ٥ / ٧٠، ح ١.
(٦) من المصدر.
(٧) الكافي ٥ / ١٦٣، ح ٥.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يسمي.
بمكيال.
ثمّ جاءه آخر، فقال له: كل لي. فكال. فلمّا بلغ دون الّذي كال(١) للأوّل بمكيال، قال له المشتري: حسبك، إنّما أردت بكذا وكذا. فعلم الوكيل أنّه قد غلا بمكيال. حتّى صار إلى واحد واحد.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان سبق(٣) يوسف الغلاء الّذي أصاب النّاس، ولم يثمّن(٤) الغلاء لأحد قطّ. قال: فأتاه التّجّار، فقالوا: بعنا. قال: اشتروا. فقالوا نأخذ كذا وبكذا. فقال: خذوا. وأمر فكالوهم فحملوا ومضوا، حتّى دخلوا المدينة. فلقيهم(٥) قوم تجّار فقالوا لهم: كيف أخذتم؟ فقالوا: كذا بكذا. وأضعفوا الثّمن.
قال: وقدموا أولئك على يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا، كيف تأخذون؟ قالوا: بعنا، كما بعت كذا بكذا. فقال: ما هو كما تقولون، ولكن خذوا. فأخذوا. ثمّ مضوا، حتّى دخلوا المدينة. فلقيهم آخرون، فقالوا: كيف أخذتم؟ فقالوا: كذا بكذا. وأضعفوا الثّمن. قال: فعظّم النّاس ذلك الغلاء، وقالوا: اذهبوا بنا حتّى نشتري.
قال: فذهبوا إلى يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا(٦) : بعنا، كما بعت. فقال: وكيف بعت؟ قالوا: كذا بكذا. فقال: ما هو كذلك، ولكن خذوا.
قال: فأخذوا ورجعوا إلى المدينة، وأخبروا النّاس. فقالوا فيما بينهم: تعالوا(٧) حتّى نكذب في الرّخص، كما كذبنا في الغلاء.
قال: فذهبوا إلى يوسف، فقالوا له: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا: بعنا، كما بعت. قال: وكيف بعت؟ قالوا: كذا بكذا ـ بالحطّ من السّعر الأوّل(٨) . فقال: ما هو هكذا، ولكن خذوا. فأخذوا، وذهبوا إلى المدينة. فلقيهم النّاس فسألوهم: بكم اشتريتم؟ فقالوا: كذا بكذا ـ بنصف الحطّ الأوّل. فقال الآخرون: اذهبوا بنا حتّى
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٧٩ ـ ١٨٠، ح ٣٤.
(٣) بعض نسخ المصدر: سنين.
(٤) المصدر: لم يمرّ (يتمن خ ل)
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلقاهم.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: تعالوا فيما بينهم.
(٨) ليس في المصدر.
نشتري.
فذهبوا إلى يوسف، فقالوا: بعنا. فقال: اشتروا. فقالوا: بعنا، كما بعت. فقال: وكيف بعت؟ فقالوا: بكذا وكذا ـ بالحطّ من النّصف. فقال: ما هو كما تقولون، ولكن خذوا. فلم يزالوا يتكاذبون، حتّى رجع السّعر إلى الأمر الأوّل، كما أراد الله.
وفي مجمع البيان(١) : وفي كتاب النّبوّة، بالإسناد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن بنت إلياس قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول :
وأقبل يوسف على جمع الطّعام. فجمع في السّبع السّنين المخصبة، فكبسه في الخزائن. فلمّا مضت تلك السّنون، وأقبلت السّنون(٢) المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطّعام.
فباعهم في السّنة الأولى بالدّراهم والدّنانير. حتّى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم، إلّا صار في ملكيّة(٣) يوسف.
وباعهم في السّنة الثّانية بالحليّ والجواهر. حتّى لم يبق(٤) بمصر وما حولها حليّ ولا جوهر، إلّا صار في ملكيّة(٥) يوسف(٦) .
وباعهم في السّنة الثّالثة بالدّوابّ والمواشي. حتّى لم يبق بمصر وما حولها دابّة ولا(٧) ماشية، إلّا صارت(٨) في ملكيّة يوسف(٩) .
وباعهم في السّنّة الرّابعة بالعبيد والإماء. حتّى لم يبق بمصر [وما حولها](١٠) عبد ولا أمة، إلّا صار في ملكيّة(١١) يوسف(١٢) .
وباعهم في السّنة الخامسة بالدّور والعقار. حتّى لم يبق بمصر وما حولها دار ولا عقار، إلّا صار في ملكيّة يوسف(١٣) .
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٤٤.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المصدر: مملكة.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يبقى.
(٥) المصدر: مملكته.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) ليس في أ، ر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: صار.
(٩) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».
(١٠) ليس في المصدر.
(١١) المصدر: مملكته.
(١٢) ليس في المصدر.
(١٣) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».
وباعهم في السّنة السّادسة بالمزارع والأنهار. حتّى لم يبق بمصر [وما حولها](١) نهر ولا مزرعة، إلّا صار في ملكيّة يوسف(٢) .
وباعهم في السّنة السّابعة برقابهم. حتّى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ، إلّا صار عبد يوسف.
فملك أحرارهم، وعبيدهم، وأموالهم(٣) . وقال النّاس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطى هذا الملك حكما وعلما(٤) وتدبيرا!
ثمّ قال يوسف للملك: أيّها الملك، ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر وأهلها؟ أشر علينا برأيك. فإني لم أصلحهم، لأفسدهم. ولم أنجهم من البلاء، لأكون بلاء(٥) عليهم. ولكنّ الله نجّاهم(٦) على يدي. قال له الملك: الرّأي رأيك.
قال يوسف: إنّي أشهد الله وأشهدك ـ أيّها الملك ـ أنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم. ورددت إليهم أموالهم وعبيدهم. ورددت عليك ـ أيّها الملك ـ خاتمك وسريرك وتاجك، على أن لا تسير إلّا بسيرتي ولا تحكم إلّا بحكمي.
قال له الملك: إنّ ذلك لشرفي(٧) وفخري أن لا أسير إلّا بسيرتك، ولا أحكم إلّا بحكمك. ولولاك، ما قويت عليه، ولا اهتديت له. ولقد جعلت سلطاني(٨) عزيزا لا(٩) يرام. وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّك رسوله. فأقم على ما ولّيتك. فإنّك لدينا مكين أمين.
( وَكَذلِكَ ) : مثل ذلك التّمكين الظّاهر( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) : أرض مصر.
في تفسير العيّاشي(١٠) : [عن الثمالي](١١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: ملك يوسف مصر وبراريها، ولم يجاوزها إلى غيرها.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) المصدر: «مملكته» بدل «ملكيّة يوسف».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمراءهم.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: حكيما وعليما.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليكون وبالا.
(٦) المصدر: أنجاهم.
(٧) المصدر: لزينتي.
(٨) المصدر: سلطانا.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨١، ح ٤١.
(١١) من المصدر.
( يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ) : ينزل من بلادها حيث يهوى.
وقرأ(١) ابن كثير: «نشاء» بالنّون.
( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ) في الدّنيا والآخرة.
( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٥٦)، بل نوفي أجورهم، عاجلا وآجلا.
( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) (٥٧) الشّرك والفواحش، لعظمه ودوامه.
وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عليّ بن النّعمان، عن عبد الله بن سنان(٣) ، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول :
إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله. إن نابته(٤) نائبة، صبر لها. وإن تداكّت عليه المصائب، لم تكسره(٥) . وإن أسر وقهر، استبدل بالعسر يسرا(٦) .
كما كان يوسف الصّدّيق الأمين، لم يضرر حرّيته أن استعبد(٧) ، وقهر، وأسر، ولم تضرره ظلمة الجبّ ووحشته، وما ناله، أن منّ الله عليه، فجعل الجبّار العاتي له عبدا، بعد أن(٨) كان مالكا. فأرسله، ورحم به امّة(٩) . وكذلك الصّبر يعقب خيرا. فاصبروا، ووطّنوا أنفسكم على الصّبر، تؤجروا.
( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ) للميرة.
وذلك لأنّه أصاب كنعان، ما أصاب سائر البلاد، من الجدب. فأرسل يعقوب بنيه ـ غير بنيامين ـ إليه.
( فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) (٥٨)، أي: عرفهم يوسف، ولم يعرفوه، لطول العهد ومفارقتهم إيّاه في سنّ الحداثة، ونسيانهم إيّاه، وتوهّمهم أنّه هلك، وبعد حاله إلى ما رأوه عليها من حاله حين فارقوه، وقلّة تأمّلهم في حلاه من التّهيّب
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٠.
(٢) الكافي ٢ / ٨٩، ح ٦.
(٣) المصدر: مسكان.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: نابه.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم تكره.
(٦) المصدر: باليسر عسرا.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يستعبد.
(٨) المصدر: إذ.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: امّته.
والاستعظام.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أمر يوسف أن يبنى له كناديج(٢) من صخر، وطيّنها بالكلس. ثمّ أمر بزروع(٣) مصر. فحصدت، ودفع إلى كلّ إنسان حصّة، وترك الباقي(٤) في سنبله، لم يدسّه. فوضعها في الكناديج(٥) . ففعل ذلك سبع سنين.
فلمّا جاءت سنوات الجدب، كان يخرج السّنبل، فيبيع بما شاء. وكان بينه وبين أبيه ثمانية عشر يوما، وكان في بادية. وكان النّاس من الآفاق يخرجون إلى مصر، ليمتاروا طعاما.
وكان يعقوب وولده نزولا في بادية فيها مقل(٦) . فأخذ إخوة يوسف من ذلك المقل، وحملوه إلى مصر ليمتاروا به. وكان يوسف يتولّى البيع بنفسه. فلمّا دخل(٧) إخوته عليه، عرفهم ولم يعرفوه، كما حكى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يحدّث قال: لـمّا فقد يعقوب يوسف، اشتدّ حزنه عليه وبكاؤه. حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، واحتاج حاجة شديدة، وتغيّرت حاله. [قال :](٩) وكان يمتار القمح من مصر [لعياله](١٠) في السّنة مرّتين للشّتاء والصّيف. وإنّه بعث عدّة من ولده ببضاعة يسيرة إلى مصر، مع رفقة خرجت.
فلمّا دخلوا على يوسف ـ وذلك بعد ما ولّاه العزيز مصر ـ فعرفهم يوسف ـ عليه السّلام ـ ولم يعرفه إخوته، لهيبة الملك وعزّته(١١) . فقال لهم: عجّلوا(١٢) بضاعتكم قبل الرّفاق(١٣) . وقال لفتيانه: عجّلوا لهؤلاء الكيل، وأوفوهم. فإذا فرغتم، فاجعلوا بضاعتهم هذه في
__________________
(١) تفسير القميّ ١ / ٣٤٦ ـ ٣٤٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: كناريج.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بزرع.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «تركت» بدل «ترك الباقي».
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الكناريج.
(٦) المقل: الكندر. وثمر لشجر الدّوم ينضج يؤكل. والدوم: شجرة تشبه النخلة في حالاتها.
(٧) المصدر: دخلوا.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨١، ح ٤٢.
(٩ و ١٠) من المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: غيره.
(١٢) المصدر: هلمّوا.
(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الرّواق.
رحالهم، ولا تعلموهم بذلك. (الحديث).
( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ ) : أصلحهم بعدّتهم، وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله.
والجهاز: ما يعدّ من الأمتعة للنّقلة، كعدد السّفر، وما يحمل من بلدة إلى أخرى، وما تزفّ للمرأة إلى زوجها.
وقرئ(١) : «بجهازهم» بالكسر.
( قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : [وأعطاهم، و](٣) أحسن إليهم في الكيل، وقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، الّذي ألقاه نمرود في النّار، فلم يحترق، وجعلها الله عليه بردا وسلاما. قال: فما فعل أبوكم؟ قالوا: شيخ ضعيف. قال: فلكم أخ [غيركم](٤) ؟ قالوا: لنا أخ من أبينا، لا من أمّنا. قال: فإذا رجعتم إليَّ فائتوني به.
وفي تفسير العيّاشي(٥) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: قال لهم يوسف: قد بلغني أنّ لكم أخوين(٦) لأبيكم. فما فعلا؟ قالوا: أمّا الكبير منهما، فإنّ الذّئب أكله. وأمّا الصّغير فخلّفناه عند أبيه، وهو به ضنين(٧) ، وعليه شفيق. قال: فإنّي أحبّ أن تأتوني به معكم، إذا جئتم لتمتارون.
( أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ) : أتمّه،( وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) (٥٩) للضّيف والمضيفين لهم. وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم.
( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ) (٦٠)، أي: لا تقربوني، ولا تدخلوا دياري. وهو إمّا نفي، وإمّا نهي معطوف على الجزاء.
( قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ ) : سنجتهد في طلبه من أبيه.
( وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ) (٦١) ذلك، لا نتوانى فيه.
( وَقالَ لِفِتْيانِهِ ) : لغلمانه الكيّالين. جمع فتى.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٠.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٣٤٧.
(٣ و ٤) من المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨١، ح ٤٢ في ضمن حديث طويل.
(٦) المصدر: أخوان.
(٧) أ، ب: صغين. والضنين: البخيل.
وقرأ(١) حمزة والكسّائي وحفص: «لفتيانه» ـ على جمع الكثرة ـ ليوافق قوله:( اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ ) :
فإنّه وكّل بكلّ رجل واحدا يعبّئ بضاعتهم الّتي شروا بها الطّعام. وكانت نعالا وأدما. وإنّما فعل ذلك، توسيعا وتفضّلا عليهم، وترفّعا من أن يأخذ ثمن الطّعام، وخوفا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به.
( فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها ) : لعلّهم يعرفون حقّ ردّها. أو: لكي يعرفوها،( إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ ) ، وفتحوا أوعيتهم.
( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (٦٢): لعلّ معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرّجوع.
( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ) :
حكم بمنعه بعد هذا الرّجوع، إن لم نذهب ببنيامين.
( فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ ) : فأرسل نرفع المانع من الكيل، ونكتل ما نحتاج إليه.
وقرأ(٢) حمزة والكسائيّ بالياء، على إسناده إلى الأخ. أي: يكتل لنفسه، فينضمّ اكتياله إلى اكتيالنا.
( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٦٣) من أن يناله مكروه.
( قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) ، وقد قلتم في يوسف:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) .
( فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً ) ، فأتوكّل عليه، وأفوّض إليه أمري.( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (٦٤)، فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع عليّ مصيبتين.
وانتصاب «حفظا» على التّمييز. و «حافظا» ـ على قراءة(٣) حمزة والكسائي وحفص ـ يحتمله والحال، كقولهم: لله درّه فارسا.
وقرئ(٤) : «خير حافظ»، و «خير الحافظين».
وفي مجمع البيان(٥) : ورد في الخبر أنّ الله ـ سبحانه ـ قال: فبعزّتي، لأردّنّهما إليك ،
__________________
(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٠١.
(٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) المجمع ٣ / ٢٤٨.
بعد ما توكّلت عليّ.
( وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ) :
وقرئ(١) : «ردّت» بنقل كسرة الدّال المدغمة إلى الرّاء، نقلها في بيع وقيل.
( قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي ) : ما ذا نطلب!؟ هل من مزيد على ذلك، أكرمنا، وأحسن مثوانا، وباع منّا، وردّ علينا متاعنا!؟ أو: لا نطلب وراء ذلك إحسانا. أو: لا نبغي في القول، ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه. أو: ما نريد منك بضاعة أخرى.
وقرئ(٢) : «ما تبغي» ـ على الخطاب ـ أي: أيّ شيء تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الدّليل على صدقنا!؟
( هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ) :
استئناف موضّح لقوله:( ما نَبْغِي ) .
( وَنَمِيرُ أَهْلَنا ) :
معطوف على محذوف. أي: ردّت إلينا فنستظهر بها، ونمير أهلنا بالرّجوع إلى الملك.
( وَنَحْفَظُ أَخانا ) عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا.
( وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ) : وسق بعير، باستصحاب أخينا. هذا إذا كانت «ما» استفهاميّة. فأمّا إذا كانت نافية، احتمل ذلك، واحتمل أن تكون الجمل معطوفة على( ما نَبْغِي ) . أي: لا نبغي فيما نقول، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا.
( ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ) (٦٥)، أي: مكيل قليل لا يكفينا.
استقلّوا ما كيل لهم، فأرادوا أن يضاعفوه بالرّجوع إلى الملك، ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى( كَيْلَ بَعِيرٍ ) . أي: ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك، ولا يتعاظمه.
وقيل(٣) : إنّه من كلام يعقوب. ومعناه: انّ حمل بعير شيء يسير، لا يخاطر لمثله بالولد.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٢.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى يعقوب بن سويد، عن أبي(٢) جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: جعلت فداك، لم سمّي أميرُ المؤمنين أميرَ المؤمنين؟ قال: لأنّه يميرهم العلم. أما سمعت كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَمِيرُ أَهْلَنا ) !؟
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) ، بإسناده إلى يعقوب بن سويد بن بريد الحارثيّ، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله سواء.
وفي أصول الكافي(٤) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ: لم سمّي أمير المؤمنين؟ قال: لأنّه يميرهم العلم. أما سمعت في كتاب الله:( وَنَمِيرُ أَهْلَنا ) !؟
( قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ ) : إذ رأيت منكم ما رأيت،( حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) : حتّى تعطوني ما أتوثّق به من عند الله، أي: عهدا مؤكّدا بذكر الله ـ تعالى ـ.
( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ) :
جواب القسم، إذ المعنى: حتّى تحلفوا بالله لتأتنّني به.
( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) : إلّا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك. أو: إلّا أن تهلكوا جميعا.
وهو استثناء مفرغ من أعمّ الأحوال. والتّقدير: لتأتنّني به على كلّ حال، إلّا حال الإحاطة بكم. أو من أعمّ العلل، على أنّ قوله:( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ) في تأويل النّفي.
أي: لا تمتنعون من الإتيان به، إلّا للإحاطة بكم. كقولهم: أقسمت بالله إلّا فعلت، أي: ما أطلب منك إلّا فعلك به.
( فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ) : عهدهم،( قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ ) : من طلب الموثق وإتيانه( وَكِيلٌ ) (٦٦): رقيب مطّلع، إن خلفتم، انتصف لي منكم.
( وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ) :
لأنهم كانوا ذوي جمال وأبّهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا. ولعلّه لم يوصهم بذلك في الكرّة الأولى، لأنّهم كانوا مجهولين حينئذ. أو كان الدّاعي إليها خوفه على بنيامين. وللنّفس آثار، منها العين.
__________________
(١) العلل ١ / ١٦١، ح ٤.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) المعاني / ٦٣، ح ١٣.
(٤) الكافي ١ / ٤١٢، ح ٣.
وفي مجمع البيان(١) : وأنكر الجبّائي العين، وذكر أنّه لم تثبت بحجّة. وجوّزه كثير من المحقّقين. ورووا فيه الخبر عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ العين حقّ والعين ستنزل [الحالق. و](٢) الحالق المكان المرتفع من الجبل وغيره. فجعل ـ عليه السّلام ـ العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل، من قوّة أخذها وشدّة بطشها.
وروي(٣) في الخبر أنّه ـ عليه السّلام ـ كان يعوّذ الحسن والحسين ـ عليهما السّلام ـ بأن يقول: أعيذكما بكلمات الله التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة، من كلّ عين لامّة(٤) .
وروي(٥) أنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عوّذ ابنيه. وأنّ موسى عوّذ ابني هارون بهذه العوذة.
وروي(٦) أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا(٧) . فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله، إنّ العين إليهم سريعة. أفأسترقي لهم من العين؟ فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: نعم.
وروي(٨) أنّ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أتى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلّمه(٩) الرّقية. [وهي :](١٠) بسم الله. أرقيك من كلّ عين حاسد. الله يشفيك.
وروي(١١) عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: لو كان شيء يسبق القدر، لسبقته العين.
وقد روي(١٢) عنه ـ عليه السّلام ـ ما يدلّ على أنّ الشّيء إذا عظم في صدور العباد، وضع الله قدره وصغّره(١٣) .
وفي الكافي(١٤) : عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه](١٥) ، عن بعض أصحابنا، عن القدّاح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ(١٦) : عوّذ(١٧) النّبيّ ـ صلّى
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٤٩.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع.
(٤) اللّامّة: العين المصيبة بسوء.
(٥ و ٦) نفس المصدر والموضع.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: بيضاء.
(٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) ليس في أ، ب.
(١٠) من المصدر. (١١ و ١٢) نفس المصدر والموضع.
(١٣) المصدر: صغّر أمره. (١٤) الكافي ٢ / ٥٦٩، ح ٣.
(١٥) من المصدر. (١٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: زيادة «قال».
(١٧) المصدر: رقي.
الله عليه وآله ـ حسنا وحسينا فقال: أعيذكما بكلمات الله التّامّة(١) ، وأسمائه الحسنى كلّها عامّة، من شرّ السّامّة والهامّة، ومن شر كلّ عين لامّة، ومن شر حاسد إذا حسد. ثمّ التفت النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلينا، فقال: هكذا [كان](٢) يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق ـ عليهم السّلام ـ.
( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) : ممّا قضى عليكم بما أشرت به إليكم، فإنّ الحذر لا يمنع القدر.
( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) : يصيبكم لا محالة إن قضى عليكم بسوء، ولا ينفعكم ذلك.
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (٦٧) :
جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة. كأنّ الواو للعطف، والفاء لإفادة التّسبّب. فإنّ فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم.
( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ) ، أي: من أبواب متفرّقة في البلد،( ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ ) رأي يعقوب واتّباعهم له( مِنْ شَيْءٍ ) : ممّا قضاه الله عليهم، كما قال يعقوب. فسرقوا، وأخذ بنيامين بوجدان الصّواع في رحله، وتضاعف المصيبة على يعقوب.
( إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ ) :
استثناء منقطع. أي: ولكن حاجة في نفسه يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا.
( قَضاها ) : أظهرها ووصّى بها.
( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ) بالوحي ونصب الحجج. ولذلك قال:( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) ولم يغترّ بتدبيره.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٦٨) سرّ القدر، وأنّه لا يغني عنه الحذر.
( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ) : ضمّ إليه بنيامين على الطّعام.
( قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ ) فلا تعلمهم بما أعلمتك.
__________________
(١) المصدر: التامّات.
(٢) من المصدر.
( فَلا تَبْتَئِسْ ) : فلا تحزن ـ افتعال من البؤس ـ( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٦٩) في حقّنا. فإنّ الله قد أحسن إلينا، وجمعنا.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن عليّ بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، [عن أبيه](٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :
وقد كان هيّأ لهم طعاما. فلمّا دخلوا عليه(٣) ، قال: ليجلس كلّ بني أمّ على مائدة. قال: فجلسوا. وبقي بنيامين(٤) قائما.
فقال له يوسف: ما لك لا تجلس؟ قال له: إنّك قلت: ليجلس كلّ بني أمّ على مائدة. وليس لي فيهم ابن أمّ.
فقال يوسف: أما(٥) كان لك ابن أمّ؟ قال له: بنيامين(٦) : بلى.
قال يوسف: فما فعل؟ قال: زعم هؤلاء أنّ الذّئب أكله.
قال: فما بلغ من حزنك عليه. قال: ولد لي أحد عشر ابنا كلّهم اشتققت له اسما من اسمه.
فقال له يوسف: أراك قد عانقت النّساء وشممت الولد من بعده. قال له بنيامين(٧) : إنّ لي أبا صالحا، وإنّه قال: تزوّج، لعلّ الله أن يخرج منك ذرّيّة تثقل الأرض بالتّسبيح.
فقال له: تعال فاجلس معي على مائدتي.
فقال إخوة يوسف: لقد فضّل الله يوسف وأخاه، حتّى أنّ الملك قد أجلسه معه على مائدته. عن أبان الأحمر(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا دخل إخوة يوسف عليه، وقد جاؤوا بأخيهم معهم، وضع لهم الموائد. ثمّ قال: يمتاز كلّ واحد منكم مع أخيه لأمّه على الخوان. فجلسوا، وبقي أخوه قائما. فقال له: ما لك لا تجلس مع إخوتك؟ قال: ليس لي(٩) فيهم أخ من أمّي. قال: فلك أخ من أمّك، زعم هؤلاء أنّ الذّئب أكله؟
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٣ ـ ١٨٤، ح ٤٥.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: إليه.
(٤) المصدر: ابن يامين.
(٥) أ، ب: ما.
(٦ و ٧) المصدر: ابن يامين.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٣، ح ٤٤.
(٩) ليس في أ.
قال: نعم قال: فاقعد، وكل معي.
قال: فترك إخوته الأكل وقالوا: إنّا نريد أمرا، ويأبى الله إلّا أن يرفع ولد يامين علينا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : فخرجوا وخرج معهم بنيامين. وكان لا يؤكلهم، ولا يجالسهم، ولا يكلّمهم. فلمّا وافوا مصر، دخلوا على يوسف وسلّموا. فنظر يوسف إلى أخيه، فعرفه. فجلس منهم بالبعيد.
فقال يوسف: أنت أخوهم؟ قال: نعم. قال: فلم لا تجلس معهم؟ قال: لأنّهم أخرجوا أخي من أمّي وأبي، ثمّ رجعوا ولم يردّوه، وزعموا أنّ الذّئب أكله. فآليت على نفسي أن لا أجتمع [معهم](٢) على أمر، ما دمت حيّا.
قال: فهل تزوّجت؟ قال: بلى.
قال: كم ولد لك؟ قال: ثلاثة(٣) بنين. قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيت واحدا منهم الذّئب. وواحدا القميص. وواحدا الدّم. قال: وكيف اخترت هذه الأسماء؟ قال لئلّا أنسى أخي. كلّما دعوت واحدا من ولدي، ذكرت أخي.
قال لهم يوسف: اخرجوا. وحبس بنيامين. فلمّا خرجوا من عنده، قال يوسف لأخيه: أنا أخوك يوسف.( فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) . ثمّ قال له: أنا أحبّ أن تكون عندي. فقال: لا يدعني(٤) إخوتي. فإنّ أبي قد أخذ عليهم عهدا لله وميثاقه أن يردّوني إليه. قال: أنا أحتال بحيلة. فلا تنكر إذا رأيت شيئا، ولا تخبرهم. فقال: لا.
( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ ) : المشربة( فِي رَحْلِ أَخِيهِ ) :
قيل(٥) : كانت مشربة جعلت صاعا يكال به.
وقيل(٦) : كانت يسقى به الدّوّاب، ويكال فيها. وكانت من فضّة. وقيل: من ذهب.
وقرئ(٧) : «وجعل» على حذف جواب «فلمّا». تقديره: أمهلهم حتّى انطلقوا.
__________________
(١) تفسير القمي ١ / ٣٤٨.
(٢) من المصدر.
(٣) المصدر: ثلاث.
(٤) المصدر: يدعوني.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٣.
(٧) نفس المصدر والموضع.
( ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ) : [نادى مناد](١) .
( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) (٧٠) :
والعير: القافلة. وهي: الإبل الّتي عليها الأحمال، لأنّها تعير، أي: تتردّد. فقيل لأصحابها. كقوله ـ عليه السّلام ـ: يا خيل الله: اركبي.
وقيل(٢) : جمع عير. وأصلها فعل، كسقف. فعل به ما فعل ببيض. تجوز به لقافلة الحمير. ثمّ استعير لكلّ قافلة.
قيل(٣) : لعلّه لم يقله بأمر يوسف. أو كان تعبئة السّقاية، والنّداء عليها، برضا(٤) بنيامين.
وقيل(٥) : معناه: انّكم لسارقون يوسف من أبيه. أو: أإنّكم لسارقون؟
وفي أصول الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: التّقيّة من دين الله [قلت: من دين الله!؟](٧) قال: إي والله، من دين الله. ولقد قال يوسف:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . والله ما كانوا سرقوا شيئا. ولقد قال إبراهيم(٨) :( إِنِّي سَقِيمٌ ) . والله ما كان سقيما.
عليّ بن إبراهيم(٩) ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن [أبي](١٠) نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن الحسن الصّيقل(١١) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ إنّا قد روينا عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول يوسف:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . فقال: والله ما سرقوا، وما كذب. وقال إبراهيم(١٢) :( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) . [فقال: والله ما فعلوا ،](١٣) وما كذب.
__________________
(١) ليس في أ، ب.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٣.
(٤) أ، ب: برحلنا.
(٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) الكافي ٢ / ٢١٧، ح ٣.
(٧) من المصدر.
(٨) الصافّات / ٨٩.
(٩) الكافي ٢ / ٣٤١ ـ ٣٤٢، ح ١٧.
(١٠) من المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الصقيل.
(١٢) الأنبياء / ٦٣.
(١٣) من المصدر.
قال: فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما عندكم فيها، يا صيقل(١) ؟ قلت: ما عندنا فيها إلّا التّسليم.
فقال: إنّ الله أحبّ اثنين، وابغض اثنين. أحبّ الخطر(٢) فيما بين الصّفين، وأحب الكذب في الإصلاح. وأبغض الخطر في الطّرقات، وأبغض الكذب في غير الإصلاح. إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ إنّما قال:( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) إرادة الإصلاح، ودلالة على أنّهم لا يفعلون. وقال يوسف إرادة الإصلاح.
أبو علي الأشعريّ(٣) ، عن محمّد بن عبد الجبّار عن الحجّال عن ثعلبة عن معمّر بن عمر، عن عطا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: «لا كذب على مصلح». ثمّ تلا:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . ثمّ قال: والله ما سرقوا وما كذب. ثمّ تلا:( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) . ثمّ قال: والله ما فعلوه، وما كذب.
محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطيّ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الكلام ثلاثة: صدق، وكذب، وإصلاح بين النّاس.
وفي روضة الكافي(٥) : الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي منصور، عن أبي بصير، قال: قيل لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأنا عنده: إنّ سالم بن أبي حفصة وأصحابه(٦) يروون عنك أنّك تكلّم على سبعين وجها لك(٧) منها المخرج. فقال: ما يريد سالم منّي!؟ أيريد أن أجيء بالملائكة!؟ والله ما جاء(٨) بهذا النّبيّون. ولقد قال يوسف ـ عليه السّلام ـ:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . والله ما كانوا سارقين، وما كذب.
وفي كتاب علل الشّرائع(٩) ، بإسناده إلى أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه
__________________
(١) المصدر: زيادة قال.
(٢) الخطر: التبختر في المشي.
(٣) الكافي ٢ / ٣٤٣، ح ٢٢.
(٤) الكافي ٢ / ٣٤١، ح ١٦.
(٥) الكافي ٨ / ١٠٠، ح ٧٠.
(٦) ليس في أ، ب.
(٧) ليس في أ، ب، ر.
(٨) المصدر: ما جاءت.
(٩) العلل ١ / ٥١، ح ١.
السّلام ـ يقول: لا خير فيمن لا تقيّة له. ولقد قال يوسف:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) وما سرقوا.
وبإسناده(١) إلى هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول يوسف:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) قال: ما سرقوا، وما كذب.
وبإسناده(٢) إلى صالح بن سعيد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في يوسف:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . قال: إنّهم سرقوا يوسف من أبيه. ألا ترى أنّه قال لهم حين قالوا(٣) :( ما ذا تَفْقِدُونَ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ) . ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك. إنّما عنى: انّكم سرقتم يوسف من أبيه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) قال: ما سرقوا وما كذب يوسف وإنّما عنى سرقتم يوسف من أبيه.
( قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ ) (٧١): وأيّ شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشّيء عن الحسّ بحيث لا يعرف مكانه.
وقرئ(٥) : «تفقدون». من: أفقدته: إذا وجدته فقيدا.
( قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ) :
وقرئ(٦) : «صاع» و «صوع» بالفتح والضّمّ والعين والغين. و «صواغ» من الصّياغة.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : [عن أبي حمزة الثمالي](٨) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ قال: صواع الملك الطّاس(٩) الّذي يشرب فيه.
وعن الصّادق ـ عليه السّلام ـ(١٠) قال: كان قدحا من ذهب. و [قال :](١١) كان صواع يوسف إذا كيل(١٢) كيل به، [قال: «لعن الله الخوّان. لا تخونوا به». بصوت
__________________
(١) العلل ١ / ٥٢، ح ٣.
(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٩.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٣.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٥، ح ٥١.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: طاس.
(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٥٢. (١١) من المصدر.
حسن](١) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وكان الصّاع الّذي يكيلون به من ذهب. فجعلوه في رحله من حيث لم يقف عليه إخوته(٣) .
( وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ) : من الطّعام، جعلا له.
( وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) (٧٢): كفيل أؤدّيه إلى من ردّه.
( قالُوا تَاللهِ ) :
قسم فيه معنى التّعجب. والتّاء بدل من الباء، مختصّة باسم الله.
( لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ) (٧٣) :
قيل(٤) : استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرّتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، ممّا يدلّ على فرط أمانتهم، كردّ البضاعة الّتي جعلت في رحالهم، وكعم(٥) الدّوابّ كيلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد.
( قالُوا فَما جَزاؤُهُ ) : فما جزاء السّارق، أو السّرق، أو الصّواع، بمعنى سرقته، على حذف المضاف.
( إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ) (٧٤): في ادّعائكم البراءة.
( قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ) ، أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه.
هكذا كان شرع يعقوب. وقوله:( فَهُوَ جَزاؤُهُ ) تقرير للحكم وإلزام له. أو خبر «من» والفاء لتضمّنها معنى الشّرط. أو جواب لها على أنّها شرطيّة. والجملة كما هي خبر «جزاؤه» على إقامة الظّاهر فيها مقام الضّمير. كأنّه قيل: جزاؤه من وجد في رحله، فأحبسه.
وفي تفسير العيّاشي(٦) ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: يعنون السّنّة الّتي كانت
__________________
(١٢) المصدر: «إذ» بدل «إذا كيل».
(١) من المصدر.
(٢) تفسير القميّ ١ / ٣٤٨.
(٣) المصدر: «لم يقفوا عليه» بدل «لم يقف عليه اخوته».
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٣٥.
(٥) كعم البعير: شدّ فاه في هياجه لئلّا يعضّ أو يأكل.
(٦) لم نعثر عليه في تفسير العيّاشي بل يوجد في تفسير الصافي ٤ / ٨٤٥.
تجري فيهم أن يحبسه.
( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) (٧٥): بالسّرقة.
( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ) : فبدأ المؤذّن.
وقيل(١) : يوسف، لأنّهم ردّوا إلى مصر.
( قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ) : بنيامين، نفيا للتّهمة.
( ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ) ، أي: السّقاية. أو: الصّواع ـ لأنّه يذكّر ويؤنّث ـ( مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ) .
وقرئ(٢) بضمّ الواو، وبقلبها همزة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : فتشبّثوا بأخيه، فحبسوه.
( كَذلِكَ ) : مثل ذلك الكيد.( كِدْنا لِيُوسُفَ ) ، بأن علّمناه إيّاه، وأوحينا به إليه.
( ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) : ملك مصر. لأنّ دينه الضّرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق. وهو بيان للكيد.
( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) : إلّا أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك.
فالاستثناء من أعمّ الأحوال. ويجوز أن يكون منقطعا. أي: لكن أخذه بمشيئة الله وإذنه.
( نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) : بالعلم، كما رفعنا درجته.
( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (٧٦): أرفع درجة منه.
( قالُوا إِنْ يَسْرِقْ ) بنيامين،( فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) : يعنون يوسف.
في الخرائج والجرائح(٤) : وروى سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحسن بن ميمون، عن داود بن قاسم الجعفريّ قال: سئل أبو محمّد ـ عليه السّلام ـ عن قوله ـ تعالى ـ:( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) ـ والسّائل رجل من قمّ ـ وأنا حاضر. فقال ـ عليه السّلام ـ :
ما سرق يوسف. إنّما كان ليعقوب منطقة ورثها من إبراهيم ـ عليه السّلام ـ. وكانت تلك المنطقة لا يسرقها أحد إلّا استعبد. فكانت(٥) إذا سرقها إنسان، نزل جبرئيل
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٣.
(٣) تفسير القميّ ١ / ٣٤٨.
(٤) الخرائج ٢ / ٧٣٨، ح ٥٣.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فكان.
ـ عليه السّلام ـ فأخبره بذلك. فأخذت منه، وصار(١) عبدا.
