زبدة التفاسير الجزء 2

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني
تفسير القرآن
ISBN: 964-7777-04-3


ملاحظة

هذا الكتاب

نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلميّة في الشبكة




(٤)

سورة النساء

مدنيّة كلّها. وقيل: مدنيّة إلّا قوله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) (١) الآية، وقوله:( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ) (٢) إلى آخرها، فإنّ الآيتين نزلتا بمكّة. وهي مائة وستّ وسبعون آية.

عن أبيّ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من قرأها فكأنّما تصدّق على كلّ من ورث ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محرّرا(٣) ، وبرىء من الشرك، وكان في مشيئة الله تعالى من الّذين يتجاوز عنهم».

وروى العيّاشي بإسناده عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: «من قرأها في كلّ جمعة أومن من ضغطة القبر»(٤) إذا أدخل في قبره.

واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم آل عمران بالتقوى افتتح هذه السورة به، إلّا أنّ هناك خصّ به المؤمنين، وعمّ هاهنا سائر المكلّفين، فقال :

__________________

(١، ٢) النساء: ٥٨ و١٢٧.

(٣) في هامش الخطّية: «أي: اشترى عبدا وحرّره. منه».

(٤) تفسير العيّاشي ١: ٢١٥ ح ١.


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) )

( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) فإنّه خطاب عامّ للمكلّفين من بني آدم. وقيل: النداء إنّما كان في سائر كتب الله السالفة بـ «يا أيّها المساكين» وأمّا في القرآن فما نزل بمكّة فالنداء بـ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) . وما نزل بالمدينة فمرّة بـ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ومرّة بـ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) .

( اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) أي: مخالفة ربّكم( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) أي: فرّعكم من أصل واحد، وهو نفس آدمعليه‌السلام .

( وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ) عطف على «خلقكم» أي: خلقكم من شخص واحد، وهو آدمعليه‌السلام ، وخلق منه زوجها ـ وهي أمّكم حوّاء ـ من ضلع من أضلاعه. أو على محذوف تقديره: من نفس واحدة أنشأها من تراب، وخلق منها زوجها، وإنّما حذف لدلالة المعنى عليه. وهو تقرير لخلقهم جميعا من نفس واحدة.

ورووا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «خلقت المرأة من ضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها».

( وَبَثَّ مِنْهُما ) ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها( رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) بنين وبنات كثيرة. وهذا بيان لكيفيّة تولّدهم منهما. واكتفى بوصف الرجال


بالكثرة عن وصف النساء بها، إذ الحكمة تقتضي أن يكون الرجال أكثر، إذ المقصود من إيجاد الموجودات حصول الكمالات لها، والرجال أكثر استعدادا في تحصيل تلك الكمالات. وذكر «كثيرا» حملا على الجمع لا على الجماعة.

وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصّة لـما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة الّتي من حقّها أن تخشى، والنعمة الظاهرة الّتي توجب طاعة موليها. ولأنّ المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتّصل بحقوق أهل منزله. وبنى جنسه على ما دلّت عليه الآيات الّتي بعدها.

( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ ) أي: يسال بعضكم بعضا فيقول: أسألك بالله.

وأصله: تتساءلون، فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها.( وَالْأَرْحامَ ) بالنصب عطف على محلّ الجارّ والمجرور، كقولك: مررت بزيد وعمرا، أي: يسأل بعضكم من بعض بالله وبالرحم ويقول: بالله والرحم افعل كذا، على سبيل الاستعطاف، وهذا من عادات العرب عند ذكر المسألة ليتعاطفوا بذكرهما.

وملخّص المعنى: أنّكم تتساءلون بذكر الله والرحم، فاتّقوا خالقكم الّذي تقرّون به، وتتناشدون به وبالأرحام، وعظّموه بطاعتكم إيّاه، كما تعظّمونه بأقوالكم. أو عطف على «الله» أي: اتّقوا الله واتّقوا الأرحام، فصلوها ولا تقطعوها. ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس وقتادة ومجاهد والضّحاك والربيع، ونقل عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّ معناه: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها.

وقرأ حمزة بالجرّ عطفا على الضمير المتّصل المجرور. وهو ضعيف، لأنّه كبعض الكلمة، فأشبه العطف على بعضها، فلم يجز، ووجب تكرير العامل، كقولك: مررت به وبزيد وعمرو.

ونبّه سبحانه إذ قرن الأرحام باسمه على أنّ صلتها بمكانة ومنزلة عظيمة


منه. وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الرحم معلّقة بالعرش تقول: ألا من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله».

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال الله تعالى: «أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتّه»(١) .

وعن ابن عبّاس: «الرحم معلّقة بالعرش، فإذا أتاها الواصل بشّت به وكلّمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه».

وروى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنينعليه‌السلام قال: «إنّ أحدكم ليغضب فما يرضى حتّى يدخل به النار، فأيّما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليمسّه، فإنّ الرحم إذا مسّتها الرحم استقرّت، وإنّها متعلّقة بالعرش وتنادي: أللّهمّ صل من وصلني، واقطع من قطعني».

( إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) حافظا مطّلعا على أحوالكم. وإنّما أتى بلفظة «كان» المفيدة للماضي لأنّه أراد أنّه كان حفيظا على ما تقدّم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وعالما بما صدر منهم، لم يعزب عنه من ذلك شيء.

( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) )

ولـمّا أمر الله تعالى بالتقوى وصلة الأرحام، عقّبه بباب آخر من التقوى، وهو توفير حقوق اليتامى، فقال:( وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ) بالإنفاق عليهم في حالة

__________________

(١) أي: قطعته، من: بتّ يبتّ أي: قطع.


الصغر، وتسليم أموالهم إليهم عند البلوغ وإيناس الرشد. هذا خطاب لأوصياء اليتامى.

واليتامى جمع يتيم، وهو الّذي مات أبوه، من اليتم، وهو الانفراد، ومنه الدرّة اليتيمة، إمّا على أنّه لـمّا أجري مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم، ثم قلب فقيل: يتامى، أو على أنّه جمع على يتمى كأسرى، لأنّه من باب الآفات والأوجاع، ثم جمع يتمى على يتامى، كأسرى وأسارى.

والاشتقاق يقتضي وقوعه على الصغار والكبار، لكن العرف خصّصه بمن لم يبلغ، ولأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا يتم بعد احتلام».

وقولهم للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يتيم أبي طالب بعد كبره توضيعا له، يعنون أنّه ربّاه حال صغره، كقوله تعالى:( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) (١) أي: الّذين كانوا سحرة.

( وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ) ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، فتأكلوه مكانه، أو الأمر الخبيث ـ وهو اقتطاع أموالهم ـ بالأمر الطيّب الّذي هو حفظها. والتفعّل بمعنى الاستفعال غير عزيز، ومنه التعجّل بمعنى الاستعجال. وما نقل عن السدّي في معناه: ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها، كجعل شاة مهزولة مكان سمينة، ليس بجيّد، لأنّه إنّما هو تبديل لا تبدّل.

( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ) ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، أي: لا تنفقوهما معا، ولا تسوّوا بين الحلال الّذي هو أموالكم والحرام الّذي هو أموالهم، قلّة مبالاة بالحرام، وتسوية بينه وبين الحلال. وهذا إنّما يكون فيما زاد على قدر أجره، لقوله تعالى:( فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) (٢) ( إِنَّهُ ) الضمير للأكل

__________________

(١) الأعراف: ١٢٠.

(٢) النساء: ٦.


( كانَ حُوباً كَبِيراً ) ذنبا عظيما.

وروي أن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلمّا بلغ طلب المال منه فمنعه، فنزلت هذه الآية، فلمّا سمعها العمّ قال: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير.

( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) )

روي أنّ الرجل إذا كان يجد يتيمة ذات مال وجمال فيتزوّجها ضنّا بها، فربّما يجتمع عنده منهنّ عدد يرتقي إلى عشر، ولا يقدر على القيام بحقوقهنّ، فنزلت:( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) من: قسط يقسط قسوطا، إذا جار. والهمزة في «أقسط» للسلب والإزالة، نحو: أشكيته، أي: أزلت شكايته. والمعنى: إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوّجتم بهنّ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) فتزوّجوا ما طاب لكم من غيرهنّ. وإنّما عبّر عنهنّ بـ «ما» ذهابا إلى الصفة، أو إجراء لهنّ مجرى غير العقلاء، لنقصان عقلهنّ. ونظيره:( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) .

وقيل: لـمّا عظّم أمر اليتامى تحرّجوا من ولايتهم، وما كانوا يتحرّجون من تكثير النساء وإضاعتهنّ، فأمرهم الله تعالى بأنّكم إن خفتم أن لا تعدلوا في حقوق اليتامى فتحرّجتم منها، فخافوا أيضا ألّا تعدلوا بين النساء، فانكحوا مقدارا يمكنكم الوفاء بحقّه، لأن المتحرّج من الذنب ينبغي أن يتحرّج من الذنوب كلّها.


وقيل: كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى، ولا يتحرّجون من الزنا، فقيل لهم: إن خفتم ألّا تعدلوا في أمر اليتامى فخافوا الزنا، فانكحوا ما طاب لكم من النساء.

( مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) معدولة عن أعداد مكرّرة: ثنتين ثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. وهي غير منصرفة، للعدل والصفة، فإنّها بنيت صفات، وإن كانت أصولها لم تبن لها. وقيل: لـما فيها من العدلين، فإنّها معدولة باعتبار الصيغة والتكرير، أي: عدلها عن صيغتها، وعدلها عن تكريرها.

ونصبها على الحال من فاعل «طاب»، تقديره: فانكحوا الطيّبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، وثلاثا وثلاثا، وأربعا وأربعا.

والخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كلّ ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الّذي أطلق له. فمعناها: الإذن لكلّ ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور، متّفقين فيه ومختلفين، كقولك: اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. ولو أفردت، بأن قيل: اثنتين وثلاث وأربع من غير تكرير، كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع. ولو ذكرت بـ «أو» لذهب تجويز الاختلاف في العدد، بأن لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها، فيجعلوا بعض القسم على تثنية، وبعضه على ثلاث، وبعضه على أربع.

لا يقال: إنّ هذا العدد يؤدّي إلى جواز نكاح التسع، فإنّ اثنتين وثلاثة وأربعة تسعة.

لأنّا نقول: إنّ من قال: دخل القوم البلد مثنى وثلاث ورباع، لا يقتضي اجتماع الأعداد في الدخول. وأيضا لهذا العدد لفظ موضوع وهو تسع، فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العيّ(١) ، جلّ كلامه سبحانه عن ذلك وتقدّس.

__________________

(١) العيّ: العجز والجهل.


قال الصادقعليه‌السلام : «لا يحلّ لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر».

( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) بين هذه الأعداد، كما خفتم فيما فوقها( فَواحِدَةً ) فاختاروا أو فانكحوا واحدة، وذروا الجمع( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) من غير حصر.

سوّى بين الواحدة من الأزواج وبين الإماء لخفّة مؤونتهنّ، وعدم وجوب القسم، وإباحة العزل.

( ذلِكَ ) أي: التقليل منهنّ، أو اختيار الواحدة، أو التسرّي( أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) أقرب من أن لا تميلوا. يقال: عال الميزان إذا مال، وعال في حكمه إذا جار. وعول الفريضة الميل عن حدّ السهام المسمّاة. وفسّر بأن لا يكثر عيالكم، على أنّه من: عال الرجل عياله يعولهم، إذا مانهم، فعبّر عن كثرة العيال بكثرة المؤن الّتي هي من لوازم الأولاد. فالمعنى: ألّا تكثر أولادكم، لأن التسرّي مظنّة قلّة الولد بالإضافة إلى التزوّج، لجواز العزل فيه، كتزوّج الواحدة بالإضافة إلى تزوّج الأربع.

( وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ ) مهورهنّ( نِحْلَةً ) عطيّة. يقال: نحله كذا نحلة ونحلا، إذا أعطاه إيّاه عن طيب نفس بلا توقّع عوض. ومن فسّرها بالفريضة ونحوها نظر إلى مفهوم الآية، لا إلى موضوع اللفظ. ونصبها على المصدر، لأنّها في معنى الإيتاء، أو الحال من الواو أو الصدقات، أي: آتوهنّ صدقاتهنّ ناحلين أو منحولة.

وقيل: نحلة من الله، أي: عطيّة من عنده لهنّ، فتكون حالا من الصدقات.

وقيل: ديانة، فإنّ النحلة بمعنى الملّة، ونحلة الإسلام خير النحل، من قولهم: انتحل فلان كذا، إذا دان به، على أنه مفعول له، أو حال من الصدقات، أي: دينا من الله شرعه. والخطاب للأزواج. وقيل: للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم.


روي: أنّ ناسا كانوا يتأثّمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئا ممّا ساق إليها، فنزلت:( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ) الضمير للصداق حملا على المعنى، أو جار مجرى اسم الاشارة، كأنّه قيل: عن شيء من ذلك، كما قال الله تعالى:( قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ) (١) بعد ذكر الشهوات. وقيل: للإيتاء، و «نفسا» تمييز لبيان الجنس، ولذلك وحّد.

والمعنى: فإن وهبن لكم من الصداق عن طيب نفس. لكن جعل العمدة طيب النفس للدلالة على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس، ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن. وعدّاه بـ «عن» لتضمّن معنى التجافي والتجاوز.

( فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) فخذوه وأنفقوه حلالا بلا تبعة. والهنيء والمريء صفتان من: هنأ الطعام ومريء، إذا ساغ من غير غصص، أقيمتا مقام مصدريهما، كأنّه قال: هنأ مرءا، أو وصف بهما المصدر، أي: أكلا هنيئا مريئا، أو جعلتا حالا من الضمير. وقيل: الهنيء ما يلذّه الإنسان، والمريء ما تحمد عاقبته.

( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) )

ولـمّا أمر سبحانه فيما تقدّم بدفع مال الأيتام إليهم، عقّبه بذكر من لا يجوز الدفع إليه منهم، فقال:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) نهي للأولياء عن أن يؤتوا الّذين لا رشد لهم أموالهم فيضيّعونها. وهم: النساء، والصبيان، والمجانين ،

__________________

(١) آل عمران: ١٥.


والمبذّرين. وإنّما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنّها في تصرّفهم وتحت ولايتهم، وهو الملائم للآيات المتقدّمة والمتأخّرة.

وقيل: نهي لكلّ أحد أن يعمد إلى ما أعطاه الله تعالى من المال، فيعطي امرأته وأولاده، ثمّ ينظر إلى أيديهم.

وإنّما سمّاهم سفهاء استخفافا بعقولهم، واستهجانا لجعلهم قوّاما على أنفسهم. وهو أوفق لقوله تعالى:( الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) أي: ما تقومون بها وتنتعشون، فلو ضيّعتموها بإعطاء السفهاء لضعفتم واحتجتم. وعلى الأوّل يؤوّل بأنّها الّتي من جنس ما جعل الله لكم قياما، كما قال:( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (١) أي: مثل أنفسكم.

وقرأ نافع وابن عامر: قيما بالقصر بمعناه، كعوذ بمعنى عياذ.

( وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ ) واجعلوا الأموال مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتّجروا وتحصّلوا من نفعها ما يحتاجون إليه، ولأجل هذا المعنى لم يقل: منها.

وقيل: معناه الرزق من الله فيها، أي: جعل الله رزقكم ورزقهم فيها. فعلى الأوّل يمكن أن يحتجّ به على وجوب الكسب بمال المولّى عليهم، لظاهر الأمر. ويحتمل عدم الوجوب، للأصل، ولأنّه اكتساب ولا يجب. والحقّ أنّه يجب استنماؤه قدر النفقة، وأمّا الزيادة على ذلك فندب. هكذا قال صاحب كنز العرفان(٢) .

( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) عدة جميلة تطيب بها نفوسهم، فلا تخاشنوهم، أو قولوا لهم ما ينبّههم على الرشد والصلاح من أمر المعاش والمعاد، حتّى إذا بلغوا كانوا على بصيرة من ذلك. والمعروف ما عرفه الشرع أو العقل لحسنه، والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه.

__________________

(١) النساء: ٢٩.

(٢) كنز العرفان ٢: ١١١.


( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٦) )

ولـمّا أمر الله سبحانه بإيتاء الأيتام أموالهم، ومنع من دفع المال إلى السفهاء، بيّن هنا الحدّ الفاصل بين ما يحلّ من ذلك للوليّ وما لا يحلّ، فقال:( وَابْتَلُوا الْيَتامى ) اختبروا عقولهم قبل البلوغ بتتبّع أحوالهم في التهدّي إلى ضبط المال وحسن التصرّف، بأن تكلوا إليهم مقدّمات البيع، لكن العقد لو وقع منه كان باطلا. وعند أبي حنيفة يكون العقد صحيحا.

( حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ) إذا بلغوا حدّ البلوغ، بأن يحتلموا، أو تنبت شعورهم الخشنة، أو يستكملوا خمس عشرة إن كانوا ذكورا أو خناثى، أو تسع سنة إن كنّ إناثا. وعند أبي حنيفة ثمانية عشر في الذكر والخنثى، وسبعة عشر في الأنثى.

( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ) فإن أبصرتم منهم تهدّيا إلى وجوه التصرّف وإصلاحا للمال. وهل يشترط إصلاح الدين أيضا؟ قال الشافعي: نعم، فيحجر عنده الفاسق. وقال أبو حنيفة: لا حجر عليه. وبه قال أكثر أصحابنا، أللّهمّ إلّا أن يكون فسقه بإتلاف ماله، فالحجر باق. وقال الشيخ(١) بمقالة الشافعي.

( فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) من غير تأخير عن حدّ البلوغ والرشد. الشرطيّة

__________________

(١) راجع الخلاف ٣: ٢٨٣ مسألة (٣)


جواب «إذا» المتضمّنة معنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء، كأنّه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرشد منهم.

وهو دليل على أنّه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: يزاد على زمان البلوغ سبع سنين ثم يعطى ما لهم، رشدوا أم لا.

( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم وبداركم كبرهم. والأولى أنّهما مصدران، لأنّهما نوعان للأكل، لا أنّهما مفعول له، لأنّ الشيء لا يعلّل بنوعيه.

( وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ) فليعفّ، كـ: استقرّ بمعنى: قرّ، أي: فليمتنع عن أكل مال اليتيم، ويقتنع بما رزقه الله من الغنى، إشفاقا على اليتيم، وإبقاء على ماله( وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ ) ماله( بِالْمَعْرُوفِ ) بقدر حاجته وأجرة سعيه. وقيل: أقلّ الأمرين، لقوله تعالى:( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) . ولا ريب أنّ هذا أحسن. وهذا مشعر بأنّ الوليّ له حقّ في مال الصبيّ. وقيل: يأخذ من ماله قدر الحاجة على وجه الاستقراض.

وفي الحديث: «أنّ رجلا قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ في حجري يتيما، أفآكل من ماله؟ قال: كل بالمعروف غير متأثّل(٢) مالا، ولا واق مالك بماله».

( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ) بأنّهم قبضوها، فإنّه أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة ووجوب الضمان. وظاهره يدلّ على أنّ القيّم لا يصدّق في دعواه إلّا بالبيّنة. وهو المختار عندنا. وهو مذهب مالك، خلافا لأبي حنيفة.

( وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً ) محاسبا، فلا تخالفوا ما أمرتم به، ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم.

__________________

(١) الأنعام: ١٥٢.

(٢) أي: متّخذ مالا أصلا، من: تأثّل المال، أي: اكتسبه وثمّره.


( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) )

روي أنّ أوس بن الصامت الأنصاري خلّف زوجته أم كحّة وثلاث بنات، فزوى(١) ابنا عمّه سويد وعرفطة ـ أو قتادة وعرفجة ـ ميراثه عنهنّ على سنّة الجاهليّة، فإنّهم ما كانوا يورّثون النساء والأطفال، ويقولون إنّما يرث من يحارب ويذبّ عن الحوزة. فجاءت أمّ كحّة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه. فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ )

يريد بهم المتوارثين بالقرابة( مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ) بدل ممّا ترك بإعادة العامل( نَصِيباً مَفْرُوضاً ) نصب على أنّه مصدر مؤكّد، كقوله:( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) (٢) . أو حال، إذ المعنى: ثبت لهم مفروضا نصيب. أو على الاختصاص، بمعنى: أعني نصيبا مقطوعا واجبا لهم.

وفيه دليل على بطلان القول بالعصبة، لأنّ الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، وعلى أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقّه.

ولـمّا نزلت هذه الآية بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ابني عمّ أوس: لا تفرّقا من مال

__________________

(١) أي: منع وصرف.

(٢) النساء: ١١.


أوس شيئا، فإنّ الله قد جعل لهنّ نصيبا، ولم يبيّن حتى يبيّن، فنزلت:( يُوصِيكُمُ اللهُ ) (١) الآية، فأعطى أم كحّة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ردّ عليهنّ(٢) . وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.

( وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ) قسمة التركة( أُولُوا الْقُرْبى ) ممّن لا يرث( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ) فأعطوهم شيئا من المقسوم تطييبا لقلوبهم، وتصدّقا عليهم. وهو أمر ندب للبلّغ من الورثة. وقيل: أمر وجوب، ثم نسخ بآية(٣) الميراث. وقال سعيد بن جبير: إنّ ناسا يقولون: نسخت، والله ما نسخت، ولكنّها ممّا يتهاون به الناس.( وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) وهو أن تدعوا لهم، ولا تمنّوا عليهم بذلك.

( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) )

ولـمّا أمر سبحانه بالقول المعروف نهاهم عن خلافه، وأمر بالأقوال السديدة والأفعال الحميدة، فقال:( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ ) أمر للأوصياء بأن يخشوا الله ويتّقوه في أمر اليتامى، ويشفقوا عليهم خوفهم على ذرّيّتهم لو تركوهم ضعافا، وشفقتهم عليهم، ويقدّروا ذلك في أنفسهم ويصوّروه، حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة، فيفعلوا بهم ما يحبّون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم.

__________________

(١) النساء: ١١.

(٢) في الكشّاف (١: ٤٧٦ ـ ٤٧٧): والباقي لبني العمّ.

(٣) النساء: ١١ ـ ١٢.


أو للحاضرين عند إيصاء المريض، بأن يخشوا ربّهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم لو كانوا بعدهم، فلا يتركوا المريض أن يضرّبهم بصرف المال عنهم.

أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين، متصوّرين أنّهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم، هل يجوّزون حرمانهم؟

أو للموصين، بأن ينظروا للورثة، فلا يسرفوا في الوصيّة.

و «لو» بما في حيّزه جعل صلة لـ «الّذين» على معنى: وليخش الّذين حالهم وصفتهم أنّهم لو شارفوا أن يخلّفوا ذرّيّة ضعافا خافوا عليهم الضياع.

وفيه بعث على الترحّم، وأن يحبّ لأولاد غيره ما يحبّ لأولاده، وتهديد للمخالف بحال أولاده.

( فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) موافقا للشرع، ويخاطبوهم بخطاب جميل. أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى، تأكيدا ومبالغة. ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم، بالشفقة وحسن الأدب. أو للمريض ما يصدّه عن الإسراف في الوصيّة وتضييع الورثة، ويذكّره التوبة وكلمة الشهادة. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من سرّه أن يزحزح عن النار ويدخل الجنّة فلتأته منيّته وهو يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، ويحبّ أن يأتي إلى الناس ما يحبّ أن يؤتى إليه».

أو لحاضري القسمة عذرا جميلا، ووعدا حسنا. أو أن يقول الموصون في الوصيّة ما لا يؤدّي إلى مجاوزة الثلث، وتضييع الورثة.

روي عن سعد بن أبي وقّاص قال: «مرضت فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعودني.

فقلت: يا رسول الله أوصي بمالي كلّه؟ قال: لا. قلت: بالنصف؟ قال: لا. قلت :


بالثلث؟ قال: بالثلث والثلث كثير، إنّك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس بأيديهم».

( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) )

ثمّ أوعد الله سبحانه آكلي مال اليتيم نار جهنّم، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ) أي: ينتفعون بها على أيّ وجه كان. وتخصيص الأكل بالذكر لأنّه معظم منافع المال المقصود( ظُلْماً ) ظالمين، أو على وجه الظلم( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ) ملء بطونهم. يقال: أكل فلان في بطنه، أي: ملأ بطنه.( ناراً ) أي: ما يجرّ إلى النار ويؤول إليها، وكأنّه نار في الحقيقة.

وروي أنّه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره، ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنّه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا».

وعن أبي بردة أنّهعليه‌السلام قال: «يبعث الله قوما من قبورهم تتأجّج أفواههم نارا.

فقيل: من هم؟ فقال: ألم تر أنّ الله يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) ».

( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) سيدخلون نارا وأيّ نار، أي: نارا من نيران مبهمة الوصف. وقرأ ابن عامر وابن عيّاش عن عاصم بضمّ الياء مخفّفا. يقال: صلى النار، إذا قاسى حرّها، وصليته: شويته، وأصليته وصليته: ألقيته فيها. والسعير بمعنى المفعول من: سعرت إذا ألهبتها.

عن الحلبي أنّ الصادقعليه‌السلام قال: «إنّ في كتاب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أن آكل مال اليتيم ظلما سيدركه وبال ذلك في عقبه من بعده، ويلحقه وبال ذلك في الآخرة. أمّا الدنيا فإن الله يقول( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا ) الآية. وأمّا في الآخرة


فإنّ الله يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) الآية».

( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) )

ثمّ فصّل سبحانه ما أجمله فيما قبل من قوله:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ ) الآية، فقال:( يُوصِيكُمُ اللهُ ) يأمركم ويفرض عليكم، لأنّ الوصيّة منه سبحانه أمر وفرض( فِي أَوْلادِكُمْ ) في شأن ميراثهم. وهو إجمال، تفصيله:( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) التقدير: للذكر منهم، فحذف للعلم به، أي: يعدّ كلّ ذكر من الأولاد في النصيب بأنثيين حيث اجتمع الصنفان، فيضعّف نصيبه. وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظّه لأنّ القصد إلى بيان فضله، والتنبيه على أنّ التضعيف كاف للتفضيل، فلا يحرمنّ بالكلّية.

وهذا الحكم في حال اجتماع البنين والبنات. فأمّا في حال الانفراد فالابن فصاعدا يأخذ المال، والبنات يأخذن الثلثين، لقوله:( فَإِنْ كُنَّ نِساءً ) أي: فإن كان الأولاد نساء خلّصا ليس معهنّ ذكر، فأنّت الضمير باعتبار الخبر، أو على تأويل المولودات( فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) خبر ثان، أو صفة لـ «نساء»، أي: نساء زائدات على


اثنتين( فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ) من الميراث. والضمير في «ترك» للميّت وإن لم يجر له ذكر، لأنّ الآية لـمّا كانت في الميراث علم أنّ التارك هو الميّت.

وحكم البنتين حكم ما زاد عليهما من البنات، لأنّه لـمّا بيّن الله تعالى أنّ حظّ الذكر مثل الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان، اقتضى ذلك أنّ فرضهما الثلثان، ثمّ لـما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد ردّ ذلك بقوله:( فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) . ويؤيّد ذلك: أنّ البنت الواحدة لـمّا استحقّت الثلث مع أخيها، فبالحريّ أن تستحقّه مع أخت مثلها، وأنّ البنتين أمسّ رحما من الأختين، وقد فرض لهما الثلثين بقوله:( فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ) (١) ، فكان للبنتين الثلثان بطريق أولى. وأيضا أجمعت الأمّة على أنّ حكم البنتين حكم البنات.

ونقل عن ابن عبّاس أنّ حكم الاثنتين حكم الواحدة، لأنّه تعالى جعل الثلثين لـما فوقهما. والحقّ الأوّل، وعليه الفقهاء الإماميّة ومعظم العامّة.

( وَإِنْ كانَتْ ) أي: إن كانت المولودة أو المتروكة( واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) نصف ما ترك الميّت.

ثم ذكر ميراث الوالدين بقوله:( وَلِأَبَوَيْهِ ) ولأبوي الميّت، يعني: الأب والأمّ( لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا ) بدل منه بتكرير العامل. وفائدته التنصيص على استحقاق كلّ واحد منهما السدس، والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا( السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ ) للميّت( وَلَدٌ ) ذكر أو أنثى، واحد أو أكثر.

ثمّ إن كان الولد ذكرا كان الباقي له. وإن كان ذكورا فالباقي لهم بالسويّة. وإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظّ الأنثيين. وإن كانت بنتا فلها النصف بالتسمية، ولأحد الأبوين السدس، ولهما السدسان، والباقي عند ائمّتناعليهم‌السلام يردّ على البنت وعلى أحد الأبوين أو عليهما على قدر سهامهم، بدلالة قوله تعالى :

__________________

(١) النساء: ١٧٦.


( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) (١) . وولد الولد يقوم مقام الولد الصلب مع الوالدين. وفي بعض هذه المسائل خلاف بين الفقهاء مذكور في الكتب الفقهيّة.

( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ) للميّت( وَلَدٌ ) ابن ولا بنت ولا أولادهما، لأنّ اسم الولد يعمّ الجميع( وَوَرِثَهُ أَبَواهُ ) فحسب( فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) ممّا ترك. وإنّما لم يذكر حصّة الأب، لأنّه لـمّا فرض أنّ الوارث أبواه فقط وعيّن نصيب الأمّ، علم أنّ الباقي للأب، فكأنّه قال: فلهما ما ترك أثلاثا.( فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ) .

وقرأ حمزة والكسائي: فلأمّه، بكسر الهمزة، اتباعا للكسرة الّتي قبلها.

قال معظم أصحابنا: إنّما يكون لها السدس إذا كان هناك أب. ويدلّ عليه ما تقدّم من قوله: «وورثه»، فإنّ هذه الجملة معطوفة على قوله:( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) . وتقديره: فإن كان له إخوة وورثه أبواه فلأمّه السدس.

ويشترط في الإخوة أن لا يكونوا كفرة، ولا قتلة، ولا رقّا، وأن يكونوا منفصلين لا حملا، وأن يكونوا للأبوين أو للأب.

وقال بعض أصحابنا: إنّ لها السدس مع وجود الإخوة وإن لم يكن هناك أب. وبه قال جميع فقهاء العامّة. واتّفقوا على أنّ الأخوين يحجبان الأمّ من الثلث إلى السدس.

وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لا تحجب الأمّ من الثلث إلى السدس بأقلّ من ثلاثة من الإخوة والأخوات، كما يقتضيه ظاهر الآية.

وأصحابنا يقولون: لا يحجب الأمّ عن الثلث إلى السدس إلّا أخوان، أو أخ وأختان، أو أربع أخوات من قبل الأب والأمّ، أو من قبل الأب خاصّة دون الأمّ.

وفي ذلك خلاف بين فقهاء الامّة.

والأنصباء المفصّلة على النهج المذكور للورثة( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ )

__________________

(١) الأنفال: ٧٥.


فهذا متعلّق بما تقدّمه من قسمة المواريث كلّها. وقرأ ابن عامر وابن كثير وابن عيّاش عن عاصم: يوصى، على البناء للمفعول.

وإنّما قال بـ «أو» الّتي للإباحة دون الواو للدلالة على أنّهما متساويان في الوجوب، مقدّمان على القسمة مجموعين ومنفردين، كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي: جالس أحدهما مفردا أو مضموما.

وقدّم الوصيّة على الدين، وهي متأخّرة في الحكم إجماعا، لأنّها مشبهة بالميراث، شاقّة على الورثة في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان إخراجها ممّا يشقّ عليهم، مندوب إليها جميع المؤمنين، والدين إنّما يكون على الندور.

ثمّ اعترض بين أرباب المواريث بما يوجب تأكيدا لأمر القسمة وتنفيذا للوصيّة، فقال:( آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممّن يرثكم من أصولكم وفروعكم، في عاجلكم وآجلكم، فتحرّوا فيهم ما أوصاكم الله به، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمان بعض.

وقد روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنّة سأل أن يرفع إليه، فيرفع بشفاعته.

أو من(١) مورّثيكم، أي: لا تعلمون من أوصى منهم، فعرّضكم للثواب الباقي بإمضاء وصيّته، فهو أقرب لكم نفعا ممّن ترك الوصيّة، أم من لم يوص، فوفّر عليكم ماله الفاني.

( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) مصدر مؤكّد، أي: فرض فرضا، أو مصدر «يوصيكم الله»، لأنّه في معنى: يأمركم ويفرض عليكم( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) بمصالح خلقه ورتبهم( حَكِيماً ) فيما فرض من المواريث وغيرها.

__________________

(١) عطف على قوله: «ممن يرثكم من أصولكم» قبل أسطر.


( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) )

ولـمّا بيّن ميراث الوالدين والأولاد عيّن إرث الأزواج والكلالات، وقدّم الأزواج لأنّهم يرثون مع جميع الطبقات، فقال مخاطبا للأزواج:( وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ) زوجاتكم( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ) أي: ولد وارث من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل، ذكرا أو أنثى، منكم أو من غيركم( فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ) منكم أو من غيركم( فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ) أي: من ميراثهنّ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) على نهج ما سبق.

( وَلَهُنَ ) ولزوجاتكم( الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ) من الميراث( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ) مطلقا كما مرّ( فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ ) فرض للرجل بحقّ الزواج ضعف ما للمرأة، كما في النسب. وهكذا قياس كلّ رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلّا أولاد الأمّ والمعتق والمعتقة. وتستوي الواحدة والعدد منهنّ في الربع والثمن.

( وَإِنْ كانَ رَجُلٌ ) أي: ميّت( يُورَثُ ) على البناء للمفعول، أي: يورث منه ،


من: ورث، أو يورث من: أورث، فيكون الرجل وارثا لا موروثا منه. وهو صفة رجل( كَلالَةً ) خبر «كان» أي: وإن كان رجل موروث منه أو وارث كلالة، أو «يورث» خبره و «كلالة» حال من الضمير في «يورث»، أو مفعول له. وهو من لم يخلّف ولدا ولا والدا. والمعنى: قرابة ليست من جهة الوالد والولد.

وعن ابن عبّاس: أنّ الكلالة من عدا الولد. والمرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام أنّ الكلالة الإخوة والأخوات.

والمذكور في هذه الآية من كان من قبل الأمّ منهم، والمذكور في آخر السورة من كان منهم من قبل الأب والأمّ، أو من قبل الأب.

فالكلالة: أن يترك الإنسان من أحاط بأصل النسب الّذي هو الولد والوالد وتكلّله، كالإكليل الّذي يحيط بالرأس ويشتمل عليه. وليس الولد والوالد بكلالة، لأنّهما أصل النسب الّذي ينتهي إلى الميّت، ومن سواهما خارج عنهما. فتكون الكلالة كالإكليل(١) يشتمل على الرأس ويحيط به، وليس من أصله. وهي في الأصل مصدر بمعنى الكلال، فاستعير لقرابة ليست بولد ولا والد، ثمّ وصف بها من لم يخلّف والدا ولا ولدا وخلّف ما عداهما من الإخوة والأخوات، ثم وصف بها المورّث والوارث، بمعنى: ذي كلالة، كما تقول: فلان من قرابتي، تريد من ذوي قرابتي.

( أَوِ امْرَأَةٌ ) عطف على رجل( وَلَهُ ) وللرجل. واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه.( أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ) من الأمّ، لأنّه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين وللإخوة الكلّ، وهو لا يليق بأولاد الأمّ، ولأنّ ما قدّر ها هنا فرض الأمّ، فيناسب أن يكون لأولادها. ويدلّ عليه أيضا قراءة أبيّ وسعد بن مالك: وله أخ أو أخت من الأمّ، ولروايات أصحابنا المتظافرة، وللإجماع.

( فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ ) سوّى بين الذكر والأنثى في القسمة لأنّ الانتساب بمحض الأنوثة، ولا خلاف بين الأمّة

__________________

(١) الإكليل: التاج، شبه عصابة تزيّن بالجوهر.


أنّ الإخوة والأخوات من قبل الأمّ متساوون في الميراث.

( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ) حال، أي: يوصى بها غير مضارّ لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارّة بالوصيّة دون القربة، وبالإقرار بدين لا يلزمه. وهو حال من فاعل «يوصي» في هذه القراءة، وفاعل «يوصى» المدلول عليه بقوله «يوصى» على البناء للمفعول في قراءة ابن كثير وعاصم، فإنّه لـمّا قيل: «يوصى بها» علم أنّ ثمّة موصيا، كما قال:( يُسَبِّحُ لَهُ ) (١) على ما لم يسمّ فاعله، فعلم أنّ ثمّة مسبّحا، فأضمر «يسبّح».

( وَصِيَّةً مِنَ اللهِ ) مصدر مؤكّد، أو منصوب بـ «غير مضارّ» على المفعول به، أي: لا يضارّ وصيّة من الله تعالى ـ وهو الثلث فما دونه ـ بالزيادة، أو وصيّة منه تعالى بالأولاد بالإسراف في الوصيّة والإقرار الكاذب( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بالمضارّ وغيره( حَلِيمٌ ) لا يعاجل بعقوبته. وهذا وعيد.

وفي هاتين الآيتين دلالة على تقدير سهام أصحاب الفرائض في المواريث وتفصيل مسائلها، والاختلاف فيها بين فقهاء العامّة والخاصّة كثير، لا نطوّل بذكره الكتاب، فيحال إلى كتب الفقه.

روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنّه قال: مرضت فعادني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر فأغمي عليّ، فدعاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بماء فتوضّأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت فيّ آية المواريث.

وقيل: نزلت في عبد الرحمن أخي حسّان الشاعر، وذلك أنّه مات وترك امرأة وخمسة إخوان، فجاءت الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأنزل الله تعالى آية المواريث.

__________________

(١) النور: ٣٦. وتمام الآية:( ... فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) .


( تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) )

ولـمّا فرض الله تعالى فرائض المواريث، عقّبها بذكر الوعد في الائتمار لها، والوعيد على التعدّي لحدودها، فقال:( تِلْكَ ) إشارة إلى الأحكام الّتي تقدّمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث( حُدُودُ اللهِ ) شرائعه الّتي هي كالحدود المحدودة الّتي لا يجوز مجاوزتها( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فيما أمر به من الأحكام الشرعيّة الّتي منها أحكام فرائض المواريث( يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ) من تحت أشجارها وأبنيتها( الْأَنْهارُ خالِدِينَ ) دائمين( فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .

توحيد الضمير في «يدخله» وجمع «خالدين» للّفظ والمعنى. وقرأ نافع وابن عامر: ندخله بالنون.

و «خالدين» حال مقدّرة، فإنّ الخلود غير حاصل حال الإدخال، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وكذلك خالدا في قوله تعالى:( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فيما بيّنه من الفرائض وغيرها( وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ) ويتجاوز ما حدّ له من الطاعات( يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ) سمّاه مهينا لأنّ الله تعالى يفعله على وجه الإهانة، كما أنّه يثيب المؤمن على وجه الكرامة.

وليس «خالدين» و «خالدا» صفتين لـ «جنّات» و «نارا»، وإلّا لوجب إبراز الضمير، أي: خالدين هم فيها، وخالدا هو فيها، لأنّهما جريا على غير من هما له.

وفي قوله: «ويتعدّ» حدوده دلالة على أنّ المراد بقوله:( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) الكافر، لأنّ من تعدّى جميع حدود الله الّتي هي فرائضه وأوامره ونواهيه لا يكون إلّا كافرا.


( وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) )

ولـمّا بيّن سبحانه حكم الرجال والنساء في باب الزواج والميراث، بيّن حكم الحدود فيهنّ إذا ارتكبن الزنا، فقال:( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ) أي: يفعلنها. يقال: أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها، إذا فعلها. والفاحشة: الزنا، لزيادة قبحها وشناعتها بالنسبة إلى كثير من القبائح( مِنْ نِسائِكُمْ ) الحرائر( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ) فاطلبوا الشهادة أيّها الحكّام والأئمّة ممّن قذفهنّ أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهنّ، وذلك عند عدم إقرارهنّ بها.

( فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) فاحبسوهنّ في البيوت، واجعلوها سجنا عليهنّ( حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) يستوفي أرواحهنّ الموت، أو يتوفّاهنّ ملائكة الموت. وعند جمهور المفسّرين كان ذلك عقوبتهنّ في أوائل الإسلام، فنسخ ذلك بالرجم في المحصنين والجلد في الأبكار. وهذا منقول(١) عن أبي جعفر وأبي عبد الله صلوات الله عليهما. ويحتمل أن يكون المراد به التوصية بإمساكهنّ بعد أن يجلدن، كيلا يجري عليهنّ ما جرى بسبب الخروج والتعرّض للرجال. ولم يذكر الحدّ استغناء بقوله:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) (٢) .

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٢٢٧ ح ٦١.

(٢) النور: ٢.


( أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) كتعيين الحدّ المخلّص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السفاح. ويؤيّد الأوّل ما روي أنّه لـمّا نزل قوله:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) الآية قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خذوا عنّي قد جعل الله لهنّ سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم».

وعندنا أنّ هذا الحكم مختصّ بالشيخ والشيخة إذا زنيا، فأمّا غيرهما فليس عليه غير الرجم.

( وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ) يعني: الزانية والزاني. وقرأ ابن كثير: واللذانّ، بتشديد النون وتمكين مدّ الألف. والباقون بالتخفيف من غير تمكين.( فَآذُوهُما ) بالتوبيخ والتعيير. وقيل: بالجلد.( فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ) فاقطعوا عنهما الإيذاء، أو أعرضوا عنهما بالإغماض والستر( إِنَّ اللهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ) علّة الأمر بالإعراض وترك المذمّة.

قيل: الآية الأولى في السحّاقات، وهذه في اللوّاطين، و «الزانية والزاني» في الزناة. وهذا ينافي ما قاله جمهور المفسّرين من أنّ الفاحشة في الآية الزنا.

وقيل: هذه الآية سابقة على الاولى نزولا، وكان عقوبة الزنا الأذى ثمّ الحبس ثم الجلد. وهذا خلاف الظاهر.

( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨) )

ولـمّا وصف سبحانه نفسه بالتوّاب الرحيم، بيّن عقيبه شرائط التوبة الموجبة


للرحمة، فقال:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ ) أي: إنّما التوبة واجبة على الله تعالى بمقتضى وعده ـ كرما وتفضّلا ـ من تاب عليه إذا قبل توبته( لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) متلبّسين بها، أي: جاهلين سفهاء، لأنّ ارتكاب القبيح ممّا يدعو إليه السفه والشهوة، ولا يدعو إليه العقل والحكمة.

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «كلّ ذنب عمله العبد وإن كان عالما به، فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه، فقد حكى الله تعالى قول يوسف لإخوته:( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) (١) ، فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى».

فارتكاب الذنب سفه وتجاهل، ولذلك قيل: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته.

( ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) من زمان قريب، أي: قبل حضور الموت، لقوله تعالى:( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) (٢) . وقولهعليه‌السلام : «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر»(٣)، كما ورد في كتاب من لا يحضره الفقيه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في آخر خطبة خطبها: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه. ثم قال: وإنّ السنة لكثيرة، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه. ثم قال: وإنّ الشهر لكثير، من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه. ثم قال: وإنّ يوما لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه. ثم قال: وإنّ الساعة لكثير، من تاب وقد بلغت نفسه إلى هذه ـ وأهوى بيده إلى حلقه ـ تاب الله عليه»(٤) .

وروى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا الخبر

__________________

(١) يوسف: ٨٩.

(٢) النساء: ١٨.

(٣) غرغر الرجل: صات صوتا معه بحح، وجاد بنفسه عند الموت.

(٤) الفقيه ١: ٧٩ ح ٣٥٤.


بعينه، إلّا أنّه قال في آخرة: «وإنّ الساعة لكثيرة، من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه».

وروى أيضا بإسناده عن الحسن قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لـمّا هبط إبليس قال: وعزّتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده. فقال سبحانه: وعزّتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتّى يغر غر بها».

وسمّى قبل حضور الموت قريبا لأنّ أمد الحياة قريب، لقوله تعالى:( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) (١) .

و «من» للتبعيض، أي: يتوبون في أيّ جزء من الزمان القريب الّذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت.

( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) أي: يقبل توبتهم. وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه، لقوله: «إنّما التوبة على الله»، وإعلام بأنّ الغفران كائن لا محالة، كما يعد العبد الوفاء بالواجب( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة( حَكِيماً ) والحكيم لا يعاقب التائب.

( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) أي: المعاصي، ويصرّون عليها( حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) أي: أسباب الموت من معاينة ملك الموت، وانقطاع الرجاء عن الحياة، وهو حال لليأس الّتي لا يعلمها إلّا المحتضر( قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) أي: ليس عند ذلك توبة.

( وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) أي: ليست التوبة أيضا للّذين يموتون على الكفر ثم يندمون بعد الموت.

سوّى سبحانه بين مسوّف التوبة إلى وقت حضور الموت، وبين من يموت كافرا، في نفي التوبة، للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وكأنّه قال :

__________________

(١) النساء: ٧٧.


وتوبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء.

ثمّ أكّد عدم قبول توبتهم بقوله:( أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) . وهذا نظير قوله:( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) في الوعد ليتبيّن أنّ الأمرين كائنان لا محالة.

والاعتداد التهيئة، من العتاد، وهو العدّة. وقيل: أصله أعددنا، فأبدلت الدال الأولى تاء.

وقيل: المراد بالّذين يعملون السوء عصاة المؤمنين، وبالّذين يعملون السيّئات المنافقين، لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم، وبالّذين يموتون الكفّار.

وإنّما لم يقبل الله التوبة حال اليأس وهو من الحياة، لأنّه يكون العبد ملجأ إلى فعل الحسنات وترك القبائح، فيكون خارجا عن حدّ التكليف، إذ لا يستحقّ على فعله المدح ولا الذمّ، وإذا زال عنه التكليف لم تصحّ منه التوبة، ولهذا لم يكن أهل الآخرة مكلّفين، ولا تقبل توبتهم.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) )

ولـمّا نهى الله تعالى فيما تقدّم عن عادات أهل الجاهليّة في أمر اليتامى والأموال، وانجرّ الكلام إلى ها هنا، عقّبها بالنهي عن الاستنان بسنّتهم في النساء، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ ) أي: نكاحهنّ( كَرْهاً ) على كره منهنّ.


روي أنّ من عادات الجاهليّة أنّ الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته وقال: أنا أحقّ بها، ثم إن شاء تزوّجها بصداقها الأوّل، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها عن التزويج لتفتدي بما ورثت من زوجها. ومن جملتهم أبو قيس بن الأسلت لـمّا مات عن زوجته كبيشة بنت معن ألقى ابنه من غيرها ـ وهو محصن بن أبي قيس ـ ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها، فجاءت إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت: يا نبيّ الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح! فنهى الله سبحانه عن ذلك.

وقرأ حمزة والكسائي: كرها بالضمّ في مواضعه. وهما لغتان. وقيل: بالضمّ المشقّة، وبالفتح ما يكره عليه.

( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ ) عطف على «أن ترثوا»، و «لا» لتأكيد النفي، أي: ولا تمنعوهنّ من التزويج. وأصل العضل الحبس والتضييق، يقال: عضلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه. وكذا: عضلت الدجاجة بيضها.

وعن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال: «الخطاب مع الأزواج، كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة، وينتظرون موتها حتى يرثوا منهنّ».

وعن ابن عبّاس: نزلت في الرجل يكون تحته امرأة يكره صحبتها، ولها عليه مهر، فيطول عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو تموت فيرث منها مهرها.

وقيل: تمّ الكلام بقوله: «كرها»، ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل.

( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) كالنشوز، وسوء العشرة، وعدم التعفّف.

والاستثناء من أعمّ عامّ الظرف، أي: لا تعضلوهنّ للافتداء في وقت من الأوقات إلّا أن يأتين بفاحشة، فيصيرون معذورين في طلب الخلع، أو من المفعول له، أي: لا تعضلوهنّ لعلّة إلّا أن يأتين بفاحشة.


وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم: مبيّنة هنا، وفي الأحزاب(١) والطلاق بفتح الياء، والباقون بكسرها فيهنّ.

( وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) بالإنصاف في الإنفاق والإجمال في القول والفعل( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ ) أي: كرهتم صحبتهنّ وإمساكهنّ، فلا تفارقوهنّ لكراهة الأنفس وحدها( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) فإنّ النفس قد تكره ما هو أصلح دينا وأكثر خيرا، وقد تحبّ ما هو بخلافه، فليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدين وأقرب إلى الخير. و «عسى» في الأصل علّة الجزاء، فأقيم مقامه.

والمعنى: فإن كرهتموهنّ فاصبروا عليهنّ، فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.

( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) )

روي أنّ الرجل إذا أراد جديدة بهت الّتي تحته بفاحشة يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها، ليصرفه إلى تزوّج الجديدة، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله:( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ) تطليق امرأة وتزوّج أخرى( وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَ ) أي: إحدى الزوجات. جمع الضمير لأنّه أراد بالزوج الجنس.( قِنْطاراً ) مالا كثيرا، وهو الصداق، من: قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه: القنطرة، لأنّها بناء مشيّد( فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) أي: من القنطار، أي: لا ترجعوا فيما أعطيتموهنّ من المهر إذا كرهتموهنّ وأردتم طلاقهنّ( أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) استفهام إنكار وتوبيخ ،

__________________

(١) الأحزاب: ٣٠، الطلاق: ١.


أي: أتأخذونه باهتين وآثمين؟ ويحتمل النصب على العلّيّة، كما في قولك: قعدت عن الحرب جبنا، لأنّ الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم.

والبهتان الكذب الّذي يبهت المكذوب عليه، فيتحيّر. وقد يستعمل في الفعل الباطل، ولهذا فسّر هاهنا بالظلم.

ثمّ أنكر تعجيبا استرداد المهر بقوله:( وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ) أي: عجبا من فعلكم كيف تأخذون ذلك المهر( وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ) ؟! الجملة حاليّة من فاعل «تأخذونه». والإفضاء كناية عن الجماع. والمعنى: وكيف تأخذون مهرهنّ والحال أنّه وصل بعضكم إلى بعضها بالملامسة، ودخل بها وتقرّر المهر؟!( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) عهدا وثيقا، وهو حقّ الصحبة والممازجة والمضاجعة. ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتّحاد والامتزاج؟! وقيل: الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأشار إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنّهنّ عوان(١) في أيديكم، أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله».

( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) )

ولـمّا بيّن سبحانه ذكر شرائط النكاح عقّبه بذكر من تحلّ من النساء ومن لا تحلّ، فقال:( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) ولا تنكحوا الّتي نكحها آباؤكم. وإنّما ذكر «ما» دون «من» لأنّه أريد به الصفة، لأنّ المعنى: لا تنكحوا منكوحة آبائكم.

__________________

(١) العاني: الأسير، ومؤنّثه: العانية، والجمع: عناة وعوان، كحافي وحفاة، وجارية وجوار.


وقيل: «ما» مصدريّة على إرادة المفعول من المصدر، أي: لا تنكحوا نكاح آبائكم، بمعنى منكوحتهم، إطلاقا للمصدر على المفعول.( مِنَ النِّساءِ ) بيان ما نكح على الوجهين( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) استثناء من المعنى اللازم للنهي، كأنّه قيل: تستحقّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلّا ما قد سلف، فإنّه معفوّ عنها. أو من اللفظ، للمبالغة في التحريم والتعميم، كقوله :

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب

والمعنى: ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلّا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوا فانكحوه، فإنّه لا يحلّ لكم غيره، ولكنّه غير ممكن. فالغرض المبالغة في التحريم.

وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف، فإنّه لا مؤاخذة عليه، لا أنّه مقرّر.

عن ابن عبّاس وغيره: أنّ هذه الآية نزلت فيما كان يفعل أهل الجاهليّة من نكاح امرأة الأب، ومنهم صفوان بن أميّة تزوّج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطّلب، وتزوّج حصين بن أبي قيس امرأة أبيه كبيشة بنت معن كما مرّ، وتزوّج منظور بن ريّان امرأة أبيه مليكة بنت خارجة.

قال أشعث بن سوار: توفّي أبو قيس، وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته. فقالت: إنّي أعدّك من ولدي، وأنت من صالحي قومك، ولكنّني آتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأستأمره، فأتته فأخبرته. فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارجعي إلى بيتك. فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وكان ناس من ذوي مروءة الجاهليّة يمقتون ذلك، ويسمّونه نكاح المقت، ويقولون لمن ولد عليه: المقتي. ولهذا قال عزّ اسمه:( إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ) أي: إنّ نكاحهنّ فاحشة عند الله، بالغة في القبح في دين الله، ما رخّص فيه لأمّة من الأمم( وَمَقْتاً ) وممقوتا مبغوضا عند ذوي المروءات( وَساءَ سَبِيلاً ) سبيل من يراه


ويفعله، أي: بئس طريقا ذلك النكاح الفاسد.

وفي الآية دلالة على أن كلّ من عقد عليها الأب من النساء يحرم على الابن، دخل بها الأب أو لم يدخل. وهذه مسألة إجماعيّة عند أهل الإسلام.

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) )

ثمّ بيّن سبحانه محرّمات أخر من النساء بقوله:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ ) ليس المراد تحريم ذاتهنّ، لأنّ التحريم لا يتعلّق بالأعيان، وإنّما يتعلّق بأفعال المكلّفين. فالمراد تحريم نكاحهنّ، لأنّه معظم ما يقصد منهنّ. ولأنّه المتبادر إلى الفهم، كتحريم الأكل


من قوله:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (١) ، وكما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها.

ولأنّ ما قبله وما بعده في النكاح.

وأمّهاتكم تعمّ من ولدتك، أو ولدت من ولدك وإن علون، سواء كنّ من قبل الأب أو من قبل الأمّ. وبناتكم تتناول من ولدتها، أو ولدت من ولدها وإن سفلن.

وأخواتكم الأخوات من قبل أب أو أمّ أو منهما. والعمّات كلّ أخت لذكر رجع النسب إليه بالولادة، من قبل الأب كان أو من قبل الأمّ. والخالات كلّ أخت لأنثى رجع النسب إليها بالولادة، من جهة الأمّ أو من جهة الأب. وبنات الأخ والأخت كلّ بنات الإخوة، من قبل الأب كنّ أو من قبل الأمّ، قربن أو بعدن. فهؤلاء السبع من المحرّمات من جهة النسب.

ثمّ ذكر المحرّمات من جهة السبب فقال:( وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ) . نزّل الله تعالى الرضاعة منزلة النسب، حتّى سمّى المرضعة أمّا، والمراضعة أختا. فعلى هذا يكون زوج المرضعة أبا للرضيع، وأبواه جدّيه، وأخته عمّته، وكلّ ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأمّ المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكلّ من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمّه، وكلّ من ولد لها من غير هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأمّه. ومنه قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».

وشرائط الرضاع، والأحكام المتعلّقة به، والمسائل المتفرّعة عليه، مذكورة في الفقه، فليطالع.

ثمّ قال سبحانه:( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ) فذكر أوّلا محرّمات النسب، ثم الرضاعة، لأنّ لها لحمة كلحمة النسب، ثم محرّمات

__________________

(١) المائدة: ٣.


المصاهرة، فإنّ تحريمهنّ عارض لمصلحة الزواج.

والربائب جمع ربيبة. والربيب ولد المرأة من آخر، سمّي به لأنّه يربّه كما يربّ ولده في غالب الأمر، فعيل بمعنى مفعول، وإنّما لحقه التاء لأنّه صار اسما.

و «اللاتي» بصلتها صفة لها. ولا يجوز تعلّقها بالأمّهات أيضا، لأنّ «من» إذا علّقتها بالربائب كانت ابتدائيّة، وإذا علّقتها بالأمّهات لم يجز ذلك، بل وجب أن يكون بيانا لنسائها، والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء.

والحجور جمع الحجر، يقال: فلان في حجر فلان، أي: في تربيته. ولا خلاف بين العلماء أنّ كونهنّ في حجره ليس بشرط في التحريم، وإنّما ذكر ذلك لأنّ الغالب أنّها تكون كذلك، أو تكون فائدة ذكره تقوية العلّة وتكميلها.

والمعنى: أنّ الربائب إذا دخلتم بأمّهاتهنّ وهنّ في احتضانكم قوي الشبه بينها وبين أولادكم، وصارت أحقّاء بأن تجروها مجراهم، لا تقييد الحرمة. وهذا يقتضي تحريم بنت المرأة من غير زوجها على زوجها، وتحريم بنت ابنها وبنت بنتها، قربت أو بعدت، لوقوع اسم الربيبة عليهنّ.

وقوله:( مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) متعلّق بربائبكم. والمعنى: أنّ الربيبة من المرأة المدخول بها محرّمة على الرجل. ولا يجوز أن يكون هذا الموصول صفة للنساءين، لأنّ عاملهما مختلف، فإنّ العامل في الأوّل اللام، ومعناها الاختصاص، وفي الثاني «من» ومعناها في هذا الموضع الابتداء، فيظهر المغايرة بينهما. وحكم الصفة حكم الموصوف، فإن جعلنا الموصول صفة للنساءين، فيجتمع فيها اعتبار معنى الموصوفين، أعني: النساءين جميعا، وهو باطل.

ويؤيّده ما روى العيّاشي في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر ابن محمّدعليه‌السلام ، عن أبيه، قال: «إنّ عليّاعليه‌السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع


الأمّهات اللّاتي قد دخلتم بهنّ، كنّ في الحجور أو غير الحجور، والأمّهات مبهمات، دخل بالبنات أو لم يدخل بهنّ، فحرّموا ما حرّم الله، وأبهموا ما أبهم الله»(١) .

والباء في قوله: «دخلتم بهنّ» للتعدية، ومعناه: أدخلتموهنّ الستر. وهو كناية عن الجماع. واللمس بالشهوة في حكم الجماع عندنا وعند أبي حنيفة.

( فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ) في نكاح بناتهنّ إذا طلّقتموهن أو متن. وهذا تصريح بعد إشعار، دفعا للقياس.

( وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ ) أي: حرّم عليكم نكاح أزواج أبنائكم. سمّيت الزوجة حليلة لحلّها، أو لحلولها مع الزوج( الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ) احتراز عن أزواج المتبنّى بهم، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تزوّج زينب بنت جحش حين فارقها زيد بن حارثة، لا عن أزواج أبناء الولد، لأنّهنّ حرّمن على الأب وإن كنّ أزواج أولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده، وهكذا.

( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) في موضع الرفع عطفا على المحرّمات، أي: حرّم عليكم الجمع بين الأختين في النكاح والوطي بملك اليمين. ويجوز الجمع بينهما في الملك. وكذا الحرمة في المحرّمات المعدودة غير مقصورة على النكاح، بل في ملك اليمين أيضا محرّمة.

قال عثمان: أحلّتهما آية:( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) (٢) . وقال عليّعليه‌السلام : حرّمتهما هذه الآية.

والثاني هو الحقّ، فإنّ آية التحليل مخصوصة في غير ذلك، ولقولهعليه‌السلام : «ما اجتمع الحلال والحرام إلّا غلب الحرام».

( إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ ) استثناء عن لازم المعنى كما مرّ، أو منقطع معناه: لكن ما

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٢٣١ ح ٧٧.

(٢) النساء: ٣.


سلف مغفور، لقوله:( إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) .

قال ابن عبّاس: حرّم الله تعالى من النساء سبعا بالنسب وسبعا بالسبب، وتلا هذه الآية، ثمّ قال: والسابعة:( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) الآية.

( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ) أي: وحرّمت عليكم ذوات الأزواج اللّاتي أحصنهنّ التزويج أو الأزواج.

وقرأ الكسائي في جميع القرآن غير هذا الحرف(١) بكسر الصاد، لأنّهنّ أحصنّ فروجهنّ.

( إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) يريد: ما ملكت أيمانكم من اللّاتي سبين ولهنّ أزواج كفّار، فهنّ حلال للسابين وإن كنّ محصنات، فإنّ النكاح يرتفع بالسبي، لقول أبي سعيد الخدري: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهنّ أزواج كفّار، فكرهنا أن نقع عليهنّ، فسألنا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت هذه الآية، فاستحللناهنّ.

وقال أبو حنيفة: لو سبي الزوجان معا لم يرتفع النكاح، ولم تحلّ للسابي.

وإطلاق الآية والحديث حجّة عليه.

( كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) مصدر مؤكّد، أي: كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا( وَأُحِلَّ لَكُمْ ) عطف على الفعل المضمر الّذي نصب كتاب الله. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول عطفا على «حرّمت».( ما وَراءَ ذلِكُمْ ) ما سوى المحرّمات الأربع عشر، وما في معناها، كسائر محرّمات الرضاع.

وقوله:( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) مفعول له. والمعنى: أحلّ لكم ما وراء ذلكم، إرادة أن تطلبوا بأموالكم الصرف في مهورهنّ أو أثمانهنّ، حال كونكم أعفّاء غير زناة. فيكون مفعول «تبتغوا» مقدّرا. ويجوز أن يكون «أن

__________________

(١) أي: غير هذه الآية.


تبتغوا» بدلا من «ما وراء ذلكم» بدل الاشتمال. والإحصان العفّة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام. وقيل: محصنين متزوّجين. والسفاح الزنا من السفح، وهو صبّ المنيّ، فإنّه الغرض منه لا غير، بخلاف التزوّج.

( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ ) فمن تمتّعتم به من المنكوحات، أو فما استمتعتم به منهنّ من جماع أو عقد عليهنّ. وقال الجوهري: «استمتع بمعنى: تمتّع، والاسم المتعة»(١) ( فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) أي: مهورهنّ، فإنّ المهر في مقابلة الاستمتاع( فَرِيضَةً ) حال من الأجور، بمعنى: مفروضة، أو صفة مصدر محذوف، أي: إيتاء مفروضا، أو مصدر مؤكّد.

والأصحّ أنّ المراد به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معيّن إلى أجل معلوم. سمّي به إذا الغرض منه مجرّد الاستمتاع بالمرأة، أو تمتيعها بما تعطى.

وهذا منقول عن ابن عبّاس والسدّي وسعيد بن جبير وجماعة من التابعين.

وهو مذهب أصحابنا الإماميّة.

ولفظ الاستمتاع والتمتّع وإن كان في الأصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ، فقد صار في عرف الشرع هذا العقد المسمّى متعة. ويدلّ عليه دلالة صريحة قراءة ابن عبّاس وأبيّ بن كعب وابن مسعود: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهنّ».

وأورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال: «أعطاني ابن عبّاس مصحفا فقال: هذا قراءة أبيّ، فرأيت في المصحف: فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى».

وبإسناده عن أبي نضرة قال: «سألت ابن عبّاس عن المتعة فقال: أما تقرأ

__________________

(١) الصحاح ٣: ١٢٨٢.


سورة النساء؟ قلت: بلى. قال: فما تقرأ «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى»؟ قلت: لا أقرؤها هكذا. قال ابن عبّاس: والله هكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات».

وكذا نقل الخاصّة والعامّة عن ابن عبّاس أنّه كان يفتي بالمتعة ويعمل.

ومناظرته مع ابن الزبير في ذلك مشهورة. وقول ابن عبّاس في ذلك حجّة، كما قالعليه‌السلام عنه إنّه كنيف(١) مليء علما.

ودعوى الخصم رجوعه عن ذلك ممنوع.

وبإسناده عن سعيد بن جبير أنّه قرأ «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى».

وبإسناده عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: «سألت عن هذه الآية( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) أمنسوخة هي؟ قال: لا.

قال الحكم: قال عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : لولا أنّ عمر نهي عن المتعة ما زنى إلا شقيّ».

وعن ابن مسكان أيضا قال: «سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: كان عليّعليه‌السلام يقول: لولا ما سبقني إليه ابن الخطّاب ما زنى إلا شفا».

وفي السرائر(٢) : «الشفا بالشين المعجمة والفاء، ومعناه: إلّا قليل».

وبإسناده عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللهعزوجل ، ولم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتمتّعنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومات ولم ينهنا عنها، فقال بعد رجل برأيه ما شاء».

وممّا أورده مسلم بن الحجّاج في الصحيح، حدّثنا الحسن الحلواني، قال: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: «قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة. فقال: استمتعنا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبي بكر وعمر».

__________________

(١) الكنف: ووعاء يكون فيه متاع التاجر أو الراعي، والكنيف لعلّه تصغير ذلك.

(٢) السرائر ٢: ٦٢٦.


وممّا يدلّ أيضا على أنّ لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع والجماع، أنّه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شيء من المهر من لا ينتفع من المرأة بشيء، وقد علمنا أنّه لو طلّقها قبل الدخول لزمه نصف المهر. ولو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد، لأنّه قال:( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) أي: مهورهنّ، ولا خلاف في أنّ ذلك غير واجب، وإنّما تجب الأجرة بكمالها بنفس العقد في نكاح المتعة.

ودليل آخر على إثبات عقد المتعة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطّاب: «متعتان كانتا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنا أنهى عنهما». وفي رواية أخرى: «أنا أحرّمهما وأعاقب عليهما» فأخبر أنّ المتعة كانت على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأضاف النهي أو التحريم عنها إلى نفسه لضرب من الرأي، فلو كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نسخها أو نهى عنها وأباحها في وقت مخصوص دون غيره ـ كما هو رأي العامّة ـ لأضاف التحريم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون نفسه. وأيضا فإنّه قرن بين متعة الحجّ ومتعة النساء في النهي، ولا خلاف في أنّ متعة الحجّ غير منسوخة ولا محرّمة، فوجب أن يكون حكم متعة النساء كذلك.

وعلى هذا فمعنى قوله:( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) لا حرج ولا إثم عليكم في استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدّة الأجل المضروب في عقد المتعة، مع زيادة المدّة والأجر على حسب التراضي. وهذا قول الإماميّة، وتظاهرت به الروايات عن أئمّتهمعليهم‌السلام . ومن قال: إنّ المراد بالاستمتاع الانتفاع والجماع، قال: المعنى: لا حرج عليكم فيما يزاد على المسمّى أو يحطّ عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق.

( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) بالمصالح( حَكِيماً ) فيما شرع لعباده، من عقد النكاح الّذي به تحفظ الأنساب، وسائر أحكام أخر.


( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) )

ثمّ بيّن سبحانه نكاح الإماء، فقال:( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً ) الطول: الفضل والزيادة. والخطاب للمؤمنين، أي: ومن لم يجد غنى وزيادة في المال وسعة يبلغ بها.( أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ ) يعني: الحرائر، لقوله:( فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) أي: فينكح أمة من ما ملكت أيمانكم من إمائكم المؤمنات، فإنّ مهور الإماء ومؤونتهنّ أخفّ، لا من فتيات غيركم من المخالفين في الدين.

وفيه دلالة على أنّه لا يجوز نكاح الأمة الكتابيّة، لأنّه تعالى قيّد جواز العقد عليهنّ بالإيمان.

( وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ ) فاكتفوا بظاهر الإيمان، فإنّه العالم بالسرائر، وبتفاضل ما بينكم وبين أرقّائكم في الإيمان، ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرّة، والمرأة أفضل من الرجل في الإيمان، فمن حقّكم أن تعتبروا فضل الإيمان، لا فضل الأحساب والأنساب. والمقصود من هذا القول تأنيسهم بنكاح الإماء، ومنعهم عن الاستنكاف منه، كما هو من عادات


الجاهليّة. ثمّ أكّد هذا بقوله:( بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) أي: أنتم وأرقّاؤكم متناسبون، لأنّ نسبكم من آدمعليه‌السلام ودينكم الإسلام، فلا تستنكفوا من نكاحهنّ.

( فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ ) الضمير للفتيات، أي: تزوّجوهنّ بإذن مواليهنّ( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) أي: أدّوا إليهنّ مهورهنّ بإذن أهلهنّ، فحذف لتقدّم ذكره، أو إلى مواليهنّ بحذف المضاف، للعلم بأنّ المهر للسيّد، لأنّه عوض حقّه، فيجب أن يؤدّى إليه. وقال مالك: المهر للأمة، ذهابا إلى الظاهر.( بِالْمَعْرُوفِ ) بغير مطل وضرار ونقصان، وإحواج إلى الاقتضاء( مُحْصَناتٍ ) عفائف( غَيْرَ مُسافِحاتٍ ) غير مجاهرات بالسفاح( وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ ) أخلّاء في السرّ.

عن ابن عبّاس أنّه قال: كان قوم في الجاهليّة يحرّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلّون ما خفي منه، فنهى الله تعالى عن الزنا جهرا وسرّا.

( فَإِذا أُحْصِنَ ) فإذا زوّجن. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: «فإذا أحصنّ» بفتح الهمزة والصاد، أي: أحصنّ أنفسهنّ بالتزوّج.( فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ) بزنا( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ ) يعني: الحرائر( مِنَ الْعَذابِ ) من الحدّ، لقوله تعالى:( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) . وهو خمسون جلدة. وفيه دلالة على أنّ حدّ العبد نصف حدّ الحرّ، وأنّه لا يرجم، لأنّ الرجم لا ينتصف.

( ذلِكَ ) أي: نكاح الإماء عند عدم الطول( لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ) لمن خاف الوقوع في الزنا عند شدّة الشبق. وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، مستعار لكلّ مشقّة وضرر، ولا ضرر أعظم من الوقوع في الزنا، لأنّه أفحش القبائح، ومستلزم للحدّ في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقيل: المراد به حدّ الأحرار. وهذا شرط آخر لنكاح الإماء.

( وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعفّفين خير لكم.

__________________

(١) النور: ٢.


قالعليه‌السلام : «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاكه».( وَاللهُ غَفُورٌ ) لمن لم يصبر( رَحِيمٌ ) بأن رخّص له.

( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) )

ثمّ بيّن سبحانه بعد التحليل والتحريم أنّه يريد بذلك مصالحنا ومنافعنا، فقال:( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) ما تعبّدكم به من الحلال والحرام لصلاح دينكم ودنياكم، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم. و «ليبيّن» مفعول «يريد». واللام زيدت لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة، كما زيدت في: لا أبا لك، لتأكيد إضافة الأب. وقيل: المفعول محذوف، و «ليبيّن» مفعول له، أي: يريد الحقّ لأجله.

( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) مناهج من تقدّمكم من أهل الرشد من الأنبياء وأتباعهم، لتقتدوا بهم، وتسلكوا طريقهم( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ويغفر لكم ذنوبكم، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي، ويحثّكم على التوبة، أو إلى ما يكون كفّارة لسيّئاتكم( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بالأحكام المذكورة، وبمن عمل بها ومن لم يعمل( حَكِيمٌ ) في وضعها.

( وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) بأن يوفّقكم لها، ويقوّي دواعيكم إليها. كرّره للتأكيد، ولمقابلة قوله:( وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ) يعني: الفجرة المبطلين، فإنّ كلّ مبطل متّبع شهوة نفسه، ومطيع لها في الباطل. وأمّا المتعاطي لـما سوّغه


الشرع منها دون غيره فهو متّبع للشرع في الحقيقة لا للشهوات.( أَنْ تَمِيلُوا ) عن الحقّ، بموافقتهم على اتّباع الشهوات، واستحلال المحرّمات( مَيْلاً عَظِيماً ) بالإضافة إلى ميل من اقترف خطيئته على ندور غير مستحلّ لها. ولا شبهة أنّه لا ميل أعظم من الموافقة على اتّباع الشهوات المردية.

وقيل: المراد منهم اليهود. وقيل: المجوس، فإنّهم يحلّون الأخوات من الأب وبنات الأخ والأخت.

( يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفيّة السمحة السهلة، ورخّص لكم في المضايق، كإحلال نكاح الأمة( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) لا يصبر عن الشهوات، ولا يتحمّل مشاقّ الطاعات.

وعن ابن عبّاس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: هذه الثلاث، و( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) (١) ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) (٢) .( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) (٣) ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ) (٤) ( ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ) (٥) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) )

ولـمّا بيّن سبحانه تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، عقّبه بتحريم

__________________

(١) النساء: ٣١، ٤٨، ٤٠، ١١٠، ١٤٧.

(٢) النساء: ٣١، ٤٨، ٤٠، ١١٠، ١٤٧.

(٣) النساء: ٣١، ٤٨، ٤٠، ١١٠، ١٤٧.

(٤) النساء: ٣١، ٤٨، ٤٠، ١١٠، ١٤٧.

(٥) النساء: ٣١، ٤٨، ٤٠، ١١٠، ١٤٧.


الأموال في الوجوه الباطلة، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) .

المراد بالأكل سائر التصرّفات. واختصاصها بالأكل لأنّه معظم المنافع، ولأنّه في العرف يطلق الأكل على وجوه الإنفاقات، يقال: أكل ماله بالباطل، وإن أنفقه في غير الأكل.

والمراد بالباطل ما لم يبحه الشرع، كالغصب والربا والقمار.

ومعناه: لا ينفق بعضكم أموال بعض بغير سبب مبيح شرعا.

( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ) استثناء منقطع، أي: ولكن كون تجارة عن تراض غير منهيّ عنه، أو اقصدوا كون تجارة. و «عن تراض» صفة لـ «تجارة»، أي: تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين. وتخصيص التجارة من الوجوه الّتي بها يحلّ تناول مال الغير، لأنّها أغلب وأوفق لذوي المروءات. ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا بأحد العقود السائغة.

وقرأ الكوفيّون: تجارة، بالنصب على «كان» الناقصة وإضمار الاسم، أي: إلّا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة.

( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) بأن تقاتلوا الّذين لا تطيقونهم فيقتلوكم. أو بالبخع(١) ، بأن يقتل الرجل نفسه، كما يفعله بعض الجهّال في حال غضب أو ضجر أو بارتكاب ما يؤدّي إلى قتلها.

وقيل: المراد بالأنفس من كان من أهل دينهم، فإنّ المؤمنين كنفس واحدة، كقولهعليه‌السلام : «سلّموا على أنفسكم».

فالمعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، أو لا تقتلوا أنفسكم، بأن تهلكوها بارتكاب الآثام، والعدوان في أكل مال بالباطل، وغيره من المعاصي الّتي بها تستحقّون العذاب، فإنّه القتل الحقيقي للنفس.

__________________

(١) بخع نفسه: نهكها، وكاد يهلكها من غضب أو غمّ.


والقول الأوّل مرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وعلى التقادير ؛ جمع الله تعالى في هذه الآية التوصية بين حفظ النفس والمال الّذي هو شقيقها، من حيث إنّه سبب قوامها، استبقاء لهم، ريثما تستكمل النفوس وتستوفي فضائلها، رأفة ورحمة عليهم، ولهذا قال بعد ذلك:( إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) أي: أمر ما أمر ونهى عمّا نهى لفرط رحمته عليكم. ومعناه: أنّه كان بكم يا أمّة محمّد رحيما، لأنّه أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس، ونهاكم عنه.

( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) إشارة إلى القتل، أو ما سبق من المحرّمات( عُدْواناً وَظُلْماً ) إفراطا في التجاوز عن الحقّ، وأخذا على غير وجه الاستحقاق. وقيل: أراد بالعدوان التعدّي على الغير، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب.( فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً ) ندخله نارا مخصوصة شديدة العذاب( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) لا عسر فيه، ولا صارف عنه.

( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر السيّئات عقّبه بالترغيب في اجتنابها، فقال:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) كبائر الذنوب الّتي نهاكم الله ورسوله عنها( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) نغفر لكم صغائركم، ونمحها عنكم( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ) الجنّة وما وعد فيها من الثواب، أو إدخالا مع كرامة.

وقرأ نافع بفتح الميم. وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر.

واختلف في الكبائر، والأقرب أنّ الكبيرة كلّ ذنب رتّب الشارع عليه حدّا، وصرّح بالوعيد فيه. وقيل: ما علم حرمته بقاطع.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّها سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس الّتي حرّم الله، وقذف


المحصنة، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين.

وعن ابن عبّاس: الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنّه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. رواهما الواحدي(١) في تفسيره بالإسناد مرفوعا.

وقيل: أراد بها ها هنا أنواع الشرك، لقوله:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) (٢) .

وقيل: صغر الذنوب وكبرها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك، وأصغر الصغائر حديث النفس، وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران. ولعلّ هذا ممّا يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنّه تعالى عاتب نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كثير من خطراته الّتي لم تعدّ على غيره خطيئة، فضلا أن يؤاخذه عليها.

وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفرعليهم‌السلام ، قال: «دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام ، فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية:( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ ) (٣) ثم أمسك.

فقال أبو عبد الله: ما أسكتك؟

قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب اللهعزوجل .

قال: نعم، يا عمرو أكبر الكبائر: الشرك بالله، لقول اللهعزوجل :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) (٤) وقال:( مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ

__________________

(١) الوسيط ٢: ٤٠ ـ ٤١.

(٢) النساء: ٤٨.

(٣) الشورى: ٣٧.

(٤) النساء: ٤٨ و١١٦.


النَّارُ ) (١) .

وبعده اليأس من روح الله، لأنّ الله يقول:( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (٢) .

ثمّ الأمن من مكر الله، لأنّ الله يقول:( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) (٣) .

ومنها: عقوق الوالدين، لأنّ اللهعزوجل جعل العاقّ جبّارا شقيّا في قوله:( وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ) (٤) .

ومنها: قتل النفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، لأنّه سبحانه يقول:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) (٥) الآية.

وقذف المحصنات، لأنّ اللهعزوجل يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (٦) .

وأكل مال اليتيم ظلما، لقولهعزوجل ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) (٧) الآية.

والفرار من الزحف، لأنّ اللهعزوجل يقول:( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (٨) .

__________________

(١) المائدة: ٧٢.

(٢) يوسف: ٨٧.

(٣) الأعراف: ٩٩.

(٤) مريم: ٣٢.

(٥) النساء: ٩٣.

(٦) النور: ٢٣.

(٧) النساء: ١٠.

(٨) الأنفال: ١٦.


وأكل الربا، لأنّ اللهعزوجل يقول:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ ) (١) . ويقول:( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (٢) .

والسحر، لأنّ اللهعزوجل يقول:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) (٣) .

والزنا، لأنّ الله تعالى يقول:( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) (٤) .

واليمين الغموس، لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) (٥) .

والغلول، فإنّ الله سبحانه يقول:( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) (٦) .

ومنع الزكاة المفروضة، لأنّ الله تعالى يقول:( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) (٧) الآية.

وشهادة الزور وكتمان الشهادة، لأنّ اللهعزوجل يقول:( وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (٨) .

وشرب الخمر، لأنّ اللهعزوجل عدل بها عبادة(٩) الأوثان.

وترك الصّلاة متعمّدا، أو شيئا من ما فرض اللهعزوجل ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول :

__________________

(١) البقرة: ٢٧٥، ٢٧٩، ١٠٢.

(٢) البقرة: ٢٧٥، ٢٧٩، ١٠٢.

(٣) البقرة: ٢٧٥، ٢٧٩، ١٠٢.

(٤) الفرقان: ٦٨ ـ ٦٩.

(٥) آل عمران: ٧٧، ١٦١.

(٦) آل عمران: ٧٧، ١٦١.

(٧) التوبة: ٣٥.

(٨) البقرة: ٢٨٣.

(٩) في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) المائدة: ٩٠.


«من ترك الصّلاة متعمّدا فقد برىء من ذمّة الله وذمّة رسوله».

ونقض العهد وقطيعة الرحم، لأنّ الله يقول:( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (١) .

