تفسير كنز الدّقائق وبحر الغرائب الجزء 7

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمّد بن محمّد رضا القمّي المشهدي
تفسير القرآن


ملاحظة

هذا الكتاب

نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلميّة في الشبكة






الفهرس

الفهرس ٧

تَـفْـــســــــِيـر سُورَةِ إبراهيم ١١

سورة إبراهيم ١٣

تفسير سورة الحجر ٨٥

سورة الحجر ٨٧

تفسير سُورَةِ النّحل ١٦١

سورة النّحل ١٦٣

تفسير سورة الإسراء ٢٨٣

سورة بني إسرائيل ٢٨٥



كلمة المحقّق

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمدلله ربّ العالمين والصّلواة والسّلام على نبيّنا وآله الطيّبين الطاهرين ولاسيّما بقيّة الله في الأرضين واللّعنة الدائمة على أعدائه وأعدائهم أجمعين.

النسخ الّتي استفندنا عنها في تحقيق الربع الثاني من تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب (من أوّل سورة الأنعام إلى آخر سورة الكهف):

١ ـ نسخة مكتوبة في حياة المؤلّف سنة ١١٠٥ هـ. ق في مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي العامّة، قم، رقم ١٢٨٣ مذكورة في فهرسها ١/٣٥٠، (رمز ب).

٣ ـ نسخة في مكتبة، مدرسة الشهيد المطهّري، رقم ٢٠٥٤، مذكورة في فهرسها ١/١٦٢، مكتوبة في سنة ١٢٤٠ هـ. ق. (رمز س).

٤ ـ نسخة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي (١)، رقم ١٢٠٧٣، مكتوبة في حياة المؤلّف وعلى ظهرها تفريض العلّامة المجلسي ـ رحمة الله تعالى عليه ـ. (رمز ر).

والحمدلله أوّلاً وآخراً



تَـفْـــســــــِيـر

سُورَةِ إبراهيم



سورة إبراهيم

مكّيّة، إلّا آيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ـ إلى قوله ـفَبِئْسَ الْقَرارُ ) .

قاله ابن عبّاس وقتادة والحسن(١) .

وهي إحدى وخمسون آية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

في كتاب ثواب الأعمال(٢) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة إبراهيم والحـُجر في ركعتين جميعا، في كلّ جمعة، لم يصبه فقرٌ أبدا ولا جنون ولا بلوى.

وفي مجمع البيان(٣) : أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قرأ سورة إبراهيم، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من يعبد(٤) الأصنام وبعدد من لم يعبدها.

( الر كِتابٌ ) ، أي: هو كتاب.

( أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) : بدعائك إيّاهم إلى ما تضمّنه(٥) .

( مِنَ الظُّلُماتِ ) : من أنواع الضّلال.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٤.

(٢) ثواب الأعمال / ١٣٣، ح ١.

(٣) المجمع ٣ / ٣٠١.

(٤) المصدر: عبد.

(٥) أي: إلى ما تضمّنه الكتاب.


( إِلَى النُّورِ ) : إلى الهدى والإيمان.

( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) : بتوفيقه وتسهيله. مستعار من الإذن، الّذي هو تسهيل الحُجّاب(١) .

وهو صلة «لتخرج». أو حال من فاعله، أو مفعوله(٢) .

( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (١): بدل من قوله: «إلى النّور» بتكرير العامل. أو استئناف(٣) ، على أنّه جواب لمن يسأل عنه.

وإضافة الصّراط إلى الله، إمّا لأنّه مقصده، أو المظهر له.

وتخصيص الوصفين(٤) ، للتّنبيه على أنّه لا يذلّ سالكه ولا يخيب سائله.

( اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) على قراءة نافع وابن عامر مبتدأ وخبر، أو «الله» خبر مبتدأ محذوف(٥) و «الّذي» صفته.

وعلى قراءة الباقين عطف بيان «للعزيز»، لأنّه كالعلَم لاختصاصه بالمعبود بالحقّ(٦) .

( وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) (٢): وعيد لمن كفر بالكتاب، ولم يخرج به من الظّلمات إلى النّور.

و «الويل» الهلاك، نقيض «الوأل» وهو النّجاة. وأصله النّصب، لأنّه مصدر إلّا أنّه لم يشتقّ منه لكنّه رفع لإفادة الثّبات.

__________________

(١) أي: تسهيل ما تعذّر. وفيه: أنّ اللّازم ممّا ذكر استعمال المقيد الّذي هو الإذن بمعنى تسهيل الحجاب في المطلق، فيكون مجازا مرسلا لا استعارة.

(٢) فعلى الأوّل يكون التقدير: ليخرج النّاس ملتبسا بإذن ربّهم وعلى الثاني: ملتبسين به.

(٣) كأنّ سائلا قال: إلى أيّ نور الإخراج؟ فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

(٤) إمّا عدم إذلال السّالك فلأنّ العزّة والغلبة تناسب إعزاز من قصد السّلوك في سبيله، وإمّا عدم التّخييب فلأنّ الحميد بمعنى: المحمود، والمحمود من أوصل النّعمة إلى الغير حتّى يستحقّ أن يحمد، إذ الحميد من كان كاملا في حدّ ذاته مستحقا للحمد وهو يناسب عدم تخييب السّائل.

(٥) فيكون التّقدير: هو الله الذي. ومرجع الضّمير( الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) .

(٦) هذا يدلّ على أنّ عطف البيان يجب أن يكون علما أو في حكمه في الإختصاص.


( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) : يختارونها عليها، فإنّ المختار للشّيء يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها من غيره(١) .

( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : بتعويق النّاس عن الإيمان.

وقرئ(٢) : «ويصدّون»، من أصدّه، وهو منقول صدّ صدودا، إذا تنكّب(٣) .

وليس فصيحا(٤) ، لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية [بالهمزة](٥) .

( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) : ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحقّ، ليقدحوا فيه. فحذف الجارّ، وأوصل الفعل إلى الضّمير.

والموصول بصلته يحتمل الجرّ صفة «للكافرين»، والنّصب على الذّم، والرّفع عليه(٦) . أو على أنّه مبتدأ خبره( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) (٣)، أي: ضلّوا عن الحقّ ووقعوا عنه بمراحل.

و «البعد» في الحقيقة للضّالّ، فوصف به فعله للمبالغة. أو للأمر الّذي به الضّلال، فوصف به لملابسته.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) : الّذي هو منهم وبعث فيهم.

( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) : ما أمروا به، فيفقهوه عنه بيسر وسرعة.

وقرئ(٧) : «بلسن» وهو لغة فيه، كريش ورياش. و «لسن» بضمّتين، وضمة وسكون، على الجمع، كعمد وعمد.

وفي كتاب الخصال(٨) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في حديث: ومنّ عليّ ربّي، وقال: يا محمّد، قد أرسلت كلّ رسول إلى أمّته(٩) بلسانها، وأرسلتك إلى كلّ أحمر

__________________

(١) فيكون «يستحبّون» مجازا مرسلا من باب إطلاق اسم اللازم على ملزومه.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٤.

(٣) تنكّب، أي: مال عن الحقّ.

(٤) لأنّ الفعل المتعدّي إذا وجد لا حاجة إلى تعدية اللّازم، لأنّه تكلّف. وتبع في هذا صاحب الكشّاف، وفيه: أنّ القراءات تؤخذ من الرّواية لا من الدّراية، فلا وجه للقول بأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التّعدية.

(٥) من المصدر.

(٦) فعلى الأوّل: أذمّ الذين يستحبّون الحياة الدنيا. وعلى الثاني: بئس الّذين يستحبّون.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٤.

(٨) الخصال ١ / ٤٢٥، ح ١.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: امّة.


وأسود من خلقي.

وقيل(١) : الضّمير في «قومه» لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ و [أنّ الله تعالى](٢) أنزل(٣) الكتب كلّها بالعربيّة ثمّ [تر](٤) جمعها جبرئيل ـ عليه السّلام ـ. أو كل نبيّ بلغة المنزل عليهم.

ويؤيّده ما رواه في كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى مسلم بن خالد المكّيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: ما أنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ كتابا ولا وحيا إلّا بالعربيّة، [فكان يقع في مسامع الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ بألسنة قومهم، وكان يقع في مسامع نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالعربيّة، فإذا كلّم به قومه(٦) كلّمهم](٧) بالعربيّة فيقع في مسامعهم بلسانهم. وكان أحدٌ(٨) لا يخاطب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بأيّ لسان خاطبه إلّا وقع في مسامعه بالعربيّة، وكلّ ذلك يترجم جبرئيل ـ عليه السّلام ـ عنه تشريفا من الله ـ عزّ وجلّ ـ له ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

( فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ ) : فيخذله عن الإيمان.

( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) : بالتّوفيق له.

( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) : فلا يغلب على مشيئته.

( الْحَكِيمُ ) (٤): الّذي لا يفعل ما يفعل إلّا بحكمة.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) ، يعني: اليد والعصا وسائر معجزاته.

( أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) ، بمعنى: أي: أخرج، لأنّ في الإرسال معنى القول. أو بأن أخرج، فإنّ صيغ الأفعال سواء في الدّلالة على المصدر، فيصحّ أن يوصل بها «أن» النّاصبة.

( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ) .

قيل(٩) : بوقائعه الّتي وقعت على الأمم الدّارجة. وأيّام العرب: حروبها.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٥.

(٢) من المصدر.

(٣) أ، ب: وإنزال.

(٤) من المصدر.

(٥) العلل ١ / ١٢٦، ح ٨.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قومهم.

(٧) ليس في ب.

(٨) المصدر: أحدنا.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٥.


وقيل(١) : بنعمائه وبلائه.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن إبراهيم عن عمر(٣) ، عمّن ذكره عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ) قال: بآلاء الله، يعني: بنعمه.

وفي كتاب الخصال(٤) : عن مثنّى الخيّاط(٥) قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: أيام الله يوم يقوم القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : أيام الله ثلاثة: أيام(٧) يوم يقوم(٨) القائم، ويوم الموت، ويوم القيامة.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) (٥): يصبر على بلائه ويشكر لنعمائه، فإنّه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النّعماء، اعتبر وتنبّه لما يجب عليه من الصّبر والشّكر.

( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ، أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيّاكم.

ويجوز أن ينتصب «بعليكم» إن جعلت مستقرّة، غير صلة «للنّعمة»(٩) وذلك إذا أريدت بها العطيّة دون الإنعام. ويجوز أن يكون بدلا من «نعمة الله» بدل الاشتمال.

( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) : أحوال من «آل فرعون»، أو من ضمير المخاطبين.

والمراد بالعذاب ـ هاهنا ـ غير المراد في سورة البقرة والأعراف، لأنّه مفسّر بالتّذبيح

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٢، ح ٢.

(٣) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٢٩. وفي النسخ: عمرو.

(٤) الخصال ١ / ١٠٨، ح ٧٥.

(٥) كذا في المصدر، ورجال النجاشي / ١١٠٦. وفي النسخ: الخيّاط.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٦٧.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) يوجد في ب.

(٩) أي: يجوز نصب «إذ أنجاكم» بـــ «عليكم» إذا جعلت «عليكم» ظرفا مستقرّا، لأنّه حينئذ مقدّر بالفعل فيصلح أن يكون عاملا، أمّا إذا كان صلة «للنّعمة» فلا يصلح أن يكون عاملا إذ ليس مقدّرا بالفعل وحينئذ تكون «النّعمة» بمعنى: العطيّة، لا بمعنى الإنعام، إذ لو كان بمعنى الإنعام لكان «عليكم» صلة له.


والقتل ثمّة(١) ، ومعطوف عليه التّذبيح ـ هاهنا ـ. وهو إمّا جنس العذاب(٢) ، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشّاقّة.

( وَفِي ذلِكُمْ ) : من حيث أنّه بإقدار الله إيّاهم وإمهالهم فيه.

( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) (٦): ابتلاء منه.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، والمراد بالبلاء: النّعمة.

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ) : أيضا من كلام موسى ـ عليه السّلام ـ.

و «تأذّن» بمعنى: آذن، كتوعّد وأوعد، غير أنّه أبلغ لما في التّفعّل من معنى التّكلّف والمبالغة، أي: أعلم ربّكم.

( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) : يا بني إسرائيل، ما أنعمت عليكم من الإنجاء وغيره بالإيمان والعمل الصّالح.

( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) : نعمة إلى نعمة.

( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) (٧): فلعلّي أعذبكم على الكفران عذابا شديدا. ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرّح بالوعد، ويعرّض بالوعيد(٣) .

والجملة مفعول قول مقدّر(٤) . أو مفعول «تأذن» على أنّه يجري مجرى «قال»، لأنّه ضرب منه.

في كتاب الخصال(٥) : عن معاوية بن وهب(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: يا معاوية، من أعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة: من أعطي الدّعاء أعطي الإجابة ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التّوكل أعطي الكفاية. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول في كتابه:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) . ويقول:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) ويقول:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) .

__________________

(١) ثمّة: هناك.

(٢) وعلى هذا فعطف «يذبّحون» عليه عطف الخاصّ على العام.

(٣) فإنّه ـ تعالى ـ صرح بالوعد فقال:( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) ، وعرض بالوعيد فقال:( إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) من جهة أنّه لم يقل: وإن كفرتم عذّبتكم.

(٤) فيكون التقدير: وإذ تأذّن ربّكم قائلا:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) الخ.

(٥) الخصال ١ / ١٠١، ح ٥٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: مسعود بن عمّار.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أيّما عبد أنعم الله عليه بنعمة، فعرفها بقلبه وحمد الله عليها بلسانه، لم ينفد(٢) كلامه حتّى يأمر الله له بالزّيادة، وهو قوله:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .

وفي روضة الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [وعليّ بن محمد، عن القاسم بن محمّد](٤) ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ من عرف نعمة الله بقلبه، استوجب المزيد من الله ـ عزّ وجلّ ـ قبل أن يظهر شكرها على لسانه.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

سهل(٥) عن عبيد الله، عن أحمد بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنا وحسين بن(٦) ثوير بن أبي فاختة فقلت له: جعلت فداك، إنّا كنّا في سعة من الرّزق وغضارة من العيش، فتغيّرت الحال بعض التّغييّر، فادع لنا(٧) الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يردّ ذلك إلينا.

فقال: أي شيء تريدون، تكونون ملوكا، أيسرّك أن تكون مثل(٨) طاهر(٩) وهرثمة وأنّك على خلاف ما أنت عليه؟

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.

(٢) المصدر: لم تنفد.

(٣) الكافي: ٨ / ١٢٨، ح ٩٨.

(٤) من المصدر.

(٥) الكافي ٨ / ٣٤٦، ح ٥٤٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: مثله.

(٩) الطاهر هو أبو الطيّب، أو أبو طلحة، طاهر بن الحسين المعروف بـــ «ذو اليمينين» والي خراسان، كان من أكبر قوّاد المأمون والمجاهدين في تثبيت دولته، وهو الّذي سيّره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الأمين، محمد بن زبيدة.

وكان طاهر من أصحاب الرضا ـ عليه السّلام ـ وكان متشيّعا، وينسب التشيع إلى آل طاهر ـ أيضا ـ وكان طاهر هو الّذي أسّس دولة آل طاهر في خراسان وما والاها سنة ٢٠٥ ـ ٢٥٩، وله عهد إلى ابنه وهو من أحسن الرسائل.

وأمّا هرثمة، فهو هرثمة بن أعين الذي يروي عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ كثيرا وهو ـ أيضا ـ من قوّاد المأمون وفي خدمته، وكان مشهورا بالتشيّع ومحبّا لأهل البيت ـ عليهم السلام ـ وهو من أصحاب الرّضا ـ عليه السّلام ـ بل من خواصّه وأصحاب سرّه، كما يظهر من كتاب العيون.


قلت: لا، والله، ما يسرّني أنّ لي الدّنيا بما فيها ذهبا وفضّة وأنّي على خلاف ما أنا عليه.

قال: فقال: فمن أيسر منكم فليشكر الله، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي عمرو(٢) المدائنيّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: أيّما عبد أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه ـ وفي رواية أخرى ـ فأقرّ بها بقلبه وحمد الله عليها بلسانه، لم ينفد كلامه حتّى يأمر الله له بالزّيادة.

وفي رواية أبي إسحاق المدائنيّ(٣) : حتّى يأذن الله له بالزّيادة، وهو قوله:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .

وعن أبي ولّاد(٤) ، قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أرأيت هذه النّعمة الظّاهرة علينا(٥) من الله، أليس إن شكرناه عليها وحمدناه(٦) زادنا، كما قال الله في كتابه:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) ؟

فقال: نعم، من حمد الله على نعمته وشكره وعلم أنّ ذلك منه لا من غيره [زاد الله نعمه](٧) .

وفي أمالي شيخ الطّائفة(٨) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: تلقّوا النّعم، يا سدير، بحسن مجاورتها، واشكروا من أنعم عليكم وأنعموا على من شكركم، فإنّكم إذا كنتم كذلك استوجبتم من الله الزّيادة ومن إخوانكم المناصحة. ثمّ تلا:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .

وفي أصول الكافي(٩) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن رجلين [من أصحابنا](١٠) سمعاه، عن أبي عبد الله ـ عليه

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٢، ح ٣.

(٢) كذا في جامع الرواة ٢ / ٤٠٧ وفي المصدر: أبي عمر.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٢، ح ٤.

(٤) نفس المصدر والموضع، ح ٥.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلينا.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: عليه وحمدته.

(٧) من المصدر مع المعقوفتين.

(٨) أمالي الطوسي ١ / ٣٠٩.

(٩) الكافي ٢ / ٩٥، ح ٩.

(١٠) من المصدر.


السّلام ـ قال: ما أنعم الله على عبد من نعمة، فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهرا بلسانه فتمّ كلامه، حتّى يؤمر له بالمزيد.

عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن [محمد بن](٢) خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف عن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: وما هو؟

قال: يحمد الله على كلّ نعمة عليه في أهل ومال، وإن كان فيما أنعم [عليه](٣) في ماله حقّ أدّاه.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: سمعت أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ يقول: من حمد الله على النّعمة فقد شكره، وكان الحمد أفضل من تلك النّعمة.

محمّد [بن يحيى(٥) ](٦) ، عن أحمد، عن عليّ بن الحكم، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال لي: ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت، فقال: الحمد لله، إلّا أدّى شكرها.

أبو عليّ الاشعريّ(٧) ، عن عيسى بن أيّوب، عن عليّ بن مهزيار، عن القاسم بن محمّد، عن إسماعيل بن أبي الحسن(٨) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: [من أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدّى شكرها]

(٩)

[عدة من أصحابنا(١٠) ، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن هشام، عن ميسر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال](١١) شكر النعمة اجتناب المحارم، وتمام الشّكر قول الرّجل: الحمد لله ربّ العالمين.

__________________

(١) الكافي ٢ / ٩٥ ـ ٩٦، ح ١٢.

(٢ و ٣) من المصدر.

(٤) الكافي ٢ / ٩٦، ح ١٣.

(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١٤.

(٦) من المصدر.

(٧) الكافي ٢ / ٩٦، ح ١٥.

(٨) ب: إسماعيل بن محمد.

(٩) من المصدر.

(١٠) الكافي ٢ / ٩٥، ح ١٠.

(١١) من المصدر.


وفي كتاب الخصال(١) : عن سعيد(٢) بن علاقة قال: سمعت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول: شكر المنعم(٣) يزيد في الرّزق.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه ـ(٤) بإسناده إلى مالك بن أعين الجهنيّ قال: أوصى عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ بعض ولده فقال: يا بنيّ اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنّه لا زوال للنّعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت، والشاكر بشكره أسعد منه بالنّعمة الّتي وجب عليه الشّكر لها. وتلا، يعني: عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ [قول الله ـ تعالى ـ](٥) ( إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) .

وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى عليّ بن الحسين(٧) بن عليّ بن فضّال، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: السّجدة بعد الفريضة شكر الله ـ تعالى ـ ذكره على ما وفّق العبد من أداء فرائضه(٨) ، وأدنى ما يجزي فيها من القول أن يقال: شكرا لله شكرا لله، ثلاث مرّات.

قلت: فما معنى قوله: شكرا لله؟

قال: يقول: هذه السّجدة منّي شكرا لله على ما وفّقني له من خدمته وأداء فرضه. والشّكر موجب للزّيادة، فإن كان في الصّلاة تقصير تمّ بهذه السّجدة.

وفي مجمع البيان(٩) : قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إذا أقبلت عليكم أطراف النّعم، فلا تنفروا وأقصاها(١٠) بقلّة الشّكر.

وفي أصول الكافي(١١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال في تفسير وجوه الكفر: الوجه الثّالث من الكفر كفر النّعم، قال:( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

__________________

(١) الخصال ٢ / ٥٠٥، ح ٢.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: سعد.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: النعم.

(٤) أمالي الطوسي ٢ / ١١٥.

(٥) ليس في أ، ب.

(٦) العلل / ٣٦٠، ح ١.

(٧) كذا في المصدر، ورجال النجاشي / ٧٢. وفي النسخ: الحسن

(٨) المصدر: فرضه.

(٩) نور الثقلين ٢ / ٥٢٩، ح ٢٨.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: اقتضاها. (١١) الكافي ٢ / ٣٩٠، ح ١.


( وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) : من الثّقلين.

( فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌ ) : عن شكركم.

( حَمِيدٌ ) (٨): مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة وينطق بنعمته ذرّات المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلّا أنفسكم حين حرمتموها مزيد الإنعام وعرّضتموها للعذاب الشّديد.

( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ) : من كلام موسى ـ عليه السّلام ـ. أو كلام مبتدأ من الله ـ تعالى ـ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ ) : جملة وقعت اعتراضا(١) .( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) عطف على ما قبله، و( لا يَعْلَمُهُمْ ) اعتراض.

والمعنى: أنّهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلّا الله. ولذلك قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: كذب النّسّابون(٢) .

( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) .

قيل(٣) : فعضّوها غيظا ممّا جاءت به الرّسل، كقوله:( عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) . أو وضعوها عليها [تعجّبا منه، أو](٤) استهزاء عليه، كمن غلبه الضّحك(٥) . أو إسكاتا للأنبياء، وأمرا لهم بإطباق الأفواه. أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به، من قولهم:( إِنَّا كَفَرْنا ) تنبيها على أنّ لا جواب لهم سواه. أو ردّوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التّكلّم، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلا(٦) .

وقيل(٧) : الأيدي بمعنى: الأيادي، أي: ردّوا أيادي الأنبياء الّتي هي مواعظهم وما أوحي إليهم من الحكم والشّرائع في أفواههم، لأنّهم إذ كذّبوها ولم يقبلوها فكأنّهم

__________________

(١) لأنّ مجموع هذا الكلام لا يصحّ أن يجعل معطوفا على ما قبله.

(٢) المراد من النّسّابين: الّذين يدّعون العلم بالآباء الموجودين في تلك الأزمنة المتقدّمة، وإنّما كذّبهم لأنّ الله ـ تعالى ـ نفى علم الآباء المذكورة عنهم، أي: عن النّسّابين.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٦.

(٤) ليس في ب.

(٥) ب: زيادة «أو تعجبا منه».

(٦) أي: يحتمل أن يكون استعارة بأن يكون المراد من ردّ الأيدي في الأفواه منعهم عن التكلّم من غير اعتبار المعنى الحقيقي لليد.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٦.


ردّوها إلى حيث جاءت منه.

( وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) : على زعمكم.

( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ ) : من الإيمان.

وقرئ(١) : «تدعونا» بالإدغام.

( مُرِيبٍ ) (٩): موقع في الرّيبة. أو ذي ريبة، وهي قلق النّفس وأن لا تطمئنّ إلى شيء.

( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌ ) أُدخلت همزة الإنكار على الظّرف، لأنّ الكلام في المشكوك فيه لا في الشّكّ(٢) ، أي: إنّما ندعوكم إلى الله، وهو لا يحتمل الشّكّ لكثرة الأدّلة وظهور دلالتها عليه. وأشار إلى ذلك بقوله:( فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : وهو صفة. أو بدل، و «شكّ» مرتفع بالظّرف.

( يَدْعُوكُمْ ) : إلى الإيمان ببعثه إيّاناً(٣) ( لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) . أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني. على إقامة المفعول له مقام [المفعول](٤) به(٥) .

( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) .

قيل(٦) : أي: بعض ذنوبكم، وهو ما بينكم وبينه ـ تعالى ـ. فإنّ الإسلام يجبّه دون المظالم.

وقيل(٧) : جيء «بمن» في خطاب الكفّار دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقة بين الخطابين. ولعلّ المعنى فيه: أنّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفّار مرتّبة على الإيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطّاعة والتّجنّب عن المعاصي ونحو ذلك، فتتناول الخروج عن المظالم(٨) .

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٦.

(٢) لأنّ القاعدة أن يلي الهمزة ما يتعلّق به الغرض وهو الله تعالى.

(٣) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٢٦. وفي النسخ: «ببعثه إلى الإيمان» بدل «إلى الايمان ببعثه إيّانا».

(٤) من المصدر.

(٥) فتكون «اللّام» بمعنى «إلى» والفعل بمعنى المصدر.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٦.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) أي: تتناول خطاب المؤمنين الخروج عن


( وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) : إلى وقت سمّاه الله وجعله آخر أعماركم.

( قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) : لا فضل لكم علينا، فلم تخصّون بالنّبوّة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل.

( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) : بهذه الدّعوة.

( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) (١٠): يدلّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزيّة. أو على صحّة ادّعائكم النّبوّة، كأنّهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البيّنات والحجج، واقترحوا عليهم آية أخرى تعنّتا ولجاجا.

( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) : سلّموا مشاركتهم في الجنس، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنّبوّة فضل الله ومنّه عليهم بخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم.

( وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) ، أي: ليس إلينا الإتيان بالآيات ولا تستبدّ به استطاعتنا حتّى نأتي بما اقترحتموه، وإنّما هو أمر يتعلّق بمشيئة الله فيخصّ كلّ نبيّ بنوع من الآيات.

( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (١١): فلنتوكّل عليه في الصّبر على معاندتكم [ومعاداتكم](١) .

عمّموا الأمر للإشعار بما يوجب التّوكّل عليه(٢) ، وهو الإيمان، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوّليّا. ألا ترى قوله:( وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ ) ، أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه( وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ) : الّتي بها نعرفه، ونعلم أنّ الأمور كلّها بيده.

( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ) : جواب قسم محذوف، أكّدوا به توكّلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفّار عليهم.

( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (١٢): فليثبت المتوكّلون على ما استحدثوه

__________________

المظالم فلم يبق عليهم سوى ما يتعلّق بحقّ الله ـ تعالى ـ فإذا تابوا يغفر الله جميع ذنوبهم، وأمّا الإيمان فلا يحصل منه الخروج من المظالم، فيغفر ما سواها، ولذا دخل «من» على مغفرة ذنوبهم ليدلّ على التبعيض.

(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.

(٢) أي: عممّوا الحكم بأنّ على جميع المؤمنين التوكّل على الله لكنّ المقصود بالذّات الرسل، فكأنّما قالوا: إنّ عليهم التوكّل.


من توكّلهم المسبّب عن إيمانهم.

وفي مجمع البيان(١) : وروى الواقديّ، بإسناده، [عن أبي مريم](٢) عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا آذاك البراغيث، فخذ قدحا من ماء، فاقرأ عليه سبع مرّات:( وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ ) (الآية) [وقل :](٣) فإن كنتم آمنتم بالله فكفّوا شرّكم وأذاكم عنّا. ثمّ ترشّ الماء حول فراشك، فإنّك تبيت تلك اللّيلة آمنا من شرّها.

وفي من لا يحضره الفقيه(٤) : وسئل ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) .

قال: الزّارعون.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الحسن بن ظريف، عن محمّد بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ مثله.

( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) : حلفوا على أن يكون أحد الأمرين، إمّا إخراجهم للرّسل، أو عودهم إلى ملّتهم. وهو بمعنى الصّيرورة، لأنّهم لم يكونوا على ملّتهم قطّ.

ويجوز أن يكون الخطاب لكلّ رسول ولمن آمن معه، فغلّبوا الجماعة على الواحد.

( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) ، أي: إلى الرّسل.

( لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) (١٣): على إضمار القول. أو إجراء الإيحاء مجراه، لأنّه نوع منه.

( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ ) ، أي: أرضهم وديارهم( مِنْ بَعْدِهِمْ ) .

وقرئ(٦) : «ليهلكنّ»، و «ليسكننّكم» بالياء اعتبارا لأوحى، كقولك: أقسم زيد ليخرجنّ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، رفعه، إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره، وهو قوله :

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٠٧.

(٢ و ٣) من المصدر.

(٤) الفقيه ٣ / ١٦٠، ح ٧٠٣.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٢، ح ٦.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.


( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ـ إلى قوله ـفَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) .

وفي مجمع البيان(١) : جاء في الحديث: من آذى جاره ورثه الله داره.

( ذلِكَ ) : إشارة إلى الموحى به، وهو إهلاك الظّالمين وإسكان المؤمنين.

( لِمَنْ خافَ مَقامِي ) : موقفي، وهو الموقف الّذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة. أو قيامي عليه وحفظي لأعماله.

وقيل(٢) : المقام مقحم.

( وَخافَ وَعِيدِ ) (١٤): أي: وعيدي بالعذاب. أو عذابي الموعود للكفّار.

وفي كتاب جعفر بن محمّد الدّوريسي(٣) : عن ابن مسعود قال: لـمّـا نزلت هذه الآية( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ) تلاها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على أصحابه فخرّ فتى مغشيّا عليه، فوضع النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يده على فؤاده فوجده يكاد يخرج من مكانه.

فقال: يا فتى، قل: لا إله إلّا الله. فتحرّك الفتى، فقالها، فبشّره النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالجنّة.

فقال القوم: يا رسول الله، من بيننا؟

فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أما سمعتم الله يقول:( ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ) .

( وَاسْتَفْتَحُوا ) : سألوا من الله الفتح على أعدائهم. أو القضاء بينهم وبين أعدائهم، من الفتاحة بمعنى: الحكومة، كقوله:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ ) .

وهو معطوف على «فأوحى» والضّمير للأنبياء.

وقيل(٤) : للفريقين.

وقيل(٥) : للكفرة، فإنّ كلّهم سألوه أن ينصر المحقّ ويهلك المبطل.

وقرئ(٦) ، بلفظ الأمر، عطفا على «لنهلكنّ».

( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (١٥)، أي: ففتح لهم فأفلح المؤمنون، وخاب كلّ

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٠٨.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.

(٣) نور الثقلين ٢ / ٥٣٠، ح ٣٥.

(٤ و ٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.


عات متكبّر على الله معاند للحقّ فلم يفلح. ومعنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع(١) .

وفي روضة الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.

فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم، ولولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي، ما قالت النّصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمرّ بملإ من النّاس إلّا أخذوا التّراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة.

قال: فغضب الأعرابيّان والمغيرة بن شعبة وعدّة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم.

فأنزل الله على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ ) ، يعني: من بني هاشم( مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) .

قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال:( أللَّهُمَّ، إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) أنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل(٣) ( فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) .

فأنزل الله عليه مقالة الحارث، ونزلت هذه الآية( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) . ثمّ قال له: يا [ابن](٤) عمرو، إمّا تبت وإمّا رحلت.

فقال: يا محمّد، تجعل لسائر قريش ممّا في يدك(٥) فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم.

__________________

(١) لأنّ تحصيل نقيض ما ادّعوه أشدّ في الخيبة والخسران.

(٢) الكافي ٨ / ٥٧ ـ ٥٨، ح ١٨.

(٣) هرقل: اسم ملك الروم أراد أنّ بني هاشم يتوارثون ملكا بعد ملك.

(٤) من المصدر.

(٥) المصدر: يديك.


فقال له النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ليس ذلك إليّ، ذلك إلى الله تبارك وتعالى.

فقال: يا محمّد، قلبي ما يتابعني على التّوبة، ولكن أرحل عنك. فدعا براحلته فركبها، فلمّا صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته(١) .

ثمّ أتى الوحي إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: سأل سائل بعذاب واقع، للكافرين بولاية علي ليس له دافع، من الله ذي المعارج.

قال: قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرأها هكذا.

فقال: هكذا، والله، نزل بها جبرئيل على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهكذا هو، والله، مثبت في مصحف فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) .

وفي كتاب التّوحيد(٢) ، بإسناده إلى الحسن بن الصّباح قال: حدّثني أنس، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال:( كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) من أبى أن يقول: لا إله إلّا الله.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) . في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: العنيد المعرض عن الحقّ.

( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ) : أي: بين يدي هذا الجبّار نار جهنّم، فانّه مرصد بها واقف على شفيرها(٤) في الدّنيا، مبعوث إليها في الآخرة.

وقيل(٥) : من وراء حياته، وحقيقته ما توارى عنك.

( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ ) : عطف على محذوف، تقديره: من ورائه جهنّم يلقي فيها [ما يلقى](٦) ويسقى من ماء.

( صَدِيدٍ ) (١٦): عطف بيان «لماء».

__________________

(١) الجندلة ـ واحدة الجندل ـ: الصّخر العظيم. ورضّ الشيء: دقّه وجرشه والهامة: الرّأس.

(٢) التوحيد / ٢٠ ـ ٢١، ح ٩.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.

(٤) أي: واقف على شفير جهنّم في الدّنيا باعتبار القرب واستعداده لحصوله فيها.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.

(٦) من المصدر.


قيل(١) : هو ما يسيل من جلود أهل النّار.

في مجمع البيان(٢) :( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) ، أي: ويسقى ممّا يسيل من الدّم والقيح من فروج الزّواني في النّار. عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.

وروى أبو أمامة(٣) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: يقرّب إليه فيكرهه.

فإذا ادني منه شوى وجهه(٤) ووقعت(٥) فروة رأسه، فإذا شرب قطّع أمعاءه حتّى يخرج من دبره، يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) ويقول:( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ) .

وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن مات وفي بطنه شيء من ذلك كان حقّا على الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يسقيه من طينة خبال، وهو صديد أهل النّار وما يخرج من فروج الزّناة، فيجتمع ذلك في قدور جهنّم، فيشربه أهل النّار فيصهر به ما في بطونهم والجلود. رواه شعيب(٦) بن واقد، عن الحسين بن يزيد، عن الصّادق، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قال يقرّب إليه فيكرهه، وإذا ادني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب تقطّعت أمعاؤه وفرقت(٨) تحت قدميه، وأنّه يخرج من أحدهم مثل الوادي صديدا وقيحا.

ثمّ قال: وإنّهم ليبكون حتّى تسيل من دموعهم [فوق](٩) وجوههم جداول، ثمّ تنقطع الدّموع فتسيل الدّماء، حتّى لو أنّ السّفن لو أجريت فيها لجرت، وهو قوله:( وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) .

( يَتَجَرَّعُهُ ) : يتكلّف جرعه(١٠) .

وهو صفة «الماء»، أو حال من الضّمير في «يسقى».

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) المجمع ٣ / ٣٠٨.

(٣) المجمع ٣ / ٣٠٨.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقع.

(٦) كذا في المصدر وتنقيح المقال ٢ / ٨٨. وفي النسخ: شبيب.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.

(٨) المصدر: «مزّقت إلى». والأظهر: مرقت، أي: خرجت، أو: ذهبت.

(٩) من المصدر.

(١٠) كذا في أ، ب. وفي سائر النسخ: جرعته.


( وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ) : ولا يقارب أن يسيغه، فكيف يسيغه بل يغصّ به فيطول عذاب.

و «السّوغ» جواز الشّراب على الحلق بسهولة.

( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) ، أي: أسبابه من الشّدائد، فتحيط به من جميع الجهات.

وقيل(١) : من كل مكان [من جسده، حتّى](٢) من أصول شعره وإبهام رجله.

( وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ) : فيستريح.

( وَمِنْ وَرائِهِ ) : ومن بين يديه.

( عَذابٌ غَلِيظٌ ) (١٧): أي: يستقبل في كلّ وقت [عذابا أشدّ ممّا هو](٣) عليه.

وقيل(٤) : هو الخلود في النّار.

وقيل(٥) : حبس الأنفاس.

وقيل(٦) : الآية منقطعة عن قصّة الرّسل، نازلة في أهل مكّة، طلبوا الفتح الّذي هو المطّر في سنيهم الّتي أرسل الله ـ تعالى ـ عليهم بدعوة رسله، فخيّب رجاءهم فلم يسقهم، ووعد لهم أن يسقيهم في جهنّم بدل سقياهم صديد أهل النّار.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّ أهل النّار لـمّـا غلى الزّقوم والضّريع في بطونهم، كغلي الحميم، سألوا الشّراب، فاتوا بشراب غسّاق( صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ) وحميم تغلي به جهنّم منذ خلقت( كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) .

( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) : مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يتلى عليكم صفتهم الّتي هي مثل في الغرابة. أو قوله:( أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ ) . وهو على الأوّل جملة مستأنفة لبيان مثلهم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٧.

(٢) ليس في أ، ب، ر.

(٣) ليس في أ، ب، ر.

(٤ و ٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٨.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٣، ح ٧.


وقيل(١) : «أعمالهم» بدل من «المثل» والخبر «كرماد».

( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ) : حملته وأسرعت الذّهاب به.

وقرأ(٢) نافع: «الريّاح».

( فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) .

«العصوف» اشتداد الرّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم: نهاره صائم وليله قائم.

شبّه صنائعهم، من الصّدقة، وصلة الرّحم، وإغاثة الملهوف، وعتق الرّقاب، ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها لبنائها على غير أساس من معرفة الله ـ تعالى ـ والتّوجّه بها إليه، أو أعمالهم للأصنام، كرماد طيّرته الرّيح العاصفة.

وفي أصول الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن علا بن رزين، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: اعلم، يا محمّد، أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون(٤) عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا، فأعمالهم الّتي يعملونها( كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ بطل عمله، مثله مثل الرّماد الّذي تجيء الرّيح فتحمله.

( لا يَقْدِرُونَ ) : يوم القيامة.

( مِمَّا كَسَبُوا ) : من أعمالهم.

( عَلى شَيْءٍ ) : لحبوطه، فلا يرون له أثرا من الثّواب. وهو فذلكة(٦) التّمثيل.

( ذلِكَ ) : إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنّهم محسنون.

( هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) (١٨): فإنّه الغاية في البعد عن طريق الحقّ.

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ ) : خطاب للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمراد به: أمّته.

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٨.

(٣) الكافي ١ / ٣٧٥، ح ٢.

(٤) كذا في ب، ر، المصدر. وفي سائر النسخ: لمعزلون.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.

(٦) الفذلكة: مجمل ما فصّل وخلاصته.


وقيل(١) : لكلّ واحد من الكفرة على التّلوين(٢) .

( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) : بالحكمة والوجه الّذي يحقّ أن تخلق عليه، ولم يخلقها عبثا باطلا.

وقرأ(٣) حمزة والكسائي: «خالق السماوات».

( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) (١٩): يعدمكم ويخلق خلقا آخر مكانكم.

رتّب ذلك على كونه خالقا للسّماوات والأرض استدلالا به عليه، فإنّ من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم، ثمّ كوّنهم بتبديل الصّور وتغيير الطّبائع، قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك، كما قال:( وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ) (٢٠): بمتعذّر أو متعسّر، فإنّه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقا بأن يعبد ويؤمن به رجاء لثوابه وخوفا من عقابه يوم الجزاء.

( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ، أي: يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله ومحاسبته.

أو لله على ظنّهم(٤) ، فإنّهم يخفون ارتكاب الفواحش ويظنّون أنّها تخفى على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم(٥) .

وإنّما ذكر بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.

( فَقالَ الضُّعَفاءُ ) : الأتباع. جمع ضعيف، يريد به: ضعفاء الرّأي.

وإنّما كتبت بالواو، على لفظ من يفخّم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.

( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) : لرؤسائهم الّذين استتبعوهم واستغووهم.

وفي كتاب مصباح المتهجّد(٦) لشيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه ـ خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٨.

(٢) أي: تغيير الكلام من طور إلى طور آخر، وهو هاهنا الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٨.

(٤) فيه: أنّه لزم أن يكون المعنى: برزوا يوم القيامة لله على ظنهم، يكون البروز لله مظنونا لهم يوم القيامة، لكنّ البروز المذكور معلوم لهم لا مظنون إلّا أن يقال الظّنّ بمعنى: العلم.

والاولى أن يقال: برزوا لله على علمهم، أو برزوا على خلاف ظنّهم في الدنيا.

(٥) أي: يتيقنوا في تلك الحالة أنّهم مكشوفون لله ـ تعالى ـ.

(٦) مصباح المتهجّد / ٧٠١.


السّلام ـ خطب بها يوم الغدير، وفيها يقوم ـ عليه السّلام ـ: وتقرّبوا إلى الله بتوحيده وطاعته من أمركم أن تطيعوه، ولا تمسكوا بعصم الكوافر، ولا يخلج بكم البغي فتضلّوا عن سبيل الرّشاد باتّباع أولئك الّذين ضلّوا وأضلّوا، قال الله ـ عزّ من قائل ـ في طائفة ذكرهم بالذّمّ في كتابه:( إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا ) .

... إلى قوله ـ عليه السّلام ـ: وقال ـ تعالى ـ:( وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا ) (١) ( مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) (٢) أفتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطّاعة لمن أمروا بطاعته، والتّرفع على من ندبوا إلى متابعته، والقرآن ينطق من هذا عن كثير، إن تدبّره متدبّر زجره ووعظه.

( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ) : في تكذيب الرّسل والإعراض عن نصائحهم.

وهو جمع تابع، كغائب وغيب. أو مصدر نعت به للمبالغة، أو على إضمار المضاف.

( فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا ) : دافعون عنّا.

( مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) .

«من» الأولى للبيان، واقعة موقع الحال. والثّانية للتّبعيض، واقعة موقع المفعول، أي: بعض الشّيء الّذي هو عذاب الله ـ تعالى ـ.

ويجوز أن يكونا للتّبعيض، أي: بعض شيء هو بعض عذاب الله ـ تعالى ـ.

والإعراب ما سبق(٣) .

ويحتمل أن تكون الأولى مفعولا. والثّانية مصدرا، أي: فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء.

( قالُوا ) ، أي: الّذين استكبروا، جوابا عن معاتبة الأتباع والاعتذار عمّا فعلوا بهم.

( لَوْ هَدانَا اللهُ ) : للإيمان ووفّقنا له( لَهَدَيْناكُمْ ) ، ولكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا. أو لو هدانا الله طريق النّجاة من العذاب لهديناكم

__________________

(١) المؤمن / ٤٧.

(٢) إبراهيم / ٢١.

(٣) بأن يكون «من عذاب» حالا، و «من شيء» مفعولا.


وأغنيناه عنكم، كما عرّضناكم له، لكن سدّدوننا طريق الخلاص.

( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ) : مستويان علينا الجزع والصّبر.

( ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) (٢١): منجى ومهرب من العذاب. من الحيص، وهو العدول على جهة الفرار.

وهو يحتمل أن يكون مكانا، كالمبيت. أو مصدرا، كالمغيب.

( وَقالَ الشَّيْطانُ لـمّـا قُضِيَ الْأَمْرُ ) قيل(١) : احكم وفرغ منه، وادخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار، خطيبا في الأشقياء من الثّقلين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أي: لـمّـا فرغ من أمر الدّنيا من أوليائه.

وفيه، وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن حريز، عمّن ذكره، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: كلّما في القرآن( وَقالَ الشَّيْطانُ ) يريد به: الثّاني.

( إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ ) : وعدا من حقّه أن ينجز. أو وعدا أنجزه، وهو وعد البعث والجزاء، فوفى لكم بما وعدكم(٤) .

( وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) : جعل تبيين خلف وعده، كالإخلاف منه.

( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) : تسلّط، فالجئكم إلى الكفر والمعاصي.

( إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ) : إلّا دعائي إياكم إليهما(٥) بتسويلي ووسوستي. وهو ليس من جنس السّلطان، ولكنّه على طريقة قولهم :

تحيّة بينهم ضرب وجيع(٦)

ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا.

( فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) : أسرعتم إجابتي.

( فَلا تَلُومُونِي ) : بوسوستي، فإنّ من صرّح العداوة(٧) لا يلام بأمثال ذلك.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٩.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٦٨.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٣، ح ٨. ولم نعثر عليه في تفسير القمّي.

(٤) فالأوّل باعتبار استحقاقه للإنجاز والثاني باتّصافه بالإنجاز بالفعل.

(٥) أي: الكفر والمعاصي.

(٦) فتكون الدعوة سلطنة تقديرا، كما يقدّر الضرب تحيّة.

(٧) أ، ب: بالعداوة.


( وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) : حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربّكم لـمّـا دعاكم.

وفي نهج البلاغة(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: دعاهم ربّهم فنفروا(٢) وولّوا، ودعاهم الشّيطان فاستجابوا وأقبلوا.

( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ) : بمغيثكم من العذاب.

( وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ ) : بمغيثيّ.

وقرأ(٣) حمزة، بكسر الياء.

قيل(٤) : إمّا على الأصل في التقاء السّاكنين، وهو أصل مرفوض في مثله، لما فيه.

من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع أنّ حركة ياء الإضافة الفتح، فإذا لم تكسر وقبلها ألف فبالحريّ أن لا تكسر وقبلها ياء(٥) . أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة، إجراء لها مجرى الهاء والكاف(٦) في «ضربته، وأعطيتكه» وحذف الياء اكتفاء بالكسرة.

( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) .

قيل(٧) : «ما» إمّا مصدريّة و «من» متعلّقة «بأشركتموني»، أي: أنّي كفرت اليوم بإشراككم إيّاي(٨) من قبل هذا اليوم، أي: في الدّنيا، بمعنى: تبرّأت منه واستنكرته، كقوله:( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) .

أو موصولة، بمعنى: من نحو ما في قولهم: سبحانه ما سخركنّ لنا، و «من» متعلّقة «بكفرت»، أي: كفرت بالّذي أشركتمونيه، وهو الله ـ تعالى ـ بطاعتكم إيّاي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها «من قبل» إشراككم حين رددت أمره بالسّجود لآدم.

__________________

(١) نهج البلاغة / ٢٠٢ الخطبة ١٤٤.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتفرّقوا.

(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٩.

(٥) أي: إذا لم تكسر ياء الإضافة وقبلها ألف في مثل: غلاماي، فبطريق الأولى أن لا تكسر وقبلها ياء لزيادة الثقل.

(٦) فكما أنّه يزاد الواو والياء بعد الهاء والكاف تمّ حذف الياء واكتفي بالكسر، كذلك حذف الهاء هاهنا واكتفي بالكسر.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٢٩.

(٨) إشراكهم الشّيطان باعتبار أنّ عبادة الأصنام في الحقيقة عبادة الشيطان لأنّه أوقعهم في عبادتها.


و «أشرك» منقول من: شركت زيدا، للتّعدية إلى مفعول ثان.

وفي الخبر ما يؤيّد الأوّل، ففي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: والوجه الخامس من الكفر كفر البراءة.

قال: قال: يذكر إبليس وتبرّيه من أوليائه من الإنس يوم القيامة( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) .

والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

وفي كتاب التّوحيد(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر قوله ـ تعالى ـ:( يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) : والكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيبرأ بعضهم من بعض. ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشّيطان:( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) . وقول إبراهيم خليل الرّحمن:( كَفَرْنا بِكُمْ ) ، يعني: تبرّأنا منكم.

( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٢٢): تتمّة كلامه، أو ابتداء كلام من الله ـ تعالى ـ. وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسّامعين، وإيقاظ لهم، حتّى يحاسبوا أنفسهم ويتدبّروا عواقبهم.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّه إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا وسبعين كبلا(٤) ، فينظر الأوّل إلى زفر في عشرين ومائة كبل وعشرين ومائة غلّ، فينظر إبليس فيقول: من هذا(٥) الّذي أضعف(٦) الله له العذاب، وأنا أغويت هذا الخلق جميعا؟

فيقال: هذا زفر.

فيقول: بما حدّد(٧) له هذا العذاب؟

فيقال(٨) : ببغيه على عليّ ـ عليه السّلام ـ.

فيقول له إبليس: ويل لك وثبور لك، أما علمت أنّ الله أمرني بالسّجود لآدم

__________________

(١) الكافي ٢ / ٣٩٠، ح ١.

(٢) التوحيد / ٢٦٠، ح ٥.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٣، ح ٩.

(٤) الكبل: القيد.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: هو.

(٦) المصدر: أضعفه.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: جدّد.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقول.


فعصيته، وسألته أن يجعل بالسّجود لآدم فعصيته، وسألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأهل بيته وشيعته فلم يجبني إلى ذلك وقال:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) وما عرفتهم حين استثناهم(١) ( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) ؟ فمنّتك به نفسك غرورا.

فيوقف بين يدي الخلائق، فيقال(٢) له: ما الّذي كان منك إلى عليّ، وإلى الخلق الّذي اتّبعوك على الخلاف؟

فيقول الشّيطان، وهو زفر، لإبليس: أنت أمرتني بذلك.

فيقول له إبليس: فلم عصيت ربّك وأطعتني؟

فيردّ زفر عليه ما قال الله:( إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) (الآية).

( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) : بإذن الله وأمره. والمدخلون الملائكة.

وقرئ(٣) . «ادخل» على التّكلّم، فيكون قوله: «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ » متعلّقا بقوله:( تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ) (٢٣)، أي: تحيّيهم الملائكة بالسّلام بإذن ربّهم.

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) : كيف اعتمده ووضعه.

( كَلِمَةً طَيِّبَةً ) : قولا حقّا، ودعاء إلى صلاح.

( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) : يطيب ثمرها، كالنّخلة، أي: جعل كلمة طيّبة، كشجرة طيّبة. وهو تفسير لقوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) .

ويجوز أن تكون «كلمة» بدلا من «مثلا» و «كشجرة» صفتها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة. وأن تكون أوّل مفعولي «ضرب» إجراء لها مجرى «جعل».

وقد قرئت(٤) ، بالرّفع، على الابتداء.

وفي مجمع البيان(٥) :( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) روى أنس، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: من استثناءهم.

(٢) المصدر: فقال.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٠.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٠.

(٥) المجمع ٣ / ٣١٢.


وآله ـ: أنّ هذه الشّجرة الطّيّبة [هي](١) النّخلة.

( أَصْلُها ثابِتٌ ) : في الأرض، ضارب بعروقه فيها.

( وَفَرْعُها ) : وأعلاها( فِي السَّماءِ ) (٢٤).

قيل(٢) : يجوز أن يريد: وفروعها، أي: أفنانها، على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة.

( تُؤْتِي أُكُلَها ) : تعطي ثمرها.

( كُلَّ حِينٍ ) : وقّته الله لأثمارها.

( بِإِذْنِ رَبِّها ) : بإرادة خالقها وتكوينه.

( وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (٢٥): لأنّ في ضربها زيادة إفهام وتذكير، فإنّه تصوير للمعاني وإدناء لها من الحسّ.

وفي أصول الكافي(٣) . عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن سيف، عن أبيه، عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) .

قال: فقال: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أصلها، وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فرعها، والأئمّة من ذرّيّتهما أغصانها، وعلم الأئمّة ثمرها، وشيعتهم المؤمنون ورقها، [هل فيها فضل؟

قال: قلت: لا، والله](٤) .

قال: والله، إنّ المؤمن ليولد فتورق ورقة، [فيها](٥) ، وأنّ المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها.

وفي كتاب الخصال(٦) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خلق النّاس من شجر(٧) شتّى، وخلقت أنا وابن أبي طالب من شجرة واحدة، أصلي عليّ وفرعي جعفر.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٠.

(٣) الكافي ١ / ٤٢٨، ح ٨٠.

(٤ و ٥) من المصدر.

(٦) الخصال ١ / ٢١، ح ٧٢.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: شجرة.


وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن حمّاد: عن عمر بن سالم صاحب السّابريّ(٢) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية( أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) .

قال: أصلها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفرعها أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ، والحسن والحسين ثمرها، وتسعة من ولد الحسين أغصانها، والشّيعة ورقها. والله، إنّ الرّجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشّجرة.

قلت: قوله:( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) .

قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كلّ سنة من حجّ وعمرة(٣) .

وفي الخرائج والجرائح(٤) : وروي عن الحلبيّ، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا، وفي آخره: يقول الباقر ـ عليه السّلام ـ: وأخبركم عمّا أردتم أن تسألوا عنه في قوله ـ تعالى ـ: شجرة( أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) نحن نعطي شيعتنا ما نشاء من العلم.

وفي كتاب علل الشّرائع(٥) ، بإسناده إلى السّكونيّ: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ: أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: الزّمان خمسة أشهر، والحين ستّة أشهر، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) .

وفي الكافي(٦) ، مثله سواء.

وفي كتاب معاني الأخبار(٧) : حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا [محمّد بن](٨) عبد العزيز بن يحيى قال: حدّثني عبد الله بن محمّد الضّبيّ(٩) قال: حدّثنا

__________________

(١) كمال الدين / ٣٤٥، ح ٣٠.

(٢) كذا في المصدر وتنقيح المقال ٢ / ٣٤٤. وفي النسخ: عمر بن صالح السابريّ.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: من كلّ فجّ عميق.

(٤) الخرائج ٢ / ٥٩٧، ح ٨.

(٥) العلل / ٣٨٧، ح ١.

(٦) الكافي ٤ / ١٤٢، ح ٥.

(٧) المعاني / ٤٠٠، ح ٦١.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) ب: زيادة قال: حدثني عبد الله بن هلال.


محمد(١) بن هلال قال: حدّثنا نائل(٢) بن نجيج قال: حدّثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر، محمّد بن عليّ الباقر عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) .

قال: [أمّا](٣) الشّجرة فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وفرعها عليّ ـ عليه السّلام ـ، وغصن الشّجرة فاطمة بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وثمرها أولادها ـ عليهم صلوات الله ـ، وورقها شيعتنا.

ثمّ قال: إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، وأنّ المولود من شيعتنا ليولد فتورق(٤) الشّجرة ورقة.

وفي مجمع البيان(٥) : وروي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيل للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنت الشّجرة، وعليّ غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسين ثمارها.

[( تُؤْتِي أُكُلَها ) ، أي: تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها](٦) .

( كُلَّ حِينٍ ) ، أي: في كلّ ستّة أشهر. عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ.

وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الرّبيع، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن رجل قال: لله عليّ أن أصوم حينا، وذلك في شك(٨) شكر.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قد اتي عليّ ـ عليه السّلام ـ في مثل هذا، فقال: صم ستّة أشهر، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) ، يعني: ستّة أشهر.

محمّد بن يحيى(٩) ، رفعه، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: تقول إذا غرست أو زرعت: مثل كلمة طيبة( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) .

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: عبد.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قابل.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتوقع.

(٥) المجمع ٣ / ٣١٢.

(٦) من المصدر.

(٧) الكافي ٤ / ١٤٢، ح ٦.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) الكافي ٥ / ٢٦٣، ح ٦.


وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: وجعل أهل الكتاب المقيمين به والعالمين(٢) بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أي: يظهر مثل هذا العلم المحتملة في الوقت [بعد الوقت](٣) ، ولو علم المنافقون ـ لعنهم الله ـ ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا [منه.](٤)

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ) (الآية): هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيّه ولمن عاداهم.

( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ) : قول باطل، ودعاء إلى ضلال وفساد.

( كَشَجَرَةٍ ) : كمثل شجرة.

( خَبِيثَةٍ ) : لا يطيب ثمرها، كالحنظل مثلا.

( اجْتُثَّتْ ) : استؤصلت وأخذت جثّتها بالكلّيّة.

( مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ) : لأنّ عروقها قريبة منها.

( ما لَها مِنْ قَرارٍ ) (٢٦): استقرار.

وفي مجمع البيان(٦) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ: أنّ هذا مثل بني أميّة.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله الله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) قال: يعني: النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [والائمّة من بعده هم](٨) الأصل الثّابت، والفرع والولاية لمن دخل فيها.

عن عبد الرّحمن بن سالم الأشلّ(٩) ، عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) (الآيتين) قال: هذا مثل ضربه الله لأهل بيت نبيّه، ولمن عاداهم هو( مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ) (الآية).

__________________

(١) الاحتجاج ١ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: القائمين به والعاملين.

(٣ و ٤) من المصدر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٥، ح ١٥.

(٦) المجمع ٣ / ٣١٣.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٤، ح ١٠.

(٨) من المصدر.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٥، ح ١٥.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ تعالى ـ:( مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً ) (٢) (الآية).

قال: الشّجرة السّلام(٣) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٤) ونسبه ثابت في بني هاشم، وفرع الشّجرة عليّ بن أبي طالب، وغصن الشّجرة فاطمة ـ عليهما السّلام ـ، وثمرها(٥) الأئمّة من ولد عليّ وفاطمة ـ عليهما السّلام ـ، [والأئمة من أولادها أغصانها](٦) وشيعتهم(٧) ورقها. وإنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فتسقط من الشّجرة ورقة، وأنّ المؤمن ليولد فتورق الشّجرة.

قلت: أرأيت قوله:( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) .

قال: يعني بذلك: ما يفتون به الأئمّة شيعتهم في كلّ حجّ وعمرة من الحلال والحرام، ثمّ ضرب الله لأعداء آل(٨) محمّد [مثلا](٩) فقال:( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) .

وفي رواية أبي الجارود(١٠) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السّماء، وبنو أميّة لا يذكرون الله في مسجد ولا في مجلس ولا تصعد أعمالهم إلى السّماء إلّا قليل منهم.

وفي مصباح الكفعميّ(١١) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ: من به الثّؤلول(١٢) فليقرأ عليها هذه الآيات سبعا في نقصان الشّهر( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) ( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) .

( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) : الّذي ثبت بالحجّة عندهم، وتمكنّ

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٦٩.

(٢) أ، ب، ر: خبيثة.

(٣) ليس في المصدر. وفي ب: «الإسلام» بدل «السلام».

(٤) المصدر: «أصلها» بدل «و».

(٥) المصدر: ثمرتها.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: شيعتها.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) من المصدر.

(١٠) تفسير القمّي ١ / ٣٦٩.

(١١) مصباح الكفعميّ / ١٥٨.

(١٢) الثؤلول: خراج يكون بجسد الإنسان ناتئ صلب مستدير.


في قلوبهم، واطمأنّت إليه أنفسهم.

( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) : فلا يضلّون إذا افتتنوا في دينهم.

( وَفِي الْآخِرَةِ ) : فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في الموقف، ولا تدهشهم أهوال القيامة.

( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) : الّذين ظلموا أنفسهم بالجحود والاقتصار على التّقليد، فلا يهتدون إلى الحقّ، ولا يثبتون في موافق الفتن.

( وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) (٢٧): من تثبيت المؤمنين، وخذلان الكافرين.

وفي الكافي(١) : علي بن إبراهيم [عن أبيه](٢) ، عن عمرو(٣) بن عثمان. وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن [محمد بن](٤) أبي نصر والحسن بن عليّ، جميعا، عن أبي جميلة، مفضّل بن صالح، عن جابر، عن عبد الأعلى، وعليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم عن(٥) عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدّنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة مثّل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله، إنّي كنت عليك لحريصا شحيحا، فما لي عندك؟

فيقول: خذ منّي كفنك.

قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: والله، إنّي كنت لكم لمحبّا وإنّي كنت عليكم لمحاميا، فما(٦) لي عندكم؟

فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك(٧) ونواريك فيها.

قال: فيلتفت إلى عمله فيقول(٨) : إنّي كنت فيك لزاهدا(٩) وأنّك(١٠) كنت عليّ لثقيلا، فما لي(١١) عندك؟

__________________

(١) الكافي ٣ / ٢٣١ ـ ٢٣٣، ح ١.

(٢) من المصدر.

(٣) كذا في المصدر وتنقيح المقال ٢ / ٣٣٥. وفي النسخ: عمر.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.

(٦) المصدر: زيادة ذا.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) المصدر: زيادة «والله».

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لزاهد.

(١٠) المصدر: وإن.

(١١) المصدر: فما ذا.


فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك، حتّى اعرض أنا وأنت على ربّك.

قال: فإن كان لله وليا(١) أتاه أطيب خلق الله(٢) ريحا وأحسنهم منظرا وأحسنهم رياشا، فيقول(٣) : أبشر بروح وريحان وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم.

فيقول له: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصّالح ارتحل من الدّنيا إلى الجنّة.

وإنّه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجّله. فإذا ادخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما ويخدّان الأرض بأقدامهما(٤) ، وأصواتهما كالرّعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف فيقولان له: من ربّك، وما دينك، ومن نبيّك، [ومن إمامك؟](٥) .

فيقول: الله ربّي، والإسلام ديني، ونبيّي محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ [وإمامي عليّ](٦) .

فيقولان له: ثبّتك الله فيما يحبّ ويرضى(٧) .

وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) .

ثمّ يفسحان له في قبره مدّ بصره، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة، ثمّ يقولان له: نم قرير العين نوم الشّابّ النّاعم، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) .

قال: وإذا كان لله عدوّا(٨) [فإنّه](٩) يأتيه أقبح [من](١٠) خلق الله [زيّا ورؤيا](١١) وأنتنه(١٢) ريحا، فيقول له: أبشر بنزل من حميم وتصلية جحيم.

وإنّه ليعرف غاسله، ويناشد حملته أن يحبسوه. فإذا ادخل قبره(١٣) و(١٤) أتاه ملكا

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وليّ.

(٢) المصدر: خلق النّاس.

(٣) المصدر: فقال.

(٤ و ٥ و ٦) ليس في المصدر.

(٧) المصدر: تحبّ وترضى.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: عدوّ.

(٩ و ١٠) من المصدر.

(١١) من المصدر. وفي النسخ: «ريشا» بدل «زيّا ورؤيا».

(١٢) المصدر: أنته.

(١٣) المصدر: القبر.

(١٤) ليس في المصدر.


القبر(١) فألقيا أكفانه، ثمّ يقولان له: من ربّك، وما دينك، ومن نبيّك، [ومن إمامك؟](٢) .

فيقول: لا أدري.

فيقولان له(٣) : لا دريت ولا هديت. ويضربان يا فوخه بمرزبة(٤) معهما ضربة ما خلق الله من دابّة إلّا وتذعر(٥) لها ما خلا الثقلين(٦) ، ثمّ يفتحان له بابا إلى النّار، ثمّ يقولان له: نم(٧) بسوء حال فيه. ويكون(٨) فيه من الضّيق مثل ما فيه القنا(٩) من الزّجّ(١٠) ، حتّى أنّ دماغه ليخرج من بين ظفره ولحمه، ويسلّط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها وهو امّها فتنهشه حتّى يبعثه الله من قبره، و [أنّه](١١) يتمنّى قيام السّامة ممّا(١٢) هو فيه من الشّرّ، نعوذ بالله من عذاب القبر.

محمّد بن يحيى(١٣) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ المؤمن إذا اخرج(١٤) من بيته شيّعته الملائكة إلى قبره يزدحمون عليه، حتّى إذا انتهي به إلى قبره قالت له الأرض: مرحبا بك وأهلا، أما والله لقد كنت أحبّ أن يمشي عليّ مثلك، لترينّ ما أصنع بك(١٥) . فتوسع له مدّ بصره، ويدخل عليه في قبره ملكا القبر، وهما قعيدا القبر، منكر ونكير، فيلقيان فيه الرّوح إلى حقويه(١٦) ، فيقعدانه ويسألانه، فيقولان له: من ربّك؟

__________________

(١) المصدر: ممتحنا القبر.

(٢ و ٣) ليس في المصدر.

(٤) المرزبة: عصاة كبيرة من حديد تتخذ لتكسير المدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ترعد» بدل «وتذعر».

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الثقلان.

(٧) ليس في أ، ب.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «من القناة».

(١٠) كذا في المصدر. وفي أ، ب، ر: البرج. وفي سائر النسخ: البرخ. والزّجّ: الحديدة في طرف الرّمح.

(١١) من المصدر.

(١٢) المصدر: فيما.

(١٣) الكافي ٣ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠، ح ١٢.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: خرج.

(١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: به.

(١٦) الحقو: الخصر.


فيقول: الله.

فيقولان: ما دينك؟

فيقول: الإسلام.

فيقولان: ومن نبيّك؟

فيقول: محمّد.

فيقولان: ومن إمامك؟

فيقول: فلان.

قال: فينادي مناد من السّماء: صدق عبدي، افرشوا له في قبره من الجنّة، وافتحوا له [في قبره](١) بابا إلى الجنّة، وألبسوه من ثياب الجنّة حتّى يأتينا وما عندنا خير له.

ثمّ يقال له: نم نومة [عروس، نم نومة](٢) لا حلم فيها.

قال: وإن كان كافرا خرجت الملائكة تشيّعه إلى قبره يلعنونه، حتّى إذا انتهى(٣) إلى قبره قالت له الأرض: لا مرحبا بك ولا أهلا، أما والله لقد كنت أبغض أن يمشي عليّ مثلك، لا جرم لترينّ ما أصنع بك اليوم. فتضيق عليه حتّى تلتقي جوانحه(٤) .

قال: ثمّ يدخل عليه ملكا القبر، وهما قعيدا القبر، منكر ونكير.

قال أبو بصير: قلت(٥) : جعلت فداك، يدخلان على المؤمن والكافر في صورة واحدة؟

قال: لا.

قال: فيقعدانه ويلقيان فيه الرّوح إلى حقويه، فيقولان له: من ربّك؟

فيتلجلج(٦) ، ويقول: قد سمعت النّاس يقولون(٧) .

فيقولان له: لا دريت(٨) . ويقولان له: ما دينك؟

فيتلجلج.

فيقولان له: لا دريت. ويقولان له: من نبيّك؟

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) المصدر: زيادة «به».

(٤) الجوانح: الأضلاع الّتي تحت الترائب، وهي ممّا يلي الصّدر، كالضّلوع مما يلي الظهر.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) التلجلج: التردّد في الكلام.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقول.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لادريته.


فيقول: قد سمعت النّاس [يقولون](١) .

فيقولان له: لا دريت. ويسأل(٢) عن إمام زمانه.

قال: فينادي مناد من السّماء: كذب عبدي، افرشوا له في قبره من النّار، وألبسوه من ثياب النّار، وافتحوا له بابا إلى النّار حتّى يأتينا وما عندنا شرّ له. فيضربانه بمرزبة ثلاث ضربات، ليس منها ضربة إلّا يتطاير قبره نارا، لو ضرب بتلك المرزبة جبال تهامة(٣) لكانت رميما.

وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ويسلّط الله عليه في قبره الحيّات تنهشه نهشا، والشّيطان يغمّه غمّا.

قال: ويسمع عذابه من خلق الله إلّا الجنّ والأنس(٤) ، وأنّه ليسمع خفق نعالهم ونفض(٥) أيديهم، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) .

وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : وقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ الشّيطان ليأتي الرّجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضلّه عمّا هو عليه، فيأبى الله ـ عزّ وجلّ ـ له ذلك، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالا: إذا وضع الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه وملك عن يساره، وأقيم الشّيطان بين يديه عيناه من نحاس.

فيقال: ما تقول في هذا الرّجل الّذي خرج(٨) بين ظهرانيكم، يزعم أنّه رسول الله؟

فيفزع لذلك فزعة، ويقول إن كان مؤمنا: محمّد رسول الله.

فيقال له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يسألان.

(٣) تهامة: من أسماء مكّة المكرّمة.

(٤) المصدر: زيادة «قال».

(٥) المصدر: ونقض.

(٦) الفقيه ١ / ٨٠ ـ ٨١، ح ٣٦٣.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٥، ح ١٧.

(٨) المصدر: زيادة «من».


ويفسح(١) له في قبره تسعة أذرع، ويرى مقعده من الجنّة، وهو قول الله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) .

وإن كان كافرا، قالوا: من(٢) هذا الرّجل الّذي كان بين ظهرانيكم، يقول: إنّه رسول الله؟

فيقول: ما أدري. فيخلّى بينه وبين الشّيطان.

عن محمّد بن مسلم(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إذا وضع(٤) الرّجل في قبره أتاه ملكان: ملك عن يمينه وملك عن شماله، وأقيم الشّيطان بين يديه(٥) عيناه من نحاس.

فيقال له: كيف تقول في هذا الرّجل الّذي خرج بين ظهرانيكم؟

قال: فيفزع لذلك، فيقول إن كان مؤمنا: عن محمّد تسألان؟

فيقولان له عند ذلك: نم نومة لا حلم فيها. ويفسح(٦) له في قبره سبعة(٧) أذرع، ويرى مقعده من الجنّة.

وإن كان كافرا قيل له: ما تقول: في هذا الرّجل الّذي [خرج](٨) بين ظهرانيكم؟

فيقول: ما أدري. ويخلّى بينه وبين الشّيطان، ويضرب بمرزبة من حديد(٩) يسمع صوته كلّ شيء، وهو قول الله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) .

وفي عيون الأخبار(١٠) : عن محمّد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قبل أن يحمل إلى العراق بسنة، وعليّ، ابنه ـ عليه السّلام ـ بين يديه.

فقال لي(١١) : يا محمّد.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويفتح.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٧، ح ١٩.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقع.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يده.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفتح.

(٧) بعض نسخ المصدر: خمسة.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: خدّيه.

(١٠) العيون ١ / ٢٦ ـ ٢٧، ح ٢٩.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فيقال» بدل «فقال لي».


قلت: لبّيك.

قال: إنّه سيكون في هذه السّنة حركة فلا تجزع منها. ثمّ أطرق ونكت بيده بالأرض(١) ، ورفع رأسه إليّ وهو يقول:( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) .

قلت: وما ذاك، جعلت فداك؟

قال: من ظلم ابني هذا حقّه وجحد إمامته من بعدي كان، كمن ظلم عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ حقّه وجحد إمامته من [بعد](٢) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وبإسناده إلى الرّيّان بن الصّلت(٣) قال سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: ما بعث الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّا إلّا بتحريم الخمر، وأن يقرّ له بإنّ الله يفعل ما يشاء، وأن يكون من تراثه الكندر(٤) .

وفي كتاب التّوحيد(٥) ، بإسناده إلى عبد الله بن الفضل الهاشميّ قال: سألت أبا عبد الله، جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ) .

فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يضلّ الله(٦) الظّالمين يوم القيامة عن دار كرامته، ويهدي أهل الإيمان والعمل الصّالح إلى جنّته، كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) ، وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) .

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) ، أي: شكر نعمته كفرا، بأن وضعوه مكانه. أو بدّلوا نفس النّعمة كفرا، فإنّهم لـمّـا كفروها سلبت منهم، فصاروا تاريكن لها محصّلين للكفر بدلها.

( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ ) : الّذين تابعوهم في الكفر.

( دارَ الْبَوارِ ) (٢٨): دار الهلاك بحملهم على الكفر.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلى الأرض.

(٢) من المصدر.

(٣) العيون ٢ / ١٤، ح ٣٣.

(٤) الكندر: اللّبان، وهو نبات من الفصيلة البخوريّة يفرز صمغا.

(٥) التوحيد / ٢٤١، ح ١، ونور الثقلين ٢ / ٥٤٢، ح ٧٨.

(٦) ليس في نور الثقلين.


( جَهَنَّمَ ) : عطف بيان لها.

( يَصْلَوْنَها ) : حال منها. أو من القوم، أي: داخلين فيها مقاسين لحرّها. أو مفسّر لفعل مقدّر ناصب لجهنّم.

( وَبِئْسَ الْقَرارُ ) (٢٩)، أي: وبئس المقرّ جهنّم.

وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن بسطام بن مرّة، عن إسحاق بن حسّان، عن الهيثم بن واقد، عن عليّ بن الحسين العبديّ، عن سعد الإسكاف، عن الأصبغ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: ما بال أقوام غيّروا سنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعدلوا عن وصيّه، لا يتخوّفون أن ينزل بهم العذاب.

ثمّ تلا هذه الآية [( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ ) ](٢) ثمّ قال: نحن النّعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة.

الحسين بن محمّد(٣) ، عن معلّى بن محمّد [محمد](٤) بن أورمة، عن علي بن حسّان، عن عبد الرّحمن بن كثير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ ) (الآية).

قال: عنى بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ونصبوا له الحرب، وجحدوا وصيّه(٥) .

وفي روضة الكافي(٦) : الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبان بن عثمان، عن الحرث النّصريّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) .

قال: ما يقولون(٧) في ذلك؟

قلت: يقولون(٨) : هم الأفجران من قريش، بنو أميّة، وبنو المغيرة.

قال: ثمّ قال: هي، والله، قريش قاطبة، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خاطب نبيّه

__________________

(١) الكافي ١ / ٢١٧، ح ١.

(٢) من المصدر.

(٣) الكافي ١ / ٢١٧، ح ٤.

(٤) من المصدر.

(٥) المصدر: وجحدوا وصيّة وصيّه.

(٦) الكافي ٨ / ١٠٣، ح ٧٧.

(٧) المصدر: تقولون.

(٨) المصدر: نقول.


ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: إنّي فضّلت قريشا على العرب، وأتممت عليهم نعمتي، وبعثت إليهم رسولا(١) «فبدلوا نعمتي كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار».

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عثمان بن عيسى، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية.

قال: نزلت في الأفجرين من قريش(٣) ، بني أميّة، وبني المغيرة. فأمّا بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين.

ثمّ قال: ونحن، والله، نعمة الله الّتي أنعم بها على عباده، وبنا يفوز من فاز.

حدّثني أبي(٤) ، عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن ظريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ الشّجر لم يزل حصيدا كلّه حتّى دعي للرّحمن ولد، [عزّ الرحمن و](٥) جلّ أن يكون له ولد فكادت السّموات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا، فعند ذلك اقشعرّ الشّجر وصار له شوك حذار أن ينزل به العذاب، فما بال أقوام(٦) غيّروا سنّة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وذكر إلى آخر ما نقلت عن أصول الكافي سواء.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: نحن نعمة الله الّتي أنعم الله(٨) بها على العباد.

وفي رواية زيد الشّحّام(٩) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: بلغني أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ سئل عنها، فقال: عني بذلك: الأفجران من قريش، أميّة ومخزوم. أمّا مخزوم فقتلها الله يوم بدر، وأمّا أميّة فمتّعوا إلى حين.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: عنى الله، والله، بها: قريشا قاطبة، الّذين عادوا الله ونصبوا له الحرب.

عن ذريح(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: جاء ابن الكوّاء

__________________

(١) المصدر: رسولي.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٧١.

(٣) المصدر: زيادة «ومن».

(٤) تفسير القمّي ١ / ٨٥ ـ ٨٦.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: قوم.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٩، ح ٢٤.

(٨) يوجد في أ، ب.

(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٢٣.

(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٢٩، ح ٢٥.


إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فسأله عن قول الله:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ ) .

قال: تلك(١) قريش بدّلوا نعمة الله كفرا، وكذّبوا نبيّهم يوم بدر.

عن محمّد بن سابق بن طلحة الأنصاري(٢) قال(٣) : ممّا قال هارون لأبي الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ حين ادخل عليه: ما هذه الدّار، ودار من هي؟

قال: لشيعتنا فترة، ولغيرهم فتنة.

قال: فما بال صاحب(٤) الدّار لا يأخذها؟

قال: أخذت منه عامرة، ولا يأخذها إلّا معمورة.

فقال: أين شيعتك؟

فقرأ له أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ:( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) .

قال له: فنحن كفّار؟

قال: [لا](٥) ولكن كما قال الله:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) . فغضب عند ذلك وغلظ عليه.

عن مسلم(٦) المشوب(٧) ، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) قال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة وبنو المغيرة.

وفي مجمع البيان(٨) : واختلف في المعنى بالآية، فعن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: [أنّهم كفّار قريش، كذّبوا نبيّهم ونصبوا له الحرب والعداوة.

وسأل رجل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ](٩) عن هذه، فقال: هما الأفجران من قريش، بنو أميّة وبنو المغيرة. فأمّا بنو أميّة فمتّعوا إلى حين، وأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر.

__________________

(١) أ، ب، ر: ذاك.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٢٦.

(٣) المصدر: كان.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فما لصاحب.

(٥) من المصدر.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٢٨.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: المشوف.

(٨) المجمع ٣ / ٣١٤.

(٩) من المصدر.


وروي(١) من طريق العامّة: أنّهما الأفجران من قريش، بنو المغيرة وبنو أميّة. فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأمّا بنو أميّة فمتّعوا حتّى حين.

فما ورد في أخبارنا موافقا لذلك محمول على وروده على موافقتهم، مع أنّه بيان، فإنّ بين إرادة جميع قريش وتخصيص الأفجرين في بعض الأخبار لاختصاصهم بالتّفضيل.

( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) : الّذي هو التّوحيد.

وقرأ(٢) ابن كثير وأبو عمرو ورويس، عن يعقوب، بفتح الياء.

وليس الضّلال ولا الإضلال غرضهم في اتّخاذ الأنداد، لكن لـمّـا كان نتيجته جعل ذلك كالغرض.

( قُلْ تَمَتَّعُوا ) : بشهواتكم. أو بعبادة الأوثان، فإنّها من قبيل الشّهوات الّتي يتمتّع بها.

وفي التّهديد بصيغة الأمر إيذان بأنّ المهدّد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدّد به، وأنّ الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علّله بقوله:( فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) (٣٠): وأنّ المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع.

( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) : خصّهم بالإضافة تنويها لهم، وتنبيها على أنّهم المقيمون لحقوق العبوديّة.

ومفعول «قل» محذوف يدلّ عليه جوابه، أي: قل لعبادي الّذين آمنوا أقيموا الصّلاة وأنفقوا( يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) ، فيكون إيذانا بأنّهم لفرط مطاوعتهم الرّسول بحيث لا ينفكّ فعلهم عن أمره، وأنّه كالسّبب الموجب له.

ويجوز أن يقدّر بلام الأمر، ليصحّ تعلّق القول بهما(٣) . وإنّما حسن ذلك هاهنا ولم يحسن في قوله :

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣١.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣١.

(٣) المراد من «تعلّق القول بهما» أن يكونا مقول القول، فيكونا مثل قوله ـ تعالى ـ:( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ) بقراءة الياء على الغيبة فيكون المعنى على أن يحكي أمر الله لهم بإقامة الصّلاة.

وعبارة الكشّاف: وجوّزوا أن يكون ( يُقِيمُوا )

( وَيُنْفِقُوا ) بمعنى: ليقيموا فيكون هذا هو المقول. وإنّما جاز حذف اللّام لأنّ الأمر الذي هو «قل» عوض عنه.


محمّد تفد نفسك كلّ نفس

إذا ما خفت من أمر تبالا

لدلالة «قل» عليه.

وقيل(١) : هما جوابا أقيموا، وأنفقوا مقامين مقامهما. وهو ضعيف(٢) ، لأنّه لا بدّ من مخالفة ما بين الشّرط وجوابه، ولأنّ أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا.

( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) : منتصبان على المصدر، أي: إنفاق سرّ وعلانية. أو على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية. أو على الظّرف، أي: وقتي سرّ وعلانية.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زرعة، عن سماعة قال: إنّ الله فرض للفقراء في مال الأغنياء فريضة لا يحمدون بأدائها وهي الزّكاة، بها(٤) حقنوا دماءهم وبها سمّوا مسلمين، ولكنّ الله فرض في الأموال [حقوقا](٥) غير الزّكاة، وقد قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) .

( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ) : فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه.

( وَلا خِلالٌ ) (٣١): ولا مخالّة، فيشفع لك خليل.

قيل(٦) : أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالّة(٧) ، وإنّما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : أي: لا صداقة.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣١.

(٢) إذ لو كانا جوابي «أقيموا» و «أنفقوا» لكان المعنى: أقيموا الصّلاة ان تقيموا الصّلاة يقيموا وينفقوا، فلزم الأمران المذكوران، أحدهما اتّحاد الشّرط والجزاء، والثاني أن يكون الشرط بصيغة الغيبة. فعلم ممّا ذكر أن يقيموا الصلاة الخ جواب «لقل»، أي: قل لهم: أقيموا، أو لتقل لهم: أقيموا يقيموا.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٢٩.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: منها.

(٥) من المصدر.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣١.

(٧) أي: كما في المبايعة والمخالّة الواقعين في الدنيا.

(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٧١.


وقرا(١) ابن كثير وابو عمرو ويعقوب، بالفتح، فيهما على النّفي العام.

( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) : مبتدأ وخبره.

( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) : تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس، مفعول «لأخرج» و «من الثّمرات» بيان له وحال منه قدّم عليه لتنكيره، ويحتمل عكس ذلك(٢) .

ويجوز أن يراد به المصدر، فينتصب بالعلّة، قيل(٣) : أو المصدر(٤) ، لأنّ «أخرج» في معنى: رزق.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) : بمشيئته إلى حيث توجّهتم.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) (٣٢): فجعلها معدّة لانتفاعكم وتصرّفكم.

وقيل(٥) : تسخير هذه الأشياء تعليم كيفيّة اتّخاذها.

والحمل على العموم أولى.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) : يد أبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكوّنات.

وفي نهج البلاغة(٦) : قال ـ عليه السّلام ـ: والشّمس والقمر دائبان(٧) في مرضاته، يبليان كلّ جديد ويقرّبان كلّ بعيد(٨) .

( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) (٣٣): يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم.

( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) قيل(٩) : أي: بعض جميع ما سألتموه، يعني: من كلّ شيء سألتموه شيئا، فإنّ الموجود من كلّ صنف بعض ما في قدرة الله.

ولعلّ المراد «بما سألتموه»: ما كان حقيقا بأن يسأل، لاحتياج النّاس إليه، سئل أو لم يسأل.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣١.

(٢) بأن يكون «من الثمرات» بمعنى: بعض الثمرات مفعولة، و «رزقا» حالا.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.

(٤) أي: فينتصب بالعلّة أو المصدر.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.

(٦) النهج / ١٢٣، الخطبة ٩٠.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: دائبين.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: بعد.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.


و «ما» يحتمل أن تكون موصولة وموصوفة، ومصدريّة ويكون المصدر بمعنى المفعول(١) .

ويجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال، أي: وآتاكم من كلّ شيء غير سائليه.

ويؤيّده(٢) ما رواه العيّاشي(٣) : عن حسين بن هارون، شيخ من أصحاب أبي جعفر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقرأ هذه الآية( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) .

قال: ثمّ قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: الثّوب و(٤) الشّيء لم تسأله إيّاه أعطاك.

وفي مجمع البيان(٥) : قرأ محمّد بن عليّ الباقر وجعفر بن محمّد الصّادق ـ عليهما السّلام ـ:( مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) بالتّنوين.

( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ) : لا تحصروها ولا تطيقوا عدّ أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنّها غير متناهية.

وقيل(٦) : فيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة(٧) .

وفيه نظر، لجواز استفادة الاستغراق من قرينة الجواب، لا من نفس الإضافة.

وفي روضة الكافي(٨) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، رفعه قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ إذا قرأ هذه الآية [( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ]) (٩) يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلّا المعرفة بالتّقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه، شكر ـ جلّ وعزّ ـ معرفة

__________________

(١) فعلى الأوّل: وآتاكم من كلّ الذي سألتموه. وعلى الثاني المعنى: آتاكم من كلّ سؤلكم، أي: مسؤولكم.

(٢) أي: ويؤيّد جواز أن يكون «ما» نافية الخ.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٣٠.

(٤) المصدر: «هو» بدل «و».

(٥) المجمع ٣ / ٣١٥.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.

(٧) فيه نظر، لأنّ هذا يفهم بسبب الحكم بعدم الإحصاء، فهيهنا شيء يدلّ على عمومه معنى لا أنّه يحصل من مجرّد الإضافة.

(٨) الكافي ٨ / ٣٩٤، ح ٥٩٢.

(٩) من المصدر.


العارفين بالتّقصير عن معرفة(١) شكره، فجعل معرفتهم بالتّقصير شكرا، كما علم علم العالمين أنّهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك، فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته، وكيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له ولا كيف؟! تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

وفي تهذيب الأحكام(٢) : سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن أبي إسماعيل القمّاط، عن بشّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من كان معسرا، فلم يتهيّأ له حجّة الإسلام، فليأت قبر أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فليعرّف(٣) عنده، فذلك يجزئه عن حجّة الإسلام. [أما إنّي لا أقول يجزئ ذلك عن حجّة الإسلام](٤) إلّا المعسر، فأمّا الموسر إذا كان قد حجّ حجّة الإسلام، فأراد أن يتنفّل بالحجّ والعمرة فمنعه من ذلك شغل دنياه أو عائق فأتى الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ في يوم عرفة، أجزأه ذلك عن أداء حجّته وعمرته، وضاعف الله له بذلك أضعافا مضاعفة.

قلت: كم تعدل حجّة، وكم تعدل عمرة؟

قال: لا يحصى ذلك.

قلت: مائة؟

قال: ومن يحصي ذلك؟

قلت: ألف؟

قال: وأكثر.

ثمّ قال:( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) .

( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ ) : يظلم النّعمة بإغفال شكرها. أو بظلم نفسه، بأن يعرّضها للحرمان.

( كَفَّارٌ ) (٣٤): شديد الكفران.

وقيل(٥) : ظلوم في الشّدّة يشكو ويجزع، كفّار في النّعمة يجمع ويمنع.

( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ) : بلد مكّة.

__________________

(١) ليس في أ، ر.

(٢) التهذيب ٦ / ٥٠، ح ١١٤.

(٣) من عرّف الحجّاج: إذا وقفوا بعرفات.

(٤) ليس في ب.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.


( آمِناً ) : ذا أمن لمن فيها.

قيل(١) : والفرق بينه وبين قوله:( اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ) أنّ المسئول في الأوّل إزالة الخوف عنه وتصييره آمنا، وفي الثّاني جعله من البلاد الآمنة(٢) .

( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ ) : بعّدني وإيّاهم( أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) (٣٥)، واجعلنا منها في جانب.

وقرئ(٣) : «وأجنبني» وهما على لغة نجد. وأمّا أهل الحجاز فيقولون: جنّبني شرّه.

قال البيضاويّ: وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذرّيّته، وزعم ابن عينية أنّ أولاد إسماعيل ـ عليه السّلام ـ لم يعبدوا الصّنم محتجّا به، وإنّما كانت لهم حجارة يدورون بها ويسمّونها: الدّوّار، ويقولون: البيت حجر، فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلته.

ويؤيّد قول ابن عينية ما رواه العيّاشي(٤) ، عن الزّهري قال: أتى رجل أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فسأله عن شيء، فلم يجبه.

فقال له الرّجل: فإن كنت ابن أبيك فإنّك من أبناء(٥) عبدة الأصنام.

فقال له: كذبت، إنّ الله أمر إبراهيم أن ينزل إسماعيل بمكّة، ففعل، فقال إبراهيم:( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) فلم يعبد أحد من ولد إسماعيل صنما، ولكنّ العرب عبدة الأصنام، وقالت بنو إسماعيل: هؤلاء شفاؤنا [عند الله](٦) . فكفرت، ولم تعبد الأصنام.

وما رواه الطّبرسيّ في كتاب الاحتجاج(٧) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ من حديث طويل، وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: قد حظر على من مسّه(٨) الكفر تقلّد ما فوضّه إلى

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.

(٢) أي: قوله ـ تعالى ـ:( اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً ) يدلّ على أنّه سأل جعله بلدا ذا أمن، لأنّ البلد مفعول «يجعل» وقوله ـ تعالى ـ:( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) يدلّ على أنّه سأل جعله ذا أمن لا جعله بلدا.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٢.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٠، ح ٣١.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابن.

(٦) من المصدر.

(٧) الإحتجاج ١ / ٢٥١.

(٨) المصدر: ماسّه.


أنبيائه وأوليائه، بقوله(١) لإبراهيم:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، أي: المشركين. لأنّه سمّى الشّرك ظلما بقوله:( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) . فلمّا علم إبراهيم ـ عليه السّلام ـ أنّ عهد الله ـ تبارك وتعالى ـ بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام قال:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) .

وما يتراءى من الحديث الأوّل «من أنّ بني إسماعيل كفرت بقولهم: هؤلاء شفعاؤنا. من المنافاة لما هو مشهور، والمجمع عليه من أنّ آباء الأنبياء كانوا مؤمنين» فمدفوع بأنّ قول بني إسماعيل ذلك لا يستلزم أن يكون كلّ أحد منهم قائلا، وهو محمول على أنّ القائل غير أب النّبيّ، فلا منافاة.

وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه(٢) ـ بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا دعوة أبي إبراهيم.

قلنا: يا رسول الله، وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟

قال: أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إلى إبراهيم:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) فاستخفّ إبراهيم الفرح.

فقال: يا ربّ،( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) أئمّة مثلي؟

فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ: أن يا إبراهيم، إنّي لا أعطيك عهدا لا أوفي لك به.

قال: يا ربّ، ما العهد الّذي لا تفي لي به؟

قال: لا أعطيك لظالم من ذرّيّتك.

قال: يا ربّ، ومن الظّالم من ولدي الّذي لا ينال عهدك؟

قال: من سجد لصنم من دوني لا أجعله إماما أبدا، ولا يصحّ أن يكون إماما.

قال إبراهيم:( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) .

قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فانتهت الدّعوة إليّ وإلى أخي، لم يسجد أحد منّا لصنم قطّ، فاتّخذني الله نبيّا وعليّا وصيّا.

( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) : صرن سببا لإضلالهم، كقوله:( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) .

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقول.

(٢) أمالي الشيخ ١ / ٣٨٨.


( فَمَنْ تَبِعَنِي ) : على ديني.

( فَإِنَّهُ مِنِّي ) ، أي: بعضي، لا ينفكّ عنّي في أمر الدّين.

( وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (٣٦): تقدر أن تغفر له وترحمه.

وفي روضة الكافي(١) : ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد(٢) بن المسيّب قال: سمعت عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ يقول: إنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فقال: أخبرني، إن كنت عالما، عن النّاس وعن أشباه النّاس وعن النّسناس.

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: يا حسين، أجب الرّجل.

فقال الحسين ـ عليه السّلام ـ: أمّا قولك: «أشباه النّاس» فهم شيعتنا وهم موالينا وهم منّا، ولذلك قال إبراهيم ـ عليه السّلام ـ:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الاحتجاج للطّبرسيّ ـ رحمه الله(٣) ـ: خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وفيها: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ ) . وقال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) فنحن أولى النّاس بإبراهيم، ونحن ورثناه، ونحن أولوا الأرحام الّذين ورثنا الكعبة، ونحن آل إبراهيم، أفترغبون عن ملّة إبراهيم وقد قال الله ـ تعالى ـ:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) ؟

وفي أمالي شيخ الطّائفة ـ قدّس سرّه(٤) ـ بإسناده إلى عمر بن يزيد [قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا ابن يزيد](٥) : أنت، والله، منّا أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، من آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟

قال: إي، والله، من أنفسهم.

قلت: من أنفسهم، جعلت فداك(٦) ؟

قال: إي، والله، من أنفسهم. يا عمر، أما تقرأ كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ :

__________________

(١) الكافي ٨ / ٢٤٤، ح ٣٣٩.

(٢) أ، ب، ر: سعد.

(٣) الإحتجاج ١ / ١٦٠.

(٤) أمالي الشيخ ١ / ٤٤. ونور الثقلين ٢ / ٥٤٧، ح ١٠١.

(٥) من نور الثقلين.

(٦) ليس في المتن، ر. والظاهر أنه زائد. هنا زيادة في النسخ. وهي: من آل محمد.


( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) او ما تقرأ قول الله ـ عزّ اسمه ـ:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ؟

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: من أحبّنا فهو منّا، أهل البيت.

قلت: جعلت فداك، منكم؟

قال: منّا، والله. أما سمعت قول إبراهيم ـ عليه السّلام ـ:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) ؟

عن محمّد الحلبّي(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من اتّقى الله منكم وأصلح فهو منّا، من(٣) أهل البيت.

قال: منكم، أهل البيت؟

قال: منّا، أهل البيت. قال فيها إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) .

قال عمر بن يزيد: قلت له: من آل محمّد؟

قال: إي والله من آل محمّد، و(٤) إي والله [من آل محمّد](٥) من أنفسهم. أما تسمع الله يقول:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) . وقول إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ) .

عن أبي عمير الزّبيريّ(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من تولّى الله محمّد وقدّمهم على جميع النّاس بما قدّمهم من قرابة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فهو من آل محمد بمنزلة(٧) آل محمّد، لا أنّه من القوم بأعيناهم. وإنّما هو منهم بتولّيه إليهم واتّباعه إيّاهم، وكذلك حكم الله في كتابه:( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (٨) . وقول إبراهيم:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) ، أي: بعض ذرّيّتي. أو ذرّيّة من ذرّيّتي ،

__________________

قال: أي والله من أنفسهم ـ جعلت فداك ـ.

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣١، ح ٣٢.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٣٣.

(٣) ليس في المصدر.

(٤ و ٥) ليس في المصدر.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣١، ح ٣٤.

(٧) المصدر: «لتوليه» بدل «بمنزلة».

(٨) المائدة / ٥١.


فحذف المفعول، وهم إسماعيل ومن ولد منه، فإنّ إسكانه متضمّن لإسكانهم.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن حنان، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نحن، والله، بقيّة تلك العترة وفي تفسير العيّاشي(٢) : عنه ـ عليه السّلام ـ قال: نحن هم، ونحن بقيّة تلك الذّرّيّة.

( بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) ، يعني: وادي مكّة، فإنّها حجريّة لا تنبت.

( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) : الّذي حرّمت التّعرّض له والتّهاون به. أو لم يزل معظّما ممنعا يهابه الجبابرة. أو منع منه الطّوفان فلم يستول عليه، ولذلك سمّي عتيقا، أي: أعتق منه.

( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) .

«اللّام» لام «كي» وهي متعلّقة «بأسكنت»، أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كلّ مرتفق ومرتزق إلّا لإقامة الصّلاة عند بيتك المحرّم. وتكرير النّداء وتوسيطه(٣) للإشعار بأنّها المقصودة بالذّات من إسكانهم ثمّة، والمقصود من الدّعاء توفيقهم لها.

وقيل(٤) : لام الأمر، والمراد هو الدّعاء لهم بإقامة الصّلاة، كأنّه طلب منهم الإقامة وسأل من الله ـ تعالى ـ أن يوفّقهم لها.

( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ) ، أي: أفئدة من أفئدة النّاس.

و «من» للتّبعيض، ولذلك قيل(٥) : لو قال: أفئدة النّاس، لازدحمت عليهم عليهم فارس والرّوم، ولحجّت اليهود والنّصارى. أو للابتداء، كقولك: القلب منّي سقيم، أي أفئدة النّاس.

وقرئ(٦) : «آفدة» وهو يحتمل أن يكون مقلوب أفئدة كآدر، في أدؤر. وأن يكون

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٧١.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣١، ح ٣٥.

(٣) أي: إيراد لفظ «ربّنا» على «ليقيموا الصلاة» دل على ان مجرد الإقامة مقصود بالذّات دون الإسكان بخلاف ما لو لم تكرّر. والظاهر أنّه لو لم يكرّر ولم يوسّط لدلّ الكلام على ذلك، لكن حصل من التكرار قوة الدّلالة.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.


اسم فاعل، من أفدت الرّحلة(١) : إذا عجّلت، أي جماعة يعجلون. و «أفدة»(٢) بطرح الهمزة للتّخفيف.

( تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) : تسرع إليهم شوقا وودادا.

وقرئ(٣) : «تهوى» على البناء للمفعول، من أهوى إليه غيره. وتهوى.

وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: والأفئدة من النّاس تهوي إلينا(٥) ، وذلك دعوة إبراهيم حيث قال:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .

وفي بصائر الدّرجات(٦) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ في حديث: وجعل(٧) أفئدة من النّاس تهوى إلينا.

من هوي يهوى: إذا أحبّ. وتعديته «بإلى» لتضمنه(٨) معنى النّزوع.

ونسبها في الجوامع(٩) إلى أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ.

( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) : مع سكناهم واديا لا نبات فيه.

( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (٣٧): تلك النّعمة. فأجاب الله دعوته، فجعله حرما آمنا يجيء إليه ثمرات كلّ شيء، حتّى توجد فيه الفواكه الرّبيعيّة والصّيفيّة والخريفيّة والشّتائيّة في يوم واحد.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ كان نازلا في بادية الشّام.

فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارة من ذلك غمّا شديدا، لأنّه لم يكن له منها ولد، و(١١) كانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمّه. فشكى إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ذلك إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ.

__________________

(١) ب: الرحل.

(٢) أي: وقرئ: «أفدة».

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.

(٤) الإحتجاج ١ / ١٦٠.

(٥) أ، ب، ر: إليها.

(٦) البصائر / ١٤٩، ح ٢.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: واجعل.

(٨) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.

(٩) الجوامع / ٢٣٤.

(١٠) تفسير القمّي ١ / ٦٠ ـ ٦١.

(١١) ليس في المصدر.


فأوحى الله إليه: إنّما مثل المرأة مثل الضّلع العوجاء، إن تركتها استمتعت(١) بها، وإن أقمتها كسرتها. ثمّ أمره أن يخرج إسماعيل وأمّه عنها(٢) .

فقال: يا ربّ، إلى أيّ مكان؟

قال: إلى حرمي وأمني، وأوّل بقعة خلقتها من الأرض، وهي مكّة.

فأنزل الله عليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بالبراق، فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم ـ عليه السّلام ـ عليها(٣) ، وكان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع إلّا(٤) وقال: يا جبرئيل، إلى هاهنا إلى هاهنا؟ فيقول جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: لا، امض امض.

حتّى وافى(٥) مكّة، فوضعه في موضع البيت.

وقد كان إبراهيم ـ عليه السّلام ـ عاهد سارة ألّا ينزل حتّى يرجع إليها. فلمّا نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة، فألقت هاجر على(٦) ذلك الشّجر كساء كان معها، فاستظلّوا تحته.

فلمّا سرّحهم إبراهيم ووضعهم وأراد الانصراف منهم إلى سارة، قالت له هاجر: يا إبراهيم، لم تدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع؟

فقال إبراهيم: الله، الّذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان، حاضر عليكم.

ثمّ انصرف عنهم. فلمّا بلغ كداء(٧) ، وهو جبل بذي طوى، التفت إليهم إبراهيم فقال:( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ ) (الآية). ثمّ مضى وبقيت هاجر.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، وقد مضى تمامه في سورة البقرة.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن الفضل بن موسى الكاتب، عن أبي الحسن، موسى جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ لـمّـا أسكن إسماعيل ـ عليه السّلام ـ وهاجر مكّة، وودّعهما لينصرف عنهما، بكيا.

فقال لهما إبراهيم ـ عليه السّلام ـ: ما يبكيكما، فقد خلّفتكما في أحبّ الأرض إلى الله وفي حرم الله؟

__________________

(١) المصدر: استمتعتها.

(٢) ليس في المصدر.

(٣ و ٤) ليس في المصدر.

(٥) المصدر: أتى.

(٦) ب: في.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: كدى.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٢، ح ٣٧.


فقالت له هاجر: يا إبراهيم، ما كنت أرى أنّ نبيّا مثلك يفعل ما فعلت.

قال: وما فعلت؟

قالت: إنّك خلّفت إمرأة ضعيفة وغلاما ضعيفا لا حيلة لهما بلا أنيس من بشر، ولا ماء يظهر، لا زرع قد بلغ، ولا ضرع يحلب.

قال: فرّق إبراهيم ودمعت عيناه عند ما سمع منها، فأقبل حتّى انتهى إلى باب بيت الله الحرام فأخذ بعضادتي الكعبة، ثمّ قال:( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) (الآية).

قال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: فأوحى الله إلى إبراهيم: أن اصعد أبا قبيس فناد في النّاس: يا معشر الخلائق، إنّ الله يأمركم بحجّ هذا البيت الّذي بمكّة محرّما من استطاع إليه سبيلا فريضة من الله.

[قال :](١) فمدّ الله لإبراهيم في صوته، حتّى أسمع به أهل المشرق والمغرب، وما بينهما من جميع ما قدّر الله وقضى في أصلاب الرّجال من النّطف، وجميع ما قدّر الله وقضى في أرحام النّساء إلى يوم القيامة. فهناك [يا فضل](٢) وجب الحجّ على جميع الخلائق والتّلبية من الحاجّ في أيّام الحجّ، هي إجابة لنداء إبراهيم ـ عليه السّلام ـ يومئذ بالحجّ عن الله.

وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ان أذينة، عن الفضيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّه(٤) نظر إلى النّاس يطوفون حول الكعبة، فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهليّة، انّما أمروا أن يطّوّفوا بها، ثمّ ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودّتهم ويعرضوا علينا نصرتهم. ثمّ قرأ هذه الآية:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .

وفي روضة الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشّحّام قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ لقتادة(٦) : من

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) الكافي ١ / ٣٩٢، ح ١.

(٤) المصدر: قال.

(٥) الكافي ٨ / ٣١١، ح ٤٨٥.

(٦) قتادة بن دعامة، من مشاهير محدّثي العامّة ومفسّريهم، روى عن أنس بن مالك وأبي الطفيل وسعيد بن المسيّب والحسن البصريّ وغيرهم.


خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفا بحقّنا يهوانا قلبه، كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) ولم يعن: البيت، فيقول: إليه. فنحن والله دعوة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ممّن هوانا قلبه قبلت حجّته وإلّا فلا، يا قتادة، فإذا كان كذلك كان آمنا من عذاب جهنّم يوم القيامة.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وفيها: والأفئدة من النّاس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ [حيث](٢) قال:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) : أما إنّه لم يعن: النّاس كلّهم. أنتم أولئك ونظراؤكم، و(٤) إنّما مثلكم في النّاس مثل الشّعرة البيضاء في الثّور الأسود(٥) ، أو مثل الشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض.

عن ثعلبة بن ميمون(٦) ، عن ميسر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ أبانا إبراهيم كان ممّا اشترط على ربّه، فقال:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .

[وفي رواية أخرى(٧) : عنه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ أبانا إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ كان فيما اشترط على ربّه أن قال:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) ](٨) أما إنّه لم يعن(٩) : النّاس كلّهم. أنتم أولئك، رحمكم الله(١٠) ، ونظراؤكم، إنّما مثلكم في النّاس مثل الشّعرة البيضاء في الثّور الأسود، أو الشّعرة السّوداء في الثّور الأبيض.

وفي عوالي اللّئالي(١١) : وقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في تفسير قوله ـ تعالى ـ:( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) : هو ثمرات القلوب.

__________________

(١) الإحتجاج ١ / ١٦٠.

(٢) من المصدر.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٣، ح ٣٩.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: السّوداء.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٣ ـ ٢٣٤، ح ٤٠.

(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٤١.

(٨) ليس في أ، ب.

(٩) المصدر: لم يقل.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجحكم الله.

(١١) العوالي ٢ / ٩٨، ح ٢٥٧.


وقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ(١) : إنّ الثّمرات تحمل إليهم من الآفاق، وقد استجاب الله له حتّى لا يوجد في بلاد الشّرق والغرب ثمرة لا توجد فيها، حتّى حكي أنّه يوجد(٢) فيها في يوم واحد فواكه ربيعيّة وصيفيّة وخريفيّة وشتائيّة.

( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ) : تعلم سرّنا، كما تعلم علننا.

والمعنى: أنّك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منّا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطّلب، لكنّا ندعوك أظهارا لعبوديتك وافتقارا إلى رحمتك واستعجالا لنيل ما عندك.

وقيل(٣) : ما نخفي من وجد الفرقة، وما نعلن من التّضرّع إليك والتّوكل عليك.

وتكرير النّداء للمبالغة في التّضرّع، واللّجأ إلى الله.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن السّديّ(٥) قال: سمعت(٦) أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول(٧) :( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) من شأن إسماعيل، وما أخفى أهل البيت.

وفي أصول الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله الفرّاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يعلم ما يريد العبد إذا دعاه، ولكنّه يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج. فإذا دعوت، فسمّ حاجتك.

وفي حديث آخر(٩) قال: قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يعلم حاجتك وما تريد، ولكن يحبّ أن تبثّ إليه الحوائج.

( وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) (٣٨): لأنّه العالم بعلم ذاتيّ، يستوي نسبته إلى كلّ معلوم(١٠) .

و «من» للاستغراق.

__________________

(١) نفس المصدر والموضع، ح ٢٥٨، وفي نور الثقلين ٢ / ٥٥١، ح ١١٨ وتفسير الصافي ٣ / ٩١ الباقر بدل الصادق ـ عليهما السّلام ـ.

(٢) أ، ب، ر: وجد.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٤، ح ٤٤.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الثرى.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: سمعنا.

(٧) المصدر: يقرأ.

(٨) الكافي ٢ / ٤٧٦، ح ١.

(٩) الكافي ٢ / ٤٧٦، ح ١.

(١٠) الأولى أن يقال: إنّ كلّ شيء موجود بإرادته ـ تعالى ـ فيجب أن يكون علمه محيطا بها.


( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ ) ، أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد.

قيّد الهبة بحال الكبر استعظاما للنّعمة، وإظهارا لما فيها من آلائه.

( إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) .

نقل(١) : أنّه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة.

( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) (٣٩)، أي: لمجيبه. من قولك: سمع الملك كلامي: إذا اعتدّ به.

وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السّماع إلى دعاء الله على المجاز.

وفيه إشعار بأنّه دعا ربّه وسأل منه الولد، فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه، ليكون من أجلّ النّعم وأجلاها.

( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) : معدّلا لها، مواظبا عليها.

( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) : عطف على المنصوب في «اجعلني».

والتّبعيض، لعلمه بإعلام الله واستقراء عادته في الأمم الماضية، أنّه يكون في ذرّيّته كافر.

( رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ) (٤٠): واستجب دعائي. أو وتقبّل عبادتي.

( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) وقرئ(٢) : «ولأبويّ»(٣) .

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: إنّما نزلت «ولولديّ»، إسماعيل وإسحاق.

وفي مجمع البيان(٥) : وقرأ حسين(٦) بن عليّ ـ عليه السّلام ـ وأبو جعفر، محمّد بن علي ـ عليه السّلام ـ: «ولولديّ».

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن حريز [بن عبد الله](٨) [عن أبي عبد الله عليه

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٣.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٤.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأبويه.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.

(٥) المجمع ٣ / ٣١٧.

(٦) المصدر: الحسن.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٤، ح ٤٥.

(٨) من المصدر.


السّلام](١) ، عمّن ذكره، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه [كان يقرأ](٢) ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) (٣) ، يعني: إسماعيل وإسحاق.

[وفي رواية اخرى(٤) عمّن ذكره عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ أنّه قرأ:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) ](٥) قال آدم وحوّاء.

عن جابر(٦) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) .

قال: هذه كلمة صحفها(٧) الكتاب، إنّما كان استغفاره لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، وإنّما كان( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) (٨) ، يعني: إسماعيل وإسحاق. والحسن والحسين، والله، ابنا(٩) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

( وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) (٤١): يثبت. مستعار من القيام على الرّجل، كقولهم: قامت(١٠) الحرب على ساق، أو يقوم إليه أهله. فحذف المضاف، أو أسند إليه قيامهم مجازا.

( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) : خطاب لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

قيل(١١) : المراد به: تثبيته على ما هو عليه والتّنبيه على أنّه مطّلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية، والوعيد بأنّه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة.

أو لكلّ(١٢) من توهّم غفلته، جهلا بصفاته واغترارا بإمهاله.

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) من المصدر.

(٣) نور الثقلين ٢ / ٥٥٢، ح ١٢٤: «ولولديّ» وهو الصحيح بدليل ما بعدها.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٤، ح ٤٦.

(٥) من المصدر.

(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٢٣٥، ح ٤٧.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: صفحها.

(٨) كذا في نور الثقلين ٢ / ٥٥٢، ح ١٢٦. وفي النسخ والمصدر: لوالديّ.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وإنّما عنى» بدل «والله ابنا».

(١٠) ب: زيادة «والله».

(١١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٤.

(١٢) أي: أو خطاب لكلّ.


وقيل(١) : إنّه تسلية للمظلوم، وتهديد للظّالم.

( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ ) : يؤخّر عذابهم.

وعن أبي عمرو(٢) ، بالنّون(٣) .

( تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ) (٤٢)، أي: تشخص أبصارهم، فلا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: تبقى أعينهم مفتوحة من هول جهنّم، لا يقدرون أن يطرفوا.(٥) ( مُهْطِعِينَ ) : مسرعين إلى الدّاعي. أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفا.

و «الإهطاع» هو الإقبال على الشّيء.

( مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ) : رافعيها.

( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) : بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.

( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) (٤٣).

قيل(٦) : خلاء، أي: خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدّهشة. ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوّة.

وقيل(٧) : خالية من الخير، خاوية عن الحقّ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قال: قلوبهم تتصدّع من الخفقان.

( وَأَنْذِرِ النَّاسَ ) : يا محمّد.

( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) ، يعني: يوم القيامة. أو يوم الموت، فإنّه أوّل يوم عذابهم.

وهو مفعول ثان «لأنذر».

( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) : بالشّرك والتّكذيب.

( رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) : أخّر العذاب عنّا، وردّنا إلى الدّنيا، وأمهلنا

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٤.

(٣) أي: «يؤخّرنّهم».

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.

(٥) طرف عنه: أطبق أحد جفنيه على الآخر.

(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٤.

(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.


إلى أمد من الزّمان قريب. أو أخّر آجالنا، وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك.

( نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) : جواب للأمر، ونظيره( لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .

في روضة الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبي الصّباح بن عبد الحميد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: والله، للّذي صنعه الحسن بن علي ـ عليهما السّلام ـ كان خيرا لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشّمس. والله، لقد نزلت هذه الآية( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) إنّما هي طاعة الإمام، وطلبوا(٢) القتال( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ ) مع الحسين ـ عليه السّلام ـ( قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) ( نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم ـ عليه السّلام ـ.

( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) (٤٤): على إرادة القول.

و «ما لكم» جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية(٣) .

والمعنى: أقسمتم أنّكم باقون في الدّنيا لا تزالون بالموت. ولعلّهم أقسموا بطرا وغرورا(٤) ، أو دلّ عليه حالهم حيث بنوا شديدا وأمّلوا بعيدا.

وقيل(٥) : أقسموا أنّهم لا ينتقلون إلى دار أخرى، كقوله:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : أي: لا تهلكون.

( وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) : بالكفر والمعاصي، كعاد.

وأصل «سكن» أن يعدّى بفي، كقرّ في الدّار، وغنى فيها، وأقام فيها. وقد

__________________

(١) الكافي ٨ / ٣٣٠، ح ٥٠٦.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: طلبه.

(٣) أي: فالتّعبير بالخطاب في قوله ـ تعالى ـ:( ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) ليس على الحكاية عن قولهم، إذ عبارتهم ليست على طريق الخطاب بل على طريق التكلّم، بل الخطاب بناء على مطابقته مع «أقسمتم».

(٤) أي: ليس قسمهم بناء على اعتقادهم أنّهم لا يموتون، لأنّ هذا الاعتقاد خلاف صريح العقل وشهادة الأموات، وإنّما قالوا ذلك باللّسان تكبّرا وغرورا، والمراد: أنّهم فعلوا ما يدلّ على أنّهم لا يموتون فنزّل حالهم منزلة القسم.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٤.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.


يستعمل بمعنى التّبوّؤ، فيجري مجراه، كقولك: سكنت الدّار.

( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ) : بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم.

( وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ) (٤٥): من أحوالهم، أي: بيّنّا لكم أنّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو صفات ما فعلوا وفعل بهم الّتي هي في الغرابة، كالأمثال المضروبة، فلم تعتبروا.

( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) : المستفرغ فيه جهدهم، لإبطال الحقّ وتقرير الباطل.

( وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ) : ومكتوب عنده فعلهم، وهو مجازيهم عليه. أو عنده ما يمكرهم به، جزاء لمكرهم وإبطالا له.

( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ ) : في العظم والشّدّة.

( لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) (٤٦): مسوّى ومعدّا لإزالة الجبال.

وقيل(١) : «إن» نافية و «اللّام» مؤكّدة لها، كقوله:( ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) .

على أنّ «الجبال» مثل لأمر النّبيّ ونحوه.

وقيل(٢) : مخفّفة من الثّقيلة(٣) . والمعنى: أنّهم ليزيلوا ما هي كالجبال الراسيّة ثباتا وتمكّنا من آيات الله وشرائعه.

وقرأ(٤) الكسائيّ: «لتزول» بالفتح والرّفع، على أنّها المخفّفة و «اللّام» هي الفاصلة، ومعناه تعظيم مكرهم.

وقرئ(٥) ، بالفتح والنّصب، على لغة من يفتح لام «كي».

وقرئ(٦) : «وإن كاد مكرهم».

في تفسير العيّاشي(٧) : عن سعد بن عمر، عن غير واحد ممّن حضر أبا عبد الله ـ عليه

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٥.

(٣) خبر «إنّ» المخففّة يلزمها اللّام المفتوحة، ولهذا قال صاحب المغني: يلزمها لام الابتداء إلّا إذا دلّ دليل على أنّ «ان» للإثبات ليست بنافية، كما في قراءة أبي رجاء: «وإن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدنيا» بكسر اللّام.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٥.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٥.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٥، ح ٤٩.


السّلام ـ ورجل يقول: قد بنيت(١) دار صالح ودار عيسى(٢) بن عليّ. ذكر دور العبّاسيّين، فقال رجل: أراناها الله خرابا، أو خرّ بها بأيدينا.

فقال له أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا تقل هكذا، بل تكون(٣) مساكن القائم وأصحابه. أما سمعت الله يقول:( وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) .

عن جميل بن درّاج(٤) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول:( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) وإن كان مكر بني عبّاس(٥) بالقائم لتزول منه قلوب الرّجال.

عن الحارث(٦) ، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نمرود أراد أن ينظر(٧) إلى ملك السّماء، فأخذ نسورا أربعة فربّاهنّ حتّى كنّ نشاطا(٨) ، وجعل تابوتا من خشب وأدخل فيه رجلا، ثمّ شدّ قوائم النّسور بقوائم التّابوت، ثمّ أطارهنّ(٩) ، ثمّ جعل في وسط التّابوت عمودا وجعل في رأس العمود لحما، فلمّا رأى النّسور اللّحم طرن وطرن بالتّابوت والرّجل، فارتفعن إلى السّماء، فمكث ما شاء الله. ثمّ إنّ الرّجل أخرج من التّابوت رأسه فنظر [إلى السّماء](١٠) فإذا هي على حالها، ونظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى [الجبال إلّا كالذّرّ ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها ونظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى إلّا الماء ثمّ مكث ساعة فنظر إلى السماء فإذا هي على حالها ونظر إلى الأرض فإذا هو لا يرى](١١) شيئا، فلمّا يرى سفل العمود وطلب النّسور اللّحم، وسمعت(١٢) الجبال هدّة النّسور فخافت من أمر السّماء، وهو قول الله:( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٣) : ثمّ قال:( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) قال: مكر بني فلان.

__________________

(١) المصدر: ثبت.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وداود وعيسى».

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: تكن.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٥.

(٥) المصدر: «مكروا العباس» بدل «مكر بني عبّاس».

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٥ ـ ٢٣٦، ح ٥١.

(٧) المصدر: ينشر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: شاكم.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: صراهن.

(١٠ و ١١) من المصدر.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وسعت.

(١٣) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.


( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) ، مثل قوله:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) .

وأصله: مخلف رسله وعده. فقدّم المفعول الثّاني إيذانا بأنّه لا يخلف الوعد أصلا، كقوله:( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) . وإذا لم يخلف وعده أحدا، كيف يخلف رسله؟

( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) : غالب لا يماكر، قادر لا يدافع.

( ذُو انتِقامٍ ) (٤٧): لأوليائه من أعدائه.

( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) : بدل من( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ) . أو ظرف «للانتقام» أو مقدّر «باذكر»، أو لا يخلف وعده.

ولا يجوز أن ينتصب «مخلف» لأنّ ما قبل «إنّ» لا يعمل فيما بعده.

والسموات: عطف على «الأرض»، وتقديره، والسّموات غير السّموات.

والتّبديل يكون في الذّات، كقولك: بدّلت الدّراهم بالدّنانير. وعليه قوله:( بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) . وفي الصّفة(١) ، كقولك: بدّلت الحلقة خاتما: إذا أذبتها وغيّرت شكلها. وعليه قوله:( يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) .

ومن طريق العامّة(٢) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ: تبدّل أرضا من فضّة، وسموات من ذهب.

وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: وعن ثوبان قال: إنّ يهوديّا جاء إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا محمّد، أسألك فتخبرني.

فركضه(٤) ثوبان برجله، وقال: قل: يا رسول الله.

فقال: لا أدعوه إلّا بما سمّاه أهله.

فقال: أرأيت قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) أين النّاس يومئذ؟

قال: في الظّلمة(٥) دون المحشر.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

__________________

(١) أي: والتبديل يكون في الصّفة.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٥.

(٣) الاحتجاج ١ / ٥٠.

(٤) ركضه: ضربه.

(٥) أ، ب: الظلّة.


وفي كتاب الخصال(١) ، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: لقد خلق الله ـ تعالى ـ في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين، ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم(٢) الأرض فأسكنهم فيها(٣) واحدا بعد واحد مع عالمه، ثمّ خلق الله آدم، أبا هذا البشر، وخلق ذرّيّته منه. فلا والله، ما خلت الجنّة من أرواح(٤) المؤمنين منذ خلقها الله، ولا خلت النّار من أرواح الكافرين(٥) منذ خلقها الله. لعلكم(٦) ترون أنّه إذا كان يوم القيامة، وصيّر الله أبدان أهل الجنّة مع أرواحهم في الجنّة، وصيّر أبدان أهل النّار مع أرواحهم في النّار، أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يعبد في بلاده، ولا يخلق خلقا يعبدونه ويوحّدونه ويعظّمونه، بلى والله، ليخلقنّ [الله](٧) خلقا من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحّدونه ويعظّمونه، ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء تظلّهم، أليس الله يقول:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) . وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .

وفي روضة الكافي(٨) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثّمالي، وأبو منصور عن أبي الرّبيع قال: حججنا مع أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في السّنة الّتي كان حجّ فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع، مولى عمر بن الخطّاب.

فقال نافع(٩) : يا ابن رسول الله، فأخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) أيّ أرض تبدّل يومئذ؟

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أرض تبقى خبزة، يأكلون منها(١٠) حتّى يفرغ الله من الحساب.

فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: أهم يومئذ أشغل، أم إذ هم في النّار؟

__________________

(١) الخصال ٢ / ٣٥٨ ـ ٣٥٩، ح ٤٥.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أدم.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأسكنوها.

(٤) أ، ر: الأرواح.

(٥) المصدر: الكفار والعصاة.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لعكم.

(٧) من المصدر.

(٨) الكافي ٨ / ١٢٠ ـ ١٢٢، ح ٩٣.

(٩) ليس في أ، ب.

(١٠) يوجد في ب، المصدر.


[فقال نافع: بل إذ هم في النّار](١) .

قال: فو الله، ما شغلهم إذا دعوا بالطعام فأطعموا الزّقّوم، ودعوا بالشّراب فسقوا الحميم.

قال: صدقت، يا ابن رسول الله.

والحديث طول أخذت منه موضع الحاجة.

وفي الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير [عن سليمان بن جعفر](٣) ، عن هشام بن سالم، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سأله الأبرش الكلبيّ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) .

قال: تبدّل الأرض خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا(٤) من الحساب.

قال الأبرش: إنّ النّاس [يومئذ](٥) لفي شغل من الأكل والشّرب.

فقال: أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: هم في النّار لا يشتغلون عن أكل الضّريع وشرب الحميم وهم في العذاب، فكيف يشتغلون عنه في الحساب؟

عدّة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد [بن محمّد](٧) بن أبي عبد الله، [عن أبيه](٨) ، عن القاسم بن عروة، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) .

قال: تبدّل خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغوا من الحساب.

فقال له قائل: إنّهم لفي شغل يومئذ عن الأكل والشّرب.

فقال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق ابن آدم أجوف ولا بدّ له من الطّعام والشّراب، أهم أشدّ شغلا يومئذ أم في النّار؟ فقد استغاثوا والله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) ، حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي الرّبيع قال: سأل نافع، مولى عمر الخطّاب أبا جعفر، محمّد بن عليّ

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الكافي ٦ / ٢٨٦، ح ١.

(٣) من المصدر مع المعقوفتين.

(٤) المصدر: يفرغ.

(٥) من المصدر.

(٦) الكافي ٦ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧، ح ٤.

(٧) ليس في أ، ب، المصدر.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) تفسير القمّي ١ / ٢٣٢ ـ ٢٣٤.


ـ عليه السّلام ـ فقال: يا أبا جعفر، أخبرني عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) [بأي أرض تبدّل](١) .

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: بخبزة بيضاء، يأكلون منها حتّى يفرغ الله من حساب الخلائق.

فقال نافع: إنّهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: [أهم](٢) حينئذ أشغل، أم(٣) هم في النّار؟

قال نافع: بل هم في النّار.

قال: فقد قال الله:( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) ما(٤) شغلهم إذ دعوا الطّعام فأطعموا الزّقّوم، ودعوا بالشّراب فسقوا الحميم.

فقال: صدقت، يا ابن رسول الله.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثني أبي(٥) ، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النّعمان الأحول، عن سلام بن المستنير، عن ثوير بن أبي فاختة، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: سئل عن النّفختين، كم بينهما؟

... إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: فيخرج الصّوت من الطّرف الّذي يلي السّموات، فلا يبقى في السّموات ذو روح إلّا صعق ومات إلّا إسرافيل.