وإنّ المنطقة كانت عند سارة بنت إسحاق بن إبراهيم، وكانت سمّية أمّه. وإنّ سارة أحبّت يوسف، وأرادت أن تتّخذه ولدا لها(٢) . وإنّها أخذت المنطقة، فربطتها في وسطه. ثمّ سدلت عليه سرباله وقالت ليعقوب: إنّ المنطقة سرقت. وأتاه جبرئيل فقال: يا يعقوب، إنّ المنطقة مع يوسف. ولم يخبره بخبر ما صنعت سارة، لما أراد الله.
فقام يعقوب إلى يوسف، ففتّشه ـ وهو يومئذ غلام يافع ـ واستخرج المنطقة. فقالت سارة بنت إسحاق: منّي سرقها يوسف، فأنا أحقّ به. فقال لها يعقوب: فإنّه عبدك أن لا تبيعيه(٣) ، ولا تهبيه. قالت: فأنا أقبله على أن لا تأخذه منّي، وأعتقه السّاعة. فأعطاها إيّاه، فأعتقته. ولذلك قال إخوة يوسف:( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) .
قال أبو هاشم: فجعلت اجيّل(٤) هذا في نفسي، أفكّر وأتعجّب من هذا الأمر، مع قرب يوسف من يعقوب وحزن يعقوب عليه، حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، والمسافة قريبة!
فأقبل عليّ أبو محمّد ـ عليه السّلام ـ فقال: يا أبا هاشم! تعوّذ بالله ممّا جرى في نفسك من ذلك. فإنّ الله لو شاء أن يرفع السّتائر(٥) [من الأعلى ما](٦) بين يعقوب ويوسف حتّى كانا يتراءيان(٧) ، لفعل. ولكن له أجل هو بالغه، ومعلوم ينتهي إليه ما كان من ذلك. فالخيار من الله لأوليائه.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن إسماعيل بن همام، قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ [في قول الله:( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) قال :](٩) كانت لإسحاق النّبيّ منطقة يتوارثها الأنبياء والأكابر، وكانت عند عمّة يوسف. وكان يوسف عندها، وكانت تحبّه. فبعث إليها أبوه أن ابعثيه إليّ، وأردّه إليك. فبعثت إليه أن دعه عندي اللّيلة(١٠) أشمّه، ثمّ أرسله إليك غدوة. فلمّا أصبحت ،
__________________
(١) بعض نسخ المصدر: أخذ.
(٢) المصدر: لنفسها.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تبيعه.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: اجيل.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الساتر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان يراه.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٥، ح ٥٣.
(٩) من المصدر.
(١٠) ليس في أ، ب.
أخذت المنطقة، فربطتها في حقوه(١) . وألبسته قميصا، وبعثت به إليه. وقالت: سرقت المنطقة، فوجدت عليه، وكان إذا سرق أحد في ذلك الزّمان، دفع إلى صاحب السّرقة. فأخذته، فكان عندها.
وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى إسماعيل بن همّام، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ نحوه.
حدّثنا المظفّر بن جعفر بن المظفّر العلويّ(٣) ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا جعفر بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله(٤) بن محمّد بن خالد قال: حدّثني الحسن بن عليّ الوشّاء قال: سمعت عليّ بن موسى الرّضا يقول :
كانت الحكومة في بني إسرائيل إذا سرق أحد شيئا، استرقّ به. وكان يوسف عند عمّته، وهو صغير. وكانت تحبّه. وكانت لإسحاق ـ عليه السّلام ـ منطقة ألبسها إيّاه يعقوب ـ عليه السّلام ـ فكانت عند ابنته.
وإنّ يعقوب طلب يوسف(٥) من عمّته. فاغتمّت لذلك، وقالت: دعه حتّى أرسله إليك. فأرسلته. وأخذت المنطقة فشدّتها(٦) في وسطه تحت الثّياب.
فلمّا أتى يوسف [أباه، جاءت، فقالت: سرقت المنطقة. ففتّشته، فوجدتها في وسطه. فلذلك قال إخوة يوسف ،](٧) حيث جعل الصّاع في وعاء أخيه(٨) ، فقال لهم يوسف: ما جزاء من وجد في رحله؟ قالوا: هو جزاؤه، كما جرت السّنّة الّتي تجري فيهم.( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ) . ولذلك قال إخوة يوسف:( إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ) . يعنون المنطقة.( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) .
وفي تفاسير العامّة(٩) : كان لأبي أمّه صنم. فسرقه وكسّره، وألقاه في الجيف.
__________________
(١) الحقو: معقد الإزار، ويسمّى بالخصر.
(٢) العيون ٢ / ٧٥، ح ٥.
(٣) نفس المصدر والمجلّد / ٧٥ ـ ٧٦، ح ٦.
(٤) المصدر: عبيد الله.
(٥) المصدر: زيادة يأخذه.
(٦) المصدر: وشدّها.
(٧) ليس في أ، ر، ب.
(٨) المصدر: زيادة «إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل».
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٤، وتفسير الجلالين المطبوع في هامش أنوار التنزيل ١ / ٥٠٤.
وفي بعضها(١) : كان في البيت عناق أو دجاجة سرقه وأعطى السّائل.
( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) : أكنّها ولم يظهرها لهم.
والضّمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السّرقة إليه.
وقيل(٢) : إنّها كناية بشريطة التّفسير، يفسّرها قوله:( قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) .
فإنّه بدل من «أسَرّها». والمعنى: قال في نفسه:( أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) ، أي: منزلة في السّرقة ـ لسرقتكم أخاكم ـ أو في سوء الصّنيع بما كنتم عليه. وتأنيثها باعتبار الكلمة أو الجملة.
وفيه نظر، إذ المفسّر بالجملة، لا يكون إلّا ضمير الشّأن.
( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ) (٧٧) وهو يعلم أنّ الأمر ليس كما تصفون، وأنّه لم يسرق.
( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ) في السّنّ، أو القدر.
ذكروا له حاله، استعطافا له عليه.
( فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ) : بدله. فإنّ أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به.
( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (٧٨) إلينا، فأتمم إحسانك. أو: من المتعوّدين الإحسان، فلا تغيّر عادتك.
وفي تفسير العيّاشي(٣) ، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: نراك من المحسنين إن فعلت.
( قالَ مَعاذَ اللهِ ) : نعوذ بالله معاذا.
( أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) : فإنّ أخذ غيره ظلم على فتواكم، فلو أخذنا أحدكم مكانه( إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) (٧٩): في مذهبكم.
هذا وأنّ مراده: أنّ الله أذن في أخذ من وجدنا الصّاع في رحله لمصلحته ورضاه عليه، فلو أخذت غيره كنت ظالما عاملا بخلاف ما أمرت به.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : [قال أي يوسف](٥) وكانوا يجادلونه في حبسه، وكانوا ولد يعقوب إذا غضبوا خرج من ثيابهم شعر وتقطر من رؤوسها دم أصفر.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن الحسين(٧) بن أبي العلا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٤.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٢، ح ٤٢ في ضمن حديث طويل.
(٤) تفسير القميّ ١ / ٣٤٩.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٦، ح ٥٥.
قال: ذكر بني يعقوب قال: كانوا إذا غضبوا اشتدّ غضبهم حتّى تقطر جلودهم دما أصفر، وهم يقولون: خذ أحدنا مكانه، يعني: جزاؤه(١) . فأخذ الّذي وجد الصّاع عنده.
وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن أحمد عن أحمد بن محمّد اليساري(٣) ، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن مهران الكوفيّ قال: حدّثني حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق اللّيثيّ قال: قلت لأبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ: يا ابن رسول الله، إنّي لأجد من شيعتكم من يشرب الخمر، ويقطع الطّريق، ويخيف السّبيل، ويزني، ويلوط، ويأكل الرّبا، ويرتكب الفواحش، ويتهاون بالصلاة والصّيام والزّكاة، ويقطع الرّحم، ويأتي الكبائر، فكيف هذا ولم ذلك؟
فقال: يا إبراهيم، هل يختلج في صدرك شيء غير هذا؟
قلت: [نعم](٤) يا ابن رسول الله، أخرى أعظم من ذلك.
فقال: وما هو، يا أبا إسحاق؟
قال: فقلت: يا ابن رسول الله، وأجد من أعدائكم ومن ناصبكم من يكثر من الصلاة والصّيام، ويخرج(٥) الزّكاة، ويتابع بين الحجّ والعمرة، ويحضّ(٦) على الجهاد، ويأثر على البرّ وعلى صلة الرّحم، ويقضي حقوق إخوانه ويواسيهم(٧) من ماله، ويجتنب شرب الخمر والزّنا واللّواط وسائر الفواحش، فممّ ذلك ولم ذاك؟ فسّره لي، يا ابن رسول الله، وبرهنه وبيّنه، فقد والله كثر فكري واسهر ليلي وضاق ذرعي.
قال: فتبسّم [الباقر](٨) ـ صلوات الله عليه ـ ثمّ قال: يا إبراهيم، خذ إليك بيانا شافيا فيما سألت وعلما(٩) مكنونا(١٠) من خزائن علم الله وسرّه. أخبرني، يا إبراهيم، كيف تجد اعتقادهما؟
__________________
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحس.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: جزاء.
(٢) العلل ١ / ٦٠٦ ـ ٦٠٩، ح ٨١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ «بن اليساري» بدل «عن أحمد بن محمد اليساري»
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ومخرج.
(٦) المصدر: يحرض.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويواسهم.
(٨) من المصدر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: علمنا.
(١٠) ب: مكتوما.
قلت: يا ابن رسول الله، أجد محبّيكم وشيعتكم على ما هم فيه، ممّا وصفته من أفعالهم، لو أعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهبا وفضّة أن يزول عن ولايتكم و(١) محبّتكم إلى موالاة غيركم وإلى محبّتهم ما زال، ولو ضربت خياشيمه(٢) بالسّيوف فيكم، ولو قتل فيكم ما ارتدع ولا رجع عن محبّتكم وولايتكم. وأرى النّاصب على ما هو عليه، ممّا وصفته من أفعالهم، لو أعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهبا وفضّة أن يزول عن محبّة الطّواغيت(٣) وموالاتهم إلى موالاتكم ما فعل ولا زال، ولو ضربت خياشيمه بالسّيوف فيهم ولو قتل [فيهم](٤) ما ارتدع ولا رجع، وإذا سمع أحدهم منقبة لكم وفضلا اشمأزّ من ذلك وتغيّر لونه، ورأى(٥) كراهية ذلك في وجهه بغضا لكم ومحبّة لهم(٦) .
[قال](٧) فتبسّم الباقر ـ عليه السّلام ـ ثمّ قال: يا إبراهيم، ها هنا هلكت العاملة النّاصبة( تَصْلى ناراً حامِيَةً، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) ومن ذلك قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) (٨) . ويحك، يا إبراهيم، أتدري ما السّبب والقصّة في ذلك، وما الّذي قد خفي على النّاس منه؟
قلت: يا ابن رسول الله، فبيّنه لي واشرحه وبرهنه.
قال: يا إبراهيم، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يزل عالما(٩) قديما خلق الأشياء لا من شيء، ومن زعم أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق الأشياء من شيء فقد كفر، لأنّه لو كان ذلك الشّيء الّذي خلق منه الأشياء قديما [معه](١٠) في أزليّته وهويّته كان ذلك الشّيء أزليّا، بل خلق ـ عزّ وجلّ ـ الأشياء كلّها لا من شيء فكان ممّا خلق الله تعالى(١١) أرضا طيّبة ثمّ فجّر منها ماء عذبا زلالا، فعرض عليها ولايتنا، أهل البيت، فقبلتها فأجرى ذلك الماء عليها
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لما فعل ولا عن» بدل «و».
(٢) خياشيم ـ جمع الخيشوم ـ: أقصى الأنف.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: محبّته للطّواغيت.
(٤) من المصدر.
(٥) الأظهر: رئي.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لغيركم.
(٧) من المصدر.
(٨) الفرقان / ٢٣.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: قائما.
(١٠) من المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وممّا خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ أن خلق» بدل «فكان ممّا خلق الله ـ تعالى ـ».
سبعة أيّام حتّى(١) طبقها وعمّها، ثمّ نضب(٢) ذلك الماء عنها، فأخذ من صفوة ذلك الطّين طينا فجعله طين الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ ثمّ أخذ ثفل(٣) ذلك الطّين فخلق منه شيعتنا، ولو ترك طينتكم، يا إبراهيم، كما ترك طينتنا، لكنتم ونحن شيئا واحدا.
قلت: يا ابن رسول الله، فما فعل بطينتنا؟
قال: أخبرك يا إبراهيم، خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ بعد ذلك أرضا سبخة خبيثة منتنة(٤) ، ثمّ فجّر(٥) منها ماء أجاجا [آسنا](٦) مالحا، فعرض عليها ولايتنا، أهل البيت، فلم تقبلها فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبقها وعمّها، ثمّ نضب ذلك الماء عنها، ثمّ أخذ من ذلك الطّين فخلق منه الطّغاة وأئمتهم(٧) ، ثمّ مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حالها ولم يمزج بطينتكم لم يشهدوا الشّهادتين، ولا صلوا ولا صاموا ولا زكّوا ولا حجّوا، ولا أدّوا أمانة، ولا أشبهوكم في الصّور، وليس شيء [أكبر](٨) على المؤمن أن يرى صورة عدوّه مثل صورته.
قلت: يا ابن رسول الله، فما صنع بالطّينتين؟
قال: مزج بينهما بالماء الأوّل والماء الثّاني، ثمّ عركهما عرك الأديم(٩) ، ثمّ أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنّة ولا أبالي، وأخذ قبضة أخرى وقال: هذه إلى النّار ولا أبالي. ثمّ خلط بينهما فوقع من شبح(١٠) المؤمن وطينته على شبح(١١) الكافر وطينته، ووقع من شبح(١٢) الكافر وطينته على شبح المؤمن وطينته. فما رأيته من شيعتنا من زنا أو لواط أو ترك صلاة أو صيام أو حج أو جهاد أو خيانة أو كبيرة من هذه الكبائر، فهو من طينة النّاصب وعنصره الّذي قد مزج فيه، لأنّ من شبح(١٣) النّاصب وعنصره وطينته اكتساب المآثم والفواحش والكبائر. وما رأيت من النّاصب من مواظبته على الصّلاة والصّيام والزّكاة والحجّ والجهاد وأبواب البرّ، فهو من طينة المؤمن وشبحه(١٤) الّذي قد مزج فيه، لأنّ من
__________________
(١) ليس في المصدر.
(٢) المصدر: انضب.
(٣) الثفل: ما استقرّ تحت الماء من كدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ميته.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فجرى» بدل «ثمّ فجّر».
(٦) من المصدر. والآسن: المتغيّر الطعم.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أممهم.
(٨) من المصدر.
(٩) عرك الأديم: دلكه. والأديم: الجلد المدبوغ.
(١٠ و ١١ و ١٢) المصدر: سنخ.
(١٣) المصدر: سنخ.
شبح(١) المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المآثم. فإذا عرضت هذه الأعمال كلّها على الله ـ عزّ وجلّ ـ قال: أنا الله(٢) عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحكم لا أحيف(٣) ولا أميل ولا أشطط(٤) ، ألحقوا الأعمال السّيّئة الّتي اجترحها المؤمن بشبح(٥) النّاصب وطينته، وألحقوا الأعمال الحسنة الّتي اكتسبها النّاصب بشبح(٦) المؤمن وطينته ردّوها كلّها إلى أصلها، فإنّي أنا الله(٧) لا إله إلّا أنا عالم السّرّ وأخفى، وأنا المطّلع على قلوب عبادي لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم [أحدا](٨) إلّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه.
ثمّ قال الباقر ـ عليه السّلام ـ: أقرأ [يا إبراهيم](٩) هذه الآية.
قلت: يا ابن رسول الله، أيّة آية؟
قال: قوله ـ تعالى ـ:( قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) هو في الظّاهر ما تفقهونه(١٠) ، هو والله في الباطن هذا بعينه، يا إبراهيم. إنّ للقرآن ظاهرا وباطنا، ومحكما ومتشابها، وناسخا ومنسوخا. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ) : يئسوا من يوسف وإجابته إيّاهم. وزيادة السّين والتّاء، للمبالغة.
وعن البزّيّ(١١) : «استيَاس» بالألف وفتح الياء من غير همزة، وإذا وقف [حمزة ألقى](١٢) حركة الهمزة على الياء على أصله.
( خَلَصُوا ) : انفردوا واعتزلوا.
( نَجِيًّا ) : متناجين.
وإنّما وحّده لأنّه مصدر، أو بزنته، كما قيل: هم صديق. وجمعه أنجية، كندى
__________________
(١٤) المصدر: سنخه.
(١) المصدر: سنخ.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا أخيف.
(٤) شطط الرجل: أفرط وتباعد عن الحقّ.
(٥ و ٦) المصدر: بسنخ.
(٧) ليس في أ.
(٨ و ٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: تفهمونه.
(١١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٤.
(١٢) من المصدر.
وأندية.
( قالَ كَبِيرُهُمْ ) :
قيل(١) : في السّن، وهو روبيل. أو في الرّأي، وهو شمعون.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: قال لهم يهوذا، وكان أكبرهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال لهم لاوي.
( أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) : عهدا وثيقا. وإنّما جعل حلفهم بالله موثقا منه، لأنّه بإذن منه وتأكيد من جهته.
( وَمِنْ قَبْلُ ) : هذا.
( ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ) : قصّرتم في شأنه.
و «ما» مزيدة.
ويجوز أن تكون مصدريّة في موضع النّصب بالعطف على مفعول «تعلموا» ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظّرف، أو على اسم «أنّ» وخبره «في يوسف» أو «من قبل». أو الرّفع بالابتداء والخبر «من قبل» وفيه نظر، لأنّ «قبل» إذا كان خبرا أو صلة لا يقطع عن الإضافة حتّى لا ينقص.
وأن تكون موصولة، أي: ما فرّطتموه، بمعنى: ما قدّمتموه في حقّه من الخيانة، ومحلّه ما تقدّم.
( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ) : فلن أفارق أرض مصر.
( حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ) : في الرّجوع إليه.
( أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي ) ، أي: يقضي لي بالخروج منها، أو بخلاص أخي منهم، أو بالمقاتلة معهم لتخليصه.
( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) (٨٠): لأنّ حكمه لا يكون إلّا بالحقّ.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا استيأس(٥) . إخوة يوسف من أخيهم قال لهم يهودا، وكان أكبرهم:( فَلَنْ أَبْرَحَ
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٥.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٦، ح ٥٦.
(٣) تفسير القمي ١ / ٣٤٩.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٦، ح ٥٦.
الْأَرْضَ ) (الآية).
قال: ورجع إلى يوسف يكلّمه في أخيه، [فكلمه](١) حتّى ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب يهودا، وكان إذا غضب يهودا قامت شعرة في كتفه وخرج منها الدّم [حتّى يمسّه بعض ولد يعقوب](٢) .
قال: وكان بين يدي يوسف ابن له صغير، معه رمّانة من ذهب، وكان الصّبيّ يلعب بها، فأخذها يوسف من الصّبيّ فدحرجها نحو يهودا.
قال: وحبا(٣) الصّبي نحو يهودا(٤) ليأخذها فمسّ يهودا، فسكن يهودا. ثمّ عاد إلى يوسف فكلّمه في أخيه حتّى ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب يهودا وقامت الشّعرة وسال منها الدّم، فأخذ يوسف الرّمانة من الصّبيّ فدحرجها نحو يهودا، وحبا الصّبي نحو يهودا فسكن يهودا.
فقال يهودا: إنّ في البيت معنا لبعض ولد يعقوب.
قال: فعند ذلك قال لهم يوسف:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) .
وفي رواية هشام بن سالم(٥) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أخذ يوسف أخاه اجتمع عليه إخوته، فقالوا له: خذ أحدنا مكانه، وجلودهم تقطر دما أصفر وهم يقولون: خذ أحدنا مكانه.
قال: فلمّا أن أبى عليهم وأخرجوا من عنده قال لهم يهودا: قد علمتم ما فعلتم بيوسف( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) .
قال: فرجعوا إلى أبيهم، وتخلّف يهودا.
قال: فدخل على يوسف يكلّمه في أخيه حتّى ارتفع الكلام بينه وبينه وغضب، وكان على كتفه شعرة إذا غضب قامت الشّعرة فلا تزال تقذف بالدّم حتّى يمسه بعض ولد يعقوب.
__________________
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: استيأسوا.
(١) من المصدر.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) حبا الصبيّ: زحف.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وجاء الصبيّ» بدل «وحبا الصبيّ نحو يهودا».
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٧، ح ٥٦.
قال: فكان بين يدي يوسف ابن له صغير في يده رمّانة من ذهب يلعب بها، فلمّا رآه يوسف قد غضب وقامت الشّعرة تقذف بالدّم أخذ الرّمانة من يد الصّبي ثمّ دحرجها نحو يهودا، واتّبعها الصّبيّ ليأخذها فوقعت يده على يهودا، [قال: فذهب غضبه، قال: فارتاب يهودا، ورجع الصّبيّ بالرّمانة إلى يوسف. ثمّ ارتفع الكلام بينهما حتّى غضب وقامت الشّعرة فجعلت تقذف بالدّم، فلمّا رأى يوسف دحرج الرّمانة نحو يهودا، واتّبعها الصّبيّ ليأخذها فوقعت يده على يهوذا](١) فسكن غضبه.
قال: فقال يهودا: إنّ في البيت لمن ولد يعقوب، حتّى صنع ذلك ثلاث مرّات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم وتخلّف يهودا، فدخل على يوسف فكلّمه حتّى ارتفع الكلام بينه وبينه. وذكر مثل ما نقلناه عن تفسير العيّاشي ـ إلى قوله ـ: ثلاث مرّات.
وبإسناده(٣) إلى عليّ بن محمّد الهادي ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: فنزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له: يا يوسف، أخرج يدك. فأخرجها، فخرج من بين أصابعه نور.
فقال يوسف: ما هذا، يا جبرئيل؟
فقال: هذه النّبوّة أخرجها الله من صلبك، لأنّك لم تقم لأبيك.
فحطّ الله نوره ومحى النّبوّة من صلبه وجعلها في ولد لاوي، أخي يوسف، وذلك لأنّهم لـمّا أرادوا قتل يوسف قال:( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) فشكره الله على ذلك. ولـمّا أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر، وقد حبس يوسف أخاه، قال:( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) فشكر الله له ذلك، فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي، وكان موسى من ولده، وهو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
وستقف على الحديث بتمامه ـ إن شاء الله ـ عن قريب.
( ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) : على ما شهدنا من ظاهر الأمر.
__________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في أ، ب.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٤٩.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٦.
وقرئ(١) : «سرّق»، أي: نسب إلى السّرقة.
( وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ) : بأن رأينا أنّ الصّواع استخرج من وعائه.
( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ ) : لباطن الحال.
( حافِظِينَ ) (٨١): فلا ندري أنّه سرق، أو دسّوا الصّاع في رحله. أو ما كنّا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنّه سيسرق، أو أنّك تصاب به، كما أصبت بيوسف.
( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) ، يعنون: مصر، أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها. والمعنى: أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصّة.
( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ) : وأصحاب العير الّتي توجّهنا فيهم وكنّا معهم.
( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) (٨٢): تأكيد في محلّ القسم.
( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ ) ، أي: فلمّا رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم أخوهم، قال: بل سوّلت، أي: زيّنت وسهّلت.
( لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) : أردتموه، لتعليمكم إيّاه أنّ السّارق يؤخذ بسرقته، وإلّا فما أدرى الملك أنّ السّارق يؤخذ بسرقته.
( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) ، أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل.
في تفسير العيّاشي(٢) : عن جابر قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: رحمك الله، ما الصّبر الجميل؟
قال: فذلك صبر ليس فيه شكوى إلى النّاس.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٣) ـ قدّس سرّه ـ وبالإسناد في قوله ـ عزّ وجلّ ـ في قول يعقوب:( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) قال: بلا شكوى.
( عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) : بيوسف وبنيامين وأخيهما الّذي توقّف بمصر.
( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) : بحالي وحالهم.
( الْحَكِيمُ ) (٨٣): في تدبيرها.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٥.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٨، ح ٥٧.
(٣) أمالي الشيخ ١ / ٣٠٠.
( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ) : وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم.
( وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) ، أي: يا أسفى تعال فهذا أوانك.
و «والأسف» أشدّ الحزن والحسرة. و «الألف» بدل من ياء المتكلّم.
وإنّما تأسّف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما، لأنّ رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضّا آخذا بمجامع قلبه، ولأنّه كان واثقا بحياتهما(١) دون حياته.
وفي الحديث النّبويّ(٢) : لم تعطَ أمّة من الأمم( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) عند المصيبة إلّا أمّة محمّد، ألّا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع، وقال: يا أسفى.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟
قال: حزن سبعين ثكلى على أولادها.
وقال: إنّ يعقوب لم يعرف الاسترجاع، فمن هناك قال:( يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
وبهذا الإسناد(٥) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: قيل له: كيف يحزن يعقوب على يوسف، وقد أخبره جبرئيل أنّه لم يمت وأنّه سيرجع إليه؟
فقال له: إنّه نسي ذلك.
( وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ ) : لكثرة بكائه من الحزن، كأنّ العبرة محقت سوادهما [يعني عمت من البكاء سوادها](٦) .
وقيل: ضعف بصره.
وقيل: عمي ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) ، يعني: عميت من البكاء.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يحبّونهما.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٠.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٨، ح ٥٨.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٥٩.
(٦) ليس في المصدر والمتن.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٥٠.
وقرئ(١) : «من الحزن».
قيل(٢) : فيه دلالة على جواز التّأسّف والبكاء عند التّفجّع، ولعلّ أمثال ذلك لا يدخل تحت التّكليف، فإنّه قلّ من يملك نفسه عند الشّدائد. ولقد بكى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على ولده إبراهيم، وقال: القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرّبّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
( فَهُوَ كَظِيمٌ ) (٨٤): مملوء من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه لا يظهره.
فعيل، بمعنى: مفعول، كقوله ـ تعالى ـ:( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) (٣) . من كظم السّقاء: إذا شدّه على ملئه. أو بمعنى: فاعل، كقوله:( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) . من كظم الغيظ: إذا اجترعه. وأصله: كظم البعير جرّته: إذا ردّها في جوفه.
( قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ ) ، أي: لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجّعا عليه، فحذف «لا»، كما في قوله :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
لأنّه لا يلتبس بالاثبات، فإنّ القسم إذا لم يكن معه علامة الإثبات(٤) كان على النّفي.
( حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ) : مريضا مشفيا على الهلاك.
وقيل(٥) : «الحرض» الّذي أذابه همّ أو مرض، وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنّث ولا يجمع. والنّعت بالكسر، كدنِف ودنَف، وقد قرئ به، وبضّمتين، كجنب.
( أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) (٨٥): من الميّتين.
في كتاب الخصال(٦) : عن أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ يصلّي في اليوم واللّيلة ألف ركعة.
... إلى أن قال: ولقد بكى على أبيه الحسين ـ صلوات الله عليه ـ عشرين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى، حتّى قال له مولى له: يا ابن رسول الله، أما آن لحزنك أن ينقضي؟
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٣) القلم / ٤٨.
(٤) علامة الإثبات هو اللّام والنون. وقيل: لو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللّام والنّون.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٦) الخصال ٢ / ٥١٧ ـ ٥١٩، ح ٤.
فقال له: ويحك، إنّ يعقوب النّبيّ ـ عليه السّلام ـ كان له اثنا عشر ابنا، فغيّب الله عنه واحدا منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه [وشاب رأسه من الحزن](١) واحدودب وقوّست ظهره من الغمّ، وكان ابنه حيّا في الدّنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟!
عن محمّد بن سهل البحرانيّ(٢) ، يرفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: البكّاؤون خمسة: آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ. فأمّا آدم فبكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، وأمّا يعقوب فبكى على يوسف حتّى ذهب بصره حتّى قيل له:( تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) .
وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين(٤) بن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فأمّا يعقوب قد صبر على فراق ولده حتّى كاد يحرض من الحزن.
قال له عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك، وقد كان حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ قبض ولده إبراهيم قرّة عينه في حياته منه، وخصّه بالاختيار ليعظم له الادخار، فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: «تحزن النّفس ويجزع القلب، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرّب» في كلّ ذلك يؤثر الرّضا عن الله ـ عزّ وجلّ ـ والاستسلام له في جميع الفعال.
( قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي ) : همّي الّذي لا أقدر الصّبر عليه. من البثّ بمعنى: النّشر.
( إِلَى اللهِ ) : لا إلى أحد منكم ومن غيركم، فخلّوني وشكايتي.
( وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ) : من صنعه ورحمته، فإنّه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجئ إليه. أو من الله بنوع من الإلهام.
( ما لا تَعْلَمُونَ ) (٨٦): من حياة يوسف.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخصال ١ / ٢٧٢. ح ١٥.
(٣) الإحتجاج ١ / ٣١٩.
(٤) أ، ب: الحسن.
قيل(١) : رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه، فقال: هو حيّ.
وقيل(٢) : علم من رؤيا يوسف أنّه لا يموت حتّى يخرّ له إخوته سجّدا.
وسيأتي في الخبر: أنّه نزل عليه ملك الموت فسأله عنه.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ [يقول:( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ) منصوبة.
عن إسماعيل بن جابر(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٥) ، قال: إنّ يعقوب أتى ملكا يسأله الحاجة. فقال له الملك: أنت إبراهيم؟
قال: لا.
قال: وأنت إسحاق بن إبراهيم؟
قال: لا.
قال: فمن أنت؟
قال: يعقوب بن إسحاق.
قال: فما بلغ ما أرى بك مع حداثة السّن؟
قال: الحزن على يوسف.
قال: لقد بلغ بك الحزن، يا يعقوب، كلّ مبلغ.
فقال: إنّا، معاشر الأنبياء أسرع شيء البلاء إلينا، ثمّ الأمثل فالأمثل من النّاس.
فقضى حاجته، فلمّا جاوز صغير بابه هبط إليه جبرئيل فقال: يا يعقوب، ربّك يقرئك السّلام ويقول لك: شكوتني إلى النّاس؟
فعفّر وجهه بالتّراب وقال: يا ربّ، زلّة أقلنيها فلا أعود بعد هذا أبدا.
ثمّ عاد إليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ارفع رأسك، ربّك يقرئك السّلام ويقول لك: قد أقلتك فلا تعود تشكوني إلى خلقي. فما رئي(٦) ناطقا بكلمة ممّا كان فيه
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٠ ح ٦٤ وأنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٩، ح ٦٣.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٦١.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: رأى.
حتّى أتاه(١) بنوه فضرب وجهه إلى الحائط وقال:( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي ) (الآية).
وفي حديث آخر(٢) عنه: جاء يعقوب إلى نمرود في حاجة، فلمّا رآه وثب عليه، وكان أشبه النّاس بإبراهيم، فقال له: أنت إبراهيم خليل الرّحمن؟
قال: لا. (الحديث).
وفي كتاب معاني الأخبار(٣) ، بإسناده إلى ابن معاوية(٤) الأشتر قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: من شكا إلى مؤمن فقد شكا إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ومن شكا مصيبة نزلت به فإنّما يشكو ربّه.
وفي نهج البلاغة(٦) : قال ـ عليه السّلام ـ: ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح(٧) يشكو ربّه.
وفي مجمع البيان(٨) :( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ) وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ، أنّ جبرئيل أتاه، فقال: يا يعقوب، إنّ الله يقرأ عليك السّلام ويقول: أبشر وليفرح قلبك، فو عزّتي، لو كانا ميّتين لنشرتهما لك، اصنع طعاما للمساكين فإنّ أحبّ عبادي إليّ المساكين، او تدري لم أذهبت بصرك وقوّست ظهرك؟ لأنّكم ذبحتم شاة وأتاكم فلان(٩) المسكين، وهو صائم، فلم تطعموه شيئا. فكان يعقوب بعد(١٠) ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى: ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغدّ مع يعقوب. وإذا كان صائما أمر مناديا ينادي [ألا](١١) من كان صائما فليفطر مع يعقوب. رواه الحاكم، أبو عبد الله في صحيحه.
وفي أصول الكافي(١٢) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: حصل.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٩، ح ٦٢.
(٣) المعاني / ٤٠٧، ح ٨٤.
(٤) المصدر: أبي معاوية.
(٥) نور الثقلين ٢ / ٤٥٤، ح ١٦١.
(٦) نهج البلاغة / ٥٠٨، حكمة ٢٢٨.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فإنّما» بدل «فقد أصبح».
(٨) المجمع ٣ / ٢٥٨.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) ليس في أ، ب.
(١١) من المصدر.
(١٢) الكافي ٢ / ٦٦٦، ح ٤.
أسباط، عن عمّه، يعقوب بن سالم، عن إسحاق بن عمّار [عن الكاهلي](١) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى: يا ربّ، أما ترحمني حتّى أذهبت عيني وأذهبت ابني.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ: لو أمتّهما لأحييتهما لك حتّى أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشّاة الّتي ذبحتها وشويتها وأكلت وفلان، وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا.
وفي رواية أخرى(٢) قال: فكان بعد ذلك يعقوب إذا أصبح نادى: ألا من أراد الغداء فليأت يعقوب. وإذا أمسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت يعقوب.
وفي مصباح الشّريعة(٣) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «المحزون» غير المتفكّر(٤) ، [لأنّ المتفكّر](٥) متكلّف، والمحزون مطبوع(٦) ، والحزن يبدأ من الباطن، والفكر(٧) يبدأ من رؤية المحدثات، وبينهما فرق، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ في قصّة يعقوب ـ عليه السّلام ـ:( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) .
( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) : فتعرّفوا منهما وتفحّصوا من حالهما. و «التّحسّس» تطلّب الإحساس.
( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) : لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه.
وقرئ(٨) : «من روح الله»، أي: من رحمته الّتي يحيي بها العباد.
( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (٨٧): بالله وصفاته، لأنّ المؤمن من الله على خير يرجوه عند البلاء ويشكره في الرّخاء.
في كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٩) : وقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ يعقوب ـ عليه السّلام ـ قال لملك الموت: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟
قال: بل متفرّقة.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٢ / ٦٦٧، ح ٥ قريب منه.
(٣) مصباح الشريعة / ١٨٧.
(٤) ليس في أ، ب، ر.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: مطموع.
(٧) المصدر: التفكر.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٩) كمال الدين ١ / ١٤٤، ح ١٠.
قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟
فقال: لا.
فعند ذلك قال لبنيه:( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) .
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده:( اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) أكان علم أنّه حيّ وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من الحزن؟
قال: نعم، علم أنّه حيّ.
قلت: وكيف علم؟
قال: إنّه دعا في السّحر أن يهبط عليه ملك الموت، فهبط عليه تريال وهو ملك الموت.
فقال له تريال: ما حاجتك، يا يعقوب؟
قال: أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟
فقال: بل متفرّقة، روحا روحا.
قال: فمرّ بك روح يوسف؟
قال: لا.
فعند ذلك علم أنّه حيّ فقال لولده:( اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) .
وفي روضة الكافي(٢) : ابن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله، إلّا أنّ فيها «بريال» بالباء الموحّدة نقطا مكان «تريال» بالمثنّاة من فوق.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله أيضا، إلّا أنّ فيه: «قوبال». وفيه وفي خبر آخر: تبرابل، وهو ملك الموت. وذكر نحوه.
وفي الخرائج والجرائح(٤) : وعن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّ أعرابيّا اشترى من يوسف طعاما، فقال له: إذا مررت بوادي كذا فناد: يا يعقوب، فإنّه يخرج إليك شيخ
__________________
(١) العلل ١ / ٥٢، ح ١.
(٢) الكافي ٨ / ١٩٩، ح ٢٣٨.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٨٩ ـ ١٩٠، ح ٦٤.
(٤) نور الثقلين ٢ / ٤٥٦، ح ١٦٩.
وسيم، فقل له: إنّي رأيت بمصر رجلا يقرئك السّلام ويقول: إنّ وديعتك عند الله محفوظة لن تضيع.
فلمّا بلّغه الأعرابيّ خرّ يعقوب مغشيّاً عليه، فلمّا أفاق قال: هل لك من حاجة؟
قال: لي ابنة عمّ، وهي زوجتي، لم تلد.