قال: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه، وهو يقول: هلك من قال برأيه، ونازعكم في الفضل والعلم».

وعن ابن مسعود: كلّما نهى الله عنه من أوّل السورة إلى رأس الثلاثين فهو كبيرة.

( وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) )

ولـمّا بيّن سبحانه حكم المواريث، وفضّل بعضهم على بعض في ذلك، وانساق الكلام إلى هاهنا، عقّبه بتحريم التمنّي الّذي هو سبب التباغض، فقال:( وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ) من الأمور الدنيويّة، كالمال والجاه.

والمعنى: لا يقل أحدكم: ليت ما أعطي فلان من المال والجاه كان لي، فإنّ ذلك يكون حسدا. ولكن يجوز أن يقول: أللّهمّ أعطني مثله. وهذا المعنى منقول عن ابن عبّاس، ومرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

ففي الآية نهي عن التحاسد الّذي يقتضيه تمنّي ما فضّل الله بعض الناس على بعض، من المال والجاه والجمال. ولـمّا كان ذلك التفضّل قسمة من الله العالم بأحوال

__________________

(١) الرعد: ٢٥.


العباد، فواجب على العبد أن يرضى بقسمته الصادرة عن الحكمة والعلم بالمصلحة، كما بيّنه بقوله:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) أي: لكلّ من الرجال والنساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب، ومن أجله، من التجارات والزراعات والصناعات، فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتمنّي، فينبغي أن يقنع كلّ منهم ويرضى بما قسّم الله له من كسبه.

وقيل: المراد نصيب الميراث، وتفضيل الورثة بعضهم على بعض فيه. فجعل سبحانه ما قسّمه لكلّ من الرجال والنساء ـ على حسب ما عرفه من صلاحه ـ كسبا له على سبيل الاتّساع، فإنّ الاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والإحراز.

روي أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزو، وإنّما لنا نصف الميراث، ليتنا كنّا رجالا، فنزلت:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) .

( وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) أي: لا تتمنّوا ما للناس، واسألوا الله مثله من خزائنه الّتي لا تنفد. قال سفيان بن عيينة: لم يأمرنا بالمسألة إلّا ليعطي. وعن ابن مسعود، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «سلوا الله من فضله، فإنه يحبّ أن يسأل» و «أفضل العبادة انتظار الفرج».

وقرأ ابن كثير والكسائي: «وسلوا الله من فضله»، «وسلهم»(١) ، «فسل الّذين»(٢) وشبهه، إذا كان أمرا للمواجه في كلّ القرآن، وقبل السين واو أو فاء بغير همز. وحمزة في الوقف على الأصل، والباقون بالهمز. ولم يختلفوا في( وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ) (٣) أنّه مهموز.

__________________

(١) الأعراف: ١٦٣.

(٢) يونس: ٩٤.

(٣) الممتحنة: ١٠.


( إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) فهو يعلم ما يستحقّه كلّ إنسان، فيفضّل عن علم وتبيان.

( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) )

ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر المواريث، فقال:( وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ) أي: ولكلّ تركة جعلنا ورّاثا يلونها ويحرزونها. و «ممّا ترك» بيان «لكلّ» مع الفصل بالعامل. أو المعنى: ولكلّ ميّت جعلنا ورّاثا ممّا ترك، على أنّ «من» صلة «موالي»، لأنّه في معنى الوارث الّذي هو أولى بالإرث. وفي ترك ضمير «كلّ» و «الوالدان» و «الأقربون» استئناف مفسّر للموالي، كأنّه قيل: من هم؟ فيجاب: الوالدان والأقربون. أو: ولكلّ قوم جعلناهم موالي حظّ ممّا ترك الوالدان والأقربون، على أن «جعلنا موالي» صفة «لكلّ» والراجع إليه محذوف.

( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) المراد بالموصول موالي الموالاة. كان الرجل في الجاهليّة يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي(١) هدمك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتعقل عنّي وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف. فنسخ بقوله:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (٢) . أو المراد الأزواج، على أنّ المراد عقد النكاح.

وعلى التقديرين ؛ الموصول مع صلته مبتدأ ضمّن معنى الشرط، وخبره( فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) أي: فأعطوهم نصيبهم. أو منصوب بمضمر يفسّره ما بعده ،

__________________

(١) الهدم: المهدر من الدماء. يقال: دمه هدم، أي: هدر.

(٢) الأنفال: ٧٥.


كقولك: زيدا فاضربه. أو معطوف على «الوالدان»، وقوله «فآتوهم نصيبهم» جملة مسبّبة عن الجملة المتقدّمة، مؤكّدة لها، والضمير للموالي.

وقرأ الكوفيّون: عقدت، بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم، فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فصار: عقدوا، ثمّ حذف كما حذف في القراءة الأولى، فأسند العقود إلى الأيمان على سبيل التجوّز.

( إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ) تهديد على منع نصيبهم.

( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) )

ولـمّا بيّن الله تعالى فضل الرجال على النساء، ذكر عقيبه فضلهم في القيام بأمر النساء، فقال:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) يقومون عليهنّ بالأمر والنهي والتدبير والتأديب، كما تقوم الولاة على رعاياهم.

ثمّ علّل ذلك بأمرين: موهوبي وكسبي، فقال:( بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) بسبب تفضيل الله بعضهم ـ وهم الرجال ـ على بعض ـ يعني: النساء ـ بكمال العقل والحزم وحسن التدبير، ومزيد القوّة في الأعمال والطاعات، فلذلك خصّوا بالنبوّة والإمامة والولاية، ووجوب الأذان والخطبة والجهاد والجمعة، وزيادة السهم وعدد الأزواج، والاستبداد بالفراق، وغير ذلك من شعائر الإسلام( وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ ) في نكاحهنّ، كالمهر والنفقة.


قال مقاتل: نزلت الآية في سعد بن الربيع بن عمرو، وكان من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وهما من الأنصار. وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أفرشته كريمتي فلطمها. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لتقتصّ من زوجها. فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ارجعوا هذا جبرئيل أتاني وأنزل الله هذه الآية. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والّذي أراد الله خير، ورفع القصاص.

وقال الكلبي: نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن مسلمة.

وذكر القصّة نحوها.

وقال أبو روق، نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس. وذكر قريبا منه.

وعلى تقدير صحّة النقل فالآية ناسخة لحكمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي هو أيضا من حكم الله تعالى.

( فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ ) مطيعات لله تعالى، قائمات بحقوق الأزواج( حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ) لمواجب الغيب، أي: يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب عليهنّ في النفس والمال.

وعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها(١) ونفسها، وتلا هذه الآية».

وقيل: حافظات لأسرار أزواجهنّ( بِما حَفِظَ اللهُ ) بحفظ الله إيّاهنّ بالأمر على حفظ الغيب، والحثّ عليه بالوعد والوعيد، والتوفيق له، فتكون «ما»

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «أضاف المال إليها وإن كان للزوج، لملابستها بالتصرّف فيه، ونحوه:( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ ) والمراد أموالهم، فأضافها إلى الأولياء لتصرّفهم فيها. منه». والآية في سورة النساء: ٥.


مصدريّة. أو بالّذي حفظه الله لهنّ عليهم من المهر والنفقة، والقيام بحفظهنّ والذبّ عنهنّ، فتكون موصولة.

( وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ ) عصيانهنّ وترفّعهنّ عن مطاوعة الأزواج، مأخوذ من النشز، وهو الانزعاج والترفّع( فَعِظُوهُنَ ) أوّلا بالوعظ والنصيحة، بأن تقولوا لهنّ: اتّقين الله وارجعن إلى طاعتنا.

( وَاهْجُرُوهُنَ ) ثانيا إن لم تنجع النصيحة( فِي الْمَضاجِعِ ) في المراقد.

وهي كناية عن الجماع. وقيل: معناه: لا تدخلوهنّ تحت اللحف. وقيل: هو أن يولّيها ظهره في المضجع. وهذا القول مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

( وَاضْرِبُوهُنَ ) ثالثا إن لم يفد الهجران، ضربا غير مبرح(١) للجلد، ولا كاسر للعظم. والأمور الثلاثة مترتّبة، فينبغي أن يتدرّج فيها.

( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ) بترك النشوز، بأن رجعن إلى طاعتكم في الائتمار لأمركم( فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) بالتوبيخ والإيذاء. والمعنى: فأزيلوا عنهنّ التعرّض، واجعلوا ما كان منهنّ كأن لم يكن، فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) فاحذروه، فإنّه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. أو إنّه على علوّ شأنه يتجاوز عن سيّئاتكم ويتوب عليكم، فأنتم أحقّ بالعفو عن أزواجكم. أو إنّه يتعالى ويتكبّر أن يظلم أحدا أو ينقص حقّه.

( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) )

ولـمّا قدّم سبحانه الحكم عند مخالفة أحد الزوجين صاحبه، عقّبه بذكر

__________________

(١) أي: غير مزيل.


الحكم عند التباس الأمر في المخالفة، فقال:( وَإِنْ خِفْتُمْ ) حسبتم. وقيل: علمتم( شِقاقَ بَيْنِهِما ) خلافا بين المرأة وزوجها. أضمرهما وإن لم يجر ذكرهما لجري ما يدلّ عليهما، وهو ذكر الرجال والنساء. وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به، كقوله: يا سارق الليلة، أو الفاعل، كقولهم: نهارك صائم.

( فَابْعَثُوا ) أيّها الحكّام لتبيين أمرهما، أو إصلاح ذات البين( حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) رجلا وسيطا يصلح لحكومة العدل والإصلاح من أهل الزوج، وآخر من أهل الزوجة، فإنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح.

وهذا على سبيل الاستحباب، فلو نصبا من الأجانب جاز.

وقيل: الخطاب للأزواج والزوجات. والأوّل مرويّ عن الصادق. واستدلّ به على جواز التحكيم.

وقال مالك: لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه من غير أن يستأمرا الزوجين، ورضيا بذلك. وعند أصحابنا الإماميّة أنّ النصب لإصلاح ذات البين أو لتبيين الأمر، ولا يليان التفرّق إلّا بإذن الزوجين.

( إِنْ يُرِيدا ) أي: يريد الحكمان( إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما ) بين الزوجين، أي: إن قصد الإصلاح أوقع الله تعالى ـ بحسن سعيهما ونيّتهما ـ الموافقة بين الزوجين.

وقيل: الضمير الأوّل والثاني للحكمين، أي: إن قصدا الإصلاح يوفّق الله بينهما، ليتّفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما.

وقيل: للزوجين، أي: إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق، أوقع الله تعالى بينهما الألفة والوفاق. وفيه تنبيه على أنّ من أصلح نيّته فيما يتحرّاه، أصلح الله مبتغاه.

( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً ) بالظواهر والبواطن، فيعلم ما يريد الحكمان من الإصلاح والإفساد.


( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) )

ولـمّا أمر الله سبحانه بمكارم الأخلاق في أمر اليتامى والأزواج والعيال، عطف على ذلك الخلال المحمودة المشتملة على معالي الأمور ومحاسن الأفعال.

فبدأ بالأمر بعبادته الّتي هي رأس الخصال الحميدة، ومنشأ الخلال السنيّة، فقال:( وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) صنما أو غيره، أو شيئا من الإشراك جليّا أو خفيّا( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) أي: أحسنوا بهما إحسانا، من برّ وإعانة وإنعام.

( وَبِذِي الْقُرْبى ) وبصاحب القرابة، أي: بكلّ من بينكم وبينه قرابة( وَالْيَتامى ) بحفظ أموالهم والقيام عليها، وغيرها من وجوه الإحسان( وَالْمَساكِينِ ) فلا تضيّعوهم، وأعطوهم ما تحتاجون إليه من الطعام والكسوة وسائر ما لا بدّ منه لهم.

( وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) أي: الّذي جواره قريب. وقيل: الّذي له مع الجوار قرب واتّصال بنسب أو دين.

( وَالْجارِ الْجُنُبِ ) الّذي جواره بعيد، أو الّذي لا قرابة له.

وفي الحديث: «الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حقّ الجوار وحقّ القرابة وحقّ الإسلام، وجار له حقّان: حقّ الجوار وحقّ الإسلام، وجار له حقّ


واحد: حقّ الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب».

وروي أنّ حدّ الجوار إلى أربعين دارا. ويروى إلى أربعين ذراعا.

( وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ) أي: الّذي يصحب الإنسان، بأن يحصل بجنبه بكونه رفيقه في أمر حسن، كسفر أو صناعة أو شركة، أو قاعد إلى جنبه في مجلس، أو خادم، فإنّ كلّ هؤلاء صحبه وحصل بجنبه، فعليه أن يراعي حقّه. وقيل: المراد المرأة.

( وَابْنِ السَّبِيلِ ) المسافر المنقطع به، أو الضيف( وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) العبيد والإماء. وذكر اليمين تأكيد، كما يقال: مشت رجلك وبطشت يدك. وموضع «ما» جرّ بالعطف على ما تقدّم، أي: وأحسنوا بعبيدكم وإمائكم بالنفقة والسكنى، ولا تحمّلوهم من الأعمال ما لا يطيقونه.

( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً ) متكبّرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه، ولا يلتفت إليهم( فَخُوراً ) يتفاخر عليهم بكثرة ماله.

هذه آية جامعة تضمّنت بيان أركان الإسلام، والتنبيه على مكارم الأخلاق.

ومن تدبّرها حقّ التدبّر، وتذكّرها حقّ التذكّر، أغنته عن كثير من مواعظ البلغاء، وهدته إلى جمّ غفير من علوم العلماء.

وقوله:( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بدل من قوله: «من كان»، أو نصب على الذمّ، أو رفع عليه، أي: هم الّذين يبخلون بما منحوا به، ويمنعون ما أوجب الله عليهم من الزكاة وغيرها( وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) ويأمرون غيرهم بذلك.

وقرأ حمزة والكسائي بالبخل بفتحتين. وهي لغة.

( وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ويجحدون ما أعطاهم الله من اليسار والثروة، اعتذارا لهم في البخل.

ويحتمل أن يكون الموصول مع صلته مبتدأ خبره محذوف، تقديره: الّذين


يبخلون ويفعلون كذا وكذا أحقّاء بكلّ ملامة، مستحقّون للعقوبة.

وقيل: الآية نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار تنصّحا: ولا تنفقوا أموالكم، فإنّا نخشى عليكم الفقر، ومع ذلك كتموا ما عندهم من العلم بنعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومبعثه.

والأولى أن تكون هذه الآية عامّة في كلّ من يبخل بأداء ما يجب عليه أداؤه، ويأمر الناس به، وعامّة في كلّ من كتم فضلا آتاه الله تعالى، من العلم وغيره من أنواع النعم الّتي يجب إظهارها ويحرم كتمانها. وقد ورد في الحديث: «إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبّ أن يرى أثرها عليه».

( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشعارا بأنّ من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، ومن كان كافرا لنعمة الله فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.

( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) )

ثمّ عطف على «الّذين يبخلون» أو «الكافرين» قوله:( وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ) . وإنّما شاركهم في الذمّ والوعيد لأنّ البخل والسرف ـ الّذي هو الإنفاق لا على ما ينبغي ـ من حيث إنّهما طرفا إفراط وتفريط سواء في القبح واستجلاب الذمّ.

ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله:( وَمَنْ يَكُنِ


الشَّيْطانُ ) ، تقديره: الّذين ينفقون أموالهم رئاء الناس فقرينهم الشيطان.

و «رئاء الناس» منصوب على العلّيّة، أي: للمراءاة والفخار، وليقال: إنّهم أسخياء، لا لوجه الله.

وقيل: هم مشركو قريش أنفقوا أموالهم في عداوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقيل: هم المنافقون.

( وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ليتحرّوا بالإنفاق مراضيه وثوابه( وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً ) هذا تنبيه على أنّ الشيطان قرنهم، فحملهم على البخل والرياء وكلّ شرّ وفساد، وزيّنه لهم، كقوله تعالى:( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) (١) . والمراد: إبليس وأعوانه من الجنّ والإنس. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن يكون الشيطان مقرونا بهم في النار.

( وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ ) أي: وما الّذي عليهم من الشنعة؟ أو: أيّ تبعة تحيق بهم بسبب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟

وهذا توبيخ لهم وتهجين على الجهل بمكان المنفعة، والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. وتحريض على الفكر لطلب الجواب، لعلّه يؤدّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة. وتنبيه على أنّ المدعوّ إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطا، فكيف إذا تضمّن المنافع؟! وإبطال لقول من قال: إنّهم لا يقدرون على الإيمان، لأنّه لا يحسن أن يقال للعاجز عن الشيء: ماذا عليك لو فعلت كذا؟ فلا يقال للقصير: ماذا عليك لو كنت طويلا؟! وللأعمى: ماذا عليك لو كنت بصيرا؟! وفيه أيضا دلالة على أنّ الحرام لا يكون رزقا، من حيث إنّه سبحانه حثّهم

__________________

(١) الإسراء: ٢٧.


على الإنفاق ممّا رزقهم، وأجمعت الأمّة على أنّ الإنفاق من الحرام محظور.

وإنّما قدّم الإيمان هاهنا وأخّره في الآية الّتي قبل هذه، لأن القصد بذكره إلى التخصيص هاهنا والتعليل ثمّة.

( وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً ) فيجازيهم بما يفعلون ويعتقدون. وهذا وعيد لهم.

( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) )

ثمّ حثّ على الإنفاق على الوجه الحسن بقوله:( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرّة، وهي النملة الحمراء الصغيرة الّتي لا تكاد ترى لصغرها. ويقال: لكلّ جزء من أجزاء الهباء(١) . والمثقال مفعال من الثقل. وفي ذكره إيماء إلى أنّه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. وفي هذا دلالة على أنّه لو نقص من الأجر أدنى شيء أو زيد على المستحقّ من العقاب لكان ظلما.

( وَإِنْ تَكُ ) مثقال الذرّة( حَسَنَةً ) أنّث الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنّث. وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلّة. وقرأ ابن كثير ونافع: حسنة بالرفع على «كان» التامّة.( يُضاعِفْها ) أي: ضاعف ثوابها. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: يضعّفها. وكلاهما بمعنى.( وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ ) ويؤت صاحبها من عنده على سبيل التفضّل زائدا على ما وعد في مقابلة العمل( أَجْراً عَظِيماً ) عطاء جزيلا. وإنّما سمّاه أجرا لأنّه تابع للأجر، مزيد عليه، لا يثبت إلّا بثباته.

__________________

(١) الهباء: الغبار، ودقائق التراب.


( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً (٤٢) )

ولـمّا ذكر سبحانه اليوم الآخر وصف حال المنكرين له، فقال:( فَكَيْفَ ) حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم( إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ) يشهد ـ وهو نبيّهم ـ على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم. يعني: أنّ الله سبحانه يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على أمّته، فيشهد لهم وعليهم. والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر، وهو هول الأمر وتعظيم الشأن( وَجِئْنا بِكَ ) يا محمّد( عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ) تشهد على صدق هؤلاء الشهداء، لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم.

وقيل: «هؤلاء» إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم. وقيل: إلى المؤمنين، كقوله تعالى:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (١) .

وعن ابن مسعود قرأ هذه الآية على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ففاضت عيناه. فانظر في هذه الحالة إذا كان الشاهد يبكي لهول هذه المقالة، فما ذا ينبغي أن يصنع المشهود عليه، من الانتهاء عن كلّ ما يستحيا منه على رؤوس الأشهاد؟! ثم بيّن حال المشهود عليهم بقوله:( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ) أي: يودّ الّذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر في ذلك الوقت أن يدفنوا فتسوّى بهم الأرض، أي: يجعلون هم والأرض سواء كالموتى،

__________________

(١) البقرة: ١٤٣.


كما قال الله تعالى:( وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) (١) . يعنون بذلك أنّهم لم يبعثوا ولم يخلقوا، فكانوا هم والأرض سواء.

وقرأ نافع وابن عامر: تسّوّى بتشديد السين. وأصله تتسوّى، فأدغم التاء في السين. وحمزة والكسائي: تسوّى، بفتح التاء وتخفيف السين وإمالة الواو، على حذف التاء الثانية، يقال: سوّيته فتسوّى.

( وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً ) ولا يقدرون على كتمانه، لأنّ جوارحهم تشهد عليهم. وقيل: الواو للحال. والمعنى: يودّون أن تسوّى بهم الأرض وحالهم أنّهم لا يكتمون الله حديثا، ولا يكذبونه بقولهم:( وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (٢) ، إذ روي أنّهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم، فتشهد عليهم جوارحهم، فيشتدّ الأمر عليهم، فيتمنّون أن تسوّى بهم الأرض.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) )

ولـمّا أمر الله تعالى في الآية المتقدّمة بالعبادة ذكر عقيبها ما هو من أكبر

__________________

(١) النبأ: ٤٠.

(٢) الأنعام: ٢٣.


العبادات وأفضلها، وهو الصلاة وما هو شرط صحّتها، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) أي: لا تقوموا إليها وأنتم نشاوى من خمر ونحوها( حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) حتى تنتبهوا وتعلموا ما تقولون في صلاتكم.

روي أنّ عبد الرحمن بن عوف صنع مأدبة ودعا نفرا من رفقائه، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا(١) ، وجاء وقت صلاة المغرب فتقدّم عبد الرحمن ليصلّي بهم فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت.

وقيل: معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة، وهي المساجد، كقوله تعالى:( وَصَلَواتٌ ) (٢) . أي: مواضع الصلاة. ويؤيّد هذا قوله:( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) فإنّ العبور إنّما يكون في الموضع دون الصلاة.

وقيل: هو سكر النوم وغلبة النعاس. وروي ذلك عن الباقرعليه‌السلام .

ويعضده ما روته عائشة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فلينصرف، لعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري».

( وَلا جُنُباً ) عطف على قوله: «وأنتم سكارى»، إذ الجملة في موضع النصب على الحال، كأنّه قال: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. والجنب هو الّذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكّر والمؤنّث، والواحد والجمع، لأنّه يجري مجرى المصدر الّذي هو الإجناب.

( إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ ) متعلّق بقوله: «ولا جنبا». استثناء من أعمّ الأحوال، أي: لا تقربوا الصّلاة جنبا في عامّة الأحوال إلّا في حال كونكم مسافرين إذا لم يوجد الماء، فيجوز لكم أن تؤدّوها بالتيمّم. ويشهد له تعقيبه بذكر التيمّم. أو صفة لقوله: «جنبا» أي: جنبا غير عابري سبيل. وفيه دلالة على أنّ التيمّم لا يرفع حكم

__________________

(١) ثمل ثملا: أخذ فيه الشراب وسكر.

(٢) الحجّ: ٤٠.


الجنابة. ومن فسّر الصلاة بمواضعها فسّر «عابري سبيل» بالمجتازين فيها. فمعناه: لا تقربوا مواضع الصلاة جنبا إلّا مجتازين.

والقول الأوّل منقول عن أمير المؤمنينعليه‌السلام وابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد. والثاني عن جابر والحسن وعطاء والزهري. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

( حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) من الجنابة. وهو غاية النهي عن القربان حال الجنابة.

والقول الأخير أقوى، لأنّه سبحانه بيّن حكم الجنب في آخر الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، فإنّما أراد سبحانه أن يبيّن حكم الجنب في دخول المساجد في أوّل الآية، ويبيّن حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الآية.

( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ) مرضا يخاف معه من استعمال الماء، فإنّ الواجد له كالفاقد، أو مرضا يمنعه عن الوصول إليه( أَوْ عَلى سَفَرٍ ) أي: كنتم مسافرين لا تجدون الماء فيه( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين. وأصل الغائط المطمئنّ من الأرض، وكانوا يتبرّزون هناك لئلّا ير واحد في هذه الحالة، ثم كثر استعماله في الحدث تسمية باسم المجاور أو المحلّ.

( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) أو ماسستم بشرتهنّ ببشرتكم. وهذا كناية عن الجماع.

فمعناه: أو جامعتموهنّ. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة(١) : لمستم.

واستعماله كناية عن الجماع أقلّ من الملامسة.

وقال ابن عبّاس: سمّى الله الجماع لمسا كما سمّى المطر سماء. وعن عمر ابن الخطّاب والشعبي وعطاء وابن مسعود: أنّ المراد به اللمس باليد وغيرها.

واختاره الشافعي، وقال: إنّ اللمس ينقض الوضوء.

__________________

(١) المائدة: ٦.


والصحيح الأوّل، لأنّ الله تعالى بيّن حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله:( وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) ، ثم بيّن عند عدم الماء حكم المحدث.

بقوله:( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) ، فلا يجوز أن يدع بيان حكم الجنب عند عدم الماء، مع أنّه جرى له ذكر في الآية، وبيّن حكم المحدث ولم يجر له ذكر، فعلمنا أنّ المراد بقوله: «لامستم» الجماع، ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء، والمعلوم من قوله:( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) أي: فلم تتمكّنوا من استعماله، إذ الممنوع منه كالمفقود.

أراد سبحانه في هذه الآية أن يرخّص للّذين يجب عليهم الطهارة في التيمّم عند عدم الماء، فخصّ أوّلا من بينهم مرضاهم ومسافريهم، لأنّ الحال المقتضية للتيمّم في غالب الأمر مرض وسفر، فلأجل ذلك قدّمهما على سائر الأسباب الموجبة للتيمّم، ثمّ عمّ كلّ من وجب عليه الطهارة وأعوز الماء، لخوف عدوّ أو سبع أو عدم ما يتوصّل به إلى الماء، أو غير ذلك ممّا لا يكثر كثرة المرض والسفر، فلذلك نظم في سلك واحد بين المريض والمسافر وبين المحدث والجنب، ثمّ رتّب الحكم عليهم فقال:( فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ) أي: فتعمّدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا.

والتيمّم أصله القصد، وقد يخصّص في الشرع بقصد الصعيد لمسح أعضاء مخصوصة.

وقال الزجّاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أنّ الصعيد وجه الأرض، ترابا كان أو صخرا لا تراب عليه، فلو ضرب المتيمّم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره. وهو مذهب أبي حنيفة، والمرويّ عن أئمّة الهدىعليهم‌السلام . وعند الشافعي لا بدّ من علوق التراب باليد.

والتيمّم إن كان بدلا من الوضوء فضربة واحدة للوجه واليدين، وإن كان بدلا


من الغسل فضربتان: إحداهما للوجه، والأخرى لليدين. ومسح الوجه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف، ومن الزند إلى رؤوس الأصابع. وهذا التفصيل منقول عن ائمّتنا صلوات الله عليهم. وعند الشافعي ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين مطلقا. وعليه قوم من أصحابنا. ومزيد بيان مسائل التيمّم وفروعه محال إلى كتب الفقه.

( إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ) فلذلك يسّر الأمر عليكم، ورخّص لكم.

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً (٤٥) )

ولمّا ذكر سبحانه الأحكام الّتي أوجب العمل بها وصلها بالتحذير ممّا دعا إلى خلافها، فقال:( أَلَمْ تَرَ ) من رؤية البصر، أي: ألم تنظر إليهم؟ أو من رؤية القلب، وعدّي بـ «إلى» لتضمّن معنى الانتهاء، أي: ألم ينته علمك؟( إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) حظّا يسيرا من التوراة( يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ) يختارونها على الهدى، أو يستبدلونها به. وهي البقاء على اليهوديّة بعد وضوح المعجزات الدالّة على صدق محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والآيات الموضحة عن صحّة نبوّته، وأنّه النبيّ العربيّ المبشّر به في التوراة والإنجيل. وقيل: يأخذون الرشا، ويحرّفون التوراة.

( وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا ) أيّها المؤمنون( السَّبِيلَ ) سبيل الحقّ كما ضلّوه، فهم إذا ضلّوا أحبّوا أن يضلّ غيرهم معهم.

( وَاللهُ أَعْلَمُ ) منكم( بِأَعْدائِكُمْ ) وما هم عليه من الغشّ والحسد وشدّة


العداوة لكم، وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم، فاحذروهم، ولا تستشيروهم في أموالكم وسائر أحوالكم، ولا تستنصحوهم في أموركم.

( وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا ) يلي أمركم( وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً ) يعينكم، فاعتمدوا على ولايته، واكتفوا بنصرته عن غيره، ولا تبالوا بهم. وزيادة الباء في فاعل «كفى» لتوكيد الاتّصال الإسنادي.

( مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦) )

ثم بيّن سبحانه صفة حال اليهود ليتحرّز المؤمنون منهم، فقال:( مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) فإنّه بيان لـ( الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) ، لأنّهم يهود ونصارى. وتوسّطت بين البيان والمبيّن جمل اعتراضيّة، وهي قوله: «وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ » «وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً ». فالمعنى: الّذين أوتوا نصيبا هم الّذين هادوا لا النصارى.

أو بيان لـ «أعدائكم» أي: والله أعلم بحال أعدائكم الّذين هادوا.

أو صلة لـ «نصيرا» أي: ينصركم من الّذين هادوا ويحفظكم منهم، كقوله:( وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ) (١) .

__________________

(١) الأنبياء: ٧٧.


أو خبر مبتدأ محذوف صفته( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ) أي: ومن الّذين هادوا قوم يحرّفون الكلم، أي: يميلونه عن مواضعه الّتي وضعه الله فيها، بإزالته عنها وإثبات غيره فيها، كما حرّفوا «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة، ووضعوا مكانه: «آدم طوال»، وحرّفوا الرجم ووضعوا الحدّ بدله. أو يؤوّلونه على ما يشتهون، فيميلونه عمّا أنزل الله تعالى فيه. فعلى المعنى الأوّل التحريف لفظيّ، وعلى الثاني معنويّ. وتذكير الضمير باعتبار أن مرجعه اسم الجنس.

( وَيَقُولُونَ سَمِعْنا ) قولك( وَعَصَيْنا ) أمرك، أو يقولون بألسنتهم: سمعنا، وفي قلوبهم: عصينا( وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ) أي: حال كونك مدعوّا عليك بـ «لا سمعت» لصمم أو موت. أو اسمع حال كونك غير مجاب إلى ما تدعو إليه. أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه. أو اسمع كلاما غير مسمع إيّاك، لأنّ أذنك تنبو عنه. وعلى الوجه الأخير يكون مفعولا به. أو اسمع غير مسمع مكروها، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبّه. وعلى هذا قالوه على سبيل الخير نفاقا.

( وَراعِنا ) أنظرنا نكلّمك، أو نفهم كلامك( لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ) فتلا بها، وصرفا للكلام إلى ما يشبه السبّ، حيث وضعوا «غير مسمع» موضع «لا أسمعت مكروها» لقصد السبّ، و «راعنا» المشابه لـما يتسابّون به ـ وهو: راعنا ـ موضع «انظرنا». أو فتلا بها وضمّا لـما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السبّ والتحقير.

( وَطَعْناً فِي الدِّينِ ) استهزاء به وسخريّة.

إن قيل: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرّحوا وقالوا: سمعنا وعصينا.

قلنا: جميع الكفرة كانوا يواجهون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسبّ ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنّهم لـمّا لم يؤمنوا به جعلوا كأنّهم نطقوا به.


( وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا ) ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه( لَكانَ ) قولهم ذلك( خَيْراً لَهُمْ ) عاجلا وآجلا( وَأَقْوَمَ ) أي: أعدل وأسدّ وأصوب في الكلام. وإنّما يجب حذف الفعل بعد «لو» في مثل ذلك لدلالة «أنّ» عليه ووقوعه موقعه.

( وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ ) طردهم وأبعدهم عن رحمته( بِكُفْرِهِمْ ) بسبب كفرهم( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) إلّا إيمانا قليلا ضعيفا لا يعبأ به، وهو الإيمان ببعض الآيات والرسل. ويجوز أن يراد بالقلّة العدم، لأنّ وقوع القلّة موضع العدم في كلام العرب كثير. أو: إلّا قليلا منهم آمنوا، أو سيؤمنون. فخرج مخبره سبحانه على وفق خبره، فلم يؤمن منهم إلّا عبد الله بن سلام وأصحابه، وهم نفر قليل.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧) )

ثمّ خاطب أهل الكتاب بالتخويف والتحذير، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا ) صدّقوا( بِما نَزَّلْنا ) بما نزّلناه من القرآن وغيره من أحكام الإسلام على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ) من التوراة( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ) أي: نمحو آثارها وتخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم( فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ) فنجعلها على هيئة أدبارها ـ وهي الأقفاء ـ مطموسة مثلها، أو ننكس وجوها إلى خلف وأقفاها إلى قدّام، في الدنيا أو في الآخرة.

وأصل الطمس إزالة الأعلام الماثلة. وقد يطلق بمعنى الطّلس(١) في إزالة

__________________

(١) طلس الكتابة طلسا: محاها.


الصورة، وبمعنى مطلق القلب والتغيير، ولذلك قيل في معناه: من قبل أن نغيّر وجوها، فنسلب وجاهتها وإقبالها، ونكسوها الصّغار والإدبار. أو نردّها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام، يعني: إجلاء بني النضير. ويقرب منه قول من قال: إنّ المراد بالوجوه الوجهاء والرؤساء، أي: من قبل أن نغيّر أحوال وجهائهم، فنسلبهم وجاهتهم وإقبالهم، ونكسوها صغارهم وإدبارهم. أو المراد: نعمي الأبصار عن الاعتبار، ونصمّ الأسماع عن الإصغاء إلى الحقّ بالطبع والتخلية، ونردّها عن الهداية إلى الضلالة، ختما وتخلية.

( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ) أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت، أو نلعنهم على لسانك كما لعنّا أصحاب السبت على لسان داود.

والضمير لأصحاب الوجوه، أو لـ «الّذين» على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء. وعطفه على الطمس بالمعنى الأوّل يدلّ على أنّ المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا. ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال: إنّه بعد مترقّب، ولا بدّ من طمسهم ولعنهم قبل يوم القيامة، أو كان وقوعه مشروطا بعدم إيمانهم، وقد آمن منهم طائفة، كعبد الله بن سلام وأسد بن سعية وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد ومخريق وغيرهم، وأسلم كعب في أيّام عمر.

( وَكانَ أَمْرُ اللهِ ) من وعد ووعيد، وما حكم به وقضاه( مَفْعُولاً ) نافذا وكائنا، فيقع لا محالة ما أو عدتم به إن لم تؤمنوا.

( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨) )

ثمّ إنّه سبحانه آيس الكفّار من رحمته فقال:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) لأنّه بتّ الحكم على خلود عذابه، وأنّ ذنبه لا ينمحي عنه أثره، فلا يستعدّ للعفو ،


بخلاف غيره( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) أي: ما دون الشرك، صغيرا كان أو كبيرا( لِمَنْ يَشاءُ ) تفضّلا عليه وإحسانا.

ولـمّا ذهب المعتزلة إلى أنّ الله يغفر الشرك لمن يشاء، ولا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلّا بالتوبة، فأوّل الفعل المنفيّ والمثبت بأنّهما موجّهان إلى من يشاء.

والمعنى: أنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء، وهو من لم يتب، ويغفر ما دونه لمن يشاء، وهو من تاب.

وفي تقييد غفران ما دون الشرك بالتائب تقييد بلا دليل، إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من آيات الوعد، ونقض لمذهبهم، فإنّ تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها. فالآية كما هي حجّة عليهم، حجّة على الخوارج الّذين زعموا أنّ كلّ ذنب شرك، وأنّ صاحبه مخلّد في النار.

روى مطرف بن الشخير عن عمر بن الخطّاب قال: كنّا على عهد رسول الله إذا مات الرجل منّا على كبيرة شهدنا عليه بأنّه من أهل النار، حتّى نزلت هذه الآية، فأمسكنا عن الشهادات.

والصحيح أنّ الله لا يغفر المشرك غير التائب قطّ، ويغفر ما دون الشرك، التائب وغير التائب مطلقا تفضّلا.

وتنقيح هذا المبحث: أنّ الله تعالى نفى غفران الشرك أوّلا، وقد حصل الإجماع على أنّه تعالى يغفره بالتوبة، ثم أثبت غفران ما دون الشرك من المعاصي، فينبغي أن يكون المراد غفران من لم يتب منها، ليخالف المنفيّ المثبت. ثم علّق المشيئة بالمغفور لهم فقال: «لمن يشاء» أي: يغفر الذنوب الّتي هي دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له من المذنبين، ليكون العبد واقفا بين الخوف والرجاء، خارجا عن الإغراء، إذ الإغراء إنّما يحصل بالقطع على الغفران، دون الرجاء للغفران المعلّق بالمشيئة. ولذا قال الصادقعليه‌السلام : «لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا». ويؤيّده


قوله سبحانه:( وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (١) .( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) (٢) . فذكر المشيئة لأجل ذلك.

فالآية أرجى من كلّ آية، كما قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية».

وقد روينا قبل عن ابن عبّاس(٣) أنّه قال: ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت، قوله سبحانه:( يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) . و( يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) .( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) .( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) .( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) .

( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) في الموضعين.( ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ) . فظهر من هذا التفصيل أنّ الله تعالى يغفر الذنوب من غير توبة.

وإذا انتقش هذا على صفحة الخاطر علم أنّ ما قال جار الله في الكشّاف(٤) من أنّ المنفيّ والمثبت في الآية موجّهان إلى قوله: «لمن يشاء»، والمراد بالأوّل من لم يتب، وبالثاني من تاب، في غاية الفساد والبطلان، لأنّه يكون حينئذ معنى الآية: أنّه سبحانه لا يغفر الشرك لمن يشاء وهو غير التائب، ويغفر لمن تاب منه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهو التائب، ولا يغفر لمن لم يتب منه، فيصير المنفيّ والمثبت كما ترى سواء في الحكم والمعنى. وحاشا كلام الّذي بهر العقول بفصاحته عن مثل هذه النقيصة الّتي يأبى عنها كلام كلّ عاقل. على أنّ التوبة إذا أوجبت عنده إسقاط العقاب فكيف تعلّق بها المشيئة؟! جلّ ربّنا عن مثله، وتقدّس عن شبهه.

( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى ) فقد كذب بقوله: إنّ العبادة يستحقّها غير الله

__________________

(١) الحجر: ٥٦.

(٢) الأعراف: ٩٩.

(٣) راجع ص: ٤٩.

(٤) الكشّاف ١: ٥١٩ ـ ٥٢٠.


تعالى، وأثم( إِثْماً عَظِيماً ) يستحقر دونه سائر الآثام. وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب. ولفظ الافتراء كما يطلق على القول، يطلق على الفعل. وكذلك لفظ الاختلاق.

قال الكلبي: نزلت هذه الآية في المشركين، وحشيّ وأصحابه، وذلك أنّه لـمّا قتل حمزة وكان قد جعل له على قتله أن يعتق، فلم يوف له بذلك، فلمّا قدم مكّة ندم على صنيعه هو وأصحابه، فكتبوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّا قد ندمنا على الّذي صنعناه، وليس يمنعنا على الإسلام إلّا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكّة:( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) (١) الآيتان. وقد دعونا مع الله إلها آخر. وقتلنا النفس الّتي حرّم الله، وزنينا، فلولا هذه لاتّبعناك.

فنزلت:( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) (٢) الآيتان. فبعث بهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى وحشي وأصحابه.

فلمّا قرءوهما كتبوا إليه: هذا شرط شديد فنخاف أن لا نعمل صالحا، فلا نكوننّ من أهل هذه الآية.

فنزل:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) . فبعث بها إليهم.

فقرؤوها فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته.

فنزلت:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) (٣) . فبعث بها إليهم.

__________________

(١) الفرقان: ٦٨.

(٢) مريم: ٦٠.

(٣) الزمر: ٥٣.


فلمّا قرءوها دخل هو وأصحابه في الإسلام، ورجعوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقبل منهم.

ثمّ قال لوحشي: أخبرني كيف قتلت حمزة؟ فلمّا أخبره قال: ويحك غيّب وجهك عنّي. فلحق وحشيّ بعد ذلك بالشام، فكان بها إلى أن مات.

وروى أبو مجلز عن ابن عمر قال: نزلت في المؤمنين، وذلك أنّه لـمّا نزلت:( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ) الآية، قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله، فسكت، ثم قام إليه مرّتين أو ثلاثا، فنزلت:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) الآية، فأثبت هذه في الزمر، وهذه في النساء.

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) )

ثمّ ذكر سبحانه تزكية هؤلاء الكفرة أنفسهم مع كفرهم وتحريفهم الكتاب، ذمّا وتعييرا لهم، فقال:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ) يعني: أهل الكتاب قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه، ولن يدخل الجنّة إلّا من كان هودا أو نصارى. وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا وقولا.

وقيل: جماعة من اليهود أتوا بأطفالهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: لا. فقالوا: والله ما نحن إلّا كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفّر عنّا بالليل، وما عملناه بالليل كفّر عنّا بالنهار. فكذّبهم الله تعالى بهذه الآية.

والأوّل مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام . ويدخل في الآية كلّ من زكّى نفسه وأثنى


عليها، ووصفها بزيادة الطاعة والزلفى عند الله.

وقوله:( بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ) إيذان بأنّ تزكية الله هي الّتي يعتدّ بها، دون تزكية المرء نفسه، لأنّه سبحانه هو العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح، وقد ذمّهم وزكّى المرتضين من عباده المؤمنين( وَلا يُظْلَمُونَ ) لا يظلم الّذين يزكّون أنفسهم بالذمّ أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حقّ( فَتِيلاً ) أدنى ظلم وأصغره. وهو الخيط الذي في شقّ النواة، يضرب به المثل في الحقارة.

( انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) في زعمهم أنّهم أبناء الله وأزكياء عنده( وَكَفى بِهِ ) بزعمهم هذا، أو بالافتراء( إِثْماً مُبِيناً ) بيّنا ظاهرا، لا يخفى كونه مأثما من بين سائر آثامهم.

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) )

روي أنّ حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا مع جماعة من اليهود إلى مكّة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على محاربة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وينقضوا العهد الّذي كان بينهم وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش. فقال أهل مكّة: إنّكم أهل الكتاب ومحمّد صاحب الكتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين ـ أعني: الجبت والطاغوت ـ وآمنوا بهما حتى نطمئنّ إليكم، ففعلوا ذلك.


ثمّ قال كعب: يا أهل مكّة ليجيء منكم ثلاثون، ومنّا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمد، ففعلوا ذلك.

فلمّا فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنّك امرئ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أمّيّون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقا وأقرب إلى الحقّ، نحن أم محمد؟

قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء(١) ، ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفكّ العاني(٢) ، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربّنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم. ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم. وديننا القديم، ودين محمد الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا ممّا عليه محمّد.

فقال اللهعزوجل :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) يعني: كعب وأصحابه( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ) بالصنمين اللّذين كانا لقريش، وسجد لهما كعب. والجبت في الأصل اسم صنم، فاستعمل في كلّ ما عبد من دون الله تعالى. وقيل: أصله الجبس، وهو الّذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء. والطاغوت يطلق لكلّ باطل من معبود أو غيره.( وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) لأجلهم وفيهم. وهم أبو سفيان وأحزابه.( هؤُلاءِ ) إشارة إليهم( أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) محمد وأصحابه( سَبِيلاً ) أي: أقواهم دينا وأشدّهم طريقا.

( أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ) أبعدهم الله من رحمته وخذلهم( وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ ) يلعنه الله( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) في الدنيا والآخرة يمنع العذاب عنه بشفاعة وغيرها.

__________________

(١) الكوماء: البعير الضخم السنام، والمذكّر: الأكوم، وجمعه: كوم.

(٢) العاني: الأسير.


( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥) )

ولـمّا حكى عن اليهود بأنّ المشركين أهدى من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، بيّن أنّ الحكم ليس لهم، إذ الملك ليس لهم، فقال:( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ) «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم حظّ من الملك، وجحد لـما زعمت اليهود من أنّ الملك سيصير إليهم( فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ) أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا ما يوازي نقيرا، وهو النقرة في ظهر النواة. وهذا هو الإغراق في بيان شحّهم، فإنّهم إذا كانوا يبخلون بالنقير وهم ملوك فما ظنّك بهم إذا كانوا فقراء أذلّاء متفاقرين؟! و «إذا» إذا وقع بعد الواو والفاء جاز فيه الإلغاء والإعمال، ولذلك قرئ في الشواذّ: فإذا لا يؤتوا، على النصب.

( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) بل أيحسدون الرسول وأصحابه على ما آتاهم الله من النبوّة والنصرة وزيادة العزّ كلّ يوم، أو العرب أو الناس جميعا، لأنّ من حسد النبوّة فكأنّما حسد الناس كلّهم، كمالهم ورشدهم. وبّخهم الله وأنكر عليهم الحسد كما ذمّهم على البخل، وهما شرّ الرذائل، وكأنّ بينهما تلازما وتجاذبا( عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) يعني: النبوّة والكتاب، والنصرة


والإعزاز، وجعل النبيّ الموعود منهم( فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ ) الّذين هم أسلاف محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبناء عمّه( الْكِتابَ ) وهو التوراة والإنجيل والزبور( وَالْحِكْمَةَ ) النبوّة والعلم( وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) وهو ملك يوسف وداود وسليمان، فلا يبعد أن يؤتيه الله مثل ما آتاهم. وعن مجاهد والحسن: المراد بالملك العظيم النبوّة.

( فَمِنْهُمْ ) أي: من اليهود( مَنْ آمَنَ بِهِ ) بمحمّد، أو بما ذكر من حديث آل إبراهيمعليه‌السلام ( وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ) أعرض عنه وأنكر ولم يؤمن به مع علمه بصحّته.

وقيل: معناه: فمن آل إبراهيم من آمن به، ومنهم من كفر، كقوله:( فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) (١) ، ولم يكن في ذلك توهين أمر إبراهيمعليه‌السلام ، فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك.

( وَكَفى ) هؤلاء المعرضين عنه( بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) نارا مسعورة موقدة يعذّبون بها، أي: إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعدّ لهم من سعير جهنّم.

وفي تفسير العيّاشي بإسناده عن أبي الصبّاح الكناني قال: «قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا أبا الصبّاح نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الأنفال، ولنا صفو المال، ونحن الراسخون في العلم، ونحن المحسودون الّذين قال الله تعالى في كتابه:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ) (٢) الآيتان. فقال: المراد بالكتاب النبوّة، وبالحكمة الفهم والقضاء، وبالملك العظيم افتراض الطاعات.

__________________

(١) الحديد: ٢٦.

(٢) تفسير العيّاشي ١: ٢٤٧ ح ١٥٥.


( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر المؤمن والكافر عقّبه بذكر الوعد والوعيد على الإيمان والكفر، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا ) جحدوا حججنا، وكذّبوا أنبياءنا، ودفعوا الآيات الدالّة على توحيدنا وصدق نبيّنا( سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ) نلقيهم فيها، نلزمهم إيّاها ونحرقهم بها. هذا كالبيان والتقرير للآية المتقدّمة.( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى، كقولك: بدّلت الخاتم قرطا(١) ، أو بأن يزال عنه أثر الإحراق ليعود إحساسه للعذاب، كما قال:( لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) أي: ليدوم لهم ذوقه.

وقيل: يخلق لهم مكانه جلد آخر، والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها، فلا يقال: كيف يعذّب مكان الجلود العاصية جلودا لم تعص.

روى الكلبي عن الحسن قال: بلغنا أنّ جلودهم تنضج كلّ يوم سبعين ألف مرّة.

( إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً ) لا يمتنع عليه إنجاز ما وعده به، ولا يمنع ما يريده

__________________

(١) القرط: ما يعلّق في شحمة الأذن من درّة ونحوها.


( حَكِيماً ) لا يعاقب إلا من يستحقّ العذاب على وفق حكمته.

( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) بكلّ ما يجب الايمان به( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) الخالصة( سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ) تحت أشجارها وقصورها( الْأَنْهارُ ) ماء الأنهار( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) قدّم ذكر الكفّار ووعيدهم على ذكر المؤمنين ووعدهم، لأنّ الكلام فيهم وذكر المؤمنين بالعرض.

( لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) طهرت من الحيض والنفاس، ومن سائر المعائب والأدناس، والأخلاق الذميمة والطباع الرديئة، ولا يفعلن ما يوحش أزواجهنّ، ولا يوجد فيهنّ ما ينفّر عنهنّ.( وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً ) هو صفة مشتقّة من الظلّ لتأكيده، كقولهم: شمس شامس، ويوم أيوم، وليل أليل، وداهية دهياء. والمعنى: ندخلهم فينانا(١) لا جوب فيه، أي: كثير الأفنان منبسطا متّصلا لا فرج فيه، لشدّة التفاف الأشجار دائما لا تنسخه الشمس. وهو إشارة إلى النعمة التامّة الدائمة.

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) )

ثمّ أمر الله سبحانه عباده بردّ الأمانة إلى أهلها، وبالحكومة على طريق العدالة، فإنّهما من معظم الأمور الّتي بها تنتظم أمور المعاش، وبها يحصل الفوز يوم المعاد، فلذا خصّصه بين الأعمال الصالحة الّتي تثمر الوصول إلى جنّات قد مرّ نعتها آنفا، فقال:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ) خطاب عامّ لكلّ أحد من المكلّفين في كلّ أمانة من أمانات الله الّتي هي أوامره ونواهيه، وأمانات عباده فيما

__________________

(١) أي: ظلّا طويلا ممتدّا. والجوب: جمع جوبة، وهي الفرجة. والفنن: الغصن المستقيم، جمعه: أفنان.


يأتمن بعضهم بعضا فيه من المال وغيره.

قال أبو جعفرعليه‌السلام : «إنّ أداء الصلاة والزكاة والصوم والحجّ من الأمانة».

ويكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بأن يقسّموا الصدقات والغنائم، وغير ذلك ممّا يتعلّق به حقّ الرعيّة.

وهذا القول مرويّ عن ابن عبّاس وأبيّ بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة، ومأثور عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام .

وقيل: الخطاب لولاة الأمر، أمرهم الله أن يقوموا برعاية الرعيّة، وحملهم على اتّخاذ أحكام الشريعة والحكم بالعدل، ثم أمر الرعيّة في الآية المتأخّرة بأن يسمعوا لهم ويطيعوا، ثم أكّد ذلك بقوله:( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) (١) .

وروي ذلك عن زيد بن أسلم ومكحول وشهر بن حوشب. وهو اختيار الجبائي. ورواه أصحابنا عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادقعليهما‌السلام ، قالا: «أمر الله سبحانه كلّ واحد من الأئمّة أن يسلّم الأمر إلى من بعده. ثم قالا: إنّ الآية الأولى لنا، والأخرى لكم».

وعن ابن جريج أنّه خطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بردّ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بن عبد الدار، لـمّا أغلق باب الكعبة يوم الفتح، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال: لو علمت أنّه رسول الله لم أمنعه، فلوى عليّعليه‌السلام يده وأخذه منه وفتح، فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلّى ركعتين. فلمّا خرج سأله العبّاس رضى الله عنه أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فأمره الله تعالى أن يردّه إليه، فأمر عليّاعليه‌السلام أن يردّه، وصار ذلك سببا لإسلامه، ونزل الوحي بأنّ السدانة في أولاده أبدا.

والمعوّل على ما تقدّم، وإن صحّ القول الأخير والرواية فيه، فقد دلّ الدليل على أنّ الأمر إذا ورد على سبب لا يجب قصره عليه، بل يكون على عمومه. وفي ذكر الأمانات بصيغة الجمع المحلّى باللام الّتي تفيد العموم، كما قرّر في علم

__________________

(١) النساء: ٥٩.


الأصول، دلالة صريحة على العموم، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة.

( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) أي: يأمركم أن تحكموا بالإنصاف والسويّة إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم. ولـمّا كان الحكم وظيفة الولاة فالخطاب لهم، كما بيّنّاه بالروايات الصحيحة المأثورة عن أئمّتنا صلوات الله عليهم. ونظيره قوله:( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ ) (١) .

وروي أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّعليه‌السلام : «سوّ بين الخصمين في لحظك ولفظك».

وورد في الآثار أن صبيّين ارتفعا إلى الحسن بن عليّعليه‌السلام في خطّ كتباه، وحكّماه في ذلك ليحكم أيّ الخطّين أجود، فبصر به عليّعليه‌السلام فقال: «يا بنيّ انظر كيف تحكم، فإنّ هذا حكم، والله سائلك عنه يوم القيامة».

( إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ) أي: نعم شيئا يعظكم به. فتكون «ما» نكرة منصوبة موصوفة بـ «يعظكم به». أو: نعم الشيء الّذي يعظكم به. فتكون «ما» مرفوعة موصولة به. والمخصوص بالمدح محذوف على كلا التقديرين، أي: نعم ما يعظكم به ذاك، أي: المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات.

( إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) بأقوالكم وأحكامكم وما تفعلون في الأمانات.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩) )

ولـمّا بدأ سبحانه في الآية المتقدّمة بحثّ الولاة على تأدية حقوق الرعيّة ،

__________________

(١) ص: ٢٦.


والنصفة والسويّة بين البريّة، عقّبها بحثّ الرعيّة على طاعتهم، والاقتداء بهم، والردّ إليهم في ترافعهم وتخاصمهم، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ ) الزموا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) والزموا طاعة رسوله في الأمر والنهي. وإنّما أفرد الأمر بطاعة الرسول، وإن كانت طاعته طاعة الله سبحانه، مبالغة في البيان، وقطعا لتوهّم من توهّم أنّه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الأوامر.

ونظيره قوله تعالى:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (١) .( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (٢) .( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) (٣) .

وقيل: معناه: أطيعوا الله في الفرائض، والرسول في السنن. والأوّل أصحّ، لأنّ طاعة الرسول طاعة الله، وامتثال أوامره امتثال أوامر الله، كما دلّت عليه الآيات المذكورة.

( وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) للمفسّرين(٤) فيه قولان :

أحدهما: أنّ المراد منهم الأمراء. وهو مرويّ عن ابن عبّاس وأبي هريرة وميمون بن مهران والسدّي. واختاره الجبائي والبلخي.

وثانيهما: أنّهم العلماء، لأنّهم الّذين يرجع إليهم في الأحكام، ويجب الرجوع إليهم عند التنازع، دون الولاة. وهو منقول عن جابر بن عبد الله وابن عبّاس في رواية اخرى.

وأمّا أصحابنا رضوان الله عليهم فإنّهم رووا عن الباقر والصادقعليهما‌السلام أنّ أولي الأمر هم الأئمّة من آل محمّدعليهم‌السلام ،أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب

__________________

(١) النساء: ٨٠.

(٢) الحشر: ٧.

(٣) النجم: ٣ ـ ٤.

(٤) انظر الكشّاف ١: ٥٢٤، مجمع البيان ٢: ٦٤، تفسير البيضاوي ٢: ٩٤ ـ ٩٥.


طاعته وطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ولا يجوز أن يوجب الله سبحانه طاعة أحد على الإطلاق إلّا من ثبتت عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأمراء والعلماء سواهم. وجلّ سبحانه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.

وممّا يدلّ على ذلك أيضا أنّ الله سبحانه لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته، إلّا وأولوا الأمر فوق الخلق جميعا، كما أنّ الرسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق، معصومون مأمونون عن الخطأ والقبح، كما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فهذه صفة أئمّة الهدى من آل محمّد صلّى الله عليهم، الّذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم، واتّفقت الأمّة على علوّ رتبتهم وعدالتهم، وكيف يأمرنا الله مطلقا بطاعة من كان مثلنا في جواز صدور الخطأ والعصيان والسهو والنسيان منه؟!( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) أي: فإن اختلفتم في شيء من أمور دينكم( فَرُدُّوهُ ) فردّوا التنازع( إِلَى اللهِ ) إلى كتاب الله( وَالرَّسُولِ ) وإلى سنّة رسوله في حياته، وإلى من أمر بالرجوع إليه بعد وفاته في قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

فقد صرّحصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ في التمسّك بهما الأمان من الضلال، فالردّ إلى أهل بيته ـ الّذين هم معادلو كتاب الله بعد وفاته ـ مثل الردّ إليه في حياته، فإنّهم الحافظون لشريعته، القائمون مقامه، وخلفاؤه لأمّته. فثبت أنّ أولي الأمر هم الأئمّة المعصومون صلوات الله عليهم من آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فكأنّه قال سبحانه: فردّوه إلى الله وإلى الرسول في حياته، وأهل بيته بعد وفاته.( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) فإنّ الإيمان يوجب ذلك.


( ذلِكَ ) إشارة إلى الردّ إلى الله والرسول وأهل بيته( خَيْرٌ ) لكم( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) أي: أحمد عاقبة. وتسمية العاقبة تأويلا لأنّها مآل الأمر، من: آل يؤول، إذا رجع، والمآل المرجع.

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣) )

ولـمّا أمر الله سبحانه أولي الأمر بالحكم، وأمر المسلمين بطاعتهم، وصل ذلك بذكر المنافقين الّذين لا يرضون بحكم الله ورسوله، فقال:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) من القرآن( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) من التوراة والإنجيل( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) إلى من يحكم بالباطل، ويؤثر لأجله. سمّي بذلك لفرط طغيانه، أو لتشبّهه بالشيطان، أو لأنّ التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنّه الحامل.


وأكثر المفسّرين(١) قالوا: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال له اليهودي: أحاكم إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه علم أنّه لا يقبل الرشوة، ولا يجور في الحكم. فقال المنافق: لا بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة، فنزلت. فالمراد بالطاغوت كعب بن الأشرف، لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ونقل عن العامّة(٢) أنّ منافقا خاصم يهوديّا، فدعاه اليهوديّ إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف. ثم إنّهما احتكما إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فحكم لليهوديّ، فلم يرض المنافق، وقال: نتحاكم إلى عمر. فقال اليهودي لعمر: قضى لي رسول الله فلم يرض بقضائه، وخاصم إليك. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم.

فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يؤمن بقضاء الله ورسوله، فنزلت.

وقال جبرئيل: إنّ عمر فرّق بين الحقّ والباطل، فسمّي الفاروق.

أقول: وا عجباه من قوله: هكذا أقضي لمن لم يؤمن بقضاء الله، ومن مخالفته حكم الله وحكم رسوله يوم الغدير، وعدم إيمانه به بعد أن قال مخاطبا لعليّعليه‌السلام : بخ بخ لك يا أبا الحسن، صرت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وروى أصحابنا عن السيّدين الباقر والصادقعليهما‌السلام أنّ المعنيّ به كلّ من يتحاكم إليه ممّن يحكم بغير الحقّ. وهذا هو الحقّ.

( وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ) يعني به قوله سبحانه:( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها ) (٣) .( وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ )

__________________

(١) انظر مجمع البيان ٢: ٦٦.

(٢) انظر الكشّاف ١: ٥٢٥، تفسير البيضاوي ٢: ٩٥.

(٣) البقرة: ٢٥٦.


بتزيين الباطل وتسويله إيّاه صورة الحقّ( أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) عن الحقّ.

نسب إضلالهم إلى الشيطان، فلو كان سبحانه قد أضلّهم بخلق الضلال فيهم ـ على ما يقوله المجبّرة ـ لنسب إضلالهم إلى نفسه دون الشيطان، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ ) في القرآن من الأحكام( وَإِلَى الرَّسُولِ ) في حكمه( رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ ) في موقع الحال، أي: حال كونهم يعرضون( عَنْكَ ) عن حكمك( صُدُوداً ) إعراضا. هو مصدر أو اسم للمصدر الّذي هو الصّدّ. والفرق بينه وبين السّدّ أنّه غير محسوس، والسّدّ محسوس.

( فَكَيْفَ ) يكون حالهم( إِذا أَصابَتْهُمْ ) نالتهم من الله( مُصِيبَةٌ ) عقوبة( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) من التحاكم إلى غيرك، وعدم الرضا بحكمك، وإظهار السخط به( ثُمَّ جاؤُكَ ) فيعتذرون إليك. عطف على «أصابتهم». وقيل: على «يصدّون» وما بينهما اعتراض.( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ) حال من فاعل «جاءوك»( إِنْ أَرَدْنا ) ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك( إِلَّا إِحْساناً ) وهو التخفيف عنك، فإنّا نحتشمك برفع الصوت في مجلسك، ونقتصر على من يتوسّط لنا برضا الخصمين( وَتَوْفِيقاً ) وتأليفا وجمعا بينهما من دون أن يحكم بينهما، ولم نرد المخالفة لذلك، والتسخّط لحكمك.

( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) من الشرك والنفاق، فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) أي: عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم( وَعِظْهُمْ ) بلسانك، وكفّهم عمّا هم عليه( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ) أي: في معنى أنفسهم من النفاق( قَوْلاً بَلِيغاً ) يبلغ من نفوسهم كلّ مبلغ، ويؤثّر فيهم على وجه لم يعيدوا بمثل ما فعلوا من التحاكم إلى الطاغوت، وغيره من آثار النفاق، بأن تخوّفهم بالقتل والاستئصال إن ظهر منهم


النفاق.

ويجوز أن يكون المعنى: وقل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم قولا بليغا أثره فيهم، فإنّ النصح في السرّ أنجع.

أمر الله تعالى نبيّه بالصفح عن ذنوبهم، والنصح لهم، والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب، وذلك مقتضى شفقة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.

وتعليق الظرف بـ «بليغا» على معنى: بليغا في أنفسهم مؤثّرا فيها، ضعيف، لأنّ معمول الصفة لا يتقدّم على الموصوف. والقول البليغ في الأصل هو الّذي يطابق مدلوله المقصود به.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) )

ثمّ لامهم سبحانه على ردّهم أمره، وذكر أنّ غرضه من البعثة الطاعة، فقال:( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ) أي: لم نرسل رسولا من رسلنا قطّ( إِلَّا لِيُطاعَ ) أي: الغرض من الإرسال أن يطاع الرسول، ويمتثل ما يأمر به( بِإِذْنِ اللهِ ) أي: بسبب إذن الله في طاعته، وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتّبعوه، لأنّه مؤدّ عن الله، فطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله. وكأنّه سبحانه احتجّ بذلك على أنّ الّذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافرا مستحقّ القتل، فإنّ تقديره: أنّ إرسال الرسول لـمّا لم يكن إلّا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك كان كافرا مستوجب القتل.

وفيه دلالة على بطلان مذهب المجبّرة القائلين بأنّ الله تعالى يريد أن يعصي أنبياءه قوم ويطيعهم آخرون.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بإدخال الضرر عليها من استحقاق العقاب


بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت( جاؤُكَ ) تائبين من ذلك، مقبلين عليك، مؤمنين بك. وهو خبر «أنّ»، و «إذ» متعلّق به.( فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ) من ذلك بالتوبة والإخلاص( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) أي: واعتذروا إليك حتّى انتصبت لهم شفيعا.

وإنّما عدل عن الخطاب ولم يقل: واستغفرت لهم، على طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أنّ شفاعة من اسمه رسول الله من الله بمكان، وسريع الاجابة البتّة، وأنّ حقّ الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب.

( لَوَجَدُوا اللهَ ) أي: لعلموه( تَوَّاباً رَحِيماً ) قابلا لتوبتهم، متفضّلا عليهم بالرحمة. وإن فسّر «وجد» بـ «صادف» كان «توّابا» حالا، و «رحيما» بدلا منه، أو حالا من الضمير فيه.

وفي الآية دلالة على أنّ مرتكب الكبيرة إذا استغفر وتاب يقبل الله توبته، ولا يعذّبه بها.

( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ الإيمان به إنّما هو بالتزام حكم رسوله والرضا به، فقال:( فَلا وَرَبِّكَ ) أي: فو ربّك. و «لا» مزيدة لتأكيد القسم، لا لتظاهر «لا» في جوابه، أعني: قوله:( لا يُؤْمِنُونَ ) ، لأنّها تزاد أيضا في الإثبات، كقوله:( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ) (١) .( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) أي: فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر، لتداخل أغصانه وأجزائه( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ) ضيقا

__________________

(١) البلد: ١.


( مِمَّا قَضَيْتَ ) ممّا حكمت به، أو من حكمك، أو شكّا من أجله، فإنّ الشاكّ في ضيق من أمره( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وينقادوا لك، ويذعنوا لقضائك. و «تسليما» تأكيد للفعل، أي: انقيادا بظاهرهم وباطنهم.

قيل: نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة، فإنّهما اختصما إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شراج من الحرّة كانا يسقيان بها النخل ـ والشرج: المسيل الواسع، والجمع الشراج والشروج، والحرّة(١) بضمّ الحاء: السحاب الكثير المطر ـ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب حاطب وقال: أن كان ابن عمّتك؟ فتلوّن وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ـ وهو المسنّاة ـ واستوف حقّك، ثم أرسله إلى جارك.

كان قد أشار اوّلا على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلمّا أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استوعب للزبير حقّه في صريح الحكم.

قال الراوي: ثمّ خرجا فمرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ قال: قضى لابن عمّته، ولوى شدقه. ففطن لذلك يهوديّ كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنّه رسول الله ثم يتّهمونه في قضاء يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا مرّة واحدة في حياة موسىعليه‌السلام فدعانا موسى إلى التوبة فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربّنا حتّى رضي عنّا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إنّ الله ليعلم منّي الصدق، ولو أمرني أن أقتل نفسي لفعلت. فأنزل الله تعالى في شأن حاطب بن أبي بلتعة وليّه شدقه

__________________

(١) ما ذكره المفسّر «قدس‌سره» في معنى الحرّة لم نجده في مصادر اللغة، ولعلّه من سهو قلمه الشريف، والحرّة ـ بفتح الحاء ـ أرض ذات حجارة سود كأنّها أحرقت بالنار، وجمعها: الحرّات. والشرج: مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، وجمعه: الشراج.

انظر لسان العرب ٤: ١٧٩ ـ ١٨٠، وج ٢: ٣٠٦.


هذه الآية والّتي بعدها. وقيل: هي أيضا في شأن المنافق واليهوديّ.

روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «لو أنّ قوما عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجّوا البيت، ثم قالوا لشيء صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألّا صنع خلاف ما صنع؟ أو وجدوا من ذلك حرجا في أنفسهم، لكانوا مشركين، ثمّ تلا هذه الآية».

( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) )

ولـمّا بيّن الله أنّ إيمانهم لا يتمّ إلّا بأن يسلّموا تسليما، نبّه على قصور أكثرهم، ووهن إسلامهم، وضعف عقيدتهم، فقال توبيخا لهم:( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ) أوجبنا على هؤلاء الّذين تقدّم ذكرهم( أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) تعرّضوا بها للقتل بالجهاد، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل. و «أن» مصدريّة، أو مفسّرة لـ «أنّا كتبنا» فإنّه في معنى: أمرنا.( أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ) مثل خروج بني إسرائيل إلى التّيه حين استتيبوا من عبادة العجل.

وقرأ أبو عمرو ويعقوب: أن اقتلوا بكسر النون على أصل التحريك، أو اخرجوا بضمّ الواو، للإتباع، والتشبيه بواو الجمع في نحو:( وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ ) (١) .

__________________

(١) البقرة: ٢٣٧.


وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما على الأصل. والباقون بضمّهما، إجراء لهما مجرى الهمزة المتّصلة بالفعل.

( ما فَعَلُوهُ ) الضمير للمكتوب، ودلّ عليه «كتبنا»، أو لأحد مصدري الفعلين، وهما القتل والخروج، أي: ما فعلوا ما كتب عليهم أو القتل أو الخروج( إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) إلّا ناس قليل، وهم المخلصون، مثل ثابت بن قيس، ونظائره من المؤمنين الّذين رسخ الإيمان في قلوبهم. وقال النبيّ في شأنهم: «إنّ من أمّتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي».

و «قليل» بدل من ضمير «فعلوه».

وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء، أو على: فعلا قليلا.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ) أي: ما يؤمرون به من متابعة الرسول ومطاوعته طوعا ورغبة والرضا بحكمه( لَكانَ ) ذلك( خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) في دينهم، لأنّه أشدّ لتحصيل العلم ونفي الشكّ. أو تثبيتا لثواب أعمالهم، ونصبه على التمييز. أو أشدّ بصيرة في أمر الدين، كنّي به عن البصيرة بهذا اللفظ، لأنّ من كان على بصيرة من أمر دينه كان أدعى له إلى الثبات عليه، وكان هو أقوى في اعتقاد الحقّ وأدوم عليه ممّن لم يكن على بصيرة منه.

( وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ) لا يبلغ أحد مبدأه، ولا يعرف منتهاه، ولا يدرك قصواه. وإنّما قال: «من لدنّا» تأكيدا بأنه لا يقدر عليه غيره، وليدلّ على الاختصاص. وهذا جواب لسؤال مقدّر، كأنّه قيل: وما يكون لهم بعد التثبيت؟ فقال: وإذا لو تثبّتوا لآتيناهم، لأنّ «إذا» جواب وجزاء.

( وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) أي: وفّقناهم ليزدادوا الخيرات، ويثبتوا معها


على الطاعات، أي: هديناهم صراطا يصلون بسلوكه جناب القدس، ويفتح عليهم أبواب الغيب.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم».

( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠) )

ثمّ بيّن سبحانه حال المطيعين، فقال ترغيبا لهم في طاعته وطاعة رسوله:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ ) بالانقياد لأمره ونهيه( وَالرَّسُولَ ) باتّباع شريعته، والرضا بحكمه( فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) أي: رفقاء أكرم الخلائق وأعظمهم قدرا عند الله في أعلى علّيّين( مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ) بيان للّذين، أو حال منه، أو من ضميره.

قسّمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل، وحثّ كافّة الناس على أن لا يتأخّروا عنهم.

وهم: الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المتجاوزون حدّ الكمال إلى درجة التكميل.

ثمّ الصدّيقون الّذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان، حتى اطّلعوا على الأشياء، وأخبروا عنها على ما هي عليها.

ثمّ الشهداء الّذين أدّى بهم الحرص على الطاعة والجدّ في إظهار الحقّ، حتى


بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله تعالى.

ثمّ الصالحون الّذين صرفوا أعمارهم في طاعته، وأموالهم في مرضاته.

ويمكن أن يقال هاهنا: إنّ المنعم عليهم هم العارفون بالله. وهؤلاء إمّا أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان. والأوّلون إمّا أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا، وهم الأنبياء، أو لا، فيكونون كمن يرى الشيء من بعيد، وهم الصدّيقون. والآخرون إمّا أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون في العلم، الّذين هم شهداء الله تعالى في أرضه. وإمّا أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئنّ إليها نفوسهم، وهم الصالحون.

ووجه تسمية النبيّين بهذا الاسم أنّهم أخبروا عن الله، ورفع قدرهم، مشتقّ من: نبّأ، بمعنى: أخبر، أو نبا ينبو، بمعنى: ارتفع.

وتسمية الصدّيقين به أنّهم المصدّقون بكلّ ما أمر الله به وبأنبيائه، لا يدخلهم في ذلك شكّ. ويؤيّده قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) (١) . أو أنّهم صدقوا في أقوالهم وأفعالهم.

وتسمية الشهداء به أنّهم شاهدون الحقّ على جهة الإخلاص، ومقرّون به، وداعون إليه، وباذلون جهدهم في إظهاره حتى قتلوا. أو أنّهم شهداء الآخرة على الناس، وإنّما يستشهدهم الله لفضلهم وشرفهم، فهم عدول الآخرة. أو أنّ الحور العين يحضرن عندهم وقت القتل، كما ورد في الرواية(٢) . أو أن الملائكة يحضرون عندهم، ويبشّرونهم بمراتبهم العليّة في الجنّة.

وتسمية الصالحين به أنّهم التزموا الصلاح والرشاد، فصلحت حالهم ،

__________________

(١) الحديد: ١٩.

(٢) ورد بلفظ آخر يشبه ما ذكره في المتن، راجع بحار الأنوار ٢٧: ١٨٨.


واستقامت طريقتهم.

روى أبو بصير عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال: «يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه، ثمّ تلا هذه الآية، وقال: فالنبيّ رسول الله، ونحن الصدّيقون والشهداء، وأنتم الصالحون، فتسمّوا بالصلاح كما سمّاكم الله تعالى».

( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) فيه معنى التعجّب، كأنّه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا. ونصب «رفيقا» على التمييز أو الحال. ولم يجمع، لأنّه يقال للواحد والجمع كالصديق، أو لأنّه أريد: وحسن كلّ واحد منهم رفيقا.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر، ومزيد الهداية، ومرافقة المنعم عليهم. أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيّتهم( الْفَضْلُ ) صفة ذلك( مِنَ اللهِ ) خبره، أو «الفضل» خبره و «من الله» حال، والعامل فيه معنى الإشارة( وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً ) بجزاء من أطاعه، أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله.

روي أنّ ثوبان مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان شديد الحبّ لرسول الله، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا ثوبان ما غيّر لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع، غير أنّي إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أنّي لا أراك هناك، لأنّي عرفت أنّك ترفع مع النبيّين، وأنّي إن أدخلت الجنّة كنت في منزل أدنى من منزلك، وإن لم أدخل الجنّة فذاك حين لا أراك أبدا. فنزلت هذه الآية. ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين».

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) )

ثمّ أمر سبحانه المؤمنين بمجاهدة الكفّار، والتأهّب لقتالهم، ليصعدوا


درجات النبيّين والصدّيقين والشهداء، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ) الحذر والحذر بمعنى، كالإثر والأثر، يقال: أخذ حذره إذا تيقّظ وتحفّظ من المخوف، كأنّه جعل الحذر آلته الّتي يحفظ بها نفسه. والمعنى: تيقّظوا واستعدّوا للأعداء.

وقيل: الحذر ما يحذر به، كالحزم والسلاح. ويؤيّده قول الباقرعليه‌السلام في معناه: «خذوا أسلحتكم».

فسمّى الأسلحة حذرا، لأنّه بها يتّقى المحذور.

وهذا القول أصلح، لأنّه أوفق بمقائيس كلام العرب، ويكون من باب حذف المضاف، تقديره: خذوا آلات حذركم.

( فَانْفِرُوا ) فاخرجوا إلى الجهاد( ثُباتٍ ) جماعات متفرّقة. جمع ثبة، من: ثبيت على فلان تثبية، إذا ذكرت متفرّق محاسنه. ويجمع أيضا على ثبين، جبرا لـما حذف من عجزه. والمعنى: اخرجوا فرقة بعد فرقة، فرقة في جهة، وفرقة في أخرى.( أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ) مجتمعين كوكبة(١) واحدة في جهة واحدة، إذا أوجب الرأي ذلك.

وروي عن الباقرعليه‌السلام أنّ المراد بالثبات السرايا، وبالجميع العسكر.

والآية وإن نزلت في الحرب، لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلّها كيف ما أمكن قبل الفوات.

( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) )

ولـمّا حثّ الله تعالى على الجهاد بيّن حال المتخلّفين عنه بقوله :

__________________

(١) في هامش النسخة الخطية: «الكوكب جماعة من الناس، واسم النجم. منه».


( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ ) ليتثاقلنّ وليتخلّفنّ عن الجهاد. الخطاب لعسكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، المؤمنين منهم والمنافقين، أو للمؤمنين خاصّة. والمعنى: من عدادكم ودخلائكم، والمبطّئون منافقوهم تثاقلوا وتخلّفوا عن الجهاد، من: بطّأ بمعنى: أبطأ، وهو لازم، أو ثبّطوا غيرهم كما ثبّط ابن أبيّ ناسا يوم أحد، من: بطّأ، منقولا من بطؤ، كثقّل من ثقل.

واللّام الأولى للابتداء، دخلت اسم «إنّ» للفصل بالخبر. والثانية جواب قسم محذوف، والقسم بجوابه صلة «من»، والراجع إليه ما استكن في «ليبطّئنّ».

والتقدير: وإنّ منكم لمن اقسم بالله ليبطّئنّ.

( فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ) كقتل وهزيمة( قالَ ) أي: المبطّئ قول الشامت المسرور بتخلّفه( قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ) حاضرا في القتال، فيصيبني ما أصابهم.

( وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ ) كفتح أو غنيمة( لَيَقُولَنَ ) أكّده تنبيها على فرط تحسّرهم( كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ) اعتراض بين الفعل ـ وهو «ليقولنّ» ـ ومفعوله، أعني: قوله:( يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) أي: أصيب غنيمة وآخذ حظّا وافرا منها. وفائدة الاعتراض التنبيه على ضعف عقيدتهم، وأنّ قولهم هذا قول من لا مواصلة بينه وبين المؤمنين، وإنّما يريد أن يكون معكم لمجرّد المال.

قال الصادقعليه‌السلام : «لو أنّ أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكانوا بذلك مشركين».

ويحتمل أن يكون قوله: «كأن لم تكن» حالا من الضمير في «ليقولنّ» أو داخلا في المقول، أي: يقول المبطّئ لمن يبطّئه من المنافقين وضعفة المسلمين تضريبا وحسدا: كأن لم تكن بينكم وبين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مودّة حيث لم يستعن بكم


فتفوزوا بما فاز، يا ليتني كنت معهم. و «كأن» مخفّفة من الثقيلة، اسمه ضمير الشأن المحذوف.

وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب: تكن بالتاء، لتأنيث لفظ المودّة.

والمنادى في «يا ليتني» محذوف، أي: يا قوم. وقيل: «يا» أطلق للتنبيه على الاتّساع. ونصب «فأفوز» على جواب التمنّي.

( فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) )

ولمّا أخبر تعالى في الآية أنّ قوما يتأخّرون عن القتال، ويثبّطون المؤمنين عنه، حثّ بعدها على القتال، فقال:( فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ) أي: يبيعون الدنيا بالآخرة، ويستبدلونها بها. والمعنى: إن بطّأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة. أو الّذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، وهم المبطّؤن. والمعنى: حثّهم على ترك ما حكي عنهم.

( وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ومن يجاهد في طريق دين الله، بأن يبذل ماله ونفسه ابتغاء مرضاته( فَيُقْتَلْ ) أي: يستشهد( أَوْ يَغْلِبْ ) أي: يظفر بالعدوّ( فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) أي: وعد له الأجر العظيم غلب أو غلب، ترغيبا في القتال، وتكذيبا لقولهم: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا.

وهذا تنبيه على أنّ المجاهد يجب أن يثبت في المعركة حتى يعزّ نفسه بالشهادة، أو الدين بالظفر والغلبة، وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحقّ وإعزاز الدين، فإنّ للمقاتل في سبيل الله ظافرا أو مظفورا به إيتاء الأجر


العظيم الّذي هو جنّات النعيم.

( وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦) )

ثمّ حثّ الله سبحانه على تخليص المستضعفين بالجهاد، فقال:( وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) جملة حاليّة، والعامل فيها ما في الظرف من معنى الفعل.

والمعنى: أيّ عذر لكم حال كونكم لا تجاهدون في طاعة الله ونصرة دينه وإعزازه وإعلاء كلمته، مع اجتماع الأسباب الموجبة للقتال.

( وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ) عطف على «الله»، أي: وفي سبيل المستضعفين، وهو تخليصهم عن الأسر، وصونهم عن أذيّة العدوّ. أو على «سبيل» بحذف المضاف، أي: وفي خلاص المستضعفين. ويجوز نصبه على الاختصاص، فإنّ سبيل الله يعمّ أبواب الخير، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفّار أعظمها وأخصّها.

( مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) بيان للمستضعفين، وهم الّذين أسلموا بمكّة فبقوا فيها، لصدّ المشركين إيّاهم عن الهجرة، أو لضعفهم عنها مستذلّين يلقون منهم الأذى، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيها. وكانوا قد أشركوا صبيانهم


في دعائهم، مبالغة في الحثّ على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان، واستنزالا لرحمة الله، واستدفاعا للبليّة بسبب مشاركة دعاء صغارهم الّذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونسعليه‌السلام ، وكما وردت السنّة بإخراجهم في الاستسقاء. وعن ابن عبّاس: أنا وأمّي من المستضعفين من النساء والولدان.

وقيل: المراد بالولدان العبيد والإماء. وهو جمع وليد، بمعنى الولد والرقّ.

( الَّذِينَ يَقُولُونَ ) في دعائهم( رَبَّنا أَخْرِجْنا ) سهّل لنا الخروج( مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها ) تذكير الظالم وإن كان وصفا للقرية لأنّه مسند إلى أهلها، فأعطي إعراب القرية.( وَاجْعَلْ لَنا ) بألطافك وتوفيقك( مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) يلي أمرنا بالكفاية، حتّى ينقذنا من أيدي الظلمة( وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ) ينصرنا على من ظلمنا. فاستجاب الله دعاءهم، بأن يسّر لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وناصر ـ هو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ حين فتح مكّة على نبيّه، فتولّاهم أحسن التولّي، ونصرهم أعزّ النصر. ثم استعمل عليهم عتّاب بن أسيد، فحملهم ونصرهم، حتى صاروا أعزّ أهلها.

ثمّ شجّع المجاهدين ورغّبهم في الجهاد، فقال:( الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) في نصرة دين الله وإعلاء كلمته فيما يصلون به إلى الله( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ) في طاعة الشيطان، وفيما يبلغ بهم إليه.

ولـمّا ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه بمقاتلة أولياء الشيطان، فقال:( فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ) المراد جميع الكفّار. ثم شجّعهم بقوله:( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) أي: كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله تعالى للكافرين ضعيف لا يعتدّ به، فلا تخافوا أولياءه، فإنّ اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه. وفي ذكر «كان» دلالة على أنّ الضعف لازم لكيد الشيطان في جميع الأحوال والأوقات، ما مضى منها وما يستقبل، وليس هو عارضا في حال دون حال.


( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) )

روي أن عبد الرحمان بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة ابن مظعون الجمحي وسعد بن أبي وقّاص كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا، وهم بمكّة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقولون: يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فإنّهم قد آذونا. فقال لهم رسول الله: التزموا الصبر وتحمّل الأذيّة حتى يأذن الله لي في القتال. فلمّا أمروا بالقتال والمسير إلى بدر شقّ على بعضهم، فنزلت:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ) أي: عن القتال( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) واشتغلوا بالصّلاة وأداء الزكاة وسائر الطاعات( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ ) يخشون الكفّار أن يقتلوهم( كَخَشْيَةِ اللهِ ) كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه.

و «إذا» للمفاجأة جواب «لمّا»، و «فريق» مبتدأ، «منهم» صفته، «يخشون»


خبره، «كخشية الله» من إضافة المصدر إلى المفعول، وقع موقع المصدر أو موقع الحال من فاعل «يخشون» على معنى: يخشون الناس مثل أهل خشية الله منه، أي: مشبّهين أهل خشية الله.

( أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ) من أهل خشية الله. عطف على «كخشية الله» إن جعلته حالا، وإن جعلته مصدرا فلا، لأنّ أفعل التفضيل إنّما يكون من جنسه إذا كان ما بعده مجرورا، وأمّا إذا نصب لم يكن من جنسه، فلا تقول: خشي فلان أشدّ خشية، بنصب خشية، وأنت تريد المصدر، بل تقول: أشدّ خشية بالجرّ، بل هو معطوف على اسم الله تعالى، أي: كخشية الله أو كخشية أشدّ خشية منه على الفرض.

ولفظ «أو» هنا لإبهام الأمر على المخاطب. وقيل: بمعنى الواو. ونظير ذلك قوله تعالى:( أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) (١) .

( وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا ) هلّا( أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) استزادة في مدّة الكفّ عن القتال إلى وقت آخر، حذرا من الموت. ويحتمل أنّهم ما تفوّهوا به، ولكن قالوه في أنفسهم، فحكى الله تعالى عنهم.

ثمّ أعلمهم أنّ ما يستمتع به من منافع الدنيا قليل، فقال:( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) سريع التقضّي( وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) ولا تنقصون أدنى شيء من أجوركم على مشاقّ المقاتلة، فلا ترغبوا عنها، أو من آجالكم المقدّرة.

وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: ولا يظلمون، لتقدّم الغيبة.

( أَيْنَما تَكُونُوا ) من الأماكن( يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ) يلحقكم الموت وينزل بكم( وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ ) في قصور أو حصون( مُشَيَّدَةٍ ) مرتفعة، أو مطوّلة في ارتفاع. وقيل: في بروج السماء. والبروج في الأصل بيوت على طرف القصر، من: تبرّجت المرأة، إذا ظهرت.

__________________

(١) البقرة: ٧٤.


روي أنّ اليهود قالوا: منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فحكى الله تعالى عنهم بقوله:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ) كما تقع الحسنة والسيّئة على الطاعة والمعصية، تقعان على النعمة والبليّة، قال الله تعالى:( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١) . وهما المراد في الآية.

والمعنى: إن تصبهم نعمة ـ كخصب ـ نسبها اليهود إلى الله، وإن تصبهم بليّة ـ كقحط ـ نسبوها إليك، وقالوا: هي من عندك وبشؤمك، كما حكى عن قوم موسى:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) (٢) . وعن قوم صالح:( اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ) (٣) . فردّ الله تعالى عليهم بقوله:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) يبسطها ويقبضها حسب إرادته، ليبتلي بذلك عباده ليعرضهم لثوابه، بالشكر عند العطيّة والصبر على البليّة.

( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) يوعظون به، وهو القرآن، فإنّهم لو فهموه وتدبّروا معانيه لعلموا أنّ الله هو الباسط القابض، وأفعاله كلّها صادرة عن حكمة وصواب. أو لا يفقهون حديثا مّا، كبهائم لا أفهام لها. أو لا يفقهون أمرا حادثا من صروف الزمان فيتفكّروا فيها، فيعلموا أنّ القابض والباسط هو الله.

وقيل: هؤلاء هم المنافقون، مثل عبد الله بن أبيّ وأصحابه الّذين تخلّفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا للّذين قتلوا في الجهاد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فعلى هذا معناه: إن يصبهم ظفر وغنيمة قالوا: هذا من عند الله، وإن يصبهم مكروه وهزيمة قالوا: هذا من عندك وبسوء تدبيرك.

__________________

(١) الأعراف: ١٦٨.

(٢) الأعراف: ١٣١.

(٣) النمل: ٤٧.


وهذا القول هو المرويّ عن ابن عبّاس وقتادة. والأوّل ذكره البلخي والجبائي، وروي عن الحسن وابن زيد. وقيل: هو عامّ في اليهود والمنافقين. وهو الأصحّ.

( ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٧٩) )

ثمّ قال تعالى خطابا عامّا:( ما أَصابَكَ ) يا إنسان( مِنْ حَسَنَةٍ ) من نعمة وإحسان( فَمِنَ اللهِ ) تفضّلا منه وامتنانا، فإنّ كلّ ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئ نعمة الوجود، فكيف يقتضي غيره. ولذلك قالعليه‌السلام : «ما يدخل أحد الجنّة إلّا برحمة الله. قيل: ولا أنت. قال: ولا أنا».

( وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ ) من بليّة ومصيبة( فَمِنْ نَفْسِكَ ) لأنّك السبب فيها بما اكتسبت من الذنوب. ومثله:( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (١) . وهو لا ينافي قوله تعالى:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) فإنّ الكلّ منه إيجادا وإيصالا، غير أنّ الحسنة إحسان وامتنان، والسيّئة مجازاة وانتقام، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من خدش بعود، ولا اختلاج عر؟؟، ولا عثرة قدم، إلّا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر».

وكما قالت عائشة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من مسلم يصيبه وصب(٢) ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلّا بذنب، وما يعفو الله أكثر».

( وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ ) جميعا( رَسُولاً ) لست برسول للعرب وحدهم كما

__________________

(١) الشورى: ٣٠.

(٢) الوصب: المرض والوجع الدائم، وقد يطلق على التعب والفتور في البدن. والنصب: العناء والمشقّة.


زعم بعضهم. و «رسولا» حال قصد بها التأكيد إن علّق الجارّ بالفعل، والتعميم إن علّق بالحال، أي: رسولا للناس من العرب والعجم جميعا، كقوله:( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) . ويجوز نصبه على المصدر بغير باب فعله.

ووجه اتّصاله بما تقدّم: أنّ المراد منه أنّ ما أصابهم فبشؤم ذنوبهم، وإنّما أنت رسول طاعتك طاعة الله ومعصيتك معصية الله، فلا يتطيّر بك، لأنّ الخير كلّه فيك، لعموم رسالتك على الخلق.

( وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) وحسبك الله شاهدا لك على رسالتك بنصب المعجزات. وقيل: معناه شهيدا على عباده بما يعملون ويقولون من خير وشرّ. فعلى هذا يكون متضمّنا للترغيب في الخير والتحذير عن الشرّ.

( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١) )

روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله».

فقال المنافقون: لقد قارف(١) الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد إلّا أن نتّخذه ربّا، كما اتّخذت النصارى عيسى، فنزلت:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) لأنّه إنّما يأمر بما أمر الله، وينهى عمّا نهى الله عنه، فهو يبلّغ عن أوامر الله ونواهيه، فكانت طاعته في امتثال ما أمر به والانتهاء عمّا نهى عنه طاعة لله( وَمَنْ تَوَلَّى ) عن الله وأعرض

__________________

(١) قارف مقارفة، أي: قارب.


عنه( فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) عن التولّي حتّى يسلّموا وينقادوا، أو تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب. وهو حال من الكاف.

( وَيَقُولُونَ ) يعني: يقول المنافقون إذا أمرتهم بأمر:( طاعَةٌ ) أي: أمرنا طاعة، أو منّا طاعة. وأصلها النصب على المصدر، ورفعها للدلالة على الثبات( فَإِذا بَرَزُوا ) خرجوا( مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ ) دبّرت وقرّرت ليلا( طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ) أي: زوّرت خلاف ما قلت لهم وأمرت به، أو خلاف ما قالت لك من القبول ولزوم الطاعة، لأنّهم نافقوا بما قالوا: وأبطنوا خلاف ما أظهروا.

والتبييت إمّا من البيتوتة، لأنّ الأمور تدبّر بالليل، يقال: هذا أمر بيّت بليل.

أو من أبيات الشعر، لأنّ الشاعر يدبّرها ويسوّيها. أو من البيت المبنيّ، لأنّه بالتدبير يدبّر فيسوّى.

وقرأ حمزة وأبو عمرو: بيّت طائفة بالإدغام، لقربهما في المخرج.

ثمّ وعدهم سبحانه بقوله:( وَاللهُ يَكْتُبُ ) يثبت في صحائفهم( ما يُبَيِّتُونَ ) للمجازاة، أو في جملة ما يوحى إليك لتطّلع على أسرارهم( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) قلّل المبالاة بهم، أو تجاف عنهم إلى أن يستقرّ أمر الإسلام( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) وفوّض أمرك إليه، وثق به في جميع الأمور، سيّما في شأنهم( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) يكفيك مضرّتهم، وينتقم لك منهم.

( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) ) ولـمّا بيّن إرسال النبيّ أمر بالتدبّر في معجزته وهو القرآن، ليعلموا أنّه مبعوث من عنده، فقال:( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) يتأمّلون في معانيه، ويتبصّرون ما فيه ،


لينزجروا عن النفاق والكفر، ويطيعوا أمر الرسول. وأصل التدبّر النظر في أدبار الأمور، والتأمّل فيها، ثمّ استعمل في كلّ تأمّل.

( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ ) أي: ولو كان من كلام البشر كما زعم البشر( لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) لكان الكثير منه مختلفا متناقضا متفاوتا نظمه ومعانيه، وكان بعضه فصيحا، وبعضه ركيكا، وبعضه معجزا يصعب معارضته، وبعضه غير معجز يسهل معارضته، وبعضه أخبارا مستقبلة أو ماضية لا يوافق المخبر عنه، وبعضه موافقا للعقل في بعض أحكامه دون بعض، على ما دلّ عليه الاستقراء في تصانيفهم، لنقصان القوّة البشريّة. فلمّا تناسب كلّه من حيث توافق النظم، وصحّة المعاني، وصدق الأخبار، واشتماله على أنواع الحكم من أمر بحسن ونهي عن قبيح، وعلى الدعاء إلى مكارم الأخلاق، والحثّ على الخير والزهد، مع فصاحة اللفظ على وجه فاق على جميع قوى الفصحاء والبلغاء، علم أنّه ليس إلّا من جهة الله تعالى القادر على ما لا يقدر عليه غيره، والعالم بما لا يعلمه أحد سواه.

واعلم أنّ الاختلاف في الكلام يكون على ثلاثة اضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة. واختلاف التفاوت يكون في الحسن والقبح، والخطأ والصواب، ونحو ذلك ممّا تدعو إليه الحكمة وتصرف عنه. وهذا القسم لا يوجد في القرآن البتّة، كما لا يوجد اختلاف التناقض، كما قال:( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (١) . وأمّا اختلاف التلاوة فهو ما يتلاوم في الجنس، كاختلاف وجوه القرآن، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ، وذلك موجود في القرآن، وكلّه حقّ وصواب.

وهذه الآية تضمّنت الدلالة على معان كثيرة :

منها: بطلان التقليد، وصحّة الاستدلال في أصول الدين، لأنّه سبحانه دعا

__________________

(١) فصّلت: ٤٢.


العباد إلى التفكّر والتدبّر، وحثّ على ذلك.

ومنها: فساد قول من زعم من الحشويّة وغيرهم أنّ القرآن كلّه لا يفهم معناه إلّا بتفسير الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه حثّ على تدبّره ليعرفوه.

ومنها: أنّه لو كان من غيره لكان على وزان كلام عباده، ولوجدوا الاختلاف المذكور فيه.

ومنها: أنّ تناقض كلام المخلوق لا يكون من فعل الله تعالى، لأنّه لو كان من فعله لكان فاعلا للقبيح، وهو منزّه عن ذلك.

( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) )

روي أنّ قوما من ضعفة الإسلام أو أهل النفاق إذا بلغهم خبر من سرايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو أخبرهم الرسول بما أوحي إليه من أمن وسلامة، ووعد بالظفر، أو تخويف من الكفر وضرر، أفشوه لعدم حزمهم، وكان إفشاؤهم مفسدة، فنزلت:( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ) أي: أمر ممّا يوجب الأمن أو الخوف( أَذاعُوا بِهِ ) أفشوه من غير أن يعلموا صحّته أو صلاح إذاعته. والباء مزيدة، أو لتضمّن الإذاعة معنى التحدّث.

( وَلَوْ رَدُّوهُ ) ولو سكتوا عنه وردّوا ذلك الخبر( إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) أي: إلى رأيه ورأي أهل العلم والعفّة الّذين هم ملازمون للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بصراء بالأمور أو أمراء السرايا والولاة. وعن الباقرعليه‌السلام هم الأئمّة المعصومونعليهم‌السلام .


وأنكر أبو علي الجبائي الوجه الأوّل، وقال: إنّما يطلق أولوا الأمر على من له الأمر على الناس( لَعَلِمَهُ ) أي: لعلم صحّته( الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم. وضمير «منهم» راجع إلى أولي الأمر.

وقيل: كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها، فتعود هذه الإذاعة وبالا على المسلمين.

وعلى هذا معناه: لو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتّى يسمعوه منهم، وتعرّفوا أنّه هل هو ممّا يذاع، لعلم ذلك من هؤلاء الّذين يستنبطونه من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأولي الأمر، أي: يستخرجون علمه من جهتهم.

وأصل الاستنباط إخراج النبط، وهو الماء يخرج من البئر أوّل ما يحفر، وإنباط الماء واستنباطه إخراجه واستخراجه، فاستعير لـما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير فيما يعضل.

( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ ) ولو لا وصول موادّ الألطاف من جهة الله( عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) بإرسال الرسل وإنزال الكتاب.

قيل: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. وقيل: فضل الله النبيّ، ورحمته القرآن. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام : فضل الله ورحمته النبيّ وعليّعليهما‌السلام .

( لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ ) بما يلقي إليكم من الوساوس الموجبة لضعف اليقين والبصيرة، أو بالكفر والضلال( إِلَّا قَلِيلاً ) منكم، وهم أهل البصائر النافذة، وذوو الصدق واليقين، الّذين تفضّل الله تعالى عليهم بعقل راجح اهتدوا به إلى الحقّ والصواب، وعصمهم عن متابعة الشيطان بغير رسول وكتاب، مثل قسّ بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء الشني، وأبي ذرّ الغفاري، ونظرائهم من طلّاب الدين أسلموا بالله ووحّدوه قبل بعثة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . أو إلّا اتّباعا قليلا على الندور.


( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤) )

ولـمّا تقدّم في الآي تثبيطهم عن القتال حثّ نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال خطابا له: إن تثبّطوا وتركوك وحدك( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ) إلّا فعل نفسك، لا يضرّك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدّم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد، فإنّ الله سبحانه هو ناصرك البتّة، سواء كنت منفردا أو مع من حولك من الجنود.

روي أنّ أبا سفيان يوم أحد لـمّا رجع واعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم موسم بدر الصغرى، فكرهه بعضهم، وتثاقلوا حين بلغ الميعاد، فنزلت هذه الآية. فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما معه إلّا سبعون، ولم يلتفت إلى أحد، ولو لم يتّبعه أحد لخرج وحده.

( وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: على القتال، إذ ما عليك في شأنهم إلّا التحريض( عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني: قريشا، وقد كفّ بأسهم، بأن ألقى في قلوبهم الرعب حتى رجع أبو سفيان مع أصحابه، وقال: هذا عام مجدب، وانصرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمن معه سالمين( وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً ) من قريش( وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ) تعذيبا منهم. وهو تقريع وتهديد لمن لم يتّبعه.

( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) ) ولـمّا أمر الله تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتحريض المؤمنين على القتال الّذي يتضمّن جلب النفع إليهم ودفع الضرر عنهم عاجلا وآجلا، ويوجب مزيّة الثواب لمحرّضه،


فقال بعد ذلك تأكيدا للأمر بالتحريض:( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ) راعى بها حقّ مسلم، ودفع بها عنه ضرّا، أو جلب إليه نفعا، ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنها الدعاء لمسلم، كما قالعليه‌السلام : «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك».

( يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها ) وهو ثواب الشفاعة والتسبّب إلى الخير الواقع بها. وقالعليه‌السلام : «اشفعوا تؤجروا».

وأصل الشفاعة من الشفع الّذي هو ضدّ الوتر، فإنّ الرجل إذا شفع لصاحبه فقد شفّعه، أي: صار ثانيه.

ثمّ قال في بيان ضدّه ومقابله:( وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ) يريد بها محرّما منهيّا، ومنه الشفاعة في إسقاط حقّ واجب، كترك الجهاد، وترك حدّ من حدود الله الواجبة، كما قالعليه‌السلام : «من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله تعالى فقد ضادّ الله في ملكه».

( يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ) أي: نصيب من وزرها مساو لها في القدر، فإنّ الكفل بمعنى النصيب عند اللغويّين( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) مقتدرا، من: أقات الشيء، إذا قدر. أو شهيدا حافظا يعطي الشيء قدر الحاجة، اشتقاقه من القوت، فإنّه يقوّي البدن ويحفظه.

( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) ) ولـمّا أمر سبحانه المؤمنين بقتال المشركين وتشدّدهم وغلّظ عليهم، أوجب عليهم جواب السّلام على وجه يكون أحسن من تسليم المسلّم المسلم أو مثله، ليحصل به مزيّة المودّة والرأفة والمحبّة والصداقة والاتّحاد بينهم، عكس المشركين، فقال:( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) فأمر سبحانه بردّ السلام على المسلّم بأحسن ما سلّم، وهو أن يقول: عليكم السّلام ورحمة الله،


إذا قال المسلّم: السّلام عليكم. وإن يزد: ورحمة الله، فيزيد في جوابه: وبركاته، وهي النهاية، أو يردّه بمثله.

روي أنّ رجلا دخل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: السلام عليك. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وعليك السلام ورحمة الله. فجاء آخر فقال: السّلام عليك ورحمة الله. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فجاء آخر فقال: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته. فقيل: يا رسول الله زدت للأوّل والثاني في التحيّة، ولم تزد للثالث. فقال: إنّه لم يبق لي من التحيّة شيئا، فرددت عليه بمثله.

وذلك لاستجماعه أقسام المطالب: السلامة عن المضارّ، وحصول المنافع.

وجواب التسليم على الطريق المذكور واجب على الكفاية بالإجماع، والتخيير إنّما وقع بين الزيادة وتركها. وهذا إذا كان المسلّم مسلما. أمّا إذا كان كافرا فجوابه: عليك حسب، كما ورد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليكم» أي: عليكم ما قلتم، لأنّهم كانوا يقولون: السام عليكم، والسام الموت.

والتحيّة في الأصل مصدر: حيّاك الله على الإخبار من الحياة، ثم استعمل للدعاء بذلك، ثمّ قيل لكلّ دعاء فغلب في السّلام.

روى الواحدي بإسناده عن أبي أمامة، عن مالك بن التيهان، قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من قال: السّلام عليكم كتب له عشر حسنات، ومن قال: السّلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة».

( إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ) يحاسبكم ويجازيكم على التحيّة وغيرها. وعن ابن عبّاس: الحسيب بمعنى الحفيظ والكافي.


( اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧) ) ولـمّا أمر الله سبحانه ونهى فيما قبل بيّن بعده أنّه الإله الّذي لا يستحقّ العبادة سواه، ليمتثلوا أوامره ونواهيه، فقال:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) مبتدأ وخبر، أو «الله» مبتدأ، و «لا إله إلّا هو» معترض، وخبره( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي: الله والله ليحشرنّكم بعد مماتكم من قبوركم إلى يوم القيامة. أو ليجمعنّكم مفضين إلى يوم القيامة. أو «إلى» بمعنى «في» أي: ليجمعنّكم في يوم القيامة. وقال الزجّاج: معناه: ليجمعنّكم في الموت أو في قبوركم إلى يوم القيامة. والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة، وهي قيام الناس من القبور، أو قيامهم للحساب.

( لا رَيْبَ فِيهِ ) في اليوم، أو الجمع، فهو حال من اليوم أو صفة للمصدر، أي: جمعا لا ريب فيه( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً ) إنكار أن يكون أحد، أكثر صدقا منه، فإنّه لا يتطرّق الكذب إلى خبره بوجه، لأنّه نقص وهو على الله تعالى محال.

( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ


جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) )

ثمّ عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال:( فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ) فما لكم تفرّقتم في أمر المنافقين فئتين، أي: فرقتين، فمنكم من يكفّرهم ومنكم من لم يكفّرهم. ونصبه على الحال، وعاملها «ما لكم»، كقولك: مالك قائما، و «في المنافقين» حال من «فئتين» أي: متفرّقين حال كون تفرّقكم فيهم. ومعنى الافتراق مستفاد من الفئتين.

والمراد منهم قوم استأذنوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخروج إلى البدو، لرداءة هواء المدينة، فلمّا خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم، فنزلت هذه الآية.

وقيل: نزلت في المتخلّفين يوم أحد، الذين قالوا:( لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لَاتَّبَعْناكُمْ ) (١) . أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلّين برداءة هواء المدينة والاشتياق إلى الوطن. وهذا القول مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

وقيل: في قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة.

( وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ ) ردّهم إلى حكم الكفرة، أو نكّسهم إلى النار( بِما كَسَبُوا ) بما فعلوا من الرجوع إلى المشركين، أو بالتقاعد عن القتال. وأصل الإركاس والنكس ردّ الشيء مقلوبا بحيث يصير أعلاه أسفله وأسفله أعلاه.( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا ) أي: تجعلوه من جملة المهتدين( مَنْ أَضَلَّ اللهُ ) من جعله الله من جملة

__________________

(١) آل عمران: ١٦٧.


الضلّال، وحكم عليه بضلالته، أو خذله وخلّاه ووكله إلى نفسه، ولم يوفّقه كما وفّق المؤمنين، لأنّهم لـمّا عصوا وخالفوا مع ظهور الحقّ عندهم استحقّوا هذا الخذلان، فيصيرون ضالّين.

وقال أبو علي الجبائي: معناه أتريدون أن تهدوا إلى طريق الجنّة من أضلّه عن طريقها لأجل نفاقه وكفره؟

( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) يحكم بضلالته، أو يخلّيه حتّى ضلّ، أو لم يوصله إلى طريق الجنّة( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) إلى الهدى.

( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا ) تمنّوا أن تكفروا ككفرهم( فَتَكُونُونَ سَواءً ) فتكونون معهم سواء في الضلال. وهو معطوف على «تكفرون».

( فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ ) فلا توالوهم( حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ) حتّى يؤمنوا وتتحقّقوا إيمانهم بهجرة صحيحة، وهي لله ورسوله، لا لأغراض الدنيا وسبيل الله ما أمر بسلوكه.

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن الإيمان المصاحب للهجرة المستقيمة، أو عن إظهار الإيمان( فَخُذُوهُمْ ) فأسروهم( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) في أرض الله، في الحلّ والحرم، كسائر الكفرة( وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) أي: جانبوهم رأسا، ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة.

( إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) عهد وحلف في ترك المحاربة. وهو استثناء من قوله: «فخذوهم واقتلوهم» أي: إلّا الّذين يتّصلون وينتهون إلى قوم بينكم وبينهم موادعة وعهد وحلف في ترك المحاربة، فحكمهم حكمكم في حقن دمائهم. وهؤلاء هم الأسلميّون، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وادع وقت خروجه إلى مكّة هلال بن عويمر الأسلمي، على أن لا يعين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا يعين عليه، وعلى أنّ من وصل ولجأ إليه فله من الجوار ـ أي: الأمان ـ مثل الّذي


لهلال.

وقيل: هم بنو بكر بن زيد بن منات. وقيل: سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي من بني مدلج، جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أحد فقال: أنشدك الله والنعمة، وأخذ منه أن لا يغزوا قومه، فإن أسلم قريش أسلموا، لأنّهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش. ففيهم نزل.

( أَوْ جاؤُكُمْ ) عطف على الصلة، أي: أو الّذين جاءوكم كافّين عن قتالكم وقتال قومهم. استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم من ترك المحاربين فلحق بالمعاهدين، أو أتى الرسول وكفّ عن قتال الفريقين. أو على صفة قوم، وكأنّه قيل: إلّا الّذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو إلى قوم كافّين عن القتال لكم وعليكم.

والأوّل أظهر، لقوله: «فإن اعتزلوكم».

( حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ) حال بإضمار «قد» أي: حال كونهم ضاقت صدورهم. ويدلّ عليه ما ورد في القراءة الشاذّة: حصرة صدورهم وحصرات. أو بيان لـ «جاءوكم». وقيل: صفة محذوف، أي: جاءوكم قوما حصرت صدورهم.

والحصر: الضيق والانقباض. والمعنى: ضاقت قلوبهم.( أَنْ يُقاتِلُوكُمْ ) عن أن، أو لأن، أو كراهة أن يقاتلوكم( أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ ) فلا عليكم ولا عليهم.

ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره(١) أنّ بني أشجع قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن رجيلة، فأخرج إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحمال التمر ضيافة. وقال: نعم الشيء الهديّة أمام الحاجة. وقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: قرب دارنا منك، وكرهنا حربك وحرب قومنا ـ يعني: بني ضمرة الّذين بينهم وبينهم عهد ـ لقلّتنا، فجئنا لنوادعك. فقبل النبيّ ذلك منهم ووادعهم، فرجعوا إلى بلادهم، فأمر الله سبحانه أن لا يتعرّضوا لهؤلاء.

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ١٤٦ ـ ١٤٧.


( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ) بأن قوّى قلوبهم، وبسط صدورهم، وأزال الرعب عنهم( فَلَقاتَلُوكُمْ ) ولم يكفّوا عنكم. هذا إخبار عن المقدور، وليس فيه أنه يفعل ذلك، أو يأذن لهم فيه. فمعناه: أنّه يقدر على ذلك لو شاء، لكنّه لم يشأ ذلك، بل قذف سبحانه الرعب في قلوبهم حتى فزعوا وطلبوا الموادعة، ولو لم يقذفه كانوا مسلّطين، أي: مقاتلين لكم غير كافّين.

( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ) أي: فإن لم يتعرّضوا لكم بالقتال( وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) الاستسلام والانقياد، أي: صالحوكم واستسلموا لكم( فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ) فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم.

( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١) )

روي أنّ بني أسد وغطفان أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين، فلمّا رجعوا إلى قومهم نكثوا عهدهم وكفروا، فنزلت في شأنهم:( سَتَجِدُونَ آخَرِينَ ) غير الّذين وصفوا( يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ) فيظهرون الإسلام( وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ) فيظهرون لهم الموافقة في دينهم( كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ ) المراد بالفتنة هنا الشرك، أي: كلّما دعاهم قومهم إلى الكفر وإلى قتال المسلمين( أُرْكِسُوا فِيها ) قلّبوا فيها أقبح قلب، وكانوا شرّا فيها من كلّ عدوّ.

( فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ) لم يعتزل هؤلاء قتالكم( وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ) ولم


يستسلموا لكم( وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ) ولم يكفّوا أيديهم عن قتالكم( فَخُذُوهُمْ ) فأسروهم( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) حيث تمكّنتم منهم( وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) حجّة واضحة في التعرّض لهم بالقتل والسبي، لظهور عداوتهم، ووضوح كفرهم وغدرهم. وسمّيت الحجّة سلطانا لأنّها يتسلّط بها على الخصم، كما يتسلّط السلطان. أو تسلّطا ظاهرا، حيث أذن لكم في القتال.

قيل: نزلت هذه الآية في عيينة بن حصن الفزاري، وذلك أنّه أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرّض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الّذي

سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأحمق المطاع في قومه. وهو المرويّ عن الصادقعليه‌السلام .

وبرواية ابن عبّاس نزلت في أناس كانوا يأتون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسلّمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم ويأمنوا رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) )

ولـمّا أمر الله تعالى بقتال أهل الحرب وقتلهم، نهى عن قتل غيرهم من


المسلمين والمعاهدين، فقال:( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ) وما صحّ له، وليس من شأنه( أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً ) بغير حقّ( إِلَّا خَطَأً ) فإنّه على عرضته. ونصبه على الحال أو المفعول له، أي: لا يقتله في شيء من الأحوال إلّا حال الخطأ، أو لا يقتله إلّا للخطأ. أو على أنّه صفة مصدر محذوف، أي: إلّا قتلا خطأ من غير قصد، بأن يرمي شخصا على أنّه كافر فيكون مسلما، أو كان يريد شيئا فيصيب غيره، مثل أن يرمي إلى غرض أو إلى صيد فيصيب إنسانا فقتله. وقيل: «ما كان» نفي في معنى النهي، والاستثناء منقطع، أي: لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما قال عزّ اسمه.

( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أي: فعليه تحرير رقبة. والتحرير الاعتاق، والحرّ كالعتيق بمعنى الكريم، ومنه حرّ الوجه لأكرم موضع منه، سمّي به لأنّ الكرم في الأحرار. والرقبة عبّر بها عن النسمة كما عبّر عنها بالرأس.

( مُؤْمِنَةٍ ) محكوما بإيمانها وإن كانت صغيرة( وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ ) مؤدّاة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث. وكميّة الدية وكيفيّتها جنسا ووصفا مذكورتان في كتب الفقه. والدية على عاقلة القاتل.

( إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) أي: يتصدّق أولياء المقتول بالدية. ومعناه العفو. وسمّي العفو عنها صدقة حثّا عليه، وتنبيها على فضله. وفي الحديث: «كلّ معروف صدقة». وهو متعلّق بـ «عليه»، أو بـ «مسلّمة» أي: تجب الدية عليه، أو يسلّمها إلى أهله، إلّا حال تصدّقهم عليه أو زمانه. فهو في محلّ النصب على الحال أو الظرف.

( فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ) أي: من قوم كفّار محاربين، أو في تضاعيفهم، ولم يعلم إيمانه( وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) فعلى قاتله الكفّارة دون الدية، إذ لا وراثة بينه وبينهم، لأنّهم محاربون.

( وَإِنْ كانَ ) المقتول( مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) من قوم كفرة معاهدين، أو أهل الذمّة، فحكمه حكم المسلم( فَدِيَةٌ ) فعلى عاقلة قاتله دية


( مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) أي: وعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة، كما روي عن الصادقعليه‌السلام ، وعليه جمهور الفقهاء.

( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) رقبة، بأن لم يملكها، ولا ما يتوصّل به إليها( فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ) فعليه، أو فالواجب عليه صيام شهرين.( تَوْبَةً ) نصب على المفعول له، أي: شرع ذلك توبة كائنة( مِنَ اللهِ ) من تاب الله عليه، إذا قبل توبته.

أو على المصدر، أي: وتاب الله عليكم توبة. أو الحال بحذف مضاف، أي: فعليه صيام شهرين ذا توبة من الله.

وقيل: المراد بالتوبة هنا التخفيف من الله، لأنّه سبحانه إنّما جوّز للقاتل العدول إلى الصيام تخفيفا عليه، فيكون كقوله:( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ ) (١) .

( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بحاله( حَكِيماً ) فيما أمر في شأنه.

والآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الأمّ، وذلك أنّه اسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة قبل هجرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأقسمت أمّه لا تأكل ولا تشرب ولا يظلّها سقف حتى يرجع. فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد العامري فأتياه وهو في أطم(٢) ، فاطّلع أبو جهل في ذروة(٣) وقال: أليس محمد يحثّك على صلة الرحم؟ انصرف وبرّ أمّك وأنت على دينك، حتّى نزل وذهب معهما. فلمّا خرجا من المدينة كتّفاه وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة. فقال للحارث: هذا أخي، فمن أنت يا حارث؟ لله عليّ إن وجدتك خاليا أن أقتلك.

وقدما به على أمّه، فحلفت لا تحلّ كتافه أو يرتدّ، ثم فعل. ثم هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قبا ـ ولم يشعر بإسلامه ـ فقتله، ثم أخبر

__________________

(١) المزّمّل: ٢٠.

(٢) الأطم جمعه آطام: القصر والحصن المبنيّ بالحجارة، وكلّ بناء مرتفع.

(٣) الذروة: العلوّ والمكان المرتفع.


بإسلامه، فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت الآية فيه.

( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) )

ولـمّا بيّن سبحانه قتل الخطأ وحكمه، عقّبه ببيان قتل العمد وحكمه، فقال تهديدا بليغا فيه:( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ) قاصدا إلى قتله، عالما بإيمانه وحرمة قتله وعصمة دمه( فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ) أبعده من الرحمة وطرده عنها( وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) . وقتل العمد أن يقصد قتل غيره بما جرت العادة بأنّه يقتل مثله، سواء كان بحديدة حادّة كالسلاح، أو بخنق أو سمّ، أو إحراق أو تغريق، أو ضرب بالعصا أو بالحجارة حتى يموت، فإنّ ذلك عمد يوجب القود به.

ولـمّا كان في قتل العمد تهديد بليغ ووعيد عظيم وخطب جسيم، قال ابن عبّاس: لا يقبل توبة قاتل المؤمن عمدا. ولعلّه أراد به التشديد، إذ روي عن ابن عبّاس خلافه، كما روى الواحدي(١) بإسناده مرفوعا إلى عطاء، عن ابن عبّاس أنّ رجلا سأله: القاتل المؤمن توبة؟ فقال: لا. وسأله آخر: ألقاتل المؤمن توبة؟ فقال: نعم. فقيل له في ذلك، فقال: جاءني ذلك ولم يكن قتل، فقلت: لا توبة لك لكي لا يقتل، وجاءني هذا وقد قتل، فقلت: لك توبة لكي لا يلقى بيده إلى التهلكة.

وقال بعض أصحابنا: إنّ قاتل المؤمن لا يوفّق للتوبة، على معنى أنه لا يختار التوبة. وعند معظم أصحابنا وعند الشافعي أنّ هذا الحكم مخصوص بالمستحلّ له، كما ذكره عكرمة.

وعن الصادقعليه‌السلام أنّ معنى التعمّد أن يقتله على دينه. ويؤيّده مارواه

__________________

(١) الوسيط ٢: ٩٩.


الضحّاك وجماعة من المفسّرين أنّها نزلت في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجّار ولم يظهر قاتله، فذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأرسل معه قيس بن الهلال الفهري وقال: قل لبني النجّار إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتصّ منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته. فبلّغ الفهري الرسالة، فأعطوه الدية.

فلمّا انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا! أخذت دية أخيك فتكون عليك سبّة(١) ، اقتل الّذي معك ليكون نفس بنفس، والدية فضل. فرماه بصخرة فقتله، فركب بعيرا ورجع إلى مكّة مرتدّا. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا أؤمنه في حلّ ولا حرم. فقتل يوم الفتح.

أو المراد بالخلود المكث الطويل، فإنّ الدلائل متظافرة على أنّ عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم.

وروى العيّاشي بإسناده عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وقد روي أيضا مرفوعا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: هو جزاؤه إن جازاه.

وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عبّاس في قوله: «فجزاؤه جهنّم» قال: «هي جزاؤه، فإن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له».

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) )

روي عن ابن عبّاس وقتادة والسدّي أنّ سريّة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزت أهل

__________________

(١) السبّة: العار.


فدك، فهربوا وبقي مرداس ثقة بإسلامه، فلمّا رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول(١) من الجبل وصعد، فلمّا تلاحقوا وكبّروا كبّر ونزل وقال لهم: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، فبدر إليه أسامة فقتله واستاقوا غنمه، فنزلت:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) سافرتم وذهبتم للغزو( فَتَبَيَّنُوا ) . وقرأ حمزة والكسائي: فتثبّتوا. وهما من التفعّل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تعجّلوا في القتل من غير رويّة.

( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ ) لمن حيّاكم بتحيّة الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة: السّلم بغير الألف، أي: الاستسلام والانقياد. وفسّر به السلام أيضا.( لَسْتَ مُؤْمِناً ) أي: ليس لإيمانك حقيقة، وإنّما أظهرت الإسلام خوفا من القتل.

( تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) تطلبون ماله الّذي هو حطام سريع النفاد.

وهو حال من الضمير في «تقولوا» مشعر بما هو الحامل لهم على العجلة وترك التثبّت، وقلّة البحث عن حال من تقتلونه.( فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ) أي: في مقدوره فواضل ونعم وأرزاق تغنيكم بها عن قتل رجل يظهر الإسلام لتأخذوا ماله، إن أطعتموه فيما أمركم به.

( كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) أي: أوّل ما دخلتم في الإسلام تفوّهتم بكلمتي الشهادة، فحصنت بها دماؤكم وأموالكم، من غير انتظار الاطّلاع على مواطاة قلوبكم ألسنتكم( فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ ) بالاشتهار بالإيمان والاستقامة في الدين.

( فَتَبَيَّنُوا ) وافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنّا بأنّهم دخلوا فيه اتّقاء وخوفا، فإنّ إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرئ مسلم. وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر، وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم.

__________________

(١) العاقول: منعطف الوادي أو النهر، أو المعوجّ منه، أو الأرض لا يهتدى إليها.


( إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) عالما به وبالغرض منه، فلا تتساقطوا في القتل واحتاطوا.

وروي عن ابن عبّاس وقتادة لـمّا نزلت الآية حلف أسامة لا يقتل رجلا قال: لا إله إلّا الله. وبهذا اعتذر إلى عليّعليه‌السلام لـمّا تخلّف عنه، وإن كان عذره غير مقبول، لصريح الدلالة على وجوب طاعة الامام في محاربة البغاة، سيّما وقد سمع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: حربك يا عليّ حربي، وسلمك سلمي.

( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦) )

ولـمّا نهى عن قتل المسلمين وذكر أحكامه، وبيّن ما فيه من النكال والعقاب، عاد إلى قتال المشركين وقتلهم، وبيّن ما فيه من الفضل والثواب، فقال:( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ) عن الحرب( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) في موضع الحال من القاعدين، أو من الضمير الّذي فيه( غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) بالرفع صفة لـ «القاعدون»، لأنّه لم يقصد به قوم بأعيانهم، أو بدل منه. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الحال أو الاستثناء. والمراد بالضرر المرض أو العاهة، من عمى أو زمانة أو نحوهما.


وعن زيد بن ثابت أنّها نزلت ولم يكن فيها «غير أولي الضرر»، فقال ابن أمّ مكتوم: وكيف وأنا أعمى؟ فغشي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مجلسه الوحي، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضّها، ثم كشف عنه الوحي فقال: اكتب:( لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ) .

( وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا( بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) أي: لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علّة.

وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد، رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته.

( فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) فضيلة ومزيّة. ونصبه بنزع الخافض، أي: بدرجة. أو على المصدر، لأنّه تضمّن معنى التفضيل ووقع موقع: مرّة، فيكون «درجة» في معنى: تفضيلا، نحو: ضربته سوطا، أي: ضربته ضربة. أو على الحال، بمعنى ذوي درجة. وهذه الجملة الفعليّة موضحة لـما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين، كأنّه قيل: ما لهم لا يستوون؟ فأجيب بذلك.

( وَكُلًّا ) من القاعدين والمجاهدين( وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) المثوبة الحسنى، وهي الجنّة، لحسن عقيدتهم، وخلوص نيّتهم. وإنّما التفاوت في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لقد خلّفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلّا كانوا معكم».

وهم الّذين صحّت نيّاتهم، ونصحت(١) جيوبهم، وهوت أفئدتهم إلى الجهاد، وقد منعهم من المسير ضرر أو غيره.

__________________

(١) رجل ناصح الجيب، أي: نقيّ القلب. الصحاح ١: ٤١١.


( وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) نصب على المصدر، لأنّ «فضّل» بمعنى: أجر، والمفعول الثاني لتضمّنه معنى الإعطاء، كأنّه قيل: وأعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما.

( دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ) كلّ واحد منها بدل من «أجرا». ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر، كأنّه قيل: فضّلهم تفضيلات، كقولك: ضربته أسواطا، وأجرا على الحال عنها، تقدّمت عليها لأنّها نكرة. ومغفرة ورحمة على المصدر بإضمار فعلهما، بمعنى: غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة.

قيل: كيف قال أوّلا: فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، ثم قال ثانيا: فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات، وهذا متناقض الظاهر.

وأجيب: بأنّ المراد بالأوّل ما خوّلهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر، والثاني ما جعل لهم في الآخرة.

وفي الحديث: «إنّ الله تعالى فضّل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة، بين كلّ درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر».

والمراد بالدرجة الأولى ارتفاع منزلتهم عند الله تعالى، كما يقال: فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان، يريدون بذلك أنه أعظم منزلة، وبالدرجات منازلهم في الجنّة. أو القاعدون الأوّل هم الأضرّاء، والقاعدون الثاني هم الّذين أذن لهم في التخلّف اكتفاء بغيرهم، فإنّ الجهاد فرض على الكفاية. أو المجاهدون الأوّلون من جاهد الكفّار، والآخرون من جاهد نفسه، وعليه قولهعليه‌السلام : «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».

( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) لـما عسى أن يفرط منهم( رَحِيماً ) بما وعد لهم.


( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) )

ثمّ أخبر سبحانه عن حال من ترك الهجرة، ووافق الكفرة، وقعد عن نصرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) يحتمل الماضي والمضارع( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) في حال ظلمهم أنفسهم بترك المهاجرة وموافقة الكفرة( قالُوا ) أي: الملائكة توبيخا لهم( فِيمَ كُنْتُمْ ) في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم( قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ) اعتذروا ممّا وبّخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة، أو إظهار الدين وإعلاء كلمته.

وهم جماعة أسلموا بمكّة، ولم يهاجروا حين كانت المهاجرة واجبة، فلمّا خرج المشركون إلى بدر لم يخلفوا منهم أحدا إلا من كان صبيّا أو مريضا أو شيخا كبيرا، فخرج هؤلاء معهم، فلمّا نظروا إلى قلّة المسلمين ارتابوا فأصيبوا فيمن أصيب من المشركين، فنزلت الآية.

فقولهم: «فيم كنتم» توبيخ لهم بأنّهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا. فاعتذروا ممّا وبّخوا بالاستضعاف، وأنّهم لم يتمكّنوا من الهجرة.


فالملائكة على وجه التبكيت والتكذيب لهم( قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) إلى قطر آخر، كما هاجر المهاجرون إلى المدينة والحبشة؟!( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) لتركهم الواجب، ومساعدتهم الكفّار. وهو خبر «إنّ»، والفاء فيه لتضمّن الاسم معنى الشرط. و( قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ) حال من الملائكة بإضمار «قد». أو الخبر «قالوا» والعائد محذوف، أي: قالوا لهم. وهو جملة معطوفة على الجملة التي قبلها مستنتجة منها( وَساءَتْ مَصِيراً ) مصيرهم، أو جهنّم.

وفي الآية دليل على وجوب الهجرة على المكلّف في موضع لا يتمكّن فيه من إقامة دينه.

( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ) استضعفهم المشركون( مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) استثناء منقطع من أهل الوعيد، لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإشارة إليه.

وذكر الولدان إن أريد به المماليك فظاهر. وإن أريد به الصبيان فللمبالغة في الأمر، والإشعار بأنّهم على صدد وجوب الهجرة، فإنّهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، وأنّ قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت.

( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) صفة للمستضعفين، أو للرجال والنساء والولدان، إذ لا تعيين فيه، من قبيل: ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني أو حال منه، أو من المستكن فيه. واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة وما تتوقّف عليه. واهتداء السبيل معرفة الطريق بنفسه أو بدليل.

( فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا ) أي: لم يزل الله ذا صفح ـ بفضله ـ عن ذنوب عباده، بترك عقوبتهم على معاصيهم( غَفُوراً ) ساترا عليهم ذنوبهم، بعفوه لهم عنها. ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو إيذانا بأنّ ترك الهجرة وما يتوقّف عليه واهتداء السبيل أمر خطير، حتى إنّ المضطرّ من حقّه أن لا يأمن ويترصّد الفرصة، ويعلّق بها قلبه.


قيل: إنّ المستضعفين هم قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبّه بن الحجّاج، وعليّ بن أميّة بن خلف.

وروى أبو الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قال ابن عبّاس: كنت من المستضعفين، وكنت غلاما صغيرا. وذكر أيضا عنه أنّه قال: كان أبي من المستضعفين من الرجال، وكانت أمّي من المستضعفات من النساء، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان.

وقال عكرمة: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو عقيب صلاة الظهر: أللّهمّ خلّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين.

( وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠) )

ثمّ حثّ المستطيعين على المهاجرة بقوله:( وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) ومن يفارق أهل الشرك ويهرب بدينه من وطنه وأهله في منهاج دين الله( يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً ) متحولا، من الرغام وهو التراب. وقيل: طريقا يراغم بسلوكه قومه، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم. والرغم الذلّ والهوان، وهو أيضا من الرغام( وَسَعَةً ) في الرزق وإظهار الدين. وقيل: مهاجرا فسيحا ومتّسعا ممّا كان فيه من تضييق المشركين عليه.

روي عن سعيد بن جبير وقتادة وأبي حمزة الثمالي أنّه لـمّا نزلت آيات


الهجرة سمعها رجل من المسلمين، وهو جندب بن ضمرة، وكان بمكّة، فقال: والله ما أنا ممّن استثنى الله، إنّي لأجد قوّة، وإنّي لعالم بالطريق، وكان مريضا شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكّة حتّى أخرج منها، فإنّي أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير، فلمّا بلغ التنعيم أشرف على الموت، فصفق بيمينه على شماله فقال: أللّهمّ إنّ هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايع عليه رسولك، فمات، فنزلت.

( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً ) فارّا بدينه( إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ) قبل بلوغه دار الهجرة( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ ) جزاء هجرته وثواب عمله( عَلَى اللهِ ) الوقوع والوجوب متقاربان. والمعنى: ثبت أجره عند الله ثبوت الأمر الواجب.

وكلّ هجرة لغرض دينيّ ـ من طلب علم، أو حجّ، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة ـ فهي هجرة إلى الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) ساترا على عباده ذنوبهم بالعفو عنهم( رَحِيماً ) بهم رفيقا.

عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من الأرض، استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) )

ولـمّا أمر الله تعالى بالهجرة والجهاد، بيّن كيفيّة صلاة السفر والخوف اللّذين لازمهما، فقال:( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) الضرب في الأرض هو السفر، أي: إذا


سافرتم فيها( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) إثم( أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) بتنصيف الرباعيّات، فتصلّوها ركعتين ركعتين. والجارّ والمجرور صفة محذوف، أي: شيئا من الصّلاة عند سيبويه، ومفعول «تقصروا» بزيادة «من» عند الأخفش.

والقصر ثابت بنصّ الكتاب في حال الخوف خاصّة، وهو قوله:( إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) . يعني: خفتم فتنة الّذين كفروا في أنفسكم، بأن يعذّبوكم بنوع من العذاب، أو في دينكم.( إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ) ظاهر العداوة.

وأمّا قصر الصلاة في حال الأمن فبنصّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهو عزيمة واجبة غير رخصة عند أبي حنيفة. وهو مذهب أهل البيتعليهم‌السلام . ورخصة عند الشافعي.

وإنّما قال:( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) في الواجب لئلّا يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في القصر، فإنّهم ألفوا الأربع، فكان مظنّة لأن يخطر ببالهم أنّ ركعتي السفر قصر ونقصان، فسمّى الإتيان بهما قصرا على ظنّهم، ونفي الجناح فيه لتطيب به أنفسهم.

والجملة الشرطيّة شريطة القصر باعتبار الغالب في ذلك الوقت، ولم يعتبر مفهومها في وجوب القصر. ومثله في القرآن كثير، كقوله:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) (١) . وقد تظاهرت السنن من الموافق والمخالف على جواز القصر أيضا في حال الأمن.

وروى زرارة ومحمد بن مسلم: «قلنا لأبي جعفرعليه‌السلام : ما تقول في الصلاة في السفر؟ كيف هي؟ وكم هي؟

قال: إنّ الله تعالى يقول:( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) فصار التقصير واجبا في السفر كوجوب التمام في الحضر.

قالا: قلنا: إنّه قال: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة، ولم يقل: افعل ،

__________________

(١) البقرة: ٢٢٩.


فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام؟! قال: أو ليس قال سبحانه في الصفا والمروة:( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) (١) ؟ ألا ترى أنّ الطواف واجب مفروض، لأنّ الله تعالى ذكرهما في كتابه، وصنعهما نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وكذا التقصير في السفر صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذكره الله في الكتاب.

قال: قلت: فمن صلّى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟

قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له فصلّى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».

وقال في كنز العرفان: «قصر الصلاة جائز إجماعا. فقال الشافعي: هو رخصة، لقوله تعالى:( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) . فهو من المخيّر عنده، لكنّه قال: القصر أفضل. وقال المزني من أصحابه: الإتمام أفضل. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابنا: إنّه عزيمة. وبه قال عليّ وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وابن عبّاس وجابر وابن عمر وغيرهم. ونفي الجناح لا ينافي الوجوب، فإنّه قد استعمل في الوجوب، كما في قوله:( إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) إلى قوله:( فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ) (٢) والطواف بهما واجب. ولما روي عن يعلى بن أميّة وقد سأل عمر: ما بالنا نقصّر وقد أمنّا؟ فقال: عجبت ممّا عجبت منه فسألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «تلك صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» والأمر للوجوب. وغير ذلك من الروايات عن أهل البيتعليهم‌السلام .

وتحقيق الحال هنا أن نقول: ليس السفر والخوف شرطين على الجمع للإجماع، ولأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى قصرا سفرا مع زوال الخوف. وإذا لم يكونا

__________________

(١، ٢) البقرة: ١٥٨.


شرطين على الجمع، فإمّا أن يكون أحدهما شرطا في الآخر، دون العكس. وهو باطل.

أمّا أوّلا: فلاستلزام الترجيح من غير مرجّح.

وأمّا ثانيا: فلأنّ اشتراط السفر بالخوف باطل، للإجماع المذكور والنصّ.

وعكسه ـ أعني: اشتراط الخوف بالسفر ـ باطل أيضا، لكونه ينفي سببيّة الخوف مطلقا، سفرا وحضرا. ولأنّ السبب التامّ يستحيل أن يكون شرطا في سببيّة الآخر.

وإذا بطل ذلك فلم يبق إلّا أن يكون كلّ واحد منهما سببا في وجوب القصر. ولما صحّ عن الباقرعليه‌السلام أنّه سئل عن صلاة الخوف وصلاة السفر أيقصّران جميعا؟ فقال: «نعم، وصلاة الخوف أحقّ أن يقصّر من صلاة السفر الّذي ليس فيه خوف» بانفراده. جعلعليه‌السلام الخوف سببا أقوى من السفر الخالي عنه، فيكون كلّ واحد منهما سببا تامّا منفردا. وهذا تقرير لوجوب القصر فيهما معا.

ثمّ قال: «وحدّ التقصير في السفر عندنا مرحلة، ثمانية فراسخ أو مسير يوم متوسّط السير»(١) .

أو أربعة فراسخ لمن أراد الرجوع في يومه أو ليلته، على الخلاف في الأخير، وبه وردت الروايات المتضافرة عن أهل البيتعليهم‌السلام . وعند الشافعي مرحلتان، ستّة عشر فرسخا، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة وأصحابه: ثلاثة مراحل، أربعة وعشرون فرسخا. وباقي شرائط القصر مذكور في كتب الفقه، فليطالع ثمّة.

( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ

__________________

(١) كنز العرفان ١: ١٨٢ ـ ١٨٤.


يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) )

ولـمّا بيّن سبحانه وجوب قصر صلاة السفر، عقّبه ببيان كيفيّة صلاة الخوف، فقال:( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) في الخائفين من أصحابك( فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) بأن تؤمّهم. ومن خصّ صلاة الخوف بحضرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تمسّك بمفهومه. وأمّا فقهاء الاماميّة وفقهاء العامّة على أنّه تعالى علّم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيفيّتها ليأتمّ به الأئمّة بعده، فإنّهم نوّاب عنه، فيكون حضورهم كحضورهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ ) من أصحابك الّذين أنت فيهم( مَعَكَ ) أي: في صلاتك، فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلّون، وتقوم الطائفة الأخرى تجاه العدوّ، ولم يذكر هذا لدلالة الكلام عليه( وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ) أي: المصلّون حزما، لا يشغلهم عن الصّلاة، كالسيف يتقلّدون به، والخنجر يشدّونه إلى دروعهم، ونحوهما.

( فَإِذا سَجَدُوا ) يعني: الطائفة الّتي تصلّي معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفرغوا من سجودهم( فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ) يحرسونكم، يعني: النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن يصلّي معه، فغلب المخاطب على الغائب يعني: فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافّين للعدوّ


( وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا ) لاشتغالهم بالحراسة، وهم الّذين كانوا بإزاء العدوّ( فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ) .

واختلف في الطائفة الأولى إذا رفعت رؤوسهم من السجود وفرغت من الركعة كيف يصنعون؟ فعندنا أنهم إذا سجدوا في الأولى يصلّون ركعة أخرى ويتشهّدون ويسلّمون، والامام قائم في الثانية، ثم ينصرفون إلى مواقف أصحابهم، ويجيء الآخرون فيستفتحون الصلاة، ويصلّي بهم الامام الركعة الثانية، ويطيل التشهّد حتى يقوموا فيصلّوا بقيّة صلاتهم، ثم يسلّم بهم، كما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذات(١) الرقاع. فيكون للطائفة الأولى تكبيرة افتتاح الامام، وللثانية تسليمه. وهو مذهب الشافعي أيضا.

وقيل: إنّ الامام يصلّي مرّتين، بكلّ طائفة مرّة، كما فعله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببطن نخل(٢) . وهذه الصلاة تصحّ أيضا مع الأمن.

وقيل: إنّ الطائفة الأولى إذا فرغت من ركعة يسلّمون ويمضون إلى وجه العدوّ، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلّي بهم ركعة. وهذا مذهب جابر ومجاهد، ومن يرى أنّ صلاة الخوف ركعة واحدة.

وقيل: إنّه إذا صلّى بالطائفة الأولى ركعة مضوا إلى وجه العدوّ، وتأتي الطائفة الأخرى فيكبّرون ويصلّي الامام بهم الثانية، ويسلّم الإمام ويعودون إلى وجه العدوّ، وتأتي الطائفة الأولى فيؤدّون الركعة الثانية بغير قراءة، فيتمّون صلاتهم ويرجعون إلى وجه العدوّ، وتأتي الطائفة الثانية فيؤدّون الركعة بقراءة، ويتمّون

__________________

(١) قال الواقدي: ذات الرقاع قريبة من النخيل بين السعد والشقرة وبئر أرما، على ثلاثة أيّام من المدينة. وفي تعيين موضع غزاة ذات الرقاع التي غزاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقوال، انظر معجم البلدان ٣: ٥٦.

(٢) بطن نخل: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة. معجم البلدان ١: ٤٤٩.


صلاتهم. وهو مرويّ عن عبد الله بن مسعود. وهو مذهب أبي حنيفة.

( وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ) يعني: وليكونوا حذرين من عدوّهم، متأهّبين لقتالهم بأخذ الأسلحة، أي: آلات الحرب. وهذا يدلّ على أنّ الفرقة المأمورة بأخذ السلاح في الأوّل هم المصلّون دون غيرهم.

ثم بيّن ما لأجله أوجب أخذ السلاح عليهم بقوله:( وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ ) في القتال حين اشتغالكم بالصلاة( فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً ) تمنّوا أن ينالوا منكم غرّة في صلاتكم فيشدّون عليكم شدّة واحدة.

ثمّ رخّص لهم في وضع الأسلحة فقال:( وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً ) أي: نالكم( مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى ) أعلّاء أو جرحى، فثقل بسبب المطر أو المرض أخذ الأسلحة، وضعفتم عن حملها( أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ) وهذا ممّا يدلّ على أنّ الأمر بأخذ الأسلحة للوجوب دون الندب( وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر ما دام ممكنا لهم وإن كان مع مشقّة، لئلّا يغفلوا فيحمل عليهم العدوّ.

( إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) هذا وعد للمؤمنين بأنّه سبحانه يهين عدوّهم، وينصرهم عليهم بعد الأمر بالحزم، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أنّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوّهم، بل لأنّ الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقّظ والتدبّر، فيتوكّلوا على الله تعالى.

وفي الآية دلالة على صدق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصحّة نبوّته، وذلك أنّها نزلت والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعسفان(١) والمشركون بضجنان(٢) ، فتواقفوا فصلّى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأصحابه

__________________

(١) عسفان قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستّة وثلاثين ميلا من مكّة. معجم البلدان ٤: ١٢١ ـ ١٢٢.

(٢) ضجنان: بالتحريك، قيل: جبيل على بريد من مكّة وقال الواقدي: بين ضجنان ومكّة خمسة وعشرون ميلا. معجم البلدان ٣: ٤٥٣.


صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود، فهمّ المشركون بأن يغيروا عليهم، فقال بعضهم: إنّ لهم صلاة اخرى أحبّ إليهم من هذه ـ يعنون صلاة العصر ـ فأنزل الله عليه هذه الآية، فصلّى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد.

( فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ) أدّيتم الصلاة حال الخوف والقتال، وفرغتم منها( فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ) فدوموا على الذكر مهلّلين مكبّرين مسبّحين حامدين في جميع الأحوال، لعلّه سبحانه لأجل كثرة ذكركم ينصركم على عدوّكم، ويظفركم بهم. وهذا مثل قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (١) .

وهذا التفسير منقول عن ابن عبّاس وكثير من المفسّرين. وعن ابن مسعود أنّه قال عقيب تفسير الآية: «لم يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلّا المغلوب على عقله».

وقيل: معناه إذا أردتم أداء الصلاة واشتدّ الخوف فصلّوها كيف ما أمكن، قياما مسايفين ومقارعين، وقعودا جاثين(٢) على الرّكب مرامين، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح.

( فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ) سكنت قلوبكم من الخوف في أوطانكم وأمصاركم( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) فعدّلوا واحفظوا أركانها وشرائطها، وأتوا بها تامّة( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) فرضا محدود الأوقات، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال. وهذا دليل على أنّ المراد بالذكر الصلاة، فإنّها واجبة الأداء حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيف ما

__________________

(١) الأنفال: ٤٥.

(٢) جثا يجثو جثوّا: جلس على ركبتيه، فهو جاث.


أمكن. فهو ردّ على قول أبي حنيفة حيث قال: لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ.

( وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤) )

ثمّ عاد الكلام إلى الحثّ على الجهاد، فقال:( وَلا تَهِنُوا ) ولا تضعفوا( فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ ) في طلب الكفّار بالقتال. ثم ألزمهم الحجّة عليه بقوله:( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ) ممّا ينالكم من الجراح منهم( فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ ) أيضا ممّا ينالهم منكم من الجراح والأذى( كَما تَأْلَمُونَ ) مثل ما تألمون أنتم من جراحهم وأذاهم( وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ) من الظفر عاجلا والثواب آجلا على ما ينالكم منهم( ما لا يَرْجُونَ ) على ما ينالهم منكم. هذا إلزام لهم وتقريع على التواني في القتال، بأنّ ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختصّ بهم، وهم يرجون من الله تعالى بسببه من إظهار الدين واستحقاق الثواب ما لا يرجو عدوّهم، فينبغي أن يكونوا أرغب منهم في الحرب، وأصبر عليها.

( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بأعمالكم وضمائركم( حَكِيماً ) فيما يأمر وينهى، فلا يأمركم ولا ينهاكم إلّا بما يعلم أنّ فيه صلاحكم.

قال ابن عبّاس وعكرمة: لـمّا أصاب المسلمين ما أصابهم من الجروح والآلام يوم أحد، وصعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجبل، قال أبو سفيان: يا محمد لنا يوم ولكم يوم.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أجيبوه.

فقال المسلمون: لا سواء، قتلانا في الجنّة، وقتلاكم في النار.

فقال أبو سفيان: لنا عزّى ولا عزّى لكم.

فقال النبيّ: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.


قال أبو سفيان: اعل هبل.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قولوا: الله أعلى وأجلّ.

فقال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى. فنزلت هذه الآية في شأنهم.

( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) )

ولـمّا تقدّم ذكر المنافقين والكافرين، والأمر بمجانبتهم ومحاربتهم، وترك المداهنة معهم، عقّب ذلك بذكر الخائنين، والأمر باجتناب الدفع عنهم، والنهي عن المداهنة معهم، فقال:( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ ) والصدق( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) بما عرّفك الله وأوحى به إليك. وليس الرؤية بمعنى العلم، وإلّا لاستدعى ثلاثة مفاعيل.( وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ) أي: لأجلهم والذبّ عنهم( خَصِيماً ) مخاصما للبرآء.

روي أنّ أبا طعمة بن أبيرق من بني ظفر سرق درعا من جاره قتادة بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبّأها عند زيد بن السمين اليهودي، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد، وحلف ما أخذها وما له بها علم، فتركوه واتّبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها. فقال: دفعها إليّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود. فقال بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فلمّا جاءوا إليه قالوا: إن لم تجادل عن صاحبنا هلك وافتضح وبرىء اليهودي، وهو موجب لهوان المسلمين وعزّة اليهود. فهمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعاقب اليهودي، لحسن ظنّه بالمسلم الظاهر العدالة، فنبّه الله رسوله بذلك، وأعلمه خيانة طعمة بقوله:( وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) .


( وَاسْتَغْفِرِ اللهَ ) ممّا هممت به من عقاب اليهودي بناء على حسن الظاهر( إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) لمن يستغفره. وإنّما ذكر ذلك على وجه التأديب له، في أن لا يبادر بالخصام والدفاع عمّن لا يتبيّن وجه الحقّ فيه، ولا يعتمد على ظاهر الإيمان، فالاستغفار يكون عن ترك الندب.

( وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) )

ثمّ نهى سبحانه عن المجادلة والدفع عن أهل الخيانة، مؤكّدا لـما تقدّم، فقال مخاطبا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين همّ أن يبرّئ أبا طعمة لـمّا أتاه قومه ينفون عنه السرقة:( وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ) يخونونها، فإنّ وبال خيانتهم يعود عليها.

أو جعل المعصية خيانة لها كما جعلت ظلما عليها، لاشتراكهما في جلب الضرر إليها. والضمير لطعمة وأمثاله، أو له ولقومه، فإنّهم شاركوه في الإثم حين شهدوا على براءته وخاصموا عنه.

وقيل: ظاهر الخطاب وإن توجّه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكن المراد بذلك أمّته.

ولـمّا كان سبحانه عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، قال:( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً ) مبالغا في الخيانة مصرّا عليها( أَثِيماً ) منهمكا في الإثم.

روي أنّ طعمة لـمّا أنزل الله تعالى في تقريعه وتقريع قومه الآيات ارتدّ وهرب ولحق بالمشركين من أهل مكّة، ونقب حائطا بها ليسرق أموال أهله، فسقط


الحائط عليه فقتله.

وقيل: إنّه خرج من مكّة نحو الشام، فنزل منزلا وسرق بعض المتاع وهرب، فأخذ ورمي بالحجارة حتى قتل.

( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ) يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم( وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ ) ولا يستترون من الله، ولا يستحيون منه، وهو أحقّ بأن يستحيا ويخاف منه( وَهُوَ مَعَهُمْ ) لا يخفي عليه سرّهم، فلا طريق معه إلّا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه( إِذْ يُبَيِّتُونَ ) يدبّرون ويزوّرون بالليل( ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ) من رمي البريء، والحلف الكاذب، وشهادة الزور( وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) حفيظا بأعمالهم، لا يفوت عنه شيء.

وفي هذه الآية تقريع بليغ لمن يمنعه حياء الناس وحشمتهم عن ارتكاب القبائح، ولا تمنعه خشية الله تعالى عن ارتكابها، وهو سبحانه أحقّ أن يراقب، وأجدر أن يحذر ويخاف. وفيها أيضا توبيخ لمن يفعل قبيحا ثم يقرف غيره به، سواء كان ذلك الغير مسلما أو كافرا.

( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) )

ثمّ خاطب الذابّين عن السارق فقال:( ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) «ها» للتنبيه، أنتم وأولاء مبتدأ وخبر، و «جادلتم» جملة مستأنفة مبيّنة لوقوع «أولاء» خبرا، أو صلة عند من يجعله موصولا. والمعنى: هبوا أنّكم خاصمتم ودافعتم عن بني أبيرق في الدنيا( فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا عذّبهم الله( أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) محاميا يحميهم من عذاب الله تعالى. والاستفهام في معنى النفي، لأنّه


في معنى التقريع والتوبيخ، أي: لا مجادل عنهم ولا شاهد على براءتهم بين يدي الله تعالى.

( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) )

ثمّ بيّن سبحانه طريق التلافي والتوبة ممّا سبق منهم من المعصية، فقال:( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ) قبيحا متعدّيا يسوء به غيره، كما فعل أبو طعمة بقتادة واليهودي( أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) بما يختصّ به ولا يتعدّاه. وقيل: المراد بالسوء ما دون الشرك، وبالظلم الشرك. وقيل: الصغيرة والكبيرة( ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ ) بالتوبة( يَجِدِ اللهَ غَفُوراً ) لذنوبه( رَحِيماً ) متفضّلا عليه. وفيه أنّ كلّ ذنب وإن عظم فإنّه غير مانع من المغفرة إذا استغفروا منه.

( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ) فلا يتعدّاه وباله، كقوله:( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) (١) ( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بفعله( حَكِيماً ) في مجازاته.

( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً ) صغيرة أو ما لا عمد فيه( أَوْ إِثْماً ) كبيرة أو ما كان عن عمد( ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ) كما رمى طعمة زيدا. ووحّد الضمير لمكان «أو»( فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة، فإنّه بكسب الإثم آثم، وبرمي البريء باهت، ولذلك سوّى بينهما، وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر.

__________________

(١) الإسراء: ٧.


( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) )

ثمّ بيّن سبحانه لطفه برسوله وفضله عليه، إذ صرف كيدهم عنه وعصمه من الميل إليهم، فقال:( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ) بإعلام ما هم عليه بالوحي. قيل: الفضل هو النبوّة، والرحمة العصمة أو الوحي. أو الفضل تأييده بألطافه، والرحمة النعمة.( لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ ) أي: من بني ظفر( أَنْ يُضِلُّوكَ ) عن القضاء بالحقّ وسلوك طريق العدل، مع علمهم بالحال.

والجملة جواب «لولا». وليس القصد فيه إلى نفي همّهم، بل إلى نفي تأثيره فيه.

( وَما يُضِلُّونَ ) وما يزيلون عن الحقّ( إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ) لأنّه ما أضلّك عن الحقّ، وعاد وباله عليهم( وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ) فإنّ الله عاصمك وحافظك ومسدّدك ومؤيّدك. وما خطر ببالك كان اعتمادا منك على حسن الظاهر، لا ميلا إلى الحكم. و «من شيء» في موضع النصب على المصدر، أي: شيئا من الضرر.

( وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ ) القرآن( وَالْحِكْمَةَ ) والسنّة. وهي أحكام الشريعة، والآداب السنيّة المرضيّة. والمعنى: كيف يضلّونك وهو ينزّل عليك الكتاب، ويوحي إليك بالأحكام؟!( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) من خفيّات الأمور، أو من أمور الدين وأحكام الشرع، وأنباء الرسل وقصصهم، وغير ذلك( وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) قيل: معناه فضله عليك منذ خلقك إلى أن بعثك وعلّمك عظيم، إذ جعلك خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، وأعطاك الخلق العظيم والشفاعة وغيرهما.


( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ تناجي أكثر الناس لا يكون خيرا، مثل تناجي بني ظفر في استخلاص طعمة، فقال:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ ) لـمّا كان معنى النجوى لا يتمّ إلّا بين اثنين فصاعدا كالدعوى، فالمعنى: لا خير في كثير من متناجيهم، كقوله تعالى:( وَإِذْ هُمْ نَجْوى ) (١) أو من تناجيهم. وعلى هذا فقوله:( إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) واجبة أو مطلقا( أَوْ مَعْرُوفٍ ) على حذف المضاف، أي: إلّا نجوى من أمر، أو على الانقطاع، بمعنى: لكن من أمر بصدقة، فإنّ في نجواه الخير. والمعروف كلّ ما يستحسنه الشرع، ولا ينكره العقل. وفسّر هاهنا بالقرض، وإغاثة المضطرّ، وصدقة التطوّع. والأولى أنّه عامّ في كلّ جميل من أبواب البرّ.( أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) تأليف بينهم بالمودّة. وتخصيص الصدقة والإصلاح لمزيّة فضلهما.

وتسميته بالمعروف لاعتراف العقول بها، أو لأنّ أهل الخير يعرفونها.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كلام ابن آدم كلّه عليه، إلّا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله».

وسمع سفيان رجلا يقول: ما أشدّ هذا الحديث؟! فقال: ألم تسمع الله يقول:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ ) ؟ فهذا هو بعينه. أو ما سمعته يقول:( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) (٢) ؟ فهو هذا بعينه.

__________________

(١) الإسراء: ٤٧.

(٢) العصر: ١ ـ ٢.


وقال عليّ بن إبراهيم في تفسيره: «حدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: إنّ الله فرض التجمّل في القرآن. فقال: قلت: وما التجمّل جعلت فداك؟ قال: أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك فتجمل له، وهو قوله:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) الآية».

قال: «وحدّثني أبي رفعه إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام : أنّ الله فرض عليكم زكاة جاهكم، كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيمانكم»(١) .

( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ) لطلب رضا الله تعالى( فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) أي: مثوبة عظيمة في الكثرة والمنزلة والصفة. أمّا الكثرة فلأنّه دائم.

وأمّا المنزلة فلأنّه مقارن للتعظيم والإجلال. وأمّا الصفة فلأنّه غير مشوب بما ينغّصه. وقرأ حمزة: يؤتيه بالياء.

واعلم أنّ الله تعالى بنى الكلام في هذه الآية على الأمر، ورتّب الجزاء على الفعل، ليدلّ على أنّه لـمّا دخل الآمر في زمرة الخيّرين كان الفاعل أدخل فيهم، وأنّ العمدة والغرض هو الفعل، واعتبار الأمر من حيث إنّه وصلة إليه. وقيّد الفعل بأن يكون لطلب مرضاة الله تعالى، لأنّ الأعمال بالنيّات، وأنّ من فعل خيرا رياء وسمعة لم يستحقّ بها من الله أجرا. ووصف الأجر بالعظيم تنبيها على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا.

وفي الآية أيضا دلالة على أنّ فاعل المعصية هو الذي يضرّ بنفسه، لـما يعود عليه من وبال فعله، وأنّ الّذي يدعو إلى الضلال هو المضلّ، وأنّ فاعل الضلال مضلّ لنفسه، وأن الدعاء إلى الضلال يسمّى إضلالا.

__________________

(١) تفسير القمي ١: ١٥٢.


( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) )

وبعد ذكر حال أهل الكفر والنفاق بيّن مآلهم، فقال:( وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ) يخالفه، من الشقّ وهو الجانب، فإنّ كلّا من المتخالفين في شقّ غير شقّ الآخر( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) ما ظهر له الحقّ، وقامت له الحجّة، وصحّت الأدلّة بثبوت نبوّته ورسالته، بالوقوف على المعجزات( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) غير ما هم عليه من اعتقاد أو عمل( نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) نجعله واليا لـما تولّى من الضلال، ونكله إليه. والمراد نخلّي بينه وبين ما اختاره لنفسه( وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) وندخله فيها بطريق اللزوم والدوام، عقوبة له على ما اختاره من الضلالة بعد وضوح الهدى عنده( وَساءَتْ مَصِيراً ) جهنّم.

قيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكّة، كما مرّ.

قال في المجمع: «وقد استدلّ بهذه الآية على أنّ إجماع الأمّة حجّة، لأنّه سبحانه توعّد على مخالفة سبيل المؤمنين، كما توعّد على مشاقّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والصحيح أنّه لا يدلّ على ذلك، لأنّ ظاهر الآية يقتضي إيجاب متابعة من هو مؤمن على الحقيقة ظاهرا وباطنا، لأنّ من أظهر الإيمان لا يوصف بأنّه مؤمن إلّا مجازا، فكيف يحمل ذلك على إيجاب متابعة من أظهر الإيمان؟ وليس كلّ من أظهر الإيمان مؤمنا.


ومتى حملوا الآية على بعض الأمّة حملها غيرهم على من هو مقطوع على عصمته عنده من المؤمنين، وهم الأئمّة من آل محمّدعليهم‌السلام .

على أنّ ظاهر الآية يقتضي أنّ الوعيد إنّما يتناول من جمع بين مشاقّة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين، فمن أين لهم أنّ من فعل أحدهما يتناوله الوعيد. ونحن إنّما علمنا يقينا أنّ الوعيد يتناول بمشاقّة الرسول بانفرادها بدليل غير الآية، فيجب أن يسندوا تناول الوعيد باتّباع غير سبيل المؤمنين إلى دليل آخر»(١) .

( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) كرّره للتأكيد، أو لقصّة طعمة.

وقيل: جاء شيخ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: إنّي شيخ منهمك في الذنوب، إلّا أنّي لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتّخذ من دونه وليّا، ولم أوقع المعاصي جرأة، وما توهّمت طرفة عين أنّي أعجز الله هربا، وإنّي لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت هذه الآية فيه.

( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ) عن الحقّ، فإنّ الشرك أعظم أنواع الضلالة، وأبعدها عن الصواب والاستقامة. وإنّما ذكر في الآية الأولى:( فَقَدِ افْتَرى ) (٢) لأنّها متّصلة بقصّة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء، وهو دعوى التبنّي على الله تعالى.

( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) )

__________________

(١) مجمع البيان ٣: ١١٠ ـ ١١١.

(٢) النساء: ٤٨.


ولـمّا ذكر في الآية المتقدّمة أهل الشرك وضلالهم، ذكر في هذه الآية حالهم وفعالهم، فقال:( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ) يعني: اللات والعزّى ومناة ونائلة ونحوها. وهي جمع أنثى، كرباب وربّى(١) . عن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلّا ولهم صنم يعبدونه، ويسمّونه أنثى بني فلان، وذلك إمّا لتأنيث أسمائها، وإمّا لأنّها كانت جمادات، والجمادات تؤنّث من حيث إنّها ضاهت الإناث لانفعالها.

ولعلّه تعالى ذكر هذه الأصنام بهذا الاسم تنبيها على أنّهم يعبدون ما يسمّونه إناثا، لأنه ينفعل ولا يفعل، ومن حقّ المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم: هنّ بنات الله. وقيل: المراد الملائكة، لقولهم: الملائكة بنات الله.

وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال: كان في كلّ واحدة منهنّ شيطانة أنثى تتراءى للسّدنة وتكلّمهم، وذلك من صنع الشيطان الّذي ذكره سبحانه بعد ذلك.

( وَإِنْ يَدْعُونَ ) وما يعبدون بعبادتها( إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) عاريا عن الخير، لأنّه الّذي أغراهم بعبادتها فأطاعوه، فجعل طاعتهم له في ذلك عبادة له. والمارد

__________________

(١) الربّى: الشاة التي وضعت حديثا، وجمعها: رباب. الصحاح ١: ١٣١.


والمريد الّذي لا يعلق بخير. وأصله الملاسة، ومنه:( صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ) (١) ، وغلام أمرد، وشجرة مرداء للّتي تناثر ورقها.

( لَعَنَهُ اللهُ ) صفة ثانية للشيطان، أي: أبعده الله عن الخير، بإيجاب الخلود في نار جهنّم( وَقالَ ) بعد أن لعنه الله( لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) عطف عليه، أي: شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع الدالّ على فرط عداوته للناس. والمفروض بمعنى المقطوع، أي: نصيبا قدّر لي وفرض، من قولهم: فرض له في العطاء. وأصل الاتّخاذ أخذ الشيء على وجه الاختصاص، فكلّ من أطاعه فإنّه من نصيبه وحزبه، كما قال سبحانه:( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) (٢) .

وروي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في هذه الآية: «من بني آدم تسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنّة».

وفي رواية أخرى: «من كلّ ألف واحد لله، وسائرهم للنار ولإبليس».

أوردها أبو حمزة الثمالي في تفسيره.

وقد برهن سبحانه وتعالى أوّلا على أنّ الشرك ضلال في الغاية، على سبيل التعليل بأن ما يشركون به ينفعل ولا يفعل فعلا اختياريا، وذلك ينافي الالوهيّة غاية المنافاة، فإنّ الإله ينبغي أن يكون فاعلا غير منفعل.

ثمّ استدلّ عليه بأنّه عبادة الشيطان، وهي أفظع الضلال لثلاثة أوجه :

الأوّل: أنّه مريد منهمك في الضّلال، لا يعلّق بشيء من الخير والهدى، فتكون طاعته ضلالا بعيدا عن الهدى.