قال: فيقول [الله](٦) لإسرافيل: [يا إسرافيل](٧) مت. فيموت لإسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثمّ يأمر الله السّموات فتمور ويأمر الجبال فتسير، وهو قوله:( يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ) ، يعني: تبسط، و( تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) ، يعني، بأرض لم تكسب عليها الذّنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات، كما دحاها أوّل مرّة.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ) ، يعني: تبدّل خبزة نقيّة يأكل النّاس منها حتّى يفرغ من

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) المصدر: أو و.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ممّا.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢٥٢.

(٦ و ٧) من المصدر.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٧، ح ٥٣.


الحساب، قال الله:( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) .

عن محمّد بن هاشم(١) ، عمّن أخبره، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال له الأبرش الكلبيّ: بلغني أنّك قلت في قول الله:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ) : إنّها تبدّل خبزة.

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: صدقوا، تبدّل الأرض خبزة نقيّة في الموقف يأكل النّاس(٢) منها.

فضحك الأبرش، وقال: أما لهم شغل بما هم(٣) فيه عن أكل الخبز؟

فقال: ويحك، في أيّ المنزلتين هم أشدّ شغلا وأسوء حالا إذا هم في الموقف أو في النّار [يعذبون](٤) .

فقال لا، في النّار.

فقال: ويحك، وأنّ الله يقول:( لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ) .

قال: فسكت.

وفي مجمع البيان(٥) : روى أبو هريرة، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: تبدّل الأرض غير الأرض والسّموات، فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ثمّ يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدّلة في مثل مواضعهم من الأولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان على ظهرها.

وفي تفسير أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ(٦) ، بالإسناد: عن زرارة ومحمّد بن مسلم وحمران بن أعين، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالا: تبدّل الأرض خبزة نقيّة، يأكل النّاس منها حتّى يفرغ النّاس من الحساب، قال الله ـ تعالى ـ:( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) .

وروى سهل بن سعد السّاعديّ(٧) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: يحشر

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٧، ح ٥٤.

(٢) المصدر: يأكلون.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لهم.

(٤) من المصدر.

(٥ و ٦) المجمع ٣ / ٣٢٤.

(٧) المجمع ٣ / ٣٢٤.


النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النّقيّ(١) ، ليس فيها معلم لأحد.

وروي عن أبي أيّوب الأنصاريّ(٢) قال: أتى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حبر من اليهود، فقال: أرأيت إذ يقول [الله ـ تعالى ـ](٣) في كتابه:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) فأين الخلق عند ذلك؟

فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه(٤) .

( وَبَرَزُوا ) : من أجداثهم.

( لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) (٤٨): لمحاسبته ومجازاته.

وتوصيفه بالوصفين(٥) ، للدّلالة على أنّ الأمر في غاية الصّعوبة، كقوله ـ تعالى ـ:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) . فإنّ الأمر إذا كان لواحد غلّاب(٦) لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.

( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ ) قيل(٧) : قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال، كقوله:( إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) . أو قرنوا مع الشّياطين. أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائفة، والملكات الباطلة. أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وهو يحتمل [أن يكون](٨) تمثيلا(٩) لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : قال: مقيّدين بعضهم إلى بعض.

( فِي الْأَصْفادِ ) (٤٩): متعلّق «بمقرّنين». أو حال من ضميره.

و «الصّفد» القيد.

وقيل(١١) : الغلّ. وأصله: الشّدّ.

__________________

(١) النّقيّ: الحواري، وهو الدّقيق الأبيض، وهو لباب الدّقيق.

(٢) المجمع ٣ / ٣٢٥.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما لديهم.

(٥) أي: الواحد القهّار.

(٦) ب: غالب.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٥.

(٨) ليس في أ، ب.

(٩) أي: يحتمل أن يكون التّقرين بين الايدي والأرجل استعارة عن اقتران ما اكتسبته أيديهم وأرجلهم بالأعضاء المذكورة، فالمعنى: مقرونين بما اكتسبته أيديهم وأرجلهم.

(١٠) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.

(١١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٦.


( سَرابِيلُهُمْ ) : قمصانهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : «السّرابيل» القميص(٢) .

( مِنْ قَطِرانٍ ) : وهو ما يتحلّب من الأبهل(٣) ، فيطبخ فهنأ(٤) به الإبل الجرباء فيحرق الجرب بحدّته، وهو أسود منتن تشتعل فيه النّار بسرعة، تطلى به جلود أهل النّار حتّى يكون طلاؤه لهم كالقميص، ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النّار في جلودهم، على أنّ التّفاوت بين القطرانين، كالتّفاوت بين النّارين.

ويحتمل أن يكون تمثيلا، لما يحيط بجوهر النّفس من الملكات الرّديئة والهيئات الوحشيّة، فتتجلّب إليها أنواعا من الغموم والآلام.

وعن يعقوب(٥) : «قطران» والقطر: النّحاس، أو الصّفر المذاب. والآني: المتناهي حرّه.

والجملة حال ثانية، أو حال من الضّمير في «مقرّنين».

( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) (٥٠).

قيل(٦) : أي: وتتغشّاها، لأنّهم لم يتوجّهوا بها إلى الحقّ، ولم يستعملوا في تدبّره مشاعرهم وحواسّهم إلى ما خلقت فيها لأجله، كما تطّلع على أفئدتهم، فإنّها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات. ونظيره قوله:( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، وقوله ـ تعالى ـ:( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ) هو الصّفر الحارّ الذّائب، يقول الله: [انتهى حرّه](٨) ( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) سربلوا ذلك الصّفر، فتغشى وجوههم النّار.

حدّثني أبي(٩) ، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: لو أنّ

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.

(٢) الظاهر الصحيح: أقمصة أو قمصان.

(٣) أبهل: شجيرة مستديمة الخضرة من عاريات البذور من المخروطيّات تشبه العرعر.

(٤) هنأ الإبل: طلاها بالقطران.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٦.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.

(٨) ليس في أ، ب.

(٩) تفسير القمّي ٢ / ٨١.


سربالا من سرابيل أهل النّار علّق بين السّماء والأرض، لمات أهل الأرض من ريحه ووهجه(١) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي نهج البلاغة(٢) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: وألبسهم سرابيل القطران ومقطّعات النّيران، في عذاب قد اشتدّ حرّه، وباب قد أطبق على أهله.

وفي كتاب الخصال(٣) : عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ النّائحة إذا لم تتب(٤) قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب.

( لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ) ، أي: يفعل بهم ذلك ليجزي الله كلّ نفس مجرمة.

( ما كَسَبَتْ ) . أو كلّ نفس من مجرمة أو مطيعة، لأنّه إذا بيّن أنّ المجرمين معاقبون لإجرامهم علم أنّ المطيعين يثابون لطاعتهم، ويتعيّن ذلك إن علّق «اللّام» «ببرزوا»(٥) .

( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) (٥١): لأنّه لا يشغله حساب عن حساب.

( هذا ) : إشارة إلى القرآن. أو السّورة. أو ما فيه من العظة والتّذكير. أو ما وصفه بقوله:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً ) .

( بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) : كفاية لهم في الموعظة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) :( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) ، يعني: محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) : عطف على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ، فتكون «اللّام» متعلّقة بالبلاغ.

ويجوز أن تتعلّق بمحذوف، تقديره: ولينذرا به أنزل أو تلي.

وقرئ(٧) ، بفتح الياء. من نذر به: إذا علمه(٨) واستعدّ له.

__________________

(١) الوهج: حرارة النّار.

(٢) النهج / ١٦٢ الخطبة ١٠٩.

(٣) الخصال ١ / ٢٢٦، ح ٦٠.

(٤) أ، ب، ر: تثبت.

(٥) لأنّ ضمير «برزوا» راجع إلى جميع الخلائق المؤمنين والمجرمين، فيكون الجزاء شاملا للإثابة والعقوبة. وأمّا إذا كان اللّام متعلّقا «بتغشى» كان صريحا لبيان حال المجرمين، وحال المؤمنين تعلم بالمقايسة.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٦.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: علم.


( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) : بالنّظر، والتّأمّل فيما فيه من الآيات الدّالة عليه والمنبّهة على ما يدلّ عليه( وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) (٥٢): فيرتدعوا عمّا يرديهم، ويتدرّعوا بما يحظيهم.



تفسير

سورة الحجر



سورة الحجر

مكّيّة. وهي تسع وتسعون آية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

في كتاب ثواب الأعمال(١) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام قال: من قرأ سورة إبراهيم والحجر في ركعتين جميعا في كلّ جمعة، لم يصبه فقر أبدا ولا جنون ولا بلوى.

وفي مجمع البيان(٢) : أبيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من قرأها، أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) (١).

قيل(٣) : إشارة إلى آيات السّورة، و «الكتاب» هو السّورة، وكذا القرآن.

وتنكيره للتّعظيم(٤) ، أي: آيات الجامع، لكونه كتابا كاملا وقرآنا يبيّن الرّشد من الغيّ [بيانا غريبا](٥) .

( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) (٢): حين عاينوا حالهم وحال

__________________

(١) ثواب الأعمال / ١٣٣، ح ١.

(٢) المجمع ٣ / ٣٢٦.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٧.

(٤) أي: إذا كان القرآن عبارة عن السورة، فيجب أن يكون معرّفا، كالكتاب فأجاب بأنّ تنكيره للتعظيم.

(٥) ليس في م، ب.


المسلمين يوم القيامة.

وقرأ(١) نافع وعاصم، بالتّخفيف(٢) .

وقرئ(٣) : «ربما» بالفتح والتّخفيف.

وفيها ثمان لغات(٤) : ضمّ الرّاء وفتحه مع التّشديد والتّخفيف، وبتاء التّأنيث ودونها.

و «ما» كافّة تكفّه عن الجرّ، فيجوز دخوله على الفعل، وحقّه أن يدخل على الماضي(٥) ، ولكن لـمّـا كان المترقّب في إخبار الله ـ تعالى ـ كالماضي في تحقّقه(٦) اجري مجراه.

وقيل(٧) : «ما» نكرة موصوفة، كقوله :

ربّما تكره النّفوس من الأمر

له فرجة كحلّ العقال(٨)

ومعنى التقليل فيه، قيل: الإيذان بأنّهم لو كانوا يودّون الإسلام مرّة، فبالحريّ أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه كلّ ساعة(٩) .

وقيل(١٠) : تدهشهم أهوال القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنّوا ذلك. والغيبة في حكاية ودادهم(١١) ، كالغيبة في قولك، حلف بالله ليفعلنّ(١٢) .

في تفسير العيّاشي(١٣) : عن عبد الله بن عطاء المكّيّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٧.

(٢) يعني: وقرأ نافع وعاصم: «ربما» بضم الرّاء وتخفيف الباء.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٧.

(٤) ضمّ الرّاء مع التّخفيف ومع التّشديد، وفتح الرّاء مع التخفيف ومع التشديد، فهذه أربعة، وكلّ منها إمّا مع التّاء أو لا، فيحصل ثمانية.

(٥) لأنّها وضعت لتقليل المحقّق الواقع أو تحقيقه.

(٦) أ، ب: تحقيقه.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٧.

(٨) إذ المعنى: ربّ شيء تكرهه النفوس.

(٩) غرضه أنّ «ربّ» هاهنا المقصود منها التكثير، لكن عبّر عنها بلفظ «ربّ» المفيدة للتقليل في أصل وضعها إشعارا بما ذكر.

(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٧.

(١١) ر: ودادتهم.

(١٢) أي: الظاهر أن يقال: ربّما يود الذين كفروا لو كنا مسلمين. إذ المعنى: أنّهم يقولون في أنفسهم أو بلسانهم: لو كنا مسلمين. لكن عدل إلى الغيبة، لأنّه ـ تعالى ـ مخبر عن حالهم.

(١٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٩، ح ١.


السّلام ـ عن قول الله:( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) .

قال: ينادي مناد يوم القيامة يسمع الخلائق: إنّه لا يدخل الجنّة إلّا مسلم. ثمّ يودّ سائر الخلق أنّهم كانوا مسلمين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن رفاعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله: لا يدخل الجنّة إلّا مسلم. فيومئذ( يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) .

وفي مجمع البيان(٢) ، ما في معناه.

وفيه(٣) : مرفوعا، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [قال](٤) : إذا اجتمع أهل النّار في النّار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟

قالوا: بلى.

قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النّار.

قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فيسمع الله ـ عزّ اسمه ـ ما قالوا، فأمر من كان في النّار من أهل الإسلام فاخرجوا منها، فحينئذ يقول الكفّار: يا ليتنا كنّا مسلمين.

( ذَرْهُمْ ) : دعهم.

( يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ) : بدنياهم.

( وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ) : ويشغلهم توقّعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد.

( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (٣): سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه.

والغرض إقناط الرّسول من ارعوائهم(٥) ، وإيذانه بأنّهم من أهل الخذلان، وأنّ نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته.

وفيه إلزام للحجّة، وتحذير عن إيثار التّنعّم وما يؤدّي إليه طول الأمل.

في أصول الكافي(٦) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، عن

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٧٢ ـ ٣٧٣.

(٢ و ٣) المجمع ٣ / ٣٢٨.

(٤) من المصدر.

(٥) ارعوائهم: زجرهم وصرفهم عمّا هم عليه.

(٦) الكافي ٢ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦، ح ٣.


عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّما أخاف عليكم اثنتين: اتّباع الهوى، وطول الأمل. أمّا اتّباع الهوى فإنّه يصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة.

عدّة من أصحابنا(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن عمر بن عثمان، عن عليّ بن عيسى، رفعه قال: فيما ناجى الله ـ عزّ وجلّ ـ به موسى ـ عليه السّلام ـ: يا موسى، لا تطوّل في الدّنيا أملك فيقسو قلبك، والقاسي القلب منّي بعيد.

وفي الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن النّعمان، عن ابن مسكان، عن داود بن فرقد، عن ابن أبي شيبة(٣) الزّهريّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا استحقّت ولاية الله والسّعادة جاء الأجل بين العينين وذهب الأمل وراء الظّهر، وإذا استحقّت ولاية الشّيطان والشّقاوة جاء الأمل بين العينين وذهب الأجل وراء الظّهر.

قال(٤) : وسئل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أيّ المؤمنين أكيس؟

فقال: أكثرهم ذكرا للموت وأشدّهم له استعدادا.

محمّد بن يحيى(٥) ، عن الحسين بن إسحاق، عن عليّ بن مهزيار، عن فضالة، عن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: [ما أنزل الموت حقّ منزلته من عدّ غدا من أجله.

قال: وقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ :](٦) ما أطال عبد الأمل إلّا أساء العمل.

وكان يقول: لو رأى العبد أجله وسرعته إليه، لأبغض العمل من طلب الدّنيا.

وفي نهج البلاغة(٧) : قال ـ عليه السّلام ـ: واعلموا أنّ الأمل يسهي القلب، وينسي الذّكر. فأكذبوا الأمل فإنّه غرور، وصاحبه مغرور.

وفي كتاب الخصال(٨) : عن عبد الله بن حسن [بن حسن](٩) بن عليّ، عن أمّه

__________________

(١) الكافي ٢ / ٣٢٩، ح ١.

(٢) الكافي ٣ / ٢٥٧ ـ ٢٥٨، ح ٢٧.

(٣) كذا في المصدر، وجامع الرواة ٢ / ٤٢٨. وفي النسخ: أبي شيبة.

(٤) الكافي ٣ / ٢٥٨، ح ٢٧.

(٥) نفس المصدر والمجلّد / ٢٥٩، ح ٣٠.

(٦) ليس في أ، ب.

(٧) النهج / ١١٨، الخطبة ٨٦.

(٨) الخصال ١ / ٧٩، ح ١٢٨.

(٩) ليس في ب، نور الثقلين ٣ / ٣، ح ١١.


[فاطمة](١) بنت الحسين، عن أبيها ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ صلاح أوّل هذه الأمّة بالزّهد واليقين، وهلاك آخرها بالشّحّ(٢) والأمل.

( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) (٤): أجل مقدّر كتب في اللّوح.

والمستثنى جملة واقعة صفة «لقرية»، والأصل أن لا يدخلها الواو، كقوله:( إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ) . ولكن لـمّـا شابهت صورتها صورة(٣) الحال أدخلت عليها، تأكيدا للصوقها بالموصوف(٤) .

( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) (٥)، أي: وما يستأخرون عنه.

وتذكير ضمير «أمّة»(٥) فيه، للحمل على المعنى(٦) .

( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) : نادوا به النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ على التّهكّم. ألا ترى الى ما نادوه له وهو قولهم(٧) :( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) (٦): لتقول قول المجانين حين تدعي أن نزّل عليك الذّكر، أي: القرآن.

( لَوْ ما تَأْتِينا ) ركّب «لو» مع «ما»، كما ركّبت مع «لا» لمعنيين: لامتناع الشّيء لوجود غيره، والتّحضيض(٨) .

( بِالْمَلائِكَةِ ) : ليصدّقوك ويعضدوك على الدّعوة، كقوله:( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) . أو للعقاب على تكذيبنا، كما أتت الأمم المكذّبة من قبل.

( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٧): في دعواك.

( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ ) : بالياء مسندا إلى ضمير اسم الله.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الشحّ: البخل.

(٣) ب: بصورة.

(٤) لأنّ الواو للوصلة بين الشيئين.

(٥) وهو الضمير في «يستأخرون».

(٦) لأنّ الغالب من الامّة مذكّرون.

(٧) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٣٨. وفي النسخ: لقوله تعالى.

(٨) يدلّ على أنّ «لو ما» لها معنيان: أحدهما امتناع الشيء لوجود غيره، والثاني التحضيض.

وعبارة الكشّاف أصرح منه، فإنّه قال: «لو» ركّب مع «لا» و «ما» لمعنيين: أحدهما امتناع الشيء لوجود غيره كقول الشاعر :

لولا الحياء ولو لا الدّين عبتكما

ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري

والثاني التّحضيض.


وقرأ(١) حمزة والكسائي وحفص، بالنّون. وأبو بكر، بالتّاء والبناء للمفعول، ورفع الملائكة.

وقرئ(٢) : «ما تنزّل» بمعنى تتنزّل.

( إِلَّا بِالْحَقِ ) : إلّا تنزيلا متلبّسا بالحقّ.

قيل(٣) : أي: بالوجه الّذي قدّره واقتضته حكمته، ولا حكمة في أن تأتيكم بصورة تشاهدونها فإنّه لا يزيدكم إلّا لبسا، ولا في معاجلتكم بالعقوبة فإنّ منكم ومن ذراريّكم من سبقت كلمتنا له بالإيمان.

وقيل(٤) : «الحقّ» الوحي. أو العذاب.

( وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) (٨): جزاء لشرط مقدّر، أي: ولو نزّلنا الملائكة ما كانوا منظرين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : فقال(٦) : لو أنزلنا الملائكة لم ينظروا، وهلكوا.

وجملة( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ ) وما عطف عليه(٧) في موضع الحال من فاعل «قالوا»، والرّابطة الضّمير في المعطوف. ويحتمل الاستئناف بالرّدّ عليهم.

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) : ردّ لإنكارهم واستهزائهم، ولذلك أكدّه من وجوه(٨) وقرره بقوله:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٩)، أي: من التّحريف والزّيادة والنّقص، بأن جعلناه معجزا مباينا لكلام البشر بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللّسان. أو نفي تطرّق الخلل إليه في الدّوام بضمان الحفظ له، كما نفى أن يطعن فيه بأنّه المنزل له.

وقيل(٩) : الضّمير في «له» للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب(١٠) ، بعد أن ذكر قوله ـ تعالى ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) ، ثمّ قوله ـ تعالى ـ:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) : يوسف القطّان(١١) ،

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٨.

(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٨.

(٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٧٣.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قالوا.

(٧) الأظهر: عليها.

(٨) الأوّل: إيراد «إنّ»، الثاني: إيراد الجملة الاسميّة، الثالث: تكرير الإسناد.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٨.

(١٠) المناقب ٤ / ١٧٨ ـ ١٧٩.

(١١) كذا في رجال النجاشي / ١٢٠٩. وفي أ، ب، ر: القطاح.


ووكيع بن الجرّاح، وإسماعيل السّدي(١) ، وسفيان الثّوريّ أنّه قال الحارث: سألت أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ عن هذه الآية. قال: والله، إنّا لنحن أهل الذّكر، نحن أهل العلم، نحن معدن التّأويل والتّنزيل(٢) .

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ) (١٠): في فرقهم. جمع، شيعة، وهي الفرقة المتّفقة على طريقة ومذهب. من شاعه [: إذا تبعه](٣) .

وأصل «الشّياع» الحطب الصّغار توقد به الكبار.

والمعنى: نبّأنا رجالا منهم، وجعلناهم رسلا فيما بينهم.

( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ) : حكاية حال ماضية.

( إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) (١١)، كما يفعل هؤلاء. وهو تسلية للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

و «ما» للحال، لا يدخل إلّا مضارعا بمعناه(٤) ، أو ماضيا قريبا منه.

( كَذلِكَ نَسْلُكُهُ ) : ندخله( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) (١٢).

«السّلك» إدخال الشّيء في الشّيء، كالخيط في المخيط، والرّمح في المطعون.

والضّمير، قيل(٥) : للاستهزاء. وفيه دليل على أنّه ـ تعالى ـ يوجد الباطل في قلوبهم.

وقيل(٦) : للذّكر، فإنّ الضّمير الآخر في قوله:( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) : له.

وهو حال من هذا الضّمير. والمعنى: مثل ذلك السّلك نسلك الذّكر في قلوب المجرمين مكذّبا غير مؤمن به.

أو بيان للجملة المتضمّنة له.

وضعف القائل الأوّل هذا الاحتجاج، بأنّه لا يلزمه من تعاقب الضّمائر توافقها في المرجوع إليه، ولا يتعيّن أن تكون الجملة حالا من الضّمير لجواز أن تكون حالا من «المجرمين»(٧) ، ولا ينافي كونها مفسّرة للمعنى الأوّل بل يقوّيه.

__________________

(١) كذا في جامع الرواة ٢ / ٤٤٦. وفي النسخ: السرىّ.

(٢) ليس في ب.

(٣) ليس في ب.

(٤) بمعناه، أي: بمعنى الحال.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٨.

(٧) الأولى أن يقال: يجوز أن يكون حالا من قلوب المجرمين إذ هو مفعول به بواسطة.


وفيه: أنّ ذلك القائل جعل ذلك مؤيّدا لا احتجاجا ولا شبهة في تأييده، وعلى تقدير تسليم رجع الضّمير إلى الاستهزاء لا دلالة فيه على أنّه ـ تعالى ـ يوجد الباطل في قلوبهم، كيف والإدخال أعمّ ولا يستلزم الإيجاد.

( وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) (١٣)، أي: سنّة الله فيهم، بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم. أو بإهلاك من كذّب الرّسل، فيكون وعيدا لأهل مكّة.

( وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ ) : على هؤلاء المقترحين.

( فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) (١٤): يصعدون إليها ويرون عجائبها طول نهارهم، مستوضحين لما يرون. أو تصعد الملائكة، وهم يشاهدونهم(١) .

( لَقالُوا ) : من غلوّهم في العناد، وتشكيكهم في الحقّ.

( إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ) : سدّت عن الإبصار بالسّحر، من السّكر. أو حيرت من السّكر.

وقرأ(٢) ابن كثير بالتخّفيف.

( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) (١٥): قد سحرنا محمّد بذلك، كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات.

وفي كلمتي الحصر والإضراب، دلالة على البتّ بأنّ ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيّل إليهم بنوع من السّحر.

( وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً ) : اثني عشر، مختلفة الهيئات والخواصّ على ما دلّ عليه الرّصد والتّجربة مع بساطة السّماء(٣) .

وفي مجمع البيان(٤) : هي اثنا عشر برجا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: «البروج» الكواكب. والبروج الّتي للرّبيع والصّيف: الحمل والثّور والجوزاء والسّرطان والأسد والسّنبلة. وبروج الخريف والشّتاء: الميزان والعقرب والقوس والجدي والدّلو والحوت ،

__________________

(١) ب: يشاهدونها.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٣) أراد أنّ حصول البروج المختلفة في الخواصّ مع الحادها في الحقيقة لبساطة السّماء، دالّ على الصانع القدير.

(٤) المجمع ٣ / ٣٣١.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ١١٥ ـ ١١٦.


وهي اثنا عشر برجا.

وأمّا ما روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ(١) : أنّ للشّمس ثلاثمائة وستّين برجا، كلّ برج منها مثل جزيرة من جزائر العرب، تنزل كلّ يوم على برج منها، فإذا غابت انتهت إلى حدّ بطنان العرش، فلم تزل ساجدة إلى الغد، ثمّ تردّ إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان معها(٢) .

فقد قيل(٣) فيه: إنّ سير الشّمس إنّما يكون في كلّ برج من البروج الاثني عشر ثلاثين يوما تقريبا، فبهذا الاعتبار ينقسم كلّ منها إلى ثلاثين برجا، فيصير ثلاثمائة وستّين.

و «البروج» القصور العالية، سمّيت الكواكب بها لأنّها للسّيّارات، كالمنازل لسكّانها. واشتقاقه من البرج لظهوره.

( وَزَيَّنَّاها ) .

في مجمع البيان(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: بالكواكب النّيّرة.

( لِلنَّاظِرِينَ ) (١٦): للمعتبرين المستدلّين بها على قدرة مبدعها، وتوحيد صانعها.

( وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) (١٧): فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس إلى أهلها، ويتصرّف في أمرها، ويطّلع على أحوالها.

( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) : بدل من «كلّ شيطان».

واستراق السّمع: اختلاسه سرّا.

وقيل(٥) : الاستثناء منقطع، أي: ولكن من استرق السّمع.

قيل(٦) : استراق السّمع من سكّان السّموات، إمّا لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها.

والظّاهر من الأخبار الآتية، أنّ الاستراق بالاختراق والاستماع.

( فَأَتْبَعَهُ ) : فتبعه ولحقه.

( شِهابٌ مُبِينٌ ) (١٨): ظاهر للمبصرين.

__________________

(١) الكافي ٨ / ١٥٧، ح ١٤٨.

(٢) ليس في ب.

(٣) تفسير الصافي ٣ / ١٠٣.

(٤) المجمع ٣ / ٣٣١.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٦) نفس المصدر والموضع.


و «الشّهاب» شعلة نار ساطعة. وقد يطلق للكواكب والسّنان لما فيها من البريق.

وفي قرب الإسناد(١) للحميريّ، بإسناده إلى موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه آيات الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول فيه مخاطبا لنفر من اليهود: أمّا أوّل ذلك، فإنّكم أنتم تقرءون أنّ الجنّ كانوا يسترقون السّمع قبل مبعثه، فتمنّعت في أول رسالته بالرّجوم وانقضاض النّجوم وبطلان الكهنة والسّحرة(٢) .

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن بكر بن محمّد الأزديّ، عن عبد السّلام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: يا عبد السّلام، احذر النّاس ونفسك.

فقلت: بأبي أنت وأمّي، أمّا النّاس فقد أقدر على أن أحذرهم، فأمّا نفسي فكيف؟

قال: إنّ الخبيث المسترق السّمع يجيئك فيسترق، ثمّ يخرج في صورة آدميّ.

فقال عبد السّلام: فقلت: بأبي أنت وأمّي، هذا مالا حيلة له.

قال: هو ذلك.

وفي أمالي الصّدوق(٤) : قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ قال: حدّثني أبي، عن جدّه، أحمد بن أبي عبد الله، عن أحمد بن [محمد بن](٥) أبي نصر البزنطيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: كان إبليس ـ لعنه الله ـ يخترق السّموات السّبع، فلمّا ولد عيسى ـ عليه السّلام ـ حجب من ثلاث سموات وكان يخترق أربع سموات، فلمّا ولد رسول الله حجب عن السّبع كلّها، ورميت الشّياطين بالنّجوم.

وقالت قريش: هذا قيام السّاعة، كنّا نسمع أهل الكتب يذكرونه.

وقال عمرو بن أميّة، وكان من أزجر أهل الجاهليّة: انظروا هذه النّجوم الّتي يهتدى بها ويعرف بها أزمان الصّيف والشّتاء، فإن كان رمي بها فهو هلاك كلّ شيء، وإن كانت تثبت ورمي بغيرها فهو أمر حدث(٦) .

__________________

(١) قرب الاسناد / ١٣٣.

(٢) ب: السحر.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٩، ح ٣.

(٤) أمالي الصدوق / ٢٣٥ ـ ٢٣٦، ح ١.

(٥) ب: زيادة «في».

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: حديث.


وأصبحت الأصنام كلّها صبيحة مولد(١) النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ليس منها صنم(٢) إلّا وهو منكبّ على وجهه.

وارتجس في تلك اللّيلة إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة.

وغارت(٣) بحيرة ساوة، [وفاض وادي السماوة](٤) .

وخمدت نيران فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام.

ورأى المؤبّدان(٥) في تلك اللّيلة في المنام إبلا صعابا(٦) تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى(٧) من وسطه وانخرقت عليه دجلة العوراء(٨) .

وانتشر في تلك اللّيلة نور من قبل الحجاز، ثمّ استطار حتّى بلغ المشرق، ولم يبق سرير ملك من ملوك(٩) الدّنيا إلّا أصبح منكوسا والملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك.

وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السّحرة، ولم تبق كهانة(١٠) في العرب إلّا حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسمّوا: آل الله ـ عزّ وجلّ ـ.

قال أبو عبد الله الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّما سمّوا: آل الله، لأنّهم في بيت الله الحرام.

وقالت آمنة: إنّ ابني، والله، سقط فاتّقى(١١) الأرض بيديه(١٢) ، ثمّ رفع رأسه إلى السّماء فنظر إليها، ثمّ خرج منّا(١٣) نور أضاء له كلّ شيء، وسمعت في الضّوء قائلا يقول :

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولد.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: جمدت. وليس في أ، ر. وفي أ، ب: «وروم» بدل «و».

(٤) من المصدر.

(٥) المؤبدان: فقيه الفرس وحاكم المجوس، وهو للمجوس كقاضي القضاة للمسلمين.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: صغارا.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «الكسرى» بدل «الملك كسرى».

(٨) قال في البحار في بيان الحديث: أنّ كسرى كان سكّر بعض الدّجلة، أي: سدّ، وبنى عليه بناء. فلعلّه لذلك وصفوا الدّجلة بعد ذلك بالعوراء، لأنّه عور وطمّ بعضها فانخرقت عليه. ورأيت في بعض المواضع بالغين المعجمة من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: العميقة.

(٩) المصدر: مملوك.

(١٠) كذا في ب. وفي سائر النسخ: كاهنة.

(١١) ب: فالتقى.

(١٢) المصدر: بيده.

(١٣) المصدر: منّي.


إنّك قد ولدت سيّد النّاس، فسمّيه محمّدا.

وأتي به عبد المطّلب لينظر إليه، وقد بلغه ما قالت أمّه، فأخذه فوضعه في حجره، ثمّ قال :

الحمد لله الذي أعطاني

هذا الغلام الطّيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان

ثمّ عوّذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعارا.

قال: وصاح إبليس ـ لعنه الله ـ في أبالسته، فاجتمعوا إليه.

فقالوا: ما الّذي أفزعك، يا سيّدنا؟

فقال لهم: ويلكم، لقد أنكرت السّموات والأرض منذ اللّيلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ ولد(١) عيسى بن مريم، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الّذي قد حدث.

فافترقوا ثم اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئا.

فقال إبليس ـ لعنه الله ـ: أنا لهذا الأمر. ثمّ انغمس(٢) في الدّنيا فجالها حتّى انتهى إلى الحرم، فوجد الحرم محفوفا(٣) بالملائكة، فذهب ليدخل فصاحوا به فرجع، ثمّ صار مثل العصفور(٤) فدخل من قبل حراء(٥) .

فقال له جبرئيل: وراك(٦) ، لعنك الله.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: رفع.

(٢) كذا في المصدر. وفي ب: انغمز. وفي سائر النسخ: انغمر.

(٣) المصدر: محفوظا.

(٤) المصدر: الصر (الصرد) وهو العصفور بدل العصفور.

(٥) كذا في المصدر. وفي ب: الحرم وفي سائر النسخ: الحرا.

(٦) كذا في المصدر. وفي ب: ورراك. وفي سائر النسخ: وأراك.


فقال له: حرف أسألك عنه، يا جبرئيل، ما هذا الحدث [الّذي حدث](١) منذ اللّيلة في الأرض؟

فقال له: ولد محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقال له: هل لي فيه نصيب؟

قال: لا.

قال: ففي أمّته؟

قال: نعم.

[قال رضيت](٢) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: لم تزل الشّياطين تصعد إلى السّماء تتجسّس حتّى ولد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثم ذكر مقالة عمرو بن أميّة ونسبها إلى الوليد بن المغيرة.

ثمّ قال: وكان بمكّة يهوديّ يقال له: يوسف، فلمّا رأى النّجوم تتحرّك وتسير في السّماء خرج إلى نادي قريش.

فقال: يا معشر قريش، هل ولد فيكم(٤) اللّيلة مولود؟

فقالوا: لا.

فقال: أخطأتم، والتّوراة، قد ولد في هذه اللّيلة آخر الأنبياء وأفضلهم، وهو الّذي نجده في كتبنا أنّه إذا ولد ذلك النّبيّ رجمت الشّياطين وحجبوا(٥) من السّماء.

فرجع كلّ واحد إلى منزله يسأل أهله(٦) ، فقالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطّلب بن عبد مناف. (الحديث).

( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ) : بسطناها.

( وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ) : جبالا ثوابت.

( وَأَنْبَتْنا فِيها ) : في الأرض. أو فيها وفي الجبال.

( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) (١٩).

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٧٣ ـ ٣٧٤.

(٤) المصدر: منكم.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: كبّوا.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فسأل» بدل «يسأل أهله».


قيل(١) : أي: مقدّر بمقدار معيّن تقتضيه حكمته. أو مستحسن مناسب، من قولهم: كلام موزون. أو ما يوزن ويقدّر له. أو له وزن في أبواب النّعمة والمنفعة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنبت في الجبال الذّهب والفضّة والجوهر والصّفر والنّحاس والحديد والرّصاص والكحل والزّرنيخ وأشباه هذه، لا يباع إلّا وزنا.

( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) : تعيشون بها من المطاعم والملابس.

وقرئ(٣) ، بالهمزة، على التّشبيه «بشمائل».

( وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) (٢٠): عطف على «معايش». أو على محلّ «لكم»، والمراد به: العيال والخدّام والمماليك وسائر ما يظنّون أنّهم يرزقونهم ظنّا كاذبا، فإنّ الله يرزقهم [وإيّاهم](٤) .

قيل(٥) : وفذلكة(٦) الآية، الاستدال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وبشكل معيّنين مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النّبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتّفرّد في الألوهيّة والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك، ليوحّدوه ويعبدوه.

( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) قيل(٧) : أي: وما من شيء إلّا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره. أو شبّه مقدوراته بالأشياء المخزونة الّتي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد.

( وَما نُنَزِّلُهُ ) : من بقاع(٨) القدرة.

( إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (٢١): حدّه الحكمة وتعلّقت به المشيئة، فإنّ تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملا على بعض الصّفات والحالات، لا بدّ له من مخصّص حكيم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٧٤ ـ ٣٧٥.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٦) الفذلكة: مجمل ما فصّل وخلاصته.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٣٩.

(٨) كذا في نفس المصدر. وفي النسخ: كمال.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال في قوله:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) قال: «الخزانة» الماء الّذي ينزل من السّماء، فينبت لكلّ ضرب من الحيوان ما قدّر الله له من الغذاء.

وفي روضة الواعظين(٢) للمفيد ـ رحمه الله ـ: وروي جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ أنّه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البرّ والبحر.

قال: وهذا تأويل قوله:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) .

( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) قيل(٣) : حوامل، شبّه الرّيح الّتي جاءت بخير من إنشاء سحاب(٤) ماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم. أو ملقّحات للشّجر والسّحاب، ونظيره الطّوائح، بمعنى: المطيحات، في قوله :

ومختبط ممّا تطيح الطوائح.

وقرئ(٥) : «وأرسلنا الرّيح» على تأويل الجنس.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قال: الّتي تلقّح الأشجار.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا تسبّوا الرّيح، فإنّها [بشر، وإنّها نذر ،](٨) وإنّها لواقح، فاسألوا الله من خيرها وتعوّذوا به من شرّها.

( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ) : فجعلناه لكم سقيا.

( وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ) (٢٢): قادرين متمكّنين من إخراجه، نفى عنهم ما أثبته لنفسه.

أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، وذلك ـ أيضا ـ يدلّ على تدبير المدبّر، كما تدلّ حركة الماء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به النّاس، فإنّ طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حدّ لا بدّ له من سببب مخصّص.

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(٢) روضة الواعظين ١ / ٤٧.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٠.

(٤) أ، ب: حجاب.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٠.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٣٩، ح ٤.

(٨) ليس في ب.


( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ) : بإيجاد الحياة في بعض الأجسام المقابلة لها.

( وَنُمِيتُ ) : بإزالتها.

وقد أوّل الحياة بما يعمّ الحيوان والنّبات.

وتكرير الضّمير(١) ، للدّلالة على الحصر.

( وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ) (٢٣).

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أي: نرث الأرض ومن عليها.

( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) (٢٤).

قيل(٣) : من استقدم ولادة وموتا، ومن استأخر. أو من خرج من أصلاب الرّجال، ومن لم يخرج بعد. أو من تقدّم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة، أو تأخّر، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم. وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فإنّ ما يدلّ على قدرته دليل على علمه.

وقيل(٤) : رغّب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في الصّف الأوّل، فازدحموا عليه، فنزلت.

وقيل(٥) : إنّ إمرأة حسناء تصلّي خلف رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فتقدّم بعض القوم لئّلا ينظر إليها، وتأخّر بعض ليبصرها، فنزلت.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي بصير(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: هم المؤمنون من هذه الأمّة.

( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) : لا محالة للجزاء.

وتوسيط الضّمير، للدّلالة على أنّه القادر والمتولّي لحشرهم لا غير.

وتصدير الجملة «بأنّ» لتحقيق الوعد.

( إِنَّهُ حَكِيمٌ ) : باهر الحكمة، متّقن في أفعاله.

__________________

(١) أي: تكرير ضمير المتكلّم للدلالة على أنّ الإحياء والإماتة منحصران في الله ـ تعالى ـ لا يتّصف غيره بشيء منهما، فإن «نحن» من قبيل ضمير المنفصل.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٠.

(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٠، ح ٦.

(٧) المصدر: جابر.


( عَلِيمٌ ) (٢٥): وسع علمه كلّ شيء.

( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ ) : من طين يابس يصلصل، أي: يصوّت إذا نقر، وهو غير مطبوخ. فإذا طبخ، فهو فخار.

وقيل(١) : وهو من صلصل: إذا نتن، تضعيف «صل».

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: الماء المتصلصل بالطّين.

( مِنْ حَمَإٍ ) : من طين تغيّر واسودّ من طول مجاورة الماء. وهو صفة «صلصال»، أي: كائن من حمأ.

( مَسْنُونٍ ) (٢٦): مصوّر، مأخوذ من سنّة الوجه.

أو مصبوب مفرّغ، كالجواهر المذابة تصبّ في القوالب. من السّنّ وهو الصّبّ، كأنّه افرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس، حتّى إذا نقر صلصل، ثمّ غيّر ذلك طورا بعد طور حتّى سوّاه ونفخ فيه من روحه.

أو منتن. من سننت الحجر على الحجر: إذا حككته به. فإنّ ما يسيل بينهما يكون منتنا، ويسمّى: السّنين.

في حديث خلق آدم(٣) : فاغترف ـ جلّ جلاله ـ غرفة من الماء، فصلصلها فجمدت. (الحديث).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) :( حَمَإٍ ) متغيّر(٥) .

وفي نهج البلاغة(٦) : ثمّ جمع ـ سبحانه ـ من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت، ولاطها بالبلّة حتّى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمدها حتّى استمسكت(٧) ، وأصلدها حتّى صلصلت، لوقت معدود وأجل معلوم. ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٠.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(٣) تفسير نور الثقلين ٣ / ٩، ح ٢٨، نقلا عن علل الشرائع.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتغيّر.

(٦) نهج البلاغة / ٤٢، الخطبة ١.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: استمسك.


يجيلها، وفكر يتصرّف بها، وجوارح يختدمها(١) ، وأدوات يقلّبها(٢) ، ومعرفة يفرق بها بين [الحقّ والباطل و](٣) الأذواق(٤) والمشامّ والألوان والأجناس، معجونا بطينة الألوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة(٥) والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحرّ والبرد والبلّة والجمود. [والمسناة والسّرور](٦) (الحديث).

وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن، عن النّضر بن شعيب، عن عبد الغفّار الجازيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: طينة النّاصب من حمأ مسنون.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

ويحمل الحمأ المسنون في هذا الخبر على معنى أخصّ ممّا أريد به في الآية، جمعا بين الأخبار.

( وَالْجَانَ ) : أبا الجنّ.

وقيل(٨) : إبليس. ويجوز أن يراد به الجنس، كما هو الظّاهر من الإنسان، لأنّ تشعّب الجنس لـمّـا كان من شخص [واحد](٩) خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : قال: هو أبو إبليس.

وانتصابه بفعل، يفسّره.( خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ ) : خلق الإنسان.

( مِنْ نارِ السَّمُومِ ) (٢٧): من نار الحرّ الشّديد، النّافذ في المسام.

ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجرّدة، فضلا عن الأجساد المؤلّفة الّتي الغالب فيها الجزء النّاريّ، فإنّها أقبل لها من الّتي الغالب فيها الجزء الأرضي(١١) .

__________________

(١) كذا في ب، المصدر. وفي سائر النسخ: يختد منها.

(٢) كذا في ب، المصدر. وفي سائر النسخ: يقبلها.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الأدواء.

(٥) أ، ب: المختلفة. وفي ر: المختلقة.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) الكافي ٢ / ٣، ح ٢.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٠.

(٩) من المصدر.

(١٠) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥.

(١١) جواب سؤال مقدّر، وهو أنّه: كيف يخلق الحياة في النّار وهو جرم بسيط، لكنّ المشاهدة


وقوله: «من نار» باعتبار الغالب، كقوله:( خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) .

ومساق الآية، كما هو للدّلالة على كمال قدرة الله وبيان بدء خلق الثّقلين، فهو للتّنبيه على المقدّمة الثّانية الّتي يتوقّف عليها إمكان الحشر، وهو قبول الموادّ للجمع والإحياء.

وفي عيون الأخبار(١) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في هاروت وماروت حديث طويل، وفيه بعد أن مدح ـ عليه السّلام ـ الملائكة وقال: معاذ الله من ذلك، إنّ الملائكة معصومون محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله ـ تعالى ـ.

قالا: قلنا له: فعلى هذا لم يكن إبليس ـ أيضا ـ ملكا؟

فقال: لا، بل كان من الجنّ. أما تسمعان الله يقول:( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ ) ؟ فأخبر ـ عزّ وجلّ ـ أنّه كان من الجنّ، وهو الّذي قال الله ـ تعالى ـ:( وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ) .

وفي كتاب الخصال(٢) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمنا، والجانّ ولد [مؤمنا و](٣) كافرا، وإبليس ولد كافرا، وليس فيهم نتاج إنّما يبيض ويفرخ، وولده ذكور ليس فيهم إناث.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: الجنّ من ولد الجانّ، منهم مؤمنون و [منهم](٥) كافرون ويهود ونصارى، وتختلف أديانهم. والشّياطين من ولد إبليس، وليس فيهم مؤمن إلّا واحد، اسمه: هام بن هيم بن لا قيس بن إبليس، جاء إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فرآه جسيما عظيما وامرأ مهولا.

فقال له: من أنت؟

قال: أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس، كنت يوم قتل قابيل غلاما ابن أعوام، أنهي عن الاعتصام وآمر بإفساد الطّعام.

__________________

والقياس أن الحياة لا تكون إلّا في المركّب؟ فأجاب: بأنّا لا نسلّم امتناع خلق الحياة في الجسم البسيط، كما لا يمتنع خلقها في المجرّدات مع أنّها أبعد من الحياة من الجسم.

(١) العيون ١ / ٢١٠، ح ١.

(٢) الخصال ١ / ١٥٢، ح ١٨٦.

(٣) من المصدر.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧٥ ـ ٣٧٦.

(٥) من المصدر.


فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بئس لعمري الشّابّ المؤمل والكهل المؤمر.

فقال: دع عنك هذا، يا محمّد، فقد جرت توبتي على يد نوح، ولقد كنت معه في السّفينة فعاتبته على دعائه على قومه، ولقد كنت مع إبراهيم حين أُلقي في النّار فجعلها الله عليه بردا وسلاما، ولقد كنت مع موسى حين أغرق(١) الله فرعون ونجّى بني إسرائيل، ولقد كنت مع هود حين دعا على قومه فعاتبته، ولقد كنت مع صالح فعاتبته على دعائه على قومه، ولقد قرأت الكتب فكلّها تبشّرني بك، والأنبياء يقرءونك السّلام، ويقولون: أنت أفضل الأنبياء وأكرمهم، فعلّمني ممّا أنزل الله عليك شيئا.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: علّمه.

فقال هام: يا محمّد، إنّا لا نطيع إلّا نبيّا أو وصيّ نبيّ، فمن هذا؟

قال: أخي ووصيّي ووزيري ووارثي، عليّ بن أبي طالب.

قال: نعم، نجد اسمه في الكتب إليا.

فعلّمه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. فلمّا كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.

( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ ) : واذكر وقت قوله( لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (٢٨)،( فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) : عدّلت خلقته، وهيّأته لنفخ الرّوح فيه.

( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) : حتّى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي.

وأصل «النّفخ» إجراء الرّيح في تجويف جسم آخر. ولـمّا كان الرّوح يتعلّق أوّلا بالبخار اللّطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوّة الحيوانيّة فيسرى حاملا لها في تجاويف الشّرايين إلى أعماق البدن، جعل تعليقه بالبدن نفخا. فهو تمثيل لما يحصل به الحياة، وذلك لأنّ الرّوح ليس من عالم الحسّ والشّهادة، وإنّما هو من عالم الملكوت والغيب، والبدن بمنزلة قشر وغلاف وقالب له، وإنّما حياته به وهو الخلق الآخر المشار إليه بقوله ـ سبحانه ـ:( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) لا يشبه هذا الخلق.

وإضافة الرّوح إلى نفسه قد مرّ وجهها(٢) .

( فَقَعُوا لَهُ ) : فاسقطوا له( ساجِدِينَ ) (٢٩). أمر، من وقع، يقع.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: غرّق.

(٢) أي: في سورة النّساء.


في كتاب علل الشّرائع(١) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: قال الله ـ جلّ جلاله ـ للملائكة:( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) . وكان ذلك من الله ـ عزّ وجلّ ـ تقدمة منه(٢) إلى الملائكة في آدم ـ عليه السّلام ـ من قبل أن يخلقه احتجاجا منه عليهم.

قال: فاغترف ـ تبارك وتعالى ـ غرفة من الماء العذب الفرات فصلصلها فجمدت، ثمّ قال لها: منك أخلق النّبيّين والمرسلين وعبادي الصّالحين والأئمّة المهديّين(٣) الدّعاة إلى الجنّة وأتباعهم إلى يوم القيامة ولا أبالي، ولا اسال عمّا أفعل وهم يسألون، يعني بذلك: خلقه أنّه [يسألهم. ثمّ](٤) .

اغترف من الماء المالح الأجاج فصلصلها فجمدت، ثمّ قال لها: منك أخلق الجبّارين والفراعنة والعتاة، إخوان الشّياطين والدّعاة إلى النّار إلى يوم القيامة وأتباعهم [ولا أبالي](٥) ولا اسال عمّا أفعل وهم يسألون.

قال: وشرط في ذلك البداء، ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء.

ثمّ خلط الماءين فصلصلها، ثمّ ألقاهما قدّام عرشه، وهما سلالة(٦) من طين، ثمّ أمر الملائكة الأربعة: الشّمال والدّبور والصّبا والجنوب، أن جولوا على هذه السلالة(٧) الطّين، وأبروها وانسموها، ثمّ جزّوها وفصّلوها، وأجروا إليها الطّبائع الأربعة: الرّيح والمرّة والدّم والبلغم.

قال: فجالت(٨) الملائكة عليها، وهي الشّمال والصّبا والجنوب والدّبور، فأجروا فيها الطّبائع الأربعة.

قال: والرّيح في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الشّمال.

قال: والبلغم في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الصّبا(٩) . والمرّة في الطّبائع

__________________

(١) العلل ١ / ١٠٤ ـ ١٠٦، ح ١.

(٢) المصدر: «تقدم» بدل «تقدمة منه».

(٣) المصدر: المهتدين.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي ب: ثلة.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الثلاثة.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فجاءت.

(٩) المصدر: زيادة «قال».


الأربعة في البدن من ناحية الجنوب(١) . والدّم في الطّبائع الأربعة في البدن من ناحية الدّبور(٢) .

قال فاستقلّت النّسمة وكمل البدن.

قال: فلزمه من ناحية الرّيح حبّ الحياة وطول الأمل والحرص، ولزمه من ناحية البلغم حبّ الطّعام والشّراب واللّين والرّفق، ولزمه من ناحية المرّة الغضب والسّفه والشّيطنة والتّجبّر والتّمرّد والعجلة، ولزمه من ناحية الدّم حبّ(٣) النّساء واللّذّات وركوب المحارم والشّهوات.

قال عمرو: أخبرني جابر، أنّ أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: وجدناه في كتاب من كتب عليّ ـ عليه السّلام ـ.

وبإسناده(٤) إلى إسحاق القمّي: عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: لـمّـا كان الله متفردا بالوحدانيّة ابتدأ الأشياء لا من شيء، فأجرى الماء العذب على أرض طيّبة طاهرة سبعة أيّام مع لياليها، ثمّ نضب الماء عنها، فقبض من صفاء(٥) ذلك الطين، وهي طينتنا(٦) أهل البيت، ثمّ قبض قبضة من أسفل ذلك الطّين(٧) ، وهي طينة شيعتنا، ثمّ اصطفانا لنفسه، فلو أنّ طينة شيعتنا تركت، كما تركت طينتنا، لما زنى أحد منهم ولا سرق ولا لاط ولا شرب المسكر ولا ارتكب(٨) شيئا ممّا ذكرت.

ولكنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيّام ولياليها، ثمّ نضب الماء عنها، ثمّ قبض قبضة، وهي طينة ملعونة من حمأ مسنون، وهي طينة خبال، وهي طينة أعدائنا، فلو أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ترك طينتهم، كما أخذها، لم تروهم في خلق الآدميّين، ولم يقرّوا بالشّهادتين، ولم يصوموا ولم يصلّوا ولم يزكّوا ولم يحجّوا البيت، ولم تروا أحدا منهم بحسن خلق.

ولكنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ جمع الطّينتين: طينتكم وطينتهم، فخلطهما وعركهما

__________________

(١) المصدر: الدبور. وفيه: زيادة «قال».

(٢) المصدر: الجنوب.

(٣) يوجد في المصدر، ن.

(٤) العلل / ٤٩٠ ـ ٤٩١، ح ١.

(٥) المصدر: صفوة.

(٦) المصدر: طينة.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: الطينة.

(٨) المصدر: اكتسب.


عرك(١) الأديم، ومزجهما(٢) بالمائين. فما رأيت من أخيك المؤمن من مباشرة لواط(٣) ، أو زنا، أو شيء ممّا ذكرت من شرب مسكر أو غيره، فليس من جوهريّته ولا من إيمانه، إنّما هو بمسحة النّاصب اجترح هذه السّيّئات الّتي ذكرت. وما رأيت من النّاصب من حسن وجه وحسن خلق، أو صوم أو صلاة أو حجّ بيت الله أو صدقة أو معروف، فلبس من جوهريّته، إنّما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها، وهو اكتساب مسحة الإيمان.

وفي أصول الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن أبن أذينة، عن الأحول قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الرّوح الّتي في آدم قوله:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) .

قال: هذه روح مخلوقة، والرّوح الّتي في عيسى مخلوقة.

عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بحر(٦) ، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عمّا يروون، أنّ الله خلق آدم على صورته.

قال: هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر الصّور المختلفة، فأضافها إلى نفسه، كما أضاف الكعبة إلى نفسه والرّوح إلى نفسه، فقال: «بيتي»،( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) .

وفي كتاب التّوحيد(٧) ، بإسناده إلى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) .

قال: روح اختاره الله واصطفاه وخلقه، وأضافه إلى نفسه وفضّله على جميع الأرواح، فنفخ منه في آدم.

وبإسناده(٨) إلى أبي جعفر الأصمّ قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن الرّوح الّتي في آدم، والّتي في عيسى، ما هما؟

قال: روحان مخلوقان اختارهما الله واصطفاهما، روح آدم وروح عيسى ـ صلوات

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فركها فرك.

(٢) المصدر: ومزجها.

(٣) المصدر: «شر لفظ» بدل «مباشرة لواط».

(٤) الكافي ١ / ١٣٣، ح ١.

(٥) الكافي ١ / ١٣٤، ح ٤.

(٦) كذا في جامع الرواة ١ / ٤٧٢. وفي ب: فجر.

(٧) التوحيد / ١٧٠، ح ١.

(٨) التوحيد / ١٧٢، ح ٤.


الله عليهما ـ.

وبإسناده(١) إلى أبي بصير: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) قال: من قدرتي.

وبإسناده(٢) إلى عبد الكريم بن عمرو: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ خلق خلقا وخلق روحا، ثمّ أمر ملكا فنفخ فيه، فليست بالّتي نقصت من [قدرة](٣) الله شيئا من قدرته(٤) .

وبإسناده(٥) إلى عبد الحميد الطّائي: عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) كيف هذا النّفخ؟

فقال: إنّ الرّوح متحرّك كالرّيح، وإنّما سمّي: روحا، لأنّه اشتقّ اسمه من الرّيح، وإنّما أخرجت على لفظة(٦) الرّوح لأنّ الرّوح مجانس للرّيح، وإنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيت من البيوت، فقال: «بيتي»، وقال لرسول من الرّسل: خليلي، وأشباه ذلك، كلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدّبر.

وفي الكافي(٧) ، مثل هذا الحديث الأخير سواء.

وفي قرب الإسناد(٨) للحميريّ، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ: أنّ روح آدم ـ عليه السّلام ـ لـمّـا أمرت أن تدخل فكرهته، فأمرها الله أن تدخل كرها وتخرج كرها.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) .

قال: روح خلقها الله، فنفخ في آدم منها.

__________________

(١) نفس المصدر والصفحة، ح ٥.

(٢) التوحيد / ١٧٢، ح ٦.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: قدرة الله.

(٥) نفس المصدر والصفحة، ح ٣.

(٦) المصدر: أخرجه على لفظ.

(٧) الكافي ١ / ١٣٣ ـ ١٣٤، ح ٣.

(٨) قرب الاسناد / ٣٨.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤١، ح ٨.


عن أبي بصير(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) قال: خلق خلقا وخلق روحا، ثمّ أمر الملك فنفخ فيه، وليست بالّتي نقصت من الله شيئا، هي من قدرته ـ تبارك وتعالى ـ عنه(٢) .

وفي رواية سماعة(٣) ، عنه: خلق آدم فنفخ فيه وسألته عن الرّوح، قال: هي من قدرته من الملكوت.

وفي كتاب بصائر الدّرجات(٤) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ [قال](٥) : مثل المؤمن وبدنه، كجوهرة في صندوق، إذ أخرجت الجوهرة منه طرح الصّندوق ولم يعبأ(٦) به.

وقال: إنّ الأرواح لا تمازج البدن ولا تداخله، إنّما هي(٧) كالكلل للبدن محيطة به.

وفي كتاب الاحتجاج(٨) : عنه ـ عليه السّلام ـ: الرّوح لا يوصف بثقل ولا خفّة، هي جسم رقيق البس قالبا كثيفا، فهي بمنزلة الرّيح في الزّقّ، فإذا نفخت فيه امتلأ الزّقّ منها، فلا يزيد في وزن الزّق ولوجها(٩) ولا ينقصه(١٠) خروجها(١١) ، وكذلك الرّوح ليس لها ثقل ولا وزن.

قيل: أفيتلاشى(١٢) الرّوح بعد خروجه عن قالبه، أم هو باق؟

قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصّور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حسّ ولا محسوس، ثمّ أعيدت الأشياء، كما بدأها مدبّرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت(١٣) فيها الخلق، وذلك بين النّفختين.

وقال ـ عليه السّلام ـ أيضا: إنّ الرّوح مقيمة في مكانها، و(١٤) روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا. (الحديث).

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤١، ح ١٠.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) نفس المصدر والموضع، ح ١١.

(٤) البصائر / ٤٨٣، ح ١٢.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: لم تتعب.

(٧) المصدر: هو.

(٨) الاحتجاج ٢ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠.

(٩) أي: دخولها.

(١٠) المصدر: لا ينقصها.

(١١) المصدر: زيادة «منه».

(١٢) المصدر: أفتتلاشى.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: نسيت.

(١٤) ليس في المصدر.


وروي(١) أنّه قال: وبها يؤمر [البدن](٢) وينهى، ويثاب ويعاقب، وقد تفارقه، ويلبسها الله ـ سبحانه ـ غيره، كما تقتضيه حكمته.

وليعلم أنّ الأرواح متعدّدة في بدن الإنسان، ويزيد عددها بزيادة صاحبها في الفضل والشّرف، كما استفاض فيه الأخبار عن الأئمّة الأطهار ـ سلام الله عليهم ـ: ففي الكافي(٣) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه جاء رجل إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أناسا زعموا أنّ العبد لا يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن، ولا يأكل الرّبا وهو مؤمن، ولا يسفك الدّم وهو مؤمن. فقد ثقل عليّ هذا وحرج منه صدري حين أزعم أنّ هذا العبد يصلّي صلاتي، ويدعو دعائي، ويناكحني(٤) وأناكحه، ويوارثني وأوارثه، وقد خرج من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه.

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: صدقت(٥) ، سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: والدّليل عليه كتاب الله، خلق الله النّاس ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاثة منازل(٦) ، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في الكتاب:( أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) ، و( أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ ) .

فأمّا ما ذكره من امرّ(٧) السّابقين فإنّهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين، جعل الله فيهم خمسة أرواح، روح القدس، وروح الإيمان، وروح القوّة، وروح الشّهوة، وروح البدن.

__________________

(١) تفسير الصافي ٣ / ١٠٩.

(٢) من المصدر.

(٣) الكافي ٢ / ٢٨١ ـ ٢٨٤، ح ١٦.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ينكاحني.

(٥) أي: صدقوك فيما زعموا، وليس بالّذي يخرج من دين الله. إن قيل: قد ثبت أنّ الإنسان إنّما يبعث على ما مات عليه، فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا؟ قلت: لما كان مانعه عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا فلمّا زال ذلك بالموت برزت له معارفه الّتي كانت كامنة في ذاته بخلاف من لم تحصل له المعرفة أصلا فإنّه ليس في ذاته شيء ليبرز له. «الوافي».

(٦) ثلاث منازل عبارة عن ثلاث مراتب مذكورة للأرواح الثّلاثة. وحاصل الجواب أن مرتكب الكبيرة بدون الإصرار ليس داخلا في أصحاب المشأمة فإنّ المذكور في مرتبتهم أنّهم كانوا يصرّون على الحنث العظيم فهم داخلون في أصحاب الميمنة.

(٧) أي: أقوى وأعقل. مأخوذ من المرّة، وهي القوّة وشدّة العقل.


فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين، وبها علموا الأشياء.

وبروح الإيمان عبدوا الله، ولم يشركوا به شيئا.

وبروح القوّة جاهدوا عدوّهم، وعالجوا معاشهم.

وبروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام، ونكحوا الحلال من شباب النّساء.

وبروح البدن دبّوا(١) ودرجوا. فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.

ثم قال: قال الله ـ تعالى ـ:( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) . ثمّ قال في جماعتهم:( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) يقول: أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم. فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم.

ثمّ ذكر أصحاب الميمنة، وهم المؤمنون حقّا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، وروح القوّة، وروح الشّهوة، وروح البدن. فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتّى يأتي عليه حالات.

فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين، ما هذه الحالات؟

فقال: أمّا أولاهنّ، فهو كما قال الله:( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) فهذا ينتقص منه جميع الأرواح، وليس بالّذي يخرج من دين الله، لأنّ الفاعل به ردّه إلى أرذل العمر(٢) ، فهو لا يعرف للصّلاة وقتا ولا يستطيع التّهجّد باللّيل ولا بالنّهار ولا القيام في الصّف مع النّاس، فهذا نقصان من روح الإيمان وليس يضرّه شيئا(٣) . ومنهم من ينتقص منه روح القوّة، فلا يستطيع جهاد عدوّه ولا يستطيع طلب المعيشة. ومنهم من ينتقص منه روح الشّهوة، فلو مرّت به أصبح(٤) بنات آدم لم يحنّ إليها ولم يقم. ويبقى روح البدن فيه فهو يدبّ ويدرج حتّى يأتيه ملك الموت، فهذا بحال(٥) خير لأنّ الله هو الفاعل به. وقد يأتي عليه حالات في قوّته وشبابه فيهمّ بالخطيئة، فيشجّعه(٦) روح القوّة ويزين له روح الشّهوة ويقوده روح البدن حتّى يوقعه(٧) في الخطيئة.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ربوا.

(٢) المصدر: عمره.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: شيء.

(٤) أي: أجمل.

(٥) المصدر: الحال.

(٦) أ، ب: فيشخصه.

(٧) المصدر: توقعه.


فإذا لامسها نقص من الإيمان وتفصّى منه، فليس يعود فيه حتّى يتوب. فإذا تاب تاب الله عليه، وإن عاد أدخله الله نار جهنّم.

فأمّا أصحاب المشأمة فهم اليهود والنّصارى، يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) يعرفون محمّدا والولاية في التّوراة والإنجيل، كما يعرفون أبناءهم في منازلهم( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أنّك الرّسول إليهم( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) . فلمّا جحدوا ما عرفوا ابتلاهم [الله](١) بذلك، فسلبهم روح الإيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوّة، وروح الشّهوة، وروح البدن. ثمّ أضافهم إلى الأنعام فقال:( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ) لأنّ الدّابّة إنّما تحمل بروح القوّة، وتعتلف بروح الشّهوة، وتسير بروح البدن.

فقال [له](٢) السّائل: أحييت قلبي بإذن الله، يا أمير المؤمنين.

وروي(٣) عن كميل بن زياد أنّه قال: سألت مولانا أمير المؤمنين، عليّا ـ عليه السّلام ـ فقلت: يا أمير المؤمنين، أريد أن تعرّفني نفسي.

قال: يا كميل، وأيّ الأنفس تريد أن أعرّفك؟

قلت: يا مولاي، هل هي إلّا نفس واحدة؟

قال: يا كميل، إنّما هي أربعة: النّامية النّباتيّة، والحسّيّة الحوانيّة، والنّاطقة القدسيّة، والكلّيّة الإلهيّة.

ولكلّ واحدة من هذه خمس قوى وخاصّيتان: فالنّاميّة النّباتيّة لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربيّة.

ولها خاصيّتان: الزّيادة والنّقصان. وانبعاثها من الكبد.

والحسّيّة الحيوانيّة لها خمس قوى: سمع، وبصر، وشمّ، وذوق، ولمس. ولها خاصّيتان: الرّضا والغضب. وانبعاثها من القلب.

والنّاطقة القدسيّة لها خمس قوى: فكر، وذكر، وعلم، وحلم، ونباهة. وليس لها انبعاث، وهي أشبه الأشياء بالنّفوس الملكيّة. ولها خاصّيتان: النّزاهة والحكمة.

__________________

(١ و ٢) من المصدر مع المعقوفتين.

(٣) لم أجد الحديث في المصادر المعتبرة وانّما أورده العلامة المجلسي في البحار ٦١ / ٨٤ ـ ٨٥. ولم يستند بكتاب وقال: وقد روى بعض الصوفية في كتبهم عن كميل بن زياد.


والكلّيّة الإلهية لها خمس قوى: بقاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعزّ في ذلّ، وفقر في غناء، وصبر في بلاء. ولها خاصّيتان: الرّضا والتّسليم. وهذه هي الّتي مبدؤها من الله وإليه تعود، قال الله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) . وقال ـ تعالى ـ:( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) . والعقل وسط الكلّ.

( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) (٣٠).

بتأكيدين، للمبالغة في التّعميم، ومنع التّخصيص.

وقيل(١) : أكدّ «بالكلّ» للإحاطة، و «بأجمعين» للدّلالة على أنّهم سجدوا مجتمعين دفعة. واعترض بأنّه لو كان الأمر كذلك، كان الثّاني حالا لا تأكيدا(٢) .

( إِلَّا إِبْلِيسَ ) : إن جعل منقطعا اتّصل به قوله:( أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) (٣١)، أي: ولكنّ إبليس أبى. وإن جعل متّصلا كان استئنافا، على أنّه جواب سائل قال: هل سجد؟

( قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ ) ، أي: أيّ شيء عرض لك في أن لا تكون( مَعَ السَّاجِدِينَ ) (٣٢): لآدم ـ عليه السّلام ـ.

( قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ ) «الّلام» لتأكيد النّفي، أي: لا يصحّ منّي وينافي حالي أن أسجد( لِبَشَرٍ ) : جسمانيّ كثيف، وأنا ملك روحانيّ.

( خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (٣٣): وهو أخسّ العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم باعتبار الأصل، غرّته الحميّة وغلبت عليه الشّقوة. وقد سبق الجواب في سورة الأعراف.

( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها ) : من المنزلة الّتي أنت عليها من السّماء. أو زمرة الملائكة.

( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) (٣٤): مطرود من رحمة الله والكرامة، فإنّ من يطرد يرجم بالحجر.

في كتاب معاني الأخبار(٣) ، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: سمعت أبا الحسين، عليّ بن محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ يقول: معنى الرّجيم: أنّه

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤١.

(٢) يعني: يجب أن يكون «أجمعين» منصوبا بالحاليّة، لا مرفوعا بأنّه تأكيد.

(٣) المعاني / ١٣٩، ح ١.


مرجوم باللّعن مطرود من [مواضع](١) الخير، لا يذكره مؤمن إلّا لعنه. وأنّ في علم الله السّابق [أنّه](٢) إذا خرج القائم ـ عليه السّلام ـ لا يبقى مؤمن في زمانه إلّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوما باللّعن(٣) .

( وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) : هذا الطّرد والإبعاد( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) (٣٥): فإنّه منتهى أمد اللّعن، لأنّه يناسب أيّام التّكليف. ومنه زمان الجزاء وما في قوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) بمعنى آخر ينسى عنده هذه.

وقيل(٤) : إنّما حدّ اللّعن به، لأنّه أبعد غاية يضر بها النّاس، أو لأنّه يعذّب فيه بما ينسى اللّعن معه فتصير كالزّائل.

( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي ) : فأخّرني.

و «الفاء» متعلّقة بمحذوف دل عليه( فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) .

والمعنى: إذا طردتني فأخّرني( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (٣٦).

أراد أن يجد فسحة في الإغواء، أو نجاة من الموت إذ لا موت بعد أن يجد وقت البعث. فأجابه إلى الأوّل دون الثّاني( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) (٣٧)( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (٣٨): المسمّى فيه أجلك عند الله.

وفي كتاب الخصال(٥) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: رنّ(٦) إبليس أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، وحين اهبط إلى الأرض.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى يحيى بن أبي العلاء الرّازيّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه وقد سئل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ لإبليس:( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) .

قال ـ عليه السّلام ـ: ويوم الوقت المعلوم يوم ينفخ في الصّور نفخة واحدة، فيموت إبليس ما بين النّفخة الأولى والثّانية.

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤١.

(٥) الخصال ١ / ٢٦٣، ح ١٤١.

(٦) رنّ الرجل: صاح ورفع صوته بالبكاء.

(٧) العلل / ٤٠٢، ح ٢.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عنه ـ عليه السّلام ـ قال: يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على الصّخرة الّتي في بيت المقدّس.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن وهب بن جميع، مولى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول إبليس:( فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) . قال له وهب: جعلت فداك، أيّ يوم هو؟

قال: يا وهب، أتحسب(٣) أنّه يوم يبعث الله فيه النّاس؟ إنّ الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله، من هذا اليوم. فيأخذ ناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم.

وبين الأخبار الثّلاثة اختلاف من وجوه: الأوّل، أنّ في بعضها أنّه يموت بين النّفختين، وفي بعضها أنّه قتيل. ويمكن دفعه بأنّه يقتل وقت الرّجعة، ثمّ يحيى ثمّ يموت بالنّفخة، بناء على بعض أحاديث الرّجعة أنّ كلّ نفس تذوق موتة وقتلة.

الثّاني والثّالث، أنّ في بعضها أنّه يقتله القائم في مسجد الكوفة، وفي بعضها أنّه يذبحه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بيت المقدس. ويمكن دفعه بحمل القتل على المتعدّد.

عن الحسن بن عطيّة(٤) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ إبليس عبد الله في السّماء الرّابعة في ركعتين ستّة آلاف(٥) سنة، وكان إنظار الله إيّاه إلى يوم الوقت المعلوم ممّا سبق من تلك العبادة.

عن أبان(٦) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ عليّ بن الحسين إذا أتى الملتزم(٧) قال: أللّهمّ، إنّ عندي أفواجا من ذنوب وأفواجا من خطايا، وعندك أفواج من رحمة وأفواج من مغفرة، يا من استجاب لأبغض خلقه إليه إذ قال:( فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٤٥.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٢، ح ١٤.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: تحب.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٢، ح ١٣.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الالف.

(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٢.

(٧) الملتزم: دبر الكعبة. سمي به لأن الناس يعتنقونه، أي: يضمونه إلى صدورهم.


استجب لي، وأفعل بي كذا وكذا.

( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ) قيل(١) : «الباء» للقسم، و «ما» مصدريّة وجوابه( لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) .

والمعنى: أقسم بإغوائك إيّاي، وهو تكليفي بما يوقعني في الغواية، لأزيّننّ لهم المعاصي في الدّنيا الّتي هي دار الغرور.

وقيل(٢) : للسّببيّة.

( وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (٣٩): ولأحملنّهم أجمعين على الغواية.

وفي نهج البلاغة(٣) : قال ـ عليه السّلام ـ: لعمري، لقد فوّق لكم(٤) سهم الوعيد، وأغرق(٥) إليكم(٦) بالنّزع الشّديد، ورماكم من مكان قريب فقال:( رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) قذفا بغيب بعيد ورجما بظنّ [غير](٧) مصيب، صدّقه به أبناء الحميّة وإخوان العصبيّة وفرسان الكبر والجاهليّة.

( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (٤٠): أخلصتهم لطاعتك وطهّرتهم من الشّوائب، فلا يعمل فيهم كيدي.

وقرأ(٨) ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، بالكسر، في كلّ القرآن، أي: الّذين أخلصوا نفوسهم لله.

وفي كتاب معاني الأخبار(٩) : حدّثنا أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه قال: جاء جبرئيل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال له النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا جبرئيل، ما تفسير الإخلاص؟

قال(١٠) : المخلص الّذي لا يسأل النّاس شيئا حتّى يجد، وإذا وجد رضي، وإذا بقي عنده شيء أعطاه [في الله](١١) فإنّ [من](١٢) لم يسأل المخلوق [فقد](١٣) أقرّ الله ـ عزّ وجلّ ـ

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٣) نهج البلاغة / ٢٨٧، الخطبة ١٩٢.

(٤) ب: عليكم.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أفوق.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لكم.

(٧) من المصدر.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٩) المعاني / ٢٦١، ح ١.

(١٠) ب: زيادة «الإخلاص».

(١١ و ١٢ و ١٣) من المصدر.


بالعبوديّة، وإذا وجد فرضي فهو عند الله راض والله ـ تبارك وتعالى ـ عنه راض، وإذا أعطى لله ـ عزّ وجلّ ـ فهو على حدّ الثّقة بربّه ـ عزّ وجلّ ـ.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَ ) : حقّ عليّ أن أراعيه.

( مُسْتَقِيمٌ ) (٤١): لا انحراف عنه.

والإشارة، إلى ما تضمّنه الاستثناء، وهو تخليص المخلصين من إغوائه. أو الإخلاص على معنى: أنّه طريق عليّ يؤدّي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج وضلال.

وقرئ(١) : «عليّ(٢) » قيل: علوّ الشرف.

وفي اصول الكافي(٣) : أحمد عن(٤) عبد العظيم، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال:( هذا صِراطٌ عَلَيَ ) (٥) ( مُسْتَقِيمٌ ) .

وهو يحتمل الرفع والإضافة.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي جميلة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبي جعفر، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ(٧) عن قوله:( هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ) قال: هو أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.

وفي مجمع البيان(٨) : قرأ يعقوب: «هذا صراط عليّ» بالرّفع. وروي ذلك عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.

( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) (٤٢) :

تصديق لإبليس فيما استثناه، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين(٩) ، ولأنّ المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشّيطان عنهم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٢) أي: بالرفع، على وزن فعيل.

(٣) الكافي ١ / ٤٢٤، ح ٦٣.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.

(٥) يوجد في ب، المصدر.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٢، ح ١٥.

(٧) المصدر: «عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أخيه» بدل «عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن أبي جعفر، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ»

(٨) المجمع ٣ / ٣٣٦.

(٩) أي: تغيير وضع النظم، فإنّ فيما سبق كان المستثنى منه الناس والمستثنى المخلصين وهاهنا العباد المستثنى منه «والغاوين» المستثنى.


أو تكذيب له فيما أوهم أنّ له سلطانا على من ليس بمخلص من عباده، فإنّ منتهى تزيينه التّحريض والتّدليس، كما قال:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا(١) .

وفي كتاب معاني الأخبار(٢) ، بإسناده إلى عليّ بن النّعمان: عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) قال: ليس على هذه العصابة خاصّة سلطان.

قال: قلت: وكيف، جعلت فداك، وفيهم ما فيهم؟

قال: ليس حيث تذهب، إنّما قوله:( لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) أن يحبّب إليهم الكفر، ويبغض إليهم الإيمان.

وفي روضة الكافي(٣) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم الله في كتابه، فقال:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) . والله، ما أراد بهذا إلّا الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ وشيعتهم.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: أرأيت قول الله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) ما تفسير هذه الآية؟

قال: قال الله: إنّك لا تملك أن تدخلهم جنّة ولا نارا.

عن أبي بصير(٥) قال: سمعت جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ وهو يقول: نحن أهل [بيت](٦) الرّحمة وبيت النّعمة وبيت البركة، ونحن في الأرض بنيان(٧) وشيعتنا عرى(٨) الإسلام، وما كانت دعوة إبراهيم إلّا لنا ولشيعتنا، ولقد استثنى الله إلى يوم القيامة على إبليس فقال:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) .

__________________

(١) أي: إذا كان المراد أن ليس له سلطان وحكم عليهم يكون الاستثناء منقطعا، لأنّه نفى أن يكون له سلطان عليهم مطلقا. فلو كان الاستثناء متّصلا لزم أن يكون له سلطان على الغاوين، وليس كذلك.

(٢) المعاني / ١٥٨، ح ١.

(٣) الكافي ٨ / ٣٥، ح ٦.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٢، ح ١٦.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٣، ح ١٨.

(٦) من المصدر.

(٧) كذا في ب، المصدر. وفي سائر النسخ: نبيّا.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: عرس.


عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(١) : إذا كان يوم القيامة يؤتى بإبليس في سبعين غلّا وسبعين كبلا(٢) ، فينظر الأوّل إلى زفر في عشرين ومائة غلّ، فينظر إبليس فيقول: من هذا الّذي أضعف الله له العذاب، وأنا أغويت هذا الخلق جميعا؟

فيقال: هذا زفر. فيقال: بما حدّ له هذا العذاب؟

فيقال: ببغيه على عليّ ـ عليه السّلام ـ.

فيقول له إبليس: ويل لك وثبور لك، أما علمت أنّ الله أمرني بالسّجود لآدم فعصيته، وسألته أن يجعل لي سلطانا على محمّد وأهل بيته وشيعته فلم يجبني إلى ذلك، وقال:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) .

( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ) : لموعد الغاوين، أو المتّبعين.

( أَجْمَعِينَ ) (٤٣): تأكيد للضّمير. أو منصوب حال، والعامل فيها «الموعد» إن جعلته [مصدرا على تقدير مضاف(٣) ، أي: مكان وعدهم. ومعنى الإضافة إن جعلته](٤) اسم مكان(٥) فإنّه لا يعمل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ فوقوفهم(٧) على الصّراط.

( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) قيل(٨) : يدخلون منها لكثرتهم(٩) . أو طبقات(١٠) ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة: وهي جهنّم، ثمّ لظى، ثمّ الحطمة، ثمّ السّعير، ثمّ السّقر، ثمّ الجحيم، ثمّ الهاوية.

ولعلّ تخصيص العدد، لانحصار مجامع المهلكات في الرّكون إلى المحسوسات ومتابعة القوّة الشّهويّة والغضبيّة.

أو لأنّ أهلها سبع فرق.

( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ ) : من الأتباع.

__________________

(١) نور الثقلين ٣ / ١٦، ح ٥٨.

(٢) الكبل: القيد.

(٣) أي: على «وإن جهنّم لمحلّ موعدهم».

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) فيقدّر: فعل هكذا موعد ينسب إليهم.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٧٦.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقفوهم.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٩) أي: لكثرة الداخلين فيها فيناسب تعدّد الأبواب حتّى لا يحتاج دخولهم إلى طول زمان.

(١٠) أي: فتكون الأبواب إشارة للطبقات باعتبار اشتمالها على الأبواب.


( جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) (٤٤): افرز له.

وقرأ(١) أبو بكر: «جزء» بالتّثقيل.

وقرئ(٢) : «جز» على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزّاء، ثمّ الوقف عليه بالتّشديد، ثمّ أجرى الوصل مجرى الوقف(٣) . و «منهم» حال منه(٤) ، أو من المستكنّ في الظّرف لا في «مقسوم» لأنّ الصّفة لا تعمل فيما تقدّم موصوفها(٥) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : بلغني، والله أعلم، أنّ الله جعلها سبع درجات: أعلاها الجحيم، اسم جبل من جبال جهنّم، يقوم أهلها على الصّفا منها، تغلي أدمغتهم فيها، كغلي القدور بما فيها.

والثّانية( لَظى، نَزَّاعَةً لِلشَّوى، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعى ) .

والثّالثة( سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ) .

والرّابعة الحطمة( إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ ) تدّق من صار إليها مثل الكحل فلا تموت الرّوح، كلّما(٧) صاروا مثل الكحل عادوا.

والخامسة الهاوية، فيها مالك(٨) ، يدعون: يا مالك، أغثنا. فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار، فيها صديد ما(٩) يسيل من جلودهم، كأنّه مهل، فإذا رفعوه ليشربوا منه تساقط(١٠) لحم وجوههم(١١) من شدّة حرّها، وهو قول الله:( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) . ومن هوى فيها هوى سبعين عاما في النّار، كلّما احترق جلده بدّل جلدا غيره.

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٣) بأن شدّد الرّاء في الوصل.

(٤) وتقديمه على صاحبه، وهو الجزء، لكون الحال نكره وكونه حالا منه لأنّ الجزء فاعل الظّرف، فيكون التقدير: لكل باب جزء مقسوم منهم أو حال من المستكنّ في الظرف وهو «لكل باب» وهذا إذا كان «جزء» مبتدأ قدم عليه الخبر.

(٥) أي: لزم ممّا ذكر أن يكون المقسوم عاملا في الحال الذي هو «منهم» وهو مقدّم على الجزء الذي هو موصوف المقسوم وهذا غير جائز عندهم.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٧٦ ـ ٣٧٧.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: كلّها.

(٨) المصدر: ملك.

(٩) المصدر: ماء.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: تساقطت.

(١١) المصدر: زيادة «فيها».


والسّادسة هي السّعير، فيها ثلاثمائة سرادق من نار، في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار، في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار، في كلّ بيت ثلاثمائة لون من العذاب(١) [من غير عذاب النّار](٢) فيها حيّات من نار وعقارب من نار وجوامع من نار وسلاسل [من نار](٣) وأغلال من نار، وهو الّذي يقول الله:( إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً ) .

والسّابعة جهنّم، وفيها(٤) الفلق، وهو جبّ في جهنّم إذا فتح أسعر النّار سعرا، وهو أشدّ النّار عذابا. [وأمّا صعود فجبل من صفر من نار وسط جهنّم، وأمّا آثاما فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل، فهو أشد النّار عذابا](٥) .

وفي كتاب الخصال(٦) ، في سؤال بعض اليهود عليّا ـ عليه السّلام ـ عن الواحد إلى المائة: قال له اليهوديّ: فما السّبعة؟

قال: سبعة أبواب النّار متطابقات.

عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(٧) ، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: إنّ للنّار سبعة أبواب باب يدخل منه فرعون وهامان وقارون. وباب يدخل منه المشركون والكفّار، من لم يؤمن بالله طرفة عين. وباب يدخل منه بنو أميّة، هو لهم خاصّة لا يزاحمهم يه أحد(٨) ، وهو باب لظى، وهو باب سقر، وهو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفا، فكلّما هوى بهم سبعين خريفا فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفا، ثمّ هوي بهم هكذا سبعين خريفا، فلا يزالون هكذا أبدا خالدين مخلّدين. وباب يدخل منه مبغضونا ومحاربونا وخاذلونا، وأنّه لأعظم الأبواب وأشدّها حرّا.

قال محمّد بن الفضيل(٩) الرّزقيّ: فقلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: الباب الّذي ذكرت عن أبيك عن جدّك ـ عليهما السّلام ـ أنّه يدخل منه بنو أميّة، يدخله من مات منهم على الشّرك أو من أدرك الإسلام منهم؟

__________________

(١) المصدر: عذاب النار.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) ليس في النار.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيهم.

(٥) ليس في أ، ب.

(٦) الخصال ٢ / ٥٩٧، ح ١.

(٧) الخصال ٢ / ٣٦١، ح ٥١.

(٨) ليس في أ، ب.

(٩) أ، ب: الفضل.


فقال: لا أمّ لك، ألم تسمعه يقول: وباب يدخل منه المشركون والكفّار. فهذا باب يدخل منه(١) كلّ مشرك وكلّ كافر لا يؤمن بيوم الحساب، وهذا الباب الآخر يدخل منه بنو أميّة هو لأبي سفيان ومعاوية وآل مروان خاصّة، يدخلون من [ذلك](٢) الباب فتحطّمهم النّار فيه(٣) حطما لا يسمع لهم(٤) واعية ولا يحيون فيها ولا يموتون.

وفي مجمع البيان(٥) :( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) فيه قولان: أحدهما، ماروي عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض ـ ووضع أحدى يديه على الأخرى ـ فقال: هكذا. وأنّ الله وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها(٦) فوق بعض: فأسفلها جهنّم، وفوقها لظى، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السّعير، وفوقها الهاوية.

وفي رواية الكبيّ(٧) : أسفلها الهاوية، وأعلاها جهنّم.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي بصير قال: يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب: بابها الأوّل للظالم وهو زريق(٩) . وبابها الثّاني لحبتر(١٠) والباب الثّالث للثّالث. والرّابع لمعاوية والخامس لعبد الملك. والسّادس لعسكر بن هوسر(١١) والسّابع لأبي سلامة(١٢) . فهم أبواب لمن اتّبعهم.

وفي تهذيب الأحكام(١٣) : محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن ابن

__________________

(١) المصدر: فيه.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) المصدر: زيادة «فيها».

(٥) المجمع ٣ / ٣٣٨.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بعضا.

(٧) المجمع ٣ / ٣٣٨.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٣، ح ١٩.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: للظالمين وهو ذريق. وزريق: كناية عن الأوّل لأنّ العرب تتشأم بزرقة العين.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لحبش للثاني.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لعكر بن هرس وعسكر بن هوسر: كناية عن بعض خلفاء بني أميّة أو بني العبّاس. ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل، إذا كان اسم جمل عائشة عسكرا. وروي أنّه كان شيطانا. قاله المجلسي.

(١٢) كناية عن أبي جعفر الدّوانيقي. قاله المجلسي.

(١٣) التهذيب ٩ / ٢٠٩، ح ٨٢٨.


أبي نصر قال: سألت أبا الحسين ـ عليه السّلام ـ عن رجل أوصى بجزء من ماله.

فقال: واحد من سبعة، إنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) .

أحمد بن محمّد بن عيسى(١) ، عن إسماعيل بن همام الكنديّ، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في رجل أوصى بجزء من ماله. قال: الجزء من سبعة، إنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) .

عنه(٢) ، عن أبي همام، عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ مثله.

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) : من اتّباعه في الكفر والذنوب.

( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) (٤٥): لكلّ واحد جنّة وعين. أو لكلّ عدّة منهما، كقوله:( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) . وقوله:( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) (٣) (الآية).

قرأ(٤) نافع وأبو عمرو وحفص وهشام: «وعيون» والعيون بضمّ العين حيث وقع.

والباقون بكسرها.

( ادْخُلُوها ) : على إرادة القول.

( بِسَلامٍ ) : سالمين. أو مسلّمين عليكم.

( آمِنِينَ ) (٤٦): من الآفات والزّوال.

وفي روضة الكافي(٥) : خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وفيها: ألا وإنّ التّقوى مطايا ذلل حمل عليها [أهلها](٦) وأعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، وفتحت لهم أبوابها، ووجدوا ريحها وطيبها، وقيل لهم:( ادْخُلُوها بِسَلامٍ ) .

وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقد ذكر عليّا ـ عليه السّلام ـ وأولاده

__________________

(١) التهذيب ٩ / ٢٠٩، ح ٨٢٩.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٨٣٠.

(٣) إذ اللّام في «المتّقون» للاستغراق، فيكون المعنى: مثل الجنّة التي وعد لكلّ من المتّقين فيها أنهار. فيكون لجنّة كل واحد أنهار.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٢.

(٥) الكافي ٨ / ٦٧ ـ ٦٨، ح ٢٣.

(٦) من المصدر.

(٧) الاحتجاج / ٦٣.


ـ عليهم السّلام ـ: ألا إنّ أولياءهم الّذين [وصفهم الله ـ عزّ وجلّ ـ فقال: الذين](١) يدخلون الجنّة آمنين، وتتلقّاهم الملائكة بالتّسليم أن طبتم فادخلوها خالدين.

وفي أصول الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعريّ، عن ابن القدّاح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ ـ عليه السّلام ـ يقول: لا تغضبوا ولا تغضبوا، أفشوا السّلام وأطيبوا الكلام وصلّوا باللّيل والنّاس نيام تدخلوا الجنّة بسلام. ثمّ تلا عليهم قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( وَنَزَعْنا ) : في الدّنيا بما ألف بين قلوبهم، أو في الجنّة بتطييب نفوسهم.

( ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ ) .

قيل(٣) : من حقد كان في الدّنيا. أو من التّحاسد على درجات الجنّة ومراتب القرب.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : من العداوة.

( إِخْواناً ) : حال من الضّمير «في جنّات»، أو فاعل «ادخلوها»، أو الضّمير في «آمنين»، أو الضّمير المضاف إليه والعامل فيها معنى الإضافة، [وهو أحد المواضع الثّلاثة الّتي يجوز فيها وقوع الحال من المضاف إليه](٥) ، [وكذا قوله](٦) ( عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) (٤٧).

ويجوز أن يكونا صفتين «لإخوانا». أو حالين من ضميره، لأنّه بمعنى: متصافين(٧) . وأن يكون(٨) «متقابلين» حالا من المستقرّ في «على سرر».

في روضة الكافي(٩) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الكافي ٢ / ٦٤٥، ح ٧.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧٧.

(٥) ليس في أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.

(٦) من نفس المصدر.

(٧) فيكون مشتقّا نظرا إلى المعنى، ففيه ضمير مستتر. والتصافي التخالص والمراد: خلوص كلّ واحد منهم في المحبّة للأخير لا يخلط محبّته شيء من الكدورة.

(٨) أي: ويجوز أن يكون.

(٩) الكافي ٨ / ٢١٤، ح ٢٦٠.


بن شمّون(١) ، عن عبد الله بن عبد الرّحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: أنتم، والله، الّذين قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) .

عدّة من أصحابنا(٢) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال لأبي بصير: يا أبا محمّد، لقد ذكركم الله في كتابه فقال:( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) والله، ما أراد بهذا غيركم.

والحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ليس منكم(٤) رجل ولا إمرأة إلّا وملائكة الله يأتونه بالسّلام، وأنتم الّذين قال الله:( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) .

وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : ومن طريق العامّة روى أبو نعيم الحافظ، عن رجاله، عن أبي هريرة قال: قال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: يا رسول الله، أيّما أحبّ إليك أنا أم فاطمة؟

فاطمة أحبّ إليّ [منك](٦) ، وأنت أعزّ عليّ منها، وكأنّي بك وأنت على حوضي(٧) تذود عنه النّاس، وأنّ عليه أباريق عدد نجوم الدّنيا(٨) ، وأنت والحسن والحسين وحمزة وجعفر في الجنّة( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) وأنت معي وشيعتك. ثمّ قرأ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً ) .

عدّة من أصحابنا(٩) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمون(١٠) ، عن عبد الله بن عبد الرّحمن، عن عبد الله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي

__________________

(١) كذا في المصدر، ورجال النجاشي / ٨٩٩. وفي النسخ: محمد بن شمعون.

(٢) نفس المصدر والمجلّد / ٣٥، ح ٦.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٤، ح ٢٤.

(٤) ر: فيكم.

(٥) تأويل الآيات ٢ / ٢٤٩، ح ٤.

(٦) من المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: حوض.

(٨) المصدر: السماء.

(٩) تأويل الآيات ١ / ٢٤٩ ـ ٢٥٠، ح ٦.

(١٠) كذا في المصدر ورجال النجاشي / ٨٩٩. وفي النسخ: شمعون.


عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: [ألا وإنّ](١) لكلّ شيء جوهرا وجوهر ولد آدم محمّد ونحن وشيعتنا، [بعدنا](٢) يا(٣) حبّذا شيعتنا ما أقربهم من عرش الله، وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة! والله، لولا أن يتعاظم النّاس ذلك أو يتداخلهم زهو لسلّمت عليهم الملائكة قبلا. والله، ما من عبد من شيعتنا يتلو القرآن في صلاته قائما إلّا وله بكلّ حرف خمسون حسنة، ولا في غير صلاة(٤) إلّا وله [بكلّ حرف](٥) عشر حسنات. وإنّ للصّامت من شيعتنا لأجر من قرأ القرآن كلّه ممّن خالفه [أنتم والله على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين](٦) وأنتم والله في صلاتكم لكم(٧) أجر الصّافّين في سبيل الله، وأنتم والله الّذين قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) . إنّما شيعتنا أصحاب الأربع(٨) الأعين: عينان في الرّأس وعينان في القلب. ألا وإنّ الخلائق كلّهم كذلك، ألا وإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم.

( لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ ) : تعب وعناء.

والجملة استئناف. أو حال بعد حال من الضّمير في «متقابلين».

( وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ) (٤٨): فإنّ تمام النّعمة بالخلود.

( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٤٩)( وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) (٥٠): فارجوا رحمتي، وخافوا عذابي. وذلك فذلكة(٩) ما سبق من الوعد والوعيد، وتقرير له.

قيل(١٠) : وفي ذكر المغفرة دليل على أنّه لم يرد بالمتّقين من يتّقي الذّنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالغفران والرّحمة دون التّعذيب ترجيح الوعد وتأكيده، وفي عطف:( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ) (٥١): على( نَبِّئْ عِبادِي ) تحقيق لهما بما يعتبرون به.

( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً ) ، أي: نسلّم عليك سلاما. أو سلّمنا سلاما.

( قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ) (٥٢): خائفون. وذلك لأنّهم دخلوا بغير إذن وبغير

__________________

(١ و ٢) من المصدر.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: غيره.

(٥ و ٦ و ٧) من المصدر.

(٨) المصدر: الأربعة.

(٩) الفذلكة: مجمل ما فصّل وخلاصته.

(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.


وقت، أو لأنّهم امتنعوا من الأكل.

و «الوجل» اضطراب النّفس لتوقّع ما تكره.

( قالُوا لا تَوْجَلْ ) وقرئ(١) : «لا تأجل». و «لا توجل» من، أوجله. و «تواجل» من، واجله، بمعنى: أوجله.

( إِنَّا نُبَشِّرُكَ ) : استئناف في معنى التّعليل للنّهي عن الوجل، فإنّ المبشّر لا يخاف منه.

وقرأ(٢) حمزة: «نبشرك» [بفتح النّون والتّخفيف](٣) من البشر.

( بِغُلامٍ ) .

قيل(٤) : هو إسحاق لقوله:( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ) .

( عَلِيمٍ ) (٥٣): إذا بلغ.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن محمّد بن القاسم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ سارة قالت لإبراهيم ـ عليه السّلام ـ: قد كبرت، فلو دعوت الله أن يرزقني(٦) ولدا فتقرّ أعيننا(٧) ، فإنّ الله قد اتّخذك خليلا وهو مجيب دعوتك إن شاء(٨) الله.

فسأل إبراهيم ربّه أن يرزقه غلاما عليما(٩) ، فأوحى الله إليه: إنّي واهب لك غلاما حليما(١٠) ، ثمّ أبلوك(١١) فيه بالطّاعة لي.

قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: فمكث إبراهيم بعد البشارة ثلاث سنين، ثمّ جاءته البشارة من الله بإسماعيل مرّة أخرى بعد ثلاث سنين.

ولا ينافي ذلك الخبر كون إسماعيل من هاجر، لجواز أن يكون سؤال إبراهيم ولدا مطلقا لا من سارة بخصوصها، وأعطاه الله إيّاه بسؤاله الولد من هاجر لحكمة له فيه.

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.

(٣) من المصدر.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٤، ح ٢٥.

(٦) المصدر: يرزقك.

(٧) كذا في ب، المصدر. وفي النسخ: اغتر عينان.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: سألت.

(٩) المصدر: حليما.

(١٠) كذا في المصدر. وفي ب: غلاما لك عليما. وفي سائر النسخ: «لك عليما» بحذف غلاما.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أشكرك.


ولا ينافي ذلك ـ أيضا ـ تعجّب سارة حين وقوع البشارة بقولها:( أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) لجواز ظنّها حينئذ كون الولد واستبشارها به، وإن لم يكن ظنّها موافقا للواقع.

( قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ) : تعجّب من أنّ يولد له مع مسّ الكبر إيّاه، وإنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحال، وكذلك قوله:( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) (٥٤)، أي: فبأيّ أعجوبة تبشّروني. أو فبأيّ شيء تبشّروني، فإنّ البشارة ممّا لا يتصوّر وقوعه عادة بغير شيء.

وقرأ(١) ابن كثير، بكسر النّون مشدّدة، في كلّ القرآن، على إدغام نون الجمع في نون الوقاية. ونافع، بكسرها مخفّفة، على حذف نون الجمع استثقالا، لاجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية على الياء.

( قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ ) ، أي: بما يكون لا محالة. أو باليقين الّذي لا لبس فيه.

أو بطريقة هي حقّ، وهو قول الله وأمره.

( فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ) (٥٥): من الآيسين من ذلك، فإنّه ـ تعالى ـ قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر. وكان استعجاب إبراهيم ـ عليه السّلام ـ باعتبار العادة دون القدرة، ولذلك( قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (٥٦)، أي: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمه الله ـ تعالى ـ وكمال علمه وقدرته، كما قال:( لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) .

وقرأ(٢) أبو عمرو والكسائيّ «يقنط» بالكسر.

وقرئ(٣) ، بالضّمّ، وماضيهما «قنط» بالفتح.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن صفّوان الجمال قال: صلّيت خلف أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فأطرق، ثمّ قال: أللّهمّ(٥) ، لا تقنطني من رحمتك.

ثمّ قال:( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) .

وفي كتاب التّوحيد(٦) ، بإسناده إلى معاذ بن جبل، حديث طويل: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول فيه: قال الله: يا ابن آدم، بإحساني إليك قويت على

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٣.

(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٧، ح ٢٧.

(٥) كذا في ب، المصدر. وفي النسخ: الله.

(٦) التوحيد / ٣٤٤، ح ١٣.


طاعتي، وبسوء ظنّك بي قنطت من رحمتي.

( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) (٥٧)، أي: فما شأنكم الّذي أرسلتم لأجله سوى البشارة.

ولعلّه علم أنّ كمال المقصود ليس البشارة، لأنّهم كانوا عددا والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكرياء ومريم ـ عليهما السّلام ـ. أو لأنّهم بشّروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.

( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) (٥٨)، يعني: قوم لوط.

( إِلَّا آلَ لُوطٍ ) : إن كان استثناء من «قوم» كان منقطعا(١) إذ القوم مقيّد بالإجرام، وإن كان استثناء من الضّمير في «مجرمين» كان متّصلا، والقوم والإرسال شاملين للمجرمين، وآل [لوط المؤمنين به. وكأنّ المعنى: إنّا أرسلنا إلى قوم أجرم كلّهم إلّا أنّ آل](٢) لوط منهم، لنهلك المجرمين وننجّي آل لوط. ويدلّ عليه قوله:( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) (٥٩)، أي: ممّا نعذّب به القوم. وهو استئناف إذا اتّصل الاستثناء، ومتّصل «بآل لوط» جار مجرى خبر لكن إذا انقطع. وعلى هذا جاز أن يكون قوله:( إِلَّا امْرَأَتَهُ ) : استثناء من «آل لوط» أو من ضميرهم، وعلى الأوّل لا يكون إلّا من ضميرهم لاختلاف الحكمين، أللّهمّ إلّا أن يجعل( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ ) اعتراضا.

وقرأ(٣) حمزة والكسائي: «لمنجوهم» مخفّفا.

( قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) (٦٠): الباقين مع الكفرة لتهلك معهم.

وقرأ(٤) أبو بكر: «قدرنا» هاهنا وفي النّمل بالتّخفيف، وإنّما علّق والتّعليق من خواصّ أفعال القلوب لتضمّنه معنى العلم. ويجوز أن يكون «قدّرنا» اجري مجرى «قلنا»، لأنّ التّقدير بمعنى القضاء، وأصله جعل الشّيء على مقدار غيره. وإسنادهم إيّاه إلى

__________________

(١) لأن «آل لوط» لم يكونوا مجرمين، والمستثنى منه القوم المجرمون فيكون المعنى: إنا مرسلون إلى الجماعة المجرمين إلّا آل لوط فإنا نرسل إليهم فيكون آل لوط داخلا في الجماعة المجرمين حتى يمكن إخراجهم بالاستثناء وأمّا إذا كان مستثنى من ضمير «مجرمين» يكون استثناء آل لوط من المتصفين بالاجرام فالاستثناء يفيد عدم اتصافهم به إذ المعنى: جماعة متصفة بالاجرام جميعهم إلّا آل لوط.

(٢) ليس في أ.

(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.


أنفسهم، وهو فعل الله ـ تعالى ـ لما لهم من القرب والاختصاص به.

( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ) (٦١)( قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) (٦٢) :

تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بشرّ.

( قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ) (٦٣)، أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرّك ويشفي لك من عدوّك، وهو العذاب الّذي توعّدتهم به فيمترون فيه.

( وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ ) : باليقين من عذابهم.

( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) (٦٤): فيما أخبرناك به.

( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) : فأذهب بهم في اللّيل.

وقرأ(١) الحجازيّان، بوصل الألف، من «السّرى» وهما بمعنى.

وقرئ(٢) : «فسر» من السّير.

( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) : في طائفة من اللّيل.

وقيل(٣) : في آخره.

( وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ ) : وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطّلع على حالهم.

( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) : لينظر ما وراءه، فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو فيصيبه العذاب.

وقيل(٤) : نهوا عن الالتفات ليوطّنوا نفوسهم على المهاجرة.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة يدعوهم إلى الله ويحذّرهم عقابه.

قال: وكانوا قوما لا يتنظفون(٦) من الغائط ولا يتطهّرون من الجنابة، [وكان لوط وآله يتنظفون من الغائط ويتطهّرون من الجنابة](٧) وكان لوط ابن خالة إبراهيم وإبراهيم ابن خالة لوط، وكانت إمرأة إبراهيم سارة، أخت لوط، وكان إبراهيم ولوط نبيّين مرسلين منذرين، وكان لوط رجلا سخيّا كريما يقري(٨) الضّيف إذا نزل به ويحذّره قومه.

__________________

(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٥ ـ ٢٤٦، ح ٢٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا ينتظفون.

(٧) من المصدر.

(٨) قرى الضيف: أضافه وأجاره وأكرمه.


قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك( قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ) لا تقري ضيفا ينزل بك، فإنّك إن فعلت فضحنا ضيفك وأخزيناك فيه. وكان لوط وإبراهيم لا يتوقّعان نزول العذاب على قوم لوط، وكانت لإبراهيم ولوط منزلة من الله شريفة، وأنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ كلّما كان هم بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودّة إبراهيم وخلّته ومحبّة(١) لوط، فيراقبهم فيه فيؤخّر عذابهم.

قال أبو جعفر: فلمّا اشتدّ أسف الله على قوم لوط وقدّر عذابهم وقضاه، أحبّ أن يعوّض إبراهيم بعذاب قوم لوط بغلام عليم(٢) فيسلّي به مصابه بهلاك قوم لوط. فبعث الله رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسماعيل، فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم وخاف أن يكونوا سرّاقا.

قال: فلمّا أن رأته الرّسل فزعا وجلا قالوا سلاما قال سلام( قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ، قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) .

قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: والغلام العليم(٣) هو إسماعيل من هاجر. فقال إبراهيم للرّسل:( أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ) . فقال إبراهيم للرّسل بعد البشارة:( فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) ( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) (٤) لننذرهم عذاب ربّ العالمين.

قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فقال إبراهيم للرّسل:( إِنَّ فِيها لُوطاً ) (الآية).

( قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) ( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ، قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ) . يقول: من عذاب الله لننذر قومك العذاب.( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) يا لوط إذا مضى من يومك هذا سبعة أيّام ولياليها(٥) ( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) إلّا امرأتك أنّه مصيبها ما أصابهم.

قال أبو جعفر: فقضوا إلى لوط( ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) .

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: محبّته.

(٢) المصدر: حليم.

(٣) المصدر: الحليم.

(٤) النمل / ١٢ وغيره.

(٥) المصدر: بلياليها.


قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: فلمّا كان يوم الثّامن مع طلوع الفجر، قدّم الله رسلا إلى إبراهيم يبشّرونه بإسحاق ويعزونه بهلاك قوم لوط. (الحديث).

( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) (٦٥): إلى حيث(١) أمركم الله بالمضيّ إليه.

قيل(٢) : وهو الشّام، أو مصر. فعدّي «وامضوا» إلى «حيث»، و «تؤمرون» إلى ضميره المحذوف على الاتّساع.

( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ) ، أي: وأوحينا إليه مقضيّا. ولذلك عدّي «بإلى».

( ذلِكَ الْأَمْرَ ) : مبهم يفسّره( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ ) . ومحلّه النّصب على البدل منه، وفي ذلك تفخيم للأمر وتعظيم له(٣) .

وقرئ(٤) ، بالكسر، على الاستئناف. والمعنى: أنّهم يستأصلون عن آخرهم حتّى لا يبقى منهم أحد.

( مُصْبِحِينَ ) (٦٦): داخلين في الصّبح.

وهو حال من «هؤلاء». وهو أحد المواضع الثّلاثة الّتي يجوز فيها الحال من المضاف إليه.

وقيل(٥) : أو من الضّمير في «مقطوع». وجمعه للحمل على المعنى، فإنّ( دابِرَ هؤُلاءِ ) في معنى: مدبري هؤلاء.

( وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) : مدينة سدوم.

( يَسْتَبْشِرُونَ ) (٦٧): بأضياف لوط طمعا فيهم.

( قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ) (٦٨): بفضيحة ضيفي، فإنّ من اسيء إلى ضيفه فقد اسيء إليه.

( وَاتَّقُوا اللهَ ) : في ركوب الفاحشة.

( وَلا تُخْزُونِ ) (٦٩): ولا تذلّوني بسببهم. من الخزي، وهو الهوان.

أو لا تخجلوني فيهم. من الخزاية، وهو الحياء.

__________________

(١) يعني: الأصل أن يقال: وامضوا إلى حيث تؤمرون، لأنّ معنى مضى: ذهب، فحذف «إلى» وعدّى الفعل بنفسه للاتّساع.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.

(٣) لأنّ التعيين بعد الإبهام إنّما هو ليتقرّر في ذهن المخاطب ولا يكون ذلك إلّا فيما يهتمّ المتكلّم بشأنه.

(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٤.


( قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ) (٧٠): عن أن تجير منهم أحدا. أو تمنع بيننا وبينهم، فإنّهم كانوا يتعرّضون لكلّ أحد وكان لوط ـ عليه السّلام ـ يمنعهم عنه بقدر وسعة. أو عن ضيافة النّاس وإنزالهم.

( قالَ هؤُلاءِ بَناتِي ) ، يعني: نساء القوم، فإنّ نبيّ كلّ أمّة بمنزلة أبيهم. وفيه وجوه ذكرت في الهود(١) .

( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) (٧١): قضاء الوطر. أو ما أقول لكم.

( لَعَمْرُكَ ) : قسم بحياة المخاطب، وهو النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : أي: وحياتك، يا محمّد. قال: فهذه فضيلة لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على الأنبياء.

وقيل(٣) : لوط. قالت الملائكة له ذلك، والتّقدير: لعمرك قسمي. وهو لغة في العمر يختصّ به القسم لإيثار الأخفّ فيه، لأنّه كثير الدّور على ألسنتهم.

( إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ ) : لفي غوايتهم. أو شدّة غلمتهم(٤) الّتي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم وصوابهم الّذي يشار به إليهم.

( يَعْمَهُونَ ) (٧٢): يتحيّرون، فكيف يسمعون نصحك.

وقيل(٥) : الضّمير لقريش، والجملة اعتراض.

( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) ، يعني: صيحة هائلة مهلكة.

وقيل(٦) : صيحة جبرئيل ـ عليه السّلام ـ.

( مُشْرِقِينَ ) (٧٣): داخلين في وقت شروق الشّمس.

( فَجَعَلْنا عالِيَها ) : عالي المدينة، أو عالي قراهم.

( سافِلَها ) : وصارت منقلبة بهم.

( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) (٧٤): من طين متحجّر.

قيل: أو طين عليه كتاب، من السّجّل.

وقد سبق مزيد بيان لهذه القصّة في سورة هود ـ عليه السّلام ـ.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٥: سورة هود.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٧٧.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٥.

(٤) الغلمة: شدّة الشهوة للجماع.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٥.


( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (٧٥): للمتفكّرين المتفرّسين، الّذين يتثبّتون في نظرهم حتّى يعرفوا حقيقة الشّيء بسمته.

( وَإِنَّها ) : وإنّ المدينة، أو القرى.

( لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) (٧٦): ثابت يسلكه النّاس ويرون آثارها. وهو تنبيه لقريش، كقوله:( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ) .

وفي أصول الكافي(١) : أحمد بن مهران، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، عن ابن أبي عمير قال: أخبرني أسباط بيّاع الزّطي قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فسأله رجل عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) .

قال(٢) : نحن المتوسّمون، والسّبيل فينا مقيم.

محمّد بن يحيى(٣) ، عن سلمة بن الخطّاب، عن يحيى بن إبراهيم قال: حدّثني أسباط بن سالم قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فدخل عليه رجل من أهل هيت(٤) ، فقال له: أصلحك الله، ما تقول في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) ؟

قال: نحن المتوسّمون والسّبيل فينا مقيم.

محمّد بن إسماعيل(٥) ، عن الفضل بن شاذان، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي بن عبد الله، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) قال: هم الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ. قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله ـ عزّ وجلّ ـ في قول الله(٦) ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) .

محمّد بن يحيى(٧) ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ )

__________________

(١) الكافي ١ / ٢١٨، ح ١.

(٢) المصدر: زيادة «فقال».

(٣) الكافي ١ / ٢١٨، ح ٢.

(٤) هيت: بلدة بالعراق.

(٥) الكافي ١ / ٢١٨، ح ٣.

(٦) متعلق بقوله: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ.

(٧) الكافي ١ / ٢١٨، ح ٤.


فقال: هم الأئمّة.

( وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) قال: لا يخرج منّا أبدا.

محمّد بن يحيى(١) ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن أسلم، عن إبراهيم بن أيّوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المتوسّم، وأنا من بعده والأئمّة من ذرّيّتي المتوسّمون.

وفي نسخة أخرى: عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن أسلم، عن إبراهيم بن أيّوب، بإسناده، مثله.

أحمد بن إدريس(٢) ومحمّد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن الإمام فوّض الله إليه، كما فوّض إلى سليمان بن داود؟

فقال: نعم.

وذلك أنّ رجلا سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأوّل، ثمّ سأله آخر فأجابه بغير جواب الأوّلين، ثمّ قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أعط(٣) بغير حساب وهكذا هي في قراءة عليّ ـ عليه السّلام ـ.

قال: فقلت: أصلحك الله، فحين أجابهم بهذا الجواب يعرفهم الإمام؟

قال: سبحان الله، أما تسمع الله يقول:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) وهم الأئمّة( وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) لا يخرج منّا أبدا.

ثمّ قال لي: نعم، إنّ الإمام إذا أبصر إلى الرّجل عرفه وعرف لونه، وإن سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو، إنّ الله يقول:( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ ) (٤) وهم العلماء، فليس يسمع شيئا من الأمر ينطق به إلّا عرفه ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالّذي يجيبهم.

وفي روضة الواعظين(٥) للمفيد ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر الصّادق ـ عليه السّلام ـ

__________________

(١) الكافي ١ / ٢١٨، ح ٥.

(٢) الكافي ١ / ٤٣٨، ح ٣.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمسك.

(٤) الروم / ٢٢.

(٥) روضة الواعظين ٢ / ٢٦٦.


وروى عنه حديثا: وقال ـ عليه السّلام ـ: إذا قام قائم آل محمّد ـ عليه السّلام ـ حكم بين النّاس بحكم داود، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه الله ـ تعالى ـ فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم ما استنبطوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتّوسّم، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) .

وفي مجمع البيان(١) : وقد صحّ عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.

قال: إنّ لله عبادا يعرفون النّاس بالتّوسّم، ثمّ قرأ هذه الآية.

وروي عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: نحن المتوسّمون، والسّبل فينا مقيم، والسّبيل طريق(٢) الجنّة. ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره(٣) .

وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ في وجه دلائل الأئمّة والرّدّ على الغلاة والمفوّضة ـ لعنهم الله ـ: حدّثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا أحمد بن عليّ الأنصاريّ، عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوما، وعنده عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة، فسأله بعضهم، فقال له: يا ابن رسول الله، بأيّ شيء تصحّ الإمامة لمدّعيها؟

قال: بالنّصّ والدّليل.

قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟

قال: في العلم واستجابة الدّعوة.

قال: فما وجه إخباركم ممّا يكون(٥) ؟

قال: ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

قال: فما وجه إخباركم ممّا في قلوب النّاس؟

قال له: ما بلغك(٦) قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله؟

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٤٣.

(٢) ب: بطريق.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٧٧.

(٤) العيون ٢ / ٢٠٠، ح ١.

(٥) أ، ب، ر: تكون.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما بلغكم.


[قال: بلى.

قال: وما من مؤمن إلّا وله فراسة ينظر بنور الله](١) على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه، وقد جمع الله للأئمّة(٢) منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين، وقال ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه العزيز:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) . فأوّل المتوسّمين رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، ثمّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ من بعده، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، والأئمّة من ولد الحسين ـ عليه السّلام ـ إلى يوم القيامة.

قال: فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن، زدنا ممّا جعل الله لكم أهل البيت.

فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ قد أيّدنا بروح منه مقدّسة مطهّرة، ليست بملك، لم تكن مع أحد ممّن مضى إلّا مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وهي مع الأئمّة منّا تسدّدهم وتوفّقهم، وهو عمود من نور بيننا وبين الله ـ تعالى ـ.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى أبان بن تلب قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إذا قام القائم ـ عليه السّلام ـ لم يقم بين يديه أحد من خلق الرّحمن إلّا عرفه، صالح هو أو(٤) طالح، و [لأنّ](٥) فيه آية للمتوسّمين، وهي السّبيل(٦) المقيم.

وفي كتاب معاني الأخبار(٧) : الهلاليّ أمير المدينة يقول: سألت جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ فقلت له: يا ابن رسول الله، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

قال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، وإن شئت فاسأل.

فقلت له: يا ابن رسول الله، وبأيّ شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤال عنه؟

قال: بالتّوسّم والتّفرّس(٨) ، أما سمعت قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) . قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: في الائمّة.

(٣) كمال الدين / ٦٧١، ح ٢٠.

(٤) المصدر: أم.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: بسبيل.

(٧) المعاني / ٣٥٠، ح ١.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: التفريس.


وفي تفسير العيّاشي(١) : عن عبد الرّحمن(٢) بن سالم الأشلّ، رفعه قال: هم آل محمّد الأوصياء ـ عليه السّلام ـ.

عن أبي بصير(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: في الإمام آية للمتوسمين، وهو السّبيل المقيم، ينظر بنور الله وينطق عن الله، لا يعزب عنه شيء ممّا أراد.

عن جابر بن يزيد الجعفيّ(٤) قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: بينما أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ جالس في مسجد الكوفة قد احتبى(٥) بسيفه وألقى برنسه(٦) وراء ظهره إذ أتته إمرأة مستعدية على زوجها، فقضى للزّوج على المرأة، فغضبت.

فقالت: لا، والله، ما هو كما قضيت. لا، والله، ما تقضي [بالسوية](٧) ولا تعدل في الرّعيّة ولا قضيّتك عند الله بالمرضيّة.

قال: فنظر إليها أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فتأمّلها، ثمّ قال لها: كذبت(٨) ، يا جريّة يا بذيّة، أيا سلسع أيا سلفع(٩) ، أيا الّتي تحيض من حيث لا تحيض النّساء.

قال فولّت هاربة وهي تولول، وتقول: يا ويلي يا ويلي يا ويلي، ثلاثا.

قال: فلحقها عمرو بن حريث(١٠) ، فقال لها: يا أمة الله أسألك.

فقالت: ما للرّجال والنّساء في الطّرقات؟

فقال: إنّك استقبلت أمير المؤمنين عليّا ـ عليه السّلام ـ بكلام سررتني به، ثمّ

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٧، ح ٣٠.

(٢) كذا في ب، المصدر، جامع الرواة ١ / ٤٥٠. وفي النسخ: عبد الله.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٨، ح ٣١.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٨ ـ ٢٤٩، ح ٣٢.

(٥) احتبى: جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها ونحوها ليستند إذ لم يكن للعرب في البوادي جدران تستند إليها في مجالسها.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بريشه. والبرنس: قلنسوة طويلة كانت تلبس في صدر الإسلام، وهو كلّ ثوب رأسه ملتزق به.

(٧) من المصدر.

(٨) المصدر: أكذبت.

(٩) البذيّة: الفحّاشة. والسّلفع: السّليط. وامرأة سلفع يستوي فيه المذكّر والمؤنّث. يقال: سليطة جريئة. ولم أجد للسّلسع معنى في كتب اللّغة.

(١٠) عمرو بن حريث القرشيّ المخزوميّ من أعداء أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وأولياء بني أميّة.

ويظهر من هذا الحديث خبثه وزندقته وعداوته له ـ عليه السّلام ـ. وقد ورد في ذمّه روايات كثيرة فراجع تنقيح المقال وغيره.


قرّعك أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ بكلمة فولّيت مولولة؟

فقالت: إنّ ابن أبي طالب، والله، استقبلني فأخبرني بما هو [فيّ، وبما](١) كتمته من بعلي منذ ولي عصمتي، لا والله ما رأيت طمثا من حيث تراه(٢) النّساء.

قال: فرجع عمرو بن حريث إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ [فقال له: يا أمير المؤمنين، ما نعرفك بالكهانة.

فقال: وما ذلك، يا ابن حريث؟

فقال له: يا أمير المؤمنين](٣) إنّ هذه المرأة ذكرت أنّك أخبرتها(٤) بما هو فيها، وأنها لم تر طمثا قطّ من حيث تراه النّساء.

فقال له: ويلك، يا ابن حريث، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، وركّب الأرواح في الأبدان، فكتب بين أعينها: كافر ومؤمن، وما هي مبتلاة به إلى يوم القيامة، ثمّ أنزل بذلك قرآنا على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) فكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ المتوسّم، ثمّ أنا من بعده، ثمّ الأوصياء من ذرّيّتي من بعدي، إنّي لـمّـا رأيتها تأمّلتها فأخبرتها بما هو فيها، ولم أكذب.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٧٧): بالله ورسله.

( وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ) (٧٨): هم قوم شعيب ـ عليه السّلام ـ كانوا يسكنون الغيضة، فبعثه الله ـ تعالى ـ إليهم فكذّبوه، فاهلكوا بالظّلّة.

و «الأيكة» الشّجرة المتكاثفة.

( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) : بالإهلاك.

( وَإِنَّهُما ) .

قيل(٥) : يعني: سدوم والأيكة.

وقيل(٦) : الأيكة ومدين، فإنّه كان مبعوثا إليهما، وكان ذكر أحدهما منبّها على الأخرى.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في أ، وفي سائر النسخ: ترينه.

(٣) نور الثقلين ٣ / ٢٦، ح ٩٤.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لخبرتها.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٥.


( لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) (٧٩): لبطريق واضح.

و «الإمام» اسم ما يؤتمّ به. فسمّي به اللّوح، ومطمر البناء، والطّريق، لأنّهما ما يؤتّم به.

( وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ) (٨٠)، يعني: ثمود كذّبوا صالحا.

ومن كذّب واحدا من الرّسل، فقد كذّب الجميع.

ويجوز أن يراد بالمرسلين: صالح ومن معه من المؤمنين.

و «الحجر» واد بين المدينة والشّام يسكنونه.

( وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) (٨١)، يعني: آيات الكتاب المنزل على نبيّهم. أو معجزاته، كالنّاقة وسقيها وشربها ودرّها. أو ما نصب لهم من الأدلّة.

( وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) (٨٢): من الانهدام، ونقب اللّصوص، وتخريب الأعداء لوثاقتها. أو من العذاب لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أنّ الجبال تحميمهم منه.

( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ) (٨٣)( فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (٨٤): من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الأموال والعدد.

( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) : متلبّسا بالحقّ، لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشّرور. فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء، وإزاحة فسادهم من الأرض.

( وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) : فينتقم الله فيها ممّن كذّبك.

( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (٨٥): ولا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم(١) .

وقيل(٢) : هو منسوخ بآية السّيف.

وفي عيون الأخبار(٣) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه قال ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) قال: العفو من غير عتاب.

__________________

(١) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٤٦. وفي النسخ: «الحكيم المقصود المخالفة» بدل «الصفوح الحليم».

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) العيون ١ / ٢٢٩، ح ٥٠.


وفي أمالي الصّدوق ـ رحمه الله ـ(١) بإسناده: عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال عليّ بن الحسين زين العابدين ـ عليه السّلام ـ مثله.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ ) : الّذي خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم.

( الْعَلِيمُ ) (٨٦): بحالك وحالهم، فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم. أو هو الّذي خلقكم وعلم الأصلح لكم، وقد علم أنّ الصّفح اليوم أصلح.

و «الخلّاق» يختصّ بالكثير.

( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً ) : سبع آيات، وهي الفاتحة.

وقيل(٢) : سبع سور، وهي الطّوال، وسابعتها الأنفال والتّوبة فإنّهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بالتّسمية.

وقيل(٣) : التّوبة.

وقيل(٤) : يونس. أو الحواميم السّبع.

وقيل(٥) : سبع صحائف، وهي الأسباع.

( مِنَ الْمَثانِي ) : بيان للسّبع.

و «المثاني» من التّثنية، أو الثّناء، فإنّ كلّ ذلك مثنى تكرّر قراءته أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه. أو مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز. أو مثن على الله ـ تعالى ـ بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى.

ويجوز أن يراد بالمثاني: القرآن، أو كتب الله كلّها فيكون من للتّبعيض.

( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (٨٧): إن أريد بالسّبع الآيات أو السّور، فمن عطف الكلّ على البعض أو العامّ على الخاصّ. وإن أريد الأسباع، فمن عطف أحد الوصفين على الآخر.

وفي تهذيب الأحكام(٦) : محمّد بن عليّ بن محبوب، عن العبّاس، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن السّبع المثاني والقرآن العظيم، هي الفاتحة؟

قال: نعم.

__________________

(١) أمالي الصدوق / ٦٨، ح ٤.

(٢ و ٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٦.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٦.

(٦) التهذيب ٢ / ٢٨٩، ح ١١٥٧.


قلت:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) آية(١) من السّبع المثاني؟

قال: نعم، هي أفضلهنّ.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : ابن عبد الرّحمن، عمن رفعه قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) .

قال: هي سورة الحمد، وهي سبع آيات منها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . وإنّما سمّيت المثاني، لأنّها تثنّى في الرّكعتين.

عن أبي بكر الحضرميّ(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: إذا كان لك حاجة، فاقرأ المثاني وسورة [أخرى](٤) وصلّ ركعتين وادع الله.

قلت: أصلحك الله، وما المثاني؟

قال: فاتحة الكتاب( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .

عن سورة(٥) بن كليب(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: نحن المثاني الّتي أعطى نبيّنا.

عن يونس بن عبد الرّحمن(٧) ، عمّن [ذكره](٨) رفعه قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) .