فدعا له، فرزق منها أربعة أبطن، في كل بطن اثنان.
وفي نهج البلاغة(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: ولا تيأسنّ لشرّ هذه الأمّة من روح الله لقوله ـ تعالى ـ:( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ [إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) ](٢) [ولا تؤمنّهم مكر الله](٣) .
وفي من لا يحضره الفقيه(٤) ، في باب معرفة الكبائر الّتي وعد الله ـ عزّ وجلّ ـ عليها النّار: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل يذكر فيه الكبائر، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن ذكر الشّرك بالله: وبعده اليأس من روح الله، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) .
( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ) : بعد ما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية.
( مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ) : شدّة الجوع.
( وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) : رديئة، أو قليلة تردّ وتدفع رغبة عنها. من أزجيته: إذا دفعته. ومنه: تزجية الزّمان.
قيل(٥) : كانت دراهم زيوفا.
وقيل(٦) : صوفا وسمنا(٧) .
وقيل(٨) : الصّنوبر، والحبّة الخضراء.
وقيل(٩) : الأقط(١٠) ، وسويق المقل(١١) .
__________________
(١) نهج البلاغة / ٥٤٢، حكمة ٣٧٧.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) الفقيه ٣ / ٣٦٧، ح ٢.
(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٦.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: رسمناه.
(٨ و ٩) نفس المصدر والموضع.
(١٠) الأقط: لبن محمص يجمّد حتّى يستحجر ويطبخ أو يطبخ به.
(١١) المقل: حمل الدوم. والدوم: شجر عظام من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر وفي بلاد العرب، وثمرته في غلظ التّفّاحة ذات قشر صلب
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) .
قال: كانت المقل، وكانت بلادهم بلاد المقل، وهي البضاعة.
( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ) : فأتمّ لنا الكيل.
( وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) : بردّ أخينا. أو بالمسامحة وقبول المزجاة، أو بالزّيادة على ما يساويها.
( إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) (٨٨): أحسن الجزاء.
و «التّصدّق» التّفضّل مطلقا. ومنه قوله ـ عليه السّلام ـ في القصر: هذه صدقة تصدّق الله عليكم بها.
فرقّ لهم يوسف، ولم يتمالك أن عرّفهم نفسه.
( قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ) ، أي: هل علمتم قبحه، فتبتم عنه؟
وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله، حتّى كان لا يستطيع أن يكلّمهم إلّا بعجز وذلّة.
( إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) (٨٩): قبحه، فلذلك أقدمتم عليه. أو عاقبته.
وإنّما قال ذلك تنصيحا لهم وتحريضا على التّوبة، وشفقة عليهم لـمّا رأى من عجزهم وتمسكنهم، لا معاتبة وتثريبا.
وقيل(٢) : أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك.
وإنّما جهّلهم لأنّ فعلهم كان فعل الجهّال، أو لأنّهم كانوا حينئذ صبيانا طيّاشين.
وفي مجمع البيان(٣) : روي عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: كلّ ذنب عمله العبد، وإن كان عالما، فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربّه، فقد حكى الله ـ سبحانه ـ قول يوسف لإخوته:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) . فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله.
__________________
أحمر، وله نواة ضخمة ذات لبّ إسفنجيّ.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٢، ح ٦٧.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٧.
(٣) نور الثقلين ٢ / ٤٦٠، ح ١٧٨.
( قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ) : استفهام تقرير، ولذلك حقّق «بأنّ» ودخول اللّام عليه.
وقرأه(١) ابن كثير على الإيجاب(٢) .
قيل(٣) : عرفوه بروائه وشمائله حين كلّمهم.
وقيل(٤) : تبسّم فعرفوه بثناياه.
وقيل(٥) : رفع التّاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشّامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب مثلها.
( قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) : من أبي وأمّي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في قوله:( قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا ) ، أي: بالسّلامة والكرامة.
( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ) ، أي: يتّق الله.
( وَيَصْبِرْ ) : على البليّات. أو على الطّاعات. أو عن المعاصي.
( فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (٩٠): وضع المحسنين موضع الضّمير، للتّنبيه على أنّ المحسن من جمع بين التّقوى والصّبر.
( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) : اختارك علينا بحسن الصّورة وكمال السّيرة.
( وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ) (٩١): والحال أنّ شأننا أنّا كنّا مذنبين بما فعلنا معك.
( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ) : لا تأنيب عليكم. تفعيل، من الثّرب: وهو الشّحم الّذي يغشي الكرش، للإزالة، كالتّجليد، فاستعير للتّقريع الّذي يمزّق العرض ويذهب ماء الوجه.
( الْيَوْمَ ) : متعلّق بالتّثريب. أو بالمقدّر للجارّ الواقع خبرا «للا تثريب» والمعنى: لا أثر بكم اليوم الّذي هو مظنّته، فما ظنّكم بسائر الأيّام. أو بقوله:( يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) ، لأنّه صفح عن جريمتهم حين اعترفوا بها.
( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (٩٢): فإنّه يغفر الصّغائر والكبائر ويتفضّل على التّائب.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٧.
(٢) أي: بحذف الهمزة.
(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٧.
قيل(١) : ومن كرم يوسف ـ عليه السّلام ـ أنّهم لـمّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنّك تدعونا بالبكرة والعشيّ إلى الطّعام، ونحن نستحيي منك لما فرط منّا فيك، فقال: أما إنّ أهل مصر كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ. ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم(٢) إخوتي وأنّي من حفدة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ عاد إلى الحديث الأوّل قال: واشتدّ حزنه، يعني: يعقوب، حتّى تقوّس ظهره وأدبرت الدّنيا عن يعقوب وولده حتّى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرتهم، فعند ذلك قال يعقوب لولده:( اذْهَبُوا ) (الآية). فخرج منهم نفر، وبعث معهم(٤) ببضاعة يسيرة، وكتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطّفه على نفسه وولده، وأوصى لولده أن يبدءوا بدفع كتابه قبل البضاعة، فكتب: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله صاحب النّمرود، الّذي جمع لإبراهيم الحطّب والنّار ليحرقه بها فجعلها الله عليه بردا وسلاما وأنجاه منها.
أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت قديم لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ليبلونا بذلك عند السّرّاء والضّرّاء، وأنّ مصائبي(٥) تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وأنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب، فبعثته(٦) معهم بكرة وجاؤوني عشاء يبكون وجاؤوني على قميصه بدم كذب، فزعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني وكثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، وأنّه كان له أخ من خالته، وكنت له معجبا وعليه رفيقا وكان لي أنيسا، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، وأنّ إخوته ذكروا لي أنّك، أيّها العزيز، سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به وإن لم يأتوك به منعتهم الميرة لنا من القمح من مصر، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا ،
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنتم.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٠ ـ ١٩٢، ح ٦٥.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: منهم.
(٥) المصدر: مصائب.
(٦) ليس في أ، ب، ر.
فرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذكروا أنّه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، وقد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي مع مصائب متتابعات عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من محبسك(١) ، وطيّب لنا القمح واسمح لنا في السّعر [وأوف لنا الكيل](٢) وعجّل بسراح آل يعقوب.
فلمّا مضى ولد يعقوب من عنده نحو مصر بكتابه، نزل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على يعقوب، فقال له: يا يعقوب، إنّ ربّك يقول لك: من ابتلاك بمصائبك الّتي كتبت بها إلى عزيز مصر؟
قال يعقوب: أنت بلوتني بها، عقوبة منك وأدبا لي.
قال الله: فهل كان يقدر على صرفها عنك أحد غيري؟
قال يعقوب: أللّهمّ، لا.
قال: فما استحييت منّي حين شكوت مصائبك إلى غيري، ولم تستغث بي وتشكو ما بك إليّ؟
فقال يعقوب: استغفرك، يا إلهي، وأتوب إليك وأشكو بثّي وحزني إليك.
فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ: قد بلغت بك، وبولدك الخاطئين الغاية في أدبي، ولو كنت، يا يعقوب، شكوت مصائبك إليّ عند نزولها بك واستغفرت وتبت إليّ من ذنبك لصرفتها عنك بعد تقديري إيّاها عليك، ولكنّ الشّيطان أنساك ذكري فصرت إلى القنوط من رحمتي، وأنا الله الجواد الكريم أحبّ عبادي المستغفرين التّائبين الرّاغبين إليّ فيما عندي، يا يعقوب، أنا رادّ إليك يوسف وأخاه ومعيد إليك ما ذهب من مالك ولحمك ودمك ورادّ إليك بصرك ومقوّم لك ظهرك وطب نفسا وقرّ عينا، وأنّ الّذي فعلته بك كان أدبا منّي لك، فاقبل أدبي.
قال: ومضى ولد يعقوب بكتابه نحو مصر حتّى دخلوا على يوسف في دار المملكة، فقالوا:( يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، وأن تمنّ به عليه.
قال: فأخذ يوسف كتاب يعقوب، فقبّله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: حبسك.
(٢) ليس في المصدر.
حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم فقال:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ) من قبل( وَأَخِيهِ ) من بعد( قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) فلا تفضحنا ولا تعاقبنا اليوم واغفر لنا( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) .
وفي رواية أخرى(١) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ نحوه.
وفي مجمع البيان(٢) : وفي «كتاب النّبوّة» بالإسناد، عن الحسن بن محبوب، عن [أبي](٣) إسماعيل الفرّاء، عن طربال عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في خبر طويل: أنّ يعقوب كتب إلى يوسف: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» إلى عزيز مصر ومظهر العدل وموفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن صاحب نمرود، الّذي جمع له النّار ليحرقه بها فجعلها الله عليه بردا وسلاما وأنجاه منها.
أخبرك، أيّها العزيز، أنّا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا سريعا من الله ليبلونا عند السّرّاء والضّرّاء، وأنّ مصائب تتابعت عليّ منذ عشرين سنة، أوّلها أنّه كان لي ابن سمّيته: يوسف، وكان سروري من بين ولدي وقرّة عيني وثمرة فؤادي، وأنّ إخوته من غير أمّه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب، فبعثته معهم بكرة فجاءوني عشاء يبكون، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، وزعموا أنّ الذّئب أكله، فاشتدّ لفقده حزني وكثر على فراقه بكائي حتّى ابيضّت عيناي من الحزن، وأنّه كان له أخ، وكنت به معجبا وكان لي أنيسا، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فيسكن بعض ما أجد في صدري، وأنّ إخوته ذكروا أنّك سألتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به، فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة، فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحا، فرجعوا إليّ وليس هو معهم، وذكروا أنّه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق، وقد حبسته عنّي وفجعتني به، وقد اشتدّ لفراقه حزني حتّى تقوّس لذلك ظهري وعظمت به مصيبتي مع مصائب تتابعت عليّ، فمنّ عليّ بتخلية سبيله وإطلاقه من حبسك، وطيّب لنا القمح واسمح لنا في السّعر وأوف لنا الكيل، وعجّل بسراح آل إبراهيم.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٢.
(٢) المجمع ٣ / ٢٦١.
(٣) من المصدر، وجامع الرواة ٢ / ٣٦٦.
قال: فمضوا بكتابه حتّى دخلوا على يوسف في دار الملك و( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا ) (إلى آخر الآية)، وتصدّق علينا بأخينا ابن يامين، وهذا كتاب أبينا يعقوب أرسله إليك في أمره يسألك تخلية سبيله، فمنّ به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب، وقبّله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب حتّى بلّت دموعه القميص الّذي عليه، ثمّ أقبل عليهم وقال:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ) من قبل.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى سدير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ في القائم ـ عليه السّلام ـ شبه(٢) من يوسف ـ عليه السّلام ـ.
قلت: كأنّك تذكر خبره أو غيبته؟
فقال: لي. ما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير؟ إنّ إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء، تاجروا؟؟؟ بيوسف وبايعوه، وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال لهم:( أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله ـ عزّ وجلّ ـ في وقت من الأوقات يريد أن يستر(٣) حجّته [عنهم](٤) ؟ لقد كان يوسف ـ عليه السّلام ـ [يوما](٥) ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد الله أن يعرّفه [مكانه](٦) لقدر على ذلك، والله، لقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة(٧) تسعة أيّام من بدوهم(٨) إلى مصر، فما تنكر هذه [الأمة](٩) أن يكون الله ـ عزّ وجلّ ـ يفعل [بحجّته](١٠) ما فعل بيوسف، أن يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم(١١) وهم لا يعرفونه حتّى يأذن الله ـ عزّ وجلّ ـ له أن يعرّفهم نفسه، كما أذن ليوسف حين(١٢) قال لهم:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا ) (الآية).
وفي أصول الكافي(١٣) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي نجران ،
__________________
(١) كمال الدين ١ / ١٤٤، ح ١١.
(٢) المصدر: سنّة.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أن يبيّن.
(٤ و ٥) من المصدر.
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: «في» بدل «مسيرة».
(٨) ليس في المصدر: من بدوهم.
(٩ و ١٠) من المصدر.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بسيطهم.
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: حتّى.
(١٣) الكافي ١ / ٣٣٦، ح ٤.
عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصّيرفيّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ في صاحب هذا [الأمر](١) شبها من يوسف. وذكر كما نقلنا عن كمال الدّين بتغيير يسير.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: [ليس](٣) رجل من ولد فاطمة لا(٤) يموت ولا يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ للإمام بإمامته، كما أقرّ ولد يعقوب ليوسف [حين](٥) ( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) .
وفي الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا قدم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مكة(٧) ، يوم افتتحها، فتح باب الكعبة، فأمر بصور في الكعبة فطمست(٨) ، فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ما ذا تقولون وما ذا تظنّون؟
قالوا: نظنّ خيرا [ونقول خيرا](٩) ، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.
فقال: فإنّي أقول، كما قال أخي يوسف:( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) . والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(١٠) : عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رفعه قال: كتب يعقوب النّبيّ إلى يوسف :
عن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن، إلى عزيز مصر: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت لم يزل البلاء سريعا إلينا، أبتلي جدّي، إبراهيم فالقي في النّار، ثمّ ابتلي أبي إسحاق الذّبيح، وكان لي ابن وكان قرّة عيني وكنت أسرّ به فابتليت بأن أكله الذّئب فذهب بصري حزنا عليه من البكاء، وكان له أخ وكنت أسرّ إليه بعده فأخذته في سرق، فإن رأيت أن تمنّ عليّ به فعلت.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٣، ح ٦٩.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٤ / ٢٢٥، ح ٣.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: بمكّة.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فطمثت.
(٩) من المصدر.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٢، ح ٦٨.
قال: فلمّا أوتي يوسف بالكتاب فتحه وقرأه فصاح، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه وبكى، ثمّ غسّل وجهه، ثمّ خرج إلى إخوته، ثمّ عاد فقرأه فصاح وبكى، ثمّ قام فدخل منزله فقرأه وبكى، ثمّ غسّل وجهه وعاد إلى إخوته، فقال( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) وأعطاهم قميصه، وهو قميص إبراهيم، وكان يعقوب بالرّملة(١) .
( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ) ، أي: ذا بصر.
( وَأْتُونِي ) : أنتم وأبي.
( بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٩٣) بنسائكم وذراريّكم ومواليكم.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٢) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر قال: فلمّا كان من أمر إخوة يوسف ما كان كتب يعقوب إلى يوسف ـ عليه السّلام ـ وهو لا يعلم أنّه يوسف :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم» من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى عزيز آل فرعون سلام عليك، فإنّي أحمد إليك الله أنّه لا إله إلّا هو: أمّا بعد، فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء، كان جدّي إبراهيم القي في النّار في طاعة ربّك فجعلها الله ـ عزّ وجلّ ـ بردا وسلاما، وأمر الله جدّي أن يذبح أبي ففداه بما فداه، وكان لي ابن فكان من أعزّ النّاس عليّ فقدته فأذهب حزني عليه نور بصري، وكان له أخ من أمّه فكنت إذا ذكرت المفقود ضممت أخاه هذا إلى صدري فأذهب عنّي بعض وجدي، وهو محبوس عندك في السّرقة، فإنّي أشهدك أنّي لم أسرق ولم ألد سارقا.
فلمّا قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي ) ـ إلى قوله ـ:( أَجْمَعِينَ ) .
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ) : من مصر، وخرجت من عمرانها.
( قالَ أَبُوهُمْ ) : لمن حضره.
( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) :
قيل(٣) : أوجده الله ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهودا من ثمانين
__________________
(١) قال الحمويّ: الرملة ـ واحدة الرّمل ـ: مدينة عظيمة بفلسطين، وكانت قصبتها قد خربت الآن، وكانت رباطا للمسلمين.
(٢) أمالي الطوسي ٢ / ٧١ ـ ٧٢.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٨.
فرسخا.
( لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) (٩٤): تنسبوني إلى الفند، وهو نقصان عقل يحدث من هرم، ولذلك لا يقال: عجوز مفنّدة، لأنّ نقصان عقلها ذاتيّ.
وجواب «لو لا» محذوف، وتقديره: لصدقتموني. أو لقلت: إنّه قريب.
( قالُوا ) ، أي: الحاضرون.
( تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) (٩٥): لفي ذهابك عن الصّواب قدما بالإفراط في محبّة يوسف، وإكثار ذكره، والتّوقّع للقائه.
( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ ) :
في كمال الدّين(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: هو يهودا.
نقل(٢) : أنّه قال: كما احزنته بحمل قميصه الملطّخ بالدّم إليه، فأفرحه بحمل هذا إليه.
( أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ ) : طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو يعقوب نفسه.
( فَارْتَدَّ بَصِيراً ) : عاد بصيرا لما انتعش فيه من القوّة(٣) .
( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٩٦): من حياة يوسف وإنزال الفرج.
وقيل(٤) :( إِنِّي أَعْلَمُ ) كلام مبتدأ، والمقول( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) ، أو «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ».
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن صفوان(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كتب عزيز مصر إلى يعقوب :
أمّا بعد، فهذا ابنك، يوسف اشتريته بثمن بخس دراهم معدودة واتّخذته عبدا، وهذا ابنك، ابن يامين [أخذته](٧) قد سرق واتّخذته(٨) عبدا.
__________________
(١) كمال الدين ١ / ١٤٢، ح ٩.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٨.
(٣) قوله: «لما انتعش فيه من القوّة» هذا ليس كما ينبغي، لأنّه لم تعد قوّة البصر إذا ذهبت بالكلّية بسبب قوّة البدن. والأولى أن يقال: إنّ هذا كان معجزة ليعقوب أو ليوسف.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٨.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٥، ح ٧٨.
(٦) المصدر: مقرن.
قال: فما ورد على يعقوب شيء أشدّ عليه من ذلك الكتاب، فقال للرّسول: قف مكانك حتّى أجيبه. فكتب إليه يعقوب :
أما بعد، فقد فهمت كتابك بأنّك أخذت ابني بثمن بخس واتّخذته عبدا، وأنّك اتخذت ابني، ابن يامين وقد سرق واتّخذته عبدا، فإنّا أهل بيت لا نسرق ولكنّا(١) أهل بيت نبتلى، وقد ابتلي أبونا بالنّار فوقاه الله، وابتلي أبونا إسحاق بالذّبح فوقاه الله، وإنّي قد ابتليت بذهاب بصري وذهاب ابني، وعسى الله أن يأتيني بهم جميعا.
قال: فلمّا ولّى الرّسول عنه رفع يده إلى السّماء، ثمّ قال: يا حسن الصّحبة، يا كريم المعونة، يا خير كلمة(٢) ، ائتني بروح [منك](٣) وفرج من عندك.
قال: فهبط عليه جبرئيل، فقال: يا يعقوب، ألّا أعلّمك دعوات يردّ الله عليك بها بصرك ويردّ عليك ابنيك؟
فقال له: بلى.
فقال: قل: يا من لا يعلم أحد كيف هو وحيث هو وقدرته إلّا هو، يا من سدّ الهواء بالسّماء وكبس الأرض على الماء واختار لنفسه أحسن الأسماء، ائتني بروح منك وفرج من عندك. فما انفجر عمود الصّبح حتّى اتي بالقميص وطرح على وجهه، فردّ الله عليه بصره، وردّ عليه ولده.
عن أبي بصير(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا ) الّذي بلّته دموع عيني( فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي ) يرتدّ( بَصِيراً ) لو قد شمّ ريحي( وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) ، وردّهم إلى يعقوب في ذلك اليوم وجهّزهم بجميع ما يحتاجون إليه فلما فصلت عيرهم عن مصر وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لمن بحضرته من ولده:( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) .
قال: وأقبل ولده يحثّون السّير بالقميص فرحا وسرورا بما رأوا من حال يوسف، والملك الّذي أعطاه الله، والعزّ الّذي صاروا إليه في سلطان يوسف. وكان مسيرهم من مصر إلى بدو يعقوب تسعة أيّام،( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ ) ألقى القميص( عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ
__________________
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأخذته.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولكن.
(٢) المصدر: يا خيرا كله.
(٣) من المصدر.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٦، ح ٧٩.
بَصِيراً )
وقال لهم: ما فعل ابن يامين؟
قالوا: خلّفناه عند أخيه صالحا.
قال: فحمد الله يعقوب عند ذلك، وسجد لربّه سجدات الشّكر، ورجع إليه بصره، وتقوّم له ظهره، وقال لولده: تحمّلوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم. فساروا إلى يوسف ومعهم يعقوب وخالة يوسف، ياميل، فأحثّوا السّير فرحا وسرورا، فساروا تسعة أيّام إلى مصر.
عن أخي(١) رزّام(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: وجد يعقوب ريح قميص إبراهيم، حين فصلت العير من مصر، وهو بفلسطين.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى مفضّل بن عمر: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: أتدري ما كان قميص يوسف ـ عليه السّلام ـ؟
قال: قلت: لا.
قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ لـمّا أوقدت له النّار نزل إليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بالقميص وألبسه إيّاه، فلم يضّرّ معه حرّ ولا برد. فلمّا حضرته الوفاة جعله في تميمة وعلّقه على إسحاق ـ عليه السّلام ـ، وعلّقه إسحاق ـ عليه السّلام ـ على يعقوب ـ عليه السّلام ـ. فلمّا ولد له يوسف ـ عليه السّلام ـ علّقه عليه، وكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان. فلمّا أخرجه يوسف ـ عليه السّلام ـ بمصر من تميمته وجد يعقوب ـ عليه السّلام ـ ريحه، وهو قوله ـ عزّ وجلّ ـ حكاية عنه: «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ». فهو ذلك القميص الّذي انزل من الجنّة.
قلت: جعلت فداك، فإلى من صار هذا القميص؟
قال: إلى أهله [ثمّ يكون مع قائمنا ـ صلوات الله عليه ـ إذا خرج](٤) .
ثمّ قال: كلّ نبيّ ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد وآله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٣، ح ٧٠.
(٢) المصدر: مرازم، وقال في هامش نور الثقلين ٣ / ٤٦٣: لم أظفر عليه باختلافه في كتب الرجال، فلعلّها تصحيف «أخو دارم»، وهو محمّد بن عبد الله القلاعيّ.
(٣) كمال الدين ١ / ١٤٢، ح ١٠.
(٤) ليس في المصدرين.
وفي الكافي(١) ، مثله سواء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) ، بعد المساواة فيما ذكر: وكان يعقوب بفلسطين، وفصلت العير من مصر، فوجد يعقوب ريحه وهو من ذلك القميص الّذي نزل من الجنّة، ونحن ورثته.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع(٤) ، رفعه بإسناده له قال: إنّ يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشرة ليال(٥) ، وكان يعقوب ببيت المقدس ويوسف بمصر، وهو القميص الّذي نزل إلى إبراهيم من الجنّة، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، ودفعه يعقوب إلى يوسف ـ عليه السّلام ـ.
وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى إبراهيم بن أبي البلاد: عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان القميص الّذي نزل على إبراهيم من الجنّة في قصبة من فضّة، وكان إذا لبس كان واسعا كبيرا. فلمّا فصلوا، ويعقوب بالرّملة ويوسف بمصر، قال يعقوب:( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) ، يعني: ريح الجنّة حين فصلوا بالقميص، لأنّه كان من الجنّة.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) : وروي أنّ القائم ـ عليه السّلام ـ: إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى وخاتم سليمان.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن نشيط بن صالح البجليّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أكان إخوة يوسف ـ صلوات الله عليه ـ أنبياء؟
قال: لا، ولا بررة أتقياء، كيف وهم يقولون لأبيهم:( تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) ؟
عن نشيط(٩) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.
عن سليمان بن عبد الله الطّلحيّ(١٠) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما
__________________
(١) الكافي ١ / ٢٣٢، ح ٥.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٥٥.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٤، ح ٧٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي ب: يوشع، وفي سائر النسخ: يوسع.
(٥) ب: أيام.
(٦) العلل ١ / ٥٣، ح ١.
(٧) كمال الدين ١ / ١٤٣.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٤، ح ٧٤.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٤، ح ٧٥.
(١٠) نفس المصدر والموضع.
حال بني يعقوب، هل خرجوا من الإيمان؟
فقال: نعم.
قلت: فما تقول في آدم؟
قال: دع آدم.
( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ) (٩٧): ومن حقّ المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة.
( قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٩٨): أخّره إلى السّحر.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى إسماعيل بن الفضل الهاشميّ قال: قلت لجعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ: أخبرني عن يعقوب ـ عليه السّلام ـ لـمّا قال له بنوه:( يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ، قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) فأخّر الاستغفار لهم، ويوسف ـ عليه السّلام ـ لـمّا قالوا له( تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ، قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) .
قال: لأنّ قلب الشّابّ أرقّ من قلب الشّيخ، وكان جناية ولد يعقوب على يوسف وجنايتهم على يعقوب إنّما كانت بجنايتهم على يوسف، فبادر يوسف إلى العفو عن حقّه، وأخّر يعقوب العفو لأنّ عفوه إنّما كان عن حقّ غيره، فأخّرهم إلى السّحر ليلة الجمعة.
وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن المفضّل بن أبي قرّة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خير وقت دعوتم الله فيه الأسحار. وتلا هذه الآية في قول يعقوب ـ عليه السّلام ـ:( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) وقال: أخّرهم إلى السّحر.
وفيمن لا يحضره الفقيه(٣) : وروى محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ) ، فقال: أخّرهم إلى السّحر، قال: يا ربّ، إنّما
__________________
(١) العلل ١ / ٥٤، ح ١.
(٢) الكافي ٢ / ٤٧٧، ح ٦.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٦ ح ٨١ والفقيه ١ / ٢٧٢، ح ١٢٤٠ بتفاوت يسير.
ذنبهم فيما بيني وبينهم.
فأوحى الله: إنّي قد غفرت لهم.
وفي روضة الكافي(١) : عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: ما كان أولاد يعقوب أنبياء؟
قال: لا، ولكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقوا(٢) الدّنيا إلّا سعداء، تابوا وتذكّروا ما صنعوا، وأنّ الشّيخين فارقا الدّنيا ولم يكن(٣) يتوبا ولم يذكرا(٤) ما صنعا بأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فعليهما لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.
( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ) :
نقل(٥) : أنّه وجّه إليه رواحل وأموالا ليتجهّز إليه بمن معه، واستقبله يوسف والملك بأهل مصر، وكان أولاده الّذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ ستّمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا سوى الذّرّيّة والهرمى.
( آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ) : ضمّ إليه أباه وأمّه راحيل، كما مضى عن الباقر ـ عليه السّلام ـ في تأويل رؤياه.
أو أباه وخالته ياميل، لما سبق في رواية العيّاشي(٦) ، أنّها هي الّتي صارت معهم إلى مصر، ولما يأتي في روايته: أنّه رفع أباه وخالته على سرير الملك. فإن صحّت هذه الرّواية فلعلّه نزّلها منزلة الأمّ تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله ـ تعالى ـ:( وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ ) (٧) . أو لأنّ يعقوب ـ عليه السّلام ـ تزوّجها بعد أمّه وربّته، والرّابّة تدعى: أمّا.
( وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) (٩٩): من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلّقة بالدّخول المكيّف بالأمن، والدّخول الأوّل كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٤٦، ح ٣٤٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفارق.
(٣) ليس في المصدر: يكن.
(٤) المصدر: لم يتذكّرا.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٨.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٦، ح ٧٩.
(٧) البقرة / ١٣٣.
وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن مروك(٢) بن عبيد، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ يوسف لـمّا قدم عليه الشّيخ يعقوب ـ عليه السّلام ـ دخله عزّ الملك، فلم ينزل إليه، فهبط جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال: يا يوسف، ابسط راحتك. فخرج منها نور ساطع، فصار في جوّ السّماء.
فقال يوسف ـ عليه السّلام ـ: يا جبرئيل، ما هذا النّور الّذي خرج من راحتي؟
فقال: نزعت النّبوّة من عقبك عقوبة لـمّا لم تنزل إلى الشّيخ يعقوب، فلا يكون من عقبك نبيّ.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى يعقوب بن يزيد: عن غير واحد رفعوه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا تلقّى يوسف يعقوب ترجّل له يعقوب ولم يترجّل له يوسف، فلم ينفصلا من العناق حتّى أتاه جبرئيل فقال له: يا يوسف، ترجّل لك الصّدّيق ولم تترجّل له ابسط يدك. فبسطها، فخرج نور من راحته.
فقال له يوسف: ما هذا؟
قال: [هذا آية](٤) لا يخرج من عقبك نبيّ عقوبة.
وبإسناده إلى هشام بن سالم(٥) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف ـ عليه السّلام ـ ليستقبله. فلمّا رآه يوسف همّ بأن يترجّل ليعقوب، ثمّ نظر إلى ما هو فيه من الملك، فلم يفعل. فلمّا سلّم على يعقوب نزل عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له: يا يوسف، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول لك: ما منعك أن تنزل إلى عبدي الصّالح إلّا ما أنت فيه، ابسط يدك. فبسطها فخرج من بين أصابعه نور.
فقال له: ما هذا، يا جبرئيل؟
فقال: هذا آية(٦) لا يخرج من صلبك نبيّ أبدا، عقوبة لك بما صنعت بيعقوب إذ لم تنزل إليه.
__________________
(١) الكافي ٢ / ٣١١، ح ١٥.
(٢) كذا في المصدر. وجامع الرواة ٢ / ٢٢٦. وفي النسخ: مروان.
(٣) العلل ١ / ٥٥، ح ١.
(٤) من المصدر.
(٥) العلل / ٥٥، ح ٢.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «إنّه» بدل «هذا آية».
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن الحسن بن أسباط قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ: في كم دخل يعقوب من ولده على يوسف؟
قال: في أحد عشر ابنا.
فقيل له: أسباط؟
قال: نعم.
وسألته عن يوسف وأخيه: أكان أخاه لأمّه أم ابن خالته؟
فقال: ابن خالته.
( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) :
قيل(٢) : تحية وتكرمة له، فإنّ السّجود كان عندهم يجري مجراها. والحقّ أنّ معناه: خرّوا لأجله سجّدا، لله شكرا.
وقيل(٣) : الضّمير لله، والواو لأبويه وإخوته. والرّفع مؤخّر عن الخرور، وإن قدّم لفظا للاهتمام بذكره(٤) بتعظيمه لهما.
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) قال: العرش السّرير.
وفي قوله:( خَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) قال: كان سجودهم ذلك عبادة لله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّا دخلوا عليه سجدوا شكرا لله وحده حين نظروا إليه، وكان ذلك السّجود لله.
وعن الهادي(٧) ـ عليه السّلام ـ وقد سئل عن سجود يعقوب وولده ليوسف، وهم أنبياء: أمّا سجود يعقوب وولده فإنّه لم يكن ليوسف، وإنّما كان من يعقوب وولده طاعة لله وتحيّة ليوسف، كما كان السّجود من الملائكة لآدم وإنّما كان ذلك منهم طاعة لله وتحيّة لآدم، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله لاجتماع شملهم، ألم تر أنّه يقول في شكره ذلك الوقت:( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ) (الآية)؟
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٧، ح ٨٤.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٨.
(٣) نفس المصدر والمجلّد / ٥٠٩.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٧، ح ٨٥.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٣٩.
(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٥٦.
وفي الجوامع(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: «وخرّوا لله ساجدين».
( وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ) : رأيتها أيّام الصّبا.
( قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) : صدقا.
في تفسير العيّاشي(٢) : وعن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: فلمّا دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه [فقبله](٣) وبكى، [ورفعه](٤) ورفع خالته على سرير الملك، ثمّ دخل منزله فادّهن واكتحل ولبس ثياب العزّ والملك، ثمّ خرج إليهم. فلمّا رأوه سجدوا [جميعا](٥) له، إعظاما له، وشكرا لله. فعند ذلك قال:( يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ) .
قال: ولم يكن يوسف في تلك العشرين [سنة](٦) يدّهن، ولا يكتحل، ولا يتطيّب، ولا يضحك، ولا يمسّ النّساء حتّى جمع الله ليعقوب شمله، وجمع بينه وبين يعقوب وإخوته.
وفي مجمع البيان(٧) : عنه ـ عليه السّلام ـ مثله.
ولعلّ المراد بنفي مسّه النّساء: عدم مسهنّ للالتذاذ والشّهوة، فلا ينافي ما سبق أنّه كان له ابن يلعب برمّانة بين يديه حين خاصم أخوه في أخيه، فلعلّه إنّما مسهنّ لتثقيل الأرض بتسبيح الولد، كما مضى في اعتذار أخيه في مثله.
( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ) : لعلّه لم يذكر الجبّ لئلّا يكون تثريبا عليهم.
( وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ) : من البادية، لأنّهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو.
( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) : أفسد بيننا وحرّش. من نزغ الرّائض الدّابّة: إذا نخسها وحملها على الجري.
( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ) : لطيف التّدبير له، إذ ما من صعب إلّا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهّل دونها.
( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) : بوجوه المصالح والتّدبير.
__________________
(١) الجوامع / ٢٢٤.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٧، ح ٨٣.
(٣ و ٤ و ٥ و ٦) من المصدر.
(٧) المجمع ٣ / ٢٦٤.
( الْحَكِيمُ ) (١٠٠): الّذي يفعل كلّ شيء في وقته، وعلى وجه تقتضيه الحكمة.
نقل(١) : أنّ يوسف ـ عليه السّلام ـ طاف بأبيه في خزائنه، فلمّا أدخله خزينة القراطيس(٢) قال: يا بنيّ، ما أعقّك، عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل! قال: أمرني جبرئيل ـ عليه السّلام ـ.
فقال: أو ما تسأله؟
قال: أنت أبسط منّي إليه، فاسأله.
قال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله أمرني بذلك، لقولك:( وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) قال ـ تعالى ـ: فهلّا خفتني.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني محمّد بن عيسى، أنّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ.
وأجابها ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: فنزل عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فقال له: يا يوسف، اخرج يدك. فأخرجها، فخرج من بين أصابعه نور.
فقال يوسف: ما هذا، يا جبرئيل؟
فقال: هذه النّبوّة أخرجها الله من صلبك، لأنّك لم تقم إلى أبيك.
فحطّ الله نوره، ومحى النّبوّة من صلبه وجعلها في ولد لاوي، أخي يوسف، وذلك لأنّهم لـمّا أرادوا قتل يوسف قال:( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) فشكره الله على ذلك، ولـمّا أرادوا أن يرجعوا إلى أبيهم من مصر، وقد حبس يوسف أخاه، قال:( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) فشكر الله له ذلك. فكان أنبياء بني إسرائيل من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ [عليه السّلام ـ، وكان موسى من ولد لاوي(٤) ، وهو موسى بن عمران بن يهصر بن واهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ـ عليه](٥) السّلام ـ.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٠٩.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: القرطاس.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٦ ـ ٣٥٧.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: من ولده.
(٥) ليس في ب.
فقال يعقوب لابنه: يا بني، أخبرني ما فعل بك إخوتك حين أخرجوك من عندي؟
قال: يا أبت، أعفني من ذلك.
قال: فأخبرني ببعضه.
قال: إنّهم لـمّا أدنوني من الجبّ، قالوا: انزع القميص(١) .
فقلت لهم: يا إخوتي، اتّقوا الله ولا تجرّدوني.
فسلّوا عليّ السّكين، وقالوا: لئن لم تنزع لنذبحنّك. فنزعت القميص وألقوني في الجبّ عريانا.
قال: فشهق يعقوب شهقة واغمي عليه، فلمّا أفاق قال: يا بنيّ، حدثني.