والثاني: أنّه ملعون لضلاله، فلا تستجلب مطاوعته سوى الضلال واللعن.

__________________

(١) النمل: ٤٤.

(٢) الحجّ: ٤.


والثالث: أنّه في غاية العداوة والسعي في إهلاكهم، وموالاة من هذا شأنه غاية الضلال، فضلا عن عبادته.

( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ) عن الحقّ. وإضلاله دعاؤه إلى الضلالة، وتسبيبه له بحبائله وغروره ووسوسته.( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ) الأماني الباطلة، كطول البقاء في الدنيا، وطول الأمل فيها، وتزيينها في نظرهم، وأن لا بعث ولا عقاب( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ) يشقّونها، لتحريم ما أحلّه الله.

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام معناه: «وليقطّعنّ الآذان من أصولها».

وهو عبارة عمّا كانت العرب تفعل بالبحائر(١) ، فإنّهم كانوا يشقّون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا، وحرّموا على أنفسهم الانتفاع بها. وسنذكر تفصيل ذلك في سورة المائدة(٢) إن شاء الله تعالى.

( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ) عن وجهه صورة أو صفة. ويندرج فيه ما قيل: من فقء عين الحامي(٣) وإعفائه عن الركوب، وخصاء العبيد، والوشم(٤) والوشر، واللواط والسحق ونحوهما، وعبادة الشمس والقمر، وتغيير فطرة الله الّتي هي الإسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا، ولا يوجب لها من الله زلفى. وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخّصوا في خصاء البهائم للحاجة. والجمل الأربع حكاية عمّا ذكره الشيطان نطقا أو أتاه فعلا.

عن ابن عبّاس ومجاهد والحسن وقتادة: معنى خلق الله: دين الله وأمره.

__________________

(١) جمع بحيرة، وبحر الناقة: شقّ أذنها.

(٢) راجع ص: ٣٣٢.

(٣) الحامي: الفحل من الإبل الذي طال مكثه عندهم.

(٤) وشم اليد: غرزها بإبرة ثمّ ذرّ عليها النيلج، فصار فيها رسوم وخطوط. والوشر: أن تحدّد المرأة أسنانها وترقّقها.


وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

ويؤيّده قوله سبحانه:( فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) (١) . والمراد تحريم الحلال وتحليل الحرام.

( وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا ) ناصرا( مِنْ دُونِ اللهِ ) بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به، ومجاوزته عن طاعة الله إلى طاعته( فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ) ظاهرا، إذ ضيّع رأس ماله، وبدّل مكانه من الجنّة بمكان من النار، وأيّ خسران أعظم من استبدال النار الجنّة؟!( يَعِدُهُمْ ) مالا ينجزه( وَيُمَنِّيهِمْ ) مالا ينالون. وقيل: يعدهم الفقر إن أنفقوا مالهم في أبواب البرّ، ويمنّيهم طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة( وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر. وهذا الوعد إمّا بالخواطر الفاسدة، أو بلسان أوليائه.

( أُولئِكَ ) الّذين اتّخذوا الشيطان وليّا من دون الله، فاغترّوا بغروره، وتابعوه فيما دعاهم( مَأْواهُمْ ) مستقرّهم( جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ) معدلا ومهربا، من: حاص يحيص، إذا عدل. و «عنها» حال منه، وليس صلة له، لأنّه اسم مكان، وإن جعل مصدرا فلا يعمل أيضا فيما قبله.

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢) )

ولـمّا أوعد الكفّار بالعذاب الأليم، وعد المؤمنين بجنّات النعيم، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا ) أي: وعده وعدا، وحقّ ذلك حقّا. فالأوّل مؤكّد لنفسه، لأنّ

__________________

(١) الروم: ٣٠.


مضمون الاسميّة الّتي قبله وعد. والثاني مؤكّد لغيره. ويجوز أن ينتصب الموصول بفعل يفسّره ما بعده. ووعد الله تعالى بقوله: «سندخلهم» لأنّه بمعنى: نعدهم إدخالهم. وينتصب «حقّا» على أنّه حال من المصدر.

( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً ) جملة مؤكّدة بليغة. والاستفهام فيه معنى النفي، أي: لا أحد أصدق من الله قولا فيما أخبر وأوعد، وفيما وعد. والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانيّة الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، أو المبالغة في توكيده ترغيبا للعباد في تحصيله.

( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) )

وبعد ذكر الوعد والوعيد قال:( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ) أي: ليس ما وعد الله تعالى من الثواب ينال بأمانيّكم أيّها المسلمون( وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ) ولا بأمانيّ اليهود والنصارى، وإنّما ينال بالإيمان والعمل الصالح.

وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمنّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل.

روي أنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن أولى منكم، لأنّ نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدّمة، فنزلت هذه الآية.

وقيل: الخطاب مع المشركين. ويدلّ عليه تقدّم ذكرهم، أي: ليس الأمر بأمانيّ المشركين، وهو قولهم: لا جنّة ولا نار، وقولهم: إن كان الأمر كما يزعم


هؤلاء لنكوننّ خيرا منهم وأحسن حالا، ولا أمانيّ أهل الكتاب، وهو قولهم:( لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ) (١) وقولهم:( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) (٢) .

ثمّ قرّر ذلك وقال:( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) عاجلا وآجلا، لـما روي عن أبي هريرة قال: لـمّا نزلت هذه الآية بكينا وحزنّا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء. فقال: أما والّذي نفسي بيده إنّها فيكم أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسدّدوا، إنّه لا تصيب أحدا منكم مصيبة إلّا كفّر الله بها خطيئة، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه. رواه الواحدي(٣) في تفسيره مرفوعا.

وروي أيضا لـمّا نزل قال أبو بكر: فمن ينجو مع هذا يا رسول الله؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما تحزن؟ أما تمرض؟ أما يصيبك الأذى؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: هو ذاك.

( وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ) ولا يجد لنفسه إذا جاوز موالاة الله تعالى ونصرته من يواليه وينصره في دفع العذاب عنه.

( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ) بعضها أو شيئا منها، فإنّ كلّ أحد لا يتمكّن من كلّها، وليس مكلّفا بها( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) في موضع الحال من المستكن في «يعمل» و «من» للبيان، أو من الصالحات، أي: كائنة من ذكر أو أنثى. و «من» للابتداء.( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور، تنبيها على أنّه لا اعتداد بالعمل دون الإيمان في استدعاء الثواب( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) بنقص شيء من الثواب، وإذا لم ينقص ثواب المطيع

__________________

(١) البقرة: ١١١.

(٢) البقرة: ٨٠.

(٣) الوسيط ٢: ١١٩.


فبالحريّ أن لا يزاد عقاب العاصي، لأنّ المجازي أرحم الراحمين، ولذلك اقتصر على ذكره عقيب الثواب.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: يدخلون، على البناء للمفعول.

( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) )

ثمّ بيّن سبحانه من يستحقّ الوعد الّذي ذكره قبل، فقال:( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ) الاستفهام للتقرير، أي: لا أحد أحسن اعتقادا( مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) أخلص نفسه لله لا يعرف لها ربّا سواه. وقيل: بذل وجهه له في السجود. وفي هذا الاستفهام تنبيه على أنّ ذلك منتهى ما تبلغه القوّة البشريّة( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) آت بالحسنات، تارك للسيّئات.

وفي الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».

( وَاتَّبَعَ ) واقتدى( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) الموافقة لدين الإسلام المتّفق على صحّتها، كالإقرار بالتوحيد وعدله، وتنزيهه عمّا لا يليق به، وفعل الصلاة إلى الكعبة، والطواف حولها، وسائر المناسك( حَنِيفاً ) مائلا عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحقّ، من: تحنّف بمعنى: مال. وهو حال من المتّبع، أو الملّة، أو إبراهيم( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) أي: اصطفاه، وخصّصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند


خليله. وإنّما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيما له، وتنصيصا على أنّه الممدوح.

والخلّة من الخلال، فإنّه ودّ تخلّل النفس وخالطها. وقيل: من الخلل، فإنّ كلّ واحد من الخليلين يسدّ خلل الآخر. أو من الخلّ، وهو الطريق في الرمل، فإنّهما يترافقان في الطريقة. أو من الخلّة بمعنى الخصلة، فإنّهما يتوافقان في الخصال. أو من الخلّة والخلولة بمعنى الفقر والاحتياج، لأنّه افتقر إلى اللهعزوجل حسب، وتوكّل عليه، وانقطع بحوائجه إليه، واشتغل به عمّا سواه.

وهذه الجملة استئناف جيء بها للترغيب في اتّباع ملّته، والإيذان بأنّه نهاية في الحسن، وغاية كمال البشر، فيجب التبعيّة في ملّته.

وروى عليّ بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّه كان إبراهيمعليه‌السلام يضيف الضيفان، ويطعم المساكين، والناس أصابهم جدب وقحط في سنة، فبعث إلى خليل له بمصر يلتمس منه طعاما لأهله.

فقال خليله: لو كان إبراهيم يريد لنفسه لفعلت، ولكن يريد للأضياف، وقد أصابنا ما أصاب الناس.

فاجتاز غلمانه ببطحاء(١) ليّنة، فملؤا منها الغرائر(٢) حياء من الناس. فلمّا أخبروا إبراهيمعليه‌السلام ساءه الخبر، فغلب النوم عينيه فنام، وقامت سارة إلى غرارة منها فأخرجت أحسن الحوّارى(٣) فاختبزت. فاستيقظ إبراهيمعليه‌السلام فاشتمّ رائحة الخبز، فقال: من أين لكم هذا؟

فقالت: من خليلك المصري.

__________________

(١) البطحاء: مسيل فيه دقاق الحصى، وبطحاء الوادي: تراب ليّن ممّا جرّته السيول.

(٢) الغرارة واحدة الغرائر التي للتّبن، أي: وعاء للتّبن. انظر الصحاح ٢: ٧٦٩.

(٣) الحوّارى بالضمّ وتشديد الواو والراء مفتوحة: الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه. لسان العرب ٤: ٢٢٠.


فقال: بل هو من عند خليلي اللهعزوجل ، فسمّاه الله خليلا.

( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) خلقا وملكا، يختار منهما ما يشاء ومن يشاء، كما اختار إبراهيمعليه‌السلام بالخلّة.

وقيل: هو متّصل بذكر العمّال، مقرّر لوجوب طاعته على أهل السماوات والأرض، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال.

( وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً ) إحاطة علم وقدرة، فكان عالما بأعمالهم، فيجازيهم على خيرها وشرّها.

( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) )

واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا صدّر السورة بذكر الأيتام والنساء، وبيان سهام إرثهم، والأمر بمراعاة حقوقهم والشفقة عليهم، لأنّهم أضعف الناس، عاد هاهنا إلى ذكرهم تأكيدا ومبالغة، بعد انجرار الكلام إلى مباحث غيرهم، ونحن بيّنّا وجه


ارتباط بعضها ببعض، فقال سبحانه:( وَيَسْتَفْتُونَكَ ) أي: يسألونك الفتوى، وهو تبيين المشكل من الأحكام، ويستخبرونك يا محمد عن الحكم( فِي النِّساءِ ) فيما يجب لهنّ من ميراثهنّ.

روي في سبب نزوله أنّ عيينة بن حصين أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أخبرنا أنّك تعطي الابنة النصف والأخت النصف، وإنّما كنّا نورّث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذلك أمرت.

وذلك قوله سبحانه:( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَ ) يبيّن لكم حكمه فيهنّ.

( وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ) عطف على اسم الله تعالى، أو ضميره المستكن في «يفتيكم»، وساغ للفصل. فيكون الإفتاء مسندا إلى الله تعالى، وإلى ما في القرآن من قوله:( يُوصِيكُمُ اللهُ ) (١) ، باعتبارين مختلفين. ونظيره: أعجبني زيد وكرمه، وأغناني زيد وعطاؤه.

أو استئناف معترض، لتعظيم المتلوّ عليهم. فيكون «ما يتلى عليكم» مبتدأ، و «في الكتاب» خبره. والمراد به اللوح المحفوظ.

ويجوز أن ينصب على معنى: ويبيّن لكم ما يتلى في الكتاب. أو يخفض على القسم، كأنّه قيل: وأقسم بما يتلى في الكتاب.

ولا يجوز عطفه على المجرور في «فيهنّ» لاختلاله لفظا ومعنى. أما لفظا فلأنّه لا يجوز أن يعطف على الضمير المجرور بلا إعادة الجارّ. وأما معنى فلأنه لا يستقيم المعنى أن يقال: في حقّ ما يتلى عليكم.

وقوله:( فِي يَتامَى النِّساءِ ) صلة «يتلى» إن عطف الموصول على ما قبله، أي: يتلى عليكم في شأنهنّ، كما تقول: كلّمتك اليوم في زيد، وإلّا فبدل من «فيهنّ» أو صلة اخرى لـ «يفتيكم فيهنّ». وإضافة «يتامى» إلى «النساء» بمعنى «من» لأنها

__________________

(١) النساء: ١١ ـ ١٢.


إضافة الشيء إلى جنسه، نحو: ثوب خزّ، وسحق(١) عمامة.

( اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَ ) أي: لا تعطونهنّ ما فرض لهنّ من الميراث( وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) في أن تنكحوهنّ، أو عن أن تنكحوهنّ، إذ قد روي أن في الجاهليّة كان الرجل منهم يضمّ اليتيمة ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة تزوّجها وأكل المال، وإن كانت دميمة(٢) عضلها عن التزوّج حتى تموت فيرثها.

والواو تحتمل الحال والعطف.

وقوله:( وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ ) عطف على «يتامى النساء». وكانوا في الجاهليّة لا يورّثونهم كما لا يورّثون النساء، بل إنّما يورّثون الرجال الّذين يقومون بالأمور، دون الأطفال والنساء كما مرّ.

( وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ ) أيضا عطف عليه، أي: ويفتيكم أو ما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الصبيان، أن تعطوهم حقوقهم، وفي أن تقوموا لليتامى بالعدل في أنفسهم وفي مواريثهم، أن تعطوا كلّ ذي حقّ منهم حقّه، صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى. ويجوز أن يكون منصوبا، بمعنى: ويأمركم أن تقوموا.

وهذا خطاب للأئمّة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا حقوقهم، أو للقوّام بالنصفة في شأنهم.

( وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ) من عدل وغيره من وجوه البرّ( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً ) وعد لمن آثر الخير في ذلك.

عن أبي جعفر صلوات الله عليه وسعيد بن المسيّب أنّه كانت بنت محمد بن سلمة عند رافع بن خديج، وكانت قد دخلت في السنّ، وكانت عنده امرأة شابّة

__________________

(١) السّحق: الثوب البالي. وسحق ثوب، أي: بال.

(٢) دمّ يدمّ دمامة: كان حقيرا وقبح منظره، فهو دميم، ومؤنّثه: دميمة.


سواها، فطلّقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة(١) ، وإن شئت تركتك. قالت: بلى راجعني وأصبر على الأثرة، فراجعها.

فهذا الصلح الّذي بلغنا أنّ الله تعالى أنزل فيه.

( وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها ) توقّعت منه لـما ظهر لها من الأمارات. و «امرأة» فاعل فعل يفسّره الظاهر( نُشُوزاً ) تجافيا عنها، وترفّعا عن صحبتها، واستعلاء وارتفاعا بنفسه عنها إلى غيرها، كراهة لها ومنعا لحقوقها( أَوْ إِعْراضاً ) بأن يقلّ مجالستها ومحادثتها ومؤانستها، لطعن في سنّ، أو شيء في خلق أو خلق، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك( فَلا جُناحَ ) فلا حرج ولا إثم( عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً ) أن يتصالحا، بأن تحطّ له بعض المهر أو القسم، أو تهب له شيئا تستميله به.

وقرأ الكوفيّون: أن يصلحا، من أصلح بين المتنازعين. وعلى هذا جاز أن ينتصب «صلحا» على المفعول به، و «بينهما» ظرف أو حال منه. أو على المصدر كما في القراءة الأولى، والمفعول «بينهما».

( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) من الفرقة أو سوء العشرة، أو من الخصومة والإعراض. أو لا يراد به التفضيل، بأن يراد أنّ الصلح خير من الخيور، كما أنّ الخصومة من الشرور. وهو اعتراض. وكذا قوله:( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ ) ولذلك اغتفر عدم تجانسهما. والأوّل للترغيب في المصالحة، والثاني لتمهيد العذر في المماكسة.

ومعنى إحضار الأنفس الشحّ جعلها حاضرة له لا يغيب عنها أبدا، إذ هو كالمطبوعة عليه في اللزوم، فلا تكاد المرأة تسمح بالإعراض عن قسمتها والتقصير في حقّها، ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقّها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحبّ غيرها.

__________________

(١) الأثرة: الاختيار، أي: إن شئت راجعتك وصبرت على اختياري المرأة الشابّة.


( وَإِنْ تُحْسِنُوا ) بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهنّ، وتصبروا على ذلك( وَتَتَّقُوا ) النشوز والإعراض ونقص الحقّ، وما يؤدّي إلى الأذى والخصومة( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ) من الإحسان والخصومة( خَبِيراً ) عليما به وبالغرض فيه، فيجازيكم عليه. أقام كونه عالما بأعمالهم مقام إثابته إيّاهم عليها الّذي هو في الحقيقة جواب الشرط، إقامة السبب مقام المسبّب، إذ العلم سبب المجازاة.

وعن ابن عبّاس أنّ سودة بنت زمعة خشيت أن يطلّقها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالت: لا تطلّقني وأجلسني مع نسائك، ولا تقسم لي واجعل يومي لعائشة، فنزلت الآية.

( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) )

ولـمّا تقدّم ذكر النشوز والصلح بين الزوجين، عقّبه سبحانه بأنّه لا يكلّف من ذلك ما لا يستطاع، فقال:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ) أي: لا تقدروا أبدا أن تسوّوا بين النساء في المحبّة والمودّة في القلب( وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) على تحرّي ذلك وبالغتم فيه، لأنّ العدل أن لا يقع ميل البتّة، وهو متعذّر. ولذلك كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: أللّهمّ هذه قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك، يعني: المحبّة.

قيل: إنّ العدل بينهنّ صعب، وهو أن يسوّي بينهنّ في القسمة والنفقة والتعهّد والنظر والمؤانسة، وغير ذلك ممّا لا يحصى، فهو كالخارج عن حدّ الاستطاعة. هذا


إذا كنّ محبوبات كلّهنّ، فكيف إذا مال القلب مع بعضهنّ؟!( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ) ولا تعدلوا بأهوائكم عمّن لم تملكوا محبّة منهنّ كلّ العدول بترك المستطاع أيضا، والجور على المرغوب عنها، فإنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه، فلا تجوروا عليهنّ في ترك أداء الواجب لهنّ عليكم، من حقّ القسمة والنفقة والكسوة والعشرة بالمعروف من غير رضا منها( فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ ) الّتي ليست ذات بعل ولا مطلّقة.

ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره أنّه سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول عن قوله تعالى:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) (١) ثمّ قال( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) فبين القولين فرق. فقال أبو جعفر الأحول: فلم يكن في ذلك عندي جواب حتى قدمت المدينة، فدخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام ، فسألته عن ذلك، فقال: أمّا قوله:( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ) (٢) فإنّما عني به التفقّه.

وأمّا قوله:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ) فإنّه عنى به المودّة، فإنّه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودّة. قال: فرجعت إلى الرجل فأخبرته، فقال: هذا ما حملته الإبل من الحجاز»(٣) .

وروى أبو قلابة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كانت له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضّا في بيت الاخرى».

وايضا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه مائل».

( وَإِنْ تُصْلِحُوا ) ما كنتم تفسدون من أمورهنّ في القسمة والتسوية

__________________

(١) النساء: ٣.

(٢) النساء: ٣.

(٣) تفسير القمّي ١: ١٥٥.


( وَتَتَّقُوا ) فيما يستقبل في أمرهنّ، وتتركوا الميل الّذي نهاكم الله عنه( فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً ) فيغفر لكم ما مضى من ميلكم، من الحيف والميل في ذلك( رَحِيماً ) يرحمكم بترك المؤاخذة على ذلك.

( وَإِنْ يَتَفَرَّقا ) وإن فارق كلّ واحد منهما صاحبه، وأبيا الصلاح بينهما( يُغْنِ اللهُ كُلًّا ) اي: يرزقه الله زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه( مِنْ سَعَتِهِ ) من غناه وسعة فضله، ورزقه من كمال قدرته. والسعة بمعنى الغنى والمقدرة. والواسع الغنيّ المقتدر.( وَكانَ اللهُ واسِعاً ) واسع الفضل على عباده، مقتدرا متقنا في أفعاله وأحكامه( حَكِيماً ) فيما يدبّرهم.

( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٣٢) )

ثمّ نبّه على كمال سعته وقدرته بقوله:( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) فإنّ من يملك ما في السماوات وما في الأرض لا يتعذّر عليه الإغناء بعد الفرقة، والإيناس بعد الوحشة.

ثمّ ذكر الوصيّة بالتقوى عن نواهيه، فإنّ بها ينال خير الدنيا والآخرة، فقال:( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) من اليهود والنصارى وغيرهم في كتبهم( وَإِيَّاكُمْ ) ووصيناكم أيضا أيّها المسلمون في كتابكم( أَنِ اتَّقُوا اللهَ ) بأن اتّقوا الله. يعني: التقوى وصيّة قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لأنّ بالتقوى تنال


النجاة والسعادة. ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ التوصية في معنى القول.

( وَإِنْ تَكْفُرُوا ) على إرادة القول، أي: وقلنا لهم: ولكم أن تكفروا ـ أي: تجحدوا ـ وصيّته إيّاكم فتخالفوها( فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) فإنّ الله مالك الملك كلّه، لا يتضرّر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم.

وإنّما وصّاكم لرحمته، لا لحاجته ولا لاستنصاره بكم.

ثمّ قرّر ذلك بقوله:( وَكانَ اللهُ غَنِيًّا ) عن الخلق وعبادتهم( حَمِيداً ) في ذاته، حمد أو لم يحمد، لأنّه المنعم لا غير.

( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ذكره ثالثا للدلالة على كونه غنيّا حميدا، فإنّ جميع المخلوقات تدلّ لحاجتها على غناه، وبما فاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميدا.

وقوله:( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) راجع إلى قوله:( يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ) فإنّه توكّل بكفايتهما. وما بينهما تقرير لذلك.

( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) ) وكذا لتقرير غناه وقدرته، وتهديد من كفر به وخالف أمره، قال:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) يفنيكم ويعدمكم( أَيُّهَا النَّاسُ ) ومفعول «يشأ» محذوف دلّ عليه الجواب( وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ) ويوجد قوما آخرين مكانكم. أو خلقا آخرين مكان الإنس.( وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ ) من الإعدام والإيجاد( قَدِيراً ) بليغ القدرة، لا يعجزه مراد.

قيل: هذه الآية خطاب لمن عادى رسول اللهعليه‌السلام من العرب. ومعناه معنى


قوله:( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) (١) . لـما روي أنّه لـمّا نزل ضرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده على ظهر سلمان وقال: «إنّهم قوم هذا» يعني: أبناء فارس.

( مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) ) ثمّ ذكر سبحانه عظم ملكه وقدرته بأنّ جزاء الدارين عنده، فقال:( مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ) كالمجاهد يجاهد للغنيمة( فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) فماله يطلب أخسّهما؟ فليطلبهما، كمن يقول:( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ) (٢) . أو ليطلب الأشرف منهما، فإنّ من جاهد خالصا لله تعالى لم تخطئه الغنيمة، وله في الآخرة ما هي في جنبه كلا شيء. أو فعند الله ثواب الدارين، فيعطي كلّا ما يريده، لقوله:( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ) (٣) الآية.

( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) عالما عارفا بالأغراض، فيجازي كلّا بحسب قصده.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) )

ولـمّا ذكر سبحانه أنّ عنده ثواب الدنيا والآخرة، عقّبه بأمر العباد بالقسط ،

__________________

(١) محمّد: ٣٨.

(٢) البقرة: ٢٠١.

(٣) الشورى: ٢٠.


والقيام بالحقّ، وترك الميل والجور، لينالوا ما عنده من ثواب الدارين، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته، حتّى لا تجوروا أصلا( شُهَداءَ لِلَّهِ ) بالحقّ، تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمركم بإقامتها. وهذا خبر ثان، أو حال.( وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) ولو كانت الشهادة على أنفسكم، بأن تقرّوا عليها، لأنّ الشهادة بيان الحقّ، سواء كان عليه أو على غيره( أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) ولو على والديكم وأقاربكم( إِنْ يَكُنْ ) أي: المشهود عليه، أو كلّ واحد منه ومن المشهود له( غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً ) فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة عليه لغناه، ولا تجوروا فيها ميلا وترحّما عليه لفقره( فَاللهُ أَوْلى بِهِما ) بالغنيّ والفقير، وبالنظر لهما. فلو لم تكن الشهادة عليهما أولهما صلاحا لـما شرعها. وهو علّة الجواب، أقيمت مقامه.

والضمير في «بهما» راجع إلى ما دلّ عليه قوله:( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً ) لا إلى أحد المذكورين، فلذلك ثنّى ولم يفرد. وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير. كأنّه قيل: فالله أولى بجنس الغنيّ والفقير، أي: بالأغنياء والفقراء. فلا يرد: أن الأولى أن لا يثنّى الضمير في «أولى بهما» بل حقّه أن يوحّد، لأنّ قوله:( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً ) في معنى: إن يكن أحد هذين. ويشهد على هذا المعنى أنّه قرئ: فالله أولى بهم.

( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ) لأن تعدلوا عن الحقّ. أو كراهة أن تعدلوا، من العدل.( وَإِنْ تَلْوُوا ) ألسنتكم عن شهادة الحقّ، أو حكومة العدل. وقرأ ابن عامر وحمزة: وإن تلوا، بضمّ اللام وسكون الواو، على معنى: وإن ولّيتم إقامة الشهادة( أَوْ تُعْرِضُوا ) عن أدائها( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) فيجازيكم عليه.

وفي هذه الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،


وسلوك طريق العدل في النفس والغير.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) )

ولـمّا بيّن سبحانه أحكام الإيمان وشعائره، عقّبه بالثبات فيه، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) اي: ثبتوا وداموا على الإيمان( آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ ) منجّما( عَلى رَسُولِهِ ) يعني: القرآن( وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ ) دفعة( مِنْ قَبْلُ ) المراد به جنس الكتب، أي: بكلّ الكتاب الّذي أنزل قبل القرآن.

وقيل: الخطاب للمنافقين. والمعنى: يا أيّها الّذين أظهروا الإيمان، آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بلسانكم.

وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في ابن سلام وأصحابه، إذ قالوا: يا رسول الله إنّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه. فالمعنى: يا أيّها الّذين آمنوا ببعض الرسل والكتب، آمنوا إيمانا عامّا يعمّ الكتب والرسل، فإنّ الإيمان بالبعض كلا إيمان. وبعد نزول هذه الآية آمنوا كلّهم.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: نزّل وانزل على البناء للمفعول.


( وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) ومن يكفر بشيء من ذلك( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ) عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه، لأنّ الكفر بالبعض كفر بالكلّ، ألا ترى كيف قدّم الإيمان بالجميع.

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) يعني: اليهود آمنوا بموسىعليه‌السلام ( ثُمَّ كَفَرُوا ) به حين عبدوا العجل( ثُمَّ آمَنُوا ) بعد عوده إليهم( ثُمَّ كَفَرُوا ) بعيسىعليه‌السلام ( ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقيل: هم طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك المسلمين بإظهار الإيمان ثمّ بإظهار الكفر به، كما تقدّم ذكرهم عند قوله:( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (١) .

وقيل: هم قوم تكرّر منهم الارتداد، ثمّ أصرّوا على الكفر وازدادوا تماديا في الغيّ.

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإيمان بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ الكفر به، ثمّ الايمان به، ثمّ الكفر به، ثمّ ازدادوا كفرا بإصرارهم على الكفر حتّى ماتوا عليه.

وعن ابن عبّاس: دخل في هذه الآية كلّ منافق كان في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) بإظهارهم الإيمان، فلو كانت بواطنهم كظواهرهم في الإيمان لـما كفروا فيما بعد( وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) سبيل الجنّة، كما قال فيما بعد:( وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) (٢) . أو المعنى: أنّه يخذلهم

__________________

(١) آل عمران: ٧٢.

(٢) النساء: ١٦٨ ـ ١٦٩.


ولا يلطف بهم، عقوبة لهم على كفرهم المتقدّم، إذ يستعبد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإيمان الصحيح، لأنّ قلوب أولئك الّذين هذا ديدنهم قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردّة، وكان الإيمان أهون شيء عندهم وأدونه.

وليس المعنى: أنّهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردّة ونصحت توبتهم لم، يقبل منهم ولم يغفر لهم لأنّ ذلك مقبول مستوجب للغفران والهداية. واللام للمبالغة في النفي. وخبر «كان» محذوف، أي: وما كان الله أن يوفّقهم بالايمان ليغفر لهم.

ويدلّ على أنّ هذه الآية في المنافقين قوله بعد ذلك:( بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ ) أي: أخبرهم يا محمد( بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) فإنّهم قد آمنوا في الظاهر وكفروا في السرّ مرّة بعد أخرى، ثم ازدادوا كفرا بالإصرار على النفاق وإفساد الأمر على المؤمنين.

ووضع «بشّر» مكان «أنذر» تهكّم بهم.

( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) في محلّ النصب أو الرفع على الذمّ، بمعنى: أريد الّذين، أو هم الّذين كانوا يوالون الكفرة، ويطلبون عندهم العزّة والغلبة، باتّخاذهم إيّاهم أولياء من دون المؤمنين. فردّ الله تعالى عليهم بقوله:( أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ) أيتعزّزون بموالاتهم( فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) لا يتعزّز إلّا من أعزّه، وقد كتب العزّة لأوليائه فقال:( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) ، لا يعتدّ بعزّة غيرهم بالإضافة إليهم.

__________________

(١) المنافقون: ٨.


( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) )

روي أنّ المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن، فأخبر الله تعالى عن حالهم، ونهى المؤمنين عن مجالستهم ومخالطتهم، فقال:( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ) يعني: القرآن. وقرأ به عاصم ويعقوب. وقرأ الباقون :نزّل على البناء للمفعول، والقائم مقام فاعله قوله:( أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ ) وهي المخفّفة. والمعنى: أنّه إذا سمعتم آيات الله( يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها ) حالان من الآيات لتقييد النهي عن المجالسة في قوله:( فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ) . والضمير للكفرة المدلول عليهم بقوله:( يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها ) كأنّه قيل: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها.

( حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) والمراد به ما نزل عليهم بمكّة من قوله:( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) (١) . وذلك أنّ المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن فيستهزءون به، فنهي المسلمون عن القعود معهم. وكان اليهود في المدينة يفعلون مثل فعلهم، فنهوا أن يجلسوا معهم. وكان المنافقون يجالسونهم، فقيل لهم:( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) يعني: إذا جالستموه على الخوض في كتاب الله والهزء به فأنتم مثلهم في الإثم، لأنّكم

__________________

(١) الأنعام: ٦٨.


قادرون على الإعراض عنهم والإنكار عليهم. أو في الكفر إن رضيتم بذلك. أو لأنّ الّذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار كانوا منافقين. ويدلّ عليه:( إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) يعني: القاعدين والمقعود معهم.

و «إذا» ملغاة، لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل.

وإفراد «مثلهم» لأنّه كالمصدر، أو للاستغناء به، لإضافته إلى الجمع.

وفي هذا دلالة على تحريم مجالسة الكفّار والفسّاق وأهل البدع من أيّ جنس كانوا.

روى العيّاشي بإسناده عن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام في تفسير هذه الآية قال: «إذا سمعت الرجل يجحد الحقّ ويكذّب به، ويقع في أهله، فقم من عنده، ولا تقاعده»(١) .

( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ) ينتظرون وقوع أمركم. وهو بدل من «الّذين يتّخذون»، أو صفة للمنافقين والكافرين، أو ذمّ مرفوع أو منصوب، أو مبتدأ خبره( فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) مظاهرين لكم، فأسهموا لنا فيما غنمتم( وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ ) من الحرب، للتهاون الواقع منكم في تدبير الحرب، وتقصيركم فيه. سمّى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا، تعظيما لشأن المسلمين، وتحقيرا لحظّ الكافرين، فإنّه مقصور على أمر دنيويّ سريع الزوال( قالُوا ) للكافرين( أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ) أي: قالوا للكفرة: ألم نغلبكم ونتمكّن من قتلكم فأبقينا عليكم؟ والاستحواذ الاستيلاء. وكان القياس أن يقال: استحاذ يستحيذ استحاذة، فجاءت على الأصل.

( وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بأن ثبّطناهم عنكم، بتخييل ما ضعفت به قلوبهم ،

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٢٨١ ح ٢٩٠.


وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، وأطلعناكم على أسرارهم، وأفضينا إليكم بأخبارهم، فاعرفوا لنا هذا الحقّ، وأشركونا فيما أصبتم.

( فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ) أيّها المؤمنون وبين المنافقين( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) فيدخل المؤمنين الجنّة والمنافقين النار.

( وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ) حينئذ، أو في الدنيا.

والمراد بالسبيل الحجّة، وإن جاز أن يغلبوهم في الدنيا بالقوّة، ولكنّ المؤمنين منصورون بالدلالة والحجّة.

قال الجبائي: ولو حملناه على الغلبة لكان ذلك صحيحا، لأنّ غلبة الكفّار للمؤمنين ليس ممّا فعل الله تعالى، فإنّه لا يفعل القبيح، وليس كذلك غلبة المؤمنين للكفّار، فإنّه يجوز أن ينسب إليه تعالى.

واحتجّ به أصحابنا والشافعيّة على فساد شراء الكافر المسلم.

( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) )

ثمّ بيّن سبحانه أفعالهم القبيحة، فقال:( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ ) أي: يفعلون فعل المخادع، من إظهار الايمان وإبطان الكفر( وَهُوَ خادِعُهُمْ ) من: خادعته فخدعته، أي: فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث عصم دماءهم وأموالهم في الدنيا، وكلّفهم بالأمور الشرعيّة، وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة. وقد مرّ الكلام فيه أوّل سورة البقرة(١) .

__________________

(١) راجع ج ١: ٦٠.


( وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ) متثاقلين لا عن رغبة، كالمكره على الفعل( يُراؤُنَ النَّاسَ ) يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة. والمراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل، كـ: نعّم وناعم، أو للمقابلة، لأنّ المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه استحسانه( وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً ) إذ المرائي لا يفعل إلّا بحضرة من يرائيه، وهو أقلّ أحواله. أو لأنّ ذكرهم باللسان قليل بالإضافة إلى الذكر بالقلب.

وقيل: المراد بالذكر الصلاة. يعني: لا يصلّون إلّا قليلا، لأنّهم لا يصلّون قطّ غائبين عن عيون الناس، وما يجاهرون قليل.

وقيل: الذكر فيها، فإنّهم لا يذكرون فيها غير التكبير والتسليم.

( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ) حال من واو «يراءون»، كقوله: «ولا يذكرون» أي: يراءونهم غير ذاكرين مذبذبين، أو من واو «يذكرون»، أو منصوب على الذمّ.

والمذبذب هو الّذي يذبّ عن كلا الجانبين ويذاد ويدفع، فلا يقرّ في حال واحدة، من الذبذبة، وهو جعل الشيء مضطربا. وأصله الذبّ بمعنى الطرد. ومذبذبهم الشيطان. فالمعنى: ذبذبهم وردّدهم الشيطان بين الكفر والإيمان، فهم متردّدون بينهما متحيّرون.

( لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ) لا منسوبين إلى المؤمنين فيكونوا مؤمنين، ولا إلى الكافرين فيكونوا كافرين. أو لا صائرين إلى أحد الفريقين بالكلّيّة. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ مثلهم مثل الشاة العائرة(١) بين الغنمين، يتحيّر فينظر إلى هذه وإلى هذه».

( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) أي: يخذله ويخلّه( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) إلى الحقّ والصواب. ونظيره قوله:( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ) (٢) .

روى العيّاشي بإسناده إلى مسعدة بن زياد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن

__________________

(١) أي: المتردّدة بين قطيعين لا تدري أيّهما تتبع.

(٢) النور: ٤٠.


آبائهعليهم‌السلام ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل: فيما النجاة غدا؟ قال: «النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإنّه من يخادع الله يخدعه، ونفسه يخدع لو شعر.

فقيل له: وكيف يخادع الله؟

قال: يعمل بما أمره الله ثم يريد غيره. فاتّقوا الله فاجتنبوا الرياء، فإنّه شرك بالله، إنّ المرائي يوم القيامة يدعى بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر، حبط عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له»(١) .

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) )

ثمّ نهى سبحانه عن موالاة المنافقين، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ) أنصارا، فإنّه صنيع المنافقين وديدنهم، فلا تتشبّهوا بهم في اتّخاذكم الكافرين أولياء( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) فتكونوا منهم( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) حجّة بيّنة، فإنّ موالاتهم دليل على النفاق، أو سلطانا يسلّط عليكم عقابه. والاستفهام للتقرير.

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٢٨٣ ح ٢٩٥.


( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) وهو الطبقة الّتي في قعر جهنّم.

وإنّما كان كذلك لأنّهم أخبث الكفرة، إذ ضمّوا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين. وأمّا قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» ونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ.

وإنّما سمّيت طبقاتها السبع دركات لأنّها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.

وقرأ الكوفيّون بسكون الراء. وهي لغة كالسّطر والسّطر. والتحريك أوجه، لأنّه يجمع على أدراك.

( وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ ) لهؤلاء المنافقين( نَصِيراً ) يخرجهم منه.

( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) عن النفاق( وَأَصْلَحُوا ) ما أفسدوا من نيّاتهم وأسرارهم وأحوالهم في حال النفاق( وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ ) وثقوا وتمسّكوا بدينه، كما يثق المؤمنون المخلصون ويتمسّكون به( وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ) لا يريدون بطاعتهم إلّا وجهه سبحانه وتعالى( فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) ومن عدادهم ورفقائهم في الدارين.

ولم يقل: فأولئك المؤمنون أو من المؤمنين، غيظا عليهم.

( وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ) فيساهمونهم ويشاركونهم فيه.

و «سوف» كلمة ترجية وإطماع، وهي من الله سبحانه إيجاب، لأنّه سبحانه أكرم الأكرمين، ووعد الكريم إنجاز.

( ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧) )

ثمّ خاطب المنافقين الّذين تابوا وآمنوا وأصلحوا أعمالهم، فقال:( ما يَفْعَلُ اللهُ ) ما يصنع( بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ) أي: أدّيتم الحقّ الواجب لله عليكم ،


وشكرتموه على نعمه( وَآمَنْتُمْ ) به وبرسوله وبما جاء به من عند الله. أيتشفّى به غيظا، أو يستجلب به نفعا، أو يستدفع به ضررا؟! لا بل هو الغنيّ المتعالي الّذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنّما يعاقب المصرّ بكفره، لأنّ إصراره عليه كسوء مزاج يؤدّي إلى مرض، فإذا أزاله بالإيمان والشكر، ونقّى عنه نفسه، تخلّص من تبعته.

وإنّما قدّم الشكر لأنّ الناظر يدرك النعمة أوّلا فيشكر شكرا مبهما، ثمّ يمعن النظر حتّى يعرف المنعم فيؤمن به.

( وَكانَ اللهُ شاكِراً ) مجازيكم على الشكر. فسمّى الجزاء باسم المجزيّ عليه، أي: مثيبا يقبل الشكر اليسير، ويعطي الجزيل( عَلِيماً ) بحقّ شكركم وإيمانكم.

( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) )

قال عليّ بن عيسى: لـمّا سبق ذكر النفاق، وهو الإظهار خلاف الإبطان، بيّن سبحانه أنّه ليس كلّ ما يقع في النفس يجوز إظهاره، فإنّه ربما يكون ظنّا، فإذا تحقّق ذلك جاز إظهاره، فقال:( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) .

وأنا أقول: الأنسب أن يقال في وجه الانتظام: إنّه لـمّا كانت المخالفة في الدين بين الكافر والمؤمن، وعصبيّة كلّ منهما فيه موجبا للعداوة الباطنة والظاهرة، وذلك في مظانّ المشاتمة وصدور سوء الأقوال، ونهى الله سبحانه المؤمنين عن ذلك في قوله:( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (١) . وقال

__________________

(١) الأنعام: ١٠٨.


في معرض مدحهم:( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) (١) . فنبّههم الله سبحانه هنا على حفظ اللسان عن السوء على وجه العموم بعد ذكر أحوال أهل النفاق والكفر، لئلّا ينجرّ إلى صدور البذاء والفحش من الكفّار، فقال:( لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) إلّا جهر من ظلم، بالدعاء على الظالم والتظلّم منه.

فاستثنى من الجهر الّذي لا يحبّه الله جهر المظلوم، وهو أن يدعو على الظالم، ويذكره بما فيه من السوء.

وقيل: هو ردّ الشتم بما يجوز في الدين على الشاتم انتصارا منه. وهو مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

ونظيره:( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) (٢) . والتفسير الأوّل منقول عن ابن عبّاس.

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّ رجلا ضاف قوما فلم يطعموه، فاشتكاهم، فعوتب عليه، فنزلت». ثم قال: «إنّ الضيف إذا نزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فلا جناح عليه في أن يذكره بسوء ما فعله».

( وَكانَ اللهُ سَمِيعاً ) لكلام المظلوم( عَلِيماً ) بالظالم.

( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩) )

ثمّ حثّ سبحانه على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، حثّا على الأحبّ إليه والأفضل عنده، فقال:( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً ) طاعة وبرّا، قولا وفعلا( أَوْ تُخْفُوهُ ) أو تفعلوه سرّا( أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ) أي: تصفحوا

__________________

(١) الفرقان: ٦٣.

(٢) الشعراء: ٢٢٧.


عمّن أساء إليكم مع قدرتكم على المؤاخذة على إساءته. والعفو هنا هو المقصود، وذكر إبداء الخير وإخفائه تسبيب وتمهيد وتوطئة له، ولذلك رتّب عليه قوله:( فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ) أي: يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك. فعليكم أن لا تعتدوا عن سنّة الله. فهو حثّ للمظلوم على العفو بعد ما رخّص له في الانتصار، حملا على مكارم الأخلاق.

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر المنافقين، عقّبه بذكر أهل الكتاب والمؤمنين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ ) بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) نؤمن ببعض الأنبياء، ونكفر ببعضهم( وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ) طريقا وسطا. ولا واسطة بين الكفر والإيمان، إذ الحقّ لا يختلف، فإن الإيمان بالله إنّما يتمّ بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بلّغوا عنه إجمالا أو تفصيلا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكلّ في الضلال، كما قال:( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) (١) . ولذلك قال بعد ذلك:

__________________

(١) يونس: ٣٢.


( أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) هم الكاملون في الكفر، لا عبرة بإيمانهم بهذا( حَقًّا ) مصدر مؤكّد لغيره، أي: أحقّ حقّا، أو صفة لمصدر الكافرين، بمعنى: هم الّذين كفروا كفرا حقّا، أي: يقينا محقّقا لا شكّ فيه أصلا( وَأَعْتَدْنا ) وهيّأنا( لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) نهينهم ونذلّهم.

( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ) هم أضدادهم ومقابلوهم. وإنّما دخل «بين» على «أحد» وهو يقتضي متعدّدا لعمومه، من حيث إنّه وقع في سياق النفي، والنكرة في سياقه يفيد العموم في الواحد المذكّر والمؤنّث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت أحدا، تقصد العموم. والمعنى: ولم يفرّقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة.

( أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ) الموعودة لهم. وتصديره بـ «سوف» لتوكيد الوعد، وللدلالة على أنّه كائن لا محالة وإن تأخّر، فالغرض تأكيد الوعد، لا كونه متأخّرا.

وقرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب بالياء، بناء على تنويع الكلام.

( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) )

( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) لـما فرط منهم( رَحِيماً ) عليهم بتضعيف حسناتهم.


ولـمّا أنكر سبحانه على اليهود التفريق بين الرسل في الإيمان، عقّبه بالإنكار عليهم في طلبهم المحالات مع ظهور الآيات والمعجزات، فقال:( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ ) يعني: اليهود( أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ) . نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن كنت نبيّا فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة جملة.

وقيل: سألوا كتابا يعاينونه حين ينزل محرّرا بخطّ سماويّ على ألواح كما كانت التوراة، أو كتابا إلينا بأعياننا بأنّك رسول الله. وإنّما اقترحوا ذلك على سبيل التعنّت. قال الحسن: لو سألوه استرشادا لا عنادا لأعطاهم الله ذلك.

وقوله:( فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ ) جواب شرط مقدّر، أي: إن استكبرت واستعظمت ما سألوه منك فقد سألوا موسى أكبر منه. وإنّما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم لكونهم راضين بسؤالهم، آخذين بمذهبهم، تابعين لسيرتهم. والمعنى: أنّ عرقهم راسخ في ذلك، وأنّ ما اقترحوه عليك ليس بأوّل جهالاتهم.

( فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً ) عيانا، أي: أرنا الله نره جهرة، أي: مجاهرين معاينين له( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) نار جاءت من السماء فأهلكتهم( بِظُلْمِهِمْ ) بسبب ظلمهم، وهو سؤالهم الرؤية.

( ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ) هذه الجناية الثانية الّتي اقترفها ايضا أوائلهم. والبيّنات المعجزات. ولا يجوز حملها على التوراة، إذ لم تأتهم بعد( فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ) مع عظم جريمتهم وجنايتهم( وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ) تسلّطا واستيلاء ظاهرا عليهم، حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتّخاذهم.

( وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ) الجبل لـمّا امتنعوا من العمل بما في التوراة وقبول ما جاءهم به موسى( بِمِيثاقِهِمْ ) بسبب ميثاقهم وعهدهم الّذي أعطاهم الله إيّاه، من


العمل بالتوراة وغيره، ليخافوا من وقوعه عليهم فيقبلوه.

( وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ) على لسان موسىعليه‌السلام ، والطور مطلّ عليهم.

( وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ) على لسان داودعليه‌السلام . ويحتمل أن يراد على لسان موسىعليه‌السلام حين طلّل عليهم الجبل، فإنّه شرع السبت، ولكن كان الاعتداء فيه والمسخ به في زمن داودعليه‌السلام .

وقرأ أهل المدينة: لا تعدّوا، بتسكين العين وتشديد الدال، على أنّ أصله: لا تعتدوا، فأدغمت التاء في الدال. وروى ورش عن نافع: لا تعدّوا، بفتح العين وتشديد الدال.

( وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) عهدا وثيقا وكيدا على ذلك، وهو قولهم: سمعنا وأطعنا.

( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) )

ثمّ ذكر سبحانه أفعالهم القبيحة ومجازاته إيّاهم بها، فقال:( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ) «ما» مزيدة للتوكيد، والباء متعلّقة بمحذوف، أي: فخالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم ميثاقهم، أي: عهودهم الّتي عاهدوا الله عليها أن يعملوا بما في


التوراة. ويجوز أن تتعلّق بـ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ) (١) . فيكون التحريم بسبب النقض وما عطف عليه إلى قوله:( فَبِظُلْمٍ ) (٢) ، أي: حرّمنا عليهم طيّبات بنقض ميثاقهم

إلخ. لا أن تتعلّق بما دلّ عليه قوله:( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها ) ، مثل: لا يؤمنون، لأنّه ردّ لقولهم: «قلوبنا غلف» فيكون من صلة «وقولهم» المعطوف على المجرور، فلا يعمل في جارّه.

( وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ ) بالقرآن، أو بما في كتابهم( وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ ) بعد قيام الحجّة عليهم بصدقهم، وعلمهم بعدم صدور استحقاق شيء يوجب قتلهم( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ) أوعية للعلوم، أو في أكنّة ممّا تدعونا إليه( بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ) أي: خذلها الله ومنعها الألطاف بكفرهم وعدم تدبّرهم في الآيات وتذكّرهم في المواعظ، فصارت كالمطبوع عليها( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) منهم، كعبد الله بن سلام، أو إيمانا قليلا، إذ لا عبرة به لنقصانه.

( وَبِكُفْرِهِمْ ) بعيسى. وهو معطوف على «بكفرهم» لأنّه من أسباب الطبع.

أو على قوله «فبما نقضهم». ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله، كأنّه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء، وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم. ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا بتكرّر كفرهم، فإنّهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمّدعليهم‌السلام ، فعطف بعض كفرهم على بعض.

( وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً ) يعني: نسبة الزنا إلى مريم.

( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ ) أي: بزعمهم.

ويحتمل أنّهم قالوه استهزاء. ونظيره( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) (٣) .

وأن يكون استئنافا من الله تعالى بمدحه، أو وضعا للذكر الحسن مكان ذكرهم

__________________

(١، ٢) النساء: ١٦٠.

(٣) الشعراء: ٢٧.


القبيح( وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) .

روي أنّ جماعة من اليهود سبّوا عيسى وسبّوا أمّه. فقال: أللّهمّ أنت ربّي، وبكلمتك خلقتني، أللّهمّ العن من سبّني وسبّ والدتي. فمسخ الله من سبّهما قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله تعالى بأنّه يرفعه إلى السماء. فقال لأصحابه: أيّكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب، ويدخل الجنّة ويكون معي في درجتي؟ فقام شابّ منهم فقال: يا نبيّ الله أنا. فألقى الله تعالى عليه شبهه، فقتل وصلب.

وبرواية وهب بن منبّه: أتى عيسىعليه‌السلام ومعه سبعة من الحواريّين في بيت، فأحاط اليهود بهم، فلمّا دخلوا عليهم صيّرهم الله كلّهم على صورة عيسىعليه‌السلام .

فقالوا لهم: سحرتمونا، لتبرزنّ لنا عيسى أو لنقتلنّكم جميعا. فقال عيسىعليه‌السلام لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنّة؟ فقال رجل منهم اسمه سرجس: أنا.

فخرج إليهم فقال: أنا عيسى. فأخذوه فقتلوه وصلبوه، ورفع الله عيسى من يومه.

وبه قال قتادة والسدّي ومجاهد وابن إسحاق، وإن اختلفوا في عدد الحواريّين. ولم يذكر أحد غير وهب أنّ شبهه ألقي على جميعهم، بل ألقي شبهه على واحد، ورفع عيسى من بينهم. وقال الطبري(١) : قول وهب أقوى.

وبرواية اخرى: كان رجلا ينافقه فخرج ليدلّ عليه، فألقى الله تعالى عليه شبهه وهم يظنّون أنّه عيسى، فأخذ وصلب.

وعن ابن عبّاس: أنّه لـمّا مسخ الله الّذين سبّوا عيسى وأمّه بدعائه بلغ ذلك يهوذا، وهو رأس اليهود، فخاف أن يدعو عليه فجمع اليهود، فاجتمع اليهود حول عيسى فجعلوا يسألونه، فيقول: يا معشر اليهود إنّ الله تعالى يبغضكم، فثاروا إليه ليقتلوه، فأدخله جبرئيلعليه‌السلام خوخة(٢) البيت الداخل لها روزنة(٣) في سقفها، فرفعه

__________________

(١) تفسير الطبري ٦: ١٢.

(٢) الخوخة: كوّة تؤدّي الضوء إلى البيت، والباب الصغير في الباب الكبير.

(٣) الروزنة: الكوّة، فارسيّة.


جبرئيل إلى السماء. فبعث يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه اسمه طيطانوس ليدخل عليه الخوخة فيقتله، فدخل فلم يره، فأبطأ عليهم، فظنّوا أنّه يقاتله في الخوخة، فألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، فلمّا خرج على أصحابه قتلوه وصلبوه.

وأمثال ذلك من الخوارق التي لا تستبعد في زمان النبوّة.

وإنّما ذمّهم الله تعالى بما دلّ عليه الكلام من جرأتهم على اللهعزوجل ، وقصدهم قتل نبيّه المؤيّد بالمعجزات الباهرة، وتبجّحهم(١) به، لا بقولهم هذا على حسب حسبانهم.

و «شبّه» مسند إلى الجارّ والمجرور، وكأنّه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول. أو في الأمر على قول من قال: لم يقتل أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس. أو مسند إلى ضمير المقتول، لدلالة «إنّا قتلنا» على أنّ ثمّة مقتولا، أي: لكن شبّه لهم من قتلوه.

( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) في شأن عيسىعليه‌السلام ، فإنّه لـمّا وقعت تلك الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنّه كان كاذبا فقتلناه حقّا. وتردّد آخرون، فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا. وقال من سمع منه: إنّ الله يرفعني إلى السماء، إنّه رفع إلى السماء.

وقال قوم: إنّه صلب الناسوت، يعنون بدنه، ورفع اللاهوت، يعنون به روحه.

واختلفوا في أنّه إله أو ابن إله.

( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) لفي تردّد. والشكّ كما يطلق على مالا يترجّح أحد طرفيه، يطلق على مطلق التردّد، وعلى ما يقابل العلم، ولذلك أكّده بقوله:( ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ ) استثناء منقطع، أي: ولكنّهم يتّبعون الظنّ. ويجوز أن يفسّر الشكّ بالجهل، والعلم بالاعتقاد الّذي تسكن إليه النفس، جزما كان أو غيره، فيتّصل

__________________

(١) أي: تفاخرهم ومباهاتهم به.


الاستثناء.

( وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ) قتلا يقينا كما زعموه بقولهم: «إنّا قتلنا المسيح»، أو متيقّنين.

( بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ) ردّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه. وقد مرّ تفسيره في سورة آل عمران عند قوله:( إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) (١) .

( وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) لا يغلب على ما يريده( حَكِيماً ) فيما دبّره لعيسىعليه‌السلام .

والمعنيّ من هذه الآيات: أنّ الله تعالى خاطب اليهود وقال: احذروا أيّها السائلون محمدا أن ينزل عليكم كتابا من السماء حلول عقوبة بكم، كما حلّ بأوائلكم في تكذيبهم رسله، فآمنوا بمحمّد قبل حلول هذه العقوبة.

( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) )

ثمّ أخبر سبحانه أنّه لا يبقى أحد منهم إلّا ويؤمن بعيسى، فقال:

__________________

(١) راجع ج ١: ٤٩٣ ذيل الآية ٥٥ من سورة آل عمران.


( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) جملة قسميّة وقعت صفة لمحذوف. والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمننّ به، ونحوه( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) (١) ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) (٢) . ويعود إليه الضمير الثاني، والأوّل لعيسى. فالمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلّا ليصدّقنّ بعيسى، وبأنّه عبد الله ورسوله، قبل موته ولو حين تزهق روحه، ولا ينفعه إيمانه، لانقطاع وقت التكليف. وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان به قبل أن يضطرّوا إليه، ولم ينفعهم إيمانهم.

وقيل: الضميران لعيسى. والمعنى: أنّه لـمّا نزل من السماء آمن به أهل الملل جميعا.

وفي الروايات الصحيحة المتواترة عن ابن عبّاس وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد: أنّ عيسىعليه‌السلام ينزل من السماء وقت خروج المهديّعليه‌السلام في آخر الزمان وخروج الدجّال فيهلكه، ولا يبقى أحد من أهل الملّة إلّا يؤمننّ به، حتى تكون الملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، ويصلّي خلف المهديّ من آل محمّد صلوات الله عليهم، وتقع الأمنة حتّى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثمّ يتوفّى، ويصلّي عليه المسلمون ويدفنونه.

( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ ) يعني: عيسى( عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) فيشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنّهم دعوه ابن الله.

ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره(٣) أنّ أباه حدّثه عن سليمان بن داود المنقري، عن أبي حمزة الثمالي، عن شهر بن حوشب، قال: «قال لي الحجّاج بن يوسف: آية من كتاب الله قد أعيتني، وهي قوله:( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ) ،

__________________

(١) الصافّات: ١٦٤.

(٢) مريم: ٧١.

(٣) تفسير عليّ بن إبراهيم القمي ١: ١٥٨.


والله إنّي لآمر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه، ثم أرمقه بعيني فما أراه يحرّك شفتيه حتى يخمد.

فقلت: أصلح الله الأمير ليس على ما أوّلت.

قال: فكيف هو؟

قلت: إنّ عيسى بن مريم ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، ولا يبقى أهل ملّة يهوديّ أو نصرانيّ وغيره إلّا آمن به قبل موت عيسى، ويصلّي خلف المهدي.

قال: وكان متّكئا فاستوى جالسا فنظر إليّ وقال: ويحك أنّى لك هذا، ومن أين جئت به؟

قال: قلت: حدّثني محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام . وبرواية صاحب الكشّاف(١) : محمد بن عليّ بن الحنفيّة.

فأخذ ينكت الأرض بقضيبه، فقال: والله لقد أخذتها من عين صافية، أو معدنها.

فقيل لشهر: ما أردت بذلك؟

قال أردت أن أغيظه.

ومثل ذلك ذكر أبو القاسم البلخي. وبرواية صاحب الكشّاف(٢) قال الكلبي له ـ أي: لشهر ـ: ما أردت إلى أن تقول: حدّثني محمّد بن عليّ بن الحنفيّة؟ قال :أردت أن أغيظه، يعني: بزيادة اسم عليّ، لأنّه مشهور بابن الحنفيّة».

وعن عكرمة الضمير في «به» يرجع إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ورواه أيضا أصحابنا.

وضعّف الطبري(٣) هذا الوجه من حيث إنّه لم يجر ذكر نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا ضرورة توجب ردّ الكناية إليه، وقد جرى ذكر عيسىعليه‌السلام ، فالأولى أن يصرف ذلك إليه.

وفي الآية دلالة على أنّ كلّ كافر يؤمن عند المعاينة، وعلى أنّ إيمانه ذلك

__________________

(١، ٢) الكشّاف ١: ٥٨٨.

(٣) تفسير الطبري ٦: ١٧.


غير مقبول، كما لم يقبل إيمان فرعون في حال اليأس عند زوال التكليف.

ويقرب من هذا ما رواه الإماميّة أن المحتضرين من جميع الأديان يرون رسول الله وخلفاءه عند الوفاة. وقد روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام قالا: «حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى محمدا وعليّا بحيث تقرّ عينها أو تسخن».

وعن عليٍّعليه‌السلام أنّه قال للحارث الهمداني :

يا حار همدان من يمت يرني

من مؤمن أو منافق قبلا

يعرفني طرفه وأعرفه

بعينه واسمه وما فعلا

ولا يبعد أن يقال: إنّ المراد برؤيتهم في تلك الحال العلم بثمرة ولايتهم وعداوتهم على اليقين، بعلامات يجدونها من نفوسهم، ومشاهدة أحوال يدركونها، كما قد روي أنّ الإنسان إذا عاين الموت أري في تلك الحالة ما يدلّه على أنّه من أهل الجنّة أو من أهل النار.

( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) فبأيّ ظلم عظيم منهم( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) أي: ما حرّمنا عليهم الطيّبات إلّا لظلم عظيم ارتكبوه، يعني: ما ذكره في قوله:( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) (١) . فكلّما أذنبوا ذنبا حرّم عليهم بعض الطيّبات( وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً ) ناسا كثيرا، أو صدّا كثيرا.

( وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ) كان الربا محرّما عليهم كما هو محرّم علينا.

وفيه دليل على دلالة النهي على التحريم.( وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) بالرشوة الّتي كانوا يأخذونها من عوامهم في تحريف الكتاب وسائر الوجوه المحرّمة( وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) دون من تاب وآمن، كما قال جلّ ذكره:( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ) الثابتون فيه، المتقنون له، المدارسون بالتوراة، وهم من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأصحابه من علماء اليهود.

__________________

(١) الأنعام: ١٤٦.


روي أنّ ابن سلام وأصحابه قالوا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اليهود لتعلم أنّ الّذي جئت به حقّ، وإنّك لعندهم مكتوب في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما يقولون، إنّهم لا يعلمون شيئا، وإنّهم يغرّونك ويحدّثونك بالباطل. فقال الله تعالى:( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ )

( وَالْمُؤْمِنُونَ ) أي: منهم، أو من المهاجرين والأنصار( يُؤْمِنُونَ ) خبر قوله: «الراسخون»( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) من القرآن والشرائع( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) من الكتب.

( وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ) نصبه على المدح، لبيان فضل الصلاة، أي: اذكر المقيمين الصلاة. أو عطف على( بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) . والمراد بهم الأنبياء، أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء.

( وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) قدّم عليه الإيمان بالأنبياء والكتب وما يصدّقه من اتّباع الشرائع، لأنّه المقصود بالآية.

( أُولئِكَ ) الّذين وصفناهم( سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ) على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح. وقرأ حمزة: سيؤتيهم بالياء.

( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) )

ثمّ خاطب نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) قدّمه في الذكر وإن تأخّرت


نبوّته لتقدّمه في الفضل والشرف والرتبة( كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ ) قدّمه لأنّه أبو البشر بعد الطوفان، ولأنّه كان أطول الأنبياء عمرا، وكانت معجزته في نفسه، لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما، لم يسقط له سنّ، ولم تنقص قوّته، ولم يشب شعره، وأوّل من عذّبت أمّته بسبب ردّ دعوته.

( وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) وهذا جواب لأهل الكتاب عن سؤال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اقتراحا أن ينزّل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأنّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء، وإرساله كإرسال النبيّين السالفين، وأنّ المعجزات قد ظهرت على يده كما كانت تظهر على أيديهم.

( وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ) وهم أولاد يعقوب، كيوسف وداود( وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ) خصّهم بالذكر مع اشتمال النبيّين عليهم تعظيما لهم، فإنّ ابراهيم أول أولي العزم منهم، وعيسى آخرهم، والباقين أشرف الأنبياء ومشاهيرهم. وقدّم عيسى على الأنبياء المذكورين بعده لشدّة العناية بأمره، لغلوّ اليهود في الطعن فيه( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) . وقرأ حمزة: زبورا بالضمّ. وهو جمع زبر، وهو الكتاب بمعنى مزبور.

ثمّ أجمل ذكر الرسل بعد تسمية بعضهم فقال:( وَرُسُلاً ) نصب بمضمر دلّ عليه «أوحينا إليك»، كـ «أرسلنا»، أو فسّره بقوله:( قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ) أي: من قبل هذه السورة بمكّة في سورة الأنعام(١) وغيرها، أو قبل ذلك اليوم بالوحي في غير القرآن فعرّفناك شأنهم وأخبارهم( وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) بلا واسطة، وهو منتهى مراتب الوحي، خصّ به موسى من بينهم، وقد فضّل الله محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بأن أعطاه مثل ما أعطى كلّ واحد منهم.

وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا قرأ الآية الّتي قبل هذه الآية على الناس قالت

__________________

(١) الأنعام: ٨٣ ـ ٨٦.


اليهود فيما بينهم: ذكر محمد النبيّين ولم يبيّن لنا أمر موسى. فلمّا نزلت هذه الآية وقرأها عليهم قالوا: إنّ محمدا قد ذكره وفضّله بالكلام عليهم.

( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) نصب على المدح، أو بإضمار «أرسلنا»، أو على الحال ويكون رسلا موطّئا لـ «مبشّرين»، كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) فيقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فينبّهنا ويعلّمنا ما لم نكن نعلم، ويوصلنا إلى المحجّة، ويوقظنا من سنة الغفلة.

وفيه تنبيه على أنّ بعثة الأنبياء إلى الناس ضرورة، لقصور الكلّ عن إدراك جزئيّات المصالح، والأكثر عن إدراك كلّيّاتها.

واللّام متعلّقة بـ «أرسلنا»، أو بقوله: «مبشّرين ومنذرين». و «حجّة» اسم «كان»، وخبره «للناس» أو «على الله» والآخر حال. ولا يجوز تعلّقه بـ «حجّة» لأنّه مصدر، ولا يجوز تقديم متعلّق المصدر عليه. و «بعد» ظرف لها أو صفة.

( وَكانَ اللهُ عَزِيزاً ) لا يغلب فيما يريده( حَكِيماً ) فيما دبّر من أمر النبوّة، وفيما خصّ كلّ نبيّ بنوع من الوحي والإعجاز.

( لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٦٩) )

قيل: إنّ جماعة من اليهود دخلوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال النبيّ لهم: إنّي أعلم أنّكم تعلمون أنّي رسول الله. فقالوا: ما نعلم ذلك ولا نشهد به. فأنزل الله بعد


إنكارهم وجحودهم.

( لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ ) فهذا استدراك عن مفهوم ما قبله، فإنّهم لـمّا تعنّتوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء، واحتجّ عليهم بقوله:( إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) الآية، قال: إنّهم لا يشهدون بذلك، ولكنّ الله يشهد، أو أنّهم أنكروا الإيحاء إليك ولكنّ الله يشهد، يعني: يبيّنه ويقرّره( بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ) من القرآن المعجز الدالّ على نبوّتك.

( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) أنزله ملتبسا بعلمه الخاصّ به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كلّ بليغ. أو بحال من يستعدّ للنبوّة ويستأهل نزول الكتاب عليه. أو بعلمه الّذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم. والجارّ والمجرور على الأوّلين حال من الفاعل، وعلى الثالث حال من المفعول. والجملة كالتفسير لـما قبلها.

( وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ) أيضا بنبوّتك.

وفيه تنبيه على أنّهم يودّون أن يعلموا صحّة دعوى النبوّة على وجه يستغنى عن النظر والتأمّل، وهذا النوع من خواصّ الملك، ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الفكر والنظر، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوّتك، وشهدوا بما عرفت الملائكة وشهدوا عليها.

وقال في الجامع والكشّاف: «معنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحّته بالمعجزات، كما تثبت الدعاوي بالبيّنات، وشهادة الملائكة شهادتهم بأنّه حقّ وصدق»(١) .

( وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً ) أي: وكفى بما أقام من الحجج على صحّة نبوّتك عن الاستشهاد بغيره وإن لم يشهد غيره. وفي هذه الآية تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن تكذيب من كذّبه.

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن الدين الّذي بعثك به إلى خلقه

__________________

(١) جوامع الجامع ١: ٣٥١، الكشّاف ١: ٥٩٢.


( قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ) قد جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا، وزالوا عن المحجّة الّتي هي دين الله الّذي ارتضاه وبعثك به إلى خلقه زوالا بعيدا عن الرشاد، لأنّهم قد جمعوا بين الضلال والإضلال، ولأنّ المضلّ يكون أغرق في الضلال، وأبعد من الانقلاع عنه.

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: جحدوا( وَظَلَمُوا ) محمدا بإنكار نبوّته وتكذيبهم إيّاه. أو الناس بصدّهم عمّا فيه صلاحهم وخلاصهم، أو بأعمّ من ذلك. وعلى هذا تدلّ الآية على أنّ الكفّار مخاطبون بالفروع، إذ المراد بهم الجامعون بين الكفر والظلم( لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) بترك عقابهم على ذنوبهم( وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) لجري حكمه السابق ووعده المحتوم على أنّ من مات على كفره فهو خالد في النار. و «خالدين» حال مقدّرة( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) لا يستصعبه ولا يستعظمه.

( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) )

ولـمّا قرّر أمر النبوّة، وبيّن الطريق الموصل إلى العلم بها، ووعيد من أنكرها، خاطب الناس عامّة بالدعوة وإلزام الحجّة، والوعد بالإجابة والوعيد على الردّ، فقال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ ) يعني: محمدا( بِالْحَقِ ) بالدين الّذي ارتضاه الله لعباده. وعن أبي جعفرعليه‌السلام : بولاية من أمر الله سبحانه بولايته.

( مِنْ رَبِّكُمْ ) من عند ربّكم( فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ ) أي: إيمانا خيرا لكم. أو اقصدوا أو ائتوا


أمرا خيرا لكم ممّا أنتم عليه من الكفر.

وقيل: تقديره: فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم. ومنعه البصريّون، لأن «كان» لا يحذف مع اسمه إلّا فيما لا بدّ منه، ولأنّه يؤدّي إلى حذف الشرط والجزاء.

( وَإِنْ تَكْفُرُوا ) بالله ورسوله، وبما جاء به من عنده( فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يعني: فإن تكفروا فإنّ الله تعالى غنيّ عنكم، لا يتضرّر بكفركم، كما لا ينتفع بإيمانكم. ونبّه على غناه بقوله:( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) . وهو يعمّ ما اشتملتا عليه وما تركّبتا منه( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بأحوالهم( حَكِيماً ) فيما دبّر لهم.

( يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (١٧١) )

ثمّ عاد سبحانه إلى حجاج أهل الكتاب، فقال:( يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) الخطاب لليهود والنصارى، فإنّ اليهود غلت في حطّ عيسىعليه‌السلام حتّى رموه بأنّه ولد لغير رشدة(١) ، والنصارى في رفعه حتّى اتّخذوه إلها. وقيل: الخطاب للنصارى خاصّة، فإنّه أوفق لقوله:( وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) يعني: تنزيهه عن الصاحبة والولد والشريك.

( إِنَّمَا الْمَسِيحُ ) قد ذكر(٢) معناه( عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) بيان له( رَسُولُ اللهِ )

__________________

(١) الرشدة بالتاء ضد الزنية، يقال: ولد لرشدة، أي: شرعيّون.

(٢) راجع ج ١: ٤٨٦.


أرسله إلى الخلق، لا كما زعمت الفرقتان المبطلتان.( وَكَلِمَتُهُ ) فإنّه حصل بكلمته الّتي هي قوله: «كن»( أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ) أوصلها إليها وحصّلها فيها( وَرُوحٌ مِنْهُ ) وذو روح صدر منه، لا بتوسّط يجري مجرى الأصل والمادّة له، كما قال في الجامع(١) والكشّاف(٢) : «قيل لعيسى: كلمة الله وكلمة منه، لأنّه وجد بكلمته وأمره من غير واسطة أب ولا نطفة. وقيل له: روح الله وروح منه كذلك، لأنّه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيّ، وإنّما اخترع اختراعا من عند الله وقدرته خالصة».

وقيل: سمّي روحا لأنّه كان يحيي الأموات أو القلوب.

( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) أي: الآلهة ثلاثة: الله، والمسيح، ومريم. ويشهد عليه قوله تعالى:( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) (٣) أو: الله ثلاثة، إن صحّ أنّهم يقولون: الله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس. ويريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، وبأقنوم روح القدس الحياة. والأقنوم بمعنى الأصل.( انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ ) نصبه لـما سبق من قوله: «فآمنوا خيرا لكم».

( إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ ) أي: واحد بالذات لا تعدّد فيه بوجه مّا( سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) أسبّحه تسبيحا من أن يكون له ولد، فإنّه يكون لمن يعادله مثل، ويتطرّق إليه فناء( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) ملكا وملكا وخلقا، لا يماثله في ذلك شيء فيتّخذه ولدا( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) يكل إليه الخلق أمورهم، فهو الغنيّ عنهم، وهم الفقراء إليه. وهذا تنبيه على غناه عن الولد، فإنّ الحاجة إليه ليكون

__________________

(١) جوامع الجامع ١: ٣٥٢.

(٢) الكشّاف ١: ٥٩٣.

(٣) المائدة: ١١٦.


وكيلا لأبيه، والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء، كاف في ذلك، مستغن عمّن يخلفه أو يعينه.

( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) )

روي أنّ وفد نجران قالوا لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا محمّد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وأيّ شيء أقول فيه؟ قالوا: تقول: إنّه عبد الله ورسوله. قال: إنّه ليس بعار أن يكون عبدا لله. قالوا: بلى، فنزلت:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ ) لن يأنف ولن يذهب عزّة نفسه، من: نكفت الدمع، إذا نحّيته بإصبعك عن خدّك كيلا يرى أثره عليك( أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ ) من أن يكون عبدا له، فإنّ عبوديّته شرف يتباهى به، وإنّما الاستنكاف في عبوديّة غيره( وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) الّذين قرّبهم الله تعالى ورفع منازلهم لديه. عطف على المسيح، أي: ولا يستنكف الملائكة المقرّبون أن يكونوا عبيدا لله.

واحتجّ به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء، وقال: مساق الآية لردّ قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبوديّة، وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه.

وجوابه: أنّ الآية للردّ على عبدة المسيح وعبدة الملائكة، فلا يتّجه ذلك.

وإن سلّم اختصاصها بالنصارى فيحتمل أن يراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير، كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس. وإن أراد به التكبير فإنّه يفهم منه أنّ جميع الملائكة أفضل وأكثر ثوابا من المسيح، وهذا لا يقتضي أن يكون كلّ واحد منهم أفضل من المسيح، وإنّما الخلاف في ذلك.


( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ) ويترفّع عنها( وَيَسْتَكْبِرْ ) ويتعظّم بترك الإذعان بطاعته. والاستكبار دون الاستنكاف، ولذلك عطف عليه. وإنّما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبّر، فإنّه قد يكون بالاستحقاق.( فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ ) إلى موضع جزائه( جَمِيعاً ) فيجازيهم أجمعين.

( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣) )

ثمّ وعد الله سبحانه الّذين يقرّون بوحدانيّته ويعملون بطاعته، أنّه يوفّيهم أجور أعمالهم الصالحة وافيا تامّا، فقال:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) بوحدانيّة الله وبنبوّة رسوله( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) على طاعتهم، بأن كان لهم عشر أمثالها إلى سبعين ضعفا، وإلى سبعمائة، وإلى الأضعاف الكثيرة.

والزيادة على المثل تفضّل من الله سبحانه عليهم.

وبعد وعد الموحّدين الصالحين أوعد المشركين الطالحين، فقال:( وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا ) عن الإقرار بوحدانيّته( وَاسْتَكْبَرُوا ) وتعظّموا عن الإيمان له بالطاعة والعبوديّة( فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) مؤلما موجعا( وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ ) لأنفسهم( مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا ) ينجيهم من عذابه( وَلا نَصِيراً ) ينقذهم عن عقابه. فالآية لبيان تفصيل المجازاة العامّة المدلول عليها من فحوى الكلام، فكأنّه قال: فسيحشرهم إليه جميعا يوم يحشر العباد للمجازاة. أو لبيان مجازاتهم، فإنّ إثابة مقابليهم والإحسان إليهم تعذيب لهم بالغمّ والحسرة.


( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) )

ولـمّا فصّل سبحانه ذكر الأحكام الّتي يجب العمل بها ذكر البرهان بعد ذلك، ليكون المكلّف على ثقة ويقين، فقال خطابا عامّا لجميع المكلّفين:( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) عنى به المعجزات الباهرة( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) وهو القرآن، أي: قد جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل، ولم يبق لكم عذر ولا علّة.

وقيل: البرهان الدين أو رسول الله. وقيل: المراد من كليهما القرآن. وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «النور ولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ».

( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ) بوحدانيّته( وَاعْتَصَمُوا بِهِ ) وتمسّكوا بالنور الّذي أنزله إلى نبيّه( فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ ) ثواب مستحقّ قدّره بإزاء إيمانهم وعملهم، وهو الجنّة( وَفَضْلٍ ) إحسان زائد عليه، وهو تضعيف الحسنات والدرجات في الجنّة( وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ) إلى الّذي يتفضّل به على أوليائه( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) أي: يوفّقهم سلوك طريق من أنعم عليه من أصفيائه، الموصل إلى ثوابه العظيم وجنّات النعيم، وهو الدوام والثبات على منهاج الإسلام والطاعة.

( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) )


ولـمّا بيّن الله في أوّل السورة بعض سهام الفرائض، ختم السورة ببيان ما بقي من ذلك، ليوافق الاختتام الافتتاح، فقال:( يَسْتَفْتُونَكَ ) أي: في الكلالة. وهو اسم للاخوة والأخوات، على ما روي عن أئمّتناعليهم‌السلام . وقيل: هي ما سوى الوالد والولد. وقد مرّ(١) تفصيله في أوائل السورة. وحذفت لدلالة الجواب عليه. قالوا إنّه آخر ما نزل من أحكام الدين.

روي أنّ جابر بن عبد الله كان مريضا فعاده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: يا رسول الله إنّ لي كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت:( قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) ذكر وأنثى( وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ ) . ارتفع «امرؤ» بفعل يفسّره الظاهر. و «ليس له ولد» صفة له، أو حال عن المستكن في «هلك» أي: غير ذي ولد. والواو في «وله» يحتمل الحال والعطف. والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب، لأنّ ذكر أولاد الأمّ قد سبق(٢) في أوائل السورة، ولأنّه جعل أخاها عصبة، وقال:( فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وابن الأمّ لا يكون عصبة. وقد مرّ في آية المواريث أنّ الأخت للأمّ لها السدس مسوّى بينها وبين أخيها.

( وَهُوَ يَرِثُها ) أي: المرء يرث أخته كلّ المال إن كان الأمر بالعكس( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ) أي: إذا كانت غير ذات ولد، ذكرا كان أو أنثى. وقد دلّت السنّة والإجماع على أنّهم لا يرثون مع الأب.

( فَإِنْ كانَتَا ) أي: فإن كان من يرث الاخوة( اثْنَتَيْنِ ) تثنية الضمير محمولة على الخبر( فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ) أي: ممّا ترك الأخ أو الأخت من التركة.

وفائدة الإخبار عنه باثنتين التنبيه على أنّ الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما.

( وَإِنْ كانُوا ) وإن كان من يرث بالأخوّة. وجمع الضمير باعتبار الخبر كما

__________________

(١) راجع ص: ١٧.

(٢) راجع ص: ٢١.


مرّ.( إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً ) ذكورا وإناثا( فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) أصله: وإن كانوا إخوة وأخوات، فغلّب الذكر. والخلاف بين الفقهاء في هذه المسائل وأمثالها وفروعها مذكور في كتب الفقه، فمن أرادها فليرجع إليها.

( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ) أي: يبيّن الله لكم ضلالكم الّذي من شأنكم إذا خلّيتم وطباعكم، لتحترزوا عنه وتتحرّوا خلافه. والأصوب أنّ المضاف مقدّر، أي: كراهة أن تضلّوا. وقيل: لئلّا تضلّوا، فحذف «لا». وهو قول الكوفيّين. فالمعنى: يبيّن الله لكم جميع أحكام دينكم، كراهة أن تضلّوا أو لئلّا تضلّوا.

( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ومن ذلك أمور معاشكم ومعادكم، فيخبركم بها في محياكم ومماتكم، على ما تقتضيه الحكمة وتوجبه المصلحة.

عن البراء بن عازب: آخر سورة نزلت كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء:( يَسْتَفْتُونَكَ ) الآية. أورده البخاري ومسلم في صحيحهما(١) .

وقال جابر: نزلت بالمدينة. وقال ابن سيرين: نزلت في مسير كان فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه.

وتسمّى هذه الآية آية الصيف، وذلك أنّ الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء، وهي الّتي في أوّل هذه السورة، والاخرى في الصيف، وهي هذه الآية.

وروي عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: سألت رسول الله عن الكلالة فقال: يكفيك أو يجزيك آية الصيف. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

__________________

(١) صحيح البخاري ٦: ٦٣، صحيح مسلم ٣: ١٢٣٧ ح ١٢.



(٥)

سورة المائدة

مدنيّة. وهي مائة وعشرون آية. وفي حديث أبيّ: من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كلّ يهوديّ ونصرانيّ يتنفّس في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات.