قال: إنّ ظاهرها الحمد، وباطنها ولد الولد، والسّابع منها القائم ـ عليه السّلام ـ.

قال حسّان(٩) : سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) .

قال: [(ليس)](١٠) هكذا تنزيلها، إنّما هي: ولقد آتيناك سبعا من المثاني [نحن هم](١١) والقرآن العظيم ولد الولد.

عن القسم بن عروة(١٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله :](١٣)

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) تفسير العيّاشي ١ / ١٩، ح ٣.

(٣) نفس المصدر ٢ / ٢٤٩، ح ٣٥.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر والموضع، ح ٣٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: «بنت كليب» بدل «سورة بن كليب».

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٠، ح ٣٧.

(٨) من المصدر. (٩) نفس المصدر والموضع، ح ٣٨.

(١٠) من المصدر. (١١) من المصدر. ويوجد المعقوفتان فيه أيضا.

(١٢) نفس المصدر والموضع، ح ٣٩. (١٣) ما بين المعقوفتين ليس في ب.


( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) .

قال: سبعة أئمّة والقائم.

عن السّديّ(١) ، عمّن سمع عليّا ـ عليه السّلام ـ يقول:( سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي ) فاتحة الكتاب.

عن سماعة(٢) [قال :](٣) قال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) . قال: لم يعط الأنبياء إلّا محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهم السّبعة الأئمّة الّذين يدور عليهم الفلك.( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

عن محمّد بن مسلم(٤) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) .

قال: فاتحة الكتاب يثنّى فيها القول.

في كتاب الاحتجاج(٥) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قال: قال عليّ ـ عليه السّلام ـ لبعض أحبار اليهود في أثناء كلام طويل، يذكر فيه مناقب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وزاد الله ـ عزّ ذكره ـ محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ السّبع الطّوال وفاتحة الكتاب، وهي السّبع المثاني والقرآن العظيم.

وفي عيون الأخبار(٦) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفي آخره: وقيل لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أخبرنا عن( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) هي من فاتحة الكتاب؟

فقال: نعم، كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقرأها ويعدّها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب، وهي السّبع المثاني.

وبإسناده(٧) إلى الحسن بن عليّ: عن أبيه، عن(٨) عليّ بن محمّد، عن أبيه، عن(٩) محمّد بن عليّ، عن أبيه الرّضا، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السّلام ـ أنّه قال: إنّ

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥١، ح ٤٠.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٤١.

(٣) من المصدر.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٤٩، ح ٣٤.

(٥) الاحتجاج ١ / ٣٢٠.

(٦) العيون ١ / ٣٠١، ذيل ح ٥٩.

(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٦٠.

(٨ و ٩) ليس في المصدر.


( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات تمامها( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: إنّ الله ـ تعالى ـ قال لي: يا محمّد( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) . فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب، وجعلها بإزاء القرآن العظيم.

وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى أبي سلام: عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نحن المثاني الّتي أعطاها الله نبيّنا ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ونحن وجه الله نتقلّب في الأرض بين أظهركم، عرفنا من عرفنا، ومن جهلنا فأمامه اليقين(٢) .

قال الصّدوق ـ رحمه الله ـ: قوله: «نحن المثاني»، أي: نحن الّذين قرننا النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالقرآن وأوصى بالتّمسّك بالقرآن وبنا، فأخبر أمّته أنّا لا نفترق حتّى نرد حوضه.

قيل(٣) : لعلّهم ـ عليهم السّلام ـ عدوّا سبعا باعتبار أسمائهم، فإنّها سبعة. وعلى هذا فيجوز أن يجعل المثاني من الثّناء، وأن يجعل من التّثنية باعتبار تثنيتهم مع القرآن، وأن يجعل كناية عن عددهم الأربعة عشر، بأن يجعل نفسه واحدا منهم بالتّغاير الاعتباريّ بين المعطي والمعطى له.

وفي مجمع البيان(٤) : السبع المثاني هي فاتحة الكتاب. وهو قول عليّ ـ عليه السّلام ـ. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ.

وفي أصول الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن صالح بن السّنديّ، عن جعفر بن بشير، عن سعد الإسكاف قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أعطيت السّور الطّوال مكان التّوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزّبور.

أبو عليّ الأشعريّ(٦) ، عن الحسن بن عليّ بن [عبد الله، وحميد بن زياد عن

__________________

(١) العيون / ١٥١، ذيل ح ٦.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: النبيّين. وفي هامش نور الثقلين ٣ / ٢٩: كذا في النسخ، لكن تفسير العيّاشي وتفسير القمّي والمنقول عنهما في البحار وغيره: «فأمامه السعير» وهو الأظهر ويحتمل التصحيف أيضا.

(٣) تفسير الصافي ٣ / ١٢١.

(٤) المجمع ٣ / ٣٤٤.

(٥) الكافي ٢ / ٦٠١، ح ١٠.

(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٦٠٤، ح ٥.


الخشاب جميعا عن الحسن بن علي بن](١) يوسف، عن معاذ بن ثابت، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ومن أوتي القرآن، فظنّ أنّ أحدا من النّاس أوتي أفضل ممّا أوتي، فقد عظّم ما حقّر الله وحقّر ما عظّم الله.

عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن

عيينة، عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أعطاه الله القرآن، فرأى أنّ رجلا اعطي أفضل ممّا اعطي، فقد صغّر عظيما وعظّم صغيرا.

والحديثان طويلان أخذت منهما موضع الحاجة.

( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) : لا تطمح ببصرك طموح راغب.

( إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ) : أصنافا من الكفّار. فإنّه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنّه كمال مطلوب بالذّات مفض إلى دوام اللّذّات.

( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) : إنّهم لم يؤمنوا.

وقيل(٣) : إنّهم المتمتّعون به.

( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٨٨): وتواضع لهم وارفق بهم.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا نزلت هذه الآية( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من لم يتعزّ بعزاء الله، تقطّعت نفسه على الدّنيا حسرات. ومن رمى ببصره(٥) إلى ما في أيدي(٦) غيره، كثر همّه ولم يشف غيظه.

ومن لم يعلم أنّ لله عليه نعمة إلّا في مطعم أو ملبس، فقد قصر علمه ودنا عذابه. ومن أصبح على الدّنيا حزينا، أصبح على الله ساخطا. ومن شكا مصيبة نزلت به، فإنّما يشكو ربّه. ومن دخل النّار من هذه الأمّة ممّن قرأ القرآن، فهو ممّن يتّخذ آيات الله

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الكافي ٢ / ٦٠٥، ح ٧.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٦.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨١.

(٥) المصدر: بنظره.

(٦) المصدر: يد.


هزوا. ومن أتى ذا ميسرة فتخشّع له طلب ما في يديه(١) ، ذهب ثلثا دينه.

وفي مجمع البيان(٢) : وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا ينظر إلى ما يستحسن من الدّنيا.

( وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) (٨٩): أنذركم ببيان وبرهان أنّ عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا.

( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) (٩٠)، مثل العذاب الّذي أنزلنا عليهم. وهو وصف لمفعول «النّذير» أقيم مقامه.

و «المقتسمون» هم الاثنا عشر الّذين اقتسموا مداخل مكّة أيّام الموسم، لينفّروا النّاس عن الإيمان بالرّسول، فأهلكهم الله ـ تعالى ـ يوم بدر. أو الرّهط الّذين اقتسموا، أي: تقاسموا على أن يبيّتوا صالحا ـ عليه السّلام ـ.

وقيل(٣) : هو صفة مصدر محذوف لقوله( وَلَقَدْ آتَيْناكَ ) . فإنّه بمعنى: أنزلنا إليك.

والمقتسمون هم [اهل الكتاب](٤) ( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) حيث قالوا عنادا: بعضه حقّ موافق للتّوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما. أو قسّموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأوّلين. أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض، على أنّ القرآن ما يقرءونه من كتبهم، فيكون ذلك تسلية لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وقوله: «لا تمدّنّ» (إلى آخره) اعتراضا ممدّا(٥) لها.

( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) (٩١): أجزاء. جمع، عضة. وأصلها: عضوة.

من عضّى الشّاة: إذا جعلها أعضاء.

وقيل(٦) : هي فعلة، من عضهته: إذا بهتّه.

وفي الحديث(٧) النّبويّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لعن رسول الله العاضهة والمستعضهة(٨) .

__________________

(١) المصدر: يده.

(٢) المجمع ٣ / ٣٤٥.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٧.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تمهيدا.

(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٧.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: المستضعهة.


وقيل(١) : أسحارا.

وعن عكرمة(٢) : «العضة»(٣) السّحر.

وإنّما جمع على السّلامة، جبرا لما حذف منه. والموصول بصلته صفة للمقتسمين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال عليّ بن إبراهيم في قوله:( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) . قال: قسّموا القرآن، ولم يؤلّفوه على ما أنزله الله.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: قال في الّذين أبرزوا القرآن عضين، قال: هم قريش.

( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (٩٢)( عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٩٣): من التّقسيم.

أو النّسبة إلى السّحر، فنجازيهم عليهم.

وقيل(٦) : عامّ في كلّ ما فعلوا من الكفر والمعاصي.

( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) : فاجهر به. من صدع بالحجّة: إذا تكلّم بها جهارا. أو فافرق به بين الحقّ والباطل. وأصله الإبانة والتّمييز.

و «ما» مصدريّة، أو موصولة. والرّاجع محذوف، أي: بما تؤمر به من الشّرائع.

( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (٩٤): فلا تلتفت إلى ما يقولون.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم(٨) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (٩) .

قال: نسختها( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) .

( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (٩٥): بقمعهم وإهلاكهم.

( الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (٩٦): عاقبة أمرهم في الدّارين.

وفي أصول الكافي(١٠) : محمّد بن أبي عبد الله ومحمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: العضهة.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٧٧.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥١، ح ٤٣.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٢، ح ٤٥. وص ٣١٩، ح ١٧٦.

(٨) المصدر: «عن أبي بصير» بدل «عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم».

(٩) الاسراء / ١١٠.

(١٠) الكافي ١ / ٢٤٣، ذيل ح ١.


ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن الحسن بن عبّاس بن الحريش، عن أبي جعفر الثّاني ـ عليه السّلام ـ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: سأل رجل أبي ـ عليه السّلام ـ.

فقال: يا ابن رسول الله، سآتيك بمسألة صعبة. أخبرني عن هذا العلم، ما له لا يظهر، كما كان يظهر مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟

قال: فضحك أبي ـ عليه السّلام ـ وقال: أبى الله أن يطلع على علمه إلّا ممتحنا للإيمان به، كما قضى على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يصبر على أذى قومه ولا يجاهدهم إلّا بأمره. فكم من اكتتام قد اكتتم به حتّى قيل له:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) . وأيم الله، إنّه لو صدع(١) قبل ذلك، لكان آمنا. ولكنّه إنّما نظر في الطّاعة وخاف الخلاف، فلذلك كفّ. فوددت أنّ عينك تكون مع مهديّ هذه الأمّة، والملائكة بسيوف آل داود بين السّماء والأرض تعذّب أرواح الكفرة من الأموات، وتلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء.

ثمّ أخرج سيفا. ثمّ قال: ها إنّ هذا منها.

قال: فقال أبي: والّذي اصطفى محمّدا على البشر.

قال: فردّ الرّجل اعتجاره(٢) ، وقال: أنا إلياس، ما سألتك عن أمرك وبي منه جهالة، غير أنّي أحببت أن يكون هذا الحديث قوّة لأصحابك.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الحلبيّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: اكتتم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [بمكة](٤) مختفيا خائفا خمس سنين ليس يظهر أمره، وعليّ ـ عليه السّلام ـ معه وخديجة. ثمّ أمره الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يصدع بما أمر به، فظهر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأظهر أمره.

وفي خبر آخر(٥) : أنّه ـ عليه السّلام ـ كان مختفيا بمكّة ثلاث سنين.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أصدع.

(٢) الاعتجار: لفّ العمامة على رأسه. والردّ هنا في مقابل الفتح المذكور في صدر الحديث في قوله: «ففتح الرّجل عجيرته واستوى جالسا وتهلّل وجهه ...» وإن شئت الوقوف على تمام الحديث راجع نفس المصدر.

(٣) كمال الدين ٢ / ٣٤٤، ح ٢٨.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر والموضع.


وبإسناده(١) إلى عبيد الله بن عليّ الحلبيّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: مكث رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمكّة بعد ما جاء الوصي عن الله ـ تبارك وتعالى ـ ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنين مختفيا خائفا لا يظهر حتّى أمره الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يصدع بما أمره به، فأظهر حينئذ الدّعوة.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: اكتتم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمكّة سنين ليس يظهر، وعليّ معه وخديجة.

ثمّ أمره الله أن يصدع بما يؤمر، فظهر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب، فإذا أتاهم قالوا: كذّاب امض عنّا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قوله:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) .

الآية نزلت بمكّة بعد أن نبّئ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بثلاث سنين. وذلك أنّ النّبوّة نزلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم الاثنين، وأسلم عليّ ـ عليه السّلام ـ يوم الثّلاثاء، ثمّ أسلمت خديجة بنت خويلد، زوجة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ دخل أبو طالب على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يصلّي وعليّ بجنبه، وكان مع أبي طالب جعفر.

فقال له أبو طالب: صل جناح ابن عمّك.

فوقف جعفر على يسار رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فبدر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من بينهما. فكان يصلّي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وعليّ وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة [يأتمون به](٤) . فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين، أنزل الله عليه( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) .

وكان المستهزءون برسول الله خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطّلب، والأسود بن عبد يغوث، والحرث بن الطّلاطلة الخزاعيّ.

أمّا الوليد، فكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ دعا عليه لما كان يبلغه من إيذائه واستهزائه. فقال: أللّهمّ، أعم بصره وأثكله بولده. فعمي بصره وقتل ولده ببدر

__________________

(١) نفس المصدر والموضع، ح ٢٩.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٣، ح ٤٧.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٧٧ ـ ٣٨١.

(٤) من المصدر.


وكذلك [دعا](١) على الأسود بن المطّلب، والأسود بن عبد(٢) يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعيّ. فمرّ الوليد بن المغيرة يوما(٣) برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومعه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ.

فقال جبرئيل: يا محمّد، هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين بك؟

قال: نعم.

وقد كان مرّ برجل من خزاعة على باب المسجد(٤) وهو يريّش نبالا له، فوطئ على بعضها، فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت. فلمّا مرّ بجبرئيل ـ عليه السّلام ـ أشار إلى ذلك الموضع، فرجع الوليد إلى منزله ونام على سريره، وكانت ابنته نائمة أسفل منه، فانفجر الموضع الّذي أشار إليه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أسفل عقبه فسال منه الدّم حتّى صار إلى فراش ابنته.

فانتبهت ابنته(٥) ، فقالت: يا جارية، انحلّ وكاء القربة(٦) .

قال الوليد(٧) : ما هذا وكاء القربة، ولكنّه دم أبيك. فاجمعي لي ولدي وولد أخي، فإنّي ميّت.

فجمعتهم.

فقال لعبد الله بن أبي ربيعة: إنّ عمارة بن الوليد بأرض الحبشة بدار مضيّعة(٨) ، فخذ كتابا من محمّد إلى النّجاشيّ أن يردّه.

ثمّ قال لابنه هاشم، وهو أصغر ولده: يا بنيّ، أوصيك بخمس خصال فاحفظها: أوصيك بقتل أبي درهم الدّوسيّ، وان أعطوكم ثلاث ديات(٩) ، فإنّه غلبني على امرأتي وهي بنته، ولو تركها وبعلها كانت تلد لي ابنا مثلك. ودمي في خزاعة، وما تعمّدوا قتلي، وأخاف أن تنسوا بعدي. ودمي في بني خزيمة بن عامر. ودياتي(١٠) في ثقيف، فخذه. ولأسقف نجران عليّ مائتا دينار، فاقضها.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) ليس في المصدر: «المطّلب، والأسود بن عبد.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) ليس في المصدر: على باب المسجد.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) وكاء القربة: رباط القربة.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: مضيّقة.

(٩) ليس في المصدر: وان أعطوكم ثلاث ديات.

(١٠) المصدر: دياني. والسيرة لابن هشام: ربائي.


ثمّ فاضت نفسه.

ومرّ ربيعة بن الأسود برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فأشار جبرئيل إلى بصره، فعمى ومات.

ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فأشار جبرئيل إلى بطنه، فلم يزل يستسقي حتّى انشقّ بطنه.

ومرّ العاص بن وائل، فأشار جبرئيل إلى رجليه(١) ، فدخل عود في أخمص قدمه وخرج(٢) من ظاهره، ومات.

ومرّ به الحارث بن الطّلاطلة(٣) ، فأشار جبرئيل إلى وجهه، فخرج إلى جبال تهامة فأصابته السّمائم(٤) واستسقى حتّى انشقّ بطنه. وهو قول الله( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) .

فخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فقام على الحجر وقال: يا معشر قريش يا معاشر العرب، أدعوكم إلى شهادة: أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام. فأجيبوني، تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم وتكونوا ملوكا في الجنّة.

فاستهزءوا منه، وقالوا: جنّ محمّد بن عبد الله. ولم يجسروا عليه، لموضع أبي طالب.

فاجتمعت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا. فإن كان حمله(٥) على ذلك الغرم، جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا، ونزوّجه أيّ إمرأة شاء من قريش.

فقال له أبو طالب: ما هذا، يا ابن أخي؟

فقال: يا عمّ، هذا دين الله الّذي ارتضاه لأنبيائه ورسله، بعثني الله رسولا إلى النّاس.

فقال: يا ابن أخي، إنّ قومك قد أتوني يسألوني أن أسألك أن تكفّ عنهم.

__________________

(١) الظاهر: رجله.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فدخل يداه في أخمص قدميه وخرجت.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابن أبي الطلاطلة.

(٤) السمائم ـ جمع السموم ـ: الريح الحارّة.

(٥) المصدر: يحمله.


فقال: يا عمّ، إنّي لا أستطيع أن أخالف أمر ربّي.

فكفّ عنه أبو طالب.

ثمّ اجتمعوا إلى أبي طالب، فقالوا: أنت سيّد من ساداتنا، فادفع إلينا محمّدا لنقتله وتملّك علينا.

فقال أبو طالب قصيدة طويلة(١) ، يقول فيها :

ولمّا رأيت القوم لا ودّ عندهم

وقد قطعوا كلّ العرى والوسائل

كذبتم وبيت الله يبزى(٢) محمّد

ولمّا نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتّى نصرّع حوله

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

قال: فمّا اجتمعت قريش على قتل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وكتبوا الصّحيفة القاطعة، جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والرّكن والمقام والمشاعر في الكعبة، لئن شاكت محمّدا شوكة لآتين عليكم بني هاشم(٣) . فأدخله الشّعب، وكان يحرسه باللّيل والنّهار قائما بالسّيف على رأسه أربع سنين.

فلمّا خرجوا من الشّعب، حضرت أبا طالب الوفاة. فدخل عليه رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يجود بنفسه، فقال: يا عمّ، ربّيت صغيرا وكفلت يتيما، فجزاك الله عنّي جزاء(٤) ، أعطني كلمة أشفع لك بها عند ربّي.

فروي: أنّه لم يخرج من الدّنيا حتّى أعطى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الرّضا.

وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لو قمت المقام المحمود، لشفعت لأبي وأمّي وعمّي وأخ كان لي مؤاخيا في الجاهليّة.

وحدّثني(٥) أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة وعبد الله بن سنان وأبي حمزة الثّماليّ(٦) قالوا: سمعنا أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ، جعفر بن محمّد يقول: لـمّـا حجّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حجّ الوداع نزل بالأبطح ووضعت له وسادة فجلس عليها، ثمّ رفع يده إلى السّماء وبكى بكاء شديدا، ثمّ قال: يا ربّ، إنّك وعدتني في أبي وأمّي

__________________

(١) المصدر: قصيدته الطويلة.

(٢) يبزى: يغلب ويقهر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ببني هاشم.

(٤) المصدر: خيرا.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٨٠.

(٦) المصدر: ابن أبي حمزة الثمالي.


وعمّي أن لا تعذّبهم بالنّار.

قال: فأوحى الله إليه: إنّي آليت على نفسي أن لا يدخل جنّتي إلّا من شهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك عبدي ورسولي. ولكن(١) ائت الشّعب فنادهم، فإن أجابوك فقد وجبت لهم رحمتي.

فقام النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى الشّعب فناداهم: يا أبتاه ويا أمّاه ويا عمّاه.

فخرجوا ينفضون التّراب عن وجوههم(٢) .

وقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ألا ترون إلى هذه الكرامة الّتي أكرمني الله بها؟

فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك رسول الله حقّا حقّا، وأنّ جميع ما أتيت به من عند الله فهو الحقّ.

فقال: ارجعوا إلى مضاجعكم.

ودخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى مكّة، وقدم(٣) إليه عليّ ـ عليه السّلام ـ من اليمن.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ألا أبشّرك يا عليّ؟

فقال له: بأبي أنت وأمّي، لم تزل مبشّرا.

فقال: ألا ترى إلى ما رزقنا الله ـ تبارك وتعالى ـ في سفرنا هذا؟ وأخبره الخبر.

فقال عليّ: الحمد لله.

قال: وأشرك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في بدنته(٤) أباه وأمّه وعمّه.

وفي كتاب الاحتجاج(٥) للطبرسيّ ـ رحمه الله ـ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فإنّ هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولكنّي.

(٢) المصدر: رؤوسهم.

(٣) كذا في المصدر، ب. وفي سائر النسخ: ودخل عليّ ـ عليه السّلام ـ.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بدنة.

(٥) الاحتجاج ١ / ٣٢١.


قال له عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أرسل إلى فراعنة شتّى، مثل أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وأبي البحتريّ، والنّضر بن الحرث، وأبيّ بن خلف، ومنبّه ونبيه ابني الحجّاج، وإلى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن وائل السّهميّ، والأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، والأسود بن عبد(١) المطّلب، والحارث بن الطّلاطلة(٢) . فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، حتّى تبيّن لهم أنّه الحقّ.

قال له اليهوديّ: لقد انتقم الله ـ عزّ وجلّ ـ لموسى من فرعون.

قال له عليّ ـ عليه السّلام ـ لقد كان كذلك [ولقد](٣) انتقم الله ـ جلّ اسمه ـ لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من الفراعنة. فأمّا المستهزءون، فقد قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (٤) . فقتل الله خمستهم كلّ واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد.

فأمّا الوليد بن المغيرة، فمرّ بنبل لرجل من خزاعة قد راشه ووضعه في الطّريق، فأصابه شظيّة منه، فانقطع أكحله حتّى أدماه فمات. وهو يقول: قتلني ربّ محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وأمّا العاص بن وائل السّهمّي، فإنّه خرج في حاجة له إلى موضع، فتدهده تحته حجر(٥) ، فسقط، فتقطّع قطعة قطعة فمات. وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.

وأمّا الأسود بن عبد يغوث، فإنّه خرج يستقبل ابنه زقعة(٦) ، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فأخذ رأسه فنطح(٧) به الشّجرة. فقال لغلامه: امنع هذا عنّي.

فقال: ما أرى أحدا يصنع بك(٨) شيئا إلّا نفسك. فقتله، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.

وأمّا الأسود بن الحارث بن المطّلب(٩) ، فإنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ دعا عليه أن يعمي الله بصره وأن يثكله ولده. فلمّا كان في ذلك اليوم، خرج حتّى صار إلى موضع أتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بورقة خضراء، فضرب بها وجهه، فعمي وبقي حتّى أثكله الله

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) المصدر: الطلالة.

(٣) من المصدر.

(٤) الحجر / ٩٥.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بحجر.

(٦) المصدر: زمعة.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتنطح. (٨) ليس في المصدر. (٩) ليس في المصدر: بن المطّلب.


ـ عزّ وجلّ ـ ولده.

وأمّا الحارث بن الطّلاطلة(١) ، فإنّه خرج من بيته في السّموم، فتحوّل حبشيّا، فرجع إلى أهله فقال: أنا الحارث. فغضبوا عليه فقتلوه، وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.

وروي(٢) : أنّ أسود بن الحارث أكل حوتا مالحا، فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب الماء حتّى انشقّ بطنه فمات. وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.

كلّ ذلك في ساعة واحدة. وذلك أنّهم كانوا بين يدي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقالوا له: يا محمّد، ننتظر بك إلى الظّهر، فإن رجعت عن قولك وإلّا قتلناك.

فدخل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ منزله، فأغلق عليه بابه مغتمّا لقولهم.

فأتاه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ عن الله من ساعته، فقال: يا محمّد، السّلام يقرأ عليك السّلام وهو يقول:( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (٣) ، يعني: اظهر أمرك لأهل مكّة وادعهم إلى الإيمان.

قال: يا جبرئيل، كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني؟

قال له:( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) .

قال: يا جبرئيل، كانوا السّاعة بين يدي.

قال: قد كفيتهم(٤) .

فأظهر أمره عند ذلك. وأمّا بقيّتهم من(٥) الفراعنة فقتلوا يوم بدر بالسّيف، وهزم الله الجمع(٦) وولّوا الدّبر.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الخصال(٧) : عن أبان الأحمر رفعه قال المستهزءون بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ خمسة: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، والعاص بن وائل السّهميّ، والأسود بن عبد يغوث الزّهريّ، والأسود بن المطّلب، والحارث بن عطيّة(٨) الثّقفيّ.

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) (٩٧): من الشّرك، والطّعن في القرآن، وما يذكر في وصيّك، والاستهزاء بك.

__________________

(١) المصدر: الحارث بن أبي الطلالة.

(٢) الاحتجاج ١ / ٣٢٢.

(٣) الحجر / ٩٤.

(٤) أ، ب، ر: نفيتهم.

(٥) المصدر: «بقيّة» بدل «بقيتهم من».

(٦) المصدر: الجميع.

(٧) الخصال ١ / ٢٧٨، ح ٢٤.

(٨) المصدر: «الطلاطلة» بدل «عطيّة».


وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن الحسين وغيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى [ومحمد بن يحيى](٢) ومحمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد، عن ابن(٣) أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه حاكيا عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فذكر من فضل وصيّه ذكرا، فوقع النّفاق في قلوبهم. فعلم(٤) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك وما يقولون. فقال الله ـ جلّ ذكره ـ: يا محمّد( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) .

( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) (٥) . لكنّهم نصبت(٦) حجّة لهم.

وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يتألّفهم ويستعين ببعضهم على بعض، ولا يزال يخرج لهم شيئا في فضل وصيّه حتّى نزلت هذه الآية(٧) ، فاحتجّ عليهم حين أعلم بموته ونعيت إليه نفسه.

( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) : فافزع إلى الله فيما نابك بالتّسبيح والتّحميد، يكفك ويكشف الغمّ عنك. أو فنزّهه عمّا يقولون، حامدا له على أن هداك للحقّ.

( وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) (٩٨): من المصلّين.

وفي مجمع البيان(٨) : أنّه ـ عليه السّلام ـ كان إذا أصابه(٩) أمر، فزع إلى الصّلاة.

وفي أصول الكافي(١٠) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن القاسم بن محمّد الإصبهانيّ، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا حفص، إنّ من صبر، صبر قليلا. وإنّ من جزع، جزع قليلا.

ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع أمورك. فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ بعث محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأمره(١١) بالصّبر والرّفق، فصبر ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى نالوه بالعظائم ورموه بها

__________________

(١) الكافي ١ / ٢٩٤، ذيل ح ٣.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فهم.

(٥) الانعام / ٣٣.

(٦) المصدر: «يجحدون بغير» بدل «نصبت».

(٧) المصدر: السورة.

(٨) المجمع ٣ / ٣٤٧. (٩) المصدر: حزنه.

(١٠) الكافي ٢ / ٨٨، ح ٣. (١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأمره.


فضاق صدره. فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (٩٩)، أي: الموت، فإنّه متيقّن لحاقه كلّ حيّ مخلوق.

والمعنى: فاعبده ما دمت حيّا، ولا تخلّ بالعبادة لحظة.



تفسير

سُورَةِ النّحل



سورة النّحل

مكّيّة، غير ثلاث آيات في آخرها. وهي مائة [وثمان](١) وعشرون آية.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

في كتاب ثواب الأعمال(٢) ، بإسناده إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة النّحل في كلّ شهر، كفي المغرم في الدّنيا وسبعين نوعا من أنواع البلاء(٣) ، أهونه الجنون والجذام والبرص، وكان مسكنه في جنّة عدن وهي وسط الجنّان.

وفي مجمع البيان(٤) : أبي بن كعب عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من قرأها، لم يحاسبه الله ـ تعالى ـ بالنّعم الّتي أنعمها عليه في دار الدّنيا(٥) . وإن مات في يوم تلاها أو ليلته، اعطي(٦) . من الأجر، كالّذي مات وأحسن الوصيّة.

( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) قيل(٧) : كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ من قيام السّاعة أو إهلاك الله ـ تعالى ـ إيّاهم، كما فعل يوم بدر، استهزاء وتكذيبا، ويقولون: إن صحّ ما

__________________

(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨.

(٢) ثواب الأعمال / ١٣٣، ح ١.

(٣) المصدر: البلا [يا].

(٤) المجمع ٣ / ٣٤٧.

(٥) المصدر: في دار الدنيا وأعطى من الأجر كالّذي كالّذي مات وأحسن الوصية وإن مات الخ.

(٦) المصدر: «كان له» بدل «أعطى».

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨.


يقوله(١) ، فالأصنام تشفع لنا وتخلّصنا. فنزلت.

والمعنى: أنّ الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقّق، من حيث أنّه واجب الوقوع، فلا تستعجلوا وقوعه، فإنّه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم عنه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: نزلت لـمّـا سألت قريش رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن ينزّل عليهم العذاب.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله إذا أخبر(٤) أنّ شيئا كائن، فكأنّه قد كان.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٥) ، بإسناده إلى ابان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أوّل من يبايع القائم جبرئيل، ينزل في صورة طير أبيض فيبايعه. ثمّ يضع رجلا على بيت الله الحرام ورجلا على بيت المقدس، ثمّ ينادي بصوت ذلق(٦) تسمعه الخلائق:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) .

عن عليّ(٧) بن مهزيار(٨) ، عن القائم ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. فيه أنّه ـ عليه السّلام ـ تلا:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ،( أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ) .

فقلت: سيّدي يا ابن رسول الله، ما الأمر؟

قال: نحن أمر الله وجنوده(٩) .

وروى الشّيخ المفيد(١٠) في كتاب الغيبة، بإسناده: عن عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية قال: هو أمرنا، يعني: قيام قائمنا آل محمّد. أمرنا الله أن لا نستعجل به، فيؤيّده إذا أتى ثلاثة: جنود الملائكة، والمؤمنون، والرّعب.

وخروجه ـ عليه السّلام ـ، كخروج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من مكّة. وهو قوله :

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: تقول.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٢.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٤.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: إذا اجز الله.

(٥) كمال الدين / ٦٧١، ح ١٨.

(٦) المصدر: طلق. والذّلق: الفصيح.

(٧) كمال الدين / ٤٦٩ ـ ٤٧٠.

(٨) بعض نسخ المصدر: علي بن إبراهيم بن مهزيار.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فلا تستعجلوه» بدل «وجنوده».

(١٠) تفسير البرهان ٢ / ٣٥٩، ذيل ح ١ عنه.


( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ) .

( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (١): تبرّأ وجلّ عن أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم.

وقرأ(١) حمزة والكسّائي، بالتّاء، على وفق قوله:( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) . والباقون، بالياء، على تلوين الخطّاب، أو على أنّ الخطّاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم لما نقل: أنّه لـمّـا نزلت( أَتى أَمْرُ اللهِ ) فوثب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ورفع النّاس رؤوسهم، فنزلت( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) .

( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) قيل(٢) : بالوحي. أو القرآن، فإنّه يحيى به القلوب الميّتة بالجهل، أو يقوم في الدّين مقام الرّوح في الجسد.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) ، يعني: بالقوّة الّتي جعلها الله فيهم.

وعن أبي جعفر(٤) ـ عليه السّلام ـ يقول: بالكتاب والنّبوّة.

وقرأ(٥) ابن كثير وأبو عمرو: «وينزل» من أنزل.

وعن يعقوب(٦) ، مثله. وعنه: «تنزّل»، بمعنى: تتنزّل.

وقرأ(٧) أبو بكر: «تنزّل» على المضارع المبنيّ للمفعول، من التّنزيل.

( مِنْ أَمْرِهِ ) : بأمره. أو من أجله.

( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) : أن يتّخذه رسولا.

وفي أصول الكافي(٨) : محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن أسباط، عن الحسين بن أبي العلا، عن سعد الإسكاف قال: أتى رجل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يسأله عن الرّوح: أليس هو جبرئيل؟

فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: جبرئيل من الملائكة والرّوح غير جبرئيل [فكرّر ذلك على الرّجل.

فقال له: لقد قلت عظيما من القول، ما أحد يزعم أنّ الرّوح غير جبرئيل.](٩)

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣ و ٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨٢.

(٥ و ٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨.

(٨) الكافي ١ / ٢٧٤، ح ٦.

(٩) من المصدر.


فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّك ضالّ تروي عن أهل الضّلال. يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ لنبيّه:( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ، يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) . والرّوح غير الملائكة ـ عليهم السّلام ـ.

وفي كتاب بصائر الدّرجات(١) : عن الباقر ـ عليه السّلام ـ أنّه سئل عن هذه الآية.

فقال: جبرئيل الّذي نزل على الأنبياء، والرّوح يكون معهم ومع الأوصياء لا يفارقهم يفقّههم ويسدّدهم من عند الله. (الحديث).

( أَنْ أَنْذِرُوا ) : بأن أنذروا، أي: أعلموا. من أنذرته(٢) بكذا: إذا أعلمته.

( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) (٢): أنّ الشّأن لا إله إلّا أنا فاتّقون. أو خوّفوا أهل الكفر والمعاصي، بأنّه لا إله إلّا أنا.

قوله: «فاتّقون» رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود.

و «أن» قيل(٣) : هي مفسّرة، لأنّ الرّوح بمعنى الوحي الدّالّ على القول. أو مصدريّة في موضع الجرّ بدلا من الرّوح، أو النّصب بنزع الخافض. أو مخفّفة من الثّقيلة.

( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (٣): منهما، أو ممّا يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما وممّا لا يقدر على خلقهما.

( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) : جماد لا حسّ لها ولا حراك، سيّالة لا تحفظ الوضع والشّكل.

( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ ) : منطيق مجادل.

( مُبِينٌ ) (٤): للحجّة. أو خصيم مكافح لخالقه قائل:( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قال: خلقه من قطرة ماء منتن، فيكون خصيما متكلّما بليغا.

( وَالْأَنْعامَ ) : الإبل والبقر والغنم.

وانتصابها بمضمر يفسّره:( خَلَقَها لَكُمْ ) ، أو بالعطف على «الإنسان».

و( خَلَقَها لَكُمْ ) بيان ما خلقت لأجله. وما بعده تفصيل له.

__________________

(١) بصائر الدرجات / ٤٨٣، ح ١.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٨: نذرت.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨٢.


( فِيها دِفْءٌ ) .

«الدّفء» اسم لما يدفأ به، فيقي البرد(١) ، كما أنّ الملأ اسم لما يملأ به. وهو الدّفاء من لباس معمول من صوف أو وبر.

وفي كتاب الخصال(٢) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: سئل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أيّ المال خير؟

قال: زرع زرعه صاحبه وأدّى حقّه يوم حصاده.

قيل: وأيّ مال بعد الزّرع خير؟

قال: رجل في غنمه(٣) قد تبع بها مواقع(٤) القطر، يقيم الصّلاة ويؤتي الزّكاة.

قيل: فأيّ المال بعد الغنم خير؟

قال: البقر تغدو بخير(٥) وتروح بخير.

قيل: فأيّ المال بعد البقر خير؟

قال: الرّاسيات(٦) في الوحل المطعمات في المحل(٧) . نعم المال النّخل. من باعه، فإنّما ثمنه بمنزلة رماد على شاهقة(٨) اشتدّت به الرّيح في يوم عاصف، إلّا أن يخلف مكانها.

قيل: يا رسول الله، فأيّ المال بعد النّخل خير؟

فسكت.

فقال له الرّجل: فأين الإبل؟

قال: فيها الشّقاء والجفاء والعناء وبعد الدار(٩) ، تغدو مدبرة [وتروح مدبرة](١٠) ، لا يأتي خيرها إلّا من جانبها الأشأم.

__________________

(١) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٤٩. وفي النسخ :

فيقي الحرّ والبرد.

(٢) الخصال ١ / ٢٤٥، ح ١٠٥.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: غنيمة.

(٤) المصدر: المواضع.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «تفد وتجيء» بدل «تفد وبخير».

(٦) الراسيات: الثابتات في أماكنها لا تزول لعظمها.

(٧) المحل: الشدة والجدب وانقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ.

(٨) المصدر: على رأس شاهقة.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: الواد.

(١٠) من المصدر.


عن أبي عبد الله(١) ، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الغنم إذا أقبلت، أقبلت. وإذا أدبرت، أقبلت. والبقر إذا أقبلت، أقبلت. وإذا أدبرت، أدبرت. والإبل أعناق الشّياطين، إذا أقبلت، أدبرت. وإذا أدبرت، أدبرت. ولا يجيء خيرها إلّا من جانب الأشأم.

قيل: يا رسول الله، فمن يتّخذها بعد ذا؟

قال: فأين الأشقياء الفجرة؟

عن الحارث(٢) قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: عليكم بالغنم والحرث، فإنّهما يروحان بخير ويغدوان بخير. قال: فقيل له: يا رسول الله، فأين الإبل؟

قال: تلك أعناق الشّياطين، ويأتي خيرها من الجانب الأشأم.

قيل: يا رسول الله، إن سمع النّاس بذلك تركوها.

فقال إذا لا يعدمها الأشقياء الفجرة.

عن أمير المؤمنين(٣) ـ عليه السّلام ـ: أفضل ما يتّخذه الرّجل في منزله لعياله الشّاة.

فمن كان في منزله شاة، قدّست عليه الملائكة [في كلّ يوم مرّة ومن كانت عنده شاتان، قدست عليه الملائكة](٤) مرتين في كلّ يوم، وكذلك في الثّلاث. تقول: بورك فيكم.

عن الحسن بن مصعب(٥) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ لله ـ تعالى ـ في كلّ يوم وليلة ملكا ينادي: مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله، فلولا بهائم رتّع وصبية رضّع وشيوخ ركّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا وترضّون بها رضّا.

( وَمَنافِعُ ) : نسلها ودرّها وظهورها. وإنّما عبّر عنها بالمنافع، ليتناول عوضها وللاختصار.

( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) (٥)، أي: تأكلون ما يؤكل منها، كاللّحوم والشّحوم والألبان.

وتقديم الظّرف، للمحافظة على رؤوس الآي. أو لأنّ الأكل منها هو المعتاد

__________________

(١) الخصال ١ / ٢٤٦، ح ١٠٦.

(٢) الخصال ١ / ٤٥، ح ٤٤.

(٣) الخصال ٢ / ٦١٧.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر والمجلّد / ١٢٨، ح ١٣١. وفيه: الحسين بن مصعب.


والمعتمد عليه في المعاش، وأمّا الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التّداوي أو التّفكّه.

( وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ ) : تردّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشيّ.

( وَحِينَ تَسْرَحُونَ ) (٦): تخرجونها بالغداة إلى المراعي. فإنّ الأفنية تتزيّن بها في الوقتين، ويجلّ أهلها في أعين النّاظرين إليها.

وتقديم الإراحة، لأنّ الجمال فيها أظهر. فإنّها تقبل ملأى البطون حافلة الضّروع، ثمّ تأوى إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

وقرئ(١) : «حينا» على أنّ «تريحون» و «تسرحون» وصفان له، بمعنى: تريحون فيه وتسرحون فيه.

( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ) : أحمالكم.

( إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ ) إن لم تكن الأنعام ولم تخلق، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم إليه.

( إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ) : إلّا بكلفة ومشقّة.

وقرئ(٢) ، بالفتح. وهو لغة فيه.

وقيل(٣) : المفتوح مصدر شقّ الأمر عليه، وأصله: الصّدع. والمكسور، بمعنى: النّصف، كأنّه ذهب نصف قوته بالتّعب.

( إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (٧): حيث رحمكم بخلقها، لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم.

وفي الكافي(٤) : أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى [عن عبد الله بن يحيى](٥) الكاهليّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول ويذكر الحجّ، فقال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هو أحد الجهادين، هو جهاد الضّعفاء ونحن الضّعفاء. أمّا إنّه ليس شيء أفضل من الحجّ إلّا الصّلاة. وفي الحجّ هاهنا صلاة، وليس في الصّلاة قبلكم حج. لا تدع الحجّ وأنت تقدر عليه. أما ترى أنّه يشعث(٦) رأسك ،

__________________

(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٩.

(٤) الكافي ٤ / ٢٥٣، ح ٧.

(٥) من المصدر.

(٦) شعث رأسه: تفرّق شعره وجلده.


ويقشف(١) فيه جلدك، وتمتنع فيه من النّظر إلى النّساء. وإنّا نحن هاهنا ونحن قريب، ولنا مياه متّصلة ما نبلغ الحجّ حتّى يشقّ علينا، فكيف أنتم في بعد البلاد. وما من ملك ولا سوقة(٢) يصل إلى الحجّ، إلّا بمشقّة في تغيير مطعم أو مشرب أو ريح أو شمس لا يستطيع ردّها. وذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ) (الآية).

وفي كتاب علل الشّرائع(٣) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان وفضالة، عن القاسم الكاهليّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يذكر الحجّ. وذكر، مثل ما نقلناه عن الكاهليّ سواء.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وقوله:( وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ) .

قال: حين ترجع من المرعى.

قوله:( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ) .

قال: إلى مكة والمدينة وجمع البلدان.

( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ ) : عطف على «الأنعام».

( لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) : ولتتزيّنوا بها زينة.

وقيل(٥) : هي معطوفة على محلّ «لتركبوها». وتغيير النّظم لأنّ الزّينة بفعل الخالق والرّكوب ليس بفعله، ولأنّ المقصود من خلقها الرّكوب وأمّا التّزيّن بها فحاصل بالعرض.

وقرئ(٦) ، بغير واو. وعلى هذا يحتمل أن يكون علّة «لتركبوها»، أو مصدرا في موقع الحال من أحد الضّميرين، أي: متزيّنين، أو متزيّنا بها.

في تفسير العيّاشي(٧) : عن زرارة، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن أبوال الخيل [والبغال](٨) والحمير.

__________________

(١) القشف: رثاثة الهيئة وسوء الحال.

(٢) السوقة: الرعيّة.

(٣) العلل / ٤٥٧، ح ٢.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨٢.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٩.

(٦) نفس المصدر والموضع.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٥.

(٨) من المصدر.


قال: نكرّهها(١) .

فقلت: أليس لحمها حلالا؟

فقال: أليس قد بيّن الله لكم( وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) . وقال: [في الخيل]( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ ) (٢) ( وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) . فجعل للأكل الأنعام(٣) الّتي قصّ الله في الكتاب، وجعل للرّكوب الخيل والبغال والحمير. وليس لحومها بحرام، ولكن النّاس عافوها.

وفي الكافي(٤) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن غير واحد، عن أبان، عن زرارة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الخيل كانت وحوشا في بلاد العرب، فصعد إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السّلام ـ على جبل جياد(٥) ثمّ صاحا: ألا هلا(٦) .

قال: فما بقي [فرس](٧) إلّا أعطاهما بيده، وأمكن من ناصيته.

عنه، عن(٨) عليّ بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.

عنه(٩) ، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن معمّر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: الخير كلّه معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة.

وفي كتاب علل الشّرائع(١٠) ، بإسناده إلى عبدوس بن أبي عبيدة قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: أوّل من ركب الخيل إسماعيل، وكانت وحشيّة لم تركب، فحشرها(١١) الله ـ عزّ وجلّ ـ على إسماعيل من جبل منى. وإنّما سمّيت الخيل: العراب، لأنّ أوّل من ركبها إسماعيل.

وبإسناده إلى محمّد بن يعقوب: عن عليّ بن محمّد بإسناده قال: قال علي ـ عليه

__________________

(١) كذا في بعض نسخ المصدر. وفي النسخ: فكرّهها.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقال في الخيل والبغال.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فجعل الأكل من الأنعام.

(٤) الكافي ٥ / ٤٧، ح ١.

(٥) جياد: جبل بمكّة.

(٦) هلا، أي: اقربي.

(٧) من المصدر. (٨) الكافي ٥ / ٤٨، ح ٢.

(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٣. (١٠) العلل ١ / ٣٩٣، ح ٥.

(١١) المصدر: لا تركب فسخرها.


السّلام ـ لبعض اليهود وقد سأله عن مسائل: أوّل من ركب الخيل قابيل يوم قتل أخاه هابيل. وأوّل من ركب البغل(١) ابن آدم ـ عليه السّلام ـ وذلك كان له ابن يقال له: معد، وكان عشوقا للدّوابّ. وأوّل من ركب الحمار حوّاء.

وفي كتاب الخصال(٢) : عن امّ الدرداء، عن أبي الدردا، قال(٣) : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من أصبح معافي في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا. يا بن آدم، يكفيك من الدّنيا ما سدّ جوعتك ووارى عورتك. فإن يكن بيت يكنّك، فذاك. وإن يكن دابّة تركبها، فبخ بخ فلق الخبز وماء الجرّ(٤) ، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب.

عن نافع بن عبد الحارث(٥) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من سعادة المسلم سعة المسكن والجار الصّالح والمركب الهنيء.

عن أبي عبد الله(٦) ـ عليه السّلام ـ قال: سمعت أبي يحدّث، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: ركوب الحمار مردوفا(٧) . (الحديث).

وعن الإمام الباقر(٨) ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: خمس لست بتاركهنّ حتّى الممات: ركوب الحمار مردوفا(٩) . (الحديث).

عن يعقوب بن سالم(١٠) ، رفع الحديث إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا يرتدف(١١) ثلاثة على دابّة، فإنّ أحدهم ملعون، وهو المقدّم.

عن الحسين بن زيد(١٢) ، قال: بلغني أنّ الله ـ تعالى ـ خلق الخيل من أربعة أشياء :

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الخيل.

(٢) الخصال ١ / ١٦١، ح ٢١١.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن امّ الدرداء، قالت.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فالخير وما الخير» بدل «فلق الخبز وماء الجرّ».

(٥) الخصال ١ / ١٨٣، ح ٢٥٢.

(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٢٧١، ح ١٢. بتلخيص وحذف.

(٧) بعض نسخ المصدر: مؤكفا. وبعضها الآخر: مردفا.

(٨) الخصال ١ / ٢٧١، ح ١٣.

(٩) المصدر: مؤكفا.

(١٠) نفس المصدر والمجلّد / ٩٨، ح ٤٨.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يردف. (١٢) نفس المصدر والمجلّد / ٢٦٠، ح ١٣٧.


من البحر الأعظم المحدق بالدّنيا، ومن النّار، ومن دموع ملك يقال له: إبراهيم، ومن بئر طيبة.

( وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) (٨).

وقيل(١) : لـمّـا فصّل(٢) الحيوانات الّتي يحتاج إليها غالبا احتياجا ضروريّا أو غير ضروريّ، أجمل غيرها. ويجوز أن يكون إخبارا بأنّ له من الخلائق ما لا علم لنا به، وأن يراد به ما خلق في الجنّة والنّار ممّا لم يخطر على قلب بشر.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قال: العجائب الّتي خلقها في البرّ والبحر.

( وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) : بيان مستقيم الطّريق الموصل إلى الحقّ. أو إقامة السّبيل وتعديلها، رحمة وفضلا. أو عليه قصد السّبيل الّذي يصل إليه من يسلكه لا محالة.

يقال: سبيل قصد وقاصد، أي: مستقيم، كأنّه يقصد الوجه الّذي يقصده السّالك لا يميل عنه.

والمراد بالسّبيل: الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد. وقال:( وَمِنْها جائِرٌ ) : مائل عن القصد، أو عن الله ـ تعالى ـ.

وتغيير الأسلوب لأنّه ليس بحقّ على الله ـ تعالى ـ أن يبيّن طريق الضّلالة، أو لأنّ المقصود بيان سبيله. وتقسيم السّبيل إلى القصد والجائر، إنّما جاء بالعرض.

وقرئ(٤) : «ومنكم جائر»، أي: عن القصد.

( وَلَوْ شاءَ ) : الله.

( لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) (٩)، أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السّبيل هداية مستلزمة للاهتداء.

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) : من السّحاب، أو من جانب السّماء.

( ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ) : ما تشربونه.

و «لكم» صلة «أنزل». أو خبر «شراب»، و «من» تبعيضيّة متعلّقة به.

وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به، لأنّ مياه العيون والآبار منه لقوله :

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٤٩.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فصلت.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٨٢.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٠.


( فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ) وقوله:( فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ) .

( وَمِنْهُ شَجَرٌ ) : ومنه يكون شجر.

قيل(١) : يعني: الشّجر الّذي ترعاه المواشي.

وقيل(٢) : كلّ ما ينبت على الأرض شجر. قال :

نعلفها اللّحم إذا عزّ الشّجر

والخيل في إطعامها اللّحم ضرر

( فِيهِ تُسِيمُونَ ) (١٠): ترعون. من سامت الماشية، وأسامها صاحبها.

وأصلها: السّومة، وهي العلامة. لأنّها تؤثر بالرّعي علامات.

( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ ) وقرأ(٣) أبو بكر، بالنّون، على التّفخيم.

( وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) : وبعض كلّها، إذ لم ينبت في الأرض كلّ ما يمكن من الثّمرات.

قيل(٤) : ولعلّ تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه، لأنّه سيصير غذاء حيوانيّا هو أشرف الأغذية. ومن هذا تقديم الزّرع، والتّصريح بالأجناس الثّلاثة، وترتيبها.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (١١): على وجود الصّانع وحكمته. فإنّ من تأمّل أنّ الحبّة تقع في الأرض، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشقّ أعلاها ويخرج منها ساق الشّجر، وينشقّ أسفلها فيخرج منها عروقها، ثمّ تنمو ويخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثّمار، ويشتمل كلّ منها على الأجسام المختلفة الأشكال والطّبائع(٥) مع اتّحاد الموادّ ونسبة الطّبائع السّفليّة والتّأثيرات الفلكيّة إلى الكلّ، علم أنّ ذلك ليس إلّا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة الأضداد والأنداد.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ ) : بأن هيّأها لمنافعكم.

( مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ ) : حال من الجميع، أي: نفعكم بها كونها مسخّرات لله خلقها لله ودبّرها كيف شاء. أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره، أو لحكمه. وفيه إيذان بالجواب عمّا عسى أن يقال: إنّ المؤثّر في تكوين النّبات حركات الكواكب وأوضاعها ،

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٠.

(٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) المصدر: أجسام مختلفة الأشكال والطباع.


فإنّ ذلك إن سلم فلا ريب في أنّها أيضا ممكنة الذّات والصّفات واقعة على بعض الوجوه المحتملة، فلا بدّ لها من موجد مخصّص مختار واجب الوجود دفعا للدّور والتسلسل.

أو مصدر ميميّ، جمع لاختلاف الأنواع(١) .

وقرأ(٢) حفص:( وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ ) على الابتداء والخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه. ورفع ابن عامر( الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) أيضا.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (١٢): جمع الآية وذكر العقل، لأنّها تدلّ أنواعا من الدّلالة ظاهرة(٣) لذوي العقول السّليمة غير محوجة إلى استيفاء(٤) وفكر، كأحوال النّبات.

( وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) : عطف على «اللّيل»، أي: وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات.

( مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ) : أصنافه، فإنّها تتخالف باللّون غالبا.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) (١٣): أنّ اختلافها في الطّبائع والهيئات والمناظر ليس إلّا بصنع صانع حكيم.

( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ) : جعله بحيث تتمكّنون من الانتفاع به بالرّكوب والاصطياد والغوص.

( لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا ) : هو السّمك.

ووصفه بالطّراوة، لأنّه أرطب اللّحوم فيسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله، ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريّا في ماء زعاق.

( وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) ، كاللّؤلؤ والمرجان.

( وَتَرَى الْفُلْكَ ) : السّفن.

( مَواخِرَ فِيهِ ) : جواري فيه، تشقّه بحيزومها. من المخر، وهو شقّ الماء.

وقيل(٥) : صوت جري الفلك.

( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) : من سعة رزقه بركوبها للتّجارة.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: النوع.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٠.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الظاهرة.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: استئناف.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٥١.


( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١٤)، أي: تعرفون نعم الله، فتقومون بحقّها.

( وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ) : جبالا ثوابت.

( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) : كراهة أن تميل بكم وتضطرب.

قيل: وذلك، لأنّ الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطّبع، وكان من حقّها أن تتحرّك بالاستدارة، كالأفلاك أو أن تتحرّك بأدنى سبب للتّحريك. فلمّا خلقت الجبال على وجهها، تفاوتت جوانبها وتوجّهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت، كالأوتاد الّتي تمنعها عن الحركة.

وقيل(١) : لـمّـا خلق الله الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها. فأصبحت وقد أرسيت بالجبال.

وفي كتاب معاني الأخبار(٢) ، بإسناده إلى سفيان بن سعيد الثوريّ: عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: وأمّا «ق» فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السّماء منه، وبه يمسك الله الأرض أن تميد بأهلها.

وفي أصول الكافي(٣) : أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليّ و(٤) محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ باب الله الّذي لا يؤتى إلّا منه، وسبيله الّذي من سلك بغيره هلك. وكذلك يجري الأئمّة الهدى واحدا بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها.

الحسين بن محمّد الأشعريّ(٥) ، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور القمّيّ، عن محمّد بن سنان قال: حدّثنا المفضّل قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول.

وذكر، كالحديث السّابق.

عليّ بن محمّد(٦) ومحمّد بن الحسين(٧) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد، شباب الصّيرفي قال: حدّثنا سعيد الأعرج، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. ثمّ ذكر مثله

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥١.

(٢) المعاني / ٢٢ ـ ٢٣، ضمن ح ١.

(٣) الكافي ١ / ١٩٦، ح ١.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.

(٥) الكافي ١ / ١٩٧، ذيل ح ١.

(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢.

(٧) المصدر: الحسن.


ـ أيضا ـ.

محمّد بن يحيى(١) وأحمد بن محمّد جميعا، عن محمّد بن الحسين، عن عليّ بن حسّان قال: حدّثني أبو عبد الله الرّياحيّ، عن أبي الصّامت الحلوانيّ(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ. ثمّ ذكر مثله ـ أيضا ـ بتغيير يسير.

وهذه الأحاديث الأربعة طويلة أخذت منها موضع الحاجة.

وفي كتاب الخصال(٣) : عن الصّادق، عن أبيه، عن جدّه(٤) ـ عليهم السّلام ـ: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: [ما خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ خلقا إلّا وقد أمّر عليه اخر يغلبه وذلك](٥) إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لـمّـا خلق البحار فخرت وزخرت وقالت: أيّ شيء يغلبني؟ فخلق الله الفلك فأدارها به وذلّلها. ثمّ أنّ الأرض فخرت وقالت: أيّ شيء يغلبني؟ فخلق الله الجبال فأثبتها في ظهرها أوتادا منعها من أن تميد بأهلها، وذلّت(٦) الأرض واستقرّت.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى أبي هراسة: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

وبإسناده(٨) إلى إبراهيم بن أبي محمود قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ ولا تخلو الأرض من قائم منّا ظاهر أو خاف(٩) . ولو خلت يوما بغير حجّة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

وبإسناده(١٠) له آخر إلى أبي هراسة: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لو أنّ الإمام رفع من الأرض لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله.

وبإسناده(١١) إلى سليمان بن مهران الأعمش: عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن

__________________

(١) الكافي ١ / ١٩٧، ح ٣.

(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٣٩٤. وفي النسخ: أبي الصلت الحلوائيّ.

(٣) الخصال ١ / ٤٤٢، صدر ح ٣٤.

(٤) ليس في المصدر: عن جدّه.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: منعها أن تميد بما عليها، فذلّت.

(٧) كمال الدين ١ / ٢٠٢، ح ٣.

(٨) كمال الدين ١ / ٢٠٢، ح ٦.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: خفيّ.

(١٠) نفس المصدر والمجلّد / ٢٠٣، ح ٩.

(١١) كمال الدين ١ / ٢٠٧، ح ٢٢.


أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين ـ عليهم السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه: وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها(١) .

وبإسناده(٢) إلى الحسين بن عليّ بن أبي حمزة الثّماليّ: عن أبيه، عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وبهم يمسك الله ـ عزّ وجلّ ـ السّماء أن تقع على الأرض إلّا بأذنه، وبهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها.

ويروى(٣) في الأخبار الصّحيحة عن أئمّتنا ـ عليهم السّلام ـ: أنّ من رأى رسول الله أو واحدا من الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ قد دخل مدينة أو قرية في منامه، فإنّه أمن لأهل تلك المدينة أو القرية ممّا يخافون ويحذرون، وبلوغ لما يأملون ويرجون.

( وَأَنْهاراً ) : وجعل فيها أنهارا. لأنّ «ألقى» فيه معناه.

( وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (١٥): لمقاصدكم، أو إلى معرفة الله ـ تعالى ـ.

( وَعَلاماتٍ ) : معالم يستدلّ بها السّابلة، من جبل ومنهل وريح ونحوها.

( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (١٦): باللّيل في البراري والبحار. والمراد بالنّجم: الجنس. ويدلّ عليه قراءة: «وبالنّجم» بضمّتين، وضمّة وسكون على الجمع.

وقيل(٤) : الثّريّا، والفرقدان، وبنات نّعش، والجدي.

قيل(٥) : ولعلّ الضّمير لقريش، لأنّهم كانوا كثير الأسفار للتّجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنّجوم.

وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النّجم وإقحام الضّمير، للتّخصيص، كأنّه قيل: وبالنّجم هؤلاء خصوصا يهتدون. فالاعتبار بذلك والشّكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم.

وفي أصول الكافي(٦) : الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن أبي داود المسترق قال: حدّثنا داود الجصّاص قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

__________________

(١) بعض نسخ المصدر: أن تمور بأهلها.

(٢) نفس المصدر والمجلّد / ٢٥٩، ذيل ح ٣.

(٣) كمال الدين ١ / ٢١٠.

(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٥١.

(٦) الكافي ١ / ٢٠٦، ح ١.


قال: النجم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و «العلامات» الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.

الحسين بن محمّد(١) ، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أسباط بن سالم قال: سأل الهيثم أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ وأنا عنده عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

[فقال: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ النّجم. و «العلامات» الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.

الحسين بن محمّد(٢) ، عن معلى بن محمد عن الوشاء قال: سألت الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) ](٣) .

قال: نحن العلامات، والنّجم رسول الله.

وفي كتاب المناقب(٤) لابن شهر آشوب: داود الجصّاص، عن الصّادق. والوشّاء عن الرّضا ـ عليهما السّلام ـ: «النّجم» رسول الله. و «العلامات» الأئمّة.

عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: أنت نجم بني هاشم.

وعنه(٥) قال ـ عليه السّلام ـ: أنت أحد العلامات.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن النّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: «النّجم» رسول الله. و «العلامات» الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.

حدّثني(٧) أبي، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له:( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ) .

قال: «النّجم» رسول الله. وقد سمّاه الله ـ عزّ وجلّ ـ في غير موضع، فقال:( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ) . وقال:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) . فالعلامات الأوصياء ،

__________________

(١) الكافي ١ / ٢٠٧، ح ٢.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٣.

(٣) من المصدر.

(٤) المناقب ٤ / ١٧٨.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٨٣.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ٣٤٣.


والنّجم رسول الله.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي مجمع البيان(١) : وروى أبو الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ(٢) : إنّ الله جعل النّجوم أمانا لأهل السّماء، وجعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض.

وفي أمالي شيخ الطّائفة(٣) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى أبي بصير: عن أبي عبد الله، جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

قال: «النّجم» رسول الله.

و «العلامات» الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ في قوله:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

قال: هو أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.

عن محمّد بن الفضيل(٥) ، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

قال: نحن العلامات. والنجم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

[عن إسماعيل بن أبي زياد(٦) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ :](٧) ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) . قال: هو الجدي. لأنّه نجم لا يزول، وعليه بناء القبلة، وبه يهتدون أهل البرّ والبحر.

[عن إسماعيل بن أبي زياد(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) .

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٥٤.

(٢) المصدر: وقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ نحن العلامات والنجم رسول الله وقال» بدل «وروى قال رسول الله صلّى الله عليه وآله».

(٣) أمالي الطوسي ١ / ١٦٤.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٥، ح ٧.

(٥) نفس المصدر والموضع، ح ١٠.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٦، ح ١٢.

(٧) من المصدر.

(٨) نفس المصدر والموضع، ح ١٣.


قال: ظاهر وباطن الجدي وعليه تبنى القبلة وبه يهتدي أهل البرّ والبحر لأنه](١) لا يزول. يعني معناه: الظاهر الجدي، والباطن رسول الله.

( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ) : إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرّد بخلق ما عدّد من مبدعاته(٢) لأنّ يساويه ويستحقّ مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما. وكان حقّ الكلام: أفمن لا يخلق، كمن يخلق. لكنّه عكس تنبيها على أنّهم بالإشراك بالله ـ سبحانه وتعالى ـ جعلوه من جنس المخلوقات، فحصل التّشابه، وجاز جعل كلّ منهما مشبّها بها.

والمراد بمن «لا يخلق»: كلّ ما عبد من دون الله، مغلّبا فيه أولو العلم منهم. أو الأصنام، وأجروها مجرى أولي العلم، لأنّهم سمّوها آلهة ومن حقّ الإله أن يعلم. أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق. أو للمبالغة، وكأنّه قيل: إنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم، فكيف بما لا علم عنده.

( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) (١٧): فتعرفوا فساد ذلك. فإنّه لجلائه،(٣) ، كالحاصل للعقل الّذي يحضر عنده بأدنى تذكّر والتفات.

( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) : لا تضبطوا عددها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. أتبع ذلك تعداد النّعم وإلزام الحجّة على تفرّده باستحقاق العبادة، تنبيها على أنّ وراء ما عدّد نعما لا تنحصر، وأنّ حقّ عبادته غير مقدور.

( إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ ) : حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها.

( رَحِيمٌ ) (١٨): لا يقطعها لتفريطكم فيه، ولا يعاجلكم فيه بالعقوبة على كفرانها.

( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ) (١٩): من عقائدكم وأعمالكم. وهو وعيد وتزييف للشّرك باعتبار العلم.

( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) ، أي: والآلهة الّذين تعبدونهم من دونه.

وقرأ(٤) أبو بكر: «يدعون» بالياء.

وقرأ(٥) حفص ثلاثتها، بالياء.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) ب: مبتدعاته.

(٣) أ، ب: بجلاله.

(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٢.


( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ) : لـمّـا نفى المشاركة بين من يخلق وبين من لا يخلق، بيّن أنّهم لا يخلقون شيئا، ليتّضح أنّهم لا يشاركونه. ثمّ أكّد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهيّة، فقال:( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) (٢٠): لأنّهم ذوات ممكنة، مفتقرة الوجود إلى التّخليق. والإله ينبغي أن يكون واجب الوجود.

( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ) : أموات لا تعتريهم الحياة. أو أموات حالا أو مآلا غير أحياء بالذّات، ليتناول كلّ معبود. والإله ينبغي أن يكون حيّا بالذّات لا يعتريه الممات.

( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (٢١): ولا يعلمون وقت بعثهم أو بعث عبدتهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم. والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدّر للثّواب والعقاب.

( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) : تكرير للمدّعي بعد إقامة الحجّة.

( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (٢٢): بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحقّ، وذلك عدم إيمانهم بالآخرة. فإنّ المؤمن بها يكون طالبا للدّلائل متأمّلا فيما يسمع فينتفع به، والكافر بها يكون حاله بالعكس. وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلّا بالبرهان اتّباعا للأسلاف وركونا إلى المألوف، فإنّه ينافي النّظر والاستكبار عن اتّباع الرّسول وتصديقه والالتفات إلى قوله. والأوّل هو العمدة في الباب، فلذلك رتّب عليه ثبوت الآخرين.

( لا جَرَمَ ) : حقّا.

( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ) : فيجازيهم. وهو في موضع الرّفع «بجرم». لأنّه مصدر، أو فعل.

( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) (٢٣): فضلا عن الّذين استكبروا عن توحيده واتّباع رسوله.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن هذه الآية.

قال:( الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) الأوّل والثّاني والثّالث، كذّبوا رسول الله بقوله: والوا عليّا واتّبعوه. فعادوا عليّا ولم يوالوه، ودعوا النّاس إلى ولاية أنفسهم. فذلك

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٦ ـ ٢٥٧، ح ١٤.


قول الله:( الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) . قال: وأمّا قوله:( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ) فإنّه يعني: لا يعبدون شيئا.( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) فإنّه يعني: وهم يعبدون.

وأمّا قوله:( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ) ، [يعني كفار غير احياء](١) يعني: كفّار غير مؤمنين.

وأمّا قوله:( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) فإنّه يعني: أنّهم لا يؤمنون، أنّهم يشركون( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) . فإنّه، كما قال الله.

وأمّا قوله:( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) [فإنّه يعني: لا يؤمنون](٢) بالرّجعة أنّها حقّ.

وأمّا قوله:( قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) [فإنّه](٣) يعني: قلوبهم كافرة.

وأمّا قوله:( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) فإنّه يعني: عن ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ [مستكبرون. قال الله لمن فعل ذلك، وعيدا منه.( لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) عن ولاية علي ـ عليه السّلام ـ](٤) .

عن أبي حمزة الثّماليّ(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ مثله سواء.

عن مسعدة(٦) قال: مرّ الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ بمساكين قد بسطوا كساء لهم، فألقوا عليه كسرا.

فقالوا: هلمّ، يا ابن رسول الله.

فثنى وركه، فأكل معهم. ثمّ تلا:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن عبد الرّحيم، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول في قوله ـ تعالى ـ:( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) ، يعني: أنّهم لا يؤمنون بالرّجعة أنّها حق.( قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) ، يعني: أنّها كافرة.( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) ، يعني: أنّهم عن ولاية عليّ مستكبرون.( لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) عن ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢ و ٣) من المصدر.

(٤) ليس في ب.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٧.

(٦) نفس المصدر والموضع، ح ١٥.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٨٣.


وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، [وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد](٢) عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: ومن ذهب يرى أنّ له على الآخر فضلا، فهو من المستكبرين.

فقلت له: إنّما يرى أنّ له عليه فضلا بالعافية(٣) إذا رآه مرتكبا للمعاصي.

قال: هيهات هيهات، فلعلّه أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف تحاسب(٤) .

أما تلوت قصّة سحرة موسى ـ صلوات الله عليه ـ.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) : القائل بعضهم على التّهكّم. أو الوافدون عليهم. أو المسلمون.

( قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) (٢٤)، أي: ما تدّعون نزوله، أو المنزل أساطير الأوّلين. وإنّما سمّوه: منزلا، على التّهكّم. أو على الفرض، أي: على تقدير أنّه منزل، فهو أساطير الأوّلين لا تحقيق فيه. والقائلون له قيل(٥) : هم المقتسمون.

( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، أي: قالوا ذلك إضلالا للنّاس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة. فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضّلال.

( وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ) : وبعض أوزار ضلال من يضلّونهم. وهو حصّة التّسبّب.

( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) : حال من المفعول، أي: يضلّون من لا يعلم أنّهم ضلّال. وفائدتها الدّلالة على أنّ جهلهم لا يعذرهم، إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميّزوا بين المحقّ والمبطل.

( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) (٢٥): بئس شيئا يزرونه فعلهم.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزّل جبرئيل ـ عليه السّلام ـ هذه الآية هكذا: وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين( لِيَحْمِلُوا ) ، يعني: بني إسرائيل.

__________________

(١) الكافي ٨ / ١٢٨، ضمن ح ٩٨.

(٢) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالعاقبة.

(٤) المصدر: محاسب.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٣.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٧، ح ١٧.


[عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله: وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين، يعني: بني إسرائيل.](١) .

عن جابر(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله: وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم في علي قالوا أساطير الأولين سجع(٣) أهل الجاهليّة في جاهليّتهم. فذلك قوله:( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) .

وأمّا قوله:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) فانّه يعني: ليستكملوا(٤) الكفر يوم القيامة.

وأمّا قوله:( وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، يعني: يتحمّلون كفر الّذين يتولّونهم. قال الله:( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) .

[عن أبي حمزة(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ، يعني ليستكملوا(٦) الكفر يوم القيامة( وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) ، يعني: كفر الّذين يتولّونهم(٧) قال الله ـ تعالى ـ:( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) ](٨) .

وفي تفسير علي بن إبراهيم: قال: يحملون آثامهم، يعني: الّذين غصبوا أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وآثام كلّ من اقتدى بهم. وهو قول الصادق ـ عليه السّلام ـ: والله ما أهريقت محجمة(٩) من دم ولا قرع عصا بعصا ولا غصب فرج حرام ولا أخذ مال من غير حلّه، إلّا ووزر ذلك في أعناقهما(١٠) من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء.

حدّثني(١١) أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: خطب أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ بعد ما بويع له بخمسة أيّام خطبة.

فقال فيها: اعلموا أنّ لكلّ حقّ طالبا ولكلّ دم ثائرا(١٢) . والطّالب [بحقّنا](١٣) ، كقيام الثّائر

__________________

(١) الظاهر أنّه زائد ولا يوجد في تفسير العيّاشي ونور الثقلين.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٧، ح ١٨.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: شجع.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: كمّلوا.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٧، ح ١٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليحملوا.

(٧) يتلونهم.

(٨) ليس في أ، ب. (٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لمحجمة.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعناقها. (١١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٤.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثارا. (١٣) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.


بدمائنا(١) . والحاكم في حقّ نفسه، هو العادل الّذين لا يحيف. والحاكم الّذي لا يجور، فهو الله الواحد القهّار. واعلموا أنّ على كلّ شارع بدعة وزره ووزر كلّ مقتد من بعده، من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء. وسينتقم الله من الظلمة، مأكلا بمأكل ومشربا بمشرب، من لقم العلقم(٢) ومشارب الصبر(٣) الأدهم. فليشربوا بالصّلب(٤) من الرّاح السّمّ المذاق، وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا، ولهم بكلّ ما أتوا وعملوا من أفاويق الصّبر الأدهم فوق ما أتوا وعملوا. أما إنّه لم يبق إلّا الزّمهرير من شتائهم(٥) ، وما لهم من الصّيف إلّا رقدة. ويحهم(٦) ما تزوّدوا(٧) وحملوا(٨) على ظهورهم من الآثام، فيا مطايا الخطايا ويا زور الزّور(٩) وأوزار الآثام(١٠) مع الّذين ظلموا.

اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم ف( سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) . فأقسم ثمّ أقسم ليتحمّلنّها بنو أميّة من بعدي وليعرفنّها في دار غيرهم عمّا قليل، فلا يبعد الله إلّا من ظلم وعلى البادي، يعني: الأوّل، ما سهل(١١) ، لهم من سبل الخطايا، مثل أوزارهم وأوزار كلّ من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة.( وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) .

وفي مجمع البيان(١٢) : روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: أيّما داع دعا إلى الهدى فاتّبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. وأيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع، عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم.

( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ، أي: سوّوا منصوبات وحيلا ليمكروا بها رسل الله.

( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) : فأتاها أمره من جهة العمد الّتي بنوا عليها بأن ضعضعت.

__________________

(١) ليس في ب: الثائر بدمائنا.

(٢) العلقم: الحنظل وكل شجر مرّ.

(٣) الصبر: عصارة شجر مرّ.

(٤) ب: بالصليب. والمصدر: بالصب.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: اشتائهم.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وتحسبهم.

(٧) ب: زودوا.

(٨) المصدر: جمعوا.

(٩) بعض نسخ المصدر: ويا رزء الزور.

(١٠) المصدر: وزاد الآثام.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأسهل.

(١٢) المجمع ٣ / ٣٥٦.


( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) : فصار سبب هلاكهم.

( وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) (٢٦): لا يحتسبون ولا يتوقّعون.

قيل(١) : هو على سبيل التّمثيل. وفي الأمثال: من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا.

وقيل(٢) : المراد به: نمرود بن كنعان. بنى الصّرح ببابل سمكه خمسة آلاف(٣) ذراع ليترصّد أمر السّماء، فأهبّ الله الرّيح فخرّ عليه وعلى قومه، فهلكوا.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن الحسن(٥) بن زياد الصّيقل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول:( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) ولم يعلم الّذين آمنوا( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ) .

قال محمّد بن كليب(٦) ، عن أبيه قال: إنّما كان بيتا.

عن محمّد بن مسلم(٧) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) .

قال: كان بيت غدر يجتمعون فيه إذا أرادوا الشّرّ.

عن أبي السّفاتج(٨) ، [عن كليب](٩) عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) . قال: [لا](١٠) فأتى الله بيتهم من القواعد، وإنّما كان بيتا.

وفي مجمع البيان(١١) : وروي عن أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ فأتى الله بيتهم(١٢) من القواعد.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٣) : حدّثني أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ )

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٣.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الآلف.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٨، ح ٢٢.

(٥) كما في جامع الرواة ١ / ١٩٩. وفي المصدر: الحسين.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٨، ح ٢٢.

(٧) نفس المصدر والموضع، ح ٢٣.

(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٢١.

(٩ و ١٠) من المصدر.

(١١) المجمع ٣ / ٣٥٦.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بنيانهم.

(١٣) تفسير القمّي ١ / ٣٨٤.


(الآية). قال بيت(١) مكرهم، أي: ماتوا فألقاهم الله في النّار. وهو مثل لأعداء آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ.

وفي كتاب التّوحيد(٢) ، حديث طويل عن عليّ ـ عليه السّلام ـ. يقول فيه وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات: وكذلك إتيانه(٣) بنيانهم. قال ـ عزّ وجلّ ـ:( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) . فإتيانه [بنيانهم](٤) من القواعد إرسال العذاب [عليهم](٥) .

وفي كتاب الخصال(٦) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في الجامع بالكوفة. فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء والتّطيّر منه وثقله. وأيّ أربعاء هو؟

فقال ـ عليه السّلام ـ: آخر أربعاء في الشّهر، وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه. ويوم الأربعاء القي إبراهيم في النّار. ويوم الأربعاء خر( عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) . (الحديث).

وفي عيون الأخبار(٧) ، مثله سواء.

( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ) : يذلّهم. أو يعذّبهم بالنّار، لقوله:( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) .

( وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ ) : أضافه إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم زيادة في توبيخهم.

( الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) : تعادون المؤمنين في شأنهم.

وقرأ(٨) نافع، بكسر النّون، بمعنى: أي تشاقّونني فإن مشاقّة المؤمنين، كمشاقّة الله.

( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) .

قيل(٩) : أي: الأنبياء، أو العلماء الّذين كانوا يدعونهم إلى التّوحيد فيشاقّونهم

__________________

(١) المصدر: ثبت.

(٢) التوحيد / ٢٦٦، ذيل ح ٥.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: آتيناه.

(٤) من المصدر.

(٥) من المصدر.

(٦) الخصال ٢ / ٣٨٨، ح ٧٨.

(٧) العيون ١ / ٢٤٧، ذيل ح ١.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٣.

(٩) نفس المصدر والموضع.


ويتكبّرون عليهم، أو الملائكة.

( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ ) : الذّلّة والعذاب.

( عَلَى الْكافِرِينَ ) (٢٧).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) ( الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) الأئمّة. يقولون لأعدائهم: أين شركاؤكم ومن أطعتموهم في الدّنيا.

وفائدة قولهم: إظهار الشّماتة وزيادة الإهانة، وحكايته لأن يكون لطفا لمن سمعه.

( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) وقرأ(٢) حمزة، بالياء.

وقرئ(٣) ، بإدغام التّاء في التّاء. وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثّلاثة.

( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) : بأن عرّضوها للعذاب المخلّد.

( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) : فسالموا وأخبتوا حين عاينوا العذاب، أو الموت.

( ما كُنَّا ) : قائلين ما كنا.

( نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) : كفر وعدوان. جحدوا ما عملوا منهما.

قيل(٤) : ويجوز أن يكون تفسيرا «للسّلم». على أنّ المراد به: القول الدّال على الاستسلام.

( بَلى ) : ردّ عليهم من أولي العلم.

( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢٨): وهو يجازيكم عليه. وهذا ـ أيضا ـ من الشّماتة.

وقيل(٥) : قوله:( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) (إلى آخر الآية) استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة. وعلى هذا أوّل من لم يجوّز الكذب يومئذ( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) بأنّا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءا. واحتمل أن يكون الرّادّ عليهم هو الله ـ تعالى ـ والملائكة.

( فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ )

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٥ ـ ٣٨٤.

( ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٣.

(٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٣.


قيل(١) : كلّ صنف بابها المعدّ له.

وقيل(٢) : أبواب جهنّم أصناف عذابها.

( خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) (٢٩): جهنم.

( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) ، يعني: المؤمنين.

( ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً ) ، أي: أنزل خيرا.

وفي نصبه دليل على أنّهم لم يتلعثموا في الجواب، وأطبقوه على السّؤال معترفين بالإنزال على خلاف الكفرة.

ونقل(٣) : أنّ أحياء العرب كانوا يبعثون أيّام الموسم من يأتيهم بخبر النّبيّ. فإذا جاء الوافد(٤) : المقتسمين قالوا له ما قالوا. وإذا جاء المؤمنين، قالوا له ذلك.

( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ) : مكافأة في الدّنيا.

( وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ) ، أي: ولثوابهم في الآخرة خير منها. وهو عدة للّذين اتّقوا على قولهم.

ويجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم، بدلا وتفسيرا «لخيرا» على أنّه منتصب «بقالوا».

( وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) (٣٠): دار الآخرة، فحذفت لتقدّم ذكرها. وقوله:( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) : خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح.

( يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ) : من أنواع المشتهيات. وفي تقديم الظّرف تنبيه على أنّ الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلّا في الجنّة.

( كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ ) (٣١)، مثل هذا الجزاء يجزيهم فيها.

وفي أمالي الصّدوق(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: عليكم بتقوى الله، فإنّها تجمع الخير ولا خير غيرها، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها من خير الدّنيا والآخرة.

قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) وتلا هذه الآية.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : ابن مسكان، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قوله :

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٤.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الموافد.

(٥) بل في أمالي الطوسي ١ / ٢٥، ونور الثقلين ٣ / ٥٢، ذيل ح ٧٥ عنه.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٨، ح ٢٤.


( وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) الدّنيا.

( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) قيل(١) : أي: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي. لأنّه في مقابلة «ظالمي أنفسهم».

وقيل(٢) : فرحين ببشارة الملائكة إيّاهم بالجنّة. أو طيّبين بقبض أرواحهم لتوجّه نفوسهم بالكلّيّة إلى حضرة القدس.

( يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) : لا يحيقكم بعد مكروه.

( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٣٢): حين تبعثون، فإنّها معدّة لكم على أعمالكم.

وقيل(٣) : هذا التّوفّي وفاة الحشر، لأنّ الأمر بالدّخول حينئذ.

وفي كتاب التّوحيد(٤) ، حديث طويل عن عليّ ـ عليه السّلام ـ. يقول فيه وقد سأله رجل عمّا اشتبه عليه من الآيات. وأما قوله:( يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) .

وقوله:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) . وقوله:( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ) . وقوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) . وقوله:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يدبّر الأمور كيف يشاء، ويوكل من خلقه [من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فإن الله يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه ويوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه والملائكة الّذين سمّاهم الله ـ عزّ ذكره ـ وكلّهم بخاصّة من يشاء من خلقه. إنّه ـ تبارك وتعالى ـ](٥) يدبّر الأمور كيف يشاء. وليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس لأنّ فيهم القويّ والضعيف، ولأنّ منه ما يطاق حمله ومنه ما لا يطاق حمله إلّا لمن سهّل الله له(٦) حمله وأعانه عليه من خاصّة أوليائه.

وإنّما يكفيك أن تعلم أنّ الله هو المحيي والمميت وأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء من خلقه من ملائكة وغيرهم.

وفي كتاب الاحتجاج(٧) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٤.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٤.

(٤) التوحيد / ٢٦٨، ذيل ح ٥.

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في ب.

(٧) الاحتجاج ١ / ٣٦٤ و ٣٦٧ ـ ٣٦٨.


حديث طويل. يقول مجيبا لبعض الزّنادقة ـ وقد قال: أجد الله ـ تعالى ـ يقول:( يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (١) و( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) (٢) و( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) (٣) وما أشبه ذلك. فمرّة يجعل الفعل لنّفسه ومرّة لملك الموت ومرّة للملائكة ـ: فأمّا قوله(٤) ـ عزّ وجلّ ـ:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) . وقوله( يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) . و( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) و( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) . و( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) فهو ـ تبارك وتعالى ـ أجلّ وأعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله لأنّهم بأمره يعملون. فاصطفى ـ تعالى ذكره ـ من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الّذين قال الله فيهم:( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ) . فمن كان من أهل الطّاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرّحمة، ومن كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة العذاب والنّقمة. ولملك الموت أعوان من ملائكة الرّحمة والنّقمة يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكلّ ما يأتونه منسوب إليه. وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت وفعل ملك الموت فعل الله لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء ويعطى ويمنع ويثيب.

وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وسئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ: [( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) (٦) وعن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (٧) وعن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ](٨) ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) و( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) (٩) وعن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) (١٠) وعن قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ) (١١) وقد يموت [في الدنيا](١٢) في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلّا الله ـ عزّ وجلّ ـ. فكيف هذا؟

فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون

__________________

(١) السجدة / ١١.

(٢) الزمر / ٤٢.

(٣) النحل / ٣٢.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأمّا قول الله.

(٥) الفقيه ١ / ٨٢، ح ٣٧١.

(٦) الزمر / ٤٢.

(٧) السجدة / ١١.

(٨) من المصدر. (٩) النحل / ٢٨.

(١٠) الانعام / ٦١.

(١١) الانفال / ٥٠. (١٢) ليس في المصدر.


الأرواح، بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الأنس يبعثهم في حوائجه. فتتوفاهم(١) الملائكة، ويتوفّاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفّاها الله ـ تعالى ـ من ملك الموت.

وفي أمالي شيخ الطّائفة(٢) ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى أمير المؤمنين حديث طويل.

يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: إنّه ليس من أحد من النّاس تفارق روحه جسده حتّى يعلم إلى أيّ المنزلين(٣) يصير، إلى الجنّة أم إلى النّار، أعدوّ هو لله أو وليّ. فإن كان وليّا [لله](٤) فتحت له أبواب الجنّة وشرع طرقها، ونظر إلى ما أعدّ الله له فيها، ففرغ من كلّ شغل ووضع عنه كلّ ثقل. وإن كان عدوّا لله فتحت له أبواب النّار وشرع له طرقها، ونظر إلى ما أعدّ الله له فيها، فاستقبل كلّ مكروه وترك كلّ سرور(٥) . كلّ هذا يكون عند الموت، وعنده يكون بيقين. قال الله ـ تعالى ـ:( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ـ إلى قوله ـفَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) .

ويقول(٦) ـ عليه السّلام ـ أيضا: عليكم بتقوى الله، فإنّها تجمع الخير ولا خير غيرها، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدّنيا والآخرة. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) (الآية).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قوله:( طَيِّبِينَ ) . قال: هم المؤمنون الّذين طابت مواليدهم [في الدنيا](٨) .

وفيه(٩) قوله:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) . قال: [البشرى](١٠) في الحياة الدّنيا(١١) الرّؤيا الحسنة يراها المؤمن، وفي الآخرة عند الموت. وهو قوله:( تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ) .

( هَلْ يَنْظُرُونَ ) : ما ينتظر الكفّار المارّ ذكرهم.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتوفتهم.

(٢) أمالي الشيخ ١ / ٢٧ ـ ٢٦.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ونزل كل مكروب.

(٦) أمالي الشيخ ١ / ٢٥.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٨٥.

(٨) من المصدر.

(٩) نفس المصدر والمجلّد / ٣١٤.

(١٠) من المصدر. (١١) ليس في ب.


( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ) : لقبض أرواحهم.

وقرأ(١) حمزة والكسائي، بالياء.

( أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) : القيامة. أو العذاب المستأصل.

( كَذلِكَ ) ، مثل ذلك الفعل من الشّرك والتّكذيب.

( فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : فأصابهم ما أصابهم.

( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ ) : بتدميرهم.

( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٣٣): بكفرهم، ومعاصيهم المؤدّية إليه.

( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ) ، أي: جزاء سيّئات أعمالهم. على حذف المضاف، أو تسمّية الجزاء باسمها.

( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) (٣٤): وأحاط بهم جزاؤه. والحيق لا يستعمل إلّا في الشّرّ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) :( ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) من العذاب في الرّجعة.

( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) : إنّما قالوا ذلك استهزاء أو منعا للبعثة والتّكليف، متمسّكين بأنّ ما شاء الله يجب وما لم يشأ يمتنع، فما الفائدة فيهما. أو إنكارا لقبح ما أنكر عليهم من الشّرك وتحريم البحائر ونحوها، محتجّين بأنّها لو كانت مستقبحة لما شاء الله صدورها عنهم وشاء خلافه، ملجئا إليه لا اعتذارا إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم.

( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) : فأشركوا بالله، وحرموا حلّه، وردّوا رسله.

( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٣٥): الموضح للحقّ.

( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) : يأمر بعبادة الله واجتناب الطّاغوت.

( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ) : وفّقهم للإيمان بإرشادهم.

( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) : إذ لم يوفّقهم، لتصميمهم على الكفر.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن خطّاب بن مسلمة قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ :

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٤.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٥.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٨، ح ٢٥.


ما بعث الله نبيّا قطّ إلّا بولايتنا والبراءة من عدوّنا. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ في كتابه:( وَلَقَدْ بَعَثْنا ) (الآية) إلى قوله:( عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) ، يعني بتكذيبهم آل محمّد ـ صلوات الله عليهم ـ.

( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) : يا معشر قريش.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) [أي: انظروا](٢) في أخبار من هلك قبله.

( فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (٣٦): من عاد وثمود وغيرهم. لعلّكم تعتبرون.

( إِنْ تَحْرِصْ ) : يا محمّد.

( عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ ) : من يخذله، وهو المعنيّ: بمن( حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) .

( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) (٣٧): من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم.

( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) : عطف على( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) إيذانا بأنّهم، كما أنكروا التّوحيد أنكروا البعث، مقسمين عليه زيادة في البتّ على فساده. ولقد ردّ الله عليهم أبلغ ردّ فقال: «بلى»: يبعثهم.

( وَعْداً ) : مصدر مؤكّد لنفسه، وهو ما دلّ عليه «بلى». فإنّ «يبعث» موعد من الله.

( عَلَيْهِ ) : إنجازه لامتناع الخلف في وعده أو لأنّ البعث مقتضي حكمته.

( حَقًّا ) : صفة أخرى للوعد.

( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (٣٨): أنّهم يبعثون. إمّا لعدم علمهم بأنّهم من مواجب الحكمة الّتي جرت عادته بمراعاتها، وإمّا لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهّمون امتناعه.

ثمّ أنّه ـ تعالى ـ بيّن الأمرين، فقال:( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ) ، أي: يبعثهم ليبيّن لهم.

( الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) : وهو الحقّ.

( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) (٣٩): فيما كانوا يزعمون. وهو إشارة إلى السّبب الدّاعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة، وهو التّميز بين الحقّ

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٥.

(٢) من المصدر.


والباطل والمحقّ والمبطل بالثّواب والعقاب.

ثمّ قال:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٤٠): وهو بيان إمكانه وتقريره، أنّ تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق الموادّ والمدد والإلزام والتّسلسل. فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادّة ومثال، أمكن له تكوينها إعادة بعده.

ونصب ابن عامر والكسائي هنا وفي بس «فيكون» عطفا على «نقول»، أو جوابا للأمر.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن صالح بن ميثم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) .

قال: [ذلك حين يقول ـ عليه السّلام ـ: أنا أولى النّاس](٢) بهذه الآية( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ ـ إلى قوله ـ:كاذِبِينَ ) .

عن سيرين(٣) ، قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ إذ قال: ما يقول النّاس في هذه الآية( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) ؟

قال: يقولون: لا قيامة ولا بعث ولا نشور(٤) .

فقال: كذبوا، والله، إنّما ذلك إذا قام القائم ـ عليه السّلام ـ وكرّ معه المكرّون.

فقال أهل خلافكم: قد ظهرت دولتكم، يا معشر الشّيعة، وهذا من كذبكم، يقولون: رجع فلان [وفلان](٥) وفلان تعظيما(٦) ، لا والله( لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) . ألا ترى أنّه(٧) قال(٨) :( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) . كان المشركون أشدّ تعظيما(٩) للّات والعزّى من أن يقسموا بغيرها، فقال الله:( بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ) (الآية).

وفي روضة الكافي(١٠) : عن سهل، عن محمّد، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قلت

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٩، ح ٢٧.

(٢) ليس في المصدر. ويوجد في البرهان ٢ / ٣٦٨. أيضا.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٥٩، ح ٢٨.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: نشر.

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) أ، ب، ر: إذ.

(٨) المصدر: أنّهم قالوا.

(٩) ليس في أ، ب، ر.

(١٠) الكافي ٨ / ٥٠، ح ١٤.


لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قوله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ ) (الآية).

قال: فقال لي: يا أبا بصير، ما تقول في هذه الآية؟

قال: قلت: إنّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله [إنّ الله](١) لا يبعث الموتى.

قال: فقال: تبّا لمن قال هذا. سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللّات والعزّى؟

قال: قلت: جعلت فداك، فأوجدنيه.

قال: فقال(٢) : يا أبا بصير، لو(٣) قد قام قائمنا بعث الله قوما من شيعتنا قباع سيوفهم(٤) على عواتقهم. فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: [بعث فلان وفلان من قبورهم، وهم مع القائم. فيبلغ ذلك قوما من عدوّنا فيقولون :](٥) يا معشر، الشّيعة، ما أكذبكم(٦) هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب، لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة.

قال: فحكى(٧) الله قولهم، فقال:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : وقوله:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ ) (الآية). فإنّه حدّثني أبي، عن بعض رجاله رفعه(٩) إلى أبي عبد الله قال: ما يقول النّاس فيها؟

قال: يقولون: نزلت في الكفّار.

قال: إنّ الكفّار لا يحلفون بالله، وإنّما نزلت في قوم من أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. قيل لهم: ترجعون(١٠) بعد الموت قبل القيامة فيحلفون(١١) أنّهم لا يرجعون، فردّ الله عليهم فقال:( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) ، يعني :

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: زيادة «لي».

(٣) ليس في ب.

(٤) قباع السيف: ما علا طرف مقبضه.

(٥) ليس في أ، ب، ر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ما أكذبتم.

(٧) أ، ب: يحكي.

(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٨٥.

(٩) المصدر: يرفعه.

(١٠) أ، ب، ر: يرجعون.

(١١) المصدر: فحلفوا.


في الرّجعة، يردّهم فيقتلهم ويشفي صدور المؤمنين منهم(١) .

[قال ـ عزّ من قائل ـ: إنما أمرنا( لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) .](٢) .

( وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) قيل(٣) : هم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأصحابه المهاجرون، ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة، وبعضهم إلى المدينة. أو المحبوسون المعذّبون بمكّة بعد هجرة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهم بلال وصهيب وخبّاب وعمّار وعابس وأبو جندل وسهيل. وقوله: «في الله»، أي: في حقّه ولوجهه.

( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) : مباءة حسنة، وهي المدينة حيث آواهم الأنصار ونصروهم أو تبوئة حسنة.

وفي مجمع البيان(٤) : وروي عن عليّ «لنثوّئنّهم» بالثّاء المثلثة(٥) .

( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ) : ممّا يعجّل لهم في الدّنيا.

( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) (٤١): الضّمير للكفّار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع(٦) لهؤلاء المهاجرين خير الدّارين لوافقوهم، أو للمهاجرين [، أي: لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم( الَّذِينَ صَبَرُوا ) : على الشّدائد ،](٧) كأذى الكفرة ومفارقة الوطن.

ومحله النّصب، أو الرّفع على المدح.

( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (٤٢): منقطعين إلى الله، مفوّضين إليه الأمر كلّه.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ) قيل(٨) : ردّ لقول قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، أي: جرت السّنّة الإلهيّة بأن لا يبعث للدّعوة العامّة إلّا بشرا يوحى إليه على ألسنة الملائكة. والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة الأنعام عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

__________________

(١) المصدر: فيهم.

(٢) ليس في المصدر. ولكن يوجد في نور الثقلين ٣ / ٥٥.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٦.

(٤) المجمع ٣ / ٣٦١.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) ب: مجمع.

(٧) ليس في أ، ب، ر.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٦.


( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) .

قيل(١) : أهل الكتاب، أو علماء الأحبار، ليعلّموكم.

( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٤٣).

قيل(٢) : وفي الآية دليل على أنّه ـ تعالى ـ لم يرسل إمرأة ولا صبية للدّعوة(٣) العامّة. وأما قوله:( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) معناه: رسلا إلى(٤) الملائكة، إلى الأنبياء.

وقيل(٥) : لم يبعثوا إلى الأنبياء إلّا متمثلّين بصورة الرّجال. وردّ بما نقل(٦) : أنّه ـ عليه السّلام ـ رأى جبرئيل ـ عليه السّلام ـ على صورته الّتي هو عليها مرّتين.

وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.

وفي أصول الكافي(٧) : محمّد، عن أحمد، عن ابن فضّال، عن ابن بكير(٨) ، عن مره بن الطّيّار أنّه عرض على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بعض خطب أبيه، حتّى إذا بلغ موضعا منها فقال له: كفّ واسكت.

ثمّ قال(٩) أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون، إلّا الكفّ عنه والتّثبّت والرّدّ إلى(١٠) الائمّة الهدى. حتّى يحملوكم فيه على القصد، ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرّفوكم فيه الحقّ. قال الله ـ تعالى ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

الحسين بن محمّد(١١) ، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن عبد الله عجلان، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الذّكر أنا، والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ أهل الذّكر.

الحسين [بن محمّد(١٢) ، عن معلى بن محمّد بن أورمة، عن عليّ بن حسّان، عن

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولا ملكا لدعوة.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أي.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) المصدر: روى.

(٧) الكافي ١ / ٥٠، ح ١٠.

(٨) ب: ابن أبي بكير.

(٩) أ، ب: زيادة «له».

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: على.

(١١) الكافي ١ / ٢١٠، ح ١.

(١٢) الكافي ١ / ٢١٠، ح ٢.


عمّه، عبد الرّحمن](١) بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

قال: الذّكر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ونحن أهله(٢) المسئولون.

الحسين بن محمّد(٣) ، عن معلى بن محمّد، عن الوشّاء قال: سألت الرّضا ـ عليه السّلام ـ فقلت(٤) : جعلت فداك( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

فقال: نحن أهل الذّكر، ونحن المسئولون.

فقلت: أنتم المسئولون ونحن السّائلون؟

قال: نعم.

قلت: حقّا علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: حقّا عليكم أن تجيبونا؟

قال: لا ذاك(٥) إلينا، إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل. ألم تسمع قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .

عدّة من أصحابنا(٦) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) . فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الذّكر. وأهل بيته ـ عليهم السّلام ـ المسئولون، وهم أهل الذّكر.

محمّد بن يحيى(٧) ، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي بكر الحضرميّ قال: كنت عند أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ودخل عليه الورد، أخو الكميت.

فقال: جعلني الله فداك، اخترت لك سبعين مسألة له تحضرني منها مسألة واحدة.

__________________

(١) ليس في أ، ب، ر.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٣.

(٤) المصدر: زيادة «له».

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ذلك» بدل «لا ذاك».

(٦) الكافي ١ / ٢١١، ح ٤.

(٧) الكافي ١ / ٢١١، ح ٦.


قال: ولا واحدة، يا ورد.

قال: بلى، قد حضرني منها واحدة.

قال: وما هي؟

قال: قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: «فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون». من هم؟

قال: نحن.

قال: قلت: علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: عليكم أن تجيبونا؟

قال: ذاك إلينا.

محمّد بن يحيى(١) ، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلى بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) أنّهم اليهود والنّصارى.

قال: إذا يدعونكم إلى دينهم. ثمّ قال(٢) بيده إلى صدره(٣) : [قال و](٤) نحن أهل الذّكر، ونحن المسئولون.

عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن الوشّاء، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: قال عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: على الأئمّة من الفرض ما ليس على شيعتهم، وعلى شيعتنا ما ليس علينا، أمرهم الله ـ عزّ وجلّ ـ أن يسألونا.

قال:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . فأمرهم أن يسألونا وليس علينا الجواب، إن شئنا أجبنا وإن شئنا أمسكنا.

أحمد بن محمّد(٦) [عن أحمد بن محمد](٧) بن أبي نصر قال: كتبت إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ كتابا. فكان في بعض ما كتبت: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ :

__________________

(١) الكافي ١ / ٢١١، ح ٧.

(٢) المصدر: زيادة «قال».

(٣) أي: أشار.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) الكافي ١ / ٢١٢، ح ٨.

(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٩.

(٧) من المصدر.


( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . وقال الله:( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . فقد فرضت عليهم المسألة، ولم يفرض عليكم الجواب؟

قال: قال الله ـ تبارك وتعالى ـ:( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ ) (١) .

محمّد بن الحسين وغيره(٢) ، عن سهل، عن(٣) محمّد بن عيسى ومحمّد بن يحيى ومحمّد بن الحسين جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ ونقل حديثا طويلا. وفيه يقول ـ عليه السّلام ـ: وقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

قال: الكتاب [هو](٤) الذّكر. وأهله آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ. أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ بسؤالهم، ولم يؤمروا بسؤال الجهّال. وسمّى الله ـ عزّ وجلّ القرآن ـ ذكرا، فقال ـ تبارك وتعالى ـ:( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) .

وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل. وفيه قالت العلماء: فأخبرنا، هل فسّر الله ـ تعالى ـ الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا وموضعا. فأوّل ذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ.

إلى أن قال: وأمّا التّاسعة، فنحن أهل الذّكر الّذين قال الله ـ تعالى ـ:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . فنحن أهل الذّكر فاسألونا إن كنتم لا تعلمون.

فقالت العلماء: إنّما عنى بذلك: اليهود والنّصارى.

__________________

(١) قال في الوافي: «ولم يفرض عليكم الجواب» استفهام استبعاد، كأنّه استفهم السرّ فيه، فأجابه الإمام بالآية. ولعلّ المراد: أنّه لو كنّا نجيبكم عن كلّ ما سألتم، فربّما يكون في بعض ذلك ما لا تستجيبوننا فيه فتكونون من أهل هذه الآية.

(٢) الكافي ١ / ٢٩٥.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بن.

(٤) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(٥) العيون ١ / ٢٣١ و ٢٣٩.


فقال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: سبحان الله، وهل يجوز ذلك؟

إذا يدعونا إلى دينهم ويقولون(١) : إنّه أفضل من دين الإسلام.

فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح بخلاف ما قالوه(٢) . يا أبا الحسن؟

فقال ـ عليه السّلام ـ: نعم، الذّكر رسول الله ونحن أهله. وذلك بيّن في كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ حيث يقول في سورة الطّلاق:( فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ ) (٣) فالذّكر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ونحن أهله. فهذه التّاسعة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : حدّثنا محمّد بن جعفر [قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد ،](٥) عن أبي داود، عن سليمان بن سفيان(٦) . عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) من المعنيّون(٧) بذلك؟

فقال: نحن، والله.

فقلت: فأنتم المسئولون؟

قال: نعم.

قلت: ونحن السّائلون؟

قال: نعم.

قلت: فعلينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: وعليكم أن تجيبونا؟

قال: ذلك إلينا، إن شئنا فعلنا وإن شئنا تركنا. ثمّ قال:( هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .

وفي روضة الكافي(٨) : حدّثني عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن

__________________

(١) ب: فيقولون.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قالوا.

(٣) الطلاق / ١٠ ـ ١١.

(٤) تفسير القمّي ٢ / ٦٨.

(٥) ليس في أ، ب.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن داود بن سليمان بن ثفير.

(٧) المصدر: المعنون.

(٨) الكافي ٨ / ٥، ذيل ح ١.


حفص المؤذّن، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في رسالة طويلة إلى أصحابه: واعلموا أنّه ليس من علم الله ولا من(١) أمره، أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس. فقد أنزل الله القرآن، وجعل فيه تبيان كلّ شيء، وجعل للقرآن وتعلّم القرآن أهلا، لا يسع أهل علم القرآن الّذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأي ولا مقايس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصّهم به ووضعه عندهم، كرامة من الله أكرمهم بها. وهم أهل الذّكر الّذين أمر الله هذه الأمّة بسؤالهم، وهم الّذين من سألهم ـ وقد سبق في علم الله أن يصدّقهم ويتّبع أثرهم ـ أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدى به إلى الله بإذنه إلى جميع سبل الحقّ. وهم الّذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم(٢) ، الّذين أكرمهم الله به وجعله عندهم، إلّا من سبق عليه في علم الله الشّقاء في أصل الخلق تحت الأظلّة، فأولئك الّذين يرغبون عن سؤال أهل الذّكر.

والّذين آتاهم [الله](٣) علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم. وأولئك الّذين يأخذون بأهوائهم(٤) ومقاييسهم حتّى دخلهم الشّيطان، لأنّهم جعلوا أهل الإيمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا أهل الضّلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين(٥) . وحتّى جعلوا ما أحلّ الله في كثير من الأمر حراما، وجعلوا ما حرّم الله في كثير من الأمر حلالا، فذلك أصل ثمرة أهوائهم.

وفيها خطبة(٦) لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ وهي الخطبة الطّالوتية. قال فيها ـ عليه السّلام ـ: إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذّكر. فإذا أفتوكم، قلتم: هو العلم بعينه. فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن أحمد بن محمّد بن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: كتب إليّ إنّما(٨) شيعتنا من تابعنا ولم يخالفنا، وإذا خفنا خاف، وإذا أمنا أمن.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: علمه.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: زيادة «وآرائهم».

(٥) أ، ب، ر: مرضيين.

(٦) الكافي ٨ / ٣٢، ذيل ح ٥.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٦١، ح ٣٣.

(٨) المصدر: عن أحمد بن محمد، قال: كتب إليّ أبو الحسن الرضا ـ عليه السّلام ـ: عافانا الله وإيّاك أحسن عافية. إنّما الخ.


قل الله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) . [قال :](١) ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) (الآية). فقد فرضت(٢) عليكم المسألة والرّدّ إلينا، ولم يفرض علينا الجواب.

( بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) ، أي: أرسلناهم بالبيّنات والزّبر، أي: المعجزات والكتب، كأنّه جواب قائل: بم أرسلوا؟

ويجوز أن يتعلّق بـــ «ما أرسلنا» داخلا في الاستثناء مع «رجالا»، أي: وما أرسلنا إلّا رجالا بالبيّنات. أو «بنوحي»، كقولك: ما ضربت إلّا زيدا بالسّوط. أو صفة لهم، أي: رجالا ملتبسين بالبيّنات. أو «بنوحي» على المفعوليّة، أو الحال من القائم مقام فاعله. على أن قوله: «فاسألوا» اعتراض. أو بـــ «لا تعلمون» على أنّ الشّرط للتّبكيت والإلزام.

( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) ، أي: القرآن. وإنّما سمّي ذكرا، لأنّه موعظة وتنبيه(٣) .

( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) : في الذّكر، بتوسّط إنزاله إليك ممّا(٤) أمروا به ونهوا عنه، أو(٥) ممّا تشابه عليهم.

( وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (٤٤): وإرادة أن يتأمّلوا فيه فيتنبّهوا للحقائق.

( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ) ، أي: المكرات السّيّئات. وهم الّذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الّذين مكروا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وراموا صدّ أصحابه عن الإيمان.

( أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ) : كما خسف بقارون.

( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) (٤٥): بغتة من جانب السّماء، كما فعل بقوم لوط.

( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ) ، أي: متقلّبين في مسايرهم ومتاجرهم.

( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) (٤٦)( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) : على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوّفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوّفون. أو على أن ينقصهم شيئا فشيئا في

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قد فرض.

(٣) ليس في ب.

(٤) ب: ما.

(٥) ب، أ، ر: و.


أنفسهم وأموالهم حتّى يهلكوا. من تخوّفته: إذا تنقّصته.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن إبراهيم بن عمر، عمّن سمع أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ عهد نبيّ الله صار عند عليّ بن الحسين، ثمّ صار عند محمّد بن عليّ، ثمّ يفعل الله ما يشاء. فألزم هؤلاء. فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة رجل ومعه راية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عامدا إلى المدينة حتّى يمرّ بالبيداء، فيقول: هذا مكان القوم الّذين خسف بهم وهي الآية الّتي قال الله:( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ـ ) إلى قوله ـ:( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .

عن ابن سنان(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ سئل عن قول الله:( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ) .

قال: هم أعداء الله، وهم يمسخون ويقذفون ويسيحون في الأرض.

وفي روضة الكافي(٣) ، كلام لعليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ في الوعظ والزّهد في الدّنيا: ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدّنيا، الّذين مكروا السيّئات. [فإنّ الله يقول في محكم كتابه:( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ]) (٤) ( أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ) . [أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلّبهم فما هم، بمعجزين أو يأخذهم على تخوّف](٥) فاحذروا ما حذّركم الله بما فعل بالظّلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض(٦) ما توعّد به القوم الظّالمين في الكتاب. والله، لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم. فإنّ السّعيد من وعّظ بغيره.

( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (٤٧): حيث لا يعاجلكم بالعقوبة.

( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) : استفهام إنكار، أي: قد رأوا أمثال هذه الصّنائع، فما بالهم لم يتفكّروا فيها؟ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا منه.

و «ما» موصولة مبهمة، بيانها( يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ) ، أي: أو لم ينظروا إلى المخلوقات الّتي لها ظلال متفيّئة.

وقرأ(٧) حمزة والكسائي: «تروا» بالتّاء. وأبو عمرو: «تتفيّؤ» بالتّاء.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦١، ح ٣٤.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦١، ح ٣٥.

(٣) الكافي ٨ / ٧٤، ح ٢٠٩.

(٤ و ٥) من المصدر.

(٦) أ، ر: بعضكم.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٧.


( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ ) ، أي: عن أيمانها وعن شمائلها، أي: عن جانبي كلّ واحد منها. استعارة من يمين الإنسان وشماله.

ولعلّ توحيد «اليمين» وجمع «الشّمائل» باعتبار اللّفظ والمعنى، كتوحيد الضّمير في «ظلاله» وجمعه في قوله:( سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ) (٤٨). وهما حالان من الضّمير في «ظلاله».

والمراد من السّجود، الاستسلام، سواء كان بالطّبع أو الاختيار. يقال: سجدت النّخلة: إذا مالت، لكثرة الحمل. وسجد البعير: إذا طأطأ رأسه، ليركب.

أو و «سجّدا» حال من «الظّلال»، «وهم داخرون» حال من الضّمير، والمعنى: يرجع الظّلال، بارتفاع الشّمس وانحدارها باختلاف مشارقها ومغاربها، بتقدير الله ـ تعالى ـ من جانب إلى جانب منقادة لما قدّر لها من التّفيّؤ. أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة السّاجد. والأجرام في أنفسها ـ أيضا ـ داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله ـ تعالى ـ فيها.

وجمع «داخرون» بالواو، لأنّ من جملتها من يعقل، أو(١) لأنّ الدّخور من أوصاف العقلاء.

وقيل(٢) : المراد باليمين والشّمائل: يمين الفلك، وهو جانبه الشّرقي، لأنّ الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسّطوع. و [شماله، وهو](٣) الجانب الغربي المقابل له [من الأرض](٤) . فإنّ الظّلال في أوّل النّهار تبتدئ من المشرق واقعة على الرّبع الغربي، وعند الزّوال تبتدئ من المغرب واقعة على الرّبع الشّرقي من الأرض.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: تحويل كلّ ظلّ خلقه الله فهو سجود لله. لأنّه ليس شيء إلّا له ظلّ يتحرّك يتحريكه، وتحويله(٦) سجوده.

( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ، أي: ينقاد انقيادا. يعمّ الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا. ليصحّ إسناده إلى عامّة أهل السّماوات والأرض. وقوله:( مِنْ دابَّةٍ ) : بيان لهما. لأنّ الدّبيب: هو الحركة

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٧.

(٣ و ٤) من المصدر.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.

(٦) المصدر: تحريكه.


الجسمانيّة، سواء كان في أرض أو سماء.

( وَالْمَلائِكَةُ ) : عطف على المبيّن به عطف جبرئيل على الملائكة، للتّعظيم.

أو عطف المجرّدات على الجسمانيّات، وبه احتجّ من قال: إنّ الملائكة أرواح مجرّدة.

أو بيان لما في الأرض، والملائكة لما في السّماوات وتعيين له، أجلالا وتعظيماً.

أو المراد بها: ملائكتها من الحفظة وغيرهم.

و «ما» لـمّـا استعمل للعقلاء، كما استعمل لغيرهم، كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق «من» تغليبا للعقلاء.

( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) (٤٩): من عبادته.

( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) : يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم. أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر، كقوله:( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) .

والجملة حال من الضّمير في «لا يستكبرون». أو بيان له وتقرير، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته.

( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) (٥٠): من الطّاعة والتّدبير. وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلّفون، مدارون بين الخوف والرّجاء.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: الملائكة ما قدّر الله لهم يمرّون فيه.

وفي مجمع البيان(٢) : قد صحّ عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه(٣) قال: إنّ لله ملائكة في السّماء السّابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صارت ملكا. فإذا كان يوم القيامة، رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حقّ عبادتك. أورده الكلبي في تفسيره.

( وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) ذكر العدد مع أنّ المعدود يدلّ عليه دلالة، على أنّ مساق النّهي إليه، أو إيماء بأن الاثنينيّة تنافي الإلهيّة، كما ذكر الواحد في قوله:( إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) . للدّلالة على أنّ المقصود إثبات الوحدانيّة دون الإلهيّة، أو للتّنبيه على أنّ الوحدة من لوازم

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.

(٢) المجمع ٣ / ٣٦٥.

(٣) ليس في ب، أ.


الإلهيّة.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول:( لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) ، يعني بذلك: ولا تتّخذوا إمامين، إنّما هو إمام واحد.

( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (٥١).

نقل من الغيبة إلى التّكلّم، مبالغة في التّرهيب وتصريحا بالمقصود، كأنّه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإيّاي فارهبون لا غير.

( وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : خلقا وملكا.

( وَلَهُ الدِّينُ ) ، أي: الطّاعة.

( واصِباً ) : لازما.

لما تقرّر من أنّه الإله وحده، والحقيق بأن يرهب منه.

وقيل(٢) : «واصبا» من الوصب، أي: وله الدّين ذا كلفة.

وقيل(٣) : «الدّين» الحزاء، [أي: وله الجزاء](٤) دائما، لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ قال: واجبا.

( أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ) (٥٢): ولا ضارّ سواه، كما لا نافع غيره، كما قال:( وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ) ، أي: وأيّ شيء اتّصل بكم من نعمة فهو من الله.

و «ما» شرطيّة. أو موصولة متضمّنة معنى الشّرط. باعتبار الإخبار دون الحصول فإنّ استقرار النّعمة بهم يكون سببا للإخبار بأنّها من الله، لا لحصولها منه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل.

وفيه يقول: ومن لم يعلم أنّ لله عليه نعمة إلّا في مطعم أو ملبس، فقد قصر عمله(٧) ودنى عذابه.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦١، ح ٣٦.

(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٨.

(٤) من المصدر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٢، ح ٣٧ بتلخيص.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.

(٧) أ، ب: علمه.


وفيه: «النّعمة» [هي](١) الصّحة والسّعة والعافية.

وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن عليّ بن الحسين الدّقاق، عن عبد الله بن محمّد، عن أحمد بن عمر، عن زيد القتّات، عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ما من عبد أذنب ذنبا فندم عليه، إلّا غفر الله له قبل أن يستغفر. وما من عبد أنعم الله عليه نعمة فعرف(٣) أنّها من عند الله، إلّا غفر الله له قبل أن يحمده.

( ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ) (٥٣): فما تتضرّعون إلّا إليه.

و «الجوار» رفع الصوت في الدّعاء والاستغاثة.

( ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) (٥٤): هم كفّاركم.

( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ) : من نعمة الكشف عنهم، كأنّهم قصد وبشركهم كفران النّعمة وإنكار كونها من الله.

( فَتَمَتَّعُوا ) : أمر تهديد.

( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (٥٥): أغلظ وعيده.

وقرئ(٤) : «فيمتعوا» مبنيّا للمفعول، عطفا على «ليكفروا». وعلى هذا جاز أن تكون «اللّام» لام الأمر الوارد للتّهديد، و «الفاء» للجواب.

( وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ) ، أي: لآلهتهم الّتي لا علم لها، لأنّها جماد، فيكون الضّمير ل «ما» أو الّتي لا يعلمونها، فيعتقدون فيها جهالات، مثل أنّها تنفعهم وتشفع لهم، على أنّ العائد إلى «ما» محذوف. أو لجهلهم(٥) ، على أنّ «ما» مصدريّة، والمجعول له محذوف للعلم به.

( نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) : من الزّروع والأنعام.

( تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) (٥٦): من أنّها آلهة حقيقة بالتّقرّب إليها.

وهو وعيد لهم عليه.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الكافي ٢ / ٤٢٨، ح ٨.

(٣) ب: فيعرف.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٨.

(٥) أ، ب: بجهلهم.


( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ ) قيل(١) : كانت خزاعة وكنانة يقولون: الملائكة بنات الله.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قالت قريش: الملائكة بنات الله.

( سُبْحانَهُ ) : تنزيه له من قولهم، وتعجّب منه.

( وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) (٥٧): يعني: البنين.

ويجوز في «ما يشتهون» الرّفع على الابتداء، والنّصب على العطف على «البنات». على أنّ الجعل بمعنى: الاختيار.

وهو وإنّ أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنّه لم يبعد تجويزه في المعطوف.

( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ) : اخبر بولادتها.

( ظَلَّ وَجْهُهُ ) : صار، أو دام النّهار كلّه.

( مُسْوَدًّا ) : من الكآبة والحياء من النّاس. واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام.

( وَهُوَ كَظِيمٌ ) (٥٨): مملوء غيضا من المرأة.

( يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ ) : يستخفي منهم.

( مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ) : المبشَّر به عرفا.

( أَيُمْسِكُهُ ) : محدّثا نفسه، متفكّرا في أن يتركه.

( عَلى هُونٍ ) : ذلّ.

( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ) : يخفيه فيه ويئده. وتذكير الضّمير للفظ «ما».

وقرئ(٣) ، بالتّأنيث، فيهما.

( أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) (٥٩): حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محلّه عندهم.

في كتاب ثواب الأعمال(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: البنات حسنات، والبنون نعمة. والحسنات يثاب عليها.

قال: إنّه بُشّر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بفاطمة ـ عليها السّلام ـ. فنظر في وجوه

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٩.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٩.

(٤) ثواب الأعمال / ٢٣٩، ح ١ و ٢.


أصحابه، فرأى الكراهة(١) فيهم.

فقال: ما لكم، ريحانة أشمّها ورزقها على الله.

( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) : [صفة السّوء ،](٢) وهو الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذّكور، استظهارا بهم. وكراهة الإناث ووأدهنّ، خشية الإملاق.

( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) : وهو الوجوب الذّاتيّ، والغنى المطلق، والجود الفائق، والنّزاهة عن صفات المخلوقين.

( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (٦٠): المتفرّد بكمال القدرة والحكمة.

( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ) : بكفرهم ومعاصيهم.

( ما تَرَكَ عَلَيْها ) : على الأرض. وإنّما أضمرها من غير ذكر، لدلالة النّاس والدّابّة عليها.

( مِنْ دَابَّةٍ ) : قطّ، بشؤم ظلمهم.

وعن ابن مسعود(٣) كاد الجعل بذلك يهلك في جحره بذنب ابن آدم، أو من دابّة ظالمة.

وقيل(٤) : لو أهلك الآباء بكفرهم، لم يكن الأبناء.

( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) : سمّاه لأعمارهم، أو لعذابهم، كي يتوالدوا.

( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (٦١): بل هلكوا، أو عذّبوا حينئذ لا محالة. ولا يلزم من عموم النّاس، وإضافة الظّلم إليهم، أن يكون كلّهم ظالمين حتّى الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم.

( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ) ، أي: ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشّركاء في الرّئاسة، والاستخفاف بالرّسل وأراذل الأموال(٥) .

( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) : مع ذلك.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الكراهية.

(٢) ليس في أ، ب، ر.

(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٥٩.

(٥) ب: الأموات.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : يقول: ألسنتهم الكاذبة.

( أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ) ، أي: عند الله، كقوله:( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) (٢) .

وقرئ(٣) : «الكُذُب» جمع، كذوب. صفة للألسنة.

( لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) : ردّ لكلامهم، وإثبات لضدّه(٤) .

( وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ) (٦٢): مقدمون إلى النّار. من أفرطته في طلب الماء: إذا قدّمته.

وقرأ(٥) نافع، بكسر الرّاء. على أنّه من الإفراط في المعاصي.

وقرئ(٦) ، بالتّشديد مفتوحا، من فرطته في طلب الماء. ومكسورا، من التّفريط في الطّاعات.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) ، أي: معذّبون.

( تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) : فأصرّوا على قبائحها، وكفروا بالمرسلين.

( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) : في الدّنيا، وعبرّ باليوم عن زمانها. أو فهو وليّهم حين كان يزيّن لهم. أو يوم القيامة على أنّه حكاية حال ماضية، أو آتية.

ويجوز أن يكون الضّمير لقريش، أي: زيّن الشّيطان للكفرة المتقدّمين أعمالهم، وهو وليّ هؤلاء اليوم يغويهم. وإن يقدّر مضاف، أي: فهو ولي أمثالهم، و «الوليّ» القرين والنّاصر، فيكون نفيا للنّاصر لهم على أبلغ الوجوه.

( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٦٣): في القيامة.

( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ) : للنّاس.

( الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) : من المبدأ والمعاد، والحلال والحرام.

( وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٦٤): معطوفان على محلّ «لتبيّن»، فإنّهما فعلا المنزل بخلاف التّبيين.

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.

(٢) فصّلت / ٥٠.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٠.

(٤) ب: إثبات ضدّه.

(٥ و ٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٠.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٨٦.


( وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) : أنبت فيها أنواع النّبات بعد يبسها.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) (٦٥): سماع تدبّر وإنصاف.

( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) : دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم.

( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) : استئناف لبيان العبرة.

وإنّما ذكّر الضّمير ووحّده هاهنا للّفظ، وأنّثه في سورة المؤمنين للمعنى. فإنّ الأنعام اسم جمع. ولذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال، كأخلاق وأكياش(١) . ومن قال: إنّه جمع نعم، جعل الضّمير للبعض، فإنّ اللّبن لبعضها دون جميعها. أو لواحدة أوّله على المعنى، فإنّ المراد به الجنس.

وقرأ(٢) نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: «نسقيكم» بالفتح، هاهنا وفي «المؤمنون».

( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً ) : فإنّه يخلق من بعض أجزاء الدّم المتولّد من الأجزاء اللّطيفة الّتي في الفرث، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش.

وعن ابن عباس(٣) : أنّ البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما.

قيل(٤) : ولعلّه إن صح، فالمراد: أنّ أوسطه [يكون](٥) مادة اللّبن، وأعلاه مادة الدّم الّذي يغذّي البدن. لأنّهما لا يتكوّنان في الكرش والكبد(٦) ، بل الكبد يجذب صفاوة الطّعام المنهضم في الكرش ويبقى ثفله، وهو الفرث، ثمّ يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا. فيحدث أخلاطا أربعة معها مائيّة، فتميّز القوّة المميّز تلك المائيّة بما زاد على قدر الحاجة من المرّتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطّحال. ثمّ يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها(٧) ، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم. ثمّ إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لأستيلاء [البرد والرطوبة على مزاجها

__________________

(١) ب: كأخلاق واكباش.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٠.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٠ ـ ٥٦١.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٦١.

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في المصدر: والكبد.

(٧) المصدر: يحسبها.


فيندفع](١) الزّائد أوّلا إلى الرّحم(٢) لأجل الجنين. فإذا انفصل، انصبّ ذلك الزّائد أو بعضه إلى الضّروع. فيبيضّ بمجاورة لحومها الغدديّة البيض، فيصير لبنا. ومن تدبّر في(٣) صنع الله ـ تعالى ـ في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارّها(٤) ومجاريها والأسباب المولّدة لها والقوى المتصرّفة(٥) فيها كلّ وقت على ما يليق به، اضطرّ إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته.

و «من» الأولى تبعيضيّة، لأنّ اللّبن بعض ما في بطونها. والثّانية ابتدائيّة، كقولك: سقيت من الحوض. لأنّ بين الفرث والدّم المحلّ الّذي يبتدأ منه الإسقاء.

وهي متعلّقة «بنسقيكم». أو حال من «لبنا» قدّمت عليه، لتنكيره وللتّنبيه على أنّه موضع العبرة.

( خالِصاً ) : صافيا، لا يستصحب لون الدّم ولا رائحة الفرث. أو مصفّى عمّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة، بتضييق مخرجه.

( سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) (٦٦): سهل المرور في حلقهم(٦) .

وقرئ(٧) : «سيغا» بالتّشديد والتّخفيف.

وفي الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ليس أحد يغصّ بشرب اللبّن، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ جعله لبنا خالصا سائغا للشّاربين.

الحسين بن محمّد(٩) ، عن السياري(١٠) ، عن عبيد الله(١١) بن أبي عبد الله الفارسيّ، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رجل: إني أكلت لبنا فضرّني.

قال: فقال أبو عبد الله [ـ عليه السّلام ـ: لا والله ،](١٢) ما يضرّ لبن قطّ. ولكنّك

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أو الى الرحم.

(٣) يوجد في أ، ب.

(٤) أ، ب: مقاربها.

(٥) أ، ب، ر: المنصرفة.

(٦) أ، ب، ر: سقيهم.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٦١.

(٨) الكافي ٦ / ٣٣٦، ح ٥.

(٩) نفس المصدر والموضع، ح ٤.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: يساوي.

(١١) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٥٢٧. وفي النسخ: عبد الله.

(١٢) ليس في أ، ب، ر.


أكلته مع غيره فضرّك(١) الّذي أكلته، وظننت أنّ اللّبن الّذي ضرّك.

عدّة من أصحابنا(٢) ، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: اللّبن طعام المرسلين.

محمّد بن يحيى(٣) ، عن سلمة(٤) بن خطّاب، عن عبّاد بن يعقوب، عن عبيد بن محمّد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لبن الشّاة السّوداء خير من لبن حمراء(٥) ، ولبن البقر الحمراء خير من لبن السّوداء(٦) .

عليّ بن إبراهيم(٧) ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ألبان البقر دواء.

عدّة من أصحابنا(٨) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جدّه قال: شكوت إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ ذربا(٩) وجدته.

فقال لي: ما يمنعك من شرب ألبان البقر؟

وقال لي: أشربتها قطّ؟

فقلت له: نعم مرارا.

فقال لي: كيف وجدتها؟

فقلت: وجدتها تدبغ المعدة وتكسو الكليتين الشّحم وتشهّي الطّعام.

فقال لي: لو كانت أيّامه، لخرجت أنا وأنت إلى ينبع(١٠) حتّى نشربه(١١) .

محمّد بن يحيى(١٢) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن بكر بن صالح.

[عن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ يقول: أبوال الإبل

__________________

(١) المصدر: «فظننت أنّ ذلك من اللبن» بدل «وظننت أنّ اللّبن الذي ضرّك».

(٢) الكافي ٦ / ٣٣٦، ح ٦.

(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٢.

(٤) كذا في المصدر، وجامع الرواة ١ / ٣٧٢. وفي النسخ: مسلمة.

(٥) المصدر: حمراوين.

(٦) المصدر: سوداوين.

(٧) الكافي ٦ / ٣٣٧، ح ١.

(٨) نفس المصدر والموضع، ح ٢.

(٩) الذّرب: فساد المعدة.

(١٠) ينبع: قرية كبيرة على سبع مراحل من المدينة.

(١١) أ، ر: تشربه.

(١٢) الكافي ٦ / ٣٣٨، ح ١.


خير من ألبانها، ويجعل الله ـ عزّ وجلّ ـ الشّفاء في ألبانها.

وفي كتاب الخصال(١) :](٢) عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: شرب(٣) اللّبن شفاء من كلّ داء إلّا الموت.

( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ) : متعلّق بمحذوف، أي: ونسقيكم من ثمرات النّخيل والأعناب، أي: من عصيرهما.

وقوله:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ) .

قيل(٤) : خمرا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) [: الخلّ.

وفي تفسير العيّاشي(٦) :](٧) عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: أنّها نزلت قبل آية التّحريم، فنسخت بها.

وفيه دلالة على أنّ المراد به: الخمر. وقد جاء بالمعنيين جميعا. وعلى إرادة الخمر لا يستلزم حلّها في وقت، لجواز أن يكون عتابا ومنّة قبل بيان تحريمها. ومعنى النّسخ: نسخ السّكوت(٨) عن التّحريم، فلا ينافي ما جاء في أنّها لم تكن حلالا قطّ. وفي مقابلتها بالرّزق الحسن تنبيه على قبحها.

( وَرِزْقاً حَسَناً ) ، كالتّمر والزّبيب والدّبس.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أمر نوحا أن يحمل في السّفينة من كلّ زوجين اثنين. فحمل الفحل(١٠) والعجوة(١١) ، فكانا زوجا. فلما نضب الماء، أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ نوحا أن يغرس الجبلة(١٢) ، وهي الكرم. فأتاه إبليس، فمنعه من غرسها. فأبى إلّا أن يغرسها، وأبى إبليس أن يدعه يغرسها وقال: ليس لك ولا لأصحابك، إنّما هي لي ولأصحابي. فتنازعا ما شاء الله، ثمّ

__________________

(١) الخصال ٢ / ٦٣٦.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) المصدر: حسو.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٦١.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٣، ذيل ح ٤٠ باختلاف سير.

(٧) ليس في ب.

(٨) أ، ب: السكون.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٢، ح ٤٠. (١٠) المصدر: النخل. والفحل، ذكر النخل.

(١١) العجوة: ضرب من أجود التمر. (١٢) المصدر: الحبلة.


أنّهما اصطلحا على أن جعل نوح لإبليس ثلثيها(١) ولنوح ثلثها(٢) . وقد أنزل الله لنبيّه في كتابه ما قد قرأتموه( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) .

فكان المسلمون بذلك. ثمّ أنزل الله آية التّحريم( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ ـ إلى قوله ـ:مُنْتَهُونَ ) . يا سعيد، فهذه آية التّحريم وهي نسخت الآية الأخرى.

٠( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (٦٧): يستعملون عقولهم بالنّظر والتّأمّل في الآيات.

( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) : ألهمها. وقذف في قلوبها.

وقرئ(٣) : «إلى النّحل» بفتحتين(٤) .

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن محمّد بن يوسف، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) .

قال: إلهام.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قوله:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) .

قال: وحي إلهام، يأخذ النّحل من جميع النّور(٧) ثمّ تتّخذه عسلا.

وحدّثني أبي(٨) ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن رجل، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) .

قال: نحن، والله(٩) ، النّحل الّذي(١٠) أوحى الله إليه.

( أَنِ اتَّخِذِي ) : بأن اتّخذي.

ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ في الإيحاء معنى القول. وتأنيث الضّمير على المعنى، فإنّ النّحل مذكّر.

( مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) (٦٨): ذكر بحرف التّبعيض، لأنّها لا تبني في كلّ جبل وكلّ شجر وكلّ ما يعرش من كرم أو سقف ولا في كلّ مكان.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: سهما.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثلاثة.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦١.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٣، ح ٤١.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٧) النور: زهر النبات.

(٨) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٩) ليس في المصدر.

(١٠) المصدر: الّتي.


وإنّما سمّي ما تبنيه لتتعسّل فيه: بيتا، تشبيها ببناء الإنسان، لما فيه من حسن الصّنعة وصحّة القسمة الّتي لا يقوى عليها حذّاق المهندسين إلّا بآلات(١) وأنظار دقيقة: ولعلّ ذكره، للتّنبيه على ذلك.

وقرأ(٢) عاصم: «بيوتا» بكسر الباء.

وقرأ أبو بكر وابن عامر: «يعرشون» بضمّ الرّاء.

( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) : تشتهينها، مرّها وحلوها.

( فَاسْلُكِي ) : ما أكلت.

( سُبُلَ رَبِّكِ ) : في مسالكه الّتي يحيل(٣) فيها بقدرته النّور المرّ عسلا من أجوافك.

أو فاسلكي الطّرق الّتي ألهمك في عمل العسل.

أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك(٤) سبل ربّك، لا تتوعّر عليك ولا تلتبس.

( ذُلُلاً ) : جمع، ذلول. وهي حال من السّبل، أي: مذلّلة، ذلّلها الله وسهّلها لك. أو من الضّمير في «فاسلكي»، أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به.

( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ) : عدل به عن خطاب النّحل إلى خطاب النّاس. لأنّه محلّ الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النّحل وإلهامه لأجلهم.

( شَرابٌ ) ، يعني: العسل، لأنّه ممّا يشرب.

( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) : أبيض وأصفر وأحمر وأسود، لسبب اختلاف سنّ النّحل والفصل.

( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) : إمّا بنفسه، كما في الأمراض البلغميّة. أو مع غيره، كما في سائر الأمراض، إذ قلّما يكون معجون إلّا والعسل جزء منه، مع أنّ التّنكير فيه مشعر بالتّبعيض ويجوز وقيل(٥) : الضّمير للقرآن، أو لما بيّن الله من أحوال النّحل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وحدّثني أبي، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن رجل، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) .

__________________

(١) ب، أ: بالآيات.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٢.

(٣) ب: يجعل.

(٤) أ، ب: بيوتات.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٢.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.


قال: نحن، والله، النّحل الّذي أوحى الله إليه(١) ( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) أمرنا أن نتّخذ من العرب شيعة.( وَمِنَ الشَّجَرِ ) . يقول: من العجم.( وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) .

يقول: من الموالي. والّذي( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) أعنى(٢) العلم الّذي يخرج منّا إليكم.

وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : وروى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ، بإسناده: عن رجاله، عن أبي بصير في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) .

قال: ما بلغ بالنّحل أن يوحى إليها، بل فينا نزلت. فنحن النّحل، ونحن المقيمون له في أرضه بأمره، والجبال شيعتنا، والشّجر النّساء المؤمنات.

وفي كتاب الخصال(٤) : عن داود بن كثير الرّقّيّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لقد اخبرني أبي، عن جدّي ـ عليهما السّلام ـ: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نهى عن قتل ستّة: النّحلة والنّملة والضّفدع والصّرد والهدهد والخطّاف. فأمّا النّحلة، فإنّها تأكل طيّبا وتضع طيّبا. وهي الّتي أوحى الله إليها ليست من الجنّ والإنس.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي عيون الأخبار(٥) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سئل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة حديث طويل. وفيه: وسأله عن شيء أوحى الله إليه ليس من الجنّ ولا من الإنس.

فقال: أوحى الله إلى النّحل.

وفي أصول الكافي(٦) : أبو عليّ الأشعريّ، عن الحسن بن عليّ الكوفيّ، عن العبّاس بن عامر، عن جابر بن(٧) المكفوف، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: اتّقوا على دينكم واحجبوه بالتّقيّة، فإنّه لا إيمان لمن لا تقيّة له. إنّما أنتم في النّاس، كالنّحل في الطّير. لو أنّ الطّير تعلم ما في أجواف النّحل، ما بقي منها

__________________

(١) المصدر: نحن والنّحل الّتي أوحى الله إليها.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) تأويل الآيات ١ / ٢٥٦، ح ١٢.

(٤) الخصال ١ / ٣٢٧، ذيل ح ١٨.

(٥) العيون ١ / ٢٤٤.

(٦) الكافي ٢ / ٢١٨، ح ٥.

(٧) ليس في المصدر.


شيء إلّا أكلته. ولو أنّ النّاس علموا ما في أجوافكم أنّكم تحبّونا أهل البيت، لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم(١) في السّرّ والعلانية. رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا.

وفي تفسر العيّاشي(٢) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) إلى( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) : فالنّحل الأئمّة، والجبال العرب، والشّجر الموالي عتاقه، وممّا يعرشون، يعني: الأولاد والعبيد ممّن لم(٣) يعتق وهو يتولّى الله ورسوله والأئمّة، والثّمرات المختلفة(٤) ألوانه فنون العلم الّذي قد يعلّم الأئمّة شيعتهم، و( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) يقول: في العلم شفاء للنّاس، والشّيعة هم النّاس وغيرهم الله أعلم بهم ما هم(٥) . ولو كان، كما تزعم(٦) أنّه العسل الّذي يأكله النّاس، إذا ما أكل منه وما شرب ذو عاهة إلّا شفي(٧) ، لقول الله ـ تعالى ـ:( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) . ولا خلف لقول الله، وإنّما الشّفاء في علم القرآن لقوله:( نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ ) فهو شفاء ورحمة](٨) لأهله لا شكّ فيه ولا مرية، وأهله أئمّة الهدى الّذين قال الله:( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) .

وفي رواية(٩) أبي الرّبيع الشّاميّ، عنه في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) .

فقال: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.( أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) قال: تزوّج من قريش.( وَمِنَ الشَّجَرِ ) قال: في العرب.( وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) قال: في الموالي.

( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) قال: أنواع العلم.( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) .

عن سيف بن عميرة(١٠) ، عن شيخ من أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كنّا عنده، فسأله شيخ فقال: بي وجع وأنا أشرب له النّبيذ، ووصفه له الشّيخ.

فقال له: ما ينفعك من الماء الّذي جعل الله منه كلّ شيء حيّ؟

__________________

(١) نحل فلانا: سابّه.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٣، ح ٤٣.

(٣) ب: لا.

(٤) المصدر: المختلف.

(٥) ليس في ب: ما هم.

(٦) المصدر: يزعم.

(٧) المصدر: برأ.

(٨) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٤، ح ٤٤.

(١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٤، ح ٤٥.


قال: لا يوافقني.

قال: فما يمنعك من العسل؟

قال الله:( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) .

قال: لا أجده.

قال: فما يمنعك من اللّبن الّذي نبت لحمك واشتد عظمك؟

قال: لا يوافقني.

قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أتريد أن آمرك بشرب الخمر؟ لا [آمرك، لا](١) والله لا آمرك(٢) .

وفي كتاب الخصال(٣) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: لعق العسل شفاء من كلّ داء. قال الله ـ تعالى ـ:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) .

وفي عيون الأخبار(٤) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ بإسناده قال: قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إن يكن في شيء شفاء، ففي شرط الحجام(٥) أو في شربة عسل.

وبإسناده(٦) ، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا تردّوا شربة العسل على من(٧) آتاكم بها.

وبإسناده(٨) ، قال: قال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: ثلاثة يزدن في الحفظ ويذهبن بالبلغم: [قراءة](٩) القرآن والعسل واللبّان(١٠) .

وفي الكافي(١١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد عن القاسم بن يحيى، عن جدّه، الحسن بن راشد، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) أ: زيادة «لا والله».

(٣) الخصال ٢ / ٦٢٣ ضمن ح ١٠.

(٤) العيون ٢ / ٣٥، ح ٨٣.

(٥) المصدر: شرطة حجام.

(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٣٦، ح ٨٤.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: شربة عسل من.

(٨) العيون ٢ / ٣٨، ح ١١١.

(٩) من المصدر.

(١٠) اللبان: نبات من الفصيلة البخورية يفرز صمغا ويسمّى الكندر.

(١١) الكافي ٦ / ٣٣٢، ح ٢.


أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: لعق العسل شفاء من كلّ داء. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) . وهو مع قراءة القرآن ومضغ اللّبان يذيب البلغم.

وفي محاسن البرقيّ(١) : عنه، عن بعض أصحابنا، عن عبد الرّحمن بن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لعق العسل فيه شفاء. قال الله:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد الله بن قدّاح، عن أبي عبد الله، عن أبيه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.

فقال: يا أمير المؤمنين، بي وجع في بطني.

فقال له أمير المؤمنين: ألك زوجة؟

قال: نعم.

قال: استوهب منها [شيئا](٣) طيّبة به نفسها من مالها، ثمّ اشتر به عسلا، ثمّ اسكب عليه من ماء السّماء، ثمّ اشربه. فإنّي أسمع(٤) الله يقول في كتابه:( وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ) . وقال:( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) .

وقال:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) . [فإذا اجتمعت البركة والشّفاء والهني والمري](٥) شفيت إن شاء الله ـ تعالى ـ. ففعل ذلك، فشفي.

وفي مجمع البيان(٦) : وفي النّحل والعسل وجوه من الاعتبار منها: اختصاصه بخروج العسل من فيه، ومنها جعل الشّفاء في موضع السّم فإنّ النّحل يلسع، ومنها ما ركّب الله من البدائع والعجائب فيه وفي طباعه. ومن أعجبها أن جعل ـ سبحانه ـ لكلّ فئة يعسوبا هو أميرها، يقدمها ويحامي عنها ويدبّر أمرها ويسوسها وهي تتبعه وتقتفي أثره. ومتى فقدته انحلّ نظامها وزال قوامها وتفرّقت شذر مذر. وإلى هذا المعنى أشار عليّ أمير المؤمنين: أنا يعسوب المؤمنين.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (٦٩): فإنّ من تدبّر اختصاص النّحل بتلك

__________________

(١) المحاسن / ٤٩٩، ح ٦١١.

(٢) تفسير العيّاشي ١ / ٢١٨، ح ١٥.

(٣) من المصدر.

(٤) بعض نسخ المصدر: سمعت.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) المجمع ٣ / ٣٧٢.


العلوم الدّقيقة والأفعال العجيبة حقّ التّدبّر، علم قطعا أنّه لا بدّ له من قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.

( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) : بآجال مختلفة.

( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ ) : يعاد.

( إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) : أخسّه وأحقره، يعني: الهرم الّذي يشابه الطّفوليّة في نقصان القوّة والعقل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : عن الصّادق، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ: إذا بلغ العبد مائة سنة، فذلك أرذل العمر.

وفي مجمع البيان(٢) : وروي(٣) عن عليّ ـ عليه السّلام ـ: أنت أرذل العمر خمسون وسبعون سنة. روي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ مثل ذلك.

وفي كتاب الخصال(٤) ، بعد أن ذكر حال الإنسان في بلوغ الأربعين والخمسين إلى التّسعين قال: وفي حديث آخر: فإذا بلغ إلى المائة، فذلك أرذل العمر.

وقد روي: أنّ أرذل العمر أن يكون عقله، مثل عقل ابن سبع سنين.

( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) : إلى حال شبيهة بحال الطّفوليّة في النّسيان وسوء الفهم.

وفي أصول الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه، عن [محمد بن](٦) داود الغنويّ، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل(٧) . ستقف عليه بتمامه في سورة الواقعة إن شاء الله ـ تعالى ـ. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: ثمّ ذكر أصحاب الميمنة، وهم المؤمنون حقّا بأعيانهم، جعل فيهم أربعة أرواح: روح الإيمان، وروح القوّة، وروح الشّهوة، وروح البدن. وقال قبل ذلك: وبروح الإيمان عبدوا الله، ولم يشركوا به. وبروح القوّة جاهدوا عدوّكم، وعالجوا معاشهم.

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٧٩.

(٢) المجمع ٣ / ٣٧٢.

(٣) ليس في أ، ب. وفي المصدر: ورووا.

(٤) الخصال ٢ / ٥٤٦، ح ٢٥.

(٥) الكافي ٢ / ٢٨٢، ٢٨٣، ح ١٦.

(٦) من المصدر.

(٧) ليس في أ، ب، ر.


وبروح الشّهوة أصابوا لذيذ الطّعام، ونكحوا الحلال من شباب النّساء. وبروح البدن دبّوا ودرجوا.

وقال ـ عليه السّلام ـ متّصلا بقوله: «وروح البدن»: فلا يزال العبد يستكمل الأرواح الأربعة حتّى تأتي عليه حالات.

فقال الرّجل: يا أمير المؤمنين، ما هذه الحالات؟

فقال: أمّا أوّلهنّ(١) فهو، كما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) . فهذا ينتقض منه جميع الأرواح، وليس بالّذي يخرج من دين الله. لأنّ الفاعل به ردّه إلى أرذل عمره، فهو لا يعرف للصّلاة وقتا ولا يستطيع التّهجّد باللّيل ولا بالنّهار ولا القيام في الصّفّ مع النّاس. فهذا نقصان من روح الإيمان، وليس يضرّه شيئا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: إذا كبر، لا يعلم ما علمه قبل ذلك.

( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) : بمقادير أعمارهم.

( قَدِيرٌ ) (٧٠): يميت الشّابّ النّشيط، ويبقى الهمّ(٣) الفاني.

وفيه تنبيه على أنّ تفاوت آجال النّاس ليس إلّا بتقدير قادر حكيم رتّب أبنيتهم وعدّل أمزجتهم على قدر معلوم. ولو كان ذلك مقتضى الطّباع، لم يبلغ التّفاوت هذا المبلغ.

( وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) : فمنكم غنيّ، ومنكم فقير، ومنكم موالي يتولّون رزقهم ورزق غيرهم، ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك.

( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ ) : بمعطي رزقهم.

( عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) : على مماليكهم. فإنّما يردّون عليهم رزقهم، الّذي جعله الله في أيديهم.

( فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ) : فالموالي والمماليك سواء في أنّ الله رزقهم.

فالجملة لازمة للجملة المنفيّة، أو مقررة لها. ويجوز أن يكون واقعة موقع الجواب، كأنّه قيل: فما الّذين فضّلوا برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرّزق. على

__________________

(١) المصدر: أولا هنّ.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٣) الهمّ: الشيخ الكبير.


أنّه ردّ وإنكار على مشركين، فإنّهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهيّة، ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فيساويهم فيه.

( أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) (٧١): حيث يتّخذون له شركاء. فإنّه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدون أنّه من عند الله. أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج، بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها.

و «الباء» لتضمّن الجحود معنى الكفر.

وقرأ(١) أبو بكر: «تجحدون» بالتّاء. لقوله: «خلقكم» و «فضّل بعضكم».

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: لا يجوز للرّجل أن يخصّ نفسه بشيء من المأكول دون عياله.

وفي جوامع الجامع(٣) : ويحكى عن أبي ذرّ ـ رضي الله عنه ـ أنّه سمع النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: إنّما هم إخوانكم، فاكسوهم مما تكسون(٤) وأطعموهم مما تطعمون.

فما رأي(٥) عبده بعد ذلك، إلّا ورداءه رداءه وإزاره إزاره من غير تفاوت.

( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) ، أي: من جنسكم. لتأنسوا بها، ولتكون أولادكم مثلكم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) ، يعني: حواء خلقت من آدم.

( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) : وأولاد أولاد، أو بنات. فإنّ الحافد، هو المسرع في الخدمة، والبنات يخدمن في البيوت.

وقيل(٧) : الرّبائب. ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم. والعطف لتغاير الوصفين.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن عبد الرّحمن الأشلّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: في(٩) «الحفدة» بنو البنت. ونحن حفدة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

عن جميل بن درّاج(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله :

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٣.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٣) الجوامع / ٢٤٦.

(٤) المصدر: تلبسون.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: رئي.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٣.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٤، ح ٤٦.

(٩) ليس في المصدر.

(١٠) نفس المصدر والموضع، ح ٤٧.


( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) .

قال: هم الحفدة، وهم العون منهم، يعني: البنين.

وفي مجمع البيان(١) : عنه ـ عليه السّلام ـ: وهم أختان الرّجل على بناته.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : قال: الأختان.

( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) : من اللّذائذ. أو من الحلالات.

و «من» للتّبعيض. فإنّ المرزوق في الدّنيا أنموذج منها.

( أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ ) .

قيل(٣) : هو أنّ الأصنام تنفعهم. أو أنّ من الطّيّبات ما يحرم عليهم، كالبحائر والسّوائب.

( وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) (٧٢): حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرّموا ما أحلّ الله لهم. وتقديم الصّلة على الفعل إمّا للاهتمام، أو لإيهام التّخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل.

وقيل(٤) : يريد( بِنِعْمَتِ اللهِ ) : رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والقرآن والإسلام، أي: هم(٥) كافرون بها منكرون لها.

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً ) : من مطر ونبات. و «رزقا» إن جعلته مصدرا فشيئا منصوب به، وإلّا فبدل منه.

( وَلا يَسْتَطِيعُونَ ) (٧٣): أن يتملّكوه، أو لا استطاعة لهم أصلا.

وجمع الضّمير فيه وتوحيده في «لا يملك»، لأنّ «ما» مفرد في معنى الآلهة. ويجوز أن يعود إلى الكفّار، أي: ولا يستطيع هؤلاء مع أنّهم أحياء متصرّفون شيئا من ذلك، فكيف بالجماد.

( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ) : فلا تجعلوا له مثلا تشركون به، أو تقيسونه عليه.

فإنّ ضرب المثل تشبيه حال بحال.

قيل(٦) : كانوا يقولون: إنّ عبادة عبدة الملك أدخل في التّعظيم من عبادته.

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٧٣.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٣.

(٤) تفسير الصافي ٣ / ١٤٦.

(٥) المصدر: هو.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٣، وتفسير الصافي


( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ) : فساد ما تعوّلون عليه من القياس، على أنّ عبادة عبيد الملك أدخل في التّعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون.

( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (٧٤): ذلك. ولو علمتموه، لما جرأتم عليه. فهو تعليل للنّهي. أو أنّه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون نصّه.

ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، فإنّه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثمّ علّمهم كيف يضرب، فضرب مثلا لنفسه ولمن دونه فقال:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ) : مثّل ما يشرك به المملوك العاجز عن التّصرّف رأسا، ومثّل نفسه بالحرّ المالك الّذي رزقه الله مالا كثيرا فهو يتصرّف فيه كيف يشاء. واحتجّ بامتناع الاشتراك والتّسوية بينهما، مع تشاركهما في الجنسيّة والمخلوقيّة، على امتناع التّسوية بين الأصنام الّتي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغنيّ القادر على الإطلاق.

وقيل(١) : هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفّق. وتقييد العبد بالمملوكية للتّمييز عن الحرّ، فإنّه ـ أيضا ـ عبد الله. وبسلب القدرة للتّمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيما للمالك المتصرّف. يدل على أنّ المملوك لا يملك.

قيل: والأظهر أنّ «من» نكرة موصوفة ليطابق «عبدا». وجمع الضّمير في «يستوون»، لأنّه للجنسين. فإنّ المعنى: هل يستوي الأحرار والعبيد.

( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) : كلّ الحمد لله لا يستحقّه غيره فضلا عن العبادة، لأنّه مولى النّعم كلّها.

( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (٧٥): فيضيفون نعمه إلى غيره، ويعبدونه لأجلها.

وفي الكافيّ(٢) : محمّد عن أحمد عن ابن فضّال(٣) ، عن مفضّل بن صالح، عن ليث المراديّ قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن العبد: هل يجوز طلاقه؟

فقال: إن كان أمتك، فلا. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) . وإن كانت أمة قوم آخرين أو حرّة، جاز طلاقه.

__________________

٣ / ١٤٦.

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٤.

(٢) الكافي ٦ / ١٦٨، ح ٢.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: محمد بن أحمد بن فضّال.


وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وروى ابن أذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ قالا: المملوك لا يجوز طلاقه ولا نكاحه إلّا بإذن سيّده.

قلت: فان كان السّيّد زوّجه، بيد من الطّلاق؟ قال: لا(٢) بيد السيّد،( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) . أفشيء الطّلاق؟

وفي تهذيب الأحكام(٣) : الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل نكح أمته من رجل آخر(٤) ، أيفرق بينهما إذا شاء؟

فقال: إن كان مملوكه، فليفرق بينهما إذا شاء. إنّ الله ـ تعالى ـ يقول:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) . فليس للعبد شيء من الأمر. وإن كان زوجها حرّا، فإنّ طلاقها صفقتها.

الحسين بن سعيد(٥) ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن ابن بكير، عن الحسن العطّار قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع بالعمرة إلى الحجّ، أعليه أن يذبح عنه؟

قال: لا. إنّ الله يقول:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي بصير، في الرّجل ينكح أمته لرجل له، أن يفرق بينهما إذا شاء؟

قال: إن كان مملوكا، فليفرق بينهما إذا شاء. لأنّ الله يقول:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) . فليس للعبد من الأمر شيء. وإن [كان](٧) زوّجها حرّا، فرق بينهما إذا شاء المولى.

عن أحمد بن عبد الله العلويّ(٨) ، عن الحسن بن الحسين بن زيد بن عليّ، عن جعفر بن محمّد [عن أبيه](٩) ـ عليهما السّلام ـ قال: كان عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ

__________________

(١) الفقيه ٣ / ٣٥٠، ح ٣.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) التهذيب ٧ / ٣٤٠، ح ٢٣.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) التهذيب ٥ / ٢٠٠، ح ٤.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٥، ح ٥١.

(٧) من المصدر.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٦، ح ٥٤.

(٩) من المصدر.


يقول:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) . ويقول: للعبد لا طلاق ولا نكاح، ذلك إلى سيّده. والنّاس يرون خلاف ذلك، إذا أذن السّيّد لعبده لا يرون له أن يفرّق بينهما.

( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ) : ولد أخرس، لا يفهم ولا يفهم.

( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) : من الصّنائع والتّدابير، لنقصان عقله.

( وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ) : عيال وثقل على من يلي أمره.

( أَيْنَما يُوَجِّهْهُ ) : حيث ما يرسله مولاه في أمر.

وقرئ(١) : «يوجّه» على البناء للمفعول. ويوجّه بمعنى: يتوجه. وتوجّه بلفظ الماضي.

( لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) : بنجح(٢) وكفاية مهم.

( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) : ومن هو فهم منطيق، ذو كفاية ورشد، ينفع النّاس بحثّهم على العدل الشّامل لجميع الفضائل.

( وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (٧٦): وهو في نفسه على طريق مستقيم، لا يتوجّه إلى مطلب إلّا ويبلغه بأقرب سعي. وإنّما قابل تلك الصّفات بهذين الوصفين، لأنّهما كمال ما يقابلهما.

قيل(٣) : وهذا تمثيل ثان ضربه الله لنفسه وللأصنام، لإبطال المشاركة بينه وبينها. أو للمؤمن والكافر.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : الّذي يأمر بالعدل أمير المؤمنين والأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ.

وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : روى أبو عبد الله، الحسين بن جبير في كتاب (نخب المناقب) حديثا مسندا، عن حمزة بن عطا، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

قال: هو أمير المؤمنين يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٤.

(٢) كذا في المصدر. وفي أ، ر: ينجح. وفي سائر النسخ: بتحجج.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٤.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨٧.

(٥) تأويل الآيات ١ / ٢٥٩، ح ١٥.


وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ جماعة من أصحابه، منهم حمران بن أعين [ومحمّد بن أعين](٢) ومحمّد بن النّعمان وهشام بن سالم والطّيّار. وجماعة، فيهم(٣) هشام بن الحكم، وهو شابّ.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا هشام، ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد، وكيف سألته؟

فقال هشام: يا ابن رسول الله، إنّي اجلّك وأستحيك ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إن(٤) أمرتكم بشيء، فافعلوا.

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ. فخرجت إليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة. فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء مؤتزرا(٥) بها من صوف وشملة مرتديا بها(٦) ، والنّاس يسألونه. فاستفرجت النّاس فأفرجوا(٧) لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي.

ثمّ قلت: أيّها العالم، إني رجل غريب تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت: ألك عين؟

قال: يا بنيّ، أيّ شيء هذا من السّؤال، وشيء تراه كيف تسأل عنه؟

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بنيّ، سل وإن كانت مسألتك حمقاء.

قلت: أجبني فيها.

قال لي: سل.

__________________

(١) الكافي ١ / ١٦٩، ح ٣.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: منهم.

(٤) المصدر: إذا.

(٥) ب، أ، ر: ميزوا. وفي المصدر: متزر.

(٦) المصدر: مرتد بها.

(٧) أ، ب: فانفرجوا.


قلت: ألك عين؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الألوان والأشخاص.

قلت: ألك أنف؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أشم به الرّائحة.

قلت: ألك فم؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أذوق به الطّعم.

قلت: ألك أذن؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع بها؟

قال: أسمع بها الصّوت.

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم.

قلت: فما تصنع به؟

قال: أميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواسّ.

قلت: أو ليس في هذه الجوارح والحواسّ غنى عن القلب؟

قال: لا.

قلت: وكيف ذلك، وهي صحيحة سليمة؟

قال: يا بنيّ، إنّ الجوارح إذا شكت في شيء شمّته أو رأته(١) أو ذاقته أو سمعته، ردّته إلى القلب، فيبيّن(٢) اليقين ويبطل الشّكّ.

__________________

(١) ب: لامسته.

(٢) المصدر: فيستيقن.


قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لا بدّ من القلب، وإلّا لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت: يا أبا مروان، فإنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح لها الصّحيح ويتيقّن به ما شكلت فيه. ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم ذلك إماما لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك؟

قال: فسكت ولم يقل شيئا.

ثمّ التفت إليّ، وقال لي: أنت هشام بن الحكم؟

فقلت: لا.

فقال: أمن جلسائه؟

قلت: لا.

قال: فمن أين أنت؟

قلت: من أهل الكوفة.

قال: فأنت إذا هو.

ثمّ ضمّني إليه وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه وما نطق حتّى قمت.

قال: فضحك أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ وقال: يا هشام، من علّمك هذا؟

قلت: شيء أخذته منك وألّفته.

فقال: هذا [والله](١) مكتوب في صحف إبراهيم وموسى.

( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : يختصّ به علمه لا يعلمه غيره، وهو ما غاب فيهما عن العباد، بأن لم يكن محسوسا ولم يدلّ عليه محسوس.

وقيل(٢) : يوم القيامة: فإنّ علمه غائب عن أهل السّماوات والأرض.

( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ) : وما أمر قيام القيامة في سرعته وسهولته.

( إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) ، كرجع الطّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٤.


( أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) : أو أمرها أقرب منه، بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الّذي يبتدئ فيه. فإنّه ـ تعالى ـ يحيي الخلائق دفعة. وما يوجد دفعة، كان في آن.

و «أو» للتّخيير. أو بمعنى: بل.

وقيل(١) : معناه: أنّ قيام السّاعة وإن تراخى، فهو عند الله، كالشّيء الّذي تقولون فيه: كلمح البصر أو هو أقرب، مبالغة في استقرابه.

( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٧٧): فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن أحياهم متدرّجا. ثمّ دلّ على قدرته بقوله:( وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) وقرأ(٢) الكسائيّ، بكسر الهمزة، على أنّه لغة أو اتّباع لما قبلها. وحمزة، بكسرها وكسر الميم، والهاء مزيدة، مثلها في إهراق.

( لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) : جهّالا، مستصحبين جهل الجماديّة.

( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ) : أداة تتعلّمون بها، فتحسّون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها. ثمّ تتنّبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرير الإحساس، حتّى تتحصّل لكم العلوم البديهيّة وتتمكّنوا من تحصيل المعالم الكسبيّة بالنّظر فيها.

( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (٧٨): كي تعرفوا ما أنعم عليكم طورا بعد طور، فتشكروه.

( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ) قراءة(٣) ابن عامر وحمزة ويعقوب، بالتّاء. على أنّه خطاب للعامّة.

( مُسَخَّراتٍ ) : مذلّلات للطّيران، بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له.

( فِي جَوِّ السَّماءِ ) : في الهواء المتباعد من الأرض.

( ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ ) : فإنّ ثقل جسدها يقتضي سقوطا، ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) : تسخير الطّير(٤) للطّيران. بأن خلقها خلقة يتمكّن معها

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٤.

(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٥.

(٤) ب: الطيران.


الطّيران، وخلق الجوّ بحيث يمكن الطّيران فيه، وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها.

( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (٧٩): لأنّهم المنتفعون بها.

( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) : موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت المتّخذة من الحجر والمدر. فعل، بمعنى المفعول.

( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ) : هي القباب المتّخذة من الأدم. ويجوز أن يتناول المتّخذة من الوبر والصّوف والشّعر، فإنّها من حيث أنّها نابتة على جلودها يصدق عليها أنّها من جلودها.

( تَسْتَخِفُّونَها ) : تجدونها خفيفة، يخفّ عليكم حملها ونقلها.

( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ) : وقت ترحالكم.

( وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ ) : وقت الحضر، أو النّزول.

وقرأ(١) الحجازيّان والبصريّان: «يوم ظعنكم» بالفتح. وهو لغة فيه.

( وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها ) : الصّوف للضّائنة، والوبر للإبل، والشعر للمعز. وإضافتها إلى ضمير الأنعام، لأنّها من جملتها.

( أَثاثاً ) : ما يلبس ويفرش.

( وَمَتاعاً ) : [ما يتّجر به](٢) .

( إِلى حِينٍ ) (٨٠): إلى مدّة من الزّمان، فإنّها لصلابتها تبقى مدّة مديدة. أو إلى حين مماتكم(٣) أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : في رواية أبي الجارود في قوله:( أَثاثاً ) قال: المال.( وَمَتاعاً ) قال: المنافع.( إِلى حِينٍ ) [أي: إلى حين](٥) بلاغها.

( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ) : من الشّجر والجبال والأبنية وغيرها.

( ظِلالاً ) : تتقون بها حرّ الشّمس.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : قال: ما يستظلّ به.

( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ) : مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٥.

(٢ و ٣) ليس في ب.

(٤) تفسير القمّي ١ / ٣٨٨.

(٥) من المصدر.

(٦) نفس المصدر والموضع.


المنحوتة فيها. جمع، كن.

( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ ) : ثيابا من الصّوف والكتان والقطن وغيرها.

( تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) : خصّه بالذّكر، اكتفاء بأحد الضّدين، أو لأن وقاية الحرّ كانت أهم عندهم.

وفي روضة الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن الحرّ والبرد، ممّا يكونان؟

فقال لي: يا أبا أيّوب، إنّ المرّيخ كوكب حارّ وزحل كوكب بارد. فإذا بدأ المرّيخ في الارتفاع، انحطّ زحل. وذلك في الرّبيع. فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع المريخ درجة، انحطّ زحل درجة، ثلاثة أشهر، حتّى ينتهي المرّيخ في الارتفاع وينتهي زحل في الهبوط فيجلو المريخ، فلذلك يشتدّ الحرّ. فإذا كان آخر الصّيف وأوّل الخريف، بدأ زحل في الارتفاع وبدأ المرّيخ في الهبوط. فلا يزالان كذلك كلّما ارتفع زحل درجة، انحطّ المرّيخ درجة. حتّى ينتهي المرّيخ في الهبوط وينتهي زحل في الارتفاع، فيجلو زحل. وذلك أوّل الشّتاء وآخر الخريف، فلذلك يشتدّ البرد. وكلّما ارتفع هذا، هبط هذا. وكلّما هبط هذا، ارتفع هذا. فإذا كان في الصّيف يوم بارد، فالفعل في ذلك للقمر. وإذا كان في الشّتاء يوم حار، فالفعل في ذلك للشّمس. هذا تقدير العزيز العليم، وأنا عبد ربّ العالمين.

( وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) ، يعني: الدّروع والجواشن. والسّربال يعمّ كلّ ما يلبس.

( كَذلِكَ ) : كإتمام هذه النّعم الّتي تقدّمت.

( يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) (٨١)، أي: تنظرون في نعمته، فتؤمنون به وتنقادون لحكمه(٢) .

وقرئ(٣) : «تسلمون» من السّلامة، أي: تشكرون فتسلمون من العذاب. أو تنظرون فيها، فتسلمون من الشّرك.

__________________

(١) الكافي ٨ / ٣٠٦، ح ٤٧٤.

(٢) أ، ب: بحكمه.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٦.


وقيل(١) : تسلمون من الجراح بلبس الدّروع.

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : أعرضوا، ولم يقبلوا منك.

( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) (٨٢): فلا يضرّك. فإنّما عليك البلاغ، وقد بلّغت. وهذا من إقامة السّبب مقام المسبّب.

( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ) ، أي: يعرف(٢) المشركون نعمة الله الّتي عدّدها عليهم وغيرها، حيث يعترفون بها وبأنّها من الله.

( ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) : بعبادتهم غير المنعم بها، وقولهم: إنّها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب كذا. أو بإعراضهم من أداء حقوقها.

وقيل(٣) :( نِعْمَتَ اللهِ ) [نبوة](٤) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. عرفوها بالمعجزات، ثمّ أنكروها عنادا، ومعنى «ثمّ»: استبعادا لإنكار بعد المعرفة.

( وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) (٨٣): الجاحدون عنادا.

وذكر الأكثر، إمّا لأنّ بعضهم لم يعرف الحقّ لنقصان العقل والتّفريط في النّظر، أو لم تقم عليه الحجّة لأنّه لم يبلغ حدّ التّكليف. وإمّا لأنّه يقام مقام الكلّ، كما في قوله:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن جعفر بن أحمد(٦) ، عن العمركيّ، عن النّيشابوريّ، عن عليّ بن جعفر بن محمّد، عن أخيه، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ أنّه سئل عن هذه الآية:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) .

قال: عرفوه ثمّ أنكروه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : قوله:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) .

قال:( نِعْمَتَ اللهِ ) هم الأئمّة. والدّليل على أنّ الأئمّة نعمة الله قول الله:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) (٨) .

قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: نحن، والله، نعمة الله التي أنعم الله بها على

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يعرفون.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٦.

(٤) من المصدر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٦، ح ٥٥.

(٦) ب، ر: محمّد.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٨٨.

(٨) إبراهيم / ٢٨.


عباده. وبنا فاز من فاز.

وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محمّد الهاشميّ قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن عيسى قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) .

قال: لـمّـا نزلت( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) اجتمع نفر من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في مسجد المدينة.

فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية؟

فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية، نكفر بسائرها. وإن آمنّا فإنّ هذا ذلّ حين يسلّط علينا ابن أبي طالب.

فقالوا: قد علمنا أنّ محمّدا صادق فيما يقول، ولكنّا(٢) نتولّاه ولا نطيع عليّا عليه السلام(٣) في ما أمرنا.

قال: فنزلت هذه الآية( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) ، يعني(٤) : ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.( وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) بالولاية.

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) قيل(٥) : هو نبيّها يشهد لهم وعليهم بالكفر والإيمان.

وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب(٦) : أبو حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) .

قال: نحن الشّهود على هذه الأمّة.

وفي مجمع البيان(٧) : قوله:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) .

قال: لكلّ زمان وأمّة إمام، تبعث كلّ أمّة مع إمامها.

__________________

(١) الكافي ١ / ٤٢٧، ح ٧٧.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لكن» بدل «ولكنّا».

(٣) ليس في المصدر: عليه السّلام.

(٤) المصدر: يعرفون يعني.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٦.

(٦) المناقب ٤ / ١٧٩.

(٧) المجمع ٣ / ٣٧٨.


( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) : في الاعتذار، إذ لا عذر لهم.

وقيل(١) : في الرّجوع إلى الدّنيا. و «ثمّ» لزيادة ما يحيق بهم(٢) من شدّة المنع عن الاعتذار، واستبعاد لما يتمنّونه من جواز الاعتذار.

( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) (٨٤): ولا هم يسترضون(٣) . من العتبى، وهي الرّضا.

وانتصاب «يوم» بمحذوف، تقديره: اذكر، أو خوّفهم، أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله:( وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ ) : عذاب جهنّم.

( فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) ، أي: العذاب.

( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) (٨٥): يمهلون.

( وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ ) : أوثانهم الّتي دعوها شركاء. أو الشّياطين الّذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه.

( قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ ) : نعبدهم أو نطيعهم، وهو اعتراف بأنّهم كانوا مخطئين في ذلك. أو التماس لأن يشطر عذابهم.

( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ) (٨٦)، أي: أجابوهم بالتّكذيب في أنّهم شركاء لله. أو أنّهم ما عبدوهم حقيقة وإنّما عبدوا أهواءهم، كقوله:( كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ) . ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ. أو في أنّهم حملوهم على الكفر وألزموهم إيّاه، كقوله:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) .

( وَأَلْقَوْا ) : وألقى الّذين ظلموا.

( إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) : الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدّنيا.

( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) : وبطل.

( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) (٨٧): من أنّ آلهتهم ينصرونهم ويشفعونهم حين كذّبوهم وتبرّؤوا منهم.

( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : بالمنع عن الإسلام، والحمل على الكفر.

( زِدْناهُمْ عَذاباً ) : لصدّهم.

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٦.

(٢) أ: يحتويهم.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يستعرضون.


( فَوْقَ الْعَذابِ ) : المستحقّ بكفرهم.

( بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ) (٨٨): بكونهم مفسدين بصدّهم.

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ، يعني: نبيّهم. فإنّ نبيّ كلّ أمّة يبعث منهم.

( وَجِئْنا بِكَ ) : يا محمّد.

( شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) : على أمّتك.

( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ) : استئناف. أو حال بإضمار «قد».

( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) : من أمور الدّين.

( وَهُدىً وَرَحْمَةً ) : للجميع. وإنّما حرمان المحروم من تفريطه.

( وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) (٨٩): خاصّة.

في مجمع البيان(١) : قوله:( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ ) .

قال: كفروا بعد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وصدّوا عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.( زِدْناهُمْ عَذاباً ) (الآية). ثمّ قال:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ، يعني: من الأئمّة. ثمّ قال لنبيّه:( وَجِئْنا بِكَ ) يا محمّد:( شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) ، يعني: على الأئمّة. فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ شهيد على الأئمّة، وهم شهداء على النّاس.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن منصور، عن حمّاد اللّحّام قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: نحن، والله، نعلم ما في السّماوات وما في الأرض وما في الجنّة وما في النّار وما بين ذلك.

قال: فبقيت(٣) أنظر إليه.

فقال: يا حمّاد، إنّ ذلك في كتاب الله ثلاث مرات.

قال: ثمّ تلا هذه الآية( يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) .

__________________

(١) بل في تفسير القمّي ١ / ٣٨٨.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٦، ح ٥٧.

(٣) المصدر: فبهت.


إنّه من كتاب فيه تبيان كلّ شيء.

عن عبد الله بن الوليد(١) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قال لموسى:( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) . فعلمنا أنّه لم يكتب لموسى الشّيء كلّه. وقال الله لعيسى:( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) . وقال الله لمحمّد ـ عليه وآله السّلام ـ:( وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) .

عن يونس(٢) ، عن عدّة من أصحابنا قالوا: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّي لأعلم خبر السّماوات وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، كأنّه في كفّي.

قال: من كتاب الله أعلمه. إنّ الله يقول: فيه تبيان كلّ شيء.

وفي عيون الأخبار(٣) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع أهل الأديان والمقالات في التّوحيد. قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ في أثناء المحاورات: وكذلك أمر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وما جاء به وأمر كلّ نبيّ(٤) بعثه الله. ومن آياته أنّه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا، لم يتعلّم كتابا ولم يختلف إلى معلّم. ثمّ جاء بالقرآن الّذي فيه قصص الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ وأخبارهم حرفا حرفا، وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة.

وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء. حتّى، والله، ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد. حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلّا وأنزله الله فيه.

عليّ بن إبراهيم(٦) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حسين بن المنذر، عن عمر بن قيس(٧) العتيق، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمّة، إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وجعل لكلّ شيء حدّا، وجعل عليه دليلا يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٦، ح ٥٨.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٦، ح ٥٦.

(٣) العيون ١ / ١٦٧.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: شيء.

(٥) الكافي ١ / ٥٩، ح ١.

(٦) نفس المصدر والموضع، ح ٢.

(٧) كذا في المصدر، ب، جامع الرواة ١ / ٦٣٦. وفي ساير النسخ: العتيق.


عليّ(١) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: ما من شيء، إلّا وفيه كتاب أو سنّة.

عليّ بن إبراهيم(٢) [عن أبيه](٣) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن حمّاد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: إذا حدّثتكم بشيء، فاسألوني من كتاب الله.

ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السّؤال.

فقيل له: يا بن رسول الله، أين هذا من كتاب الله؟ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) .

وقال:( لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) . وقال:( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .

محمّد بن يحيى(٤) ، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عمّن حدّثه، عن المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما من أمر يختلف فيه اثنان، إلّا وله أصل في كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ. ولكن لا تبلغه عقول الرّجال.

محمّد بن يحيى(٥) ، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أيّها النّاس، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أرسل إليكم الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

إلى أن قال: فجاءهم بنسخة ما في الصّحف الأولى، وتصديق [الّذي بين يديه، وتفصيل الحلال من ريب الحرام. ذلك القرآن فاستنطقوه](٦) ولن ينطق لكم.

أخبركم عنه، أنّ فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون. فلو سألتموني عنه، لأخبرتكم(٧) .

محمّد بن يحيى(٨) ، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن ابن فضّال، عن حمّاد بن

__________________

(١) الكافي ١ / ٥٩، ح ٤.

(٢) الكافي ١ / ٦٠، ح ٥.

(٣) من المصدر.

(٤) الكافي ١ / ٦٠، ح ٦.

(٥) الكافي ١ / ٦٠ ـ ٦١، ح ٧.

(٦) ليس في أ، ر.

(٧) المصدر: لعلّمتكم.

(٨) الكافي ١ / ٦١، ح ٨.


عثمان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قد ولدني رسول الله، وأنا أعلم بكتاب الله. وفيه بدء الخلق وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السّماء وخبر الأرض وخبر الجنّة وخبر النّار وخبر ما كان وخبر(١) ما هو كائن. أعلم ذلك، كما أنظر إلى كفّي. إنّ الله يقول: فيه تبيان كلّ شيء.

عدّة من أصحابنا(٢) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن النّعمان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كتاب الله فيه تبيان(٣) ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه.

عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن [محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي المغرا، عن سماعة، عن](٥) أبي الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ. أو تقولون(٦) فيه؟

قال: بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

محمّد بن الحسين(٧) ، عن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن عبد الأعلى، مولى آل سام قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: والله، إنّي لأعلم كتاب الله من أوّله إلى آخره، كأنّه في كفّي. فيه خبر السّماء وخبر الأرض وخبر ما كان و [خبر](٨) ما هو كائن. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: فيه تبيان كلّ شيء.

عدّة من أصحابنا(٩) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة. وعدّة من أصحابنا، منهم عبد الأعلى، وأبو عبيدة، وعبد الله بن بشر الجثعميّ سمعوا أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّي لأعلم ما في السّماوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النّار، وأعلم ما كان وما يكون.

قال: ثمّ سكت(١٠) هنيئة، فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه.

__________________

(١) المصدر: [خبر].

(٢) الكافي ١ / ٦١، ح ٩.

(٣) المصدر: نبأ.

(٤) الكافي ١ / ٦٢، ح ١٠.

(٥) ليس في أ، ر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويقولون.

(٧) الكافي ١ / ٢٢٩، ح ٤. وفيه محمد بن يحيى.

(٨) من المصدر.

(٩) الكافي ١ / ٢٦١، ح ٢.

(١٠) المصدر: مكث.


فقال: علمت ذلك من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ. يقول: فيه تبيان كل شيء.

محمّد بن يحيى الأشعري(١) ، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن أيّوب بن الحرّ قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ الله ـ عزّ ذكره ـ ختم بنبيّكم النّبيّين، فلا نبيّ بعده أبدا(٢) . وختم بكتابكم الكتب، فلا كتاب بعده أبدا. وفيه تبيان كلّ شيء. وخلقكم وخلق السّماوات والأرض، ونبأ ما قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما بعدكم، وأمر الجنّة والنّار، وما أنتم صائرون إليه.

محمّد بن يحيى(٣) ، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: وأنا امرؤ من قريش، قد ولدني رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وعلمت كتاب الله. وفيه تبيان كلّ شيء، بدء(٤) الخلق، وأمر السّماء وأمر الأرض، وأمر الأوّلين وأمر الآخرين، وأمر ما كان و [أمر](٥) ما يكون، كأنّي أنظر إلى ذلك نصب عيني.

عليّ،(٦) عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه، وهو الصّادق البارّ. فيه خبركم، وخبر من قبلكم، وخبر من بعدكم، وخبر السّماء والأرض. ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك، لتعجّبتم.

وفي نهج البلاغة(٧) ، في كلام له ـ عليه السّلام ـ في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا: أم أنزل الله دينا ناقصا، فاستعان بهم(٨) على إتمامه. أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا(٩) وعليه أن يرضى. أم أنزل [الله ـ سبحانه ـ](١٠) دينا تامّا، فقصّر رسول الله عن تبليغه وأدائه.

والله ـ سبحانه ـ يقول:( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) . وفيه تبيان كلّ(١١) شيء.

__________________

(١) الكافي ١ / ٢٦٩، ح ٣.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) الكافي ٢ / ٢٢٣، ذيل ح ٥.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: و.

(٥) من المصدر.

(٦) الكافي ٢ / ٥٩٩، ح ٣.

(٧) نهج البلاغة / ٦١، ذيل خطبة ١٨.

(٨) أ: لهم. (٩) أ، ر: يقربوا.

(١٠) من المصدر. (١١) المصدر: لكلّ.


( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) : بالتّوسط في الأمور.

وفي كتاب الخصال(١) : عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليهم السّلام ـ [عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٢) قال: تكلّم النّار يوم القيامة ثلاثة: أميرا وقارئا وذا ثروة من المال. فتقول(٣) للأمير: يا من وهب الله له سلطانا ولم يعدل. فتزدرده، كما يزدرد الطّير حبّ السّمسم. وتقول للقارئ (الحديث).

( وَالْإِحْسانِ ) ، أي: إحسان الطّاعات. وهو إمّا بحسب الكمّيّة، كالتّطوّع بالنّوافل.

أو بحسب الكيفيّة، كما قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الإحسان، أن تعبد الله، كأنّك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنّه يراك.

( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) : وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه. وهو تخصيص بعد تعميم، للمبالغة.

( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ ) : عن الإفراط في مشايعة القوّة الشّهويّة، كالزّنا. فإنّه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها.

( وَالْمُنْكَرِ ) : ما ينكره العقل.

( وَالْبَغْيِ ) : بالاستعلاء والاستيلاء على النّاس، والتّجبّر عليهم بغير حقّ.

وفي كتاب معاني الأخبار(٤) ، بإسناده إلى عمرو بن عثمان التّيميّ القاضي قال: خرج أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ على أصحابه وهم يتذاكرون المروءة.

فقال: أين أنتم من كتاب الله ـ تعالى ـ.

قالوا: يا أمير المؤمنين، في أيّ موضع؟

فقال: في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) . فالعدل الإنصاف. والإحسان التّفضّل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : قال: «العدل» شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا

__________________

(١) الخصال ١ / ١١١، ح ٨٤.

(٢) من المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقول.

(٤) المعاني / ٢٥٧، ح ١.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٨٨.


رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. و «الإحسان» أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. و «الفحشاء» المنكرون. و «البغي» فلان وفلان وفلان.

وفي كتاب الخصال(١) : عن أبي مالك قال: قلت لعليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ: أخبرني بجميع شرائع الدّين. قال: قول الحقّ، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد. [هذه جميع شرائع الدّين](٢) .

عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ(٣) قال: في كتاب عليّ ـ عليه السّلام ـ ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ حتّى يرى وبالهنّ: البغي، وقطعية الرّحم، واليمين الكاذبة.

وفي كتاب التّوحيد(٤) : حدّثنا محمّد بن القسم، المفسّر ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا يوسف بن محمّد بن زياد [وعليّ بن محمّد بن زياد](٥) وعليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ، الرّضا، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: ما عرف الله من شبّهه بخلقه، ولا وصفه بالعدل من نسب إليه ذنوب عباده.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن سعد عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) .

قال: يا سعد:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) وهو محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

«والإحسان» وهو عليّ.( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) وهي قرابتنا، أمر الله العباد بمودّتنا وإيتائنا. نهاهم عن الفحشاء والمنكر، من بغى على أهل البيت ودعا إلى غيرنا.

عن إسماعيل الحريريّ(٧) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قول الله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) .

قال: اقرأ، كما أقول لك، يا إسماعيل: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى حقه.

قلت: جعلت فداك، إنّا لا نقرأ(٨) هكذا في قراءة زيد.

__________________

(١) الخصال ١ / ١١٣، ح ٩٠.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) الخصال ١ / ١٢٤، ح ١١٩.

(٤) التوحيد / ٤٧، ح ١٠.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٧، ح ٥٩.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٧، ح ٦٠.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: أما لا يقرئ.


قال: ولكنّا نقرؤها هكذا في قراءة عليّ ـ عليه السّلام ـ.

قلت: فما يعني بالعدل؟

قال: شهادة أن لا إليه إلّا الله.

قلت: ما(١) الإحسان؟

قال: شهادة أنّ محمّدا رسول الله.

قلت: فما يعني بإيتاء ذي القربى حقّه؟

قال: أداء إمامة إلى إمام بعد إمام.( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال: ولاية فلان وفلان.

عن عامر بن كثير(٢) ، وكان داعية الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ، عن موسى بن أبي الغدير، عن عطاء الهمدانيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) .

قال: «العدل» شهادة أن لا إله إلا الله. «والإحسان» ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. و( يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ ) الأوّل. «والمنكر» الثّاني. «والبغي» الثّالث.

وفي رواية سعد الإسكاف(٣) ، عنه قال: يا سعد،( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) ، وهو محمّد. فمن أطاعه، فقد عدل. «والإحسان» عليّ. فمن تولّاه، فقد أحسن والمحسن في الجنّة.( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) قرابتنا. أمر الله العباد بمودّتنا [وإيتائنا.](٤) ونهاهم عن الفحشاء والمنكر، من بغى علينا أهل البيت ودعا إلى غيرنا.

وفي شرح الآيات الباهرة(٥) : وروى الحسن بن أبي الحسن الدّيلميّ، عن رجاله، بإسناده إلى عطيّة بن الحارث، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) .

قال: «العدل» شهادة الإخلاص، وأنّ محمّدا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

«والإحسان» ولاية أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. والإتيان بطاعتهما ـ صلوات الله عليهما ـ.( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) الحسن والحسين والأئمّة من ولده ـ عليهم السّلام ـ.

__________________

(١) يوجد في أ، ب.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٧، ح ٦٢.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٨، ح ٦٣.

(٤) ليس في أ، ب.

(٥) تأويل الآيات ١ / ٢٦١.


( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) وهو من ظلمهم وقتلهم ومنع(١) حقوقهم. وموالاة أعدائهم، فهي المنكر الشّنيع والأمر الفظيع.

( يَعِظُكُمْ ) : بالأمر والنّهي، والميز بين الخير والشّرّ.

( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (٩٠): تتّعظون.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله قال: حدّثنا موسى بن عمران قال: حدّثني الحسن بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم(٣) قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله، جعفر بن محمّد الصّادق ـ عليه السّلام ـ وأنا عنده.

فقال: يا ابن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ ) (الآية). وقوله:( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) .

فقال: نعم، ليس لله في عباده أمر إلا العدل والإحسان. فالدّعاء من الله عامّ والهدي خاصّ، مثل قوله:( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ولم يقل: ويهدي جميع من دعا إلى صراط مستقيم.

وفي مجمع البيان(٤) : وجاءت الرّواية، أن عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول الله، لكثرة ما كان يعرض عليّ الإسلام ولم يقرّ الإسلام في قلبي.

فكنت ذات يوم عنده حال تأمّله، فشخص بصره نحو السّماء، كأنّه يستفهم شيئا. فلمّا سرى عنه(٥) ، سألته عن حاله.

فقال: نعم، بينا أنا أحدّثكم(٦) إذا رأيت جبرئيل في الهواء أتاني بهذه الآية( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) .

[وقرأها عليّ](٧) إلى آخرها، فقرّ الإسلام في قلبي. وأتيت عمّه، أبا طالب فأخبرته.

فقال: يا آل قريش، اتّبعوا محمّدا ترشدوا. فإنّه لا يأمركم إلّا بمكارم الأخلاق.

وأتيت الوليد بن المغيرة، وقرأت عليه هذه الآية.

__________________

(١) ب: غصب. سائر النسخ: ضيع.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٨٨ ـ ٣٨٩.

(٣) ب: إسماعيل بن يزيد بن مسلم.

(٤) المجمع ٣ / ٣٨٠ ـ ٣٨١.

(٥) ليس في أ، ب، ر.

(٦) المصدر: أحدثك.

(٧) ليس في ب.


فقال: إن كان محمّد قاله، فنعم ما قال. وإن قاله ربّه، فنعم ما قال.

فأنزل الله( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ) ، يعني: قوله: نعم ما قال. ومعنى قوله:( وَأَكْدى ) (١) أنّه لم يقم على ما قاله وقطعه.

وعن عكرمة(٢) قال: إنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة.

فقال: يا بن أخي، أعد.

فأعاد.

فقال: إنّ له حلاوة، وأنّ عليه لطلاوة(٣) ، وأنّ أعلاه لمثمر، وأنّ أسفله لمغدق، وما هو قول البشر.

وفي روضة الواعظين(٤) : وقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: جماع التّقوى في قوله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) (الآية).

وفي الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن يزيد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في خطبة له يوم الجمعة، الخطبة الأولى: الحمد لله نحمده ونستعينه.

وذكر خطبة طويلة وآخرها. ويكون آخر كلامه: إنّ الله يقول:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) . ثمّ يقول: أللّهمّ اجعلنا ممّن يذّكّر فتنفعه الذّكرى. ثمّ ينزل.

( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) قيل(٦) : يعني البيعة لرسول الله على الإسلام لقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) .

وقيل(٧) : كلّ أمر يجب الوفاء به.

وقيل(٨) : النّذور.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: والّذي.

(٢) المجمع ٣ / ٣٨٠ ـ ٣٨١.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لطلاقة.

(٤) روضة الواعظين / ٤٣٧.

(٥) الكافي ٣ / ٤٢٢ و ٤٢٤، صدر وذيل ح ٦.

(٦ و ٧ و ٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٨.


وقيل(١) : الإيمان بالله.

( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ ) : أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان.

( بَعْدَ تَوْكِيدِها ) : بعد توثيقها بذكر الله ـ تعالى ـ. ومنه: أكّد، بقلب الواو همزة.

( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) : شاهدا بتلك البيعة. فإنّ الكفيل مراع لحال المكفول به، رقيب عليه.

( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) (٩١): في نقض الأيمان والعهود.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن زيد بن الجهم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: لـمّـا سلّموا على عليّ ـ عليه السّلام ـ بإمرة المؤمنين، قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للأوّل: قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقال: أمن الله أو من رسوله؟

قال: نعم، من الله ومن رسوله.

ثمّ قال لصاحبه: قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقال: أمن الله أو من رسوله؟

[قال: نعم من الله ومن رسوله](٣) .

ثمّ قال: يا مقداد، قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

قال: فلم يقل ما قال صاحباه.

ثمّ قال: قم، يا أبا ذرّ، فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقام وسلّم.

ثمّ قال: يا سلمان، قم وسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقام وسلّم حتّى إذا خرجا وهما يقولان: لا والله، لا نسلّم له ما قال الله(٤) فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ على نبيّه( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) بقولكم: أمن الله ومن رسوله.( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) .

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٨، ح ٦٤.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) ليس في المصدر. وفيه: «أبدا» بدل «الله».


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : أنّه حدّثني أبي رفعة قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لـمّـا نزلت الولاية، وكان من قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بغدير خم: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين.

فقالا(٢) : أمن الله ورسوله(٣) ؟

فقال لهما(٤) : أللّهمّ(٥) نعم، حقّا من الله ومن رسوله. إنّه أمير المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين. يقعده الله يوم القيامة على الصّراط، فيدخل أولياءه الجنّة ويدخل أعداءه النّار.

فأنزل(٦) الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) ، يعني: قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من الله ومن رسوله.

( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ) : ما غزلته، مصدر، بمعنى المفعول.

( مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ) : متعلّق بـــ «نقضت» [، أي: نقضت غزلها](٧) من بعد إبرام وإحكام.

( أَنْكاثاً ) : طاقات، نكثت فتلها. جمع، نكث. وانتصابه على الحال من «غزلها». أو المفعول الثّاني «لنقضت»، فإنّه بمعنى: صيّرت.

قيل(٨) : المراد به: تشبيه النّاقض بمن هذا شأنه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: الّتي نقضت غزلها إمرأة من بني تميم(١٠) بن مرّة، يقال لها: ريطة بنت كعب بن سعد بن تميم(١١) بن [كعب ابن](١٢) لؤيّ بن غالب. كانت حمقاء، تغزل الشّعر. فإذا غزلته نقضته، ثمّ عادت فغزلته.

فقال الله:( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ) (الآية).

إنّ الله أمر بالوفاء ونهى عن نقض العهد ،

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٨٩.

(٢) المصدر: فقالوا.

(٣) أ: ومن رسوله.

(٤) المصدر: لهم.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) المصدر: وأنزل.

(٧) ليس في ب.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٨.

(٩) تفسير القمّي ١ / ٣٨٩.

(١٠ و ١١) تيم.

(١٢) من المصدر.


فضرب لهم مثلا.

( تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) : حال من الضّمير في «ولا تكونوا». أو في الجارّ الواقع موقع الخبر، أي: ولا تكونوا متشبّهين بامرأة هذا شأنها، متّخذي أيمانكم مفسدة ودخلا بينكم.

وأصل الدّخل: ما يدخل في الشّيء، ولم يكن منه.

( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ) : بأن تكون جماعة أزيد عددا وأوفر مالا من جماعة.

والمعنى: لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلّتهم، أو لكثرة منابذتهم(١) وقوّتهم، كقريش. فإنّهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم، نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم.

( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) : الضّمير ل( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ) لأنّه بمعنى المصدر، أي: يختبركم بكونهم أربى. لينظر أتتمسّكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترّون بكثرة قريش وشوكتهم وقلّة المؤمنين [وضعفهم](٢) .

وقيل(٣) : الضّمير للأربى(٤) .

وقيل(٥) : للأمر بالوفاء.

( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (٩٢): إذا جازاكم على أعمالكم بالثّواب والعقاب.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) : متّفقة على الإسلام.

( وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) : بالخذلان.

( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) : بالتّوفيق.

( وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٩٣): سؤال تبكيت ومجازاة.

( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) : تصريح بالنّهي عنه، بعد التّضمين تأكيدا ومبالغة في قبح المنهيّ.

__________________

(١) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٦٨. وفي النسخ: منابذيهم.

(٢) ليس في ب.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٨.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: للرّبو.

(٥) نفس المصدر والموضع.


( فَتَزِلَّ قَدَمٌ ) ، أي: عن حجّة الإسلام.

( بَعْدَ ثُبُوتِها ) : عليها، والمراد: أقدامهم. وإنّما وحّد ونكّر للدّلالة على أنّ زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة.

( وَتَذُوقُوا السُّوءَ ) : العذاب في الدّنيا.

( بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) : بسبب صدوركم عن الوفاء. أو صدّكم غيركم عنه، فإنّه من نقض البيعة وارتدّ جعل ذلك سنّة لغيره.

( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٩٤): في الآخرة.

وفي الجوامع(١) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ: نزلت هذه الآية(٢) في ولاية عليّ والبيعة له حين قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أن تكون أئمة هي أزكى من أئمتكم.

فقيل: يا ابن رسول الله، نحن نقرؤها(٤) :( هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ ) .

قال: ويحك، وما أربى. وأومأ بيده فطرحها.

قال:( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) ، يعني: بعليّ بن أبي طالب يختبركم.( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ ـ إلى قوله ـ:لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) . قال: على مذهب واحد وأمر واحد.( وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) قال: يعذّب بنقض العهد.( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) . قال: يثبت.

( وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

قوله:( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) . قال: هو مثل لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) ، يعني: بعد مقالة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فيه.

( وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ، يعني: عن عليّ.( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .

[وفي تفسير العيّاشي(٥) ، في الحديث السّابق: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) بعد ما سلّمتم على عليّ بإمرة المؤمنين.( وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ )

__________________

(١) الجوامع / ٢٤٩.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الآيات.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٨٩ ـ ٣٩٠.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: نقرأ.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٨ ـ ٢٦٩، ح ٦٤.


، يعني: عليا.( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ](١) .

عن عبد الرّحمن(٢) [قال ابن عبّاس](٣) بن سالم الأشلّ، عنه قال:( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ) عائشة، هي نكثت أيمانها.

وفي أصول الكافي(٤) ، [محمد بن يحيى عن](٥) محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن زيد بن الجهم الهلاليّ(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: لـمّـا نزلت ولاية عليّ بن أبي طالب وكان من قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ للنّاس: سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، فكان مما أكّد الله ـ سبحانه ـ عليهما في ذلك اليوم، يا زيد، قول رسول الله [لهما](٧) فسلّما عليه بإمرة المؤمنين.

فقالا: أمن الله أو من رسوله، يا رسول الله؟

فقال لهما رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من الله ومن رسوله.

فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) ، يعني به: قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لهما، وقولهما: أمن الله أو من رسوله.( وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ) هي أزكى من أئمتكم.

قال: قلت: جعلت فداك، أئمّة؟

قال: اي، والله، أئمّة.

قلت: فإنا نقرأ: «أربى».

قال: ما أربى ـ وأومأ بيده فطرحها.( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) ، يعني: بعليّ ـ عليه السّلام ـ.( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَ ) يوم القيامة( عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) [أئمة هي أزكى من أئمّتكم.

قال: قلت: ـ جعلت فداك ـ إنّما نقرأها أن تكون أمّة هي أربى من أمّة فقال :

__________________

(١) ليس في أ، ب، ر.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٦٩، ح ٦٥.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) الكافي ١ / ٢٩٢، ح ١.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الهمداني.

(٧) من المصدر.


ويحك يا زيد! وما أربى ان تكون ـ والله ـ أزكى من أئمّتكم( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) ، يعني: عليا.( وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ]) (١) ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها ) ، يعني: مقالة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في عليّ ـ عليه السّلام ـ.( وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ، يعني به: عليّا.( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) .

( وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ) : ولا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسوله.

( ثَمَناً قَلِيلاً ) : عوضا يسيرا من متاع الدّنيا.

( إِنَّما عِنْدَ اللهِ ) : من النّصر والتّنعّم في الدّنيا والثّواب في الآخرة.

( هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) : مما يعدونكم.

( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (٩٥): إن كنتم من أهل العلم والتّمييز.

( ما عِنْدَكُمْ ) : من أعراض الدّنيا.

( يَنْفَدُ ) : ينقضي ويفنى.

( وَما عِنْدَ اللهِ ) : من خزائن رحمته.

( باقٍ ) : لا ينفذ. وهو تعليل للحكم السّابق، ودليل على أنّ نعيم أهل الجنّة باق.

( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ ) : على مشاقّ التّكاليف.

( بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٩٦): بجزاء أحسن من أعمالهم.

( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) : بيّنه بالنّوعين، دفعا للتّخصيص.

( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) : إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثّواب.

( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) : في الدّنيا يعيش عيشا طيّبا. فإنّه إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا كان يطيب عيشه بالقناعة والرّضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة. بخلاف الكافر، فإنّه إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنّأ بعيشه.

وقيل(٢) : في الآخرة.

__________________

(١) ليس في المصدر، ب.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٦٩.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) .

قال: القنوع بما رزقه الله.

وفي مجمع البيان(٢) : [وسئل ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تعالى ـ:( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) .](٣) فيه أقوال ـ إلى قوله ـ: ثانيها ،

أنّها القناعة والرّضا بما قسم الله ـ تعالى ـ.

وروي ذلك عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

قال ابن عباس(٤) : إنّ رجلا من حضر موت يقال له: عبدان الأشرع(٥) .

قال: يا رسول الله، إنّ امرأ القيس الكنديّ جاورني في أرضي فاقتطع من أرضي فذهب بها منّي، والقوم يعلمون أنّي لصادق لكنّه أكرم عليهم منّي.

فسأل رسول الله امرأ القيس عنه.

فقال: لا أدري ما يقول.

فأمره أن يحلف.

فقال عبدان(٦) : إنّه فاجر لا يبالي أن يحلف.

فقال: إن لم يكن لك شهود، فخذ بيمينه.

فلمّا قام ليحلف، أنظره فانصرفا. فنزل(٧) قوله:( وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ) (الآيتان).

فلمّا قرأها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال امرأ القيس: أمّا ما عندي فينفد وهو صادق فيما يقول، لقد اقتطعت أرضه ولا أدري(٨) كم هي. فليأخذ من أرضي ما شاء ومثلها معها بما أكلت من ثمرتها.

فنزل فيه:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً ) (الآية).

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٩٠.

(٢) المجمع ٣ / ٣٨٤.

(٣) ليس في المصدر. وفيه: «قيل» بدل ما بين المعقوفتين.

(٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: العيدان الأسرع.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: عيدان.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأنزل الله في بدل «فنزل».

(٨) المصدر: لم أدر.


وفي كتاب معاني الأخبار(١) : حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قيل له: أنّ أبا الخطّاب يذكر عنك أنّك قلت له: إذا عرفت الحقّ، فاعمل ما شئت.

[قال: لعن الله أبا الخطّاب، والله ما قلت هكذا. ولكنّي قلت له: إذا عرفت الحقّ، فاعمل ما شئت](٢) من خير يقبل منك. إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) (٣) . ويقول ـ تبارك وتعالى ـ:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً )

( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) (٩٧): من الطّاعة.

( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) : إذا أردت قراءته، كقوله: «إذا قمتم إلى الصّلاة».

( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) (٩٨): فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه، لئلّا يوسوسك في القراءة.

وفي الكافي(٤) : محمّد بن يحيى، عن عليّ بن الحسن بن عليّ، عن عبّاد بن يعقوب، عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن أحنف، عن أبي جعفر(٥) ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: أوّل كل كتاب نزل من السّماء( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . فإذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، فلا تبالي ألّا تستعيذ. وإذا قرأت( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) . سترتك(٦) فيما بين السّماء والأرض.

وفي روضة الكافي(٧) ، في خطبة طويلة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ. يقول فيها: أستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) (إلى آخر السّورة).

وفي عوالي اللّئالي(٨) : وروى عبد الله بن مسعود قال: قرأت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فقلت: أعوذ بالله السّميع العليم.

__________________

(١) المعاني / ٣٨٨، ح ٢٦.

(٢) ليس في أ، ر.

(٣) غافر / ٤٠.

(٤) الكافي ٣ / ٣١٣، ح ٣.

(٥) أ، ب، ر: أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ستر بك.

(٧) الكافي ٨ / ١٧٥، ذيل ح ١٩٤.

(٨) عوالي اللئالي ٢ / ٤٧، ح ١٢٤.


فقال لي: قل(١) : أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم. هكذا اقرأنيه جبرئيل، [عن القلم، عن اللّوح المحفوظ](٢) .

وفي قرب الإسناد(٣) للحميريّ، بإسناده إلى حنان بن سدير قال: صلّيت خلف أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ المغرب.

قال: فتعوّذ بإجهار(٤) : أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون. ثمّ جهر بـــ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .

وفي تهذيب الأحكام(٥) : محمّد بن عليّ بن محبوب، عن عبد الصّمد بن محمّد، عن حنان بن سدير، مثله.

وفي كتاب الاحتجاج(٦) للطّبرسيّ، بإسناده إلى محمّد بن عليّ، الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث. يقول فيه حاكيا عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فأوحي إليّ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ،( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (الآية).

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) .

قلت: فكيف أقول؟

قال: تقول: أستعيذ بالله(٨) السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم.

قال: إنّ الرّجيم أخبث الشّياطين.

قال: قلت: لم سمّي الرّجيم؟

قال: لأنّه يرجم.

قلت: فما ينفلت منه شيء؟

قال: لا.

قلت: فكيف سمّي الرّجيم ولم يرجم بعد؟

قال: يكون في العلم أنّه رجيم.

__________________

(١) المصدر: يا ابن امّ عبد قل.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) قرب الاسناد / ٥٨.

(٤) بعض نسخ المصدر: جهارا.

(٥) التهذيب ٢ / ٢٨٩، ح ١٤.

(٦) الاحتجاج ١ / ٧٣.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٠، ح ٦٧.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالسميع.


عن الحلبيّ(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن التّعوّذ من الشّيطان، عند كلّ سورة نفتحها؟

قال: نعم، فتعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم.

وذكر: أنّ الرّجيم أخبث الشّياطين.

فقلت: لم سمّي الرّجيم؟

قال: لأنّه يرجم؟

فقلت(٢) : هل ينفلت شيئا إذا رجم؟

قال: لا، ولكن يكون في العلم أنّه رجيم.

وفي كتاب معاني الأخبار(٣) ، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: سمعت أبا الحسن، عليّ بن محمّد العسكريّ ـ عليهما السّلام ـ يقول: معنى الرّجيم: أنّه مرجوم باللّعن مطرود من [مواضع](٤) الخير، لا يذكره مؤمن إلّا لعنه. وأنّ في علم [الله](٥) السّابق [أنّه](٦) إذا خرج القائم ـ عليه السّلام ـ لا يبقى مؤمن في زمانه إلّا رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوما باللّعن.

وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب جامع(٨) ، وبدن فارغ، وموضع خال. فإذا خشع لله قلبه، فرّ منه الشّيطان الرّجيم. قال الله ـ تعالى ـ:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) .

وفي مجمع البيان(٩) : والاستعاذة عند التّلاوة [مستحبة غير](١٠) واجبة بلا خلاف، في الصّلاة وخارج الصّلاة.

( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ ) : تسلّط وولاية.

( عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) (٩٩): على أولياء الله المؤمنين به

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٠، ح ٦٨.

(٢) المصدر: فقلنا.

(٣) المعاني / ١٣٩، ح ١.

(٤) من المصدر.

(٥ و ٦) من المصدر.

(٧) مصباح الشريعة / ٩٧.

(٨) ب: خاشع.

(٩) المجمع ٣ / ٣٨٥.

(١٠) يوجد في ب والمصدر.


والمتوكّلين. فإنّهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه، إلّا فيما يحتقرون على ندور وغفلة. ولذلك أمروا بالاستعاذة، لئلّا يتوهّم منه أنّ له سلطانا.

( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) : يحبّونه ويطيعونه.

( وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) (١٠٠): بالله، أو بسبب الشّيطان.

وفي الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس(٢) ، [عن الحسن بن عبد الرّحمن](٣) ، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) .

فقال: يا أبا محمّد، يسلّط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلّط على دينه. [وقد سلّط على أيّوب فشوّه خلقه، ولم يسلّط على دينه.](٤) وقد يسلّط من المؤمنين على أبدانهم، ولا يسلّط على دينهم.

قلت: قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) .

قال:( الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) يسلّط على أبدانهم وعلى أديانهم.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن حمّاد بن عيسى، رفعه إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله:( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) .

قال: ليس له أن يزيلهم عن الولاية. فأمّا الذّنوب وأشباه ذلك، فإنّه ينال منهم، كما ينال من غيرهم.

( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) : بالنّسخ، فجعلنا الآية النّاسخة مكان المنسوخة لفظا أو حكما.

( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) : من المصالح. فلعلّ ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده، فينسخه. وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن، فيثبته مكانه.

وقرأ(٦) ابن كثير وأبو عمرو: «ينزل» بالتّخفيف.

__________________

(١) الكافي ٨ / ٢٨٨، ح ٤٣٣.

(٢) المصدر: الحسن.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) ليس في أ، ر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٠، ح ٦٩.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.


( قالُوا ) ، أي: الكفرة.

( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) : متقوّل على الله، تأمر بشيء ثمّ يبدو لك فتنهى عنه.

وهو جواب «إذا». «وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ » اعتراض لتوبيخ الكفّار على قولهم، والتّنبيه على فساد سندهم. ويجوز أن يكون حالا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقوله:( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) .

قال: كان إذا نسخت آية، قالوا لرسول الله:( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) . فردّ الله عليهم.

( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١٠١): حكمة الأحكام، ولا يميّزون الخطأ من الصّواب.

( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ) ، يعني: جبرئيل. وإضافة الرّوح إلى القدس، وهو الطّهر، كقولهم: حاتم الجود.

وقرأ(٢) ابن كثير: «روح القدس» بالتّخفيف، وفي «ينزّل» و «نزّله» تنبيه على أنّ إنزاله مدرجا على حسب(٣) المصالح بما يقتضي التّبديل.

( مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ ) : ملتبسا بالحكمة.

( لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ) : على الإيمان بأنّه كلامه. وأنّهم إذا سمعوا النّاسخ وتدبّروا ما فيه من رعاية الصّلاح والحكمة، رسخت عقائدهم واطمأنّت قلوبهم.

( وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) (١٠٢): المنقادين لحكمه. وهما معطوفان على محلّ «ليثبّت»، أي: تثبيتا وهداية وبشارة. وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم.

وقرئ(٤) : «ليثبت» بالتّخفيف.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وفي رواية أبي الجارود، [عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ](٦) في قوله:( رُوحُ الْقُدُسِ [مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ ) ، يعني: جبرئيل ـ عليه

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٩٠.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.

(٣) ب: مندرجا بحسب.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٩٠.

(٦) ليس في المصدر.


السّلام ـ.](١) و «القدس» الطّاهر( لِيُثَبِّتَ ) الله( الَّذِينَ آمَنُوا ) هم آل محمّد.( وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن محمّد بن عرامة الصّيرفيّ، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق روح القدس، فلم يخلق خلقا أقرب إليه منها، وليست بأكرم خلقه عليه. فإذا أراد الله(٣) أمرا ألقاه إليها، فألقاه(٤) إلى النّجوم فجرت به.

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) قيل(٥) : يعنون: جبرا(٦) الرّوميّ، غلام عامر بن الحضرميّ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وهو [لسان أبي فكيهة](٨) مولى ابن الحضرميّ.

وقيل(٩) : جبرا(١٠) ويسارا كانا يصنعان السّيوف بمكّة، ويقرآن التّوراة والإنجيل، وكان الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ يمرّ عليهما ويسمع ما يقرءانه(١١) .

وقيل(١٢) : عائشا، غلام حويطب بن عبد العزّى، قد أسلم وكان صاحب كتب.

وقيل(١٣) : سلمان الفارسيّ.

( لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ ) : لغة الرّجل الّذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه. مأخوذ من: لحد القبر.

وقرأ(١٤) حمزة والكسائيّ: «يلحدون» بفتح الياء والحاء. لسان أعجمي غير بيّن.

( وَهذا ) : وهذا القرآن.

__________________

(١) ليس في المصدر. وفيه: «قال: هو جبرئيل» بدل ما بين المعقوفتين.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٠، ح ٧٠.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فألقته.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: خترا.

(٧) تفسير القمّي ١ / ٣٩٠.

(٨) من المصدر.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: خترا.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بقراءتهما.

(١٢ و ١٣ و ١٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٠.


( لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) (١٠٣): ذو بيان وفصاحة.

والجملتان مستأنفتان، لابطال طعنهم. وتقريره يحتمل وجهين: أحدهما، أنّ ما سمعه منه كلام أعجميّ، لا يفهمه هو ولا أنتم. والقرآن عربيّ تفهمونه بأدنى تأمّل، فكيف يكون تلقّفه منه.

وثانيهما، هب أنّه تعلّم منه المعنى باستماع كلامه، ولكن لم يتلقّف منه اللّفظ. لأنّ ذلك أعجميّ وهذا عربيّ. والقرآن، كما هو معجز باعتبار المعنى، فهو معجز باعتبار اللّفظ. مع أنّ العلوم الكثيرة الّتي في القرآن، لا يمكن تعلّمها إلّا بملازمة معلّم فائق في تلك العلوم مدّة متطاولة. فكيف تعلّم جميع ذلك من غلام سوقيّ، سمع منه بعض المنقولات، مرتّبا على كلمات أعجميّة لعلّه لا يعرف معناها؟! وطعنهم بالقرآن بأمثال هذه الكلمات الرّكيكة، دليل على غاية عجزهم.

( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ ) : لا يصدّقون أنّها من عند الله.

( لا يَهْدِيهِمُ اللهُ ) : إلى الحقّ.

( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١٠٤): في الآخرة. هدّدهم على كفرهم بالقرآن بعد ما أماط شبهتهم وردّ طعنهم فيه، ثمّ قلب الأمر عليهم فقال:( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ ) : لأنّهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه.

( وَأُولئِكَ ) : إشارة إلى الّذين كفروا، أو إلى قريش.

( هُمُ الْكاذِبُونَ ) (١٠٥)، أي: الكاذبون على الحقيقة.

أو الكاملون في الكذب، [لأنّ تكذيب آيات الله والطّعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب.](١) .

أو الّذين عادتهم الكذب، لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة.

أو الكاذبون في قولهم:( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) (٢) .

( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) : بدل من( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) ، وما بينهما اعتراض. أو من «أولئك». أو من «الكاذبون». أو مبتدأ خبره محذوف، دلّ عليه قوله:( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ) .

ويجوز أن ينتصب بالذمّ، وأن تكون «من» شرطيّة محذوفة الجواب، دلّ عليه

__________________

(١) ليس في أ، ب، ر.

(٢) النحل / ١٠٣.


قوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) : على الافتراء. أو كلمة الكفر استثناء متّصل، لأنّ الكفر لغة يعمّ القول والعقد، كالإيمان.

( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) : لم تتغيّر عقيدته.

( وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) : اعتقده وطاب به نفسا.

( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (١٠٦): إذ لا أعظم من جرمه.

وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى داود بن القاسم قال: سمعت عليّ بن موسى، الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: من شبّه الله بخلقه، فهو مشرك. ومن وصفه بالمكان، فهو كافر. ومن نسب إليه ما نهى عنه، فهو كاذب. ثمّ تلا هذه الآية:( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ) .

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن العبّاس بن هلال، عن أبي الحسن، الرّضا ـ عليه السّلام ـ أنّه ذكر رجلا كذّابا، ثمّ قال: فقال الله:( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) .

عن معمّر بن يحيى بن مسلم(٣) قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إنّ أهل الكوفة يروون عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ستدعون إلى سبّي والبراءة منّي. فإن دعيتم إلى سبّي فسبّوني، وإن دعيتم إلى البراءة منّي فلا تتبرّءوا منّي. فإنّي على دين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: ما أكثر ما يكذبون على عليّ. إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي والبراءة منّي. فإن دعيتم إلى سبّي فسبّوني، وإن دعيتم إلى البراءة منّي فإنّي على دين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ولم يقل: فلا تتبرّءوا منّي.

قلت: جعلت فداك، فإن أراد الرّجل يمضي على القتل ولا يتبرأ؟

فقال: لا والله، إلّا على الّذي مضى عليه عمّار. إنّ الله يقول:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

عن أبي بكر(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال بعضنا: جذّ(٥) الرّقاب

__________________

(١) التوحيد / ٦٨، ح ٢٥.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧١، ح ٧١.

(٣) نفس المصدر والموضع، ح ٧٣.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٢، ح ٧٤.

(٥) المصدر: مدّ.


أحبّ إليك أم البراءة من عليّ؟

فقال: الرّخصة أحبّ إليّ. أما سمعت قول الله في عمّار:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

عن عبد الله بن عجلان(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته، فقلت له: إنّ الضّحّاك قد ظهر بالكوفة ويوشك أن ندعى إلى البراءة من عليّ، فكيف نصنع؟

قال: فأبرأ منه.

قال: قلت: أيّ شيء أحبّ إليك؟

قال: أن يمضوا(٢) على ما مضى عليه عمّار بن ياسر، أخذ بمكّة، فقالوا له: ابرأ من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. فبرأ منه. فأنزل الله عذره( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

وفي أصول الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد(٤) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: فأمّا ما فرض الله(٥) على القلب من الإيمان، فالإقرار والمعرفة والعقد والرّضا والتّسليم بأن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به(٦) من عند الله من نبي أو كتاب. فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة [، وهو عمله.](٧) وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) . وقال:( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) .

فذلك ما فرض الله ـ عزّ وجلّ ـ على القلب من الإقرار والمعرفة، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

ابن محبوب(٨) ، عن خالد بن نافع البجلّي، عن محمّد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ [يقول](٩) : إنّ رجلا أتى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٢، ح ٧٦.

(٢) المصدر: يمضون.

(٣) الكافي ٢ / ٣٤ و ٣٥، ذيل ح ١.

(٤) أ، ب، ر: القاسم بن يزيد.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) ليس في ب.

(٨) الكافي ٢ / ١٥٨، ح ٢.

(٩) من المصدر.


فقال: يا رسول الله، أوصني.

فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن أحرقت(١) بالنّار وعذّبت، إلّا وقلبك مطمئنّ بالإيمان ،

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ النّاس يروون، أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال على منبر الكوفة: أيّها النّاس، إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرّؤوا(٣) منّي.

قال: ما أكثر ما يكذب النّاس على عليّ ـ عليه السّلام ـ.

ثمّ قال: إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي وإنّي لعلى دين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ولم يقل: ولا تبرّؤوا(٤) منّي.

فقال له السّائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟

فقال: والله، ما ذلك عليه وماله، إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه(٥) أهل مكّة وقلبه مطمئنّ بالإيمان. فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

فقال له النّبيّ عندها: يا عمّار، إن عادوا فعد، فقد أنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.

عليّ(٦) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن محمّد بن مروان قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما منع ميثم ـ رحمه الله ـ من التّقيّة؟

فو الله، لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) (٧) .

الحسين بن محمّد(٨) ، عن معلّى بن محمّد، عن أبي داود المسترقّ قال: حدّثني عمرو

__________________

(١) أ، ب، ر: احترقت. المصدر: حرّقت.

(٢) الكافي ٢ / ٢١٩، ح ١٠.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلا تتبرّءوا.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تبرّؤوا.

(٥) أ، ب: كرهه.

(٦) الكافي ٢ / ٢٢٠، ح ١٥.

(٧) هنا قطعة هي نفسها ذيل الحديث السابق وقد كررت فحذفناها.

(٨) الكافي ٢ / ٤٦٢، ح ١.


بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: رفع عن أمّتي أربع خصال: خطأها، ونسيانها، وما أكرهوا عليه، وما لا يطيقون(١) . وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ) .

وقوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في وصيّته لابنه محمّد بن الحنفيّة: وفرض الله على القلب، وهو أمير الجوارح الّذي به تعقل وتفهم وتصدر عن أمره ورأيه. فقال ـ عزّ وجلّ ـ:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) (الآية).

وفي قرب الإسناد(٣) للحميريّ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ التّقيّة ترس(٤) المؤمن. ولا إيمان لمن لا تقيّة له.

قلت: جعلت فداك، أرأيت قول الله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) .

قال: وهل التّقيّة إلّا هذا؟

وفي مجمع البيان(٥) : قيل: نزل قوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) في جماعة أكرهوا، وهم عمّار، وياسر، أبوه، وأمّه، سميّة، وصهيب، وبلال، وخبّاب(٦) .

عذّبوا، وقتل أبو عمّار وأمّه. فأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، ثمّ أخبر بذلك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقال قوم: كفر عمّار.

فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كلّا، إنّ عمّارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. وجاء عمّار إلى رسول الله، وهو يبكي.

فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما وراءك؟

فقال: شرّ(٧) ، يا رسول الله، ما تركت حتّى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير.

فجعل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك ،

__________________

(١) المصدر: ما لم يطيقوا.

(٢) الفقيه ٢ / ٣٨٢، ذيل ١٦٢٧.

(٣) قرب الاسناد / ١٧.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: دين.

(٥) المجمع ٣ / ٣٨٧.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: جناب.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: سنة.


فعد لهم بما قلت.

فنزلت الآية. عن ابن عبّاس وقتادة.

( ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) : بسبب أنّهم آثروها عليها.

( وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (١٠٧)، أي: الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم عن الزّيغ.

( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) : فأبت عن إدراك الحقّ والتّأمّل فيه.

( وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) (١٠٨): الكاملون في الغفلة، إذ أغفلتهم الحالة الرّاهنة عن تدبّر العواقب.

( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (١٠٩): إذ ضيّعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) فهو عمّار بن ياسر، أخذته قريش بمكّة فعذّبوه بالنّار حتّى أعطاهم بلسانه ما أرادوا وقلبه مطمئنّ(٢) بالإيمان [وأمّا](٣) .

قوله:( وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث، من بني لؤيّ. يقول الله: [( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) (٤) ](٥) . ذلك بأنّ الله ختم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم( وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ* لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) (٦) . هكذا في قراءة ابن مسعود [وقوله:( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) الآية هكذا في القراءة المشهورة](٧) هذا كلّه في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان عاملا لعثمان بن عفّان على مصر.

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٩٠ ـ ٣٩١.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: مقرّ.

(٣) من المصدر.

(٤) النحل / ١٠٦ ـ ١٠٧.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) النحل / ١٠٨ ـ ١٠٩.

(٧) من المصدر.


وفي تفسير العيّاشي(١) : عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يدعو أصحابه. فمن أراد الله به خيرا، سمع وعرف ما يدعوه إليه. ومن أراد به شرّا، طبع [قلبه فلا يسمع ولا يعقل. وهو قوله:( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ ]) (٢) ( عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) .

( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) ، أي: عذّبوا، كعمّار بالولاية والنّصرة.

و «ثمّ» لتباعد حال هؤلاء عن أولئك.

وقرأ(٣) ابن عامر: «فتنوا» بالفتح، أي: من بعد ما عذّبوا المؤمنين.

قيل(٤) : كالحضرميّ أكره مولاه، جبرا، حتّى أرتدّ. ثمّ أسلما، وهاجرا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أنّه في عمّار ـ أيضا ـ.

( ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا ) : على الجهاد، وما أصابهم من المشاقّ.

( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) : من بعد الهجرة والجهاد والصّبر.

( لَغَفُورٌ ) : لما فعلوا قبل.

( رَحِيمٌ ) (١١٠): منعم عليهم، مجازاة على ما صنعوا بعد.

( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ ) : منصوب بـــ «رحيم». أو با ذكر.

( تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ) ، أي: تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها، لا يهمّها شأن غيرها. فتقول: نفسي نفسي.

( وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) : جزاء ما عملت.

( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (١١١): لا ينقصون أجورهم.

( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً ) ، أي: جعلها مثلا لكلّ قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النّعمة، فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته.

أو لمكّة.

( كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ) : لا يزعج أهلها خوف.

( يَأْتِيها رِزْقُها ) : أقواتها.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٣، ح ٧٧.

(٢) من المصدر.

(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٧١ ـ ٥٧٢.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٩١.


( رَغَداً ) : واسعا.

( مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) : من نواحيها.

( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ ) : بنعمه. جمع، نعمة، على ترك الاعتداد بالتّاء، كدرع وأدرع. أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس.

( فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) : استعار الذّوق لإدراك أثر الضّرر، واللّباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الخوف والجوع.

( بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) (١١٢): بصنيعهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له: الثّلثان.

وكانت بلادهم خصيبة كثيرة الخير. فكانوا(٢) يستنجون بالعجين ويقولون(٣) هذا ألين لنا فكفروا بأنعم الله، واستخفّوا بنعمة الله. فحبس الله عليهم(٤) الثّلثان، فجدبوا حتّى أحوجهم الله إلى ما كانوا يستنجون به، حتّى كانوا(٥) يتقاسمون عليه.

وفي محاسن البرقي(٦) : عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن أبي(٧) عيينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ قوما وسّع الله(٨) عليهم في أرزاقهم حتّى طغوا. فاستخشنوا(٩) الحجارة فعمدوا إلى النقي(١٠) وصنعوا منه، كهيئة الأفهار(١١) فجعلوه في مذاهبهم(١٢) ، فأخذهم الله بالسّنين. فعمدوا إلى أطعمتهم فجعلوها في الخزائن، فبعث الله على ما في الخزائن(١٣) ما أفسده. حتّى احتاجوا إلى ما كانوا يستنجون به(١٤) في مذاهبهم، فجعلوا يغسلونه ويأكلونه.

وفي حديث أبي بصير قال: نزلت فيهم هذه الآية( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ) (إلى آخر الآية).

__________________

(١) تفسير القمّي ١ / ٣٩١.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فكما.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ويتقربون.

(٤) المصدر: عنهم.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: كادوا.

(٦) المحاسن / ٥٨٨، ح ٨٨.

(٧ و ٨) ليس في المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: واستخشوا.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: المتقي. والنقي: الخبز المعمول من لباب الدقيق.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الأنهار. والأفهار ـ جمع فهر ـ: الحجر ملء الكفّ.

(١٢) المذاهب ـ جمع المذهب ـ: المتوضأ.

(١٣) المصدر: خزائنهم. (١٤) المصدر: يستطيبون به.


وفي تفسير العيّاشي(١) : عن حفص بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ قوما في بني إسرائيل يؤتي لهم من طعامهم، حتّى جعلوا منه تماثيل بمدن كانت في بلادهم يستنجون بها. فلم يزل الله. بهم، حتّى اضطرّوا إلى التّماثيل يبيعونها ويأكلونها(٢) . وهو قول الله:( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) .

عن زيد الشّحّام(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان أبي يكره أن يمسح يده بالمنديل وفيه شيء من الطّعام، تعظيما له، إلّا أن يمصّها أو يكون إلى جانبه صبيّ فيمصّها.

قال: فإنّي أجد اليسير يقع من الخوان فأتفقده(٤) ، فيضحك الخادم.

ثمّ قال: إن أهل قرية ممّن كان قبلكم، كان الله قد وسّع(٥) عليهم حتّى طغوا.

فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا إلى شيء من هذا النّقي، فجعلناه نستنجئ به كان ألين علينا من الحجارة.

قال: فلمّا فعلوا ذلك، بعث الله على أرضهم دوابّا أصغر من الجراد فلم تدع لهم شيئا خلقه الله إلّا أكلته من شجر أو غيره(٦) . فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الّذي كانوا يستنجون به، فأكلوه. وهي القرية الّتي قال الله ـ تعالى ـ:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ـ إلى قوله ـبِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) .

( وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ ) ، يعني: محمّداً ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

والضّمير لأهل مكّة.

قيل(٧) : عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم.

( فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ) (١١٣)، أي: حال التباسهم بالظّلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشّديد. أو وقعة بدر.

( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً ) : أمرهم بأكل الحلال، وهو ما أحلّ الله

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٣، ح ٧٨.

(٢) المصدر: يتبعونها ويأكلون منها.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٣، ح ٧٩.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيتفقده.

(٥) المصدر: أوسع.

(٦) المصدر: فلم يدع لهم شيئا خلقه الله يقدر عليه أكله من شجر الخ.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٢.


لهم. وشكر ما أنعم الله عليهم، بعد ما زجرهم عن الكفر وهدّدهم عليه بما ذكر من التّمثيل والعذاب الّذي حلّ بهم، صدّا لهم عن صنع الجاهليّة ومذاهبها الفاسدة.

( وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) (١١٤): تطيعون. أو إن صحّ زعمكم، أنّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته.

( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (١١٥): لـمّـا أمرهم بتناول ما أحلّ لهم، عدّد عليهم محرّماته ليعلم أنّ ما عداها حلّ لهم. ثمّ أكّد ذلك بالنّهي عن التّحريم والتّحليل بأهوائهم، فقال:( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ) وانتصاب «الكذب» بـــ «لا تقولوا». «وهذا حرام» بدل منه، أو متعلّق بـــ «متصف» على إرادة القول، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصف ألسنتكم، فتقولوا هذا حلال وهذا حرام.

أو مفعول «لا تقولوا»، و «الكذب» منتصب «بتصف» و «ما» مصدريّة، أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب،(١) أي: لا تحرّموا ولا تحلّلوا بمجرّد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل.

ووصف ألسنتكم الكذب، مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، كأنّ حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرّفها بكلامهم هذا. ولذلك عدّ من فصيح الكلام، كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السّحر.

وقرئ(٢) : «كذب» بالجرّ، بدلا من «ما». والكذب، جمع كذوب. أو «كذب» بالرّفع، صفة للألسنة. وبالنّصب على الذّم، أو بمعنى: الكلم الكواذب.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : ثمّ قال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) .

قال: هو ما كانت اليهود تقول(٤) :( ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ) (٥) .

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٣.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٩١.

(٤) المصدر: يقولون.

(٥) الانعام / ١٣٩.


( لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) : تعليل يتضمّن الغرض.

( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ) (١١٦): لـمّـا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب، نفى عنه الفلاح وبيّنه بقوله:( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) ، أي: ما يفترون لأجله. أو ما هم فيه منفعة قليلة، ينقطع عن قريب.

( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (١١٧): في الآخرة.

وفي أصول الكافي(١) : الحسين بن محمّد، عن عليّ بن محمّد بن(٢) سعد، عن محمّد بن مسلم، عن إسحاق بن موسى قال: حدّثني أخي وعمّي، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ثلاثة مجالس يمقتها الله ويرسل نقمته على أهلها فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم: مجلسا فيه من يصف لسانه كذبا في فتيا [ه](٣) ، ومجلسا(٤) ذكر أعدائنا فيه جديد وذكرنا فيه رثّ، ومجلسا فيه من يصدّ عنّا وأنت تعلم.

قال: ثمّ تلا أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ ثلاث آيات من كتاب الله، كأنّما كنّ فيه، أو قال: [في](٥) كفّه( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) .( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) .

وفي كتاب التّوحيد(٦) : محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(٧) ـ رضي الله عنه ـ في جامعه. وحدّثنا به محمّد بن الحسن الصّفّار، عن العبّاس بن معروف قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرّحيم القصير قال: كتب أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ على يد عبد الملك بن أعين: إذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي الّتي نهى الله ـ عزّ وجلّ ـ عنها، كان خارجا من الإيمان وساقطا عنه اسم الإيمان وثابتا عليه اسم الإسلام. فإن تاب منه واستغفر، عاد إلى الإيمان ولم يخرجه إلى الكفر والجحود والاستحلال. فإذا قال للحلال: هذا حرام، وللحرام: هذا

__________________

(١) الكافي ٢ / ٣٧٨، ح ١٢.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: مجلس.

(٥) يوجد في المصدر مع المعقوفتين.

(٦) التوحيد / ٢٢٩، ذيل ح ٧.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: محمد بن أحمد بن الحسن بن الوليد.


حلال ودان بذلك، فعندنا(١) يكون خارجا من الإيمان والإسلام إلى الكفر. وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة، فأحدث في الكعبة حدثا، فأخرج عن الكعبة وعن الحرم، فضربت عنقه وصار إلى النّار.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : ثمّ قال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) .

قال: هو ما كانت اليهود تقول:( ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ) (٣) .

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٤) ، بإسناده إلى عبد الرّحمن بن سمرة: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل. يقول فيه: ومن فسّر القرآن برأيه، فقد افترى على الله الكذب.

( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ ) ، أي: في سورة الأنعام، في قوله:( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) .

( مِنْ قَبْلُ ) : متعلّق بـــ «قصصنا» أو «بحرّمنا».

( وَما ظَلَمْناهُمْ ) : بالتّحريم.

( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (١١٨): حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التّحريم، وأنّه، كما يكون للمضرّة، يكون للعقوبة.

( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) : بسببها أو ملتبسين بها ليعمّ الجهل بالله وبعقابه، وعدم التّدبّر في العواقب لغلبة الشّهوة، والسّوء يعمّ الافتراء على الله وغيره.

( ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) : من بعد التّوبة.

( لَغَفُورٌ ) : لذلك السّوء.

( رَحِيمٌ ) (١١٩): يثيب على الإنابة.

( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً )

__________________

(١) المصدر: فعندها.

(٢) تفسير القمّي ١ / ٣٩١.

(٣) الأنعام / ١٣٩.

(٤) كمال الدين / ٢٥٧، ذيل ح ١.


قيل(١) : لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلّا مفرّقة في أشخاص كثيرة، كقوله :

ليس من الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

وهو رئيس الموحّدين، وقدوة المحقّقين الّذي جادل فرق المشركين وأبطل مذاهبهم الزّائفة بالحجج الدّامغة. ولذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين، من الشّرك والطّعن في النّبوّة وتحريم ما أحلّه. أو لأنّه كان وحده مؤمنا، وكان سائر النّاس كفّارا.

وقيل(٢) : هي فعلة، بمعنى: مفعول، كالرّحلة والنّخبة. من أمّه: إذا قصده، أو اقتدى به. فإنّ النّاس كان يؤمّونه للاستفادة، ويقتدون بسيرته لقوله:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) .

وسيأتي من الأخبار ما يؤيّد هذا.

( قانِتاً لِلَّهِ ) : مطيعا له، قائما بأوامره.

( حَنِيفاً ) : مائلا عن الباطل، مسلما.

وفي الكافي(٣) : عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ. وقال بعده، وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: والأمّة واحد فصاعدا، كما قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ ) . يقول: مطيعا لله.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ) .

قال: شيء فضّله الله به.

قال أبو بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ) : سمّاه الله أمّة.

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٣.

(٣) الكافي ٥ / ٦٠، ضمن ح ١٦.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٤، ح ٨١.


( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٢٠)، كما زعموا. فإن قريش كانوا يزعمون، أنّهم كانوا على ملّة إبراهيم.

( شاكِراً لِأَنْعُمِهِ ) : ذكر بلفظ القلّة، للتنّبيه على أنّه كان لا يخلّ بشكر النّعم القليلة، فكيف بالكثيرة.

نقل: أنّه لا يتغذّى إلّا مع ضيف.

( اجْتَباهُ ) : للنّبوّة.

يونس بن ظبيان(١) ، عنه:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً ) أمّة واحدة.

عن سماعة بن مهران(٢) قال: سمعت العبد الصالح(٣) يقول: لقد كانت الدّنيا، وما كان فيها إلّا واحد يعبد الله. ولو كان معه غيره، إذا لأضافه إليه حيث يقول:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . فصبر(٤) بذلك ما شاء الله، ثمّ إنّ الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: وذلك أنّه كان على دين لم يكن عليه أحد غيره، فكان أمّة واحدة. وأمّا(٦) قانتا، فالمطيع. وأمّا الحنيف، فالمسلم.

( وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١٢١)، أي: الطّريق الواضح.

( وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) : بأن حبّبه إلى النّاس، حتّى أن أرباب الملل يتولّونه ويثنون عليه، ورزقه أولادا طيّبة، وعمرا طويلا في السّعة والطّاعة.

( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (١٢٢): لمن أهل الجنّة، كما سأله بقوله:( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) .

( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) : يا محمّد.

قيل(٧) : «ثمّ» إمّا لتعظيمه والتّنبيه على أنّ أجلّ ما أوتي إبراهيم اتّباع الرّسول

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٤، ح ٨٣.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ٨٤.

(٣) كذا في بعض نسخ المصدر. وفي النسخ: عبدا صالحا.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فعبد.

(٥) تفسير القمّي ١ / ٣٩٢.

(٦) المصدر: «وإنّما قال» بدل «وأمّا».

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٤.


ـ صلّى الله عليه وآله ـ ملّة. أو لتراخي أيامه(١) .

( أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) : في التّوحيد والدّعوة إليه بالرّفق، وإيراد الدّلائل مرّة بعد أخرى، والمجادلة مع كلّ أحد على حسب فهمه.

( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١٢٣): بل كان قدوة الموحّدين.

في مصباح الشّريعة(٢) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ولا طريق للأكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء، لأنّه المنهج الأوضح. [والمقصد الأصح. قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لأعزّ خلقه محمد ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده](٣) قال: الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) . فلو كان لدين الله ـ تعالى ـ مسلك أقوم من الاقتداء، لندب أولياءه وأنبياءه إليه.

وفي محاسن البرقيّ(٤) : عنه، عن ابن فضّال، عن حمّاد بن عثمان، عن عبد الله بن سليمان الصّيرفيّ قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .

ثمّ قال: أنتم، والله، على دين إبراهيم ومنهاجه، وأنتم أولى النّاس به: [أنتم على ديني ودين آبائي](٥) .

عنه(٦) ، عن أبيه ومحمّد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمّار، عن عبّاد بن زياد قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا عبّاد، ما على ملّة إبراهيم أحد غيركم.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن عمر بن أبي ميثم قال: سمعت الحسين بن علي ـ عليه السّلام ـ يقول: ما أحد على ملّة إبراهيم إلّا نحن وشيعتنا، وسائر النّاس منها براء.

عن زرارة(٨) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: ما أبقت الحنيفيّة شيئا، حتّى أنّ منها قصّ الشّارب و [قلم](٩) الأظفار [والأخذ من الشارب](١٠) والختان.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمامه.

(٢) مصباح الشريعة / ٣٣٢ ـ ٣٣٣.

(٣) من المصدر.

(٤) المحاسن / ١٤٧، ح ٥٧.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) المحاسن / ١٤٧، ح ٥٦.

(٧) تفسير العيّاشي ١ / ٣٨٨، ح ١٤٦.

(٨) تفسير العيّاشي ١ / ٦١، ح ١٠٤.

(٩) من المصدر.

(١٠) ليس في المصدر.


( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) : تعظيم السّبت، أو التّخلّي فيه للعبادة.

( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ، أي: على نبيّهم، وهم اليهود، أمرهم موسى ـ عليه السّلام ـ أن يتفرّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا إلّا طائفة منهم. وقالوا نتفرّغ يوم السّبت، لأنّه ـ تعالى ـ فرغ فيه من خلق السّماوات والأرض. فألزمهم الله السّبت، وشدّد الأمر عليهم.

وقيل(١) : معناه: إنّما جعل وبال السّبت، وهو المسخ، على الّذين اختلفوا فيه.

فأحلّوا الصّيد فيه تارة، وحرّموه أخرى، واحتالوا له الحيل. وذكرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية الّتي كفرت بأنعم الله.

( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (١٢٤) :

بالمجازاة على الاختلاف. أو بمجازاة كلّ فريق بما يستحقّه.

( ادْعُ ) : من بعثت إليهم.

( إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) : بالمقالة المحكمة، وهو الدّليل الموضح(٢) المزيح للشّبهة.

( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) : الخطابات المقنعة(٣) والعبر النّافعة. فالأولى لدعوة خواصّ الأمّة الطّالبين للحقائق، والثّانية لدعوة عوامّهم.

( وَجادِلْهُمْ ) : جادل معانديهم.

( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) : بالطّريقة الّتي هي أحسن طرق المجادلة، من الرّفق واللّين وإيثار الوجه الأيسر والمقدّمات [الّتي هي](٤) أشهر(٥) . فإنّ ذلك أنفع في تسكين لهبهم، وتليين شغبهم.

وفي الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن يزيد(٧) ، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: فأخبر أنّه ـ تبارك وتعالى ـ أوّل من دعا إلى نفسه ودعا إلى طاعته واتّباع

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٤.

(٢) ب: الواضح.

(٣) ب: المنفعة.

(٤) ليس في ب.

(٥) ب: الأشهر.

(٦) الكافي ٥ / ١٣، ضمن ح ١.

(٧) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ١٥.


أمره، فبدأ بنفسه وقال:( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (١) . ثمّ ثنّى برسوله فقال:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، يعني: بالقرآن.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثنا أبي، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: والله، نحن السّبيل الّذي أمركم الله باتّباعه.

قوله(٣) :( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) . قال: بالقرآن.

وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: قال أبو محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ: ذكر عند الصّادق ـ عليه السّلام ـ الجدال في الدّين، وأنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ قد نهوا عنه.

فقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: لم ينه عنه مطلقا. ولكنّه نهي عن الجدال بغير الّتي هي أحسن. أما تسمعون قوله ـ تعالى ـ:( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (٥) وقوله:( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) . فالجدال بالّتي هي أحسن قد قرنه(٦) العلماء بالدّين، والجدال بغير الّتي هي أحسن محرّم قد(٧) حرّمه الله على شيعتنا. وكيف يحرّم(٨) الله الجدال جملة وهو يقول:( وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) (٩) . قال الله:( تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (١٠) . فجعل [الله](١١) علم(١٢) الصّدق والإيمان(١٣) بالبرهان. وهل يؤتى ببرهان، إلّا بالجدال بالّتي هي أحسن.

قيل: يا ابن رسول الله، فما الجدال بالّتي هي أحسن بالّتي ليست بأحسن؟

قال: أمّا الجدال بغير الّتي هي أحسن، فأن تجادل مبطلا، فيورد عليك باطلا ،

__________________

(١) يونس / ٢٥.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ٦٦، ببعض التصرّف.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٣٩٢.

(٤) الاحتجاج ١ / ١٤ ـ ١٥.

(٥) العنكبوت / ٤٦.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمر به.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: حرّم.

(٩ و ١٠) البقرة / ١١١.

(١١) من المصدر.

(١٢) ب: علامة.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الأمانة.


فلا تردّه بحجّة قد نصبها الله ـ تعالى ـ. ولكن [تحجد قوله أو](١) تجحد(٢) حقّا يريد(٣) بذلك المبطل أن يعين به باطله. فتجحد ذلك الحقّ، مخافة أن يكون له عليك به حجّة، لأنّك لا تدري كيف المخلص منه. فذلك حرام على شيعتنا، أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين. أمّا المبطلون، فيجعلون ضعف الضّعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في يده حجّة له على باطله. وأمّا الضّعفاء، فتغتمّ قلوبهم لما يرون من ضعف المحقّ(٤) في يد المبطل.

وأمّا الجدال بالّتي هي أحسن، فهو ما أمر الله ـ تعالى ـ به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له. فقال الله حاكيا عنه:( وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (٥) . فقال الله في الرّدّ عليه(٦) :( قُلْ ) يا محمّد( يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (٧) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة، وستقف إن شاء الله على تتمّة لهذا الكلام في العنكبوت عند قوله ـ تعالى ـ:( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ ) (الآية).

روي(٨) عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: نحن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيّا.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (١٢٥)، أي: إنّما عليك البلاغ والدّعوة، وأمّا حصول الهداية والضّلالة والمجازة عليهما فلا إليك، بل الله أعلم بالضّالّين والمهتدين وهو المجازي لهم.

( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ ) ، أي: الصّبر.

( خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (١٢٦): من الانتقام للمنتقمين.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال يوم أحد: من له علم بعمّي حمزة؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يجحد.

(٣) أ، ب: يؤيد.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحقّ.

(٥) يونس / ٧٨.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: عليهم.

(٧) يونس / ٧٩.

(٨) الاحتجاج ١ / ٥.

(٩) تفسير القمّي ١ / ١٢٣.


فقال الحرث بن الصّمت(١) : أنا أعرف موضعه.

فجاء حتّى وقف على حمزة، فكره أن يرجع إلى رسول الله فيخبره.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ، اطلب عمّك.

فجاء عليّ حتّى وقف على حمزة، فكره أن يرجع إليه. فجاء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى وقف عليه. فلمّا رأى ما فعل به، بكى.

ثم قال: ما وقفت موقفا قطّ أغلظ عليّ من هذا المكان، لئن أمكنني الله من قريش لأمثلنّ منهم(٢) بسبعين رجلا منهم.

فنزل(٣) جبرئيل، فقال:( وَإِنْ عاقَبْتُمْ ) (الآية).

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [بل](٤) اصبر.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن الحسين بن حمزة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لـمّـا رأى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما صنع بحمزة بن عبد المطّلب، قال: أللّهمّ، لك الحمد وإليك المشتكى وأنت(٦) المستعان على ما أرى.

ثمّ قال: لئن ظفرت لأمثّلنّ ولأمثّلنّ.

قال: فأنزل الله( وَإِنْ عاقَبْتُمْ ) (الآية).

قال: فقال رسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أصبر أصبر.

( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ) : إلّا بتوفيقه وتثبيته.

( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) : على الكافرين. أو على المؤمنين وما فعل بهم.

( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) (١٢٧): في ضيق صدر من مكرهم.

وقرأ(٧) ابن كثير: «في ضيق» بالكسر، هنا وفي النّمل. وهما لغتان، كالقول والقيل. ويجوز أن يكون الضّيق تخفيف ضيق.

( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) : المعاصي.

__________________

(١) المصدر: سميّة.

(٢) ليس في المصدر، ور.

(٣) المصدر: زيادة «عليه».

(٤) من المصدر.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٤، ح ٨٥.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وإنّك.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٥.


( وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (١٢٨): في أعمالهم.


تفسير سورة الإسراء



سورة بني إسرائيل

مكّيّة.

وقيل: إلّا قوله(١) :( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) . ـ إلى آخر ثمان آيات(٢) .

وهي مائة وعشر آيات(٣) .

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وفي كتاب ثواب الأعمال(٤) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة بني إسرائيل في كلّ ليلة جمعة، لم يمت حتّى يدرك القائم ـ عليه السّلام ـ، ويكون من أصحابه.

وفي مجمع البيان(٥) ، وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي

__________________

(١) الآية ٧٣.

(٢) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٧٥. وفي النسخ :إلى آخره.

وفي مجمع البيان ٣ / ٣٩٣: قيل مكّيّة إلّا ثماني آيات:( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) إلى قوله:( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ) (الآية).

وعلى هذا ـ أيضا ـ يكون إلى آخر ثمان آيات وليس إلى آخره.

وكذلك ذكر صاحب مجمع البيان أنّها مكّيّة كلّها. ثمّ قال: وقيل: مكّيّة إلا خمس آيات:( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ) (الآية)، ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) (الآية)، ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) (الآية)، ( أَقِمِ الصَّلاةَ ) (الآية)، ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) (الآية)

(٣) قال في مجمع البيان: مائة وإحدى عشرة كوفيّ، وعشر آيات في اليقين. اختلافها: آية( لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) كوفيّ.

(٤) ثواب الأعمال / ١٣٣ ـ ١٣٤.

(٥) المجمع ٣ / ٣٩٣.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٦، ح ١.


عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من قرأ سورة بني إسرائيل ـ وذكر إلى آخر ما في كتاب ثواب الأعمال.

وفي مجمع البيان(١) : ابيّ بن كعب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: من قرأ سورة بني إسرائيل، فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين، اعطي في الجنّة قنطارين من الأجر.

و «القنطار» ألف أوقيّة ومائتا(٢) أوقيّة، والأوقيّة منها خير من الدّنيا وما فيها.

( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) «سبحان» اسم، بمعنى: التّسبيح، الّذي هو التّنزيه. وقد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة، ويمنع من الصّرف(٣) . وانتصابه بفعل متروك إظهاره. وتصدير الكلام به، للتّنزيه عن العجز عمّا ذكر بعد(٤) .

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( سُبْحانَ ) .

فقال: أنفة لله.

وفي رواية أخرى(٦) : عن هشام، عنه، مثله.

و «أسرى» و «سرى» بمعنى.

و «ليلا» نصب على الظّرفية. وفائدته الدّلالة بتنكيره على تقليل مدّة الإسراء(٧) .

ولذلك قرئ: «من اللّيل»، أي: بعضه، كقوله(٨) :( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً ) .

( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) ، أي: إلى ملكوت المسجد

__________________

(١) المجمع ٣ / ٣٩٣.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: مائة.

(٣) قوله: «وقد يستعمل علما له، فيقطع عن الإضافة، ويمنع من الصّرف». هذا ما قاله النّحاة. قال الرّضيّ: ولا دليل عليه، لأنّ أكثر ما يستعمل مضافا، فلا يكون علما.

(٤) قوله: «وتصدير الكلام به للتّنزيه عن العجز عمّا ذكر بعد». فهاهنا لتنزيه الله ـ تعالى ـ عن العجز عن إسرائه عبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

(٥ و ٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٦، ح ٢.

(٧) قوله: «وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدّة الإسراء»، أي: تمّ أمر الإسراء المذكور في ليلة واحدة من اللّيالي. ولم يقل: تنكيره دالّ على أنّ تمام الإسراء في بعض من ليلة واحدة ـ كما قاله صاحب الكشّاف ـ إذ هذه الدلالة ممنوعة.

(٨) الإسراء / ٧٩.


الأقصى الّذي هو في السّماء، كما يظهر من الأخبار الآتية.

( الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ) : ببركات الدّين والدّنيا، لأنّه مهبط الوحي، ومتعبّد(١) الأنبياء من لدن موسى، ومحفوف بالأنهار والأشجار.

( لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ) : كذهابه في برهة من اللّيل مسيرة شهر، ومشاهدته بيت المقدس، وتمثّل(٢) الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم.

وصرف الكلام من الغيبة إلى التّكلّم(٣) ، لتعظيم تلك البركات والآيات.

وقرئ: «ليريه» بالياء.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن سالم الحنّاط(٥) ، عن رجل، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن المساجد الّتي لها الفضل.

فقال: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

قلت: والمسجد الأقصى، جعلت فداك؟

فقال: ذلك في السّماء، إليه أسرى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقلت: إنّ النّاس يقولون: إنّه بيت المقدس.

فقال: مسجد الكوفة أفضل منه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني(٧) خالد، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن سيّار(٨) ، عن مالك الأزديّ(٩) ، عن إسماعيل الجعفيّ قال: كنت في مسجد [الحرام](١٠) قاعدا وأبو جعفر ـ عليه السّلام ـ في ناحية، فرفع رأسه فنظر إلى السّماء مرّة وإلى الكعبة مرّة، ثمّ قال:( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) وكرّر ذلك ثلاث مرّات.

__________________

(١) ب: معبد.

(٢) أ، ب: تمثيل.

(٣) قوله: «وصرف الكلام من الغيبة» (الخ) لأنّه، وإن كان بطريق الغيبة يفهم منه كثرة البركات وتعظيمها، لكنّ التكلّم صريح في أنّه فعل الله ـ تعالى ـ لا حاجة إلى القرينة. ففيه زيادة تعظيم. فإنّ الأكابر إذا أرادوا تعظيم فعل نسبوه إلى أنفسهم.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٩، ح ١٣.

(٥) المصدر: سلام الحنّاط. وفي أ: سالم الخيّاط.

(٦) تفسير القمّي ٢ / ٢٤٣.

(٧) من ب.

(٨) المصدر: يسار (سيّار ـ ط). وفي ب: سنان.

(٩) المصدر: الأسدي.

(١٠) من المصدر.


ثم التفت إليّ فقال: أيّ شيء يقول أهل العراق في هذه الآية، يا عراقيّ؟

قلت: يقولون: اسري به من المسجد الحرام إلى بيت(١) المقدس.

فقال: ليس كما يقولون، ولكنّه اسري به من هذه إلى هذه ـ وأشار بيده إلى السّماء ـ وقال: ما بينهما حرم.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: وعن ابن عبّاس قال: قالت اليهود للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: موسى خير منك.

قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ولم؟

قالوا: لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ كلّمه بأربعة(٣) آلاف كلمة، ولم يكلّمك بشيء.

فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لقد أعطيت أنا أفضل من ذلك.