قال: يا أبت، أسألك بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلّا أعفيتني، فأعفاه.
والحديث طويل يذكر تتمّته.
وفي مجمع البيان(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ ما في معناه.
وفي مجمع البيان(٤) : وروي أنّ يوسف قال ليعقوب: لا تسألني عن صنيع إخوتي، واسأل عن صنيع الله بي.
( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ) : بعض الملك، وهو ملك مصر.
وفي الكافي(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في حديث يذكر فيه يوسف ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله لم يبعث أنبياء ملوكا في الأرض إلّا أربعة.
... إلى أن قال: وأمّا يوسف فملك مصر وبراريّها، ولم يتجاوزها إلى غيرها.
وفي الكافي(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في حديث يذكر فيه يوسف، وفيه: فكان من أمره الّذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن.
وفي كتاب الخصال(٧) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله لم يبعث الأنبياء ملوكا
__________________
(١) المصدر: قميصك.
(٢) المجمع ٣ / ٢٦٥.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٨، ح ٨٦.
(٤) المجمع ٣ / ٢٦٥.
(٥) بل في الخصال ١ / ٢٤٨، ح ١١٠. وتفسير نور الثقلين ٢ / ٤٧٣، ح ٢٢٢ عنه.
(٦) الكافي ٥ / ٧٠، ح ١.
(٧) الخصال ١ / ٢٤٨، ح ١١٠.
في الأرض إلّا أربعة.
... إلى أن قال: وأمّا يوسف فملك مصر وبراريّها، ولم يتجاوزها إلى غيرها.
( وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) : الكتب. أو الرّؤيا.
و «من» ـ أيضا ـ للتّبعيض، لأنّه لم يؤت كلّ التّأويل.
وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ يهوديا من يهود الشّام وأحبارهم [جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفيهم عليّ](٢) قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فإنّ هذا يوسف قاسى(٣) مرارة الفرقة، وحبس في السّجن توقّيا للمعصية، وألقي في الجبّ وحيدا.
فقال له عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ قاسى مرارة الغربة وفراق الأهل والأولاد والمال، مهاجرا(٤) من حرم الله ـ تعالى ـ وأمنه. فلمّا رأى الله ـ عزّ وجلّ ـ كآبته(٥) واستشعاره الحزن أراه ـ تبارك وتعالى ـ رؤيا توازي رؤيا يوسف في تأويلها، وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال:( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ ) (٦) .
ولئن كان يوسف حبس في السّجن، فلقد حبس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نفسه في الشّعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذووا الرّحم وألجأوه إلى أضيق(٧) المضيق، ولقد كادهم الله ـ عزّ وجلّ ـ كيدا مستبينا إذ بعث أضعف خلقه فأكد عهدهم الّذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه(٨) .
ولئن كان يوسف القي في الجبّ، فلقد حبس محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ نفسه مخافة عدوّه في الغار حتّى قال لصاحبه:( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) (٩) ومدحه الله بذلك في كتابه.
__________________
(١) الاحتجاج ١ / ٣١٤ ـ ٣٢٠.
(٢) من المصدر.
(٣) قاسى: تحمّل.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فهاجر.
(٥) الكآبة: الغمّ والحزن.
(٦) الفتح / ٢٧.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الضيق.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «قطيعته» بدل «قطيعة رحمه».
(٩) التوبة / ٤٠.
وفي روضة الكافي(١) : عليّ، عن أبيه، عن الحسن بن عليّ، عن أبي جعفر الصّائغ، عن محمّد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة.
فقال له: يا ابن مسلم، هاتها، فإنّ العالم بها جالس ـ وأومأ بيده إلى أبي حنيفة ـ.
قال: فقلت: رأيت كأنّي دخلت داري، وإذا أهلي قد خرجت عليّ، فكسرت جوزا كثيرا ونثرته عليّ، فتعجّبت من هذه الرّؤيا.
فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتجادل لئاما في مواريث أهلك، فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها ـ إن شاء الله تعالى ـ.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أصبت، والله، يا أبا حنيفة.
قال: ثمّ خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك، إنّي كرهت تعبير هذا النّاصب.
فقال: يا ابن مسلم، لا يسوؤك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التّعبير كما عبّره.
قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: «أصبت» وتحلف عليه وهو مخطئ؟
قال: نعم، حلفت عليه أنّه أصاب(٢) الخطأ.
قال: قلت: فما تأويلها؟
قال: يا ابن مسلم، إنّك تتمتّع بامرأة فتعلم بها أهلك فتمزّق عليك(٣) ثيابا جددا، فإن القشر كسوة اللّبّ.
قال ابن مسلم: فو الله، ما كان بين تعبيره وتصحيح الرّؤيا إلّا صبيحة الجمعة، فلمّا كان غداة الجمعة أنا جالس بالباب إذ مرّت بي جارية فأعجبتني، فأمرت غلامي فردّها ثمّ أدخلها داري، فتمتّعت بها، فأحسّت بي وعلمت بها أهلي، فدخلت علينا البيت فبادرت الجارية نحو الباب وبقيت أنا، فمزّقت عليّ ثيابا [جددا](٤) كنت ألبسها في الأعياد.
__________________
(١) الكافي ٨ / ٢٩٢، ح ٤٤٧.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «أنّه صاحب» بدل «عليه أنّه أصاب».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فتخرق عليها».
(٤) كذا في المصدر.
وجاء موسى الزّوّار العطّار إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال له: يا ابن رسول الله، رأيت رؤيا هالتني، رأيت صهرا لي ميّتا وقد عانقني، وقد خفت أن يكون الأجل قد اقترب.
فقال: يا موسى، توقّع الموت صباحا ومساء فإنّه ملاقينا، ومعانقة الأموات للأحياء أطول لأعمارهم، فما كان اسم صهرك؟
قال: حسين.
فقال: أمّا إنّ(١) رؤياك تدلّ على بقائك وزيارتك أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فإنّ كلّ من عانق سمّي الحسين ـ عليه السّلام ـ يزوره ـ إن شاء الله ـ.
( فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : مبدعهما.
وانتصابه على أنّه صفة المنادى، أو منادى برأسه.
( أَنْتَ وَلِيِّي ) : ناصري، أو متولّي أمري.
( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) : أو الّذي يتولّاني بالنّعمة فيهما.
( تَوَفَّنِي مُسْلِماً ) : اقبضني مسلما.
( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (١٠١): من آبائي. أو بعامّة الصّالحين في الرّتبة والكرامة.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبّاس بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: بينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالس في أهل بيته إذ قال: أحبّ يوسف أن يستوثق(٣) لنفسه.
قال: فقيل: بماذا، يا رسول الله؟
قال: لـمّا عزل(٤) له عزيز مصر [عن مصر](٥) ، لبس ثوبين جديدين، أو قال: نظيفين، وخرج إلى فلاة من الأرض، فصلّى ركعات. فلمّا فرغ رفع رأسه إلى السّماء، فقال: يا(٦) ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنّك.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٩، ح ٨٩.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدعون.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عجل.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
قال: فهبط إليه جبرئيل فقال له: [يا يوسف](١) ما حاجتك؟
فقال:( تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) .
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: خشي الفتن(٢) .
وفي كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) : عن الصّادق، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: عاش يعقوب بن إسحاق مائة وأربعين سنة، وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة.
وفي مجمع البيان(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: دخل يوسف السّجن وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومكث فيه ثماني عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة وعشر سنين.
وعن الباقر(٥) ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل: كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر؟
قال: عاش حولين.
قيل: فمن كان الحجّة لله في الأرض، يعقوب أم يوسف؟
قال: كان يعقوب [الحجّة](٦) ، وكان الملك ليوسف. فلمّا مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشّام، فدفنه(٧) في بيت المقدس، فكان يوسف بعد يعقوب الحجّة.
قيل(٨) : فكان يوسف رسولا نبيّا؟
قال: نعم، أما تسمع قوله:( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٩) : عنه ـ عليه السّلام ـ ما يقرب منه.
وفي من لا يحضره الفقيه(١٠) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إلى موسى بن عمران: أن أخرج عظام يوسف ـ عليه السّلام ـ من مصر. ووعده طلوع
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: العين.
(٣) كمال الدين ٢ / ٥٢٣، ح ١.
(٤) المجمع ٣ / ٢٦٦.
(٥) المجمع ٣ / ٢٦٦.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فدفن.
(٨) المصدر: قلت.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٨، ح ٨٧.
(١٠) الفقيه ١ / ١٢٣.
القمر(١) ، فأبطأ [طلوع](٢) القمر [عليه](٣) ، فسأل عمّن يعلم موضعه، فقيل له: ها هنا عجوز تعلم [علمه](٤) . فبعث إليها، فاتي بعجوز مقعدة عمياء.
فقال: تعرفين قبر يوسف ـ عليه السّلام ـ؟
قالت: نعم.
قال: فأخبريني بموضعه.
فقالت: لا أفعل حتّى تعطيني خصالا، تطلق رجلي، وتعيد إليّ بصري، وتردّ إليّ شبابي، وتجعلني معك في الجنّة.
فكبر ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: إنّما تعطي عليّ، فأعطها ما سألت. ففعل، فدلّته على قبر يوسف ـ عليه السّلام ـ واستخرجته من شاطئ النّيل في صندوق مرمر. فلمّا أخرجه طلع القمر، فحمله إلى الشّام، فلذلك يحمل أهل الكتاب موتاهم إلى الشّام. وهو يوسف بن يعقوب ـ عليه السّلام ـ وما ذكر الله ـ عزّ وجلّ ـ في القرآن غيره.
وفي روضة الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد(٦) الكنّاسيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان نزل على رجل بالطّائف قبل الإسلام، فأكرمه. فلمّا أن بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى النّاس قيل للرّجل: أتدري من الّذي أرسله الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى النّاس؟
قال: لا.
قالوا: هو محمّد بن عبد الله، يتيم أبي طالب، وهو الّذي كان نزل [بك](٧) بالطّائف يوم كذا وكذا، فأكرمته.
قال: فقدم الرّجل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسلّم عليه وأسلم، ثمّ قال له: تعرفني، يا رسول الله؟
قال: ومن أنت؟
قال: أنا ربّ المنزل الّذي نزلت به بالطّائف في الجاهليّة يوم كذا وكذا ،
__________________
(١) ليس في أ.
(٢ و ٣ و ٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٨ / ١٥٥، ح ١٤٤.
(٦) المصدر: يزيد.
(٧) من المصدر.
فأكرمتك.
فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: مرحبا بك، سل حاجتك.
فقال: أسألك مائتي شاة برعاتها.
فأمر له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بما سأل، ثمّ قال لأصحابه: ما كان على هذا الرّجل أن يسألني سؤال عجوز بني إسرائيل لموسى؟
فقالوا: وما سألت عجوز بني إسرائيل لموسى؟
فقال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إلى موسى: أن أحمل عظام يوسف من مصر من قبل أن تخرج منها إلى الأرض المقدّسة بالشّام. فسأل موسى عن قبر يوسف ـ عليه السّلام ـ فجاءه شيخ فقال: إن كان أحد يعرف قبره ففلانة. فأرسل موسى ـ عليه السّلام ـ إليها، فلمّا جاءته قال: تعلمين موضع قبر يوسف ـ عليه السّلام ـ؟
قالت: نعم.
قال: فدلّيني عليه، ولك ما سألت.
قالت: لا أدلّك عليه إلّا بحكمي.
قال: فلك الجنّة.
قالت: لا، إلّا بحكمي عليك.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى موسى: لا يكبر عليك أن تجعل لها حكمها.
فقال موسى: فلك حكمك.
قالت: فإنّ حكمي أن أكون معك في درجتك الّتي تكون فيها يوم القيامة في الجنّة.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما كان على هذا لو سألني ما سألت عجوز بني إسرائيل.
وفي كتاب علل الشّرائع(١) ، بإسناده إلى عبد الله بن المغيرة: عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: استأذنت زليخا على يوسف.
فقيل لها: إنا نكره أن نقدم بك عليه، لما كان منك إليه.
قالت: إنّي لا أخاف من يخاف الله.
__________________
(١) العلل ١ / ٥٥، ح ١.
فلمّا دخلت قال لها: يا زليخا، ما لي أراك قد تغيّر لونك؟
قالت: الحمد لله الّذي جعل الملوك بمعصيتهم عبيدا، وجعل العبيد بطاعتهم ملوكا.
فقال لها: ما الّذي دعاك [يا زليخا](١) إلى ما كان منك؟
قالت: حسن وجهك، يا يوسف.
فقال: كيف لو رأيت نبيّا يقال له: محمّد، يكون(٢) في آخر الزّمان، أحسن منّي وجها، وأحسن منّي خلقا، وأسمح منّي كفّا؟
قالت: صدقت.
قال: وكيف علمت أنّي صدقت؟
قالت: لأنّك حين ذكرته وقع حبّه في قلبي.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى يوسف: أنّها قد صدّقت، وأنّي قد أحببتها لحبّها محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأمره الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يتزوّجها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني محمّد بن عيسى، أنّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن، فكانت إحداها(٤) : أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) . وقد سبق أكثر الحديث عند هذه الآية، ويتّصل بآخر ما سبق قال: ولـمّا مات العزيز(٥) في السّنين المجدبة افتقرت امرأة العزيز، واحتاجت حتّى سألت [النّاس](٦) .
فقالوا لها(٧) : لو قعدت للعزيز. وكان يوسف سمّي بالعزيز، وكلّ ملك كان لهم سمّي بهذا الاسم.
فقالت: أستحيي منه. فلم يزالوا بها حتّى قعدت له [على الطريق](٨) فأقبل يوسف في موكبه، فقامت إليه فقالت: سبحان الّذي(٩) جعل الملوك بالمعصية عبيدا ،
__________________
(١) من المصدر.
(٢) ليس في أ، ب.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٧.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وكان أحدها.
(٥) المصدر: زيادة «وذلك».
(٦) من المصدر.
(٧) المصدر: «ما يضرّك» بدل «لها».
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: من.
وجعل العبيد بالطّاعة ملوكا.
فقال لها يوسف: أنت هاتيك(١) ؟
فقالت: نعم. وكان اسمها زليخا.
قال: هل لك فيّ؟
قالت: دعني بعد ما كبرت، أتهزأ بي؟
قال: لا.
قالت: نعم.
فأمر بها فحوّلت إلى منزله، وكانت هرمة، فقال لها: ألست فعلت بي كذا وكذا؟
فقالت: يا نبيّ الله، لا تلمني، فإنّي بليت ببليّة لم يبتل بها أحد.
قال: وما هي؟
قالت: بليت بحبّك ولم يخلق الله لك في الدّنيا نظيرا، وبليت [بحسني](٢) بأنّه لم يكن بمصر امرأة أجمل منّي ولا أكثر مالا منّي نزع عنّي مالي وذهب عنّي جمالي(٣) ، وبليت بزوج عنّين.
فقال لها يوسف: فما حاجتك(٤) ؟
فقالت: تسأل الله أن يردّ عليّ شبابي. فسأل الله، فردّ عليها شبابها، فتزوّجها وهي بكر.
وفي أمالي شيخ الطّائفة(٥) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى أبي جعفر، محمّد بن عليّ الباقر ـ عليهما السّلام ـ قال: لـمّا أصابت امرأة العزيز الحاجة، قيل لها: لو أتيت يوسف بن يعقوب ـ عليهما السّلام ـ.
فشاورت في ذلك، فقيل لها: إنّا نخافه عليك.
قالت: كلّا، إنّي لا أخاف من يخاف الله. فلمّا ادخلت(٦) عليه، فرأته في ملكه
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: مليك.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فنزعا منّي» بدل «نزع عنّي مالي وذهب عنّي جمالي».
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: تريدين.
(٥) أمالي الطوسي ٢ / ٧١ ـ ٧٢.
(٦) أ، ب: دخلت.
قالت: الحمد لله الّذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، وجعل الملوك عبيدا بمعصيته. فتزوّجها، فوجدها بكرا.
فقال: أليس هذا أحسن، أليس هذا أجمل؟
فقالت: إنّي كنت بليت منك بأربع خصال: كنت أجمل أهل زماني، وكنت أجمل أهل زمانك، وكنت بكرا، وكان زوجي عنّينا.
( ذلِكَ ) : إشارة إلى ما ذكر من أنباء يوسف، والخطاب فيه للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو مبتدأ( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) خبران له.
( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) (١٠٢)، كالدّليل عليها.
والمعنى: أنّ هذا النّبأ غيب لم تعرفه إلّا بالوحي، لأنّك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما همّوا به، من أن يجعلوه في غيابة الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم. ومن المعلوم الّذي لا يخفى على مكذّبيك، أنّك ما لقيت أحدا سمع ذلك فتعلّمته منه. وإنّما حذف هذا الشّقّ استغناء بذكره في غير هذه القصّة، كقوله:( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) .
( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ ) : على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم.
( بِمُؤْمِنِينَ ) (١٠٣): لعنادهم وتصميمهم على الكفر.
( وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ ) : على الأنباء والقرآن.
( مِنْ أَجْرٍ ) : جعل، كما يفعله حملة الأخبار.
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) : عظة من الله.
( لِلْعالَمِينَ ) (١٠٤): عامّة.
( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ) : وكم من آية(١) .
والمعنى: وكأيّ عدد من الدّلائل الدّالة على وجود الصّانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده.
( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها ) : على الآيات ويشاهدونها.
( وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) (١٠٥): لا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.
__________________
(١) ليس في أ، ب، ر: وكم من آية.
وقرئ(١) : «والأرض» بالرّفع، على أنّه مبتدأ خبره «يمرّون»، فيكون لها الضّمير في «عليها». وبالنّصب، على ويطئون الأرض.
وقرئ(٢) : «والأرض يمشون عليها»، أي: يتردّدون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: «الآيات» الكسوف والزّلزلة والصّواعق.
( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ ) ، أي: في إقرارهم بوجوده وخالقيّته.
( إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (١٠٦) :
في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن الفضيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: شرك طاعة وليس شرك عبادة، والمعاصي الّتي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشّيطان فأشركوا بالله في الطّاعة لغيره، وليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير الله.
وفي كتاب التّوحيد(٥) ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: وله(٦) الأسماء الحسنى الّتي لا يسمّى بها غيره، وهي الّتي وصفها في الكتاب فقال:( فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) جهلا بغير علم. فالّذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظنّ أنّه يحسن، فلذلك قال:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) فهم الّذين يلحدون في أسمائه بغير علم ويضعونها غير مواضعها.
وفي أصول الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن سماعة، عن أبي بصير وإسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ ـ إلى قوله ـمُشْرِكُونَ ) .
قال: يتبع الشّيطان من حيث لا يعلم فيشرك.
عليّ بن إبراهيم(٨) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس [عن](٩) ابن بكير، عن ضريس، عن أبي عبد الله ـ (عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ ) (الآية) قال: [شرك طاعة وليس شرك عبادة](١٠) .
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥١٠.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٨.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٥٨.
(٥) التوحيد / ٣٢٤، ح ١.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأمّا.
(٧) الكافي ٢ / ٣٩٧، ح ٣.
[عن زرارة(١) ، قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) قال :](٢) من ذلك قول الرّجل: لا، وحياتك.
عن محمّد بن الفضيل(٣) ، عن الرّضا ـ)(٤) عليه السّلام ـ قال: شرك لا يبلغ به الكفر.
أبو بصير(٥) ، عن أبي إسحاق قال: هو قول الرّجل: لو لا الله وأنت ما فعل بي كذا وكذا، ولو لا الله وأنت ما صرف عنّي كذا وكذا، وأشباه ذلك.
عن مالك بن عطيّة(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَما يُؤْمِنُ ـ إلى قوله ـوَهُمْ مُشْرِكُونَ ) قال: هو الرّجل يقول: لو لا فلان لهلكت، ولو لا فلان لأصبت كذا وكذا، ولو لا فلان لضاع عيالي. ألا ترى أنّه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟
قال: قلت: فيقول: لو لا أن منّ الله عليّ بفلان لهلكت؟
قال: نعم، لا بأس بهذا.
عن زرارة(٧) وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالوا: سألناهما.
فقالا: شرك النّعم.
وفي مجمع البيان(٨) : اختلف في معناه على أقوال :
أحدها: أنّهم مشركوا قريش، كانوا يقرّون بالله خالقا ومحييا ومميتا ويعبدون الأصنام ويدعونها آلهة، مع أنّهم كانوا يقولون: الله ربّنا وإلهنا يرزقنا، وكانوا مشركين بذلك.
وثانيها: أنّها نزلت في مشركي العرب، إذ سئلوا: من خلق السّماوات والأرض وينزّل القطر(٩) ؟ قالوا: الله، ثمّ هم يشركون. وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك
__________________
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٤.
(٩ و ١٠) من المصدر.
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٩٩، ح ٩٠.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٩٢.
(٤) ما بين القوسين ليس في ب.
(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٩٤.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٠، ح ٩٦.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٠، ح ٩٦.
(٨) المجمع ٣ / ٢٦٧ ـ ٢٦٨.
(٩) أ، ب: المطر.
لك، إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك.
وثالثها: أنّهم أهل الكتاب، آمنوا بالله واليوم الآخر والتّوراة والإنجيل، ثمّ أشركوا بإنكار القرآن وإنكار نبوّة نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. [عن الحسن](١) . وهذا القول مع ما تقدّمه رواه دارم بن قبيصة، عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
ورابعها: أنّهم المنافقون، يظهرون الإيمان ويشركون في السّرّ.
وخامسها: أنّهم المشبّهة، آمنوا في الجملة وأشركوا في التّوحيد.
وسادسها: أنّ المراد بالإشراك: شرك الطّاعة لا [شرك](٢) العبادة. عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.
( أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ ) : عقوبة تغشاهم وتشملهم.
( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) : فجأة من غير سابقة علامة.
( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (١٠٧): بإتيانها، غير مستعدّين لها.
( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ) ، يعني: الدّعوة إلى التّوحيد، والإعداد للمعاد. ولذلك فسّر السّبيل بقوله:( أَدْعُوا إِلَى اللهِ ) .
وقيل(٣) : هو حال من الياء(٤) .
( عَلى بَصِيرَةٍ ) : بيان وحجّة واضحة، غير عمياء( أَنَا ) : تأكيد للمستتر في «أدعو» أو «على بصيرة»(٥) ، لأنّه حال منه. أو مبتدأ خبره «على بصيرة».
( وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) : عطف عليه.
وفي أصول الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: ذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٠.
(٤) أي ياء المتكلّم الّذي يضاف إليه «سبيل». ولعلّه باعتبار أنه مفعول مصدر مقدّر، أي: سبيل سلوك.
(٥) لأنّ تقديره: أدعو كائنا على بصيرة فيكون فاعل الظرف ضمير المتكلّم المستقرّ.
(٦) الكافي ١ / ٤٢٥، ح ٦٦.
وآله ـ وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ والأوصياء من بعدهم.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه قال: قال عليّ بن حسّان لأبي جعفر الجواد: يا سيّدي، إنّ النّاس ينكرون عليك حداثة سنّك.
قال: وما ينكرون؟ ذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ، لقد قال لنبيّه:( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ) (الآية) فو الله ما تبعه إلّا عليّ ـ عليه السّلام ـ وله تسع سنين، فأنا ابن تسع سنين.
وفي روضة الواعظين(٢) : قال الباقر ـ عليه السّلام ـ:( قُلْ هذِهِ ـ إلى قوله ـوَمَنِ اتَّبَعَنِي ) قال: عليّ اتّبعه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قُلْ هذِهِ ـ إلى قوله ـوَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ، يعني: نفسه، ومن تبعه، [يعني](٤) عليّ بن أبي طالب وآل محمّد ـ صلّى الله عليه وعليهم أجمعين ـ.
وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: أخبرني عن الدّعاء إلى الله والجهاد في سبيله، أهو لقوم لا يحلّ إلّا لهم ولا يقوم به إلّا من كان منهم، أم هو مباح لكلّ من وحّد الله ـ عزّ وجلّ ـ وآمن برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، ومن كان كذا فله أن يدعو إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى طاعته وأن يجاهد في سبيله؟
فقال: ذلك لقوم لا يحلّ إلّا لهم، ولا يقوم بذلك إلّا من كان منهم.
قلت: من أولئك؟
قال: من قام بشرائط الله ـ عزّ وجلّ ـ في القتال والجهاد على المجاهدين، فهو المأذون له في الدّعاء إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ. ومن لم يكن قائما بشرائط الله ـ عزّ وجلّ ـ في الجهاد على المجاهدين، فليس بمأذون له في الجهاد ولا الدّعاء إلى الله، حتّى يحكّم في نفسه ما أخذ الله عليه من شرائط الجهاد.
قلت: فبيّن لي، يرحمك الله.
قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أخبر في كتابه الدّعاء إليه، ووصف الدّعاة إليه.
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٨٤، ح ٨.
(٢) روضة الواعظين ١ / ١٠٥.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٨.
(٤) من المصدر.
(٥) الكافي ٥ / ١٣، ح ١.
... إلى أن قال: ثمّ أخبر عن هذه الأمّة، وممّن هي، وأنّها من ذريّة إبراهيم ومن ذريّة إسماعيل، من سكّان الحرم، ممّن لم يعبدوا غير الله قطّ، والّذين وجبت لهم الدّعوة دعوة إبراهيم وإسماعيل، من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذا في صفة أمّة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ، الّذين عناهم الله ـ تبارك وتعالى ـ في قوله:( أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ، يعني: أوّل من اتّبعه على الإيمان به والتّصديق له وبما جاء به من عند الله ـ عزّ وجلّ ـ من الأمّة الّتي بعث فيها ومنها وإليها قبل الخلق، ممّن لم يشرك بالله قطّ، ولم يلبس إيمانه بظلم، وهو الشّرك. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تهذيب الأحكام(١) ، في الدّعاء بعد صلاة يوم الغدير المسند إلى الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ربّنا آمنا، واتّبعنا مولانا ووليّنا وهادينا وداعينا، وداعي الأنام وصراطك المستقيم السّويّ، وحجّتك وسبيلك الدّاعي إليك على بصيرة، هو ومن اتّبعه، وسبحان الله عمّا يشركون بولايته وبما يلحدون وباتّخاذ الولائج دونه.
( وَسُبْحانَ اللهِ ) : وأنزّهه تنزيها من الشّركاء.
( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٠٨): عطف على سبيل التّفسير.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن( سُبْحانَ اللهِ ) .
فقال: أنفة لله(٣) .
أحمد بن مهران(٤) ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، عن عليّ بن أسباط، عن سليمان، مولى طربال، عن هشام الجواليقيّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( سُبْحانَ اللهِ ) ما يعني به؟
قال: تنزيهه(٥) .
__________________
(١) التهذيب ٣ / ١٤٥، ح ٣١٧.
(٢) الكافي ١ / ١١٨، ح ١٠.
(٣) يعني: تنزيه لذاته الأحديّة عن كلّ ما لا يليق بجنابه. يقال: أنف من الشيء: إذا استنكف عنه وكرهه وشرف نفسه عنه قاله في الوافي.
(٤) الكافي ١ / ١١٨، ح ١١.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تنزيه.
وفي الكافي(١) : عليّ، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة [عن هشام بن الحكم](٢) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما تفسير( سُبْحانَ اللهِ ) ؟
قال: أنفة لله. أما ترى الرّجل إذا عجب من الشّيء قال: سبحان الله.
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً ) : ردّ لقولهم:( لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) .
وقيل(٣) : معناه: نفي استنباء النّساء.
( نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ، كما أوحي إليك، وتميّزوا بذلك عن غيرهم.
وقرأ(٤) حفص: «نوحي» في كلّ القرآن، ووافقه حمزة والكسائي في الحرف الثّاني في سورة الأنبياء.
وحمزة والكسائي يميلانه على أصلها ها هنا، وفي النّحل، والأوّل من سورة الأنبياء.
( مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) : لأنّ أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو.
وفي عيون الأخبار(٥) :( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) ، يعني: إلى الخلق.( إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمّة أو حكّاما، وإنّما أرسلوا(٦) إلى أنبياء الله.
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : من المكذّبين بالرّسل والآيات، فيحذروا تكذيبك. أو من المشغوفين بالدّنيا المتهالكين عليها، فيقلعوا عن حبّها ويزهدوا فيها.
( وَلَدارُ الْآخِرَةِ ) : ولدار الحال، أو السّاعة، أو الحياة الآخرة.
( خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) : الشّرك والمعاصي.
( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (١٠٩): يستعملون عقولهم ليعرفوا أنّها خير.
وقرأ(٧) نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب، بالتّاء، حملا على قوله: «قل هذه سبيلي» [أي قل لهم: أفلا تعقلون](٨) .
__________________
(١) الكافي ٣ / ٣٢٩، ح ٥.
(٢) من المصدر.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٠.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١٠.
(٥) العيون ١ / ٢٧٠.
(٦) المصدر: إنّما كانوا أرسلوا.
(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥١١.
(٨) من المصدر.
( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) : غاية محذوف دلّ عليه الكلام، أي: لا يغررهم تمادي أيّامهم، فإنّ من قبلهم أمهلوا حتّى أيس الرّسل عن النّصر عليهم في الدّنيا.
أو عن إيمانهم، لانهماكهم في الكفر مترفّهين متمادين فيه من غير وازع.
( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) ، أي: كذّبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنّهم ينصرون.
أو كذّبهم القوم بوعد الإيمان.
وقيل(١) : الضّمير للمرسل إليهم، أي: وظنّ المرسل إليهم أنّ الرّسل قد كذّبوهم بالدّعوة والوعيد.
وقيل(٢) : الأوّل للمرسل إليهم. والثّاني للرّسل، أي: وظنّوا أنّ الرّسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النّصر، وخلط الأمر عليهم.
وفي الجوامع(٣) : أنّ قراءة التّخفيف قراءة أئمّة الهدى ـ عليهم السّلام ـ.
وقرأ(٤) غير الكوفيّين، بالتّشديد، أي: وظنّ الرّسل أنّ القوم قد كذّبوهم فيما أوعدوهم.
وقرئ(٥) : «كذبوا» بالتّخفيف وبناء الفاعل، أي: أنّهم قد كذبوا فيما حدّثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثرا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: وكلهم الله إلى أنفسهم، فظنّوا أنّ الشّياطين قد تمثّلت لهم في صورة الملائكة.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن ابن شعيب(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: وكلهم [الله](٩) إلى أنفسهم أقلّ من طرفة عين.
عن زرارة(١٠) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كيف لم يخف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيما يأتيه من قبل الله، أن يكون ذلك ما ينزغ به الشّيطان؟
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١١.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) الجوامع / ٢٢٤.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١١.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥١١.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٥٨.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠١، ح ١٠٣.
(٨) ب: أبي شعيب.
(٩) من المصدر.
(١٠) نفس المصدر والموضع.
قال: فقال: إنّ الله إذا اتّخذ عبدا رسولا أنزل عليه السّكينة والوقار، فكان يأتيه من قبل الله مثل الّذي يراه بعينه.
( جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ) : النّبيّ والمؤمنين. وإنّما لم يعيّنهم للدّلالة على أنّهم الّذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم، لا يشاركهم فيه غيرهم.
وقرأ ابن(١) عامر وعاصم ويعقوب، على لفظ الماضي المبنيّ للمفعول.
وقرئ(٢) : «فنجى».
( وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) (١١٠): إذا نزل بهم.
وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في عصمة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ: حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا أبي، عن حمدان بن سليمان النّيشابوريّ، عن عليّ بن محمّد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا ـ عليه السّلام ـ.
فقال له المأمون: يا ابن رسول الله، أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟
قال: بلى.
قال: فما معنى قول الله ـ عزّ وجلّ ـ؟
... إلى أن قال: فأخبرني عن قول الله ـ تعالى ـ:( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا ) .
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: يقول الله ـ تعالى ـ:( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) من قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرّسل قد كذبوا جاء الرّسل نصرنا.
فقال المأمون: لله درّك، يا أبا الحسن.
( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ ) : في قصص الأنبياء وأممهم. أو في قصّة يوسف وإخوته.
( عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) : لذوي العقول المبرّأة من شوائب الإلف والرّكون إلى الحسّ.
( ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى ) : ما كان القرآن حديثا يفترى.
( وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) : من الكتب الإلهيّة.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥١١.
(٣) العيون ١ / ٢٠٢.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : يعني من(٢) كتب الأنبياء.
( وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) : يحتاج إليه في الدّين.
( وَهُدىً ) : من الضّلالة.
( وَرَحْمَةً ) : ينال بها خير الدّارين.
( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (١١١): يصدّقونه.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٥٨.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: به.
تفسير سورة الرّعد
سورة الرّعد
مدنيّة.
وقيل(١) : مكّيّة، إلّا قوله:( وَيَقُولُ الَّذِينَ ) (الآية).
وآياتها ثلاث(٢) وأربعون.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
في كتاب ثواب الأعمال(٣) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: من أكثر قراءة سورة الرّعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا ولو كان ناصبيّا(٤) ، وإذا كان مؤمنا دخل(٥) الجنّة بلا حساب ويشفع في جميع من يعرفه(٦) من أهل بيته وإخوانه.
وفي مجمع البيان(٧) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من قرأ سورة الرّعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ سحاب مضى وكلّ سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من المؤمنين(٨) بعهد الله.
( المر )
قيل(٩) : معناه: أنا الله أعلم وأرى.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٢.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: خمس.
(٣) ثواب الأعمال / ١٣٣، ح ١.
(٤) المصدر: ناصبا.
(٥) المصدر: أدخله.
(٦) المصدر: يعرف.
(٧) المجمع ٣ / ٢٧٣.
(٨) المصدر: الموفين.
وفي كتاب معاني الأخبار(١) ، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ [و «المر» معناه :](٢) أنا الله المحيي المميت الرّزاق.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي لبيد(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: يا أبا لبيد، إنّ لي في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا. إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنزل( الم ) (٥) ( ذلِكَ الْكِتابُ ) فقام محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى ظهر نوره وثبتت كلمته وولد يوم ولد، وقد مضى من الألف السّابع مائة سنة وثلاث سنين.
ثمّ قال: وتبيانه في كتاب الله في الحروف المقطّعة إذا عدّدتها من غير تكرار، وليس من حروف مقطّعة حرف تنقضي أيّامه إلّا وقائم من بني هاشم عند انقضائه.
ثمّ قال: «الألف» واحد، و «اللّام» ثلاثون، و «الميم» أربعون، و «الصّاد» تسعون(٦) ، فذلك مائة وإحدى وستّون(٧) . ثمّ كان بدو خروج الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ «الم [الله](٨) ». فلمّا بلغت مدّته، قام قائم(٩) ولد العبّاس عند «المص»، ويقوم(١٠) قائمنا عند انقضائها ب «المر»(١١) ، فافهم ذلك وعه(١٢) واكتمه.
( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ) :
قيل(١٣) : المراد بالكتاب: السّورة، و «تلك» إشارة إلى آياتها، أي: تلك الآيات آيات السّورة الكاملة. أو القرآن.
( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) : هو القرآن كلّه.
ومحلّه الجرّ بالعطف على «الكتاب» عطف العامّ على الخاصّ، أو إحدى الصّفتين على الأخرى.
__________________
(٩) نفس المصدر والمجلّد / ٢٧٤.
(١) المعاني / ٢٢، ح ١.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٢، ح ٢.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي سعيد.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: المرا.
(٦) المصدر: ستّون.
(٧) المصدر: ثلاثون.
(٨) من المصدر.
(٩) المصدر: زيادة «من».
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويقول.
(١١) المصدر: الر.
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وعد».
(١٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٣. والمجمع ٣ / ٢٧٤.
أو الرّفع بالابتداء، وخبره( الْحَقُ ) . والجملة كالحجّة على الجملة الأولى.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) (١): لإخلالهم بالنّظر والتّأمّل فيه.
( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ) : مبتدأ وخبره الموصول. ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) .
( بِغَيْرِ عَمَدٍ ) : أساطين، جمع عماد، كإهاب وأهب. أو عمود، كأديم وأدم.
وقرئ(١) : «عمد»، كرسل.
( تَرَوْنَها ) : صفة «لعمد»، أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السّماوات كذلك. وهو دليل على وجود الصّانع الحكيم، فإنّ ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرميّة، واختصاصها بما يقتضي ذلك، لا بدّ وأن يكون المخصّص ليس بجسم ولا جسمانيّ، يرجّح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: فثمّ(٣) عمد، ولكن لا ترونها.