وروى أبو الجارود عن الباقرعليه‌السلام : «من قرأ سورة المائدة في كلّ يوم خميس لم يلبس إيمانه بظلم، ولا يشرك به أبدا».

وبإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: «سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول: نزلت المائدة كمّلا، ونزل معها سبعون ألف ملك».

وروى العيّاشي بإسناده عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن عليٍّعليه‌السلام قال: «كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وإنّما يؤخذ من أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بآخره، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة، فنسخت ما قبلها، ولم ينسخها شيء. لقد نزلت عليه وهو على بغلة شهباء، وثقل عليه الوحي حتّى وقفت وتدلّى بطنها، حتّى رأيت سرّتها تكاد تمسّ الأرض، وأغمي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى وضع يده على ذؤابة منبّه بن وهب الجمحي، ثمّ رفع ذلك عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأ علينا سورة المائدة، فعمل رسول الله وعملنا»(١) .

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٢٨٨ ح ٢.


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) )

واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة النساء بذكر أحكام الشريعة، افتتح سورة المائدة أيضا ببيان الأحكام، وأجمل ذلك بقوله: «وأوفوا بالعقود» ثمّ أتبعه بذكر التفصيل. فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) الوفاء هو القيام بمقتضى العهد. وكذلك الإيفاء. يقال: وفا بعهده وأوفى بعهده، بمعنى: قام بمقتضى العهد. والعقد: العهد الموثّق. وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال.

والمراد بالعقود ما يعمّ عهود الله الّتي عقدها على عباده، وألزمها إيّاهم بالإيمان به، وطاعته فيما أحلّ لهم أو حرّم عليهم من التكاليف الشرعيّة العلميّة والعمليّة، وما يعقدون بينهم من عقود المعاملات والمناكحات والأمانات، ونحوها ممّا يجب الوفاء به أو يحسن، إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب.

ثمّ أخذ سبحانه في تفصيل العقود الّتي أمر بالوفاء بها مجملا، فقال:( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ) البهيمة كلّ حيّ لا يميّز. وقيل: كلّ ذات أربع من دوابّ البرّ والبحر. وإضافتها إلى الأنعام للبيان، كخاتم فضّة. ومعناها: البهيمة من الأنعام، كقولك: ثوب خزّ. وهي الأزواج(١) الثمانية. وألحق بها الظباء وبقر الوحش، عن الكلبي. وقيل: هما المراد بالبهيمة ونحوهما ممّا يماثل الأنعام في الاجترار(٢) وعدم الأنياب. وحينئذ إضافتها إلى الأنعام لملابسة الشبه.

__________________

(١) وهي: الإبل، والبقر، والضأن، والمعز، الذكر والأنثى من كلّ منها.

(٢) اجترّ البعير: أعاد الأكل من بطنه فمضغه ثانية، وحيوان مجترّ: يجترّ طعامه.


روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّ المراد بذلك أجنّة الأنعام الّتي توجد في بطون أمّهاتها إذا أشعرت، وقد ذكّيت الأمّهات وهي ميّتة، فذكاتها ذكاة أمّهاتها.

ونقل هذا عن ابن عبّاس وابن عمر. والأولى حمل الآية على الجميع.

( إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) إلّا محرّم ما يتلى عليكم في القرآن، نحو قوله:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (١) الآية. أو: إلّا ما يتلى عليكم آية تحريمه.

( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) حال من الضمير في «لكم»، أي: أحلّت لكم هذه الأشياء لا محلّين الصيد. وقال الأخفش: إنّه حال من واو «أوفوا». والصيد يحتمل المصدر والمفعول( وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) حال ممّا استكن في «محلّي الصيد». والحرم جمع حرام، وهو المحرم.( إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ) من تحليل أو تحريم بحسب مقتضى الحكمة والمصلحة.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) )

ثم شرع في بيان حكم آخر من الأحكام الشرعيّة المأخوذ عهدها على

__________________

(١) المائدة: ٣.


العباد، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ) يعني: مناسك الحجّ وأعماله.

جمع شعيرة، وهي اسم ما أشعر، أي: ما جعل شعارا. سمّي به أعمال الحجّ ومواقفه، لأنّها علامات الحجّ وأعلام النسك. وقيل: الهدايا المعلمة للذبح بمكّة.

وقيل: دين الله، لقوله:( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ ) (١) أي: دينه. وقيل: فرائضه الّتي حدّها لعباده. فالمعنى: لا تحلّوا حرمات الله، ولا تتعدّوا حدوده. والأوّل أصحّ وأشهر بين المفسّرين.

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام : أنّ العرب كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فناهم الله عن ذلك بهذه الآية.

( وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ) بالقتال فيه، كما قال سبحانه:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) (٢) أو بالنسيء، كقوله:( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) (٣) . وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، ويجيء(٤) تفصيل ذلك في سورة التوبة. والأشهر الحرم هي: رجب، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة.

( وَلَا الْهَدْيَ ) ما أهدي إلى الكعبة، جمع هدية، كجدي في جمع جدية السرج، وهي شيء يحشى ثم يربط تحت دفّتي السرج.

( وَلَا الْقَلائِدَ ) أي: ذوات القلائد من الهدي. وعطفها على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية بها، فإنّها أشرف الهدي، كقوله:( وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) (٥) . أو القلائد نفسها. والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرّض للهدي، كأنّه قيل: ولا تحلّوا قلائدها، فضلا عن أن تحلّوها. ونظيره قوله:( وَلا

__________________

(١) الحج: ٣٢.

(٢) البقرة: ٢١٧.

(٣) التوبة: ٣٧.

(٤) راجع ج ٣ / ١١٠.

(٥) البقرة: ٩٨.


يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ ) (١) فنهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها. والقلائد جمع قلادة، وهي ما قلّد به الهدي من نعل أو غيره ليعلم به أنّه هدي فلا يتعرّض له.

وإحلال هذه الأشياء أن يتهاون بحرمتها ويضيّع، وأن يحال بينها وبين المتنسّكين بها، وأن يحدث في أشهر الحجّ ما يصدّ الناس به عن الحجّ، وأن يتعرّض للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محلّه.

( وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ) قاصدين لزيارته، وهم الحجّاج والعمّار( يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ ) في الآخرة( وَرِضْواناً ) أي: يطلبون أن يثيبهم ويرضى عنهم.

والجملة في موضع الحال من المستكن في «آمّين»، وليست صفة، لأنّه عامل والمختار أنّ اسم الفاعل الموصوف لا يعمل. والمراد استنكار تعرّض من هذا شأنه.

وقيل: معناه يبتغون من الله رزقا بالتجارة ورضوانا بزعمهم، إذ روي أنّ الآية نزلت في رجل يقال له الحطم بن هند البكري حين أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحده وخلّف خيله خارج المدينة، فقال: إلى ما تدعو؟ قال: أدعوا إلى شهادة أن لا إله إلّا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فقال: حسن، فأنظرني لعلّي أسلم، ولي من أشاوره.

وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد قال لأصحابه: يدخل عليكم اليوم من يتكلّم بلسان شيطان.

فلمّا خرج قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر. فمرّ بسرح(٢) من سروح المدينة فساقه وانطلق به، ثم أقبل في عام قابل حاجّا قد قلّد هديا، فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبعث إليه، فنزلت:( وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ) .

وعلى التقديرين، معنى الآية: لا تقاتلوهم، لأنّ من قاتل فقد أحلّ، فكأنّه قال: لا تحلّوا قتال الآمّين البيت الحرام، وهو بيت الله بمكّة، سمّي حراما لحرمته.

وقيل: لأنّه يحرم فيه ما يحلّ في غيره.

وعلى التقدير الأخير، فالآية منسوخة بآية( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

__________________

(١) النور: ٣١.

(٢) السرح: الماشية.


وَجَدْتُمُوهُمْ ) (١) . ولم ينسخ من المائدة غير هذه الآية. وهذا قول أكثر المفسّرين.

وقيل: لم ينسخ من هذه السورة شيء ولا من هذه الآية، لأنّه لا يجوز أن يبدأ المشركين بالقتال إلّا إذا قاتلوا. وهو قول ابن جريج والحسن، ويروى عن الباقرعليه‌السلام .

وهو أيضا موافق لـما ورد أنّ المائدة آخر ما نزلت.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها».

وأيضا التخصيص خير من النسخ.

وذكر أبو مسلم أنّ المراد به الكفّار الّذين كانوا في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر، ودخلوا في حكم قوله تعالى:( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ) (٢) .

( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ) إذن في الاصطياد بعد زوال المحرّم وهو الإحرام، فهو إباحة بعد الحظر، كأنّه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا.

( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) لا يحملنّكم أو لا يكسبنّكم( شَنَآنُ قَوْمٍ ) شدّة بغضهم وعداوتهم. «جرم» مثل «كسب» في تعديته إلى مفعول واحد واثنين، تقول: جرم ذنبا وجرمته إيّاه، وكسب شيئا وكسبته إيّاه. والشنآن مصدر أضيف إلى المفعول أو الفاعل.

وقرأ ابن عامر وإسماعيل عن نافع وابن عيّاش عن عاصم بسكون النون. وهو أيضا مصدر كالليّان(٣) ، أو نعت بمعنى: بغيض قوم. وفعلان في النعت أكثر.

وقوله:( أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) متعلّق بـ «شنآن» أي: لأن صدّوكم عنه عام الحديبية. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة، على أنّه شرط معترض، وجوابه محذوف أغنى عنه قوله: «لا يجر منّكم».

__________________

(١) التوبة: ٥.

(٢) التوبة: ٢٨.

(٣) ليّان مصدر: لوى يلوي أمره عنّي، أي: طواه وأخفاه.


( أَنْ تَعْتَدُوا ) بالانتقام. وهو ثاني مفعولي «يجرمنّكم». والمعنى: لا يحملنّكم بغض قوم على الاعتداء عليهم بالانتقام منهم، لصدّهم إيّاكم عن المسجد الحرام، وهو منع أهل مكّة رسول الله والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة.

( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) بأن يعين بعضكم بعضا على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى.( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) للتشفّي والانتقام.

والأولى أن يكون محمولا على العموم، فيتناول كلّ برّ وتقوى، أي: كلّ عمل أمر الله به، واتّقاء كلّ ما نهاهم عنه، وكلّ إثم وظلم.

ثمّ أمر بالتقوى وأوعد لمن تعدّى حدوده، فقال:( وَاتَّقُوا اللهَ ) باجتناب كلّ المناهي والمحارم( إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) لأنّ ناره لا يطفى حرّها، ولا يخمد جمرها، فانتقامه أشدّ.

( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) )

ثمّ بيّن سبحانه ما استثناه في الآية المتقدّمة بقوله:( إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) ، فقال خطابا لجميع المكلّفين:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) هي ما فارقه الروح من غير


تذكية شرعيّة. واستثنى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ذلك السمك والجراد بقوله: «أحلّ لكم ميتتان ودمان».

( وَالدَّمُ ) أي: الدم المسفوح، لقوله تعالى:( أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) (١) . وكان أهل الجاهليّة يصبّونه في الأمعاء ويشوونها، ويقولون: لم يحرم من فزد له، أي: فصد له.

( وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ) خصّ اللحم وإن كان شحمه وكلّ أجزائه محرّما، لأنّه المقصود بالأكل، وغيره تابع.

( وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ) أي: رفع الصوت لغير الله به، وهو قولهم: باسم اللات والعزّى عند ذبحه.

( وَالْمُنْخَنِقَةُ ) الّتي ماتت بالخنق، سواء كان بخنق غيرها أو اختنقت من نفسها لعارض.

( وَالْمَوْقُوذَةُ ) المضروبة بنحو خشب أو حجر ـ ونحو ذلك من المثقل ـ حتّى تموت، من: وقذته إذا ضربته.

( وَالْمُتَرَدِّيَةُ ) الّتي تردّت من علوّ أو في بئر فماتت به( وَالنَّطِيحَةُ ) الّتي نطحتها اخرى فماتت به. والتاء فيها للنقل.

( وَما أَكَلَ السَّبُعُ ) أي: وما أكل منه السبع فمات. وهو يدلّ على أنّ جوارح الصيد إذا أكلت ممّا اصطادته لم تحلّ إلّا نادرا، للرواية.

( إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ ) إلّا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرّة من الأمور المذكورة، سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والميتة.

وعن الباقر والصادقعليهما‌السلام : «أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه يتحرّك أذنه أو ذنبه، أو تطرف عينه».

__________________

(١) الأنعام: ١٤٥.


والذكاة في الشرع بقطع الحلقوم والمريء بمحدّد. والموت وإن كان متصوّرا بسبب آخر غير الأسباب المذكورة، لكن لـمّا كانوا في الجاهليّة لا يعدّون الميّت إلّا ما مات حتف أنفه من دون شيء من هذه الأسباب، فأعلمهم الله تعالى بذكر هذه الأمور أنّ حكم الجميع واحد، وأنّ وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط.

( وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) هو واحد الأنصاب، وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت، يعبدونها ويذبحون عليها، ويعدّون ذلك قربة. و «على» بمعنى اللام، أو على أصلها بتقدير: وما ذبح مسمّى على الأصنام. وقيل: النصب جمع واحدها نصاب.

قال ابن جريج: ليست النصب أصناما، إنّما الأصنام ما تصوّر وتنقش، بل كانت أحجارا منصوبة حول الكعبة، وكانت ثلاثمائة وستّين حجرا ـ وقيل: كانت ثلاثمائة منها لخزاعة ـ فكانوا إذا ذبحوا أنضحوا(١) الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا(٢) اللحم وجعلوه على الأحجار. فقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهليّة يعظّمون البيت بالدم، فنحن أحقّ بتعظيمها. فأنزل الله تعالى:( لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ) (٣) الآية.

( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ) أي: وحرّم عليكم الاستقسام بالأقداح. وذلك أنّهم إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدها: أمرني ربّي، وعلى الآخر: نهاني ربّي، وعلى الثالث: غفل. فإن خرج الآمر مضوا على ذلك، وإن خرج الناهي تجنّبوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانيا. فمعنى الاستقسام: طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم بالأزلام. وهي جمع الزلم كجمل، أو زلم كصرد.

__________________

(١) أي: رشّوا الدم.

(٢) شرح اللحم، أي: قطعه قطعا طوالا.

(٣) الحجّ: ٣٧.


وهي قداح لا ريش له.

وقيل: هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة. وذلك أنّ في الجاهليّة كانت عشرة أنفس يجتمعون ويشترون جزورا ويقسمونه على القدح العشرة. فالفذّ له سهم، والتوأم سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستّة أسهم، والمعلّى له سبعة أسهم، والسفيح والمنيح والوغد لا أنصباء لها. وكانوا يدفعون القداح إلى رجل فيجيلها، وكان ثمن الجزور على من تخرج هذه الثلاثة الّتي لا أنصباء لها. وهو القمار الّذي حرّمه اللهعزوجل .

وهذا القول رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقينعليهما‌السلام .

والقرعة الشرعيّة المنقولة عن صاحب الشرع وأمنائه المعصومينعليهم‌السلام مستثناة منه.

وقيل: هي كعاب فارس والروم الّتي كانوا يتقامرون بها. وهذا القول منقول عن مجاهد. وقيل: هي الشطرنج. وهذا منقول عن أبي سفيان بن وكيع.

( ذلِكُمْ فِسْقٌ ) إشارة إلى الاستقسام وكونه فسقا، لأنّه دخول في علم الغيب، وضلال باعتقاد أنّ ذلك طريق إليه، وافتراء على الله تعالى إن أريد بـ «ربّي»: الله، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم. أو في الميسر المحرّم، أو إشارة إلى تناول ما حرّم عليهم.

( الْيَوْمَ ) لم يرد به يوما بعينه، وإنّما أراد الزمان الحاضر وما يتّصل به من الأزمنة الآتية، كقولك: كنت بالأمس شابّا وأنت اليوم أشيب. فلا يريد بالأمس اليوم الّذي قبل يومك، ولا باليوم يومك. وقيل: أراد يوم نزولها، وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة عرفة حجّة الوداع. والمعنى: الآن إلى آخر الدهر.

( يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ) أي: من إبطاله ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها. أو يئسوا من أن يغلبوا على دينكم، لأنّ الله تعالى وفي بوعده من


إظهاره على الدين كلّه( فَلا تَخْشَوْهُمْ ) أن يظهروا عليكم بعد إظهار الدين وزوال الخوف منكم، إذا انقلبوا مغلوبين بعد أن كانوا غالبين( وَاخْشَوْنِ ) وأخلصوا الخشية لي.

( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) بالنصر والإظهار على الأديان كلّها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع وجميع ما تحتاجون إليه في تكليفكم، من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، على وجه لا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم.

( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) بالهداية والتوفيق، وأعطيتكم من العلم والحكمة ما لم يعط قبلكم نبيّ ولا أمّة. أو بإكمال الدين، أو بفتح مكّة وهدم منار الجاهليّة.

وقال في الجامع: «معناه: وأتممت عليكم نعمتي بولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . ثم قال: روي عن الباقر والصادقعليهما‌السلام : أنّه إنّما نزلت بعد أن نصب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّا عليهم السّلام علما للأنام يوم غدير خمّ منصرفا من حجّة الوداع، وهي آخر فريضة أنزلها الله، لم ينزل بعدها فريضة»(١) .

( وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ ) اخترته لكم( دِيناً ) من بين الأديان، وهو الدين عند الله لا غير.

وقال في المجمع: «وقد حدّثنا السيّد العالم أبو الحمد بن نزار الحسيني، قال: حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني(٢) ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرنا أبو بكر الجرجاني، قال: حدّثنا أبو أحمد البصري، قال: حدّثنا أحمد بن عمّار بن خالد، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول

__________________

(١) جوامع الجامع ١: ٣٥٩.

(٢) شواهد التنزيل: ١: ٢٠١ ح ٢١١.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا نزلت هذه الآية قال: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، وولاية عليّ بن أبي طالب من بعدي. وقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، أللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»(١) .

وقوله:( فَمَنِ اضْطُرَّ ) متّصل بذكر المحرّمات، وما بينهما اعتراض لـما يوجب التجنّب عنها، وهو أنّ تناولها فسوق، وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامّة والإسلام المرضيّ. والمعنى: فمن دعته الضرورة إلى تناول شيء من هذه المحرّمات( فِي مَخْمَصَةٍ ) في مجاعة( غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ ) غير مائل له ومنحرف إليه، بأن يأكلها تلذّذا أو مجاوزا حدّ الرخصة، نحو قوله تعالى:( غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) (٢) ( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لا يؤاخذه بأكله.

( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر المحرّمات عقّبه بذكر ما أحلّ، فقال:( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ ) «ماذا» مبتدأ و «أحلّ لهم» خبره، أي: أيّ شيء حلّ لهم من المطاعم، كأنّهم حين تلا عليهم المآكل المحرّمة سألوا عمّا أحلّ لهم منها. ولم يقل: ماذا أحلّ لنا، حكاية لـما قالوه، لأنّ «يسألونك» بلفظ الغيبة، وهذا كما تقول: أقسم زيد ليفعلنّ. ولو قيل: لأفعلنّ وأحلّ لنا، لجاز.

__________________

(١) مجمع البيان ٣: ١٥٩.

(٢) البقرة: ١٧٣، الأنعام: ١٤٥.


( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) وهو كلّ ما لم يأت تحريمه في الكتاب والسنّة( وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ) عطف على الطيّبات إن جعلت «ما» موصولة على تقدير: وصيد ما علّمتم، وجملة شرطيّة إن جعلت شرطا، وجوابها «فكلوا».

والجوارح كواسب الصيد على أهلها من سباع الطير والبهائم، فحذف لدلالة قوله: «ممّا أمسكن» عليه، ولأنّه جواب عن سؤال السائل عن الصيد.

وقيل: الجوارح الكلاب فقط. وهذا منقول عن ابن عمر والضحّاك والسدّي.

وهو المرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام ، فإنّهم قالوا: هي الكلاب المعلّمة خاصّة، أحلّه الله تعالى إذا أدركه صاحبه وقد قتلته، لقوله:( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ. )

وروي: «كلّ شيء من السباع تمسك الصيد على نفسها إلّا الكلاب المعلّمة، فإنّها تمسك على صاحبها».

وقال: «إذا أرسلت الكلب المعلّم، فاذكر اسم الله عليه، فهو ذكاته، وهو أن تقول: بسم الله والله أكبر».

وعند فقهائنا مطلق الذكر كاف. وعند الجمهور من الفقهاء أنّ الجوارح بمعنى الكواسب مطلقا، أعمّ من أن يكون من سباع الطير والبهائم. والصحيح ما قال الأئمّة المعصومونعليهم‌السلام ، فإنّ الحقّ معهم حيث داروا، لا مع غيرهم.

وروى عليّ بن إبراهيم(١) في تفسيره بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب؟ فقال: لا تأكل إلّا ما ذكّيت إلّا الكلاب. قلت: فإن قتله؟ قال: كل، فإنّ الله يقول:( وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ) .

( مُكَلِّبِينَ ) مؤدّبين إيّاه الصيد ومضرّيه(٢) به. مشتقّ من الكلب. وانتصابه على الحال من «علّمتم». وفيه دلالة على أنّه لا يكون التعليم إلّا للكلب. والكلب

__________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ١٦٢.

(٢) ضرّى الكلب بالصيد: عوّده إيّاه وأغراه به.


وإن أطلق على كلّ سبع، لقولهعليه‌السلام : «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك»(١) لكنّه حقيقة في هذا المعهود، فيكون الاشتقاق منه، فيكون مقيّدا مخصّصا لمطلق الجوارح. ولذلك قسّم أصحابنا صيد الجوارح إلى قسمين: ما أدرك ذكاته فلا يحلّ إلّا بالتذكية مطلقا، وما لم يدرك ذكاته إن كان مقتول الكلب فهو حلال، وإلّا فهو حرام، صيد أيّ الجوارح كان، كما نقل عن الباقر والصادقعليهما‌السلام .

ويؤيّد ما قلناه ما روي أنّ جبرئيل نزل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوقف بالباب فاستأذن، فأذن له فلم يدخل، فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه وقال: قد أذنّا لك. فقالعليه‌السلام : إنّا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم كلب، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا أدع كلبا بالمدينة إلّا قتلته، فهربت الكلاب حتى بلغت العوالي. فلمّا نزلت الآية قالوا: يا رسول الله كيف نصيد بها وقد أمرت بقتلها؟ فسكت رسول الله، فجاءه الوحي بالإذن في اقتناء الكلاب الّتي ينتفع بها. فاستثنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث، وأذن باتّخاذها.

( تُعَلِّمُونَهُنَ ) حال ثانية أو استئناف( مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ ) من علم التكليف.

وفيه دلالة على كون التعليم أمرا مستفادا كيفيّته من الشارع، فقال أصحابنا نقلا عن أئمّتهم أنّ التعليم يحصل بأمور، ألف: الاسترسال إذا أغري. بـ: الانزجار إذا زجر.

ج: أن لا يعتاد أكل الصيد. د: الاستمرار على ذلك غالبا، ولا اعتبار بالندرة نفيا وإثباتا.

( فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ) وهو ما لم تأكل منه، لقولهعليه‌السلام لعديّ بن حاتم: «إن أكل منه فلا تأكل، إنّما أمسك على نفسه».

وإليه ذهب أكثر أصحابنا والفقهاء.

( وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ ) الضمير لـ «ما علّمتم». والمعنى: سمّوا عليه عند إرساله. أو لـما أمسكن، بمعنى: سمّوا عليه إذا أدركتم ذكاته.( وَاتَّقُوا اللهَ ) في محرّماته، ولا تقربوا ما نهاكم عنه( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) فيؤاخذكم بما جلّ ودقّ.

__________________

(١) في الكشّاف ١: ٦٠٦، قال بعد نقل الحديث: فأكله الأسد. ومعه يتمّ الاستشهاد بالحديث.


( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) )

ثمّ بيّن سبحانه ما يحلّ من الأطعمة والأنكحة إتماما لـما تقدّم، فقال:( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ) هي تقع على كلّ مستطاب من الأطعمة، إلّا ما دلّ الشرع على تحريمه( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ) قيل: هو ذبائحهم. وهو مذهب العامّة وقليل منّا. وقال الصادقعليه‌السلام : مختصّ بالحبوب وما لا يحتاج إلى التذكية.

وعليه أكثر علمائنا الإماميّة.( وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) فلا جناح عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم، ولو حرم عليهم لم يجز ذلك.

( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ ) أي: الحرائر أو العفائف. وإنّما خصّهنّ بعثا للمؤمنين على أن يتخيّروا لنطفهم، وإلّا فغير العفائف يصحّ نكاحهنّ. وكذلك الإماء المسلمات.

( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) قال أصحابنا: هنّ اللواتي أسلمن منهنّ، وذلك أنّ قوما كانوا يتحرّجون من العقد على من أسلمت من كفر، فلذلك أفردن بالذكر. واحتجّوا بقوله:( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) (١) ، وقوله :

__________________

(١) الممتحنة: ١٠.


( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) (١) .( إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ ) مهورهنّ. وتقييد الحلّ بإيتائها لتأكيد وجوبها، والحثّ على ما هو الأولى.( مُحْصِنِينَ ) أعفّاء بالنكاح( غَيْرَ مُسافِحِينَ ) غير مجاهرين بالزنا( وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ ) مسرّين به.

والخدن: الصديق، يقع على الذكر والأنثى.

( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) يريد بالإيمان شرائع الإسلام، وبالكفر به إنكاره والامتناع عنه. وفيه دلالة على أنّ حبوط العمل لا يترتّب على الثواب، فإنّ الكافر ليس له عمل عليه ثواب.( وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أي: الهالكين.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) )

ولـمّا تقدّم الأمر بالوفاء بالعقود، ومن جملتها إقامة الصلاة، ومن شرائطها الطهارة، بيّن سبحانه ذلك بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) أي: إذا

__________________

(١) البقرة: ٢٢١.


أردتم القيام، كقوله:( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) (١) . عبّر عن إرادة الفعل بالفعل المسبّب عنها، للإيجاز، والتنبيه على أنّ من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفكّ الفعل عن الإرادة. أو إذا قصدتم الصلاة، لأنّ التوجّه إلى الشيء والقيام إليه قصد له.

وظاهر الآية يوجب الوضوء على كلّ قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثا، والإجماع على خلافه، لـما روي: «أنّه صلّى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح، فقال عمر: صنعت شيئا لم تكن تصنعه! فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عمدا فعلته».

فقيل: مطلق أريد به التقييد. والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين.

وقيل: كان في بدء الإسلام يجب الوضوء لكلّ صلاة، فنسخ.

وهو ضعيف، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها».

( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) أمرّوا الماء عليها. ولا حاجة إلى الدلك، خلافا لمالك. وحدّ الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، وما دخل بين الوسطى والإبهام عرضا، حقيقة أو حكما. وهو المرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام . ولا يجب إيصال الماء إلى تحت الشعور، لعدم صدق الوجه على ما تحتها، فإنّ الوجه عبارة عمّا يتواجه عند التخاطب ويتراءى.

ووجه تخصيص هذا الخطاب بالمؤمنين، مع أنّ الكفّار أيضا مكلّفون بالفروع على المذهب الحقّ، أنّ المؤمنين هم المتهيّؤن للامتثال المنتفعون بالأعمال.

( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) جمع مرفق، وهو المكان الّذي يرتفق به، أي: يتّكأ عليه من اليد. أجمعت الأمّة على أنّ من بدأ في غسل اليدين من المرفقين صحّ وضوءه، واختلفوا في صحّة وضوء من بدأ من الأصابع إلى المرفق. وأصحابنا

__________________

(١) النحل: ٩٨.


متّفقون على وجوب دخول المرفقين في المغسول والابتداء بهما. واختلفوا في «إلى»، فبعضهم يجعلونها بمعنى «مع»، كقوله:( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ) (١) وقوله:( مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ ) (٢) ، أو يجعلونها متعلّقة بمحذوف، تقديره: وأيديكم مضافة إلى المرافق، فيدخل المرفق ضرورة. وبعضهم قائلون إنّها على حقيقتها، وهو انتهاء الغاية، فيدخل المرفق أيضا، لأنّه لـمّا لم يتميّز الغاية عن ذي الغاية بمحسوس وجب دخولها.

قال في كنز العرفان: «والحقّ أنّها للغاية، ولا تقتضي دخول ما بعدها فيما قبلها ولا خروجه، لوروده معهما. أمّا الدخول فكقولك: حفظت القرآن من أوّله إلى آخره، ومنه:( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) (٣) . وأمّا الخروج فك( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (٤) و( فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ) (٥) . وحينئذ لا دلالة على دخول المرفق». وكذا لا دلالة له على الابتداء بالمرفق ولا بالأصابع، لأنّ الغاية قد تكون للغسل، وقد تكون للمغسول، وهو المراد هاهنا، بل كلّ من الابتداء والدخول مستفاد من بيان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه توضّأ وابتدأ بأعلى الوجه وبالمرفقين وأدخلهما، على ما وردت الأخبار الصحيحة عن أئمّتنا المعصومينعليهم‌السلام ، وإلّا لكان خلاف ذلك هو المتعيّن، لأنّه قال: هذا وضوء لا يتقبّل الله الصلاة إلّا به، أي: بمثله، وحينئذ فلا يكون الابتداء بالأعلى وبالمرفقين ودخولهما مجزيا، بل يكون بدعة، لكن الإجماع على خلافه»(٦) . وفيه ما فيه.

__________________

(١) هود: ٥٢.

(٢) آل عمران: ٥٢، الصفّ: ١٤.

(٣) الإسراء: ١.

(٤) البقرة: ١٨٧.

(٥) البقرة: ٢٨٠.

(٦) كنز العرفان ١: ٩ ـ ١٠.


( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) الباء للتبعيض، لأنّه الفارق بين قولك: مسحت المنديل، ومسحت بالمنديل. وقيل: زائدة، لأنّ المسح متعدّ بنفسه، ولذلك أنكر أهل العربيّة إفادة التبعيض. والتحقيق أنّها تدلّ على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنّه قال: ألصقوا المسح برؤسكم، وذلك لا يقتضي الاستيعاب ولا عدمه، بخلاف «امسحوا رؤوسكم» فإنّه كقوله: «فاغسلوا وجوهكم».

ثمّ اختلف في القدر الواجب مسحه، فقال أصحابنا: أقلّ ما يقع عليه الاسم أخذا بالمتيقّن، ولنصّ أئمّتهمعليهم‌السلام ، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: ربع الرأس، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. وهو غلط. ومالك مسح الجميع.

والمسح عندنا مختصّ بالمقدّم، لوقوع ذلك في البيان، فيكون ذلك متعيّنا، ولأنّه يجزي بالإجماع، لأنّ جميع الفقهاء قالوا بالتخيير أيّ موضع شاء.

والحقّ أنّه لا يجب الابتداء بالأعلى، لإطلاق المسح، ولقول أحدهماعليهما‌السلام : «لا بأس بالمسح مقبلا ومدبرا».

وأنّه لا يتقدّر بثلاثة أصابع، لـما بيّنّا من الإطلاق، ولقول الباقرعليه‌السلام : «إذا مسحت بشيء من رأسك، أو بشيء من قدميك، ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع، فقد أجزأك».

نعم، المسح بثلاث أصابع أفضل.

( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بالنصب عطفا على محلّ «برؤوسكم» إذ الجارّ والمجرور محلّه النصب على المفعوليّة، كقولهم: مررت بزيد وعمرا. وقرئ: «تنبت بالدهن وصبغا للآكلين»(١) . وكقول الشاعر :

معاوي إنّنا بشر فأسجح

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

وقرأ الباقون بالجرّ عطفا على رؤسكم. وهو ظاهر. فالقراءتان دالّتان على معنى واحد، وهو وجوب المسح كما هو مذهب أصحابنا الإماميّة. ويؤيّده ما رووه

__________________

(١) المؤمنون: ٢٠.


عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه توضّأ ومسح على قدميه ونعليه. ومثله عن عليّعليه‌السلام وابن عبّاس.

وأيضا عن ابن عبّاس أنّه وصف وضوء رسول الله فمسح على رجليه.

وإجماع أئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم على ذلك.

قال الصادقعليه‌السلام : «يأتي على الرجل الستّون والسبعون ما قبل الله منه صلاة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنّه يغسل ما أمر الله بمسحه».

وغير ذلك من الأخبار. وقال ابن عبّاس وقد سئل عن الوضوء فقال: غسلتان ومسحتان.

وقال الفقهاء الأربعة بوجوب الغسل، محتجّين بقراءة النصب عطفا على «وجوهكم»، أو أنّه منصوب بفعل مقدّر، أي: واغسلوا أرجلكم، كقوله: علفتها تبنا وماء باردا أراد: سقيتها، وقوله: متقلّدا سيفا ورمحا، أي: معتقلا(١) رمحا.

وأمّا قراءة الجرّ فبالمجاورة، كقوله تعالى:( عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) (٢) بجرّ «أليم»، وقراءة حمزة:( وَحُورٌ عِينٌ ) (٣) ، فإنّه ليس معطوفا على قوله:( وَلَحْمِ طَيْرٍ ) وما قبله، وإلّا لكان تقديره: يطوف عليهم ولدان مخلّدون بحور عين، لكنّه غير مراد، بل هم الطائفون لا المطوف بهم، فيكون جرّه على مجاورة «لحم طير».

والجواب عن الأوّل بأنّ العطف على «وجوهكم» حينئذ مستهجن، إذ لا يقال: ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا، ويجعل «بكرا» عطفا على زيد وعمرو المضروبين، على أنّه إذا وجد فيه عاملان عطف على الأقرب منهما، كما هو مذهب البصريّين. وشواهده مشهورة، خصوصا مع عدم المانع، كما في المسألة، فإنّ العطف على الرؤوس لا مانع منه لغة ولا شرعا.

وأمّا النصب بفعل مقدّر، فإنّه إنّما نضطرّ إلى تقديره إذا لم يمكن حمله على

__________________

(١) اعتقل الرمح: وضعه بين ركابه وساقه.

(٢) هود: ٢٦.

(٣) الواقعة: ٢٢.


اللفظ المذكور كما مثّلتم، وأمّا هاهنا فلا، لـما قلنا من العطف على المحلّ.

وعن الثاني بأنّ إعراب المجاورة ضعيف جدّا، لا يليق بكتاب الله، وقد أنكره أكثر أهل العربيّة. مع أنّه إنّما يجوز بشرطين: الأوّل: عدم الالتباس، كقولهم: حجر ضبّ خرب. والثاني: أن لا يكون معه حرف عطف، وهنا حرف عطف. وأيضا الروايات المذكورة حجّة عليهم.

والكعبان عندنا هما العظمان الناتئان في ظهر القدمين عند معقد الشراك(١) .

وقال بعض المفسّرين والفقهاء: الكعبان هما عظما الساقين. ولو كان كما قالوا لقال سبحانه: وأرجلكم إلى الكعاب، ولم يقل: إلى الكعبين، لأنّ على ذلك القول يكون في كلّ رجل كعبان.

( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً ) عند القيام إلى الصلاة( فَاطَّهَّرُوا ) أي: فاغتسلوا( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) من وجه الأرض. و «من» لابتداء الغاية، ولا يلزم منه وجوب علوق التراب باليد، كما هو مذهب بعض العامّة وقليل من أصحابنا. وقد سبق تفسير ذلك، ولعلّ تكريره ليتّصل الكلام في بيان أنواع الطهارة.

( ما يُرِيدُ اللهُ ) بما فرض عليكم من الوضوء وقت قيامكم إلى الصلاة، ومن الغسل من الجنابة، ومن التيمّم عند عدم الماء أو تعذّر استعماله( لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) ليلزمكم في دينكم من ضيق( وَلكِنْ يُرِيدُ ) بما فرض عليكم( لِيُطَهِّرَكُمْ ) لينظّف أجسادكم عن النجاسة الحكميّة، أو ليطهّركم عن الذنوب، فإنّ الوضوء والغسل والتيمّم تكفير للذنوب، أو ليطهّركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء.

ويمكن أن يكون المراد طهارة القلب عن صفة التمرّد عن طاعة الله، لأنّ الأمر

__________________

(١) الشراك: سير النعل على ظهر القدم.


بالتطهير يجعل العبد في مظنّة التمرّد، فإنّه غير معقول المعنى، فإذا انقاد وتعبّد به زال عن قلبه آثار التمرّد.

( وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) ليتمّ بشرعه ما هو مطهّرة لأبدانكم ومكفّرة لذنوبكم نعمته عليكم في الدين( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) لتشكروا على تلك النعمة.

والآية مشتملة على سبعة أمور كلّها مثنى: طهارتان أصل وبدل. والأصل اثنان: مستوعب وغير مستوعب. وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح.

وباعتبار المحلّ محدود، وهو غسل الأعضاء الثلاثة، وغير محدود، وهو المسح.

وأنّ آلتهما مائع وجامد. وموجبهما حدث أصغر وأكبر. وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض، أو سفر. وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة. وأحكام الوضوء والغسل والتيمّم ومسائلها المتفرّعة منها كثيرة موضعها الكتب المدوّنة في الفقه.

( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) )

لـمّا قدّم سبحانه ذكر بيان الشرائع، عقّبه بتذكير نعمه، فقال:( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) أي: نعمة الإسلام لتذكّركم المنعم، وترغّبكم في شكره( وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ ) عاقدكم به عقدا وثيقا( إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ) أي: الميثاق الّذي أخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين بايعتموه على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره، أو ميثاق ليلة العقبة، أو بيعة الرضوان.

وروى أبو الجارود عن الباقرعليه‌السلام : «هو الميثاق الّذي بيّن لهم في حجّة الوداع، من تحريم المحرّمات وفرض ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وغير ذلك».

( وَاتَّقُوا اللهَ ) في إنساء هذه النعمة ونقض ميثاقه( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ


الصُّدُورِ ) أي: بما تضمروه في صدوركم من الأمور الخفيّة، فضلا عن جليّات أعمالكم. والمراد بالصدور هاهنا القلوب، لأنّ موضع القلب الصدر.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) )

ولـمّا ذكر سبحانه الوفاء بالعهود، بيّن أنّ ممّا يلزم الوفاء به قيامكم بالحقّ، ومراعاتكم العدالة في أداء الشهادة وترك العدوان بها، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ) أي: ليكن من عادتكم القيام لله بالحقّ في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابتغاء مرضاة الله، وامتثالا لأمره( شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ) بالعدل بين الناس، سواء كانت شهادتكم عليهم أو لهم.

( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ) عدّاه بـ «على» لتضمّنه معنى الحمل. والمعنى: لا يحملنّكم شدّة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحلّ لكم، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد، تشفّيا ممّا في قلوبكم من الضغائن.( اعْدِلُوا هُوَ ) أي: العدل( أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) . صرّح لهم بالأمر بالعدل، وبيّن أنّه بمكان من التقوى، بعد ما نهاهم عن الجور، وبيّن أنّه مقتضى الهوى. وإذا كان مراعاة العدل مع الكفّار لازمة لكم، فما ظنّكم بالعدل مع المؤمنين؟!( وَاتَّقُوا اللهَ ) بفعل الطاعات واجتناب السيّئات( إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ ) عالم( بِما تَعْمَلُونَ ) فيجازيكم عليه. وتكرير هذا الحكم إمّا لاختلاف السبب، كما قيل: إنّ


الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، أو لمزيد الاهتمام بالعدل، والمبالغة في إطفاء نائرة الغيظ.

( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) )

ثمَّ قال وعدا للمؤمنين العادلين، ووعيدا للمشركين العادين:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) إنما حذف ثاني مفعولي «وعد» استغناء بقوله:( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) ، فإنّه استئناف يبيّنه، كأنّه قيل: أيّ وعد للمؤمنين؟ فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم. وقيل: الجملة في موضع المفعول، فإنّ الوعد ضرب من القول، فكأنّه قال: وعدهم هذا القول.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) هذا من عادته تعالى أن يتبع حال أحد الفريقين حال الآخر، وفاء بحقّ الدعوة. وفيه مزيد وعد للمؤمنين، وتطييب لقلوبهم.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) )

ثمّ ذكر نعمة اخرى على المؤمنين، وهي دفع الأعداء عنهم، ليقيموا على الشكر عليه، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ) أي: قصدوا( أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ) بالقتل والإهلاك، يقال: بسط إليه يده إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه( فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) منعها أن تمدّ إليكم، وردّ


مضرّتها عنكم( وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) فإنّه الكافي لإيصال الخير ودفع الشرّ.

واختلف المفسّرون في الّذين بسطوا الأيدي إلى المؤمنين، فقال بعضهم: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا أتى بني النضير مع جماعة من أصحابه يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أميّة الضمري خطأ يحسبهما مشركين، فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك. فأجلسوه وهمّوا بقتله، فعمد عمر بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده، فنزل جبرئيل فأخبره، فخرج من بينهم. وهذا قول مجاهد وقتادة. وعليه أكثر المفسّرين.

وقيل: إنّ المشركين لـمّا رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه بعسفان قاموا إلى الظهر معا، فلمّا صلّوا ندموا ألّا كانوا أكبّوا عليهم، وهمّوا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردّ الله تعالى كيدهم بأن أنزل صلاة الخوف، فنزلت هذه الآية.

وروي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وقعة بدر نزل منزلا وعلّق سلاحه بشجرة، وتفرّق الناس عنه. فبعث قريش رجلا اسمه عمرو بن وهب الجمحي ليغتاله، فجاءه فسلّ سيفه فقال: من يمنعك منّي؟ فقال: الله تعالى. فأسقط جبرئيل من يده السيف وأخذه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: من يمنعك منّي؟ فقال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فنزلت.

وقال الواقدي: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزا جمعا من بني ذبيان، فتحصّنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث يراهم، فذهب لحاجته فأصابه مطر، فبلّ ثوبه فنشره على شجرة، واضطجع تحته والأعراب ينظرون إليه، فجاءه سيّدهم دعثور بن الحارث، حتّى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك منّي اليوم؟ فقال: الله، وضرب جبرئيل في صدره، ووقع السيف من يده، فأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقام على رأسه وقال: من يمنعك اليوم منّي؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فنزلت الآية.


وعلى هذا فيكون تخليص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا همّوا به نعمة على المؤمنين، من حيث إنّ مقامه بينهم نعمة عليهم.

( وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) )

ولـمّا بيّن الله تعالى خيانة الكفّار وهمّهم بقتله، وأنّه دفع عنه شرّهم، عقّبه بذكر أحوال اليهود وخبث سرائرهم، وقبح عادتهم في خيانة الرسول، تسلية لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما همّوا به، فقال:( وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) بعد هلاك فرعون بمصر، بأن يصيروا إلى أريحا ليقاتلوا الجبابرة( وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) شاهدا من كلّ سبط، ينقّب عن أحوال قومه، ويفتّش عنها، أو كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به.

روي أنّ بني إسرائيل لـمّا فرغوا عن فرعون، واستقرّوا بمصر، أمرهم الله


تعالى بالمسير إلى أريحا من أرض الشام، وكان يسكنها الكنعانيّون الجبابرة، ومنهم عوج بن عنق، وقال: إنّي كتبتها لكم دارا قرارا، فاخرجوا إليها، وجاهدوا من فيها، فإنّي ناصركم، وأمر الله موسىعليه‌السلام بأن يأخذ من كلّ سبط كفيلا عليهم بالوفاء بما أمروا به، فأخذ عليهم الميثاق، واختار منهم النقباء وسار بهم، فلمّا دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسّسون الأخبار، ونهاهم أن يحدّثوا قومهم ما رأوا من عظم جثث الجبّارين وجسامة هياكلهم وشدّة بطشهم، لئلّا يجبنوا ويتباعدوا عن جهادهم، فلمّا رأوا أجراما عظيمة وبأسا شديدا هابوا، فرجعوا وحدّثوا قومهم ما رأوا من الجبّارين، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع ابن نون من سبط أفرائيم بن يوسف، وكانا من النقباء. وقيل: كتم خمسة، وأظهر الباقون.

( وَقالَ اللهُ ) بوساطة موسى( إِنِّي مَعَكُمْ ) بالنصرة والإعانة( لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ) أي: نصرتموهم وقوّيتموهم ومنعتموهم من أيدي العدوّ. وأصله الذبّ، ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد،( وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) أي: أنفقتم في سبيل الله نفقة حسنة يجازيكم بها، فكأنّه قرض من هذا الوجه. و «قرضا» يحتمل المصدر والمفعول.

وقيل: معنى الآية: لقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والعدل، وبعثنا منهم اثني عشر ملكا يقيمون فيهم العدل. واللام موطّئة للقسم.

( لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) جواب للقسم المدلول عليه باللام في «لئن» سادّ مسدّ جواب الشرط والقسم جميعا( وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ ) بعد ذلك الشرط المؤكّد المعلّق به هذا الوعد العظيم( مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ) ضلالا لا شبهة فيه، وزال عن قصد الطريق الواضح، لأنّ النعمة كلّما عظمت وزادت كثرت المذمّة في كفرانها وتمادت، بخلاف من كفر قبل ذلك، إذ قد يمكن أن تكون له شبهة، ويتوهّم له معذرة.


( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ) أبعدناهم من رحمتنا، أو مسخناهم، أو ضربنا عليهم الجزية( وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ) خذلناهم، ومنعناهم التوفيق واللطف والذي تنشرح به صدورهم، حتى ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، حتى قست قلوبهم، فلا تنفعل عن الآيات. والقسوة خلاف اللين والرقّة. وقرأ حمزة والكسائي: قسيّة، وهي إمّا مبالغة قاسية، أو بمعنى رديئة مغشوشة، من قولهم: درهم قسي، إذا كان مغشوشا. وهو أيضا من القسوة، فإنّ المغشوش فيه يبس وصلابة.

ثمّ استأنف لبيان قسوة قلوبهم بقوله:( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ) فإنّه لا قسوة أشدّ من تغيير كلام الله والافتراء عليه. ويجوز أن يكون حالا من مفعول «لعنّاهم» لا من القلوب، إذ لا ضمير له فيه( وَنَسُوا حَظًّا ) وتركوا نصيبا وافيا( مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) من التوراة، أو من اتّباع محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والمعنى: أنّهم حرّفوا التوراة، وتركوا حظّهم ممّا أنزل عليهم، فلم ينالوه.

وقيل: معناه: وضيّعوا ما ذكّرهم الله به في كتابهم ممّا فيه رشدهم، وتركوا تلاوته، فنسوه على مرّ الأيّام.

وقيل: معناه: أنّهم لـمّا حرّفوها فزلّت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم، لـما روي أنّ ابن مسعود قال: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية، وتلا هذه الآية.

( وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ) أي: خيانة، أو فرقة خائنة، أو خائن، والتاء للمبالغة. والمعنى: أنّ الخيانة والغدر من عادتهم وعادة آبائهم السالفة، لا تزال ترى ذلك منهم.( إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ ) لم يخونوا، وهم الّذين آمنوا منهم. وقيل: استثناء من قوله:( وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ) .

( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ) ما داموا على عهدك، ولم يخونوك. عنى بهم القليل الّذي استثناه منهم. أو إن تابوا وآمنوا، أو عاهدوا والتزموا الجزية. وقيل: مطلق


نسخ بآية(١) السيف.( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) تعليل للأمر بالصفح، وحثّ عليه، وتنبيه على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان، فضلا عن العفو عن غيره.

( وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) )

ثمّ بيّن سبحانه حال النصارى في نقضهم ميثاق عيسى، كما بيّن حال اليهود في نقضهم ميثاق موسى، فقال:( وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ) أي: أخذنا من النصارى ميثاقهم بالتوحيد، والإقرار بنبوّة المسيح وجميع الأنبياء، وأنّهم كلّهم عبيد الله، كما أخذنا ممّن قبلهم. وقيل: تقديره: ومن الّذين قالوا إنّا نصارى قوم أخذنا. وإنّما قال: قالوا إنّا نصارى، ليدلّ على أنّهم سمّوا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى.

( فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا ) فألزمنا، من: غري بالشيء إذا لصق به( بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ) أي: بين فرق النصارى، وهم: نسطوريّة، ويعقوبيّة، وملكانيّة. وذلك أنّ النسطوريّة قالت: إنّ عيسى ابن الله. واليعقوبيّة قالت: إنّ الله هو المسيح بن مريم. والملكانيّة ـ وهم أهل الروم ـ قالوا: إنّ الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم. أو بينهم وبين اليهود.( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي: المعاداة تبقى بينهم إلى يوم القيامة، إمّا بين فرق النصارى، وإمّا بين اليهود والنصارى.

والمعنى: أنّا أخطرنا على بال كلّ منهم ما يوجب الوحشة والنفرة عن

__________________

(١) التوبة: ٢٩.


صاحبه، وما يهيج العصبيّة والعداوة، عقوبة لهم على تركهم الميثاق، أو خذلانا وتخلية.

( وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) بالجزاء والعقاب في الدنيا والآخرة.

( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) )

ولـمّا ذكر سبحانه أنّ اليهود والنصارى نقضوا العهود، وتركوا ما أمروا به، عقّب ذلك بدعائهم إلى الإيمان بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذكّرهم ما أتاهم من أسرار كتبهم حجّة عليهم، فقال خطابا لليهود والنصارى:( يا أَهْلَ الْكِتابِ ) يعني: اليهود والنصارى. ووحّد الكتاب لأنّه للجنس.( قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا ) يعني: محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ) كنعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في التوراة والإنجيل، وآية الرجم في التوراة، وأشياء كانوا يحرّفونها، وبشارة عيسى بأحمد في الإنجيل( وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) ممّا تخفونه، لا يخبر به إذا لم يضطرّ إليه أمر دينيّ. أو عن كثير منكم، فلا يؤاخذه بجرمه.( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ) يعني: القرآن، فإنّه الكاشف لظلمات الشكّ والضلال، والكتاب الواضح الإعجاز. أو الّذي يبيّن ما كان خافيا على الناس من الحقّ. وقيل: يريد بالنور محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يهتدي به الخلق كما


يهتدى بالنور.

( يَهْدِي بِهِ اللهُ ) وحّد الضمير لأنّ المراد بهما واحد، أو لأنّهما كواحد في الحكم( مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ ) رضاه بالإيمان( سُبُلَ السَّلامِ ) طرق السلامة والنجاة من العذاب، أو سبل الله، لأنّ السلام اسم من أسماء الله، وهي شرائع الإسلام( وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ ) من أنواع الكفر( إِلَى النُّورِ ) إلى الإسلام( بِإِذْنِهِ ) بلطفه وتوفيقه( وَيَهْدِيهِمْ ) ويرشدهم( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) طريق هو أقرب الطرق إلى الله، ومؤدّ إليه، وهو طريق الإسلام، فإنّه يوصل إلى الجنّة لا محالة.

( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) )

ثمّ حكى سبحانه عن النصارى ما قالوه في المسيح، فقال:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) هم الّذين قالوا بالاتّحاد منهم. وقيل: لم يصرّح به أحد منهم، ولكن لـمّا زعموا أنّ فيه لاهوتا يخلق ويحيي ويميت ويدبّر أمر العالم، ومع ذلك قالوا: لا إله إلّا الله، لزمهم أن يكون هو المسيح، فنسب إليهم لازم قولهم، توضيحا لجهلهم، وتفضيحا لمعتقدهم.

( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) فمن يمنع من قدرته وإرادته شيئا( إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) عطف «من في الأرض» على


المسيح وأمّه، ليدلّ على أنّهما من جنسهم، لا تفاوت في البشريّة بينهما وبينهم.

فاحتجّ الله تعالى في هذا القول على فساد قولهم، بأنّ المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهيّة.

ثمّ أزاح ما عرض لهم من الشبهة في أمره، بأنّه خلق من غير أب، فقال:( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) والمعنى: أنّه تعالى قادر على الإطلاق، يخلق من غير أصل، كما خلق السموات والأرض، ومن أصل، كخلق ما بينهما، فينشئ من أصل ليس من جنسه، كآدمعليه‌السلام وكثير من الحيوانات، ومن أصل يجانسه، إمّا من ذكر وحده كما خلق حوّاء، أو من أنثى وحدها كعيسى، أو منهما كسائر الناس.

( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) )

ثمّ حكى الله سبحانه عن الفريقين من أهل الكتاب، فقال:( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أي: أشياع ابنيه عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبي خبيب ـ وهو عبد الله بن الزبير ـ: الخبيبون. أو المقرّبون عنده قرب الأولاد من والدهم. وقد سبق(١) مثل ذلك في سورة آل عمران.

( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ) أي: فإن صحّ ما زعمتم أنّكم أبناء الله وأحبّاؤه فلم تذنبون؟ فتعذّبون بذنوبكم فتمسخون، فإنّ من كان بهذا المنصب لا يفعل ما

__________________

(١) في ج ١: ٤٩٢.


يوجب تعذيبه. ولأنّ الأب يشفق على ولده، والحبيب على حبيبه، فلا يعذّبه، وقد عذّبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، واعترفتم بأنّه سيعذّبكم بالنار أيّاما معدودة، فليس الأمر كما قلتم.

( بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) ممّن خلقه الله( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) وهم من آمن به وبرسله( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) وهم من كفر. والمعنى: أنّه تعالى يعاملكم معاملة سائر الناس، لا مزيّة لكم عنده.

( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) كلّها سواء في كونها خلقا وملكا له( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) أي: يؤول إليه أمر العباد، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) )

ثمّ عاد إلى خطاب أهل الكتاب وحجاجهم، وإلزامهم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ ) أي: الدين وأحكامه الشرعيّة، وحذف لظهوره. أو ما كنتم تخفونه، وحذف لتقدّم ذكره. ويمكن أن لا يقدّر مفعول، على معنى: يبذل لكم البيان على الإطلاق. والجملة في موضع الحال، أي: جاءكم رسولنا مبيّنا لكم( عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) متعلّق بـ «جاءكم» أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي( أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ) كراهة أن تقولوا: ما جاءنا من رسول بشير بالثواب ونذير بالعقاب، وتعتذروا بهذا


القول( فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) متعلّق بمحذوف، أي: لا تعتذروا بـ «ما جاءنا» فقد جاءكم.

( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيقدر على إرسال الرسل متعاقبة، كما فعل بين موسى وعيسى، إذ كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبيّ، وعلى الإرسال على فترة، كما فعل بين عيسى ومحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان بينهما ستّمائة أو خمسمائة(١) وتسع وستّون سنة وأربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب، وهو خالد بن سنان العيسي. وفي الآية امتنان عليهم بإرسال الرسول إليهم بعد اندراس آثار الوحي، وكانوا أحوج ما يكونون إليه.

( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) )

ثمّ ذكر سبحانه صنيع اليهود في المخالفة لنبيّهمعليه‌السلام ، تسلية لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مخادعتهم إيّاه، فقال:( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) واذكر يا محمد إذ قال موسى لهم:( يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) وآلاءه فيكم( إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ) فأرشدكم وشرّفكم بهم، ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وذلك من نعم الله عليهم، وآلائه لديهم.

( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) أي: وجعل منكم أو فيكم. وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون، فقتلوا يحيى، وهمّوا بقتل عيسى. وقيل: إنّهم لـمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط، فأنقذهم الله تعالى، وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم، سمّاهم

__________________

(١) هذا الرقم للفترة بين ميلاد عيسىعليه‌السلام والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي: كان بين ميلادهما خمسمائة وتسع وستّون سنة.


ملوكا. وقيل: الملك من له مسكن واسع، فيه ماء جار. وقيل: من له بيت وخدم.

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمّل المشاقّ.

( وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام. وقيل: أراد عالمي زمانهم.

( يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٦) )

ثمّ كلّفهم سبحانه دخول الأرض المقدّسة بعد ذكر النعم، فقال: قال موسى لهم:( يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ) أرض بيت المقدس، سمّيت بذلك لأنّها كانت قرار الأنبياءعليهم‌السلام ومسكن المؤمنين. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: دمشق


وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: الشام.( الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) أي: قسّمها لكم، أو كتب في اللوح المحفوظ أنّها تكون مسكنا لكم، ولكن إن آمنتم وأطعتم، لقوله لهم بعد ما عصوا:( فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) (١) .

( وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ ) ولا ترجعوا مدبرين خوفا من الجبابرة. قيل: لـمّا سمعوا حالهم من النقباء بكوا وقالوا: ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. أو لا ترتدّوا عن دينكم بعصيانكم نبيّكم ومخالفتكم أمر ربّكم.( فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) ثواب الدنيا والآخرة. ويجوز في «فتنقلبوا» الجزم على العطف، والنصب على الجواب.

( قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ ) متغلّبين لا تتأتّى مقاومتهم. والجبّار فعّال من: جبره على الأمر بمعنى: أجبره، وهو العاتي الّذي يجبر الناس على ما يريد.

قال ابن عبّاس: لـمّا بعث من قومه اثني عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبّارين يقال له عوج، فأخذهم في كمّه مع فاكهة كان حملها من بستانه، وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه، وقال الملك تعجّبا منهم: هؤلاء يريدون قتالنا! فقال الملك ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا. قال مجاهد: وكان فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب، ويدخل في قشر نصف رمّانة خمسة رجال، وإنّ موسى كان طوله عشرة أذرع، وله عصا كان طولها عشرة أذرع، ونزا(٢) من الأرض مثل ذلك، فبلغ كعب عوج بن عناق فقتله. وقيل: كان طول سريره ثمانمائة ذراع.

( وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ) إذ لا طاقة

__________________

(١) المائدة: ٢٦.

(٢) نزا ينزو، أي: وثب.


لنا بهم.

( قالَ رَجُلانِ ) كالب ويوشع( مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ) أي: من الّذين يخافون الله تعالى ويتّقونه. وقيل: كانا رجلين من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى واتّبعاه حين بلغهما خبره. وعلى هذا، الواو(١) لبني إسرائيل، والراجع إلى الموصول محذوف، أي: من الّذين يخافهم بنو إسرائيل.( أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) بالإيمان والتثبيت. وهو صفة ثانية لـ «رجلان» أو اعتراض.( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ ) باب قريتهم، أي :باغتوهم وضاغطوهم في المضيق، وامنعوهم من الإصحار( فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ) لتعسّر الكرّ عليهم في المضايق من عظم أجسامهم، ولأنّهم أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم. ويجوز أن يكون علمهما بذلك من إخبار موسىعليه‌السلام وقوله:( كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) ، أو ممّا علما من عادته تعالى في نصرة رسله، وما عهدا من صنعه تعالى لموسىعليه‌السلام في قهر أعدائه.( وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي: مؤمنين به، ومصدّقين بوعده.

( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ) نفوا دخولهم في المستقبل مدى الدهر المتطاول على التأكيد والتأييد( ما دامُوا فِيها ) بدل من «أبدا» بدل البعض، أو بيان للأبد( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) قالوا ذلك على وجه الاستهانة منهم بالله ورسوله، وعدم مبالاة بهما، أو استهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة، لجهلهم وقسوة قلوبهم الّتي عبدوا بها العجل، وسألوا بها رؤية الله جهرة. ويحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلّمته فذهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنّهم قالوا: أريدا قتالهم. وقيل: تقديره: فاذهب أنت وربّك يعينك.

( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ ) لنصرة دينك، وترويج أحكامك( إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي )

__________________

(١) أي: الواو في «يخافون».


قاله شكاية منه إلى الله تعالى، وإظهارا لبثّه وحزنه لـمّا خالفه قومه، وأيس منهم، ولم يبق معه موافق يثق به غير هارونعليه‌السلام . ونحوه قول يعقوبعليه‌السلام :( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ ) (١) .

وعن عليٍّعليه‌السلام : أنّه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه إلّا رجلان، فتنفّس الصعداء، فدعا لهما وقال: أين تقعان ممّا أريد.

والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق عليهما ثقة هارون، لـما كابد من تلوّن قومه. ويجوز أن يراد بـ «أخي» من يؤاخيني في الدين، فيدخلان فيه.

وذكر في إعراب «أخي» وجوه. نصبه عطفا على «نفسي»، أو على اسم «إنّ» أي: وإنّ أخي لا يملك إلّا نفسه. وجرّه عند الكوفيّين عطفا على الضمير في «نفسي». وهو ضعيف، لقبح العطف على الضمير المجرور إلا بتكرير الجارّ. ورفعه عطفا على الضمير في «لا أملك» أو على «إنّ» واسمها.

( فَافْرُقْ ) فافصل( بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) بأن تحكم لنا بما نستحقّه، وتحكم عليهم بما يستحقّونه، أو بالتبعيد بيننا وبينهم، تخليصا من صحبتهم، فهو في معنى الدعاء عليهم.

( قالَ فَإِنَّها ) فإنّ الأرض المقدّسة( مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم( أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ) عامل الظرف ـ وهو أربعين ـ إمّا «محرّمة» فيكون التحريم مؤقّتا غير مؤبّد، فلا يخالف قوله:( الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) . وإمّا «يتيهون» أي: يسيرون فيها متحيّرين لا يرون طريقا، فيكون التحريم مطلقا. ويؤيّد الأوّل ما روي أنّ موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل، وكان يوشع على مقدّمته، ففتح أريحا وأقام بها ما شاء الله ثم قبض.

وقيل: مات موسى في التيه، ولـمّا احتضر أخبرهم بأنّ يوشع بعده نبيّ الله ،

__________________

(١) يوسف: ٨٦.


وأنّ الله أمره بقتال الجبابرة، وكان هارون مات قبله بسنة، وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة في ملك أفريدون ومنوچهر، وكان عمر يوشع مائة وستّة وعشرين، وكان بعد وفاة موسى مدبّرا لأمر بني إسرائيل سبعا وعشرين سنة، ومات النقباء في التيه بغتة غير كالب ويوشع، فسار يوشع بهم إلى أريحا بعد مضيّ ثلاثة أشهر من فوت موسى، وقاتل الجبابرة. وروي أنّ الشمس غابت في أثناء المحاربة، فدعا يوشع فردّ الله تعالى عليهم الشمس حتى قتلوا الجبابرة وفتحوا أريحا، وصار الشام كلّه لبني إسرائيل.

وقيل: لم يدخل الأرض المقدّسة أحد ممّن قال:( إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها ) وهلكوا في التيه، ولـمّا نشأت ذراريهم قاتلوا الجبّارين ودخلوها. فيكون التقدير: كتب الله لكم الأرض المقدّسة بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلمّا أبوا الجهاد قيل: فإنّها محرّمة عليهم.

والتيه المفازة الّتي يتاه فيها، فقد روي أنّهم لبثوا أربعين سنة في ستّة فراسخ يسيرون كلّ يوم من الصباح إلى المساء، فإذا هم كانوا بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظلّهم من حرّ الشمس، ويطلع عليهم بالليل عمود من نور يضيء لهم، وينزل عليهم المنّ والسلوى، وماؤهم من الحجر الّذي يحملونه، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله.

وقيل: كان موسى وهارون معهم، لقوله:( فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) .

وقيل: كانا معهم، إلّا أنّه كان ذلك روحا لهما وسلامة، كالنار لإبراهيم، وملائكة العذاب. وهذا قول أكثر المفسّرين والمؤرّخين.

( فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) خاطب به موسى لـمّا ندم على الدعاء عليهم. والمعنى: فلا تحزن عليهم، فإنّهم أحقّاء بذلك لفسقهم.


( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) )

واعلم أنّ الله سبحانه بعد تبيين قصّتهم أراد أن يبيّن أنّ حالهم في نقض العهد وارتكاب الفواحش، كارتكاب ابن آدمعليه‌السلام في قتله أخاه، وما عاد عليه من الوبال، فأمر نبيّه أن يتلو عليهم أخبارهما، تسلية له فيما ناله من جهلهم وتكذيبهم، وتبكيتا لهم، فقال:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ ) قابيل وهابيل. روي أنّ الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج كلّ واحد منهما توأمة الآخر، فسخط منه قابيل، لأنّ توأمة قابيل ـ وهي إقليما ـ أجمل، فحسد عليها أخاه وسخط، فقال لهما آدم: قرّبا قربانا فمن أيّكما تقبّل تزوّجها، فقبل قربان هابيل، بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل حسدا وسخطا، وتوعّده بالقتل. وقيل: لم يرد بهما ابني آدم لصلبه، وإنّهما رجلان من بني


إسرائيل، ولذلك قال:( كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) (١) . والأوّل أكثر وأشهر وأصحّ.

والمعنى: اتل على بني إسرائيل نبأهما تلاوة ملتبسة( بِالْحَقِ ) والصدق.

ويحتمل أن يكون حالا من الضمير في «اتل» أو من «نبأ» أي: ملتبسا بالصدق موافقا لـما في كتب الأوّلين.

( إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ) ظرف لـ «نبأ»، أو حال منه، أو بدل على حذف مضاف، أي: أتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت. والقربان: اسم ما يتقرّب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو غيرها، كما أنّ الحلوان اسم ما يحلى، أي: يعطى. وهو في الأصل مصدر، ولذلك لم يثنّ. وقيل: تقديره: إذ قرّب كلّ واحد قربانا.

وروي أنّ قابيل كان صاحب زرع وقرّب أردأ قمح عنده، وهابيل صاحب ضرع وقرّب جملا سمينا.

( فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما ) وهو هابيل( وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ) هو قابيل: لأنّه سخط حكم الله، ولم يخلص النيّة في قربانه، وقصد إلى أخسّ ما عنده( قالَ ) أي: قال الّذي لم يتقبّل قربانه منهما ـ وهو قابيل ـ للّذي تقبّل قربانه وهو هابيل:( لَأَقْتُلَنَّكَ ) توعّده بالقتل، لفرط الحسد له على تقبّل قربانه، ولذلك( قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) في جوابه، كأنّه قال له: لم تقتلني؟ قال: لأنّه تقبّل منك، ولم يتقبّل منّي. قال: إنّما أتيت من قبل نفسك، لانسلاخها من لباس التقوى، لا من قبلي فلم تقتلني؟

قيل: إنّ سبب أكل النار للقربان أنّه لم يكن هناك فقير يدفع إليه ما يتقرّب به إلى الله تعالى، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله.

وعن إسماعيل بن رافع: أنّ قربان هابيل كان يرتع في الجنّة حتى فدي به ابن إبراهيم.

وفي الآية دليل على أنّ الله إنّما يتقبّل الطاعة ممّن هو زكيّ القلب متّق، وأنّ

__________________

(١) المائدة: ٣٢.


الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا، لا في إزالة حظّه، فإنّ ذلك ممّا يضرّه ولا ينفعه.

( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ ) مددت إليّ يدك( لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ) لأنّ إرادة القتل قبيح، وإنّما يحسن من المظلوم قتل الظالم على وجه المدافعة له، طلبا للتخلّص من غير أن يقصد إلى قتله، فكأنّه قال: لئن ظلمتني لم أظلمك، اي: لئن بسطت إليّ يدك على سبيل الظلم والابتداء لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك على وجه الظلم والابتداء( إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ) في مدّي إليك يدي لقتلك.

قيل: كان هابيل أقوى منه، ولكن تجنّب من قتله واستسلم له خوفا من الله، لأنّ الدفع لم يبح بعد، وكان الصبر عليه هو المأمور به، ليكون الله هو المتولّي للانتصاف. وإنّما قال:( ما أَنَا بِباسِطٍ ) بالجملة الاسميّة في جواب( لَئِنْ بَسَطْتَ ) ، للتبرّي عن هذا الفعل الشنيع رأسا، والتحرّز من أن يوصف به ويطلق عليه، ولذلك أكّد النفي بالباء.

( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) هذا تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة. والمعنى: إنّما أستسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إليّ قبل قتلي. وهذا منقول عن ابن عبّاس وابن مسعود والحسن وقتادة ومجاهد والضحّاك. ونحوه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المستبّان ما قالا فعلى البادي، ما لم يعتد المظلوم» أي: البادي عليه إثم سبّه، ومثل إثم سبّ صاحبه، لأنّه كان سببا فيه. ومثل ذلك ما قيل: إنّ معناه: بإثم قتلي وإثمك الّذي هو قتل جميع الناس، حيث سننت القتل.

أو المعنى: إنّي لا أبدؤك بالقتل، لأنّي أريد أن ترجع بإثم قتلي وإثمك الّذي من أجله لم يتقبّل قربانك.

وكلاهما في موضع الحال، أي: ترجع ملتبسا بالإثمين حاملا لهما. ولم يرد بذلك معصية أخيه وشقاوته، بل قصده بهذا الكلام أنّ ذلك إن كان لا محالة واقعا ،


فأريد أن يكون لك لا لي. فالمراد بالذات أن لا يكون له، لا أن يكون لأخيه.

ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته، وإرادة عقاب العاصي جائزة.

( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ) فتصير بذلك من الملازمين النار( وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) أي: عقاب العاصين المتعدّين.

( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) فسهّلته ويسّرته له ووسّعته، من: طاع له المرتع، إذا اتّسع. وذكر «له» لزيادة الربط، كقولك: حفظت لزيد ماله.( فَقَتَلَهُ ) عن مجاهد: لم يدر قابيل كيف يقتله، فظهر له إبليس في صورة طير، وأخذ طيرا آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه، ففعل قابيل مثله. وقيل: هو أوّل قتيل كان في الناس.( فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) فصار ممّن خسر الدنيا والآخرة، وذهب عنه خيرهما، إذ بقي مدّة عمره مطرودا محزونا، وبعد الموت يرجع إلى العذاب الأليم.

قيل: قتل هابيل، وهو ابن عشرين سنة، عند عقبة حراء. وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنّه لـمّا قتله تركه بالعراء، وتحيّر في أمره، ولم يدر ما يصنع به( فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ ) أي: يحفر( فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ) إذ كان أوّل ميّت من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره حتى أروح(١) ، وعكفت عليه الطير والسباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، ثمّ حفر له بمنقاره ورجليه، ثمّ ألقاه في الحفيرة.

والضمير في «ليري» لله، أو للغراب. ولـمّا كان سبب تعليمه فكأنّه قصد تعليمه. و «كيف» حال من الضمير في «يواري»، والجملة ثاني مفعولي «يرى».

والمراد بـ «سوءة أخيه» جسده الميّت، فإنّه ممّا يستقبح أن يرى. وأصلها الفضيحة، لهذا كنّى به عن العورة.

ولـمّا رأى ذلك قابيل( قالَ يا وَيْلَتى ) كلمة جزع وتحسّر، والألف فيها بدل

__________________

(١) أروح الماء: أنتن وخبثت رائحته.


من ياء المتكلّم. والمعنى: يا ويلتي احضري، فهذا أوانك. والويل والويلة الهلكة.

( أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ ) لا أهتدي إلى ما اهتدي إليه. وقوله:( فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ) عطف على «أن أكون»، وليس جواب الاستفهام، إذ ليس المعنى: لو عجزت لواريت( فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) فصار منهم على قتله، لـما كابد فيه من التحيّر في أمره، وحمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل، وتلمّذه للغراب، واسوداد لونه، وتبرّء أبويه منه، إذ روي أنّه لـمّا قتله اسودّ جسده، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلا، فقال: بل قتلته، ولذلك اسودّ جسدك، وتبرّأ منه، ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك، ولم يظفر(١) بما فعله لأجله.

وعن ابن عبّاس قال: لـمّا قتل قابيل هابيل، أشاك الشجر، وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه، وأمرّ الماء، واغبرّت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قتل هابيل، فأنشأ يقول :

تغيّرت البلاد ومن عليها

فوجه الأرض مغبرّ قبيح

تغيّر كلّ ذي لون وطعم

وقلّ بشاشة الوجه الصبيح

وقالوا: لـمّا مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين، ولدت له حوّاء شيثا، وتفسيره: هبة الله، يعني: أنّه خلف من هابيل، وكان وصيّ آدم ووليّ عهده. فأمّا قابيل فقيل له: اذهب طريدا شريدا فزعا مذعورا، لا تأمن من تراه. وذهب إلى عدن من اليمن، فأتاه إبليس فقال: إنّما أكلت النار قربان هابيل لأنّه كان يعبدها، فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، وهو أوّل من نصب النار وعبدها، واتّخذ أولاده آلات اللهو من الطبول والمزامير والعيدان، وانهمكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والزنا والفواحش، حتّى غرقهم الله أيّام نوح بالطوفان وبقي نسل شيث.

__________________

(١) أي: لم يظفر قابيل بما أراد من قتل أخيه، وهو التزوّج بتوأمته.


( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) )

ثمّ بيّن سبحانه التكليف في باب القتل، فقال:( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ) بسببه وبعلّته( كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) قضينا عليهم. وأصل «أجل» مصدر: أجل شرّا إذا جناه، يأجله أجلا، استعمل في تعليل الجنايات، فإذا قلت: من أجلك فعلت كذا، فكأنّك أردت من أن جنيت فعله وأوجبته فعلت، ثم اتّسع فيه فاستعمل في كلّ تعليل. و «من» ابتدائيّة متعلّقة بـ «كتبنا». وذلك إشارة إلى القتل المذكور، اي: ابتداء الكتب وإنشاؤه من أجل القتل المذكور.

( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بغير قتل نفس يوجب القصاص( أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ ) أو بغير فساد فيها، كالشرك وقطع الطريق وإخافة السبيل( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) فكأنّه قصد لقتلهم جميعا، من حيث إنّه هتك حرمة الدماء، وسنّ القتل، وجرّأ الناس عليه. أو من حيث إنّ قتل الواحد والجميع سواء في استجلاب غضب الله والعذاب العظيم. أو من حيث إنّه قتل أخاهم، وصاروا خصماءه في قتل النفس.

( وَمَنْ أَحْياها ) أي: ومن تسبّب لبقاء حياتها بعفو، أو منع عن القتل، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة( فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) فكأنّه فعل ذلك بالناس جميعا، يأجره الله على ذلك أجر من أحياهم باسرهم، لأنّه في إسدائه


المعروف إليهم بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيا كلّ واحد منهم، لأنّ فعله باعث على اقتداء الناس به بمثل فعله، فصاروا كلّهم سالمين عن القتل، فكأنّه أحياهم كلّهم. والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب، ترهيبا عن التعرّض لها، وترغيبا في المحاماة عليها.

( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) أي: بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم بالآيات الواضحة، تأكيدا للأمر، وتجديدا للعهد، كي يتحاموا عنها، وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل، ولا يبالون به. وبسبب هذا اتّصلت القصّة بما قبلها. والإسراف التباعد عن الاعتدال في الأمر.

( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر القتل وحكمه، عقّبه بذكر قطّاع الطريق والحكم فيهم، فقال:( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) أي: يحاربون أولياءهما، وهم المسلمون، كقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (١) . جعل محاربتهم محاربتهما تعظيما. وأصل الحرب السلب.( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) أي: مفسدين.

__________________

(١) الأحزاب: ٥٧.


ويجوز نصبه على العلّة أو المصدر، لأنّ سعيهم كان فسادا، فكأنّه قيل: ويفسدون في الأرض فسادا.

وروي عن أئمّتناعليهم‌السلام أنّ المحارب كلّ من شهر السلاح، وأخاف الطريق، سواء كان في المصر أو خارجه، فإنّ اللصّ المحارب في المصر وخارجه سواء.

وهو مذهب الشافعي أيضا، والأوزاعي ومالك. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ المحارب هو قاطع الطريق في غير المصر.

ولمّا كان «إنّما» موضوعة للحصر، فيكون معنى الآية: ما جزاؤهم إلّا( أَنْ يُقَتَّلُوا ) أي: من غير صلب إن اقتصروا على القتل، ولم يأخذوا المال( أَوْ يُصَلَّبُوا ) أي: يصلّبوا مع القتل، إن قتلوا وأخذوا المال. وللفقهاء خلاف في أنّه يقتل ويصلب، أو يصلب حيّا ويترك، أو يطعن حتّى يموت.( أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ) تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى، إن أخذوا المال ولم يقتلوا( أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) أي: ينفوا من بلد إلى بلد، بحيث لا يتمكّنوا من القرار في موضع إلى أن يتوبوا، إن اقتصروا على الإخافة.

ويؤيّد ذلك التفسير ما روي عن الباقر والصادقعليهما‌السلام : «أنّ جزاء المحارب على قدر استحقاقه، فإن قتل فجزاؤه أن يقتل، وإن قتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل فجزاؤه أن تقطع يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط فإنّما عليه النفي لا غير».

وبه قال ابن عبّاس، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدّي، والربيع. وعلى هذا فلفظة «أو» ليست للإباحة هاهنا، بل هي مرتّبة الحكم باختلاف الجناية. وقيل: للتخيير، والامام مخيّر بين هذه العقوبات في كلّ قاطع طريق. والصحيح الأوّل.

( ذلِكَ ) أي: ما ذكرناه( لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ) فضيحة ومذلّة وهو ان فيها( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) لعظم ذنوبهم. هذا دليل على أنّ الحدود لا تكفّر


الذنوب والمعاصي، لأنّه بيّن أنّهم يستحقّون العذاب العظيم في الآخرة، مع إقامة الحدود عليهم. وليس في الآية أنه يفعل بهم ذلك لا محالة، لأنّه يجوز أن يعفو الله عنهم، ويتفضّل عليهم بإسقاط ما يستحقّونه من العذاب.

( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ) استثناء مخصوص بما هو حقّ الله تعالى. ويدلّ عليه قوله:( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . أمّا القتل والجرح قصاصا وأخذ المال فإلى الأولياء، إن شاؤا عفوا، وإن شاؤا استوفوا. وتقييد التوبة بالتقدّم على القدرة يدلّ على أنّها بعد القدرة لا تسقط الحدّ، بل يجب إقامة الحدّ عليه، وإن أسقطت العذاب.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) )

ولـمّا تقدّم ذكر القتل والمحاربين، عقّب ذلك بالموعظة والأمر بالتقوى عن المعاصي والمفاسد، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) أي: ما تتوسّلون به إلى ثوابه والزلفى عنده، من فعل الطاعات وترك المعاصي وسائر المقبّحات، من: وسل إلى كذا، إذا تقرّب إليه. وقيل: الوسيلة أفضل درجات الجنّة.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها درجة في الجنّة، لا ينالها إلّا عبد واحد، وأرجو أن أكون أنا هو».

وروى الأصبغ بن نباتة عن عليٍّعليه‌السلام : «في الجنّة لؤلؤتان إلى بطنان العرش، أحدهما بيضاء، والأخرى صفراء، في كلّ واحدة منهما سبعون ألف غرفة، فالبيضاء الوسيلة لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته».

( وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ) بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ


بالوصول إلى الله تعالى، والفوز بكرامته، أي: اعلموا على رجاء الفلاح والفوز.

وقيل: «لعلّ» و «عسى» من الله واجب، فكأنّه قال: اعملوا لتفلحوا.

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) )

وبعد وعد المؤمنين ذكر وعيد الكافرين بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ ) من صنوف الأموال ومن الأولاد والملك( جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ ) ليجعلوه فدية لأنفسهم( مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) اللام متعلّقة بمحذوف تستدعيه «لو»، إذ التقدير: لو ثبت أنّ لهم ما في الأرض. وتوحيد الضمير في «به» والمذكور شيئان، إمّا لإجرائه مجرى اسم الإشارة في نحو قوله:( عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ) (١) ، أو لأنّ الواو في «ومثله» بمعنى «مع» فتوحّد المرجع، أو من قبيل: فإنّي وقيّار بها لغريب(٢) .

( ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ) ذلك الفداء. جواب «لو» و «لو» بما في حيّزه خبر «أنّ».

والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنّه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه بوجه( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تصريح بالمقصود منه. وكذلك قوله تعالى:( يُرِيدُونَ ) أي: يتمنّون( أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها ) إنّما قال:( وَما هُمْ بِخارِجِينَ ) بدل: وما يخرجون، للمبالغة( وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ) دائم، ثابت، لا يزول، ولا يحول.

__________________

(١) البقرة: ٦٨.

(٢) بيت شعر صدره: «فمن يك أمسى بالمدينة رحله» وهو لضابئ بن الحرث البرجمي كما في هامش الكشّاف ١: ٦٢٩.


( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) )

لـمّا ذكر سبحانه الحكم فيمن أخذ المال جهارا، عقّبه ببيان الحكم فيمن أخذ المال سرّا، فقال:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) جملتان عند سيبويه.

والتقدير: فيما يتلى عليكم: السارق والسارقة، أي: حكمهما. وجملة عند المبرّد.

والفاء للسببيّة، دخل الخبر لتضمّنهما معنى الشرط، إذ المعنى: والّذي سرق والّتي سرقت. والسرقة أخذ مال الغير في خفية. وإنّما توجب القطع إذا كانت من حرز، والمأخوذ ربع دينار، أو ما يساويه، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «القطع في ربع دينار فصاعدا».

ووضع الجمع موضع المثنّى، كما في قوله:( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) (١) اكتفاءا بتثنية المضاف إليه.

والمراد باليدين اليمينان، دلّت الأخبار الصحيحة عليه. وأطلقت لغة وعرفا على الجارحة المخصوصة، من الكتف إلى رؤوس الأصابع، وشرعا من المرفق إلى الرؤوس، كما في آية(٢) الوضوء، ومن الزند إلى الرؤوس، كما في التيمّم عندنا، وعلى الأصابع لا غير، كما في قوله:( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ) (٣) . ولم

__________________

(١) التحريم: ٤.

(٢) المائدة: ٦.

(٣) البقرة: ٧٩.


يبيّن في الآية المراد، وحينئذ ليس أحد الاحتمالات أولى من الآخر، فيكون اللفظ مجملا يبيّنه السنّة.

وذهب الخوارج إلى أنّ المقطع هو المنكب(١) ، والعامّة إلى الرسغ(٢) . وعند أصحابنا الاماميّة أصول الأصابع اليمنى، وتترك الإبهام والكفّ، وفي المرّة الثانية يقطع الرجل اليسرى من أصل الساق، ويترك عقبه يعتمد عليها في الصلاة، فإن سرق بعد ذلك خلّد في السجن. هذا هو المشهور عند أصحابنا، والمنقول عن أمير المؤمنينعليه‌السلام .

( جَزاءً بِما كَسَبا ) مجازاة بكسبهما( نَكالاً ) عقوبة على ما فعلاه، صادرة( مِنَ اللهِ ) منصوبان على المفعول له، أو المصدر، ودلّ على فعلهما «فاقطعوا»( وَاللهُ عَزِيزٌ ) غالب على كلّ ما يريد( حَكِيمٌ ) عالم بوجوه الحكم والمصالح.

( فَمَنْ تابَ ) من السرّاق( مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ ) أي: سرقته( وَأَصْلَحَ ) أمره، بالتفصّي عن التبعات، والعزم على أن لا يعود إليها( فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقبل توبته، فلا يعذّبه في الآخرة. أمّا القطع فلا يسقط بها عند الأكثرين من العامّة. وقال أصحابنا: بسقوطه بالتوبة قبل الثبوت عند الحاكم. أمّا بعده فإن ثبت بالبيّنة فلا سقوط، وبالإقرار قيل: يتحتّم الحدّ كما في البيّنة، وقيل: يتخيّر الامام.

وتحقيق ذلك في كتب الفقه.

( أَلَمْ تَعْلَمْ ) الخطاب للنبيّ أو لكلّ أحد( أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) له التصرّف فيها بلا دافع ولا منازع( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) إذا كان مستحقّا للعذاب( وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) إذا عصاه ولم يتب( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قدّم التعذيب على المغفرة، إتيانا على ترتيب ما سبق، أو لأنّ استحقاق التعذيب مقدّم، أو لأنّ المراد به القطع، وهو في الدنيا.

__________________

(١) المنكب: مجتمع رأس الكتف والعضد.

(٢) الرّسغ: المفصل ما بين الساعد والكفّ، أو الساق والقدم.


( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) )

ولـمّا تقدّم ذكر اليهود والنصارى، عقّبه سبحانه بتسلية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمانه من


كيدهم، فقال:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) أي: صنيع الّذين يقعون في الكفر سريعا، يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد، بمعنى: وقع فيه سريعا، فكذلك مسارعتهم في الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا منه فرصة.( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) أي: من المنافقين. والباء متعلّقة بـ «قالوا» لا بـ «آمنّا». والواو تحتمل الحال والعطف.

( وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ) عطف على «مِنَ الَّذِينَ قالُوا »( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هم سمّاعون. والضمير للفريقين، أو لـ( الَّذِينَ يُسارِعُونَ ) .

ويجوز أن يكون مبتدأ، و «من الّذين» خبره، أي: ومن اليهود قوم سمّاعون. واللام في «للكذب» إمّا مزيدة للتأكيد، أو لتضمين السماع معنى القبول، أي: قابلون لـما تفتريه الأحبار من الكذب على الله وتحريف كتابه، أو للعلّة، والمفعول محذوف، أي: سمّاعون كلامك ليكذبوا عليك فيما يسمعون منك.

( سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) أي: لجمع آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك، وتجافوا عنك تكبّرا، أو إفراطا في البغض. والمعنى على الوجهين: مصغون لهم قابلون كلامهم، أو سمّاعون منك لأجلهم، وللإنهاء إليهم. ويجوز أن تتعلّق اللام بالكذب، لأنّ «سمّاعون» الثاني للتأكيد، أي: سمّاعون ليكذبوا لقوم آخرين.

( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ) أي: يميلونه عن مواضعه الّتي وضعه الله تعالى فيها، إمّا لفظا بإهماله أو تغيير وضعه، وإمّا معنى بحمله على غير المراد، وإجرائه في غير مورده. والجملة صفة أخرى «لقوم»، أو صفة لـ «سمّاعون»، أو حال من الضمير فيه، أو استئناف لا موضع له، أو في موضع الرفع خبر لمحذوف، أي: هم يحرّفون. وكذلك( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ ) أي: إن أوتيتم هذا المحرّف فاقبلوه واعملوا به( وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ) أي: فاحذروا قبول ما أفتاكم


به.

روي أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان، وحدّهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوهما مع نفر منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك، وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم(١) فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا.

فانطلق قوم منهم كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمّد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا.

فقال: وهل ترضون بقضائي في ذلك؟

قالوا: نعم.

فنزل جبرئيل بالرجم، فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به. فقال له جبرئيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل تعرفون شابّا أبيض أعور يسكن فدكا يقال له: ابن صوريا؟

فقالوا: نعم.

قال: فأيّ رجل هو فيكم؟

قالوا: هو أعلم يهوديّ بقي على ظهر الأرض بما أنزل التوراة على موسىعليه‌السلام .

قال: فأرسلوا إليه. ففعلوا، فأتاهم عبد الله بن صوريا. فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي أنشدك الله الّذي أنزل التوراة على موسى، وفلق لكم البحر فأنجاكم، وأغرق آل فرعون، وظلّل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المنّ والسلوى، هل تجدون في كتابكم

__________________

(١) حمّم الشيء: صيّره أسود.


الرجم على من أحصن؟

قال ابن صوريا: نعم، والّذي ذكرتني به لولا خشية أن يحرقني ربّ التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هو في كتابك يا محمد؟

قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنّه قد أدخله فيها، كما يدخل الميل في المكحلة، وجب عليه الرجم.

فقال ابن صوريا: هكذا أنزل في التوراة على موسى.

فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فما ذا كان أوّل ما ترخّصتم به أمر الله.

قال: كنّا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فكثر الزنا في أشرافنا، حتّى زنى ابن عمّ ملك لنا فلم نرجمه، ثمّ زنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فقال له قومه لا حتى ترجم فلانا، يعنون ابن عمّه. فقالوا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم، يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة، ثمّ يسوّد وجوههما، ثمّ يحملان على حمارين، وجوههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما. فجعلوا هذا مكان الرجم.

فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لـما أتينا عليك بأهل، ولكنّك كنت غائبا، فكرهنا أن نغتابك! فقال: إنّه أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لـما أخبرته به. فأمر بهما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فرجما عند باب مسجده. وقال: أنا أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأنزل الله تعالى فيه:( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) (١) .

فقام ابن صوريا، فوضع يديه على ركبتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال: هذا مقام العائذ بالله وبك، أن تذكر لنا الكثير الّذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(١) المائدة: ١٥.


عن ذلك.

ثمّ سأله ابن صوريا عن نومه.

فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي.

فقال: صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبه أمّه شيء، أو بأمّه ليس فيه من شبه أبيه شيء؟

فقال: أيّهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.

قال: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟

قال: فأغمي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طويلا، ثمّ خلّي عنه محمرّا وجهه، يفيض عرقا، فقال: اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل.

فقال له: صدقت، أمرك أمر نبيّ، فأسلم ابن صوريا عند ذلك، وقال: يا محمّد من يأتيك من الملائكة؟

قال: جبرئيل.

قال: صفه لي. فوصفه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أشهد أنّه في التوراة كما قلت، وأنّك رسول الله حقّا.

فلمّا أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه. فلمّا أرادوا أن ينهضوا تعلّقت بنو قريظة ببني النضير فقالوا: يا محمّد إخواننا بنو النضير: أبونا واحد، وديننا واحد، ونبيّنا واحد، إذا قتلوا منّا قتيلا لم يقد، وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتيلا قتلوا القاتل، وأخذوا منّا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منّا، وبالرجل منهم الرجلين منّا، وبالعبد الحرّ منّا، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله في الرجم والقصاص الآيات.

( وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ ) فضيحته بإظهار ما ينطوي عليه، أو عذابه، كقوله :


( ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ) (١) أي: عذابكم، أو تركه مفتونا مخذولا( فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً ) فلن تستطيع له من الله شيئا في دفعها( أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ) من عقوبات الكفر الّتي هي الختم والطبع والضيق والخذلان، بأن يمنحهم من ألطافه الهادية إلى الإيمان، كما طهّر قلوب المؤمنين منها، لأنّهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنّها لا تنجع فيهم. ولا يجوز حمل الآية على ظاهرها كما هو رأي الأشعري، لأنّ إرادة الكفر قبيح، والله تعالى منزّه عنه.

( لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) هو ان وذلّ بالجزية، والخوف من أهل الإسلام( وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وهو الخلود في النار. والضمير لـ( الَّذِينَ هادُوا ) إن استأنفت بقوله:( وَمِنَ الَّذِينَ ) ، وإلّا فللفريقين.

( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) كرّره للتأكيد( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) أي: الحرام كالرّشا، من: سحته إذا استأصله، لأنّه مسحوت البركة، أو لأنّه يعقّب هلاك الاستئصال.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب بضمّتين، وهما لغتان كالعنق والعنق.

وفي الحديث: «كلّ لحم نبت على السحت فالنار أولى به».

( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) تخيير لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإعراض. وهذا التخيير عندنا ثابت للأئمّة في الشرع، للأخبار الواردة عن أئمّتناعليهم‌السلام . وهو قول ابن عبّاس برواية، وقول قتادة وعطاء والشعبي وإبراهيم. وقال الشافعي أيضا: إنّه لو تحاكم كتابيّان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وعند أبي حنيفة يجب.

( وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ ) عن الحكم بينهم( فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ) أي: لا يقدرون على إضرار بك في دنيا أو دين، لإعراضك عنهم، فإنّ الله يعصمك من الناس.

( وَإِنْ حَكَمْتَ ) وإن اخترت أن تحكم بينهم( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) بالعدل

__________________

(١) الذاريات: ١٤.


الّذي أمر الله تعالى به، كما حكمت بينهم بالرجم( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) العادلين، فيحفظهم ويعظّم شأنهم.

( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ) هؤلاء اليهود( وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ) تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به وبكتابه، والحال أنّ الحكم منصوص عليه في الكتاب الّذي عندهم، وتنبيه على أنّهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحقّ وإقامة الشرع، وإنّما طلبوا به ما يكون أهون عليهم، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم.

وقوله:( فِيها حُكْمُ اللهِ ) حال من التوراة إن رفعتها بالظرف، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه. وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنّث في كلام العرب لفظا، كموماة(١) ودوداة.

( ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ) يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) بعد التحكيم، ولا يرضون به. وهو عطف على «يحكّمونك» داخل في حكم التعجيب( وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) بكتابهم كما يدّعون، لإعراضهم عنه أوّلا، وعمّا يوافقه ثانيا. أو بك وبه.

( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً ) يهدي إلى الحقّ والعدل( وَنُورٌ ) يكشف عمّا استبهم من الأحكام( يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ) يعني: أنبياء بني إسرائيل، لا جميع النبيّين ليلزم أنّ نبيّنا كان متعبّدا بأحكامها قبل المبعث( الَّذِينَ أَسْلَمُوا ) صفة أجريت على النبيّين مدحا لهم، وتنويها بشأن المسلمين، وتعريضا باليهود، وأنّهم بمعزل عن دين الإسلام الّذي هو دين الأنبياء كلّهم، قديما وحديثا( لِلَّذِينَ هادُوا ) متعلّق بـ «أنزل» أو بـ «يحكم»، أي: يحكمون بها في تحاكمهم. وهو أقرب لفظا ومعنى. أمّا لفظا فظاهر. وأمّا معنى فلأنّ المذهب الحقّ أنّ نبيّنا ليس متعبّدا بالشرائع السابقة، لا قبل البعثة ولا بعدها.

__________________

(١) الموماة: الفلاة التي لا ماء فيها. والدوداة: الأرجوحة التي يلعب بها الصبيان.


( وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ ) ويحكم بها زهّادهم وعلماؤهم، السالكون طريقة أنبيائهم، المجتنبين ملّة اليهود( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ ) بسبب ما طلب منهم أنبياؤهم وأوصوهم من حفظ التوراة عن التضييع والتحريف. والراجع إلى «ما» محذوف. و «من» للتبيين. ويجوز أن يكون الضمير للأنبياء والربّانيّين والأحبار جميعا، ويكون الاستحفاظ من الله، أي: كلّفهم الله حفظه.( وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ) رقباء لا يتركون أن يغيّروا، أو شهداء يبيّنون ما يخفى من التوراة، كما فعل ابن صوريا.

( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) نهي للحكّام أن يخشوا غير الله تعالى في حكوماتهم، ويداهنوا فيها خشية ظالم أو خيفة أذيّة من الأقرباء والأصدقاء.

والمعنى: أيّها الحكّام والولاة، احكموا على اليهود بأحكام التوراة، ولا تتركوهم أن يعدلوا عنها، كما فعله رسول الله من حملهم على حكم الرجم، وكذلك حكم الربّانيّون والأحبار والمسلمون، بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله، وبسبب كونهم عليه شهداء، فلا تخشوا غير الله في حكوماتكم. أو نهي لعلماء اليهود عن إخفاء صفة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحكم الرجم. والمعنى: لا تخشوا اليهود في إظهار صفة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمر الرجم، واخشوني في كتمان ذلك.

( وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ) ولا تستبدلوا بأحكامي الّتي أنزلتها( ثَمَناً قَلِيلاً ) هو الرشوة، وابتغاء الجاه، وطلب الرئاسة، كما فعله اليهود( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) مستهينا به منكرا له( فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) لاستهانتهم به وتمرّدهم، بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله: الظالمون والفاسقون. فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه.

وعن ابن عبّاس: من جحد حكم الله فهو كافر، ومن لم يحكم به وهو مقرّ فهو ظالم فاسق.


وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتا ببني إسرائيل، لتركبنّ طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذّة، غير أنّي لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟

ويجوز أن يكون كلّ واحدة من الصفات الثلاث لطائفة كما قيل، هذه في المسلمين لاتّصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.

والأوّل أصحّ، لـما روى البراء بن عازب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ قوله:( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) وبعده( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وبعده( فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) كلّ ذلك في الكفّار خاصّة. أورده مسلم في الصحيح(١) .

وبه قال ابن مسعود وأبو صالح والضحّاك وعكرمة وقتادة.

( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) )

ثمّ بيّن سبحانه حكم التوراة في القصاص، فقال:( وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ ) وفرضنا على اليهود( فِيها ) في التوراة( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) أي: أنّ النفس تقتل بالنفس( وَالْعَيْنَ ) تفقأ( بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ ) يجدع( بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ ) تقطع( بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ ) تقلع( بِالسِّنِ ) . رفعها الكسائي على أنّها جمل معطوفة على «أنّ» وما في حيّزها باعتبار المعنى. وكأنّه قيل: وكتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين، فإنّ الكتابة والقراءة تقعان على الجمل كالقول، ولذلك قال الزجّاج: لو قرئ: «إنّ النفس» بالكسر لكان صحيحا. أو على أنّها مستأنفة، ومعناه: وكذلك العين مفقوءة

__________________

(١) صحيح مسلم ٣: ١٣٢٧ ح ٢٨.


بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مقطوعة بالأذن، والسنّ مقلوعة بالسنّ.

وقرأ نافع: «والأذن بالأذن» و «في أذنيه»(١) بإسكان الذال حيث وقع.

( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) أي: ذات قصاص، وهو المقاصّة فيما يمكن فيه القصاص.

وقرأ الكسائي أيضا بالرفع. ووافقه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، على أنّه إجمال بعد التفصيل.

( فَمَنْ تَصَدَّقَ ) من المستحقّين( بِهِ ) بالقصاص، أي: فمن عفا عنه( فَهُوَ ) فالتصدّق( كَفَّارَةٌ لَهُ ) للمتصدّق، يكفّر الله به من ذنوبه بقدر ما تصدّق.

وقيل: للجاني، يسقط عنه ما لزمه.

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) من القصاص وغيره( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) المتجاوزون عن حكم الله.

( وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر اليهود أتبعه سبحانه بذكر النصارى، فقال:( وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ )

__________________

(١) لقمان: ٧.


أي: وأتبعناهم على آثارهم، فحذف المفعول لدلالة الجارّ والمجرور عليه. والضمير لـ «النبيّون».( بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) مفعول ثان، عدّي إليه الفعل بالباء( مُصَدِّقاً ) نصب على الحال( لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ ) في موضع النصب بالحال( وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ ) عطف عليه، وكذا قوله:( وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) . ويجوز نصبهما على المفعول له عطفا على محذوف، تقديره: آتيناه الإنجيل لمصالح شتّى وللهدى والموعظة، أو تعلّقا بمحذوف، أي: للهدى وللموعظة آتيناه. وعطف عليه قوله:( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ) في قراءة حمزة، وهي كسر اللام وفتح الميم، أي: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه إيّاه. وعلى الأوّل(١) اللام متعلّقة بمحذوف، أي: وآتيناه ليحكم.

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) عن حكمه، أو عن الايمان إن كان مستهينا به.

والآية تدلّ على أنّ الإنجيل مشتمل على الأحكام، وأنّ اليهوديّة منسوخة ببعثة عيسى عليه الصّلاة والسّلام، وأنّه كان مستقلّا بالشرع. وحملها على: وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة، خلاف الظاهر.

__________________

(١) وهو جعل «هدى وموعظة» حالا.


( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) )

ولـمّا بيّن سبحانه نبوّة موسى وعيسىعليهما‌السلام ، عقّب ذلك ببيان نبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، احتجاجا على اليهود والنصارى بأنّ طريقته كطريقتهم في الوحي والمعجز، فقال:( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ) أي: القرآن ملتبسا( بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ ) من جنس الكتب المنزلة، من التوراة والإنجيل وكلّ كتاب أنزل من السماء. فاللام الأولى للعهد، والثانية للجنس.

( وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) ورقيبا على سائر الكتب، يحفظه عن التغيير، ويشهد له بالصحّة والثبات.

( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) أي: بما أنزل إليك( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ ) بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه. فـ «عن» صلة «لا تتّبع» لتضمّنه معنى: لا تنحرف، كأنّه قيل: لا تنحرف عمّا جاءك من الحقّ متّبعا أهواءهم. أو حال من فاعله، أي: لا تتّبع أهواءهم مائلا عمّا جاءك.

( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ ) أيّها الناس( شِرْعَةً ) شريعة، وهي الطريقة الواردة إلى الماء. شبّه بها الدين، لأنّه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبديّة.( وَمِنْهاجاً )


وطريقا واضحا في الدين، من: نهج الأمر إذا وضح. واستدلّ به على أنّا غير متعبّدين بالشرائع المتقدّمة.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) أي: جماعة متّفقة على دين واحد في جميع الأعصار، من غير نسخ ولا اختلاف فيه. ومفعول «لو شاء» محذوف دلّ عليه الجواب. وقيل: معناه: لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه، ولكنّ الإجبار مناف للتكليف فلم يفعل( وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ) من الشرائع المختلفة، المناسبة لكلّ عصر وقرن، هل تعملون بها معتقدين أنّ اختلافها مصالح لكم، أم تزيغون عن الحقّ، وتفرّطون في العمل؟

( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) فابتدروها انتهازا للفرصة، وحيازة لقصب فضل السبق والتقدّم. هذا محمول على الواجبات، ومن قال: إنّ الأمر على الندب، حمله على جميع الطاعات.( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق، ووعد ووعيد للمبادرين والمقصّرين.( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) من أمر دينكم، بالجزاء الفاصل بين محقّكم ومبطلكم، وعاملكم ومقصّركم، فيجازيكم على حسب استحقاقكم.

( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) معطوف على الكتاب، أي: أنزلنا إليك الكتاب والحكم، أو على الحقّ، أي: أنزلناه بالحقّ وبأن احكم. ويجوز أن يكون جملة بتقدير: وأمرنا أن احكم( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) أي: أن يضلّوك ويصرفوك عنه. و «أن» بصلته بدل من «هم» بدل الاشتمال، أي: احذر فتنتهم. أو مفعول له، أي: احذرهم مخافة أن يفتنوك.

روي أنّ أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمّد لعلّنا نفتنه عن دينه. فقالوا: يا محمّد قد عرفت أنّا أحبار اليهود، وأنّا إن اتّبعناك اتّبعتنا اليهود كلّهم، وإنّ بيننا


وبين قومنا خصومة، فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدّقك، فأبى ذلك رسول الله، فنزلت هذه الآية.

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن الحكم المنزل، وأرادوا غيره( فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ ) يعاقبهم ويعذّبهم عذابا مغلّظا شديدا( بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ) يعني: ذنب التولّي عن حكم الله تعالى، فعبّر عنه بذلك تنبيها على أنّ لهم ذنوبا كثيرة، وهذا مع عظمه واحد منها، معدود من جملتها. وفي هذا دلالة على تعظيم البعض، كما أن في التنكير معنى التعظيم.( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ) لمتمرّدون في الكفر، معتدون فيه.

( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ ) الّذي هو الميل والمداهنة في الحكم( يَبْغُونَ ) ؟! المراد الملّة الجاهليّة الّتي هي متابعة الهوى والجهالة، لا تصدر عن كتاب، ولا ترجع إلى وحي.

قيل: نزلت في بني قريظة والنضير، طلبوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهليّة من التفاضل بين القتلى.

وقرأ ابن عامر: «تبغون» بالتاء على: قل لهم أفحكم الجاهليّة تبغون؟ وعلى التقديرين، هذا تعيير لليهود بأنّهم أهل الكتاب، وهم يبغون حكم أهل الجاهليّة الّذين هم عبدة الأوثان.

( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) الاستفهام للتقرير، أي: لا أحد حكمه أحسن من حكم الله عند قوم يوقنون. فاللام للبيان، كما في قوله:( هَيْتَ لَكَ ) (١) ، أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنّهم هم الّذين يتدبّرون الأمور، ويتحقّقون الأشياء بأنظارهم، فيعلمون أن لا أحسن حكما من الله تعالى.

__________________

(١) يوسف: ٢٣.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣) )

ثمّ نهى الله سبحانه المؤمنين أن يتّخذوا أهل الكتاب أولياء، ويستنصروهم ويوالوهم، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ) فلا تعتمدوا عليهم، ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب.

ثمّ علّل النهي عن مخالطتهم إيّاهم بقوله:( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) أي: بعض الكفّار وليّ بعض في العون والنصرة، ويدهم واحدة عليكم. يعني: كلّهم متّفقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضا، لاتّحادهم في الدين، واجتماعهم على مضادّتكم.

( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ ) أي: ومن والاهم، واستنصر بهم، واتّخذهم أنصارا( مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) . وهذا تشديد من الله في وجوب مجانبتهم في الدين، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تتراءى ناراهما».

يعني: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الّذي إذا أوقدت فيه نار تظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله. والمراد المبالغة في مباعدة


المسلم المشرك.

( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي: الّذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفّار، أو ظلموا المؤمنين بموالاة الكافرين، فيمنعهم ألطافه ويخذلهم.

قال في الكشّاف(١) : روي أنّ عبادة بن الصامت قال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ لي موالي من اليهود كثيرا عددهم، وإنّي أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم، وأوالي الله ورسوله. فقال ابن أبيّ: لكنّي رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ، وهم يهود بني قينقاع، فنزلت:( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) يعني: ابن أبيّ وأضرابه( يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) أي: في موالاتهم ومعاونتهم، ويرغبون في مودّتهم ومحبّتهم( يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) أي: يعتذرون بأنّهم يخافون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي: صرف من صروفه، بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفّار، فيحتاجوا إليهم وإلى معونتهم.

( فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ) يعني: فتح مكّة أو فتح بلاد الشرك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أعدائه، وإظهار المسلمين عليهم( أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ) وهو إعزاز المسلمين بقطع شأفة(٢) اليهود، وإذلال الكافرين بالرعب والقتل، أو إجلائهم من ديارهم، أو الأمر بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم( فَيُصْبِحُوا ) أي: هؤلاء المنافقون( عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ) على ما استبطنوه من الكفر والشكّ في أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فضلا عمّا أظهروه ممّا أشعر على نفاقهم.

__________________

(١) الكشّاف ١: ٦٤٣.

(٢) الشأفة: الأصل، يقال: استأصل شأفته، أي: أزاله من أصله.


( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالرفع، على أنّه كلام مبتدأ. ويؤيّده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعا بغير واو، على أنّه جواب قائل يقول: فما ذا يقول المؤمنون حينئذ؟ وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالنصب عطفا على «أن يأتي» باعتبار المعنى، وكأنّه قال: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الّذين آمنوا. أو على الفتح، أي: عسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول المؤمنون، فإنّ الإتيان بما يوجب القول كالإتيان بالقول.

( أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ) أي: أنّهم مؤمنون، ومعكم في معاونتكم على أعدائكم ونصرتكم. يعني: يقوله المؤمنون بعضهم لبعض، تعجّبا من حال المنافقين، وإظهارا لسرورهم وبهجتهم بما منّ الله عليهم من الإخلاص. أو يقول المؤمنون لليهود، فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة، كما حكى الله تعالى عنهم:( وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ) (١) .

وجهد الأيمان أغلظها. وهو في الأصل مصدر. ونصبه على الحال على تقدير: وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، ولذلك ساغ كونها معرفة. أو على المصدريّة، لأنّه بمعنى: أقسموا.

وقوله:( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) إمّا من جملة المقول، أو من قول الله تعالى شهادة لهم بأنّ أعمالهم بطلت وضاعت، لأنّهم أوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، وبطل ما أظهروه من الايمان، لأنّه لم يوافق باطنهم ظاهرهم، فلم يستحقّوا به الثواب( فَأَصْبَحُوا ) فصاروا( خاسِرِينَ ) . فيه معنى التعجّب، كأنّه قيل: ما أحبط أعمالهم! وما أخسرهم في الدنيا والآخرة!!

__________________

(١) الحشر: ١١.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) )

ولـمّا بيّن سبحانه حال المنافقين، وأنّهم يتربّصون الدوائر بالمؤمنين، أعلم أنّ قوما منهم يرتدّون بعد وفاته، وأنّ ذلك كائن، وأنّهم لا ينالون أمانيّهم، وأنّه تعالى ينصر دينه بقوم لهم صفات محمودة مخصوصة، تميّزوا بها من بين العالمين، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) قرأه على الأصل نافع وابن عامر، وهو كذلك في الامام، والباقون بالإدغام، أي: يرتدّ.

وفي هذه الآية إخبار بالكائنات الّتي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها، وهو أنّ قوما يرتدّون بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه سبحانه ينصر دينه بقوم لهم هذه الصفات المذكورة.

وقيل: كان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة، ثلاث من العرب ارتدّوا في أواخر عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم: بنو مدلج، وكان رئيسهم ذا الحمار الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبّأ باليمن واستولى على بلاده، فكتب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي ليلة قبض رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غدها، وأخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تلك الليلة فسرّ المسلمون، وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول.

وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة، تنبّأ وكتب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله. أمّا بعد، فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب. أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتّقين. فحاربه أبو بكر بجند من المسلمين، وقتله وحشي قاتل حمزةرضي‌الله‌عنه ، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهليّة، وشرّ الناس في الإسلام، أراد: في جاهليّتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد، تنبّأ فبعث إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالدا، فهرب بعد القتال إلى الشام، ثمّ أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرّة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبّئة زوجة مسيلمة، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد. وكفى الله أمرهم على يد المسلمين. وفرقة واحدة في زمان خلافة عمر، غسّان قوم جبلّة بن الأيهم، تنصّر وسار إلى الشام.

والحاصل: أنّ الله سبحانه يقول: يا أيّها المؤمنون من يرجع من جملتكم إلى الكفر بعد إظهار الإيمان فلن يضرّوا الله شيئا، فإنّ الله لا يخلي دينه من أنصار يحمونه.

( فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) . قيل: هم أهل اليمن، لـما روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال: قوم هذا. وقال: «الإيمان يمانيّ، والحكمة يمانيّة».

وقيل: الفرس، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل عنهم فضرب يده على عاتق


سلمان وقال: هذا وذووه. وقال: «لو كان الدين معلّقا بالثريّا لناله رجال من أبناء فارس».

وقيل: الّذين جاهدوا يوم القادسيّة ألفان من النخع، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من جماعات الناس.

وعن أئمّة الهدىعليهم‌السلام وابن عبّاس وعمّار وحذيفة أنّهم عليّعليه‌السلام وأصحابه، حين قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. ويؤيّد هذا القول أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفه بالصفات المذكورة في هذه الآية، فقال فيه ـ وقد ندبه لفتح خيبر، بعد أن ردّ عنها حامل الراية إليه مرّة بعد أخرى، وفرّ من القتال ورجع إليه مرّة بعد أخرى، وهو يجبّن الناس ويجبّنونه ـ: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّارا غير فرّار، لا يرجع حتّى يفتح الله على يده». ثم أعطاها إيّاه.

والراجع إلى «من» محذوف تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم. ومحبّة الله تعالى للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا، وحسن الثواب في الآخرة. ومحبّة العباد له إرادة طاعته، والتحرّز عن معصيته.

( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) عاطفين راحمين عليهم متذلّلين. جمع ذليل بمعنى الخاضع، لا ذلول من الذلّة، فإنّ جمعه ذلل. واستعماله مع «على» إمّا لتضمّنه معنى العطف والحنوّ، أو للتنبيه على أنّهم مع علوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خاضعون لهم، أو للمقابلة بقوله:( أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) غلاظ شداد متغلّبين عليهم، من: عزّه إذا غلبه. قال ابن عبّاس: تراهم للمؤمنين كالولد لوالده وكالعبد لسيّده، وفي الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته.

( يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) بالقتال لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه. هو صفة أخرى لـ «قوم» أو حال من الضمير في «أعزّة»( وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) فيما يأتون من الجهاد والطاعات. عطف على «يجاهدون» بمعنى: أنّهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلّب في دينه. أو حال، يعني: أنّهم يجاهدون وحالهم خلاف


حال المنافقين، فإنّهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود، فلا يعملون شيئا يلحقهم فيه لوم من جهتهم. واللومة المرّة من اللوم. وفيها وفي تنكير «لائم» مبالغتان، كأنّه قيل: لا يخافون شيئا قطّ من لوم أحد من اللّوام.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما تقدّم من الأوصاف، أي: ذلك المحبّة والذلّة والعزّة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة( فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) يعطيه من يعلم أنّه محلّ له( وَاللهُ واسِعٌ ) جواد كثير الفضل واللطف، لا يخاف نفاد ما عنده( عَلِيمٌ ) بمن هو أهله، فلا يبذله إلّا لمن تقتضي الحكمة إعطاءه.

واعلم أنّ وصف اللين على أهل الإيمان، والشدّة على الكفّار، والجهاد في سبيل الله، وعدم الخوف من لائم، لا يمكن أحدا أن يدفع عليّاعليه‌السلام عن استحقاق ذلك، لـما ظهر من شدّته على أهل الشرك والكفر، ونكايته فيهم، ومقاماته المشهورة في تشييد الملّة ونصرة الدين، والرأفة على المؤمنين.

ويؤيّد ذلك أيضا إنذار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قريشا بقتال عليّعليه‌السلام لهم من بعده، حيث

جاء سهيل بن عمرو في جماعة منهم فقالوا: يا محمّد إنّ أرقّاءنا لحقوا بك فارددهم علينا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لتنتهينّ يا معشر قريش أو ليبعثنّ الله عليكم رجلا يضربكم على تأويل القرآن، كما ضربتكم على تنزيله. فقال له بعض أصحابه: من هو يا رسول الله، أبو بكر؟ قال: لا. قال: فعمر؟ قال: لا، ولكنّه خاصف النعل في الحجرة. وكان عليّعليه‌السلام يخصف نعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى عن عليّعليه‌السلام أنّه قال يوم البصرة: «والله ما قوتل أهل هذه الآية حتّى اليوم، وتلا هذه الآية».

وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي. فيقال: إنّك لا


علم لك بما أحدثوا من بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».

وقيل: إنّ الآية عامّة في كلّ من استجمع هذه الخصال إلى يوم القيامة. وذكر عليّ بن إبراهيم(١) بن هاشم: أنّها نزلت في مهديّ الأمّة وأصحابه، وأوّلها خطاب لمن ظلم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتلهم وغصبهم حقّهم.

ويؤيّد ما قلنا من أنّ صاحب هذه الصفات الحميدة والسمات السنيّة والنعوت الجليلة والخصال العليّة، كان عليّ بن أبي طالب وأولاده المعصومينعليهم‌السلام ، الّذين هم ولاة الدين بنصّ خاتم النبيّين صلوات الله عليه وعليهم، أنّه سبحانه أورد بعد هذه الآية آية مخصوصة بهعليه‌السلام عند الموافق والمخالف، وهي قوله عزّ وعلا:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) أي: الذي يتولّى تدبيركم ويلي أموركم الله ورسوله( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) .

إنّما قال: وليّكم، ولم يقل: أولياؤكم، للتنبيه على أنّ الولاية لله تعالى على الأصالة ولرسوله والمؤمنين على التبع.

( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) صفة لـ( الَّذِينَ آمَنُوا ) ، فإنّه جرى مجرى الاسم في تقدير: والمؤمنون الّذين يقيمون، أو بدل منه. ويجوز نصبه ورفعه على المدح.( وَهُمْ راكِعُونَ ) جملة حاليّة مخصوصة بـ «يؤتون»، أي: يؤتون الزّكاة حال ركوعهم في الصّلاة حرصا على الإحسان ومسارعة إليه.

وهذه الآية بالاتّفاق نزلت في عليّعليه‌السلام حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فأومأ بخنصره اليمنى إليه، فأخذ السائل الخاتم من خنصره.

ومن جملة الروايات الواردة في هذا الباب، ما رواه صاحب المجمع(٢) عن

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ١٧٠.

(٢) مجمع البيان ٣: ٢١٠.


السيّد أبي الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم(١) الحسكانيرحمه‌الله ، قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن القاسم الفقيه الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الشعراني، قال: حدّثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني، قال: حدّثنا المظفّر بن الحسين الأنصاري، قال: حدّثني السندي بن عليّ الورّاق، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، قال: «بينا عبد الله بن عبّاس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ أقبل رجل متعمّم بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول الله، إلّا قال الرجل: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقال ابن عبّاس: سألتك بالله من أنت؟

فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذرّ الغفاري، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهاتين وإلّا فصمّتا، ورأيته بهاتين وإلّا فعميتا، يقول: عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.

أما إنّي صلّيت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما من الأيّام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: أللّهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يعطني أحد شيئا. وكان عليّ راكعا فأومأ بخنصره اليمنى إليه، وكان يتختّم فيها، فأقبل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلمّا فرغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: أللّهمّ إنّ أخي موسى سألك فقال:( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٢٢٩ ح ٢٣٥.


أَمْرِي ) (١) . فأنزلت عليه قرآنا ناطقا:( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) (٢) . أللّهمّ وأنا محمّد صفيّك ونبيّك، أللّهمّ فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليّا اشدد به ظهري.

قال أبو ذرّ: فو الله ما استتمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكلام حتّى نزل جبرئيل من عند الله فقال: يا محمّد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ ) الآية».

وروى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الإسناد بعينه.

وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام(٣) القرآن، على ما حكاه المغربي عنه، والطبري(٤) ، والرمّاني، أنّها نزلت في عليّعليه‌السلام حين تصدّق بخاتمه وهو راكع.

وهو قول مجاهد والسدّي، وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، وجميع علماء أهل البيت.

وفي رواية عطاء، قال عبد الله بن سلام: «يا رسول الله أنا رأيت عليّا تصدّق بخاتمه وهو راكع، فنحن نتولّاه».

وقد رواه لنا(٥) السيّد أبو الحمد، عن أبي القاسم الحسكاني(٦) بالإسناد المتّصل المرفوع إلى أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: «أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه ممّن قد آمنوا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالوا: يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لـمّا رأونا آمنّا بالله وبرسوله

__________________

(١) طه: ٢٥ ـ ٣٢.

(٢) القصص: ٣٥.

(٣) أحكام القرآن ٢: ٤٤٦.

(٤) تفسير الطبري ٦: ١٨٦.

(٥) من كلام صاحب المجمع «قدّس‌سرّه»، راجع مجمع البيان ٣: ٢١٠.

(٦) شواهد التنزيل ١: ٢٣٤ ح ٢٣٧.


وصدّقناه رفضونا، وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا. فقال لهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين ...» الآية.

ثمّ إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى المسجد، والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل أعطاك أحد شيئا؟

فقال: نعم، خاتم من فضّة.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أعطاك؟

قال: ذلك القائم، وأومأ إلى عليّعليه‌السلام .

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : على أيّ حال أعطاك؟

فقال: أعطاني وهو راكع.

فكبّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قرأ:( وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) .

وضع الظاهر موضع الضمير، وهو: فإنّهم هم الغالبون، تنبيها على البرهان عليه، فكأنّه قيل: ومن يتولّ هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون، وتنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا لمن يوالي غير هؤلاء بأنّه حزب الشيطان. وأصل الحزب قوم يجتمعون لأمر حزبهم، أي: جمعهم.

وفي حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير: «أنّ عبد الله بن سلام أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع رهط من قومه، فشكوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لقوا من قومهم. فبينا هم يشكون إذ نزلت هذه الآية، وأذّن بلال فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المسجد، وإذا مسكين يسأل. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ماذا أعطيت؟

قال: خاتم من فضّة.

قال: من أعطاك؟

قال: ذلك القائم. فإذا هو عليّعليه‌السلام .


قال: على أيّ حال أعطاكه؟

قال: أعطاني وهو راكع.

فكبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال: «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ الآية».

والآية من أوضح الدلائل على صحّة إمامة عليّعليه‌السلام بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا فصل. وتنقيح المبحث: أنّ الوليّ هو الّذي يلي تدبير الأمر، فيقال: فلان وليّ المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها، ووليّ الدم من كان إليه المطالبة بالقود، والسلطان، وليّ أمر الرعيّة. ويقال لمن كان خليفة النبيّ: وليّ عهد المسلمين. قال الكميت(١) يمدح عليّاعليه‌السلام :

ونعم ولي الأمر بعد نبيّه

ومنتجع التقوى ونعم المؤدّب

وقال المبرّد في كتاب العبارة عن صفات الله تعالى: أصل الوليّ الذي هو أولى، أي: أحقّ، ومثله المولى. وأنّ لفظة «إنّما» تقتضي التخصيص ونفي الحكم عمّن عدا المذكور، كما يقولون: إنّما الفصاحة للجاهليّة، يعنون نفي الفصاحة عن غيرهم. وأنّ الروايات المأثورة عنّا وعنهم دالّة على أنّ المراد بـ( الَّذِينَ آمَنُوا ) في الآية عليّعليه‌السلام .

وإذا تقرّر هذا، لم يجز حمل لفظة «وليّ» على الموالاة في الدين والمحبّة، لأنّه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون آخر، لأنّ المؤمنين كلّهم مشتركون في هذا المعنى، كما قال سبحانه:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) (٢) .

وإذا لم يجز حمله على ذلك لم يبق إلّا الوجه الآخر، وهو صاحب التدبير والأولى بالتصرّف في الأمور، لأنّه لا محتمل للفظه إلّا الوجهان، فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر.

__________________

(١) الروضة المختارة شرح قصائد الكميت: ٤١.

(٢) التوبة: ٧١.


والّذي يدلّ على أنّ المعنيّ بـ( الَّذِينَ آمَنُوا ) هو عليّعليه‌السلام ، الرواية الواردة من طريق العامّة والخاصّة بنزول الآية فيه لـمّا تصدّق بخاتمه في حال الركوع. وقد تقدّم ذكرها. وأيضا كلّ من قال: إنّ المراد بلفظة «وليّ» ما يرجع إلى فرض الطاعة والإمامة، ذهب إلى أنّهعليه‌السلام هو المقصود بالآية.

وقال جار الله في الكشّاف(١) : «إنّما جيء بلفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلا واحدا، ليرغب الناس في مثل فعله، ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان».

وقال صاحب الجامع(٢) : «وأنا أقول قد اشتهر في اللغة إيراد العبارة عن الواحد بلفظة الجمع على سبيل التعظيم، فلا يحتاج إلى ما قال جار الله».

ووجه آخر على أنّ الولاية في الآية مختصّة أنّه سبحانه قال:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره. ثمّ قال :«ورسوله» فأخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جملتهم، لكونهم مضافين إلى ولايته. ثمّ قال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) فوجب أن يكون الّذي خوطب بالآية غير الّذي جعلت له الولاية، وإلّا أدّى المعنى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وإلى أن يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّ نفسه، وذلك محال. ولـمّا تحقّق أنّ المعنيّ بالآية هو أمير المؤمنين، تحقّقت إمامته بالنصّ الصريح، وهو المطلوب.

وقال صاحب كنز العرفان(٣) : ويستدلّ بهذه الآية على أمور :

الأوّل: أنّ الفعل القليل لا يبطل الصلاة، لأنّ قوله:( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ ) إشارة إلى فعل عليّعليه‌السلام لـمّا تصدّق على السائل بخاتمه في حال ركوعه ،

__________________

(١) الكشّاف ١: ٦٤٩.

(٢) جوامع الجامع ١: ٣٨٦ ـ ٣٨٧.

(٣) كنز العرفان ١: ١٥٨ ـ ١٥٩.


وذلك فعل قليل لا يؤثّر في بطلان الصلاة.

الثاني: أنّ النيّة فعل قلبيّ لا لساني، لأنّ فعله ذلك في الصلاة يستلزم النيّة، لأنّه عمل وكلّ عمل لا بدّله من النيّة، واللفظ في الصلاة بغير القرآن والدعاء مبطل، فلم يقع منه حينئذ، وإلّا لبطلت صلاته، واللازم كالملزوم في البطلان.

الثالث: أنّ استحضار النيّة فعلا واستمرارها عينا غير شرط في العبادة، لأنّه على حال نيّة الزكاة لم يكن مستحضرا لنيّة الصلاة، فلو كان شرطا لأثّر البطلان المستلزم للذمّ المنافي لهذا المدح العظيم. ويتفرّع على ذلك الاكتفاء باستمرار النيّة حكما.

الرابع: تسمية الصدقة المندوبة زكاة، إذ لا يجوز كون ذلك الخاتم من الزكاة الواجبة، لأنّ إخراجها واجب مضيّق لا يجوز الاشتغال عنه بواجب موسّع أو مندوب، وحينئذ يكون ذلك من الصدقات المندوبة، وهو المطلوب. انتهى كلامه.

أقول: في الأمر الرابع نظر، كما لا يخفى على أهل النظر.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) )

روي عن ابن عبّاس: أنّ رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثمّ نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فنزلت:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً ) بأن أظهروا الإيمان باللسان واستبطنوا الكفر، فذلك معنى تلاعبهم بالدين( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ


وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ) .

رتّب النهي عن موالاتهم على اتّخاذهم دينهم هزوا ولعبا، إيماء إلى العلّة، وتنبيها على أنّ من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة.

وفصّل المستهزئين بأهل الكتاب والكفّار على قراءة من جرّه، وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب. وعلى هذا الكفّار وإن عمّ أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصّة، لتضاعف كفرهم. ومن نصبه عطفه على( الَّذِينَ اتَّخَذُوا ) على أنّ النهي عن موالاة من ليس على الحقّ رأسا، سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرّفه عن الصواب كأهل الكتاب، ومن لم يكن كالمشركين.

( وَاتَّقُوا اللهَ ) بترك المناهي( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) لأنّ الإيمان حقّا يقتضي ذلك. أو إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده.

( وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) )

ثمّ أخبر سبحانه عن صفة الكفّار الّذين نهى المؤمنين عن موالاتهم، فقال:( وَإِذا نادَيْتُمْ ) أيّها المؤمنون( إِلَى الصَّلاةِ ) أي: إذا دعوتم إليها( اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ) أي: اتّخذوا الصّلاة أو المناداة، فإنّهم كانوا إذا أذّن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم، تجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها.

وفيه دليل على أنّ الأذان مشروع للصلاة. وثبوته بنصّ الكتاب، لا بالمنام وحده.

روي: أنّ نصرانيّا بالمدينة كان إذا سمع المؤذّن يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب. فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام، فتطاير شررها في البيت، فأحرقه وأهله.


( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) فإنّ السفه يؤدّي إلى الجهل بالحقّ والهزء به، والعقل يمنع منه، فكان لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنّه لا عقل لهم.

( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) )

وروي أنّ نفرا من اليهود أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألوه عمّن يؤمن به من الرسل. فقال: أومن بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ـ إلى قوله ـ ونحن له مسلمون، فلمّا ذكر عيسىعليه‌السلام جحدوا نبوّته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقلّ حظّا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرّا من دينكم، فنزلت:( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا )

ما تعيبون وتنكرون. يقال: نقم منه إذا أنكره، وانتقم إذا كافأه( إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ ) فوحّدناه ووصفناه بما يليق به من الصفات العلى، ونزّهناه عمّا لا يجوز عليه في ذاته وصفاته( وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ) من القرآن( وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ) على الأنبياء من الكتب المنزلة عليهم.

( وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) عطف على «أن آمنّا»، وكأنّ المستثنى لازم الأمرين، أعني: الإيمان وكون أكثركم فاسقين، أي: وما تنقمون منّا إلّا الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان، كأنّه قيل: وما تنكرون منّا إلّا مخالفتكم حيث دخلنا الإيمان وأنتم خارجون منه. أو كان أصل الكلام: واعتقاد أنّ أكثركم فاسقون، فحذف المضاف. أو عطف على «ما»، أي: وما تنقمون منّا إلّا الإيمان بالله وبما أنزل وبأنّ أكثركم. أو على علّة محذوفة، والتقدير: هل تنقمون منّا إلّا أن آمنّا لقلّة إنصافكم وفسقكم. أو نصب بإضمار فعل يدلّ عليه «هل تنقمون»، أي: ولا تنقمون أنّ أكثركم فاسقون. أو رفع على الابتداء والخبر


محذوف، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم، ولكن حبّ الرئاسة والمال يمنعكم عن الإنصاف.

والمراد من الأكثر من لم يؤمن منهم، فإنّ قليلا من أهل الكتاب آمن.

( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطبهم، فقال:( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ) أخبركم( بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ ) من ذلك المنقوم( مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ ) جزاء ثابتا عند الله. والمثوبة وإن كانت مختصّة بالخير، كالعقوبة بالشرّ، لكن وضعت هاهنا موضعها على التهكّم، ومنه قوله:( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (١) ، وقوله: تحيّة بينهم ضرب وجيع(٢) .

ونصبها على التمييز عن «بشرّ». وإنّما قال( بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ ) وإن لم يكن في المؤمنين شرّ، على الإنصاف في المخاطبة والمظاهرة في الحجاج، كقوله:( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (٣) .

( مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) بدل من «بشرّ» على حذف مضاف، أي: بشرّ من أهل ذلك من لعنه الله. أو: بشرّ من ذلك دين من لعنه الله. أو خبر محذوف، أي :

__________________

(١) آل عمران: ٢١.

(٢) من قصيدة لعمرو بن معد يكرب، وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل. أي: وأصحاب خيل قد تقدّمت لها بمثلها، التحيّة بينهم هو الضرب الوجيع، فأخبر عنها بالضرب الوجيع على سبيل التهكّم.

(٣) سبأ: ٢٤.


هو من لعنه الله. وهم اليهود أبعدهم الله من رحمته، وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات.

( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ ) أي: ومسخ بعضهم قردة، وهم أصحاب السبت( وَالْخَنازِيرَ ) وبعضهم جعل خنازير، وهم كفّار أهل مائدة عيسى. وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت، مسخت شبّانهم قردة، ومشايخهم خنازير.

( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) عطف على صلة «من». وقرأ حمزة: عبد الطاغوت بضمّ الباء والإضافة، عطفا على القردة، أي: جعل منهم عبد الطاغوت، وهي للمبالغة في العبوديّة، نحو حذر ويقظ. والمعنى: أنّه خذلهم حتّى عبدوه. والمراد من الطاغوت العجل. وقيل: الكهنة، وكلّ من أطاعوه في معصية الله تعالى.

( أُولئِكَ ) الملعونون الممسوخون( شَرٌّ مَكاناً ) جعل مكانهم شرّا ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم. وقيل: مكانا منصرفا.( وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) قصد الطريق المتوسّط بين غلوّ النصارى وقدح اليهود. والمراد من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقا، لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشرارة والضلالة. أو يكون من باب المماشاة والإنصاف في الخطاب.

قال المفسّرون: فلمّا نزلت هذه الآية عيّر المسلمون أهل الكتاب، وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فنكسوا رؤوسهم وافتضحوا.

( وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) ) ثمّ قال في شأن جماعة من اليهود نافقوا رسول الله، أو في عامّة المنافقين:( وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) أي: يخرجون من عندك كما دخلوا، لم يؤثّر فيهم ما سمعوا منك. والجملتان حالان من فاعل «قالوا».


و «بالكفر» و «به» حالان من فاعلي «دخلوا» و «خرجوا»، أي: دخلوا وخرجوا ملتبسين بالكفر. و «قد» وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصحّ أن يقع حالا، أفادت أيضا ـ لـما فيها من التوقّع ـ أنّ أمارة النفاق كانت لائحة عليهم، وكان الرسول يظنّه، ولذلك قال:( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ) أي: من الكفر. وفيه وعيد لهم.

( وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه يضمّون إلى نفاقهم خصلة أخرى ذميمة، فقال:( وَتَرى


كَثِيراً مِنْهُمْ ) أي: من اليهود أو المنافقين( يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ ) أي: الحرام. وقيل: الكذب، لقوله:( عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ ) . وقيل: كلمة الشرك، نحو قولهم:( عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ) (١) .( وَالْعُدْوانِ ) الظلم، أو مجاوزة الحدّ في المعاصي. وقيل: الإثم ما يختصّ بهم، والعدوان ما يتعدّى إلى غيرهم.( وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) أي: الحرام الّذي هو الرشوة في الحكم. خصّه بالذكر للمبالغة.( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) لبئس شيئا عملوه.

قال أهل المعاني: إنّ أكثر ما تستعمل المسارعة في الخير، كقوله تعالى:( يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) (٢) . وفائدة إيثار لفظ المسارعة هاهنا ـ وإن كان لفظ العجلة أدلّ على الذمّ ـ أنّهم يعملونه كأنّهم محقّون فيه، ولذلك قال ابن عبّاس في تفسيره: أنّهم يجترءون على الخطأ.

( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ ) العلماء بالدين الذين من قبل الربّ( وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ ) الإثم: الكذب أو كلمة الشرك( وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإنّ «لولا» إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض.

( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) أبلغ من قوله: لبئس ما كانوا يعملون، من حيث إنّ الصنع عمل الإنسان بعد تدرّب فيه وتروّ وتحرّي إجادة، ولذلك ذمّ به خواصّهم، ولأنّ ترك الحسبة أقبح من مواقعة المعصية، لأنّ النفس تلتذّ بها وتميل إليها، ولا كذلك ترك الإنكار عليها، فكان جديرا بأبلغ الذمّ، فترك النهي عن الكبيرة أعظم من ارتكابها.

وعن ابن عبّاس: هي أشدّ آية في القرآن. وعن الضحّاك: ما في القرآن آية

__________________

(١) التوبة: ٣٠.

(٢) آل عمران: ١١٤.


أخوف عندي منها.

( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) أي: مقبوضة عن العطاء، ممسكة عن الرزق.

يعني: هو ممسك يقتر الرزق. وغلّ اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) (١) . ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغلّ وبسط، ولذلك يستعمل حيث لا يتصوّر ذلك، كقوله :

جاد الحمى بسط اليدين بوابل

شكرت نداه تلاعه ووهاده(٢)

وقيل: معناه أنّه فقير، كقوله:( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) (٣) .

( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) دعاء عليهم بالبخل والنكد، أو بالفقر والمسكنة، ولذلك كانوا أبخل خلق الله وأرذلهم. ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغلّ الأيدي حقيقة، يغلّون في الدنيا أسارى، وفي الآخرة في النار، فتكون المطابقة من حيث اللفظ والأصل، كقولهم: سبّني سبّ الله دابره، أي: قطعه، لأنّ السبّ أصله القطع. ويجوز أن يكون إخبارا بأنّهم ألزموا البخل وجعلوا بخلاء.

( وَلُعِنُوا بِما قالُوا ) وأبعدوا عن رحمة الله، وعذّبوا بهذه المقالة، وليس الأمر على ما وصفوه( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) بل هو الجواد. وليس لذكر اليد هنا معنى غير إفادة معنى الجود. وثنّى اليد مبالغة في الردّ ونفي البخل عنه، وإثباتا لغاية الجود، فإنّ غاية ما يبذله السخيّ من ماله أن يعطيه بيديه، وتنبيها على منح الدنيا

__________________

(١) الإسراء: ٢٩.

(٢) أي: أمطر السحاب أرض الحمى بمطر كثير فأنبتت وأزهرت، فشكرته الأراضي المرتفعة والمنخفضة. فشبّه السحاب بإنسان كريم على سبيل المكنية، وإثبات اليدين وبسطها تخييل. والوابل: المطر الشديد. والندى: الجود والفضل والخير. والتلعة: الأرض المرتفعة، وجمعه: تلاع. والوهدة: الأرض المنخفضة، وجمعه وهاد ولم نعلم قائل الشعر.

(٣) آل عمران: ١٨١.


والآخرة، وعلى ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام.

( يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) تأكيد لذلك، أي: هو مختار في إنفاقه، يوسّع تارة ويضيّق أخرى على حسب حكمته ووفق مصلحته. ولا يجوز جعله حالا من الهاء، للفصل بينهما بالخبر، ولأنّها مضاف إليها، ولا من اليدين، إذ لا ضمير لهما فيه، ولا من ضميرهما لذلك.

والآية نزلت في فنحاص بن عازوراء، فإنّه قال ذلك لـمّا كفّ الله تعالى عن اليهود ما بسط عليهم من السعة، بشؤم تكذيبهم محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشرك فيه الآخرون، لأنّهم رضوا بقوله.

( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ) أي: هم طاغون كافرون، ويزدادون طغيانا وكفرا بما يسمعون من القرآن، تماديا في الجحود، وحسدا وكفرا بآيات الله تعالى، فيضمّون كفرا إلى كفرهم، كما يزداد المريض مرضا من تناول الغذاء الصالح للأصحّاء.

( وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) فلا تتوافق قلوبهم، ولا تتطابق أقوالهم، يعني: كلماتهم مختلفة وقلوبهم شتّى، فلا تقع بينهم موافقة.( كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ ) هذا صلة «أوقدوا»، أو صفة «نارا»( أَطْفَأَهَا اللهُ ) يعني: كلّما أرادوا محاربة الرسول وأثاروا شرّا عليه ردّهم الله، بأن أوقع بينهم منازعة كفّ بها عنه شرّهم.

وفي هذا دلالة على صحّة نبوّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّ اليهود كانوا في أشدّ باس وأمنع دار، حتّى إنّ قريشا كانت تعتضد بهم، وكان الأوس والخزرج تتكثّر بمظاهرتهم، فذلّوا وقهروا، وقتل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني قريظة، وأجلى بني النضير، وغلب على خيبر وفدك، فاستأصل الله شأفتهم، حتّى إنّ اليوم تجد اليهود في كلّ بلدة أذلّ الناس.


أو المعنى: كلّما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإنّهم لـمّا خالفوا حكم التوراة سلّط الله عليهم بختنصّر، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم فطرس الرومي، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المجوس، ثمّ أفسدوا فسلّط عليهم المسلمين.

( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) أي: للفساد. وهو اجتهادهم في محو ذكر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كتبهم، وتكذيب رسالته، ومخالفة أمره ونهيه، وكيدهم في إثارة الفتن وتهييج الحرب وهتك المحارم( وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) فلا يجازيهم إلّا شرّا.

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا ) بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبما جاء به( وَاتَّقَوْا ) ما عددنا من معاصيهم ونحوه( لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) الّتي فعلوها، ولم نؤاخذهم بها( وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) ولجعلناهم من الداخلين فيها.

وفيه تنبيه على عظم معاصيهم، وكثرة ذنوبهم، وأنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ، وأنّ الكتابي لا يدخل الجنّة ما لم يسلم.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) أي: أقاموا أحكام التوراة والإنجيل، وأذاعوا كلّ ما فيهما من حدودهما، وما فيهما من نعت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ) يعني: سائر الكتب المنزلة، لأنّهم كلّفوا الإيمان بجميعها، فإنّها من حيث إنّهم مكلّفون بالإيمان بها كالمنزّل إليهم. وقيل: هو القرآن. وهو المأثور عن ابن عبّاس، واختاره الجبائي.

( لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) أي: لوسّع الله عليهم أرزاقهم، بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض، أو يكثر ثمرة الأشجار، وغلّة الزروع، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنونها من رأس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض. فبيّن الله تعالى بذلك أنّ ما كفّ عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض، ولو أنّهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسّع عليهم، وجعل لهم خير الدارين.


ونظير ذلك قوله:( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) (١) .( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (٢) . فجعل الله تعالى التقوى من أسباب التوسعة في الرزق.

( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) مسلمة عادلة، آمنت بالنبيّ وبما جاء به، غير غالية ولا مقصّرة. وقيل: مقتصدة في عداوته. والأوّل قول مجاهد والسدّي وابن زيد، ومأثور عن أهل البيتعليهم‌السلام .( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) أي: بئس ما يعملونه.

وفيه معنى التعجّب، أي: ما أسوأ عملهم. وهو المعاندة، وتحريف الحقّ، والإعراض عنه، والإفراط في العداوة.

( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتبليغ، ووعده العصمة والنصرة، ليأمن من مكر المكرة من أهل الكفر والنفاق، فقال:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) هذا نداء تشريف وتعظيم( بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) جميع ما أنزل إليك غير مراقب أحدا ولا خائف مكروها، أي: ممّا أمرت بتبليغه من مصالح العباد، لا جميع ما أنزل كائنا ما كان، فإنّ من الأسرار الإلهيّة ما يحرم إفشاؤه.

( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ) وإن لم تبلّغ جميع ما أمرت بتبليغه( فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) فما أدّيت شيئا منها، لأنّ كتمان بعضها يضيّع ما أدّى منها، كترك أركان الصلاة، فإنّ غرض الدعوة ينتقض به. أو: فكأنّك ما بلّغت شيئا منها، كقوله :

__________________

(١) الجن: ١٦.

(٢) الطلاق: ٢ ـ ٣.


( فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) (١) من حيث إنّ كتمان البعض والكلّ سواء في الشناعة واستجلاب العقاب.

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: رسالاته.

( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) عدة وضمان من الله بعصمته من تعرّض الأعادي، وإزاحة لمعاذيره. والمعنى: والله يضمن لك العصمة من أن ينالوك بسوء، فما عذرك في مراقبتهم؟

( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) يريد أن لا يمكّنهم ممّا يريدون بك من مكروه. الآية نزلت بعد وقعة أحد وحنين.

وروى العيّاشي في تفسيره بإسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله قالا: «إنّ الله تعالى أمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينصب عليّاعليه‌السلام علما للناس ليخبرهم بولايته. فتخوّف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقولوا حامى ابن عمّه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، وأن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت هذه الآية. فأخذ بيده يوم الغدير وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه»(٢) .

وعلى هذا، من قرأ: «فما بلغت رسالاته» معناه: إن لم تبلّغ هذه الرسالة فما بلّغت إذن ما كلّفت به من الرسالات، وكنت كأنّك لم تؤدّ منها شيئا قطّ، لأنّك إذا لم تؤدّها فكأنّك أغفلت أداءها جميعا.

وهذا الخبر بعينه قد حدّث به السيّد أبو الحمد، عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني، بإسناده عن ابن أبي عمير إلى آخره، في كتاب شواهد التنزيل(٣) لقواعد التفضيل.

__________________

(١) المائدة: ٣٢.

(٢) تفسير العيّاشي ١: ٣٣١ ح ١٥٢.

(٣) شواهد التنزيل ١: ٢٥٥ ح ٢٤٩.


وفيه أيضا بالإسناد المرفوع إلى حيّان بن علي العنزي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: «نزلت هذه الآية في عليّعليه‌السلام ، فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، أللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه»(١) .

وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره، بإسناده مرفوعا إلى ابن عبّاس قال: «نزلت هذه الآية في عليٍّعليه‌السلام ، أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبلّغ فيه، فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّ فقال: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، أللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».

وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستخلف عليّا، فكان يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره بأدائه.

والمعنى: إن تركت تبليغ ما أنزل إليك وكتمته، كنت كأنّك لم تبلّغ من رسالات ربّك في استحقاق العقوبة.

وعن أنس: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحرس حتّى نزلت هذه الآية، فأخرج رأسه من قبّة أدم فقال لحرّاس من أصحابه ـ منهم سعد وحذيفة ـ: الحقوا بملاحقكم، فإنّ الله تعالى عصمني من الناس.

( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) )

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٢٥١ ح ٢٤٥.


عن ابن عبّاس: جاء جماعة من اليهود إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا له: ألست تقرّ بأنّ التوراة من عند الله؟ قال: بلى. قالوا: فإنّا نؤمن بها، ولا نؤمن بما عداها، فنزلت:( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ )

أي: على دين يعتدّ به، ويصحّ أن يسمّى شيئا، لأنّه باطل، كما تقول: هذا ليس بشيء، تريد تحقيره وتصغير شأنه( حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) بالتصديق بما فيهما من البشارة بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والعمل بما فيهما( وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) من سائر الكتب الإلهيّة ومن القرآن، ومن جملة إقامتها الإيمان بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإذعان لحكمه، فإنّ الكتب الإلهيّة بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدّقه المعجزة، ناطقة بوجوب الطاعة له. والمراد إقامة أصولها، وما لم ينسخ من فروعها.

( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) فلا تتأسّف ولا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلّغه إليهم، فإنّ ضرر ذلك يرجع إليهم، لا يتخطّاهم، وفي المؤمنين مندوحة وغناء لك عنهم. وفيه تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي: فلا تحزن، فإنّ تكذيب الأنبياء عادتهم ودأبهم.

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) إيمانا ظاهرا، يعني: المنافقين( وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ


وَالنَّصارى ) سبق تفسيره في سورة البقرة(١) . وقال سيبويه والخليل وجميع البصريّين: إنّ قوله: «والصابئون» محمول على التأخير، ومرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والنيّة به التأخير عمّا في حيّز «إن»، من اسم «إنّ» وخبرها. والتقدير: إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، كقوله: فإنّي وقيّار بها لغريب(٢) ، أي: وإنّي لغريب وقيّار بها لغريب.

وهو كاعتراض دلّ به على أنّه لـمّا كان الصابئون الّذين صبأوا ـ أي: خرجوا عن الأديان كلّها ـ مع ظهور ضلالهم، وميلهم عن جميع الأديان، يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان والعمل الصالح، كان غيرهم أولى بذلك.

و «النصارى» يجوز عطفه أن يكون معطوفا على «الصابئون»، و «من آمن» خبر هما، وخبر «إنّ» مقدّر دلّ عليه ما بعده، كقوله :

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راض والرأي مختلف

ولا يجوز عطفه على محلّ «إنّ» واسمها، فإنّه مشروط بالفراغ من الخبر، ولهذا لا يقال: إنّ زيدا وعمرو منطلقان، إذ لو عطفت عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ وخبر إنّ معا، فيجتمع عليه عاملان. ولا على الضمير في «هادوا»، لعدم التأكيد، والفصل، ولأنّه يوجب كون الصابئين هودا. وقيل: «إنّ» بمعنى «نعم»، وما بعدها في موضع الرفع بالابتداء.

( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) إيمانا ظاهرا وباطنا( وَعَمِلَ صالِحاً ) المعطوف والمعطوف عليه في محلّ الرفع بالابتداء، وخبره( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) . والجملة خبر «إنّ»، والفاء لتضمّن المبتدأ معنى الشرط. أو خبر المبتدأ كما مرّ، والراجع محذوف، أي: من آمن منهم. أو في محلّ النصب على أنّه بدل من

__________________

(١) راجع ج ١ ص ١٦٠.

(٢) لضابئ بن الحرث البرجمي، وصدره: فمن يك أمسى بالمدينة رحله.


اسم «إنّ» وما عطف عليه.

( لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) بالتوحيد والبشارة بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً ) ليذكّروهم، وليبيّنوا لهم أمر دينهم من الأوامر والنواهي( كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ ) بما يخالف هواهم، ولا يوافق مرادهم من الشرائع ومشاقّ التكاليف( فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) جواب الشرط. والجملة صفة «رسلا»، والراجع محذوف، أي: رسول منهم. وقيل: الجواب محذوف دلّ عليه قوله: «فريقا» إلى آخره. وهو استئناف، كأنّه جواب سائل يسأل عنهم كيف فعلوا برسلهم؟ وإنّما جيء بـ «يقتلون» موضع «قتلوا» على حكاية الحال الماضية، استحضارا لتلك الحال الشنيعة ليتعجّب بها، واستفظاعا للقتل، وتنبيها على أنّ ذلك عادتهم ماضيا ومستقبلا، ومحافظة على رؤوس الآي.

( وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أي: وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بسبب قتلهم الأنبياء وتكذيبهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب: «لا تكون» بالرفع، على أنّ «أن» هي المخفّفة من الثقيلة، وأصله: أنّه لا تكون. وإدخال فعل الحسبان عليها ـ وهي لتحقيق ـ تنزيل له منزلة العلم، لتمكّنه في قلوبهم، و «أن» أو «أنّ» بما في حيّزها سادّ مسدّ مفعوليه.

( فَعَمُوا ) عن الدين، أو عن الدليل والهدى( وَصَمُّوا ) عن استماع الحقّ، كما فعلوا حين عبدوا العجل( ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) أي: ثمّ تابوا فتاب الله عليهم( ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ) كرّة أخرى بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله تعالى، وهو الرؤية( كَثِيرٌ مِنْهُمْ ) بدل من الضمير أو فاعل، والواو علامة الجمع، كقولهم: أكلوني البراغيث. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: العمي والصمّ كثير منهم. قيل: أراد


بكثير منهم من كان في عصر نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) فيجازيهم على وفق أعمالهم.

( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) )

ثمّ احتجّ سبحانه على النصارى فقال:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) هذا مذهب اليعقوبيّة منهم، لأنّهم قالوا: إنّه تعالى اتّحد بالمسيح اتّحاد الذات، فصارا شيئا واحدا، فصار الناسوت لاهوتا، وذلك قولهم: إنّ المسيح هو الإله.

( وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) أي: إنّي عبد مربوب مخلوق مثلكم، فاعبدوا خالقي وخالقكم( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ ) في عبادته، أو فيما يختصّ به من الصفات والأفعال( فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) يمنع من دخولها، كما يمنع المحرّم من المحرّم عليه، فإنّها دار الموحّدين( وَمَأْواهُ النَّارُ ) فإنّها المعدّة للمشركين( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) أي: وما


لهم أحد ينصرهم من النار، ويخلّصهم من عذابها. فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أنّهم ظلموا بالإشراك، وعدلوا عن طريق الحقّ. وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى، وأن يكون من كلام الله تعالى، تنبيها على أنّهم قالوا ذلك تعظيما لعيسى وتقرّبا إليه، وهو معاديهم بذلك ومخاصمهم فيه، فما ظنّك بغيره؟! ثمّ أقسم سبحانه قسما آخر بقوله:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي: أحد ثلاثة. وهو حكاية عمّا قاله النسطوريّة والملكانيّة منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة، أي: الأصول الثلاثة: ابن، وأب، وروح القدس( وَما مِنْ إِلهٍ ) وما في الوجود ذات واجب مستحقّ للعبادة من حيث إنّه مبدأ جميع الموجودات( إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ) موصوف بالوحدانيّة، متعال عن الشرك. و «من» مزيدة للاستغراق.

( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ) ولم يوحّدوا( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) ليمسّنّ الّذين بقوا منهم على الكفر، فتكون «من» للتبعيض. أو ليمسّنّ الّذين كفروا من النصارى، فتكون بيانيّة. ووضعه موضع: ليمسّنّهم، تكريرا للشهادة على كفرهم، وتنبيها على أنّ العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه، ولذلك عقّبه بقوله:( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ) أي: أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد الباطلة والأقوال الزائغة، ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتّحاد والحلول، بعد هذا التقرير والتهديد الشديد؟( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يغفر الذنوب ويسترها رحمة منه لعباده. وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم.

والفرق بين التوبة والاستغفار: أنّ الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء أو التوبة أو غيرهما من الطاعات، والتوبة الندم على المعصية مع العزم على أن لا يعود إلى مثلها في القبح.


( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر مقالات النصارى، عقّبه بالردّ عليهم والحجاج لهم، فقال:( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) أي: ما هو إلّا رسول كالرسل قبله، خصّه الله تعالى بالآيات كما خصّهم بها، فإنّ إحياء الموتى على يده، فقد أحيا العصا، وجعلها حيّة تسعى على يد موسى، وهو أعجب. وإن خلقه من غير أب، فقد خلق آدمعليه‌السلام من غير أب وأمّ، وهو أغرب.

( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) صدّقت بكلمات ربّها وكتبه، وما هي إلّا كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق، أو يصدّقن الأنبياء( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) أي: يفتقران إلى الغذاء وما يتبعه من الهضم والنقص افتقار الحيوانات، فلم يكونا إلّا جسما مؤلّفا محدثا. وقيل: إنّه كناية عن قضاء الحاجة، فكأنّه ذكر الأكل وقصد بذلك عاقبته.

فبيّن الله سبحانه أوّلا أقصى ما لهما من الكمال، ودلّ على أنّه لا يوجب لهما ألوهيّة، لأنّ كثيرا من الناس يشاركهما في مثله. ثمّ نبّه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبيّة، وما يقتضي أن يكونا من عداد المركّبات الكائنة الفاسدة.


ثمّ عجب ممّن يدّعي الربوبيّة لهما مع أمثال هذه الأدلّة الظاهرة، فقال:( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ) الأعلام، من الأدلّة الظاهرة على بطلان قولهم( ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) كيف يصرفون عن استماع الحقّ وتأمّله. و «ثمّ» لتفاوت ما بين العجبين، أي: بياننا للآيات عجب، وإعراضهم عنها أعجب.

( قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) المعنيّ بقوله:( ما لا يَمْلِكُ ) عيسىعليه‌السلام . وهو وإن ملك ذلك بتمليك الله إيّاه، لا يملكه من ذاته، ولا يملك مثل ما يضرّ الله به من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصحّة والسعة. وإنّما قال: «ما» نظرا إلى ما هو عليه في ذاته، توطئة لنفي القدرة عنه رأسا، وتنبيها على أنّه من هذا الجنس، ومن كان هذا حقيقته فبمعزل عن الألوهيّة. وإنّما قدّم الضرّ، لأنّ التحرّز عنه أهمّ من تحرّي النفع.

( وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) بالأقوال والعقائد، فيجازي عليها إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ.

( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِ ) صفة للمصدر، أي: غلوّا باطلا، بأن تتجاوزوا الحدّ الّذي حدّه الله لكم إلى الازدياد. وضدّه التقصير، أي: الخروج عن الحدّ إلى النقصان. فترفعوا عيسى إلى أن تدّعوا له الإلهيّة، أو تضعوه فتزعموا أنّه لغير رشدة، بل اتّبعوا الاقتصاد. وقيل: الخطاب للنصارى خاصّة.

( وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ ) يعني: أسلافهم وأئمّتهم الّذين قد ضلّوا قبل مبعث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شريعتهم( وَأَضَلُّوا كَثِيراً ) باقتفائهم على بدعهم وضلالهم، بعد دعائهم وإغوائهم إيّاهم( وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لـمّا كذّبوه وبغوا عليه. وقيل: الأوّل إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، والثاني إشارة إلى ضلالهم عمّا جاء به الشرع.


( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) )

ثمّ أخبر سبحانه عمّا جرى على أسلافهم، فقال:( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) أي: لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى.

وقيل: هم أهل أيلة لـمّا اعتدوا في السبت لعنهم داودعليه‌السلام ، فقال: أللّهمّ ألبسهم اللعنة مثل الرداء، فمسخهم الله قردة. وأصحاب المائدة لـمّا كفروا بعد نزول المائدة، دعا عليهم عيسىعليه‌السلام ولعنهم، فقال: أللّهمّ عذّب من كفر بعد ما أكل المائدة عذابا لا تعذّبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل. وهذا القول منقول عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام .

( ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرّم الله عليهم.

ثمّ بيّن حالهم فقال:( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) أي: لا ينهى بعضهم بعضا عن معاودة منكر فعلوه. أو عن مثل منكر فعلوه. أو عن منكر أرادوا فعله


وتهيّؤا له. أو لا ينتهون عنه، بأن يصرّون عليه ويداومون على فعله، من قولهم: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع.( لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) تعجيب من سوء فعلهم مؤكّد بالقسم.

وقال ابن عبّاس: كان بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة اعتدوا في السبت، وفرقة نهوهم ولكن لم يدعوا مجالستهم ولا مؤاكلتهم، وفرقة لـمّا رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم، وبقيت الفرقتان المعتدية والناهية المخالطة، فلعنوا جميعا.

قيل: إنّ المراد بالمنكر هنا صيدهم السمك يوم السبت. وقيل: المراد آخذو الرشا في الأحكام. وقيل: أكلهم الربا وأثمان الشحوم.

( تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ ) من أهل الكتاب( يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يوالون المشركين ويصادقونهم، بغضا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين. وقال أبو جعفرعليه‌السلام : يتولّون الملوك الجبّارين، ويزيّنون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم.

( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) أي: لبئس شيئا قدّموه ليردوا عليه يوم القيامة( أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ) هو المخصوص بالذمّ. والمعنى: لبئس زادهم إلى الآخرة موجب سخط الله تعالى والخلود في العذاب. أو هو علّة الذمّ، والمخصوص محذوف، أي: لبئس شيئا ذلك، لأنّه كسّبهم السخط والخلود في النار. والمراد بهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا(١) المشركين على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالوا: هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلا.

( وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِ ) يعني: محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ ) من القرآن( مَا اتَّخَذُوهُمْ ) ما اتّخذوا المشركين( أَوْلِياءَ ) كما لم يوالهم المسلمون، إذ الإيمان يمنع ذلك( وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) متمرّدون في كفرهم أو نفاقهم.

وعن ابن عبّاس: أنّ المراد بالنبيّ موسىعليه‌السلام ، وبما أنزل إليه التوراة. فيكون

__________________

(١) استجاش القوم، أي: حرّضهم.


المراد بهم اليهود الّذين جاهروا بالعداوة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتولّي للمشركين. فيكون معنى الموالاة التناصر والمعاونة على محاربة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعاداته.

( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) )

ثمّ ذكر سبحانه معاداة اليهود للمسلمين، فقال:( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) لشدّة عداوتهم، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتّباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرّنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما خلا يهوديّان بمسلم إلّا همّا بقتله».

ثمّ ذكر لين عريكة النصارى، فقال:( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ) للين جانبهم، ورقّة قلوبهم، وقلّة حرصهم على الدنيا، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل. وأشار إليه بقوله:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ ) علماء أحبارا


( وَرُهْباناً ) وعبّادا وزهّادا( وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) عن قبول الحقّ إذا فهموه، ويتواضعون ولا يتكبّرون كاليهود. وفيه دليل على أنّ التواضع والإقبال على العلم والعمل، والإعراض عن الشهوات، محمود وإن كانت من كافر.

ثمّ بيّن كيفيّة رقّة قلوبهم، وشدّة خشيتهم، ومسارعتهم إلى قبول الحقّ، وعدم تأبّيهم عنه، فقال: عطفا على «لا يستكبرون»:( وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ) يعني: القرآن( تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) . الفيض: انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنّها تفيض بأنفسها( مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ ) أي: بمعرفتهم بأنّ المتلوّ عليهم كلام الله تعالى. «من» الأولى للابتداء، والثانية لتبيين ما عرفوا، أو للتبعيض، فإنّه بعض الحقّ.

والمعنى: أنّهم عرفوا بعض الحقّ فأبكاهم، فكيف إذا عرفوا كلّه؟!( يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ) بذلك، أو بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( فَاكْتُبْنا ) في أمّ الكتاب، وهو اللوح المحفوظ. أو فاجعلنا بمنزلة من قد كتب( مَعَ الشَّاهِدِينَ ) من الّذين شهدوا بأنّه حقّ، أو بنبوّته، أو من أمّته الّذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة، كما قال الله تعالى:( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) (١) . وإنّما قالوا ذلك لأنّهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك.

( وَما لَنا ) لأيّ عذر( لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ ) ونرجو( أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ) من أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . استفهام إنكار واستبعاد، لانتفاء الايمان مع قيام الداعي، وهو الطمع في الانخراط مع الصلحاء، والدخول في مداخلهم. أو جواب سائل قال: لم آمنتم. و «لا نؤمن» حال من الضمير، والعامل ما في اللام من معنى الفعل، أي: أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله، أي: بوحدانيّته، فإنّهم كانوا مثلّثين، أو بكتابه ورسوله، فإنّ الإيمان بهما إيمان به حقيقة، وذكره

__________________

(١) البقرة: ١٤٣.