قالوا: وما ذاك؟

قال: قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ) . وحملت على جناح جبرئيل ـ عليه السّلام ـ حتّى انتهيت إلى السّماء السّابعة، فجاوزت سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى حتّى تعلّقت بساق العرش، فنوديت من ساق العرش: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر [الرّؤوف الرّحيم](٤) . ورأيته بقلبي وما رأيته بعيني، فهذا أفضل من ذلك.

فقالت اليهود: صدقت، يا محمّد، وهو مكتوب في التّوراة.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الخصال(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: عرج بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ مائة وعشرين مرّة، ما من مرّة إلّا وقد أوصى الله ـ تعالى ـ فيها النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالولاية لعليّ والأئمّة من ولده ـ عليهم السّلام ـ أكثر ممّا أوصاه بالفرائض(٦) .

__________________

(١) المصدر: البيت.

(٢) الاحتجاج ١ / ٤٨.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أربع.

(٤) ليس في أ، ب.

(٥) الخصال / ٦٠٠ ـ ٦٠١، ح ٣.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: في الفرائض.


وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن عليّ بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ وأنا حاضر، فقال: جعلت فداك، كم عرج برسول الله؟

فقال: مرّتين، فأوقفه جبرئيل ـ عليه السّلام ـ موقفا، فقال له: مكانك، يا محمّد، فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قطّ ولا نبيّ، إنّ ربّك يصلّي.

فقال: يا جبرئيل، وكيف يصلّي؟

فقال: يقول: سبوح قدّوس أنا ربّ الملائكة والرّوح، سبقت رحمتي غضبي.

فقال: أللّهمّ، عفوك عفوك.

قال: وكان كما قال الله:( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) .

فقال له أبو بصير: جعلت فداك، ما قاب قوسين أو أدنى؟

فقال: ما بين سيتها(٢) إلى رأسها، فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق(٣) ، ولا أعلمه إلّا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سمّ إبرة(٤) إلى ما شاء الله من نور العظمة.

فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ: يا محمّد.

قال: لبّيك، ربّي.

قال: من لأمّتك من بعدك؟

قال: الله أعلم.

قال: عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين(٥) وقائد الغرّ المحجّلين.

ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ لأبي بصير: يا أبا محمّد، والله، ما جاءت ولاية عليّ من الأرض، ولكن جاءت من السّماء مشافهة.

وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى عليّ بن سالم: عن أبيه، عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين، عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم

__________________

(١) الكافي ١ / ٤٤٢ ـ ٤٤٣.

(٢) كذا في المصدر. وفي أ، ر: يسها. وفي غيرهما: يثبها. والسّية من القوس ـ بكسر المهملة قبل المثنّاة التّحتانيّة المخفّفة ـ ويخفق: ما عطف من طرفيها.

(٣) كذا في المصدر. وفي ب: بحقق. وفي سائر النسخ: تحقق. ويخفق: أي: يتحرّك ويضطرب.

(٤) سمّ الإبرة: ثقبها.

(٥) المصدر: المسلمين.

(٦) العلل / ١٣١، ح ١.


السّلام ـ عن الله ـ جلّ جلاله ـ: هل يوصف بمكان؟

فقال: تعالى عن ذلك.

قلت: فلم أسرى بنبيّه محمّد(١) ـ صلّى الله عليه وآله ـ [إلى السّماء](٢) ؟

قال: ليريه ملكوت السّماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وبإسناده(٣) إلى أبان بن عثمان: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: إنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ دفع إلى عليّ لـمّـا حضرته الوفاة القميص الّذي اسري به.

وفي كتاب التّوحيد(٤) ، بإسناده إلى يونس بن عبد الرّحمن قال: قلت لأبي الحسن، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ: لأيّ علّة عرج الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه إلى السّماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النّور، وخاطبه وناجاه هناك، والله لا يوصف بمكان؟

فقال ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان، ولكنّه ـ عزّ وجلّ ـ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته ويكرمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقوله المشبّهون.

سبحان الله وتعالى عمّا يشركون.

وفي روضة الكافي(٥) : أبان، عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: أتى جبرئيل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالبراق، أصغر من البغل وأكبر من الحمار، مضطرب الأذنين، عينيه(٦) في حافره وخطاه مدّ بصره، فإذا(٧) انتهى إلى جبل قصرت يداه وطالت رجلاه، فإذا هبط طالت يداه وقصرت رجلاه، أهدب العرف الأيمن(٨) ، له جناحان من خلفه.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أسري نبيّه.

(٢) من المصدر.

(٣) نفس المصدر / ١٦٧، ح ١.

(٤) التوحيد / ١٧٥، ح ٥.

(٥) الكافي ٨ / ٣٧٦، ح ٥٦٧.

(٦) كذا في المصدر. وليس في أ، ب، ر. وفي عيرها: عينه.

(٧) المصدر: وإذا.

(٨) أي: طويلة، وكان مرسلا في الجانب الأيمن.


وفي عيون الأخبار(١) ، بإسناده قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ سخّر لي البراق، وهي دابّة من دوابّ الجنّة، ليست بالقصير ولا بالطّويل، فلو أنّ الله ـ تعالى ـ أذن لها لجالت الدّنيا والآخرة في جرية واحدة، وهي أحسن الدّوابّ لونا.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا اسري بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ اتي بالبراق ومعه(٣) جبرئيل وميكائيل وإسرافيل.

قال: فأمسك له واحد بالرّكاب، وأمسك الآخر باللّجام، وسوىّ عليه الآخر ثيابه. فلمّا ركبها تضعضعت، فلطمها جبرئيل وقال لها: قرّي، يا براق، فما ركبك أحد قبله مثله، ولا يركبك أحد مثله بعده(٤) ، إلّا أنّه تضعضعت عليه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وروى الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: بينا أنا راقد بالأبطح(٦) وعليّ بن يميني، وجعفر بن يساري، وحمزة بين يديّ وإذا أنا بخفق(٧) بحفيف أجنحة الملائكة، وقائل منهم يقول: إلى أيّهم بعثت يا جبرئيل؟

فقال: إلى هذا ـ وأشار إليّ ـ وهو سيّد ولد آدم(٨) ، وهذا وصيّه ووزيره وختنه وخليفته في أمّته، وهذا عمّه وسيّد الشّهداء(٩) ، حمزة، وهذا ابن عمّه، جعفر، له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة. دعه فلتنم عيناه ولتسمع أذناه، وليع(١٠) قلبه، واضربوا له مثلا ملك بنى دارا واتّخذ مائدة(١١) وبعث داعيا.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فالملك الله، والدّار الدّنيا، والمائدة(١٢) الجنّة، والدّاعي أنا.

قال: ثمّ أركبه جبرئيل البراق(١٣) ، وأسرى به إلى بيت المقدس، وعرض عليه محاريب الأنبياء وآيات الأنبياء، فصلّى فيها وردّه من ليلته إلى مكّة، فمرّ في رجوعه بعير(١٤)

__________________

(١) العيون ٢ / ٣١، ح ٣٩.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٦، ح ٤.

(٣) المصدر: معها.

(٤) المصدر: أحد بعده مثله.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ١٣.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: في الأبطح.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: بحفيف.

(٨) المصدر: آدم وحوّاء.

(٩) المصدر: عمّه سيّد الشهداء.

(١٠) المصدر: ليعي. (١١ و ١٢) المصدر: مأدبة.

(١٣) المصدر: ثمّ أدركه جبرئيل بالبراق. (١٤) العير: الإبل تحمل الميرة. ثم غلب على كلّ قافلة.


قريش، وإذا لهم ماء في آنية، فشرب منه وأهرق(١) باقي ذلك، وقد كانوا أضلّوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه.

فلمّا أصبح قال لقريش: إنّ الله قد أسرى بي في هذه اللّيلة إلى بيت المقدس، فعرض عليّ محاريب الأنبياء وآيات الأنبياء، وإنّي مررت بعير لكم في موضع كذا وكذا، وإذا لهم(٢) ماء في آنية فشربت منه وأهرقت باقي ذلك، وقد كانوا أضلّوا بعيرا لهم.

فقال أبو جهل: قد أمكنتكم(٣) الفرصة من محمّد، اسألوه: كم الأساطين فيه(٤) والقناديل؟

فقالوا: يا محمّد، إنّ هاهنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه.

فجاء جبرئيل [فعلّق](٥) صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما يسألونه.

فلمّا أخبرهم، قالوا: حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت.

فقال لهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وتصديق ذلك أنّ العير تطلع عليكم مع طلوع الشّمس، يقدمها جمل أحمر.

فلمّا أصبحوا أقبلوا(٦) ينظرون إلى العقبة، وهم يقولون(٧) : هذه الشّمس تطلع السّاعة. فبيناهم كذلك، إذ طلعت العير مع طلوع الشّمس، يقدمها جمل أحمر. فسألوهم عمّا قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقالوا: لقد كان هذا، ضلّ لنا جمل في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء وأصبحنا وقد أهريق الماء.

فلم يزدهم إلّا عتوّا.

وفي روضة الكافي(٨) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن حديد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا اسري

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: صبّ.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لكم.

(٣) المصدر: أمكنكم.

(٤) المصدر: فيها.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: وأقبل.

(٧) المصدر: ويقولون.

(٨) الكافي ٨ / ٢٦٢، ح ٣٧٦.


برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أصبح فقعد فحدّثهم بذلك.

فقالوا له: صف لنا بيت المقدس.

قال: فوصف لهم، وإنّما دخله ليلا فاشتبه عليه النّعت، فأتاه جبرئيل فقال له: أنظر هاهنا. فنظر إلى بيت(١) المقدس فوصفه وهو ينظر إليه، ثمّ نعت لهم [ما كان](٢) من عير لهم فيما بينهم وبين الشّام، ثمّ قال: هذه عير بني فلان تقدم مع طلوع الشّمس، يتقدّمها جمل أورق(٣) أو أحمر(٤) .

قال: وبعثت قريش رجلا على فرس ليردّها(٥) .

قال: وبلغ مع طلوع الشّمس، قال قرطة بن عبد عمرو: يا لهفا، أن لا أكون لك جذعا(٦) حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثني أبي، عن إبراهيم بن محمّد الثّقفيّ، عن أبان بن عثمان، عن أبي داود، عن أبي بردة الأسلميّ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول لعليّ ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله أشهدك معي في سبع مواطن.

أمّا أوّل ذلك، فليلة اسري بي إلى السّماء.

قال لي جبرئيل: أين أخوك؟

فقلت: خلّفته ورائي.

قال: ادع الله فليأتك به.

فدعوت الله، وإذا مثالك(٨) معي، وإذا(٩) الملائكة وقوف صفوف.

فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟

قال: هم الّذين يباهيهم الله بك يوم القيامة.

فدنوت، ونطقت بما كان وما يكون إلى يوم القيامة.

والثّاني، حين أسري بي في المرّة الثّانية.

__________________

(١) المصدر: البيت.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أزرق. والأورق من الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد.

(٤) التّرديد من الرّاوي.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليردّوها.

(٦) الجذع: الشّابّة من الإبل والمعز. والظّاهر أنّ كلامه ـ لعنه الله ـ هذا جار مجرى الاستهزاء.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: بمثالك.

(٩) المصدر: إذ.


فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟

فقلت: خلّفته ورائي.

فقال: ادع الله فليأتك به.

فدعوت الله(١) ، فإذا مثالك معي، فكشط عن سبع سماوات حتّى رأيت سكّانها وعمّارها وموضع كلّ ملك منها.

... إلى قوله: وأمّا السّادس، لـمّـا اسري بي إلى السّماء، جمع الله لي النّبيّين.

فصلّيت بهم، ومثالك خلفي.

وفي كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى عيسى بن عبد الله(٣) الأشعريّ: عن الصّادق، جعفر بن محمّد قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء، حملني جبرئيل على كتفه الأيمن. فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لونا من الزّعفران، وأطيب ريحا من المسك. [فإذا فيها شيخ على رأسه برنس.

فقلت لجبرئيل: ما هذه البقعة الحمراء الّتي هي أحسن لونا من الزّعفران وأطيب ريحا من المسك](٤) .

قال: بقعة لشيعتك وشيعة وصيّك، عليّ.

فقلت: من الشّيخ، صاحب البرنس؟

قال: إبليس.

قلت: فما يريد منهم؟

قال: يريد أن يصدّهم عن ولاية أمير المؤمنين، ويدعوهم إلى الفسق والفجور.

قلت: يا جبرئيل، أهو بنا [إليهم.

فأهوى بناء إليهم](٥) أسرع من البرق الخاطف والبصر اللّامح.

فقلت: قم، يا(٦) ملعون، فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم. فإنّ

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) العلل / ٥٧٢، ح ١.

(٣) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦٥٢. وفي النسخ: عبيد الله.

(٤) من المصدر. وفي النسخ بدل ما بين المعقوفتين: «قلت: لمن البقعة؟».

(٥) من ب. وفي النسخ بدلها: إليه.

(٦) من هنا إلى موضع نذكره بعد صفحات ليس في أ.


شيعتي وشيعة عليّ ليس لك عليهم سلطان. [فسمّيت «قم»](١) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حكى أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فأخذ واحد باللّجام، وواحد بالرّكاب، وسوّى الاخر عليه ثيابه. فتضعضعت البراق. فلطمها جبرئيل، ثمّ قال لها: اسكني، يا براق، فما ركبك نبيّ قبله، ولا يركبك بعده مثله.

قال: فرقت به(٣) ، ورفعته ارتفاعا ليس بالكثير، ومعه جبرئيل، يريه الآيات من السّماء والأرض.

قال: فبينا أنا في مسيرتي(٤) ، إذ نادى مناد عن يميني: يا محمّد. فلم أجبه ولم ألتفت إليه. ثمّ نادى مناد عن يساري: يا محمّد. فلم أجبه، ولم ألتفت إليه. ثمّ استقبلتني إمرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كلّ زينة الدّنيا، فقالت: يا محمّد، انظرني حتّى أكلّمك. فلم ألتفت إليها. ثمّ سرت فسمعت صوتا أفزعني [فجاوزت به](٥) . فنزل بي جبرئيل فقال: صلّ. فصلّيت.

فقال: أتدري أين صلّيت؟

فقلت: لا.

فقال: صلّيت [بطيبة وإليها مهاجرك(٦) .

ثمّ ركبت فمضينا ما شاء الله، ثمّ قال لي: أنزل فصلّ، فنزلت وصلّيت.

فقال لي: أتدري أين صلّيت؟

فقلت: لا.

فقال: صلّيت](٧) . بطور سيناء حيث كلّم الله موسى تكليما.

ثمّ ركبت فمضينا ما شاء الله، ثمّ قال: أنزل فصلّ، فنزلت وصلّيت.

فقال لي: أتدري أين صلّيت؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ٣ ـ ١٢.

(٣) أي: صعدت البراق بالنّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

(٤) المصدر: مسيري.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: مهاجرتك.

(٧) لا يوجد في ب.


فقلت: لا.

فقال: صلّيت ببيت(١) لحم، وبيت لحم بناحية بيت المقدس، حيث ولد عيسى بن مريم ـ عليه السّلام ـ.

ثمّ ركبت. فمضينا حيث انتهينا إلى بيت المقدس. فربطت البراق بالحلقة الّتي [كانت](٢) الأنبياء تربط بها، فدخلت المسجد ومعي جبرئيل إلى جنبي، فوجدنا إبراهيم وموسى وعيسى فيمن شاء الله من أنبياء الله قد جمعوا إليّ، وأقمت الصّلاة ولا أشكّ إلّا وجبرئيل سيتقدّمنا(٣) ، فلما استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقدّمني وأممتهم(٤) ولا فخر. ثمّ أتاني الخازن بثلاثة أواني: إناء فيه لبن، وإناء فيه ماء، وإناء فيه خمر.

فسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمّته، وإن أخذ الخمر غوي وغويت أمّته، وإن أخذ اللّبن هدي وهديت أمّته.

قال: فأخذت اللّبن وشربت منه.

فقال لي جبرئيل: هديت وهديت أمّتك.

ثمّ قال لي: ما ذا رأيت في مسيرك؟

فقلت: ناداني مناد عن يميني.

فقال لي: او أجبته؟

فقلت: لا، ولم ألتفت إليه.

فقال: ذلك داعي اليهود، ولو أجبته لتهوّدت أمّتك من بعدك.

ثمّ قال: ما ذا رأيت [في مسيرك](٥) ؟

فقلت: ناداني مناد عن يساري.

فقال: او أجبته؟

فقلت: لا، ولم ألتفت إليه.

قال: ذلك داعي النّصارى(٦) ، ولو أجبته لتنصّرت(٧) أمّتك من بعدك.

__________________

(١) المصدر: في بيت.

(٢) من المصدر.

(٣) المصدر: استقدمنا.

(٤) المصدر: فأممتهم.

(٥) ليس في ب والمصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: النصارنى.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: لنصرت.


ثمّ قال لي: ما ذا استقبلك؟

فقلت: لقيت إمرأة كاشفة عن ذراعيها، عليها من كلّ زينة الدّنيا(١) ، فقالت: يا محمّد، أنظرني حتّى أكلّمك.

فقال لي: أفكلّمتها؟

فقلت: لم أكلّمها، ولم ألتفت إليها.

فقال: تلك الدّنيا. ولو كلّمتها، لاختارت أمّتك الدّنيا على الآخرة.

ثمّ سمعت صوتا أفزعني.

فقال لي جبرئيل: تسمع، يا محمّد؟

قلت: نعم.

قال: هذه صخرة قذفتها عن شفير جهنّم منذ سبعين عاما، فهذا حين استقرّت.

قالوا: فما ضحك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى قبض.

قال: فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى السّماء الدّنيا، وعليها ملك يقال له: إسماعيل، وهو صاحب الخطفة الّتي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ) . وتحته سبعون ألف ملك، [تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك](٢) .

فقال: يا جبرئيل، من هذا معك؟

فقال: محمّد.

قال: أوقد بعث؟

قال: نعم.

ففتح(٣) الباب وسلّمت عليه وسلّم عليّ، واستغفرت له واستغفر لي، وقال: مرحبا بالأخ الصّالح(٤) والنّبيّ الصّالح. وتلقّتني الملائكة حتّى دخلت سماء الدّنيا، فما لقيني ملك إلا [كان](٥) ضاحكا مستبشرا، حتّى لقيني ملك من الملائكة لم أر أعظم خلقا منه كريه المنظر ظاهر الغضب، فقال لي مثل ما قالوا من الدّعاء إلّا أنّه لم يضحك ولم أر فيه من الاستبشار ما رأيت(٦) ممّن ضحك من الملائكة.

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) ليس في ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثمّ فتح.

(٤) المصدر: الناصح.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: وما رأيت.


فقلت: من هذا، يا جبرئيل، فإنّي قد فزعت منه(١) ؟

فقال: يجوز أن تفزع منه فكلّنا نفزع منه. إنّ هذا مالك خازن النّار. لم يضحك قطّ، ولم يزل منذ ولّاه الله جهنّم يزداد كلّ يوم غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته فينتقم الله به منهم. ولو ضحك إلى أحد كان(٢) قبلك، أو كان ضاحكا إلى أحد(٣) بعدك، لضحك إليك، ولكنّه لا يضحك.

فسلّمت عليه فردّ السّلام عليّ، وبشّرني بالجنّة. فقلت لجبرئيل ـ وجبرئيل بالمكان الّذي وصفه الله(٤) :( مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ) ـ: ألا تأمره أن يريني النّار؟

فقال له جبرئيل(٥) : يا مالك، أر محمّداً النّار.

فكشف عنها غطاءها(٦) ، وفتح بابا منها. فخرج منها لهب ساطع في السّماء، وفارت وارتفعت(٧) حتّى ظننت لتناولني(٨) ممّا رأيت. فقلت: يا جبرئيل، قل له فيردّ(٩) عليها غطاءها.

فأمرها، فقال لها: ارجعي. فرجعت إلى مكانها الّذي خرجت منه.

ثمّ مضيت فرأيت رجلا آدما جسيما، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أبوك، آدم. فإذا هو تعرض عليه ذرّيّته فيقول: روح طيّب وريح طيّبة من جسد طيّب.

ثمّ تلا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ سورة المطفّفين على رأس سبع عشرة آية( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ، كِتابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) إلى آخرها.

قال: فسلّمت على أبي، آدم وسلّم عليّ واستغفرت له واستغفر لي، فقال لي: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح والمبعوث في الزّمن الصّالح.

__________________

(١ و ٢) ليس في المصدر.

(٣) المصدر: ضاحكا لأحد.

(٤) التكوير / ٢١.

(٥) ليس في ب.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: غطاء.

(٧) المصدر: فارتعدت.

(٨) المصدر: ليتناولني.

(٩) المصدر: فليردّ.


ثمّ مررت بملك من الملائكة، وهو جالس [على مجلس](١) ، وإذا جميع الدّنيا بين ركبتيه، وإذا بيده لوح من نور [ينظر فيه، مكتوب](٢) فيه [كتاب ينظر فيه ،](٣) لا يلتفت يمينا ولا شمالا، مقبلا عليه(٤) ، كهيئة الحزين.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك الموت، دائب في قبض الأرواح.

فقلت: يا جبرئيل، ادنني منه حتّى أكلّمه. فأدناني منه، فسلّمت عليه.

فقال له جبرئيل: هذا [محمّد](٥) نبيّ الرّحمة، الّذي أرسله الله إلى العباد.

فرحّب بي وحيّاني بالسّلام، وقال: أبشر، يا محمّد، فإنّي أرى الخير كلّه في أمّتك. فقلت: الحمد لله المنّان ذي النّعم على عباده. ذلك من فضل ربّي ورحمته عليّ.

فقال جبرئيل: هو أشدّ الملائكة عملا.

فقلت(٦) : أكلّ من مات، أو هو ميّت فيما بعد، [هذا](٧) تقبض روحه؟

قال: نعم.

قلت: وتراهم حيث كانوا، وتشهدهم بنفسك؟

فقال: نعم. فقال ملك الموت: ما الدّنيا كلّها عندي فيما سخّرها الله لي ومكّنني عليها(٨) ، إلّا كالدرّهم في كفّ الرّجل يقلّبه كيف يشاء. وما من دار إلّا وأنا أتصفّحه كلّ يوم خمس مرّات، وأقول إذا بكى أهل الميّت على ميّتهم: لا تبكوا عليه، فإنّ لي فيكم عودة وعودة حتّى لا يبقى(٩) أحد منكم.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كفى بالموت طامّة(١٠) ، يا جبرئيل.

فقال جبرئيل: إنّ ما بعد الموت أطمّ وأطمّ من الموت.

قال: ثمّ مضيت، فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيّب ولحم خبيث ،

__________________

(١ و ٢) ليس في المصدر.

(٣) ليس في ب.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولا شمالا ولا مقبلا.

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في ب.

(٧) من المصدر.

(٨) المصدر: منها.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: عود وعود لا يبقى.

(١٠) الطّامّة: الدّاهية تفوق ما سواها.


فيأكلون الخبيث ويدعون الطّيّب، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال، وهم من أمّتك، يا محمّد.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ثمّ رأيت ملكا من الملائكة جعل الله أمره عجبا، نصف جسده نار والنّصف الآخر ثلج، فلا النّار تذيب الثّلج ولا الثّلج يطفئ النّار، وهو ينادي بصوت رفيع يقول: سبحان الّذي كفّ حرّ هذه النّار فلا يذيب(١) الثّلج، وكفّ برد هذا الثّلج فلا يطفئ حرّ هذه النّار. أللّهمّ، يا مؤلّف بين الثّلج والنّار، ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا ملك وكلّه الله بأكناف السّماء(٢) وأطراف الأرضين، وهو أنصح ملائكة الله(٣) لأهل الأرض من عباده المؤمنين، يدعو لهم بما تسمع منذ خلق، وملكان يناديان في السّماء: أحدهما يقول: أللّهمّ، أعط كلّ منفق خلفا، والآخر يقول: أللّهمّ، أعط كلّ ممسك تلفا.

ثمّ مضيت، فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل، يقرض اللّحم من جنوبهم ويلقى في أفواههم، [ويخرج من أدبارهم](٤) . فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الهمّازون اللّمّازون.

ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ(٥) رؤوسهم(٦) بالصّخر، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين ناموا(٧) عن صلاة العشاء.

ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النّار في أفواههم وتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلما(٨) ، إنّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا.

__________________

(١) المصدر: فلا تذيب.

(٢) المصدر: السموات.

(٣) ب: أنصح الملائكة.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) ب، ر: ترضّ.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وجوههم.

(٧) المصدر: ينامون.

(٨) ليس في ب.


ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم يقوم فلا يقدر من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء الّذين يأكلون الرّبا، لا يقومون إلا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ.

وإذا هم بسبيل(١) آل فرعون، يعرضون على النّار غدوّا وعشيّا و(٢) يقولون: ربّنا متّى تقوم السّاعة.

قال: ثمّ مضيت فإذا أنا بنسوان معلّقات بثديهنّ، فقلت: من هؤلاء، يا جبرئيل؟

فقال: هؤلاء اللّواتي يورثن أموال أزواجهنّ أولاد غيرهم(٣) .

ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اشتدّ غضب الله على إمرأة أدخلت على قوم في نسبهم من ليس منهم، فاطّلع على عوراتهم وأكل خزائنهم.

قال: ثمّ مررنا(٤) بملائكة من ملائكة الله ـ عزّ وجلّ ـ خلقهم الله [على هيئات مختلفة](٥) كيف شاء، ووضع وجوههم كيف شاء، ليس شيء من أطباق أجسادهم إلّا وهو يسبّح الله ويحمّده من كلّ ناحية بأصوات مختلفة، أصواتهم مرتفعة بالتّحميد والبكاء من خشية الله، فسألت جبرئيل ـ عليه السّلام ـ عنهم.

فقال: كما ترى خلقوا، إنّ الملك منهم إلى جنب صاحبه ما كلّمه قطّ، ولا رفعوا رؤوسهم إلى ما فوقها ولا خفضوها إلى ما تحتها(٦) خوفا من الله وخشوعا.

فسلّمت عليهم، فردّوا عليّ إيماء برءوسهم(٧) ولا ينظرون(٨) إليّ من الخشوع.

فقال لهم جبرئيل: هذا محمّد(٩) نبيّ الرّحمة. أرسله الله إلى العباد رسولا ونبيّا، وهو خاتم النّبيّين وسيّدهم، أفلا تكلّمونه!؟

__________________

(١) المصدر: مثل.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) أي: يزنين، ويلحقن أولاد الزّنا بالأزواج فيرثون من أزواجهنّ كما قاله في البحار.

(٤) ب، المصدر: ثمّ قال: مررنا.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) المصدر: تحتهم.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) إلى هنا من موضع ذكرناه قبل صفحات، لا يوجد في أ.

(٩) ليس في أ، ب.


قال: فلمّا سمعوا ذلك من جبرئيل، أقبلوا عليّ بالسّلام، وأكرموني، وبشّروني بالخير لي ولأمّتي.

قال: ثمّ صعد بي إلى السّماء الثّانية، فإذا فيها رجلان متشابهان، فقلت: من هذان يا جبرئيل؟

فقال لي: ابنا الخالة، عيسى(١) ويحيى.

فسلّمت عليهما وسلّما عليّ، واستغفرت لهما واستغفر لي، وقالا: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. وإذا فيها من الملائكة [مثل ما في السّماء الأولى](٢) وعليهم الخشوع، وقد وضع الله وجوههم كيف شاء، ليس منهم ملك إلّا يسبّح الله ويحمّده بأصوات مختلفة.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الثّالثة، فإذا فيها رجل فضل حسنه على سائر الخلق، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النّجوم، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أخوك، يوسف.

فسلّمت عليه وسلّم عليّ، واستغفرت له واستغفر لي، وقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح والمبعوث في الزّمان(٣) الصّالح. فإذا فيها ملائكة عليهم من الخشوع مثل ما وصفت في السّماء الأولى والثّانية، وقال لهم جبرئيل في أمري ما قال للآخرين، وصنعوا بي مثل ما صنع الآخرون.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الرّابعة وإذا فيها رجل، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليّا.

فسلّمت عليه وسلّم عليّ، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة عليهم من الخشوع مثل ما في السّماوات فبشّروني بالخير لي ولأمّتي. ثمّ رأيت ملكا جالسا على سرير، تحت يديه سبعون ألف ملك، تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك، فوقع في نفس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه هو، فصاح به جبرئيل فقال: قم. فهو قائم إلى يوم القيامة.

ثمّ صعدنا إلى السّماء الخامسة، فإذا فيها رجل كهل عظيم العين لم أر كهلا

__________________

(١) المصدر: عيسى بن مريم.

(٢) من المصدر.

(٣) المصدر: الزّمن.


أعظم منه، حوله ثلّة(١) من أمّته فأعجبتني(٢) كثرتهم، فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا المجيب في قومه، هارون بن عمران.

فسلّمت عليه وسلّم عليّ، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات.

قال: ثمّ صعدنا إلى السّماء السّادسة، فإذا فيها رجل آدم طويل كأنّه من شبوة(٣) ، ولو [لا](٤) أنّ عليه قميصين، لنفذ شعره منهما. فسمعته يقول: يزعم بنو إسرائيل أنّي(٥) أكرم ولد آدم على الله، وهذا رجل أكرم على الله منّي.

فقلت: من هذا، يا جبرئيل؟

فقال: هذا أخوك، موسى بن عمران.

فسلّمت عليه وسلّم عليّ، واستغفرت له واستغفر لي، وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات.

قال: ثمّ صعدنا إلى السّماء السّابعة، فما مررت بملك من الملائكة إلّا قالوا: يا محمّد، احتجم وامر أمّتك بالحجامة. وإذا فيها رجل أشمط(٦) الرّأس واللّحية جالس على كرسي، فقلت: يا جبرئيل، من هذا الّذي في السّماء السّابعة على باب البيت المعمور في جوار الله ـ تعالى ـ؟

فقال: [يا محمّد](٧) هذا أبوك، إبراهيم، وهذا محلّك ومحلّ من اتّقى من أمّتك.

ثمّ قرأ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثلاثة.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعجبني.

(٣) المصدر: رجل آدم طويل عليه سمرة. وشبوة: أبو قبيلة، وموضع بالبادية، وحصن باليمن.

وعن شرح القاموس: أنّ شبوة بطن من القحطانيّة، وهو شبوة بن ثوبان بن عبس بن شحارة بن غالب بن عبد الله بن عكّ.

وعن الثّعلبيّ أنّه ذكر في وصفه (ع): كأنّه من رجال أزد شنوءة. وقال الفيروزآبادي: أزد شنوءة: قبيلة سمّيت لشنآن بينهم.

وقال المجلسيّ (ره) بعد نقل الأقوال: وعلى التّقادير شبّهه (ص) بإحدى تلك الطّوائف في الأدمة وطول القامة.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: في.

(٦) الشّمط: بياض في الرّأس يخالطه سواد.

(٧) ليس في المصدر.


[قال :](١) فسلّمت عليه وسلّم عليّ، وقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح والمبعوث في الزّمان(٢) الصّالح. وإذا فيها من الملائكة الخشوع مثل ما في السّماوات، فبشّروني بالخير لي ولأمّتي.

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ورأيت في السّماء السّابعة بحارا من نور يتلألأ يكاد تلألؤها يخطف بالأبصار، وفيها بحار من ظلمة وبحار من ثلج ترعد(٣) ، فلمّا(٤) فزعت ورأيت هؤلاء سألت جبرئيل.

فقال: أبشر، يا محمّد، واشكر كرامة ربّك واشكر الله بما صنع إليك.

قال: فثبّتني الله بقوّته وعونه حتّى كثر قولي لجبرئيل وتعجّبي.

فقال جبرئيل: يا محمّد، أتعظّم ما ترى؟ إنّما هذا خلق من خلق ربّك، فكيف بالخالق الّذي خلق ما ترى؟ وما لا ترى أعظم من هذا! إنّ بين الله وبين خلقه سبعين(٥) ألف [حجاب. وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل، وبيننا وبينه أربعة حجب](٦) : حجاب من نور، وحجاب من ظلمة، وحجاب من الغمام، وحجاب من الماء.

قال: ورأيت من العجائب الّتي خلق الله وسخّر(٧) على ما أراده ديكا(٨) رجلاه في تخوم الأرضين السّابعة ورأسه عند العرش، وملكا من ملائكة الله خلقه الله(٩) ، كما أراد، رجلاه في تخوم الأرضين السّابعة، ثمّ أقبل مصعدا حتّى خرج في الهواء إلى السّماء السّابعة، وانتهى فيها مصعدا حتّى انتهى(١٠) قرنه إلى قرب العرش، وهو يقول: سبحان ربيّ حيث ما كنت، لا تدري(١١) أين ربّك من عظم شأنه. و(١٢) له جناحان في منكبيه(١٣) ، إذا نشرهما جاوزا الشّرق والغرب، فإذا كان في السّحر، نشر [ذلك الدّيك](١٤) جناحيه وخفق بهما وصرخ بالتّسبيح يقول: سبحان الله الملك القدّوس، سبحان الله الكبير

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: الزّمن.

(٣) المصدر: وفيها بحار مظلمة وبحار ثلج ورعد.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فكلّما.

(٥) المصدر: سبعون (تسعون ـ خ ل)

(٦) من المصدر.

(٧) المصدر: سخّر به.

(٨) أ، ب: ملكا.

(٩) ليس في المصدر.

(١٠) المصدر: استقرّ.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تدرك.

(١٢) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: منكبه.

(١٤) من المصدر.


المتعال، لا إله إلّا هو(١) الحيّ القيّوم. فإذا قال ذلك سبّحت ديوك الأرض كلّها وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصّراخ(٢) ، وإذا سكت ذلك الدّيك في السّماء، سكتت ديوك الأرض كلّها. ولذلك الدّيك زغب(٣) أخضر وريش أبيض، كأشد [بياض ما رأيته قطّ، وله زغب أخضر ـ أيضا ـ تحت ريشه الأبيض، كأشدّ](٤) خضرة ما رأيتها.

قال: ثمّ مضيت مع جبرئيل فدخلت البيت(٥) المعمور فصلّيت فيه ركعتين، ومعي أناس من أصحابي عليهم ثياب جدد وآخرون(٦) عليهم ثياب خلقان(٧) ، فدخل أصحاب الجدد وحبس أصحاب الخلقان. ثمّ خرجت فانقاد إليّ نهران: نهر يسمّى: الكوثر، ونهر يسمّى: الرّحمة، فشربت من الكوثر واغتسلت من الرّحمة. ثمّ انقادا إليّ جميعا حتّى دخلت الجنّة، فإذا على حافيتها بيوتي وبيوت أزواجي، وإذا ترابها كالمسك، وإذا جارية تنغمس في أنهار الجنّة.

فقلت: لمن أنت، يا جارية؟

فقال: لزيد بن حارثة.

فبشّرته بها حين أصبحت، وإذا بطيرها البخت(٨) ، وإذا رمّانها مثل الدّلاء(٩) العظام، وإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها تسعمائة سنة وليس في الجنّة منزل إلّا وفيها قتر(١٠) منها، فقلت: ما هذه الشّجرة(١١) ، يا جبرئيل؟

فقال: هذه شجرة طوبى، قال الله(١٢) ـ تعالى ـ:( طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) .

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فلمّا دخلت الجنّة رجعت إليّ نفسي، فسألت جبرئيل عن تلك البحار وهو لها وأعاجيبها.

فقال: هي سرادقات الحجب الّتي احتجب الله ـ تبارك وتعالى ـ بها، ولو لا تلك

__________________

(١) من ب. وفي المصدر: الله.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أخذت بالصّراخ.

(٣) الزغب: صغار الريش.

(٤) ليس في أ، ب.

(٥) كذا في المصدر. وفي أ، ب: في البيت. وفي غيرهما: بالبيت.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: آخرين.

(٧) أي: بالية.

(٨) البخت: الإبل الخراسانيّة.

(٩) الدّلاء: جمع الدّلو.

(١٠) القتر: النّاحية والجانب. وفي المصدر: فرع.

(١١) ليس في المصدر.

(١٢) الرّعد / ٢٩.


الحجب، لتهتّك(١) نور العرش و(٢) كلّ شيء فيه.

وانتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا الورقة منها تظلّ(٣) أمّة من الأمم، فكنت منها، كما قال الله(٤) ـ تبارك وتعالى ـ:( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) فناداني:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ ) .(٥) وقد كتبنا ذلك في سورة البقرة.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا ربّ، أعطيت أنبياءك فضائل فأعطني.

فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي: لا حول ولا قوة إلّا بالله [العليّ العظيم](٦) ولا منجا منك إلّا إليك.

قال: وعلّمتني الملائكة قولا أقوله إذا أصبحت وأمسيت: «الّلهمّ، إنّ ظلمي أصبح مستجيرا بعفوك، وذنبي أصبح مستجيرا بمغفرتك، وذلّي أصبح مستجيرا بعزّتك، وفقري أصبح مستجيرا بغناك، ووجهي الفاني البالي أصبح مستجيرا بوجهك الدّائم الباقي الّذي لا يفنى»(٧) .

ثمّ سمعت الأذان، فإذا ملك يؤذّن لم ير في السّماء قبل تلك اللّيلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر.

فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: صدق عبدي، أنا أكبر [من كلّ شيء](٨) .

فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله.

فقال ـ عزّ وجلّ ـ: صدق عبدي، أنا الله لا إله غيري.

قال: أشهد أن محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله.

فقال ـ عزّ وجلّ ـ: صدق عبدي، أنّ محمّدا عبدي ورسولي، أنا بعثته وانتجبته.

فقال: حيّ على الصّلاة. حيّ على الصّلاة.

فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: صدق عبدي، دعا إلى فريضتي. فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا، كانت له كفّارة لما مضى من ذنوبه.

__________________

(١) المصدر: لهتك.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) المصدر: تظلّ به.

(٤) النّجم / ٩.

(٥) البقرة / ٢٨٥.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) يوجد هنا في جميع النسخ زيادة: وأقول ذلك إذا أمسيت.

(٨) ليس في المصدر.


فقال: حيّ على الفلاح. حيّ على الفلاح.

فقال الله: هي الصّلاح والفلاح والنّجاح.

ثمّ أممّت الملائكة في السّماء، كما أمّمت الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ في بيت المقدس. ثمّ غشيتني صبابة(١) فخررت ساجدا، فناداني ربّي: إنّي قد فرضت على كلّ نبيّ [كان](٢) قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى أمّتك، فقم بها أنت في أمّتك.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فانحدرت حتّى مررت على إبراهيم ـ عليه السّلام ـ فلم يسألني عن شيء، حتّى انتهيت إلى موسى ـ عليه السّلام ـ فقال: ما صنعت، يا محمّد؟

فقلت: قال ربّي: قد فرضت على كلّ نبيّ كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى أمّتك.

فقال: موسى(٣) ـ عليه السّلام ـ: يا محمّد، إنّ أمّتك آخر الأمم وأضعفها، وإنّ ربّك لا يردّ عليك شيئا(٤) وإنّ أمّتك لا تستطيع أن تقوم بها، فارجع إلى ربّك فأسأله التّخفيف لأمّتك.

فرجعت إلى ربّي حتّى انتهيت إلى سدرة المنتهى، فخررت ساجدا، ثمّ قلت: فرضت عليّ وعلى أمّتي خمسين صلاة، ولا أطيق ذلك ولا أمّتي، فخفّف عنّي، فوضع عنّي عشرا(٥) ، فرجعت إلى موسى ـ عليه السّلام ـ فأخبرته.

فقال: ارجع إليه لا تطيق.

[فرجعت إلى ربّي، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى ـ عليه السّلام ـ فأخبرته.

فقال: ارجع إليه، لا تطيق](٦) .

فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فأخبرته.

فقال: ارجع.

__________________

(١) الصّبابة: رقّة الشّوق وحرارته.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في أ، ب، ر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وإنّ ربّك لا يزيده شيء.

(٥) المصدر: عشرة.

(٦) ليس في أ، ب، ر، المصدر.


وفي كلّ رجعة أرجع إليه أخرّ ساجدا حتّى رجع إلى عشر صلوات، فرجعت إلى موسى فأخبرته.

فقال: لا تطيق.

فرجعت إلى ربّي فوضع عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى ـ عليه السّلام ـ فأخبرته(١) .

فقال: لا تطيق.

فقلت: قد استحييت من ربّي، ولكن أصبر عليها.

فناداني مناد: كما صبرت عليها، فهذه الخمس بخمسين صلاة(٢) ، كلّ صلاة بعشر(٣) . ومن همّ من أمّتك بحسنة يعملها فعملها(٤) ، كتبت له عشرا، وإن لم يعمل، كتبت عليه واحدة، وإن لم يعملها، لم تكتب(٥) عليه.

قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: جزى الله موسى عن هذه الأمّة خيرا. فهذا تفسير قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) (الآية).

وفي من لا يحضره الفقيه(٦) ، بعد أن نقل عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ حديثا: وقال ـ عليه السّلام ـ: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا اسري به أمره ربّه بخمسين صلاة، فمرّ على النّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى انتهى إلى موسى بن عمران فقال: بأيّ شيء أمرك ربّك؟

فقال: بخمسين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه ـ عزّ وجلّ ـ فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى مرّ بموسى بن عمران فقال: بأي شيء أمرك ربّك؟

فقال: بأربعين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه ـ عزّ وجلّ ـ فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى مرّ بموسى فقال: بأيّ شيء أمرك ربّك؟

__________________

(١) ليس في أ، ب، ر.

(٢ و ٣ و ٤) ليس في المصدر.

(٥) المصدر: أكتب.

(٦) الفقيه ١ / ١٢٥ ـ ١٢٦، ح ٦٠٢.


فقال: بثلاثين صلاة.

فقال: اسأل ربّ التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه ـ عزّ وجلّ ـ فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى مرّ بموسى [بن عمران](١) فقال: بأيّ شيء أمرك ربّك؟

فقال: بعشرين صلاة.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فسأل ربّه ـ عزّ وجلّ ـ فحطّ عنه عشرا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى مرّ بموسى فقال له: بأيّ شيء أمرك ربّك؟

فقال: بعشر صلوات.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك، فإنّي جئت إلى بني إسرائيل بما افترض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليهم فلم يأخذوا به ولم يقرّوا عليه.

فسأل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ربّه، فخفّف عنه فجعلها خمسا، ثمّ مرّ بالنّبيّين نبيّ نبيّ لا يسألونه عن شيء، حتّى مرّ بموسى ـ عليه السّلام ـ فقال: بأيّ شيء أمرك ربّك؟

فقال: بخمس صلوات.

فقال: اسأل ربّك التّخفيف، عن أمّتك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك.

فقال: إنّي لأستحي أن أعود إلى ربّي. فجاء رسول الله (ص) بخمس صلوات.

وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: جزى الله موسى بن عمران عن أمّتي خيرا.

وقال الصّادق عليه السّلام ـ: جزى الله موسى بن عمران عنّا خيرا.

وروي(٢) عن زيد بن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: سألت أبي، سيّد العابدين ـ عليه السّلام ـ فقلت له: يا أبة، أخبرني عن جدّنا، رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا عرج به إلى السّما وأمره ربّه ـ عزّ وجلّ ـ بخمسين صلاة كيف لم يسأله التّخفيف عن أمّته حتّى قال له موسى بن عمران: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الفقيه ١ / ١٢٦ ـ ١٢٧، ح ٦٠٣.


قال: يا بنيّ، إن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا يقترح على ربّه ـ عزّ وجلّ ـ ولا يراجعه في شيء يأمره به. فلمّا سأله موسى ـ عليه السّلام ـ ذلك، وصار شفيعا لأمّته إليه، لم يجز له ردّ شفاعة أخيه، موسى، فرجع إلى ربّه ـ عزّ وجلّ ـ يسأله(١) التّخفيف إلى أن ردّها إلى خمس صلوات.

قال: فقلت يا أبة: فلم لم يرجع إلى ربّه ـ عزّ وجلّ ـ ولم يسأله التّخفيف عن خمس صلوات، وقد سأله موسى أن يرجع إلى ربّه ويسأله التّخفيف؟

فقال: يا بنيّ، أراد ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يحصل لأمّته التّخفيف مع أجر خمسين صلاة، لقول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) . ألا ترى أنّه ـ عليه السّلام ـ لـمّـا هبط إلى الأرض نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول: إنّها خمس بخمسين( ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (٢) .

قال: فقلت له: يا أبة، أليس الله ـ جلّ ذكره ـ لا يوصف بمكان؟

فقال: بلى، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

قلت: فما معنى قول موسى ـ عليه السّلام ـ لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ارجع إلى ربّك؟

قال: معناه معنى قول إبراهيم(٣) :( إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) . ومعنى قول موسى(٤) ـ عليه السّلام ـ:( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) . ومعنى قوله(٥) ـ عزّ وجلّ ـ:( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ ) ، يعني: حجّوا إلى بيت الله.

يا بنيّ، إنّ الكعبة بيت الله فمن حجّ بيت الله فقد قصد إلى الله، والمساجد بيوت الله فمن سعى إليها فقد سعى إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وقصد إليه، والمصلّي ما دام في صلاته فهو واقف بين يدي الله، فإنّ لله ـ عزّ وجلّ ـ بقاعا في سماواته فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(٦) :( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) . ويقول الله(٧) ـ عزّ وجلّ ـ في قصّة عيسى بن مريم ـ عليهما السّلام ـ:( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ )

__________________

(١) ب، المصدر: فسأله.

(٢) ق / ٢٩.

(٣) الصافات / ٩٩.

(٤) طه / ٨٤.

(٥) الذاريات / ٥٠.

(٦) المعارج / ٤.

(٧) النساء / ١٥٨.


ويقول الله(١) ـ عزّ وجلّ ـ:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) . وقد أخرجت هذا الحديث مسندا(٢) في كتاب المعارج (انتهى).

وفي الكافي(٣) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد المسلميّ، عن عبد الله بن سليمان العامريّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا عرج برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نزل بالصّلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما تروى(٥) هذه النّاصبة؟

فقلت(٦) : جعلت فداك، في ما ذا(٧) ؟

فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم.

فقلت: إنّهم يقولون: إنّ ابيّ بن كعب رآه في النّوم.

فقال: كذبوا، فإنّ دين الله ـ عزّ وجلّ ـ أعزّ من أن يرى في النّوم.

قال: فقال له سدير الصّيرفيّ: جعلت فداك، فأحدث لنا من ذلك ذكرا.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لـمّـا عرج بنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى سماواته السّبع، أمّا أوّلهنّ فبارك عليه، والثّانية علّمه فرضه، فأنزل الله محملا من نور فيه أربعون نوعا من أنواع النّور كانت محدقة بعرش الله تغشي أبصار النّاظرين، أمّا واحد منها فأصفر فمن أجل ذلك اصفرّت الصفّرة، وواحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرّت الحمرة، وواحد منها أبيض فمن أجل ذلك ابيضّ البياض، والباقي على سائر عدد الخلق من النّور والألوان، في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضّة.

ثمّ عرج به إلى السّماء، فنفرت(٨) الملائكة إلى أطراف السّماء وخرّت سجّدا، وقالت: سبّوح قدوّس، ما أشبه هذا النّور بنور ربّنا؟ فقال جبرئيل: الله أكبر، الله أكبر.

ثمّ فتحت أبواب السّماء واجتمعت الملائكة، فسلّمت على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ

__________________

(١) فاطر / ١٠.

(٢) ليس في أ.

(٣) الكافي ٣ / ٤٨٧، ح ٢.

(٤) نفس المصدر ٣ / ٤٨٢ ـ ٤٨٦، ح ١.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ترى.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: ممّا ذا.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فنفرت به.


أفواجا، وقالت: يا محمّد، كيف أخوك؟ إذا نزلت فأقرئه السّلام.

قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أفتعرفونه؟

قالوا: وكيف لا نعرفه وقد أخذ ميثاقك وميثاقه(١) وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنّا لنتصفّح وجوه شيعته كلّ يوم وليلة خمسا ـ يعنون: في كلّ وقت صلاة ـ، وإنّا لنصلّي عليك وعليه.

[قال :](٢) ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور لا تشبه(٣) النور الأوّل، وزادني حلقا وسلاسل.

وعرج بي إلى السّماء الثّانية، فلمّا قربت من باب السّماء الثّانية نفرت الملائكة إلى أطراف السّماء وخرّت سجدّا، وقالت: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرّوح، ما أشبه هذا النّور بنور ربّنا؟ فقال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: أشهد أن لا إله إلّا الله(٤) .

فاجتمعت الملائكة وقالت: يا جبرئيل، من هذا معك؟

قال: هذا محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

قالوا: وقد بعث؟

قال: نعم.

قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [فخرجوا](٥) إليّ شبه المعانيق(٦) فسلّموا عليّ، وقالوا: اقرأ أخاك السّلام.

فقلت: أتعرفونه؟

قالوا: وكيف لا نعرفه وقد أخذ ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنّا لنتصفّح وجوه شيعته في كلّ يوم وليلة خمسا، يعنون: في كلّ وقت صلاة.

قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور، لا تشبه(٧) الأنوار الأولى.

ثمّ عرج بي إلى السّماء الثّالثة، فنفرت الملائكة وحزّت سجّدا، وقالت: سبّوح

__________________

(١) المصدر: وميثاقه منّا.

(٢) من المصدر مع المعقوفتين.

(٣) المصدر: يشبه.

(٤) الأظهر أن يكرّر القول، كما كرّر في «الله أكبر» وسيكرّر في الباقيات.

(٥) من المصدر.

(٦) المعانيق: جمع المعناق: الفرس الجيّد العنق، وهو ضرب من السّير للدّابّة والإبل. وقولهم: انطلقنا إلى النّاس معانيق، أي: مسرعين.

(٧) ب: لا تشتبه.


قدّوس [ربّنا و](١) ربّ الملائكة والرّوح، ما هذا النّور الّذي يشبه نور ربّنا؟ فقال جبرئيل: أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله. فاجتمعت الملائكة وقالت: مرحبا بالأوّل، ومرحبا بالآخر(٢) ، ومرحبا بالحاشر، ومرحبا بالنّاشر، محمّد خير النّبيّين وعليّ خير الوصيّين.

قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ثمّ سلّموا عليّ، وسألوني عن أخي.

قلت: هو في الأرض، أفتعرفونه؟

قالوا: وكيف لا نعرفه وقد نحجّ البيت المعمور كلّ سنة، وعليه رقّ(٣) أبيض فيه اسم محمّد واسم عليّ والحسن والحسين والأئمّة ـ عليهم السّلام ـ وشيعتهم إلى يوم القيامة، وإنّا لنبارك عليهم في كلّ يوم وليلة خمسا، يعنون به: في وقت كلّ صلاة، ويمسحون رؤوسهم بأيديهم.

قال: ثمّ زادني ربّي أربعين نوعا من أنواع النّور، لا تشبه تلك الأنوار الأول(٤) .

ثمّ عرج بي حتّى انتهيت إلى السّماء الرّابعة، فلم تقل الملائكة شيئا، وسمعت دويّا كأنّه في الصّدور، فاجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السّماء وخرجت إليّ شبه المعانيق، فقال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.

فقالت الملائكة: صوتان مقرونان معروفان.

فقال جبرئيل ـ عليه السّلام ـ: قد قامت الصّلاة، قد قامت الصّلاة.

فقالت الملائكة: هي لشيعته إلى يوم القيامة.

ثمّ اجتمعت الملائكة وقالت: كيف تركت أخاك؟

فقلت لهم: وتعرفونه؟

قالوا: نعرفه وشيعته، وهو نور حول عرش الله ـ تعالى ـ. وإنّ في البيت المعمور لرقّا من نور، فيه كتاب من نور، فيه اسم محمّد وعليّ والحسن والحسين والأئمة وشيعتهم إلى يوم القيامة لا يزيد فيهم رجل ولا ينقص منهم رجل، وإنّه لميثاقنا، وإنّه ليقرأ علينا كلّ

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «قالت: مرحبا بالأوّل والآخر ومرحبا الآخر».

(٣) الرّقّ: جلد رقيق يكتب فيه.

(٤) المصدر: الأولى.


[يوم](١) جمعة.

ثمّ قيل لي: ارفع رأسك، يا محمّد. فرفعت رأسي فإذا أطباق السّماء(٢) قد خرقت والحجب قد رفعت، ثمّ قال لي: طأطئ رأسك انظر ما ذا ترى؟ فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيت، مثل بيتكم هذا وحرم، مثل حرم هذا البيت، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلّا عليه.

فقيل لي: يا محمّد، إنّ هذا الحرم وأنت الحرام، ولكلّ مثل مثال.

ثمّ أوحى الله إليّ: يا محمّد، ادن من صاد(٣) فاغسل مساجدك وطهّرها وصلّ لربّك. فدنا رسول الله من صاد، وهو ماء يسيل من ساق(٤) العرش الأيمن، فتلقّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين.

ثمّ أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: أن اغسل وجهك فإنّك تنظر إلى عظمتي، ثمّ اغسل ذراعيك اليمنى واليسرى فإنّك تلقّى بيدك كلامي، ثمّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يديك من الماء ورجليك إلى كعبيك فإنّي أبارك عليك وأوطئك موطئا لم يطأه أحد غيرك. فهذا علّة الأذان والوضوء.

ثمّ أوحى الله ـ عزّ وجلّ إليه ـ: يا محمّد، استقبل الحجر الأسود وكبّرني على عدد حجبي. فمن أجل ذلك صار التّكبير سبعا، لأنّ الحجب سبعة(٥) .

فافتتح عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة، والحجب متطابقة فيهن بينهنّ بحار النّور، وذلك النّور الّذي أنزله(٦) الله على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرّات [لافتتاح الحجب ثلاث مرّات](٧) ، فصار التّكبير سبعا والافتتاح ثلاثا.

فلمّا فرغ من التّكبير والافتتاح أوحى الله إليه: سمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في أوّل السّورة.

ثمّ أوحى الله إليه: أن أحمدني. فلمّا قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) قال النّبيّ

__________________

(١) من المصدر.

(٢) ب: السموات.

(٣) سيأتي معناه في الحديث.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: شاق.

(٥) المصدر: سبع.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنزل.

(٧) من المصدر.


ـ صلّى الله عليه وآله ـ في نفسه: شكرا.

فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: قطعت حمدي فسمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل في الحمد(١) ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) مرّتين.

فلمّا بلغ( وَلَا الضَّالِّينَ ) قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: الحمد لله ربّ العالمين [شكرا](٢) .

فأوحى الله إليه: قطعت ذكري، فسمّ باسمي. فمن أجل ذلك جعل( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في أوّل السّورة.

ثمّ أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: اقرأ، يا محمّد، نسبة ربّك ـ تبارك وتعالى ـ:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .

ثمّ أمسك عنه الوحي، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [الواحد الأحد الصّمد.

فأوحى الله إليه:( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .

ثمّ أمسك عنه الوحي، فقال رسول الله: كذلك الله](٣) كذلك الله ربّي(٤) .

فلمّا قال ذلك، أوحى الله إليه: اركع لرّبّك، يا محمّد. فركع، فأوحى الله إليه وهو راكع: قل: سبحان ربّي العظيم [وبحمده](٥) . ففعل ذلك ثلاثا.

ثمّ أوحى [الله](٦) إليه: ارفع رأسك، يا محمّد. ففعل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقام منتصبا، فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: اسجد لربّك، يا محمّد. فخرّ رسول الله ساجدا، فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: قل: سبحان ربّي الأعلى [وبحمده](٧) . ففعل ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذلك ثلاثا.

ثمّ أوحى [الله](٨) إليه استو جالسا [يا محمّد](٩) . ففعل، فلمّا رفع رأسه من سجوده واستوى جالسا نظر إلى عظمته(١٠) ، تجلّت له، فخرّ ساجدا من تلقاء نفسه، لا لأمر

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحمد لله.

(٢) من المصدر.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: كذلك [الله] ربّنا.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) من المصدر.

(٧) ليس في المصدر.

(٨ و ٩) من المصدر.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: عظمة.


ربّه(١) ، فسبّح الله(٢) ثلاثا، فأوحى الله إليه: انتصب قائما. ففعل فلم يرما كان رأى من العظمة، فمن أجل ذلك صارت الصّلاة ركعة وسجدتين.

ثمّ أوحى [الله](٣) إليه: اقرأ( الْحَمْدُ ) (٤) ( لِلَّهِ ) . فقرأها مثلما قرأ أوّلا. ثمّ أوحى [الله](٥) إليه: اقرأ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ ) فإنّها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة. وفعل في الرّكوع [مثل](٦) ما فعل في المرّة الأولى، ثمّ سجد سجدة واحدة، فلمّا رفع رأسه تجلّت له العظمة فخرّ ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر ربّه(٧) ، فسبّح أيضا.

ثمّ أوحى الله إليه: ارفع رأسك، يا محمّد، ثبّتك ربّك. فلمّا ذهب ليقوم قيل: يا محمّد، اجلس. فجلس، فأوحى الله إليه: يا محمّد، إذا ما أنعمت عليك فسمّ باسمي.

فألهم أن قال: بسم الله وبالله ولا إله إلّا الله والأسماء الحسنى كلّها لله.

ثمّ أوحى الله إليه: يا محمّد، صلّ على نفسك وعلى أهل بيتك. فقال: صلّى الله عليّ وعلى أهل بيتي وقد فعل.

ثمّ التفت فإذا بصفوف الملائكة والمرسلين والنّبيّين، فقيل: يا محمّد، سلّم عليهم. فقال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: إنّ السّلام والتّحيّة والرّحمة والبركات أنت وذرّيّتك.

ثمّ أوحى الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه: أن لا يلتفت يسارا. وأوّل آية سمعها بعد( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) و( إِنَّا أَنْزَلْناهُ ) آية أصحاب اليمين وأصحاب الشّمال، فمن أجل ذلك كان السّلام واحد تجاه القبلة، ومن أجل ذلك كان التّكبير في السّجود شكرا.

وقوله: «سمع الله لمن حمده» لأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ سمع ضجّة الملائكة بالتّسبيح والتّحمد والتّهليل، فمن أجل ذلك قال: سمع الله لمن حمده. ومن أجل ذلك صارت الرّكعتان الأوليان كلّما أحدث فيهما حدثا كان على صاحبهما إعادتهما. فهذا الفرض الأوّل في صلاة الزّوال، يعني: صلاة الظّهر.

وفي كتاب علل الشّرائع(٨) ، بإسناده إلى ابن عبّاس قال: دخلت عائشة على

__________________

(١) المصدر: لا لأمر أمر به.

(٢) المصدر: أيضا.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: بالحمد.

(٥ و ٦) من المصدر.

(٧) المصدر: لا لأمر أمر به.

(٨) العلل ١ / ١٨٤، ح ٢.


رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يقبّل فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

فقال له: أتحبّها، يا رسول الله؟

قال: أما ـ والله ـ لو علمت حبّي لها، لازددت لها حبّا، إنّه لـمّـا عرج بي إلى السّماء الرّابعة أذّن جبرئيل وأقام ميكائيل، ثمّ قيل لي: ادن(١) ، يا محمّد.

فقلت: أتقدّم وأنت بحضرتي، يا جبرئيل؟

قال: نعم، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلك أنت خاصّة.

فدنوت فصلّيت بأهل السّماء الرّابعة، ثمّ التفتّ عن يميني فإذا أنا بإبراهيم ـ عليه السّلام ـ في روضة من رياض الجنّة وقد اكتنفها جماعة من الملائكة.

[ثمّ](٢) إنّي صرت إلى السّماء الخامسة ومنها إلى السّماء(٣) السّادسة، فنوديت: يا محمّد، نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك عليّ. فلمّا صرت إلى الحجب أخذ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ بيدي فأدخلني الجنّة، فإذا [أنا](٤) بشجرة من نور في(٥) أصلها ملكان يطويان الحلل والحلّي.

فقلت: حبيبي جبرئيل، لمن هذه الشّجرة؟

قال: هذه لأخيك عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. وهذا الملكان يطويان له الحلّي والحلل](٦) إلى يوم القيامة.

ثمّ تقدّمت أمامي فإذا أنا(٧) برطب ألين من الزّبد وأطيب رائحة من المسك وأحلى من العسل، فأخذت رطبة منها فأكلتها فتحوّلت الرّطبة نطفة في صلبي. فلمّا أن هبطت إلى الأرض، واقعت خديجة، فحملت بفاطمة ـ عليها السّلام ـ. ففاطمة حوراء إنسيّة، فإذا اشتقت إلى الجنّة، شممت رائحة فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

وبإسناده(٨) إلى هشام بن سالم: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا اسري برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وحضرت الصّلاة أذّن جبرئيل وأقام الصّلاة، فقال :

__________________

(١) المصدر: اذن.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) من المصدر.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) ليس في ب.

(٧) ليس في أ، ب، ر.

(٨) نفس المصدر / ٨، ح ٤.


تقدم، يا محمّد.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: تقدّم، يا جبرئيل.

فقال له: إنّا لا نتقدم على الآدميين منذ أمرنا بالسجود لآدم ـ عليه السّلام ـ.

وبإسناده(١) إلى هشام بن الحكم: عن أبي الحسن موسى ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: لأيّ علّة صار التّكبير في الافتتاح سبع تكبيرات أفضل، ولأيّ علّة يقال في الرّكوع: سبحان ربّي العظيم وبحمده، ويقال في السّجود: سبحان ربّي الأعلى وبحمده؟

قال: يا هشام، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق السّماوات سبعا والأرضين سبعا والحجب سبعا. فلمّا اسري بالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه، فكبّر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وجعل يقول الكلمات الّتي تقال في الافتتاح. فلمّا رفع له الثّاني كبّر، فلم يزل كذلك حتى بلغ سبع حجب وكبّر سبع تكبيرات، فلتلك العلّة تكبير الافتتاح(٢) في الصّلاة سبع تكبيرات. فلمّا ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه فابترك على ركبتيه، وأخذ يقول: سبحان ربّي العظيم وبحمده. فلمّا اعتدل من ركوعه قائما نظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خرّ على وجهه، وهو يقول(٣) : سبحان ربّي الأعلى وبحمده.

فلمّا قال سبع مرّات سكن ذلك الرّعب، فلذلك جرت به السّنّة.

وبإسناده(٤) إلى إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن، موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ: كيف صارت الصّلاة ركعة وسجدتين، وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين؟

فقال: إذا سألت عن شيء ففرّغ قلبك لتفهم، إنّ أوّل صلاة صلّاها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إنّما صلاها في السّماء بين يدي الله ـ تبارك وتعالى ـ قدّام عرشه ـ جلّ جلاله ـ. وذلك أنّه لـمّـا اسري به وصار عند عرشه ـ تبارك وتعالى ـ [فتجلّى له عن وجهه

__________________

(١) نفس المصدر ٢ / ٣٣٢ ـ ٣٣٣، ح ٤.

(٢) كذا في ب. وفي غيرها: «فلذلك العلّة تكبير الافتتاح». وفي المصدر: «... يكبّر في الافتتاح».

(٣) المصدر: وجعل يقول.

(٤) نفس المصدر / ٣٣٤ ـ ٣٣٥، ح ١.


حتّى رآه بعينه](١) قال: يا محمّد، ادن من صاد(٢) فاغسل مساجدك وطهّرها وصلّ لرّبّك.

فدنا رسول الله إلى حيث أمره الله ـ تبارك وتعالى ـ فتوضّأ وأسبغ(٣) وضوءه، ثمّ استقبل الجبّار ـ تبارك وتعالى ـ قائما فأمره بافتتاح الصّلاة فقال: يا محمّد، اقرأ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (إلى آخرها). ففعل ذلك، ثمّ أمره أن يقرأ نسبة ربّه ـ تبارك وتعالى ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ ) [ثمّ أمسك عنه(٤) القول.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ ) .

فقال: قل :](٥) ( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) . فأمسك عنه القول.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: كذلك الله ربّي، كذلك الله ربّي، [كذلك الله ربّي](٦) .

فلمّا قال ذلك قال: اركع، يا محمّد لربّك. فركع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال له وهو راكع: [قل :](٧) سبحان ربّي العظيم وبحمده. ففعل ذلك ثلاثا، ثمّ قال: ارفع رأسك، يا محمّد. ففعل(٨) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [فقام منتصبا](٩) بين يدي الله ـ عزّ وجلّ ـ.

فقال: اسجد، يا محمّد، لرّبّك. فخرّ رسول الله ساجدا، فقال: سبحان ربّي الأعلى وبحمده. ففعل ذلك رسول الله ثلاثا، فقال له: استو جالسا، يا محمّد. ففعل، فلمّا استوي [جالسا](١٠) ذكر جلال(١١) ربّه ـ جلّ جلاله ـ فخرّ رسول الله ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر(١٢) ربّه ـ عزّ وجلّ ـ، فسبّح ـ أيضا ـ ثلاثا.

فقال: انتصب قائما. ففعل فلم يرما كان رأى من عظمة ربّه ـ جلّ جلاله ـ.

فقال له: اقرأ، يا محمّد، وافعل كما فعلت في الرّكعة الأولى. ففعل ذلك رسول الله ثمّ

__________________

(١) من المصدر.

(٢) مرّ في حديث الكافي معناه. وسيأتي في آخر هذا الحديث أيضا.

(٣) أسبغ فلان وضوءه: أبلغه مواضعه، ووفى كلّ عضو حقّه.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: في.

(٥ و ٦) ليس في ب.

(٧) من المصدر.

(٨) المصدر: ففعل ذلك.

(٩ و ١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: جلاله. (١٢) المصدر: لأمر أمره.


سجد سجدة واحدة، فلمّا رفع رأسه ذكر جلالة ربه ـ تبارك وتعالى ـ الثّانية فخرّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر(١) ربّه ـ عزّ وجلّ ـ، فسبّح ـ أيضا ـ.

ثمّ قال له: ارفع رأسك، ثبّتك الله، واشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، أللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وترحّم على محمّد(٢) وآل محمّد، كما صلّيت وباركت وترحّمت [ومننت](٣) على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، أللّهمّ تقبّل شفاعته [في أمّته](٤) وارفع درجته.

ففعل، فقال: [سلّم](٥) يا محمّد، و(٦) استقبل. [فاستقبل](٧) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ربّه ـ تبارك وتعالى ـ مطرقا، فقال: السّلام [عليك](٨) . فأجابه الجبّار ـ جلّ جلاله ـ فقال: وعليك السّلام، يا محمّد، بنعمتي قوّيتك على طاعتي وبعصمتي إيّاك اتّخذتك نبيّا وحبّيبا.

ثمّ قال أبو الحسن ـ عليه السّلام ـ: وإنّما كانت الصّلاة الّتي امر بها ركعتين وسجدتين، وهو ـ صلّى الله عليه وآله ـ إنّما سجد سجدتين في كلّ ركعة عمّا أخبرتك من تذكّره(٩) [لعظمة](١٠) ربّه ـ تبارك وتعالى ـ فجعله الله ـ عزّ وجلّ ـ فرضا.

قلت: جعلت فداك، وما «صاد»(١١) الّذي امر أن يغتسل(١٢) منه؟

فقال: عين تنفجر(١٣) من ركن من أركان العرش يقال له: ماء الحياة، وهو ما قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) . إنّما أمره أن يتوضّأ ويقرأ ويصلّي.

أبي(١٤) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا محمّد بن يحيى(١٥) العطّار، عن محمّد بن الحسن الصّفّار ولم يحفظ إسناده قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء سقط [قطرة](١٦) من عرقي فنبت منه الورد فوقع في البحر، فذهب السّمك(١٧) ليأخذها وذهب

__________________

(١) المصدر: لأمر أمره.

(٢) المصدر: وارحم محمّدا.

(٣) من المصدر.

(٤ و ٥) من المصدر.

(٦) ليس في المصدر.

(٧ و ٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: تذكّرت. (١٠) ليس في المصدر.

(١١) كذا في أ، ب، ر. وفي غيرها: ص. (١٢) المصدر: يغسل. (١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتفجّر.

(١٤) العلل / ٦٠١، ح ٥٨. (١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: حدّثنا الحسين بن محمّد. (١٦) من المصدر.

(١٧) ليس في ب.


الدّعموص(١) ليأخذها، فقالت السّمكة: هي لي. وقال الدّعموص(٢) : هي لي. فبعث الله ـ عزّ وجلّ ـ إليهما ملكا ليحكم بينهما، فجعل نصفها للسّمكة ونصفها للدّعموص(٣) .

وفي عيون الأخبار(٤) : حدّثني محمّد [بن إبراهيم بن إسحاق الطّالقانيّ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا محمّد بن](٥) همّام(٦) قال: حدّثنا أحمد بن بندار قال: حدّثنا أحمد بن هلال، عن محمّد بن أبي عمير، عن المفضّل بن عمر، عن الصّادق، جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله: لـمّـا اسري بي إلى السّماء أوحى إليّ ربّي ـ جلّ جلاله ـ فقال: يا محمّد، إنّي اطّلعت على(٧) الأرض اطّلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيّا وشققت لك من اسمي اسما فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت ثانية فاخترت منها عليّا وجعلته وصيّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذرّيّتك وشققت له اسما من أسمائي فأنا العليّ الأعلى وهو عليّ، وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نور كما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقرّبين.

يا محمّد، لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع ويصير كالشّنّ البالي(٨) ، ثمّ أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنّتي ولا أظللته(٩) تحت عرشي.

يا محمّد، أتحبّ أن تراهم؟

قلت: نعم، يا ربّ.

فقال ـ عزّ وجلّ ـ: ارفع رأسك.

فرفعت رأسي، فإذا أنا بأنوار عليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والحجّة بن الحسن القائم في وسطهم، كأنّه كوكب درّيّ.

قلت: يا ربّ، من هؤلاء؟

__________________

(١ و ٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الدّغموس.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: للدغموس.

(٤) العيون ١ / ٤٧، ح ٢٧.

(٥) لا يوجد في أ، ب، ر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: هشام.

(٧) كذا في ب. وفي غيرها والمصدر: إلى.

(٨) الشّنّ البالي: القربة الخلقة.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أظلته.


قال: هؤلاء الأئمّة، وهذا القائم الّذي يحلّ(١) حلالي ويحرّم حرامي، وبه أنتقم من أعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الّذي يشفي قلوب شيعتك من الظّالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللّات والعزّى طريّين(٢) فيحرقهما، فلفتنة النّاس بهما يومئذ أشدّ من فتنة العجل والسّامريّ.

وبإسناده(٣) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ قال: قلت لعليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ: يا ابن رسول الله، أخبرني عن الجنّة والنّار أهما اليوم(٤) مخلوقتان؟

فقال: نعم، وأنّ رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النّار لـمّـا عرج به إلى السّماء.

قال: فقلت له: إنّ قوما يقولون: إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.

فقال: ـ عليه السّلام ـ: لا هم منّا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنّار، فقد كذّب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ [وكذّبنا](٥) وليس من ولايتنا(٦) على شيء ويخلّد في نار جهنّم، قال الله(٧) ـ تعالى ـ:( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) . وقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا عرج بي إلى السّماء أخذ بيدي جبرئيل فأدخلني الجنّة، فناولني من رطبها فأكلته فتحوّل ذلك نطفة في صلبي، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ـ عليها السّلام ـ. ففاطمة حوريّة(٨) إنسيّة، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة، شممت رائحة(٩) ابنتي فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

وبإسناده(١٠) إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ: عن محمّد بن عليّ الرّضا، عن أبيه، الرّضا، عن أبيه، موسى بن جعفر، عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين، عن أبيه، الحسين بن عليّ، عن أبيه، أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب](١١) ـ عليهم السّلام ـ قال: دخلت أنا وفاطمة على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فوجدته يبكي بكاء شديدا.

__________________

(١) المصدر: يحلّل.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: طويين.

(٣) نفس المصدر ١ / ٩٤، ح ٣.

(٤) ليس في ب.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولايتهم.

(٧) الرحمن / ٤٣ ـ ٤٤.

(٨) المصدر: حوراء.

(٩) ليس في أ، ب.

(١٠) نفس المصدر ٢ / ٩ ـ ١١.

(١١) ليس في ب.


فقلت: فداك أبى وأمى، يا رسول الله، ما يبكيك(١) ؟

فقال: يا علىُّ، ليلة أُسري بى إلى السماء رأيت نساءً من أمتى في عذاب شديد، فأنكرت شأنهنّ فبكيت لما رأيت من شدّة عذابهنّ، ورأيت إمرأة معلّقة بشعرها يغلى دماغ رأسها، ورأيت إمرأة معلّقة بلسانها والحميم يصبّ(٢) في حلقها، ورأيت إمرأة معلّقة بثدييها، ورأيت إمرأة تأكل [لحم](٣) جسدها والنّار توقد من تحتها، ورأيت إمرأة قد شدّ رجلاها إلى يديها وقد سلّط عليها الحيات والعقاب، ورأيت إمرأة صمّاء عمياء خرساء في تابوت من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها وبدنها متقطّع(٤) من الجذام والبرص، ورأيت إمرأة معلّقة برجلها [في تنّور](٥) من نار، ورأيت إمرأة يقطّع لحم جسدها من مقدّمها ومؤخّرها بمقاريض من نار، ورأيت إمرأة يحرق وجهها ويداها وهي تأكل أمعاءها، ورأيت إمرأة رأسها رأس الخنزير وبدنها بدن الحمار عليها ألف ألف لون من العذاب، ورأيت إمرأة على صورة الكلب والنّار تدخل في دبرها وتخرج من فمها، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار.

قالت فاطمة ـ عليها السّلام ـ: حبيبي وقرّة عينى، أخبرنى ما كان عملهنّ وسيرتهنّ حتّى وضع الله عليهنّ هذا العذاب؟

فقال: يا بنتي، أمّا المعلّقه بشعرها، فإنّها كانت لا تغطّى شعرها من الرجال.

وأمّا المعلّقه بلسانها، فإنّها كانت تؤذى زوجها. وأمّا المعلّقه بثدييها، فإنّها كانت تمنع زوجها من فراشها(٦) . وأمّا المعلّقه برجليها، فإنّها كانت(٧) تخرج من بيتها بغير إذن زوجها.

وأما الّتى كانت تأكل لحم جسدها، فإنّها كانت تزيّن بدنها للناس. وأمّا الّتى شدّ يداها إلى رجليها وسلّط عليها الحيّات والعقارب، فإنّها كانت قذرة الوضوء قذرة الثّياب وكانت لا تغتسل من الجنابة والحيض ولا تتنظّف وكانت تستهين بالصّلاة. وامّا الصّمّاء الخرساء العمياء، فإنّها كانت تلد من الزّنا فتعلّقه في عنق زوجها. وأمّا الّتى كانت

__________________

(١) المصدر: ما الّذي أبكاك.

(٢) كذا في المصدر. ولا يوجد في أ، ب، ر مكانها كلمة. وفي سائر النسخ: يصير.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ويديها منقطع» بدل: «بدنها متقطّع».

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: تمتنع من فراش زوجها.

(٧) من ب.


تقرض(١) لحمها بالمقاريض، فإنها كانت تعرض نفسها على الرّجال. وأمّا الّتي كانت يحرق وجهها وبدنها وهي تأكل أمعاءها، فإنّها كانت قوّادة. وأمّا الّتي كان رأسها رأس الخنزير وبدنها بدن الحمار، فإنّها كانت نمّامة كذّابة. وأمّا الّتي كانت على صورة الكلب والنّار تدخل في دبرها وتخرج من فيها، فإنّها كانت قينة(٢) نوّاحة(٣) حاسدة.

ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ: ويل لامرأة أغضبت زوجها وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها.

وبإسناده(٤) إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء أخذ جبرئيل بيدي وأقعدني على درنوك(٥) من درانيك الجنّة، ثمّ ناولني سفرجلة فأنا أقلّبها(٦) إذا انفلقت فخرجت منها جارية حوراء لم أر أحسن منها.

فقالت: السّلام عليك، يا محمّد.

قلت: من أنت؟

قالت: أنا الرّاضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أصناف: أسفلي من مسك، ووسطي من كافور، وأعلاي من عنبر، وعجنني(٧) من ماء الحيوان، وقال لي الجبّار: كوني. فكنت. [خلقني لأخيك وابن عمّك عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ](٨) .

وبإسناده(٩) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء، رأيت في السّماء الثّالثة رجلا قاعدا رجل له(١٠) في المشرق ورجل له في المغرب، وبيده لوح ينظر فيه ويحرّك رأسه.

فقلت: يا جبرئيل، من هذا؟

قال: [هذا](١١) ملك الموت.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وامّا الّتي يقرض.

(٢) القينة: المغنّية.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بوجه.

(٤) العيون ٢ / ٢٥ ـ ٢٦، ح ٧.

(٥) الدّرنوك: ما له خمل من بساط أو ثوب.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ثمّ ناولني سفرجلة أقليها.

(٧) أ، ب: عجيني.

(٨) من المصدر.

(٩) نفس المصدر / ٣١، ح ٤٨.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: رجلا قائما رجلا له.

(١١) من المصدر.


وفي كتاب الخصال(١) : عن أبي الحسن، الرّضا ـ عليه السّلام ـ [عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ](٢) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء، رأيت رحما معلّقة(٣) بالعرش تشكو رحما إلى ربّها.

فقلت لها: كم بينك(٤) وبينها من أب؟

قالت: نلتقي(٥) في أربعين أبا.

وفي كتاب ثواب الأعمال(٦) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ، إنّي رأيت اسمك مقرونا إلى اسمي في أربعة مواطن فأنست بالنّظر إليه، إنّي لـمّـا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السّماء وجدت على الصّخرة مكتوبا: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره.

فقلت لجبرئيل: من وزيري؟

قال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدت مكتوبا عليها: «إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره [ونصرته بوزيره](٧) ».

فقلت لجبرئيل: من وزيري؟

فقال: عليّ بن أبي طالب.

فلمّا جاوزت السّدرة، انتهيت إلى عرش ربّ العالمين ـ جلّ جلاله ـ فوجدت مكتوبا على قوائمه: «أنا الله لا إله إلّا أنا وحدي، محمّد حبيبي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره».

[فلمّا رفعت رأسي نظرت على بطنان العرش مكتوبا: «أنا الله لا إله إلّا أنا، محمّد عبدي ورسولي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره»](٨) .

عن ابن صالح(٩) ، عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ

__________________

(١) الخصال / ٥٤٠، ح ١٣.

(٢) من المصدر.

(٣) ر، المصدر: متعلّقة.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بينها.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يلتقي.

(٦) نور الثقلين ٣ / ١٢٢، ح ٣١ في تفسير القمّي ٢ / ٣٣٦ قريب منه.

(٧ و ٨) ليس في ب.

(٩) نور الثقلين ٣ / ١٢٣، ح ٣٢. وقريب منه في تفسير القمّي ٢ / ٣٣٦.


يقول: أعطاني الله ـ تبارك وتعالى ـ خمسا، وأعطى عليّا خمسا، أسري بي إليه، وفتح له أبواب السّماء حتّى نظر إلى ما نظرت إليه.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(١) ، بإسناده إلى وهب بن منبّه، رفعه عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا عرج [بي إلى](٢) ربّي ـ جلّ جلاله ـ أتاني النّداء: يا محمّد.

قلت: لبّيك، ربّ العظمة، لبّيك.

فأوحى الله إليّ: يا محمّد، فيم اختصم في الملأ الأعلى؟

فقلت: لا علم لي، إلهي.

فقال: يا محمّد، هلّا اتّخذت من الآدميّين وزيرا وأخا ووصيّا من بعدك؟

قلت: إلهي، ومن أتّخذ؟

تخيّر أنت لي، يا إلهي.

فأوحى الله إليّ: يا محمّد، قد اخترت لك من الآدميّين عليّ بن أبي طالب.

فقلت: إلهي، ابن عمّي؟

فأوحى الله إليّ: يا محمّد، إنّ عليّا وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك، لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي من ورد عليه من مؤمني أمّتك.

ثمّ أوحى الله إليّ: يا محمّد، إنّي قد أقسمت على نفسي قسما حقّا لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك ولأهل بيتك وذرّيّتك الطّيّبين الطّاهرين، حقّا حقّا(٣) أقول، يا محمّد، لأدخلنّ جميع أمّتك الجنّة إلّا من أبي من خلقي.

فقلت: إلهي، هل واحد يأبى من دخول الجنّة؟

فأوحى الله إليّ: بلى.

فقلت: وكيف يأبى؟

فأوحى الله إليّ: يا محمّد، اخترتك من خلقي واخترت لك وصيّا من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدك، وألقيت محبّته في قلبك، وجعلته أبا لولدك، فحقّه بعدك على أمّتك، كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه، فقد

__________________

(١) كمال الدّين / ٢٥٠ ـ ٢٥٢، ح ١.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في المصدر.


جحد حقّك، ومن أبى أن [يواليه، فقد أبى أن](١) يواليك، [ومن أبى أن يواليك](٢) ، فقد أبى أن يدخل الجنّة.

فخررت لله ـ عزّ وجلّ ـ ساجدا(٣) ، شكرا لما أنعم [عليّ](٤) فإذا مناد(٥) ينادي: ارفع [يا محمّد](٦) رأسك، واسألني أعطك.

فقلت: إلهي، اجمع أمّتي من بعدي على ولاية عليّ بن أبي طالب ليردوا جميعا على حوضي يوم القيامة.

فأوحى الله إليّ: يا محمّد، إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم وقضائي ماض فيهم، لأهلك به من أشاء وأهدي به من أشاء، وقد آتيته علمك من بعدك، وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك وأمّتك، عزيمة منّي [لأدخل الجنّة من أحبّه و](٧) لا ادخل الجنّة من أبغضه وعاداه وأنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك ومن أبغضك أبغضني، ومن عاداه فقد عاداك(٨) ومن عاداك فقد عاداني، ومن أحبّه فقد أحبّك ومن أحبّك فقد أحبّني، وقد جعلت له هذه الفضيلة، وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهديّا كلّهم من ذرّيّتك، من البكر(٩) البتول وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلا، كما ملئت منهم ظلما وجورا، أنجي به من الهلكة وأهدي به من الضّلالة وأبرئ به من العمى وأشفي به المريض.

فقلت: إلهي و [سيّدي](١٠) متى يكون ذلك؟

فأوحى الله إليّ ـ عزّ وجلّ ـ: يكون ذلك إذا رفع العلم وظهر الجهل، وكثر القرّاء وقلّ العمل، وكثر القتل، وقلّ فقهاء الهادين(١١) وكثر فقهاء الضّلالة والخونة، وكثر الشّعراء، واتّخذ أمتّك قبورهم(١٢) مساجد، وحلّيت المصاحف وزخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمر أمّتك به ونهوا عن المعروف، واكتفى الرّجال بالرّجال

__________________

(١ و ٢) ليس في ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ساجدا لله.

(٤) من المصدر.

(٥) المصدر: مناديا.

(٦) من المصدر.

(٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: عادك.

(٩) أ، ب: أب؟؟ ك.

(١٠) من المصدر.

(١١) المصدر: الهادون.

(١٢) أ، ب: بيوتهم.


والنّساء بالنّساء، وصارت الأمراء كفرة وأولياؤهم فجرة وأعوانهم ظلمة وذووا الرّأي(١) منهم فسقة، وعند ذلك ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب(٢) . وخراب البصرة بيد(٣) رجل من ذرّيّتك يتبعه الزّنوج، وخروج رجل من ولد الحسين بن عليّ، وخروج(٤) الدّجال يخرج بالمشرق من سجستان، وظهور السّفيانيّ.

فقلت: إلهي، ومتى يكون بعدي من الفتن؟

فأوحى الله إليّ وأخبرني ببلاء بني أميّة، وفتنة ولد عمّي العبّاس(٥) ، وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.

فأوصيت(٦) بذلك ابن عمّي حين هبطت إلى الأرض، وأدّيت الرّسالة والحمد لله على ذلك، كما حمده النّبيّون، وكما حمده كلّ شيء(٧) قبلي، وما هو خالقه إلى يوم القيامة.

وبإسناده(٨) إلى عبد السّلام بن الصّالح الهرويّ: عن عليّ بن موسى الرّضا، عن آبائه، عن عليّ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول ـ صلّى الله عليه وآله ـ في آخره: وإنّه لـمّـا عرج بيّ إلى السّماء، أذّن جبرئيل مثنى مثنى [وأقام مثنى مثنى](٩) ، ثمّ قال: تقدّم [يا محمّد](١٠) .

فقلت: يا جبرئيل، أتقدّم عليك؟

قال: نعم، لأنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فضّل أنبياءه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصّة.

فتقدّمت وصلّيت بهم ولا فخر. فلمّا انتهينا(١١) إلى حجب النّور قال لي جبرئيل: تقدّم، يا محمّد. [وتحلّف عنّي.

فقلت: يا جبرئيل، في مثل هذا الموضع تفارقني!؟

__________________

(١) المصدر: ذوي الرأي.

(٢) ب: المغرب.

(٣) المصدر: على يد.

(٤) المصدر: ظهور.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأوحيت.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: نبي.

(٨) كمال الدّين / ٢٥٤ ـ ٢٥٦، ح ٤.

(٩ و ١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: انتهيت.


فقال: يا محمّد ،](١) إنّ هذا انتهاء حدّي الّذي وضعه الله لي في هذا المكان، فإن تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدّي حدود ربّي ـ جلّ جلاله ـ.

فزّج بي زجّة(٢) في النّور حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء الله ـ عزّ وجلّ ـ من ملكوته، [فنوديت: يا محمّد.

فقلت: لبّيك ربّي وسعديك، تباركت وتعاليت](٣) .

فنوديت: يا محمّد، أنت عبدي وأنا ربّك، فإيّاي فاعبد وعليّ فتوكّل، فإنّك نوري(٤) في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجّتي في بريّتي(٥) ، لمن اتّبعك(٦) خلقت جنّتي ولمن [عصاك و](٧) خالفك خلقت ناري، ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتك أوجبت ثوابي.

فقلت: يا ربّ، ومن أوصيائي؟

فنوديت: يا محمّد، أوصياؤك(٨) المكتوبون على ساق العرش.

فنظرت ـ وأنا بين يدي ربّي ـ إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نورا، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيّائي، أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمّتي، فقلت: يا ربّ، أهؤلاء أوصيائي من بعدي؟

فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحججي بعدك على بريّتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزّتي وجلالي، لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهّرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرّياح، ولأذلّلنّ له الرّقاب الصّعاب، ولأرقينّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي ولأمدّنّه بملائكتي حتّى تعلو(٩) دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه ولأداولنّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: فزخّ بي زخّة. وزجّ بالشيء، وزخّ به: رمى به.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: تؤدي.

(٥) ب: ديني.

(٦) المصدر: تبعك.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) المصدر: [إنّ] أوصياءك.

(٩) المصدر: يعلن.


وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وسأل محمّد بن عمران أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال: لأيّ علّة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة، وسائر الصّلوات الظّهر والعصر لا يجهر فيهما؟ ولأيّ علّة صار التّسبيح في الرّكعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟

قال: لأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا اسري به إلى السّماء كان أوّل صلاة فرض الله(٢) عليه الظّهر يوم الجمعة، فأضاف الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه الملائكة تصلّي خلفه، وأمر نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يجهر بالقراءة ليبيّن(٣) لهم فضله.

ثمّ فرض [الله](٤) عليه العصر، ولم يضيف إليه أحدا من الملائكة، وأمره أن يخفي القراءة لأنّه لم يكن وراءه أحد.

ثمّ فرض عليه المغرب، وأضاف إليه الملائكة، فأمره بالإجهار، وكذلك العشاء الآخرة.

فلمّا كان قرب الفجر، نزل ففرض(٥) الله عليه الفجر، فأمره بالإجهار ليبيّن للنّاس فضله، كما بيّن للملائكة، فلهذه العلّة يجهر فيها.

وصار التّسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين، لأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله ـ عزّ وجلّ ـ فدهش فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر. فلذلك صار التّسبيح أفضل من القراءة.

وفي كتاب معاني الأخبار(٦) ، بإسناده إلى أنس قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا عرج بي إلى السّماء، إذا أنا بأسطوانة أصلها من فضّة بيضاء، ووسطها من ياقوت وزبرجد، وأعلاها من ذهبة حمراء.

فقلت: يا جبرئيل، ما هذه؟

فقال: هذا دينك أبيض واضح مضيء.

قلت: وما هذه وسطها؟

__________________

(١) الفقيه ١ / ٢٠٢، ح ٩٢٥.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان أوّل صلاتهم فرضها الله.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وليبّن.

(٤) من المصدر.

(٥) المصدر: فافترض.

(٦) المعاني / ١١٣، ح ١.


قال: الجهاد.

قلت: فما هذه الذّهبة الحمراء؟

قال: الهجرة، وكذلك(١) علا إيمان عليّ ـ عليه السّلام ـ على إيمان كلّ مؤمن.

وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا عرج برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ انتهى به جبرئيل ـ عليه السّلام ـ إلى مكان فخلّى عنه.

فقال له: يا جبرئيل، أتخلّيني على هذه الحال؟

فقال: امض(٣) ، [فو الله](٤) لقد وطئت مكانا ما وطأه بشر، وما مشي فيه بشر قبلك.

عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ، عن أبي جعفر الثّاني، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الله خلق الإسلام فجعل له عرصة، وجعل له نورا، وجعل له حصنا، وجعل له ناصرا.

فأمّا عرصته، فالقرآن. وأمّا نوره، فالحكمة. وأمّا حصنه، فالمعروف. وأمّا أنصاره، فأنا وأهل بيتي وشيعتنا. فأحبّوا(٦) أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم، فانّه لـمّـا أسري بي إلى السّماء الدّنيا فنسبني جبرئيل لأهل السّماء، استودع الله حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم في قلوب الملائكة، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة. ثمّ هبط بي إلى الأرض(٧) فنسبني إلى أهل الأرض، فاستودع [الله](٨) ـ عزّ وجلّ ـ حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب مؤمني أمّتي، فمؤمنو(٩) أمّتي يحفظون وديعتي [في أهل بيتي](١٠) إلى يوم القيامة. ألا فلو أنّ رجلا من أمّتي عبد الله ـ عزّ وجلّ ـ عمره أيّام الدّنيا، ثمّ لقي الله ـ عزّ وجلّ ـ مبغضا لأهل بيتي وشيعتي ما فرج الله صدره إلّا عن نفاق.

__________________

(١) المصدر: لذلك.

(٢) الكافي ١ / ٤٤٢، ح ١٢.

(٣) المصدر: امضه.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر ٢ / ٤٦، ح ٣.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأحبّ.

(٧) المصدر: إلى أهل الأرض.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: فهو عند.

(١٠) من المصدر.


وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة أو الفضيل(٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا اسري برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى السّماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصّلاة، فأذّن جبرئيل وأقام، فتقدّم رسول الله وصف الملائكة والنّبيّون خلف محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

[محمّد بن الحسن(٣) وعليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن عمر بن عثمان ،](٤) عن محمّد بن عبد الله الخزّاز، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال لي: يا هارون بن خارجة، كم بينك وبين مسجد الكوفة، يكون ميلا؟

قلت: لا.

قال: أفتصلّي فيه الصلوات كلّها؟

قلت(٥) : لا.

قال: أما لو كنت بحضرته، لرجوت أن لا تفوتني فيه صلاة. وتدري ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح ولا نبيّ، إلّا وقد صلّى في مسجد كوفان، حتّى أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا اسري به، قال له جبرئيل: أين أنت، يا رسول الله، السّاعة؟ أنت مقابل مسجد كوفان. قال: فاستأذن لي ربّي حتّى آتيه، فاصلّي فيه ركعتين. فاستأذن الله ـ عزّ وجلّ ـ فأذن له.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال لي: يا أحمد، ما الخلاف بينكم وبين أصحاب هشام بن الحكم في التّوحيد؟

قلت: جعلت فداك، قلنا نحن بالصّورة للحديث الّذي روي «أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رأى ربّه في صورة شابّ» وقال هشام بن الحكم بالنّفي للجسم.

فقال: يا أحمد، إنّ رسول الله لـمّـا أسري به إلى السّماء، وبلغ عند سدرة

__________________

(١) نفس المصدر ٣ / ٣٠٢، ح ١.

(٢) المصدر: عن زرارة والفضل.

(٣) نفس المصدر ٣ / ٤٩٠ ـ ٤٩١، ح ١.

(٤) ليس في ب.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٢٠.


المنتهى، خرق له في الحجب مثل سمّ الإبرة(١) ، فرأى من نور العظمة ما شاء الله أن يرى، وأردتم أنتم التّشبيه. دع هذا يا أحمد، لا ينفتح عليك منه أمر(٢) .

وحدّثني أبي(٣) ، عن حمّاد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء، دخلت الجنّة، فرأيت قصرا من ياقوتة حمراء يرى داخلها من خارجها وخارجها من داخلها من ضيائها، وفيها بيتان من درّ وزبرجد.

فقلت: يا جبرئيل، لمن هذا القصر؟

فقال: هذا القصر لمن [أطاب الكلام و](٤) أدام الصّيام، وأطعم الطّعام، وتهجّد بالّليل والنّاس نيام.

وهذا الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

حدّثني أبي(٥) ، عن النّضر بن سويد، عن يحيى الحلبيّ، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أوّل من سبق إلى «بلى» رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وذلك أنّه كان أقرب الخلق إلى الله ـ تعالى ـ، وكان بالمكان الّذي قال له جبرئيل لـمّـا اسري به إلى السّماء: تقدّم، يا محمّد، لقد وطئت موطئا لم يطأه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. ولو لا أنّ روحه ونفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه، وكان من الله ـ عزّ وجلّ ـ كما قال الله:( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) ، أي: بل أدنى.

حدّثني أبي(٦) ، عن عمرو بن سعيد الرّاشديّ، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا اسري برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [إلى السّماء](٧) ، فأوحى [الله](٨) إليه في عليّ ما أوحى(٩) من شرفه ومن عظمته عند الله، وردّ إلى البيت المعمور وجمع له النّبيّين فصلّوا خلفه، وعرض في نفس رسول الله من عظم من أوحي إليه في عليّ ـ عليه السّلام ـ فأنزل الله(١٠) :( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ )

__________________

(١) المصدر: لإبرة.

(٢) المصدر: «هذا أمر عظيم» بدل: «منه أمر».

(٣) نفس المصدر / ٢١.

(٤) من المصدر.

(٥) نور الثقلين ٣ / ١٣١، ح ٤٧.

(٦) تفسير القمّي ١ / ٣١٦ ـ ٣١٧.

(٧ و ٨) من المصدر.

(٩) في المصدر بعدها: ما يشاء.

(١٠) يونس / ٩٤ ـ ٩٥.


، يعني: الأنبياء، فقد أنزلنا عليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) .

فقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: فو الله، ما شكّ وما سأل.

وحدّثني أبي(١) ، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يكثر تقبيل فاطمة ـ عليها السّلام ـ فأنكرت ذلك عائشة.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عائشة، إنّي لـمّـا اسري بي إلى السّماء دخلت الجنّة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى وناولني من ثمارها، فأكلته، فحوّل الله ذلك ماء في ظهري، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبّلتها قطّ إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها.

وفي روضة الكافي(٢) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة، ثابت بن دينار الثّماليّ وأبي منصور عن أبي الرّبيع قال: حججت(٣) مع أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في السّنة الّتي [كان](٤) حجّ فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع، مولى عمر بن الخطّاب، فنظر نافع إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في ركن البيت، وقد اجتمع عليه النّاس.

فقال نافع: يا أمير المؤمنين، من هذا الّذي قد تداكّ عليه النّاس؟

فقال: هذا نبيّ أهل الكوفة، هذا محمّد بن عليّ.

فقال: أشهد لآتينّه، فلأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلّا نبيّ أو ابن نبي أو وصيّ نبيّ.

قال: فأذهب إليه واسأله لعلّك تخجله.

فجاء نافع حتّى اتّكأ على النّاس، ثمّ أشرف على أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ فقال: يا محمّد بن عليّ، إني قد(٥) قرأت التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان، وقد عرفت

__________________

(١) نفس المصدر / ٣٦٥.

(٢) الكافي ٨ / ١٢٠ ـ ١٢١، ح ٩٣.

(٣) المصدر: حججنا.

(٤) من المصدر.

(٥) ليس في المصدر.


حلالها وحرامها، وقد جئتك(١) أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلّا نبيّ أو وصيّ نّبيّ أو ابن نبيّ.

قال: فرفع أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ [رأسه](٢) فقال: سل عمّا بدا لك.

فقال: أخبرني كم كان بين عيسى وبين محمّد ـ عليهما السّلام ـ من سنّة؟

قال: أخبرك بقولك أم بقولي؟

قال: أخبرني بالقولين جميعا.

قال: أمّا في قولي، فخمسمائة سنة. وأمّا في قولك، فستّمائة سنة.

قال: فأخبرني عن قول الله(٣) ـ عزّ وجلّ ـ لنّبيّه:( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ ) (٤) ( قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) . من الّذي سأل(٥) محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وكان بينه وبين عيسى خمسمائة سنة؟

قال: فتلا أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ هذه الآية:( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ) فكان من الآيات الّتي أراها الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ حيث اسري به إلى البيت المقدّس أنّه حشر الله ـ جلّ ذكره ـ الأوّلين والآخرين من النّبيّين والمرسلين، ثمّ أمر جبرئيل ـ عليه السّلام ـ فأذّن شفعا وأقام شفعا، وقال في أذانه: حيّ على خير العمل. ثمّ تقدّم محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ فصلّى بالقوم. فلمّا انصرف قال: [سل، يا محمّد، من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرّحمن آلهة يعبدون.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](٦) : على ما تشهدون، وما كنتم تعبدون؟

قالوا: نشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّك رسول الله أخذت على ذلك عهودنا ومواثيقنا.

فقال نافع: صدقت، يا أبا جعفر.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: حبتك.

(٢) من المصدر.

(٣) الزخرف / ٤٥.

(٤) ليس في المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: سأله.

(٦) ليس في المصدر.


وبإسناده(١) إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء، دخلت الجنّة، فرأيت قيعان(٢) يقق(٣) ، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من فضّة ولبنة من ذهب وربّما أمسكوا.

فقلت لهم: مالكم ربّما بنيتم وربّما أمسكتم؟

فقالوا: حتّى تجيئنا النّفقة.

فقلت(٤) : وما نفقتكم؟

قالوا: قول المؤمن في الدّنيا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر. فإذا قال بنينا، وإذا أمسك أمسكنا.

وقال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا اسري بي إلى السّماء(٥) أخذ جبرئيل بيدي فأدخلني الجنّة، فأجلسني على درنوك من(٦) درانيك الجنّة فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين، فخرجت من بينهما(٧) حوراء فقامت بين يدي.

فقالت: السّلام عليك يا محمّد، السّلام عليك يا أحمد، السّلام عليك يا رسول الله.

فقلت: وعليك السّلام، من أنت؟

قالت: أنا الرّاضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أنواع: أسفلي من المسك، ووسطي من العنبر، وأعلاي من الكافور. وعجنت بماء الحيوان، ثمّ قال ـ جلّ ذكره ـ لي: كوني. فكنت لأخيك ووصيّك، عليّ بن أبي طالب ـ صلوات الله عليه ـ.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ صلّى العشاء الآخرة وصلّى الفجر في اللّيلة الّتي اسري

__________________

(١) لم نعثر على هذا الحديث في روضة الكافي، ولكن رواه القمّي في تفسيره ١ / ٢١ ـ ٢٢.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقعان. والقيعان: جمع القاع: أرض سهلة مطمئنّة قد انفرجت عنها الآكام والجبال.

(٣) كذا في ب. وفي غيرها: يفق. وفي المصدر: تفق. واليقق: المتناهي في البياض. وقد تكسر القاف.

(٤) كذا في المصدر، وفي النسخ: قال.

(٥) المصدر: إلى سبع سماواته.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ بعدها زيادة: نور.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: بينها.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٩، ح ١١.


به فيها(١) بمكّة.

عن زرارة(٢) وحمران بن أعين ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: حدّث أبو سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إنّ جبرئيل أتاني(٣) ليلة اسري بي وحين رجعت.

فقلت: يا جبرئيل، هل لك من حاجة؟

فقال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومنّي السّلام.

وحدّثنا عند ذلك، أنّها قالت حين لقيها نبي الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال لها الّذي قال جبرئيل، قال: إنّ الله هو السّلام، ومنه السّلام، وإليه السّلام، وعلى جبرئيل السّلام.

وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : وممّا ورد في الإسراء إلى السّماء منقبة عظيمة وفضيلة جسيمة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ اختصّ بها دون الأنام، وهو ما نقله الشّيخ، أبو جعفر الطّوسي ـ رضي الله عنه ـ في أماليه، عن رجاله، مرفوعا، عن عبد الله بن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: أعطاني الله ـ تعالى ـ خمسا وأعطى عليّا خمسا، أعطاني جوامع الكلم وأعطى عليّا جوامع العلم، وجعلني نبيّا وجعله وصيّا، وأعطاني الكوثر وأعطاه السّلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطاه الإلهام، وأسري بي وفتح له أبواب السّماء والحجب حتّى نظر إليّ ونظرت إليه.

قال: ثمّ بكى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقلت له: ما يبكيك، فداك أبي وأمّي؟

فقال: يا ابن عبّاس، أوّل ما كلّمني ربّي أن قال: يا محمّد، انظر إلى تحتك.

فنظرت إلى الحجب قد انخرقت وإلى أبواب السّماء قد فتحت، فنظرت إلى عليّ وهو رافع رأسه، فكلمني وكلمته بما كلّمني ربّي ـ عزّ وجلّ ـ.

فقلت: يا رسول الله، بم(٥) كلّمك ربّك؟

فقال: قال لي ربّي: يا محمّد، إنّي جعلت عليّا وصيّتك ووزيرك وخليفتك من

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: إليها.

(٢) نفس المصدر، ح ١٢.

(٣) كذا في البحار ١٨ / ٣٨٥. وفي النسخ: «قال لي» بدل «أتاني».

(٤) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٧٦، ح ٦.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فما.


بعدك، فأعلمه فها هو يسمع كلامك، فأعلمته وأنا بين يدي ربّي ـ عزّ وجلّ ـ.

فقال لي: قد قبلت وأطعت.

فأمر الله الملائكة أن تسلّم عليه، ففعلت، فردّ عليهم السّلام. ورأيت الملائكة يتباشرون به، وما مررت بملائكة من ملائكة السّماء الّا هنّئوني وقالوا: يا محمّد، والّذي بعثك بالحقّ نبيّا(١) لقد دخل السّرور على جميع الملائكة باستخلاف الله ـ عزّ وجلّ ـ لك ابن عمّك. ورأيت حملة العرش قد نكسوا رؤوسهم إلى الأرض.

فقلت: يا جبرئيل، لم نكس حملة العرش رؤوسهم؟

فقال: يا محمّد، ما من ملك من الملائكة إلّا وقد نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب استبشارا به ما خلا حملة العرش، فإنّهم استأذنوا الله ـ عزّ وجلّ ـ في هذه السّاعة، فأذن لهم أن ينظروا(٢) إلى عليّ بن أبي طالب فنظروا إليه(٣) . فلمّا هبطت جعلت أخبره بذلك وهو يخبرني به، [فعلمت أنّي](٤) لم أطأ موطئا إلّا وقد كشف لعليّ عنه(٥) حتّى نظر إليه.

قال: [ابن عبّاس](٦) : فقلت: يا رسول الله، أوصني.

فقال: يا ابن عبّاس، عليك بحبّ عليّ بن أبي طالب.

قلت: يا رسول الله، أوصني.

قال: عليك بمودّة عليّ بن أبي طالب. والّذي بعثني بالحقّ [نبيّا](٧) ، لا يقبل الله من عبد حسنة حتّى يسأله عن حبّ عليّ بن أبي طالب. وهو ـ تعالى ـ أعلم، فإن جاء بولايته(٨) ، قبل عمله على ما كان فيه، فإن لم يأت بولايته، لم يسأله عن شيء وأمر به إلى النّار(٩) . (الحديث)

( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) : لأقوال محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

«( الْبَصِيرُ ) (١): بأفعاله، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.

__________________

(١) من ب.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأذن لهم فنظروا.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ونظر إليهم.

(٤) من المصدر. وفي النسخ بدلها: و.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: عينه.

(٦ و ٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ بعدها زيادة: لم يسأله.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأمره إلى النّار.


وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن خالد الطّيالسيّ، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لم يزل الله ـ عزّ وجلّ ـ ربّنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسّمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور. فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم، والسّمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور.

قال: قلت: فلم يزل الله متحرّكا؟

قال: فقال: [تعالى الله [عن ذلك](٢) ، إنّ الحركة صفة محدثة بالفعل.

قال: قلت: فلم يزل الله متكلّما؟

قال: فقال :](٣) إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة، كان الله ـ عزّ وجلّ ـ ولا متكلّم.

وفي كتاب التّوحيد(٤) ، حديث طويل عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وقد سأله بعض الزّنادقة عن الله ـ تعالى ـ. وفيه قال السّائل: فتقول: إنّه سميع بصير؟! قال: هو [سميع بصير ،](٥) سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه، [ليس قولي إنّه يسمع بنفسه ويبصر بنفسه](٦) . أنّه شيء والنّفس شيء آخر، ولكن أردت عبارة عن نفسي، إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا، وأقول: يسمع بكلّه(٧) ، لا أنّ الكلّ [منه](٨) له، بعض(٩) ولكن أردت إفهامك(١٠) والتّعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلّا [إلى](١١) أنّه السّميع البصير العليم(١٢) الخبير(١٣) بلا اختلاف الذّات ولا اختلاف المعنى.

وفيه(١٤) عن عليّ ـ عليه السّلام ـ حديث طويل. وفيه: كان ربّا إذ(١٥) لا مربوب ،

__________________

(١) الكافي ١ / ١٧٠، ح ١.

(٢) من المصدر مع المعقوفتين.

(٣) ليس في أ، ب، ر.

(٤) التّوحيد / ٢٤٥، ح ١، وص ١٤٤، ح ١٠.

(٥ و ٦) من المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: تكلّمه.

(٨) من المصدر.

(٩) من ب.

(١٠) المصدر: إفهاما لك.

(١١) من المصدر.

(١٢) المصدر: العالم.

(١٣) ليس في ب.

(١٤) نفس المصدر / ٣٠٨ ـ ٣٠٩، ح ٢.

(١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: و.


وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع، سميع لا بآلة، وبصير لا بأداة.

وعن الرّضا(١) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: وسمّي ربّنا سميعا لا بجزء(٢) فيه يسمع به الصّوت ولا يبصر به، كما أنّ جزءنا الّذي به نسمع لا نقوى على النّظر به، ولكنّه أخبر(٣) أنّه لا تخفى(٤) عليه الأصوات، ليس على حدّ ما سمّينا(٥) نحن، فقد جمعنا الاسم بالسّميع(٦) واختلف المعنى. [وهكذا البصر لا بجزء، به أبصر، كما أنّا نبصر بجزء منّا لا ننتفع به في غيره، ولكنّ الله بصير لا يجهل شخصا منظورا إليه، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى](٧) .

وبإسناده(٨) إلى أبي هشام الجعفريّ: عن أبي جعفر الثّاني ـ عليه السّلام ـ أنّه قال له رجل: وكيف سمّي ربّنا سميعا؟

قال: لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولم نصفه(٩) بالسّمع المعقول في الرّأس، وكذلك سمّيناه بصيرا لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون وشخص وغير ذلك، ولم نصفه بلحظ(١٠) العين.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وبإسناده(١١) إلى محمّد بن مسلم: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: جعلت فداك، يزعم قوم من أهل العراق أنّه يسمع بغير الّذي يبصر ويبصر بغير الّذي يسمع.

قال: فقال: كذبوا وألحدوا وشبّهوا، تعالى الله عن ذلك، إنّه سميع بصير، يسمع بما يبصر ويبصر بما يسمع.

قال: قلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه.

قال: فقال: تعالى الله، إنّما يعقل ما كان بصفة المخلوق(١٢) ، وليس الله كذلك.

__________________

(١) نفس المصدر / ١٨٨، ح ٢.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: جزء.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: ولكن خبير.

(٤) المصدر: لا يخفى.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: سمعنا.

(٦ و ٧) ليس في ب.

(٨) نفس المصدر / ١٩٤، ح ٧.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا نصفه.

(١٠) المصدر: بنظر لحظ.

(١١) نفس المصدر / ١٤٤، ح ٩.

(١٢) المصدر: المخلوقين.


وبإسناده(١) إلى حمّاد بن عيسى قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقلت: لم يزل الله يعلم؟

قال: أنّى يكون يعلم ولا معلوم.

قال: قلت: فلم يزل الله يسمع؟

قال: أنّى يكون ذلك ولا مسموع.

قال: قلت: فلم يزل يبصر؟

قال: أنّى يكون ذلك ولا مبصر.

ثمّ قال: لم يزل الله عليما سميعا بصيرا، ذات علّامة سميعة بصيرة.

وفي عيون الأخبار(٢) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: وقلنا: إنّه سميع، لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثّرى من الذّرّة إلى أكبر منها في برّها وبحرها، ولا تشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك: إنّه سميع، لا بإذن، وقلنا: إنّه بصير، لا ببصر، يرى(٣) أثر الذّرّة السّحماء(٤) في اللّيلة الظّلماء على الصّخرة السّوداء(٥) ، ويرى دبيب النّمل في اللّيلة الدّجية(٦) ويرى مضارّها ومنافعها وأثر سفادها(٧) وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: إنّه بصير، لا كبصر خلقه.

وبإسناده(٨) إلى الحسين بن خالد قال: سمعت الرّضا ـ عليه السّلام ـ يقول: لم يزل الله ـ عزّ وجلّ ـ عليما(٩) قادرا حيّا(١٠) قديما سميعا بصيرا.

فقلت له: يا ابن رسول الله، إنّ أقواما(١١) يقولون: لم يزل الله عالما بعلم، وقادرا بقدرة، وحيّا بحياة [وقديما بقدم](١٢) ، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر.

فقال ـ عليه السّلام ـ: من قال ذلك ودان به، فقد اتّخذ مع الله آلهة أخرى ،

__________________

(١) نفس المصدر / ١٣٩، ح ٢.

(٢) العيون ١ / ١٠٩، ح ٢٨.

(٣) المصدر: لأنّه يرى.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: السّمحاء. والسّحماء: السوداء.

(٥) المصدر: الصمّاء.

(٦) المصدر: «الدجنة». وهي بمعنى المظلمة أيضا.

(٧) أي: جماعها. وفي أ، ب: سفارها.

(٨) نفس المصدر / ٩٧، ح ١٠.

(٩) المصدر: عالما.

(١٠) كذا في ب. وفي غيرها: جبّارا.

(١١) المصدر: قوما.

(١٢) من المصدر.


وليس من ولايتنا على شيء.

ثمّ قال ـ عليه السّلام ـ لم يزل الله عليما قادرا حيّا قديما سميعا بصيرا لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون والمشبّهون علوّا كبيرا.

وفي نهج البلاغة(١) : قال ـ عليه السّلام ـ: بصير إذ لا منظور(٢) إليه من خلقه.

وفيه(٣) قال ـ عليه السّلام ـ: وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، ويصمّه(٤) كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها. وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام.

وفيه:(٥) السّميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة.

وفيه(٦) : بصير لا يوصف بالحاسّة.

( وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ) : على أن لا تتّخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا.

وقرأ(٧) أبو عمرو، بالياء، على لأن لا يتّخذوا(٨) .

( مِنْ دُونِي وَكِيلاً ) (٢): ربّا تكلون إليه أموركم غيري.

( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) : نصب على الاختصاص. أو النّداء إن قرئ: «أن لا تتّخذوا» بالتّاء. أو على أنّه أحد مفعولي «لا تتّخذوا» و «من دوني» حال من «وكيلا»، فيكون كقوله(٩) :( وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) .

وقرئ(١٠) بالرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من واو «تتّخذوا» و «ذريّة» بكسر الذّال.

وفيه تذكير بإنعام الله عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، وبحملهم مع نوح في السّفينة.

__________________

(١) النهج / ٤٠، الخطبة ١.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بصيرا إذ مبصور.

(٣) نفس المصدر / ٩٦، الخطبة ٦٥.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يبصر.

(٥) نفس المصدر / ٢١٢، الخطبة ١٥٢.

(٦) نفس المصدر / ٢٥٨، الخطبة ١٧٩.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٧.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تتّخذوا.

(٩) آل عمران / ٨٠.

(١٠) نفس المصدر والموضع.


«إنّه»: إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ.

( كانَ عَبْداً شَكُوراً ) (٣): يحمد الله ـ تعالى ـ [على مجامع حالاته.

وفيه إيماء بأنّ إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحثّ للذّرّية](١) على الاقتداء به.

وقيل(٢) : الضّمير لموسى ـ عليه السّلام ـ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله(٤) :( وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ) . يقول: بالحقّ(٥) والنّبوّة والكتاب والإيمان في عقبه، وليس كلّ من في الأرض من بني آدم من ولد نوح، قال الله في كتابه(٦) :( احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) منهم( وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) وقال ـ أيضا ـ:( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) .

حدّثني أبي(٧) [عن ابن أبي عمير](٨) ، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان نوح إذا أمسى وأصبح يقول: أمسيت أشهد أنّه ما أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فإنّها من الله وحده لا شريك له، له(٩) الحمد عليّ بها [كثيرا](١٠) والشّكر كثيرا. فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ) .

وفي من لا يحضره الفقيه(١١) : وروى عنه حفص البختريّ أنّه قال: كان نوح ـ عليه السّلام ـ يقول إذا أصبح وأمسى: أللّهمّ، إنّي أشهدك أنّ(١٢) ما أصبح وأمسى [بي](١٣) من نعمة وعافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشّكر بها عليّ حتّى(١٤) ترضى وبعد الرّضا. يقولها إذا أصبح عشرا وإذا أمسى عشرا، فسمّي بذلك: عبدا شكورا.

__________________

(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٧٧.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ٢٢٣.

(٤) الصّافّات / ٧٧.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحقّ.

(٦) هود / ٤٠.

(٧) نفس المصدر / ١٣ ـ ١٤.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لك.

(١٠) من المصدر.

(١١) الفقيه ١ / ٢٢١، ح ٩٨٠.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأنّه.

(١٣) من المصدر.

(١٤) المصدر: حين.


وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد المكاريّ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: فما عنى بقوله في نوح:( إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً ) ؟

قال: كلمات بالغ فيهنّ.

قلت: وما هنّ؟

قال: كان إذا أصبح قال: [أصبحت](٢) أشهدك ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فإنّها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد على ذلك ولك الشّكر كثيرا. كان يقولها إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

حميد بن زياد(٣) ، عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن وهيب(٤) بن حفص، [عن أبي بصير](٥) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله، لم تنصب(٦) نفسك وقد غفر [الله](٧) لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟

فقال: يا عائشة، ألا أكون عبدا شكورا.

قال: وكان رسول الله يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله ـ سبحانه ـ:( طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) .

ابن أبي عمير(٨) ، [عن ابن رئاب ،](٩) عن إسماعيل بن الفضل(١٠) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إذا أصبحت وأمسيت فقل عشر مرّات: أللّهمّ، ما أصبحت لي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشّكر

__________________

(١) الكافي ٢ / ٥٣٥، ح ٣٨.

(٢) من المصدر.

(٣) نفس المصدر / ٩٥، ح ٦.

(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٣٠٣. وفي النسخ: وهب.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: تتعب.

(٧) من المصدر.

(٨) نفس المصدر / ٩٩، ح ٢٨.

(٩) ليس في ب.

(١٠) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ١٠٠. وفي النسخ: الفضيل.


عليّ، يا ربّ، حتّى ترضى وبعد الرّضا. فإنّك إذا قلت ذلك، كنت(١) قد أدّيت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك اللّيلة.

وفي كتاب علل الشّرائع(٢) : حدّثنا أبي ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، [عن أحمد بن محمّد بن عيسى ،](٣) عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ نوحا ـ عليه السّلام ـ إنّما سمّي عبدا شكورا، لأنّه كان يقول إذا أصبح وأمسى(٤) : أللّهمّ، إنّي أشهدك أنّه ما أصبح وأمسى(٥) بي من نعمة أو عافية(٦) في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشّكر بها [عليّ](٧) حتّى ترضى [وبعد الرضا](٨) ، إلهنا.

أبي(٩) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي [عمير، عن](١٠) حفص بن البختريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله(١١) ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (١٢) قال: إنّه كان(١٣) يقول إذا أصبح وأمسى: أصبحت وربّي محمود(١٤) ، أصبحت لا أشرك به(١٥) شيئا ولا أدعو مع الله إلها آخر ولا أتّخذ من دونه وليّا. فسمّي بذلك: عبدا شكورا.

وفي تفسير العيّاشي(١٦) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( كانَ عَبْداً شَكُوراً ) قال: كان إذا(١٧) أمسى يقول: أمسيت أشهد أنّه ما أمست بي(١٨) من نعمة في دين أو دنيا، فإنّها من الله وحده لا شريك له، له الحمد بها والشّكر كثيرا.

( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) : وأوحينا إليهم وحيا مقضيّا مبتوتا.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) العلل / ٢٩، ح ١.

(٣) ليس في ب.

(٤) المصدر: إذا أمسى وأصبح.

(٥) المصدر: أنّه ما أمسى وأصبح.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: من نعمة لي وعافية.

(٧ و ٨) من المصدر.

(٩) نفس المصدر / ٣٧، ح ١.

(١٠) من المصدر.

(١١) النجم / ٣٧.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وإبراهيم أي».

(١٣) ليس في المصدر.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: محمودا.

(١٥) المصدر: بالله.

(١٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٠، ح ١٨.

(١٧) المصدر: إذا كان.

(١٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لي.


( فِي الْكِتابِ ) : في التّوراة.

( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ) : جواب قسم محذوف، أو «قضينا» على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم.

( مَرَّتَيْنِ ) : إفسادتين.

قيل(١) : أولاهما مخالفة أحكام التّوراة وقتل شعياء وقتل أرمياء، وثانيهما قتل زكريّا ويحيى وقصد قتل عيسى.

( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) (٤): وتستكبرون عن طاعة الله. أو لتظلمنّ النّاس.

( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) : وعد عقاب أولاهما.

( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا ) .

قيل(٢) : بخت نصر، عامل لهراسف على بابل وجنوده.

وقيل(٣) : جالوت الجزريّ.

وقيل(٤) : سنحاريب، من أهل نينوى.

وفي الجوامع(٥) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ أنّه قرأ: «عبيدا لنا».

( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) : ذوي قوّة وبطش في الحرب شديد.

( فَجاسُوا ) : تردّدوا لطلبكم.

وقرئ(٦) ، بالحاء، وهما اخوان.

( خِلالَ الدِّيارِ ) : وسطها، للقتل والغارة، فقتلوا كبارهم، وسبوا صغارهم، وحرقوا التّوراة وخربّوا المسجد.

( وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) (٥): وكان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل.

( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ ) ، أي: الدّولة والغلبة( عَلَيْهِمْ ) .

قيل(٧) : بأن ألقى الله ـ تعالى ـ [في قلب](٨) بهمن بن إسفنديار لـمّـا ورث الملك من جدّه، كشتاسف بن لهراسف، شفقة عليهم فردّ أسراهم إلى الشّام، وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بخت نصر. أو بأن سلّط الله داود على جالوت

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٨.

(٢ و ٣ و ٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) جوامع الجامع / ٢٥٢.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٨.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) ليس في أ، ب.


فقتله.

( وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) (٦): ممّا كنتم.

و «النّفير» من ينفر مع الرّجل من قومه.

وقيل(١) : جمع «نفر» وهم المجتمعون للذّهاب إلى العدوّ.

( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ) : لأنّ ثوابه لها.

( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) .

قيل(٢) : فإنّ وباله عليها، وإنّما ذكرها «باللّام» ازدواجاً.

وفي عيون الأخبار(٣) ، بإسناده إلى عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال: عن أبيه قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) [قال ـ عليه السّلام ـ:( إِنْ أَحْسَنْتُمْ، أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ، فَلَها ) ](٤) ربّ يغفر لها(٥) . والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) : وعد عقوبة المرّة الآخرة.

( لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ) ، أي: بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، أي: ليجعلوها بادية آثار المساءة فيها. فحذف لدلالة ذكره أوّلا عليه.

وقرأ(٦) ابن عامر وحمزة وأبو بكر: «ليسوء» على التّوحيد، والضّمير فيه «للوعد»، أو «للبعث»، أو «لله» ويعضده قراءة الكسائيّ بالنّون.

وقرئ(٧) : «لنسوأن» بالنّون والياء، والنّون المخفّفة أو المثقّلة. و «ليسوأن» بفتح اللّام على الأوجه الأربعة، على أنّه جواب «إذا» واللّام في قوله:( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) : متعلّق بمحذوف، وهو «بعثناهم».

( كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ) : وليهلكوا.

( ما عَلَوْا ) : ما غلبوه واستولوا عليه، أو مدّة علوّهم( تَتْبِيراً ) (٧). وذلك بأن سلّط الله عليهم الفرس مرّة أخرى، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطّوائف اسمه جودرز.

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) العيون ١ / ٢٢٩، ح ٤٩.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يغفرها.

(٦ و ٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٨.


وقيل(١) : حردوس.

وقيل(٢) : دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي، فسألهم عنه.

فقالوا: دم قربان لم يقبل منّا.

فقال: ما صدقوني. فقتل عليه ألوفا منهم، فلم يهدأ الدّم.

ثمّ قال: إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحدا.

فقالوا: إنّه دم يحيى.