وفي نهج البلاغة(٤) : قال ـ عليه السّلام ـ: فمن شواهد خلقه خلق السّماوات موطدات(٥) بلا عمد، قائمات بلا سند.
وفيه(٦) كلام له ـ عليه السّلام ـ يذكر فيه خلق السّماوات: جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا، وعلياهنّ سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا، بغير عمد يدعمها، ولا دسار(٧) ينتظمها(٨) .
وفي كتاب الإهليلجة(٩) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: فنظرت العين إلى خلق مختلف متّصل بعضه ببعض، ودلّها القلب على أنّ لذلك خالقا، وذلك أنّه فكّر حيث دلّته العين على أنّ ما عاينت من عظم السّماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد ولا دعامة تمسكها، وأنّها لا تتأخّر فتنكشط، ولا تتقدّم فتزول، ولا تهبط مرّة فتدنو، ولا ترتفع فلا
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٢.
(٢) تفسير القمّي ٢ / ٣٢٨.
(٣) فثمّ: فهناك.
(٤) النهج / ٢٦١ خطبة ١٨٢.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: موطرات. ووطد الشيء: دام وثبت ورسا.
(٦) نفس المصدر / ٤١ خطبة ١.
(٧) الدسار ـ واحد الدسر ـ: المسامير.
(٨) المصدر: ينظمها.
(٩) البحار ٣ / ١٦٢.
ترى.
( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) : سبق معناه.
( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) : ذلّلهما لما أراد منهما، كالحركة المستمرّة على حدّ من السّرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها.
( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) : لمدّة معيّنة يتمّ فيها أدواره. أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره، وهي( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) .
( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) : أمر ملكوته من الإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، وغير ذلك.
( يُفَصِّلُ الْآياتِ ) : ينزلها ويبيّنها مفصّلة. أو يحدث الدّلائل واحدا بعد واحد.
( لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) (٢): لكي تتفكّروا فيها وتحقّقوا كمال قدرته، فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء المخلوقات وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء.
( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ) : بسطها طولا وعرضا، لتثبت عليها الأقدام ويتقلّب عليها الحيوان( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) : جبالا ثوابت. من رسا الشّيء: إذا ثبت. جمع، راسية. والتّاء للتّأنيث، على أنّها صفة أجبل، أو للمبالغة.
( وَأَنْهاراً ) : ضمّها إلى الجبال، وعلّق بهما فعلا واحدا من حيث أنّ الجبال أسباب لتولّدها.
( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) : متعلّق بقوله:( جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) ، أي: وجعل فيها من جميع أنواع الثّمرات صنفين اثنين، كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والصّغير والكبير، والرّطب واليابس.
( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) : يلبس ظلمة اللّيل ضياء النّهار، فيصير الجوّ مظلما بعد ما كان مضيئا.
وقرأ(١) حمزة والكسائي، بالتّشديد.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (٣): فيها، فإنّ تكوّنها وتخصيصها
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٣.
بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبّر أمرها وهيّأ أسبابها.
( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) : بعضها طيّبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزّرع دون الشّجر، وبعضها بالعكس. ولو لا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم يكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطّبيعة الأرضيّة وما يلزمها ويعرض لها بتوسّط ما يعرض من الأسباب السّماويّة، من حيث أنّها متضامّة متشاركة في النّسب والأوضاع.
( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) : وبساتين فيها أنواع الأشجار والزّروع.
وتوحيد الزّرع، لأنّه مصدر في أصله.
وقرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص: «وزرع ونخيل» بالرّفع عطفا على «وجنّات».
( صِنْوانٌ ) : نخلات أصلها واحد.
( وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) : ومتفرّقات مختلفة الأصول. أو أمثال وغير أمثال.
وفي الحديث النّبويّ(٢) : عمّ الرّجل صنو أبيه.
وقرأ(٣) حفص، بالضّمّ، وهو لغة تميم، كقنوان في جمع قنو.
( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) : في الثّمر شكلا وقدرا ورائحة وطعما. وذلك ـ أيضا ـ ممّا يدلّ على الصّانع الحكيم، فإنّ اختلافها مع اتّحاد الأصول والأسباب لا يكون إلّا بتخصيص قادر مختار.
وقرأ(٤) ابن عامر وعاصم ويعقوب: «يسقى» بالتّذكير على تأويل ما ذكر.
وحمزة والكسائي: «ويفضّل» بالياء ليطابق قوله( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الخطّاب الأعور، رفعه إلى أهل العلم والفقه من آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ قال:( فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) ، يعني: هذه الأرض الطّيّبة مجاورة لهذه الأرض المالحة وليست منها، كما يجاور القوم وليسوا منهم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٣.
(٢) المجمع ٣ / ٢٧٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٣.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١٣.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٣، ح ٤.
وفي مجمع البيان(١) : وروي عن جابر قال: سمعت النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول لعليّ ـ عليه السّلام ـ: النّاس من شجر شتّى، وأنا وأنت من شجرة واحدة. ثمّ قرأ هذه الآية.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٤): يستعملون عقولهم بالتّفكّر، فيهتدون إلى عظمة الصّانع وعلمه وحكمته وقدرته.
( وَإِنْ تَعْجَبْ ) : يا محمّد بإنكارهم البعث.
( فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) : حقيق بأن يتعجّب منه، فإنّ من قدر على إنشاء ما قصّ عليك كانت الإعادة أيسر شيء عليه، والآيات المعدودة، كما هي دالّة على وجود المبدأ، فهي دالّة على إمكان الإعادة.
( أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) : بدل من قولهم، أو مفعول له، والعامل في «إذا» محذوف دلّ عليه( أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .
( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) : لأنّهم كفروا بقدرته على البعث.
( وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) : مقيّدون بالضّلال لا يرجى خلاصهم، أو يغلّون يوم القيامة.
( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) (٥): لا ينفكّون عنها. وتوسيط الفصل، لتخصيص الخلود بالكفّار(٢) .
( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) : بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنّهم استعجلوا بما هدّدوا به من عذاب الدّنيا استهزاء.
( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ) : عقوبات أمثالهم من المكذّبين، فما بالهم لم يعتبروا بها، ولم يجوّزوا حلول مثلها عليهم؟
و «المثلة» بفتح الثّاء وضمّها، كالصّدقة والصّدقة: العقوبة، لأنّها مثل المعاقب عليه. ومنه المثال للقصاص. وأمثلت الرّجل من صاحبه: إذا اقتصصته منه.
وقرئ(٣) : «المثلات» بالتّخفيف. و «المثلات» بإتباع الفاء العين. والمثلات
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٧٦.
(٢) فيكون الخلود بمعنى: الأبد هنا. وإن كان بمعنى المكث الطويل في المواضع الاخر والمقصود بالفصل هنا: «هم».
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٤.
بالتّخفيف بعد الإتباع. و «المثلات» على أنّها جمع، مثلة، كركبة وركبات.
وفي نهج البلاغة(١) : واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال وذميم الأعمال، فتذكّروا في الخير والشّرّ أحوالهم، واحذروا أن تكونوا أمثالهم.
وفيه(٢) : قال ـ عليه السّلام ـ: فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس [الله](٣) وصولاته ووقائعه ومثلاته، واتّعضوا بمثاوي(٤) خدودهم ومصارع جنوبهم.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ) : مع ظلمهم أنفسهم.
ومحلّه النّصب على الحال، والعامل فيه «المغفرة». والتّقييد به دليل على جواز العفو قبل التّوبة، فإنّ التّائب ليس على ظلمه(٥) . ومن منع ذلك خصّ الظّلم بالصّغائر المكفّرة لمجتنب الكبائر، أو أوّل «المغفرة» بالسّتر والإمهال.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ) (٦): للكفّار، أو لمن شاء.
وفي مجمع البيان(٦) : وروي عن سعيد بن المسيّب قال: لـمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لو لا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد بعيش، ولو لا وعيد الله وعقابه لا تكل كلّ واحد.
وفي كتاب التّوحيد(٧) : حدّثنا أبو عليّ، الحسين بن أحمد البيهقيّ بنيشابور سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة قال: أخبرنا محمّد بن يحيى الصّوليّ قال: حدّثنا أبي ذكوان(٨) قال: سمعت إبراهيم بن العباس(٩) يقول: كنّا في مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ فتذاكروا الكبائر وقول المعتزلة فيها: «إنّها لا تغفر».
فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله ـ جلّ جلاله ـ:( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ) .
__________________
(١) النهج / ٢٩٦ خطبة ١٩٢.
(٢) نفس المصدر / ٢٩٠ خطبة ١٩٢.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بمساوئ. والمثاوي ـ جمع المثوى ـ: المنزل.
(٥) أي: فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
(٦) المجمع ٣ / ٢٧٨.
(٧) التوحيد / ٤٠٦، ح ٤.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبو ذكران.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: إبراهيم العيّاشي.
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) : لعدم اعتقادهم بالآيات المنزلة عليهم، واقتراحا لنحو ما أوتي موسى وعيسى ـ عليهما السّلام ـ.
( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) : مرسل للإنذار، كغيرك من الرّسل، وما عليك إلّا الإتيان بما تصحّ به نبوّتك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك.
والآيات كلّها متساوية الأقدام في حصول الغرض.
( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) (٧): يهديهم إلى الحقّ، ويدعوهم إلى الصّواب.
وفي مجمع البيان(١) : عن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وعليّ الهادي من بعدي، بك يا عليّ يهتدي المهتدون.
وروي الحاكم أبو القاسم الحسكانيّ(٢) في كتاب «شواهد التّنزيل» بالإسناد [عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكم بن جبير](٣) عن أبي بردة الأسلميّ قال: دعا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالطّهور، وعنده عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. فأخذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بيد عليّ ـ عليه السّلام ـ بعد ما تطهّر فألزقها(٤) بصدره، ثمّ قال: إنّما أنت منذر، يعني: نفسه، ثمّ ردّها إلى صدر عليّ ـ عليه السّلام ـ ثمّ قال: ولكلّ قوم هاد.
ثمّ قال: إنّك منار الأنام، وغاية الهدى، وأمير القرى، أشهد على ذلك إنّك كذلك.
وفي أمالي الصّدوق(٥) ، بإسناده إلى عبّاد(٦) بن عبد الله قال: قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: ما نزلت من القرآن آية إلّا وقد علمت أين نزلت، وفيمن نزلت، [وفي أيّ شيء نزلت ،](٧) وفي سهل نزلت أو في جبل نزلت.
قيل: فما نزل فيك؟
قال: لو لا أنّكم سألتموني ما أخبرتكم، نزلت فيّ هذه الآية( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) . فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المنذر، وأنّا الهادي إلى ما جاء به.
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٧٨.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: فألزمها. ولزق الشيء بالشيء: اتّصل به لا يكون بينهما فجوة.
(٥) أمالي الصدوق / ٢٢٧ ـ ٢٢٨، ح ١٣.
(٦) أ، ب، ر: عبّاد الله بن عبد الله.
(٧) من المصدر.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) (الآية).
فقال: كلّ إمام هاد لكلّ قوم في زمانه.
وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّظر بن سويد وفضالة بن أيّوب، عن موسى بن بكر، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
قال: كلّ إمام هاد للقرن الّذي هو فيهم.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
فقال: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المنذر، ولكلّ زمان إمام منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبيّ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ثمّ الهداة من بعده عليّ، ثمّ الأوصياء واحدا بعد واحد.
الحسين بن محمّد الأشعريّ(٤) ، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن محمّد بن إسماعيل، عن سعدان، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
فقال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وعليّ الهادي.
يا أبا محمّد، هل من هاد اليوم؟
قلت: بلى، جعلت فداك، ما زال منكم هاد من بعد هاد حتّى دفعت إليك.
فقال: رحمك الله، يا أبا محمّد، لو كانت إذا نزلت آية على رجل ثمّ مات ذلك الرّجل ماتت الآية مات الكتاب، ولكنّه حيّ يجري فيمن بقي، كما جرى فيمن مضى.
محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور، عن عبد الرّحيم القصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ :
__________________
(١) كمال الدين ٢ / ٦٦٧ قريب منه.
(٢) الكافي ١ / ١٩١.
(٣) الكافي ١ / ١٩٢، ح ٢.
(٤) الكافي ١ / ١٩٢، ح ٣.
(٥) الكافي ١ / ١٩٢، ح ٤.
( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) . فقال: قال(١) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا(٢) المنذر، وعليّ الهادي. أما، والله، ما ذهبت منّا وما زالت فينا إلى السّاعة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : حدّثني أبي، عن حمّاد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: المنذر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، والهادي أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ، وبعده الأئمّة ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وهو قوله:( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فينا(٥) نزلت هذه الآية( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) .
وقال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وأنت الهادي، يا عليّ. فمنّا الهادي والنجاة(٦) والسّعادة إلى يوم القيامة.
عن عبد الرّحيم القصير(٧) قال: كنت يوما من الأيّام عند أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ فقال: يا عبد الرّحيم.
قلت: لبّيك.
قال: قول الله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) إذ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وعليّ الهادي. ومن الهادي اليوم؟
قال: فمكثت(٨) طويلا، ثمّ رفعت رأسي فقلت: جعلت فداك، هي فيكم توارثونها(٩) رجل فرجل حتّى انتهت إليك، فأنت جعلت فداك، الهادي.
قال: صدقت، يا عبد الرّحيم، إنّ القرآن حيّ لا يموت والآية حيّة لا تموت.
وقال عبد الرّحيم(١٠) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ القرآن [حيّ](١١) لم يمت، وإنّه يجري، كما يجري اللّيل والنّهار، وكما يجري الشّمس والقمر، ويجري على آخرنا(١٢) ،
__________________
(١ و ٢) ليس في المصدر.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٥٩.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٣، ح ٥.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيما.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فهنا الهادي الإنجاء.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٣، ح ٦.
(٨) المصدر: فسكت.
(٩) كذا في المصدر. وفي أ: فوارثوها. وفي سائر النسخ: توارثوها.
(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٤، ح ٦.
(١١) من المصدر.
كما يجري على أوّلنا(١) .
عن حنان بن سدير(٢) ، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) فقال: [قال](٣) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وعليّ الهادي. وكلّ إمام هاد للقرآن الّذي هو فيه.
جابر(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا المنذر وعليّ الهادي إلى أمري.
( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) ، أي: حملها(٥) . أو ما تحمله(٦) على أيّ حال هو من الأحوال الحاضرة والمترقّبة، من ذكر وأنثى، تامّ وناقصّ، وحسن وقبيح، وسعيد وشقيّ.
( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ ) : وما تنقصه، وما تزداد في الجنّة والخلقة والمدّة والعدد. أو نقصان دم الحيض وازدياده.
و «غاض» جاء متعدّيا ولازما، وكذا «ازداد» قال الله ـ تعالى ـ:( وَازْدَادُوا تِسْعاً ) (٧) ، فإن جعلتهما لازمين تعيّن «ما» أن تكون مصدريّة(٨) . وإسنادهما إلى الأرحام على المجاز، فإنّهما لله، أو لما فيها(٩) .
وفي الكافي(١٠) : عنه، عن أحمد، عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عمّن ذكره، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ ـ إلى قوله ـوَما تَزْدادُ ) قال: «الغيض» كلّ حمل دون تسعة أشهر. «وما تزداد» كلّ شيء يزداد على تسعة أشهر، وكلّما رأت المرأة الدّم الخالص في حملها فإنّها تزداد بعدد
__________________
(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أحدنا.
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أخرنا.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٤، ح ٧.
(٣) من المصدر.
(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٩.
(٥) فتكون «ما» مصدريّة.
(٦) فتكون «ما» موصولة، أو موصوفة.
(٧) الكهف / ٢٥.
(٨) إذ لو كان موصولة أو موصوفة لزم خلوّ الجملة عن العائد إلى «ما» إذ لا يمكن أن يقال: التقدير: وما تغيضه الأرحام إذ الكلام على تقدير أن يكون الفعل لازما فلا يكون له مفعول.
(٩) قوله: «فإنهما لله أو لما فيها» فالأوّل على تقدير أن يكون الفعل متعدّيا، والثاني على تقدير أن يكون لازما.
(١٠) الكافي ٦ / ١٢، ح ٢.
الأيّام الّتي رأت(١) في حملها من الدّم.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن زرارة، عن أبي جعفر أو أبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ في قوله:( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) ، يعني: الذّكر والأنثى.( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) قال: «الغيض» ما كان أقلّ من الحمل. «وما تزداد» ما زاد على(٣) الحمل فهو مكان ما رأت(٤) من الدّم في حملها.
محمّد بن مسلم(٥) وحمران وزرارة، عنهما ـ عليهما السّلام ـ قالا:( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) أنثى أو ذكر.( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) [ما لم يكن حملا](٦) [الّتي لا تحمل](٧) . «وما تزداد» من أنثى أو ذكر.
عن محمّد بن مسلم(٨) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) .
قال: ما لم يكن حملا.( وَما تَزْدادُ ) قال: الذّكر والأنثى جميعا.
زرارة(٩) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) قال: الذّكر والأنثى.( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ) قال: ما كان من دون التّسعة فهو غيض.( وَما تَزْدادُ ) قال: ما رأت الدّم في حال حملها ازداد به على التّسعة أشهر.
( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) (٨): بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله:( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) فإنّه ـ تعالى ـ خصّ كلّ حادث بوقت وحال معيّنين، وهيّأ له أسبابا مسوقة إليه تقتضي ذلك.
( عالِمُ الْغَيْبِ ) : الغائب عن الحسّ.
( وَالشَّهادَةِ ) : الحاضر له.
( الْكَبِيرُ ) : العظيم الشّأن، الّذي كلّ شيء دونه.
( الْمُتَعالِ ) (٩): المستعلي على كلّ شيء بقدرته. أو الّذي كبر عن نعت
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: زاد فيها.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٤، ح ١١.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: من.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «كلّما زاد» بدل «مكان ما رأت».
(٥) العيّاشي ٢ / ٢٠٥، ح ١٢.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في المصدر.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١٣.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٥، ح ١٤.
المخلوقين، وتعالى عنه.
( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ) : في نفسه.
( وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ) : لغيره.
( وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ) : طالب للخفاء في مختبأ باللّيل.
( وَسارِبٌ ) : وبارز.
( بِالنَّهارِ ) (١٠): يراه كلّ أحد. من سرب سروبا: إذا برز.
وهو عطف على «من» أو «مستخف»، على أنّ «من»(١) في معنى الاثنين(٢) ، كقوله :
نكن مثل ما يا ذئب(٣) يصطحبان
كأنّه قال: سواء منكم اثنان مستخف باللّيل وسارب بالنّهار.
والآية متّصلة بما قبلها، مقرّرة لكمال علمه وشموله.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ) ، يعني: فالسّرّ والعلانية عنده سواء.
( لَهُ ) : لمن أسرّ، أو جهر، أو استخفى، أو سرب.
( مُعَقِّباتٌ ) : ملائكة تعتقب(٥) في حفظه.
جمع، معقّبة. من عقّبه، مبالغة عقبه: إذا جاء على عقبه، كأنّ بعضهم يعقب بعضا.
أو لأنّهم يعقّبون أقواله وأفعاله، فيكتبونها.
أو اعتقب، فأدغمت التّاء في القاف. والتّاء للمبالغة، أو لأنّ المراد
__________________
(١) ليس في أ، ب.
(٢) قوله: «وهو عطف على من أو مستخف» فعلى الأوّل يكون «من» مقدرا على قوله: «وسارب بالنهار» حتّى يكون المتصف بالصفتين المذكورتين شخصين، ولذا قال في الاحتمال الثاني على أن يكون «من» في معني الاثنين. وإنّما اعتبر ذلك، لأنّ الاستواء لا بدّ أن يكون بين اثنين.
(٣) قوله: «نكن مثل من يا ذئب» نداء وقع اعتراضا بين «من» وصلته أي: نكن مثل رجلين يصطحبان.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٠.
(٥) ب: تتعقب.
بالمعقّبات(١) : جماعات(٢) .
وقرئ(٣) : «معاقيب» جمع، معقّب أو معقّبة، على تعويض الياء من حذف إحدى القافين.
( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) ، أي: من جوانبه.
( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) :
قيل(٤) : من بأسه متى أذنب، بالاستمهال والاستغفار له.
وقيل(٥) : يحفظونه من المضارّ [أو يراقبون أحواله](٦) من أجل أمر الله وقد قرئ به.
وقيل(٧) : «من» بمعنى الباء.
وقيل(٨) : «من أمر الله» صفة ثانية «لمعقبات».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : أنّ هذه الآية قرئت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال لقارئها: ألستم عربا، فكيف يكون المعقّبات من بين يديه، وإنّما المعقّب من خلفه؟
فقال الرّجل: جعلت فداك، كيف هذا؟
فقال: إنّما أنزلت «له معقّبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله» ومن ذا الّذي يقدر أن يحفظ الشّيء من [أمر](١٠) الله، وهم الملائكة الموكّلون بالنّاس.
وفي تفسير العيّاشي(١١) عنه ـ عليه السّلام ـ مثله.
عن فضيل بن عثمان(١٢) بكرة(١٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في هذه الآية:( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) (الآية) قال: من المقدّمات المؤخّرات(١٤) المعقّبات الباقيات الصّالحات.
__________________
(١) ر: بالمتعقبات.
(٢) أراد أنّ المعقّبات: جمع معقّبة، وتاء المعقّبة إمّا لأجل المبالغة، وإمّا لأجل التأنيث باعتبار أنّ موصوفها الجماعة.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٥.
(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.
(٦) من المصدر.
(٧ و ٨) نفس المصدر والموضع.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٣٦٠.
(١٠) من المصدر.
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٥، ح ١٥.
(١٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٧.
(١٣) ليس في المصدر. وفي أ، ب: بن بكرة.
(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: هو المقدرات المؤاخذات.
وفي كتاب المناقب(١) لابن شهر آشوب، أيضا.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ:( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) يقول: بأمر الله من أن يقع في ركيّ(٣) أو يقع عليه حائط أو يصيبه شيء، حتّى إذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه(٤) يدفعونه إلى المقادير. وهما ملكان يحفظانه باللّيل، وملكان بالنّهار يتعاقبانه.
وفي مجمع البيان(٥) : واختلف في المعقّبات على أقوال.
أحدها: أنّها الملائكة يتعاقبون، تعقب ملائكة اللّيل ملائكة النّهار وملائكة [النّهار ملائكة اللّيل](٦) ، [وهم الحفظة](٧) يحفظون على العبد عمله. وقد روي ذلك عن الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
والثّاني: أنّهم ملائكة يحفظونه من المهالك، حتّى ينتهوا به إلى المقادير، فيخلّوا بينه وبين المقادير. عن عليّ ـ عليه السّلام ـ.
( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ) : من العافية والنّعمة.
( حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) : من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة.
وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي عمرو المدائنيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ أبي كان يقول: إنّ الله قضى قضاء حتما، لا ينعم على عبده نعمة فيسلبها(٩) إيّاه قبل أن يحدث العبد ذنبا يستوجب بذلك الذّنب سلب تلك النّعمة، وذلك قول الله:( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) .
عن الحسين بن سعيد المكفوف(١٠) ، كتب إليه في كتاب له: جعلت فداك، يا سيّدي، علّم مولاك ما معنى( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) .
فكتب ـ عليه السّلام ـ: أمّا التّغيير، فإنّه لا يسيء(١١) إليهم حتّى يتولّوا(١٢) ذلك
__________________
(١) المناقب ٤ / ١٩٧.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٦٠.
(٣) الركيّ ـ جمع الركيّة ـ: البئر.
(٤) المصدر: بينهم.
(٥) المجمع ٣ / ٢٨٠ ـ ٢٨١.
(٦) ليس في م، ب، ر.
(٧) من المصدر.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٦، ح ١٩.
(٩) المصدر: فسلبها.
(١٠) نفس المصدر والموضع.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليس. (١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقولوا.
) ١٢) كذا في المصدر، وفي النسخ: يقولوا.
بأنفسهم بخطاياهم وارتكابهم ما نهى عنه. وفي الحديث أشياء غير هذا سؤالا وجوابا انتزعت منه موضع الحاجة.
عن سليمان بن عبد الله(١) قال: كنت عند أبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ قاعدا، فاتي بامرأة قد صار وجهها قفاها، فوضع يده اليمنى في جبينها ويده اليسرى من خلف ذلك ثمّ عصر وجهها عن اليمين، ثمّ قال:( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) فرجع وجهها.
فقال: احذري أن تفعلي، كما فعلت. [قالوا: يا بن رسول الله وما فعلت؟
فقال: ذلك مستور إلّا أن تتكلّم به فسألوها، فقالت: كانت لي ضرّة فقمت اصلّي فظننت أنّ زوجي معها، فالتفّت إليها فرأيتها قاعدة وليس هو معها فرجع وجهي على ما كان.](٢) وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد قال: سأل رجل أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) (٤) (الآية).
فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله ـ عزّ وجلّ ـ وغيّروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغيّر الله ما بهم من نعمة، و( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) فأرسل [الله](٥) عليهم سيل العرم فغرّق قراهم وخرّب ديارهم وأذهب أموالهم، وأبدلهم مكان جنّاتهم( جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) ثمّ قال:( ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) (٦) .
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، بإسناده إلى أبي خالد الكابليّ قال: سمعت زين العابدين ـ عليه السّلام ـ يقول: الذّنوب الّتي تغيّر النّعم: البغي على النّاس، والزّوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النّعم، وترك الشّكر. ثمّ تلا هذه الآية.
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٥، ح ١٨. كذا فيه وفي النسخ: عبد الملك.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٢٧٤، ح ٢٣.
(٤) سبأ / ١٩.
(٥) من المصدر.
(٦) سبأ / ٢٠.
(٧) معاني الأخبار / ٢٧٠، ح ٢.
( وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) : فلا راد له.
والعامل في «إذا» ما دلّ عليه الجواب.
وفي قرب الإسناد(١) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول:( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) .
فقال: إنّ القدريّة يحتجّون بأوّلها، وليس كما يقولون. ألا ترى أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول:( وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) . وقال نوح:( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) قال: الأمر الى الله يهدي من يشاء.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) فصار الأمر إلى الله ـ تعالى ـ.
( وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) (١١): من يلي أمرهم، فيدفع عنهم السّوء.
( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً ) : من أذاه.
( وَطَمَعاً ) : في الغيث.
وقيل(٣) : يخاف المطر من يضرّه، ويطمع فيه من ينفعه.
وفي عيون الأخبار(٤) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: «خوفا» للمسافر. و «طمعا» للمقيم.
وانتصابهما(٥) على العلّة بتقدير المضاف، أي: إرادة خوف وطمع. أو التّأويل بالإخافة والإطماع. أو الحال من البرق. أو المخاطبين على إضمار «ذو». أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول، أو الفاعل للمبالغة.
( وَيُنْشِئُ السَّحابَ ) : الغيم المنسحب في الهواء.
__________________
(١) قرب الاسناد / ١٥٧ ـ ١٥٨.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٦، ح ٢٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٥.
(٤) العيون ١ / ٢٩٤، ح ٥١.
(٥) أي: انتصاب كلّ منهما بكونه مفعولا له. وإنّما وجب تقدير المضاف لأنّه شرط في نصب المفعول الذي له أن يكون فعلا لفاعل عامله.
( الثِّقالَ ) (١٢): جمع ثقيلة. وإنّما وصف به السّحاب، لأنّه اسم جنس في معنى الجمع.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : يعني: يرفعها من الأرض.
( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ ) :
قيل(٢) : أي: سامعوه.
( بِحَمْدِهِ ) ملتبسين(٣) به فيضجون بسبحان الله(٤) والحمد لله. أو يدلّ الرّعد بنفسه على وحدانيّة الله وكمال قدرته، متلبّسا بالدّلالة على فضله ونزول نعمته ورحمته.
وسئل(٥) النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن الرّعد. فقال: ملك موكّل بالسّحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السّحاب.
وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : وروي أنّ الرّعد صوت ملك، أكبر من الذّباب وأصغر من الزّنبور.
وسأل أبو بصير(٧) أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الرّعد: أيّ شيء هو؟
قال: إنّه بمنزلة الرّجل يكون في الإبل فيزجرها: هاي هاي، كهيئة ذلك.
قال: قلت: جعلت فداك، فما حال البرق؟
قال: تلك مخاريق الملائكة تضرب السّحاب فتسوقه إلى الموضع الّذي قضى الله ـ عزّ وجلّ ـ فيه المطر.
وفي مجمع البيان(٨) : وكان النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا سمع صوت الرّعد قال: سبحان من يسبّح الرّعد بحمده.
ورويّ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: إنّ ربّكم ـ سبحانه ـ يقول: لو أنّ عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر باللّيل وأطلعت عليهم الشّمس بالنّهار، ولم أسمعهم صوت الرّعد.
وروى(٩) سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦١.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥١٥.
(٣) كذا في أنوار التنزيل. وفي النسخ: متلبّس.
(٤) كذا في أنوار التنزيل. وفي النسخ: فيصيحون سبحان الله.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥١٥.
(٦ و ٧) الفقيه ١ / ٣٣٤.
(٨ و ٩) المجمع ٣ / ٢٨٣.
سمع الرّعد والصّواعق قال: أللّهمّ، لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك.
( وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) : من خوف الله وإجلاله.
وقيل(١) : الضّمير «للرّعد».
وفي تفسير العيّاشي(٢) : يونس بن عبد الرّحمن، أنّ داود قال: كنّا عنده فارتعدت السّماء، فقال هو: سبحان من يسبّح له الرّعد بحمده والملائكة [من خيفته](٣) .
فقال له أبو بصير: جعلت فداك، إنّ للرّعد كلاما؟
فقال: يا أبا محمّد، سل عمّا يعنيك ودع ما(٤) لا يعنيك.
( وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ) : فيهلكه.
في أمالي(٥) شيخ الطّائفة، بإسناده إلى أنس بن مالك: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعث رجلا إلى فرعون من فراعنة العرب يدعوه إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ.
فقال للرّسول: أخبرني عن الّذي يدعوني إليه، أمن فضّة هو أم من ذهب أو من حديد؟
فرجع إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخبره بقوله، فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ارجع إليه فادعه.
قال: يا نبيّ الله، إنّه أعتى من ذلك.
قال: ارجع إليه.
فرجع إليه، فقال كقوله. فبينا هو يكلّمه إذ رعدت(٦) سحابة رعدة فألقت على رأسه صاعقة ذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله ـ جلّ ثناؤه ـ:( وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ) (الآية).
وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أحمد(٨) بن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٦.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٧، ح ٢٢.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عمّا.
(٥) أمالي الطوسي ٢ / ٩٩.
(٦) ب: أرعدت.
(٧) الكافي ٢ / ٥٠٠، ح ١.
(٨) المصدر: محمد.
إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل(١) ، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: يموت المؤمن بكلّ ميتة، إلّا الصّاعقة [لا تأخذه](٢) وهو يذكر الله ـ عزّ وجلّ ـ.
عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية العجليّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الصّواعق لا تصيب ذاكرا.
قال: قلت: وما الذّاكر؟
قال: من قرأ مائة آية.
حميد بن زياد(٤) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن ميتة المؤمن.
قال: يموت المؤمن بكلّ ميتة [يموت](٥) ، غرقا، ويموت بالهدم، ويبتلى بالسّبع، ويموت بالصّاعقة، ولا تصيب ذاكرا لله ـ عزّ وجلّ ـ.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن أبيه، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لا تملّوا من قراءة( إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ) فإنّه من كانت قراءته [بها](٧) في نوافله لم يصبه الله ـ عزّ وجلّ ـ بزلزلة أبدا، ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدّنيا حتّى يموت. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي مجمع البيان(٨) : وروي عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ الصّواعق تصيب المسلم وغير المسلم، ولا تصيب ذاكرا.
( وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ ) : حيث يكذّبون رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتّفرّد بالألوهيّة، وإعادة النّاس ومجازاتهم.
و «الجدال» التّشدّد في الخصومة. من الجدل، وهو القتل.
و «الواو» إمّا لعطف الجملة على الجملة، أو للحال.
لما روي سابقا، ولما نقل(٩) : أنّ عامر بن الطّفيل وأربد بن ربيعة، أخا لبيد وفدا
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الفضل.
(٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٥٠٠، ح ٢.
(٤) الكافي ٢ / ٥٠٠، ح ٣.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ٢ / ٦٢٦، ح ٢٤.
(٧) من المصدر.
(٨) المجمع ٣ / ٢٨٣.
على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسّيف، فتنبّه له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقال: أللّهمّ أكفنيهما بما شئت. فأرسل الله عليه(١) صاعقة فقتلته، ورمى عامرا بغدّة فمات في بيت سلوليّة، وكان يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت في بيت سلوليّة. فنزلت.
( وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ) (١٣) :
«المماحلة» المكايدة(٢) لأعدائه. من محل بفلان: إذا كايده(٣) وعرّضه للهلاك. ومنه: تمحّل: إذا تكلّف استعمال الحيلة. ولعلّ أصله، المحل، بمعنى: القحط.
وقيل(٤) : فعال، من المحل، بمعنى: القوّة.
وقيل(٥) : مفعل، من الحول أو الحيلة، أعل على غير القياس.
وقرئ(٦) ، بفتح الميم، على أنّه مفعل، من حال يحول: إذا احتال.
قيل(٧) : ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، فيكون مثلا في القوّة والقدرة، كما جاء: فساعد الله أشدّ وموساه أحدّ. لأنّ الحيوان إذا اشتدّ محاله كان منعوتا بشدّة القوّة، والاصطلاح بما يعجز عنه غيره. ألّا ترى إلى قولهم: فقرته العواقر. وذلك لأنّ الفقار عمود الظّهر وقوامه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : أي: شديد الغضب.
وفي مجمع البيان(٩) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: شديد الأخذ.
وهما مع اتّحاد ما لهما حاصل المعنى.
( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ ) : الدّعاء الحقّ، فإنّه الّذي يحقّ أن يعبد، ويدعى إلى عبادته دون غيره. أو له الدّعوة المجابة، فإنّ من دعاه أجابه.
و «الحقّ» ما يناقض الباطل. وإضافة الدّعوة إليه لما بينهما من الملابسة، أو على
__________________
(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥١٦، والمجمع ٣ / ٢٨٣ باختلاف.
(١) يعني: على أربد.
(٢) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥١٦. وفي النسخ: أي: المماحلة والمكايدة.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: كاده.
(٤ و ٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥١٦.
(٧) الكشاف ٢ / ٥٢٠. ويوجد قريب منها في أنوار التنزيل ١ / ٥١٦.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٦١.
(٩) المجمع ٣ / ٢٨٣.
تأويل دعوة المدعوّ الحقّ.
وقيل(١) : الحقّ هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحقّ.
( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ ) ، أي: والأصنام الّذين يدعوهم المشركون، فحذف الرّاجع.
أو والمشركون الّذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول لدلالة( مِنْ دُونِهِ ) عليه.
( لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) : من الطّلبات.
( إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ ) : إلّا استجابة كاستجابة من بسط كفّيه.
( إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ) : يطلب منه أن يبلغه من بعيد، أو يغترف مع بسط كفّيه ليشربه.
( وَما هُوَ بِبالِغِهِ ) : لأنّ الماء جماد لا يشعر بدعائه، ولا يقدر على إجابته، ولا يستقرّ في الكفّ المبسوطة، وكذلك آلهتهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: هذا مثل ضربه الله للّذين يعبدون الأصنام والّذين يعبدون الآلهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعهم( إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ) ليتناوله من بعيد ولا يناله.
وحدّثني أبي(٣) ، عن أحمد بن النّظر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، رأيت أمرا عظيما.
قال: وما رأيت؟
قال: كان لي مريض، ونعت له ماء من بئر بالأحقاف يستشفي به في برهوت.
قال: فتهيّأت ومعي قربة وقدح لآخذ من مائها وأصبّ في القربة، وإذا بشيء قد هبط في جوّ السّماء، كهيئة السّلسلة، وهو يقول: يا هذا، اسقني السّاعة أموت. فرفعت رأسي إليه ورفعت إليه القدح لأسقيه، فإذا رجل في عنقه سلسلة، فلمّا ذهبت أناوله القدح اجتذب منّي حتّى علّق بالشّمس، ثمّ أقبلت على الماء أغرف إذ أقبل الثانية، وهو يقول: العطش العطش، يا هذا، اسقني السّاعة أموت. فرفعت القدح لأسقيه فاجتذب
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٨٣.