توطئة وتعظيما. ونطمع عطف على «نؤمن»، أو خبر محذوف والواو للحال، أي: ونحن نطمع، والعامل فيها عامل الأولى مقيّدا بها، أو «نؤمن».

( فَأَثابَهُمُ اللهُ ) جازاهم( بِما قالُوا ) أي: عن اعتقاد، من قولك: هذا قول فلان، أي: معتقده( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ) الّذين أحسنوا النظر والعمل. أو الّذين اعتادوا الإحسان في الأمور.

قال المفسّرون(١) : إنّ هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه. وبيان هذا: إنّ قريشا ائتمروا أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كلّ قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذّبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله تعالى منهم من شاء، ومنع الله رسوله بعمّه أبي طالب.

فلمّا رأى رسول الله ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم، ولم يؤمر بعد بالجهاد، أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إنّ بها ملكا صالحا لا يظلم، ولا يظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتّى يجعل الله للمسلمين فرجا.

وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة، وهو باللغة الحبشيّة عطيّة، وإنّما النجاشي لقب ملك الحبشة، كقولهم: كسرى وتبّع وقيصر، ألقاب ملوك فارس واليمن والروم.

فخرج إلى البحر سرّا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهذه هي الهجرة الأولى. ثمّ خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها. وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا، سوى النساء والصبيان.

فلمّا علمت قريش بذلك وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلى النجاشي ليردّوهم إلى مكّة. وكان عمارة بن الوليد شابّا حسن الوجه ،

__________________

(١) مجمع البيان ٣: ٢٣٣.


وخرج عمرو بن العاص وأهله معه، فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر، فقال: عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبّلني، فأبى. فلمّا انتشى(١) عمرو دفعه عمارة في الماء، ونشب(٢) عمرو في صدر السفينة وأخرج من الماء، وألقى الله العداوة بينهما في مسيرهما قبل أن يقدما إلى النجاشي.

ثمّ وردا على النجاشي، فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك إنّ قوما خالفونا في ديننا، وسبّوا آلهتنا، وصاروا إليك، فردّهم إلينا.

فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءه، فقال: أيّها الملك سلهم أعبيد نحن لهم؟

فقال: لا، بل أحرار.

قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟

قال: لا، مالنا عليكم ديون.

قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها؟

قال عمرو: لا.

قال: فما تريدون منّا، آذيتمونا فخرجنا من بلادكم؟! أيّها الملك، بعث الله فينا نبيّا، أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام. وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي.

فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى.

ثمّ قال النجاشي لجعفر: هل تحفظ ممّا أنزل الله على نبيّك شيئا؟

قال: نعم. فقرأ سورة مريم، فلمّا بلغ قوله:( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) (٣) قال: هذا والله هو الحقّ.

__________________

(١) أي: سكر.

(٢) أي: تعلّق.

(٣) مريم: ٢٥.


فقال عمرو: إنّه مخالف لنا فردّه إلينا.

فرفع النجاشي يده وضرب بها وجه عمرو، وقال: اسكت والله لإن ذكرته بعد بسوء لأفعلنّ بك كذا.

وقال: أرجعوا إلى هذا هديّته. وقال لجعفر وأصحابه: امكثوا فإنّكم سيوم، والسيوم الآمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق. فانصرف عمرو، وأقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار، إلى أن هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلا أمره، وهادن قريشا وفتح خيبر. فوافى جعفر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجميع من كانوا معه.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا أدري أنا بفتح خيبر أسرّ، أم بقدوم جعفر».

ووافى جعفر وأصحابه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سبعين رجلا، منهم اثنان وستّون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، فيهم بحيراء الراهب.

فقرأ عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سورة ياسين إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.

وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا، اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلا، أربعون من أهل نجران من بني الحارث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميّون من أهل الشام.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) )

ولـمّا ذكر سبحانه الوعد لمؤمنيهم، ذكر الوعيد لمن كفر منهم وكذب، فقال:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) عطف التكذيب بآيات الله على الكفر، وهو ضرب منه، لأنّ القصد إلى بيان حال المكذّبين. وذكرهم في معرض المصدّقين بها، جمعا بين الترغيب والترهيب.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) )

ولـمّا مدح النصارى على ترهّبهم وتزهّدهم وكسر نفسهم ورفض شهواتهم، عقّبه بالنهي عن الإفراط في ذلك، والاعتداء عن حدّ الله تعالى، بجعل الحلال حراما، كما كان الرهبان يفعلونه، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) أي: ما طاب ولذّ منه( وَلا تَعْتَدُوا ) حدود ما أحلّ لكم إلى ما حرّم عليكم( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .

مقتضى الآية النهي عن تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم، ليقصدوا حدّ الاقتصاد بينهما.

قال المفسّرون(١) : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلس يوما، فذكّر الناس وصف

__________________

(١) الكشّاف ١: ٦٧١، مجمع البيان ٣: ٢٣٥.


القيامة، فرقّ الناس وبكوا، واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم: عليّعليه‌السلام ، وأبو بكر، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذرّ الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن. واتّفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك(١) ، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسوح(٢) ، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، وهمّ بعضهم أن يجبّ مذاكيره.

فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتى دار عثمان فلم يصادفه، فقال لامرأته أمّ حكيم بنت أبي أميّة ـ واسمها حولاء، وكانت عطّارة ـ: أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟

فكرهت أن تكذب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك. فانصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلمّا دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو وأصحابه. فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألم أنبئكم أنّكم اتّفقتم على كذا وكذا؟

قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلّا الخير.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لم أومر بذلك. ثمّ قال: إنّ لأنفسكم عليكم حقّا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإنّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، فنزلت.

ثمّ جمع الناس وخطبهم، وقال: ما بال أقوام حرّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا؟ أما إنّي لست آمركم أن تكونوا قسّيسين ورهبانا، فإنّه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتّخاذ الصوامع، وإنّ سياحة أمّتي الصوم ،

__________________

(١) الودك: الدسم من اللحم والشحم.

(٢) المسح: ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفا وتزهّدا، وجمعه مسوح.


ورهبانيّتهم الجهاد. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجّوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع. فأنزل الله الآية.

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «نزلت في عليّعليه‌السلام وبلال وعثمان بن مظعون. فأمّا عليٌّعليه‌السلام فإنّه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلّا ما شاء الله. وأمّا بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا. وأمّا عثمان بن مظعون فإنّه حلف أن لا ينكح أبدا.

فأنزل الله تعالى هذه الآية في شأنهم.

ثمّ قال:( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) لفظه الأمر والمراد به الإباحة. و «من» ابتدائيّة متعلّقة بـ «كلوا». ويجوز أن تكون مفعولا.( حَلالاً طَيِّباً ) أي: مباحا لذيذا.

فإن قيل: إذا كان الرزق كلّه حلالا فلم قيّد هاهنا بقوله: «حلالا»؟

أجيب بأنّه حال مؤكّدة من الموصول، فذكر هاهنا على وجه التأكيد. ويجوز أن يكون مصدرا بغير لفظ فعله، من قبيل قولك: قعدت جلوسا حسنا، فكأنّه قال: ممّا حلّل الله لكم حلالا طيّبا. فلا يرد قول البيضاوي(١) في تفسيره: «لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة».

( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيّها المؤمنون بالله لا تضيّعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى، فتكون عليكم الحسرة العظمى، واتّقوا في تحريم ما أحلّه الله لكم، وفي جميع معاصيه.

وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهية التخلّي والتفرّد والتوحّش، والخروج عمّا عليه الجمهور من التأهّل وطلب الولد وعمارة الأرض. وقد روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل. وقال: «إنّ المؤمن حلو

__________________

(١) تفسير البيضاوي ٢: ١٦٦.


يحبّ الحلاوة». وقال: «في بإن المؤمن زاوية لا يملؤها إلّا الحلواء».

وروي أنّ الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقد السنجي فقال: «يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله ولا أحبّ أكله. فأقبل الحسن على غيره كالمتعجّب وقال: لعاب النحل بلباب البرّ مع سمن البقر هل يعيبه مسلم؟».

قيل: لـمّا نزلت:( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) .

وقيل: نزلت في عبد الله بن رواحة، كان عنده ضيف فأخّرت زوجته عشاءه، فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضّيف لا يأكل إن لم يأكلا. فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه، فأخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك، فقال له: أحسنت.

واللغو في اليمين هو ما يسبق إلى اللسان من غير قصد، مثل قول القائل: لا والله وبلى والله لأفعلنّ كذا، ممّا يؤكّد به كلامه من غير قصد إلى القسم، حتّى لو قيل له: إنّك حلفت؟ قال: لا. وهو المرويّ عن الصادق والباقرعليهما‌السلام .

وبه قال الشافعي.

وعند أبي حنيفة: هو أن يحلف على شيء لظنّه أنّه على ما حلف، ولم يكن.

و «في أيمانكم» صلة «يؤاخذكم» أو اللغو، لأنّه مصدر أو حال من اللغو.

( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) وثّقتم الأيمان عليه بالقصد والنيّة.

والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم إذا حنثتم، أو بنكث ما عقدّتم، فحذف للعلم به عرفا، ولإجماع الأمّة على أنّ الكفّارة لا تجب إلّا بعد الحنث.

وقرأ الكسائي وابن عيّاش عن عاصم: عقّدتم بالتخفيف، وابن عامر برواية ابن ذكوان: عاقدتم. وهو من: فاعل بمعنى: فعل. ويحتمل أن تكون ما مصدريّة، ومعناه: ولكن يؤاخذكم بعقدكم، أو بتعقيدكم، أو بمعاقدتكم الأيمان.

( فَكَفَّارَتُهُ ) أي: كفّارة ما عقّدتم إذا حنثتم. أو فكفّارة نكثه، أي: الفعلة الّتي


تذهب إثمه وتستره( إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ) .

اختلف في مقدار ما يعطى كلّ مسكين، فقال الشافعي: مدّ من طعام. وقال أبو حنيفة: نصف صاع من حنطة، أو صاع من شعير أو تمر، وكذلك سائر الكفّارات. وقال أصحابنا: يعطى كلّ واحد مدّين أو مدّا على أصحّ الروايتين. والمدّ رطلان وربع. ويجوز أن يجمعهم على ما هذا قدره ليأكلوه. ولا يجوز أن يعطى خمسة ما يكفي عشرة. فإن كان المساكين ذكورا أو إناثا جاز ذلك، ولكن وقع بلفظ التذكير، لأنّه يغلّب في كلام العرب.

( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ) من أقصده في النوع أو القدر، فإنّ من الناس من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر. وأفضله الخبز واللحم، وأدونه الخبز والملح.

ومحلّ( مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ ) النصب، لأنّه صفة مفعول محذوف، تقديره: أن تطعموا عشرة مساكين طعاما من أوسط ما تطعمون. أو الرفع على البدل من «إطعام». وأهلون كأرضون.

( أَوْ كِسْوَتُهُمْ ) عطف على «إطعام»، أو «من أوسط» إن جعل بدلا. قيل: لكلّ واحد منهم ثوب. وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: ما يقع عليه اسم الكسوة. والّذي رواه أصحابنا أنّ لكلّ واحد ثوبين: مئزرا وقميصا، وعند الضرورة يجزي قميص واحد.

( أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) أو إعتاق إنسان، عبد أو أمة. والرقبة يعبّر بها عن جملة الشخص. وهو كلّ رقبة سليمة من الآفات والعاهات، صغيرة كانت أو كبيرة، مؤمنة كانت أو كافرة، لأنّ اللفظة مطلقة مبهمة، إلّا أنّ المؤمن أفضل عند أبي حنيفة. وأمّا عند أصحابنا الإيمان شرط فيها، للرواية الصحيحة عن أئمّتناعليهم‌السلام . وهذه الثلاثة واجبة على التخيير. وقيل: إنّ الواجب منها واحد لا بعينه. وبيان هذا الاختلاف


مذكور في أصول الفقه.

( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) واحدا منها( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) فكفّارته صيام ثلاثة أيّام.

وحدّ من ليس بواجد: من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليله.

ويجب التتابع في صوم هذه الثلاثة، للرواية. وعليه أبو حنيفة. وقيل: لا يجب، نظرا إلى ظاهر الآية. وهو قول الشافعي. والأوّل اختيار أصحابنا، وإجماعهم عليه.

( ذلِكَ ) أي: المذكور( كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) أي: حلفتم وحنثتم( وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) بأن تضنّوا بها ولا تبذلوها لكلّ أمر. أو بأن تكفّروها إذا حنثتم. أو احفظوها عن الحنث.( كَذلِكَ ) مثل ذلك البيان( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ ) أعلام شرائعه( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) على تبيينه لكم أموركم، وعلى نعمه عليكم.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) )

وبعد النهي عن تحريم المحلّلات الطيّبة، نهى عن الإقدام على المحرّمات


الخبيثة، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ ) قال ابن عبّاس: يريد بالخمر جميع الأشربة الّتي تسكر، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الخمر من تسع: من البتع، وهو العسل، ومن العنب، ومن الزبيب، ومن التمر، ومن الحنطة، ومن الذرة، والشعير، والسلت».

( وَالْمَيْسِرُ ) المراد جميع أنواع القمار، ومنها اللعب بالنرد، والشطرنج، ولعب الصبيان بالجوز والبيض.( وَالْأَنْصابُ ) أي: الأصنام الّتي نصبت للعبادة.

( وَالْأَزْلامُ ) أقداح القمار. وقد سبق(١) تفسيرها في أوائل السورة.

( رِجْسٌ ) خبيث قذر تعاف عنه العقول. وإفراده لأنّه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف. أو لمضاف محذوف، كأنّه قال: إنّما تعاطي الخمر والميسر.

( مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) لأنّه مسبّب عن تسويله وتزيينه( فَاجْتَنِبُوهُ ) الضمير لعمل الشيطان، أو للرجس، أو لـما ذكر، أو للتعاطي( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) لكي تفلحوا بالاجتناب عنه.

واعلم أنّ الله تعالى أكّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية، بأن صدّر الجملة بـ «إنّما». وقرنهما بالأنصاب والأزلام. ولهذا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «شارب الخمر كعابد الوثن».

وسمّاهما رجسا. وجعلهما من عمل الشيطان، تنبيها على أنّ الاشتغال بهما شرّ بحت. وأمر بالاجتناب عن عينهما. وجعله سببا يرجى منه الفلاح.

ثمّ قرّر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدنيويّة والدينيّة المقتضية للتحريم، فقال:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) إنّما خصّهما بإعادة الذكر، وشرح ما فيهما من الوبال، تنبيها على أنّهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنّهما مثلهما في الحرمة والشرارة. وخصّ الصّلاة من الذكر للتعظيم ،

__________________

(١) راجع ص: ٢١٥.


والإشعار بأنّ الصادِّ عنها كالصادّ عن الإيمان، من حيث إنّها عماده، والفارق بينه وبين الكفر.

ثمّ أعاد الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام، مرتّبا على ما تقدّم من أنواع الصوارف، فقال:( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) إيذانا بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية، وأنّ الأعذار قد انقطعت، أي: فهل أنتم مع ما تلي عليكم من هذه الصوارف منتهون؟ صيغته الاستفهام، ومعناه النهي البليغ، لأنّ الله تعالى ذمّ هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب ثمّ استفهم عن تركه لم يسعه إلّا الإقرار بالترك، فكأنّه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه فصار المنتهي بقوله:( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) في محلّ من عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن يقال: انتهوا ولا تفعلوا.

قال ابن عبّاس: إنّ هاتين الآيتين نزلتا حين دعا سعد بن أبي وقّاص رجلا من الأنصار كان مواخيا له إلى طعام، فبعد الأكل وشرب النبيذ سكرا، فوقع بين الأنصاري وسعد مراء ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لحي(١) جمل فضرب به سعدا، ففزر(٢) أنفه.

ولـمّا أمر الله سبحانه باجتناب الخمر وما بعدها، عقّبه بالأمر بالطاعة له فيه وفي غيره، فقال:( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) فيما أمرا به( وَاحْذَرُوا ) عمّا نهيا عنه، أو عن مخالفتهما( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) ولم تعملوا بما أمركم( فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) فاعلموا أنّكم لم تضرّوا الرسول بتولّيكم، فإنّما عليه البلاغ وقد أدّى، وإنّما ضررتم به أنفسكم. فهذا وعيد وتهديد.

روي عن ابن عبّاس وأنس بن مالك والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة

__________________

(١) اللحي: عظم الحنك الذي عليه الأسنان، وجمعه ألح ولحيّ.

(٢) فزر يفزره، أي: شقّه وكسره.


والضحّاك: أنّه لـمّا نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول الله فكيف بإخواننا الّذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟ فنزلت:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) من الخمر والميسر قبل نزول آية التحريم. أو من أيّ شيء طعموه من مستلذّات المطاعم ومشتهياتها. وفي تفسير أهل البيتعليهم‌السلام : فيما طعموا من الحلال. وهذه اللفظة صالحة للأكل والشرب.

( إِذا مَا اتَّقَوْا ) شربها بعد التحريم، أو ما حرّم عليهم من المطاعم.( وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة( ثُمَّ اتَّقَوْا ) أي: داموا على الاتّقاء( وَآمَنُوا ) وداموا على الإيمان( ثُمَّ اتَّقَوْا ) عن جميع المعاصي( وَأَحْسَنُوا ) وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها. فالاتّقاء الأوّل اتّقاء الشرب بعد التحريم، والاتّقاء الثاني هو الدوام على ذلك، والثالث اتّقاء جميع المعاصي وضمّ الإحسان إليه.

وقيل: الاتّقاء الأوّل هو اتّقاء المعاصي العقليّة الّتي تختصّ المكلّف به ولا تتعدّاه. والإيمان الأوّل الإيمان بالله وبما أوجب الإيمان به، والإيمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنّبها. والاتّقاء الثاني هو اتّقاء المعاصي السمعيّة، والإيمان بقبحها ووجوب اجتنابها. والاتّقاء الثالث يختصّ بمظالم العباد، وبما يتعدّى إلى الغير من الظلم والفساد. أو الأوّل الماضي، والثاني الحال، والثالث المستقبل.

وفي الأنوار: «ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة. أو باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى، والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدّل الإيمان بالإحسان في الكرّة الثالثة، إشارة إلى ما قالهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تفسيره: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه».

أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ، والوسط، والمنتهى. أو باعتبار ما يتّقى، فإنّه ينبغي أن تترك المحرّمات توقّيا من العقاب والشبهات، وتحفّظا للنفس عن الوقوع في الحرام


وبعض المباحات، وصونا للنفس عن الخسّة، وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة»(١) .

( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فلا يؤاخذهم بشيء. وفيه أنّ من فعل ذلك صار محسنا، ومن صار محسنا صار لله محبوبا.

قال علم الهدى(٢) رحمه‌الله : «إنّ المفسّرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الّذي تضمّنته الآية، وظنّوا أنّه المشكل منها، وتركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار، وهو أنّه تعالى نفى الجناح عن الّذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتّقاء والإيمان وعمل الصالحات، والحال أنّهما ليسا بشرط في نفي الجناح، فإنّ المباح إذا وقع من الكافر فلا إثم عليه ولا وزر.

ولنا في حلّ هذه الشبهة: أنّ الإيمان وعمل الصالحات هنا ليس بشرط حقيقيّ، وإن كان معطوفا على الشرط، فكأنّه تعالى لـمّا أراد أن يبيّن وجوب الإيمان وعمل الصالحات عطفه على ما هو واجب من اتّقاء المحارم، لاشتراكهما في الوجوب، وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيمن يطعم. وهذا توسّع في البلاغة يحار العقل فيه استحسانا واستغرابا.

أو نضمّ إلى المشروط المصرّح به غيره حتى يظهر تأثير ما شرط. فيكون تقدير الآية: ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، لأنّ الشرط في نفي الجناح لا بدّ من أن يكون له تأثير حتّى يكون متى انتفى ثبت الجناح، وقد علمنا أنّه باتّقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه. ولـمّا ولي ذكر الاتّقاء الإيمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما في نفي الجناح، علمنا أنّه أضمر ما تقدّم ذكره ليصحّ الشرط ويطابق المشروط، لأنّ من اتّقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعمه، لكنّه قد يصحّ أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب وضيّعه من

__________________

(١) أنوار التنزيل ٢: ١٦٨.

(٢) أمالي المرتضى (طبعة دار الكتاب العربي) ٢: ٣٧٤ ـ ٣٧٥.


فرض، فإذا شرطنا أنّه وقع اتّقاء القبيح ممّن آمن بالله وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه. وليس بمنكر حذف ما ذكرناه، لدلالة الكلام عليه، فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى، وتكون قوّة الدلالة عليه مغنية عن النطق». انتهى كلامه.

ونحن نقول: إنّ المؤمن يصحّ أن يطلق عليه بأنّه لا جناح عليه، والكافر مستحقّ للعقاب مغمور في المعاصي، فلا يطلق عليه هذا اللفظ. وأيضا فإنّ الكافر قد سدّ على نفسه طريق معرفة التحريم والتحليل، فلذلك يخصّ المؤمن بالذكر.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) )

ولـمّا تقدّم في أوّل السورة تحريم الصيد على المحرم مجملا، وانجرّ الكلام


إلى هاهنا، بيّن سبحانه ذلك المجمل بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ ) التقليل والتحقير في «بشيء» للتنبيه على أنّه ليس من العظائم الّتي تدحض الأقدام، كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشدّ منه؟

روي أنّها نزلت في عام الحديبية، ابتلاهم الله تعالى بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، بحيث يتمكّنون من صيدها، أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون.

( لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ) أي: ليتميّز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر، لقوّة إيمانه، ممّن لا يخافه، لضعف قلبه وقلّة إيمانه. فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره، أو تعلّق العلم. أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم مظاهرة في العدل.

قال بعض العلماء: امتحن الله أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصيد البرّ، كما امتحن الله أمّة موسىعليه‌السلام بصيد البحر.

والمراد بتحريم صيد البرّ الّذي تناله الأيدي من فراخ الطير وصغار الوحش والبيض، والّذي تناله الرماح من كبار الصيد.

( فَمَنِ اعْتَدى ) فمن تجاوز حدّ الله وخالف أمره بالصيد في الحرم أو في حال الإحرام( بَعْدَ ذلِكَ ) أي: بعد ذلك الابتلاء بالصيد( فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ) فالوعيد لا حق به، فإنّ من لا يملك قلبه في مثل ذلك، ولا يراعي حكم الله تعالى فيه، فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه وأحرص عليه؟! ثمّ ذكر سبحانه عقيب ذلك ما يجب على هذا الاعتداء من الجزاء، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ) هو اسم مصدر، أو المصيد، وهو المراد هاهنا


( وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) أي: محرمون بحجّ أو عمرة، جمع حرام، كرداح(١) وردح. وهو مصدر سمّي به المحرم مجازا.

واختلف في المعنيّ بالصيد، فقيل: هو كلّ الوحش، أكل أم لم يؤكل. وهو قول أهل العراق. واستدلّوا بقول عليّعليه‌السلام :

صيد الملوك ثعالب وأرانب

فإذا ركبت فصيدي الأبطال

وقيل: هو كلّ ما يؤكل لحمه، لأنّه الغالب فيه. وهو قول الشافعي. ويؤيّده قولهعليه‌السلام : «خمس يقتلن في الحلّ والحرم: الحدأة(٢) ، والغراب، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور». وفي رواية بدل العقرب الحيّة.

وفيه تنبيه على قتل كلّ مؤذ.

وأمّا أصحابنا فقالوا: إنّ المحلّل حرام مطلقا. وأمّا المحرّم فقالوا بتحريم الأسد والثعلب والأرنب والضبّ واليربوع والقنفذ، لتظافر الروايات عن أهل البيتعليهم‌السلام .

واختلف أيضا في أنّ هذا النهي هل يلغي حكم الذبح، فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني، أو لا، فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب؟ وأصحابنا على الأوّل. ويؤيّده إيثار «لا تقتلوا» على: لا تذكّوا أو لا تذبحوا.

( وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً ) ذاكرا لإحرامه، عالما بأنّه حرام عليه قتل ما يقتله. والأكثر على أنّ ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء، فإنّ إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان، وهو المرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام ، بل لقوله:( وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) . ولأنّ الآية نزلت في من تعمّد، إذ روي أنّه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله، فنزلت.

( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ) برفع الجزاء والمثل. قرأه الكوفيّون ويعقوب، بمعنى: فعليه، أي: فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النعم. فيكون مبتدأ، و «مثل»

__________________

(١) الرداح: الشجرة الكبيرة.

(٢) الحدأة: طائر من الجوارح.


صفته. وعلى هذه القراءة لا يتعلّق الجارّ بـ «جزاء»، للفصل بينهما بالصفة. وقرأ الباقون على إضافة المصدر إلى المفعول. والمعنى: فعليه أن يجزي مثل ما قتل.

وهذه المماثلة عند أئمّة الهدىعليهم‌السلام والشافعي باعتبار الخلقة والهيئة، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقر الوحش بقرة، وفي الظبي والأرنب ونحوهما شاة. وباعتبار القيمة عند أبي حنيفة، بأن يقوّم الصيد قيمة عادلة، ثمّ يشترى بقيمته مثله من النعم. والصحيح القول الأوّل، وهو أيضا قول ابن عبّاس والحسن ومجاهد والسدّي وعطاء والضحّاك وغيرهم.

( يَحْكُمُ بِهِ ) أي: بمثل ما قتل( ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) أي: حكمان عدلان من الفقهاء ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به. وهو صفة «جزاء»، أو حال من ضميره.

( هَدْياً ) حال من الهاء في «به»، أو من «جزاء» وإن نوّن، لتخصّصه بالصفة( بالِغَ الْكَعْبَةِ ) وصف به هديا لأنّ إضافته لفظيّة. ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم، والتصدّق به ثمّة. وقال أصحابنا: إذا كان محرما بالعمرة ذبح أو نحر بمكّة، وإن كان محرما بالحجّ فبمنى. وقال أبو حنيفة: يذبح بالحرم، ويتصدّق به حيث شاء.

( أَوْ كَفَّارَةٌ ) عطف على «جزاء». والمعنى: أو الواجب عليه( طَعامُ مَساكِينَ ) عطف بيان، أو بدل منه، أو خبر محذوف، أي: هي طعام. وقرأ نافع وابن عامر: كفّارة طعام بالإضافة للتبيين، تقديره: أو كفّارة من طعام مساكين، كقولك: خاتم فضّة، أي: خاتم من فضّة. وهو أن يقوّم الجزاء، ويفضّ ثمنه على الحنطة، ويتصدّق به على كلّ مسكين نصف صاع.

( أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) أي: ما عاد له، أي: ساواه من الصوم، فيصوم عن إطعام كلّ مسكين يوما. وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول. والخيار في هذه الكفّارات الثلاث إلى قاتل الصيد. وقيل: هي مرتّبة. وكلا القولين رواهما أصحابنا.


( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ) يتعلّق بمحذوف، أي: فعليه الجزاء أو الإطعام أو الصوم، ليذوق ثقل فعله، وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام أو الحرم، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى. وأصل الوبل الثقل، ومنه الطعام الوبيل.

( عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ ) من قتل الصيد محرما في الجاهليّة، أو قبل التحريم، أو في هذه المرّة.( وَمَنْ عادَ ) أي: ومن عاد ثانيا عمدا إلى قتل الصيد( فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) فهو ممّن ينتقم الله منه عقوبة بما صنع، ولا كفّارة. وهل ذلك مانع من وجوب الكفّارة عليه أم لا؟ قال ابن عبّاس: نعم، وبه قال أكثر أصحابنا. وقال الحسن وابن جبير وعامّة الفقهاء: لا، بل تجب، وبه قال بعض أصحابنا.( وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) ممّن أصرّ على عصيانه.

ثمّ بيّن سبحانه ما يحلّ من الصيد وما يحرم، فقال:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) أي: مصيداته. وهي ما صيد منه ممّا لا يعيش إلّا في الماء. والمعنى: أحلّ لكم الانتفاع من لحمه الطريّ( وَطَعامُهُ ) أي: وأحلّ لكم طعام البحر ما كان مملوحا قديدا عندنا وعند أبي حنيفة. ولا يحلّ منه إلّا السمك الّذي له فلس. وعند الشافعي كلّ مصيدات البحر حلال. وإنّما سمّي طعاما لأنّه يدّخر ليطعم، فيصير كالمقتات من الأغذية. وقيل: المراد ما يقذفه البحر ميّتا. وهو مرويّ عن ابن عمر وقتادة. والّذي يليق بمذهبنا هو الأوّل.

( مَتاعاً لَكُمْ ) نصب على الغرض، أي: ليتمتّعوا من أكله. تمتيعا لكم( وَلِلسَّيَّارَةِ ) ولسيّارتكم، أي: لمسافريكم يتزوّدونه طريّا وقديدا.

( وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ) أي: ما صيد فيه، أو الصيد فيه. فعلى الأوّل يحرم على المحرم ما صاده الحلال فيه، وإن لم يكن للمحرم فيه مدخل. وهذا موافق لمذهبنا.( ما دُمْتُمْ حُرُماً ) أي: محرمين.

( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) هذا أمر منه تعالى بأن يتّقى جميع معاصيه، ويجتنب جميع محارمه، لأنّ إليه الرجوع في الوقت الّذي لا يملك أحد فيه الضرر


والنفع سواه، وهو يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) )

ولـمّا ذكر سبحانه حرمة الحرم، عقّبه بذكر البيت الحرام والشهر الحرام، فقال:( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ) عطف بيان على جهة المدح، أو المفعول الثاني( قِياماً لِلنَّاسِ ) انتعاشا لهم، أي: سبب انتعاشهم في أمر دينهم ودنياهم، ونهوضهم إلى أغراضهم ومقاصدهم في أمور معاشهم ومعادهم، بأن يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجّار، ويتوجّه إليه الحجّاج والعمّار. أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم، وأنواع منافعهم الدنيويّة والدينيّة.

وعن ابن عبّاس: معناه: جعل الله الكعبة أمنا للناس بها يقومون، أي: يأمنون، ولولاها لفنوا وهلكوا وما قاموا، وكان أهل الجاهليّة يأمنون به، فلو لقي الرجل قاتل أبيه وابنه في الحرم ما قتله.

وعن عطاء: لو تركوه عاما واحدا لا يحجّونه لم ينظروا ولم يؤخّروا. ومعناه: يهلكون.

وعن عليّ(١) بن إبراهيم عنهمعليهم‌السلام قالوا: «ما دامت الكعبة يحجّ الناس إليها

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ١٨٧ ـ ١٨٨.


لم يهلكوا، فإذا هدمت أو تركوا الحجّ هلكوا».

وفي الحديث: «مكتوب في أسفل المقام: إنّي أنا الله ذو بكّة، حرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض، ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء، من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقّه، مذعنا لي بالربوبيّة، حرّمت جسده على النار».

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه».

وقرأ ابن عامر: قيما، على أنّه مصدر على فعل كالشبع، أعلّت عينه كما أعلّت في فعله. ونصبه على المصدر أو الحال.

( وَالشَّهْرَ الْحَرامَ ) أي: وجعل الشهر الّذي يؤدّى فيه الحجّ ـ وهو ذو الحجّة ـ قياما للناس. وقيل: عنى به جنس الأشهر الحرم الأربعة، واحد(١) فرد، وثلاثة سرد. وهو عطف على «الكعبة» كما تقول: ظننت زيدا منطلقا وعمرا. وكذا قوله:( وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ) أي: والمقلّدات من الهدي خصوصا، لأنّ الثواب فيه أكثر. وقد سبق(٢) تفسير القلائد.

( ذلِكَ ) إشارة إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) فإنّ شرع الأحكام لدفع المضارّ قبل وقوعها، وجلب المنافع المترتّبة عليها، دليل حكمة الشارع وكمال علمه.( وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) تعميم بعد تخصيص، ومبالغة بعد إطلاق.

ولمّا تقدّم بيان الأحكام عقّبه سبحانه بذكر الوعد والوعيد، فقال:( اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) لمن عصاه( وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن تاب وأطاع. وعيد ووعد لمن هتك محارمه، ولمن حافظ عليها، ولمن أصرّ عليه، ولمن أقلع عنه.

وعقّب الإنذار والتبشير بقوله:( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ) تشديد في

__________________

(١) وهو رجب، والسّرد ـ أي: المتتابع ـ: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم.

(٢) راجع ص ٢١٠ ذيل الآية ٢ من سورة المائدة.


إيجاب القيام بما أمر به، أي: الرسول أتى بما أمر به من التبليغ، ولم يبق لكم عذر في التفريط.( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ) لا يخفى عليه شيء من أحوالكم الّتي تظهرونها وتخفونها، من تصديق وتكذيب، وفعل وعزيمة. وفيه غاية الزجر والتهديد.

( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) )

ولـمّا بيّن سبحانه الحلال والحرام، بيّن أنّهما لا يستويان، فقال:( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ) حكم عامّ في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيّدها، رغّب به فمي مصالح الأعمال وحلال الأموال.( وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) فإنّ العبرة بالجودة والرداءة دون القلّة والكثرة، فإنّ المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب لكلّ معتبر ذي لبّ، ولذا قال:( فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) أي: فاتّقوه في تحرّي الخبيث وإن كثر، وآثروا الطيّب وإن قلّ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) راجين أن تبلغوا الفلاح.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) )

ولـمّا بيّن سبحانه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبلّغ ما فيه المصلحة، نهى العباد عن السؤال عمّا لا يعنيهم ولا يحتاجون إليه، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا )


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ ) تظهر لكم( تَسُؤْكُمْ ) تكرهوا وتحزنوا( وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ ) أي: في زمان الوحي( تُبْدَ لَكُمْ ) يظهر لكم جوابها فتكرهوه وتغتمّوا، فلا تتكلّفوا السؤال عنها في حال.

والشرطيّة وما عطف عليها صفتان لـ «أشياء»، وهما كمقدّمتين تنتجان ما يمنع السؤال، وهو أنّه ممّا يغمّهم، والعاقل لا يفعل ما يغمّه.

و «أشياء» اسم جمع كطرفاء، غير أنّه قلبت لامه فجعلت لفعاء.

وقيل: أفعلاء، حذفت لامه، جمع لشيء على أنّ أصله: شيّئ كهيّن، أو شيء كصديق، فخفّف. وقيل: أفعال، جمع له من غير تغيير، كبيت وأبيات. ويردّه منع صرفه.

( عَفَا اللهُ عَنْها ) صفة أخرى، أي: عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلّف بها، إذ روي أنّه لـمّا نزلت:( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (١) قال سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن: يا رسول الله في كلّ عام كتب علينا الحجّ؟ فأعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أعاد ثلاثا، فقال: «ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم؟ والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنّما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». فنزلت هذه الآية.

أو استئناف، أي: عفا الله عمّا سلف من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها.

( وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم، ويعفو عن كثير.

وعن ابن عبّاس: «أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه ممّا لا يعنيهم، فقال: لا أسأل عن شيء إلّا أجبت. فقال رجل: أين

__________________

(١) آل عمران: ٩٧.


أبي؟ قال: في النار. وقال آخر: من أبي؟ فقال: حذافة بن قيس، وكان يدعى لغيره». فنزلت.

وقال مجاهد: كان ابن عبّاس إذا سئل عن الشيء لم يجيء فيه أثر يقول: هو من العفو، ثمّ يقرأ هذه الآية.

ثمّ أخبر سبحانه أنّ قوما سألوا مثل سؤالهم، فلمّا أجيبوا إلى ما سألوا كفروا، فقال:( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ ) الضمير ليس براجع إلى «أشياء» حتّى يجب تعديته بـ «عن»، وإنّما هو راجع إلى المسألة الّتي دلّ عليها «تسألوا»، فلذلك لم يعدّ بـ «عن». والمعنى: قد سأل هذه المسألة قوم. أو إلى «أشياء» بحذف الجارّ.( مِنْ قَبْلِكُمْ ) متعلّق بـ «سألها». وليس صفة لـ «قوم»، فإنّ ظرف الزمان لا يكون صفة للجثّة، ولا حالا منها، ولا خبرا عنها.( ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ) أي: بسببها حيث لم يأتمروا بما سألوا جحودا، كبني إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، وكقوم عيسى سألوه إنزال المائدة ثمّ كفروا بها، وقوم صالح سألوه الناقة ثمّ عقروها وكفروا بها.

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أنّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها».

واعلم أنّ الّذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه في الأمور الدينيّة والدنيويّة، وما لا يجوز العمل عليه في أمور الدين والدنيا لا يجوز السؤال عنه، فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الإنسان من أبي؟ لأنّ المصلحة قد اقتضت أن يحكم على كلّ من ولد على فراش إنسان بأنّه ولده وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة بخلاف ذلك سفه لا يجوز.


( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) )

ولـمّا تقدّم ذكر الحلال والحرام بيّن حال ما يعتقده أهل الجاهليّة من ذلك، فقال ردّا وإنكارا لهم على ما ابتدعوه:( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ) ما شرع ووضع، ولذلك تعدّى إلى مفعول واحد. و «من» مزيدة.

روي أنّهم إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها ـ أي: شقّوها ـ وحرّموا ركوبها، وخلّوا سبيلها، فلا تركب، ولا تحلب، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى. وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت أو قدمت من سفري فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، وإن ولدتهما وصلت الأنثى أخاها، فلا يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرّموا ظهره، ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمى ظهره.

( وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) بتحريم ذلك ونسبته إليه( وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) أي: الحلال من الحرام، أو الآمر من الناهي، بل يقلّدون كبارهم. وفيه أنّ منهم من يعرف بطلان ذلك، ولكن يمنعه حبّ الرئاسة وتقليد الآباء أن يعترف به، كما قال الله تعالى:( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا ) هلمّوا( إِلى ما أَنْزَلَ


اللهُ ) من القرآن واتّباع ما فيه، والإقرار بصحّته( وَإِلَى الرَّسُولِ ) وتصديقه والاقتداء به( قالُوا حَسْبُنا ) كفانا( ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) يعنون مذاهب آبائهم.

فهذا بيان لقصور عقلهم، وانهماكهم في التقليد، وأن لا سند لهم سواه.

ثمّ أنكر ذلك عليهم بقوله:( أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً ) من أحكام الدين الحقّ( وَلا يَهْتَدُونَ ) إليه. الواو للحال، والهمزة دخلت عليها لإنكار الفعل على هذه الحال، أي: أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالّين.

والمعنى: أنّ الاقتداء إنّما يصحّ بمن علم أنّه عالم مهتد، وذلك لا يعرف إلّا بالحجّة، فلا يكفي التقليد.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) )

ولـمّا بيّن الله سبحانه حكم الكفّار الّذين قلّدوا آباءهم وأسلافهم، وركنوا إلى أديانهم، عقّبه بالأمر بالطاعة، وبيان أنّ المطيع لا يؤاخذ بذنوب العاصي، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أي: احفظوها والزموا إصلاحها. والجارّ مع المجرور جعل اسما لـ «الزموا»، ولذلك نصب «أنفسكم».( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) لا يضرّكم الضلال إذا كنتم مهتدين. ومن الاهتداء أن ينكر المكلّف المنكر حسب طاقته، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من رأى منكرا واستطاع أن يغيّره بيده فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه».

فليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد.

وعن ابن مسعود أنّها قرئت عنده فقال: إنّ هذا ليس بزمانها، إنّها اليوم مقبولة، ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم. فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره. وعنه :


ليس هذا زمان تأويلها، قيل: فمتى؟ قال: إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن.

وروي أنّ أبا ثعلبة سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية، فقال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا ما رأيت دنيا مؤثّرة، وشحّا مطاعا، وهوى متّبعا، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم، وإنّ من ورائكم أيّاما الصبر فيهنّ كقبض على الجمر، للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله».

قيل: الآية نزلت لـمّا كان المؤمنون يتحسّرون على أهل العناد من الكفرة، ويتمنّون إيمانهم.

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، فنزلت.

وقوله:( لا يَضُرُّكُمْ ) يحتمل الرفع على أنّه مستأنف. ويؤيّده قراءة: لا يضيركم. والجزم على الجواب أو النهي، لكنّه ضمّت الراء اتباعا لضمّة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. وتنصره قراءة من قرأ: لا يضرّكم بالفتح. ولا يضركم بكسر الضاد وضمّها، من: ضاره يضيره ويضوره.

( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: يجازيكم بأعمالكم. هذا وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أنّ أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً


لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩))

ولـمّا قدّم الأمر بالرجوع إلى ما أنزل، عقّبه بذكر هذا الحكم المنزل، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ) أي: فيما أمرتم شهادة بينكم. والمراد بالشهادة الإشهاد على الوصيّة. وإضافتها إلى الظرف على الاتّساع.( إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) إذا شارفه وظهرت أماراته. وهو ظرف للشهادة.( حِينَ الْوَصِيَّةِ ) بدل من الظرف. وفي إبداله تنبيه على أنّ الوصيّة ممّا ينبغي أن لا يتهاون فيه عند حضور الموت، أي: وقت أمارته ومشارفته. أو ظرف «حضر».

( اثْنانِ ) فاعل «شهادة» إذ تقدير الآية: عليكم شهادة بينكم يشهد اثنان، بحذف الخبر والفعل. ومعناه: فرض أن يشهد اثنان. ويجوز أن يكون خبر «شهادة» على حذف المضاف، أي: شهادة بينكم شهادة اثنين.

( ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) من أهل ملّتكم ودينكم، أي: من المسلمين. وهما صفتان لـ «اثنان».

( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) من غير ملّتكم. عطف على «اثنان». و «أو»


هاهنا للتفصيل لا للتخيير، فإنّ المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا شاهدين منكم.

وقيل: المعنى: ذوا عدل من عشيرتكم، فإنّهم أعلم بأحوال الميّت وبما هو أصلح، أو آخران من غير عشيرتكم. والأوّل أقوى وأصحّ.

وذهب جماعة إلى أنّ الآية كانت في شهادة أهل الذمّة ثمّ نسخت. وعلماؤنا قائلون إنّ هذه الآية محكمة وردت في شهادة أهل الذمّة. ويقوّي هذا القول تتابع الآثار على أنّها من محكم القرآن وآخر ما نزل.

( إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي: سافرتم فيها( فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) أي: قاربتكم. يعني: إن وقعت أمارة موتكم في السفر، ولم يكن معكم رجلان عدلان منكم، فاستشهدوا على الوصيّة آخرين من غيركم، أي: من أهل الذمّة.

( تَحْبِسُونَهُما ) صفة لـ «آخران» أي: تقفونهما. والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله:( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) اعتراض، فائدته الدلالة على أنّه ينبغي أن يشهد اثنان منكم، فإن تعذّر ـ كما في السفر ـ فمن غيركم.

أو استئناف، كأنّه قيل: كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين؟ فقال: تحبسونهما ليحلفا.

( مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ) اللام للعهد، أي: صلاة العصر، فإنّ الناس كانوا يحلفون بالحجاز بعد صلاة العصر، لاجتماع الناس وتكاثرهم في ذلك الوقت، وتصادم ملائكة النهار والليل فيه. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام وقتادة وسعيد ابن جبير وغيرهم. وقيل: صلاة الظهر. وقيل: أيّ صلاة كانت. وقيل: من بعد صلاة أهل دينهما، يعني: الذمّيّين.

( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ ) أي: ارتاب الوارث منكم، وشكّ في أمانتهما( لا


نَشْتَرِي بِهِ ) هذا مقسم عليه، و( إِنِ ارْتَبْتُمْ ) اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب. والمعنى: لا نستبدل بالقسم أو بالله( ثَمَناً ) عرضا من الدنيا، أي: لا نحلف بالله كاذبا لطمع( وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) ولو كان المقسم له قريبا منّا. وجوابه أيضا محذوف، أي: لا نشتري.

( وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ ) أي: الشهادة الّتي أمرنا بإقامتها( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) أي: إن كتمنا.

روي أنّ ثلاثة نفر خرجوا تجّارا من المدينة إلى الشام: تميم بن أوس الداري، وأخوه عديّ بن يزيد، وكانا حينئذ نصرانيّين، وبديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص. فلمّا قدموا الشام مرض ابن أبي مارية، فدوّن ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه، ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات. ففتّشاه وأخذا منه إناء من فضّة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب، فغيّباه.

فأصاب أهله الصحيفة فطالبوهما، فجحدا، فترافعوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت هذه الآية. فصلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العصر، ودعا بتميم وعديّ، فحلّفهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد صلاة العصر عند المنبر وخلّى سبيلهما. ثمّ وجد الإناء في أيديهما، فأتاهما بنو سهم في ذلك، فقالا: قد اشتريناه منه، ولكن لم يكن لنا عليه بيّنة، فكرهنا أن نقرّ به، فرفعوهما إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت.

( فَإِنْ عُثِرَ ) فإن اطّلع( عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) أي: فعلا ما أوجب إثما بأيمانهما الكاذبة، واستوجبا أن يقال: إنّهما لمن الآثمين بخيانتهما( فَآخَرانِ ) فشاهدان آخران( يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ) من الّذين جني عليهم، وهم الورثة. وقرأ حفص: استحقّ على البناء للفاعل.( الْأَوْلَيانِ ) أي: من الورثة الّذين استحقّ عليهم الأوليان، أي: الأحقّان بالشهادة، لقرابتهما ومعرفتهما. هو على قراءة البناء للمفعول خبر محذوف، أي: هما الأوليان، كأنّه قيل: ومن هما؟ فقيل:


الأوليان. أو خبر «آخران». أو مبتدأ خبره «آخران». أو بدل منهما، أو من الضمير في «يقومان».

وقرأ حمزة ويعقوب وأبو بكر عن عاصم: الأوّلين، على أنّه صفة «الّذين» أو بدل منه، أي: من الأوّلين الّذين استحقّ عليهم.

( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا ) ليميننا في وصيّة صاحبنا( أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ) أصدق من يمينهما، وأولى بأن تقبل. وإطلاق الشهادة على اليمين مجاز، لوقوعها موقعها كما في اللعان.( وَمَا اعْتَدَيْنا ) وما تجاوزنا الحقّ فيما طلبناه من حقّنا( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) الواضعين الباطل موضع الحقّ، أو الظالمين أنفسهم إن اعتدينا. وبعد نزول هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة السهميّان وحلفا وأخذا الإناء.

قال في الأنوار(١) : «ومعنى الآيتين: أنّ المحتضر إذا أراد الوصيّة ينبغي أن يشهد عدلين من دينه على وصيّته، أو يوصي إليهما احتياطا، فإن لم يجدهما ـ بأن كان في سفر ـ فآخرين من غيرهم من أهل الذمّة. ثمّ إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطّلع على أنّهما كذبا بأمارة ومظنّة حلف آخران من أولياء الميّت. والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين، فإنّه لا يحلف الشاهد، ولا يعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيّين. وردّ اليمين إلى الورثة إمّا لظهور خيانة الوصيّين، فإنّ تصديق الوصيّ باليمين لأمانته، أو لتغيير الدعوى، كما في هذه القضيّة».

( ذلِكَ ) أي: الحكم الّذي تقدّم، أو تحليف الشاهد( أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها ) أقرب إلى أن يأتي الشهداء على نحو ما تحمّلوها من غير تحريف

__________________

(١) أنوار التنزيل ٢: ١٧٣ ـ ١٧٤.


وخيانة فيها( أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) أو أقرب إلى أن يخافوا أن تردّ اليمين على المدّعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور كذبهم، كما جرى في هذه القضيّة. فربما لا يحلفون كاذبين، ويتحفّظون في الشهادة مخافة ردّ اليمين إلى المستحقّ عليهم. وإنّما جمع الضمير لأنّه حكم يعمّ الشهود كلّهم.

( وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا ) ما توصون به سمع إجابة وقبول( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) أي: فإن لم تتّقوا ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين، والله لا يهدي الفاسقين إلى حجّة أو إلى طريق الجنّة، كما يهدي غيرهم.

قال في كنز العرفان(١) : «وفي هاتين الآيتين أحكام :

الأول: إنّ الّذي يحضره أسباب الموت ينبغي أن يشهد عدلين على وصيّته، إمّا من ذوي قرابته، أو من أهل دينه، وهو الإسلام. فإن تعذّر ذلك عليه، بأن كان في سفر، فآخران من الأجانب أو أهل الذمّة.

الثاني: أنّه إذا حمل الضمير في «منكم» على المسلمين، وفي «غيركم» على غيرهم، هل الحكم باق غير منسوخ أو لا؟ قال: أصحابنا بالأوّل، وجوّزوا شهادة أهل الذمّة مع تعذّر المسلمين في الوصيّة. وقال جماعة من الفقهاء بالثاني، وأنّ الآية منسوخة. والأصحّ الأوّل، لأصالة عدم النسخ، وتكون الآية مخصّصة لأدلّة اشتراط الإيمان والعدالة في الشاهد بما عدا الوصيّة. نعم، يشترط عدالتهم في دينهم، ويرجّحون على فسّاق المسلمين.

الثالث: أنّه إذا حمل الضمير في «منكم» على الأقارب دلّ على قبول شهادة القريب على قريبه مطلقا. وفيه ردّ على من منع ذلك من المخالفين.

الرّابع: أنّه على قول أصحابنا بقبول شهادة الذمّي في الوصيّة مع عدم عدول

__________________

(١) كنز العرفان ٢: ٩٨ ـ ١٠٠.


المسلمين، هل يشترط السفر كما في ظاهر الآية أم لا؟ الأصحّ العدم. وبالاشتراط رواية مطروحة.

الخامس: جواز شهادة أهل الذمّة في الوصيّة عند أصحابنا مختصّ بالمال، فلا تسمع في الولاية إجماعا.

السادس: جواز التغليظ في اليمين بالوقت، لقوله تعالى: «بعد الصلاة».

السابع: إنّ الآية تقتضي جواز الدعوى بعد الإحلاف، وهو خلاف القبول، ومناف لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من حلف فليصدّق».

ويمكن أن يجاب بأنّ الدعوى إنّما توجّهت بعد اعتراف المدّعى عليهما بالإناء، وأنّه كان للميّت، ومع اعتراف الحالف يجوز المطالبة. ثمّ لـمّا جازت المطالبة لمكان اعترافهما بملكيّة الميّت التي حلفا على نفيها أوّلا وبراءة ذمّتهما، ادّعيا الشراء فأنكر الورثة، فحلفوا على نفي العلم».

وقوله:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ ) ظرف لـ «لا يهدي». وقيل: بدل من مفعول «واتّقوا» بدل الاشتمال. أو مفعول «واسمعوا» على حذف المضاف، أي: واسمعوا خبر يوم جمعه. أو منصوب بإضمار: اذكر( فَيَقُولُ ) أي: للرسل( ما ذا أُجِبْتُمْ ) أيّ إجابة أجبتم؟ على أنّ «ماذا» في موضع المصدر. أو بأيّ شيء أجبتم؟ فحذف الجارّ.

وهذا السؤال لتوبيخ قومهم، كما أنّ سؤال الموؤدة(١) لتوبيخ الوائد، ولذلك( قالُوا لا عِلْمَ لَنا ) أي: لا علم لنا بما كنت أنت تعلمه. فوكلوا الأمر إلى علمه بسوء إجابتهم، ولجأوا إليه في الانتقام منهم( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) فتعلم ما نعلمه ممّا أجابونا وأظهروا لنا، وما لم نعلم ممّا أضمروا في قلوبهم.

وفيه التشكّي منهم، وردّ الأمر إلى علمه عزّ شأنه بما كابدوا منهم، وذلك

__________________

(١) التكوير: ٨.


أعظم على الكفرة، وأفتّ في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله وتشكّي أنبيائهعليهم‌السلام . ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصّة من خواصّه بليّة قد عرفها السلطان، واطّلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل بك هذا الخارجي؟ وهو عالم بما فعل به، يريد به توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم السلطان، واتّكالا عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لـما حلّ به منه.

وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثمّ يجيبون بعد ما يرجع إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم.

وقيل: المعنى: لا علم لنا إلى جنب علمك، فإنّ علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنّك علّام الغيوب، ومن علم الخفيّات لم تخف عليه الظواهر الّتي منها إجابة الأمم لرسلهم، فكأنّه لا علم لنا إلى جنب علمك.

وقيل: لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وإنّما الحكم للخاتمة. وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه، زرق العيون، موبّخين.

قال الحاكم(١) أبو سعيد الجشمي عليه ما عليه في تفسيره: إنّها تدلّ على بطلان قول الإماميّة إنّ الأئمّة يعلمون الغيب.

ونحن نقول: إنّ هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم، فإنّا لا نعلم أحدا منهم بل أحدا من أهل الإسلام يصف أحدا من الناس أنّه يعلم الغيب، ومن وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين، والشيعة الإماميّة برآء من هذا القول، فمن نسبهم إلى ذلك فالله فيما بينه وبينهم.

__________________

(١) أبو سعد الجشمي هو المحسّن بن محمد بن كرّامة، مفسّر، عالم بالأصول والكلام، حنفيّ ثم معتزليّ فزيدي، وهو شيخ الزمخشري، ولد سنة ٤١٣، وتوفّي مقتولا بمكّة عام ٤٩٤.

راجع الأعلام للزركلى ٦: ١٧٦.


( إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) )

ولـمّا عرّف سبحانه يوم القيامة بما وصفه به من جمع الرسل فيه، عطف عليه


بذكر المسيح، فقال بدلا(١) من يوم الجمع:( إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ ) وهو على طريقة:( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ ) (٢) ، فإنّ المستقبل المحقّق الوقوع في حكم الماضي.

والمعنى: أنّه تعالى يوبّخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم، وتعديد ما أظهر عليهم من الآيات، فكذّبتهم طائفة وسمّوهم سحرة، وغلا آخرون فاتّخذوهم آلهة، كما قال بعض بني إسرائيل لـمّا أظهر على يد عيسى من البيّنات الباهرة والمعجزات الساطعة:( هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (٣) . واتّخذوه بعضهم وأمّه إلهين. ويجوز أنّه نصب بإضمار «اذكر».

ثمّ فسّر نعمته بقوله:( إِذْ أَيَّدْتُكَ ) قوّيتك. وهو ظرف لـ «نعمتي»، أو حال منه( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) بجبرئيل، أو بالكلام الّذي يحيا به الدين أو النفس حياة أبديّة، ويطهّر من الآثام. ويؤيّده قوله:( تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً ) أي: كائنا في المهد وكهلا.

والمعنى: تكلّمهم في الطفوليّة والكهولة على سواء، يعني: إلحاق حاله في الطفوليّة بحال الكهوليّة في كمال العقل والتكلّم. يعني: تكلّمهم في هاتين الحالتين من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفوليّة وحين الكهولة، الذي هو وقت تمام العقل وبلوغ الأشدّ، والحدّ الّذي يستنبأ فيه الأنبياء. وبه استدلّ على أنّه سينزل، فإنّه رفع قبل أن يكتهل.

( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ ) وقيل: الكتابة يعني الخطّ( وَالْحِكْمَةَ ) أي: علم الشريعة الّذي هو الكلام المحكم الصواب. وقيل: أراد الكتب، فيكون اسم جنس.

__________________

(١) أي: جاعلا قوله هذا بدلا من قوله: «يوم يجمع».

(٢) الأعراف: ٤٤.

(٣) النمل: ١٣.


ثمّ فصّله بالذكر فقال:( وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) وخصّهما من بين جنس الكتب بالذكر لمزيد شرفهما( وَإِذْ تَخْلُقُ ) تصوّر( مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ) أي: هيئة مثل هيئة الطير وصورته( بِإِذْنِي ) وأمري وتسهيلي. وسمّاه خلقا، لأنّه كان يقدّره.

( فَتَنْفُخُ فِيها ) الضمير للكاف، لأنّها صفة الهيئة الّتي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها، لأنّها ليست صفة من خلقه ولا من نفخه في شيء، أي: ينفخ فيها الروح، لأنّ الروح جسم يجوز أن ينفخه المسيح بأمر الله تعالى.

والطير يؤنّث ويذكّر، فمن أنّث فعلى الجمع، ومن ذكّر فعلى اللفظ. وواحد الطير طائر، كراكب وركب، وضائن وضأن.

وبيّن بقوله:( فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ) أنّه إذا نفخ المسيح فيها الروح قلّبها الله لحما ودما، وخلق فيها الحياة، فصارت طيرا بأمر الله وإرادته، لا بفعل المسيح.

وقرأ نافع: طائرا. ويحتمل الإفراد والجمع، كالباقر.

( وَتُبْرِئُ ) أي: تصحّح( الْأَكْمَهَ ) الّذي ولد أعمى( وَالْأَبْرَصَ ) من به برص مستحكم( بِإِذْنِي ) . والمعنى: أنّك تدعوني حتى أبرئ الأكمه والأبرص.

ونسب ذلك إلى المسيح، لأنّه بدعائه وسؤاله.

( وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي ) أي: اذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك، وأخرجهم من القبور حتى يشاهدهم الناس أحياء. نسب ذلك إلى المسيح أيضا، لأنّه كان بدعائه. قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية.

( وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ ) أي: اليهود حين همّوا بقتلك وأذاك( إِذْ جِئْتَهُمْ ) ظرف لـ «كففت»، أي: حين أتيتهم( بِالْبَيِّناتِ ) المعجزات البيّنة مع كفرهم وعنادهم( فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وجحدوا نبوّتك( مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) يعنون به ما جاء به عيسى. يعني: ما هذا الّذي جئت به إلّا سحر ظاهر واضح. وقرأ حمزة


والكسائي: إلّا ساحر. فالإشارة إلى عيسىعليه‌السلام . والغرض من تعداد هذه النعمة على عيسى إلزام قومه بالحجّة، فإنّهم ادّعوا أنّه إله.

ثمّ بيّن سبحانه تمام نعمته على عيسىعليه‌السلام ، فقال:( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) أي: ألهمتهم. وقيل: أمرتهم على ألسنة الرسل.( أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ) أي: صدّقوا بي وبصفاتي وبعيسى أنّه عبد ونبيّ. ويجوز أن تكون «أن» مصدريّة وأن تكون مفسّرة.( قالُوا ) أي: قال الحواريّون ادّعاء( آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ) مخلصون.

ثمّ أخبر سبحانه عن الحواريّين وسؤالهم فقال:( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ) منصوب بـ «اذكر»، أو ظرف لـ «قالوا». فيكون تنبيها على أنّ ادّعاءهم الإخلاص مع قولهم:( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة.

وقيل: هذه الاستطاعة بناء على ما تقتضيه الحكمة والإرادة، لا على ما تقتضيه القدرة. والمعنى: هل يفعل ذلك ربّك بمسألتك إيّاه ليكون علما على صدقك.

وقيل: يستطيع بمعنى يطيع، كاستجاب بمعنى أجاب، أي: هل يطيعك ويجيبك؟ وقرأ الكسائي: تستطيع ربّك، أي: سؤال ربّك. والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله.

والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، من: ماد الماء يميد إذا تحرّك، أو من: ماده إذا أعطاه، كأنّها تميد، أي: تعطي من تقدّم إليه. ونظيرها قولهم: شجرة مطعمة.

ويؤيّد الأوّل(١) قوله:( قالَ اتَّقُوا اللهَ ) من أمثال هذا الكلام والسؤال

__________________

(١) يعني: المعنى الأول من معاني «هل يستطيع»، أي: هل يقدر ربك؟ وأنه لم يكن بعد عن


( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بكمال قدرته وصحّة نبوّتي، أو صدقتم في ادّعاء الإيمان. وعلى الوجوه الأخر معناه: لا تقترحوا الآيات، ولا تقدّموا بين يدي الله ورسوله، لأنّ الله تعالى قد أراهم البراهين والمعجزات بإحياء الموتى وغيره ممّا هو آكد ممّا سألوه.

وفي هذا دلالة على عدم استحكام دينهم، وقلّة معرفتهم بالله وصفاته.

( قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) هذا تمهيد عذر، وبيان لـما دعاهم إلى السؤال، وهو أن يتمتّعوا بالأكل منها( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته، فإنّ الدلائل كلّما كثرت مكّنت المعرفة في النفس.

( وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ) في ادّعائك النبوّة، أو أنّ الله يجيب دعوتنا( وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) إذا استشهدتنا عند الّذين لم يحضروها من بني إسرائيل. أو من الشاهدين للعين، دون السامعين لـما يخبر. أو من الشاهدين لله بالوحدانيّة، ولك بالنبوّة.

( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) لـمّا رأى أنّ لهم غرضا صحيحا في ذلك، أو أنّهم لا يقلعون عنه، فأراد إلزامهم الحجّة بكمالها( اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) أصل أللّهمّ يا الله، فحذف حرف النداء، وعوّضت الميم منه. و «ربّنا» نداء ثان( تَكُونُ لَنا عِيداً ) أي: يكون يوم نزولها عيدا نعظّمه، وهو يوم الأحد، ومن ثمّ اتّخذه النصارى عيدا. وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك سمّي يوم العيد عيدا، أي: يكون لنا سرورا وفرحا.( لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا ) بدل من «لنا» بإعادة العامل، أي: عيدا لمتقدّمينا ومتأخّرينا، يعنون: لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا. وقيل: معناه: يأكل منها أوّلنا وآخرنا. ويجوز أن يريد المقدّمين منّا والأتباع.

( وَآيَةً مِنْكَ ) صفة لها، أي: آية كائنة منك تدلّ على كمال قدرتك وصحّة نبوّتي( وَارْزُقْنا ) المائدة، أو الشكر عليها( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) خير من يرزق ،

__________________

تحقيق واستحكام معرفة.


لأنّك خالق الرزق ومعطيه بلا عوض. وفي هذا دلالة على أنّ العباد يرزق بعضهم بعضا، لأنّه لو لم يكن كذلك لم يصحّ أن يقال له سبحانه: أنت خير الرازقين، كما لا يجوز أن يقال: أنت خير الآلهة، لـمّا لم يكن غيره سبحانه إلها.

( قالَ اللهُ ) مجيبا له( إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ) إجابة إلى سؤالكم. وقرأ أهل المدينة والشام وعاصم: منزّلها مشدّدا، والباقون: منزلها مخفّفا.( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ ) بعد إنزالها( مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً ) أي: تعذيبا. ويجوز أن يجعل مفعولا به على السعة.( لا أُعَذِّبُهُ ) الضمير للمصدر، أو للعذاب إن أريد ما يعذّب به على حذف حرف الجرّ( أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) أي: من عالمي زمانهم، أو العالمين مطلقا، فإنّهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذّب مثل ذلك غيرهم.

عن ابن عبّاس: أنّ عيسىعليه‌السلام قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثمّ أسألوا الله ما شئتم يعطيكموه. فصاموا ثلاثين يوما، فلمّا فرغوا قالوا: يا عيسى إنّا صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي أنّه قال: «لمّا سأل الحواريّون عيسىعليه‌السلام أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى وقال: أللّهمّ أنزل علينا مائدة.

فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضّة حتّى سقطت بين أيديهم. فبكى عيسىعليه‌السلام وقال: أللّهمّ اجعلني من الشاكرين، أللّهمّ اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة وعقوبة. واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قطّ، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه.

فقام عيسىعليه‌السلام وتوضّأ وصلّى صلاة طويلة، ثمّ كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو سمكة مشويّة، وليس عليها فلوسها، تسيل سيلا من


الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خلّ، وحولها من ألوان البقول ما عدا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟

فقال عيسىعليه‌السلام : ليس شيء ممّا ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنّه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا ممّا سألتم يمددكم ويزدكم من فضله.

فقال الحواريّون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية اخرى.

فقال عيسىعليه‌السلام : يا سمكة أحيي بإذن الله. فاضطربت وعاد عليها فلوسها وشوكها، ففزعوا منها.

فقال عيسى: مالكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعذّبوا، يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشويّة كما كانت.

فقالوا: يا روح الله كن أوّل من يأكل منها ثمّ نأكل نحن.

فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها.

ثمّ دعا لها عيسى أهل الفاقة والزّمنى(١) والمرضى والمبتلين، فقال: كلوا منها، ولكم المهنأ(٢) ، ولغيركم البلاء. فأكل منها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض ومبتلى، وكلّهم شبعان يتجشّأ(٣) .

__________________

(١) الزّمنى جمع الزمين، أي: المصاب بالزمانة.

(٢) المهنأ: ما أتاك بلا مشقّة.

(٣) تجشّأ أي: أخرج من فمه الجشاء. والجشاء: ريح يخرج من الفم مع صوت عند الشبع.


ثمّ نظر عيسىعليه‌السلام إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء، ثمّ طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتّى توارت عنهم، فلم يأكل يومئذ منها زمن إلّا صحّ، ولا مريض إلّا برىء، ولا فقير إلّا استغنى، ولم يزل غنيّا حتّى مات.

وندم الحواريّون ومن لم يأكل منها.

وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار يتزاحمون عليها، فلمّا رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتّى إذا فاء الفيء طارت صعدا، وهم ينظرون في ظلّها حتّى توارت عنهم. وكانت تنزل غبّا، يوما تنزل ويوما لا.

فأوحى الله إلى عيسى:عليه‌السلام : اجعل مائدتي للفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحّاء. فعظم ذلك على الأغنياء حتّى شكّوا وشكّكوا الناس فيها.

فأوحى الله تعالى إلى عيسى: إنّي شرطت على المكذّبين شرطا إنّ من كفر بعد نزولها أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين. فقال عيسىعليه‌السلام :( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (١) . فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم فأصبحوا خنازير، يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش. فلمّا رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى وبكوا، وبكى على الممسوخين أهلوهم، فعاشوا ثلاثة أيّام ثمّ هلكوا.

وفي تفسير أهل البيتعليهم‌السلام : كانت المائدة تنزل عليهم فيجتمعون عليها ويأكلون منها، ثمّ ترفع. فقال كبراؤهم ومترفوهم: لا ندع سفلتنا يأكلون منها معنا.

فرفع الله المائدة ببغيهم، ومسخوا قردة وخنازير.

وقيل: لـمّا وعد الله تعالى إنزالها بهذه الشرائط استغفروا وقالوا: لا نريد، فلم ينزل. والصحيح أنّها نزلت.

__________________

(١) المائدة: ١١٨.


( وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) )

ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم من أمر المسيحعليه‌السلام ، فقال توبيخا وتبكيتا للكفرة:( وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) الاستفهام يراد به التقريع لمن ادّعى ذلك عليه من النصارى، واستعظام لذلك القول. والجارّ والمجرور صفة لـ «إلهين»، أو صلة «اتّخذوني».

ومعنى «دون» إمّا المغايرة، فيكون فيه تنبيه على أنّ عبادة الله تعالى مع


عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده مع عبادتها فكأنّه عبدهما ولم يعبده. أو القصور، فإنّهم لم يعتقدوا أنّهما مستقلّان باستحقاق العبادة، وإنّما زعموا أنّ عبادتهما توصل إلى عبادة الله تعالى، وكأنّه قيل: اتّخذوني وأمّي إلهين متوصّلين بنا إلى الله.

( قالَ سُبْحانَكَ ) أي: أنزّهك تنزيها من أن يكون لك شريك( ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ ) ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحقّ لي أن أقوله، وأنا عبد مثلهم، وإنّما تحقّ العبادة لك وحدك.

( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ) ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه( وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) ما تخفيه من معلوماتك. وقوله: «في نفسك» للمشاكلة، وإلّا فالله سبحانه منزّه عن أن تكون له نفس أو قلب تحلّ فيها المعاني، وصنعة المشاكلة من فصيح الكلام. وقيل: المراد بالنفس الذّات.

( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) تقرير للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه، فإنّ ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولا ينتهي علم أحد إلى ما يعلمه سبحانه.

ثمّ صرّح عيسى بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدلّ عليه، فقال:( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) عطف بيان للضمير في «به»، أو بدل منه، وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا، ليلزم منه بقاء الموصول بلا راجع. أو خبر مضمر أو مفعوله، مثل: هو أو أعني. ولا يجوز إبداله من «ما أمرتني به»، فإنّ المصدر لا يكون مفعول القول. ولا أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ الأمر مسند إلى الله تعالى، وهو سبحانه لا يقول: اعبدوا الله ربّي وربّكم، والقول لا يفسّر، بل الجملة تحكي بعده، إلّا أن يؤوّل القول بالأمر، فكأنّه قيل: ما أمرتهم إلّا ما أمرتني به أن اعبدوا الله.

( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) رقيبا عليهم، أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان( ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ) بالرفع إلى السماء،


لقوله:( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ ) (١) . والتوفّي: أخذ الشيء وافيا، والموت نوع منه.

قال الله تعالى:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) (٢) .( كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) المراقب لأحوالهم، فتمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلّة، وأرسلت إليهم من الرسل، وأنزلت عليهم من الآيات( وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) مطّلع عليه، مراقب له.

( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) أي: فإنّك تعذّب من عبادك الّذين عبدوا غيرك، وعصوا رسلك، منكرين أنبياءك، ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل في ملكه( وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) القادر على العقاب والثواب( الْحَكِيمُ ) الّذي لا يفعلهما إلّا عن حكمة وصواب. هذا تسليم الأمر إلى مالكه، وتفويض إلى مدبّره، وتبرّء من أن يكون إليه شيء من أمور قومه، كما يقول الواحد منّا إذا تبرّأ من تدبير أمر من الأمور، ويريد تفويضه إلى غيره: هذا الأمر لا يدخل في تصرّفي، فإن شئت فافعله، وإن شئت فاتركه، مع علمه وقطعه على أنّ أحد الأمرين لا يكون منه.

وقيل: إنّ المعنى: إن تعذّبهم فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم فبتوبة كانت لهم، فكأنّه اشترط التوبة وإن لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام. أو المعنى: إن المغفرة مستحسنة عقلا لكلّ مجرم، وكلّما كان الجرم أعظم فالعفو عنه أحسن عقلا، فإن عذّبت فعدل، وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد، فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد والتعليق بـ «إن».

( قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ) وقرأ نافع: يوم بالنصب، على أنّه ظرف لـ «قال»، وخبر «هذا» محذوف، أو ظرف مستقرّ وقع خبرا.

__________________

(١) آل عمران: ٥٥.

(٢) الزمر: ٤٢.


والمعنى: هذا الّذي ذكرنا من كلام عيسىعليه‌السلام واقع يوم ينفع الصادقين ما صدقوا فيه.

وقيل: إنّه خبر، ولكن بني على الفتح، لإضافته إلى الفعل. وليس بصحيح، لأنّ المضاف إليه معرب.

والمراد بالصدق: الصدق في الدنيا، فإنّ النافع ما كان حال التكليف، فلا ينفع الكافرين صدقهم في يوم القيامة إذا أقرّوا على أنفسهم بسوء أعمالهم.

وقيل: المراد تصديقهم لرسل الله وكتبهم.

وقيل: المراد صدقهم يوم القيامة في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ.

( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) أي: دائمين فيها في نعيم مقيم لا يزول( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) بما فعلوا( وَرَضُوا عَنْهُ ) بما أعطاهم( ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) هذا بيان للنفع.

ثمّ نبّه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح، فقال:( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . وإنّما لم يقل: ومن فيهنّ، تغليبا للعقلاء. وقال: «وما فيهنّ» لأنّ لفظة «ما» تتناول الأجناس تناولا عامّا، فإنّ من أبصر شخصا من بعيد قال: ما هو؟ قبل أن يعرف أمن العقلاء هو أم من غيرهم؟ فلفظة «ما» أولى بإرادة العموم والشمول. ولأنّ إتباع العقلاء غيرهم من غير عكس مشعر بقصورهم عن معنى الربوبيّة، ونزولهم عن رتبة العبوديّة.



(٦)

سورة الأنعام

مائة وخمس وستّون آية. وعن ابن عبّاس: هي مكّيّة إلّا ستّ آيات:( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (١) إلى آخر ثلاث آيات،( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) (٢) إلى آخر ثلاث آيات، فإنّهنّ نزلن بالمدينة.

وروي عن أبيّ بن كعب وعكرمة وقتادة: أنّها كلّها نزلت بمكّة جملة واحدة ليلا، ومعها سبعون ألف ملك قد ملأوا بين الخافقين، لهم زجل(٣) بالتسبيح والتحميد. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سبحان الله العظيم وخرّ ساجدا، ثمّ دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم. وأكثرها حجاج على المشركين، وعلى من كذّب بالبعث والنشور.

وأيضا عنه قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنزلت عليّ الأنعام جملة واحدة، شيّعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فمن قرأها صلّى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كلّ آية من الأنعام يوما وليلة».

جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأ ثلاث آيات من أوّل

__________________

(١) الأنعام: ٩١ ـ ٩٣.

(٢) الأنعام: ١٥١ ـ ١٥٣.

(٣) الزجل: صوت الناس وضجيجهم.


سورة الأنعام إلى قوله:( وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ) وكّل الله به أربعين ملكا يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة، وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة(١) من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس أو يرمي في قلبه شيئا ضربه بها».

وروى العيّاشي بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «إنّ سورة الأنعام نزلت جملة، وشيّعها سبعون ألف ملك، فعظّموها وبجّلوها، فإنّ اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا، ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها.

ثمّ قالعليه‌السلام : من كانت له إلى الله حاجة يريد قضاءها فليصلّ أربع ركعات بفاتحة الكتاب والأنعام، وليقل في صلاته إذا فرغ من القراءة: يا كريم يا كريم يا كريم، يا عظيم يا عظيم يا عظيم، يا أعظم من كلّ عظيم، يا سميع الدعاء، يا من لا تغيّره الليالي والأيّام، صلّ على محمّد وآل محمّد، وارحم ضعفي وفقري وفاقتي ومسكنتي. يا من رحم الشيخ يعقوب حين ردّ عليه يوسف قرّة عينه، يا من رحم أيّوب بعد حلول بلائه، يا من رحم محمّدا، ومن اليتم آواه، ونصره على جبابرة قريش وطواغيتها، وأمكنه منهم، يا مغيث يا مغيث يا مغيث. هكذا تقول مرارا، فو الّذي نفسي بيده لو دعوت الله بها بعد ما تصلّي هذه الصلاة في دبر هذه السورة، ثم سألت الله جميع حوائجك، لأعطاك إن شاء الله»(٢) .

وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضاعليهما‌السلام ، قال: «نزلت الأنعام جملة واحدة، شيّعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتكبير، فمن قرأها سبّحوا له إلى يوم القيامة»(٣) .

وروى أبو صالح عن ابن عبّاس قال: من قرأ سورة الأنعام في كلّ ليلة كان

__________________

(١) المرزبة والمرزبّة: عصاة من حديد.

(٢) تفسير العيّاشي ١: ٣٥٣ ح ١.

(٣) تفسير القمّي ١: ١٩٣.


من الآمنين يوم القيامة، ولم ير النار بعينه أبدا.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) )

ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المائدة بأنّه على كلّ شيء قدير، افتتح سورة الأنعام بما يدلّ على كمال قدرته، من خلق السموات والأرض، فقال :

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) اخترعهما بما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة. أخبر سبحانه بأنّه حقيق وحريّ بالحمد. ونبّه على أنّه المستحقّ للحمد على هذه النعم الجسام، حمد أو لم يحمد، ليكون حجّة على الّذين هم بربّهم يعدلون. وجمع السماوات دون الأرض، وهي مثلهنّ، لأنّ طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات، دون الأرض.

وقدّمها لشرفها، وعلوّ مكانها، وتقدّم وجودها.

( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) أنشأهما. والفرق بين «خلق» و «جعل» الّذي له مفعول واحد: أنّ خلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أي: قدّر السماوات والأرض، وضمّن فيها الظلمات والنور، ولذلك عبّر عن إحداث النور والظلمة بالجعل، تنبيها على أنّهما عرضان يقومان بالجسم، لا بأنفسهما كما زعمت الثنويّة.

وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، فإنّ أسباب الظلمة تارة


بالليل، فإنّ جميع الأجرام فيه مظلمة، وتارة بالخسوف والكسوف، وتارة بالسحاب المتراكم مع الرعد، وتارة بالبحر، وتارة بالظلّ، فإنّ ما من جنس من أجناس الأجرام إلّا وله ظلّ، بخلاف النور، فإنّه من جنس واحد، وهو النار. أو لأنّ المراد بالظلمة الضلال، وبالنور الهدى، والهدى واحد، والضلال متعدّد. وتقديمها لتقدّم الأعدام على الملكات.

ثمّ عجب سبحانه ممّن جعل له شريكا، مع ما يرى من الآيات الدالّة على وحدانيّته، فقال:( ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) جحدوا الحقّ( بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) . معنى «ثمّ» استبعاد عدولهم بعد هذا البيان.

وهذا عطف على قوله: «الحمد لله»، على معنى: أنّ الله حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد، ثمّ الّذين كفروا به يعدلون، فيكفرون نعمته. ويكون «بربّهم» تنبيها على أنّه خلق هذه الأشياء أسبابا لتكوّنهم وتعيّشهم، فمن حقّه أن يحمد عليها ولا يكفر.

أو على قوله: «خلق»، على معنى: أنّه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثمّ هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه.

والباء على الأوّل متعلّقة، بـ «كفروا»، وصلة «يعدلون» محذوفة، أي: يعدلون عنه، ليقع الإنكار على نفس العدول. وعلى الثاني متعلّقة بـ «يعدلون». والمعنى: أنّ الكفّار يسوّون به غيره، بأن جعلوا له أندادا من الأوثان. مأخوذ من قولهم: ما أعدل بفلان أحدا، أي: لا نظير له عندي.

( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) أي: ابتدأ خلقكم منه، فإنّه المادّة الأولى، وإنّ آدم الّذي هو أصل البشر خلق منه. أو خلقءاباءكم، فحذف المضاف.( ثُمَّ قَضى أَجَلاً ) كتب وقدّر أجل الموت( وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) أجل القيامة. وقيل: الأوّل ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ، فإنّ الأجل كما


يطلق لآخر المدّة يطلق لجملتها. وقيل: الأوّل النوم، والثاني الموت. وقيل: الأوّل لمن مضى، والثاني لمن بقي ولمن يأتي.

و «أجل» نكرة خصّصت بالصفة، ولذلك استغنى عن تقديم الخبر.

والاستئناف به لتعظيمه، ولذلك نكّر ووصف بأنّه مسمّى، أي: مثبت معيّن لا يقبل التغيّر. وأخبر عنه بأنّه عند الله تعالى لا مدخل لغيره فيه بعلم ولا قدرة، ولأنّه المقصود بيانه.

( ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ) استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنّه خالقهم وخالق أصولهم، ومحييهم إلى آجالهم وباعثهم، فإنّ من قدر على خلق الموادّ وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء، كان أقدر على جمع تلك الموادّ وإحيائها ثانيا.

فالآية الأولى دليل التوحيد، والثانية دليل البعث. والامتراء الشكّ. وأصله: المري، وهو استخراج(١) اللبن من الضرع.