فقال: لمثل هذا ينتقم ربّكم منكم. ثمّ قال: يا يحيى، قد علم ربّي وربّك ما أصاب قومك من أجلك فاهدأ بإذن الله قبل أن لا ابقي أحدا، منهم فهدأ.

( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) : بعد المرّة الآخرة.

( وَإِنْ عُدْتُمْ ) : نوبة أخرى.

( عُدْنا ) : مرّة ثالثة إلى عقوبتكم، وقد عادوا بتكذيب محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقصدوا قتله، فعاد الله بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النّضير وضرب الجزية على الباقين، وهذا لهم في الدّنيا.

( وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ) (٨): محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد.

وقيل(٣) : بساطا، كما يبسط الحصير.

وما ذكر من تفسير «الإفسادتين» بمخالفة أحكام التّوراة وقتل شعياء أو أرمياء وقتل زكريّا ويحيى، و «العلوّ الكبير» باستكبارهم عن طاعة الله وظلمهم النّاس، و «العباد أولي بأس» بخت نصر وجنوده، و «ردّ(٤) الكرّة عليهم» بردّ بهمن بن إسفنديار أسراءهم إلى الشّام وتمليكه دانيال عليهم، و «وعد الآخرة» بتسليط الله الفرس عليهم مرّة أخرى من تفاسير العامّة.

وفي روضة الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمون(٦) ، عن عبد الله بن عبد الرّحمن الأصمّ، عن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) نفس المصدر / ٥٧٩.

(٤) ليس في ب.

(٥) الكافي ٨ / ٢٠٦، ح ٢٥٠.

(٦) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ٩٢. وفي النسخ: شمعون.


عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) قال: قتل عليّ بن أبي طالب، وطعن(١) الحسن ـ عليهما السّلام ـ.

( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) قال: قتل الحسين ـ عليه السّلام ـ.

( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) فإذا جاء نصر دم الحسين ـ عليه السّلام ـ.

( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ) قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وترا لآل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلّا قتلوه.

( وَكانَ وَعْداً ) (٢) ( مَفْعُولاً ) خروج القائم ـ عليه السّلام ـ.

( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) خروج الحسين ـ عليه السّلام ـ في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهّب، لكلّ بيضة وجهان، المؤدّون إلى النّاس، أنّ هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشكّ المؤمنون فيه، وأنّه ليس بدجّال ولا شيطان، والحجّة القائم ـ عليه السّلام ـ بين أظهركم. فإذا استقرّت المعرفة في قلوب [المؤمنين](٣) أنّه الحسين ـ عليه السّلام ـ جاء الحجّة الموت، فيكون الّذي يغسّله ويكفّنه ويحنّطه ويلحّده في حفرته الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ ولا يلي الوصيّ إلّا الوصيّ.

وفي تفسير العيّاشي(٤) ، بعد أن نقل هذا الحديث إلى آخره قال: وزاد إبراهيم في حديثه: ثمّ يملكهم الحسين ـ عليه السّلام ـ حتّى يقع حاجباه على عينيه.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن حمران، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان يقرأ:( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) . ثمّ قال: هؤلاء(٦) وهو القائم وأصحابه( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وخاطب الله أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال:( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) ، يعني: فلانا وفلانا وأصحابهما، ونقضهم العهد.

( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) ، يعني: ما ادّعوه من الخلافة.( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) ، يعني: يوم الجمل.( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) ، يعني: أمير المؤمنين ـ صلوات الله

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) كذا في المصدر والمصحف. وفي النسخ: وعد الله.

(٣) من المصدر.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨١، ح ٢٠.

(٥) نفس المصدر، ح ٢١.

(٦) ليس في المصدر. (٧) تفسير القمّي ٢ / ١٤.


عليه ـ وأصحابه:( فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ) ، أي: طلبوكم وقتلوكم.( وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) : يتمّ ويكون.( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ) لبني أميّة على آل محمّد.

( وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) من الحسن والحسين، ابني(١) عليّ ـ عليهم السّلام ـ وأصحابهما [فقتلوا الحسين بن عليّ](٢) وسبوا نساء آل محمد.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: قال أمير المؤمنين في خطبة(٤) : أيّها النّاس، سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّ بين جوانحي علما جمّا، فسلوني قبل أن تشغر(٥) برجلها فتنة شرقيّة(٦) تطأ في خطامها(٧) ، ملعون ناعقها ومولّيها وقائدها وسائقها والمتحرّض(٨) فيها، [فكم عندها من رافعة](٩) ذيلها يدعو بويلها دخلة(١٠) أو حولها، لا مأوى يكنّها ولا أحد يرحمها، فإذا استدار الفلك قلتم: مات أو هلك وبأيّ واد سلك. فعندها توقّعوا الفرج، وهو تأويل هذه الآية( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) . والّذي فلق الحبّة وبريء النّسمة، ليعيش إذ ذاك ملوك ناعمين، ولا يخرج الرّجل منهم من الدّنيا حتّى يولد لصلبه ألف ذكر، آمنين من كلّ بدعة وآفة والتّنزيل، عاملين بكتاب الله وسنّة رسوله قد اضمحلّت عليهم الآفات والشّبهات.

عن رفاعة بن موسى(١١) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ أوّل من يكرّ إلى الدّنيا الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ ويزيد بن معاوية وأصحابه، فيقتلهم حذو القذّة بالقذّة(١٢) .

ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ :

__________________

(١) المصدر: أبناء.

(٢) من المصدر.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٢، ح ٢٢.

(٤) المصدر: خطبته.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: تستقر.

وتشغر، أي: ترفع. قيل: كنى بشغر رجلها عن خلو تلك الفتنة من مدبر. أو هو كناية عن كثرة مداخل الفساد فيها.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فتية مشرقية.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: حصامي. والخطام: كلما يجعل في أنف البعير ليقتاد به.

(٨) المصدر: المتحرز.

(٩) من المصدر.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: داخلة.

(١١) نفس المصدر، ح ٢٣.

(١٢) القذة: ريش السهم، وهذا القول يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان.


( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .

وفي تفسير علي بن إبراهيم(١) ، متّصلا بآخر تفسيره المتقدّم، أعني: قوله: وسبوا نساء آل محمّد.( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) ، يعني: القائم ـ صلوات الله عليه ـ وأصحابه.( لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ) ، يعني: يسوّد(٢) وجوههم.( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ، يعني: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأصحابه وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ.( وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ) . أي: يعلوا عليكم فيقتلوكم(٣) .

ثمّ عطف على آل محمّد ـ عليه وعليهم السّلام ـ فقال:( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) ، أي: ينصركم على عدوّكم.

ثمّ خاطب بني أميّة، فقال:( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا ) ، يعني: إن عدتم بالسّفيانيّ، عدنا بالقائم من آل محمّد ـ صلوات الله عليه وآله ـ.( وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ) ، أي: حبسا(٤) يحصرون فيها.

( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) : للحالة، أو الطّريقة الّتي هي أقوم، أو الطّرق.

وفي أصول الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، [عن ابن أبي عمير ،](٦) عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن موسى بن أكيل النّميريّ، عن العلا بن سيابة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) قال: يهدي إلى الإمام.

وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن بكر بن صالح بن قاسم بن يزيد، عن أبي عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ :

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ١٤. ويوجد قبلها في جميع النسخ نصّ الرواية الّتي أوردها المصنّف (ره) ذيل اوّل الآية ٧:( إِنْ أَحْسَنْتُمْ ) ( ... فَلَها ) ولذلك حذفناها هاهنا.

(٢) المصدر: يسوّدون.

(٣) ب: فيقتلكم.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: حبستها.

(٥) الكافي ١ / ٢١٦، ح ٢.

(٦) من المصدر.

(٧) نفس المصدر ٥ / ١٣، ح ١.


ثمّ ثلّث بالدّعاء إليه بكتابه(١) ـ أيضا ـ فقال ـ تبارك وتعالى ـ:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [، أي: يدعو.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن أبي إسحاق( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ]) (٣) قال: يهدي إلى الولاية(٤) .

وفي كتاب معاني الأخبار(٥) ، بإسناده إلى موسى بن جعفر: عن أبيه، جعفر بن محمّد، عن أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، عليّ بن الحسين ـ عليهم السّلام ـ قال: الإمام منّا لا يكون إلّا معصوما، وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها، ولذلك لا يكون إلّا منصوصا.

فقيل: يا ابن رسول الله، فما معنى المعصوم؟

فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن [لا يفترقان إلى يوم القيامة.

والامام يهدي إلى القرآن، والقرآن](٦) يهدي إلى الإمام. وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) .

وفي نهج البلاغة(٧) : قال ـ عليه السّلام ـ: أيّها النّاس، إنّه من استنصح(٨) [الله](٩) وفّق، ومن اتّخذ قوله دليلا، هدي للّتي هي أقوم.

( وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) (٩).

وقرأ(١٠) حمزة والكسائي: «ويبشر» بالتّخفيف.

( وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (١٠): عطف على( لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) ، والمعنى: أنّه يبشّر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم. أو على «يبشّر» بإضمار يخبر.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بكناية.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٢، ح ٢٤.

(٣) ليس في ب.

(٤) المصدر: الإمام.

(٥) المعاني / ١٣٢، ح ١.

(٦) من المصدر.

(٧) النّهج / ٢٠٥، الخطبة ١٤٧.

(٨) أي: من أطاع أوامره، وعلم أنّه يهديه إلى مصالحه، ويردّه عن مفاسده، ويرشده إلى ما فيه نجاته، ويصرفه عمّا فيه عطبه. (قاله ابن أبي الحديد في شرحه)

(٩) من المصدر.

(١٠) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٩.


( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ ) : ويدعو الله عند غضبه بالشّرّ على نفسه وأهله وماله.

أو يدعو فيما يحسبه خيرا وهو شرّ.

( دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ ) ، مثل دعائه بالخير.

( وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ) (١١): يسارع إلى كلّ ما يخطر بباله ولا ينظر عاقبته.

وقيل(١) : المراد: آدم ـ عليه السّلام ـ فإنّه لـمّـا انتهى الرّوح إلى سرّته ذهب لينهض، فسقط.

نقل(٢) : أنّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ دفع أسيرا إلى سودة بنت زمعة، فرحمته لأنينه، فأرخت أكتافه فهرب، فدعا عليها بقطع اليد ثمّ ندم، فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أللّهمّ، إنّما أنا بشر، فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة عليه. فنزلت.

ويجوز أن يراد بالإنسان: الكافر، وبالدّعاء: استعجاله بالعذاب استهزاء، كقول النّضر بن الحارث: أللّهمّ، انصر خير الحزبين( اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ ) (الآية)(٣) فأجيب له، فضرب عنقه يوم بدر صبرا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : ثمّ عطف على [آل محمّد](٥) بني أميّة فقال:( وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) .

قوله:( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ) قال: يدعو على أعدائه(٦) بالشّرّ، كما يدعو لنفسه بالخير ويستعجل الله بالعذاب، وهو قوله:( وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ) .

وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: واعرف طريق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو(٨) الله بشيء عسى فيه هلاكك وأنت تظنّ أنّ فيه نجاتك، قال الله ـ تعالى ـ:( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ) .

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن سلمان الفارسيّ قال: إنّ الله لـمّـا خلق آدم، فكان(١٠)

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٩.

(٣) الأنفال / ٣٢.

(٤) تفسير القمّي ٢ / ١٤.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدعو لأعدائه.

(٧) مصباح الشريعة / ١٣٢.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تدعو.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٣، ح ٢٦.

(١٠) المصدر: وكان.


أوّل ما خلق عيناه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق. فلمّا حانت أن يتبالغ الخلق(١) في رجليه، فأراد القيام، فلم يقدر. وهو قول الله: خلق(٢) الإنسان عجولا. وإنّ الله لـمّـا خلق آدم ونفخ فيه، لم يلبث أن تناول عنقود العنب فأكله(٣) .

عن هشام بن سالم(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا خلق الله(٥) آدم، و(٦) نفخ فيه من روحه، وثب ليقوم قبل أن يتمّ خلقه فسقط، فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ: وخلقنا(٧) الإنسان عجولا.

( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ) : تدلّان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره.

( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ) ، أي: الآية الّتي هل اللّيل بالإشراق. والإضافة فيها للتّبيين، كإضافة العدد إلى المعدود.

( وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) : مضيئة. أو مبصرة للنّاس، من أبصره. أو مبصرا أهله، كقولهم: أجبن الرّجل: إذا كان أهله جبناء.

وقيل(٨) : الآيتان القمر والشّمس، وتقدير الكلام: وجعلنا نيري اللّيل آيتين، أو جعلنا اللّيل والنّهار ذوي آيتين، ومحو آية اللّيل الّتي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النّور، أو نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق، وجعل آية النّهار الّتي هي الشّمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها.

( لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) : لتطلبوا في بياض النّهار أسباب معاشكم، وتتوصّلوا به إلى استبانة أعمالكم.

( وَلِتَعْلَمُوا ) : باختلافهما، أو بحركاتهما.

( عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) : جنس الحساب.

( وَكُلَّ شَيْءٍ ) : تفتقرون إليه في أمر الدّين والدّنيا.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلمّا جاء به لم يبلغ الخلق.

(٢) المصحف: كان.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ بدل العبارة الأخيرة: لم يستجمع أن يتناول عنقودا فأكله.

(٤) نفس المصدر، ح ٢٧.

(٥ و ٦) ليس في المصدر.

(٧) المصدر: «خلق» بدل «وخلقنا». وفي المصحف: «وكان».

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٧٩.


( فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ) (١٢): بيّنّاه تبياناً غير ملتبس.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن أبي بصير( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ) قال: هو السّواد الّذي في جوف القمر.

عن نصر بن قابوس(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: السّواد الّذي في القمر محمّد رسول الله.

عن أبي الطّفيل(٣) قال: كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ وهو على المنبر، وناداه ابن الكوّاء وهو في مؤخّر المسجد فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن هذا(٤) السّواد في القمر.

فقال(٥) : هو قول الله ـ تعالى ـ:( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ) .

عن ابن(٦) أبي الطّفيل(٧) قال: قال عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: سلوني عن كتاب الله، فإنّه ليس من آية إلّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار أو في سهل أو في جبل.

قال: فقال له ابن الكوّاء: فما هذا(٨) السّواد في القمر؟

فقال: أعمى سأل عن عمياء، أمّا سمعت الله يقول:( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) فذلك محوها.

وفي كتاب الخصال(٩) : حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا عليّ بن الحسن [الهسنجاني](١٠) قال: حدّثنا سعد بن كثير بن عفير قال: حدّثني أبي لهيعة(١١) وراشد(١٢) بن سعد، عن حريز بن(١٣) عبد الله، عن أبي عبد الرّحمن البجليّ(١٤) ، عن عبد الله بن عمر(١٥) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في مرضه الّذي توفيّ فيه :

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٣، ح ٢٨.

(٢) نفس المصدر، ح ٢٩.

(٣) نفس المصدر، ح ٣٠.

(٤) المصدر: هذه.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقال: قال.

(٦) لا يوجد في الثقلين ٣ / ١٤٢ عند نقل الرواية عن نفس المصدر.

(٧) نفس المصدر، ح ٣١.

(٨) المصدر: هذه.

(٩) الخصال / ٦٤٣، ح ٢٣.

(١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي لهيفة.

(١٢) المصدر: رشدين.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.

(١٤) المصدر: الحبليّ. (١٥) المصدر: عمر [و].


ادعوا لي أخي. فأرسلوا إلى عليّ ـ عليه السّلام ـ فدخل، فولّيا وجوههما إلى الحائط وردّا(١) عليهما ثوبا، فأسرّ إليه(٢) والنّاس محتوشوه(٣) وراء الباب، فخرج عليّ ـ عليه السّلام ـ فقال له رجل من النّاس: أسرّ إليك نبيّ الله شيئا؟

فقال: نعم، أسرّ إليّ ألف باب في كلّ باب ألف باب.

قال: ووعيته؟

قال: نعم، وعقلته.

قال: فما السّواد الّذي في القمر؟

قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول(٤) :( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ـ إلى قوله ـالنَّهارِ مُبْصِرَةً ) .

قال له الرّجل: عقلت، يا عليّ، [ووعيت](٥) .

وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى عبد الله بن يزيد بن سلم، أنّه سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: ما بال الشّمس والقمر لا يستويان في الضوء(٧) والنّور؟

قال: لـمّـا خلقهما الله ـ عزّ وجلّ ـ أطاعا ولم يعصيا شيئا، فأمر الله ـ عزّ وجلّ ـ جبرئيل ـ عليه السّلام ـ أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثّر المحو(٨) في القمر خطوطا سوداء، ولو أنّ القمر ترك على حاله بمنزلة الشّمس لم يمح(٩) لما عرف اللّيل من النّهار ولا النّهار من اللّيل، ولا علم الصّائم كم يصوم، ولا عرف النّاس عدد السّنين، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ) (الآية).

قال: صدقت، يا محمّد.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الاحتجاج(١٠) للطّبرسي ـ رضي الله عنه: وروى القاسم بن معاوية، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: لـمّـا خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ القمر كتب عليه: لا إله

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ردى.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فأسدى» بدل «فأسرّ إليه».

(٣) المصدر: محتوشون. واحتوش القوم فلانا: اجتمعوا عليه، وجعلوه في وسطهم.

(٤) المصدر: قال.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) العلل / ٤٧٠، ح ٣٣.

(٧) كذا في ب. وفي غيرها: الصغر. (٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: المحوق.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يمسح. (١٠) الاحتجاج / ١٥٨.


إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين، وهو السّواد الّذي ترونه.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وعن الأصبغ بن نباتة(١) قال: قال ابن الكوّاء لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أخبرني عن المحو الّذي يكون في القمر.

فقال ـ عليه السّلام ـ: الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر ،](٢) رجل أعمى يسأل عن مسألة عمياء، أما سمعت الله يقول:( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ ـ إلى قوله ـالنَّهارِ مُبْصِرَةً ) .

وفي نهج البلاغة(٣) : قال ـ عليه السّلام ـ: وجعل شمسها [آية مبصرة لنهارها، وقمرها](٤) آية ممحوّة من(٥) ليلها، وأجراهما في مناقل مجراهما وقدّر سيرهما في مدارج درجهما(٦) ، ليميّز بين اللّيل والنّهار بهما، وليعلم عدد السّنين والحساب بمقاديرهما.

( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ ) : عمله وما قدر له، كأنّه طير إليه من عشّ الغيب ووكر القدر لما كانوا يتيمّنون ويتشاءمون بسنوح الطّائر وبروحه، استعير لما هو سبب الخير والشّرّ من قدر الله ـ عزّ وجلّ ـ وعمل العبد.

( فِي عُنُقِهِ ) : لزوم الطّوق في عنقه.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) ، بإسناده إلى سدير الصّيرفيّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: فنظرت في كتاب الجفر في صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا [والرزايا](٨) وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الّذي خصّ الله به محمّدا والأئمّة من بعده ـ عليهم السّلام ـ وتأمّلت منه مولد قائمنا وغيبته(٩) وإبطاءه وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزّمان، وتولّد الشّكوك في قلوبهم من طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة(١٠) الإسلام من

__________________

(١) نفس المصدر / ٢٦٠.

(٢) من المصدر.

(٣) النهج / ١٢٨، الخطبة ٩١.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «يمحوه عن» بدل «ممحوّة من».

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقدّر مسيرهما في مدرج درجها.

(٧) كمال الدّين / ٣٥٣ ـ ٣٥٤، ح ٥٠.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: «مولد غائبنا» بدل «منه مولد قائمنا وغيبته».

(١٠) الربقة: العروة.


أعناقهم(١) . قال الله ـ تعالى جلّ ذكره ـ:( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) ، يعني: الولاية. فأخذتني الرّقّة، واستولت عليّ الأحزان.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) يقول: خيره وشرّه معه حيث كان، لا يستطيع فراقه حتّى يعطى كتابه يوم القيامة بما عمل.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ عن قوله:( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قال(٤) : قدره الّذي قدر عليه.

( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً ) : هي صحيفة عمله. أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإنّ الأفعال الاختياريّة تحدث في النّفس أحوالا ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات.

ونصبه، بأنّه مفعول. أو حال من مفعول محذوف، وهو ضمير الطّائر، ويعضده قراءة يعقوب(٥) : «ويخرج» ـ من خرج ـ وغيره: «ويخرج».

وقرئ(٦) : «ويخرج»، أي: الله ـ عزّ وجلّ ـ.

( يَلْقاهُ مَنْشُوراً ) (١٣): لكشف الغطاء. وهما صفتان للكتاب، أو «يلقاه» صفة و «منشورا» حال من مفعوله.

وقرأ ابن عامر(٧) : «يلقاه» على البناء للمفعول، من لقيته كذا.

( اقْرَأْ كِتابَكَ ) : على إرادة القول.

( كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (١٤)، أي: كفى نفسك، و «الباء» مزيده و «حسيبا» تمييز و «على» صلته، لأنّه إمّا بمعنى: الحاسب، كالصّريم بمعنى :

__________________

(١) المصدر: أعناقهم الّتي.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ١٧.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٤، ح ٣٢.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: كان.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٠.

وقوله: «ويعضده قراءة يعقوب»، أي: ويقوّي الحاليّة قراءة يعقوب، لأنّه على هذه القراءة لا يحتمل إلّا الحاليّة فيكون حالا من فاعل «يخرج».

(٦ و ٧) نفس المصدر والموضع.


الصّارم، وضريب(١) القداح بمعنى: ضاربها، من حسب عليه كذا. أو بمعنى: الكافي، فوضع موضع الشّهيد لأنّه يكفي المدّعي ما أهمّه.

وتذكيره(٢) ، على أنّ الحساب والشّهادة ممّا يتولّاه الرّجال، أو على تأويل النّفس بالشّخص.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ ) قال: يذكر العبد(٤) جميع ما عمل وما كتب عليه حتّى كأنّه فعله(٥) تلك السّاعة، فلذلك قالوا:( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) (٦) .

( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) : لا ينجي اهتداؤه غيره، ولا يردي ضلاله سواه.

( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) : ولا تحمل نفس(٧) حاملة وزرا وزر نفس أخرى، بل إنّما تحمل وزرها.

( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (١٥): يبيّن الحجج ويمهّد الشّرائع، فيلزمهم الحجّة. وفيه دليل على أنّ لا وجوب قبل الشّرع.

وفي مجمع البيان(٨) :( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) .

وروي عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: لا تجن(٩) يمينك عن شمالك. وهذا مثل ضربه ـ عليه السّلام ـ. وفي هذا دلالة واضحة على بطلان قول من يقول: إنّ أطفال الكفّار يعذّبون مع آبائهم في النّار.

( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ) : وإذا تعلّقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السّابق، أو دنا وقته المقدّر، كقولهم: إذا أراد المريض أن يموت، ازداد مرضه شدّة.

__________________

(١) أ، ب: ضرب.

(٢) قوله: «وتذكيره»، أي: يجب بحسب الظّاهر أن يقال: حسيبة، لأنّه صفة النّفس، لكنّه ذكّر إمّا باعتبار أنّ الحاسب والشاهد في الأغلب صفة للذكور فغلب التّذكير على التّأنيث، أو باعتبار أنّ النّفس بمعنى الشّخص.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٤، ح ٣٣.

(٤) المصدر: بالعبد.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فعل.

(٦) الكهف / ٤٩.

(٧) ليس في ب.

(٨) المجمع ٣ / ٤٠٤.

(٩) المصدر: تحن. وفي ب: تجر.


( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) : متنعّميها بالطّاعة على لسان(١) رسول بعثناه إليهم. ويدلّ على ذلك ما قبله وما بعده، فإنّ الفسق هو الخروج عن الطّاعة والتّمرّد في العصيان، فيدلّ على الطّاعة من طريق المقابلة.

وقيل(٢) : أمرناهم بالفسق، لقوله:( فَفَسَقُوا فِيها ) ، كقولك: أمرته فقرأ. فإنّه لا يفهم منه إلّا الأمر بالقراءة، على أنّ الأمر مجاز من الحمل عليه أو التّسبّب له، بأن صبّ عليهم من النّعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق. ويحتمل أن لا يكون له مفعول منويّ، كقولهم: أمرته فعصاني.

وقيل(٣) : معناه: كثّرنا، يقال: أمّرت الشّيء فأمّر: إذا كثّرته. وفي الحديث: «خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة»(٤) ، أي: كثيرة النّتاج. وهو ـ أيضا ـ مجاز من معنى الطّلب، ويؤيّده قراءة يعقوب: «آمرنا مترفيها»، ورواية «أمّرنا» عن أبي عمرو.

ويحتمل أن يكون منقولا من «أمر» بالضّمّ أمارة، أي: جعلناهم أمراء.

وتخصيص المترفين، لأنّ غيرهم يتبعهم ولأنّهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن حمران، عن أبي جعفر في قول الله:( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) قال: تفسيرها: أمرنا أكابرها.

عن حمران(٦) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) مشدّدة ميمه(٧) ، تفسيرها، كثّرنا. وقال: لا قرأتها(٨) مخفّفة.

وفي مجمع البيان(٩) : وقرأ يعقوب: «آمرنا» بالمدّ على وزن «عامرنا»، وهو قراءة عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. وقرأ: «أمّرنا»(١٠) ـ نافع بتشديد الميم ـ محمّد بن عليّ

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٠.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) قوله: «سكّة مأبورة ومهرة مأمورة». قال في الصّحاح: «السّكّة» الطّريقة المصطفّة من النّخل، و «المأبورة» الملقّحة. و «المهرة» الأنثى من ولد الفرس. قال: ومعنى هذا الكلام: خير المال نتاج أو زرع.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٤، ح ٣٥.

(٦) نفس المصدر، ح ٣٤.

(٧) كذا في تفسير الصّافي ٣ / ١٨٢. وفي النسخ: مضمومة. وفي المصدر: منصوبة.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لأقرأنها.

(٩) المجمع ٣ / ٤٠٥.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: وقرأ نافع.


ـ عليهما السّلام ـ بخلاف.

وفي عيون الأخبار(١) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع سليمان المروزيّ بعد كلام طويل، قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: ألا تخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ) ، يعني بذلك: أنّه يحدث إرادة؟

قال: نعم.

قال: فإذا حدث إرادة كان قولك: إنّ الإرادة هي هو(٢) أو شيء منه باطلا، لأنّه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغيّر عن حاله(٣) ، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: إنّه لم يكن عنى بذلك: أنّه يحدث إرادة.

قال: فما عنى به؟

قال: عنى: فعل الشّيء.

قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: ويلك كم تردّد في هذه المسألة، وقد أخبرتك أنّ الإرادة محدثة، لأنّ فعل الشّيء محدث.

قال: فليس لها معنى؟

قال الرضا ـ عليه السّلام ـ: قد وصف نفسه عندكم حتّى وصفها بالإرادة بما لا معنى [له](٤) ، فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يزل مريدا.

قال سليمان: إنّما عنيت: أنّها فعل من الله ـ تعالى ـ لم يزل.

قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولا وقديما وحديثا في حالة واحدة.

فلم يحر(٥) جوابا.

( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) ، يعني: كلمته السّابقة بالعذاب بحلوله. أو بظهور معاصيهم. أو بأنهما كهم في المعاصي.

( فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) (١٦): أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارها.

( وَكَمْ أَهْلَكْنا ) : وكثيرا أهلكنا.

__________________

(١) العيون ١ / ١٤٩، ح ١.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: هي.

(٣) المصدر: حالة.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلم يجر.


( مِنَ الْقُرُونِ ) : بيان «لكم» وتمييز له.

( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) ، كعاد وثمود.

( وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) (١٧): يدرك بواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها.

وتقديم «الخبير» لتقدّم متعلّقه.

( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ ) : مقصورا عليها همّه.

( عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) : قيّد المعجّل والمعجّل له بالمشيئة والإرادة، لأنّه لا يجد كلّ متمنّ ما يتمنّاه ولا كلّ واحد جميع ما يهواه، وليعلم أنّ الأمر بالمشيئة والهمّ فضل. و «لمن نريد» بدل من «له» بدل البعض.

وقرئ(١) : «يشاء» والضّمير فيه «لله» حتّى يطابق المشهورة.

وقيل(٢) : «لمن» فيكون مخصوصا بمن أراد الله به ذلك.

وقيل(٣) : الآية في المنافقين، كانوا يراؤون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلّا مساهمتهم في الغنائم ونحوها.

( ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) (١٨): مطرودا من رحمته.

وفي مجمع البيان(٤) :( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) . قيل: القرن(٥) مائة سنة. وروي ذلك مرفوعا.

وقيل(٦) : أربعون سنة. رواية ابن سيرين مرفوعا.

( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً )

وروى ابن عبّاس(٧) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: معنى الآية: من كان يريد ثواب الدّنيا بعمله الّذي افترضه الله عليه، لا يريد به وجه الله والدّار الآخرة، عجّل له فيها ما يشاء [الله](٨) من عرض الدّنيا وليس له ثواب في الآخرة، وذلك أنّ الله ـ سبحانه ـ يؤتيه ذلك ليستعين به على الطّاعة فيستعمله في معصية

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨١.

(٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) المجمع ٣ / ٤٠٧.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «قبل القرآن» بدل «قيل: القرن».

(٦ و ٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) من المصدر.


الله، فيعاقبه الله عليه.

( وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها ) : حقّها من السّعي، وهو الإتيان بمّا امر به والانتهاء عمّا نهي عنه لا التّقرّب بما يخترعون بآرائهم.

وفائدة «اللّام» اعتبار النّيّة والإخلاص.

( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) : إيمانا صحيحا لا شرك ولا تكذيب معه، فإنّه العمدة.

( فَأُولئِكَ ) : الجامعون للشّرائط الثّلاثة.

( كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) (١٩): من الله، أي: مقبولا عنده مثابا عليه، فإنّ شكر الله الثّواب على الطّاعة.

وفي روضة الواعظين(١) للمفيد ـ رضي الله عنه ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ومن أراد الآخرة فليترك زينة الحياة الدّنيا.

وفي من لا يحضره الفقيه(٢) : وروى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: تقول: أحرم لك شعري وبشري ولحمي وعظامي ومخّي وعصبي من النّساء [والثياب](٣) والطّيب، أبتغي بذلك وجهك والدّار الآخرة.

والحديث طويل.

أخذت منه موضع الحاجة.

وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن، عليّ بن يحيى، عن أيّوب عن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له احتج.

فيقول: ربّ، خلقتني وهديتني فأوسعت عليّ، فلم أزل أوسع على خلقك وأيسر عليهم لكي تنشر عليّ هذا اليوم رحمتك وتيسّره.

فيقول الله(٥) ـ جلّ ثناؤه وتعالى ذكره ـ: صدق عبدي، أدخلوه الجنّة.

وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه [عن ابن محبوب](٧) ، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا

__________________

(١) نور الثقلين ٣ / ١٤٦.

(٢) الفقيه ٢ / ٢٠٦، ح ٩٣٩.

(٣) من المصدر.

(٤) الكافي ٣ / ٤٠، ح ٨.

(٥) المصدر: الربّ.

(٦) نفس المصدر ٢ / ٨٤، ح ٥.

(٧) من المصدر.


الله ـ عزّ وجلّ ـ خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله ـ تبارك وتعالى ـ طلب الثّواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله ـ عزّ وجلّ ـ حبّا له فتلك عبادة الأحرار، وهي(١) أفضل العبادات(٢) .

وفي نهج البلاغة(٣) : هذا ما أمر(٤) به عبد الله، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه الله، ليولجه به الجنّة فيعطيه به الأمنة(٥) .

وفيه(٦) : وليس رجل، فيما أعلم(٧) ، أحرص على جماعة أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وألفتها منّى(٨) ، أبتغي بذلك حسن الثّواب وكريم(٩) المآب.

وفي أمالي الصّدوق(١٠) ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى النّبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: من صام يوما تطوّعا ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفرة.

وبإسناده(١١) إلى الصّادق، جعفر بن محمّد [عن أبيه](١٢) ـ عليهما السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (الآيات) حديث طويل، ستقف بتمامه ـ إن شاء الله تعالى ـ في( هَلْ أَتى ) (١٣) . وفيه:( إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ) [يقولون: لا نريد جزاء تكافئوننا(١٤) به، ولا شكورا](١٥) تثنون علينا به، ولكنّا إنّما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه.

( كُلًّا ) ، أي: كلّ واحد من الفريقين. والتّنوين بدل من المضاف إليه.

( نُمِدُّ ) : بالعطاء مرّة بعد أخرى، ونجعل آنفه مدد السّالفة.

( هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ ) : بدل من «كلّا».

( مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) : من معطاه، متعلّق «بنمدّ».

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فتلك» بدل «وهي».

(٢) المصدر: العبادة.

(٣) النهج / ٣٧٩، الكتاب ٢٤.

(٤) يوجد في ب بعدها زيادة: الله.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابتغاء وجه ربّه ليولجني به الجنّة ويعطني الأمنة.

(٦) نفس المصدر / ٤٦٦، الكتاب ٧٨.

(٧) المصدر: «فاعلم» بدل «فيما أعلم».

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «والفقهاء متى» بدل «وألفتها منّي».

(٩) المصدر: كرم.

(١٠) الأمالي / ٤٤٢، ح ٢.

(١١) نفس المصدر / ٢١٥، ح ١١.

(١٢) من المصدر.

(١٣) الدّهر / ١.

(١٤) المصدر: تكلّفوننا.

(١٥) ليس في ب.


( وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) (٢٠): ممنوعا، لا يمنعه في الدّنيا من مؤمن ولا كافر تفضّلا.

( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) : في الرّزق.

وانتصاب «كيف» «بفضّلنا» على الحال.

( وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) (٢١)، أي: التّفاوت في الآخرة أكبر، لأنّ التّفاوت فيها بالجنّة ودرجاتها، والنّار ودركاتها.

وفي مجمع البيان(١) : وروي أنّ ما بين أعلى درجات الجنّة وأسفلها ما بين السّماء والأرض.

وروى العيّاشي(٢) ، بالإسناد: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا تقولنّ الجنّة واحدة، إنّ الله يقول(٣) :( وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ) . ولا تقولنّ درجة واحدة، إنّ الله يقول: درجات بعضها فوق بعض. إنّما تفاضل القوم بالأعمال.

قال وقلت له: إنّ المؤمنين يدخلان الجنّة فيكون أحدهما أرفع مكانا من الآخر، فيشتهي أن يلقى صاحبه.

قال: من كان فوقه فله أن يهبط، ومن كان تحته لم يكن له أن يصعد لأنّه لم يبلغ ذلك المكان، ولكنّهم إذا أحبّوا ذلك واشتهوه التقوا على الأسرّة.

عن أنس(٤) ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: وإنّما يرتفع العباد غدا في الدّرجات وينالون الزّلفى من ربّهم على قدر عقولهم.

وفي كتاب جعفر بن محمّد الدّوريستيّ(٥) ، بإسناده إلى عمرو بن ميمون: أنّ ابن مسعود حدّثهم، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: يكون في النّار قوم ما شاء الله أن يكونوا، ثمّ يرحمهم الله فيكونون في أدنى الجنّة، فيغتسلون في نهر الحياة، يسمّيهم أهل الجنّة: الجهنّميّون. لو أضاف أحدهم أهل الدّنيا لأطعمهم وسقاهم وفرشهم ولحفهم وروّحهم، لا ينقص ذلك.

وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن محمّد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر ،

__________________

(١) المجمع ٣ / ٤٠٧.

(٢) نفس المصدر ٥ / ٢١٠، وفيه صدر للحديث.

(٣) الرحمن / ٦٢.

(٤) نور الثقلين ٣ / ١٤٧، ح ١٢٥.

(٥) نفس المصدر، ح ١٢٦.

(٦) الكافي ١ / ١١ ـ ١٢، ح ٨.


عن محمّد بن سليمان الدّيلميّ، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: فلان من عبادته ودينه و(١) فضله كذا.

فقال: كيف عقله؟

قلت: لا أدري، فقال: إنّ الثّواب على قدر العقل، إنّ رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر خضراء نضرة كثيرة الشّجر ظاهرة الماء، وأنّ ملكا من الملائكة مرّ به، فقال: يا ربّ، أرني ثواب عبدك هذا.

فأراه الله ذلك، فاستقلّه الملك.

فأوحى الله إليه: أن اصحبه.

فأتاه الملك في صورة إنسيّ، فقال له: من أنت؟

فقال: أنا رجل عابد بلغني مكانك وعبادتك في هذا المكان، فأتيتك لأعبد الله معك.

فكان معه يومه ذلك، فلمّا أصبحا(٢) قال له الملك: إنّ مكانك لنزه، وما يصلح إلّا للعبادة.

فقال له العابد: إنّ لمكاننا هذا عيبا.

فقال: وما هو؟

قال: ليس لرّبنا بهيمة، فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع فإنّ هذا الحشيش يضيع.

فقال له الملك: وما لربّك حمار؟

فقال: لو كان له حمار ما كان يضيع مثل هذا الحشيش.

فأوحى الله إلى الملك: إنّما أثيبه على قدر عقله.

( لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) : الخطاب للرّسول والمراد به أمّته، أو لكلّ أحد.

( فَتَقْعُدَ ) : فتصير، من قولهم: شحذ الشّفرة حتّى قعدت كأنّها حربة. أو فتعجز، من قولهم: قعد عن الشّيء: إذا عجز عنه.

( مَذْمُوماً مَخْذُولاً ) (٢٢): جامعا على نفسك الذّم من الملائكة والمؤمنين ،

__________________

(١) أ، ب، المصدر: في.

(٢) المصدر: أصبح.


والخذلان من الله. ومفهومه: أنّ الموحّد يكون ممدوحا منصورا.

( وَقَضى رَبُّكَ ) ، أي: أمر أمرا مقطوعا به.

( أَلَّا تَعْبُدُوا ) : بأن لا تعبدوا.

( إِلَّا إِيَّاهُ ) : لأنّ غاية التّعظيم لا تحقّ إلّا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام، وهو كالتّفصيل لسعي الآخرة.

ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة و «لا» ناهية.

( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) : وبأن تحسنوا. أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا، لأنّهما السّبب الظّاهر للوجود والتّعيّش.

ولا يجوز أن تتعلّق الباء «بالإحسان»، لأنّ صلته لا تتقدّم عليه(١) .

( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما ) .

«إمّا» «إن» الشّرطيّة زيدت عليها «ما» تأكيدا، ولذلك صحّ لحوق النّون المؤكّدة للفعل(٢) .

و «أحدهما» فاعل «يبلغنّ»، أو بدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين».

و «كلاهما» عطف على «أحدهما» فاعلا، أو بدلا، ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف(٣) ومعنى «عندك»: أن يكونا في كنفك أو كفالتك.

( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) : فلا تتضجّر ممّا يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدلّ على التّضجّر.

__________________

(١) قوله: «لأن صلته لا تتقدّم عليه»، أي: صلة المصدر لا تتقدّم على المصدر. أمّا إذا كان معمول المصدر ظرفا وجارّا ومجرورا، جاز أن يتقدّم عليه.

(٢) قوله: «ولذلك صحّ لحوق النّون المؤكّدة للفعل» للقاعدة المقرّرة في النّحو: أنّ فعل الشّرط يؤكّد بالنّون المؤكّدة إذا لحق «ما» حرف الشّرط.

(٣) قوله: «ولذلك لم يجز أن يكون تأكيدا للألف»، أي: لأجل أنّه معطوف على «أحدهما» لا يجوز أن يكون تأكيدا لألف «يبلغان».


وقيل(١) : اسم الفعل الّذي هو «أتضجّر» وهو مبنيّ على الكسر لالتقاء السّاكنين، وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتّنكير.

وقرأ(٢) ابن كثير وابن عامر ويعقوب، بالفتح، على التّخفيف(٣) .

وقرئ(٤) به منوّنا وبالضّمّ للإتباع، كمنذ منوّنا وغير منوّن.

والنّهي عن ذلك يدلّ على المنع من سائر أنواع الإيذاء، قياسا بطريق الأولى.

وقيل(٥) : عرفا، كقولك: فلان لا يملك النّقير والقطمير. ولذلك منع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حذيفة من قتل أبيه وهو في صفّ المشركين، نهى عمّا يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما(٦) .

( وَلا تَنْهَرْهُما ) : ولا تزجرهما عمّا لا يعجبك بإغلاظ.

وقيل(٧) : النّهي والنّهر والنّهم أخوات.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) :( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) قال: لو علم أنّ شيئا أقلّ من( أُفٍ ) لقاله.( وَلا تَنْهَرْهُما ) ، أي: لا تخاصمهما.

( وَقُلْ لَهُما ) : بدل التّأفيف والنّهر( قَوْلاً كَرِيماً ) (٢٣): جميلا لا شراسة فيه.

( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ ) : تذلّل لهما وتواضع فيهما. جعل للذّلّ جناحا، كما جعل لبيد في قوله :

وغداة ريح قد كشفت وقرة(٩)

إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها

للشّمال يدا، وللقرة زماما. وأمره بخفضه(١٠) مبالغة. أو أراد جناحه، كقوله(١١) : و( اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) . وإضافته إلى «الذّلّ» للبيان والمبالغة، كما أضيف حاتم إلى

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٢.

(٣) قوله: «وقرأ ...». ليس المراد بالتّخفيف تخفيف الفاء إذ ليس هو قراءة ابن عامر، بل المراد أنّ فتح الفاء هو تخفيف الكسرة.

(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) قوله: «وقيل عرفا ...»، أي: يدلّ عرفا على ما ذكره، فيكون معناه: ما ذكر، وهو المنع من سائر الأذى، كما أنّ قولهم: فلان لا يملك النّقير والقطمير، معناه: أنّه لا يملك شيئا.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) تفسير القمّي ٢ / ١٨.

(٩) القرة: البرودة.

(١٠) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٨٢. وفي النسخ: بحفضهما.

(١١) الحجر / ٨٨.


الجود. والمعنى: واخفض لهما جناحك الذّليل.

وقرئ(١) : «الذّل» بالكسر، وهو الانقياد، والنّعت منه ذلول.

( مِنَ الرَّحْمَةِ ) : من فرط رحمتك عليهما، لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس.

( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ) : وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين، لأنّ من الرّحمة أن يهديهما.

( كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) (٢٤): رحمة مثل رحمتهما عليّ، وتربيتهما إليّ، وإرشادهما لي في صغري، وفاء بوعدك للرّاحمين.

نقل(٢) : أنّ رجلا قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ أبويّ بلغا من الكبر اني ألِي منهما ما وليا منّي في الصّغر، فهل قضيتهما حقّهما؟

قال: لا، فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبّان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما.

وفي كتاب التّوحيد(٣) ، بإسناده إلى ابن عبّاس: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: فقال الشّيخ: يا أمير المؤمنين، فما القضاء والقدر اللّذان ساقانا وما هبطنا واديا ولا علونا تلعة(٤) إلّا بهما؟

فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: الأمر من الله والحكم. ثمّ تلا هذه الآية:( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) .

وفي أصول الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى. وعليّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط(٦) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) ما هذا الإحسان؟

فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئا [ممّا يحتاجان إليه](٧) وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله(٨) ـ عزّ وجلّ ـ :

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٢.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) التوحيد / ٣٨٢، ح ٢٨.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: قلعة.

(٥) الكافي ٢ / ١٥٧ ـ ١٥٨.

(٦) أ، ب، ر: الخياط.

(٧) من المصدر.

(٨) آل عمران / ٩٢.


( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) .

قال: ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: وأمّا قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِمَّا يَبْلُغَنَ ـ إلى قوله ـوَلا تَنْهَرْهُما ) قال: إن أضجراك فلا تقل لهما أفّ، ولا تنهرهما إن ضرباك.

قال:( وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ) قال: إن ضرباك، فقل لهما: غفر الله لكما.

فذلك [منك](١) قول كريم.

قال:( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: لا تملأ(٢) عينيك من النّظر إليهما إلّا برحمة(٣) ورقّة، ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما(٤) ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقم قدّامهما.

محمّد بن يحيى(٥) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن حديد بن حكيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أدنى العقوق أف. ولو علم الله شيئا أهون منه، لنهى عنه.

[عنه(٦) ،](٧) عن يحيى بن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لو علم الله شيئا أدنى من أف لنهى عنه، وهي أدنى العقوق. ومن العقوق أن ينظر الرّجل إلى والديه فيحدّ النّظر إليهما.

عليّ بن إبراهيم(٨) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي المأمون الحارثيّ قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما حقّ المؤمن على المؤمن؟

قال: إنّ من حقّ المؤمن [على المؤمن](٩) مودّته(١٠) له في صدره.

... إلى أن قال: [وإذا قال](١١) له: أفّ، فليس بينهما ولاية.

عليّ بن إبراهيم(١٢) ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرّحمن ،

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لا تمل» بدل «قال لا تملأ». والمراد بملء العينين: حدّة النّظر.

(٣) قال المجلسي (ره): لعلّ الاستثناء في قوله: «إلّا برحمة» منقطع.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: صوتهما.

(٥) نفس المصدر / ٣٤٨، ح ١.

(٦) نفس المصدر / ٣٤٩، ح ٧.

(٧) من المصدر.

(٨) نفس المصدر / ١٧١، ح ٧.

(٩) ليس في ب.

(١٠) المصدر: المودّة.

(١١) ليس في ب.

(١٢) نفس المصدر ٢ / ١٥٨، ح ٥.


عن [درست بن أبي](١) منصور، عن أبي الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما حقّ الوالد على الولد؟ قال: لا يسمّيه باسمه، ولا يمشي بين يديه، ولا يجلس قبله، ولا يستسبّ له(٢) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وفي حديث آخر أنّ «أفّا» بالألف، أي(٤) : فلا تقل لهما أفّا(٥) ( وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً ) ، أي: حسنا.( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) قال: تذلّل لهما ولا تتبختر(٦) عليهما.

وفي روضة الواعظين(٧) للمفيد ـ رضي الله عنه ـ: قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: قوله ـ تعالى ـ:( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) قال: الوالدين(٨) محمّد وعليّ.

وفي عيون الأخبار(٩) ، في باب ذكر ما كتب به الرّضا ـ عليه السّلام ـ إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وحرّم الله ـ تعالى ـ عقوق الوالدين لما فيه من الخروج عن التّوقير لطاعة الله، والتّوقير للوالدين، وتجنّب كفر النّعمة وإبطال الشّكر، وما يدعو في ذلك إلى قلّة النّسل وانقطاعه، لما في العقوق من قلّة توقير الوالدين والعرفان بحقّهما، وقطع الأرحام والزّهد من الوالدين في الولد، وترك التّربية لعلّة ترك الولد برّهما.

وفي كتاب الخصال(١٠) : فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: إذا قال المؤمن لأخيه: أفّ، انقطع ما بينهما. فإن(١١) قال له: أنت كافر، كفر أحدهما. وإذا اتّهمه انماث(١٢) الإسلام في قلبه، كانمياث(١٣) الملح في الماء.

عن موسى بن بكر الواسطيّ(١٤) قال: قلت لأبي الحسن، موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ: الرّجل يقول لابنه أو لابنته: بأبي أنت وأمّي، أو بأبويّ، أترى بذلك بأسا؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) أي: لا يفعل ما يصير سببا لسبّ النّاس له، كأن يسبّهم أو آباءهم، وقد يسبّ النّاس والد من يفعل فعلا شنيعا قبيحا.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ١٨.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «بالأفّ» بدل «أفّا بالألف أي».

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أفّ.

(٦) المصدر: لا تتجبّر.

(٧) روضة الواعظين ١ / ١٠٥.

(٨) المصدر: الوالد.

(٩) العيون ٢ / ٩٠، ح ١.

(١٠) الخصال ٢ / ٦٢٣، من حديث أربعمائة.

(١١) ب، المصدر: فإذا.

(١٢) أي: ذاب.

(١٣) المصدر: كما نيماث.

(١٤) نفس المصدر / ٢٦، ح ٩٤.


فقال: إن كان أبواه حيّين فأرى [ذلك](١) عقوقا، وإن كانا قد ماتا فلا بأس.

عن عبد الله(٢) بن الفضل الهاشميّ(٣) قال(٤) : قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ثلاثة من عازّهم(٥) ذلّ: الوالد والسّلطان والغريم.

عن جعفر بن محمّد(٦) ، عن أبيه، عن آبائه، [عن عليّ](٧) ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يلزم الوالدين من العقوق لولدهما إذا كان الولد صالحا ما يلزم [الولد](٨) لهما.

عن عنبسة(٩) بن مصعب(١٠) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ثلاث لم يجعل الله ـ تعالى ـ لأحد من النّاس فيهنّ رخصة: برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين، والوفاء(١١) بالعهد للبرّ والفاجر، وأداء الأمانة للبرّ(١٢) والفاجر.

وفي من لا يحضره الفقيه(١٣) ، في باب الحقوق المرويّة بإسناده: عن سيّد العابدين ـ عليه السّلام ـ: وأمّا حقّ أمّك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحّي وتظلّلك، وتهجر النّوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها(١٤) إلّا بعون الله وتوفيقه.

وأمّا حقّ أبيك فأن تعلم أنّه أصلك، فإنّك لولاه لم تكن، فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النّعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك، ولا قوة إلّا بالله.

وفي مجمع البيان(١٥) : روي عن عليّ بن موسى الرّضا، عن أبيه، عن جدّه، أبي

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: عبيد الله.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الهاشم.

(٤) نفس المصدر / ١٩٥، ح ٢٧٠.

(٥) كذا في المصدر، أي: غالبهم. وفي النسخ: عاندهم.

(٦) نفس المصدر / ٥٥، ح ٧٧.

(٧) من المصدر.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦٤٦. وفي النسخ: عتبة.

(١٠) نفس المصدر ١ / ١٢٨، ح ١٢٩.

(١١) المصدر: وفاء. (١٢) المصدر: إلى البرّ.

(١٣) الفقيه ٢ / ٣٧٨، ح ١٦٢٦.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: شكرا. (١٥) المجمع ٣ / ٤٠٩.


عبد الله ـ عليهم السّلام ـ قال: لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من «أفّ» لأتى به.

وفي رواية أخرى(١) ، عنه ـ عليه السّلام ـ قال: أدنى العقوق أف، ولو علم الله شيئا أيسر منه أو أهون منه لنهى عنه.

وفي خبر آخر(٢) : فليعمل العاقّ ما شاء(٣) أن يعمل، فلن يدخل الجنّة.

وروى أبو أسيد(٤) الأنصاريّ(٥) قال: بينا نحن عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برّ أبويّ شيء أبرّهما به(٦) بعد موتهما؟

قال: نعم، الصّلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرّحم الّتي لا توصل إلّا بهما.

وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن معمّر بن خلّاد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أدعو لوالديّ إذا(٨) كانا لا يعرفان الحقّ؟

قال: ادع لهما وتصدّق عنهما، وإن كانا حيّين لا يعرفان الحقّ فدارهما، فإنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إنّ الله بعثني بالرّحمة لا بالعقوق.

عليّ بن إبراهيم(٩) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، من أبرّ؟

قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

[قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟

__________________

(١ و ٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) المصدر: يشاء.

(٤) كذا في المصدر. وفي م ن: أبو سيد. وفي غيرها: أبو أسعد.

(٥) نفس المصدر / ٤١٠.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبرّ بهما.

(٧) الكافي ٢ / ١٥٩، ح ٨.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: إن.

(٩) نفس المصدر، ح ٩.


قال: أمّك.

قال: ثمّ من؟](١) قال: أباك.

عليّ بن محمّد(٢) ، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرّزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: ثمّ بعث الله محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو بمكّة عشر سنين، فلم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد: أن لا إله إلّا الله وأن محمّدا رسول الله، إلّا أدخله [الله](٣) الجنّة بإقراره، وهو إيمان التّصديق، ولم يعذّب الله أحدا ممّن مات وهو متّبع لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ على ذلك إلّا من أشرك بالرّحمن، وتصديق ذلك أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكّة:( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ـ إلى قوله ـإِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) . أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف، ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شيء ممّا نهى عنه، وأنزل نهيا عن أشياء حذّر عليها ولم يغلّظ فيها ولم يتواعد عليها، وقال:( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) وتلا الآيات إلى قوله:( مَلُوماً مَدْحُوراً ) .

( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ ) : من قصد البرّ إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التّوقير، فكأنّه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا.

( إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ) : قاصدين الصّلاح.

( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ ) : للتّوّابين.

( غَفُوراً ) (٢٥): ما فرط منهم عند حرج الصّدر من أذيّة أو تقصير. وفيه تشديد عظيم.

ويجوز أن يكون عامّا لكلّ تائب، ويندرج فيه الجاني على أبويه التّائب من جنايته اندراجا أوّليا لوروده على أثره.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن عبد الله بن عطاء [المكّي](٥) قال: قال أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: يا ابن عطاء، ترى زاغت الشّمس؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) نفس المصدر ٢ / ٢٩ ـ ٣٠، ح ١.

(٣) من المصدر.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٦، ح ٤١.

(٥) من المصدر.


فقلت: جعلت فداك، وما علمي بذلك وأنا معك؟

فقال: لا، لم تفعل وأوشك.

قال: فسرنا، فقال: قد فعلت.

قلت: هذا المكان الأحمر؟

قال: ليس يصلّى هاهنا، هذه أودية النّمال وليس يصلّى.

قال: فمضينا إلى أرض بيضاء، قال: هذه سبخة وليس يصلّى بالسّباخ.

قال: فمضينا إلى أرض حصباء، فقال: هاهنا.

فنزل ونزلت، فقال: يا ابن عطاء، أتيت بالعراق فرأيت القوم يصلّون بين تلك السواري في مسجد الكوفة؟

قال: قلت: نعم.

قال: أولئك(١) شيعة أبي، عليّ، هذه صلاة الأوّابين، إنّ الله يقول:( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ) .

عن أبي بصير(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول في قوله:( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ) قال: هم التّوّابون المتعبّدون.

عن أبي بصير(٣) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: يا أبا محمّد، عليكم بالورع والاجتهاد وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحبة لمن صحبكم وطول السّجود، وكان ذلك من سنن الأوّابين. قال أبو بصير: «الأوّابون» التّوّابون.

عن هشام بن سالم(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: من صلّى أربع ركعات [فقرأ](٥) في كلّ ركعة خمسين مرة( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) كانت صلاة فاطمة ـ صلوات الله عليها ـ وهي صلاة الأوّابين.

عن محمّد بن حفص(٦) [بن عمر](٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كانت صلاة الأوّابين خمسين صلاة، كلّها بقل هو الله أحد.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: هؤلاء.

(٢) نفس المصدر، ح ٤٢.

(٣) نفس المصدر، ح ٤٣.

(٤) نفس المصدر، ح ٤٤.

(٥) من المصدر مع المعقوفتين.

(٦) نفس المصدر / ٢٨٧، ح ٤٥.

(٧) من المصدر.


وفي مجمع البيان(١) :( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ) الأوّاب التّوّاب.

... إلى قوله: وقيل: إنّهم الّذين يصلّون بين المغرب والعشاء. روي ذلك مرفوعا.

( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) : من صلة الرّحم وحسن المعاشرة والبرّ عليهم.

وقيل(٢) : المراد بذي القربى: أقارب الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وقيل(٣) : في تفسير العامّة: وصّى ـ سبحانه ـ بغير الوالدين من القرابات والمساكين وأبناء السّبيل بأن تؤتى حقوقهم بعد أن وصّى بهما.

وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع المأمون في الفرق بين العترة والأمّة حديث طويل، وفيه: قالت العلماء: فأخبرنا هل فسّر الله ـ تعالى ـ الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: فسّر الاصطفاء في الظّاهر سوى الباطن في اثني عشر موطنا وموضعا، فأوّل ذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ.

... إلى أن قال ـ عليه السّلام ـ: والآية الخامسة قول الله ـ تعالى ـ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) خصوصية خصّصهم(٥) الله العزيز الجبّار بها، واصطفاهم على الأمّة. فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: ادعوا لي فاطمة.

فدعيت له، فقال: يا فاطمة.

قالت: لبّيك، يا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هذه فدك هي ممّا لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي(٦) خاصّة دون المسلمين، فقد جعلتها(٧) لك لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك.

فهذه الخامسة.

وفي أصول الكافي(٨) : محمّد بن الحسين وغيره، عن سهل، عن محمّد بن عيسى، ومحمّد بن يحيى ومحمّد بن الحسين، جميعا، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر

__________________

(١) المجمع ٣ / ٤١٠.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٣.

(٣) نفس المصدر / ٥٨٢ ـ ٥٨٣.

(٤) العيون ١ / ١٨١ ـ ١٨٣، ح ١.

(٥) المصدر: خصّهم.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: له.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: جعلها.

(٨) الكافي ١ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤، ح ٣.


وعبد الكريم عن عمرو، عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: ثمّ قال ـ جلّ ذكره ـ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) . وكان عليّ ـ عليه السّلام ـ وكان حقّه الوصيّة الّتي جعلت له، والاسم الأكبر، وميراث العلم وآثار علم(١) النّبوّة.

عليّ بن محمّد بن عبد الله(٢) ، عن بعض أصحابنا أظنّه السّياريّ، عن عليّ بن أسباط قال: لـمّـا ورد أبو الحسن، موسى ـ عليه السّلام ـ على المهديّ رآه يردّ المظالم.

فقال: يا أمير المؤمنين، ما بال مظلمتنا لا تردّ؟

فقال له: وما ذاك، يا أبا الحسن؟

قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ لـمّـا فتح على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ فدك وما والاها، ممّا(٣) لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب(٤) ، فانزل الله على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) . ولم يدر رسول الله من هم، [فراجع في ذلك جبرئيل ـ عليه السّلام ـ](٥) وراجع جبرئيل ربّه.

فأوحى الله إليه: أن ادفع فدك إلى فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

فدعاها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال لها: يا فاطمة، [إنّ الله](٦) أمرني أن أدفع إليك فدك.

فقالت: قد قبلت، يا رسول الله، من الله ومنك.

فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله، فلمّا ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاءها، فأتته فسألته أن يردّها عليها.

فقال لها: ائتيني بأسود وأحمر يشهد لك بذلك.

فجاءت بأمير المؤمنين(٧) ـ عليه السّلام ـ وأمّ أيمن فشهدا لها، فكتب لها بترك التّعرّض، فخرجت والكتاب معها فلقيها(٨) عمر.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) نفس المصدر ١ / ٥٤٣، ح ٥.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) الإيجاف: السّير الشديد. وفي قوله تعالى :( فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ ) . قالوا: المعنى: ما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلا ولا ركابا وإنّما مشيتم على أرجلكم، فلم تحصلوا أموالهم بالغلبة والقتال ولكنّ الله سلّط رسله عليه وحواه أموالهم.

(٥ و ٦) ليس في ب.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمير المؤمنين.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلقاها.


فقال: ما هذا معك، يا بنت محمّد؟

قالت: كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة.

قال: أرينيه. فأبت، فانتزعه من يدها ونظر فيه، ثمّ تفل فيه ومحاه وخرقه، وقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب، فضعي الجبال(١) في رقابنا.

فقال له المهدي: [يا أبا الحسن ،](٢) حدّها لي.

فقال: حدّ منها جبل أحد، وحدّ منها عريش(٣) مصر، وحدّ منها سيف البحر، وحدّ منها دومة الجندل(٤) .

فقال له: كلّ هذا؟

قال: نعم، يا أمير المؤمنين، هذا كلّه. [إنّ هذا](٥) ممّا لم يوجف على أهله(٦) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بخيل ولا ركاب.

فقال: كثير، أنظر(٧) فيه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) ، يعني: قرابة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ونزلت(٩) في فاطمة ـ عليها السّلام ـ فجعل لها فدك، والمسكين من ولد فاطمة ـ عليها السّلام ـ، وابن السّبيل من آل محمّد وولد

__________________

(١) المصدر: الحبال. قال المجلسيّ (ره) في مرآة العقول: في بعض النّسخ بالحاء المهملة، أي: ضعي الحبال لترفعنا إلى حاكم، قاله تحقيرا وتعجيزا، وقاله تقريعا على المحال بزعمه، أي: أنّك إذا أعطيت ذلك وضعت الحبل على رقابنا وجعلتنا عبيدا لك أو أنّك إذا حكمت على ما لم يوجف عليها أبوك بأنّها ملكت فاحكمي على رقابنا ـ أيضا بالملكيّة. وفي بعض النسخ بالمعجمة، أي: إن قدرت على وضع الجبال على رقابنا فضعي.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: عرش.

(٤) قال ياقوت: «عريش» مدينة كانت أوّل عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الرّوم في وسط الرّمل. ثمّ ذكر بعد كلام له وجه تسميته بالعريش فراجع.

وسيف البحر: ساحله. ودومة الجندل: حصن بين المدينة والشام يقرب من تبوك وهي إلى الشام أقرب، سمّيت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم (ع)، وسمّيت دومة الجندل لأنّ حصنها مبنيّ بالجندل.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يوجف أهله على.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: النظر.

(٨) تفسير القمّي ٢ / ١٨.

(٩) المصدر: أنزلت.


فاطمة.

وفي كتاب الاحتجاج(١) للطّبرسي ـ رضي الله عنه ـ: عن عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه لبعض الشّاميّين: أما قرأت هذه الآية:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ [وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ (٢) ]) ؟

قال: نعم.

قال ـ عليه السّلام ـ: فنحن أولئك الّذين أمر الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يؤتيهم حقّهم.

وفي مجمع البيان(٣) : وأخبرنا السّيّد أبو الحمد.

... إلى قوله: عن أبي سعيد الخدريّ قال: لـمّـا نزل قوله:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) أعطى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فاطمة فدك(٤) .

قال عبد الرّحمن بن صالح: كتب المأمون إلى عبيد الله(٥) بن موسى يسأله عن قصّة فدك، فكتب إليه عبيد الله(٦) بهذا الحديث، رواه عن الفضيل(٧) بن مرزوق عن عطيّة، فردّ المأمون فدك على(٨) ولد فاطمة ـ عليها السّلام ـ.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن عبد الرّحمن، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا أنزل الله( وَآتِ ) (١٠) ( ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ) قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا جبرئيل، قد عرفت المسكين، فمن ذو القربى؟

قال: هم أقاربك.

فدعا حسنا وحسينا وفاطمة، فقال: إنّ ربّي أمرني أن أعطيكم ممّا أفاء الله(١١) عليّ قال: أعطيتكم(١٢) فدكا.

عن أبان بن تغلب(١٣) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أعطى فاطمة فدكا؟

__________________

(١) الاحتجاج / ٣٠٧.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) المجمع ٣ / ٤١١.

(٤) المصدر: فدكا.

(٥ و ٦) المصدر: عبد الله.

(٧) ب: الفضل.

(٨) المصدر: فدكا إلى.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٧، ح ٤٦.

(١٠) المصدر: فآت.

(١١) ليس في المصدر.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعطيكم.

(١٣) نفس المصدر، ح ٤٧.


قال: كان وقفها، فانزل الله( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) فأعطاها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حقّها.

قلت: رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أعطاها؟

قال: بل الله أعطاها(١) .

عن جميل بن درّاج(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أتت فاطمة أبا بكر تريد فدكا.

قال: هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك.

قال: فأتت بأمّ(٣) أيمن.

فقال لها: تشهدين؟

قالت: أشهد أنّ جبرئيل أتى محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: إنّ الله يقول:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) . فلم يدر محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ من هم، فقال: يا جبرئيل، سل ربّك من هم؟ فقال: فاطمة ذو القربى، فأعطاها فدكا.

فزعموا أنّ عمر محا الصّحيفة، وقد كان كتبها أبو بكر.

عن أبي الطّفيل(٤) ، عن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال يوم(٥) الشّورى: أفيكم أحد تمّ نوره من السّماء حين قال:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ) ؟

قالوا: لا.

( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) (٢٦): بصرف المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه على وجه الإسراف.

وأصل التّبذير، التّفريق.

وفي محاسن البرقيّ(٦) : عنه، عن أبيه، عن عليّ بن حديد، عن منصور بن يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) قال: لا تبذّر(٧) ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ بدل العبارة الأخيرة: نعم.

(٢) نفس المصدر، ح ٤٩.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أمّ.

(٤) نفس المصدر / ٢٨٨، ح ٥٢.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: قوم.

(٦) المحاسن / ٢٥٧، ح ٢٩٨.

(٧) المصدر: لا تبذّروا.


وفي الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن عامر بن جذاعة قال: جاء رجل إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال له ـ عليه السّلام ـ: اتّق الله ولا تسرف ولا تقتّر ولكن بين ذلك قواما، إنّ التّبذير من الإسراف، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) .

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قوله:( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) .

قال: من أنفق شيئا في غير طاعة الله، فهو مبذّر، ومن أنفق في سبيل الله، فهو مقتصد.

عن أبي بصير(٣) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) .

قال: لا تبذّر في ولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ.

عن بشر بن مروان(٤) قال: دخلنا على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فدعا برطب، فأقبل بعضهم يرمي النّوى.

قال: فأمسك أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ يده، فقال: لا تفعل، إنّ هذا من التّبذير، وإنّ الله لا يحبّ الفساد.

وفي مجمع البيان(٥) :( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً )

وروي عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال لعناية(٦) : كن زاملة(٧) للمؤمنين فإنّ خير المطايا أمثلها وأسلمها ظهرا، ولا تكن من المبذّرين.

( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) : أمثالهم في الشّرارة، فإنّ التّضييع والإتلاف شرّ. أو أصدقاءهم وأتباعهم، لأنّهم يطيعونهم في الإسراف والصّرف في

__________________

(١) الكافي ٣ / ٥٠١، ح ١٤.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٨، ح ٥٣.

(٣) نفس المصدر، ح ٥٧. إلّا أنّ الحديث سنده هكذا عن جميل، عن إسحاق بن عمار.

(٤) كذا في المصدر. ح ٥٨. وفي النسخ: موزون.

(٥) المجمع ٣ / ٤١١.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: لعامة.

(٧) الزّاملة ـ مؤنث الزّامل ـ: ما يحمل عليه من الإبل وغيرها. وتسند إلى العقلاء، فيقال: هو زاملة من زوامل القلم والدّواة، أو الشّعر والنّثر، على التّشبيه في التّحمّل أو عدم الدّراية.


المعاصي.

نقل(١) : أنّهم كانوا ينحرون الإبل ويتياسرون عليها ويبذّرون أموالهم في السّمعة، فنهاهم الله ـ تعالى ـ عن ذلك وأمرهم بالإنفاق في القربات.

( وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) (٢٧): مبالغا في الكفر به، فينبغي أن لا يطاع.

( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) : وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السّبيل حياء من الرّدّ.

ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم: أن لا ينفعهم، على سبيل الكناية.

( ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ) : لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، أو منتظرين له(٢) .

وقيل(٣) : معناه: لفقد رزق من ربّك ترجوه أن يفتح لك. فوضع الابتغاء موضعه، لأنّه مسبّب عنه.

ويجوز أن يتعلّق بالجواب الّذي هو قوله:( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) (٢٨): قولا ليّنا ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم بإجمال القول لهم.

و «الميسور» من يسر الأمر، مثل: سعد الرّجل ونحس.

وقيل: «القول [الميسور](٤) » الدّعاء لهم بالميسور، وهو اليسر، مثل: أغناكم الله، ورزقنا الله وإيّاكم.

وفي مجمع البيان(٥) :( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) (الآية)

وروي أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان لـمّـا نزلت هذه الآية، إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي قال: يرزقنا الله وإيّاكم من فضله.

وفي كتاب المناقب(٦) لابن شهر آشوب، بعد ذكر فاطمة ـ عليها السّلام ـ وما تلقى

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٣.

(٢) قوله: «أو منتظرين له»، يعني: أنّ «ابتغاء» إمّا مفعول له وإمّا حال من ضمير ذوي القربى وغيرهم فيكون المعنى: وإمّا تعرضنّ عن ذوي القربى وغيرهم حال كونهم منتظرين.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) ليس في ب.

(٥) المجمع ٣ / ٤١١.

(٦) المناقب ٣ / ٣٤١ ـ ٣٤٢.


من الطّحن: من كتاب الشّيرازيّ، أنّها لـمّـا ذكرت حالها وسألت جارية بكى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا فاطمة، والّذي بعثني بالحقّ، إنّ في المسجد أربعمائة رجل مالهم طعام ولا ثياب، ولو لا خشيتي خصلة لأعطيتك يا فاطمة ما سألت، إنّي لا أريد أن ينفكّ عنك(١) أجرك إلى الجارية، وإنّي أخاف أن يخصمك عليّ بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله ـ عزّ وجلّ ـ إذا طلب حقّه منك.

ثمّ علّمها صلاة التّسبيح، فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: مضيت تريدين من رسول الله الدّنيا فأعطانا الله ثواب الآخرة.

قال أبو هريرة(٢) : فلمّا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من عند فاطمة، أنزل الله على رسوله( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) ، يعني: عن قرابتك وابنتك فاطمة.( ابْتِغاءَ ) ، يعني: طلب( رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) ، يعني(٣) رزق من ربّك.( تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) ، يعني: قولا حسنا. فلمّا نزلت هذه الآية أنفذ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إليها جارية للخدمة، وسمّاها فضّة.

( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) : تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذّر(٤) ، نهى عنهما آمرا بالاقتصاد بينهما الّذي هو الكرم.

( فَتَقْعُدَ مَلُوماً ) : فتصير ملوما عند الله وعند النّاس بالإسراف وسوء التّدبير.

( مَحْسُوراً ) (٢٩): نادما. أو منقطعا بك(٥) لا شيء عندك، من حسره السّفر: إذا بلغ منه(٦) .

وفي الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة(٨) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ ) (الآية)

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «لا ينفكّ» بدل «ينفكّ عنك».

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ بعدها زيادة: طالب.

(٤) قوله: «تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذّر» الظاهر من كلامه أنّ هاهنا استعارتين تمثيليّتين، فالمشبّه في الأوّل هو بخل الشّخص بما في يده وتصرّفه إلى الغاية والمشبّه به جعل اليد مغلولة إلى العنق، فاستعمل ما هو موضوع الثّاني في الأوّل وقس عليه التّمثيل الثّاني.

(٥) قوله: «أو منقطعا بك» على صيغة المفعول.

(٦) قوله: «إذا بلغ منه» يقال: بلغ منه المرض: إذا أثّر فيه تأثيرا تامّا.

(٧) الكافي ٤ / ٥٥، ح ٦.

(٨) المصدر: يزيد.


قال: «الإحسار» الفاقة.

عليّ بن محمّد(١) ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فجاء سائل فقام إلى مكتل(٢) فيه تمر فملأ يده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، [ثمّ جاء آخر فسأله، فقام فأخذ بيده فناوله](٣) ، ثمّ جاء آخر فقال: الله رازقنا وإيّاكم(٤) .

ثم قال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان لا يسأله أحد من الدّنيا شيئا إلّا أعطاه، فأرسلت إليه إمرأة ابنا لها فقال: انطلق إليه فاسأله، فإن قال لك: ليس عندنا شيء. فقل: أعطني قميصك.

قال: فأخذ قميصه فرمى به إليه. وفي نسخة أخرى: فأعطاه. فأدّبه الله ـ تبارك وتعالى ـ على القصد [فقال :](٥) ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) .

عدّة من أصحابنا(٦) ، عن سهل بن زياد وأحمد بن محمّد، عن الحسن [بن محبوب](٧) ، عن عبد الله بن سنان [عن عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٨) في قوله ـ تبارك وتعالى ـ:( الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) . فبسط كفّه وفرّق أصابعه وحناها شيئا.

وعن قوله ـ تعالى ـ:( وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) فبسط راحته وقال: هكذا.

وقال: «القوام» ما يخرج من بين الأصابع ويبقى في الرّاحة منه شيء.

عليّ بن إبراهيم(٩) ، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: ثمّ علّم الله ـ جلّ اسمه ـ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ كيف ينفق، وذلك أنّه كانت عنده أوقيّة من الذهب [فكره أن تبيت عنده ،

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٧.

(٢) المكتل: زنبيل من خوص.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: إيّاك.

(٥) من المصدر.

(٦) نفس المصدر / ٥٦، ح ٩.

(٧) ليس في ب.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) نفس المصدر ٥ / ٦٧ ـ ٦٨، ح ١.


فتصدّق بها، فأصبح وليس عنده شيء، فجاءه من يسأله](١) ، فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السّائل واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيما رقيقا(٢) ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فأدّب الله ـ عزّ وجلّ ـ نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ بأمره فقال:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) يقول: إنّ النّاس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت(٣) من المال.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن الحلبيّ، عن بعض أصحابه، عنه قال: قال أبو جعفر لأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ: يا بنيّ، عليك بالحسنة بين الشّيئين تمحوهما.

قال: وكيف ذلك، يا أبة؟

قال: مثل [قوله:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) .

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

عن ابن سنان(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في](٦) قوله:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ) قال: فضمّ يده وقال: هكذا.

عن محمّد بن يزيد(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(٨) في قوله:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) . قال: «الإحسار» الإقتار.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٩) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) . فإنّه كان سبب نزولها: أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان لا يردّ أحدا يسأله شيئا عنده، فجاءه رجل فسأله فلم يحضره شيء.

فقال: يكون ـ إن شاء الله تعالى ـ.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: رفيقا.

(٣) حسر الرّجل: أعيا، وكلّ، وانقطع.

(٤) نور الثقلين ٣ / ١٥٩، ح ١٧٩.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٩، ح ٦٠.

(٦) ليس في أ.

(٧) نفس المصدر، ح ٦١.

(٨) في المصدر بعدها: قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

(٩) تفسير القمّي ٢ / ١٨ ـ ١٩.


فقال: يا رسول الله، أعطني(١) قميصك. وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لا يردّ أحدا عمّا عنده فأعطاه قميصه، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) فهنأه [الله ـ عزّ وجلّ ـ](٢) أن يبخل أو يسرف ويقعد محسورا من الثّياب.

فقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: «المحسور» العريان.

وفي تهذيب الأحكام(٣) : الحسن بن محمّد بن سماعة، عن محمّد بن زياد، عن عبد الله بن سنان في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ) . قال: ضمّ يده وقال: هكذا.

( وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) قال: بسط راحته وقال: هكذا.

( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) : يوسّعه ويضيّقه بمشيئته التّابعة للحكمة، فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك(٤) .

( إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) (٣٠): يعلم سرّهم وعلنهم، فيعلم(٥) من مصالحهم ما يخفى عليهم.

ويجوز أن يراد: أنّ البسط والقبض من أمر الله ـ تعالى ـ العالم بالسّرائر والظّواهر، فأمّا العباد فعليهم أن يقتصدوا. أو أنّه ـ تعالى ـ يبسط تارة ويقبض أخرى، فاستنّوا بسنّته ولا تقبضوا كلّ القبض ولا تبسطوا كلّ البسط.

وفي نهج البلاغة(٦) : قال ـ عليه السّلام ـ: وقدّر الأرزاق فكثّرها وقلّلها وقسّمها على الضّيق والسّعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشّكر والصّبر من غنيّها وفقيرها.

وفي أصول الكافي(٧) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أعط.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) التهذيب ٧ / ٢٣٦، ح ١٠٣١.

(٤) قوله: «فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك»، أي: ليس ما يغشاك من الإضافة، أي: التّضييق في المال والعيش إلّا لمصلحتك وإن كانت خافية عليك.

(٥) ليس في ب.

(٦) النهج / ١٣٤، الخطبة ٩١.

(٧) الكافي ٢ / ٦٠، ح ٤.


رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قال الله ـ عزّ وجلّ ـ: إنّ من عبادي المؤمنين عبادا(١) لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالغنى والسّعة والصّحّة في البدن، فأبلوهم بالغنى والسّعة وصحّة البدن [فيصلح عليهم أمر دينهم](٢) . وإنّ من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلّا بالفاقة [والمسكنة](٣) والسّقم في أبدانهم، فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسّقم فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) : مخافة الفاقة. وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر، فنهاهم الله عنه وضمن لهم أرزاقهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : مخافة الفقر والجوع، فإنّ العرب كانوا يقتلون أولادهم لذلك.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم قال: لا يملق حاجّ أبدا.

قلت: وما الإملاق؟

قال: قول الله:( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) .

عن إسحاق بن عمّار(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الحاج لا يملق أبدا.

قال: قلت: ما الإملاق؟

قال: الإفلاس وتلا هذه الآية.

( نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ) (٣١): ذنبا كبيرا، لما فيه من قطع التّناسل وانقطاع النّوع.

و «الخطأ» الإثم، يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) من المصدر.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) تفسير القمّي ٢ / ١٩.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٨٩، ح ٦٢.

(٦) نفس المصدر، ح ٦٣.


وقرأ(١) ابن عامر: «خطأ» وهو اسم من «أخطأ» يضادّ الصّواب.

وقيل(٢) : لغة فيه، كمثل ومثل، وحذر وحذر.

وقرأ(٣) ابن كثير: «خطاء» بالمدّ والكسر، وهو إمّا لغة فيه، أو مصدر «خاطأ»، وهو وإن لم يسمع ولكنّه جاء تخاطأ في قوله :

تخاطأه القنّاص حتّى وجدته

وخرطومه في منقع الماء راسب

وهو مبنيّ عليه(٤) .

وقرئ(٥) : «خطاء» بالفتح والمدّ. و «خطا» بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا.

( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) : بالعزم والإتيان بالمقدّمات، فضلا عن أن تباشروه.

( إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ) : فعلة ظاهرة القبح زائدته(٦) .

( وَساءَ سَبِيلاً ) (٣٢): وبئس طريقا طريقه، وهو الغصب على الأبضاع المؤدّي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ) يقول: معصية ومقتا، فإنّ الله يمقته ويبغضه.

قال(٨) :( وَساءَ سَبِيلاً ) وهو أشدّ النّاس عذابا. والزّنا من أكبر الكبائر.

وفي عيون الأخبار(٩) ، في باب ذكر ما كتب به الرّضا إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل: وحرّم الزّنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس، وذهاب الأنساب، وترك التّربية للأطفال، وفساد المواريث، وما أشبه ذلك من وجوه الفساد.

وفي كتاب الخصال(١٠) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال في وصيّة له: يا عليّ ،

__________________

(١ و ٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٤.

(٤) أي: تخاطؤ، من باب التفاعل، مبنىّ على «خطأ» الذي هو من باب المفاعلة.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) ليس في ب.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ١٩.

(٨) المصدر: قوله.

(٩) العيون ٢ / ٩٠، ح ١.

(١٠) الخصال / ٣٢٠ ـ ٣٢١، ح ٣.


في الزّنا ستّ خصال: ثلاث منها في الدّنيا، وثلاث في الآخرة، فأمّا الّتي في الدّنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرّزق، وأمّا الّتي في الآخرة فسوء الحساب وسخط الرّحمن والخلود في النّار.

وعن أبي عبد الله(١) ـ عليه السّلام ـ قال: للزّاني [ستّ خصال ،](٢) ثلاث في الدّنيا، وثلاث في الآخرة. وذكر نحوه.

عن حذيفة اليمانيّ(٣) قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا معشر المسلمين، إيّاكم والزّنا فإنّ فيه ستّ خصال. وذكر نحوه ـ أيضا ـ.

عن أبي عبد الله(٤) ـ عليه السّلام ـ: إذا فشت أربعة ظهرت أربعة، إذا فشا الزّنا، ظهرت الزّلازل. (الحديث)

وعن عليّ(٥) ـ عليه السّلام ـ: أربعة لا تدخل(٦) واحدة منهنّ بيتا إلّا خرب ولم يعمر: الخيانة، والسّرقة، وشرب الخمر، والزّنا.

عن الحلبّي(٧) قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: المؤمن لا تكون سجيّته الكذب ولا البخل ولا الفجور، ولكن ربّما ألمّ من هذا بشيء فلا يدوم عليه.

قيل له: أفيزني؟

[قال: نعم ،](٨) هو مفتن(٩) توّاب ولكن لا يولد له من تلك النّطفة.

عن جعفر بن محمّد(١٠) ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما عجّت الأرض إلى ربّها كعجيجها من ثلاثة: من دم حرام يسفك عليها، واغتسال من زنا(١١) ، والنّوم عليها قبل طلوع الشّمس.

( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ ) قيل(١٢) : إلّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن

__________________

(١) نفس المصدر / ٣٢١، ح ٤.

(٢) من المصدر.

(٣) نفس المصدر / ٣٢٠، ح ٢.

(٤) نفس المصدر / ٢٤٢، ح ٩٥.

(٥) نفس المصدر / ٢٣٠، ح ٧٣.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أربعة لا يدن منهنّ واحدة بيتا.

(٧) نفس المصدر / ١٢٩، ح ١٣٤.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: مفتر.

(١٠) نفس المصدر / ١٤١، ح ١٦٠.

(١١) المصدر: أو.

(١٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٤.


معصوم عمدا.

وفي من لا يحضره الفقيه(١) : روي عن عليّ بن حسّان الواسطيّ، عن عمّه، عبد الرّحمن بن كثير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الكبائر سبع فينا أنزلت ومنّا استحلّت.

... إلى قوله: وأمّا قتل النّفس الّتي حرّم الله، فقد قتلوا الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ وأصحابه.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: [من](٣) قتل النّفس الّتي حرّم الله، فقد قتل(٤) الحسين ـ عليه السّلام ـ في أهل بيته.

( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً ) : غير مستوجب للقتل.

( فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ ) : الّذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث.

( سُلْطاناً ) : تسلّطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه. أو بالقصاص على القاتل، فإنّ قوله: «مظلوما» يدلّ على أنّ القتل عمدا عدوان، فإنّ الخطأ لا يسمّى ظلما.

( فَلا يُسْرِفْ ) [، أي: القاتل](٥) ( فِي الْقَتْلِ ) : بأن يقتل من لا يحقّ قتله، فإنّ العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك. أو الوليّ بالمثلة. أو قتل غير القاتل.

ويؤيد الأوّل قراءة أبيّ: «فلا تسرفوا»(٦) . وقراءة حمزة والكسائيّ: «فلا تسرف» على خطاب أحدهما(٧) .

( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) (٣٣): علّة النّهى على الاستئناف.

__________________

(١) الفقيه ٣ / ٣٦٦، ح ١٧٤٥.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٠، ح ٦٤.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: قتلوا.

(٥) ليس في ب.

(٦) قوله: «ويؤيّد الأول قراءة أبيّ: فلا تسرفوا» فإنّ «لا تسرفوا» يناسب أن يكون الخطاب للنّاس حتّى يوجب نهيهم عن القتل، أمّا إذا كان الخطاب للوليّ فينبغي أن يكون الفعل للواحد الغائب لا للجمع. وإنّما قال: يؤيد الأول، ولم يقل: نصّ فيه، لأنّه يمكن أن يكون جمع الضّمير باعتبار تعدّد الأولياء.

(٧) قوله: «على خطاب أحدهما»، أي: القاتل، أو الوليّ.


والضّمير إمّا للمقتول فإنّه منصور في الدّنيا بثبوت القصاص بقتلة وفي الآخرة بالثّواب، وإمّا لوليّه فإن الله نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته، وإمّا للّذي يقتله الوليّ إسرافا بإيجاب القصاص أو التّعزير والوزر على المسرف.

وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن القاسم بن عروة، عن أبي العبّاس وغيره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا اجتمعت العدّة على قتل رجل واحد، حكم الوالي(٢) أن يقتل أيّهم شاءوا وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) .

عليّ بن محمّد(٣) ، عن بعض أصحابه، عن محمّد بن سليمان، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول في كتابه:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) فما هذا الإسراف الّذي نهى الله عنه؟

قال: نهى أن يقتل غير قاتله، أو يمثّل بالقاتل.

قلت: فما معنى قوله:( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) ؟

قال: وأيّ نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى ولي المقتول فيقتله، لا تبعة تلزمه من قتله في دين ولا دنيا.

وفي روضة الكافي(٤) : عليّ بن محمّد، عن صالح عن الحجّال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) (٥) .

قال: نزلت في الحسين ـ عليه السّلام ـ، لو قتل أهل الأرض به ما كان سرفا.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية في الحسين ـ عليه السّلام ـ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ )

__________________

(١) الكافي ٧ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥، ح ٩.

(٢) ب: الولي.

(٣) نفس المصدر / ٣٧٠، ح ٧.

(٤) نفس المصدر ٨ / ٢٥٥، ح ٣٦٤.

(٥) كذا في المصدر والمصحف. وفي النسخ: بالقتل.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٠، ح ٦٩.


(١) قاتل(٢) الحسين ـ عليه السّلام ـ.

( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) قال: الحسين ـ عليه السّلام ـ.

عن سلام بن المستنير(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) قال: هو الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قتل مظلوما ونحن أولياؤه، والقائم منّا إذا قام(٤) طلب بثأر الحسين فيقتل حتّى يقال: قد أسرفت(٥) في القتل. وقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: المقتول الحسين ووليّه القائم، والإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) فإنّه لا يذهب من الدّنيا حتّى ينتصر برجل من آل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٦) .

عن أبي العبّاس(٧) قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن رجلين قتلا رجلا.

قال: يخيّر وليّه أن يقتل أيّهما شاء ويغرم الباقي نصف الدّية، أعني: دية المقتول فيردّ على ذرّيّته(٨) : وكذلك إن قتل رجل إمرأة إن قبلوا دية المرأة فذاك، وإن أبي أولياؤها إلّا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرّجل وقتلوه، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) .

عن حمران(٩) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: وقد قال الله:( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) نحن أولياء الحسين بن علي ـ عليه السّلام ـ(١٠) [والقائم منّا](١١) .

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ) : فضلا أن تتصرّفوا فيه.

( إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) : إلّا بالطّريقة الّتي هي أحسن.

( حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) : غاية لجواز التّصرّف الّذي دلّ عليه الاستثناء.

__________________

(١) كذا في المصدر والمصحف. وفي النسخ: بالقتل.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقال.

(٣) نفس المصدر، ح ٦٧.

(٤) المصدر: قام منّا.

(٥) أسرف.

(٦) ب، المصدر: ظلما وجورا.

(٧) نفس المصدر / ٢٩١، ح ٦٨.

(٨) المصدر: ورثته.

(٩) نفس المصدر، ح ٦٩.

(١٠) ب: نحن أولياؤه.

(١١) من ب.


وفي من لا يحضره الفقيه(١) : روى منصور بن حازم، عن هشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: [انقطاع اليتيم الاحتلام وهو أشدّه.

وروى الحسن بن عليّ الوشّاء(٢) ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال :](٣) إذا بلغ الغلام أشدّه ثلاث عشرة سنة ودخل في الأربع عشرة سنة وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم، فكتبت(٤) عليه السيئات وكتبت له الحسنات، وجاز له كلّ شيء إلّا أن يكون ضعيفا أو سفيها.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عنه ـ عليه السّلام ـ ما يقرب منه.

( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ) : بما عاهدكم الله من تكاليفه. أو بما عاهدتموه وغيره.

( إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ) (٣٤): مطلوبا، يطلب من المعاهد أن لا يضيّعه ويفي به. أو مسؤولا عنه، يسأل النّاكث [ويعاتب عليه](٦) . أو يسأل العهد: لم نكثت؟

تبكيتا للنّاكث، كما يقال للموءودة: «بأيّ ذنب قتلت»(٧) فيكون تخييلا(٨) . ويجوز أن يراد، أنّ صاحب العهد كان مسؤولا.

وفي كتاب الخصال(٩) : عن عنبسة(١٠) بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: ثلاثة لم يجعل الله لأحد من النّاس فيهنّ رخصة.

... إلى قوله ـ عليه السّلام ـ: والوفاء(١١) بالعهد للبرّ والفاجر.

( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ) : ولا تبخسوا فيه.

( وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) : بالميزان السّويّ. وهو روميّ معرّب، ولا يقدح ذلك في عربيّة القرآن، لأنّ العجميّ إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في

__________________

(١) الفقيه ٤ / ١٦٣، ح ٥٦٩.

(٢) نفس المصدر / ١٦٤، ح ٥٧١.

(٣) ما بين المعقوفتين لا يوجد في النسخ. ولعلّ المصنّف (ره) أسقطها عند نقل الحديث من تفسير نور الثقلين.

(٤) المصدر: وكتب.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩١، ح ٧٠.

(٦) ليس في ب.

(٧) التكوير / ٩.

(٨) قوله: «فيكون تخييلا»، أي: لا يسأل العهد حقيقة، إذ العهد غير عاقل حتّى يسأل عن الشيء، بل المراد مجرّد تخييل للسّؤال تعييرا وتوبيخا للنّاكث.

(٩) الخصال / ١٢٨، ح ١٢٩.

(١٠) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٦٤٦. وفي النسخ: عتبة.

(١١) المصدر: وفاء.


الإعراب والتّعريف والتّنكير ونحوها، صار عربيّا.

وقرأ(١) حمزة والكسائي وحفص، بكسر القاف، هنا وفي الشّعراء.

( ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (٣٥): وأحسن عاقبة(٢) . تفعيل، من آل: إذا رجع.

( وَلا تَقْفُ ) : ولا تتّبع.

وقرئ(٣) : «ولا تقف» من قاف أثره: إذا قفاه. ومنه القافة.

( ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) : ما لم يتعلّق به علمك تقليدا، أو رجما بالغيب.

واحتجّ به من منع اتّباع الظّنّ، وأجيب: بأنّ المراد بالعلم هو الاعتقاد الرّاجح المستفاد من سند، سواء كان قطعا أو ظنّا، واستعماله بهذا المعنى شائع.

وقيل(٤) : إنّه مخصوص بالعقائد.

وقيل(٥) : بالرّمي وشهادة الزّور. ويؤيّده قوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال(٦) ، حتّى يأتي بالمخرج.

وقول الكميت :

ولا أرمي البريء بغير ذنب

ولا أقفو الحواصن إن قفينا

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: القسطاس المستقيم هو الميزان الّذي له لسان.

وفيه(٨) : قوله:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) قال: لا ترم [أحدا](٩) بما ليس لك به علم، وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من بهت(١٠) مؤمنا أو مؤمنة أقيم في طينة خبال، أو يخرج ممّا قال.

( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ ) ، أي: كلّ هذه الأعضاء. فأجراها مجرى العقلاء لـمّـا كانت مسؤولة عن أحوالها، شاهدة على صاحبها، هذا وإنّ «أولاء»

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٥.

(٢) ليس في ب.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤ و ٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) الرّدغة: الوحل الكثير. وردغة الخبال: ما سال من جلود أهل النّار يوم القيامة.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ١٩.

(٨) نفس المصدر والموضع.

(٩) من المصدر.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: نهر.


وإن غلب في العقلاء لكنّه من حيث أنّه اسم(١) جمع، لذا وهو يعمّ القبيلين، جاء لغيرهم، كقوله :

والعيش بعد أولئك الأيام

( كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) (٣٦).

في ثلاثتها ضمير «كلّ»(٢) ، أي: كان كلّ واحد منها مسؤولا عن نفسه، يعني: عمّا فعل به صاحبه.

ويجوز أن يكون الضّمير في «عنه» لمصدر «لا تقف»، أو لصاحب السّمع والبصر.

وقيل(٣) : «مسؤولا» مسند إلى «عنه»، كقوله: «غير المغضوب عليهم» والمعنى: يسأل صاحبه عنه. وهو خطأ، لأنّ الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدّم.

قيل(٤) : وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية.

وقرئ(٥) : «والفواد» بقلب الهمزة واوا بعد الضّمّة، ثمّ إبدالها بالفتح.

وفي من لا يحضره الفقيه(٦) : وقال رجل للصّادق ـ عليه السّلام ـ: إنّ لي جيرانا ولهم جوار يتغنّين ويضر بن بالعود، فربّما دخلت المخرج فأطيل الجلوس استماعا منّي لهنّ.

فقال له الصّادق ـ عليه السّلام ـ: [لا تفعل.

فقال: والله ما هو شيء آتيه برجلي، إنّما هو سماع أسمعه بأذني.

فقال له ـ عليه السّلام ـ :](٧) يا لله أنت(٨) . أما سمعت الله يقول:( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

فقال الرّجل: كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ من عربيّ ولا عجميّ، ولا جرم أنّي قد تركتها، وأنا استغفر الله ـ تعالى ـ.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) قوله: «في ثلاثتها ضمير كلّ»، أي: في «كان» و «عنه» و «مسؤولا» ضمير راجع إلى «كلّ».

(٣ و ٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٥.

(٦) الفقيه ١ / ٤٥، ح ١٧٧.

(٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: تا الله أنت.


وفي عيون الأخبار(١) ، بإسناده إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: حدّثني سيّدي، عليّ بن محمّد بن عليّ الرّضا، عن [أبيه، محمّد بن عليّ، عن أبيه، الرّضا، عن](٢) آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليهم السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السّمع، وإنّ عمر منّي بمنزل البصر، وإنّ عثمان منّي بمنزل الفؤاد.

فلمّا كان من الغد دخلت عليه، وعنده أمير المؤمنين وأبو بكر وعمر وعثمان، فقلت له: يا أبة، سمعتك تقول في أصحابك هؤلاء قولا، فما هو؟

فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: نعم. ثمّ أشار إليهم، فقال: هم السّمع والبصر والفؤاد، سيسألون(٣) عن وصيّي هذا. وأشار إلى عليّ بن أبي طالب.

ثمّ قال: إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

ثمّ قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وعزّة ربّي، إنّ جميع أمّتي موقوفون يوم القيامة ومسؤولون عن ولايته، وذلك قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) .

وفي كتاب علل الشّرائع(٤) : محمّد بن موسى بن المتوكّل ـ رضي الله عنه ـ قال: حدّثنا عليّ بن الحسين(٥) السّعدآباديّ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ(٦) ، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسنيّ قال: حدّثني عليّ بن جعفر، عن أخيه، موسى بن جعفر، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: قال عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: ليس لك أن تتكلّم بما شئت، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ولأن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو صمت فسلم. وليس لك أن تسمع ما شئت، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول :](٧) ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

__________________

(١) العيون ١ / ٢٤٤، ح ٨٦.

(٢) ليس في ب.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يسألون.

(٤) العلل / ٦٠٦، ح ٨٠.

(٥) المصدر: الحسن.

(٦) يوجد في جميع النسخ هنا زيادة: عن عبد الله البرقي.

(٧) ليس في ب.


وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد(٢) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن قال: إن الله ـ تبارك وتعالى ـ فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها ـ: ثمّ نظّم ما فرض على القلب واللّسان والبصر في آية أخرى فقال:( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) ، يعني بالجلود: الفروج والأفخاذ. وقال:( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) . فهذا ما فرض على العينين من غضّ البصر عمّا حرم الله، وهو عملهما، وهو من الإيمان.

عدّة من أصحابنا(٣) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه. ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، جميعا عن البرقيّ، عن النّضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبيّ، عن عبد الله، عن الحسن بن(٤) هارون قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

قال: يسأل السّمع عمّا سمع، والبصر عمّا نظر إليه، والفؤاد عمّا عقد عليه.

وفي الكافي(٥) : عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال له رجل: بأبي أنت وأمّي، إنّي أدخل كنيفا(٦) لي ولي جيران وعندهم جوار يتغنّين. وذكر إلى آخر ما نقلنا عن من لا يحضره الفقيه.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال له رجل: بأبي أنت وأمّي، إنّي أدخل كنيفا لي ولي جيران وعندهم جوار يتغنّين.

ذكر إلى آخر ما نقلت عنه ـ أيضا ـ.

__________________

(١) الكافي ٢ / ٣٣ ـ ٣٦، ح ١.

(٢) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ١٥. وفي النسخ: يزيد.

(٣) نفس المصدر / ٣٧، ح ٢.

(٤) المصدر: «عبيد الله بن [الحسن، عن الحسن بن]» بدل «عبد الله، عن الحسن بن».

(٥) نفس المصدر ٦ / ٤٣٢، ح ١٠.

(٦) الكنيف: حظيرة من خشب أو شجر تتّخذ للإبل والغنم تقيها الرّيح والبرد. أو: المرحاض.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٢، ح ٧٦.


[عن الحسن(١) ](٢) قال: كنت أطيل الجلوس(٣) في المخرج لأسمع غناء بعض الجيران.

قال: فدخلت على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال لي: يا حسن( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

قال: السّمع وما وعى، والبصر وما رأى، والفؤاد وما عقد عليه.

عن الحسن بن هارون(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) . قال: [يسأل](٥) السّمع عمّا يسمع، والبصر عمّا يطرف، والفؤاد عمّا عقد(٦) عليه.

وفي مصباح الشّريعة(٧) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: ومن نام بعد فراغه من أداء الفرائض والسّنن والواجبات من الحقوق، فذلك نوم محمود، وإنّي لا أعلم لأهل زماننا هذا [شيئا](٨) إذا أتوا بهذه الخصال أسلم من النّوم، لأنّ الخلق تركوا مراعاة دينهم ومراقبة أحوالهم وأخذوا شمال الطّريق، والعبد إن اجتهد أن لا يتكلّم كيف يمكنه أن لا يسمع إلّا ما هو مانع له من ذلك، وإنّ النّوم من إحدى تلك الآلات(٩) ، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١٠) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لا تزول(١١) قدم عبد يوم القيامة من بين يدي الله حتّى يسأله عن أربع خصال: عمرك فيما أفنيته، وجسدك فيما أبليته، ومالك من أين اكتسبته(١٢) وأين وضعته، وعن حبّنا أهل البيت.

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٧٤.

(٢) من المصدر.

(٣) المصدر: القعود.

(٤) نفس المصدر، ح ٧٥. وفيه: الحسين بن هارون.

(٥) من المصدر.

(٦) المصدر: يعقد.

(٧) مصباح الشريعة / ٤٥.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: من أحد الآلات.

(١٠) تفسير القمّي ٢ / ١٩ ـ ٢٠.

(١١) المصدر: لا يزول. وفي ب: تزلّ.

(١٢) المصدر: كسبته.


( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) ، أي: ذا مرح، وهو الاختيال.

وقرئ(١) : «مرحا»، وهو باعتبار الحكم أبلغ وإن كان المصدر آكد من صريح النّعت(٢) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : أي: بطرا و(٤) فرحا.

( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ) : لن تجعل فيها خرقا بشدّة وطأتك.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : أي: لم تبلغها كلّها.

( وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ) (٣٧): بتطاولك. وهو تهكّم بالمختال، وتعليل للنّهي بأنّ الاختيال حماقة مجرّدة لا تعود بجدوى ليس في التّذلّل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : أي: لا تقدر أن تبلغ قلل الجبال.

وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد(٨) قال: حدّثنا أبو عمرو الزّبيريّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ بعد أن قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها ـ: وفرض على الرّجلين أن لا يمشى بهما إلى شيء من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يرضي الله ـ عزّ وجلّ ـ فقال:( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ) .

وفي من لا يحضره الفقيه(٩) : قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ لابنه محمّد بن الحنفيّة: وفرض على الرّجلين أن تنقلهما في طاعته وأن لا تمشي بهما مشية عاص، فقال

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٥.

(٢) قوله: «وهو باعتبار الحكم أبلغ الخ»، أي: قراءة «مرحا» حتّى يكون أبلغ وآكد باعتبار الحكم، أي باعتبار النّهي عن المرح، فإنّ قراءة «مرحا» يدلّ على النّهي عن المرح، أي: الاختيال مطلقا، وأمّا قراءة «مرحا» بفتح الرّاء فليس في مرتبة ذلك التّأكيد، لأنّه يدلّ على النّهي عن المبالغة في المرح والاختيال لأنّه في الظاهر عن أن يكون الماشي عين المرح وان كان نهى الاتّصاف بالمصدر آكد من الاتّصاف بالصفّة.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ٢٠.

(٤) المصدر: أو.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) نفس المصدر والموضع.

(٧) الكافي ٢ / ٣٣ ـ ٣٦، ح ١.

(٨) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ١٥. وفي النسخ: يزيد.

(٩) نور الثقلين ٣ / ١٦٧، ح ٢١٨ نقل الوصيّة في الفقيه ٤ / ٢٧٥، ح ٨٣٠، ولكن لا يوجد فيها هذه الفقرة.


ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ ) (الآية).

( كُلُّ ذلِكَ ) : إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله:( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) .

وعن ابن عبّاس(١) : أنّها مكتوبة في ألواح عيسى وموسى(٢) .

( كانَ سَيِّئُهُ ) ، يعني: المنهيّ عنه، فإنّ المذكورات مأمورات ومناه.

وقرأ(٣) الحجازيّان والبصريّان: «سيّئة» على أنّه خبر «كان» والاسم ضمير «كلّ» و «ذلك» إشارة إلى ما نهى عن ذلك خاصّة، وعلى هذا قوله:( عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) (٣٨): بدل من «سيّئة»، أو صفة لها محمولة على المعنى(٤) ، فإنّه بمعنى: «سيأ» وقد قرئ به.

ويجوز أن ينتصب «مكروها» على الحال من المستكنّ في «كان»، أو في الظّرف على أنّه صفة «سيّئة» والمراد به: المبغوض المقابل للمرضيّ لا ما يقابل المراد لقيام القاطع، على أنّ الحوادث كلّها واقعه بإرادته ـ تعالى ـ(٥) .

( ذلِكَ ) : إشارة إلى الأحكام المقدّمة.

( مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) : الّتي هي معرفة الحقّ لذاته والخير للعمل به.

( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) :

كرّره للتّنبيه على أنّ التّوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإنّ من لا قصد له بطل عمله، ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنّه رأس الحكمة وملاكها.

ورتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشّرك في الدّنيا(٦) ، وثانيا ما هو نتيجته في العقبى ،

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٥.

(٢) ب: ألواح عيسى وموسى.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) أي: «عند ربّك مكروها» صفة محمولة على المعنى وإلّا لوجب بحسب اللّقط أن يقال: مكروهة لأنّه صفة «السّيئة» التي هي المؤنث.

(٥) أي: ليست الكراهة بالمعنى المقابل للإرادة، كما هو مذهب المعتزلة، لأنّ كل ما وقع فهو مراد الله ـ تعالى ـ عند أهل الحقّ، فيجب أن تكون الكراهة بمعنى: المقت والبغض وعدم الرضا، وحاصله الاعتراض والمؤاخذة بفعله.

(٦) قوله: «رتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشرك في الدنيا» حيث قال في أوّل الآيات:( لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ) .


فقال:( فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ) : تلوم نفسك.( مَدْحُوراً ) (٣٩): مبعدا من رحمة الله ـ تعالى ـ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : فالمخاطبة للنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ والمعنى للنّاس.

( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ) : خطاب لمن قالوا: الملائكة بنات الله.

و «الهمزة» للإنكار، والمعنى: أفخصّكم ربّكم بأفضل الأولاد، وهم البنون.

( وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ) : لنفسه، وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : هو ردّ على قريش فيما قالوا: إنّ الملائكة هي بنات الله.

( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) (٤٠): بإضافة الأولاد إليه وهو خاصّة بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثمّ بتفضيل أنفسكم عليه(٣) حيث تجعلون له ما تكرهون، ثمّ بجعل الملائكة الّذين هم من أشرف خلق الله أدونهم.

وفي عيون الأخبار(٤) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في عصمة الأنبياء ـ عليهم السّلام ـ حديث طويل، فيه: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبيّ في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل، فقال لها: سبحان الّذي خلقك. وإنّما أراد بذلك تنزيه الله(٥) ـ تعالى ـ عن قول من زعم، أن الملائكة بنات الله، فقال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) . فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا رآها تغتسل: سبحان الّذي خلقك أن يتّخذ ولدا يحتاج إلى هذا التّطهير والاغتسال.

( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) : ولقد كرّرنا هذا المعنى بوجوه من التّقرير.

( فِي هذَا الْقُرْآنِ ) : في مواضع منه.

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٠.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) عطف على قوله: بإضافة الأولاد إليه. وكذا قوله: ثمّ بجعل الملائكة. وأمّا قوله: لسرعة زوالها، أي: لسرعة زوال ذلك البعض حتى يكون ولده قائما مقامه ويمكن أن يقال الأولاد خاصّة لبعض الأجسام الذي هو في قوّة النقص والله ـ تعالى ـ في غاية الكمال.

(٤) ليس في أ.

(٥) المصدر: البارئ.


ويجوز أن يراد بـــ «هذا القرآن»: إبطال إضافة البنات إليه(١) ، بتقدير: ولقد صرّفنا القول في هذا المعنى، أو أوقعنا التّصريف فيه(٢) .

وقرئ(٣) : «صرفنا» بالتّخفيف.

( لِيَذَّكَّرُوا ) :

وقرأ(٤) حمزة والكسائيّ هنا وفي الفرقان: «ليذكروا» من الذّكر، الّذي هو بمعنى: التّذكّر.

( وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) (٤١): عن الحقّ وقلّة طمانينة إليه.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ:( وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ ) ، يعني: [ولقد](٦) ذكرنا عليّا ـ عليه السّلام ـ في القرآن، وهو الذكر(٧) ، فما زادهم إلّا نفورا.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : قوله:( وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ) قال: إذا سمعوا القرآن ينفرون منه ويكّذبونه.

( قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ) : أيّها المشركون.

وقرأ(٩) ابن كثير وحفص، بالياء، فيه وفي ما بعده، على أنّ الكلام مع الرّسول، ووافقهما نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب في الثّانية، على أنّ الأولى ممّا أمر الرّسول أن يخاطب به المشركين، والثّانية ممّا نزّه به نفسه عن مقالتهم.

( إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) (٤٢): جواب عن قولهم، وجزاء «للو».

والمعنى: لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلا للمعازّة، كما يفعل الملوك بعضهم مع

__________________

(١) قوله: «ويجوز أن يراد بهذا القرآن: إبطال إضافة البنات إليه» فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يفهم منه، وهو قريب من إطلاق اسم المحلّ على الحال.

(٢) قوله: «أوقعنا التّصريف فيه» معناه: أنّه جعلناه مكانا للتكرير، والغرض ما ذكر.

(٣ و ٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٦.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٣، ح ٧٨.

(٦) من المصدر.

(٧) من ب.

(٨) تفسير القمّي ٢ / ٢٠.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٦.


بعض. أو بالتّقرّب إليه والطّاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم، كقوله(١) :( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) .

( سُبْحانَهُ ) : ينزّه تنزيها.

( وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ) (٤٣): متباعدا غاية البعد عمّا يقولون فإنّه ـ سبحانه وتعالى ـ في أعلى مراتب الوجود، وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته واتّخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنّه من خواصّ ما يمتنع(٢) بقاؤه.

( تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) : ينزّهه ممّا هو من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال، حيث تدلّ بإمكانها وحدوثها على الصّانع القديم الواجب لذاته.

( وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) : أيّها المشركون، لاخلالكم بالنّظر الصّحيح الّذي به يفهم تسبيحهم.

ويجوز أن يحمل التّسبيح على المشترك بين اللّفظ والدّلالة لإسناده إلى ما يتصوّر منه اللّفظ وإلى ما لا يتصوّر منه(٣) ، وعليهما عند من جوّز إطلاق اللّفظ على معنييه.

وقرأ(٤) ابن كثير وابن عامر وأبو بكر: «يسبّح» بالياء.

وفي الكافي(٥) : عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عليّ بن أسباط، عن داود الرّقيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) .

قال: تنقضّ الجدر تسبيحها(٦) .

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن أبي الصّباح، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: قول الله:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) .

__________________

(١) الإسراء / ٥٧.

(٢) كذا في ر. وفي غيرها: يمنع.

(٣) قوله: «ويجوز أن يحمل التّسبيح ...»، أي: معنى مشتركا بينهما. والأولى أن يقال: على معنى مشترك بين دلالة اللّفظ ودلالة الحال، وهو مطلق الدّلالة.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٦.

(٥) الكافي ٦ / ٥٣١، ح ٤.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فنقض الجدر بتسبيحها.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٣، ح ٧٩.


قال: كلّ شيء يسبّح بحمده، وإنّا لنرى أن تنقضّ الجدار وهو تسبيحها(١) .

وفي رواية الحسين بن سعيد(٢) ، عنه( وَإِنْ ) (٣) ( مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) قال: كلّ شيء يسبّح بحمده.

[وقال :](٤) وإنّا لنرى أن ينقضّ الجدار وهو تسبيحها.

عن زرارة(٥) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) .

فقال: ما ترى أن تنقضّ الحيطان تسيحها(٦) .

عن الحسن(٧) [عن](٨) النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: نهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن أن توسم(٩) البهائم في وجوهها وأن تضرب وجوهها، لأنّها تسبّح بحمد ربّها.

عن إسحاق بن عمّار(١٠) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما من صيد(١١) يصاد [في برّ ولا بحر، ولا شيء يصاد من الوحش](١٢) إلّا بتضييعه التّسبيح.

عن مسعدة بن صدقة(١٣) ، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ أنّه دخل عليه رجل فقال له: فداك أبي وأمّي، إنّي أجد الله يقول في كتابه:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) .

فقال له: هو كما قال.

فقال: أتسبّح الشّجرة اليابسة؟

فقال: نعم، أمّا سمعت خشب البيت كيف ينقضّ؟ وذلك تسبيحه، فسبحان(١٤) الله على كلّ حال.

__________________

(١) المصدر: لنرى أن ينقضّ الجدر هو تسبيحها.

(٢) نفس المصدر / ٢٩٤، ح ٨٠.

(٣) المصدر: وما.

(٤) ليس في أ، ب.

(٥) نفس المصدر، ح ٨١.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بتسبيحها.

(٧) نفس المصدر، ح ٨٢.

(٨) من المصدر مع المعقوفتين.

(٩) يوجد في النسخ بعدها زيادة: بسم.

(١٠) نفس المصدر، ح ٨٣.

(١١) المصدر: طير.

(١٢) من المصدر.

(١٣) نفس المصدر، ح ٨٤.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: سبحان.


( إِنَّهُ كانَ حَلِيماً ) : حين لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم.

( غَفُوراً ) (٤٤): لمن تاب منكم.

( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً ) : يحجبهم عن فهم ما تقرأه عليهم.

( مَسْتُوراً ) (٤٥): ذا ستر، كقوله(١) : «وعده مأتيّا»(٢) ، وقولهم: سيل مفعم. أو مستورا عن الحسّ. أو بحجاب آخر، لا يفهمون، ولا يفهمون أنّهم لا يفهمون.

نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات، بعد ما نفى عنهم التفقه للدّلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق، تقريرا له وبيانا لكونهم مطبوعين على الضّلالة، كما صرّح به بقوله:( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) : تكنّها وتحول دونها عن إدراك الحقّ وقبوله.

( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) : كراهة أن يفقهوه.

ويجوز أن يكون مفعولا لما دلّ عليه قوله:( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) ، أي: منعناهم أن يفقهوه.

( وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) : يمنعهم عن استماعه. ولـمّا كان القرآن معجزا من حيث اللّفظ والمعنى، أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللّفظ.

( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ) : واحدا غير مشفوع به آلهتهم. مصدر وقع موقع الحال، وأصله: يحد وحده، بمعنى: واحدا وحده.

( وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) (٤٦): هربا من استماع التّوحيد ونفرة، أو تولية.

ويجوز أن يكون جمع نافر، كقاعد وقعود.

وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه ـ عليهم السّلام ـ، عن الحسين بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ يهوديّا من يهود

__________________

(١) مريم / ٦١.

(٢) قوله: ذا ستر كقوله:( وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) إنّما حمل على ذلك، لأنّ المستور معناه الحقيقيّ: ما يستره شيء، لكنّ الجواب ليس كذلك، فمعناه: ذو ستر، أي: صاحب السّتر، على معنى أن يتّصف بأن يستر شيئا، كما في قوله:( وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) فإنّ المأتيّ ما أتاه شيء، لكن الوعد ليس كذلك بل هو الآتي، فمعناه: ذو إتيان، أي: اتّصف به.

(٣) الاحتجاج / ٢١٣.


الشّام وأحبارهم قال لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: فإنّ إبراهيم ـ عليه السّلام ـ حجب عن نمرود بحجب ثلاث.

قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: لقد كان كذلك، ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ حجب عمّن أراد قتله بحجب خمس.

... إلى قوله: [ثمّ قال :](١) ( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) . فهذا الحجاب الرابع. وستقف على تمام الكلام ـ إنشاء الله تعالى ـ عند قوله(٢) :( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ) (الآية).

وفي مجمع البيان(٣) ، عند قوله ـ تعالى ـ:( فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) : عن سعيد بن المسيّب ويروى عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لـمّـا نزلت هذه السّورة، أقبلت العوراء، أمّ جميل بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر(٤) وهي تقول: «مذمّما أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا» والنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالس في المسجد ومعه أبو بكر.

فلمّا رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك.

قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّها لا تراني(٥) . وقرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال(٦) :( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) . فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ (الحديث).

وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن محمّد، عن إبراهيم الأحمر، عن عبد الله بن حمّاد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اقرؤوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسوق(٨) وأهل الكبائر(٩) فإنّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء، والنّوح والرّهبانيّة، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة(١٠) وقلوب من يعجبه شأنهم.

__________________

(١) ليس في أ، ب.

(٢) يس / ٩.

(٣) المجمع ٥ / ٥٦٠.

(٤) الفهر: الحجر قدر ما يدقّ به الجوز أو يملأ الكفّ.

(٥) المصدر: لن تراني.

(٦) يوجد في النسخ بعدها زيادة: وقرأ.

(٧) الكافي ٢ / ٦١٤، ح ٣.

(٨) المصدر: الفسق.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: الكتاب.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: مثلوبة.


عليّ بن إبراهيم(١) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ القرآن نزل بالحزن، فاقرؤوه بالحزن.

عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشّيطان.

فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك والنّاس.

قال: يا أبا محمّد، اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، ورجّع بالقرآن صوتك فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يحبّ الصّوت الحسن يرجّع به ترجيعا.

عليّ بن إبراهيم(٣) ، عن أبيه، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الرّجل الأعجمي من أمّتي ليقرأ القرآن بعجميّة(٤) فترفعه الملائكة على عربيّة(٥) .

عدّة من أصحابنا(٦) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: جعلت فداك، إنّا نسمع [الآيات](٧) في القرآن ليس هي عندنا، كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها، كما بلغنا عنكم، فهل نأثم؟

فقال: لا، اقرؤوا كما تعلّمتم، فسيجيئكم من يعلّمكم.

محمّد بن يحيى(٨) ، عن محمّد بن الحسين، عن عبد الرّحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة(٩) قال: قرأ رجل على أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وأنا أسمع(١٠) حروفا من القرآن ليس [على](١١) ما يقرؤها النّاس.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ النّاس

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٢.

(٢) نفس المصدر / ٦١٦، ح ١٣.

(٣) نفس المصدر / ٦١٩، ح ١.

(٤) في غير أ: بعجميّته.

(٥) في غير أ: عربيّته.

(٦) نفس المصدر، ح ٢.

(٧) من المصدر.

(٨) نفس المصدر / ٦٣٣، ح ٢٣.

(٩) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٣٤٨. وفي النسخ: مسلمة.

(١٠) المصدر: استمع.

(١١) من المصدر.


حتّى يقوم القائم ـ عليه السّلام ـ. فإذا قام القائم، قرأ(١) كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ على حدّه، وأخرج المصحف الّذي كتبه عليّ ـ عليه السّلام ـ.

وقال: أخرجه عليّ ـ عليه السّلام ـ إلى النّاس حين فرغ منه وكتبه، فقال لهم: هذا كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ كما أنزله الله على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد جمعته من اللّوحين.

فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه.

فقال: أما، والله، لا ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنّما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه.

عدّة من أصحابنا(٢) ، عن أحمد بن محمّد، [عن الحسن بن عليّ](٣) عن الحسن بن الجهم، عن إبراهيم بن مهزم، عن رجل سمع أبا الحسن ـ عليه السّلام ـ يقول: إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت، ثمّ قل: أللّهمّ، اكشف عنّي البلاء [ـ ثلاث مرّات ـ](٤) .

عليّ بن إبراهيم(٥) ، عن أبيه عن القاسم بن محمّد، عن سليمان بن داود المنقريّ، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول لرجل: أتحبّ البقاء في الدّنيا؟

فقال: نعم.

فقال: ولم؟

قال: لقراءة «قل هو الله أحد».

فسكت عنه، فقال له بعد ساعة: يا حفص، من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن، علّم في قبره ليرفع الله به من درجته، فإنّ درجات الجنّة على عدد(٦) آيات القرآن، يقال له: اقرأ وارق. فيقرأ ثمّ يرقى(٧) .

قال حفص: فما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر ـ عليه

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: اقرأ.

(٢) نفس المصدر / ٦٢١، ح ٨.

(٣ و ٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر / ٦٠٦، ح ١٠.

(٦) المصدر: قدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يرق.


السّلام ـ ولا أرجأ للنّاس(١) منه، وكانت قراءته حزنا، فإذا قرأ فكأنّه يخاطب إنسانا.

عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه. وعدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد وسهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطيّة، عن يونس بن عمّار قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ الدّواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النّعم، وديوان فيه الحسنات، وديوان فيه السّيّئات. فيقابل بين ديوان النّعم وديوان الحسنات فتستغرق [النعم](٣) عامّة الحسنات، ويبقى ديوان السّيّئات، فيدعى بابن آدم المؤمن للحساب، فيتقدّم(٤) القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يا ربّ، أنا القرآن، وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله(٥) بترتيلي وتفيض عيناه إذا تهجّد، فأرضه، كما ارضاني.

قال: فيقول العزيز الجبّار: عبدي، ابسط يمينك. فيملأها من رضوان الله العزيز الجبّار ويملأ شماله من رحمة الله. ثمّ يقال: هذه الجنّة مباحة لك، اقرأ واصعد. فإذا قرأ آية، صعد درجة.

وفي كتاب الخصال(٦) : عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: سبعة لا يقرءون القرآن: الرّاكع، والسّاجد، وفي الكنيف، وفي الحمّام، والجنب، والنّفساء، والحائض.

وفي عيون الأخبار(٧) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من خبر الشّاميّ وما سأل عنه أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في جامع الكوفة حديث طويل. وفيه: سأله: كم حجّ آدم من حجّة؟

فقال له: سبعين حجّة ماشيا على قدميه(٨) ، وأوّل حجّة حجّها كان معه الصّرد يدلّه على مواضع الماء، وخرج معه من الجنّة، وقد نهي عن أكل الصّرد والخطّاف(٩) .

__________________

(١) المصدر: النّاس.

(٢) نفس المصدر / ٦٠٢، ح ١٢.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقدم.

(٥) ليس في ب.

(٦) الخصال / ٣٥٧، ح ٤٢.

(٧) العيون ١ / ١٩٠ ـ ١٩١.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: قدمه.

(٩) الصّرد: طائر ضخم الرّأس يصطاد العصافير. الخطّاف: طائر إذا رأى ظلّه في الماء أقبل إليه ليتخطّفه.


وسأله: ما باله لا يمشي؟

قال(١) : لأنّه ناح على بيت المقدس فطاف حوله أربعين عاما يبكي عليه، ولم يزل يبكي مع آدم، فمن هناك سكن البيوت، ومعه آيات من كتاب الله ـ تعالى ـ ممّا كان آدم يقرأ(٢) في الجنّة وهي إلى يوم القيامة، ثلاث آيات من أوّل الكهف، وثلاث آيات من سبحان [الّذي أسرى، وهي :](٣) ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) وثلاث آيات من يس(٤) [وهي :](٥) ( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ) (الآية).

وفي كتاب الاحتجاج(٦) للطبّرسيّ ـ رضي الله عنه ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: ولو علم المنافقون ـ لعنهم الله ـ ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، ولكنّ الله ـ تبارك اسمه ـ ماض حكمه بإيجاب الحجّة على خلقه، كما قال(٧) :( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) أغشى أبصارهم وجعل على قلوبهم أكنّة عن تأمّل ذلك فتركوه بحاله(٨) ، وحجبوا عن تأكيده الملتبس بإبطاله، فالسّعداء يتنبّهون عليه والأشقياء يعمهون(٩) عنه.

وفي روضة الكافي(١٠) : أحمد بن محمّد الكوفيّ، عن عليّ بن الحسين(١١) بن عليّ، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران، عن هارون، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال(١٢) لي: كتموا( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فنعم، والله، الأسماء كتموها، كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا دخل إلى منزله واجتمعت عليه قريش يجهر بـــ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ويرفع بها صوته، فتولّي قريش فرارا، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ في ذلك:( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) .

وفي مجمع البيان(١٣) : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ منّ عليّ

__________________

(١) المصدر: قاله.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقرأ بها.

(٣) من المصدر.

(٤) يس / ٩.

(٥) من المصدر.

(٦) الاحتجاج / ٢٥٣.

(٧) الأنعام / ١٤٩.

(٨) من ب.

(٩) المصدر: يعمون. والعمه: التّحيّر والتّردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه، وهو في البصيرة كالعمى في البصر.

(١٠) الكافي ٨ / ٢٦٦، ح. ٣٨٧. (١١) المصدر: الحسن.

(١٢) ليس في أ، ب. (١٣) المجمع ١ / ٣١.


بفاتحة الكتاب، فيها من كنز الجنّة(١) ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) الآية الّتي يقول الله ـ تعالى ـ:( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) (٢) .

في تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وعن ابن أذينة قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) أحقّ ما أجهر به، وهي الآية الّتي قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) .

وفيه(٤) : قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا صلّى تهجّد بالقرآن ويستمع له قريش لحسن صوته، فكان إذا قرأ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فرّوا عنه.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يجهر بـــ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ويرفع صوته بها، وإذا سمعها المشركون ولّوا مدبرين، فأنزل الله( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) .

عن زيد بن عليّ(٦) قال: دخلت على أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ فذكر( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .

فقال: أ(٧) تدري ما نزل في( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ؟

فقلت: لا.