(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٦١.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦١.
منّي حتّى علّق بالشّمس، حتّى فعل ذلك ثالثة، [فقمت](١) وشددت قربتي ولم أسقه.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ذلك قابيل بن آدم الّذي قتل أخاه، وهو يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ـ إلى قوله ـإِلَّا فِي ضَلالٍ ) .
وقرئ(٢) : «تدعون» بالتّاء. و «باسط» بالتّنوين.
( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) (١٤): في ضياع وخسار وبطلان.
( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) :
قيل(٣) : يحتمل أن يكون السّجود على حقيقته، فإنّه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثّقلين طوعا حالتي الشّدّة والرّخاء، والكفرة له كرها حال الشّدّة والضّرورة.
( وَظِلالُهُمْ ) : بالعرض، وأن يراد به انقيادهم لإحداث ما أراده منهم شاءوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إيّاها بالمدّ والتّقلّص.
وانتصاب «طوعا وكرها» بالحال، أو العلّة، وقوله:( بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) (١٥): ظرف «ليسجد» والمراد بهما الدّوام، أو حال من «الظّلال». وتخصيص الوقتين لأنّ الامتداد والتّقلص أظهر فيهما.
و «الغدوّ» جمع غداة، كقنيّ وقناة(٤) . و «الآصال» جمع أصيل، وهو ما بين العصر والمغرب.
وقيل(٥) : «الغدو» مصدر، ويؤيّده أنّه قرئ به. و «الإيصال» وهو الدّخول في الأصيل.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أمّا من يسجد من أهل السّماوات طوعا فالملائكة يسجدون لله طوعا، ومن يسجد من أهل الأرض فمن ولد في الإسلام فهو يسجد له طوعا. وأمّا من يسجد له كرها، فمن اجبر(٧) على الإسلام. وأمّا من
__________________
(١) من المصدر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥١٦.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٧.
(٤) ب: كفتى وفتاة.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥١٧.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٦٢.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: جبر.
لم يسجد، فظّله يسجد له بالغداة والعشيّ.
وفيه(١) : قال: تحويل كلّ ظلّ خلقه الله هو سجود لله، لأنّه ليس شيء إلّا له ظلّ يتحرّك بتحريكه، وتحويله سجوده.
وفيه(٢) : قال: ظلّ المؤمن يسجد طوعا، وظلّ الكافر يسجد كرها، وهو نموّهم وحركتهم وزيادتهم ونقصانهم.
وقيل(٣) : أريد بالظّلّ الجسد، وإنّما يقال للجسم: الظّلّ، لأنّه عنه الظّلّ ولأنّه ظلّ للرّوح، لأنّه ظلمانيّ والرّوح نورانيّ، وهو تابع له يتحرّك بحركته النّفسانيّة ويسكن بسكونه النّفسانيّ.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط، عن غالب بن عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) قال: هو الدّعاء قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها، وهي ساعة إجابة.
وفي نهج البلاغة(٥) : فتبارك الّذي يسجد له( مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) ويعفّر له خدّا ووجها، ويلقي(٦) بالطّاعة إليه(٧) سلما وضعفا(٨) ، ويعطي له القياد(٩) رهبة وخوفا.
[وقال: وسجدت له بالغدوّ والآصال الأشجار.](١٠)
قيل(١١) : كما يجوز أن يراد بكلّ من السّجود والظّلّ والغدوّ والآصال معناه المعروف، كذلك يجوز أن يراد بالسّجود الانقياد وبالظّلّ الجسد وبالغدوّ والآصال الدّوام، ويجوز ـ أيضا ـ أن يراد بكلّ منهما ما يشمل كلا المعنيين، فيكون في كلّ شيء بحسبه وعلى ما يليق به، وبهذا تتلائم الرّوايات والأقوال.
__________________
(١ و ٢) تفسير القمّي ١ / ٣٦٢.
(٣) تفسير الصافي ٣ / ٦٣.
(٤) الكافي ٢ / ٥٢٢، ح ١.
(٥) نهج البلاغة / ٢٧٢، خطبة ١٨٥.
(٦) المصدر: زيادة «إليه».
(٧) ليس في المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي ب: وضعنا وفي سائر النسخ: وضفنا.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «الانقياد» بدل «له القياد».
(١٠) ليس في المصدر. ويوجد في نور الثقلين ٢ / ٤٩٢، ح ٧٣.
(١١) تفسير الصافي ٣ / ٦٧.
( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : خالقهما، أو متولّي أمرهما.
( قُلِ اللهُ ) : أجب عنه بذلك، إذ لا جواب لهم سواه. أو لأنّه البيّن الّذي لا يمكن المراء فيه. أو لقّنهم الجواب به.
( قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) : ثمّ ألزمهم بذلك، لأنّ اتّخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل.
( أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ) : لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعا أو يدفعوا عنها ضرا، فكيف يستطيعون نفع الغير ودفع الضّرّ عنه.
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) .
قيل(١) : «المشرك» الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها، و «الموحّد» العالم بذلك.
وقيل(٢) : المعبود الغافل عنكم، والمعبود المطّلع على أحوالكم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : يعني: الكافر والمؤمن.
( أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ) : الشّرك والتّوحيد.
وقرأ(٤) حمزة والكسائي وأبو بكر، بالياء.
( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) : بل جعلوا، والهمزة للإنكار، وقوله:( خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ) صفة «لشركاء» داخلة في حكم الإنكار.
( فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ) : خلق الله وخلقهم.
والمعنى: أنّهم ما اتّخذوا لله شركاء خالقين مثله حتّى يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا: هؤلاء خلقوا، كما خلق الله فاستحقّوا العبادة كما يستحقّها، ولكنّهم اتّخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق.
( قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) : لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها، ثمّ نفاه عمّن سواه ليدلّ على قوله:( وَهُوَ الْواحِدُ ) ، أي: المتوحّد بالألوهيّة.
( الْقَهَّارُ ) (١٦): الغالب على كلّ شيء.
( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) : من السّحاب. أو من جانب السّماء أو من السّماء
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٧.
(٢) نفس المصدر والموضع.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٢.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١٧.
نفسها، فإنّ المبادئ منها(١) .
( فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ ) : أنهار، جمع واد، وهو الموضع الّذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتّسع فيه(٢) ، واستعمل للماء الجاري فيه. وتنكيرها، لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع(٣) .
( بِقَدَرِها ) : بمقدارها الّذي علم الله أنّه نافع غير ضارّ. أو بمقدارها في الصّغر والكبر.
( فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً ) : رفعه.
و «الزّبد» وضر الغليان(٤) .
( رابِياً ) : عاليا.
( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ ) : يعمّ الفلزّات، كالذّهب والفضّة والحديد والنّحاس، على وجه التّهاون بها إظهارا لكبريائه.
( فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ) : طلب حليّ.
( أَوْ مَتاعٍ ) : كالأواني وآلات الحرب والحرث. والمقصود من ذلك: بيان منافعها.
( زَبَدٌ مِثْلُهُ ) ، أي: وممّا يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء، وهو خبثه.
و «من» للابتداء، أو للتّبعيض.
وقرأ(٥) حمزة والكسائي وحفص، بالياء، على أنّ الضّمير للنّاس وإضماره للعلم به.
( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ) : فإنّه(٦) مثّل الحقّ والباطل، فإنّه مثّل الحقّ في إفادته وثباته بالماء الّذي ينزل من السّماء فيسيل به الأودية على قدر الحاجة
__________________
(١) أي لما كان مبادئ الماء من جانب السماء فإنّه يحصل بارتفاع الأبخرة الحاصلة من حركات الكواكب على طريق العادة.
(٢) أي: تجوّز فيه، فأطلق اسم الوادي الّذي هو المحلّ على الحالّ الّذي هو الماء.
(٣) أي: ليس سيل جميع الأودية في زمان واحد، بل بعض في بقعة في زمان وبعض في زمان آخر في بقعة اخرى.
(٤) أي وسخه، أو خبثه.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥١٨.
(٦) ليس في المصدر.
والمصلحة، فينتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه(١) ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار، وبالفلزّ الّذي ينتفع به في صوغ الحلي واتّخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدّة متطاولة. والباطل في قلّة نفعه وسرعة زواله بزبدهما، وبيّن ذلك بقوله:( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ) : يجفأ به، أي: يرمي به السّيل أو الفلزّ المذاب.
وانتصابه، على الحال.
وقرئ(٢) : «جفالا»، والمعنى واحد. يقال(٣) : جفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل.
( وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ ) : كالماء وخلاصة الفلزّات.
( فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) : ينتفع به أهلها.
( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) ) : لإيضاح المشتبهات.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : يقول: أنزل الحقّ من السماء فاحتمله(٥) القلوب بأهوائها، ذو اليقين على قدر يقينه وذو الشّكّ على قدر شكّه، فأحتمل الهوى باطلا كثيرا أو جفاء، فالماء هو الحقّ، والأودية هي القلوب، والسّيل هو الهوى. والزّبد وخبث الحلية هو الباطل، والحلية والمتاع هو الحقّ. من أصاب الحلية والمتاع في الدّين(٦) انتفع به، وكذلك صاحب الحقّ يوم القيامة ينفعه. ومن أصاب الزّبد وخبث الحلية في الدّنيا لم ينتفع به، وكذلك صاحب الباطل يوم القيامة لا ينتفع به.
وفي كتاب الاحتجاج(٧) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: قد بيّن الله قصص المغيّرين فضرب مثلهم بقوله:( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الّذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحلّ ويبطل ويتلاشى عند التّحصيل. والّذي ينفع النّاس منه، فالتّنزيل الحقيقيّ الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والقلوب تقبله. والأرض في هذا الموضع. فهي
__________________
(١) المنافع ـ جمع منقع ـ: وهو المستنقع، أو البحر.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥١٨، والكشاف ٢ / ٥٢٣.
(٣) الكشاف ٢ / ٥٢٣.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٢.
(٥) المصدر: فاحتملته.
(٦) تفسير الصافي ٣ / ٦٥: الدنيا.
(٧) الاحتجاج ١ / ٣٧١.
محلّ العلم وقراره. (الحديث).
( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ) : للمؤمنين، الّذين استجابوا( لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ) : الاستجابة الحسنى.
( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ) : وهم الكفرة.
و «اللّام» متعلّقة «بيضرب» على أنّه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما.
وقيل(١) :( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ) خبر «الحسنى» وهي المثوبة أو الجنّة.( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ) مبتدأ خبره( لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) . وهو على الأوّل كلام مبتدأ لبيان ما آل غير المستجيبين.
( وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ) : وهو المناقشة فيه، بأن يحاسب الرّجل بذنبه ولا يغفر منه شيء.
وفي مجمع البيان(٢) :( أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ) في الحديث: من نوقش في الحساب عذّب.
وقيل(٣) : هو أن لا تقبل لهم حسنة، ولا تغفر لهم سيّئة. وروي ذلك عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
( وَمَأْواهُمْ ) : مرجعهم.
( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) (١٨): المستقرّ. والمخصوص بالذّمّ محذوف.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: يمهدون في النّار.
( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) : فيستجيب.
( كَمَنْ هُوَ أَعْمى ) : عمى القلب، لا يستبصر فيستجيب.
و «الهمزة» لإنكار أن تقع شبهة في تشابهما بعد ما ضرب من المثل.
( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (١٩): ذو والعقول المبرّأة عن مشايعة الإلف ومعارضة الوهم.
في شرح الآيات الباهرة(٥) : نقل ابن مردويه، عن رجاله، بالإسناد إلى ابن
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٨.
(٢) المجمع ٣ / ٢٨٧.
(٣) نفس المصدر والمجلّد / ٢٨٨.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٣.
(٥) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٣١، ح ٧.
عبّاس أنّه قال: إنّ قوله ـ تعالى ـ:( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) هو عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.
وذكر أبو عبد الله(١) ، الحسين بن جبير ـ رحمه الله ـ في «نخب المناقب» قال: روينا حديثا مسندا، عن أبي الورد الإماميّ المذهب، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) هو عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ. و «الأعمى» هنا [هو](٢) عدوّه. «وأولوا الألباب» شيعته الموصوفون بقوله ـ تعالى ـ:( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) المأخوذ عليهم في الذّرّ بولايته ويوم الغدير.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن قصبة(٤) بن خالد قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فأذن لي وليس هو في مجلسه، فخرج علينا من جانب البيت من عند نسائه وليس عليه جلباب. فلما نظر إلينا رحّب بنا(٥) ، ثمّ جلس.
ثمّ قال: أنتم أولوا الألباب في كتاب الله، قال الله:( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
عن أبي العبّاس(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: تفكّر ساعة خير من عبادة سنة، [قال الله](٧) ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .
( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ) : ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيّته حين قالوا: «بلى». أو ما عهد الله عليهم في كتبه.
( وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) ) : ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد. وهو تعميم بعد تخصيص.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : حدّثني أبي، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رحم آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ معلّقة بالعرش تقول: أللّهمّ،
__________________
(١) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٣١، ح ٨.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٧، ح ٢٥.
(٤) المصدر: عقبة.
(٥) المصدر: «قال: أحبّ لقاءكم» بدل «رحب بنا».
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٨، ح ٢٦.
(٧) من المصدر.
(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٦٣.
صل من وصلني واقطع من قطعني. وهي تجري في كلّ رحم. ونزلت هذه الآية في آل محمّد، وما عاهدهم عليه، وما آخذ عليهم من الميثاق في الذّرّ من ولاية أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ بعده، وهو قوله:( الَّذِينَ يُوفُونَ ) (الآية).
( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) من الرّحم، وموالاة المؤمنين، والإيمان بجميع الأنبياء، ويندرج في ذلك مراعاة حقوق النّاس.
وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: إنّ الرّحم معلّقة بالعرش تقول: أللّهمّ، صل من وصلني واقطع من قطعني. وهي رحم آل محمّد، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ ـ إلى قوله ـأَنْ يُوصَلَ ) ورحم كلّ ذي رحم.
عدّة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، عن ابن بكير(٣) ، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .
فقال: قرابتك.
عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان وهشام بن الحكم ودرست ابن أبي منصور، عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( الَّذِينَ ـ إلى قوله ـأَنْ يُوصَلَ ) .
فقال: نزلت في رحم آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد يكون في قرابتك.
ثمّ قال: فلا تكوننّ ممّن يقول للشيء: إنّه في شيء واحد.
وفي الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: وممّا فرض الله ـ تعالى ـ أيضا، في المال [من](٦) غير الزكاة قوله ـ تعالى ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .
__________________
(١) الكافي ٢ / ١٥١، ح ٧.
(٢) الكافي ٢ / ١٥٦، ح ٢٧. وفيه: «عن أحمد بن أبي عبد الله عن ابن فضال» بدل «عن سهل بن زياد».
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابن أبي بكير.
(٤) الكافي ٢ / ١٥٦، ح ٢٨.
(٥) الكافي ٣ / ٤٩٨، ح ٨.
(٦) من المصدر.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(١) : عن العلا بن فضيل(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الرّحم معلّقة بالعرش تقول: أللّهمّ، صل من وصلني واقطع من قطعني. وهي رحم آل محمّد ورحم كلّ مؤمن، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .
عن محمّد بن الفضيل(٣) قال: سمعت العبد الصّالح يقول:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) قال: هي رحم آل محمّد معلّقة بالعرش تقول: أللّهمّ، صل من وصلني واقطع من قطعني. وهي تجري في كلّ رحم.
عن الحسين بن موسى(٤) قال: روى أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .
فقال: هو صلة الإمام في كلّ سنة بما قلّ أو كثر.
ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما أريد(٥) بذلك إلّا تزكيتكم.
( وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) : وعيده عموما.
( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) ) : خصوصا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وفي أصول الكافي(٦) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن صفوان الجمّال قال: وقع بين أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وبين عبد الله بن الحسن كلام حتّى وقعت الضوضاء بينهم، فاجتمع النّاس، فافترقا عشيّتهما بذلك وغدوت في حاجة فإذا أنا بأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ على باب عبد الله بن الحسن وهو يقول: يا جارية، قولي لأبي محمّد [يخرج](٧) .
قال: فخرج، فقال: يا أبا عبد الله، ما كبر بك؟
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٨، ح ٢٧.
(٢) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٥٤٣. وفي النسخ: فضل.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٨، ح ٢٩. وفيه: محمد بن الفضل.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٩، ح ٣٤. وفيه: الحسن بن موسى.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: وما أراد.
(٦) الكافي ٢ / ١٥٥، ح ٢٣.
(٧) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.
قال: إنّي تلوت آية من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ البارحة فأقلقتني.
قال: وما هي؟
قال: قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) فقال: صدقت، لكأنّي لم أقرأ هذه الآية من كتاب [الله ـ جلّ وعزّ ـ](١) فاعتنقا وبكيا.
وفي الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن هشام بن أحمر. وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، جميعا، عن سلمة(٣) ، مولاة أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قالت: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حين حضرته الوفاة، فاغمي عليه، فلمّا أفاق قال: أعطوا الحسن بن عليّ بن الحسين، وهو الأفطس، سبعين دينارا، وأعطوا فلانا كذا [وكذا وفلانا كذا وكذا](٤) .
فقلت: أتعطي رجلا حمل عليك بالشّفرة؟
فقال: ويحك، أما تقرئين القرآن؟
قلت: بلى.
قال: أما سمعت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ـ إلى قوله ـسُوءَ الْحِسابِ ) .
قال ابن محبوب في حديثه: حمل عليك بالشّفرة يريد أن يقتلك؟
فقال: أتريدين على أن لا أكون من الّذين قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ـ إلى قوله ـسُوءَ الْحِسابِ ) نعم، يا سلمة(٥) ، إنّ الله خلق الجنّة وطيّبها وطيّب ريحها [، وإن ريحها](٦) ليوجد من مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاقّ ولا قاطع رحم.
وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الكافي ٧ / ٥٥، ح ١٠.
(٣) المصدر: سالمة.
(٤) من المصدر.
(٥) المصدر: سالمة.
(٦) ليس في أ.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٠٨، ح ٢٨.
ـ صلّى الله عليه وآله ـ: برّ الوالدين وصلة الرّحم يهونان الحساب. ثمّ تلا هذه الآية:( الَّذِينَ يَصِلُونَ ـ إلى قوله ـسُوءَ الْحِسابِ ) .
وفي مجمع البيان(١) : وروى الوليد بن آبان، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: هل على الرّجل في ماله سوى الزكاة؟
قال: نعم، أين ما قال الله:( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ) (الآية).
وفي كتاب معاني الاخبار(٢) : أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه(٣) قال لرّجل: يا فلان، مالك ولأخيك؟
قال: جعلت فداك، كان لي عليه شيء فاستقصيت(٤) عليه(٥) في حقّي.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) أتراهم يخافون(٦) أن يظلمهم أو يجوز عليهم؟ لا، ولكنّهم خافوا الاستقصاء والمداقّة(٧) .
وفي روضة الواعظين(٨) : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا معشر المؤمنين(٩) ، إيّاكم والزّنا، فإنّ فيه ستّ خصال: ثلاث في الدّنيا، وثلاث في الآخرة. أمّا الّتي في الدّنيا، فإنّه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأمّا الّتي في الآخرة، فإنّه يوجب سخط الرّبّ ـ عزّ وجلّ ـ، وسوء الحساب، والخلود في النّار.
وفي الكافي(١٠) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ، عن حمّاد بن عثمان قال: دخل رجل على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فشكا إليه رجلا من أصحابه، فلم يلبث أن جاء المشكوّ إليه(١١) .
فقال له أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما لفلان يشكوك؟
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٨٩.
(٢) المعاني / ٢٤٦، ح ١.
(٣) ليس في أ، ب.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فاستقضيت.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) المصدر: خافوا.
(٧) المداقة: المحاسبة الدقيقة.
(٨) روضة الواعظين ٢ / ٤٦٢.
(٩) المصدر، أ، ب، ر: المسلمين.
(١٠) الكافي ٥ / ١٠٠ ـ ١٠١، ح ١.
(١١) ليس في المصدر.
فقال له: يشكوني أنّي استقصيت منه حقّي.
قال: فجلس أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ مغضبا، ثمّ قال: كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسئ، أرأيتك ما حكى الله ـ عزّ وجلّ ـ فقال:( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) ترى أنّهم خافوا الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يجوز عليهم؟ لا والله، ما خافوا إلّا الاستقصاء، فسمّاه(١) الله ـ جلّ وعزّ ـ:( سُوءَ الْحِسابِ ) ، فمن استقصى(٢) فقد أساء.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي إسحاق قال: سمعته يقول في( سُوءَ الْحِسابِ ) : لا تقبل حسناتهم، ويؤخذون بسيّئاتهم(٤) .
عن هشام بن سالم(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) [قال: تحسب عليهم السّيّئات و [لا](٦) تحسب لهم الحسنات](٧) وهو الاستقصاء.
عن هشام بن سالم(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) قال: الاستقصاء والمداقّة.
وقال: تحسب عليهم السّيّئات، ولا تحسب لهم الحسّنات.
وفي مصباح الشّريعة(٩) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: لو لم يكن للحساب مهولة(١٠) إلّا حياء العرض على الله وفضيحة(١١) هتك السّتر على المخفيات، لحقّ للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال، ولا يأوي إلى عمران، ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام إلّا عن اضطرار متصل بالتّلف.
( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ) : على ما تكرهه النّفس ويخالفه الهوى.
( ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) : طلبا لرضاه، لا لرياء أو سمعة أو نحوهما.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) : المفروضة.
( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) : بعض الّذي وجب عليهم إنفاقه.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فسمّى.
(٢) المصدر: زيادة «به».
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٠، ح ٣٧.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويؤخرون سيّئاتهم.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٠، ح ٣٨.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس في أ، ب، ر.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٠، ح ٣٩.
(٩) مصباح الشريعة / ٨٥.
(١٠) المصدر: محولة.
(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فضيحته.
( سِرًّا ) : في السّرّ، كمن لم يعرف به.
( وَعَلانِيَةً ) : وفي العلانية، كمن عرف به.
( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) : ويدفعونها بها، فيجازون الإساءة بالإحسان.
أو يتبعون الحسنة السّيّئة، فتمحوها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن حمّاد، عن أبي بصير، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ(٢) ، ما من دار فيها فرحة إلّا تبعها ترحة(٣) ، وما من له(٤) همّ إلّا وله فرج إلّا همّ أهل النّار فإذا عملت سيّئة فاتبعها بحسنة تمحها سريعا، وعليك بصنايع الخير فإنّها تدفع مصارع السّوء.
وإنّما قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ على حدّ تأديب النّاس، لا بأنّ لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ(٥) سيّئات عملها.
( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) (٢٢): عاقبة الدّنيا، وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنّة.
والجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء، وإن جعلت صفات «لأولي الألباب» فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصّفات.
( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) : بدل من( عُقْبَى الدَّارِ ) . أو مبتدأ خبره( يَدْخُلُونَها ) .
و «العدن» الإقامة، أي: جنّات يقيمون فيها. وقد مضى في شأنها أخبار.
وقيل(٦) : هو بطنان الجنّة.
وفي كتاب الخصال(٧) ، في احتجاج عليّ ـ عليه السّلام ـ على النّاس يوم الشّورى قال: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّتي الّتي وعدني الله، ربّي، جنّات عدن، قضيب غرسه [الله](٨) بيده ثمّ قال له: كن فكان، فليوال عليّ بن أبي طالب وذرّيّته من بعده، فهم الأئمّة وهم الأوصياء، أعطاهم الله علمي وفهمي، لا يدخلونكم في باب ضلال ولا
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٤.
(٢) ليس في ب.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: مرحة.
(٤) ليس في المصدر.
(٥) المصدر: زيادة «له».
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٧) الخصال ٢ / ٥٥٨، ح ٣١.
(٨) من المصدر.
يخرجونكم من باب هدى، لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، يزول الحقّ معهم أينما زالوا غيري؟
قالوا: أللّهمّ، لا.
وعن عليّ(١) ـ عليه السّلام ـ أنّه سأله بعض اليهود، فقال: أين يسكن نبيّكم من الجنّة؟
قال: في أعلاها درجة وأشرفها مكانا، في جنّات عدن.
قال: صدقت، والله، إنّه لبخطّ هارون وإملاء موسى.
وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المغرا، عن محمّد بن سلام، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنّة عدن الّتي غرسها الله بيده، فليوال(٣) عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ، وليتولّ وليّه، وليعاد عدوّه، وليسلّم للأوصياء من بعده، فإنّهم عترتي من لحمي ودمي، أعطاهم الله فهمي وعلمي، إلى الله أشكو أمر أمّتي المنكرين(٤) لفضلهم القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله، ليقتلنّ(٥) ابني لا أنالهم الله شفاعتي.
وفيمن لا يحضره الفقيه(٦) : في خبر بلال، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ الّذي يذكر فيه صفة الجنّة قال: فقلت لبلال: هل وسطها غيرها؟
قال: نعم، جنّة عدن وهي في وسط الجنان، وأمّا جنّة عدن فسورها ياقوت أحمر وحصاها اللؤلؤ.
( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) : عطف على المرفوع في «يدخلون»، وإنّما ساغ للفصل بالضّمير الآخر. أو مفعول معه، والمعنى: أنّه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم، تبعا لهم وتعظيما لشّأنهم. وهو دليل على أنّ الدّرجة تعلو بالشّفاعة، وأنّ الموصوفين بتلك الصّفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنّة زيادة في أنسهم.
__________________
(١) الخصال ٢ / ٤٧٧، ح ٤٠.
(٢) الكافي ١ / ٢٠٩، ح ٥.
(٣) المصدر: فليتولّ.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: المنكرون.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لتقتلنّ.
(٦) الفقيه ١ / ١٩٣، ح ٩٠٥.
وفي التّقييد بالصّلاح دلالة على أنّ مجرّد الأنساب لا ينفع.
وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق قال: حدّثني الثّقة من أصحاب أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّهم سمعوا أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول في خطبة له: أللّهمّ، وإنّي لأعلم أنّ العلم لا يأرز(٢) كلّه ولا تنقطع موادّه(٣) ، وأنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حجّتك ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم وكم [هم](٤) ؟
أولئك الأقلّون عددا والأعظمون عند الله ـ جلّ ذكره ـ قدرا(٥) ، المتّبعون لقادة الدّين الأئمّة الهادين، الّذين يتأدّبون بآدابهم وينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم(٦) على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، ويستلينون(٧) من حديثهم ما استوعر(٨) على غيرهم، ويأنسون بما استوحش منه(٩) المكذّبون وأباه المسرفون.
أولئك أتباع العلماء، صحبوا أهل الدّنيا بطاعة الله ـ تبارك وتعالى ـ وأوليائه(١٠) ، ودانوا بالتّقيّة على دينهم والخوف من عدوّهم، فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحقّ، وسيحقّ الله الحقّ بكلماته ويمحق الباطل، ها ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنّات عدن( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) .
وفي تفسير العيّاشي(١١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن الرّجل المؤمن له
__________________
(١) الكافي ١ / ٣٣٥، ح ٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يأزر. ويأرز: يتقبض.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: مراده.
(٤) يوجد في نور الثقلين ٢ / ١٠٥، ح ٤٩٨ مع المعقوفتين.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: قدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: المعلم.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويستنبئون.
(٨) استوعر أي: استصعب.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: استوحشوا منهم.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأوليائه.
(١١) عنه المجمع ٥ / ٢١٠.
امرأة مؤمنة يدخلان الجنّة، يتزوّج أحدهما الآخر؟
فقال: إنّ الله حكم عدل، إذا كان أفضل منها خيّره، فإن اختارها كانت من أزواجه. وإن كانت هي خيرا منه خيّرها، فإن اختارته كان زوجا لها.
وفي كتاب الخصال(١) : عن موسى بن إبراهيم [عن الحسن](٢) ، عن أبيه رفعه(٣) بإسناده رفعه إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ أمّ سلمة قالت له: بأبي أنت وأمّي، المرأة يكون لها زوجان فيموتان فيدخلان الجنّة، لأيّهما تكون؟
فقال: يا أمّ سلمة، تخيّر أحسنهما خلقا وخيرهما لأهله. يا أمّ سلمة، إنّ حسن الخلق ذهب بخير الدّنيا والآخرة.
( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) (٢٣): من أبواب المنازل.
قيل(٤) : أو من أبواب الفتوح(٥) والتّحف قائلين:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) : بشارة بدوام السّلامة.
( بِما صَبَرْتُمْ ) : متعلّق «بعليكم»، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم.
قيل(٦) : لا «بسلام» فإنّ الخبر فاصل(٧) . والباء للسّببيّة، أو للبدليّة.
( فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (٢٤) :
__________________
(١) الخصال ١ / ٤٢، ح ٣٤.
(٢) من المصدر.
(٣) ليس في المصدر.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٥) الأظهر: «الفتوخ» بدل «الفتوح». والفتوخ، جمع الفتخ أو الفتخة.
والفتخ: كلّ خلخال لا يصلصل. والفتخة: حلقة من ذهب أو فضّة لا فصّ لها تلبس في البنصر، كالخاتم.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٧) قوله: «لا بسلام، فإنّ الخبر فاصل»، أي :لا يتعلّق «بما صبرتم» ب «سلام» لوجود الفاصل بينهما وهو «عليكم». وهذا خلاف ما قاله صاحب الكشّاف، فإنّه قال: يجوز أن يتعلّق «بما صبرتم» ب «سلام»، أي: يسلّم عليكم ويكر مكم بصبركم. وما قاله المصنّف هو المشهور بين النّحاة، لأن المصدر في حكم «أن مع الفعل» والفصل بين بعض الصّلة وبعضها لا يجوز. وقال الرّضيّ: أنا لا أرى منعا من ذلك، وليس كلّ ما أوّل شيء بكلمة حكم ما أوّل به، فلا منع من تأويله بالحرف المصدريّ من جهة المعنى مع أنّه لا يلزمه أحكامه. وكلام صاحب الكشّاف يؤيّد ما ذكره الرّضيّ.
وقرئ(١) : «فنعم» بفتح النّون، والأصل «نعم» فسكّن العين بنقل كسرتها إلى الفاء وبغيره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي عن، حمّاد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت في الأئمة ـ عليهم السّلام ـ وشيعتهم الّذين صبروا.
وحدثني(٣) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: نحن صبر [نا](٤) وشيعتنا أصبر منّا، لأنّا صبرنا بعلم وصبروا على ما لا يعلمون.
حدّثني أبي(٥) ، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يصف فيه حال المؤمن إذا دخل الجنان والغرف، وفيه: ثمّ يبعث الله له ألف ملك يهنّئونه بالجنّة ويزوّجونه بالحوراء(٦) ، فينتهون إلى أوّل باب من جنانه، فيقولون للملك الموكّل بأبواب الجنان: استأذن لنا على وليّ الله، فإن الله قد بعثنا مهنّئين.
فيقول الملك الموكّل(٧) : قفوا حتّى أقول للحاجب فيعلمه مكانكم.
قال: فيدخل الملك(٨) إلى الحاجب، وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان، حتّى ينتهي إلى أوّل باب.
فيقول للحاجب: إنّ على باب العرصة(٩) ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين، جاؤوا يهنّئون وليّ الله، وقد سألوا أن استأذن لهم عليه.
فيقول له الحاجب: إنّه ليعظم عليّ أن استأذن لأحد على وليّ الله وهو مع زوجته.
قال: وبين الحاجب وبين وليّ الله جنّتان، فيدخل الحاجب على القيّم.
فيقول له: إنّ على باب العرصة(١٠) ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين يهنّئون وليّ الله، فاستأذن [لهم](١١) .
__________________
(١) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٢ و ٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(٥) نفس المصدر ٢ / ٢٤٦ ـ ٢٤٨.
(٦) المصدر: زيادة «قال».
(٧) ليس في المصدر.
(٨) ليس في أ.
(٩) المصدر: الغرفة.
(١٠) المصدر: الغرفة.
(١١) من المصدر.
فيقوم القيّم إلى الخدّام، فيقول لهم: إنّ رسل الجبّار على باب العرصة، وهم ألف ملك، أرسلهم يهنّئون وليّ الله فأعلموه(١) مكانهم.
قال: فيعلمونه الخدّام مكانهم.
قال: فيؤذن لهم، فيدخلون على وليّ الله وهو في الغرفة ولها ألف باب، وعلى كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به. فإذا أذن للملائكة بالدّخول على وليّ الله [وهو في الغرفة](٢) فتح كلّ ملك بابه الّذي قد وكل به، فيدخل كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة فيبلغونه رسالة الجبّار، وذلك قول الله ـ تعالى ـ:( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) ، يعني: من أبواب الغرفة( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .
وفي روضة الكافي(٣) ، مثله سندا ومتنا.
وفي الصّحيفة السّجّاديّة(٤) ، في دعائه ـ عليه السّلام ـ في الصّلاة على حملة العرش قال ـ عليه السّلام ـ بعد أن عدّ أصنافا من الملائكة: والّذين يقولون:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .
وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: ثمّ قال: إنّ طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللّذّات والشّهوات، أعني لكم: الحلال ليس الحرام. قال: فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم. قال: فألقى الله في همم(٦) أولئك الملائكة اللّذّات والشّهوات كي لا يعيبوا المؤمنين، فلمّا أحسّوا ذلك [من هممهم](٧) عجّوا إلى الله من ذلك فقالوا: ربّنا، عفوك عفوك، ردّنا إلى ما خلقتنا له واخترتنا عليه فإنّا نخاف أن نصير في أمر مريج(٨) . قال: فنزع الله ذلك [من هممهم](٩) . قال: فإذا كان يوم القيامة، وصار أهل الجنّة في الجنّة، استأذن أولئك الملائكة على أهل الجنّة فيؤذن لهم، فيدخلون عليهم [فيسلّمون عليهم](١٠) ويقولون لهم:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ) [في الدنيا عن اللذات
__________________
(١) المصدر: فأعلمهم.
(٢) يوجد في ب، ر.
(٣) الكافي ٨ / ٩٥ ـ ٩٨، ح ٦٩.
(٤) الصحيفة السجادية الدعاء الثالث / ٣٦.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١١.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: همّة.
(٧) من المصدر.
(٨) أمر مريج: مختلط أو ملتبس.
(٩ و ١٠) من المصدر.
والشهوات الحلال.
عن محمد بن الهيثم(١) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ) على الفقر في الدنيا](٢) ( فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) قال: يعني: الشّهداء.
وفي كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستي(٣) ، بإسناده إلى أبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: وما نال الفوز في القيامة إلّا الصّابرون، إنّ الله يقول:( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) قال:( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .
( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ ) :
قيل(٤) : يعني: مقابلي الأوّلين.
( مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) : من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : يعني: في أمير المؤمنين. وهو الّذي أخذ الله عليهم في الذّرّ، وأخذ عليهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بغدير خمّ.
( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) : من الرّحم وغيرها.
( وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) : بالظّلم وتهييج الفتن.
( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (٢٥): عذاب جهنّم. أو سوء عاقبة الدّنيا، لأنّه في مقابلة( عُقْبَى الدَّارِ ) .
وفي أصول الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد [وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا](٧) ، عن عمرو(٨) بن عثمان، عن محمّد بن عذافر، عن بعض أصحابهما(٩) ، عن محمّد بن مسلم وأبي حمزة، عن أبي عبد الله، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ: يا بنيّ إيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإنّي(١٠) وجدته ملعونا في
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١١، ح ٤٣.
(٢) من المصدر.
(٣) نور الثقلين ٢ / ٥٠١، ح ١١٤.
(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٦٣.
(٦) الكافي ٢ / ٦٤١، ح ٧.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٦٢٤. وفي النسخ: عمر.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أصحابه.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأنّه.
كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ في ثلاثة(١) مواضع، قال:( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ ) (الآية).
وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل في تعداد الكبائر وبيانها عن كتاب الله، وفيه: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ونقض العهد وقطيعة الرّحم، لأن الله ـ تعالى ـ يقول:( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) .
( اللهُ ) : وحده، لا يشاركه في البسط والقبض غيره.
( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) : يوسعه ويضيّقه.
( وَفَرِحُوا ) ، أي: القاطعون.
وقيل(٣) : أهل مكّة.
( بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) : بما بسط لهم في الدّنيا.
( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ ) : في جنب الآخرة.
( إِلَّا مَتاعٌ ) (٢٦): إلّا متعة لا تدوم، كعجالة الرّاكب وزاد الرّاعي.
والمعنى: أنّهم اشتروا بما نالوا من الدّنيا، ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغترّوا بما هو في جنبه نزر قليل النّفع سريع الزّوال.
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) : باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات.
( وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) ) : أقبل إلى الحقّ ورجع عن العناد.
وهو جواب يجري مجرى التّعجّب من قولهم، كأنّه قال: قل لهم: ما أعظم عنادكم، إنّ الله يضلّ من يشاء ممّن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كلّ آية، ويهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات.
( الَّذِينَ آمَنُوا ) : بدل من «من». أو خبر مبتدأ محذوف.
( وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ) : أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه. أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته. أو بذكر دلائله الدالّة على وجوده ووحدانيّته. أو بكلامه، يعني: القرآن، الّذي هو أقوى المعجزات.
وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن خالد بن نجيح، عن جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ [في
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثلاث.
(٢) العيون ١ / ٢٢٣ ـ ٢٢٤، ح ٣٣.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥١٩.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١١، ح ٤٤.
قوله:( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ](١) قال: بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ تطمئنّ [القلوب](٢) ، وهو ذكر الله وحجابه.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : «الّذين آمنوا» الشّيعة، و «ذكر الله» أمير المؤمنين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.
وحال الخبرين واحد لا اختلاف بينهما، لأنّ محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ والأئمة ـ عليهم السّلام ـ واحد في كونهم ذكر الله.
( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) ) : تسكن إليه.
( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) : مبتدأ خبره( طُوبى لَهُمْ ) . وهو فعلى، من الطّيب، قلبت ياؤه واوا لضمّه ما قبلها، مصدر لطاب، كبشرى وزلفى.
ويجوز فيه الرّفع والنّصب(٤) ، كقولك: طيبا لك، وطيب لك. ولذلك قرئ.
( وَحُسْنُ مَآبٍ ) (٢٩): بالرّفع والنّصب.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، وفيه يقول ـ صلّى الله عليه وآله ـ: دخلت الجنّة وإذا أنا بشجرة(٦) ، لو أرسل طائر في أصلها ما دارها سبعمائة عام(٧) ، وليس في الجنّة منزل إلّا وفيها فرع(٨) منها، فقلت: ما هذه، يا جبرئيل؟
فقال: هذه شجرة طوبى، قال الله ـ تعالى ـ:( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) .
حدّثني أبي(٩) ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «طوبى» شجرة في الجنّة في دار أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ. وليس أحد من شيعة إلّا وفي داره غصن من أغصانها وورق من أوراقها، تستظلّ(١٠) تحتها أمّة من
__________________
(١) من المصدر.
(٢) من المصدر.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(٤) الرفع بأنّه مبتدأ و «لهم» خبره، أو خبر و «لهم» صلة. والنصب بأنّه مفعول فعل مقدر، وهو «طابوا».
(٥) تفسير القمّي ٢ / ١٠ ـ ١١.
(٦) المصدر: «شجرة» بدل «أنا بشجرة».
(٧) المصدر: تسعمائة سنة.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: شجر.
(٩) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(١٠) المصدر: يستضلّ.
الأمم.
وعنه(١) [قال](٢) : كان ـ صلّى الله عليه وآله ـ يكثر تقبيل فاطمة ـ عليها السّلام ـ فأنكرت ذلك عائشة.
فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عائشة، إنّي لـمّا أسري بي إلى السّماء دخلت الجنّة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها، فأكلته فحول الله ذلك ماء في ظهري. فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة، فحملت بفاطمة، [وكلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها](٣) ، وما قبّلتها قطّ إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها، [فهي حوراء أنسيّة](٤) .
وأمّا ما رواه(٥) الشّيخ أبو جعفر الطوسيّ ـ رضي الله عنه ـ، عن رجاله، عن الفضل بن شاذان وكتبه في كتابه «مسائل البلدان» يرفعه إلى سلمان الفارسيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: دخلت على فاطمة ـ عليها السّلام ـ والحسن والحسين ـ عليهما السّلام ـ يلعبان بين يديها ففرحت بهما فرحا شديدا، فلم ألبث حتّى دخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفضيلة هؤلاء لأزداد لهم حبّا.
فقال: يا سلمان، ليلة اسري بي إلى السّماء أدارني جبرئيل في سماواته وجنانه، فبينما أنا أدور في قصورها وبساتينها ومقاصيرها إذ شممت رائحة طيّبة، فأعجبتني تلك الرّائحة.
فقلت: يا حبيبي: ما هذه الرّائحة الّتي غلبت على روائح الجنّة كلّها؟
فقال: يا محمّد، تفاحة خلقها الله ـ تبارك وتعالى ـ بيده منذ ثلاثمائة ألف عام، ما ندري ما يريد بها.
فبينا أنا كذلك إذ رأيت ملائكة ومعهم تلك التّفاحة.
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(٢) من المصدر.
(٣ و ٤) ليس في المصدر.
(٥) تأويل الآيات ١ / ٢٣٦، ح ١٦.
[فقالوا: يا محمّد، ربّنا السلام يقرأ عليك السلام وقد أتحفك بهذه التفاحة](١) .
قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فأخذت تلك التّفاحة فوضعتها تحت جناح جبرئيل. فلمّا هبط بي إلى الأرض أكلت تلك التّفاحة، فجمع الله ماءها في ظهري، فغشيت خديجة بنت خويلد فحملت بفاطمة من ماء التّفاحة.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ [إليّ](٢) أن قد ولد لك حوراء أنسيّة، فزوّج النّور من النّور، فاطمة من عليّ، فإنّي قد زوّجتها في السّماء وجعلت خمس الأرض مهرها، وستخرج فيما بينهما ذرّيّة طيّبة وهما سراجا الجنّة، الحسن والحسين، ويخرج من صلب الحسين أئمّة يقتلون ويخذلون، فالويل لقاتلهم وخاذلهم».
فلا ينافي الخبر الّذي قدّمناه، لأنّه ليس في ذلك الخبر أنّ تلك التّفاحة من أيّ شجرة، ويحمل على أنّها من شجرة طوبى ليوافق الخبر الأوّل، وليس في الخبر الأوّل أنّه ـ عليه السّلام ـ أين أكلها، ويحمل على أنّه أكلها حين هبط ليتوافق الخبران.
وفي أصول الكافي(٣) : عنه، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فإنّ لأهل الدّين علامات يعرفون بها، صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، ورحمة الضعفاء، وقلّة المراقبة للنّساء، أو قال قلّة الموافاة(٤) للنّساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الخلق، واتّباع العلم وما يقرّب إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ زلفى( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) .
و «طوبى» شجرة في الجنّة، أصلها في دار النّبيّ محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وليس مؤمن إلّا وفي داره غصن منها، لا يخطر على قلبه شهوة [شيء](٥) إلّا أتاه به ذلك. ولو أنّ راكبا مجدّا سار في ظلّها مائة عام ما خرج منه، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى يسقط [هرما](٦) ، ألا ففي هذا فارغبوا. إنّ المؤمن من نفسه في شغل والنّاس منه في راحة، إذا جنّ عليه اللّيل افترش وجهه وسجد لله ـ عزّ وجلّ ـ بمكارم بدنه، يناجي الّذي خلقه في فكاك رقبته، ألا فهكذا كونوا.
وفي عيون الأخبار(٧) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ولقد حدّثني
__________________
(١ و ٢) من المصدر.
(٣) الكافي ٢ / ٢٣٩، ح ٣٠.
(٤) المصدر: المؤاتاة.
(٥ و ٦) من المصدر.
أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ في «أ ـ ب ـ ت ـ ث» قال: «الألف» آلاء الله.
إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: و «الطّاء» طوبى للمؤمنين وحسن مآب.
وبإسناده(١) إلى الرّضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عليّ، أنت المظلوم بعدي، وأنت صاحب شجرة طوبى في الجنّة أصلها في دارك وأغصانها في دور(٢) شيعتك ومحبيك. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي كتاب الخصال(٣) : عن محمّد بن سالم، رفعه إلى أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: تعلّموا تفسير أبجد.
... إلى أن قال ـ صلوات الله عليه ـ: وأمّا «حطّي» فالحاء، حطوط للخطايا عن المستغفرين في ليلة القدر وما نزل به جبرئيل مع الملائكة إلى مطلع الفجر. وأمّا الطّاء ف( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) وهي شجرة غرسها الله ـ تبارك وتعالى ـ بيده ونفخ فيها من روحه، وأنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنّة، تنبت بالحلي والحلل، والثّمار متدلّية على أفواههم.
عن أبي سعيد الخدريّ(٤) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من رزقه الله حبّ الأئمّة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدّنيا والآخرة، فلا يشكّنّ أحد أنّه في الجنّة، فإنّ في حبّ أهل بيتي عشرين(٥) خصلة: عشرة منها في الدّنيا وعشرة منها في الآخرة، فأمّا الّتي في الدّنيا فالزّهد والحرص على العلم.
... إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ بعد تعدادها: فطوبى لهم(٦) لمحبّي أهل بيتي.
وفي احتجاج(٧) عليّ ـ عليه السّلام ـ يوم الشّورى على النّاس قال: نشدتكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عليّ، إنّ الله خصّك بأمر وأعطاكه، ليس من الأعمال شيء أحبّ إليه ولا أفضل منه عنده الزّهد في الدّنيا، فليس
__________________
(٧) نور الثقلين ٢ / ٥٠٤، ح ١٢٥.
(١) العيون ١ / ٢٣٦ ـ ٢٣٧، ح ٦٣.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: دار.
(٣) الخصال ١ / ٣٣١ ـ ٣٣٢، ح ٣٠.
(٤) الخصال ١ / ٥١٥، ح ١.
(٥) المصدر: عشرون.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) الخصال ٢ / ٥٥٦، ح ٣١.
تنال منها شيئا ولا تناله منك، وهو زينة الأبرار عند الله ـ عزّ وجلّ ـ يوم القيامة، فطوبى لمن أحبّك وصدّق عليك، وويل لمن أبغضك وكذّب عليك [غيري](١) .
قالوا: أللّهمّ، لا.
[وفي هذا الاحتجاج(٢) أيضا](٣) [قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٤) كما قال لي: إنّ طوبى شجرة في الجنّة، أصلها في دار عليّ، ليس من مؤمن إلّا في داره غصن من أغصانها غيري؟
قالوا: أللّهمّ، لا.
عن أبي أمامة(٥) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: طوبى لمن رآني ثمّ آمن بي، وطوبى [ثمّ طوبى](٦) ، يقولها سبع مرّات، لمن(٧) لم يرني وآمن بي.
وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٨) ، بإسناده إلى مروان بن مسلم: عن أبي بصير قال: قال الصّادق، جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية.
قيل له: جعلت فداك، وما طوبى؟
قال: شجرة في الجنّة في دار عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. وليس من مؤمن إلّا وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) .
وبإسناده(٩) إلى أبي حمزة: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتمّ به في غيبته قبل قيامه، ويتولّى أولياءه، ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذو [ي](١٠) مودّتي وأكرم أمّتي عليّ يوم القيامة.
وفي تفسير العيّاشي(١١) : عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر، محمّد بن
__________________
(١) من المصدر.
(٢) الخصال ٢ / ٥٥٨، ح ٣١.
(٣) من نور الثقلين ٢ / ٥٠٥، ح ١٢٩.
(٤) من المصدر.
(٥) الخصال ٢ / ٣٤٢، ح ٦.
(٦) من المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: إن.
(٨) كمال الدين ٢ / ٣٥٨، ح ٥٥.
(٩) كمال الدين ١ / ٢٨٦، ح ٢.
(١٠) من المصدر.
عليّ، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: بينما رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالس ذات يوم إذ دخلت [عليه](١) أم أيمن، في ملحفتها(٢) شيء.
فقال لها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أمّ أيمن، أيّ شيء في ملحفتك؟
فقالت: يا رسول الله، فلانة بنت فلانة أملكوها(٣) فنثروا عليها فأخذت [من نثارها شيئا. ثمّ إنّ أمّ أيمن بكت.
فقال لها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما يبكيك؟
فقالت: فاطمة](٤) زوّجتها فلم ينثر عليها [شيئا](٥) .
فقال لها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا تبكين، فو الّذي بعثني بالحقّ نبيا(٦) بشيرا ونذيرا، لقد شهد إملاك فاطمة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل في ألوف من الملائكة، ولقد أمر الله طوبى فنثرت عليهم من حللها وسندسها وإستبرقها ودرّها وزمرّدها وياقوتها وعطرها، فأخذوا منه حتّى ما دروا ما يضعون به، ولقد نحل الله طوبى في مهر(٧) فاطمة فهي في دار عليّ بن أبي طالب.
عن أبي حمزة(٨) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: طوبى هي شجرة تخرج من جنّة عدن، غرسها ربّنا بيده.
عن أبي عبد الله(٩) ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ المؤمن إذا لقي أخاه وتصافحا(١٠) ، لم تزل الذّنوب تتحاتّ(١١) عنهما ما داما متصافحين، كتحاطّ الورق عن الشّجر، فإذا افترقا، قال ملكاهما: جزاكما الله خيرا عن أنفسكما فإن التزم كلّ واحد منهما صاحبه، ناداهما مناد: طوبى لكما وحسن مآب. و «طوبى» شجرة في الجنّة أصلها في دار أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وفرعها في منازل أهل الجنّة. فإذا افترقا، ناداهما ملكان كريمان: أبشرا، يا وليّي الله، بكرامة الله والجنّة من ورائكما.
__________________
(١١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١١ ـ ٢١٢، ح ٤٥.
(١) من المصدر.
(٢) الملحفة: الملاءة التي تلتحف بها المرأة.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ملكوها.
(٤) ليس في أ، ب، ر.
(٥) من المصدر.
(٦) ليس في المصدر.
(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: لمهر.
(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٢، ٤٧.
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٢ ـ ٢١٣، ح ٤٩.
(١٠) المصدر: فصافحا.
(١١) تحاتّ الورق عن الشجر: تناثر.
وفي كتاب ثواب الأعمال(١) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من أطعم ثلاثة نفر من المؤمنين، أطعمه الله من ثلاث جنات: ملكوت [السماء](٢) الفردوس، وجنّة عدن، وطوبى هي شجرة من جنّة عدن غرسها ربّنا بيده.
وفي مجمع البيان(٣) : وروى الحاكم، أبو القاسم الحسكانيّ، بإسناده، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ قال: سئل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن طوبى.
[قال: شجرة أصلها في داري، وفرعها على أهل الجنّة.
ثمّ سئل عنها مرّة أخرى، فقال :](٤) في دار عليّ.
فقيل له في ذلك، فقال: إنّ داري ودار عليّ في الجنّة بمكان واحد.
( كَذلِكَ ) : مثل ذلك، يعني: إرسال الرّسل قبلك.
( أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها ) : تقدّمتها(٥) .
( أُمَمٌ ) : أرسلوا إليهم، فليس ببدع إرسالك إليها.
( لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) : لتقرأ عليهم الكتاب الّذي أوحينا إليك.
( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ) : وحالهم أنّهم يكفرون بالبليغ الرّحمة، الّذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كلّ شيء رحمته، فلم يشكروا نعمته، وخصوصا ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الّذي هو مناط المنافع الدّينيّة والدّنيويّة عليهم.
وقيل(٦) : نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: اسجدوا للرّحمن، فقالوا: وما الرّحمن(٧) ؟
( قُلْ هُوَ رَبِّي ) ، أي: الرّحمن خالقي، ومتولّي أمري.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) : لا مستحقّ للعبادة سواه.
( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) : في نصرتي عليكم.
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٩١.
(٢) ليس في أ، ب، ر.
(٣) ثواب الأعمال / ١٦٥، ح ١.
(٤) من المصدر.
(٥) أ، ب: تقدّمها.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٧) فالمعنى: يكفرون بإطلاق هذا الاسم عليه ـ تعالى ـ، أي: ينكرون إطلاقه عليه.
( وَإِلَيْهِ مَتابِ ) (٣٠): مرجعي ومرجعكم، فيثبّتني على مجاهدتي ومصابرتي ويعاقبكم على مخالفتي.
( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ) : شرط حذف جوابه، والمراد منه تعظيم شأن القرآن أو المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم، أي: ولو أنّ كتابا زعزعت به الجبال عن مقارّها.
( أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ) : تصدّعت من خشية الله عند قراءته. أو شققت، فجعلت أنهارا وعيونا.
( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ) : فتسمع وتجيب عند قراءته لكان هذا القرآن، لأنّه الغاية في الإعجاز والنّهاية في التّذكير والإنذار، أو لما آمنوا به، كقوله: «ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة» [الآية](١) .
وقيل(٢) : إنّ قريشا قالوا: يا محمّد، إن سرّك أن نتّبعك فسيّر بقرآنك الجبال عن مكّة حتّى تتّسع لنا، فنتّخذ فيها بساتين وقطائع. أو سخّر لنا به الرّيح، لنركبها ونتّجر إلى الشّام. أو ابعث لنا قصيّ بن كلاب وغيره من آبائنا، ليكلّمونا فيك. فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسّير.
وقيل(٣) : الجواب مقدّم، وهو قوله: «وهم يكفرون بالرّحمن» وما بينهما اعتراض. وتذكير «كلّم» خاصّة(٤) لاشتمال الموتى على المذكّر الحقيقيّ.
وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن أبي زاهر [أ](٦) وغيره، عن محمّد بن حمّاد، عن أخيه، أحمد بن حمّاد، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: جعلت فداك، أخبرني عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ورث النّبيّين كلّهم؟
قال: نعم.
قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟
قال: ما بعث الله نبيّا إلّا ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أعلم منه.
__________________
(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٤) أي: تذكيره دون «قطّعت» و «سيّرت».
(٥) الكافي ١ / ٢٢٦، ح ٧.
(٦) من المصدر.
قال: قلت: إنّ عيسى ابن مريم ـ عليه السّلام ـ كان يحيي الموتى بإذن الله.
قال: صدقت.
وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطّير، وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقدر على هذه المنازل؟
قال: فقال: إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشكّ في أمره:( فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) حين فقده وغضب عليه، فقال:( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) . وإنّما غضب، لأنّه كان يدلّه على الماء. فهذا وهو طائر قد اعطي ما لم يعط سليمان، وقد كانت الرّيح والنّمل والإنس والجنّ والشّياطين [و](١) المردة له طائعين، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكان الطّير يعرفه، وإنّ الله يقول في كتابه:( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً ) (الآية) وقد ورثنا نحن هذا القرآن [الذي](٢) فيه ما تسيّر به الجبال، وتقطّع به البلدان، وتحيى به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء. وإنّ في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلّا أن يأذن الله به، مع ما قد يأذن الله، ممّا كتبه الماضون(٣) جعله الله لنا في أمِّ الكتاب. إنّ الله يقول:( وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) . ثمّ قال:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) فنحن الّذين اصطفانا الله ـ عزّ وجلّ ـ وأورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كلّ شيء.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: لو كان شيء من القرآن كذلك، لكان هذا.
( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) : بل لله القدرة على كلّ شيء.
وهو إضراب عمّا تضمّنته «لو» من معنى النّفي(٥) ، أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكنّ الإرادة لم تتعلّق بذلك لعلمه بأنّه لا تلين له شكيمتهم.
__________________
(١) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.
(٢) من المصدر.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: المأمنون.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥.
(٥) قوله: «وهو إضراب عمّا تضمّنته لو من معنى النّفي» إذ يفهم منها أنّه لم يوجد قرآن كذلك فكأنّه قيل: لم يوجد قرآن سيّرت به الجبال الخ( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) بمعنى الإضراب عن المقدّر المذكور، لكن لا يخفى أنّ الملائم للإضراب أن يكون الجواب المقدّر: لما آمنوا، حتّى يكون المعنى: ولو وجد قرآن بالوصف المذكور لما آمنوا، أي: ليس القرآن المذكور موجبا لإيمانهم( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) فإيمانهم منوط بإرادته.
قيل(١) : ويؤيّد ذلك قوله:( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ) : عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم.
وقيل(٢) : أي: أفلم يعلم. وهو لغة قوم من النّخع.
وقيل(٣) : إنّما استعمل اليأس بمعنى: العلم، لأنّه مسبّب عن العلم، فإنّ الميئوس عنه لا يكون إلّا معلوما(٤) .
وفي مجمع البيان(٥) : قرأ عليّ وعليّ بن الحسين وجعفر بن محمّد ـ عليهم السّلام ـ: «أفلم يتبيّن».
وقيل(٦) : تنسب هذه القراءة إلى جماعة من الصّحابة والتّابعين، وهو تفسيره.
( أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) ، معناه: نف هدى بعض النّاس لعدم تعلّق المشيئة باهتدائهم.
وهو على الأول متعلّق بمحذوف، تقديره: أفلم ييأس الّذين آمنوا عن إيمانهم علما منهم أن لو يشاء الله لهدى النّاس جميعا [، أو ب «آمنوا»](٧) .
( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا ) : من الكفر وسوء الأعمال.
( قارِعَةٌ ) : داهية تقرعهم وتقلعهم وتهدّمهم.
( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ) : فيفزعون منها، ويتطاير إليهم شرورها.
وقيل(٨) : الآية في كفار مكّة لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فإنّه كان ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا يزال يبعث السّرايا عليهم فتغير(٩) حواليهم وتختطف مواشيهم. وعلى هذا يجوز أن يكون تحلّ خطابا للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فإنّه حلّ بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية.
( حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ ) : القيامة. أو الموت. أو فتح مكّة.
( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) (٣١): لامتناع الكذب في كلامه.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٤) لأن اليأس عن حصول الشيء لا يكون إلّا بعد العلم به، لأنّ اليأس عنه هو اعتقاد عدم حصوله.
(٥) المجمع ٣ / ٢٩٢.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٧) من أنوار التنزيل ١ / ٥٢٠.
(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٢١.
(٩) أغار عليهم: دفع عليهم الخيل وأوقع بهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ) وهي النّقمة.( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ) فتحلّ بقوم غيرهم فيرون ذلك ويسمعون به، والّذين حلّت بهم عصاة كفّار مثلهم ولا يتّعظ بعضهم ببعض، ولن يزالوا كذلك( حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ ) الّذي وعد المؤمنين من النّصر ويخزي الله الكافرين.
( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ) : تسلية للرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه.
و «الإملاء» أن يترك ملاوة(٢) من الزّمان في دعة وأمن.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أي: طوّلت لهم الأمل ثمّ أهلكتهم.
( فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) (٣٢)، أي: عقابي إيّاهم.
( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ) : رقيب عليها، حافظ( بِما كَسَبَتْ ) : من خير أو شرّ، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم.
والخبر محذوف، تقديره: كمن ليس كذلك. أو لم يوحّدوه.
وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، مرسلا، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال: اعلم علّمك، الله الخير، أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قديم.
... إلى أن قال: وهو قائم، ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد(٥) ، كما قامت الأشياء، ولكن قائم يخبر أنّه حافظ، كقول الرّجل: القائم بأمر [نا](٦) فلان. والله هو القائم( عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) . والقائم ـ أيضا ـ في كلام النّاس: الباقي، والقائم ـ أيضا ـ يخبر [عن](٧) الكفاية، كقولك للرّجل: قم بأمر [بني](٨) فلان، أي أكفهم. والقائم منّا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم ولم يجتمع المعنى.
وفي عيون الأخبار(٩) : حدّثنا عليّ بن أحمد بن [محمد بن](١٠) الدّقّاق ـ رضي الله
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٥ ـ ٣٦٦.
(٢) قال في الصحاح: أقمت بهذه ملاوة وملاءة، أي: حينا وبرهة.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٦.
(٤) الكافي ١ / ١٢٠ ـ ١٢٢، ح ٢.
(٥) الكبد: المشقّة والعناء.
(٦) من المصدر.
(٧ و ٨) من المصدر.
(٩) العيون ١ / ١٢٠، ح ٥٠.
(١٠) من المصدر.
عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب الكلينيّ قال: حدّثنا عليّ بن محمّد المعروف بعلان(١) ، عن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن خالد(٢) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إعلم، علّمك الله الخير. وذكر نحوه.
( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) : استئناف. أو عطف(٣) على «كسبت» إن جعلت «ما» مصدريّة، أو «لم يوحّدوه» المقدّر [و «جعلوا» عطف عليه](٤) ، ويكون الظّاهر فيه موضع المضمر للتّنبيه على أنّه المستحقّ للعبادة، وقوله:( قُلْ سَمُّوهُمْ ) تنبيه على أنّ هؤلاء الشّركاء لا يستحقّونها. والمعنى: صفوهم فانظروا، هل لهم ما يستحقّون به العبادة ويستأهلون الشّركة؟
( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ) : بل أتنبّئونه.
وقرئ(٥) : «تنبئونه» بالتّخفيف.
( بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ) : بشركاء يستحقّون العبادة لا يعلمهم. أو بصفات لهم يستحقّونها لأجلها لا يعلمها وهو العالم بكلّ شيء، فإذا لم يعلمهم لم يكونوا شيئا يتعلّق به العلم، والمراد: نفي أن يكونوا له شركاء.
( أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ) : أمّ تسمّونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى، كتسمية الزّنجيّ كافورا.
وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز(٦) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بقلان.
(٢) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٢٣٨. وفي النسخ: الحسن بن خالد.
(٣) قيل: الاستئناف لا يكون بالواو، فكيف جعل( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) استئنافا؟ قلنا: الاستئناف على نوعين: أحدهما المعتبر عند النحاة ما يكون مسبوقا بواو الاستئناف بأن يكون كلاما مستقلّا.
(٤) من المصدر. يعني: العطف يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون «جعلوا» عطفا على «كسبت» بأن يكون بمعنى: الكسب، وجعل بمعنى: الجعل، عطف المصدر على المصدر حقيقة، أو يكون هاهنا جملة مقدّرة وهي «لم يوحّدوه» ويكون( جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ) للتّنبيه على أنّ الألوهيّة موجب لاستحقاق العبادة و ـ أيضا ـ للنّداء على فساد مآلهم بأنّهم جعلوا الجماد شركاء للذّات المقدّسة الجامعة لجميع الكمالات.
(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٢١.
(٦) قوله: «وهذا احتجاج بليغ الخ» فقوله ـ تعالى ـ:( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما )
( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ) : تمويههم، فتخيّلوا أباطيل ثمّ خالوها حقّا. أو كيدهم للإسلام بشركهم.
( وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) : سبيل الحقّ.
وقرأ(١) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «وصدّوا» بالفتح، أي: وصدّوا النّاس عن الإيمان.
وقرئ(٢) ، بالكسر، و «صدّ» بالتّنوين.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) : يخذله.
( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) (٣٣): يوفّقه للهدى.
( لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : بالقتل والأسر، وسائر ما يصيبهم من المصيبات.
( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ ) : لشدّته ودوامه.
( وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ ) : من عذابه. أو من رحمته.
( مِنْ واقٍ ) (٣٤): حافظ.
( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) : صفتها الّتي هي مثل في الغرابة.
وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه، أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنّة.
وقيل(٣) : خبره( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) [على طريقة قولك: صفة زيد أسمر(٤) ، أو على حذف موصوف، أي: مثل الجنّة جنّة تجري من تحتها الأنهار ،](٥) أو على
__________________
( كَسَبَتْ ) حجّة على نفي الشّريك، لأنّه ليس كذلك. وقوله ـ تعالى ـ:( قُلْ سَمُّوهُمْ ) احتجاج آخر، إذ يدلّ على أن ليس للشركاء صفة يستحقّون بها العبادة والتّسمية بالإله. وقوله ـ تعالى ـ:( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ) حجّة ثالثة على نفي الشّريك، لأنّه ليس كذلك، إذ لو كان لعلمه الله لأنّ علمه محيط بالأشياء. وقوله ـ تعالى ـ:( أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ) حجّة رابعة، إذ معناه: أنّ أخذهم الشّركاء ليس ممّا له حقيقة بل مجرّد أمر ظاهر خال عن المعنى. وإيراده هذه الحجج بهذه العبارات الوجيزة من أعجب الأساليب.
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢١.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢١.
زيادة المثل. وهو على قول سيبويه حال(١) من العائد المحذوف، أو من الصّلة.
( أُكُلُها دائِمٌ ) : لا ينقطع ثمرها.
( وَظِلُّها ) ، أي: وظلّها كذلك لا ينسخ، كما ينسخ في الدّنيا بالشّمس.
( تِلْكَ ) : أي: الجنّة الموصوفة.
( عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ) : مآلهم ومنتهى أمرهم.
( وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ) (٣٥): لا غير. وفي ترتيب النّظمين(٢) إطماع للمتّقين، وإقناط للكافرين.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أي: عاقبة ثوابهم النّار.
قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنّم، وقد أطفئت سبعين مرّة بالماء ثمّ التهبت، ولو لا ذلك ما استطاع [آدميّ](٤) أن يطفئها، وأنّها ليؤتى بها يوم القيامة حتّى توضع على النّار، فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا جثا(٥) على ركبتيه فزعا من صرختها.
( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) :
قيل(٦) : يعني: المسلمين من أهل الكتاب، كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النّصاري، وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة.
__________________
(٤) فإن المراد منه: أنّ صفته هو الأسمر بعينه، لا أنّ الأسمر صادق عليها، كما يقال: إنّ زيدا أسمر. والمراد: أنّ حال الجنّة هو بعينه مفهوم تجري من تحتها الأنهار، لا أنّ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) صادق على حال الجنّة.
(٥) ليس في ب.
(١) قوله: «وهو على قول سيبويه حال الخ» إذا كان( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) مبتدأ خبره محذوف، ويكون( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) حالا من الضمير المحذوف العائد إلى الموصول، أي: مثل الجنّة التي وعد بها المتّقون حال كونها تجري من تحتها الأنهار. والأولى أن يقال: إنَّ الجملة استئناف، فكأنّ سائلا قال: ما حال تلك الجنّة؟ فأجيب: تجري من تحتها الأنهار.
(٢) أي: في ذكر( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ) بعد قوله ـ تعالى:( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) الإطماع والإقناط المذكوران إذ يفهم من( تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ) مع المقابل الآخر أنّ الجنّة للذين اتّقوا دون الكافرين، وأنّ النار عقبى لهم دون الذين اتّقوا.
(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٦.
(٤) من المصدر.
(٥) جثا الرجل: جلس على ركبتيه.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٢.
أو عامّتهم، فإنّهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، [عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ](٢) : أي: يفرحون(٣) بكتاب الله إذا يتلى عليهم، وإذا تلوه تفيض أعينهم دمعا من الفزع والحزن، وهو عليّ بن أبي طالب.
( وَمِنَ الْأَحْزابِ ) ، يعني: كفرتهم الّذين تحزّبوا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالعداوة، ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسّيّد والعاقب وأشياعهما.
( مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) : وهو ما يخالف شرائعهم. أو ما يوافق ما حرّفوه منها.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وفي قراءة ابن مسعود: «والّذي أنزل إليك الكتاب هو الحقّ فمن يؤمن به» أي عليّ بن أبي طالب يؤمن به( وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) أنكروا(٥) من تأويله ما أنزله في عليّ وآل محمّد وآمنوا ببعضه، فأمّا المشركون فأنكروه كلّه أوّله وآخره وأنكروا أنّ محمّدا رسول الله.
( قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ) : جواب للمنكرين، أي: قل لهم: إنّي أمرت فيما انزل إليّ بأن أعبد الله وأوحّده، وهو العمدة في الدّين، ولا سبيل لكم إلى إنكاره.
( إِلَيْهِ أَدْعُوا ) : لا إلى غيره.
قيل(٦) : يعني: هذا هو القدر المتّفق عليه بين الأنبياء، وأمّا ما عدا ذلك من التّفاريع فممّا يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.
( وَإِلَيْهِ مَآبِ ) (٣٦): وإليه مرجعي لا إلى غيره.
وقرئ(٧) : «لا أشرك» بالرّفع على الاستئناف.
( وَكَذلِكَ ) : ومثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الدّيانات المجمع عليها.
( أَنْزَلْناهُ حُكْماً ) : يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة.
( عَرَبِيًّا ) : مترجما بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه. وانتصابه على الحال(٨) .
__________________
(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٦.
(٢) ليس من المصدر.
(٣) المصدر: فرحوا.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٦.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنكر.
(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٢.
( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ) : الّتي يدعونك إليها، كتقرير دينهم، والصّلاة إلى قبلتهم بعد ما حوّلت عنها.
( بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) : بنسخ ذلك.
( ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍ ) : ينصرك.
( وَلا واقٍ ) (٣٧): يمنع العقاب عنك. وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثّبات في دينهم.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ ) : بشرا مثلك.
( وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) : نساء وأولادا، كما هي لك.
وفي روضة الكافي(١) : سهل، عن الحسن بن عليّ، عن عبد الله بن وليد الكنديّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) فنحن ذرّيّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن معاوية بن وهب، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: فما كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا كأحد أولئك، جعل الله له أزواجا وجعل له ذرّيّة، ثمّ لم يسلم مع أحد من الأنبياء مثل من أسلم مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من أهل بيته، أكرم الله بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
عن بشير الدّهان(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما آتى الله أحدا من المرسلين شيئا إلّا وقد آتاه محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وقد آتاه الله، كما آتى المرسلين من قبله. ثم تلا هذه الآية:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) .
عن عليّ بن عمر(٤) بن أبان الكلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [قال](٥) :
__________________
(٨) قوله: «وانتصابه على الحال» يدلّ على أنّ «عربيّا» حال، لكنّ «حكما» حال و «عربيّا» صفته، وقد صرّح صاحب الكشّاف بأنّ «حكما عربيّا» حال، لكن في كلام المصنّف إشارة إلى أنّ الحال في الحقيقة هو «عربيّا»، كما صرّحوا في قوله ـ تعالى ـ:( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) .
(١) الكافي ٨ / ٨١، ح ٣٨.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٤، ح ٥١.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٤، ح ٥٢.
(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٤، ح ٥٣.
(٥) من المصدر.
أشهد على أبي أنّه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يغتبط(١) ويرى ما تقرّ به عينه إلّا أن تبلغ نفسه هذه. وأهوى إلى حلقه، قال الله في كتابه:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) فنحن ذرّيّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، [عن المفضل بن صالح(٢) ، عن جعفر بن محمد ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٣) .
خلق الله الخلق قسمين فألقى قسما وأمسك قسما، ثمّ قسّم ذلك القسم على ثلاثة أثلاث فألقى ثلثين وأمسك ثلثا، ثمّ اختار من ذلك الثّلث قريشا، ثمّ اختار من قريش بني عبد المطّلب، ثمّ اختار من بني عبد المطّلب رسول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فنحن ذرّيّته. فإن قالت النّاس: ليس(٤) لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذرّيّة، جحدوا، ولقد قال الله:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) فنحن ذرّيّته.
قال: فقلت: أنا أشهد أنّكم ذرّيّته.
ثمّ قلت له: ادع الله لي، جعلت فداك، أن يجعلني معك في الدّنيا والآخرة.
فدعا لي بذلك. قال: فقبّلت باطن يده.
وفي رواية شعيب(٥) ، عنه ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: نحن ذرّيّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ما أدري على ما يعادوننا إلّا لقرابتنا من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي محاسن البرقي(٦) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في آخر كلام له:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) فجعل لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من الأزواج والذّريّة مثل ما جعل للرّسل من قبله، فنحن عقب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وذرّيّته، أجرى الله لآخرنا مثل ما أجرى لأوّلنا.
وفي شرح الآيات الباهرة(٧) : وروى الشّيخ أبو جعفر، محمّد الطّوسيّ ـ رضي الله عنه ـ، عن محمّد بن محمّد قال: أخبرني أبو الحسن [أحمد بن محمد بن الحسن](٨) بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني محمّد بن الحسن الصّفّار، عن أحمد بن محمّد
__________________
(١) المصدر: يغبط.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٤، ح ٥٤.
(٣) من المصدر.
(٤) ليس من المصدر.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٤، ح ٥٥.
(٦) المحاسن / ١٤١، ح ٣٢.
(٧) تأويل الآيات ١ / ٢٣٨، ح ١٨.
(٨) من المصدر.
بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن [أبي](١) حمزة، عن عبد الله بن الوليد قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في زمن بني مروان.
فقال: ممن أنتم؟
قلنا: من أهل الكوفة.
قال: ما من البلدان أكثر محبّا لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إنّ الله هداكم لأمر(٢) من(٣) جهله النّاس فأحببتمونا وأبغضنا النّاس، وتابعتمونا وخالفنا النّاس، وصدّقتمونا وكذّبنا النّاس، فأحياكم الله محيانا وأماتكم مماتنا، وأشهد على أبي أنّه كان يقول: ما بين أحدكم وبين ما تقر عينه أو يغتبط إلّا أن تبلغ به نفسه هكذا. وأهوى بيده إلى حلقه، وقد قال ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) فنحن ذرّيّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي الجوامع(٤) : كانوا يعيّرون رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بكثرة تزوّج(٥) النّساء، فقيل: إنّ الرّسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج وذرّيّة.
( وَما كانَ لِرَسُولٍ ) : وما صحّ له، ولم يكن في وسعه.
( أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ) : تقترح عليه، وحكم يلتمس منه.
( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) : فإنّه المليّ بذلك والقادر عليه.
( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ) (٣٨): لكلّ وقت وأمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم.
( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ) : ينسخ ما يستصوب نسخه.
( وَيُثْبِتُ ) : ما تقتضيه حكمته.
وقيل(٦) : يمحو سيّئات التّائب ويثبت الحسنات مكانها.
وقيل(٧) : يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلّق به جزاء ويترك غيره مثبتا، أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه.
وقيل(٨) : يمحو قرنا ويثبت آخرين.
وقيل(٩) : يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات.
__________________
(١) من المصدر.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلى.
(٣) ليس من المصدر.
(٤) الجوامع / ٢٣٠.
والآية بعمومها أو إطلاقها تشتمل المعاني كلّها.
وقرأ(١) ابن عامر وحمزة والكسائي: «ويثبّت» بالتّشديد.
( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) (٣٩): أصل الكتب، وهو اللّوح المحفوظ عن المحو والإثبات، إذ ما من كائن إلّا وهو مكتوب فيه، ففيه إثبات المثبت وإثبات المحو ومحوه وإثبات بدله.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن محمّد ومحمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد [ومحمد بن يحيى](٣) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: يا ثابت، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قد كان وقّت هذا الأمر في السّبعين، فلما أن قتل الحسين ـ عليه السّلام ـ اشتدّ غضب الله على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم(٤) قناع السر(٥) ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتا عندنا و( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
قال أبو حمزة: فحدّثت بذلك أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
فقال: قد كان كذلك.
عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص بن البختريّ وغيرهما، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في هذه الآية:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) قال: فقال: وهل يمحو إلّا ما كان ثابتا، وهل يثبت إلّا ما لم يكن؟
وفي روضة الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ عرض على آدم ذرّيّته عرض العين في صور الذّرّ، نبيّا فنبيّا، ملكا فملكا، مؤمنا فمؤمنا، كافرا فكافرا.
__________________
(٥) المصدر: توزيج.
(٦ و ٧ و ٨ و ٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٢.
(١) نفس المصدر والموضع.
(٢) الكافي ١ / ٣٦٨، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتكشفتم.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: السرّ.
(٦) الكافي ١ / ١٤٦، ح ٢.
(٧) الكافي ٧ / ٣٧٨، ح ١.
فلمّا انتهى إلى داود ـ عليه السّلام ـ قال: من هذا الّذي نبئته(١) وكرّمته وقصّرت عمره؟
قال: فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: هذا ابنك داود، عمره أربعون سنة، فإنّي قد كتبت الآجال وقسّمت الأرزاق، وأنا أمحو ما أشاء وأثبت وعندي أمّ الكتاب، فإن جعلت له شيئا من عمرك أثبته(٢) له.
قال: يا ربّ، قد جعلت له من عمري ستّين سنة تمام المائة.
قال: فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ لجبرئيل وميكائيل وملك الموت: أكتبوا عليه كتابا، فإنّه سينسى. فكتبوا عليه كتابا، فختموه بأجنحتهم من طينة علّيّين. والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.
وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم.
قال فمرّ آدم باسم داود النّبيّ ـ عليه السّلام ـ وإذا عمره أربعون(٤) سنة.
فقال: يا ربّ، ما أقلّ عمر داود وأكثر عمري! إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أينفذ ذلك له؟
قال: نعم، يا آدم.
قال: فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة، فأنفذ ذلك له وأثبتها له عندك واطرحها من عمري.
قال: فأثبت الله لداود من عمره ثلاثين سنة ولم يكن عند الله مثبتة، ومحا من عمر آدم ثلاثين سنة وكانت له عند الله مثبتة.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ فذلك قول [الله](٥) :( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
قال: فمحا(٦) الله ما كان عنده مثبتا لآدم، وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا.
قال: فلمّا دنا عمر آدم، هبط عليه ملك الموت ـ عليه السّلام ـ ليقبض روحه.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: مكنته.
(٢) المصدر: ألحقت.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٩، ح ٧٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أربعين.
(٥) من المصدر.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يمحوا.
فقال له آدم ـ عليه السّلام ـ: يا ملك الموت، قد بقي من عمري ثلاثون(١) سنة.
فقال له ملك الموت: ألم تجعلها لابنك، داود النّبيّ ـ عليه السّلام ـ وطرحتها(٢) من عمرك حيث عرض [الله](٣) عليك أسماء الأنبياء من ذرّيّتك وعرض أعمارهم، وأنت يومئذ بوادي دحناء(٤) ؟
فقال آدم: يا ملك الموت، ما أذكر هذا.
فقال له ملك الموت: يا آدم، لا تجهل، ألم تسأل الله أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك، فأثبتها لداود في الزّبور ومحاها من عمرك من الذّكر؟
قال: فقال آدم: فاحضر الكتاب حتّى أعلم ذلك.
قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ فمن ذلك اليوم أمر الله العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمّى، لنسيان آدم وجحده ما جعل على نفسه.
عن عمّار بن موسى(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ [سئل](٦) عن قول الله:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
قال: إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت، فمن ذلك الّذي يردّ الدّعاء القضاء، وذلك الدّعاء مكتوب عليه: الّذي يردّ به القضاء، حتّى إذا صار الى أمّ الكتاب لم يغن الدّعاء فيه شيئا.
عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم(٧) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ عن قوله:( يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) .
قال: كتبها لهم ثمّ محاها.
عن مسعدة بن صدقة(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) .
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثلاثين.
(٢) المصدر: واطرحتها.
(٣) من المصدر.
(٤) المصدر: بوادي الروحا. ودحنا: واد بين الطّائف ومكّة. قال ياقوت: «حنا» بفتح أوّله وسكون ثانيه ونون وألف، يروى فيها القصر والمدّ: وهي أرض خلق الله ـ تعالى ـ منها آدم.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٠، ح ٧٤.
(٦) من المصدر.
(٧) تفسير العيّاشي ١ / ٣٠٤، ح ٦٩.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٧٢.
قال: كتبها لهم ثمّ محاها، ثمّ كتبها لأبنائهم فدخلوها، والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
عن زرارة(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ يقول: لو لا آية في كتاب الله لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة.
فقلت له: آيّة(٢) آية؟
قال: قول الله:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
عن جميل بن درّاج(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) قال: هل يثبت إلّا ما لم يكن، و [هل](٤) يمحو إلّا ما كان مثبتا(٥) .
عن حمران(٦) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يمحوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
فقال: يا حمران، إنّه إذا كان ليلة القدر ونزل الملائكة الكتبة إلى السّماء الدّنيا فيكتبون ما يقضى في تلك السّنة من أمر، فإذا أراد الله أن يقدّم شيئا أو يؤخّر أو ينقص منه أو يزيد أمر الملك فمحا ما شاء ثمّ أثبت الّذي أراد.
قال: فقلت له عند ذلك: فكلّ شيء يكون وهو عند الله في كتاب؟
قال: نعم.
قلت: فيكون كذا وكذا حتّى ينتهي إلى آخره؟
قال: نعم.
قلت: فأيّ شيء يكون [بيده](٧) بعده(٨) ؟
قال: سبحان الله، ثمّ يحدث الله ـ أيضا ـ ما شاء ـ تبارك وتعالى ـ.
عن أبي حمزة الثّماليّ(٩) قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبو عبد الله ـ عليه
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٥، ح ٥٩.
(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أيّ.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٥، ح ٦٠.
(٤) من المصدر.
(٥) ليس من المصدر.
(٦) نفس المصدر والمجلد / ٢١٦، ح ٦٢.
(٧) من المصدر.
(٨) المصدر: [بعده].
السّلام ـ: يا أبا حمزة، إن حدّثناك [بأمر أنّه يجيء من ها هنا [فجاء من ها هنا](١) فإنّ الله يصنع ما يشاء، وإن حدّثناك](٢) اليوم بحديث وحدّثناك غدا بخلافه فإنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت.
عن إبراهيم بن أبي يحيى(٣) ، عن جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ قال: ما من مولود يولد إلّا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أنّه [من شيعتنا حجبه عن ذلك الشيطان](٤) وإن لم يكن(٥) من شيعتنا أثبت الشّيطان إصبعه السّبّابة في دبره فكان مأبونا(٦) ، وذلك أنّ الذّكر يخرج للوجه، وإن كانت امرأة أثبت في فرجها فكانت فاجرة، فعند ذلك يبكي الصّبيّ بكاء شديدا إذا هو خرج من بطن أمّه، والله بعد ذلك يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
عن أبي الجارود(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله إذا أراد فناء قوم أمر الفلك فاسرع الدّور بهم فكان ما يريد من النّقصان، وإذا أراد بقاء قوم أمر الفلك فأبطأ الدّور بهم فكان ما يريد من الزيادة، فلا تنكروا، فإنّ الله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
عن ابن سنان(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أمّ الكتاب.
وقال: لكلّ أمر(٩) يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه(١٠) ، وليس شيء يبدو له إلّا وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل.
وفي قرب الإسناد(١١) للحميريّ: أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال أبو عبد الله وأبو جعفر وعليّ بن الحسين والحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم السّلام ـ: والله، لو لا آية في كتاب الله لحدّثناكم بما يكون
__________________
(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٧، ح ٦٦.
(١) من المصدر.
(٢) ليس في ب.
(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٨، ح ٧٢.
(٤) من المصدر.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليس.
(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وكان مأنوثا.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٨، ح ٧٠.
(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٧١.
(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأمر.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: يضعه.
(١١) قرب الاسناد / ١٥٥.
إلى أن تقوم السّاعة( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
وفي الخرائج والجرائح(١) : روي عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي إسحاق السّبيعيّ، عن عمرو بن الحمق قال: دخلت على عليّ ـ عليه السّلام ـ حين ضرب الضّربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس، إنّما هو خدش.
قال: لعمري، إنّي مفارقكم.
ثمّ قال: إلى السّبعين بلاء، قالها ثلاثا.
قلت: فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأغمي عليه، فبكت أمّ كلثوم.
فلمّا أفاق قال: لا تؤذيني، يا أمّ كلثوم، فإنّك لن تري ما أرى، إنّ الملائكة من السّماوات السّبع بعضهم خلف بعض والنّبيّين يقولون: يا علي، انطلق إنّما أمامك خير لك ممّا أنت فيه.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّك قلت: «إلى السّبعين بلاء» فهل بعد السّبعين رخاء؟
قال: نعم، وإن بعد البلاء رخاء( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
قال أبو حمزة(٢) : قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال: إلى السّبعين بلاء، وقال: بعد السّبعين رخاء، وقد مضت السّبعون ولم نر رخاء.
فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله قد كان وقّت هذا الأمر في السّبعين، فلمّا قتل الحسين ـ عليه السّلام ـ غضب الله على أهل الأرض فأخّره إلى الأربعين ومائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم القناع فأخّره الله ولا يجعل له بعد ذلك وقتا، والله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: وكان ذلك؟
فقال: قد كان ذلك.
وفي كتاب علل الشّرائع(٣) ، بإسناده إلى سماعة، أنّه سمعه ـ عليه السّلام ـ يقول: ما ردّ الله العذاب عن قوم قد أظلّهم إلّا قوم يونس.
__________________
(١) الخرائج / ٤٧.
(٢) الخرائج / ٤٧.
(٣) العلل ١ / ٧٧، ح ٢.
فقلت: أكان قد أظلّهم؟
فقال: نعم، حتّى نالوه بأكفّهم.
قلت: فكيف كان ذلك؟
قال: كان ذلك في العلم المثبت عند الله ـ عزّ وجلّ ـ الّذي لم يطلع عليه أحدا أنّه سيصرفه عنهم.
وفي كتاب الخصال(١) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: وبنا يمحو الله ما يشاء وبنا يثبت.
وفي كتاب التّوحيد(٢) ، بإسناده إلى الأصبغ بن نُباتة: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: ولو لا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
وبإسناده(٣) إلى إسحاق بن عمّار، عمّن سمعه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) لم يعنوا: أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا: قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. وقال الله ـ جلّ جلاله ـ تكذيبا لقولهم:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) ألم تسمع الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) .
وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السلام ـ مع سليمان المروزيّ، قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ بعد كلام طويل لسليمان: ومن أين قلت ذلك، وما الدّليل على أنّ إرادته علمه، وقد يعلم ما لا يريده أبدا وذلك قوله ـ تعالى ـ:( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) فهو يعلم كيف يذهب به ولا يذهب به أبدا؟
قال سليمان: لأنّه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئا.
قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هذا قول اليهود، فكيف قال:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ؟
قال سليمان: إنّما عني بذلك: أنّه قادر عليه.
__________________
(١) نور الثقلين ٢ / ٥١٤، ح ١٧٠.
(٢) التوحيد / ٣٠٥، ح ١.
(٣) التوحيد / ١٦٧، ح ١.
(٤) العيون ١ / ١٥١، ح ١.
قال: أفيعد بما لا يفي به، فكيف قال:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) وقد فرغ من الأمر؟ فلم يحر(١) جوابا.
وفي هذا المجلس(٢) ـ أيضا ـ قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: إنّ من الأمور أمورا موقوفة عند الله ـ تعالى ـ يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء [ويمحو ما يشاء](٣) ، يا سليمان، إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ كان يقول: العلم علمان: فعلم علّمه الله ملائكته ورسله [فلما علّمه ملائكته ورسله](٤) فإنّه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ورسله. وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخّر منه ما يشاء، [ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء.](٥) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والرّوح والكتبة إلى سماء الدّنيا فكتبوا(٧) ما يكون من قضاء الله ـ تبارك وتعالى ـ في تلك السنة(٨) فإذا أراد الله أن يقدّم شيئا أو يؤخّره أو ينقص شيئا [أو يزيده](٩) أمر الملك(١٠) أن يمحو ما يشاء ثمّ أثبت الّذي أراد.
قلت: [وكلّ شيء](١١) هو عند الله مثبت في كتاب؟
قال: نعم.
قلت: فأيّ شيء يكون بعده؟
قال: سبحان الله، ثمّ يحدث الله ـ أيضا ـ ما يشاء ـ تبارك وتعالى ـ.
وفي أصول الكافي(١٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحجّال، عن أبي إسحاق، ثعلبة، عن زرارة بن أعين، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: ما عبد الله
__________________
(١) لم يحر جوابا: أي: لم يردّ.
(٢) العيون ١ / ١٤٦، ح ١.
(٣) من المصدر.
(٤) من المصدر.
(٥) ليس في المصدر.
(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٦٦ ـ ٣٦٧.
(٧) المصدر: فيكتبون.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: الليلة.
(٩) من المصدر.
(١٠) المصدر: الله.
(١١) ليس في أ، ب.
(١٢) الكافي ١ / ١٤٦، ح ١.
بشيء مثل البداء.
وفي رواية(١) ابن أبي عمير، عن هشام [بن سالم](٢) ، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما بعث الله نبيّا حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الإقرار له بالعبوديّة، وخلع الأنداد، وأنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء.
الحسين بن محمّد(٣) ، عن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم ـ عليه السّلام ـ كيف علم الله؟
قال: علم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى وقضى ما قدّر وقدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التّقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، والعلم مقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانية والإرادة ثالثة، والتّقدير واقع على القضاء بالإمضاء، فلله ـ تبارك وتعالى ـ البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء. فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتّقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عيانا(٤) ووقتا، والقضاء بالإمضاء. هو المبرم من المعقولات(٥) ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذي(٦) لون وريح ووزن وكيل، وما دبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع وغير ذلك ممّا لا يدرك بالحواسّ، فلله ـ تعالى ـ فيه البداء ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء.
محمّد بن يحيى(٧) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما بدا لله(٨) في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له.
عنه، عن(٩) أحمد، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن داود بن فرقد، عن عمر بن عثمان الجهنيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله لم يبد(١٠) له من جهل.
__________________
(١) الكافي ١ / ١٤٧، ح ٣.
(٢) من المصدر.
(٣) نفس المصدر والمجلد / ١٤٩، ح ١٦.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عيونا.
(٥) المصدر: المفعولات.
(٦) المصدر: ذوي.
(٧) الكافي ١ / ١٤٨، ح ٩.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: الله.
(٩) الكافي ١ / ١٤٨، ح ١٠.
(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يبدو.
عليّ بن إبراهيم(١) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟
قال: لا، من قال هذا فأخزاه الله.
قال: قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟
قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق. الحقّ(٢) .
عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عمرو(٤) الكوفيّ، أخي يحيى، عن مرازم ابن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ما تنبّأ نبيّ قط حتّى يقرّ لله بخمس [خصال](٥) : بالبداء وبالمشيئة والسّجود والعبوديّة والطّاعة.
وبهذا الإسناد(٦) : عن أحمد بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن يونس، عن جهم [بن أبي جهمة](٧) ، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أخبر محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بما كان منذ كانت الدّنيا وبما يكون إلى انقضاء الدّنيا، وأخبره بالمحتوم من ذلك واستثنى عليه فيما سواه.
وفي مجمع البيان(٨) : وروى عمر بن حفص، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: هما كتابان سوى أمّ الكتاب، يمحو الله منه ما يشاء ويثبت. عنده(٩) وأمّ الكتاب لا يغيّر منه [شيء](١٠) .
وروى محمّد بن مسلم(١١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن ليلة القدر.
فقال: ينزل الله فيها الملائكة والكتبة إلى السّماء الدّنيا فيكتبون ما يكون من أمر السّنة وما يصيب العباد، وأمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر
__________________
(١) الكافي ١ / ١٤٨، ح ١١.
(٢) ليس في المصدر.
(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١٣.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عمر.
(٥) من المصدر.
(٦) الكافي ١ / ١٤٨، ح ١٤.
(٧) من المصدر.
(٨) المجمع ٣ / ٢٩٨. وفيه: وروى عمران بن حصين.
(٩) ليس في المصدر.
(١٠) من المصدر.
(١١) المجمع ٣ / ٢٩٨.
ما يشاء ويمحو ويثبت وعنده أمّ الكتاب.
روى زرارة(١) ، عن عمران(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: هما أمران: موقوف ومحتوم، فما كان من محتوم أمضاه، وما كان من موقوف فله فيه المشيئة يقضي فيه ما يشاء.
وفيمن لا يحضره الفقيه(٣) : وروى أحمد بن إسحاق بن سعد، عن عبد الله بن ميمون، عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال الفضل بن عبّاس: قال لي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ـ عزّ وجل ـ. قد مضى القلم(٤) بما هو كائن، فلو جهد النّاس بما ينفعوك بأمر لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بأمر لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه.
وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى يحيى بن أبي العلا الرّازيّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول ـ عليه السّلام ـ في آخره، وقد سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ) : وأما «ن» فكان نهرا في الجنّة أشدّ بياضا من الثّلج وأحلى من العسل، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ له: كن مدادا. فكان مدادا، ثمّ أخذ شجرة فغرسها بيده، ثمّ قال: «واليد» القوّة، وليس حيث تذهب إليه المشبّهة، ثمّ قال لها: كوني قلما. ثمّ قال له: اكتب.
فقال له: يا ربِّ، وما أكتب؟
قال: [اكتب](٦) ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ففعل ذلك، ثمّ ختم عليه وقال: لا تنطقنّ إلى يوم الوقت المعلوم.
وفي كتاب معاني الأخبار(٧) ، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثّوريّ: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: وأمّا «ن» فهو نهر في الجنّة، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: إجمد. فجمد فصار مدادا، ثمّ قال ـ عزّ وجلّ ـ للقلم: أكتب. فسطّر القلم
__________________
(١) المجمع ٣ / ٢٩٨.
(٢) المصدر: حمران.
(٣) الفقيه ٤ / ٢٩٦، ح ٨٩٦.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: العلم.
(٥) العلل / ٤٠٢، ح ٢.
(٦) من المصدر.
(٧) المعاني / ٢٣، ح ١.
في اللّوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرّحيم(٢) القصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن( ن وَالْقَلَمِ ) .
قال: إنّ الله خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها: الخلد. ثمّ قال لنهر في الجنّة: كن مدادا. فجمد النّهر، وكان أشدّ بياضا من الثّلج وأحلى من الشّهد، ثمّ قال للقلم: أكتب.
قال: يا ربِّ، ما أكتب؟
قال: أكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
فكتب القلم في رق(٣) أشد بياضا من الفضّة وأصفى من الياقوت، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش، ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ولا ينطق أبدا، فهو الكتاب المكنون الّذي منه النّسخ كلّها، أو لستم عربا، فكيف لا تعرفون معنى الكلام وأحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب. أو ليس إنّما ينسخ من كتاب أخذ من الأصل؟ وهو قوله:( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
حدّثني أبي(٤) ، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وفي مجمع البيان(٥) : قيل: «ن» هو نهر في الجنّة، قال الله له: كن مدادا. فجمد وكان أبيض من اللّبن وأحلى من الشّهد، ثمّ قال للقلم: اكتب. فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.
وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله كتب كتابا فيه ما كان وما هو كائن فوضعه بين يديه، فما شاء منه [قدّم، وما شاء منه](٧) أخّر، وما شاء منه محا، وما شاء منه أثبت، وما شاء منه كان، وما لم يشأ(٨) منه لم
__________________
(١) تفسير القمّي ٢ / ٣٧٩ ـ ٣٨٠.
(٢) بعض نسخ المصدر: عبد الرحمن.
(٣) الرقّ: الصحيفة البيضاء.
(٤) تفسير القمّي ٢ / ١٩٨.
(٥) المجمع ٥ / ٣٣٢.
(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢١٦، ح ٦٤.
(٧) من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: شاء.
يكن.
وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: العلم علمان: فعلم عند الله مخزون ولم يطلع عليه أحدا من خلقه وعلم علمه ملائكته ورسله، فما علّمه ملائكته ورسله فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. وعلم عنده مخزون، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخّر منه ما يشاء، ويثبت ما يشاء.
وبهذا الإسناد(٢) : عن حمّاد، عن ربعي، عن الفضل(٣) قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: من الأمور أمور موقوفة عند الله، يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر منها ما يشاء.
عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير [ووهيب بن حفص عن أبي بصير](٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ لله علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه.
وفي كتاب التّوحيد(٦) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع سليمان المروزيّ: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: لقد أخبرني أبي، عن آبائه أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أوحى إلى نبيّ من أنبيائه، أن أخبر فلان الملك أنّي متوفّيه إلى كذا وكذا.
فأتاه ذلك النّبيّ فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتّى سقط من السّرير، فقال: يا رب، أجّلني حتّى يشبّ طفلي واقضي أمري.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى ذلك النّبيّ، أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت في أجله وزدت في عمره خمس عشرة [سنة](٧) .
فقال ذلك النّبيّ: يا ربّ، إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ.
__________________
(١) الكافي ١ / ١٤٧، ح ٦.
(٢) الكافي ١ / ١٤٧، ح ٧.
(٣) المصدر: الفضيل.
(٤) الكافي ١ / ١٤٧، ح ٨.
(٥) من المصدر.
(٦) التوحيد / ٤٤٣ ـ ٤٤٤، ح ١.
(٧) من المصدر.
فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: إنّما أنت عبد مأمور، فأبلغه ذلك، والله لا يسأل عمّا يفعل.
( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) : وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم، أو توفيناك قبله.
( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) : لا غير.
( وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) (٤٠): للمجازاة لا عليك، فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم فإنّا فاعلون له، وهذا طلائعه(١) .
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ) :
قيل(٢) : أي: أرض الكفرة.
( نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) : بذهاب أهلها.
وقيل(٣) : بما نفتحه على المسلمين.
وفي أصول الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد [عن محمد](٥) بن عليّ، عمّن ذكره، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّه يسخى نفسي(٦) في سرعة الموت والقتل فينا قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) . وهو ذهاب العلماء.
وفي من لا يحضره الفقيه(٧) : وسئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) .
فقال: فقد العلماء.
وفي كتاب الاحتجاج(٨) للطّبرسيّ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: وقال:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) ، يعني
__________________
(١) أي: الإخبار بأنّ «علينا الحساب» طليعة العذاب، اي: مقدّمته، إذ هو مخبر عنه.
(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٣.
(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٣.
(٤) الكافي ١ / ٣٨، ح ٦.
(٥) من المصدر.
(٦) قال الفيض: يعني: مفاد هذه الاية: يجعل نفسي سخيّة في سرعة الموت أو القتل فينا، أهل البيت، فتجود نفسي بهذه الحياة اشتياقا إلى لقاء الله ـ تعالى ـ.
(٧) الفقيه ١ / ١١٨، ح ٥٦٠.
(٨) الاحتجاج / ٢٥٠.
بذلك: ما يهلك من القرون، فسمّاه إتيانا.
وفي مجمع البيان(١) : اختلف في معناه على أقوال.
... إلى قوله: ثانيها «ننقصها» بذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها. وروي ذلك عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.
( وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) : لا رادّ له. وحقيقته، الّذي يعقّب الشيء بالإبطال. ومنه قيل لصاحب الحقّ: معقّب، لأنّه يقفو غريمه بالاقتضاء(٢) . والمعنى: أنّه حكم للإسلام بالإقبال، وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره.
ومحلّ «لا» مع معموله النّصب على الحال، أي: يحكم نافذا حكمه، كما تقول: جاء زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، تريد: حاسرا.
( وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (٤١): فيحاسبهم عمّا قليل في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدّنيا.
( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : بأنبيائهم والمؤمنين منهم.
( فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ) : إذ لا يؤبه(٣) بمكر دون مكره، لأنّه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره.
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: المكر من الله هو العذاب.
( يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) : فيعدّ جزاءها.
( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) (٤٢): من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعدّ لهم وهم في غفلة منه. وهذا كالتّفسير لمكر الله بهم.
و «اللّام» تدلّ على أنّ المراد بالعقبى: العاقبة المحمودة(٥) ، مع ما في الإضافة، كما عرفت.
وقرأ(٦) ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «الكافر» على إرادة الجنس.
وقرئ(٧) : «الكافرون». و «الّذين كفروا». و «الكفر»، أي: أهله.
«وسيعلم» من أعلمه: إذا أخبره.
__________________
(١) المجمع ٣ / ٣٠٠.
(٢) أي: يعقّب غريمه ملتبسا بالتّقاضي.
(٣) أي: لا يبالى ولا يعتبر.
(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٦٧.
(٥) لأن اللام للنفع.
(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٣.
( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ) :
قيل(١) : المراد بهم: رؤساء اليهود.
( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) : فإنّه أظهر من الأدلّة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها.
( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) (٤٣): مرتفع بالظّرف، فإنّه معتمد على الموصول.
ويجوز أن يكون مبتدأ والظّرف خبره.
وقيل(٢) : أي: علم القرآن وما الّف عليه من النّظم المعجز. أو علم التّوراة، وهو ابن سلام وأضرابه. أو علم اللّوح المحفوظ، وهو الله ـ تعالى ـ، أي: كفى بالّذي يستحقّ العبادة وبالّذي لا يعلم ما في اللّوح إلّا هو شهيدا بيننا، فيخزي الكاذب منّا. ويؤيّده قراءة من قرأ: «ومن عنده» بالكسر(٣) .
وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: محمّد بن أبي عمير الكوفيّ، عن عبد الله بن الوليد السّمّان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما يقول النّاس في أولى العزم وصاحبكم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ؟
قال: قلت: ما يقدّمون على أولي العزم أحدا.
فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ قال لموسى:( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً ) ولم يقل: كلّ شيء، وقال لعيسى(٥) ـ عليه السّلام ـ:( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) ولم يقل: كلّ [شيء](٦) [الّذي تختلفون به](٧) ، وقال لصاحبكم(٨) أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) وعلم هذا الكتاب عنده.
__________________
(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٣.
(٣) اي: قراءة «من عنده» الّذي هو من الحروف الجارّة، والتّأييد لأجل أن الذي حصل من عنده علم الكتاب هو الله ـ تعالى ـ يؤيّد قول من قال: «من» بفتح الميم عبارة عن الله.
(٤) الاحتجاج / ٣٧٥.
(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن عيسى.
(٦) من المصدر.
(٧) ليس من المصدر.
(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: من صاحبكم.
عن سُليْم بن قيس(١) قال: سأل رجلٌ عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ فقال له، وأنا أسمع: أخبرني بأفضل منقبة لك.
قال: ما أنزل الله في كتابه.
قال: وما أنزل الله فيك؟
قال: قوله:( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ـ إلى قوله ـبَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) إيّاي عنى بمن عنده علم الكتاب.
وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه. ومحمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن(٣) ، عمّن ذكره، جميعا، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفرـ عليه السّلام ـ:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) .
قال: إيّانا عنى، وعليّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وفي الخرائج والجرائح(٤) : عن سعد(٥) ، عن محمّد بن يحيى، عن عبيد بن معروف، عن عبيد الله(٦) بن الوليد السّمّان، عن الباقر ـ عليه السّلام ـ مثله.
وفي أصول الكافي(٧) : أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن عبّاد بن سليمان، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير قال: كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزّاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ إذ خرج علينا(٨) وهو مغضب، فلمّا أخذ مجلسه قال: يا عجبا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلّا الله ـ عزّ وجلّ ـ. لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي، فما علمت في أيّ بيوت الدّار هي.
قال سدير: فلمّا أن قام من مجلسه وصار في منزله دخلت أنا وأبو بصير وميسر، فقلنا له: جعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك، ونحن نعلم أنّك تعلم علما كثيرا ولا ننسبك إلى علم الغيب.
قال: فقال: يا سدير، ألم تقرأ القرآن؟
__________________
(١) نور الثقلين ٢ / ٥٢١، ح ٢٠٥.
(٢) الكافي ١ / ٢٢٩، ح ٦.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحسين.
(٤) الخرائج / ٢٠٩.
(٥) ب: سعيد.
(٦) ب: عبد الله.
(٧) الكافي ١ / ٢٥٧، ح ٣.
(٨) المصدر: إلينا.
قلت: بلى.
قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ؟
قال: قلت: جعلت فداك، قد قرأته(١) .
قال: فهل عرفت الرّجل، وهل علمت ما كان عنده من علم الكتاب؟
قال: قلت: أخبرني به.
قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك من علم الكتاب؟
قال: قلت: جعلت فداك، ما أقلّ هذا! قال: فقال: يا سدير، ما أكثر هذا(٢) أن ينسبه الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى العلم الّذي أخبرك به! يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ أيضا:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) ؟
قال: قلت: قد قرأته، جعلت فداك.
قال: أفمن عنده علم الكتاب كلّه [أفهم، أم من عنده علم الكتاب بعضه؟
قلت: لا، بل من عنده علم الكتاب كلّه](٣) قال: فأومأ بيده إلى صدره، وقال: علم الكتاب، والله، كلّه عندنا [علم الكتاب والله كلّه عندنا](٤) .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الّذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.
وسئل عن الّذي عنده علم من الكتاب أعلم، أم الّذي عنده علم الكتاب.
فقال: ما كان علم الّذي كان(٦) عنده علم من الكتاب عند الّذي عنده علم الكتاب إلّا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر.
__________________
(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: قرأت.
(٢) قال في مرآة العقول: لعلّ هذا ردّ لما يفهم من كلام سدير من تحقير العلم الّذي أوتي آصف ـ عليه السّلام ـ بأنّه وإن كان قليلا بالنّسبة إلى علم كلّ الكتاب فهو في نفسه عظيم كثير لانتسابه إلى علم الكتاب.
(٣ و ٤) ليس من المصدر.
(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٦٧.
(٦) ليس من المصدر.
وقال أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: ألا إنّ العلم الّذي هبط به آدم من السّماء إلى الأرض وجميع ما فضّلت به النّبيّون، إلى خاتم النّبيّين، في عترة خاتم النّبيّين.
وفي أمالي الصّدوق(١) ، بإسناده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: سألت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ثناؤه ـ:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) .
قال: ذاك أخي، عليّ بن أبي طالب.
وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد الله بن عطاء(٣) قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: هذا ابن عبد الله بن سلام(٤) يزعم أنّ أباه الّذي يقول الله:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) .
قال: كذب، هو عليّ بن أبي طالب.
عن عبد الله بن عجلان(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( قُلْ كَفى بِاللهِ ) .
فقال: نزلت في عليّ بعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفي الأئمّة [بعده، وعليّ عنده علم الكتاب](٦) .
عن الفضيل بن يسار(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) قال: نزلت في عليّ ـ عليه السّلام ـ إنّه عالم هذه الأمّة بعد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
عن عمر بن حنظلة(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) فلمّا رآني أتتبّع هذا وأشباهه من الكتاب قال: حسبك كلّ شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا، فهو في الأئمّة عني به.
__________________
(١) أمالي الصدوق / ٤٥٣، ح ٣.
(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٠، ح ٧٧.
(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عبيد الله بن عطّار.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مسلم.
(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢١، ح ٧٨.
(٦) ليس في ب.
(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢١، ح ٧٩.
(٨) نور الثقلين ٢ / ٥٢٣، ح ٢١٥.
وفي روضة الواعظين(١) للمفيد ـ رحمه الله ـ: قال الباقر ـ عليه السّلام ـ:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) عليّ بن أبي طالب عنده علم الكتاب الأوّل والآخر.
وفي شرح الآيات الباهرة(٢) : ذكر الشّيخ محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) قال: إيّانا عنى، وعليّ أوّلنا وخيرنا وأفضلنا بعد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وروى(٣) أيضا، عن رجاله، بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ: يقول: ما ادّعى أحد من النّاس أنّه جمع القرآن كلّه، كما أنزل(٤) ، إلّا كذّاب. وما جمعه وحفظه، كما أنزل [الله](٥) ، إلّا عليّ بن أبي طالب والأئمّة من بعده ـ عليهم السّلام ـ.
وروى الشّيخ المفيد(٦) ـ رضي الله عنه ـ، عن رجاله حديثا(٧) مسندا إلى سلمان الفارسيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال لي أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: [يا سلمان](٨) الويل كلّ الويل لمن لا يعرف لنا حقّ معرفتنا وأنكر فضلنا، يا سلمان، أيّما أفضل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو سليمان بن داود؟
قال سلمان: فقلت: بل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
فقال: يا سلمان، هذا آصف من برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من سبأ إلى فارس في طرفة عين وعنده علم من الكتاب، ولا أقدر أنا وعندي علم ألف كتاب، أنزل الله منها على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وعلى إدريس النّبيّ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم الخليل عشرين صحيفة، وعلم التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان؟
قلت: صدقت، يا سيّدي.
فقال: إعلم، يا سلمان، أنّ الشّاكّ في أمورنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا
__________________
(١) نور الثقلين ٢ / ٥٢٤، ح ٢١٦.
(٢) تأويل الآيات ١ / ٢٣٨، ح ١٩.
(٣) تأويل الآيات ١ / ٢٣٩، ح ٢٠.
(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنزله.
(٥) ليس من المصدر.
(٦) تأويل الآيات ١ / ٢٤، ح ٢٤.
(٧) ليس من المصدر.
(٨) من المصدر.
وحقوقنا، وقد فرض الله [طاعتنا و](١) ولايتنا [في كتابه](٢) في غير موضع وبيّن فيه ما وجب العمل به، وهو مكشوف.
__________________
(١) ليس من المصدر.
(٢) ليس في أ، ب، ر.