فقال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان أحسن النّاس صوتا [بالقرآن](٨) ، وكان يصلّي بفناء الكعبة فرفع صوته، وكان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وجماعة منهم يستمعون قراءته.

قال: وكان يكثر قراءة(٩) ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فيرفع بها صوته.

__________________

(١) المصدر: الجنّة فيها.

(٢) يوجد في النسخ هاهنا زيادة: وفيه قال كان رسول الله.

(٣) تفسير القمّي ١ / ٢٨.

(٤) نفس المصدر ٢ / ٢٠.

(٥) نور الثقلين ٣ / ١٧٣، ح ٢٤٧.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٥، ح ٨٥.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ترداد.


قال: فيقولون: إنّ محمّدا ليردّد اسم ربّه تردادا، إنّه ليحبّه(١) . فيأمرون من يقوم فيتسمّع عليه ويقولون: إذا جاز(٢) ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فأعلمنا حتّى نقوم فنستمع قراءته. فأنزل الله [في ذلك](٣) :( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ) بسم الله الرّحمن الرّحيم( وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) .

عن زرارة(٤) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) (٥) هو أحقّ ما جهر به، وهي الآية الّتي قال الله:( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ) بسم الله الرّحمن الرّحيم( وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) . كان المشركون يستمعون إلى قراءة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فإذا قرأ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) نفروا وذهبوا، وإذا فرغ منه، عادوا وتسمّعوا.

عن منصور بن حازم(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إذا صلّى بالنّاس(٧) جهر( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فتخلّف(٨) من خلفه من المنافقين عن الصّفوف، فإذا جازها في السّورة(٩) ، عادوا إلى مواضعهم، وقال بعضهم لبعض: إنّه ليردّد(١٠) اسم ربّه تردادا، إنّه ليحبّ ربّه. فأنزل الله( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) .

عن أبي حمزة الثّماليّ(١١) قال: قال لي أبو جعفر ـ عليه السّلام ـ: يا ثماليّ، إنّ الشّيطان ليأتي قرين الإمام فيسأله: هل ذكر ربّه؟ فإن قال: نعم. اكتسع(١٢) وذهب، وإن قال: لا. ركب كتفه(١٣) ، وكان إمام القوم حتّى ينصرفوا.

قال: قلت: جعلت فداك، وما معنى قوله: ذكر ربّه؟

قال: الجهر بـــ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) .

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بدل العبارة الأخيرة إنّ محمّدا لردّ اسم ربّه مرارا به لمحمّد.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: جاءت.

(٣) من المصدر.

(٤) نفس المصدر، ح ٨٦.

(٥) في المصدر بعدها زيادة: قال.

(٦) نفس المصدر، ح ٨٧.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: النّاس.

(٨) المصدر: فيخلف.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالسورة.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليردّ.

(١١) نفس المصدر / ٢٩٦، ح ٨٨.

(١٢) اكتسع الخيل بأذنابها: أدخلها بين رجليه. واللّفظ كناية.

(١٣) المصدر: كتفيه.


( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ) : بسببه ولأجله، من الهزء بك وبالقرآن.

( إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) : ظرف «لأعلم» وكذا( وَإِذْ هُمْ نَجْوى ) ، أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له، وحين هم ذو ونجوى يتناجون به.

و «نجوى» مصدر، ويحتمل أن يكون جمع «نجيّ».

( إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً ) (٤٧): مقدر «با ذكر». أو بدل من «إذ هم نجوى» على وضع «الظّالمون» موضع الضّمير، للدّلالة على أنّ تناجيهم بقولهم هذا [من باب الظّلم](١) .

و «المسحور» هو الّذي سحر به فزال عقله.

وقيل(٢) : الّذي له سحر، وهو الرّئة، أي: إلّا رجلا يتنفّس ويأكل ويشرب مثلكم.

( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ) : مثّلوك بالشّاعر والسّاحر والكاهن والمجنون.

( فَضَلُّوا ) : عن الحقّ في جميع ذلك.

( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) (٤٨): إلى طعن موجّه، فيتهافتون ويخبطون كالمتحيّر في أمره لا يدري ما يصنع. أو إلى الرّشاد.

( وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً ) : وحطاما.

( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) (٤٩): على الإنكار والاستبعاد، لما بين غضاضة الحيّ ويبوسة الرّميم من المباعدة والمنافاة(٣) .

والعامل في «إذا» ما دلّ عليه «مبعوثون»(٤) لا نفسه، لأنّ ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها. و «خلقا» مصدر أو حال.

__________________

(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٨٧.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) قوله: «لما بين غضاضة الحيّ ويبوسة الرّميم من المباعدة والمنافاة» الأولى أن يقال: لما بين العظام والأجزاء المتفتّتة المنتشرة في الأطراف والبدن المجتمعة والأجزاء الّتي فيها الحياة والقوى والآثار الحيوانيّة والإنسانيّة من التّباعد والتّنافر.

(٤) قوله: «ما دلّ عليه مبعوثون» فالمعنى: انبعث إذا متنا وكنا ترابا.


وفي تفسير العيّاشي: عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: جاء أبيّ بن خلف(١) فأخذ عظما باليا من حائط ففتّه(٢) ، ثمّ قال: يا محمّد( أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً ) . فأنزل الله:( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) .

( قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ) (٥٠)( أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ) قيل(٣) : أي: ممّا يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها، فإنّ قدرته ـ تعالى ـ لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظاما مرفوته وقد كانت غضّه موصوفة بالحياة قبل، والشّيء أقبل لما عهد فيه ممّا لم يعهد.

وفي تفسير(٤) عليّ بن إبراهيم(٥) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه

__________________

(١) أبيّ بن خلف من مشركي مكّة واعداء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو الّذي قال له ـ صلى الله عليه وآله ـ يوما بمكّة: إنّ عندي فرسا أعلفه كلّ يوم فرقا ـ وهو مكيال ـ من ذرة أقتلك عليه.

فقال له رسول الله: بل أنا أقتلك ـ إن شاء الله.

فكان من قصّته: أنّه خرج إلى المدينة مع من خرج لحرب المسلمين في وقعة أحد، فلمّا هزم المسلمون وبقي مع رسول الله (ص) من بقي أدركه ابيّ بن خلف وهو يقول: أين محمّد، لا نجوت إن نجوت؟ فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ قال: دعوه. فلمّا دنا تناول (ص) حربة رجل من أصحابه، وهو الحارث بن الصّمّة، ثمّ استقبله فطعنه في عنقه طعنة تحرّك منها عن فرسه مرارا، فرجع إلى قريش وهو يخور، كما يخور الثور، وقد خدش في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدّم وقال: قتلني، والله، محمّد. قالوا: ذهب، والله فؤادك، والله، ما بك بأس! قال: لو كانت الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم، أليس أنّه قد كان بمكّة قال لي: أنا أقتلك؟ فو الله، لو بصق بعد تلك المقالة لقتلني. فلم يلبث إلّا يوما أو بعض يوم حتى مات. فقيل: مات بسرف، وهو موضع على ستّة أميال من مكّة. وفي ذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاريّ شاعر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ :

لقد ورث الضّلالة من أبيه

أبيّ حين بارزه الرسول

أتيت إليه تحمل منه عضوا

وتوعده وأنت به جهول

وفي نسخة :

[أجئت محمّدا عظيما رميما

لتكذبه وأنت به جهول]

وقد نالت بنو النّجّار منكم

أميّة إذ يغوث يا عقيل

إلى آخر الأبيات.

راجع ديوانه ص: ٣٤٠ ط مصر.

(٢) فتّ الشيء: دقّه وكسره بالأصابع.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٧.

(٤) يوجد في النسخ هنا زيادة: العيّاشي.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢١.


السّلام ـ قال: الخلق الّذي يكبر في صدورهم(١) الموت.

( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) : وكنتم ترابا، وما هو أبعد شيء من الحياة.

( فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ) : فسيحرّكونها نحوك تعجّبا واستهزاء.

( وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ) (٥١): فإنّ كلّ ما هو آت قريب.

وانتصابه على الخبر. أو الظّرف، أي: يكون في زمان قريب.

و «أن يكون» اسم «عسى». أو خبره، والاسم مضمر.

( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ ) ، أي: يوم يبعثكم فتنبعثون. استعار لهما الدّعاء والاستجابة للتّنبيه على سرعتهما وتيسّر أمرهما، وإنّ المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء.

( بِحَمْدِهِ ) : حال منهم، أي: حامدين الله على كمال قدرته، كما قيل: إنّهم ينفضون التّراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك أللّهمّ وبحمدك. أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين له.

وفي الجوامع(٢) : روي أنّهم ينفضون التّراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك أللّهمّ وبحمدك.

( وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً ) (٥٢): وتستقصرون مدّة لبثكم في القبور،( كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ) . أو مدّة حياتكم لما ترون من الهول.

( وَقُلْ لِعِبادِي ) ، يعني: المرضيّين.

( يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) : الكلمة الّتي هي أحسن، ولا يخاشنوا المشركين.

( إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) : يهيّج بينهم المراء والشّرّ، فلعلّ المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد.

( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ) (٥٣): ظاهر العداوة.

( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ) : تفسير «للّتي هي

__________________

(١) المصدر: صدوركم.

(٢) لا يوجد العبارة المنقولة في جوامع الجامع بعينها. ولكن يوجد ما بمضمونه في ص ٢٥٦ منه.


أحسن» وما بينهما اعتراض، أي: قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرّحوا بأنّهم من أهل النّار، فإنّ ذلك يهيّجهم على الشّرّ، مع أنّ ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلّا الله.

( وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) (٥٤): موكولا إليك أمرهم حتّى تقسرهم على الإيمان، وإنّما أرسلناك مبشّرا ونذيرا، فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم.

( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) : وبأحوالهم، فيختار منهم لنبوّته وولايته من يشاء. وهو ردّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيّا، وأن يكون العراة والجوّع أصحابه.

( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) : بالفضائل النّفسانيّة والتبرّي عن العلائق الجسمانيّة لا بكثرة الأموال والأتباع، حتّى داود فإنّ شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتي من الملك.

وقيل(١) : هو إشارة إلى تفضيل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وقوله:( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) (٥٥): تنبيه على(٢) وجه تفضيله، وهو أنّه خاتم الأنبياء وأمّته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزّبور من( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها ) (٣) ( عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) (٤) .

وتنكيره هاهنا وتعريفه في قوله:( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ ) لأنّه في الأصل فعول للمفعول، كالحلوب، أو المصدر، كالقبول، ويؤيّده قراءة حمزة، بالضّمّ، فهو كالعبّاس أو الفضل(٥) . أو لأنّ المراد: وآتينا داود بعض الزّبور، أو بعضا من الزّبور فيه ذكر الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وفي كتاب علل الشّرائع(٦) ، بإسناده إلى عبد السّلام(٧) بن صالح: [عن عليّ بن

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٨.

(٢) يوجد في النسخ هنا زيادة: أنّ.

(٣) يوجد هاهنا في ب زيادة: من يشاء.

(٤) الأنبياء / ١٠٥.

(٥) قوله: «كالعبّاس أو الفضل»، أي: يجوز في الزّبور التّعريف والتّنكير، كما يجوز في العبّاس أو الفضل.

(٦) العلل / ٥، ح ١.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: عبد الله.


موسى الرضا ـ عليه السّلام ـ](١) عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ما خلق الله خلقا أفضل منّي ولا أكرم [عليه](٢) منّي.

قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: فقلت: يا رسول الله، أفأنت أفضل أم جبرئيل؟

فقال: [يا عليّ](٣) إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلني على جميع النّبيّين والمرسلين، والفضل بعدي لك، يا عليّ، وللأئمّة من ولدك(٤) ، فإنّ(٥) الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا.

والحديث طويل أخذت. منه موضع الحاجة.

وبإسناده(٦) إلى صالح بن سهل: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ بعض قريش قال لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بأيّ شيء سبقت الأنبياء وفضّلت عليهم، وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم؟

قال: إنّي كنت أوّل من أقرّ بربّي ـ جلّ جلاله ـ وأوّل من أجاب حيث أخذ الله ميثاق النّبيّين( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) فكنت أوّل نبيّ قال: بلى، فسبقتهم إلى الإقرار بالله ـ عزّ وجلّ ـ.

وفي أصول الكافي(٧) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن [محمّد، عن](٨) محمّد بن يحيى الخثعميّ، عن هشام، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: سادة النّبيّين والمرسلين خمسة، وهم أولوا العزم من الرّسل وعليهم دارت الرّحا: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى جميع الأنبياء.

وفي الخرائج والجرائح(٩) ، بإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله فضّل أولي العزم من الرّسل على الأنبياء بالعلم، [وأورثنا علمهم](١٠) وفضّلنا عليهم في فضلهم، وعلّم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ما لا يعلمون، وعلّمنا علم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فروينا لشيعتنا، فمن قبله منهم فهو أفضلهم، وأينما نكون فشيعتنا معنا.

__________________

(١ و ٢ و ٣) من المصدر.

(٤) المصدر: من بعدك.

(٥) المصدر: وإنّ.

(٦) نفس المصدر / ١٢٤، ح ١.

(٧) الكافي ١ / ١٧٥، ح ٣.

(٨) من المصدر.

(٩) نور الثقلين ٣ / ١٧٦، ح ٢٥٧.

(١٠) من ب.


وفي عيون الأخبار(١) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا ـ صلوات الله عليهم ـ: فهؤلاء الخمسة أولوا العزم، وهم أفضل الأنبيّاء والرّسل ـ عليهم السّلام.

( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) : أنّها آلهة.

( مِنْ دُونِهِ ) ، كالملائكة والمسيح وعزير.

( فَلا يَمْلِكُونَ ) : فلا يستطيعون.

( كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ) ، كالمرض والفقر والقحط.

( وَلا تَحْوِيلاً ) (٥٦): ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم.

وفي أصول الكافي(٢) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عبد الرّحمن بن أبي نجران وابن فضّال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان يقول عند العلّة: أللّهمّ، إنّك عيّرت أقواما فقلت: قلت ادعوا الّذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ضرّي(٣) ولا تحويله عنّي أحد غيره، صلّ(٤) على محمّد وآله، واكشف ضرّي، وحوّله إلى من يدعو معك إلها آخر، لا إله غيرك.

( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) ، أي يدعونهم.

( يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) : هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله(٥) القربة بالطّاعة.

( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) : بدل من واو «يبتغون»، أي: يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغير الأقرب.

( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) : كسائر العباد، فكيف تزعمون، أنّهم آلهة.

وفي أصول الكافي(٦) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن [حديد، عن](٧) منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: ما كان في وصيّة لقمان؟

__________________

(١) العيون ٢ / ٧٩، ح ١٣.

(٢) الكافي ٢ / ٥٦٤، ح ١.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الضرّ.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: صلى.

(٥) ب: ربّهم.

(٦) الكافي ٢ / ٦٧، ح ١.

(٧) من المصدر.


قال: كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف الله ـ عزّ وجلّ ـ خيفة لو جئته ببرّ الثّقلين لعذّبك، وأرج الله رجاء لو جئته بذنوب الثّقلين لرحمك.

ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: كان أبي يقول: إنّه ما من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا. [ولو وزن هذا لم يزد على هذا](١) .

محمّد بن يحيى(٢) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن الهيثم بن واقد قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول(٣) : من خاف الله، أخاف الله منه كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء.

عدّة من أصحابنا(٤) ، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله الجعفريّ، عن جميل بن درّاج، عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: [من عرف الله، خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا(٥) .

عنه(٦) ، عن ابن أبي نجران، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ](٧) قال: قلت له: قوم يعملون بالمعاصي، ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت.

فقال: هؤلاء قوم يترجّحون في الأمانيّ(٨) . كذبوا ليسوا براجين، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه.

ورواه عليّ بن محمّد(٩) ، رفعه، قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ قوما

__________________

(١) من المصدر.

(٢) نفس المصدر / ٦٨، ح ٣.

(٣) ليس في أ.

(٤) نفس المصدر، ح ٤.

(٥) أي: تركها.

(٦) نفس المصدر، ح ٥.

(٧) من المصدر. والظّاهر أنّ المؤلّف (ره) أسقطها عند نقل الحديث لتوالي الحديثين في المصدر.

(٨) قال المحدّث الكاشاني (ره) في الوافي: الترجّح: الميل، يعني: مالت بهم عن الاستقامة أمانيّهم الكاذبة.

(٩) نفس المصدر، ح ٦.


من مواليك يلمّون(١) بالمعاصي، ويقولون: نرجو.

فقال: كذبوا، ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأمانيّ، من رجا شيئا عمل له، ومن خاف من شيء هرب منه.

عدّة من أصحابنا(٢) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة، رفعه، قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ حبّ الشّرف(٣) والذّكر لا يكونان(٤) في قلب الخائف الرّاهب.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن نعمان، عن حمزة بن حمران قال:(٥) سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: إنّ ممّا حفظ من خطب النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: أيّها النّاس، إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد المؤمن [من](٦) نفسه [لنفسه](٧) ، ومن دنياه لآخرته، وفي الشّبيبة قبل الكبر، وفي الحياة قبل الممات.

فو الّذي نفس محمّد بيده، ما بعد الدّنيا من مستعتب(٨) ، وما بعدها من دار إلّا الجنّة أو النّار.

محمّد بن يحيى(٩) ، عن أحمد بن محمّد(١٠) ، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحسين بن أبي سارة قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: لا يكون [المؤمن](١١) مؤمنا حتّى يكون خائفا راجيا، ولا يكون راجيا حتّى يكون عاملا لما يخاف ويرجو.

عليّ بن إبراهيم(١٢) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن فضيل بن عثمان، عن

__________________

(١) لمّ به وألمّ: نزل. وألمّ بالذّنب: قارب أو باشر اللّمم. واللّمم: صغار الذّنوب.

(٢) نفس المصدر / ٦٩، ح ٧. والحديث طويل.

(٣) ر: الترف.

(٤) يوجد في النسخ هاهنا زيادة: إلّا.

(٥) نفس المصدر / ٧٠، ح ٩.

(٦ و ٧) من المصدر.

(٨) المستعتب: موضع الاستعتاب، أي: طلب الرّضا.

(٩) نفس المصدر / ٧١، ح ١١.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن أحمد بن محمّد بن محمّد.

(١١) من المصدر.

(١٢) نفس المصدر، ح ١٢.


أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب(١) فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلّا خائفا، ولا يصلحه إلّا الخوف.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : حدّثنا أحمد بن محمّد، عن المعلّى بن محمّد، عن عليّ بن محمّد، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن يحيى، عن عليّ بن النّضر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر حديثا طويلا، يذكر فيه لقمان ووعظه لابنه، وفيه: يا بنيّ، لو استخرج قلب المؤمن فشقّ لوجد فيه نوران: نور للخوف ونور للرّجاء، لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرّة.

( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) (٥٧): حقيقا بأن يحذره كلّ أحد حتّى الرّسل والملائكة.

( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) : بالموت والاستئصال.

( أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً ) ، نحو القتل وأنواع البليّة.

( كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ ) : في اللّوح المحفوظ.

( مَسْطُوراً ) (٥٨): مكتوبا.

وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وسئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ [إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها ) .

قال: هو الفناء(٤) بالموت.

العيّاشيّ(٥) : عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(٦) ـ عليه السّلام ـ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ) (٧) (الآية).

قال: إنّما(٨) أمّة محمّد من الأمم فمن(٩) مات فقد هلك.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يكتب.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ١٦٤ ـ ١٦٥.

(٣) الفقيه ١ / ١١٨، ح ٥٦٢.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: الفن.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٧٩، ح ٩٠.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال: عن الباقر.

(٧) يوجد في ب، والمصدر.

(٨) المصدر: إمّا.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: ممن.


عن ابن سنان(١) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) قال: بالقتل والموت وغيره.

( وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ) : وما صرفنا عن إرسال الآيات الّتي اقترحتها قريش.

( إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ) : إلّا تكذيب الّذين هم أمثالهم في الطّبع، كعاد وثمود، وأنّها لو أرسلت لكذّبوا بها تكذيب أولئك، واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنّتنا، وقد قضينا أن لا نستأصلهم لأنّ فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ) وذلك أنّ محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ تسأله قومه أن يأتيهم [بآية](٣) ، فنزل جبرئيل فقال: إنّ الله يقول:( وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ـ إلى قوله ـأَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ) . وكنّا إذا أرسلنا إلى قرية آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم، فلذلك أخّرنا عن قومك الآيات.

( وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ ) : بسؤالهم.

( مُبْصِرَةً ) : بيّنة ذات إبصار، أو بصائر(٤) ، أو جاعلتهم ذوي بصائر.

وقرئ(٥) ، بالفتح.

( فَظَلَمُوا بِها ) : فكفروا بها. أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها.

( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) (٥٩): بالآيات المقترحة من نزول العذاب المستأصل، فإن لم يخافوا نزل العذاب. أو بغير المقترحة، كالمعجزات وآيات القرآن، إلّا تخويفا بعذاب الآخرة، فإنّ أمر من بعثت إليهم مؤخّر إلى يوم القيامة.

و «الباء» مزيدة. أو في موقع الحال، والمفعول محذوف(٦) .

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٩٢.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ٢١.

(٣) من المصدر.

(٤) قوله: «ذات إبصار أو بصائر»، أي: سبب للإبصار أو البصيرة، فإنّ حقّ من ظهر له مثل هذه الآية أن يرى آثار صنعه أو يدركها بقلبه أن يؤمن بها.

(٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٩.

(٦) قوله: «والباء مزيدة أو في موقع الحال والمفعول محذوف»، أي: إمّا أن تكون «بالآيات» مفعولا فتكون الباء مزيدة، أو غيره فتكون حالا والمفعول محذوف والمعنى: وما نرسل النبيّ ملتبسا بالآيات


( وَإِذْ قُلْنا لَكَ ) : واذكر إذ أوحينا إليك.

( إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ ) : فهم في قبضة قدرته. أو أحاط بقريش، بمعنى: أهلكهم، من: أحاط بهم العدوّ، فهو بشارة بوقعة بدر، والتّعبير بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.

( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) .

قيل(١) : ليلة المعراج، وتعلّق به من قال: إنّه كان في المنام، ومن قال: إنّه كان في اليقظة، فسرّ الرّؤيا بالرّؤية. أو عام الحديبية حين رأى أنّه دخل مكّة، وفيه أنّ الآية مكّيّة، إلّا أن يقال: رآها بمكّة وحكاها حينئذ.

وقيل(٢) : لعلّ رؤيا رآها في وقعة بدر، لقوله:( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) ، ولما نقل: أنّه لـمّـا ورد ماءه قال: والله، لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان. فتسامعت به قريش، واستسخروا منه.

وقيل:(٣) رأى قوما من بني أميّة يرقون منبره وينزون(٤) عليه نزو القردة، فقال: هو حظّهم من الدّنيا يعطونه بإسلامهم.

وفي الأخبار عن الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ ما يوافق هذا القول، كما سيأتي.

وعلى هذا كان المراد بقوله:( إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) : ما حدث في أيّامهم من الابتلاء.

( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) : عطف على «الرّؤيا» وهي شجرة الزّقّوم.

لمّا سمع المشركون ذكرها قالوا: إنّ محمّدا يزعم أنّ الجحيم تحرق الحجارة، ثمّ يقول: ينبت فيها الشّجر. ولم يعلموا أنّ من قدر أن يحمي وبر السّمندل من أن تأكله النّار، وأحشاء النّعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر الّتي تبتلعها، قدر أن يخلق في النّار شجرة لا تحرقها.(٥) ولعنها في القرآن لعن طاعميها، وصفت به على المجاز للمبالغة. أو وصفها بأنّها في أصل الجحيم، فإنّه أبعد مكان من الرّحمة. أو بأنّها مكروهه مؤذية، من قولهم: طعام

__________________

(١ و ٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٨٩ ـ ٥٩٠.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) نزا: وثب.

(٥) طائر بالهند لا يحترق بالنّار فيما زعموا. ونسيج من ريش بعض الطيور لا يحترق.


ملعون، لـمّـا كان ضارّا. ولقد أوّلت بالشّيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاصي.

وقرئ(١) على الابتداء والخبر محذوف، أي: والشّجرة الملعونة في القرآن كذلك.

( وَنُخَوِّفُهُمْ ) : بأنواع التّخويف.

( فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) (٦٠): إلّا عتوّا متجاوز الحدّ.

وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطّبرسيّ: عن الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ حديث طويل، يقول لمروان بن الحكم: أمّا أنت، يا مروان، فلست أنا سبتك ولا سبت(٣) أباك، ولكن الله ـ عزّ وجلّ ـ لعنك ولعن أباك(٤) وأهل بيتك وذرّيّتك، وما خرج من صلب أبيك(٥) إلى يوم القيامة على لسان نبيّه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. [والله ،](٦) يا مروان، ما تنكر أنت ولا أحد ممّن حضر هذه اللّعنة من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله، يا مروان، بما خوّفك إلّا طغيانا كبيرا، وصدق الله وصدق رسوله، يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [وَنُخَوِّفُهُمْ ]) (٧) ( فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) . وأنت، يا مروان، وذرّيّتك الشّجرة الملعونة في القرآن.

وعن أمير المؤمنين(٨) ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه: وجعل أهل الكتاب القائمين(٩) به والعاملين بظاهره وباطنه من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أي: يظهر مثل هذا العلم المحتملة في الوقت بعد الوقت، وجعل أعداءها أهل الشّجرة الملعونة الّذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم ويأبى(١٠) الله إلّا أن يتمّ نوره، ولو علم المنافقون ـ لعنهم الله ـ ما عليهم من ترك هذه الآيات الّتي بيّنت لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه.

وفي تفسير العيّاشي(١١) : عن حريز، عمّن سمع، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً ) لهم ليعمهوا فيها( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) ،

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٠.

(٢) الاحتجاج ٢ / ٢٧٩.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: سبيتك ولا سبيت.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: آباءك.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ابنك.

(٦) ليس في ب.

(٧) ليس في أ، ب.

(٨) نفس المصدر / ٢٥٢ ـ ٢٥٣.

(٩) المصدر: المعيمين.

(١٠) المصدر: فأبى. (١١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٧، ح ٩٣.


يعني: بني أميّة.

عن عليّ بن سعيد(١) قال: كنت بمكّة، فقدم(٢) علينا معروف بن خربوذ، فقال: قال(٣) لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال لعمر: يا أبا حفص، ألا أخبرك بما نزل في بني أميّة؟

قال: بلى.

قال: فإنّه نزل فيهم( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) .

قال: فغضب عمر وقال: كذبت، بنو أميّة خير منك وأوصل للرّحم.

عن الحلبيّ(٤) ، عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم قالوا: سألناه عن قوله:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) .

قال إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رأى أنّ رجالا على المنابر يردّون(٥) النّاس ضلّالا، زريق(٦) وزفر.

وقوله:( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: هم بنو أميّة.

وفي رواية أخرى(٧) ، عنه: أن رسول ا ـ صلّى الله عليه وآله ـ قد رأى رجالا من نار على منابر من نار يردّون النّاس على أعقابهم القهقرى، ولسنا نسميّ أحدا.

وفي رواية سلام الجعفيّ(٨) ، عنه أنّه قال: إنّا لا نسمّي الرّجال بأسمائهم، ولكنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رأى قوما على منبره يضلّون النّاس بعده عن الصّراط القهقرى.

عن القاسم(٩) بن سليمان، عن عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال(١٠) : أصبح رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوما حاسرا حزينا.

فقيل له: مالك، يا رسول الله؟

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٩٤.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقدم.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) نفس المصدر، ح ٩٥.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يريدون.

(٦) المصدر: رزيق.

(٧) نفس المصدر / ٢٩٨، ح ٩٦.

(٨) نفس المصدر، ح ٩٧.

(٩) كذا في المصدر وجامع الرواة ٢ / ١٦. وفي النسخ: عمر.

(١٠) نفس المصدر، ح ٩٨.


فقال: إنّي رأيت اللّيلة صبيان بني أميّة يرقون على منبري هذا، فقلت: يا ربّ، معي؟

فقال: لا، ولكن بعدك.

عن أبي الطّفيل(١) قال: كنت في مسجد الكوفة فسمعت عليّا ـ عليه السّلام ـ يقول وهو على المنبر، وناداه ابن الكواء وهو في مؤخّر(٢) المسجد فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن قول الله ـ تعالى ـ:( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) .

فقال: الأفجران من قريش وبني أميّة.

عن عبد الرّحيم القصير(٣) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) . قال: أري رجالا من بني تميم وعدي على المنابر يردّون النّاس عن الصّراط القهقرى.

قلت:( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) .

قال: هم بنو أميّة، يقول [الله](٤) :( وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) .

عن يونس بن عبد الرّحمن الأشلّ(٥) قال: سألته عن قول الله:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) (الآية).

فقال: إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نام فرأى أنّ بني أميّة يصعدون المنابر(٦) ، كلمّا صعد منهم رجل رأى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الذّلّة والمسكنة، فاستيقظ جزوعا من ذلك، وكان الّذين رآهم(٧) اثني عشر رجلا من بني أميّة، فأتاه جبرئيل بهذه الآية.

ثمّ قال جبرئيل: إنّ بني أميّة لا يملكون شيئا إلّا ملك أهل البيت ضعفيه(٨) .

وفي مجمع البيان(٩) :( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) (الآية) فيه أقوال.

__________________

(١) نفس المصدر، ح ٩٩.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: آخر.

(٣) نفس المصدر، ح ١٠٠.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المدر، ح ١٠١.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: نام فرأى بني أميّة يصدّون الناس.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فكان الّذين هم رآهم» بدل العبارة الأخيرة.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: ضعفة.

(٩) المجمع ٣ / ٤٢٤.


... إلى قوله: وثالثها، أنّ ذلك رؤيا رآها النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في منامه وأنّ قرودا تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتمّ به، رواه(١) سهل بن سعيد، عن أبيه، أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رأى ذلك، وقال: إنّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يستجمع بعد ذلك ضاحكا حتّى مات، ورواه(٢) سعيد بن يسار ـ أيضا ـ. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وقال عليّ بن إبراهيم في قوله:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) قال: نزلت لـمّـا رأى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ في نومه كأنّ قرودا تصعد منبره فساءه ذلك وغمّه غمّا شديدا، فأنزل الله:( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ليعمهوا فيها( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) كذا نزلت وهم بنو أميّة.

وفي كتاب الخصال(٤) : عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه وقد ذكر معاوية بن حرب(٥) : ويشترط عليّ شروطا لا يرضاها الله ـ تعالى ـ ورسوله [ولا المسلمون](٦) ، ويشترط(٧) في بعضها أن أدفع إليه أقواما من أصحاب محمّد(٨) أبرارا، فيهم عمّار بن ياسر، وأين مثل عمّار؟ والله، لقد رأيناه(٩) مع النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ وما يعدّ(١٠) منّا خمسة إلّا كان سادسهم ولا أربعة إلّا كان خامسهم، اشترط دفعهم(١١) إليه ليقتلهم ويصلبهم، وانتحل دم عثمان، ولعمر(١٢) الله، ما ألّب على عثمان ولا جمع(١٣) النّاس على قتله إلّا هو(١٤) وأشباهه من أهل بيته، أغصان الشّجرة الملعونة في القرآن.

( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ

__________________

(١ و ٢) المصدر: روى.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ٢١.

(٤) الخصال / ٣٧٩، ح ٥٨.

(٥) كذا. والصحيح: معاوية بن أبي سفيان بن حرب.

(٦) ليس في أ، ب.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يشترط عليّ.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: أن أدفع إليه قواما من أصحابه محمّد.

(٩) المصدر: رأيتنا.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يعدّ.

(١١) ليس في أ، ب.

(١٢) المصدر: ولعمرو.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أجمع.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: هن.


طِيناً ) (٦١): لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض.

ويجوز أن يكون حالا من الرّاجع إلى الموصول، أي: خلقته وهو طين.

أو منه(١) ، أي: أأسجد له وأصله من طين.

وفيه على الوجوه الثّلاثة إيماء بعلّة الإنكار.

( قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ ) «الكاف» لتأكيد الخطاب لا محلّ له من الإعراب، و «هذا» مفعول أوّل، و «الّذي» صفته، والمفعول الثّاني محذوف لدلالة صلته عليه، والمعنى: أخبرني عن هذا الّذي كرّمته عليّ بأمري بالسّجود له، لم كرّمته عليّ؟

( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) : كلام مبتدأ، واللّام موطّئة للقسم، وجوابه( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ) (٦٢)، أي: لاستأصلنّهم بالإغواء إلّا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. من احتنك الجراد الأرض: إذا جرد ما عليها أكلا. مأخوذ من الحنك.

وإنّما علم أنّ ذلك يتسهّل له، إمّا استنباطا من قول الملائكة:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ) مع التّقرير، أو تفرّسا من خلقه ذا شهوة ووهم وغضب.

( قالَ اذْهَبْ ) : امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سوّلت له نفسه.

( فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ) : جزاؤك وجزاؤهم، فغلّب المخاطب على الغائب.

ويجوز أن يكون الخطاب للتّابعين، على الالتفات.

( جَزاءً مَوْفُوراً ) (٦٣): متكمّلا. من قولهم: فر لصاحبك عرضه(٢) فرة.

وانتصاب «جزاء» على المصدر بإضمار فعله، أو بما في «جزاؤكم» من معنى: تجازون، أو حال موطّئة لقوله: «موفورا»(٣) .

( وَاسْتَفْزِزْ ) : واستخفف.

( مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ) : أن تستفزّه.

__________________

(١) أي: أو حال من الموصول نفسه لا من الرّاجع إليه. ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات، فيكون المعنى: فإنّ جهنّم جزاؤكم يا أتباعه، حتّى يحصل الرّبط.

(٢) أي: صن، أو أحم عرضه.

(٣) قوله: «أو حال موطّئة لقوله: موفورا» قال بعضهم: والمعنى: ذوي جزاء موفورا، فيكون حالا من الضّمير في «يجزون».


«والفزّ» الخفيف.

( بِصَوْتِكَ ) : بدعائك إلى الفساد.

( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ) : وصح عليهم. من الجلبة، وهي الصّياح.

( بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) : بأعوانك من راكب وراجل.

و «الخيل» الخيّالة(١) .

ومنه قوله ـ عليه السّلام ـ: يا خيل الله اركبي.

«والرّجل» اسم جمع للرّاجل، كالصّحب والرّكب.

ويجوز أن يكون تمثيلا لتسلّطه على من يغويهم بمغوار صوت على قوم فاستفزّهم من أماكنهم، وأجلب عليهم بجنده حتّى استأصلهم.

وقرأ(٢) حفص: «رجلك» بالكسر، وغيره بالضّمّ، وهما لغتان، كندس وندس، ومعناه: وجمعك الرّجل.

وقرئ(٣) : «ورجالك» [و «رجالك»](٤) .

( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ ) : بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتّصرّف فيها على ما لا ينبغي.

( وَالْأَوْلادِ ) : بالحثّ على التّوصّل إلى الولد بالسّبب المحرّم، والإشراك فيه بتسميته(٥) : عبد العزّى، والتّضليل وبالحمل على الأديان الزّائفة(٦) والحرف الذّميمة والأفعال القبيحة.

وفي نهج البلاغة(٧) : فاحذروا [عباد الله](٨) عدوّ الله أن يعديكم بدائه(٩) وأن يستفزّكم [بندائه وأن يجلب عليكم](١٠) بخيله ورجله.

وفيه(١١) أيضا: فلعمر الله، لقد فخر على أصلكم، ووقع(١٢) في حسبكم، ودفع(١٣) في

__________________

(١) أي: أصحاب الخيل.

(٢ و ٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٩١.

(٤) ليس في ب.

(٥) أ، ر: بتسمية.

(٦) المصدر: الزائغة.

(٧) النهج / ٢٨٧، الخطبة ١٩٢.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أن يعذبكم بذاته.

(١٠) من المصدر.

(١١) نفس المصدر والموضع.

(١٢) ب: رفع.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: رفع.


نسبكم، وأجلب بخيله عليكم، وقصد(١) برجله سبيلكم، يقتنصوكم(٢) بكل مكان، ويضربون منكم كلّ بنان. لا تمتنعون بحيلة، ولا تدفعون(٣) بعزيمة، في حومة ذلّ، وحلقة ضيق، وعرصة(٤) موت، وجولة(٥) بلاء.

وفي كتاب المناقب(٦) لابن شهر آشوب الشّيرازيّ: روى سفيان الثّوريّ، عن واصل، عن الحسن، عن ابن العبّاس(٧) في قوله:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) أنّه جلس الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ ويزيد بن معاوية ابن أبي سفيان يأكلان الرّطب.

فقال يزيد: يا حسن، إنّي منذ كنت أبغضك.

قال الحسن ـ عليه السّلام ـ: يا يزيد، اعلم أنّ إبليس شارك أباك في جماعه، فاختلط الماءان فأورثك ذلك عداوتي، لأن الله ـ تعالى ـ يقول:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) . وشارك الشّيطان حربا عند جماعه فولد له صخر، فلذلك كان يبغض جدّي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

وفي أصول الكافي(٨) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عثمان بن عيسى عن عمر بن أذينة، عن أبان ابن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إن الله حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذيء قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فإنّك إن(٩) فتّشته لم تجده الّا لغيّة أو شرك شيطان.

قيل(١٠) : يا رسول الله، وفي النّاس شرك شيطان؟

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أما تقرأ قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) ؟

وفي الكافي(١١) : الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد. وعدّة من أصحابنا، عن

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: وفد.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: يفيضونكم.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يدفعون.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: غرصة.

(٥) ب: صولة.

(٦) المناقب ٤ / ٢٢.

(٧) كذا في ب، المصدر. وفي النسخ: العباس.

(٨) الكافي ٢ / ٣٢٣ ـ ٣٢٤، ح ٣.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ «فإن» بدل «فانّك إن».

(١٠) ليس في المتن من هنا إلى موضع سنذكره.

(١١) الكافي ٥ / ٥٠٢، ح ٢.


أحمد بن محمّد، جميعا، عن الوشّاء، عن موسى بن بكر، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: يا أبا محمّد، أيّ شيء يقول الرّجل منكم إذا دخلت عليه امرأته؟

قلت: جعلت فداك، أيستطيع الرّجل أن يقول شيئا؟

فقال: ألا أعلمك ما تقول؟

قلت: بلى.

قال: تقول: بكلمات الله استحللت فرجها، وفي أمانة الله أخذتها، أللّهمّ إن قضيت في رحمها(١) شيئا فاجعله بارا تقيّا واجعله مسلما سويّا، ولا تجعل فيه شركا للشّيطان.

قلت: وبأيّ شيء يعرف ذلك؟

قال: أما تقرأ كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ؟

ثم ابتدأ هو:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) .

ثمّ قال: إنّ الشّيطان ليجيء حتّى يقعد من المرأة، كما يقعد الرّجل منها، ويحدث، كما يحدث، وينكح، كما ينكح.

قلت: بأي شيء يعرف ذلك؟

قال: بحبّنا وبغضنا، فمن أحبّنا كان نطفة العبد، ومن أبغضنا كان نطفة الشّيطان.

وعنه(٢) ، عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله، عن جميل بن درّاج، عن أبي الوليد، عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ وذكر نحوه.

وفي من لا يحضره الفقيه(٣) : وقال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: من لم يبال ما قال ولا ما قيل فيه فهو شرك الشّيطان، ومن لم يبال أن تراه النّاس مسيئا [فهو شرك شيطان](٤) ، ومن اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة(٥) بينهما فهو شرك شيطان، ومن شغف(٦) بمحبّة الحرام وشهوة الزّنا فهو شرك شيطان.

__________________

(١) ب: وجهها.

(٢) الكافي ٥ / ٥٠٣، ح ٥.

(٣) الفقيه ٤ / ٢٩٩، صدر ح ٨٥.

(٤) من المصدر.

(٥) الترة: العداوة وطلب الثأر نتيجة قتل حميم له.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: شعف.


وفي تفسير العيّاشي(١) : عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن شرك الشّيطان.

قال: قوله:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) فإن كان من مال حرام فهو شريك الشّيطان.

قال: ويكون مع الرجل حين يجامع، فيكون من نطفته ونطفة الرّجل إذا كان حراما.

عن زرارة(٢) قال: كان يوسف، أبو الحجّاج صديقا لعليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليه ـ، وأنّه دخل على امرأته فأراد أن يضمّها، أعني: أبو الحجّاج.

قال: فقالت له: أليس إنّما عهدك بذاك السّاعة؟

قال: فأتى عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ فأخبره، فأمره أن يمسك عنها، [فأمسك عنها](٣) فولدت بالحجّاج، وهو ابن الشّيطان ذي الرّدهة(٤) .

عن عبد الملك بن أعين(٥) قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ يقول: إذا زنى الرّجل أدخل الشّيطان ذكره، ثمّ عملا جميعا، ثمّ تختلط النّطفتان فيخلق الله منهما فيكون شرك الشّيطان.

عن سليمان بن خالد(٦) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما قول الله:( شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) ؟

قال: فقال في ذلك قوله: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم.

عن العلا بن رزين(٧) ، عن محمّد، عن أحدهما قال: شرك الشّيطان ما كان من مال حرام فهو من شركه، ويكون مع الرّجل حين(٨) يجامع فتكون نطفته مع نطفته إذا كان حراما. قال: كلتيهما جميعا تختلطان. وقال: ربّما خلق من واحدة، وربّما خلق منهما جميعا.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٩، ح ١٠٢.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٠٣.

(٣) من المصدر.

(٤) أ، ب، الرديعة.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٢٩٩، ح ١٠٤.

(٦) نفس المصدر والمجلّد / ٣٠٠ وح ١٠٧.

(٧) نفس المصدر والموضع، ح ١٠٨.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: حتّى.


[صفوان الجمّال](١) قال: كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فاستأذن عيسى بن منصور عليه.

فقال: مالك ولفلان، يا عيسى، أما إنّه ما يحبّك! فقال: بأبي وأمّي، يقول قولنا ويتولى من نتولى(٢) .

فقال: إنّ فيه نخوة(٣) إبليس.

فقال: بأبي وأمّي، أليس يقول إبليس:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) ؟

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ويقول الله:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) . فالشّيطان يباضع ابن آدم هكذا. وقرن بين إصبعيه.

عن زرارة(٤) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سمعته يقول: كان الحجاج ابن شيطان يباضع ذي الرّدهة.

ثمّ قال: إنّ يوسف دخل على أمّ الحجّاج فأراد أن يضمّها، فقالت: أليس إنّما عهدك بذلك السّاعة؟ فأمسك عنها، فولدت الحجّاج.

عن يونس(٥) بن أبي الرّبيع الشّاميّ(٦) قال: كنت عنده(٧) ليلة، فذكر شرك الشّيطان فعظّمه حتّى أفزعني.

فقلت: جعلت فداك، فما المخرج منها وما نصنع؟

قال: إذا أردت المجامعة فقل:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ، الّذي لا إله إلّا هو بديع السّماوات والأرض، أللّهمّ إن قضيت منّي في هذه اللّيلة خليفة فلا تجعل للشّيطان فيه نصيبا ولا شركا ولا حظّا، واجعله عبدا صالحا خالصا مخلصا(٨) مصغيا وذرّيته ـ جلّ ثناؤك ـ.

__________________

(١) نفس المصدر والموضع، ح ١٠٩. ومنه: ما بين المعقوفتين.

(٢) ب: تتولّى.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: نحو.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠١ وح ١١٠.

(٥) أ، ب: يوسف.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٠ وح ١٠٦.

(٧) الضمير في «عنده» يرجع إلى الباقر ـ عليه السّلام ـ لأنّ الشيخ (ره) عدّ الراوي في رجاله، من أصحاب الباقر ـ عليه السّلام ـ.

(٨) المصدر: [خالصا مخلصا].


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) :( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ ) ما كان من مال حرام فهو شرك الشّيطان، فإذا اشترى به الإماء ونكحهنّ وولد له فهو شرك [الشيطان](٢) ، كما تلد [يلزمه](٣) منه، ويكون مع الرّجل إذا جامع فيكون(٤) الولد من نطفته ونطفة الرّجل إذا كان حراما.

وفي حديث آخر(٥) : إذا(٦) جامع الرّجل أهله ولم يسمّ شاركه الشّيطان.

( وَعِدْهُمْ ) : المواعيد الباطلة، كشفاعة الآلهة، والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التّوبة لطول الأمل.

( وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) (٦٤): اعتراض(٧) لبيان مواعيده [الباطلة](٨) . و «الغرور» تزيين الخطأ بما يوهم أنّه صواب.

( إِنَّ عِبادِي ) ، يعني: المخلصين. وتعظيم الإضافة والتّقييد في قوله:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) يخصّصهم.

( لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) ، أي: على إغوائهم قدرة.

( وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) (٦٥): يتوكّلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن جعفر بن محمّد الخزاعيّ، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يذكر في حديث غدير خمّ، أنّه لـمّـا قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ ما قال وأقامه للنّاس صرخ إبليس صرخة فاجتمعت [له العفاريت.

فقالوا: سيّدنا، ما هذه الصّرخة؟

فقال: ويلكم، يومكم كيوم عيسى، والله، لأضلّنّ فيه الخلق.

قال: فنزل القرآن:( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١٠) . قال: فصرخ إبليس صرخة فرجعت](١١) إليه العفاريت.

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٢.

(٢ و ٣) من المصدر.

(٤) العبارات من الموضع المذكور إلى هنا ليست في المتن.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) في ب زيادة: كان.

(٧) فإنّه وقع بين الجمل الّتي خاطب الله بها الشيطان.

(٨) من المصدر.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠١، ح ١١١.

(١٠) سبأ / ٢٠.

(١١) ليس في أ.


فقالوا: يا سيّدنا، ما هذه الصّرخة الأخرى؟

فقال: ويحكم، حكى الله، والله، كلامي قرآنا وأنزل عليه( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

ثمّ رفع رأسه إلى السّماء، ثمّ قال: وعزّتك وجلالك، لألحقنّ(١) الفريق بالجميع.

قال: فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ،( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) .

قال: فصرخ إبليس صرخة فرجعت إليه العفاريت.

فقالوا: يا سيّدنا، ما هذه الصّرخة الثّالثة؟

قال: والله، من أصحاب عليّ، ولكن وعزتك وجلالك، لأزيننّ لهم المعاصي حتّى أبغضهم إليك.

قال: فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: والّذي بعث محمّدا بالحقّ، للعفاريت والأبالسة على المؤمن أكثر من الزّنابير على اللّحم، والمؤمن أشدّ من الجبل، والجبل تدنو إليه(٢) بالفأس فتنحت منه والمؤمن لا يستقلّ على دينه.

عن عبد الرّحمن بن سالم(٣) في قول الله:( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ. ونحن نرجو أن تجري لمن أحبّ الله من عباده.

( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي ) ، أي: هو الّذي يجري.

( لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) : الرّبح وهو(٤) أنواع الأمتعة الّتي لا تكون عندكم.

( إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) (٦٦): حيث هيّأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهل عليكم ما تعسّر من أسبابه.

( وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ) : خوف الغرق.

( ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ) : ذهب عن خواطر كم كلّ من تدعونه في حوادثكم.

( إِلَّا إِيَّاهُ ) : وحده، فإنّكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلّا

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تخفف.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تواليه.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠١، ح ١١٢.

(٤) ليس في المصدر.


إيّاه. أو ضلّ كلّ من تعبدونه عن إغاثتكم إلّا الله.

وفي كتاب التّوحيد(١) : حدّثنا محمّد بن القاسم الجرجانيّ، المفسّر ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا أبو يعقوب، يوسف بن محمّد بن زياد وأبو الحسن، عليّ بن محمّد بن سيّار، وكانا من الشّيعة الإماميّة، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمّد ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) فقال: الله هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج والشّدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرّجاء من كلّ من هو دونه، وتقطع(٢) الأسباب عن جميع من سواه، يقول: بسم الله، أي: استعين على أمور كلّها بالله الّذي، لا تحقّ العبادة إلّا له، المغيث إذا استغيث، والجيب إذا دعي.

وهو ما قال رجل للصّادق ـ عليه السّلام ـ: يا ابن رسول الله، دلّني على الله ما هو، فقد كثر عليّ المجادلون وحيّروني؟

فقال له: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قطّ؟

قال: نعم.

قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلّق قلبك هنا لك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟

قال: نعم.

قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: فذلك الشّيء هو الله، القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ) : عن التّوحيد.

وقيل(٣) : اتّسعتم في كفران النّعمة، كقول ذي الرّمّة :

عطاء فتى تمكن في المعالي

فأعرض في المكارم واستطالا

( وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ) (٦٧)، كالتّعليل للإعراض.

__________________

(١) التوحيد / ٢٣٠.

(٢) ب: نقطع.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٩١.


( أَفَأَمِنْتُمْ ) «الهمزة» فيه للإنكار، و «الفاء» للعطف على محذوف، تقديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض، فإنّ من قدر أن يهلككم في [البحر بالغرق قادر(١) أن يهلككم في](٢) البرّ بالخسف وغيره.

( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ ) : أن يقلبه الله وأنتم عليه. أو يقلبه بسببكم، «فبكم» حال(٣) ، أو صلة «ليخسف».

وقرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو، بالنّون، فيه وفي الأربعة الّتي بعده.

وفي ذكر الجانب تنبيه على أنّهم كلّما وصلوا السّاحل كفروا وأعرضوا، وأنّ الجوانب والجهات في قدرته سواء، لا معقل(٥) يؤمن فيه من أسباب الهلاك.

( أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) : ريحا تحصب: أي: ترمي بالحصباء.

( ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً ) (٦٨): يحفظكم من ذلك، فإنّه لا رادّ لفعله.

( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ ) : في البحر.

( تارَةً أُخْرى ) : بخلق دواع تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه.

( فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ ) ، أي: لا تمرّ بشيء إلّا قصفته، أي: كسرته.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ ) قال: هي العاصف.

( فَيُغْرِقَكُمْ ) .

وعن يعقوب(٧) ، بالتّاء، على إسناده إلى ضمير الرّيح.

( بِما كَفَرْتُمْ ) : بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء.

( ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ) (٦٩): مطالبا يتبعنا بانتصار أو صرف.

( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) : بحسن الصّورة، والمزاج الأعدل، واعتدال القامة ،

__________________

(١) كذا في نفس المصدر والموضع. وفي النسخ: «قدر» بدل «بالغرق قادر».

(٢) ليس في أ، ب، ر.

(٣) فعلى هذا التقدير: أن يخسف جانب البرّ كائنا معكم.

(٤) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٢.

(٥) المعقل: الملجأ.

(٦) تفسير القمّي ٢ / ٢٢.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٢.


والتّمييز بالعقل، والإفهام بالنّطق، والإشارة والخطّ، والتّهدّي إلى أسباب المعاش والمعاد، والتّسلّط على ما في الأرض، والتّمكّن من الصّناعات، وانسياق الأسباب والمسبّبات العلويّة والسّفليّة إلى ما يعود عليهم(١) بالمنافع، إلى غير ذلك ممّا يقف الحصر دون إحصائه، ومن ذلك ما ذكره ابن عباس عنه(٢) : وهو أنّ كلّ(٣) حيوان يتناول طعامه بفيه إلّا الإنسان، فإنّه يرفعه إليه بيده.

( وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) : على الدّوابّ والسّفن، من حملته حملا: إذا جعلت له ما يركبه. أو حملناهم فيهما حتّى لم تخسف(٤) بهم الأرض، ولم يغرقهم الماء.

( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) : المستلذّات، ممّا يحصل بفعلهم وبغير فعلهم.

( وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) (٧٠): بالغلبة والاستيلاء، أو بالشّرف والكرامة.

[، والمستثنى جنس الملائكة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أو الخواص منهم، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده.](٥) .

ويجوز تفضيل الجنس باعتبار تفضيل بعض أفراده.

وفي أمالي شيخ الطّائفة(٦) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده إلى زيد بن عليّ ـ عليه السّلام ـ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ:( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) يقول: فضّلنا بني آدم على سائر الخلق.

( وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) يقول: على الرّطب واليابس.

( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) يقول: من طيّبات الثّمار كلّها.

( وَفَضَّلْناهُمْ ) يقول: ليس من دابّة ولا طائر إلّا وهي تأكل وتشرب بفيها، ولا ترفع بيدها إلى فيها طعاما ولا شرابا غير ابن آدم، فإنّه يرفع إلى فيه بيده طعامه، فهذا من التّفضيل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : حدّثنا جعفر بن أحمد قال: حدّثنا عبد الكريم بن

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «إليه عملهم» بدل «عليهم».

(٢) ليس في المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: كلّا.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا يخسف.

(٥) من أنوار التنزيل ١ / ٥٩٢.

(٦) أمالي الطوسي ٢ / ١٠٣.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ٢٢.


عبد الرّحيم قال: حدّثنا محمّد بن عليّ، عن محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله لا يكرّم روح الكافر، ولكن كرّم أرواح المؤمنين.

وإنّما كرامة النّفس والدّم بالرّوح، والرّزق الطّيّب هو العلم.

حدّثني أبي(١) : عن إسحاق بن الهيثم، عن سعد بن طريف(٢) ، عن الأصبغ بن نباته أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ سئل عن قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) .

[قال: السماوات والأرض](٣) وما فيهما(٤) من مخلوق في جوف الكرسيّ، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، فأمّا ملك منهم(٥) ففي صورة الآدميّين، وهي أكرم الصّور على الله.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي محاسن البرقي(٦) : عنه، بعض أصحابنا، عن عليّ بن أسباط، عن عمّه، يعقوب، أو غيره رفعه، قال: كان أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول: أللّهمّ، إنّ هذا من عطائك، فبارك لنا فيه وسوّغناه، وأخلف لنا خلفا لما أكلناه أو شربناه لا من حول منّا ولا قوّة، ورزقت فأحسنت فلك الحمد، ربّ، اجعلنا من الشّاكرين.

فإذا فرغ قال: الحمد لله الّذي كفانا وأكرمنا وحملنا في البرّ والبحر ورزقنا من الطّيّبات وفضّلنا على كثير ممّن خلق تفضيلا، الحمد لله الّذي كفانا المؤنة وأسبغ علينا.

عنه(٧) ، عن محمّد بن [عبد الله](٨) ، عن عمرو المتطبّب(٩) ، عن أبي يحيى الصّنعانيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: كان عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ إذا وضع الطّعام بين يديه قال: أللّهمّ، هذا من منّك وفضلك وعطائك، فبارك لنا فيه وسوّغناه وارزقنا خلفا لما

__________________

(١) نفس المصدر ١ / ٨٥.

(٢) كما في النجاشي / ٤٦٨. وفي المصدر: ظريف.

(٣) ليس في أ.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: بينهما.

(٥) المصدر: «فأما الملك الأوّل» بدل «فأمّا ملك منهم».

(٦) المحاسن / ٤٣٦، ح ٢٧٨.

(٧) نفس المصدر / ٤٣٣، ح ٢٦٣.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: عمر المطيب.


أكلناه وربّ محتاج إليه رزقت وأحسنت، أللّهمّ، اجعلنا من الشّاكرين.

وإذا رفع الخوان قال: الحمد لله الّذي حملنا في البرّ والبحر، ورزقنا من الطّيّبات، وفضّلنا على كثير [من خلقه أو](١) ممّن خلق تفضيلا.

وفي كتاب الخصال(٢) ، فيما علّم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أصحابه: إذا نظر أحدكم في المرآة فليقل: الحمد لله الّذي خلقني فأحسن خلقي، وصوّرني فأحسن صورتي، وزان منّي ما شان من غيري، وأكرمني بالإسلام.

عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ(٣) قال: المؤمن أعظم حرمة من الكعبة.

وفي عيون الأخبار(٤) ، بإسناده إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إنّ المؤمن يعرف بالسّماء، كم يعرف الرّجل [أهله و](٥) ولده، وأنّه لأكرم على الله ـ تعالى ـ من ملك مقرّب.

وبإسناده(٦) ، قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عليّ. من كرامة المؤمن على الله أنّه لم يجعل لأجله وقتا حتّى يهمّ ببائقة(٧) ، فإذا همّ ببائقة(٨) قبضه الله(٩) إليه.

عن جابر(١٠) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ [في قوله ـ تعالى ـ](١١) :( وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) قال: خلق كلّ شيء منكبّا، غير الإنسان خلق منتصبا.

وفي كتاب علل الشّرائع(١٢) : أبي ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟

فقال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ: إن الله ـ عزّ وجلّ ـ ركّب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم

__________________

(١) ليس في أ، ب.

(٢) الخصال ٢ / ٦١٢.

(٣) نفس المصدر ١ / ٢٧، ح ٩٥.

(٤) العيون ٢ / ٣٣، ح ٦٢.

(٥) من المصدر.

(٦) نفس المصدر والمجلد / ٣٦، ح ٩٠.

(٧ و ٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: بايعه. والبائقة: الداهية. الظلم والتعدّي عن الحقّ.

(٩) ليس في المصدر. (١٠) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٢، ح ١١٣.

(١١) من المصدر. (١٢) العلل ١ / ٤.


كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم.

وبإسناده(١) إلى عبد السّلام بن صالح الهرويّ: عن عليّ بن موسى الرّضا ـ عليه السّلام ـ عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ: فإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا.

يا عليّ، الّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للّذين آمنوا بولايتنا.

يا عليّ، لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حوّاء ولا الجنّة ولا النّار ولا السّماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة(٢) ربّنا وتسبيحه [وتهليله](٣) وتقديسه(٤) ؟ وأنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق آدم فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسّجود له تعظيما لنا وإكراما، وكان سجودهم لله ـ عزّ وجلّ ـ عبوديّة ولآدم إكراما وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا(٥) لآدم كلّهم أجمعون؟

وقد روينا(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: إنّ في الملائكة من باقة(٧) بقل(٨) خير منه، والأنبيّاء والحجج يعلمون ذلك لهم، وفيهم ما جهلناه.

وبإسناده(٩) إلى ابن عبّاس: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لـمّـا عرج بي إلى السّماء الرّابعة أذّن جبرئيل ـ عليه السّلام ـ وأقام ميكائيل، ثمّ قيل لي: أدن، يا محمّد.

فقلت: أتقدّم وأنت بحضرتي [يا جبرئيل](١٠) ؟

قال: نعم، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلك أنت خاصّة.

فدنوت فصلّيت بأهل السّماء [الرابعة](١١) .

__________________

(١) نفس المصدر والمجلد / ٥.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: معروف.

(٣) من المصدر.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: سجد.

(٦) العلل / ٢٥.

(٧) الباقة: الحزمة من الزّهر أو البقل.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقل.

(٩) العلل ١ / ١٨٤، ضمن ح ٢.

(١٠ و ١١) من المصدر.


وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصّباح الكنانيّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: ما خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ خلقا أكرم على الله ـ عزّ وجلّ ـ من مؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين، وأنّ جوار الله للمؤمنين، وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطّبرسي ـ رحمه الله ـ: عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، وفيه: يا رسول الله، أخبرنا عن عليّ هو أفضل أم ملائكة الله المقرّبون؟

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وهل شرّفت الملائكة إلّا بحبّها لمحمّد وعليّ وقبولها ولايتهما، إنّه لا أحد من محبّي [عليّ](٣) ـ عليه السّلام ـ قد نظّف قلبه من الغش(٤) والدّغل [والعلل](٥) ونجاسة الذّنوب إلّا كان أطهر وأفضل من الملائكة.

وفيه(٦) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه السّائل: فالرّسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرّسول أفضل.

وفي كتاب ثواب الأعمال(٧) ، بإسناده إلى أبي هريرة وعبد الله بن عبّاس قالا: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في أثناء كلام طويل: أنتم أفضل من الملائكة.

وفي اعتقادات الإمامية(٨) للصّدوق ـ عليه الرّحمة ـ: وقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا أفضل من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقرّبين، وأنا خير البريّة وسيّد ولد آدم.

( يَوْمَ نَدْعُوا ) : نصب بإضمار «اذكر»، أو ظرف لما دلّ عليه «ولا يظلمون».

وقرئ(٩) : «يدعو»، و «يدعي»، و «يدعو» على [قلب](١٠) الألف واوا في لغة من يقول: افعو، [في أفعى](١١) . أو على أنّ الواو علامة الجمع، كما في قوله:( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) . أو ضميره، و «كلّ» بدل منه، والنّون محذوفة لقلّة المبالاة بها فإنّها ليست إلّا علامة الرّفع، وهو قد يقدّر، كما في «يدعى».

__________________

(١) الكافي ٢ / ٣٣، ح ٢.

(٢) الإحتجاج ١ / ٥٢.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: قذر الغش.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) نفس المصدر ٢ / ٣٤٨.

(٧) ثواب الأعمال / ٣٣٠، ضمن ح ١.

(٨) اعتقادات الصدوق / ٩٦. (٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٢. (١٠ و ١١) من المصدر.


( كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) : بمن ائتّموا به من نبيّ، أو مقدّم في الدّين، أو كتاب، أو دين.

وقيل(١) : بكتاب أعمالهم الّتي قدّموها، فيقال، يا صاحب كتاب كذا، أي: تنقطع علقة الأنساب وتبقى نسبة الأعمال.

وقيل(٢) : بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم.

وقيل(٣) : بأمّهاتهم، جمع أمّ، كخفّ وخفاف، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى ـ عليه السّلام ـ، وإظهار شرف الحسن والحسين ـ رضي الله عنهما ـ، وأن لا تفتضح أولاد الزّنا(٤) .

وفي محاسن البرقي(٥) : عن أبيه، عن النّضر بن سويد، عن ابن مسكان، عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ [أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

فقال: ندعو](٦) كلّ قرن من هذه الأمّة بإمامهم.

قلت: فيجيء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قرنه، وعليّ ـ عليه السّلام ـ في قرنه، والحسن ـ عليه السّلام ـ في قرنه، والحسين ـ عليه السّلام ـ في قرنه، [وكلّ إمام في قرنه](٧) الّذي هلك بين أظهرهم(٨) ؟

قال: نعم.

وفي عيون الأخبار(٩) : عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ وبإسناده قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قوله ـ تعالى ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: يدعى كلّ قوم بإمام زمانهم، وكتاب الله(١٠) ، وسنّة نبيّهم.

وفي كتاب الخصال(١١) ، بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة قال: أمرنا أمير المؤمنين

__________________

(١ و ٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) إذ لو دعي الخلق بالآباء لكان هذا نوع نقص بالنسبة إلى عيسى بالأمّ والخلق بالآباء، وفيه إظهار شرف السبطين بأن يدعيا بأمّهما الّتي هي بنت سيّد المرسلين ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعدم افتضاح أولاد الزّنا ظاهرا فإنّه لو دعي الخلق بالآباء وأولاد الزّنا بالامّهات لكان هذا تصريحا بكونهم أولاد الزّنا وليس لهم آباء.

(٥) المحاسن / ١٤٤، ح ٤٤.

(٦) ليس في أ، ر.

(٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: أظهركم.

(٩) العيون ٢ / ٣٣ وح ٦١.

(١٠) المصدر: ربّهم.

(١١) الخصال ٢ / ٦٤٤، ح ٢٦.


ـ عليه السّلام ـ بالمسير إلى المدائن من الكوفة، فسرنا يوم الأحد وتخلّف عمرو بن حريث(١) في سبعة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة يسمّى: الخورنق، فقالوا نتنزّه(٢) فإذا كان الأربعاء خرجنا فلحقنا عليّا ـ عليه السّلام ـ قبل أن يجمع. فبينما هم يتغدّون(٣) ، إذ خرج عليهم ضبّ فصادوه، فأخذه عمرو بن حريث، فنصب كفّه وقال: بايعوا، هذا أمير المؤمنين. فبايعه السّبعة وعمرو ثامنهم، وارتحلوا ليلة الأربعاء فقدموا المدائن يوم الجمعة، وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يخطب، [ولم يفارق بعضهم بعضا وكانوا جميعا حتّى نزلوا](٤) [على باب المسجد. فلمّا دخلوا، نظر إليهم أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ](٥) فقال: يا أيّها النّاس، إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أسرّ إليّ ألف ألف(٦) حديث، في كلّ حديث ألف باب، لكلّ باب ألف مفتاح، وإنّي سمعت الله ـ جلّ جلاله ـ يقول:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) . وإنّي أقسم لكم بالله، ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر يدعون بإمامهم، وهو ضبّ، ولو شئت أن أسمّيهم لفعلت.

قال: فلقد رأيت عمرو بن حريث سقط، كما تسقط السّعفة، حياء ولوما.

وفي أصول الكافي(٧) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن حمّاد، عن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: السّمع والطّاعة أبواب الخير، السّامع المطيع لا حجّة عليه، والسّامع العاصي لا حجّة له، وإمام المسلمين تمّت حجّته واحتجاجه يوم يلقي الله ـ عزّ وجلّ ـ.

ثمّ قال: يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

محمّد بن يحيى(٨) ، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن جابر عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا نزلت هذه الآية( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال المسلمون: يا رسول الله، ألست إمام النّاس كلّهم أجمعين؟

قال: فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أنا رسول الله إلى النّاس أجمعين ،

__________________

(١) أ، ب، ر: عمرو بن حرث.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: تتنزّه.

(٣) المصدر: يتغذّون.

(٤) من المصدر.

(٥) يوجد في ب، المصدر.

(٦) ليس في أ، ب، ر، المصدر.

(٧) الكافي ١ / ١٨٩ ـ ١٩٠، ح ١٧.

(٨) نفس المصدر / ٢١٥، ح ١.


ولكن سيكون من بعدي أئمّة على النّاس من الله من أهل بيتي يقومون في النّاس، فيكذبون وتظلمهم أئمّة الكفر والضّلال وأشياعهم. فمن والاهم واتّبعهم وصدّقهم، فهو منّي ومعي وسيلقاني. ألا ومن ظلمهم وكذّبهم، فليس منّي ولا معي وأنا منه بريء.

عليّ بن محمّد(١) ، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون(٢) ، عن عبد الله [بن عبد الرّحمن، عن عبد الله](٣) بن القاسم البطل(٤) ، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

قال: إمامهم الّذي بين أظهرهم، وهو قائم أهل زمانه.

عدّة من أصحابنا(٥) ، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن محمّد بن الحسن بن شمّون، عن عبد الله بن عمرو بن الأشعث(٦) ، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاريّ، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يجيء كلّ غادر بإمام يوم القيامة مائلا شدقه حتّى يدخل النّار.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) : أخبرنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى(٨) ، عن ربعي بن عبد الله، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تبارك وتعالى ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: يجيء رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في قومه(٩) ، وعليّ في قومه(١٠) ، والحسن في قومه(١١) ، والحسن في قومه(١٢) ، وكلّ من مات بين ظهرانيّ قوم جاؤوا معه.

وقال عليّ بن إبراهيم(١٣) في قوله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: ذلك يوم القيامة، ينادي مناد: ليقم أبو بكر(١٤) وشيعته، وعمر(١٥) وشيعته، وعثمان(١٦) وشيعته، [وعليّ

__________________

(١) نفس المصدر / ٥٣٦ ـ ٥٣٧.

(٢) أ، ب: سمعون.

(٣) ليس في ب. ويوجد فيها هاهنا زيادة: بن حمّاد الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن.

(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٥٠٠. وفي النسخ: القاسم بن البطل.

(٥) نفس المصدر ٢ / ٣٣٧ ـ ٣٣٨، ح ٥.

(٦) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٤٩٨. وفي النسخ: الأشوى.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ٢٢ ـ ٢٣.

(٨) في المصدر زيادة: عن الحسين بن سعيد، عن حمّاد بن عيسى.

(٩ و ١٠ و ١١ و ١٢) المصدر: فرقة.

(١٣) نفس المصدر: ٢٣.

(١٤ و ١٥ و ١٦) المصدر: فلان.


وشيعته](١) .

وفي كتاب الاحتجاج(٢) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، فيه يقول ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر المنافقين: وكذلك قوله(٣) : سلام على آل ياسين لأنّ الله سمّى النّبيّ بهذا الاسم(٤) حيث قال(٥) :( يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) . لعلمه بأنّهم يسقطون قول(٦) : سلام على آل محمد، كما أسقطوا غيره.

وكذلك قال:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) ولم يسمّ بأسمائهم وأسماء آبائهم وامّهاتهم.

وفي أمالي الصّدوق(٧) ، وبإسناده إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سأل رجل يقال له: بشر بن غالب، أبا عبد الله(٨) ـ عليه السّلام ـ فقال: يا ابن رسول الله، أخبرني عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

قال إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار، وهو قوله(٩) ـ عزّ وجلّ ـ:( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) .

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي الصّحيفة السّجادية(١٠) . أللّهمّ، إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمام أقمته علما لعبادك ومنارا في بلادك، بعد أن وصلت حبله بحبلك، وجعلته الذّريعة إلى رضوانك، وافترضت طاعته، وحذّرت معصيته، وأمرت بامتثال أمره(١١) والانتهاء عند نهيه، وألّا يتقدّمه متقدّم ولا يتأخّر عنه متأخّر.

وفي مصباح الشّريعة(١٢) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ: [قال الله ـ تعالى ـ :](١٣) ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) ، أي: من كان اقتدى بمحقّ قبل وزكّي.

__________________

(١) ليس في أ، ب.

(٢) الاحتجاج ١ / ٢٥٣.

(٣) الصّافّات / ١٣٠.

(٤) المصدر: لأنّ الله سمّى به النّبيّ

(٥) يس / ١ ـ ٣.

(٦) المصدر: قول الله.

(٧) عنه في نور الثقلين ٣ / ١٩٣، ح ٣٣٥.

(٨) ب: أبا عبد الله الحسين.

(٩) الشورى / ٧.

(١٠) الصحيفة السجّاديّة، الدعاء ٤٧.

(١١) المصدر: أوامره.

(١٢) مصباح الشريعة / ٣٢٩. (١٣) ليس في المصدر.


وفي الخرائج والجرائح(١) ، في أعلام محمّد العسكريّ ـ عليه السّلام ـ: قال أبو هاشم، بعد أن روى كرامة له ـ عليه السّلام ـ: فجعلت أفكّر في نفسي عظم ما أعطى الله آل محمّد ـ عليهم السّلام ـ وبكيت، فنظر إليّ وقال: الأمر أعظم ممّا حدّثت به نفسك من عظم شأن آل محمّد، فاحمد الله أن جعلك متمسّكا بحبلهم، تدعى يوم(٢) القيامة بهم(٣) إذا دعي كلّ أناس بإمامهم إنّك على خير.

وفي الرّجال للكشّي(٤) : فضالة بن جعفر، عن أبان، عن حمزة بن طيّار: أنّ أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ أخذ بيدي، ثمّ عدّ الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ إماما إماما يحسبهم [بيده](٥) حتّى انتهى إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ فكفّ.

فقلت: جعلني الله فداك، لو فلقت رمّانة فأحللت بعضها وحرّمت بعضها، لشهدت أنّ ما حرّمت حرام وما أحللت حلال.

فقال: فحسبك أن تقول بقوله، وما أنا إلّا مثلهم، لي ما لهم وعليّ ما عليهم، فإن أردت أن تجيء يوم القيامة مع الّذين قال الله ـ تعالى ـ:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) فقل بقوله.

وفي تفسير العيّاشي(٦) : عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كلّ بإمامه الّذي مات في عصره، فإن أثبته(٧) أعطي كتابه بيمينه لقوله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ) .

واليمين اثبات الإمام، لأنّه كتاب يقرؤه، إنّ الله يقول(٨) :( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ]) (٩) ( فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ) (الآية). و «الكتاب» الإمام، فمن نبذه وراء ظهره كان كما قال(١٠) :( فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) . ومن أنكره كان من أصحاب الشّمال الّذين قال الله(١١) :( ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ )

__________________

(١) نور الثقلين ٣ / ١٩٣، ح ٣٣٨.

(٢) من ب.

(٣) كذا في الثقلين. وفي ب: محبهم. وفي غيرها: لهم.

(٤) رجال الكشي / ٣٤٩، ح ٦٥٣.

(٥) من المصدر.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٢.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أتاه.

(٨) الحاقة / ١٩ ـ ٢٠. وفيها: «فأما من ...»

(٩) من المصدر.

(١٠) آل عمران / ١٨٧.

(١١) الواقعة / ٤١ ـ ٤٣.


(إلى آخر الآية).

عنه(١) ، عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن قوله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

قال: من كان يأتمّون به في الدّنيا، ويؤتي بالشّمس والقمر فيقذفان في حميم(٢) ومن يعبدهما.

عن جعفر بن أحمد(٣) ، عن الفضل بن شاذان، أنّه وجد مكتوبا بخطّ أبيه [مثله](٤) .

عن أبي بصير(٥) قال: أخذت بفخذ أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقلت: أشهد أنّك إمامي.

فقال: أما إنّه سيدعى كلّ أناس بإمامهم، أصحاب الشّمس بالشّمس، وأصحاب القمر بالقمر، وأصحاب النّار بالنّار، وأصحاب الحجارة بالحجارة.

عن عمّار السّاباطي(٦) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا تترك الأرض بغير إمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله، وهو قول الله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

ثمّ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة.

فمدّوا أعناقهم وفتحوا أعينهم، فقال أبو عبد الله: ليست الجاهليّة الجهلاء.

فلمّا خرجنا من عنده قال لنا سليمان: هو، والله، الجاهليّة الجهلاء، ولكن لـمّـا رآكم مددتم أعناقكم وفتحتم أعينكم قال لكم كذلك.

عن بشير الدّهّان(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أنتم، والله، على دين الله. ثمّ تلا:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

ثمّ قال: عليّ إمامنا ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إمامنا، كم من إمام يجيء يوم القيامة يلعن أصحابه ويلعنونه، ونحن ذريّة محمّد وأمّنا فاطمة.

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) المصدر: ويقذفان في جهنّم.

(٣) نفس المصدر / ٣٠٣، ح ١١٧.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر / ٣٠٣، ح ١١٨.

(٦) نفس المصدر / ٣٠٣.

(٧) نفس المصدر / ٣٠٣.


عن إسماعيل بن همّام(١) قال: قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: إذا كان يوم القيامة قال الله: أليس عدل من ربّكم أن تولّوا كلّ قوم من تولّوا؟

قالوا: بلى.

قال: فيقول: تميّزوا. فيتميّزون.

عن محمّد بن حمران(٢) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إن كنتم تريدون أن تكونوا معنا يوم القيامة لا يلعن بعض(٣) بعضا، فاتّقوا الله وأطيعوا، فإنّ الله يقول:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) .

وفي مجمع البيان(٤) : وروي عن الصّادق ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: ألا تحمدون(٥) الله، إذا كان يوم القيامة فدعي كلّ قوم إلى من يتولّونه(٦) ، وفزعنا(٧) إلى رسول الله وفزعتم إلينا، فإلى أين(٨) ترون(٩) يذهب بكم؟

إلى الجنّة، وربّ الكعبة! قالها ثلاثا.

( فَمَنْ أُوتِيَ ) : من المدعوّين.

( كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ) ، أي: كتاب عمله.

( فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ) : ابتهاجا وتبجّحا بما يرون فيه.

( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (٧١): ولا ينقصون من أجورهم أدنى(١٠) شيء.

في تفسير عليّ بن إبراهيم(١١) : أنّ «الفتيل» الجلدة الّتي في ظهر النّواة.

وجمع اسم الإشارة والضّمير، لأنّ «من أوتي» في معنى الجمع.

وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدلّ على أنّ من أوتي كتابه بشماله، إذا

__________________

(١) نفس المصدر / ٣٠٤.

(٢) نفس المصدر / ٣٠٥.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: بعضنا.

(٤) المجمع ٣ / ٤٣٠.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: ألا تمجّدون.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: يتولّون.

(٧) المصدر: دعانا.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «قال: أم» بدل «إلى أين».

(٩) أ، ب: تريدون.

(١٠) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٩٣. وفي النسخ :أوفى.

(١١) تفسير القمّي ٢ / ٢٣.


اطّلع على ما فيه، غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة، ولذلك لم يذركهم(١) ، مع أنّ قوله:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ) ـ أيضا ـ مشعر بذلك، فإنّ الأعمى لا يقرأ الكتاب. والمعنى: ومن كان في هذه الدّنيا أعمى(٢) القلب لا يبصر رشده، كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النّجاة.

( وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (٧٢): منه في الدّنيا، لزوال الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة.

وقيل(٣) : لأنّ الاهتداء بعد لا ينفعه، والأعمى مستعار من فاقد الحاسّة.

وقيل(٤) : الثّاني للتّفضيل من عمي بقلبه، كالأجهل والأبله(٥) ، ولذلك لم يمله أبو عمرو ويعقوب، فإنّ أفعل التّفضيل تمامه «بمن» فكانت ألفه في حكم المتوسّطة، كما في «أعمالكم» بخلاف النّعت فإن ألفه واقعة في الطّرف لفظا وحكما، فكانت معرّضة للإمالة من حيث إنّها تصير ياء في التّثنية، وقد أمالها حمزة والكسائي وأبو بكر، وقرأ ورش، بين بين، فيهما.

وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزّاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ: وليست [تشهد الجوارح على مؤمن، إنّما](٧) تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب، فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، [قال الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ]) (٨) ( فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) .

وفي عيون الأخبار(٩) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع أهل الأديان والمقالات في التّوحيد كلام للرّضا ـ عليه السّلام ـ مع عمران، وفيه: وإيّاك وقول الجهّال من أهل العمى والضّلال، الّذين يزعمون أنّ الله ـ جلّ وتقدّس ـ موجود في الآخرة

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يذكر.

(٢) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٩٣. وفي النسخ: عمى.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) يعني: أنّ العمى وإن كان من العيوب لا يبنى منه أفعل التّفضيل، لكنّه إذا كان بمعنى فقد الحاسّة أمّا إذا كان المراد عمى القلب، يكون كالجهل فيبنى منه أفعل التّفضيل.

(٦) الكافي ٢ / ٣٢، ح ١.

(٧ و ٨) من المصدر.

(٩) العيون ١ / ١٧٥.


للحساب والثّواب والعقاب، وليس بموجود في الدّنيا للطّاعة والرّجاء. ولو كان في الوجود لله ـ عزّ وجلّ ـ نقض واهتضام، لم يوجد في الآخرة أبدا، ولكنّ القوم تاهوا وعموا(١) عن الحقّ من حيث لا يعلمون، ذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ، يعني: أعمى عن الحقائق الموجودة.

وفي كتاب الخصال(٢) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه يقول: أشدّ العمى من عمي عن فضلنا وناصبنا العداوة بلا ذنب سبق إليه منّا، إلّا [أنّا](٣) دعونا إلى الحقّ ودعاه من سوانا إلى الفتنة والدّنيا، فأتاهما ونصب البراءة منّا والعداوة.

أبي(٤) ـ رحمه الله ـ قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ) قال: من لم يدلّه خلق السّماوات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار ودوران الفلك والشّمس والقمر والآيات العجيبات على أنّ وراء ذلك أمرا أعظم منه( فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) .

وفي الكافي(٥) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ تعالى ـ:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) .

قال: ذلك يسوّف نفسه الحجّ، يعني: حجّة الإسلام، حتّى يأتيه الموت.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن أبي الطّفيل، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين ـ عليهما السّلام ـ فقال له: إنّ ابن عبّاس يزعم أنّه يعلم كلّ آية نزلت في القرآن، في أيّ يوم نزلت وفيمن نزلت.

__________________

(١) في المصدر زيادة: وصمّوا.

(٢) الخصال / ٦٣٣.

(٣) من المصدر.

(٤) التوحيد / ٤٥٥، ح ٦.

(٥) الكافي ٤ / ٢٦٨ ـ ٢٦٩، ح ٢.

(٦) تفسير القمّي ٢ / ٢٣.


فقال أبي ـ عليه السّلام ـ: [سله](١) فيمن نزلت:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) . وفيمن نزلت(٢) :( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) . وفيمن نزلت(٣) :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ) .

فأتاه الرّجل فسأله، فقال: وددت أنّ الّذي أمرك بهذا واجهني به، فأسأله عن العرش ممّ(٤) خلقه الله ومتى خلقه وكم هو وكيف هو؟

فانصرف الرّجل إلى أبي(٥) ، فقال أبي ـ عليه السّلام ـ: فهل أجابك بالآيات؟

قال: لا.

قال أبي: لكن أجيبك فيها بعلم ونور غير مدّع ولا منتحل(٦) . أمّا قوله:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) ففيه نزل(٧) وفي أبيه، وأمّا قوله:( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) ففي أبيه نزلت، وأمّا قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ) ففي أبيه نزلت وفينا، ولم يكن الرّباط الّذي أمرنا به، وسيكون ذلك من نسلنا المرابط ومن نسله المرابط(٨) .

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وقال أبو عبد الله(٩) ـ عليه السّلام ـ أيضا ـ:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) قال: نزلت فيمن يسوّف الحجّ حتّى مات ولم يحجّ(١٠) ، فعمي عن فريضة من فرائض الله.

وفيه(١١) خطبة له ـ صلّى الله عليه وآله ـ وفيها: وأعمى العمى عمى(١٢) الضّلالة بعد

__________________

(١) من المصدر.

(٢) هود / ٣٤.

(٣) آل عمران / ٢٠٠.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: ممّن.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي عبد الله ـ عليه السّلام.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: ونور وغير المدّعى ولا المنتحل و.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: نزلت.

(٨) قيل: يحتمل أن يكون المراد من قوله ـ عليه السّلام ـ: «ففي أبيه نزل الخ»: أنّهم مأمورون برباطنا وصلتنا، وقد تركوا ولم يأتمروا، وسيكون ذلك في زمان ظهور القائم ـ عليه السّلام ـ فيرابطنا من بقي من نسلهم فينصرون قائمنا فيكون من نسلنا المرابط، بالفتح، أعني: القائم ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ ومن نسله المرابط، بالكسر. ويحتمل على هذا ـ أيضا ـ الكسر فيهما والفتح، فتأمّل.

(٩) نفس المصدر / ٢٤.

(١٠) في المصدر زيادة: فهو أعمى.

(١١) نفس المصدر ١ / ٢٩١. (١٢) ليس في المصدر.


الهدى، وشرّ العمى عمى القلب.

وفي كتاب ثواب الأعمال(١) ، رفعه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: يحشر المرجئة عميانا [وإمامهم أعمى. فيقول بعض من يراهم من غير أمّتنا: ما نرى أمّة محمّد إلّا. عميانا](٢) فيقال لهم(٣) : ليسوا من أمّة محمّد إنّهم بدلّوا فبدّل(٤) بهم، وغيّروا فغيّر ما بهم.

وفيه(٥) بإسناده إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّه قال: ومن قرأ القرآن ولم يعمل به، حشره الله ـ عزّ وجلّ ـ يوم القيامة أعمى فيقول:( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ) (٦) فيؤمر به إلى النّار.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) قيل(٧) : نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتّى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى(٨) في صلاتنا(٩) ، وكلّ ربا لنا فهو لنا، وكلّ ربا علينا فهو موضوع عنّا وأن تمتّعنا باللّات، سنة وأن تحرم وادينا(١٠) ، كما حرمت مكّة، فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني.

وقيل(١١) : في قريش، قالوا: لا نمكّنك من استلام الحجر حتّى تلمّ بآلهتنا وتمسّها بيدك.

و «إن» هي المخفّفة و «اللّام» هي الفارقة، والمعنى: إنّ الشّأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنزال(١٢) .

__________________

(١) ثواب الأعمال / ٢٤٨، ح ٧.

(٢) من المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فأقول لهم.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: فبدّلهم.

(٥) نفس المصدر / ٣٣٧.

(٦) طه / ١٢٥ ـ ١٢٦.

(٧) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٣.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: ننجي.

(٩) قوله: «لا نعشر ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا» الأوّل معناه: لا يؤخذ عشر أموالنا، والثاني معناه: لا نبعث إلى المغازي ولا يضرب علينا البعوث، والثّالث التّجبية، وهو أن يضع يديه على ركبتيه.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأن تحرموا دينا.

(١١) نفس المصدر والموضع.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالاشراك.


( عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) : من الأحكام.

( لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ) : غير ما أوحينا إليك.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قال: يعني: في(٢) أمير المؤمنين.

( وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ) (٧٣): ولو اتّبعت مرادهم لاتّخذوك بافتتانك وليّا لهم بريئا(٣) من ولايتي.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : يعني: لاتّخذوك صديقا لو أقمت غيره.

( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ ) : ولو لا تثبيتنا إيّاك.

( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) (٧٤): لقاربت إلى أن تميل إلى اتّباع مرادهم.

والمعنى: أنّك كنت على صدد الرّكون(٥) إليهم لقوّة خدعهم وشدّة احتيالهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلا عن أن تركن إليهم(٦) . وهو صريح في أنّه ما همّ بإجابتهم مع قوّة الدّاعي إليها، ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله ـ تعالى ـ وحفظه.

وفي عيون الأخبار(٧) ، في باب ذكر مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ عند المأمون في عصمة الأنبياء حديث، يقول فيه المأمون للرّضا ـ عليه السّلام ـ: فأخبرني عن قول الله(٨) ـ عزّ وجلّ ـ:( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) .

قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هذا ممّا نزل بإيّاك(٩) أعني واسمعي، يا جارة(١٠) ، خاطب الله ـ تعالى ـ بذلك نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ وأراد به أمّته، وكذلك قوله(١١)

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٤.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) كذا في أنوار التنزيل / ٥٩٣. وفي النسخ: بريئا عنّي و.

(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢٤.

(٥) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٩٣. وفي النسخ: الركن.

(٦) كذا في نفس المصدر. وفي النسخ: أن تقرب من الركن فضلا من أن تركن إليه.

(٧) العيون ١ / ٢٠٢.

(٨) التوبة / ٤٣.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: وإيّاك

(١٠) هذا مثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئا غيره. وقيل: إنّ أوّل من قال ذلك سهل بن مالك الفزاريّ، وقصّته مذكورة في كتاب مجمع الأمثال ١ / ٥٠.

(١١) الزمر / ٦٥.


ـ عزّ وجلّ ـ:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) . وقوله ـ تعالى ـ:( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) .

قال: صدقت، يا ابن رسول الله.

وفي أصول الكافي(١) : محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي، يا جارة.

وفي رواية أخرى(٢) : عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: معناه: ما عتب(٣) الله ـ عزّ وجلّ ـ به على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ فهو يعني به: ما قد قضى في القرآن، مثل قوله:( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) عنى بذلك: غيره.

وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسي ـ رحمه الله ـ: عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ مجيبا لبعض الزّنادقة ـ وقد قال: ثمّ خاطبه في أضعاف ما اثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه وإنقاص محلّه(٥) ، وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل قوله:( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) ـ: والّذي بدا في الكتاب(٦) من الإزراء على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ من فرية(٧) الملحدين.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن أبي يعقوب، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله:( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) .

قال: لـمّـا كان يوم الفتح أخرج رسول الله (ص) أصناما من المسجد، وكان منها صنم على المروة، وطلبت إليه قريش أن يتركه، وكان مستحيا(٩) فهمّ بتركه، ثمّ أمر بكسره، فنزلت هذه الآية.

__________________

(١) الكافي ٢ / ٦٣٠ ـ ٦٣١، ح ١٤.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) المصدر: ما عاتب.

(٤) يوجد قول الزنديق في الاحتجاج ١ / ٢٤٦. وامّا جوابه ـ عليه السّلام ـ ففي ص ٢٥٧ نقله على معناه.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: من الازوراء وانخفاض محلّه.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: والّذي بدأ الكتاب.

(٧) المصدر: فرقة.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٦.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: مسخا.


عن ابن أبي عمير(١) ، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: ما عاتب الله نبيّه فهو يعني به: من قد مضى(٢) في القرآن، مثل قوله:( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) عنى بذلك: غيره.

وفي شرح الآيات الباهرة(٣) : روى محمّد بن العبّاس ـ رحمه الله، عن أحمد بن القاسم قال: حدّثنا أحمد بن محمّد السيّاري(٤) ، عن محمّد بن خالد البرقيّ، عن الفضيل(٥) ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) في عليّ ـ عليه السّلام ـ.

وقال ـ أيضا ـ(٦) : حدّثنا محمّد بن همّام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود النّجّار، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر، عن أبيه ـ صلوات الله عليه ـ قال: وليمسك عنه بعض الإمساك(٧) حتّى أن بعض نسائه ألححن(٨) عليه في ذلك فكاد يركن إليهم بعض الرّكون، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) في عليّ( لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً، وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) . فمعنى ذلك: ولولا أن ثبّتنا فؤادك(٩) على الحقّ بالنّبوّة والعصمة( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ) [ركونا قليلا، أي: لقد قاربت أن تسكن إليهم بعض السّكون وتميل إليهم بعض الميل والمعنى:( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ) ](١٠) ولكن ما ركنت لأجل ما ثبّتناك بالعصمة فلا [بأس](١١) عليك في ذلك، لأنّك لم تفعله بيد ولا لسان.

وقد صحّ عنه ـ صلوات الله عليه ـ أنّه قال: وضع عن أمّتي ما حدّثت(١٢) به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلّم(١٣) .

__________________

(١) نفس المصدر ١ / ١٠، ح ٥.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: قضى.

(٣) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٨٤ ـ ٢٨٥.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: السائري.

(٥) المصدر: ابن الفضيل.

(٦) نفس المصدر والموضع.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: وليمسك عن بعض فضائله.

(٨) المصدر: ألحّ.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: أن ثبتّناك.

(١٠) ليس في ب.

(١١) من المصدر.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: حدّث.

(١٣) كذا في المصدر. وفي ر: بتكلّم. وفي غيرها: يتكلّم.


قال ابن عبّاس(١) : رسول الله معصوم، ولكن هذا تخويف لأمّته لئلّا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين.

فعليه وعلى أهل بيته المعصومين صلاة باقية دائمة إلى يوم الدين(٢) .

( إِذاً لَأَذَقْناكَ ) ، أي: لو قاربت لأذقناك.

( ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ) ، أي: عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة، ضعف ما يعذب به في الدّارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأنّ خطأ الخطير أخطر.

قيل(٣) : وكان أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة وعذابا ضعفا في الممات، يعني: مضاعفا، ثمّ حذف الموصوف وأقيمت الصّفة مقامه، ثمّ أضيفت(٤) ، كما يضاف موصوفها.

وقيل(٥) : الضّعف من أسماء العذاب.

وقيل(٦) : المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة، وبضعف الممات: عذاب القبر.

( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) (٧٥): يدفع العذاب عنك.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن عبد الله بن عثمان البجلّي، عن رجل: أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ اجتمعا عنده وابنتيهما فتكلّموا في عليّ، وكان من النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يلين(٨) لهما في بعض القول، فأنزل الله:( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ ) مثل عليّ وليّا(٩) .

وفي مجمع البيان(١٠) :( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) قيل(١١) : لما نزلت هذه الآية، قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أللّهمّ، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين [أبدا](١٢) عن قتادة.

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: الّذي.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٣.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: أضيف.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) نفس المصدر / ٥٩٣ ـ ٥٩٤.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٦.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: لين.

(٩) المصدر: ثمّ لا تجد لك علينا نصيرا» ثمّ لا تجد بعدك مثل عليّ وليّا.

(١٠) المجمع ٣ / ٤٣٢.

(١١) المصدر: وقال: إنّه.

(١٢) من المصدر.


( وَإِنْ كادُوا ) : وإن كاد أهل مكّة.

( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) : ليزعجونك بمعاداتهم.

( مِنَ الْأَرْضِ ) : أرض مكّة.

( لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ) : ولا يبقون بعدك.

( إِلَّا قَلِيلاً ) (٧٦): إلّا زمانا قليلا، وقد كان كذلك فإنّهم اهلكوا ببدر بعد هجرته.

وقيل(١) : الآية نزلت في اليهود، حسدوا مقام النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالوا: الشّام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيّا فالحق بها حتّى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة، فنزلت فرجع، ثمّ قتل منهم بنو قريظة واجلي بنو النّضير بقليل.

وقرئ(٢) : «لا يلبثوا» منصوبا «بإذا» على أنّه معطوف على جملة قوله:( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) (٣) لا على خبر «كاد»، فإنّ «إذا» لا تعمل إذا كان معتمدا ما بعدها على ما قبلها.

وقرأ(٤) ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص: «خلافك» وهو لغة فيه، قال الشّاعر :

عفت الدّيار خلافهم فكأنّما

بسط الشّواطب بينهنّ حصيرا

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حتّى قتلوا ببدر.

( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ) : نصب على المصدر، أي: سنّ الله ذلك سنّة، وهو أن يهلك كلّ أمّة أخرجوا رسولهم(٦) من بين أظهرهم.

فالسّنّة لله، وإضافتها إلى الرّسل لأنّها من أجلهم، ويدل عليهم:( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ) (٧٧)، أي: تغييرا.

وفي تفسير العيّاشي(٧) : عن بعض أصحابنا، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال: إنّ

__________________

(١) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٤.

(٢) نفس المصدر والموضع.

(٣) ليس في ب.

(٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢٤.

(٦) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٩٤. وفي النسخ: رسلهم.

(٧) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٦.


الله قضى الاختلاف على خلقه وكان أمرا قد قضاه في حكمته(١) ، كما قضى على الأمم من قبلكم، وهي السّنن والأمثال تجري(٢) على النّاس فجرت علينا، كما جرت على الّذين من قبلنا، وقول الله [حقّ، قال الله ـ](٣) تبارك وتعالى ـ لمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ) [وقال(٤) :( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً ) وقال(٥) :](٦) ( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) .

وقال: لا تبديل لقول الله، وقد قضى الله على موسى وهو مع قومه يريهم الآيات والعبر(٧) ، ثمّ مرّوا على قوم يعبدون أصناما( قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (٨) فاستخلف موسى هارون، فنصبوا عجلا جسدا له خوار( فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ) (٩) وتركوا هارون، فقال:( يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) (١٠) .

فضرب لكم أمثالهم، وبيّن لكم كيف صنع بهم.

وقال: إنّ نبيّ الله لم يقبض حتّى أعلم النّاس أمر عليّ ـ عليه السّلام ـ فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه(١١) . وقال: إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى غير(١٢) أنّه لا نبيّ بعدي. وكان صاحب راية رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في المواطن كلّها، وكان معه في المسجد يدخله(١٣) على كلّ حال، وكان أوّل النّاس إيمانا به(١٤) .

فلمّا قبض نبيّ الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان الّذي كان، لما قضي(١٥) من الاختلاف، وعمد عمر فبايع أبا بكر ولم يدفن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعد.

__________________

(١) المصدر: علمه.

(٢) المصدر: يجري.

(٣) ليس في ب.

(٤) فاطر / ٤٣.

(٥) يونس / ١٠٢.

(٦) من المصدر.

(٧) المصدر: النّذر.

(٨) الأعراف / ١٣٤.

(٩) طه / ٨٨.

(١٠) طه / ٩٠ ـ ٩١.

(١١) المصدر: فعليّ مولاه.

(١٢) أ، ب: إلّا. (١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدخل.

(١٤) ليس في المصدر. (١٥) المصدر: قد قضى.


فلمّا رأى ذلك عليّ ـ عليه السّلام ـ ورأى النّاس قد بايعوا أبا بكر خشي أن يفتن(١) النّاس، ففرغ(٢) إلى كتاب الله وأخذ بجمعه(٣) في مصحف، فأرسل أبو بكر إليه أن تعال فبايع.

فقال [عليّ](٤) : لا أخرج حتّى أجمع القرآن.

فأرسل إليه مرّة أخرى، فقال: لا أخرج حتّى أفرغ.

فأرسل إليه الثّالثة ابن عمّ له يقال له: قنفذ، فقامت فاطمة بنت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تحول بينه وبين عليّ ـ عليه السّلام ـ فضربها، فانطلق قنفذ(٥) قبله وليس معه عليّ ـ عليه السّلام ـ. فخشي أن يجمع عليّ ـ عليه السّلام ـ النّاس(٦) فأمر بحطب فجعل حوالي بيته، ثم انطلق عمر بنار فأراد أن يحرق على عليّ بيته [وعلى](٧) فاطمة والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ. فلمّا رأى عليّ (ع) ذلك(٨) خرج، فبايع كارها غير طائع.

عن أبي العبّاس(٩) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ) قال: هي سنّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ ومن(١٠) كان قبله من الرّسل، وهو الإسلام.

( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) : لزوالها، ويدلّ عليه قوله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: أتاني جبرئيل لدلوك الشّمس حين زالت، فصلى بي الظّهر.

وقيل(١١) : لغروبها، وأصل التّركيب للانتقال.

وقيل(١٢) : ومنه الدلك(١٣) ، فإنّ الدّالك لا تستقرّ يده، وكذا [كلّ](١٤) ما تركّب من الدّال والّلام، كدلج، ودلح، ودلع، ودلف، ودله(١٥) .

__________________

(١) المصدر: يفتتن.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ففزع.

(٣) ر: يجمعه.

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: قبله.

(٦) ليس في أ.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلّما رأى ذلك عليّ.

(٩) نفس المصدر / ٣٠٨.

(١٠) ليس في أ.

(١١ و ١٢) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٤.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: من الدلك.

(١٤) من المصدر.

(١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: دل.


وقيل(١) : «الدّلوك» من الدّلك، لأنّ النّاظر إليها يدلك عينيه لدفع شعاعها.

و «الّلام» للتّأقيت، مثلها في: لثلاث خلون.

( إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) : إلى ظلمته، وهو وقت صلاة(٢) عشاء الآخرة.

( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) : وصلاة الصّبح، سمّيت قرآنا لأنّه ركنها، كما سمّيت: ركوعا وسجودا.

( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (٧٨): يشهده ملائكة اللّيل وملائكة النّهار. أو شواهد القدرة من تبدّل الظّلمة بالضّياء والنّوم، الّذي هو أخو الموت بالانتباه. أو كثير من المصلّين. أو من حقّه أن يشهده الجمّ الغفير.

قيل(٣) : الآية جامعة للصّلوات(٤) الخمس إن فسّر الدلوك بالزّوال، ولصلوات اللّيل وحدها إن فسّر بالغروب.

وقيل(٥) : المراد بالصّلاة: صلاة المغرب. وقوله:( لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ](٦) بيان لمبدإ الوقت ومنتهاه، واستدلّ(٧) به على أنّ الوقت يمتدّ إلى غروب الشّفق.

وفي تهذيب الأحكام(٨) : أحمد بن محمّد بن عيسى، عن حمّاد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عمّا فرض الله من الصّلاة.

فقال: خمس صلوات في اللّيل والنّهار.

فقلت: هل سمّا هنّ الله وبيّنهنّ في كتابه؟

فقال: نعم، قال الله ـ عزّ وجلّ ـ لنبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) و «دلوكها» زوالها، ففي ما بين دلوك الشّمس إلى غسق اللّيل أربع صلوات سمّاهنّ الله وبيّنهنّ ووقّتهنّ. و( غَسَقِ اللَّيْلِ ) انتصافه، ثمّ قال:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) فهذه الخامسة.

وفي من لا يحضره الفقيه(٩) : وروى بكر بن محمّد، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: وأوّل وقت العشاء الآخرة ذهاب الحمرة، وآخر وقتها إلى( غَسَقِ اللَّيْلِ ) ، يعني :

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) كذا في المصدر. وفي ب: لصلاة. وفي غيرها: للصّلاة.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) من المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يستدلّ.

(٨) التهذيب ٢ / ٢٤١، صدر ح ٩٥٤.

(٩) الفقيه ١ / ١٤١، ح ٦٥٧.


نصف اللّيل.

وفي الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إذا لا يكذب علينا.

قلت: ذكر أنّك قلت: أوّل صلاة افترضها الله على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ الظّهر، وهو قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) ](٢) ، فإذا زالت الشّمس لم يمنعك إلّا سبحتك، ثمّ لا تزال في وقت إلى أن يصير الظّلّ قامة وهو آخر الوقت، فإذا صار الظّلّ قامة دخل وقت العصر فلم تزل في(٣) وقت حتّى يصير الظّلّ قامتين، وذلك المساء فقال: صدق.

عليّ بن محمّد(٤) ، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الرّحمن بن سالم، عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أخبرني بأفضل المواقيت في صلاة الفجر.

فقال: مع طلوع الفجر، إنّ الله يقول:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) ، يعني: صلاة الفجر تشهده ملائكة اللّيل وملائكة النّهار، فإذا صلّى العبد الصّبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرّتين: أثبتها ملائكة اللّيل وملائكة النّهار.

عليّ بن محمّد(٥) ، عن بعض أصحابنا، عن عليّ بن الحكم، عن ربيع بن محمّد المسلي(٦) ، عبد الله بن سليمان العامريّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: لـمّـا عرج برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ نزل بالصّلاة عشر ركعات، ركعتين ركعتين. فلمّا ولد الحسن والحسن زاد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ سبع ركعات شكرا لله(٧) ، فأجاز الله له ذلك، وترك الفجر لم يزد فيها [لضيق وقتها](٨) لأنّه تحضرها ملائكة اللّيل و [ملائكة](٩) النّهار.

__________________

(١) الكافي ٣ / ٢٧٥، ح ١.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) المصدر: فلم يزل.

(٤) نفس المصدر / ٢٨٢، ح ٢.

(٥) نفس المصدر / ٤٨٧، صدر ح ٢.

(٦) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ٣١٧. وفي النسخ: ربيعي بن محمد المسلمي (ب: السلمي)

(٧) ليس في ب.

(٨ و ٩) من المصدر.


وفي من لا يحضره الفقيه(١) : سئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ: لم صارت المغرب ثلاث ركعات وأربعا بعدها، ليس فيها تقصير في حضر ولا سفر؟

فقال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنزل على نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ كلّ صلاة ركعتين، فأضاف إليها رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لكلّ صلاة ركعتين في الحضر وقصر فيها في السّفر إلّا المغرب والغداة، فلمّا صلّى ـ عليه السّلام ـ المغرب بلغه مولد فاطمة ـ عليها السّلام ـ فأضاف إليها ركعة شكرا لله ـ عزّ وجلّ ـ فلمّا أن ولد الحسن ـ عليه السّلام ـ أضاف إليها ركعتين شكرا لله ـ عزّ وجلّ ـ. فلمّا أن ولد الحسين ـ عليه السّلام ـ أضاف إليها ركعتين شكرا لله ـ عزّ وجلّ ـ فقال:( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (٢) . فتركها على حالها في السّفر والحضر.

وفي تفسير العيّاشي(٣) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ عن قوله:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) .

قال: جمعت الصّلوات كلهنّ، ودلوك الشمس زوالها، وغسق الليل انتصافه.

وقال: إنّه ينادي مناد من السّماء كلّ ليلة إذا انتصف اللّيل: من رقد عن صلاة العشاء إلى هذه السّاعة فلا نامت عيناه.

( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) قال: صلاة الصّبح.

وأمّا قوله:( كانَ مَشْهُوداً ) قال: تحضر(٤) ملائكة اللّيل والنّهار.

وعن عبيد بن زرارة(٥) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ]) (٦) قال: إنّ الله افترض أربع صلوات(٧) : أوّل وقتها من زوال الشّمس إلى انتصاف اللّيل، منها صلاتان أوّل وقتهما(٨) من عند زوال الشّمس إلى غروبها، إلّا أنّ هذه قبل هذه. ومنها صلاتان أوّل وقتهما(٩) من غروب الشّمس إلى انتصاف اللّيل، إلّا أنّ هذه قبل هذه.

__________________

(١) الفقيه ١ / ٢٨٩ ـ ٢٩٠، ح ١٣١٩.

(٢) النّساء / ١١.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٠٩.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: تحضره.

(٥) نفس المصدر / ٣١٠.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: صلاة.

(٨ و ٩) المصدر: وقتها.


عن زرارة(١) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: «دلوكها»(٢) زوالها( إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) إلى نصف اللّيل، ذلك أربع صلوات وضعهنّ(٣) رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ووقّتهنّ للنّاس( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) صلاة الغداة.

وفي كتاب علل الشّرائع(٤) ، بإسناده إلى سعيد بن(٥) المسيّب قال: سألت عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليه وآله ـ فقلت له: متى فرضت الصّلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟

قال: فقال: بالمدينة حين(٦) ظهرت الدّعوة وقوي الإسلام، وكتب الله ـ عزّ وجلّ ـ [على المسلمين](٧) الجهاد، زاد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في الصّلاة(٨) . سبع ركعات، في الظّهر ركعتين، وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين.

وأقرّ الفجر على ما فرضت بمكّة لتعجيل عروج ملائكة اللّيل إلى السّماء، ولتعجيل [نزول](٩) ملائكة النّهار إلى الأرض، فكان ملائكة النّهار وملائكة اللّيل يشهدون مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ صلاة الفجر، فلذلك قال ـ عزّ وجلّ ـ:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) يشهده(١٠) المسلمون ويشهده(١١) ملائك النّهار وملائكة اللّيل.

وبإسناده(١٢) إلى أبي هاشم الخادم: عن أبي الحسن الماضي، حديث طويل، يقول في آخره: وما بين غروب الشّمس إلى سقوط الشّفق غسق.

وبإسناده(١٣) إلى الحسين(١٤) بن عبد الله: عن آبائه، عن جدّه، الحسن بن عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسأله أعلمهم عن مسائل، وكان فيما سأله أن قال: أخبرني عن الله ـ عزّ وجلّ ـ لأيّ شيء فرض هذه الخمس صلوات في خمس مواقيت على أمّتك في ساعات اللّيل وساعات

__________________

(١) نفس المصدر / ٣٠٩.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وصفهنّ.

(٤) العلل / ٣٢٤.

(٥) المصدر: عن.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: حتّى.

(٧) من المصدر. (٨) أ، ب: الصّلوات. (٩) من المصدر. (١٠ و ١١) المصدر: ليشهده.

(١٢) نفس المصدر / ٣٢٧، ذيل ح ١. (١٣) نفس المصدر / ٣٣٧.

(١٤) المصدر: الحسن.


النّهار؟

فقال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إن الشّمس عند الزّوال لها حلقة تدخل [فيها](١) ، فإذا دخلت فيها زالت الشّمس، فيسبّح كلّ شيء دون العرش بحمد ربّي ـ جلّ جلاله ـ. وهي السّاعة الّتي يصلّي عليّ فيها ربّي، ففرض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليّ وعلى أمّتي فيها الصّلاة، وقال:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) وهي السّاعة الّتي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة، فما من مؤمن يوافق تلك السّاعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلّا حرّم الله ـ عزّ وجلّ ـ جسده على النّار.

وأمّا صلاة العصر فهي السّاعة الّتي أكل آدم فيها من الشّجرة فأخرجه الله ـ عزّ وجلّ ـ من الجنّة، فأمر الله ذرّيّته بهذه الصّلاة إلى يوم القيامة، واختارها لأمّتي، فهي من أحبّ الصّلوات(٢) إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات(٣) .

وأمّا صلاة المغرب فهي السّاعة الّتي تاب الله ـ عزّ وجلّ ـ فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشّجرة وبين ما تاب الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه ثلاثمائة سنة من أيّام الدّنيا، وفي أيّام الآخرة يوم كألف سنّة ما بين العصر إلى العشاء، فصلّى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حوّاء، وركعة لتوبته. ففرض(٤) الله ـ عزّ وجلّ ـ هذه الثلاث ركعات(٥) على أمّتي، وهي السّاعة الّتي يستجاب فيها الدّعاء فوعدني(٦) ربّي ـ عزّ وجلّ ـ أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهي الصّلاة الّتي أمرني ربّي بها في قوله(٧) ـ عزّ وجلّ ـ:( فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) .

وأمّا صلاة العشاء الآخرة فإنّ للقبر ظلمة وليوم القيامة ظلمة، أمرني ربّي ـ عزّ وجلّ ـ وأمّتي [بهذه الصّلاة](٨) لتنوّر القبر وليعطيني وأمّتي النّور على الصّراط، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلّا حرّم الله ـ عزّ وجلّ ـ جسده(٩) على النّار، وهي الصّلاة الّتي

__________________

(١) من المصدر.

(٢ و ٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: الصّلاة.

(٤) المصدر: فافترض.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: هذه الركعات.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فوعد بي.

(٧) الروم / ١٦.

(٨) ليس في ب.

(٩) المصدر: جسدها.


اختارها [الله ـ عزّ وجلّ ـ](١) للمرسلين قبلي(٢) وأمّا صلاة الفجر فإن الشّمس إذا طلعت تطلع على قرن(٣) شيطان، فأمرني ربّي(٤) ـ عزّ وجلّ ـ أن أصلّي قبل طلوع الشّمس صلاة الغداة، وقبل أن يسجد لها الكافر تسجد أمّتي لله ـ عزّ وجلّ ـ، وسرعتها أحبّ(٥) إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ، وهي الصّلاة الّتي تشهدها ملائكة اللّيل وملائكة النّهار.

[قال: صدقت يا محمّد](٦) .

وفي من لا يحضره الفقيه، مثل ما في العلل سواء(٧) .

( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ) : وبعض اللّيل فاترك الهجود للصّلاة، والضّمير للقرآن.

( نافِلَةً لَكَ ) : زائدة لك على الصّلوات المفروضة. أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك.

وفي تهذيب الأحكام(٨) : محمّد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن عليّ بن عبد الله، عن ابن فضّال، عن مروان، عن عمّار السّاباطي قال: كنّا جلوسا عند أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ بمنى، فقال له رجل: ما تقول في النّوافل؟

فقال: فريضة.

فقال: ففزعنا وفزع الرّجل.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّما أعني: صلاة اللّيل على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ) .

وفي كتاب الخصال(٩) ، فيما أوصى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) أ، ب، ر: «للمسلمين» بدل «للمرسلين قبلي».

(٣) المصدر: قرني.

(٤) المصدر: الله.

(٥) ليس في ب.

(٦) من المصدر.

(٧) يوجد مثل حديثه الأوّل في الفقيه ١ / ٢٩١، ح ١٣٢١، ومثل الحيث الثالث فيه / ١٣٧ ـ ١٣٨ ح ٦٤٣. وأمّا الحديث الثاني فلا يوجد في الفقيه مثله. وفي الكافي ٣ / ٤٨٧ ح ٥ حديث مشابه له متنا.

(٨) التهذيب ٢ / ٢٤٢، ح ٩٥٩.

(٩) الخصال / ١٢٥.


السّلام ـ: يا عليّ، ثلاث فرحات للمؤمن [في الدّنيا](١) : لقاء الإخوان، والإفطار من الصّيام، والتّهجّد في آخر اللّيل.

وفي كتاب علل الشّرائع(٢) ، بإسناده إلى عليّ بن النّعمان(٣) عن بعض رجاله قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ [فقال: يا أمير المؤمنين](٤) إنّي قد حرمت الصّلاة باللّيل.

قال: فقال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك.

وبإسناده(٥) إلى الحسين بن الحسن الكنديّ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الرّجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة اللّيل، فإذا حرم بها صلاة اللّيل حرم بها الرّزق.

وبإسناده(٦) إلى آدم بن إسحاق: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال: عليكم بصلاة اللّيل، فإنّها سنّة نبيّكم(٧) ودأب الصّالحين قبلكم ومطردة الدّاء عن أجسادكم.

وقال أبو عبد الله(٨) ـ عليه السّلام ـ: صلاة اللّيل تبيّض الوجه(٩) [وصلاة اللّيل تطيّب الريح](١٠) ، وصلاة اللّيل تجلب الرّزق.

وبإسناده(١١) إلى إسماعيل بن موسى بن(١٢) جعفر: عن أخيه الرّضا، عن أبيه، عن جدّه ـ عليهم السّلام ـ قال: سئل(١٣) عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: ما بال المتهجّدين باللّيل من أحسن النّاس وجها(١٤) ؟

قال: لأنّهم خلوا بالله، فكساهم [الله](١٥) من نوره.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) العلل / ٣٦٢.

(٣) المصدر: بإسناده إلى الحسن بن عليّ بن النعمان، عن أبيه.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) نفس المصدر والموضع.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيكم.

(٨) نفس المصدر / ٣٦٣.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: الوجوه.

(١٠) من المصدر.

(١١) نفس المصدر / ٣٦٥.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.

(١٣) ليس في ب.

(١٤) المصدر: وجبا.

(١٥) من المصدر.


وفي من لا يحضره الفقيه(١) : وروى جابر بن إسماعيل، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ: أنّ رجلا سأل عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ عن قيام اللّيل بالقرآن(٢) .

فقال له: أبشر، من صلّى من اللّيل(٣) عشر ليلة لله مخلصا ابتغاء ثواب الله ـ عزّ وجلّ ـ قال الله ـ تبارك وتعالى ـ لملائكته: اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما أنبت في اللّيل من حبّة وورقة وشجرة، وعدد كلّ قصبة وخوص ومرعى.

ومن صلّى تسع ليلة أعطاه الله عشر دعوات مستجابات، وأعطاه الله(٤) ، كتابه بيمينه.

ومن صلّى ثمن(٥) ليلة، أعطاه الله أجر شهيد صابر صادق النّيّة، ويشفع(٦) في أهل بيته.

ومن صلّى سبع ليلة، خرج من قبره يوم يبعث ووجهه، كالقمر ليلة البدر، حتّى يمرّ على الصّراط مع الآمنين.

ومن صلّى سدس ليلة، كتب في الأوّابين، وغفر له ما تقدّم من ذنبه [وما تأخر](٧) .

ومن صلّى خمس ليلة، زاحم إبراهيم خليل الرّحمن في قبّته(٨) .

ومن صلّى ربع ليلة، كان في أوّل الفائزين حتّى يمرّ على الصّراط، كالرّيح العاصف، ويدخل الجنّة بغير حساب.

ومن صلّى ثلث ليلة لم يبق ملك إلّا غبطه بمنزلته من الله ـ عزّ وجلّ ـ. وقيل له: ادخل من أيّ أبواب الجنّة(٩) الثّمانية شئت.

ومن صلّى نصف ليلة فلو أعطي ملء الأرض ذهبا سبعين ألف مرّة لم يعدل جزاءه، وكان له بذلك عند الله أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل.

__________________

(١) الفقيه ١ / ٣٠٠، ح ١٣٧٧.

(٢) المصدر: بالقراءة.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: باللّيل.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بثمن.

(٦) المصدر: شفّع.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: قبّة.

(٩) كذا في ب. وفي غيرها: الجنان.


ومن صلّى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج، أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرّات.

ومن صلّى ليلة تامّة تاليا لكتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ راكعا وساجدا وذاكرا أعطي من الثّواب ما أدناه يخرج من الذّنوب، كيوم(١) ولدته أمّه، ويكتب له عدد ما خلق الله ـ عزّ وجلّ ـ من الحسنات ومثلها درجات، ويثبت النّور في قبره، وينزع الإثم والحسد في قلبه، ويجار من عذاب القبر، ويعطى براءة النّار، ويبعث من(٢) الآمنين، ويقول الرّبّ ـ تبارك وتعالى ـ لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي أحيى ليلة ابتغاء مرضاتي، أسكنوه الفردوس، وله فيها مائة ألف مدينة، في كلّ مدينة جميع ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، ولم يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة والمزيد والقربة.

( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) (٧٩).

قيل(٣) : مقاما يحمده القائم فيه، وكلّ من عرفه. وهو مطلق في كلّ مقام يتضمّن كرامة، والمشهور أنّه مقام الشّفاعة.

وانتصابه على الظّرف بإضمار فعله، أي: فيقيمك مقاما. أو بتضمين «يبعثك» معناه. أو الحال، بمعنى(٤) : أن يبعثك ذا مقام.

وفي كتاب التّوحيد(٥) : عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ حديث، يقول فيه ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر أهل المحشر: ثمّ يجتمعون في موطن(٦) آخر يكون فيه مقام محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو المقام المحمود، فيثني على الله ـ تبارك وتعالى ـ بما لم يثن عليه أحد قبله، ثمّ يثني على [على الملائكة كلّهم، فلا يبقى ملك إلّا أثنى عليه محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ثمّ يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله، ثمّ يثني على](٧) كلّ مؤمن ومؤمنة يبدأ بالصّديقين والشّهداء ثمّ بالصّالحين، فتحمده أهل السّماوات وأهل الأرض، فذلك قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) . فطوبى لمن كان في ذلك اليوم(٨) له

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: كما.

(٢) المصدر: مع.

(٣) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٤ ـ ٥٩٥.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «والحال» بدل «أو الحال بمعنى».

(٥) التوحيد / ٢٦١.

(٦) ليس في ج.

(٧) من المصدر.

(٨) المصدر: المقام.


حظّ ونصيب(١) ، وويل لمن لم يكن له في ذلك اليوم(٢) حظّ و [لا](٣) نصيب.

وفي الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير ومحمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان وابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا دخلت المدينة.

... إلى أن قال: وأبعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون والآخرون.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : حدّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن زرعة(٦) ، عن سماعة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن شفاعة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم القيامة.

فقال: يلجم النّاس يوم القيامة العرق، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم ليشفع(٧) لنا [عند ربّنا](٨) . فيأتون آدم(٩) فيقولون: [يا آدم](١٠) اشفع لنا عند ربّك.

فيقول: إنّ لي ذنبا وخطيئة، فعليكم بنوح.

فيأتون نوحا فيردّهم إلى من يليه، ويردّهم كلّ نبيّ إلى من يليه حتّى ينتهوا إلى عيسى، فيقول، عليكم بمحمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

فيعرضون أنفسهم عليه ويسألونه، فيقول: انطلقوا. فينطلق بهم(١١) إلى باب الجنّة، ويستقبل باب الرّحمن(١٢) ، ويخرّ ساجدا فيمكث ما شاء الله.

فيقول: [الله](١٣) : ارفع رأسك، واشفع تشفع وسل تعط. ذلك قوله ـ تعالى ـ:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .

وحدّثني(١٤) أبي، عن محمّد بن أبي عمير، عن معاوية وهشام، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لو قد قمت المقام المحمود

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) المصدر: المقام.

(٣) من المصدر.

(٤) الكافي ٤ / ٥٥٠ ـ ٥٥١، صدر وقطعة من ح ١.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢٥.

(٦) المصدر: زراعة (زرعة ـ خ ل)

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيشفع.

(٨) من المصدر.

(٩) ليس في أ، ب.

(١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لهم.

(١٢) المصدر: الرّحمة.

(١٣) من المصدر. (١٤) نفس المصدر والموضع.


لشفعت في أبي وأمّي وعمّي وأخ كان لي في الجاهليّة.

حدّثني(١) أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ: أنّ صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها فأقبلت، فقال لها عمر: غطّي قرطك، فإنّ قرابتك من رسول الله لا تنفعك شيئا.

قالت له: هل رأيت لي قرطا، يا ابن اللّخناء. ثمّ دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأخبرته بذلك، وبكت.

فخرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فنادى: الصّلاة جامعة. فاجتمع النّاس، فقال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع(٢) ؟ لو قمت(٣) المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم(٤) ، لا يسألني اليوم أحد من أبوه إلّا أخبرته.

فقام إليه رجل، فقال: من أبي [يا رسول الله](٥) ؟

فقال: أبوك غير الّذي تدعى له. [أبوك فلان بن فلان.

فقام آخر، فقال: من أبي، يا رسول الله؟ فقال: أبوك الّذي تدعى له](٦) .

ثمّ قال رسول الله: ما بال الّذي يزعم أن قرابتي لا تنفع(٧) لا يسألني عن أبيه؟

فقام إليه عمر، فقال: أعوذ بالله [يا رسول الله](٨) ، من غضب الله وغضب رسوله، اعف(٩) عنّي، عفا الله عنك. فأنزل الله(١٠) :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ ) .

وفي كتاب الاحتجاج(١١) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: روي عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّ ـ عليه السّلام ـ قال: قال عليّ ـ عليه السّلام ـ وقد ذكر مناقب الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ ووعده المقام المحمود: فإذا كان يوم القيامة، أقعده الله ـ تعالى ـ على العرش. (الحديث)

__________________

(١) نفس المصدر ١ / ١٨٨.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تشفع.

(٣) المصدر: لو قد قربت.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: خارجكم.

(٥) ليس في المصدر.

(٦) من المصدر.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: لا تشفع.

(٨) ليس في المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: اعفى.

(١٠) المائدة / ١٠١.

(١١) الاحتجاج ١ / ٢٢٠.


وفي أمالي شيخ الطّائفة(١) ـ قدّس سرّه ـ بإسناده قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: سمعت النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: إذا حشر النّاس يوم القيامة نادى مناد: يا رسول الله، إنّ الله ـ جلّ اسمه ـ قد آمنك(٢) من مجازاة محبّيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك والمعادين لهم فيك، فكافئهم بما شئت.

فأقول: يا ربّ، الجنّة.

فأنادى: بوّئهم(٣) حيث شئت. فذلك المقام المحمود الّذي وعدت به.

وبإسناده(٤) إلى أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [يوما](٥) مقبلا على عليّ ـ عليه السّلام ـ وهو يتلو هذه الآية:( فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .

فقال: يا عليّ، إن ربّي ـ عزّ وجلّ ـ ملكني الشّفاعة(٦) في أهل التّوحيد من أمّتي، وحظر ذلك على من ناصبك أو(٧) ناصب ولدك من بعدك.

وفي روضة الواعظين(٨) للمفيد ـ رحمه الله ـ: قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: إذا قمت المقام المحمود لشفعت(٩) في أصحاب الكبائر من أمّتي فيشفعني(١٠) الله فيهم، و [الله](١١) لا تشفّعت فيمن آذى ذرّيّتي.

وفيها ـ أيضا ـ(١٢) : قال الله ـ تعالى ـ [في سورة سبحان](١٣) :( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) . وقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي.

وفي تفسير العيّاشي(١٤) : عن خيثمة الجعفيّ قال: كنت عند جعفر بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ أنا ومفضّل بن عمر ليلة، ليس عنده أحد غيرنا.

فقال له مفضّل: جعلت فداك، حدّثنا حديثا نسرّبه.

__________________

(١) الأمالي ١ / ٣٠٤.

(٢) المصدر: قد أمكنك.

(٣) المصدر: فولّهم.

(٤) نفس المصدر ٢ / ٧٠.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالشفاعة.

(٧) المصدر: و.

(٨) روضة الواعظين / ٢٧٣.

(٩) المصدر: تشفّعت.

(١٠) أ، ب: فشفّعني.

(١١) من المصدر.

(١٢) نفس المصدر / ٥٠٠.

(١٣) من المصدر. (١٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٠.


قال: نعم، إذا كان يوم القيامة، حشر الله الخلق(١) في صعيد واحد حفاة عراة غرلا.

قال: فقلت: جعلت فداك، ما الغرل؟

قال: كما خلقوا أوّل مرّة. فيقفون حتّى يلجمهم العرق، فيقولون: ليت الله يحكم بيننا ولو إلى النّار. يرون أنّ في النّار راحة ممّا(٢) هم فيه. ثمّ يأتون آدم فيقولون: أنت أبونا، وأنت نبيّ، فاسأل ربّك يحكم بيننا ولو إلى النّار.

فيقول [آدم](٣) : لست بصاحبكم، خلقني ربّي(٤) بيده، وحملني على عرشه، وأسجد لي ملائكته(٥) ، ثمّ أمرني فعصيته، ولكنّي أدلّكم على(٦) ابني الصّدّيق، الّذي مكث في قومه ألف سنّة إلّا خمسين عاما [يدعوهم، كلّما](٧) كذّبوا اشتدّ تصديقه، نوح.

قال: فيأتون نوحا، فيقولون: سل ربّك يحكم بيننا ولو إلى النّار.

قال: فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قلت:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) (٨) . ولكنّي أدلّكم إلى من اتخذه الله(٩) خليلا في دار الدّنيا، ائتوا إبراهيم.

قال: فيأتون إبراهيم.

فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قلت: إني سقيم(١٠) . ولكنّي أدلّكم على من كلّم(١١) الله تكليما، موسى.

قال: فيأتون موسى، فيقولون له.

فيقول: لست بصاحبكم، إنّي قتلت نفسا، ولكنّي أدلّكم على من كان يخلق بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، عيسى. فيأتونه، فيقول: لست بصاحبكم، ولكنّي أدلكم على من بشرّتكم به في دار الدّنيا، أحمد.

ثمّ قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما من نبيّ، آدم إلى محمّد ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ إلّا وهم تحت لواء محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

__________________

(١) المصدر: الخلائق.

(٢) المصدر: فيما.

(٣) من المصدر.

(٤) ليس في أوب.

(٥) المصدر: ملائكة.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلى.

(٧) ليس في أ، ب.

(٨) هود / ٤٥.

(٩) من ب. (١٠) الصّافّات / ٨٩.

(١١) المصدر: كلّمه.


قال: فيأتونه، ثمّ قال: فيقولون: يا محمّد، سل ربّك يحكم بيننا ولو إلى النّار.

قال: فيقول: نعم، أنا صاحبكم. فيأتي دار الرّحمن، وهي عدن، وأنّ بابها سعتها(١) بعد ما بين المشرق والمغرب، فيحرّك حلقة من الحلق، فيقال: من هذا؟ وهو أعلم به. فيقول: إنّي(٢) محمّد. فيقال: افتحوا له.

قال: فيفتح له(٣) قال: فإذا نظرت(٤) إلى ربّي، مجّدته تمجيدا، لم يمجّده(٥) أحد كان قبلي ولا أحد كان بعدي، ثمّ أخرّ ساجدا فيقول: يا محمّد، أرفع رأسك وقل نسمع(٦) قولك، واشفع تشفع، وسل تعط.

[قال :](٧) فإذا رفعت رأسي ونظرت إلى ربّي مجّدته تمجيدا أفضل من الأوّل، ثمّ أخّر ساجدا فيقول: ارفع رأسك وقل نسمع قولك، واشفع تشفع، وسل تعط.

[قال :](٨) فإذا رفعت رأسي ونظرت إلى ربّي مجّدته تمجيدا أفضل من الأوّل والثّاني، ثمّ أخرّ ساجدا فيقول: ارفع رأسك، [وقل يسمع قولك](٩) ، واشفع تشفع، وسل تعط.

فإذا رفعت رأسي أقول: ربّ، أحكم بين عبادك ولو إلى النّار.

فيقول: نعم، يا محمّد.

قال ثمّ(١٠) : تؤتى بناقة من ياقوت أحمر وزمامها زبرجد أخضر حتّى أركبها، ثمّ آتي(١١) المقام المحمود حتّى أقضي عليه، وهو تلّ من مسك أذفر محاذ بحيال العرش، ثمّ يدعى إبراهيم فيحمل على مثلها فيجيء حتّى يقف عن يمين رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. ثمّ يرفع(١٢) رسول الله يده يضرب(١٣) على كتف عليّ بن أبي طالب ـ عليه السّلام ـ.

قال: ثمّ(١٤) يؤتى، والله، بمثلها فيحمل عليها فيجيء حتّى يقف بيني وبين أبيك، إبراهيم.

__________________

(١) المصدر: سعته.

(٢) المصدر: أنا.

(٣) يوجد في ب، المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «فنظرت» بدل «فإذا نظرت».

(٥) أ، ر، ج: لا يمجّده.

(٦) المصدر: يسمع.

(٧ و ٨ و ٩) من المصدر.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ثمّ قال» بدل «قال ثمّ».

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: ائتي.

(١٢) المصدر: رفع

(١٣) المصدر: ضرب.

(١٤) المصدر: «ثمّ قال» بدل «قال: ثمّ».


ثمّ يخرج مناد من عند الرّحمن فيقول: يا معشر الخلائق، أليس العدل من ربّكم أن يولي كلّ قوم ما كانوا يتولّون(١) في دار الدّنيا؟

فيقولون: بلى وأيّ شيء عدل غيره؟

[قال](٢) فيقوم الشّيطان الّذي أضلّ فرقة [من النّاس، حتّى زعموا أنّ عيسى هو الله وابن الله، فيتبعونه إلى النّار. ويقوم الشّيطان الّذي أضلّ فرقة](٣) من النّاس، حتّى زعموا أنّ عزيرا ابن الله، حتّى يتبعونه إلى النّار. ويقوم كلّ شيطان أضلّ فرقة، فيتبعونه إلى النّار(٤) حتّى تبقى هذ الأمة.

ثمّ يخرج مناد من عند الله فيقول: يا معشر الخلائق، أليس العدل من ربّكم أن يولّي كلّ فريق من كانوا يتولّون(٥) في دار الدّنيا؟

فيقولون: بلى [وأيّ شيء عدل غيره؟](٦) .

فيقوم شيطان فيتبعه من كان يتولّاه، [ثمّ يقوم شيطان فيتبعه من كان يتولاه ،](٧) ثمّ يقوم شيطان ثالث فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم معاوية فيتبعه من كان يتولّاه، ويقوم عليّ فيتبعه من كان يتولّاه، ثم يقوم يزيد بن معاوية فيتبعه من كان يتولّاه، ويقوم الحسن فيتبعه من كان يتولّاه، ويقوم الحسين فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم مروان بن الحكم وعبد الملك فيتبعهما من كان يتولّاهما، ثمّ يقوم عليّ بن الحسين فيتبعه من كان يتولّاه، ثمّ يقوم الوليد بن عبد الملك [فيتبعه من كان يتولّاه ،](٨) ويقوم محمّد بن عليّ فيتبعه(٩) من كان يتولّاه(١٠) ، ثمّ أقوم أنا فيتبعني من كان يتولّاني، وكأنّي بكما معي ،

__________________

(١) المصدر: يقولون.

(٢) من المصدر.

(٣) من ب.

(٤) في أ، ب، ر زيادة: من الله حتّى يتبعونه إلى النّار.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يقولون.

(٦) من المصدر مع المعقوفتين.

(٧) من ب.

(٨) من ب. ليس في المصدر أيضا.

(٩) المصدر: فيتبعهما.

(١٠) المصدر: يتولّاهما.


ثمّ يؤتى بنا فنجلس على عرش ربّنا(١) ، ويؤتى بالكتب فتوضع فنشهد على عدوّنا ونشفع(٢) لمن كان [من](٣) شيعتنا مرهقا.

قال: قلت: جعلت فداك، فما المرهق؟

قال: المذنب، فأمّا الّذين اتّقوا من شيعتنا فقد نجّاهم الله بمفازتهم لا يمسّهم السّوء ولا هم يحزنون.

قال: ثمّ جاءته جارية له، فقالت: إنّ فلان القرشي بالباب.

فقال: ائذنوا له. ثمّ قال لنا: اسكتوا.

عن عيص بن القاسم(٤) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السّهم الّذي جعله الله للعاملين عليها(٥) فنحن أولى به.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا بني عبد المطّلب، إن الصّدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي وعدت بالشّفاعة.

ثمّ قال: والله، أشهد أنّه قد وعدها، فما ظنّكم يا بني عبد المطّلب، إذ أخذت بحلقة الباب أتروني مؤثّرا عليكم غيركم؟

ثمّ قال: إنّ الجنّ والإنس يجلسون يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا طال بهم الموقف طلبوا الشّفاعة، فيقولون إلى من؟ فيأتون نوحا فيسألونه الشّفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي. فيقولون: الى من [فيقال: إلى إبراهيم.

فيأتون إلى إبراهيم فيسألونه الشفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي.

فيقولون: إلى من؟

فيقال: ائتوا موسى. فيأتونه فيسألونه الشفاعة.

فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي.

فيقولون: إلى من؟ فيقال: ائتوا عيسى. فيأتونه ويسألونه الشفاعة.

__________________

(١) قال المجلسي (ره): كناية عن ظهور الحكم والأمر من عند العرش، وخلق الكلام هناك.

(٢) كذا في المصدر. وفي ب: تشفع. وفي غيرها: تشهد.

(٣) من المصدر.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٣.

(٥) المصدر: الّذي جعلته للعالمين عليها.


فيقول: هيهات، قد رفعت حاجتي(١) .

فيقولون: إلى من؟](٢) فيقال: ائتوا محمّدا. فيأتونه فيسألونه الشفاعة، فيقوم مدلا حتّى يأتي باب الجنّة، فيأخذ بحلقة الباب ثمّ يقرعه فيقال: من هذا؟ فيقول: أحمد. فيرحّبون(٣) ويفتحون الباب. فإذا نظر إلى الجنّة خرّ ساجدا يمجّد ربّه ويعظّمه(٤) ، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع. [فيرفع رأسه فيدخل من باب (الجنّة)(٥) فيخرّ ساجدا ويمجّد ربّه ويعظّمه، فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع.](٦) [فيمشي في الجنّة ساعة، ثمّ يخر ساجدا يمجّد ربّه ويعظّمه. فيأتيه ملك فيقول: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع.](٧) فيقوم فما يسأل شيئا إلّا أعطاه إيّاه.

عن بعض أصحابنا(٨) ، عن أحدهما ـ عليهما السّلام ـ قال في قوله:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال: [هي الشّفاعة.

عن سماعة بن مهران، عن أبي إبراهيم في قول الله:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال :](٩) يقوم النّاس يوم القيامة مقدار أربعين عاما، وتؤمر(١٠) الشّمس فتركب على رؤوس العباد ويلجمهم(١١) العرق، وتؤمر الأرض لا تقبل من(١٢) عرقهم شيئا، فيأتون آدم فيشفعون به(١٣) فيدلّهم على نوح، ويدلّهم(١٤) نوح على إبراهيم، ويدلّهم إبراهيم على موسى، ويدلّهم موسى على عيسى، ويدلّهم عيسى [على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ](١٥) فيقول: عليكم بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ خاتم النّبيّين.

__________________

(١) قال المجلسي (ره): «قد رفعت حاجتي»، أي: إلى غيري. والحاصل: أني ـ أيضا ـ أستشفع من غيري فلا أستطيع شفاعتكم. ويمكن أن يقرأ على بناء المفعول كناية عن رفع الرجاء، أي: رفع عنّي طلب الحاجة لما صدر منّي من ترك الأولى.

(٢) من المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيوجبون.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: «العظمة» بدل «ويعظّمه».

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في ب.

(٧) من المصدر.

(٨) نفس المصدر / ٣١٤.

(٩) ليس في ب.

(١٠) المصدر: يؤمر. وفي أ، ب، ر: فتؤمر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يلحقهم.

(١٢) المصدر: عن. (١٣) المصدر: له.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يدلّ. (١٥) من المصدر.


فيقول محمّد: أنا لها. فينطلق حتّى يأتي باب الجنّة، فيدقّ، فيقال: من هذا؟

والله أعلم. فيقول: محمّد. فيقال: افتحوا له. فإذا فتح الباب استقبل ربّه فخرّ ساجدا، فلا يرفع رأسه حتّى يقال له: تكلّم وسل تعط، واشفع تشفع. فيرفع رأسه فيستقبل ربّه فيخرّ ساجدا، فيقال له مثلها، فيرفع رأسه حتّى أنّه ليشفع من قد احرق بالنّار، فما أحد من النّاس كان(١) يوم القيامة(٢) في جميع الأمم أوجه من محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ. وهو قول الله:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .

( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي ) ، أي: في القبر.

( مُدْخَلَ صِدْقٍ ) : إدخالا مرضيا.

( وَأَخْرِجْنِي ) ، أي: منه عند البعث.

( مُخْرَجَ صِدْقٍ ) : إخراجا ملقى بالكرامة.

وقيل(٣) : المراد: إدخال المدينة، والإخراج من مكّة.

وقيل(٤) : إدخاله مكّة.

ظاهرا عليها، وإخراجه منها آمنا من المشركين.

وقيل(٥) : إدخاله الغار، وإخراجه منه سالما.(٦) وقيل(٧) : إدخاله فيما حمله من أعباء(٨) الرّسالة، وإخراجه منه مؤدّيا حقّه.

وقيل(٩) : إدخاله فيما يلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه منه.

وقرئ(١٠) : «مدخل» و «مخرج» بالفتح، على معنى: أدخلني، فأدخل دخولا.

وأخرجني، فأخرج خروجا.

( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) (٨٠): حجّة تنصرني على من خالفني، أو ملكا ينصر الإسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله:( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (١١) ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (١٢) ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) (١٣) .

__________________

(١) ليس في المصدر.

(٢) ليس في أ، ر.

(٣ و ٤ و ٥) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٥.

(٦) ليس في ج.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) أ، ب، ر: أداء.

(٩ و ١٠) نفس المصدر والموضع

(١١) المائدة / ٦١.

(١٢) التوبة / ٣٣.

(١٣) النور / ٥٤.


وفي أصول الكافي(١) : عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: هل للشّكر حدّ إذا فعله العبد كان شاكرا؟

قال: نعم.

قلت: ما هو؟

قال: يحمد الله على كلّ نعمة عليه في أهل ومال، وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حقّ أدّاه، ومن قوله:( رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) .

[والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٢) :( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ) (٣) ( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) ](٤) فإنّها نزلت يوم فتح مكّة لـمّـا أراد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ دخولها، أنزل الله: قل، يا محمّد:( أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ) (الآية).

وفي محاسن البرقي(٥) : عنه، عن أبي عبد الله، عن حمّاد، عن حريز، عن إبراهيم بن نعيم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إذا دخلت مدخلا تخافه فاقرأ هذه الآية:( رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) .

فإذا(٦) عانيت الّذي تخافه، فاقرأ آية الكرسيّ.

( وَقُلْ جاءَ الْحَقُ ) : الإسلام.

( وَزَهَقَ الْباطِلُ ) : وذهب وهلك الشّرك. من زهق روحه: إذا خرج.

( إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) (٨١): مضمحل غير ثابت.

وفي روضة الكافي(٧) : عليّ بن محمّد، عن عليّ بن العبّاس، عن الحسن بن

__________________

(١) الكافي ٢ / ٩٥ ـ ٩٦، ح ١٢.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ٢٦.

(٣) من المصدر.

(٤) ليس في ب.

(٥) المحاسن / ٣٦٧، ح ١١٨.

(٦) المصدر: وإذا.

(٧) الكافي ٨ / ٢٨٧، ح ٤٣٢.


عبد الرّحمن، عن عاصم بن حميد(١) [عن أبي حمزة](٢) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ ) قال: إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل.

وفي كتاب الاحتجاج(٣) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى محمّد بن عليّ الباقر ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يذكر فيه خطبة الرّسول ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم الغدير، وفيها: معاشر النّاس، لا تضلّوا عنه ولا تنفروا منه ولا تستنكفوا(٤) من ولايته، فهو الّذي يهدي إلى الحقّ ويعمل به ويزهق الباطل وينهى عنه.

وفي مجمع البيان(٥) : قال ابن مسعود: دخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ مكّة وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنما، فجعل يطعنها [بعود في يده](٦) ويقول:( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) .

وفي الخرائج والجرائح(٧) : عن حكيمة خبر طويل، وفيه: ولـمّا ولد القائم كان نظيفا مفروغا منه، وعلى ذراعه الأيمن مكتوب:( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) .

وفي أمالي شيخ الطّائفة(٨) ـ قدّس سرّه ـ، بإسناده إلى سليمان بن خالد(٩) قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم(١٠) ، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه قال: دخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يوم فتح مكّة والأصنام حول الكعبة، وكانت ثلاثمائة وستّين صنما(١١) ، فجعل يطعنها بمخصرة(١٢) في يده، ويقول:( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) ( وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ) فجعلت تنكبّ(١٣) لوجهها.

وفي شرح الآيات الباهرة(١٤) : ذكر الشّيخ أبو جعفر الطوسيّ ـ رحمه الله ـ في معنى تأويله حديثا بإسناده، عن رجاله، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم الثّقفيّ(١٥) ، عن

__________________

(١) ب: عبد حميد.

(٢) من المصدر.

(٣) الاحتجاج ١ / ٦٠.

(٤) المصدر: لا تستكبروا [تستنكفوا ـ خ ل].

(٥) المجمع ٣ / ٤٣٥.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) نور الثقلين ٣ / ٢١٣، ح ٤١٠. (٨) أمالي الطّوسي ١ / ٣٤٦.

(٩) المصدر: بلال. (١٠) ب، المصدر: موسى. (١١) ليس في أ. (١٢) المخصرة: ما يتوكّأ عليها، كالعصا. (١٣) المصدر: تكبت. (١٤) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٨٦ ـ ٢٨٧.

(١٥) ليس في ب.


أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: انطلق بي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتّى أتى بي إلى الكعبة [فقال لي: اجلس. فجلست إلى جنب الكعبة](١) فصعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ على منكبي، ثمّ قال لي: انهض. فنهضت، فلمّا رأى منّي ضعفا قال: اجلس. فنزل [وجلس](٢) ، ثمّ قال لي: يا عليّ، اصعد على منكبي. فصعدت على منكبه، ثمّ نهض بي رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. [فلمّا نهض بي](٣) خيّل لي أن لو شئت لنلت أفق السّماء، فصعدت فوق الكعبة وتنحّى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وقال لي: ألق صنمهم الأكبر [صنم قريش](٤) . وكان من نحاس موتّد بأوتاد من حديد [إلى الأرض](٥) فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: عالجه. فعالجته(٦) ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قول: [إيه إيه](٧) ( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) فلم أزل أعالجه حتّى استمكنت منه، فقال لي: اقذفه. فقذفته فتكسّر ونزلت(٨) من فوق الكعبة، وانطلقت أنا ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [نسعى](٩) وخشينا(١٠) [من ابتداء الفتنة](١١) أن يرانا أحد من قريش وغيرهم(١٢) .

وروي(١٣) في معنى حمل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ عند حطّ الأصنام عن البيت الحرام خبر حسن أحببنا ذكره هاهنا، لأنّ هذا التّأويل يحتاج إليه، وهو: ما روي بحذف الإسناد، عن الرّجال الثّقات، عن عبد الجبّار(١٤) بن كثير التّميميّ اليمانيّ قال: قلت لمولاي، جعفر بن محمّد الصّادق ـ عليهما السّلام ـ: يا ابن رسول الله، في نفسي مسألة أريد أن أسألك عنها.

فقال: إن شئت أخبرتك بمسألتك قبل أن تسألني، وإن شئت فاسأل.

__________________

(١) من المصدر مع المعقوفتين. أضافها مصحّح المصدر من مصباح الشيخ.

(٢) من المصدر.

(٣) من المصدر. وفي النسخ بدلها: «و».

(٤ و ٥) من المصدر.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: فكسر فنزلت.

(٩) من المصدر المعقوفتين، نقلا من المصباح والمناقب.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: خشيت.

(١١) من المصدر.

(١٢) أضاف هنا مصحّح المصدر عن الناقب: «قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: فما صعدته حتّى السّاعة.».

(١٣) نفس المصدر / ٢٨٧ ـ ٢٨٩.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: عبد الجبابة.


قال(١) : فقلت: يا ابن رسول الله، وبأيّ شيء تعلم ما في نفسي قبل سؤالي؟

قال: بالتّوسّم والتّفرّس، أما سمعت قول الله(٢) ـ عزّ وجلّ ـ:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) . وقول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله.

فقلت: يا ابن رسول الله، أخبرني بمسألتي.

فقال: مسألتك عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: لم لم يطق حمله عليّ بن أبي طالب عند حطّه الأصنام عن سطح الكعبة، مع قوّته وشدّته وما ظهر منه في قلع [باب](٣) خيبر ورميها(٤) أربعين ذراعا، وكان لا يطيق حملها(٥) أربعون رجلا، وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يركب النّاقة والفرس والبغلة والحمار وركب البراق ليلة المعراج، وكلّ ذلك دون عليّ ـ عليه السّلام ـ في القوّة والشّدة؟

قال: فقلت له: عن هذا أردت أن أسألك(٦) ، يا ابن رسول الله، فأخبرني.

فقال: نعم، إنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ برسول الله شرّف وبه ارتفع وبه(٧) فضّل، وبه وصل إلى إطفاء [نار](٨) الشرّك وإبطال كلّ معبود من دون الله، ولو علاه النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لكان النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعليّ مرتفعا شريفا وواصلا(٩) في حطّ الأصنام، ولو كان ذلك لكان عليّ أفضل من النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ.

ألا ترى أنّ عليّا لـمّـا علا ظهر النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: شرفت وارتفعت حتّى لو شئت أن أنال السّماء لنلتها؟

أو(١٠) ما علمت أنّ المصباح هو الّذي يهتدى به في الظّلم وانبعاث فرعه من أصله؟

وقال عليّ ـ عليه السّلام ـ: أنا من أحمد، كالضّوء من الضّوء.

أو ما علمت أنّ محمّدا وعليّا(١١) كانا نورا بين يدي الله ـ عزّ وجلّ ـ قبل أن يخلق

__________________

(١) ليس في ب.

(٢) الحجر / ٧٥.

(٣) من المصدر.

(٤) المصدر: ورمى بها ما رماه.

(٥) المصدر: حمله.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: أسأل.

(٧) ليس في المصدر.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأصلا.

(١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: «وما محمّد وعليّ إلّا» بدل هذه العبارة.


الخلق بألفي عام، وأنّ الملائكة لـمّـا رأت ذلك النّور أنّ له أصلا قد انشقّ(١) منه شعاع لامع قالت: إلهنا وسيّدنا، ما هذا النّور؟

فأوحى الله ـ تبارك وتعالى ـ إليهم(٢) : هذا نور أصله نبوّة وفرعه إمامة، أمّا النّبوة فلمحمّد عبدي ورسولي، وأمّا الإمامة فلعليّ نجيّي(٣) ووليي، ولولاهما ما خلقت خلقي.

او ما علمت أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ رفع بيد عليّ ـ عليه السّلام ـ في غدير خمّ حتّى نظر النّاس إلى بياض إبطيهما، فجعله أمير المؤمنين وإمامهم(٤) ؟

وحمل الحسن والحسين يوم حظيرة بني النّجّار، فقال له بعض أصحابه: ناولني أحدهما، يا رسول الله.

فقال: نعم المحمولان ونعم الرّاكبان، وأبو هما خير منهما.

وكان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يصلّي بأصحابه فأطال سجدة من سجداته، فلمّا سلّم قيل له: يا رسول الله، لقد أطلت هذه السّجدة؟

فقال: رأيت [ابني](٥) الحسين قد علا ظهري، فكرهت أن أعالجه حتّى ينزل(٦) من قبل نفسه، فأراد بذلك رفعهم وتشريفهم.

فالنّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رسول نبيّ، وعليّ إمام ليس برسول ولا نبيّ، فهو غير مطيق لحمل(٧) أثقال النّبوّة.

قال(٨) : فقلت: زدني، يا ابن رسول الله.

فقال: نعم، إنّك لأهل للزّيادة(٩) . اعلم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حمل عليّا على ظهره يريد بذلك أنّه أبو ولده، وأنّ الأئمّة من ولده، كما حوّل رداءه(١٠) في صلاة الاستسقاء ليعلم أصحابه بذلك أنّه لطلب(١١) الخصب.

فقلت: يا ابن رسول الله، زدني.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: أنّ له أصلا تنشقّ.

(٢) ليس في المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: محبّي.

(٤) المصدر: فجعل أمير المؤمنين إمامهم.

(٥) من المصدر.

(٦) كذا في أ، ب، المصدر. وفي غيرها: نزل.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: حمل.

(٨) ليس في ج.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: زيادة.

(١٠) ليس في ب.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يطلب.


فقال: نعم، حمل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عليّا ـ عليه السّلام ـ يريد به أن يعلم قومه أنه هو الّذي يخفّف عن ظهره ما عليه من الديون(١) والعدات(٢) والأداء عنه ما حمل من بعده.

فقلت: يا ابن رسول الله، زدني.

فقال: حمله ليعلم بذلك أنّه ما حمله(٣) إلّا لأنّه معصوم لا يحمل وزرا، فتكون أفعاله عند النّاس حكمة وصوابا.

وقد قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ: يا عليّ، إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ حمّلني ذنوب شيعتك ثمّ غفرها [لي](٤) ، وذلك قوله(٥) ـ تعالى ـ:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) .

ولمّا أنزل الله(٦) ـ تبارك وتعالى ـ:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) . قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وعليّ نفسي وأخي، فإنّه مطهّر معصوم ولا يضلّ ولا يشقي. ثمّ تلا هذه الآية(٧) :( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) .

ولو أخبرتك بما في حمل النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ من المعاني الّتي أرادها به لقلت: إنّ جعفر بن محمّد مجنون! فحسبك من ذلك ما قد سمعت.

قال: فقمت إليه وقبّلت رأسه ويديه، وقلت:( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) .

( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) : ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم، كالدّواء الشّافي للمرضى.

و «من» للبيان، فإنّه كلّه كذلك.

وقيل(٨) : إنّه للتّبعيض، والمعنى: أنّ منه ما يشفي من المرض، كالفاتحة وآيات الشّفاء.

وقرأ(٩) البصريّان: «وننزل» بالتّخفيف.

__________________

(١) كذا في ب وفي غيرها والمصدر: الدّين.

(٢) المصدر: العداة.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: حمل.

(٤) من المصدر.

(٥) الفتح / ٢.

(٦) المائدة / ١٠٤.

(٧) النّور / ٥٣.

(٨ و ٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٥.


( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) (٨٢): لتكذيبهم وكفرهم به.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه(٢) : وإنّما الشّفاء(٣) في علم القرآن، لقوله:( نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ ) فهو شفاء ورحمة](٤) لأهله لا شكّ فيه ولا مرية، وأهله [أئمّة(٥) الهدى الّذين قال الله(٦) :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) .

عن مسعدة بن صدقة(٧) ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال(٨) : إنّما الشّفاء في علم القرآن، لقوله:( ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) لأهله لا شكّ فيه ولا مرية](٩) * إلى آخر ما سبق.

عن محمّد بن أبي حمزة(١٠) ، رفعه إلى أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزل جبرئيل على محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ:( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ ) آل محمّد حقّهم( إِلَّا خَساراً ) .

وفي كتاب طبّ الأئمّة(١١) ـ عليهم السّلام ـ: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاية(١٢) قطّ وقال بإخلاص نيّة ومسح موضع العلّة:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ [لِلْمُؤْمِنِينَ ]) (١٣) ( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) إلّا عوفي من تلك العلّة أيّة علّة كانت، ومصداق ذلك في الآية حيث يقول:( شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) .

وبإسناده(١٤) إلى عبد الله بن سنان: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: يا ابن سنان لا بأس بالرّقية والعوذة والنّشرة إذا كانت من القرآن، ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، وهل شيء أبلغ في(١٥) هذه الأشياء من القرآن، أليس الله يقول:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ؟

__________________

(١) تفسير العيّاش ٢ / ٢٦٤، ضمن ح ٤٣.

(٢) أ، ب: «قال» بدل «حديث طويل يقول فيه».

(٣) يوجد في أ، ب، المصدر.

(٤) من المصدر مع المعقوفتين. يوجد «للمؤمنين» أ، ب.

(٥) المصدر: الائمّة.

(٦) فاطر / ٢٩.

(٧) نفس المصدر / ٣١٥، ح ١٥٤.

(٨) ليس في ب.

(٩) ليس في أ.

(١٠) نفس المصدر والموضع.

(١١) طبّ الأئمّة / ٢٨.

(١٢) المصدر: شكاة.

(١٣) من المصدر.

(١٤) نفس المصدر / ٤٨. (١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: من.


وفي شرح الآيات الباهرة(١) : قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا محمّد بن خالد البرقيّ، عن محمّد بن عليّ الصّيرفيّ، عن ابن فضيل(٢) ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ ـ ظالمي آل محمّد حقّهم(٣) ـإِلَّا خَساراً ) .

وقال ـ أيضا ـ(٤) : حدّثنا محمّد بن همام، عن محمّد بن إسماعيل العلويّ، عن عيسى بن داود، عن أبي الحسن، موسى، عن أبيه ـ عليهما السّلام ـ قال: نزلت هذه الآية( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ ـ لآل محمّد ـإِلَّا خَساراً ) .

( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ ) : بالصّحّة والسّعة.

( أَعْرَضَ ) : عن ذكر الله.

( وَنَأى بِجانِبِهِ ) : لوى عطفه وبعد بنفسه عنه، [كأنّه مستغن](٥) مستبدّ بأمره.

ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار، لأنّه من عادة المستكبرين.

وقرأ(٦) ابن عامر برواية ابن(٧) ذكوان هنا وفي فصّلت: «وناء» على القلب، أو على أنّه بمعنى: نهض.

وأمال الكسائي وخلف فتحة النّون والهمزة في السّورتين. وأمال خلّاد والبسوسي فتحة الهمزة فيهما فقط. وأمال أبو بكر فتحة الهمزة هاهنا، وأخلص فتحتها هناك.

وورش على أصله وذرأت الياء.

( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) : من مرض أو فقر.

( كانَ يَؤُساً ) (٨٣): شديد اليأس من روح الله.

( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) : قل كلّ أحد يعمل على طريقته الّتي تشاكل حاله في الهدى والضّلالة، أو جوهر روحه وأحواله التّابعة لمزاج بدنه.

( فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ) (٨٤): أسدّ طريقا وأبين منهجا.

وقد فسرّت «الشّاكلة» بالطّبيعة، والعادة، والدّين.

__________________

(١) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٩٠.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبي فضيل.

(٣) ليس في ب.

(٤) نفس المصدر والموضع.

(٥) ليس في ب.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٥.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: «ورواية» بدل «برواية ابن».


وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن سفيان بن عينيه، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: النّيّة أفضل من العمل، ألا وإنّ النّيّة هي العمل. ثمّ تلا قوله ـ تعالى ـ:( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) ، يعني: على نيّته.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

عليّ بن إبراهيم(٢) ، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن أحمد بن يونس، عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّما خلّد أهل النّار في النّار لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا [أن](٣) لو خلّدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها(٤) أن يطيعوا الله أبدا، فبالنّيّات خلّد هؤلاء وهؤلاء. ثمّ تلا قوله ـ تعالى ـ:( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) .

وفي من لا يحضره الفقيه(٥) : وقال صالح بن الحكم: سئل الصّادق ـ عليه السّلام ـ عن الصّلاة في البيع والكنائس.

فقال: صلّ فيها.

قلت: أصلّي فيها وإن كانوا يصلّون فيها؟

قال: نعم، أما تقرأ القرآن( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ) . صلّ على القبلة ودعهم.

وفي تهذيب الأحكام(٦) : الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حمّاد الناب(٧) ، عن الحكم(٨) بن الحكم قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول، وسئل عن الصّلاة في البيع والكنائس.

فقال: صلّ فيها، قد رأيتها ما أنظفها! قلت: أصلي فيها وإن كانوا يصلّون فيها؟

فقال: نعم، أما تقرأ القرآن( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً )

__________________

(١) الكافي ٢ / ١٦، ذيل ح ٤

(٢) نفس المصدر / ٨٥، ح ٥.

(٣) من المصدر.

(٤) ج: في الدنيا.

(٥) الفقيه ١ / ١٥٧، ح ٧٣١.

(٦) التهذيب ٢ / ٢٢٢، ح ٨٧٦.

(٧) كذا في المصدر. وجامع الرواة ١ / ٢٧١. وفي النسخ: حماد بن ناصب.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: الحكيم.


صلّ على القبلة وغرّبهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) ، أي(٢) : على نيّته.

( فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً )

فإنّه حدّثني أبي، عن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ قال: إذا كان يوم القيامة، أوقف المؤمن بين يديه فيكون هو الّذي يتولّى حسابه، فيعرض عليه عمله فينظر في صحيفته، فأوّل ما يرى سيّئاته فيتغيّر لذلك لونه وترتعد(٣) فرائصه وتفزع نفسه، ثمّ يرى حسناته فتقرّ عينه وتسرّ نفسه وتفرح روحه، ثمّ ينظر إلى ما أعطاه من الثّواب فيشتدّ فرحه، ثمّ يقول الله ـ عزّ وجلّ ـ للملائكة: هلمّوا بالصّحف(٤) الّتي فيها الأعمال الّتي لم يعملوها.

قال: فيقرءونها ثمّ يقولون(٥) : وعزّتك، إنّا لنعلم أنّا لم نعمل منها شيئا.

فيقول: صدقتم نويتموها فكتبناها لكم. ثمّ يثابون عليها.

( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) ، أي: الّذي يحيا به بدن الإنسان ويدبّره.

( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) : من الابداعيّات الكائنة «بكن» من غير مادّة، وتولد من أصل، كأعضاء جسده. أو وجد بأمره وحدث بتكوينه، على أنّ السّؤال عن قدمه وحدوثه.

وقيل(٦) : ممّا استأثره الله ـ تعالى ـ بعلمه، لما نقل: أنّ اليهود قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الرّوح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيّ. فبيّن لهم القصّتين، وأبهم أمر الرّوح، وهو مبهم في التّوراة.

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٦.

(٢) المصدر: قال.

(٣) المصدر: ترتعش.

(٤) أ، ب، ر: بالصحيفة. وفي المصدر. الصحف.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: فيقرأها فيقولون.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٦.


وقيل(١) : الرّوح جبرئيل.

وقيل(٢) : خلق أعظم من الملك.

وقيل(٣) : القرآن، و «من أمر ربّي» معناه: من وحيه.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : وأمّا قوله:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي )

فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: هو ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل، وكان مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وهو مع الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ.

وفي خبر آخر(٥) : هو من الملكوت.

وفي أصول الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) .

قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل [كان مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو مع الأئمّة، وهو من الملكوت.

عليّ(٧) ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل ،](٨) لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ، وهو مع الأئمّة يسدّدهم، وليس كلّ ما طلب وجد.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) .

قال: خلق من خلق الله. وإنّه(١٠) يزيد في الخلق ما يشاء.

حمران(١١) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ عن قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) .

__________________

(١ و ٢ و ٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) تفسير القمّي ٢٠ / ٢٦.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) الكافي ١ / ٢٧٣، ح ٣.

(٧) نفس المصدر، ح ٤.

(٨) ليس في ب.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٦، ح ١٥٩.

(١٠) المصدر: الله. (١١) نفس المصدر، ح ١٦٠. وفيه: عن زرارة وحمران.


قالا: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أحد صمد، و( الصَّمَدُ ) الشّيء الّذي ليس له جوف، فإنما الرّوح خلق من خلقه، له بصر وقوّة وتأييد يجعله في قلوب المؤمنين والرّسل.

وفي رواية أبي أيّوب الخزّاز(١) قال: [أعظم من جبرائيل، وليس كما ظننت.

عن أبي بصير(٢) ، عن أحدهما، قال :](٣) سألته عن قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ؟ ما الرّوح؟

قال: الّتي في الدّوابّ والنّاس.

قلت: وما هي؟

قال: هي من الملكوت، من القدرة.

وفي كتاب التّوحيد(٤) ، بإسناده إلى عبد الحميد الطّائيّ: عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السّلام ـ عن قول الله(٥) ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) كيف هذا النّفخ؟

فقال: إنّ الرّوح متحرّك، كالرّيح، وإنّما سمّي روحا لأنّه اشتقّ اسمه من الرّيح، وإنّما أخرجت(٦) على لفظ الرّوح لأنّ الرّوح مجانس(٧) للرّيح، وإنّما أضافه إلى نفسه لأنّه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت، فقال: بيتي. وقال لرسول من الرّسل: خليلي. وأشباه ذلك، وكلّ ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبّر.

وفي الكافي(٨) ، مثله سواء.

وفي قرب الإسناد(٩) للحميريّ، بإسناده إلى مسعدة بن زياد قال: حدّثني جعفر بن محمّد، عن أبيه أنّ روح آدم لـمّـا أمرت أن تدخل [فيه](١٠) فكرهته(١١) ، فأمرها أن تدخل كرها وتخرج كرها.

وفي كتاب علل الشّرائع(١٢) : أخبرني عليّ بن حاتم قال: أخبرنا القاسم بن محمّد

__________________

(١) نفس المصدر / ٣١٧، ح ١٦٢.

(٢) نفس المصدر والموضع، ح ١٦٣.

(٣) ما بين المعقوفتين «يوجد في النسخ ولعلّ المؤلف (ره) أسقطها من نقل الحديث من تفسير نور الثقلين لتوالي الحديثين فيه.

(٤) التوحيد / ١٧١، ح ٣.

(٥) الحجر / ٢٩.

(٦) المصدر: أخرجه.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: يجانس.

(٨) الكافي ١ / ١٣٣ ـ ١٣٤، ح ٣.

(٩) قرب الإسناد / ٣٨.

(١٠) من المصدر.

(١١) المصدر: وكرهته.

(١٢) العلل / ٣٠٩، ح ١.


قال: حدّثنا حمدان بن الحسين، عن الحسن بن الوليد، عن عمران الحجّاج، عن عبد الرّحمن، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت: لأيّ علّة إذا خرج الرّوح من الجسد(١) وجد له مسّا، وحيث ركّبت لم يعلم(٢) به؟

قال: لأنّه نما عليه البدن.

وفي نهج البلاغة(٣) : قال ـ عليه السّلام ـ: وخرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله.

وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسي ـ رحمه الله ـ: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفيه قال السّائل: أخبرني عن السّراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟

قال: يذهب فلا يعود.

قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك، إذا مات وفارق [الروح](٥) البدن لم يرجع إليه أبدا، كما لا يرجع ضوء السّراج إليه أبدا إذا انطفأ؟

قال: لم تصب القياس، لأنّ النّار في الأجسام(٦) كامنة، والأجساد(٧) قائمة بأعيانها، كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت(٨) من بينهما نار يقتبس(٩) منها [سراج](١٠) له ضوء، فالنّار ثابتة في أجسامها والضّوء ذاهب، والرّوح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا وليس بمنزلة السّراج الّذي ذكرت، إنّ الّذي خلق في الرّحم جنينا من ماء صاف وركّب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك، هو يحييه بعد موته، ويعيده(١١) بعد فنائه.

قال: فأين الرّوح؟

قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث.

قال: فمن صلب أين روحه؟

قال: في كفّ الملك الّذي قبضها حتّى يودعها الأرض.

__________________

(١) ب: البدن.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: لم يعمل.

(٣) النهج / ١٦١، الخطبة ١٠٩.

(٤) الاحتجاج / ٣٤٩ ـ ٣٥٠.

(٥) من المصدر.

(٦) ب: الأجساد.

(٧) المصدر: الأجسام.

(٨) المصدر: سقطت.

(٩) المصدر: تقتبس.

(١٠) من المصدر.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يعيد.


قال: فأخبرني عن الرّوح أغير الدّم؟

قال: نعم، الرّوح على ما وصفت لك مادّتها(١) من الدّم، [ومن الدّم](٢) رطوبة الجسم وصفاء اللّون وحسن الصّوت وكثرة الضّحك، فإذا جمد الدّم فارق الرّوح البدن.

قال: فهل توصف(٣) بخفّة وثقل ووزن؟

قال: الرّوح بمنزلة الرّيح [في الزّقّ](٤) إذا نفخت فيه امتلأ الزّقّ منها(٥) ، فلا يزيد في وزن الزّقّ وولوجها فيه ولا ينقصه(٦) خروجها منه، كذلك الرّوح ليس لها ثقل ولا وزن.

وفي كتاب كمال الدّين وتمام النّعمة(٧) : أبي ومحمّد بن الحسن ـ رضي الله عنهما ـ قالا: حدثنا سعد بن عبد الله [وعبد الله](٨) بن جعفر الحميريّ ومحمّد بن يحيى العطّار وأحمد بن إدريس، جميعا، قالوا: حدّثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ قال(٩) : حدّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ، عن محمّد بن عليّ الثّاني ـ عليه السّلام ـ قال: أقبل أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ ذات يوم ومعه الحسن بن عليّ وسلمان الفارسي، وأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ متّك على يد سلمان ـ رحمه الله ـ فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللّباس فسلّم على أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ فردّ عليه السّلام، فجلس ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهنّ علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت أنّك وهم شرع سواء.

فقال له أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: سلني عمّا بدا لك.

قال: أخبرني عن الرّجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرّجل كيف(١٠) يذكر وينسى، وعن الولد كيف يشبه الأعمام والأخوال.

فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمّد الحسن بن عليّ ـ عليهما السّلام ـ فقال: يا أبا محمّد، أجبه.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: عارية.

(٢) من المصدر.

(٣) المصدر: يوصف.

(٤) ليس في ب.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: منهما.

(٦) المصدر: ينقصها.

(٧) كمال الدين / ٢١٣ ـ ٢١٤، صدر ح ١.

(٨) ليس في ب.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ: قالوا.

(١٠) ليس في أ، ب.


فقال: أمّا ما سألت عنه من [أمر](١) الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه معلّقة(٢) بالرّيح، والرّيح معلّقة(٣) في الهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة(٤) ، فإذا أذن الله ـ عزّ وجلّ ـ بردّ تلك الرّوح(٥) على صاحبها جذبت تلك الرّوح الرّيح وجذبت تلك الرّيح الهواء فرجعت الرّوح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله ـ عزّ وجلّ ـ بردّ تلك الرّوح على صاحبها، [جذب الهواء الرّيح، وجذبت الرّيح الرّوح، فلم تردّ إلى صاحبها](٦) إلى وقت ما يبعث.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي أمالي الشّيخ الصّدوق(٧) ـ رحمه الله ـ، بإسناده إلى النّوفليّ قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: إنّ المؤمن إذا نام، خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة(٨) إلى السّماء.

فقلت له: وتصعد روح المؤمن إلى السّماء؟

قال: نعم؟

قلت: حتّى لا يبقى منه شيء في بدنه؟

قال: لا، لو خرجت كلّها(٩) حتّى لا يبقى منه شيء إذا لمات.

[قلت](١٠) فكيف تخرج؟

فقال: أما ترى الشّمس في السّماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض؟

فكذلك الرّوح أصلها في البدن وحركتها ممدودة.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي مجمع البيان(١١) : يجوز أن يكون الرّوح الّذي سألوا عنه جبرئيل على(١٢) قول الحسن [وقتادة](١٣) . أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكلّ وجه سبعون ألف لسان، يسبّح الله بجميع ذلك على ما روي عن عليّ ـ عليه السّلام ـ.

__________________

(١) من المصدر.

(٢ و ٣) المصدر: متعلّقة.

(٤) ب، أ، ر: اليقظة.

(٥) في ج: زيادة «والرّيح».

(٦) من المصدر. وفي النسخ بعدها زيادة: إلّا.

(٧) أمالي الصدوق / ١٢٤، ح ١٥ (مقاطع من الحديث)

(٨) يوجد في ب، المصدر.

(٩) يوجد في ب، المصدر.

(١٠) من المصدر.

(١١) المجمع ٣ / ٤٣٧.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: عن.

(١٣) من المصدر.


( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (٨٥): تستفيدونه بتوسّط حواسّكم، فإنّ اكتساب العقل للمعارف النّظرية إنّما هو من الضّروريّات المستفادة من إحساس الجزئيّات، ولذلك قيل: من فقد حسّا فقد فقد علما. ولعلّ أكثر الأشياء لا يدركه الحسّ، ولا شيئا من أحواله المعرّفة لذاته. وهو إشارة إلى أن الرّوح [ممّا](١) لا يمكن معرفة ذاته إلّا بعوارض تميّزه عمّا يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب، كما اقتصر موسى في جواب:( وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٢) بذكر بعض صفاته.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : وقوله(٤) :( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) . وذلك أنّ اليهود سألوا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن الرّوح.

فقال:( الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) .

قالوا: نحن خاصة؟

قال: بل النّاس عامّة.

فقالوا: فكيف يجتمع هذان، يا محمّد، تزعم أنّك لم تؤت من العلم إلّا قليلا وقد(٥) أوتيت القرآن وأوتينا التّوراة، وقد قرأت:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ) وهي التّوراة( فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (٦) .

فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ:( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) . يقول: علم الله أكثر(٧) من ذلك، وما أوتيتم كثير فيكم قليل عند الله.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ تعالى ـ:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) . قال: تفسيرها في الباطن: أنّه لم يؤت من(٩) العلم إلّا أناس يسير، فقال:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً )

__________________

(١) من أنوار التنزيل ١ / ٥٩٦.

(٢) الشعراء / ٢٣.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ١٦٦.

(٤) لقمان / ٢٦.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: لقد.

(٦) البقرة / ٢٧٢.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: أكبر.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٧، ح ١٦٤.

(٩) ليس في المصدر.


منكم.

وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى حنان بن سدير: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، يقول فيه: ووصف الّذين لم يؤتوا من الله فوائد العلم فوصفوا ربّهم بأدنى الأمثال، وشبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به، فلذلك قال:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) . فليس له شبه ولا مثل ولا عدل.

( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) «الّلام» الأولى موطّئة للقسم «ولنذهبنّ» جوابه النّائب مناب جزاء الشّرط، والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصّدور.

( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ) (٨٦): من يتوكّل علينا استرداده مسطورا محفوظا.

( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) : [فإنّها إن نالتك فلعلّها تستردّه عليك.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، بمعنى: ولكن رحمة من ربّك](٢) تركته غير مذهوب به، فيكون امتنانا بإبقائه بعد المنّة في تنزيله.

( إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) (٨٧): كإرساله، وإنزال الكتاب عليك، وإبقائه في حفظه.

( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ) : في البلاغة وحسن النّظم وكمال المعنى.

( لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) : وفيهم العرب العرباء، وأرباب اللّسان، وأهل التّحقيق.

وهو جواب قسم محذوف دلّ عليه الّلام الموطّئة، ولو لا هي لكان جواب الشّرط بلا جزم لكون الشّرط ماضيا، كقول زهير :

وإن أتاه خليل يوم مسغبة

يقول لا غائب مالي ولا حرم

( وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (٨٨): ولو تظاهروا على الإتيان به.

ولعلّه لم يذكر الملائكة، لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا، ولأنّهم كانوا وسائط في إتيانه.

__________________

(١) التوحيد / ٣٢١، ح ١.

(٢) ليس في ج.


ويجوز أن تكون الآية تقريرا لقوله:( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ) .

وفي عيون الأخبار(١) ، في باب مجلس الرّضا ـ عليه السّلام ـ مع سليمان المروزيّ حديث طويل، وفيه قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: يا جاهل، فإذا علم الشّيء فقد أراده.

قال سليمان: أجل.

قال: فإذا لم يرده لم يعلمه.

قال [سليمان](٢) : أجل.

قال: من أين قلت ذاك، وما الدّليل على أنّ إرادته علمه، وقد يعلم ما لا يريده أبدا؟ وذلك قوله(٣) ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) . فهو يعلم كيف يذهب به وهو لا يذهب به(٤) أبدا؟

قال سليمان: [لأنّه قد فرغ من الأمر، فليس يزيد فيه شيئا.

قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هذا قول اليهود، فكيف قال(٥) :( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ؟ قال سليمان :](٦) إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه.

قال: أفيعد ما لا يفي به، فكيف قال(٧) :( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) . وقال(٨) ـ عزّ وجلّ ـ:( يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) . وقد فرغ من الأمر؟

فلم يحر جوابا.

وفي كتاب التّوحيد(٩) ، مثله سواء.

وفي كتاب الاحتجاج(١٠) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ حديث طويل، وفي آخره: فآل(١١) الأمر إلى أن قال سليمان: إنّ الإرادة هي القدرة.

قال الرّضا ـ عليه السّلام ـ: وهو يقدر على ما لا يريد أبد الآبدين(١٢) . من ذلك، لأنّه قال:( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) . فلو كانت الإرادة هي القدرة كان

__________________

(١) العيون ١ / ١٨٩.

(٢) من المصدر.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وذلك لقوله:

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: كيف يذهب ولا يذهب به.

(٥) المؤمن / ٦٢.

(٦) يوجد في ب والمصدر.

(٧) فاطر / ١.

(٨) الرّعد / ٣٩.

(٩) التوحيد / ٤٥١.

(١٠) الاحتجاج ٢ / ٤٠٤.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال.

(١٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: أبدا لا بدّ.


قد أراد أن يذهب به لقدرته(١) .

فانقطع سليمان وترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثمّ تفرّق القوم.

وفي عيون الأخبار(٢) ، في باب ما جاء عن الرّضا ـ عليه السّلام ـ من الأخبار بالتّوحيد حديث طويل: عن عليّ ـ عليه السّلام ـ يذهب فيه تفسير حروف المعجم، وفي آخره قال عليّ ـ عليه السّلام ـ: إنّ الله ـ تعالى ـ نزّل(٣) هذا القرآن بهذه الحروف الّتي يتداولها جميع العرب. ثمّ قال:( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) .

وبإسناده(٤) إلى الرّضا ـ عليه السّلام ـ: أنّه ـ عليه السّلام ـ ذكر القرآن يوما، فعظم الحجّة فيه والآية المعجزة في نظمه.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي الخرائج والجرائح(٥) ، في أعلام أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أنّ ابن أبي العوجاء وثلاثة نفر من الدّهريّة اتّفقوا على أن يعارض كلّ واحد منهم ربع القرآن، وكانوا بمكّة، وعاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل.

فلمّا حال الحول، واجتمعوا في مقام إبراهيم ـ أيضا ـ قال أحدهم: إنّي لـمّـا رأيت [قوله(٦) :( يا أَرْضُ ]) (٧) ( ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) . كففت عن المعارضة.

وقال الآخر: وكذا أنا لـمّـا وجدت قوله(٨) :( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ) أيست من المعارضة.

وكانوا يسترون(٩) ذلك إذ مرّ عليهم الصّادق ـ عليه السّلام ـ، فالتفت إليهم وقرأ عليهم:( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) . فبهتوا.

( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) : كرّرنا بوجوه مختلفة زيادة في التّقرير والبيان.

( لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) : من كلّ معنى، هو كالمثل في غرابته

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بقدرته.

(٢) العيون ١ / ١٣٠.

(٣) المصدر: أنزل.

(٤) نفس المصدر ٢ / ١٣٠، صدر ج ٩.

(٥) نور الثقلين ٣ / ٢٢٠، ح ٤٤٤.

(٦) هود / ٤٤.

(٧) من نور الثقلين.

(٨) يوسف / ٨٠. (٩) كذا في نور الثقلين. وفي النسخ: يسرّون.


ووقوعه موقعا في الأنفس.

( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) (٨٩): إلّا جحودا. وإنّما جاز ذلك ولم يجز: ضربت إلّا زيدا، لأنّه متأوّل بالنّفي(١) .

وفي أصول الكافي(٢) : أحمد بن عبد العظيم، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: فأبى اكثر الناس بولاية علي(٣) إلا كفورا.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي شرح الآيات الباهرة(٤) : قال محمّد بن العبّاس: حدّثنا عليّ بن عبد الله بن أسد، عن إبراهيم الثّقفيّ، عن عليّ بن هلال الأحمر، عن الحسن(٥) بن وهب بن عليّ بن بحيرة، عن جابر، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) قال: نزلت الآية في عليّ(٦) ـ عليه السّلام ـ.

وقال ـ أيضا ـ(٧) : أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق النّهاونديّ، عن عبد الله بن حمّاد الأنصاريّ، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: فأبى أكثر الناس بولاية عليّ ـ عليه السّلام ـ إلا كفورا.

( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) (٩٠): تنعّتا واقتراحا بعد ما ألزمهم الحجّة ببيان إعجاز القرآن، وانضمام غيره من المعجزات إليه.

وقرأ(٨) . الكوفيّون ويعقوب: «تفجر» بالتّخفيف.

و «الأرض» أرض مكّة. و «الينبوع» عين لا ينضب ماؤها، يفعول، من نبع الماء، كيعبوب، من عبّ الماء: إذا زخر.

( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ) (٩١): أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك.

( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ) ، يعنون: قوله ـ تعالى ـ:( إِنْ نَشَأْ

__________________

(١) قوله: «لأنه متأول بالنفي»، أي أكثر الناس» مؤول بالنفي، لأن معناه: ما فعل أكثر الناس شيئا إلا كفورا.

(٢) الكافي ١ / ٤٢٤ ـ ٤٢٥، صدر ح ٦٤.

(٣) ب: علي بن أبي طالب.

(٤) تأويل الآيات الباهرة ١ / ٢٩٠ ـ ٢٩١.

(٥) أ، ب: الحسين.

(٦) المصدر: ولاية أمير المؤمنين.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٧.


نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) . وهو «كقطع» لفظا ومعنى.

وقد سكّنه(١) ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ ويعقوب في جميع القرآن إلّا في الرّوح، وابن عامر إلّا في هذه السّورة، وأبو بكر ونافع وغيرهما وحفص فيما عد الطّور.

وهو إمّا مخفّف من المفتوح، كسدرة وسدر، أو فعل، بمعنى: مفعول، كالطّحن.

( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) (٩٢): كفيلا بما تدّعيه، أي: شاهدا على صحّته ضامنا لدركه.

أو مقابلا، كالعشير، بمعنى: المعاشر. وهو حال من «الله»، وحال «الملائكة» محذوفة لدلالتها عليها، كما حذف الخبر في قوله :

فإنّي وقيار بها لغريب

أو جماعة، فيكون حالا من «الملائكة».

( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) : من ذهب. وقد قرئ به، وأصله الزّينة.

( أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ) : في معارجها.

( وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ) : وحده.

( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) : وكان فيه تصديقك.

( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ) : تعجّبا من اقتراحاتهم. أو تنزيها لله من أن يأتي أو يتحكّم عليه، أو أن يشاركه أحد في القدرة.

( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً ) ، كسائر النّاس.

( رَسُولاً ) (٩٣)، كسائر الرّسل، وكانوا لا يأتون قومهم إلّا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكّموا على الله حتّى يتخيّروها عليّ. هذا هو الجواب المجمل، وأمّا التّفصيل فقد ذكر في آيات اخر، كقوله:( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ) (٢) ( وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ) (٣) .

وفي كتاب الاحتجاج(٤) للطّبرسيّ ـ رحمه الله ـ: عن أبي محمّد، الحسن العسكريّ ـ عليه السّلام ـ قال: قلت لأبي، عليّ بن محمّد ـ عليهما السّلام ـ: هل كان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجّهم؟

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) الأنعام / ٧.

(٣) الحجر / ١٤.

(٤) الاحتجاج ١ / ٢٩ ـ ٣٥.


قال: [بلى](١) مرارا كثيرة، إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة، إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش، منهم: الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وأبو البختريّ بن هشام، وأبو جهل(٢) ، والعاص بن وائل(٣) السّهمي، وعبد الله بن [أبي](٤) أميّة المخزوميّ، وكان معهم جمع ممّن يليهم كثير(٥) ، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله، ويؤدّي إليهم عن الله أمره ونهيه.

فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل(٦) أمر محمّد وعظم خطبه، فتعالوا(٧) نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره [عندهم](٨) ، فلعلّه ينزع عمّا هو فيه من غيّه(٩) وباطله وتمرّده وطغيانه، فإن انتهى وإلّا عاملناه بالسّيف الباتر.

قال أبو جهل: فمن ذا الّذي يلي كلامه ومجادلته؟

قال عبد الله بن [أبي](١٠) أميّة المخزوميّ: أنا [إلى ذلك. أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيّا؟

قال أبو جهل: بلى. فأتوه بأجمعهم.

فابتدأ عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ](١١) فقال: يا محمّد، لقد ادّعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا، زعمت أنّك رسول ربّ العالمين [وما ينبغي لربّ العالمين](١٢) وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا تأكل(١٣) ، كما نأكل [وتشرب كما نشرب](١٤) ، وتمشي(١٥) في الأسواق، كما نمشي. فهذا ملك الرّوم وهذا ملك الفرس(١٦) لا يبعثان رسولا إلّا كثير المال عظيم الحال، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدّام ،

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر. ويوجد في النسخ زيادة: وهشام.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: وابل

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: كثيرة.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: استعلا.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقالوا.

(٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر. وفي أ، ب، ر: عبد. وفي غيرها: عيّة.

(١٠ و ١١) من المصدر.

(١٢) ليس في أ، ب، ر.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: يأكل.

(١٤) من المصدر. (١٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: يمشي.

(١٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: الفارس.


وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده، ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يسدّدك(١) ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت، يا محمّد، إلّا مسحور(٢) ولست بنبيّ.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هل بقي من كلامك شيء؟

قال: بلى، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجلّ من فيما بيننا، [أكثره](٣) مالا وأحسنه حالا، فهلّا أنزل(٤) هذا القرآن الّذي تزعم أنّ الله أنزله عليك وابتعثك(٥) به رسولا على رجل من القريتين عظيم، إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة وإمّا عروة بن مسعود الثّقفيّ بالطّائف.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: هل بقي من كلامك شيء [، يا عبد الله](٦) ؟

فقال بلى، لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكّة هذه، فإنّها ذات أحجار وعرة(٧) وجبال، تكسح أرضها وتحفرها(٨) وتجري منها العيون، فإننّا إلى ذلك محتاجون. أو تكون لك جنّة من نخيل وأعناب(٩) [فتأكل](١٠) منها وتطعمنا، وتفجر الأنهار خلال تلك النّخيل والأعناب [تفجيرا](١١) . أو تسقط السّماء، كما زعمت، علينا كسفا فإنّك قلت لنا:( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ) (١٢) . فلعلّنا نقول(١٣) ذلك، ثمّ قال:( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) تأتي به وبهم(١٤) وهم لنا مقابلون. أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلّنا نطغى، فإنّك قلت:( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) (١٥) .

__________________

(١) المصدر: يصدّقك.

(٢) المصدر: رجلا مسحورا.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: نزل.

(٥) أ، ب: أبعثك.

(٦) ليس في ب.

(٧) كذا في المصدر. ولا يوجد في أ، ب، بدلها شيء. وفي غيرهما: وصخور.

(٨) كذا في أ، ب، ر، المصدر. وفي غيرها: تفّجرها.

(٩) كذا في ب. وفي غيرها: عناب. وفي المصدر: عنب.

(١٠ و ١١) من المصدر.

(١٢) الطّور / ٤٤.

(١٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: فلعلّك تقول.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وتأتي بهم وبربّهم.

(١٥) العلق / ٦ و ٧.


ثمّ قال:( أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ) ، أي تصعد في السّماء( وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ) ، أي: لصعودك( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن [أبي](١) أميّة المخزوميّ ومن معه، بأن آمنوا بمحمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب فإنّه رسولي فصّدقوه في مقاله فإنّه من عندي. ثمّ لا أدري، يا محمّد، إذا فعلت هذا كلّه نؤمن(٢) بك أو لا نؤمن(٣) بك، بل لو رفعتنا إلى السّماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا:( إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ) (٤) أو سحرتنا.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: [أمّا قولك:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ]) (٥) ( حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) إلى آخر ما قلته، فإنّك قد اقترحت على محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أشياء(٦) : منها [ما](٧) لو جاءك به لم يكن برهانا(٨) لنبوّته، ورسول الله(٩) يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتجّ عليهم بما لا حجّة فيه. ومنها [ما](١٠) لو جاءك به لكان معه هلاكك، وإنّما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الإيمان بها لا ليهلكوا بها، فإنّما اقترحت هلاكك وربّ العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم، كما يقترحون(١١) . ومنها المحال الّذي لا يصحّ ولا يجوز كونه، ورسول ربّ العالمين يعرّفك ذلك، ويقطع معاذيرك، ويضيّق [عليك](١٢) سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه، حتّى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص. [ومنها ما قد اعترفت على نفسك](١٣) أنّك فيه معاند متمرّد لا تقبل حجّة ولا تصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله(١٤) النّازل من سمائه أو(١٥) في حميمه أو بسيوف أوليائه.

وأمّا قولك، يا عبد الله:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) بمكّة هذه، فإنّها ذات أحجار وصخور وجبال، تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون، فإنّا

__________________

(١) من المصدر.

(٢) المصدر: أؤمن.

(٣) المصدر لا أؤمن.

(٤) الحجر / ١٥.

(٥) ليس في أ، ب، ر.

(٦) ليس في ب.

(٧) من المصدر.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: برهانه.

(٩) ليس في أ، ب، ر.

(١٠) من المصدر.

(١١) المصدر: تقترحون.

(١٢) من المصدر. (١٣) من المصدر.

(١٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: النّار. (١٥) ليس في المصدر.


إلى ذلك محتاجون، فإنّك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله، يا عبد الله، لو فعلت هذا أكنت من أجل هذا نبيّا؟

قال: لا.

قال: [رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أ](١) رأيت الطّائف الّتي لك فيها بساتين، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذلّلتها وكسحتها وأجريت(٢) فيها عيونا استنبطتها؟

قال: بلى.

قال: وهل لك في هذا نظراء(٣) ؟

قال: بلى.

قال(٤) : أفصرت أنت وهم [بذلك](٥) أنبياء؟

قال: لا.

قال: فكذلك [لا يصير](٦) هذا حجّة لمحمّد لو فعله(٧) على نبوّته، فما هو إلّا كقولك(٨) : لن نؤمن لك حتّى تقوم وتمشي على الأرض [كما يمشي الناس](٩) أو حتّى تأكل الطّعام، كما يأكل النّاس.

وأمّا قولك، يا عبد الله: أو تكون لك جنّة من نخيل أو عنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا، [أو ليس لأصحابك ولك جنان من نخيل وعنب بالطّائف فتأكلون(١٠) وتطعمون منها وتفجّرون الأنهار خلالها تفجيرا ،](١١) أفصرتم أنبياء بهذا؟

قال: لا.

قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله أشياء لو كانت، كما تقترحون، لما دلّت على صدقه؟ بل لو تعاطاها لدلّ تعاطيها على كذبه، لأنّه يحتج بما لا حجّة فيه ويختدع الضّعفاء عن عقولهم وأديانهم، ورسول ربّ العالمين يجلّ ويرتفع عن هذا.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: جريت.

(٣) كذا في المصدر: وفي النسخ: «وهل فيها نظر» بدل العبارة الأخيرة.

(٤) ليس في المصدر.

(٥ و ٦) من المصدر.

(٧) كذا في المصدر: وفي النسخ: «محمّد لو فعلت» بدل «لمحمّد لو فعله».

(٨) كذا في المصدر: وفي النسخ: قولك.

(٩) من المصدر.

(١٠) المصدر: تأكلون.

(١١) ليس في أ، ب، ر.


ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا عبد الله، وأمّا قولك:( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ، كَما زَعَمْتَ، عَلَيْنا كِسَفاً ) فإنّك قلت:( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ) . فإنّ في سقوط السّماء عليكم هلاككم وموتكم، فإنّما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك(١) ورسول ربّ العالمين أرحم من ذلك لا(٢) يهلكك، ولكنّه يقيم عليك حجج الله لنّبيّه وحده لا(٣) على حسب اقتراح عباده، لأنّ العباد جهّال بما يجوز من الصّلاح وما لا يجوز منه من الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضادّ حتّى يستحيل وقوعه، والله [طبيبكم](٤) لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال(٥) .

ثمّ قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: وهل رأيت، يا عبد الله، طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم؟ وإنّما يفعل به ما يعلم به(٦) صلاحه فيه، أحبّه العليل أو كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فإن انقدتم لدوائه شفاكم، وإن تمرّدتم عليه أسقمكم، وبعد فمتى رأيت، يا عبد الله، مدّعي حقّ من قبل رجل أوجب عليه [حاكم من حكّامهم فيما مضى بيّنة على دعواه على حسب اقتراح المدّعى عليه](٧) ؟ إذا ما كانت تثبت لأحد على أحد دعوى ولا حقّ، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق.

ثمّ قال [رسول الله](٨) : يا عبد الله، وأمّا قولك:( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) يقابلوننا ونعاينهم، فإنّ هذا من المحال الّذي لا خفاء به، لأنّ(٩) ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ ليس كالمخلوقين يجيء ويذهب ويتحرّك ويقابل [شيئا](١٠) حتّى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، [وإنّما هذا](١١) الّذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضّعيفة المنقوصة الّتي لا تسمع ولا تبصر [ولا تعلم](١٢) ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد، يا عبد الله، أو ليس لك ضياع وجنان بالطّائف وعقار بمكّة وقوّام عليها؟

__________________

(١) كذا في المصدر: وفي النسخ: تهلك.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: لما.

(٣) المصدر: «وليس حجج الله لنبيته وحده» بدل «لنبيّه وحده لا».

(٤) من المصدر.

(٥) كذا في المصدر: وفي النسخ: على ما يلزمه بالمحال.

(٦) ليس في المصدر.

(٧) ليس في ج.

(٨) من المصدر.

(٩) المصدر: وإنّ.

(١٠) من المصدر.

(١١ و ١٢) من المصدر.


قال: بلى.

قال: أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك؟

قال: بسفراء.

قال: أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك(١) وخدمك لسفرائك: لا نصدّقكم(٢) في هذه السّفارة إلّا أن تأتونا(٣) بعبد الله بن أبي أميّة نشاهده فنسمع منه ما تقولون عنه شفاها.

تسوغهم(٤) هذا، أو كان يجوز لهم عند ذلك؟

قال: لا.

قال: فما الّذي يجب على سفرائك، أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة(٥) تدلّهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدّقوهم(٦) ؟

قال: بلى.

قال: يا عبد الله، أرأيت سفيرك لو أنّه [لـمّـا](٧) سمع منهم [هذا](٨) عاد إليك وقال لك: قم معي، فإنّهم اقترحوا عليّ مجيئك معي. أليس(٩) يكون لك أن تقول(١٠) : إنّما أنت رسول لا مشير ولا(١١) آمر؟

قال: بلى.

قال: فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوّغ لأكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم، وكيف أردت من رسول ربّ العالمين أن يستندم إلى ربّه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل هذا [على](١٢) رسولك إلى أكرتك وقوّامك؟ هذه حجّة قاطعة لإبطال [جميع](١٣) ما ذكرته في كلّ ما اقترحته، يا عبد الله.

__________________

(١) كذا في المصدر: وفي النسخ: أكارتك.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: لا تصدّق.

(٣) كذا في المصدر: وفي النسخ: تأتونا.

(٤) كذا في المصدر: وفي النسخ: توسعهم.

(٥) كذا في المصدر: وفي النسخ: هنا زيادة: وكان يجوز لهم عند ذلك.

(٦) كذا في المصدر: وفي النسخ: يصدّقهم

(٧ و ٨) من المصدر.

(٩) كذا في المصدر: وفي النسخ: «أن» بدل «أليس».

(١٠) المصدر: «أليس يكون هذا لك مخالفا وتقول له». أليس يكون تقول.

(١١) كذا في المصدر: وفي النسخ: «مبشرو» بدل «لا مشير ولا».

(١٢ و ١٣) من المصدر.


وأمّا قولك:( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) . وهو الذّهب، أما بلغك أنّ لعظيم مصر(١) بيوتا من زخرف؟

قال: بلى.

قال: أفصار(٢) بذلك نبيّا؟

قال: لا.

قال: فكذلك لا يوجب لمحمّد نبوّة لو كان له بيوت(٣) ، ومحمّد لا يغتنم(٤) جهلك بحجج الله.

وأمّا قولك، يا عبد الله: أو ترقى في السماء ثمّ قلت: ولن نؤمن برقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. يا عبد الله، الصّعود إلى السّماء أصعب من النّزول عنها(٥) ، وإذا اعترفت على نفسك أنّك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النّزول.

ثمّ(٦) قلت:( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) من بعد ذلك، ثمّ لا أدري أؤمن بك [أو لا أؤمن](٧) . فإنّك، يا عبد الله، مقرّ أنّك معاند(٨) حجّة الله عليك، فلا دواء لك إلّا تأديبه لك(٩) على يد أوليائه من البشر(١٠) أو ملائكته الزّبانية، وقد أنزل الله(١١) عليّ حكمة [بالغة](١٢) جامعة لبطلان كلّما اقترحته، فقال ـ تعالى ـ:( قُلْ ) يا محمّد( سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ) ما أبعد ربّي [عن](١٣) أن يفعل الأشياء على ما يقترحه(١٤) الجهّال ممّا يجوز وممّا(١٥) لا يجوز! و( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ) لا يلزمني إلّا إقامة حجّة الله الّتي أعطاني، فليس(١٦) لي أن آمر على ربّي ولا أنهى ولا أشير، فأكون كالرّسول

__________________

(١) كذا في المصدر: وفي النسخ: أما بلغك أن تطعم معه.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: أتصار.

(٣) كذا في المصدر: وفي النسخ بدل العبارة الأخيرة: فكذلك لا توجب لمحمّد لو كانت له نبوّة.

(٤) المصدر: لا يغنم.

(٥) كذا في المصدر: وفي النسخ: هاهنا.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: نعم

(٧) ليس في ب.

(٨) المصدر: تعاند.

(٩) كذا في المصدر: وفي النسخ: إلّا بتأديبه.

(١٠) كذا في المصدر: وفي النسخ: أوليائه البشير.

(١١) ليس في المصدر.

(١٢ و ١٣) من المصدر.

(١٤) كذا في المصدر: وفي النسخ: يقترح.

(١٥) كذا في المصدر: وفي النسخ: «بما» بدل «ممّا يجوز وممّا».

(١٦) المصدر: وليس.


الّذي بعثه ملك إلى قوم [من](١) مخالفيه، فرجع إليه يأمره(٢) أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) : قوله:( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) . فإنّها نزلت في عبد الله بن أبي أميّة، أخي أمّ سلمة ـ رحمة الله عليها ـ.

وذلك أنّه قال هذا لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بمكّة قبل الهجرة.

فلمّا خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى فتح مكّة استقبله عبد الله بن أبي أميّة، فسلم على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فلم يردّ عليه السّلام، فأعرض عنه ولم يجبه بشيء، وكانت أخته، أمّ سلمة مع رسول الله فدخل إليها، فقال: يا أختي، إنّ رسول الله قد قبل إسلام النّاس كلّهم وردّ عليّ إسلامي، فليس يقبلني، كما قبل غيري.

فلمّا دخل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ [إلى أمّ سلمة](٤) قالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، سعد بك جميع النّاس إلّا أخي من بين قريش والعرب، رددت إسلامه وقبلت إسلام النّاس كلّهم.

فقال رسول الله: يا أمّ سلمة، إنّ أخاك كذّبني تكذيبا لم يكذّبني أحد من النّاس، هو الّذي قال لي:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) (الآيات) إلى قوله:( نَقْرَؤُهُ ) .

قالت أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ألم تقل إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله؟

قال: نعم. فقبل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إسلامه.

وفي رواية أبي الجارود(٥) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ) ، أي: عينا.( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ) ، أي: بستان.

( مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ) من تلك العيون.

__________________

(١) من المصدر.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: فرجع بأمره.

(٣) تفسير القمّي ٢ / ٢٦.

(٤) من المصدر.

(٥) نفس المصدر / ٢٧.


( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ) وذلك أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال: إنّه سيسقط من السّماء [كسفا](١) ، لقوله(٢) :( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ) (٣) .

( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) والقبيل: الكثير.( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) ، أي: المزخرف بالذّهب( أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) يقول: من الله إلى عبد الله بن أبي أميّة، إنّ محمّدا صادق، وإنّي أنا بعثته. ويجيء معه أربعة من الملائكة يشهدون أنّ الله هو كتبه، فأنزل الله ـ سبحانه ـ:( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ) .

( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ) ، أي: وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحقّ.

( إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً ) (٩٤): إلّا قولهم هذا، والمعنى: لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ والقرآن إلّا إنكارهم أن يرسل الله بشرا.

( قُلْ ) : جوابا لشبهتهم.

( لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ ) ، كما يمشي بنو آدم.

( مُطْمَئِنِّينَ ) : ساكنين فيها.

( لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ) (٩٥): لتمكّنهم من الاجتماع به والتّلقّي منه، وأمّا الإنس فعامّتهم عماة عن إدراك الملك أو التّلقّف منه، فإنّ ذلك مشروط بنوع من التّناسب والتّجانس.

و «ملكا» يحتمل أن يكون حالا من «رسولا»، وأن يكون موصوفا به، وكذلك «بشرا» والأوّل أوفق(٤) .

( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) : على أنّي رسول الله إليكم بإظهاره

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الطّور / ٤٤.

(٣) في المصدر زيادة: وقوله.

(٤) قوله: «والأوّل أوفق» لأنّ الإنكار في قوله:( أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً ) يتوجّه إلى بشريّة الرّسول لا إلى الرسالة، فالمناسب أن يكون «بشرا» قيدا حتّى يتوجّه الإنكار إليه، كما هو المشهور من أنّ النفي يتوجّه إلى القيد وهذا يناسب أن يكون «بشرا» حالا حتّى يكون قيدّا.


المعجزة على وفق دعواي، وعلى أنّي بلّغت ما أرسلت به إليكم وأنّكم عاندتم.

و «شهيدا» نصب على الحال، أو التّمييز.

( إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) (٩٦): يعلم أحوالهم الباطنة منها والظّاهرة، فيجازيهم عليه. وفيه تسلية للرّسول، وتهديد للكفّار.

وفي تفسير العيّاشي(١) : عن عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ( قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً ) قالوا: إنّ الجنّ كانوا في الأرض قبلنا فبعث الله إليهم ملكا، فلو أراد(٢) الله أن يبعث إلينا لبعث(٣) ملكا من الملائكة، وهو قول الله:( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ) (الآية).

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٤) : قوله:( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ) (الآية) قال: قال الكفّار: لم لم يبعث الله إلينا الملائكة؟ فقال الله: لو بعثنا ملكا ولم يؤمنوا لهلكوا(٥) .

ولو كانت الملائكة في الأرض( يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ) .

فإنّه حدّثني أبي، عن أحمد بن النّضر، عن عمرو بن شمر، [عن جابر ،](٦) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: بينما رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالس(٧) وعنده جبرئيل(٨) إذ حانت من جبرئيل نظرة قبل السّماء، فامتقع لونه(٩) حتّى صار كأنّه كركمة(١٠) ، ثمّ لاذ برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ. [فنظر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ](١١) إلى حيث نظر جبرئيل فإذا شيء قد ملأ ما بين الخافقين مقبلا، حتّى كان كقاب قوسين(١٢) من الأرض.

ثمّ قال: يا محمّد، إنّي رسول الله إليك أخيّرك أن تكون ملكا رسولا أحبّ إليك أو تكون عبدا رسولا.

فالتفت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى جبرئيل، وقد رجع إليه لونه، فقال

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ / ١٣٧، ح ١٦٧.

(٢) كذا في المصدر: وفي النسخ: «فأراد» بدل «فلو أراد»

(٣) في المصدر زيادة: الله.

(٤) تفسير القمّي ٢ / ٢٨ و ٢٧.

(٥) المصدر: لو بعثنا ملكا ولما آمنوا ولهلكوا.

(٦) ليس في أ، ب، ر

(٧ و ٨) ليس في ب.

(٩) امتقع لونه: تغيّر من حزن أو فزع. (١٠) الكركمة: الزّعفران.

(١١) من المصدر. (١٢) ليس في أ، ب، ر، المصدر.


جبرئيل: [بل](١) كن عبدا رسولا.

فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: بل أكون عبدا رسولا.

فرفع الملك رجله اليمنى فوضعها في كبد السّماء الدّنيا، ثمّ رفع الأخرى فوضعها في الثّانية، ثمّ رفع اليمنى فوضعها في الثّالثة، ثمّ هكذا حتى انتهى إلى السّابعة، كلّ سماء خطوة، وكلّما ارتفع صغر حتّى صار آخر ذلك مثل الصّرّ(٢) .

فالتفت رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ إلى جبرئيل فقال: لقد رأيتك ذعرا [ما رأيت مثله](٣) ، وما رأيت شيئا أذعر لي من تغيّر لونك! فقال: يا نبيّ الله، لا تلمني، أتدري من هذا؟

قال: لا.

قال: هذا إسرافيل حاجب الرّبّ، ولم ينزل من مكانه منذ خلق الله السّماوات والأرض. فلمّا رأيته منحطّا ظنّنت أنّه جاء بقيام السّاعة، فكان الّذي رأيته من تغيّر لوني لذلك، فلمّا رأيت ما اصطفاك الله به رجع إليّ لوني ونفسي. أما رأيته كلّما ارتفع صغر؟ إنّه ليس شيء يدنو من الرّبّ إلّا صغر(٤) لعظمته. إنّ هذا حاجب الرّبّ وأقرب خلق الله منه واللّوح بين عينيه من ياقوتة حمراء، فإذا تكلّم الرّبّ ـ تبارك وتعالى ـ بالوحي ضرب اللّوح جبينه فنظر فيه، ثمّ ألقاه(٥) إلينا فنسعى به في السّماوات والأرض. إنّه لأدنى خلق الرّحمن منه بينه وبينه سبعون حجابا من نور ينقطع دونها الأبصار ما لا يعدّ ولا يوصف، وأنا لأقرب الخلق منه بيني وبينه [مسيرة ألف عام](٦) .

( وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ ) : يهدونهم.

( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) : يسحبون عليها، أو يمشون بها.

وفي مجمع البيان(٧) : عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّ رجلا قال: يا نبيّ الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟

__________________

(١) من المصدر.

(٢) الصّرّ ـ بالكسر ـ: طائر كالعصفور، أصفر.

(٣) ليس في المصدر.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: يصغر.

(٥) المصدر: يلقيه.

(٦) من المصدر.

(٧) المجمع ٣ / ٤٤٢.


قال: إنّ الّذي أمشاه على رجليه [في الدّنيا](١) قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن إبراهيم، [رفعه إلى أحدهما ـ عليهما السّلام ـ](٣) في قول الله:( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) قال: على جباههم.

( عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) : لا يبصرون ما يقرّ أعينهم، ولا يسمعون ما يلذّ مسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم، لأنّهم [في دنياهم](٤) لم يستبصروا بالآيات والعبر، وتصامّوا عن استماع الحقّ، وأبوا أن ينطقوا بالصّدق.

ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النّار مؤوفي القوى والحواسّ.

( مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ) : سكن لهبها، بأن أكلت جلودهم ولحومهم.

( زِدْناهُمْ سَعِيراً ) (٩٧): توقّدا، بأن تبدّل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة بهم، كأنّهم لـمّـا كذّبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء، وإليه أشار بقوله:( ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) (٩٨): لأنّ الإشارة إلى ما تقدّم من عذابهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : وقوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) .

قال: على جباههم.

و( مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ) ، أي: كلّما انطفت.

فإنّه حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، يرفعه إلى عليّ بن الحسين ـ صلوات الله عليهما ـ قال: إنّ في جهنّم واديا يقال له: سعير، إذا خبت جهنّم فتح سعيرها، و [هو](٦) قوله:( كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ) ، أي: كلّما انطفت.

وفي كتاب علل الشّرائع(٧) ، بإسناده إلى عليّ بن سليمان بن راشد، بإسناده رفعه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ قال: تحشر المرجئة عميانا إمامهم أعمى، فيقول بعض من

__________________

(١) من المصدر.

(٢) تفسير القمّي ٢ / ٣١٨.

(٣) يوجد في ب.

(٤) ليس في ب.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢٩.

(٦) من المصدر.

(٧) العلل / ٦٠٢، ح ٦١.


يراهم من غير أمّتنا: ما يكون(١) أمّة محمّد [إلّا](٢) عميانا. فأقول لهم: ليسوا من أمّة محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ لأنّهم بدّلوا فبدّل [ما](٣) بهم، وغيّروا فغيّر ما بهم.

وفي كتاب المناقب(٤) لابن شهر آشوب: أبو ذرّ في خبر، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ: يا أبا ذر، يؤتى بجاحد عليّ يوم القيامة أعمى أبكم يتكبكب في ظلمات يوم القيامة، ينادي:( يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ ) .(٥) وفي عنقه طوق من نار.

( أَوَلَمْ يَرَوْا ) : أولم يعلموا.

( أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) : فإنّهم ليسوا أشدّ خلقا منهنّ، ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء.

( وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ ) : هو الموت، أو القيامة.

( فَأَبَى الظَّالِمُونَ ) : مع وضوح الحقّ( إِلَّا كُفُوراً ) (٩٩): إلّا جحودا.

( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ) : خزائن رزقه وسائر نعمه.

و «أنتم» مرفوع بفعل يفسّره ما بعده، كقول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

وفائدة هذا الحذف والتّفسير المبالغة مع الإيجاز، والدّلالة على الاختصاص(٦) .

( إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ) : لبخلتم مخافة النّفاد بالإنفاق [إذ لا أحد إلّا](٧) ويختار النّفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء، فإنّما يؤثره لعوض يفوقه، فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله وكرمه، هذا وأنّ البخلاء أغلب فيهم.

( وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ) (١٠٠): بخيلا، لأنّ بناء أمره على الحاجة والضّنّة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذل.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٨) : في هذه الآية قال: لو كانت الأمور(٩) بيد النّاس لما أعطوا النّاس شيئا مخافة الفقر(١٠) .( وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ) أي: بخيلا.

__________________

(١) أ، ب: أيكون.

(٢ و ٣) من المصدر.

(٤) عنه في نور الثقلين ٣ / ٢٢٨، ح ٤٥٤.

(٥) الزمّر / ٥٦.

(٦) يعني: لو أنتم تملكون خزائن رحمة الرّبّ لمنعتم الصرف منها ولأمسكتموها خشية الإنفاق بخلاف ما لو كان مالكها غيركم، وهو الله ـ تعالى ـ.

(٧) ليس في أ، ب.

(٨) تفسير القمّي ٢ / ٢٩.

(٩) المصدر: الأموال.

(١٠) المصدر: النفاد.


( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) : وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : قوله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) قال: الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع والدّم والحجر والعصا ويده والبحر.

وفي تفسير العيّاشي(٢) : عن سلام، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في هذه الآية، مثله.

وفي قرب الإسناد(٣) ، بإسناده إلى موسى بن جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألني نفر من اليهود عن الآيات التّسع الّتي أوتيها موسى بن عمران ـ عليه السّلام ـ.

فقلت: العصا، وإخراجه يده من(٤) جيبه بيضاء، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدّم، ورفع الطّور، والمنّ والسّلوى آية واحدة، وفلق البحر.

قالوا: صدقت.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الخصال(٥) : عن هارون بن حمزة الغنويّ الصّيرفيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن التّسع آيات(٦) الّتي أوتي موسى.

فقال: الجراد والقمّل والضّفادع والدّم والطّوفان والبحر والحجر والعصا ويده.

وفي الكافي(٧) : عليّ بن محمّد، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن عليّ بن سليمان، عن محمّد بن عمران، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قدم على عليّ أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يهوديّ من أهل يثرب قد أقرّ له(٨) في يثرب [من اليهود](٩) أنّه أعلمهم، وكذلك كانت آباؤه(١٠) من قبل.

قال: وقدم على أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ في عدّة من أهل بيته، فلمّا انتهوا(١١) إلى المسجد الأعظم بالكوفة، أناخوا رواحلهم، ثمّ وقفوا على باب المسجد وأرسلوا إلى

__________________

(١) نفس المصدر والموضع.

(٢) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٨، ح ١٧٠.

(٣) قرب الإسناد / ١٣٢.

(٤) المصدر: في.

(٥) الخصال ٢ / ٤٢٣، ح ٢٤.

(٦) المصدر: الآيات.

(٧) الكافي ٤ / ١٨١، ح ٧.

(٨) كذا في المصدر. وفي النسخ: «اتّفق» بدل «أقرّ له».

(٩) ليس في أ، ب.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: أباه.

(١١) كذا في المصدر. وفي النسخ: انتهى.


أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ: إنّا قوم من اليهود قدمنا من الحجاز ولنا إليك حاجة، فهل تخرج إلينا أم ندخل إليك؟

قال: فخرج إليهم وهو يقول: سيدخلون ويستأنفون(١) باليمين، فما حاجتكم؟

فقال أعظمهم(٢) : يا ابن أبي طالب، ما هذه البدعة الّتي أحدثت في دين محمّد ـ صلّى الله عليه وآله ـ؟

فقال: أيّة بدعة(٣) ؟

فقال له اليهوديّ: زعم قوم من أهل الحجاز، أنّك عمدت إلى قوم شهدوا أن لا إله إلّا الله، ولم يقرّوا أنّ محمّدا رسول الله فقتلتهم بالدّخان.

فقال له أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ: فنشدتك بالتّسع آيات(٤) الّتي أنزلت على موسى بطور سيناء وبحقّ الكنائس الخمس القدس وبحقّ السّمت الديّان(٥) ، هل تعلم أنّ يوشع بن نون أتى بقوم بعد وفاة موسى شهدوا أن لا إله إلّا الله، ولم يقرّوا أنّ موسى رسول الله فقتلهم بمثل هذه القتلة؟

فقال له اليهوديّ: نعم، أشهد أنّك ناموس موسى ـ عليه السّلام ـ.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي مجمع البيان(٦) :( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) اختلف في هذه الآيات التّسع.

... إلى قوله: وقيل: إنّها تسع آيات في الأحكام(٧) ، روى عبد الله بن سلمة، عن عنوان(٨) بن عسّال، أنّ يهوديّا قال لصاحبه: تعال حتّى نسأل هذا النّبيّ.

فأتى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فسأله عن هذه الآية.

فقال: هو أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: يستاهون.

(٢) المصدر: عظيمهم.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: قال: وأيّ بدعة.

(٤) المصدر: الآيات.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: الديار. والديان: الحاكم، القاضي.

(٦) المجمع ٣ / ٤٤٤.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: إنها تسع من الأحكام.

(٨) المصدر: صفوان.


حرم الله إلّا بالحقّ، ولا تمشوا بالبريء(١) إلى سلطان ليقتله(٢) ، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تولّوا للفرار(٣) يوم الزّحف، وعليكم خاصّة، يا يهود، أن لا تعتدوا في السّبت.

فقبّل يده وقال(٤) : أشهد أنّك نبيّ(٥) .

( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ ) : فقلنا له، أي: لموسى: سلهم من فرعون ليرسلهم معك.

أو سلهم عن حال دينهم، ويؤيّده قراءة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: «فسأل» على لفظ الماضي(٦) بغير همزة، وهو لغة قريش. و «إذ» متعلّق «بقلنا»، أو «سأل» على هذه القراءة.

أو فاسأل، يا محمّد، بني إسرائيل عمّا جرى بين موسى وفرعون «إذ جاءهم».

أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك، أو لتسلّي نفسك، أو لتعلم أنّه ـ تعالى ـ لو أتى بما اقترحوا لأصرّوا على العناد والمكابرة، كمن قبلهم، أو ليزداد يقينك لأنّ تظاهر الأدلّة يوجب قوّة اليقين وطمأنينة القلب، وعلى هذا كان نصب «إذ» «بآتينا»، أو بإضمار «يخبروك» على أنّ جواب الأمر، أو بإضمار «اذكر» على الاستئناف(٧) ( فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ) (١٠١): سحرت، فتخبّط عقلك.

( قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ) : يا فرعون.

وقرأ(٨) الكسائي، بالضّمّ، على إخباره عن نفسه.

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: بالشيء.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: ليقتل.

(٣) المصدر: الفرار.

(٤) ليس في أ، ب، ر.

(٥) يوجد في ج، / هنا زيادة مربوطة بتفسير اوّل الآية الآتية نقلا عن المجمع. وسنثبتها في محلّها.

(٦) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٥٩٩. وفي النسخ هنا: زيادة «بني إسرائيل».

(٧) قوله: «وعلى هذا كان». أي: على أن يكون المراد: سل، يا محمد، بني إسرائيل الخ، كان «إذ» منصوبا «بآتينا الخ، إذ لا يمكن جعله متعلّقا بقوله:( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) إذ لا معنى لأن يقال: سل، يا محمّد، في «إذ جاءهم»، أي: في زمان مجيء الآيات إيّاهم.

(٨) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٩.


[وروي(١) أنّ عليّا ـ عليه السّلام ـ قال في( عَلِمْتَ ) : والله، ما علم عدوّ الله، ولكنّ موسى هو الّذي علم](٢) .

( ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ ) ، يعني: الآيات.

( إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ) : بيّنات تبصّرك صدقي(٣) ، ولكنّك تعاند.

وانتصابه على الحال.

( وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) (١٠٢): مصروفا عن الخير مطبوعا على الشّرّ(٤) ، من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي: ما صرفك؟

أو هالكا قارع ظنّه بظنّه، وشتّان ما بين الظّنّين فإنّ ظنّه كذب بحت وظنّ موسى ـ عليه السّلام ـ يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته.

وقرئ: «وإن لأخالك يا فرعون لمثبورا» على «إن» المخفّفة و «الّلام» هي الفارقة.

وفي تفسير العيّاشي(٥) : عن العبّاس [بن معروف](٦) ، عن أبي الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ ذكر قول الله:( يا فِرْعَوْنُ ) يا عاصي.

( فَأَرادَ ) : فرعون.

( أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ ) : أن يستخفّ موسى وقومه، وينفيهم( مِنَ الْأَرْضِ ) أرض مصر أو الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال.

( فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ) (١٠٣): فعكسنا عليه مكره، فاستفززناه وقومه بالإغراق.

( وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ ) : من بعد فرعون وإغراقه.( لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ ) : الّتي أراد أن يستفزّكم منها.

( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) : الكرّة، أو الحياة، أو السّاعة، أو الدّار الآخرة، يعني قيام القيامة.

__________________

(١) مجمع البيان ٣ / ٤٤٤.

(٢) ليس في ج.

(٣) ليس في أ، ب، ر.

(٤) ب: السوء.

(٥) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٨، ح ١٧١.

(٦) من المصدر.


( جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) (١٠٤): مختلطين إيّاكم وإيّاهم، ثمّ نحكم بينكم ونميّز سعداءكم من أشقيائكم.

و «اللّفيف» الجماعات من قبائل شتّى.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) : أراد أن يخرجهم من الأرض، وقد علم فرعون وقومه ما أنزل تلك الآيات إلّا الله ـ عزّ وجلّ ـ.

وفي رواية [عليّ بن](٢) إبراهيم(٣) :( فَأَرادَ ) ، يعني: فرعون.( أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) أن يخرجهم من مصر(٤) .( فَأَغْرَقْناهُ ـ إلى قوله ـبِكُمْ لَفِيفاً ) ، أي: من كلّ ناحية.

وفيه(٥) قبل قوله: «[وفي رواية](٦) عليّ بن إبراهيم» متّصل بقوله: «عزّ وجلّ» وقوله:( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) يقول: جميعا.

( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) ، أي: وما أنزلنا القرآن إلّا متلبّسا(٧) (٨) بالحقّ المقتضي لإنزاله وما نزل إلّا متلبّسا بالحقّ الّذي اشتمل عليه.

وقيل(٩) : وما أنزلناه من السّماء إلّا محفوظا بالرّصد من الملائكة، وما نزل على الرّسول إلّا محفوظا بهم من تخليط الشّياطين. ولعلّه أراد به نفي اعتراء البطلان(١٠) له أوّل الأمر وآخره.

( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ) : للمطيع بالثواب.( وَنَذِيراً ) (١٠٥): للعاصي من العقاب، فلا عليك إلّا التّبشير والإنذار.

( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ ) : نزّلناه مفرّقا منجّما.

وقيل(١١) : فرقنا فيه الحقّ من الباطل، فحذف الجارّ، كما في قوله: ويوما

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٢٩.

(٢) ليس في ب.

(٣) نفس المصدر والموضع.

(٤) في ب زيادة: وقد علم.

(٥) نفس المصدر والموضع.

(٦) ليس في ب.

(٧) ليس في أ، ب.

(٨) أ، ر: ملتبسا.

(٩) أنوار التنزيل ١ / ٥٩٩ ـ ٦٠٠.

(١٠) كذا في المصدر. وفي النسخ: الشياطين.

(١١) نفس المصدر / ٦٠٠.


شهدناه.

وفي مجمع البيان(١) : عن عليّ ـ عليه السّلام ـ( فَرَقْناهُ ) بالتّشديد.

( لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ) : مهل وتؤدة، فإنّه أيسر للحفظ وأعون في الفهم.

وقرئ(٢) ، بالفتح، وهو لغة.

( وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ) (١٠٦): على حسب الحوادث.

( قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا ) : فإنّ إيمانكم بالقرآن(٣) لا يزيده كمالا، وامتناعكم عنه لا يورثه نقصا(٤) ، وقوله:( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ) تعليل له، أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم، وهو العلماء، الّذين قرأوا الكتب السّابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النّبوّة وتمكّنوا من الميز بين المحقّ والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب.

ويجوز أن يكون تعليلا «لقل» على سبيل التّسلية، كأنّه قيل: تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٥) : يعني: من أهل الكتاب الّذين آمنوا برسول الله.

( إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ) ، أي: القرآن.

( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) (١٠٧): يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ على فترة من الرّسل وإنزال القرآن عليه.

وفي الكافي(٦) : عليّ بن محمّد، بإسناده قال: سئل أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ عمّن بجبهته علّة لا يقدر على السّجود عليها.

قال: يضع ذقنه على الأرض، إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقول:( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) .

__________________

(١) المجمع ٣ / ٤٤٥.

(٢) أنوار التنزيل ١ / ٦٠٠.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) ر، ج: نقصانه.

(٥) تفسير القمّي ٢ / ٢٩.

(٦) الكافي ٣ / ٣٣٤، ح ٦.


وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(١) : حدّثني أبي، عن أبي الصّباح(٢) ، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قلت له: رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع أن يسجد عليها.

قال: يسجد ما بين طرف شعره، فإن لم يقدر سجد على حاجبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى حاجبه الأيسر، فإن لم يقدر فعلى ذقنه.

قلت: فعلى ذقنه؟

قال: [نعم ،](٣) أما تقرأ كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ:( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) .

( وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ) : عن خلف الوعد.

( إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ) (١٠٨): إنّه كان وعده كائنا لا محالة.

( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ ) : كرّره لاختلاف الحال والسّبب، فإنّ الأوّل(٤) للشّكر عند إنجاز الوعد، والثّاني لما أثّر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله.

وذكر الذّقن، لأنّه أوّل ما يلقي الأرض من وجه السّاجد.

( وَيَزِيدُهُمْ ) : سماع القرآن( خُشُوعاً ) (١٠٩)، كما يزيدهم علما ويقينا بالله.

( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ )

نزل حين سمع المشركون رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول: يا الله، يا رحمن. فقالوا: إنّه ينهانا(٥) أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر.

أو قالت اليهود: إنّك لتقلّ ذكر الرّحمن وقد أكثره الله في التّوراة.

فالمراد على الأوّل هو التّسوية بين اللّفظين، بأنّهما يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار إطلاقهما، والتّوحيد إنّما هو للذّات الّذي هو المعبود المطلق(٦) . وعلى

__________________

(١) تفسير القمّي ٢ / ٣٠.

(٢) المصدر: الصباح.

(٣) من المصدر.

(٤) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٦٠٠. وفي النسخ هنا زيادة: كونهم باكين.

(٥) كذا في أنوار التنزيل ١ / ٦٠٠. وفي النسخ: نهانا.

(٦) كذا في نفس المصدر والموضع. وفي النسخ: هو المقصود المعبود.


الثّاني أنّهما سيّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجود(١) لقوله:( أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) .

والدّعاء في الآية بمعنى: التّسمية. وهو يتعدّى إلى مفعولين حذف أوّلهما استغناء عنه، و «أو» للتّخيير، والتّنوين في «أيّا» عوض عن المضاف إليه، و «ما» صلة لتأكيد ما في «أيّا» من الإبهام، والضّمير في «له» للمسمّى، لأنّ التّسمية له لا للاسم، وكان أصل الكلام: أيّا ما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه «فله الأسماء الحسنى» للمبالغة والدّلالة على ما هو الدّليل عليه، وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام.

وفي أصول الكافي(٢) : عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ خلق اسما(٣) بالحروف غير مصوّت(٤) ، وباللّفظ غير منطق، وبالشّخص غير مجسّد، وبالتّشبيه غير موصوف، وباللّون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار، مبعّد عنه الحدود محجوب عنه حسّ(٥) كلّ متوهّم، مستتر غير مستور، فجعله(٦) كلمة تامّة على أربعة أجزاء معا، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها، وحجب منها واحدا وهو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء الّتي ظهرت، فالظّاهر هو الله ـ تبارك وتعالى ـ.

وسخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركنا، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها، فهو الرّحمن، الرّحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السّميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السّلام، المؤمن، المهيمن، البارئ(٧) ، المنشئ، البديع، الرّفيع، الجليل، الكريم، الرّازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث. فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتمّ ثلاثمائة وستّين اسما فهي نسبة لهذه الأسماء الثّلاثة، وهذه

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: جواب.

(٢) الكافي ١ / ١١٢، ح ١.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أسماء.

(٤) المصدر: متصوّت.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: حسن.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: فجعل.

(٧) المصدر: [البادئ].


الأسماء الثّلاثة أركان وحجب الاسم الواحد(١) المكنون المخزونة بهذه الأسماء الثّلاثة(٢) ، وذلك قوله ـ تعالى ـ:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ: الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) .

أحمد بن إدريس(٣) ، عن الحسين بن عبد الله، عن محمّد بن عبد الله، وموسى بن عمر، والحسن(٤) بن عليّ بن عثمان، عن ابن سنان قال: سألت أبا الحسن الرّضا ـ عليه السّلام ـ: هل كان الله ـ عزّ وجلّ ـ عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟

قال: نعم.

قلت: يراها ويسمعها؟

قال: ما كان محتاجا إلى ذلك لأنّه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة، فليس يحتاج أن يسمّي نفسه ولكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها، لأنّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأوّل ما اختار لنفسه العليّ العظيم لأنّه أعلى الأشياء كلّها، فمعناه: الله، واسمه العلي العظيم، هو أوّل أسمائه علا على كلّ شيء.

محمد بن يحيى(٥) ، عن عبد الله بن جعفر، عن السّيّاريّ، عن محمّد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ أنّه قال: والّذي بعث محمّدا ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالحقّ نبيّا وأكرم أهل بيته، فإنّه ما من شيء تطلبونه من حرز، من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلّا وهو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه.

قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن السّرق فإنّه لا يزال قد يسرق لي(٦) الشّيء بعد الشّيء ليلا.

فقال له: اقرأ إذا آويت(٧) إلى فراشك:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ـ إلى قوله ـوَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) .

__________________

(١) ليس في أ، ب، ر.

(٢) في ب: زيادة «وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب الاسم الواحد المكنون»

(٣) نفس المصدر ١١٣، ح ٢.

(٤) كذا في المصدر. وفي النسخ: وموسى بن عمرو عن الحسن.

(٥) نفس المصدر ٢ / ٦٢٤، ح ٢١.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: إلّا.

(٧) ب: أتيت.


والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب التّوحيد(١) ، بإسناده إلى الحسين بن سعيد الخزّاز: عن رجاله، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: الله غاية من [غيّاه، والمغيي غير الغاية، توحّد بالرّبوبيّة ووصف نفسه بغير محدوديّة به، فالذّاكر الله غير الله، والله غير أسمائه، وكلّ شيء](٢) وقع عليه اسم شيء سواه فهو مخلوق، ألا ترى إلى قوله(٣) : العزة لله العظمة لله. وقال(٤) :( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ) . وقال:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) . فالأسماء مضافة إليه، وهو التّوحيد الخالص.

وفي من لا يحضره الفقيه(٥) ، في وصيّة النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لعليّ ـ عليه السّلام ـ: يا عليّ، أمان لأمّتي من السّرق( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا ) (إلى آخر السّورة).

( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) : بقراءة صلاتك حتّى تسمع المشركين، فإنّ ذلك يحملهم على السّبّ واللّغو فيها.

( وَلا تُخافِتْ بِها ) : حتّى لا يسمع من خلفك من المؤمنين.

( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ ) : بين الجهر والمخافتة.

( سَبِيلاً ) (١١٠): وسطا، فإنّ الاقتصاد في جميع الأمور محبوب.

وقيل(٦) : معناه: ولا تجهر بصلاتك [كلّها](٧) ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلا، بالإخفات، نهارا والجهر ليلا.

وفي تفسير العيّاشي(٨) : عن سليمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قول الله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (٩) قال: الجهر بها رفع الصّوت، والمخافتة ما لم تسمع أذناك، وما بين ذلك ما تسمع أذنيك.

__________________

(١) التوحيد / ٥٨.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) النساء / ١٣٩، ويونس / ٦٥.

(٤) الأعراف / ١٧٩.

(٥) الفقيه ٤ / ٢٦٨.

(٦) أنوار التنزيل ١ / ٦٠١.

(٧) من المصدر.

(٨) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٩، ح ١٧٧.

(٩) كذا في المصدر. وفي النسخ زيادة: وابتغ.


عن الحلبيّ(١) ، عن بعض أصحابنا عنه(٢) قال: قال أبو جعفر لأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ: [يا بنيّ ،](٣) عليك بالحسنة بين السّيّئتين تمحوهما.

قال: وكيف ذلك يا أبة؟

قال: مثل [قول الله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) لا تجهر بصوتك سيّئة، ولا تخافت بها سيّئة( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) حسنة.

عن أبي بصير(٤) ، عن أبي](٥) جعفر ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) قال: نسختها( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ](٦) .

[عن زرارة(٧) وحمران (ومحمّد بن مسلم)(٨) عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ (وأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ)(٩) في قوله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ]) (١٠) ( [وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) قال: كان رسول الله إذا كان بمكّة جهر بصوته فيعلم بمكانه المشركون وكانوا يؤذونه، فأنزلت هذه الآية عند ذلك](١١) .

وفي من لا يحضره الفقيه(١٢) : وسأل محمّد بن عمران أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ فقال: لأيّ علّة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الغداة، وسائر الصّلوات الظّهر والعصر لا يجهر فيهما؟

قال: لأنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ لـمّـا أسري به إلى السّماء، كان أوّل صلاة فرضها(١٣) الله عليه الظّهر يوم الجمعة، فأضاف الله ـ عزّ وجلّ ـ إليه الملائكة تصلّي خلفه، وأمر نبيّه ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يجهر بالقراءة ليبيّن لهم فضله. ثمّ فرض [الله](١٤) عليه العصر ولم يضف إليه أحدا من الملائكة، وأمره أن يخفي القراءة لأنّه لم يكن وراءه أحد.

__________________

(١) نفس المصدر، ح ١٧٩.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: عمّن. والضمير راجع إلى أبي بصير راوي الحديث السابق لهذا الحديث في المصدر.

(٣) ليس في أ، ب.

(٤) نفس المصدر / ٢٥٢، ح ٤٥.

(٥) من المصدر.

(٦) ليس في المصدر. والآية في الحجر / ٩٤.

(٧) نفس المصدر / ٣١٨ ـ ٣١٩، ح ١٧٥.

(٨) ليس في أ، ر.

(٩) من المصدر.

(١٠) ليس في ب. (١١) من المصدر. ولا يوجد في ب. وفي غيرها: «قال: نسختها فاصدع بما تؤمر» بدل ما بين المعقوفتين.

(١٢) الفقيه ١ / ٢٠٢، ح ٩٢٥. (١٣) المصدر: فرض.

(١٤) من المصدر.


ثمّ فرض عليه المغرب وأضاف إليه الملائكة، وأمره بالإجهار، وكذلك العشاء الآخرة.

فلمّا كان قرب الفجر نزل ففرض الله ـ عزّ وجلّ ـ عليه الفجر، فأمره بالإجهار ليبيّن للنّاس فضله، كما بيّن للملائكة، فلهذه العلّة يجهر فيها.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي قرب الإسناد(١) للحميريّ، بإسناده إلى عليّ بن جعفر: عن أخيه، موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ قال: سألته عن الرجل يصلّي الفريضة ما يجهر(٢) بالقراءة، هل عليه أن يجهر؟

قال: إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر.

وفي الكافي(٣) : محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) .

قال: المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديدا.

عليّ بن إبراهيم(٤) ، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرّحمن، عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أعلى الإمام أن يسمع من خلفه وإن كثروا؟

قال: ليقرأ قراءة وسطا، [يقول الله ـ تبارك وتعالى ـ :](٥) ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٦) : حدّثني أبي، عن الصّباح، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ في قوله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) قال: [الجهر بها رفع الصّوت، والتّخافت ما لم تسمع نفسك، واقرأ ما بين ذلك.

روي ـ أيضا ـ(٧) : عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ في قوله( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) قال :](٨) الإجهار أن ترفع صوتك حتّى تسمعه من بعد عنك وأن لا تسمع

__________________

(١) قرب الاسناد / ٩٤.

(٢) المصدر: ما يجهر فيه.

(٣) الكافي ٣ / ٣١٥، ح ٢١.

(٤) نفس المصدر / ٣١٧، ح ٢٧.

(٥) ليس في أ، ب، ر.

(٦) تفسير القمّي ٢ / ٣٠.

(٧) نفس المصدر والموضع.

(٨) ليس في ب.


من معك إلا يسيرا(١) .

وفي الاستبصار(٢) : روى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه، أو أخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه.

فقال: أيّ(٣) ذلك فعل متعمّدا فقد نقض صلاته وعليه الإعادة، وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدري فلا شيء عليه، وقد تمّت صلاته.

وفي تفسير العيّاشي(٤) : عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله ـ عليهما السّلام ـ في قوله ـ تعالى ـ(٥) :( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها ) (٦) .

وفيه(٧) : عن أبي حمزة الثّماليّ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) (الآية).

قال: تفسيرها، ولا تجهر بولاية عليّ ولا بما أكرمته به حتّى آمرك بذلك.( وَلا تُخافِتْ بِها ) ، يعني: لا تكتمها عليّا وأعلمه بما أكرمته [به](٨) .

عن جابر(٩) ، عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: سألته عن تفسير هذه الآية في قول الله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) .

قال: لا تجهر بولاية عليّ، فهو الصّلاة، ولا بما أكرمته به حتّى آمرك به، وذلك قوله:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) .

[وأمّا قوله :](١٠) ( وَلا تُخافِتْ بِها ) [فإنّه](١١) يقول: ولا تكتم ذلك عليّا، يقول، أعلمه بما(١٢) أكرمته به.

فأمّا قوله:( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) يقول: تسألني أن آذن لك(١٣) أن تجهر بأمر عليّ بولايته، فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خمّ، فهو قوله يومئذ: أللّهمّ، من كنت مولاه

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: من معك الاسراء.

(٢) الاستبصار ١ / ٣١٣، ح ١١٦٣.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: أيّما.

(٤) تفسير العيّاشي ٢ / ٣١٨: ح ١٧٥. وفيه ذيل للحديث وقد مرّ بتمامه آنفا.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: «يقولان» بدل «في قوله تعالى».

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: زيادة «بعضهم لبعض لكنه حالهم الّتي هم عليها».

(٧) نفس المصدر والمجلّد / ٣١٩، ح ١٧٨.

(٨) من المصدر.

(٩) نفس المصدر، ح ١٨٠.

(١٠ و ١١) من المصدر.

(١٢) المصدر: ما.

(١٣) المصدر: ذلك.


فعليٌّ مولاه، أللّهمّ، وال من والاه وعاد من عاداه.

( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) : في الألوهيّة.

( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ ) : وليّ يواليه من أجل مذلّة به ليدفعها بموالاته.

نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختيارا أو اضطرارا، أو ما يعاونه ويقوّيه(١) .

ورتّب الحمد(٢) عليه للدّلالة على أنّه الّذي يستحقّ جنس الحمد، لأنّه كامل الذّات، المتفرّد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه، ولذلك عطف عليه قوله:( وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) (١١١).

وفيه تنبيه على أنّ العبد وإن بالغ في التّنزيه والتّمجيد واجتهد في العبادة والتّحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقّه في ذلك.

وفي أصول الكافي(٣) : الحسين بن محمّد الأشعريّ، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن عليّ الوشّاء، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: أتى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجل، فقال: يا نبيّ الله، الغالب عليّ الدّين ووسوسة الصّدر.

فقال له ـ صلّى الله عليه وآله ـ: قل: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، والحمد لله الّذي لم يتّخذ(٤) ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذّل، وكبّره تكبيرا.

قال: فصبر الرّجل ما شاء الله، ثمّ مرّ على النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فهتف به، فقال: ما صنعت؟

فقال: أدمنت ما قلت لي، يا رسول الله، فقضى الله ديني وأذهب وسوسة صدري.

__________________

(١) قوله: «نفى عنه» فنفي الولد يدلّ على عدم الشّريك من الجنس اختيارا، ونفي الشّريك من الملك يدلّ على عدم الشّريك من غير الجنس اضطرارا، ونفي الولد نفي الولّي من الذّلّ يدلّ على عدم المعاون.

(٢) ليس في أ، ب.

(٣) الكافي ٢ / ٥٥٤ ـ ٥٥٥، ح ٢.

(٤) المصدر: لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا.


محمّد بن يحيى،(١) عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن ابن مسكان، عن الثّماليّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال: يا رسول الله، لقد لقيت [شدّة](٢) من وسوسة الصّدر وأنا رجل مدين معيل محوج.

فقال له: كرّر هذه الكمات: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، والحمد لله الّذي لم يتّخذ ولدا(٣) ، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذّل، وكبّره تكبيرا.

فلم يلبث أن جاء(٤) ، فقال: أذهب الله عنّي وسوسة(٥) صدري، وقضى عنّي ديني، ووسّع عليّ رزقي.

وفي روضة الكافي(٦) : عليّ بن إبراهيم، عن النّوفليّ، عن السّكونيّ، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: فقد النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ رجلا من الأنصار، فقال: ما غيّبك عنّا؟

فقال: الفقر، يا رسول الله، وطول السّقم.

فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ: ألا أعلّمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر والسّقم؟

فقال(٧) : بلى يا رسول الله.

فقال: إذ أصبحت وأمسيت فقل: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، والحمد لله الّذي لم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذّل، وكبّره تكبيرا.

فقال الرّجل: [فو الله ،](٨) ما قلته إلّا ثلاثة أيّام حتّى ذهب عنّي الفقر والسّقم.

وفي تفسير العيّاشي(٩) : عن عبد الله بن سنان قال: شكوت إلى أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ.

__________________

(١) نفس المصدر / ٥٥٥، ح ٣.

(٢) من المصدر.

(٣) المصدر: لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا.

(٤) المصدر: جاءه.

(٥) كذا في المصدر. وفي النسخ: بوسوسة.

(٦) نفس المصدر ٨ / ٩٣، ح ٦٥.

(٧) كذا في المصدر. وفي النسخ: فقلت.

(٨) ليس في ب.

(٩) تفسير العيّاشي ٢ / ٣٢٠، ح ١٨١.


فقال: ألا أعلّمك شيئا إذا قلته قضى الله دينك وأنعشك وأنعش حالك؟

فقلت: ما أحوجني إلى ذلك! فعلّمه(١) هذا الدّعاء: قل في دبر صلاة الفجر: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، والحمد لله الّذي لم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليّ من الذّلّ، وكبّره تكبيرا، أللّهمّ، إنّي أعوذ بك من البؤس والفقر ومن غلبة الدّين والسّقم، واسألك أن تعينني على أداء حقّك إليك وإلى النّاس.

وفي تهذيب الأحكام(٢) ، في الموثق: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: والرّجل إذا قرأ:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) . أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر](٣) .

قلت: فإن لم يقل الرّجل شيئا من هذا إذا قرأ؟

قال: ليس عليه شيء.

والحديث طويل أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب التّوحيد(٤) : خطبة لأمير المؤمنين ـ عليه السّلام ـ يقول فيها: الحمد لله الّذي [لا يموت ولا تنقضي عجائبه، لأنّه كلّ يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن، الّذي](٥) لم يولد فيكون في العزّ مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا.

وبإسناده(٦) إلى المفضّل عن عمر قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السّلام ـ يقول: الحمد لله الّذي لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك.

وبإسناده(٧) إلى يعقوب السّرّاج: عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ أنّه قال في حديث له: لم يلد لأن الولد يشبه أباه، ولم يولد فيشبه من كان قبله.

وبإسناده(٨) إلى حمّاد بن عمرو النّصيبيّ قال: سألت جعفر بن محمّد ـ عليه السّلام ـ عن التّوحيد.

فقال: واحد صمد، أزليّ صمديّ، لا ظلّ له يمسكه وهو يمسك الأشياء بأظلّتها، [عارف بالمجهول، معروف عند كلّ جاهل، فردانيّ لا خلقه فيه ولا هو في خلقه، غير

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: فعلم.

(٢) عنه في نور الثقلين ٣ / ٢٣٧، ح ٤٩٤.

(٣) ليس في ب.

(٤) التوحيد / ٣١.

(٥) من المصدر.

(٦) نفس المصدر / ٤٨، ح ١٢.

(٧) نفس المصدر / ١٠٣، ح ١٩.

(٨) نفس المصدر / ٥٧ ـ ٥٨، ح ١٥.


محسوس ولا مجسوس ولا تدركه الأبصار، علا فقرب، ودنا فبعد، وعصي فغفر، وأطيع فشكر، لا تحويه أرضه، ولا تقلّه سماواته، وإنّه حامل الأشياء بقدرته، ديموميّ، أزليّ، لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب، ولا لإرادته فصل، وفصله جزاء، وأمر واقع ،](١) ، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفوا أحد.

وبإسناده(٢) إلى ابن أبي عمير: عن موسى بن جعفر ـ عليهما السّلام ـ أنّه قال: واعلم أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ واحد أحد صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك.

وفي نهج البلاغة(٣) : لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا، جلّ عن اتّخاذ الأبناء.

وفي أصول الكافي(٤) : عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن العبّاس بن عمرو الفقيميّ(٥) ، عن هشام بن الحكم، في حديث الزّنديق الّذي أتى أبا عبد الله، وكان من قول أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: لا يخلو قولك: إنّهما اثنان، من أن يكونا قديمين قويّين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويّا والآخر ضعيفا.

فإن كان قويّين، فلم لا يدفع كلّ منهما صاحبه وينفرد بالتّدبير؟ وإن زعمت أنّ أحدهما قويّ والآخر ضعيف ثبت أنّه واحد، كما تقول للعجز الظّاهر في الثّاني.

فإن قلت: إنّهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة، أو مفترقين(٦) من كلّ جهة. فلمّا رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا والتّدبير واحدا واللّيل والنّهار والشّمس والقمر، دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد. ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة. فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا(٧) في الاثنين حتّى تكون بينهم فرجتان(٨) ، فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة.

والحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.

وفي كتاب الإهليلجة(٩) : قال الصّادق ـ عليه السّلام ـ في كلام طويل: فعرف

__________________

(١) من المصدر.

(٢) نفس المصدر / ٧٦، ح ٣٢.

(٣) النهج / ٢٧٣، الخطبة ١٨٦.

(٤) الكافي ١ / ٨٠ ـ ٨١، ح ٥.

(٥) أ، ب: الفقمي.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: متفرقين.

(٧) المصدر: قلت.

(٨) المصدر: فرجة.

(٩) بحار الأنوار ٣ / ١٦٧.


القلب بعقله أنّه لو كان معه شريك كان ضعيفا ناقصا، ولو كان ناقصا ما خلق الإنسان، ولا اختلفت التّدابر وانتقضت(١) الأمور مع النقص(٢) الّذي به يوصف الأرباب المتفرّدون والشّركاء المتعانتون(٣) .

وفي مصباح الزّائر(٤) لابن طاوس ـ رحمه الله ـ في دعاء الحسين ـ عليه السّلام ـ يوم عرفة: الحمد لله الّذي لم يتّخذ ولدا فيكون موروثا، ولم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع، ولا وليّ من الذّل ليرفده فيما صنع.

وفي كتاب طبّ الأئمّة(٥) ـ عليهم السّلام ـ بإسناده إلى جابر: عن أبي جعفر ـ عليه السّلام ـ قال: جاء رجل من خراسان إلى عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ فقال: يا ابن رسول الله، حجت ونويت عند خروجي أن أقصدك، فإنّ بي وجع الطّحال وأن تدعو لي(٦) بالفرج.

فقال له عليّ بن الحسين ـ عليه السّلام ـ: قد كفاك الله ذلك وله الحمد، فإذا أحسست به فاكتب هذه الآية بزعفران وماء زمزم واشربه، فإنّ الله ـ تعالى ـ يدفع عنك ذلك الوجع:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً، وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) .

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٧) :( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) . قال: لم يذلّ فيحتاج إلى وليّ ينصره.

وفي كتاب الخصال(٨) : عن جابر بن عبد الله، عن النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ حديث طويل، يقول فيه ـ صلّى الله عليه وآله ـ حاكيا عن الله ـ تبارك وتعالى ـ: وأعطيت

__________________

(١) كذا في المصدر. وفي النسخ: لانتقصت.

(٢) كذا في المصدر. وفي النسخ: التقصير.

(٣) كذا في المصدر. وفي النسخ: المتعاينون.

(٤) نور الثقلين ٣ / ٢٣٨ ـ ٢٣٩، ح ٥٠٣.

(٥) طبّ الأئمّة / ٢٩ ـ ٣٠.

(٦) كذا في المصدر. وفي النسخ: وأن تدعوني.

(٧) تفسير القمّي ٢ / ٣٠.

(٨) الخصال / ٤٢٦، ذيل ح ١.


لك ولأمّتك التّكبير.

وفي أصول الكافي(١) : عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ قال: قال رجل عنده: الله اكبر.

[فقال: الله أكبر من أيّ شيء؟

فقال :](٢) من كلّ شيء.

فقال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ حددّته.

فقال الرّجل: كيف أقول؟

قال: قل: الله أكبر من أن يوصف.

ورواه محمّد بن يحيى(٣) ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن مروك بن عبيد، عن جميع بن عمير(٤) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السّلام ـ: أيّ شيء الله أكبر؟

فقلت: الله أكبر من كلّ شيء.

فقال: وكان ثمّ(٥) شيء فيكون أكبر منه؟

فقلت: فما هو؟

[قال: أكبر من أن يوصف.

في كتاب من لا يحضره الفقيه(٦) ، بإسناده إلى سليمان بن مهران](٧) قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السّلام ـ: فكيف صار التّكبير يذهب بالضّغاط هناك(٨) ؟

قال لأنّ قول العبد: الله أكبر، معناه: الله أكبر من أن يكون مثل الأصنام المنحوتة والآلهة المعبودة.

وفي كتاب مقتل الحسين(٩) ـ عليه السّلام ـ لأبي مخنف: أنّ يزيد ـ لعنه الله ـ قال للمؤذّن: قم، يا مؤذّن، فأذّن.

فقال: الله أكبر، الله أكبر.

__________________

(١) الكافي ١ / ١١٧، ح ٨.

(٢) من المصدر.

(٣) نفس المصدر ١ / ١١٨، ح ٩

(٤) كذا في المصدر وجامع الرواة ١ / ١٦٥، وفي النسخ: عمر.

(٥) أي: هناك.

(٦) الفقيه ٢ / ١٥٤، ح ٦٦٨.

(٧) ليس في أ، ر.

(٨) الضّغاط: المزاحمة. وقوله: «هناك»، أي: عند باب بني شيبة في الحرم

(٩) عنه في نور الثقلين ٣ / ٢٤٠، ح ٥١١.


فقال له زين العابدين ـ عليه السّلام ـ: صدقت، الله أكبر من كلّ شيء.

وفي مجمع البيان(١) : وروي أنّ النّبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ كان يعلّم أهله هذه الآية وما قبلها عن ابن عبّاس ومجاهد وسعيد بن جبير.

__________________

(١) المجمع ٣ / ٤٤٦.


تفسير كنز الدّقائق وبحر الغرائب الجزء ٧

تفسير كنز الدّقائق وبحر الغرائب

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: الشيخ محمّد بن محمّد رضا القمّي المشهدي
المحقق: حسين درگاهى
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 532