( وَهُوَ اللهُ ) الضمير لله، و «الله» خبره( فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ) متعلّق باسم الله. والمعنى: هو المستحقّ للعبادة فيهما لا غير، كقوله:( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) (٢) . أو هو المعروف بالإلهيّة، أو هو المتوحّد بالإلهيّة فيهما. فقوله:( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) تقرير له، لأنّ من استوى في علمه السرّ والعلانية هو الله وحده.

ويجوز أن يكون «هو» ضمير الشأن، و «الله يعلم سركم وجهركم» مبتدأ وخبر، و «في السماوات» يتعلّق بـ «يعلم». وأن يكون «في السماوات» خبرا بعد خبر، أو بدلا من «الله» على معنى: أنّه الله، وأنّه في السماوات والأرض. ويكفي

__________________

(١) ولعلّ وجه النقل من المعنى اللغوي إلى هذا المعنى: أن الشكّ منشأ استخراج العلم، كما يستخرج اللبن من الضرع ويمترى.

(٢) الزخرف: ٨٤.


لصحّة الظرفيّة كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصيد في الحرم، إذا كنت خارجه والصيد داخله، بمعنى أنّه تعالى وتقدّس لكمال علمه بما فيهما كأنّه فيهما. وقال الزجّاج: لو قلت: هو زيد في البيت والدار، لم يجز إلّا أن يكون في الكلام دليل على أنّ زيدا يدبّر أمر البيت والدار، فيكون المعنى: هو المدبّر في البيت والدار.

فالمعنى: هو المعبود المدبّر في السماوات والأرض. وليس الظرف متعلّقا بالمصدر، وهو «سرّكم وجهركم»، لأنّ صفته لا تتقدّم عليه.

( وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ) من خير أو شرّ، فيثيب ويعاقب. ولعلّه أريد بالسرّ والجهر وما يخفى وما يظهر من أحوال الأنفس، وبالمكتسب أعمال الجوارح.

( وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) )

ثمّ أخبر سبحانه عن الكفّار المذكورين في أوّل الآية، فقال:( وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ ) «من» مزيدة للاستغراق( مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ ) للتبعيض(١) ، أي: ما يظهر لهم دليل قطّ من الأدلّة الّتي يجب فيها النظر وبها يحصل الاعتبار، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات القرآن( إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) تاركين للنظر فيه، غير ملتفتين إليه، ولا مستدلّين به.

( فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ) يعني: القرآن الّذي تحدّوا به فعجزوا عنه.

وهو كاللازم ممّا قبله، كأنّه قيل: إنّهم لـمّا كانوا معرضين عن الآيات كلّها كذّبوا به لـمّا جاءهم. أو كالدليل عليه، على معنى: أنّهم لـمّا أعرضوا عن القرآن وكذّبوا به وهو أعظم الآيات، فكيف لا يعرضون عن غيره؟! ولذلك رتّب عليه بالفاء.

__________________

(١) أي: «من» الثانية في قوله تعالى: «من آيات».


( فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي: سيظهر لهم أخبار الشيء الّذي كانوا به يستهزؤن، وهو القرآن. يعني: سيعلمون بأيّ شيء استهزؤا، وسيظهر لهم أنّه لم يكن بموضع الاستهزاء، وذلك عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة، أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره وعلوّ كلمته.

( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) )

ثمّ حذّرهم سبحانه ما نزل بالأمم قبلهم، فقال:( أَلَمْ يَرَوْا ) ألم ير كفّار قريش( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) أي: من أهل زمان مقترنين في وقت. والقرن مدّة أغلب أعمار الناس. وهي سبعون سنة. وقيل: ثمانون. وقيل: القرن أهل عصر فيه نبيّ أو فائق في العلم، قلّت المدّة أو كثرت. واشتقاقه من: قرنت.

( مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) جعلنا لهم فيها مكانا، أو قرّرناهم فيها، أو أعطيناهم من القوى والآلات ما تمكّنوا بها من أنواع التصرّف فيها( ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ) ما لم نجعل لكم يا أهل مكّة، من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والعبيد والخدم، والولاية، وطول المقام. أو ما لم نعطكم من القوّة والسعة في المال، والاستظهار بالعدد والأسباب، وأنتم تسمعون أخبارهم، وترون ديارهم وآثارهم.

عدل عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات.

( وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ ) أي: المطر، أو السحاب، أو المظلّة، فإنّ مبدأ المطر منها( مِدْراراً ) مغزارا( وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ) فعاشوا في


الخصب والريف بين الأنهار والثمار( فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) أي: لم يغن ذلك عنهم شيئا من مقدّمة الإهلاك( وَأَنْشَأْنا ) وأحدثنا( مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) أمّة اخرى بدلا منهم.

والمعنى: أنّه تعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود، وينشئ مكانهم آخرين يعمّر بهم بلادهم، يقدر أن يفعل ذلك بكم.

وفيه دلالة صريحة على أنّه سبحانه لا يتعاظمه أن يفني عالما وينشئ عالما آخر، لقوله:( وَلا يَخافُ عُقْباها ) (١) . ففيه احتجاج على منكري البعث.

( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) )

روي أنّ نضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أميّة ونوفل بن خويلد قالوا عنادا: يا محمّد لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب من عند الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنّه من عند الله وأنّك رسوله، فنزلت:( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ) مكتوبا في ورق.

وعن ابن عبّاس: كتابا معلّقا من السماء إلى الأرض.

( فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ) فمسّوه. وتخصيص اللمس لأنّ التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم

__________________

(١) الشمس: ١٥.


أن يقولوا: إنّما سكّرت أبصارنا، فتبقى لهم. وعلّة تقييده بالأيدي لدفع التجوّز، فإنّه قد يتجوّز به للفحص، كقوله:( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ ) (١) . فاللمس باليد أبلغ في الإحساس من المعاينة.( لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) تعنّتا وعنادا للحقّ بعد ظهوره.

( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) هلّا أنزل مع محمّد ملك نشاهده يكلّمنا أنّه نبيّ فنصدّقه، كقوله:( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) (٢) .

( وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً ) على ما اقترحوه( لَقُضِيَ الْأَمْرُ ) أي: أمر إهلاكهم. هذا جواب لـما قالوا، وبيان لـما هو المانع ممّا اقترحوه. والمعنى: أنّ الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحقّ إهلاكهم، فإنّ سنّة الله جرت بذلك فيمن قبلهم( ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ) بعد نزوله طرفة عين، لأنّهم لا يؤمنون عند مشاهدة تلك الآية الّتي لا شيء أبين منها، فتقتضي الحكمة استئصالهم.

( وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) هذا جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب. وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان، فإنّهم تارة يقولون:( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) ، وتارة يقولون:( لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) (٣) .

وعلى الأوّل معناه: ولو جعلنا قرينا لك ملكا يعاينوه. وعلى الثاني: ولو جعلنا الرسول ملكا لمثّلناه رجلا، كما مثّل جبرئيل في صورة دحية الكلبي، فإنّ القوّة البشريّة لا تقوى على رؤية الملك في صورته، وإنّما رأى الملائكة بعض الأنبياء صلوات الله عليهم بقوّتهم القدسيّة.

وقوله: «وللبسنا» جواب محذوف، أي: ولو جعلناه رجلا للبسنا، أي :

__________________

(١) الجنّ: ٨.

(٢) الفرقان: ٧.

(٣) فصّلت: ١٤.


لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، فيقولون: ما هذا إلّا بشر مثلكم، فحصل الاشتباه بينهم، وكذّبوه كما كذّبوا محمدا.

( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) )

ثمّ قال سبحانه على سبيل التسلية لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تكذيب المشركين إيّاه واستهزائهم به:( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ) كما استهزئ قومك، فلست بأوّل رسول استهزئ به، ولا هم أوّل أمّة استهزئت برسولها( فَحاقَ ) فأحاط( بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) الشيء المستهزأ الّذي كانوا يستهزؤن به، وهو الحقّ، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. وقيل: فأحاط بهم وبال استهزائهم، أو العذاب الّذي يسخرون من وقوعه.

( قُلْ سِيرُوا ) سافروا( فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ) بأبصاركم، وتفكّروا بقلوبكم( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) المستهزئين بالرسل من الأمم السالفة، أي: كيف أهلكهم الله تعالى بعذاب الاستئصال كي تعتبروا.


والفرق بينه وبين قوله:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ) (١) أنّ السير ثمّة لأجل النظر، لأنّ الفاء للسببيّة، ولا كذلك هاهنا، ولذلك قيل: معناه: إباحة السير للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين.

( قُلْ ) تبكيتا لهم( لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خلقا وملكا( قُلْ لِلَّهِ ) تقريرا لهم، وتنبيها على أنّه المتعيّن للجواب بالاتّفاق، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره. والمعنى: هو لله، لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره.

( كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) أوجبها على ذاته والتزمها. والمراد بالرحمة ما يعمّ الدارين، ومن ذلك الهداية إلى معرفته، ونصب الأدلّة على توحيده، وإنزال الكتب، والإمهال على الكفر.

( لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر، أي: ليجمعنّكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة، فيجازيكم على شرككم.

أو ليجمعنّ آخركم إلى أوّلكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة، أو في يوم القيامة.

و «إلى» بمعنى «في» شائع. وقيل: بدل من الرحمة بدل البعض، فإنّ من رحمته بعثه إيّاكم، وإنعامه عليكم( لا رَيْبَ فِيهِ ) في اليوم، أو الجمع.

( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) بتضييع رأس ما لهم، وهو الفطرة الأصليّة والعقل السليم. وموضع الموصول نصب على الذمّ، أو رفع على الخبر، أي: وأنتم الّذين، أو على الابتداء وخبره قوله:( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) . والفاء للدلالة على أنّ عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم، فإنّ إبطال العقل باتّباع الحواسّ والوهم، والانهماك في التقليد وإغفال النظر، أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الايمان.

( وَلَهُ ) عطف على «لله»( ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي: ما تمكّن من

__________________

(١) النمل: ٦٩.


السكنى، بمعنى الحلول والنزول، لا من السكون ضدّ الحركة، ومنه: سكن الدار وفيها إذا أقام. ويجوز أن يكون من السكون. والمراد: ما سكن فيها وما تحرّك، فاكتفى بأحد الضدّين عن الآخر، كقوله تعالى( سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) (١) . والمراد الحرّ والبرد. والأول موافق لقول ابن عباس: وله ما استقرّ في الليل والنهار من خلق. وتعديته بـ «في»، كما في قوله:( وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٢) .

والمعنى: ما اشتملا عليه اشتمال الظرف على المظروف. ذكر في الأوّل السماوات والأرض، وذكر هنا الليل والنهار. فالأوّل يجمع المكان، والثاني يجمع الزمان.

وهما ظرفان لجميع الموجودات، من الأجسام والأعراض.

( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لكلّ مسموع( الْعَلِيمُ ) بكلّ معلوم، فلا يخفى عليه شيء.

ويجوز أن يكون وعيدا للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.

( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) )

قيل: إنّ أهل مكّة قالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا محمد تركت ملّة قومك، وقد

__________________

(١) النحل: ٨١.

(٢) إبراهيم: ٤٥.


علمنا أنّه لا يحملك على ذلك إلّا الفقر، فإنّا نجمع لك من أموالنا حتّى تكون من أغنانا، فنزلت:( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ) مالكا ومولى.

ووليّ الشيء مالكه الّذي هو أولى به من غيره. هذا إنكار لاتّخاذ غير الله وليّا، لا لاتّخاذ الوليّ، فلذلك قدّم وأولي همزة الاستفهام، دون الفعل الّذي هو: اتّخذ. والمراد بالوليّ المعبود، لأنّه ردّ لمن دعاه إلى الشرك.

( فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) مبدعهما. عن ابن عبّاس: ما عرفت معنى: فاطر السماوات والأرض، حتّى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأت بحفرها. وجرّه على الصفة لله، فإنّه بمعنى الماضي.

( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ) يرزق ولا يرزق. وتخصيص الطعام لشدّة الحاجة إليه. والمعنى: أنّ المنافع كلّها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فكيف أشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانيّة؟!( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ) أي: أمر ربّي( أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) أوّل من استسلم لأمر الله ورضي بحكمه، أو أوّل من أخلص العبادة لله من أهل الزمان، لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سابق أمّته في الدين، كقول موسى:( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (١) .( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بترك أمره وارتكاب نهيه، أو باتّخاذ غيره وليّا، أي: وقيل لي: ولا تكوننّ من أهل الشرك، أي: أمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك. ويجوز عطفه على «قل».

( قُلْ إِنِّي أَخافُ ) قيل: معناه أوقن وأعلم. وقيل: هو من الخوف.( إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) مبالغة اخرى في قطع أطماعهم، وتعريض لهم بأنّهم عصاة مستوجبون للعذاب. والشرط معترض بين الفعل والمفعول به. وجوابه محذوف دلّ عليه الجملة.

__________________

(١) الأعراف: ١٤٣.


( مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ) أي: يصرف العذاب عنه. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم: يصرف، على أنّ الضمير فيه لله تعالى والمفعول به محذوف، أو يومئذ بحذف المضاف، أي: عذاب يومئذ.( فَقَدْ رَحِمَهُ ) الرحمة العظمى الّتي هي النجاة، كما تقول: من أطعمته من جوع فقد أحسنت إليه، تريد: فقد أتممت الإحسان إليه. أو فقد أثابه وأدخله الجنّة، لأنّ من لم يعذّب فلا بدّ أن يثاب.( وَذلِكَ ) أي: الصرف أو الرحمة( الْفَوْزُ الْمُبِينُ ) الفوز بالبغية، الظاهر البيّن.

( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا يملك النفع والضرّ إلّا هو، ولا يكشفه سواه ممّا يعبده المشركون، فقال:( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ ) يصيبك ببليّة، كمرض وفقر( فَلا كاشِفَ لَهُ ) فلا قادر على كشفه( إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ ) بنعمة، كصحّة وغنى( فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الخير والضرّ وغير ذلك( قَدِيرٌ ) لا يقدر أحد على دفع ما يريد لعباده من مكروه أو محبوب، فكان قادرا على حفظه وإدامته، فلا يقدر غيره على دفعه، كقوله تعالى:( فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) (١) .

( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) تصوير لقهره وعلوّه بالغلبة والقدرة، كقوله:( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) (٢) . يريد أنّهم تحت تسخيره وتذليله( وَهُوَ الْحَكِيمُ ) في

__________________

(١) يونس: ١٠٧.

(٢) الأعراف: ١٢٧.


أمره وتدبيره( الْخَبِيرُ ) العالم بكلّ ما يصحّ أن يخبر به، فكان عالما بالعباد وخفايا أحوالهم.

( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) )

روي عن الكلبي أنّ أهل مكّة قالوا: يا محمّد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنّك رسول الله، فنزلت:( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً )

أراد: أيّ شهيد أكبر شهادة وأصدق. فوضع شيئا مقام شهيد ليبالغ بالتعميم، فإنّ الشيء أعمّ العامّ، لوقوعه على كلّ ما يصحّ أن يعلم ويخبر عنه، فيقع على القديم والجسم والعرض والمحال والمعدوم، ولذلك صحّ أن يقال في اللهعزوجل : شيء لا كالأشياء، بمعنى: أنّه معلوم لا كسائر المعلومات الّتي هي الأجسام والأعراض، ولم يصحّ: جسم لا كالأجسام.

( قُلِ اللهُ ) أي: الله أكبر شهادة. ثمّ ابتدأ فقال:( شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) أي: هو شهيد يشهد لي بالرسالة. ويجوز أن يكون «الله شهيد» هو الجواب، لأنّه تعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة.

( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ) لأخوّفكم بالقرآن من عذاب الله.


واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة.( وَمَنْ بَلَغَ ) عطف على ضمير المخاطبين، أي: لأنذركم به يا أهل مكّة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر، أي: من العرب والعجم، أو من الثقلين. أو لأنذركم أيّها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة. وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم، وأنّه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه.

وروى الحسن في تفسيره عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «من بلغه أنّي أدعو إلى أن لا إله إلّا الله فقد بلغه».

يعني: بلغته الحجّة، وقامت عليه.

وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنّما رأى محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير العيّاشي قال أبو جعفر وأبو عبد اللهعليهما‌السلام : «معناه: من بلغ أن يكون إماما من آل محمّد فهو ينذر بالقرآن، كما أنذر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

وعلى هذا، فيكون قوله: «ومن بلغ» في موضع الرفع عطفا على الضمير في «أنذر».

ثمّ قال تقريرا لهم مع إنكار واستبعاد:( أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى ) بعد وضوح الأدلّة، وقيام الحجّة على وحدانيّته تعالى( قُلْ لا أَشْهَدُ ) بما تشهدون( قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) أي: بل اشهد أن لا إله إلّا الله( وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) به، يعني: الأصنام.

( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ) يعرفون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحليته المذكورة في التوراة والإنجيل، ونعته الثابت فيهما، معرفة خالصة واضحة( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ ) بحلاهم وصفاتهم، لا يخفون عليهم، ولا يلتبسون بغيرهم.

( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) من أهل الكتاب الجاحدين والمشركين( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) لتضييعهم ما به يكتسب الإيمان.

روي أنّ عبد الله بن سلام قال: وأيم الّذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمّد أشدّ

__________________

(١) تفسير العيّاشي ١: ٣٥٦ ح ١٢ و١٣.


معرفة منّي بابني، لأنّي عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا، فأشهد أنّه هو، فأمّا ابني فإنّي لا أدري ما أحدثت أمّه.

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) )

ثمّ بيّن سبحانه ما يلزمهم من التوبيخ والتهجين بالإشراك، فقال:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ) اختلق( عَلَى اللهِ كَذِباً ) كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله( أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) كأن كذّبوا بالقرآن والمعجزات، وسمّوها سحرا. وإنّما ذكر «أو» وهم قد جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أنّ كلّا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس. والاستفهام في معنى الجحد، أي: لا أحد أظلم منه.

( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) لا يفوز الكافرون المتوغّلون في الكفر والافتراء برحمة الله وثوابه، ولا بالنجاة من النار.

( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) ناصبه محذوف، تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الّذي هو أدخل في التخويف( ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ) أي: آلهتكم الّتي جعلتموها شركاء لله تعالى. وقرأ يعقوب: يحشرهم ويقول بالياء.( الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أي: تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. والمراد من الاستفهام التوبيخ. ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ، ليفقدوها في الساعة الّتي علّقوا بها الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم وحسرتهم. ويحتمل أن يشاهدوهم، ولكن لـمّا لم ينفعوهم فكأنّهم غيّب عنهم.


وفي الآية دلالة واضحة على بطلان الجبر، وعلى إثبات المعاد، وحشر جميع الخلائق.

( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) )

ثمّ بيّن سبحانه جواب القوم عند توجّه التوبيخ إليهم، فقال:( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ) أي: كفرهم. والمراد عاقبته. يعني: ثمّ لم يكن عاقبة كفرهم الّذي لزموه مدّة أعمارهم، وقاتلوا عليه، وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا.( إِلَّا أَنْ قالُوا ) من فرط الحسرة والدهشة( وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) يكذبون ويحلفون عليه، مع علمهم بأنّه لا ينفعهم، وذلك كأنّ الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا. ألا تراهم يقولون:( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ) (١) وقد أيقنوا بالخلود، ولم يشكّوا فيه. وقالوا:( لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ) (٢) وقد علموا أنّهم لا يقضى عليهم.

والمعنى: جحدوا الكفر وتبرّؤا منه، وحلفوا على الانتفاء من التديّن به، مع علمهم بأنّه لا ينفعهم ذلك القول.

وقيل: المراد من فتنتهم معذرتهم الّتي يتوهّمون أن يتخلّصوا بها، من: فتنت الذهب إذا خلّصته.

وقيل: جوابهم. وإنّما سمّاه فتنة لأنّه كذب، أو لأنّهم قصدوا به الخلاص.

وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص: لم تكن بالتاء، وفتنتهم بالرفع، على أنّها

__________________

(١) المؤمنون: ١٠٧.

(٢) الزخرف: ٧٧.


الاسم. ونافع وأبو عمرو وأبو بكر بالتاء والنصب، على أنّ الاسم «أن قالوا»، والتأنيث للخبر، كقولهم: من كانت أمّك؟ والباقون بالياء والنصب.

( انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) أي: بنفي الشرك عنها. والمراد بالاستفهام التنبيه على التعجيب منهم. وقول من يقول: المعنى: ما كنّا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنّا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله:( انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) في الدنيا، فتمحّل وتعسّف يخلّ بالنظم. وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى:( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ) (١) بعد قوله:( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (٢) فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.

وقرأ حمزة والكسائي: ربّنا بالنصب، على النداء والمدح.

( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) من الشركاء.

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) )

روي أنّ أبا سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبا جهل وأضرابهم اجتمعوا فسمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأ: فقالوا للنضر يا أبا قتيلة ما يقول؟: فقال: والّذي

__________________

(١، ٢) المجادلة: ١٨ و١٤.


جعلها ـ أي: الكعبة ـ بيته ما أدري ما يقول، إلّا أنّه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدّثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان: إنّي لأراه حقّا.

فقال: أبو جهل: كلّا فنزلت:( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ )

حين تتلو القرآن( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) أغطية، جمع كنان، وهو ما يستر الشيء( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) كراهة أن يفقهوه( وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) يمنع من استماعه. والأكنّة في القلوب والوقر(١) في الآذان مثل في نبوّ قلوبهم وسامعتهم عن قبوله واعتقاد صحّته. ووجه إسناد الفعل إلى ذاته ـ وهو قوله :«وجعلنا» ـ للدلالة على أنّه ثابت فيهم لا يزول عنهم، كأنّهم مجبولون عليه. أو هي حكاية لـما كانوا ينطقون به من قولهم:( وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) (٢) . وقد مرّ(٣) تحقيق ذلك في أوّل سورة البقرة عند قوله:( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) .

وقال القاضي أبو عاصم العامري: أصحّ الأقوال فيه ما روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّي بالليل، ويقرأ القرآن في الصلاة جهرا، رجاء أن يستمع إلى قراءته إنسان فيتدبّر معانيه ويؤمن به. فكان المشركون إذا سمعوه آذوه، ومنعوه عن الجهر بالقراءة. فكان الله تعالى يلقي عليهم النوم، أو يجعل في قلوبهم أكنّة ليقطعهم عن مرادهم، وذلك بعد ما بلغهم ممّا تقوم به الحجّة وتنقطع به المعذرة، وبعد ما علم الله سبحانه أنّهم لا ينتفعون بسماعه ولا يؤمنون به، فشبّه إلقاء النوم عليهم بجعل الغطاء على قلوبهم وبوقر آذانهم، لأنّ ذلك كان يمنعهم من التدبّر، كالوقر والغطاء. وهذا معنى قوله تعالى:( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

__________________

(١) وقرت أذنه وقرا: ثقلت أو ذهب سمعه كله وصمت أذنه.

(٢) فصلت: ٥.

(٣) راجع ج ١: ٥٣ ـ ٥٤.


حِجاباً مَسْتُوراً ) (١) . وهو قول أبي علي الجبائي.

ويحتمل ذلك وجها آخر، وهو أنّه تعالى يعاقب هؤلاء الكفّار الّذين علم أنّهم لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم، يكون موانع من أن يفهموا ما يسمعونه.

ويحتمل أيضا أن يكون سمّى الكفر الّذي في قلوبهم كنّا تشبيها ومجازا، وإعراضهم عن تفهّم القرآن وقرا توسّعا، لأنّ مع الكفر والإعراض لا يحصل الإيمان والفهم، كما لا يحصلان مع الكنّ والوقر. ونسب ذلك إلى نفسه، لأنّه الّذي شبّه أحدهما بالآخر، كما يقول أحدنا لغيره إذا أثنى على إنسان وذكر مناقبه: جعلته فاضلا، وبالضدّ إذا ذكر مقابحه وفسقه يقول: جعلته فاسقا، وكما يقال: جعل القاضي فلانا عدلا، وكلّ ذلك يراد به الحكم عليه بذلك، والإبانة عن حاله، كما قال الشاعر :

جعلتني باخلا كلّا وربّ منى

إنّي لأسمح كفّا منك في اللزب(٢)

ومعناه: سمّيتني باخلا.

( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ) لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم( حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ ) أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى غاية أنّهم جاؤك يجادلونك. و «حتى» هي الّتي تقع بعدها الجمل لا عمل لها. والجملة قوله: «إذا جاؤك»، وجوابه وهو قوله:( يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا ) ما هذا القرآن( إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ، فإنّ جعل أصدق الحديث خرافات الأوّلين وأكاذيبهم ـ كحديث رستم وإسفنديار، وغيره ممّا لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وغير مطابق للواقع ـ غاية التكذيب. و «يجادلونك» حال لمجيئهم.

ويجوز أن تكون «حتّى» هي الجارّة، و «إذا جاؤك» في موضع الجرّ ،

__________________

(١) الإسراء: ٤٥.

(٢) اللزبة: الشدّة والقحط، وجمعها: لزب.


و «يجادلونك» جواب، و «يقول» تفسير له.

والأساطير: الأباطيل، وكلّ كلام لا نظام له. جمع اسطارة واسطيرة بكسرهما، واسطورة بالضمّ، وبالهاء في الكلّ. أو جمع أسطار جمع سطر. وأصله السطر بمعنى الخطّ والكتابة.

( وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ) أي: ينهون الناس عن استماع القرآن، أو الرسول والإيمان به.( وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ) ويتباعدون عنه بأنفسهم فرارا منه، فيضلّون ويضلّون.( وَإِنْ يُهْلِكُونَ ) وما يهلكون بذلك( إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ) أنّ ضرره لا يتعدّى إلى غيرهم، وإن كانوا يظنّون أنّهم يضرّون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . هكذا قال ابن عبّاس ومحمّد بن الحنفيّة والحسن والسّدي وقتادة ومجاهد في تفسيره. واختاره الجبائي.

وقال عطاء ومقاتل من العامّة: إنّ المراد به أبو طالب بن عبد المطّلب، لأنّه كان ينهى قريشا عن التعرّض لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وينأى عنه، فلا يؤمن به. فمعناه: يمنعون الناس عن أذى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يتّبعونه بالإيمان.

وهذا لا يصحّ، لأنّ هذه الآية معطوفة على ما تقدّمها، وما تأخّر عنها معطوف عليها، وكلّها في ذمّ الكفّار المعاندين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . هذا وقد ثبت إجماع أهل البيتعليهم‌السلام على إيمان أبي طالب، وإجماعهم حجّة، لأنّهم أحد الثقلين اللّذين أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسّك بهما بقوله: «إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

ويدلّ على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر أنّ أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألا تركت الشيخ فآتيه؟ وكان أعمى. فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله، والّذي بعثك بالحقّ لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشدّ فرحا منّي بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرّة عينك. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : صدقت.


وروى الطبري(١) بإسناده: «أنّ رؤساء قريش لـمّا رأوا ذبّ أبي طالب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اجتمعوا عليه، وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك، وتدفع إلينا ابن أخيك الّذي فرّق جماعتنا وسفّه أحلامنا فنقتله. فقال أبو طالب: ما أنصفتموني، تعطونني ابنكم فأغذوه، وأعطيكم ابني فتقتلونه! بل فليأت كلّ امرئ منكم بولده فأقتله. وقال :

منعنا الرسول رسول المليك

ببيض تلألأ كلمح البروق

أذود وأحمي رسول المليك

حماية حام عليه شفيق

وأقواله وأشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة مشهورة لا تحصى، فمن ذلك قوله :

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدا

نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب

ومنه :

ألا إنّ أحمد قد جاءهم

بحقّ ولم يأتهم بالكذب

وقوله حين يحضّ أخاه حمزة على اتّباع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والصبر في طاعته :

صبرا أبا يعلى على دين أحمد(٢)

إلى قوله

.... فكن لرسول الله في الله ناصرا

وقوله في قصيدته :

أقيم على نصر النبيّ محمّد

أقاتل عنه بالقنا(٣) والقنابل

__________________

(١) تاريخ الطبري ٢: ٣٢٦ ـ ٣٢٧.

(٢) تمام البيت :

وكن مظهرا للدين وفّقت صابرا

فقد سرّني إذ قلت إنّك مؤمن

فكن لرسول

(٣) القنا جمع القناة: الرمح. والقنابل جمع القنبلة: الطائفة من الناس أو الخيل.


وقوله يحضّ النجاشي على نصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

تعلّم مليك الحبش أنّ محمّدا

وزير لموسى والمسيح بن مريم

أتى بهدى مثل الّذي أتيا به

وكلّ بأمر الله يهدي ويعصم

وإنّكم تتلونه في كتابكم

بصدق حديث لا حديث المرجّم

فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا

وأنّ طريق الحقّ ليس بمظلم

وقوله في وصيّته وقد حضرته الوفاة :

أوصي بنصر النبيّ الخير مشهده

عليّا ابني وشيخ القوم عبّاسا

وحمزة الأسد الحامي حقيقته

وجعفرا أن يذودا دونه الناسا

وأمثال هذه الأبيات ممّا هو موجود في قصائده المشهورة ووصاياه وخطبه، يطول بها الكتاب.

( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) )

ثمّ بيّن سبحانه ما ينال هؤلاء الكفّار يوم القيامة من الحسرة وتمنّي الرجعة، فقال:( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ) حتّى يعاينوها أو يطّلعون عليها اطّلاعا هي تحتهم. وجوابه محذوف، أي: لو تراهم حين يوقفون على النار لرأيت أمرا شنيعا.

وقيل: معناه: ادخلوها فعرفوا مقدار عذابها، مأخوذا من قولك: وقفته على كذا، إذا عرّفته وفهّمته.

( فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ) تمنّيا للرجوع إلى الدنيا( وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ


مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وعد منهم بالإيمان، كأنّهم قالوا: ونحن لا نكذّب ونؤمن، استئنافا منهم على وجه الإثبات. وشبّهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود، أي وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني.

ويجوز أن يكون معطوفا على «نردّ»، أو حال من الضمير فيه، فيكون في حكم التمنّي. وحينئذ قوله:( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) راجع إلى ما تضمّنه التمنّي من الوعد، فيجوز أن يتعلّق به التكذيب. فلا يرد أن التمنّي لا يكون كاذبا فكيف يتعلّق به التكذيب؟ وهذا كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك. فهذا متمنّى في معنى الوعد. فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنّه قال: إن رزقني الله مالا كافأتك على الإحسان.

ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب، بإضمار «أن» بعد الواو، إجراء لها مجرى الفاء. ومعناه: إن رددنا لم نكذّب ونكن من المؤمنين. وقرأ ابن عامر برفع الأوّل على العطف، ونصب الثاني على الجواب.

( بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ) إضراب عن إرادة الإيمان المفهومة من التمنّي. والمعنى: أنّه، ظهر لهم ما كانوا يخفون من الناس من قبائح أعمالهم في صحفهم، وبشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنّوا ذلك ضجرا، لا أنّهم عازمون على أنّهم لو ردّوا لآمنوا.

قيل: هو في المنافقين، أي: يظهر نفاقهم الّذي كانوا يسرّونه.

وقيل: هو في أهل الكتاب، أي: يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحّة نبوّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( وَلَوْ رُدُّوا ) أي: إلى الدنيا بعد الوقوف على النار وظهور ما كانوا يخفون( لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) من الكفر والمعاصي( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) فيما وعدوا به من أنفسهم، لا يؤمنون به.


( وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) )

ثمّ أخبر سبحانه عن الكفّار، وإنكارهم البعث والنشور والحشر والحساب، فقال:( وَقالُوا ) عطف على «لعادوا» أي: ولو ردّوا لكفروا ولقالوا. أو على «أنّهم لكاذبون» على معنى: وأنّهم لقوم كاذبون في كلّ شيء، وهم الّذين قالوا. أو على «نهوا». أو استئناف بذكر ما قالوه في الدنيا.( إِنْ هِيَ ) ما الحياة( إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) عنوا بذلك أنّه لا حياة في الآخرة، وإنّما هي هذه الّتي حيينا بها في الدنيا( وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) لسنا مبعوثين بعد الموت، أي: قالوا ذلك كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة.

( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ) مجاز عن الحبس للسؤال والتوبيخ، كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه ليعاتبه. وقيل: معناه: وقفوا على قضاء ربّهم أو جزائه، أو عرّفوه حقّ التعريف، كما يقال: وقفته على كلام فلان، أي: عرّفته إيّاه.

( قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ ) كأنّه جواب قائل قال: ماذا قال ربّهم حينئذ؟ والهمزة


للتقريع على التكذيب بالبعث، والإشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب( قالُوا بَلى ) هو حقّ( وَرَبِّنا ) أكّدوا اعترافهم به وأقرّوا به باليمين لانجلاء الأمر غاية الجلاء( قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) بسبب كفركم، أو ببدله. وإنّما قال: «ذوقوا» لأنّهم في كلّ حال يجدون ذلك وجدان الذائق المذوق في شدّة الاحساس.

( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ ) إذ فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم.

والمراد لقاء ما وعد الله به من البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب. وجعل لقاءهم لذلك لقاء له تعالى مجازا. وهذا منقول عن ابن عبّاس والحسن.

( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ) غاية لـ «كذّبوا» لا لـ «خسر» لأنّ خسرانهم لا غاية له( بَغْتَةً ) فجأة من غير أن علموا وقتها. ونصبها على الحال، بمعنى باغتة، أو المصدر، فإنّها نوع المجيء، كأنّه قيل: بغتتهم الساعة بغتة. ولـمّا كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدّماتها جعل من جنس الساعة، وسمّي باسمها، ولذلك

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من مات فقد قامت قيامته».

أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة، فتحسّرهم عند موتهم لا ينافي هذه الغاية.

( قالُوا ) عند معاينة ذلك اليوم وأهواله، وتباين أحوال أهل الثواب والعقاب( يا حَسْرَتَنا ) أي: تعالي فهذا أوانك( عَلى ما فَرَّطْنا ) قصّرنا( فِيها ) في الحياة الدنيا، أضمرت وإن لم يجر ذكرها للعلم بها. أو في الساعة، يعني: في شأنها والإيمان بها، كما تقول: فرّطت في فلان، ومنه:( فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ ) (١) .( وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ ) تمثيل لاستحقاقهم أثقال الآثام. وهو مثل قوله :

__________________

(١) الزمر: ٥٦.


( فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (١) لأنّ الأثقال تحمل على الظهور في العادة، كما أنّ الكسب يكون في الأيدي.

روي أنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول: أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، فذلك قوله:( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ) (٢) أي: ركبانا. وأنّ الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحا فيقول: أنا عملك السيّء طال ما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله:( وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ ) .( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) بئس شيئا يزرونه وزرهم، بحذف المخصوص بالذمّ.

( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ) وما أعمالها( إِلَّا لَعِبٌ ) وهو الّذي لا يعقّب نفعا( وَلَهْوٌ ) وما يلهي الناس ويشغلهم عمّا يعقّب منفعة دائمة ولذّة حقيقيّة. وهو جواب لقولهم:( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) .

( وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ ) وما فيها من أنواع النعيم( خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) لدوامها وخلوص منافعها ولذّاتها. وقوله:( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) تنبيه على أنّ ما سوى أعمال المتّقين لعب ولهو. وقرأ ابن عامر: ولدار الآخرة. تقديره: ولدار الساعة الآخرة.

( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أيّ الأمرين خير.

وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب بالتاء، على خطاب المخاطبين به، أو تغليب الحاضرين على الغائبين.

وفي الآية تسلية للفقراء بما حرموا من متاع الدنيا، وتقريع للأغنياء إذا ركنوا إلى حطامها، ولم يعملوا لغيرها.

__________________

(١) الشورى: ٣٠.

(٢) مريم: ٨٥.


( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) )

ثمّ سلّى سبحانه نبيّه على تكذيبهم إيّاه بعد إقامة الحجّة عليهم، فقال:( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ) معنى «قد» زيادة الفعل وكثرته، كقوله(١) : ولكنّه قد يهلك المال نائله.

فهو هاهنا بمنزلة «ربّما» الّذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته. والهاء في «أنّه» للشأن. وقرأ نافع: ليحزنك من: أحزن. و «الّذي يقولون» هو قولهم: شاعر ومجنون وساحر وكذّاب.

( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ) في الحقيقة، وإنّما يكذّبون الله، لأنّك رسوله المصدّق بالمعجزات، فتكذيبك راجع إليه وإلى جحود آياته. ونحوه قول السيّد لعبده إذا أهانه بعض الناس: إنّهم لم يهينوك، وإنّما أهانوني. ومن هذه الطريقة قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) (٢) . وقيل: معناه: فإنّهم لا يكذّبونك بقلوبهم ،

__________________

(١) من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، صدر البيت: أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله

(٢) الفتح: ١٠.


ولكنّهم يجحدون بألسنتهم، كقوله تعالى:( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) (١) .

وقرأ نافع والكسائي: لا يكذبونك، من: أكذبه، إذا وجده كاذبا أو نسبه إلى الكذب.

( وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) ولكنّهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها. فوضع الظالمين موضع الضمير، للدلالة على أنّهم ظلموا بجحودهم، أو جحدوا لتمرّنهم على الظلم. والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب.

وعن ابن عبّاس: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسمّى الأمين، فعرفوا أنّه لا يكذب في شيء، ولكنّهم كانوا يجحدون.

وروي أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد صادق هو أم كاذب؟ فإنّه ليس هاهنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا.

فقال: ويحك والله إنّ محمدا صادق، وما كذب قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية(٢) والحجابة والنبوّة فما ذا يكون لسائر قريش؟

وروى سلام بن مسكين، عن أبي بريد المدني، أنّ رسول الله لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك، فقال: والله إنّي لأعلم أنّه صادق، ولكنّا متى كنّا تبعا لعبد مناف؟ فأنزل الله تعالى الآية.

ثمّ قال لمزيد تسلية:( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) . وفيه دليل على أنّ قوله:( لا يُكَذِّبُونَكَ ) ليس لنفي تكذيبه، بل تكذيب مرسله، وهو الله تعالى، كما مرّ.

( فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا ) على ما نالهم منهم من التكذيب والأذى في أداء الرسالة، فتأسّ بهم واصبر( حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا ) إيّاهم على المكذّبين. وفيه إيماء بوعد النصر للصابرين.( وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ) لمواعيده من قوله :

__________________

(١) النمل: ١٤.

(٢) في هامش النسخة الخطية: «السقاية: حياض من أدم، يسقون الحاج منها. والحجابة: سدنة الكعبة. منه».


( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) (١) الآيات.( وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ) أي: بعض قصصهم وما كابدوا من قومهم.

( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) )

روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعظم عليه إعراض قومه عن الإيمان وقبول دينه، فنزلت:( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ )

عظم وشقّ( إِعْراضُهُمْ ) عنك وعن الإيمان بما جئت به( فَإِنِ اسْتَطَعْتَ ) قدرت وتهيّأ لك( أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ ) أن تطلب سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحتها، فتطلع لهم آية يؤمنون عندها( أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ ) أو مصعدا تصعد إلى السماء( فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ) أي بآية ملجئة إلى إيمانهم فافعل، أي: انّك لا تستطيع ذلك. وحذف جواب «إن».

و «في الأرض» صفة لـ «نفقا»، و «في السماء» صفة لـ «سلّما». ويجوز أن يكونا متعلّقين بـ «تبتغي» أو حالين من المستكن. والجملة الشرطيّة مع جوابها المحذوف جواب الشرط الأوّل.

والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه، وأنّه لو قدر أن يأتيهم بآية

__________________

(١) الصافات: ١٧١.


من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكن لم يفعل، لخروجه عن الحكمة، فإنّ الإلجاء مناف للتكليف الّذي هو مناط للعبادة.( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) من الّذين يجهلون ذلك، ويرومون ما هو خلافه. أو من الجهلة بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر، فإنّ ذلك من دأب الجهلة.

والمراد: لا تجزع ولا تتحسّر لكفرهم وإعراضهم عن الإيمان. وغلّظ الخطاب تبعيدا وزجرا عن هذه الحال.

( إِنَّما يَسْتَجِيبُ ) أي: ما يجيب الإيمان إلّا( الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ) بفهم وتأمّل، ويصغون إليك وإلى ما تقرأ عليهم من القرآن فينقادون له، كقوله:( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (١) . وهؤلاء الكفّار الّذين تحرص على إيمانهم كالموتى الّذين لا يسمعون، فكما أيست أن تسمع الموتى كلامك إلى أن يبعثهم الله، فكذلك آيس من هؤلاء أن يستجيبوا لك.( وَالْمَوْتى ) أي: الّذين كالموتى في عدم الإصغاء لجاجا( يَبْعَثُهُمُ اللهُ ) من القبر، فيعلمهم حين لا ينفعهم الايمان( ثُمَّ إِلَيْهِ ) إلى جزائه( يُرْجَعُونَ ) فحينئذ يسمعون وإن لم ينفعهم، وأمّا قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.

( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) )

ثمّ عاد إلى حكاية أقوال الكفّار، فقال عاطفا على ما تقدّم:( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ ) بمعنى: أنزل( عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) أي: آية ممّا اقترحوه، أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة، لعدم اعتدادهم بها عنادا.

__________________

(١) ق: ٣٧.


( قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ) ممّا اقترحوه، أو آية تضطرّهم إلى الإيمان كنتق الجبل، أو آية إن جحدوها هلكوا( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أنّ الله قادر على إنزالها، وأنّ الصارف من الحكمة يصرفه عن إنزالها، وأنّ إنزالها يستجلب عليهم البلاء، وأنّ لهم فيما أنزل مندوحة عن غيره. وقرأ ابن كثير: ينزل بالتخفيف. والمعنى واحد.

( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) )

ولمّا بيّن سبحانه أنّه قادر على أن ينزل آية، عقّبه بذكر ما يدلّ على كمال قدرته وحسن تدبيره وحكمته، فقال:( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ) تدبّ على وجهها( وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ) في الهواء. وصفه به قطعا لمجاز السرعة ونحوها.

وفي الكشّاف(١) : فائدة ذكر قوله: «في الأرض» وقوله: «يطير بجناحيه» زيادة التعميم والإحاطة، كأنّه قيل: وما من دابّة قطّ في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قطّ في جوّ السماء، ومن جميع ما يطير بجناحيه( إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) محفوظة أحوالها، مقدّرة أرزاقها وآجالها، كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم.

وقيل: أشباهكم في أنّ الله أبدعها، وفي دلالتها على وحدانيّته، وفي أنّهم يموتون ويحشرون. وجمع الأمم للحمل على المعنى، فإنّ النكرة في سياق النفي مفيدة للاستغراق، مغن أن يقال: وما من دوابّ ولا طير. والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته، وشمول علمه، وسعة تدبيره في تلك الخلائق المتقاربة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وحفظه لـما لها وعليها، واطّلاعه على أحوالها، لا يشغله شأن

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٢١.


عن شأن، وعلى أنّ المكلّفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان. فالآية كالدليل على أنّه قادر على أن ينزّل آية.

( ما فَرَّطْنا ) ما تركنا وما أغفلنا( فِي الْكِتابِ ) يعني: اللوح المحفوظ( مِنْ شَيْءٍ ) من الأرزاق والآجال والأعمال وغير ذلك، فإنّه مشتمل على ما يجري في العالم من جليل ودقيق، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد.

وقيل: المراد به القرآن، فإنّه قد دوّن فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مجملا أو مفصّلا. و «من» زائدة، و «شيء» في موضع المصدر لا المفعول به، فإنّ «فرّط» لا يتعدّى بنفسه، وقد عدّي بـ «في» إلى الكتاب.

( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) يعني: الأمم كلّها، فينصف بعضها من بعض، كما روي أنّه يأخذ للجمّاء(١) من القرناء. وعن ابن عبّاس حشرها موتها.

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) )

وبعد ذكر آثار قدرته، وبيان ما يشهد لربوبيّته، وينادي على عظمته، بيّن حال المتمرّدين المعاندين بقوله:( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌ ) أي: لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالّة على ربوبيّته وكمال علمه وعظم قدرته، سماعا تتأثّر به نفوسهم( وَبُكْمٌ ) لا ينطقون بالحقّ( فِي الظُّلُماتِ ) خبر ثالث، أي: خابطون في ظلمات الكفر، أو في ظلمة الجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد. ويجوز أن يكون حالا من المستكن في الخبر.

( مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ) أي: يخذله ويخلّه، فلا يلطف له، لأنّه ليس من أهل

__________________

(١) أي: ينتقم من العنزة القرناء ـ وهي التي لها قرن ـ للجمّاء، وهي التي لا قرن لها.


اللطف. وهم الّذين وضح لهم طريق الحقّ فأعرضوا عنها عنادا ولجاجا وإنكارا.

( وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي: يلطف به، لأنّ اللطف يجدي أهل الاستصواب والاسترشاد.

( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) )

ثم أمر سبحانه نبيّه بمحاجّة الكفّار، فقال:( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ) استفهام تعجيب.

والكاف حرف الخطاب أكّد به الضمير للتأكيد، لا محلّ له من الإعراب، لأنّك تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه؟ فلو جعلت الكاف مفعولا ـ كما قاله الكوفيّون ـ لعدّيت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، وذلك فاسد، وللزم في الآية أن يقال: أرأيتموكم.

بل الفعل معلّق، أو المفعول محذوف، تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعكم إذ تدعونها.

والمعنى: أخبروني.

( إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ ) في الدنيا كما أتى من قبلكم( أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ) وهولها، ويدلّ عليه( أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ ) أي: أتخصّون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ، أم تدعون الله دونها، أو تخصّون الله دونها؟! وهذا تبكيت لهم( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أنّ الأصنام آلهة. وجوابه محذوف، أي: فادعوه.

( بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) بل تخصّونه بالدعاء، كما حكى عنهم في مواضع. وتقديم المفعول لإفادة التخصيص.( فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ ) أي: ما تدعونه إلى كشفه( إِنْ شاءَ ) أن يتفضّل عليكم بكشفه ولم يكن مفسدة( وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ) وتتركون


آلهتكم في ذلك الوقت، لـما ركز في العقول على أنّه القادر على كشف الضرّ دون غيره. أو تنسونه من شدّة الأمر وهوله.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) )

ثمّ أعلم الله سبحانه نبيّه حال الأمم الماضية في مخالفة رسله، وبيّن حال هؤلاء إذا سلكوا طريق المخالفة كحالهم في نزول العذاب بهم، فقال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ) أي: قبلك. و «من» زائدة للتأكيد.( فَأَخَذْناهُمْ ) أي: فكفروا وكذّبوا المرسلين فأخذناهم( بِالْبَأْساءِ ) بالشدّة والفقر، من البأس أو البؤس( وَالضَّرَّاءِ ) والضرّ والآفات. وقيل: البأساء من القحط والجوع، والضرّاء: المرض ونقصان الأنفس والأموال. والمراد: أخذناهم بالبليّات في أنفسهم وأموالهم. وهما صيغتا تأنيث لا مذكّر لهما.( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) لكي يتذلّلوا لنا، ويتوبوا عن ذنوبهم.

( فَلَوْ لا ) حرف التحضيض، أي: فهلّا( إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ) معناه: في تضرّعهم في ذلك الوقت، كأنّه قيل: ولم يتضرّعوا إذ جاءهم بأسنا مع قيام ما


يدعوهم. ولكنّه جاء بـ «لولا» ليدلّ على أنّه لم يكن له عذر في ترك التضرّع إلّا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم الّتي زيّنها الشيطان لهم، كما قال:( وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) استدراك على المعنى، وبيان للصارف لهم عن التضرّع، وأنّه لا مانع لهم إلّا قساوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم الّتي زيّنها الشيطان لهم.

وفي هذا حجّة على من قال: إنّ الله لم يرد من الكافر إيمانا، لأنّه سبحانه بيّن أنّه إنّما فعل ذلك بهم ليتضرّعوا، وبيّن أنّ الشيطان هو الّذي زيّن الكفر للكافر، بخلاف ما قالت المجبّرة من أنّه سبحانه هو المزيّن لهم ذلك.

( فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ) أي: تركوا ما وعظوا به من البأساء والضرّاء، ولم يتّعظوا به( فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ) من أنواع النعم، امتحانا لهم بالصحّة والتوسعة بعد السقم والنقم، إلزاما للحجّة وإزاحة للعلّة، كما يفعل الوالد البارّ بولده العاقّ المخاشنة تارة والملاطفة أخرى، لصلاحه. أو مكرا بهم، لـما روي أنّهعليه‌السلام قال: مكر بالقوم وربّ الكعبة.

وقرأ ابن عامر: فتّحنا بالتشديد في جميع القرآن. ووافقه يعقوب فيما عدا هذا والّذي في الأعراف(١) .

( حَتَّى إِذا فَرِحُوا ) أعجبوا( بِما أُوتُوا ) من النعم، واشتغلوا بالتلذّذ، وأظهروا البطر بما أعطوه، ولم يروه نعمة من الله ليشكروه( أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ) مفاجأة من حيث لا يشعرون( فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ) آيسون من النجاة والرحمة، متحسّرون منقطعوا الحجّة.

عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإنّ ذلك استدراج منه، ثمّ تلا هذه الآية».

__________________

(١) الأعراف: ٩٦.


ونحوه ما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «يا ابن آدم إذا رأيت ربّك يتابع عليك نعمه فاحذره».

( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي: آخرهم، بحيث لم يبق منهم أحد، فلم يبق لهم عقب ولا نسل، من: دبره دبرا ودبورا، إذا تبعه( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) على إهلاكهم وإعلاء كلمته، فإنّ إهلاك الكفّار والعصاة ـ من حيث إنّه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم ـ نعمة جليلة يحقّ أن يحمد عليها. وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاكه للظلمة، فإنّه من أجلّ النعم.

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «من أحبّ بقاء الظالمين فقد أحبّ أن يعصى الله، ومن أحبّ أن يعصى الله فقد بارز الله بالعداوة، وإنّ الله حمد نفسه على إهلاك الظالمين، فقال:( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) )

ثمّ زاد سبحانه في الاحتجاج عليهم، فقال:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ) أي: أصمّكم وأعماكم( وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ) بأن يغطّي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم، ويسلب تمييزكم( مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ) أي: بذلك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أو بما أخذ وختم عليه، أو بأحد هذه المذكورات.


( انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ) نكرّرها تارة في جهة النعمة، ومرّة في جهة الشدّة، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدّمين( ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ) يعرضون عنها. و «ثمّ» لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. وإنّما قال: «انظر» لأنّه سبحانه عجب أوّلا من تتابع نعمه عليهم وضروب دلائله، من تعريف الآيات وأسباب الاعتبار، ثمّ عجب ثانيا من إعراضهم عنها.

ولمزيد التنبيه والمبالغة في رفع الأعذار زاد في الحجاج، فقال:( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ) أي: أعلمتم( إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً ) من غير ظهور مقدّمة( أَوْ جَهْرَةً ) بتقدمة أمارة تؤذن بحلوله. فمقابلة الجهرة البغتة، لـما في البغتة من معنى الخفية.

وقيل: البغتة أن يأتيهم العذاب ليلا، والجهرة أن يأتيهم نهارا.( هَلْ يُهْلَكُ ) أي: ما يهلك هلاك سخط وتعذيب( إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) الكافرون الّذين ظلموا بكفرهم وفسادهم. ولـمّا كانت «هل» متضمّنة للنفي صحّ الاستثناء المفرّغ منه.

( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على كلّ شيء يسألون عنه من الآيات، وإنّما يرسلهم لـما يعلمه من المصالح، فقال:( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ ) المؤمنين ومن آمن بهم وأطاعهم بالجنّة( وَمُنْذِرِينَ ) من كذّبهم وعصاهم بالنار. ولم نرسلهم ليقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم


بالبراهين القاطعة.

( فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ) ما يجب إصلاحه ممّا شرع لهم( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من العذاب( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) بفوات الثواب.

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) أي: بأدلّتنا وحججنا. وقيل: بمحمد ومعجزاته( يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ ) أي: يصيبهم ماسّا لهم، كأنّ العذاب حيّ يفعل بهم ما يريد من الآلام( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) بسبب فسقهم وخروجهم عن التصديق والطاعة.

( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) )

ثمّ أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول لهم بعد اقتراحهم الآية منه: إنّي لا أدّعي الربوبيّة ولوازمها، من الاقتدار على كلّ شيء والعلم بالمغيّبات، ولا الملكيّة لأفعل كلّ ما اقترحتموه، وإنّما أدّعي النبوّة، فقال:( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) مقدوراته، أو خزائن رزقه، أو خزائن رحمته، أي: لا أدّعي أنّي مالك خزائن الله.

( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) الّذي يختصّ الله بعلمه، ولم يوح إليّ، ولم ينصب عليه دليل. وعن ابن عبّاس: لا أعلم عاقبة ما تصيرون إليه، وإنّما أعلم منه قدر ما يعلّمني الله ويخصّني به. وهو من جملة القول، فهو عطف على محلّ قوله:( عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) ، كأنّه قال: لا أقول لكم هذا القول، ولا هذا القول.

( وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ) أي: من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه، بل إنّي إنسان مثلكم تعرفون نسبي( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ ) فلا أخبركم إلّا


بما أنزل الله إليّ، تبرّأ عن دعوى الألوهيّة أو الملكيّة، وأدّعي النبوّة الّتي هي من الكمالات البشريّة، ردّا لاستبعادهم دعواه، وجزمهم على فساد مدّعاه.

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) مثل للضالّ والمهتدي، أو الجاهل والعالم، أو مدّعي المستحيل كالألوهيّة أو الملكيّة، ومدّعي المستقيم كالنبوّة.

والهمزة للإنكار، أي: لا يستويان.( أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ) فتهتدوا، أو فتميّزوا بين ادّعاء الحقّ والباطل، أو فتعلموا أنّ اتّباع الوحي ممّا لا محيص عنه.

( وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) )

ثمّ أمر سبحانه بعد تقديم البيّنات بالإنذار، فقال:( وَأَنْذِرْ بِهِ ) الضمير لـ «ما يُوحى إِلَيَّ »( الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ ) هم المؤمنون المفرّطون في العمل، أو المجوّزون للحشر، مؤمنا كان أو كافرا، مقرّا به أو متردّدا فيه، فإنّ الإنذار ينجع فيهم، دون الفارغين الجازمين باستحالته.

وقال الصادقعليه‌السلام : «أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربّهم، ترغّبهم فيما عنده، فإنّ القرآن شافع مشفّع لهم».

( لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ) فإنّ شفاعة الشافعين من الأنبياء والمؤمنين تكون بإذن الله، لقوله تعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (١) فهي راجعة إلى الله تعالى. وهذه الجملة في موضع الحال من «يحشروا». والمعنى: يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم، فإنّ المخوف هو الحشر على هذه الحالة.

__________________

(١) البقرة: ٢٥٥.


( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) لكي يدخلوا في زمرة أهل التقوى من المؤمنين، بأن ينتهوا عمّا نهوا عنه، ويمتثلوا ما أمروا به.

( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) )

ثمّ أردفهم ذكر المتّقين منهم، وأمر رسوله بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأن لا يطردهم ترضية لقريش، وأثنى عليهم بأنّهم يواصلون دعاء ربّهم ـ أي: عبادته ـ ويواظبون عليها، فقال:( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ ) . المراد بذكر الغداة والعشيّ الدوام. وقيل: صلاة الصبح والعصر. وقرأ ابن عامر: بالغدوة.

( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) يطلبون ثوابه، ويبتغون مرضاته. وهو حال من «يدعون» أي: يدعون ربّهم مخلصين فيه. والوجه يعبّر به عن ذات الشيء وحقيقته. وقيّد الدعاء بالإخلاص تنبيها على أنّه ملاك الأمر. ورتّب النهي عليه إشعارا بأنّه يقتضي إكرامهم، وينافي إبعادهم.

روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: «مرّ رؤساء قريش على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمّار ونظائرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمّد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهم؟ أهؤلاء الّذين منّ الله عليهم؟ اطردهم عنك، فلعلّك إن طردتهم اتّبعناك. فأنزل الله تعالى:( وَلا تَطْرُدِ ) إلى آخره.


قال سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزاري، وذووهم من المؤلّفة قلوبهم، وكان عليهم جلباب من صوف، فوجدوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمّار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين، فحقّروهم، وقالوا: يا رسول الله لو نحّيت هؤلاء عنك حتّى نخلو بك، فإنّ وفود العرب تأتيك، فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبد، فإن طردتهم جلسنا إليك وحادثناك.

فقال: ما أنا بطارد المؤمنين.

قالوا: فأقمهم عنّا إذا جئنا، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت.

فأجابهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ذلك طمعا في إيمانهم.

فقالا له: أكتب لنا هذا على نفسك كتابا. وروي أنّ عمر قال له: لو فعلت حتّى ننظر إلى ماذا يصيرون.

فدعا بصحيفة وأحضر عليّاعليه‌السلام ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيلعليه‌السلام بقوله تعالى:( وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) إلى آخره، فرمى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصحيفة، واعتذر عمر من مقالته، وأقبل علينا، ودنونا منه وهو يقول: كتب ربّكم على نفسه الرّحمة. فكنّا نقعد معه، وندنو منه حتّى تمسّ ركبنا ركبته.

وكان يقوم عنّا إذا أراد القيام، فأنزل اللهعزوجل :( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) (١) الآية، فترك القيام عنّا إلى أن نقوم عنه. وقال لنا: الحمد لله الّذي لم يمتني حتى أمرني الله أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي، معكم المحيا ومعكم الممات».

( ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي: ليس عليك حساب إيمانهم، فلعلّ إيمانهم عند الله تعالى أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعا في إيمانهم لو آمنوا. أو ليس عليك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم، لما

__________________

(١) الكهف: ٢٨.


اتّسموا بسيرة المتّقين، وإن كان لهم باطن غير مرضيّ كما ذكره المشركون، فحسابهم عليهم لا يتعدّاهم إليك، كما أنّ حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم. فجعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما مؤدّى واحد، وهو المعنيّ في قوله:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) (١) . ولا يستقلّ بهذا المعنى إلّا الجملتان جميعا، كأنّه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.

وقيل: ما عليك من حساب رزقهم، أي: فقرهم. فالمعنى: ليس رزقهم عليك، ولا رزقك عليهم، وإنّما يرزقك وإيّاهم الرزّاق، فدعهم يدنوا منك.

وقيل: إنّ الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت تؤاخذ بحسابهم، حتى يهمّك إيمانهم، ويحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين طمعا فيه.

وجواب النفي قوله:( فَتَطْرُدَهُمْ ) فتبعّدهم. وجواب النهي قوله:( فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) . ويجوز عطفه على «فتطردهم» على وجه التسبّب، لأنّ كونه ظالما مسبّب عن طردهم.

( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) )

ثمّ أخبر سبحانه أنّه يمتحن الفقراء بالأغنياء، والأغنياء بالفقراء، والضعفاء بالأشراف، والأشراف بالضعفاء:( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الفتن العظيمة والابتلاء، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا( فَتَنَّا ) أي: ابتلينا( بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) كرؤساء قريش بالموالي. بمعنى: عاملناهم معاملة المختبر. أو خذلناهم فافتتنوا ،

__________________

(١) الأنعام: ١٦٤.


حتّى كان افتتانهم سببا( لِيَقُولُوا ) على وجه الإنكار( أَهؤُلاءِ ) أي: المسلمون( مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ) أي: أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحقّ، والتوفيق والهداية، من دوننا ونحن الرؤساء والأشراف، وهم العبيد والأرذال؟! ومثل هذا القول لا يصدر إلّا عن مفتون مخذول. وهذا مثل قولهم:( لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ ) (١) .

واللام للتعليل، على أنّ «فتنّا» متضمّن معنى: خذلنا. أو للعاقبة، والمعنى: أن افتتانهم يؤول إلى هذا القول.

( أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) بمن يقع منه الايمان والشكر من أهل الاسترشاد فيوفّقه، وبمن لا يقع منه من أهل الإنكار والعناد فيخذله. والاستفهام للتقرير، أي: الله أعلم بهم البتّة.

وفي هذا دليل واضح على أنّ فقراء المؤمنين وضعفاءهم أولى بالتقديم والتقريب والتعظيم من أغنيائهم، ولقد قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «من أتى غنيّا فتواضع لغنائه ذهب ثلثا دينه».

( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) )

ثمّ أمر سبحانه بتعظيم المؤمنين، فقال:( وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ) وهم المؤمنون الّذين يدعون ربّهم. وصفهم بالإيمان بالقرآن واتّباع الحجج، بعد ما

__________________

(١) الأحقاف: ١١.


وصفهم بالمواظبة على العبادة.( فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أمر بتبليغ سلام الله إليهم، وتبشيرهم بسعة رحمة الله وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانا بأنّهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد، ويعزّ ولا يذلّ، ويبشّر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة. أو أمر بأن يبدأهم بالسلام تبجيلا لهم وتطييبا لقلوبهم.

وكذلك قوله:( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) من جملة ما يقول لهم ليسرّهم ويبشّرهم بسعة رحمة الله عليهم. والمعنى: أوجب ربّكم الرحمة إيجابا مؤكّدا على نفسه.

عن عكرمة أنّ هذه الآية نزلت في الّذين نهى الله عن طردهم، وكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: «الحمد لله الّذي جعل في أمّتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام».

وقيل: إنّ قوما جاءوا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبا عظاما، فلم يردّ عليهم شيئا وسكت عنهم، فانصرفوا، فنزلت هذه الآية.

وقوله:( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً ) استئناف لتفسير الرحمة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها.

وقوله:( بِجَهالَةٍ ) في موضع الحال، أي: من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضارّ والمفاسد. أو متلبّسا بفعل الجهالة، فإنّ ارتكاب ما يؤدّي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل، فإنّ من كان حكيما لم يقدم على فعل شيء حتّى يعلم حاله.

( ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ ) بعد العمل أو السوء( وَأَصْلَحَ ) بالتدارك والعزم على أن لا يعود إليه( فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . فتح همزة «أنّه» من فتح الأوّل غير نافع، على إضمار مبتدأ، أي: فأمره أنّه غفور رحيم.


( وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) )

ثمّ عطف سبحانه على الآيات الّتي احتجّ بها على مشركي العرب وغيرهم، فقال:( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك التفصيل الواضح( نُفَصِّلُ الْآياتِ ) آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين، المصرّين منهم والأوّابين.( وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) .

قرأ نافع بالتاء ونصب السبيل، على معنى: ولتستوضح يا محمد سبيلهم، فتعامل كلّا منهم بما يحقّ له، فصّلنا هذا التفصيل. وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم برفعه، على معنى: ولتبين سبيلهم. والباقون بالياء والرفع، على تذكير السبيل، فإنّه يذكّر ويؤنّث. ويجوز أن يعطف على علّة مقدّرة، أي: نفصّل الآيات ليظهر الحقّ، ولتستبين سبيل المجرمين.

ثمّ أمر الله تعالى نبيّه بأن يظهر البراءة ممّا يعبدونه، فقال:( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ ) زجرت بما ركّب فيّ من أدلّة العقل، وبما أوتيت من الآيات من أدلّة السمع في أمر


التوحيد( أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) عن عبادة ما تعبدون من دون الله، أو ما تدعونها آلهة، أي: تسمّونها.

ثمّ أكّد قطعا لأطماعهم، وإشارة إلى الموجب للنهي وعلّة الامتناع عن متابعتهم، واستجهالا لهم، وبيانا لمبدأ ضلالهم، وأنّ ما هم عليه هوى وليس بهدى، وتنبيها لمن تحرّى الحقّ على أن يتّبع الحجّة ولا يقلّد، فقال:( قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ) أي: لا أجري على طريقتكم الّتي سلكتموها في دينكم، من اتّباع الهوى دون اتّباع الدليل.( قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً ) أي: إن اتّبعت أهواءكم فأنا ضالّ.( وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) السالكين طريق الهدى حتى أكون من عدادهم. وفيه تعريض بأنّهم كذلك.

ثمّ نبّه على ما يجب اتّباعه بعد ما بيّن ما لا يجوز اتّباعه، فقال:( قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ ) البيّنة الدلالة الواضحة الّتي تفصل الحقّ من الباطل. وقيل: المراد بها القرآن والوحي، أو الحجج العقليّة، أو ما يعمّها. والمعنى: إنّي على حجّة واضحة وشاهد صدق( مِنْ رَبِّي ) من معرفته وأنّه لا معبود سواه. وإذا كان الشيء ثابتا عندك ببرهان قاطع قلت: أنا على يقين منه وعلى بيّنة منه. ويجوز أن يكون صفة لـ «بيّنة»، إذ المراد بالبيّنة الدليل، أي: على حجّة من جهة ربّي، وهو القرآن.

( وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ) الضمير لـ «ربّي»، أي: وكذّبتم بالله حيث أشركتم به غيره. أو للبيّنة باعتبار المعنى، وهو القرآن.

ثمّ عقّبه بما دلّ على استعظام تكذيبهم بالله، وشدّة غضبه عليهم لذلك، وأنّهم أحقّاء بأن يغافصوا(١) بالعذاب المستأصل، فقال:( ما عِنْدِي ) ليس عندي( ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ) يعني: العذاب الّذي استعجلوه بقولهم:( فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٢) .( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) في تعجيل عذابكم وتأخيره

__________________

(١) غافصه: فاجأه وأخذه على غرّة منه.

(٢) الأنفال: ٣٢.


( يَقُصُّ الْحَقَ ) أي: يفصّل الحقّ من الباطل. أو يصنع الحقّ ويدبّره في كلّ ما يقضي من التأخير والتعجيل، من قولهم: قضى الدّرع إذا صنعها. أو يقضي القضاء الحقّ، على أنّه صفة المصدر المحذوف. وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر. وأصل الحكم المنع، فكأنّه منع الباطل. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم: يقصّ، أي: يتبع، من: قصّ الأثر، أو من: قصّ الخبر( وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ) القاضين بين الحقّ والباطل.

( قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ) في قدرتي ومكنتي( ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ) من العذاب( لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) أي: لأهلكتكم عاجلا غضبا لربّي، وانقطع ما بيني وبينكم، فتخلّصت منكم سريعا.( وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ) في معنى الاستدراك، كأنّه قال: ولكنّ الأمر إلى الله، وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ، وبمن ينبغي أن يمهل منهم.

( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) )

ولـمّا ذكر سبحانه أنّه أعلم بالظالمين، بيّن عقيبه أنّه لا يخفى عليه شيء من الغيب، ويعلم أسرار العالمين، فقال:( وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) خزائنه. جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن، أو جميع ما يتوصّل به إلى المغيّبات. مستعار من المفاتح الّذي هو جمع مفتح بالكسر، وهو المفتاح، لأنّ بالمفاتح يتوصّل إلى ما في المخازن المغلقة، وهو المتوصّل إلى المغيّبات بذاته وحده المحيط علمه بها، لا يتوصّل إليها سواه، كما يتوصّل إلى ما في المخازن من عنده مفاتح أقفاله.


( لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم، فيظهرها على ما اقتضته حكمته، وتعلّقت به مشيئته. وفيه دليل على أنّه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها.

( وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) عطف للإخبار عن تعلّق علمه بالمشاهدات على الإخبار عن اختصاص العلم بالمغيّبات به.

( وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ) يعلم ما سقط من ورق الأشجار وما بقي، ويعلم أنّها كم انقلبت ظهرا لبطنها عند سقوطها، مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيّات.

( وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ) بواطنها إلى تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ ) معطوف على «ورقة» وداخل في حكمها، كأنّه قيل: وما تسقط من ورقة ولا شيء من هذه الأشياء إلّا يعلمه.

وقوله:( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكلّ، على أنّ الكتاب المبين علم الله. أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح. أو كالتكرير لقوله:( إِلَّا يَعْلَمُها ) لأنّ معنى( إِلَّا يَعْلَمُها ) و( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) واحد. وقيل: المراد بالكتاب المبين القرآن.

( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) )

ولـمّا نبّه سبحانه بهذه الآية على أنّه عالم بالذات، أشار بعد ذلك إلى أنّه قادر


بالذات، من حيث إنّه قادر على الإحياء والإماتة، فقال:( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) أي: يقبض أرواحكم عن التصرّف بالنوم كما يقبضها بالموت. استعير التوفّي من الموت للنوم، لـما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز، فإنّ أصله قبض الشيء بتمامه.

( وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ) كسبتم فيه من الأعمال. خصّ الليل بالنوم والنهار بالكسب جريا على المعتاد.

( ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ) يوقظكم. أطلق البعث ترشيحا للتوفّي( فِيهِ ) في النهار( لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ) ليبلغ المتيقّظ آخر أجله المسمّى له في الدنيا( ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) بالموت. وهو المرجع إلى موقف الحساب.( ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) في ليلكم ونهاركم بالمجازاة عليه.

وقيل: الآية خطاب للكفرة. والمعنى: أنّكم ملقون كالجيف بالليل، وكاسبون للآثام بالنهار، وأنّه مطّلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ذلك الّذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ليقضي الأجل الّذي سمّاه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثمّ إليه مرجعكم بالحساب، ثمّ ينبّئكم بما كنتم تعملون بالجزاء.

ثمّ بيّن كمال قدرته بقوله:( وَهُوَ الْقاهِرُ ) المقتدر المستعلي( فَوْقَ عِبادِهِ ) أي: هو أعلى أمرا، وأنفذ حكما. لا بمعنى أنّه في مكان مرتفع فوقهم وفوق مكانهم، لأنّ ذلك من صفة الأجسام، والله تعالى منزّه عن ذلك.

( وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون.

وهذا عطف على صلة الألف واللام في القاهر، تقديره: وهو الّذي يقهر عباده ويرسل عليكم حفظة. والحكمة فيه ـ وإن كان الله تعالى غنيّا بعلمه عن كتبة الملائكة ـ: أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس


الأشهاد كان أزجر عن المعاصي، وأنّ العبد إذا وثق بلطف سيّده واعتمد على عفوه وستره لم يستح منه استحياءه من خدمه المطّلعين عليه.

( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ) استوفى روحه ملك الموت وأعوانه. وقرأ حمزة: توفّاه، بالألف ممالة. ويجوز أن يكون ماضيا، وأن يكون مضارعا، بمعنى: تتوفّاه.( وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ) بالتواني والتأخير، فإن التفريط التقصير والتأخير عن الحدّ، والإفراط مجاوزته. وعن مجاهد: جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كلّ يوم مرّتين.

( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ ) إلى حكمه وجزائه( مَوْلاهُمُ ) مالكهم الّذي يتولّى أمرهم( الْحَقِ ) العدل الّذي لا يحكم إلّا بالحقّ( أَلا لَهُ الْحُكْمُ ) يومئذ، لا حكم لغيره فيه.( وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ) يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة، ولا يشغله حساب من حساب.

وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه سئل: «كيف يحاسب الخلق ولا يرونه؟

قال: كما يرزقهم ولا يرونه».

( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) )

ثمّ عاد سبحانه إلى حجاج الكفّار، فقال:( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ


وَالْبَحْرِ ) من شدائدهما ومخاوفهما. استعيرت الظلمة للشدّة والحاجة، لمشاركتهما في الهول وإبطال الأبصار، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم ويوم ذو كواكب، أي: اشتدّت ظلمته حتّى صار كالليل. أو من الخسف في البرّ والغرق في البحر بذنوبهم.

وقرأ يعقوب: ينجيكم بالتخفيف. والمعنى واحد.

( تَدْعُونَهُ ) عند معاينة هذه الأهوال( تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) معلنين ومسرّين، أو إعلانا وإسرارا. وقرأ أبو بكر عن عاصم: خفية بالكسر( لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ ) أي: هذه الظلم الشديدة( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) على إرادة القول، أي: تقولون: لئن أنجيتنا من هذه.

وقرأ الكوفيّون: لئن أنجانا، ليوافق قوله: «تدعونه»، إلّا أنّ حمزة والكسائي أمالاه.

( قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها ) من هذه الشدّة. وشدّده الكوفيّون وهشام عن ابن عامر، وخفّفه الباقون.( وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ) غمّ سواها( ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ) تعودون إلى الشرك، ولا توفون بالعهد بعد قيام الحجّة عليكم. وإنّما وضع «تشركون» موضع: لا تشكرون، تنبيها على أنّ من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنّه لم يعبده رأسا.

( قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) )

ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم من الحجج الّتي حاجّ بها الكافرين، ونبّه على


الإعذار والإنذار، فقال إيعادا وتهديدا:( قُلْ هُوَ الْقادِرُ ) ذكر حرف التعريف يشعر بكمال قدرته، لأنّه أمارة تخصيص القدرة به، كأنّه يقول: أيّها المخاطب الساكت تعرف قادرا فذلك هو هو لا غير( عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) كما أرسل على قوم نوح الطوفان، وأمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل الحجارة( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) كما أغرق فرعون، وخسف بقارون.

وقيل: «من فوقكم»: من قبل أكابركم الظلمة وحكّامكم الجائرة، و «تحت أرجلكم»: من قبل سفلتكم وعبيدكم. وهذا منقول عن ابن عبّاس. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وقيل: هو حبس المطر والنبات.

( أَوْ يَلْبِسَكُمْ ) يخلطكم( شِيَعاً ) فرقا مختلفي الأهواء، كلّ فرقة منهم شائعة لإمام. ومعنى خلطهم: أن يختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله :

وكتيبة لبّستها بكتيبة

حتّى إذا التبست نفضت لها يدي

وعن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «معناه: يضرب بعضكم ببعض ممّا يلقيه بينكم من العداوة والعصبيّة».

( وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) يقاتل بعضكم بعضا( انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ) بالوعد والوعيد( لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) يعلمون الحقّ بها.

عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «سألت الله أن لا يبعث على أمّتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني».

وكذا عن الحسن قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سألت الله ربّي أن لا يظهر على أمّتي أهل دين فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلالة فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فمنعني».

وفي تفسير الكلبي: «أنّه لـمّا نزلت هذه الآية قام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتوضّأ وأسبغ وضوءه، ثمّ قام وصلّى فأحسن صلاته، ثمّ سأل الله سبحانه أن لا يبعث على أمّته


عذابا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض.

فنزل جبرئيلعليه‌السلام فقال: يا محمد إنّ الله تعالى سمع مقالتك، وإنّه قد أجارهم من خصلتين، ولم يجرهم من خصلتين، أجارهم من أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولم يجرهم الخصلتين الأخريين.

فقام وعاد إلى الدعاء، فنزل:( الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (١) الآيتين. فقال: لا بدّ من فتنة تبتلي بها الأمّة بعد نبيّها، ليتبيّن الصادق من الكاذب، لأنّ الوحي انقطع، وبقي السّيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة».

وفي الخبر أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا وضع السيف في أمّتي لم يدفع عنها إلى يوم القيامة، فأخبرني جبرئيل أنّ فناء أمّتي بالسيف.

وعن جابر بن عبد الله: لـمّا نزل «من فوقكم» قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أعوذ بوجهك. فلمّا نزل( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ) قال: هاتان أهون.

( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) )

ولـمّا ذكر سبحانه تصريف الآيات قال عقيب ذلك:( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ ) أي :

__________________

(١) العنكبوت: ١ ـ ٢.


بالعذاب أو بالقرآن( وَهُوَ الْحَقُ ) الواقع لا محالة، أو الصدق( قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) بحفيظ وكلّ إليّ أمركم، فأمنعكم من التكذيب إجبارا أو أجازيكم، إنّما أنا منذر والله الحفيظ.

ثمّ قال تهديدا وإيعادا:( لِكُلِّ نَبَإٍ ) لكلّ شيء ينبأ ويخبر به، إمّا العذاب أو الإيعاد به( مُسْتَقَرٌّ ) وقت استقرار ووقوع لا بدّ من حصوله( وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عند وقوعه في الدنيا أو في الآخرة.

( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا ) بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) فلا تجالسهم، وقم عنهم( حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) فلا بأس بأن تجالسهم حينئذ. والضمير عائد إلى معنى الآيات، لأنّها القرآن.

( وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ ) بأن يشغلك بوسوسته حتّى تنسى النهي عن مجالستهم. وقرأ ابن عامر: ينسّينّك بالتشديد.( فَلا تَقْعُدْ ) معهم( بَعْدَ الذِّكْرى ) بعد أن تذكر النهي( مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي: معهم. فوضع الظاهر موضعه، دلالة على أنّهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام. ويجوز أن يراد: إن أنساك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين، لأنّها ممّا تنكره العقول، فلا تقعد معهم بعد أن ذكّرناك قبحها ونبّهناك عليه.

واعلم أنّ النسيان المنفيّ عن الأنبياء وكذا السهو هو الّذي فيما يؤدّونه عن الله، وأمّا ما سواه فقد جوّز أصحابنا عليهم أن ينسوه أو يسهوا عنه، ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالأدلّة العقليّة وخطأ فيها، وكيف لا يكون كذلك! وقد جوّزوا عليهم النوم والإغماء، وهما من قبيل السهو. كذا قال الطبرسي في تفسيره الجامع(١) .

__________________

(١) لم نجده في جوامع الجامع، وذكره في مجمع البيان ٤: ٣١٧.


( وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) )

روي: أنّ المسلمين قالوا: لئن كنّا نقوم كلّما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد ونطوف، فنزلت:( وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ما يلزم المتّقين الّذين يجالسونهم( مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) ممّا يحاسبون عليه من قبائح أعمالهم


وأقوالهم( وَلكِنْ ذِكْرى ) ولكن عليهم أن يذكّروهم ذكرى وموعظة، ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح، ويظهروا كراهتها.

ويحتمل رفع «ذكرى» على تقدير: ولكن عليهم ذكرى. ولا يجوز عطفه على محلّ «من شيء»، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأنّ «من حسابهم» يأباه. ولا على «شيء» لذلك، ولأنّ «من» لا تزاد في الإثبات.

( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) يجتنبون ذلك حياء، أو كراهة لمساءتهم. ويحتمل أن يكون الضمير للّذين يتّقون. والمعنى: لعلّهم يثبتون على تقواهم، ولا تنثلم بمجالستهم.

( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ) أي: بنوا أمر دينهم على التشهّي، وتديّنوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلا وآجلا، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب. أو اتّخذوا دينهم الّذي كلّفوه لعبا ولهوا حيث سخروا به. أو جعلوا عيدهم الّذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب. والمعنى: أعرض عنهم، ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. ويجوز أن يكون تهديدا لهم، كقوله:( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) (١) . والمعنى: أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا تشغل قلبك بهم. وعند من جعله منسوخا بآية السيف(٢) معناه: كفّ عنهم، واترك التعرّض لهم.

( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) يعني: اغترّوا بحياتهم حتى أنكروا البعث( وَذَكِّرْ بِهِ ) أي: بالقرآن( أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ) أي: مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك والعذاب، وترتهن بسوء كسبها. وأصل الإبسال المنع، لأنّ المسلّم إليه يمنع المسلّم. ومنه أسد باسل، لأنّ فريسته لا تفلت منه. والباسل: الشجاع، لامتناعه من

__________________

(١) المدّثر: ١١.

(٢) التوبة: ٥ و٢٩.


قرنه. وهذا بسل عليك، أي: حرام.

( لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌ ) ناصر ينجيها من العذاب( وَلا شَفِيعٌ ) يشفع لها ويدفع عنها العقاب.

( وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ) وإن تفد كلّ فداء. والعدل: الفدية، لأنّها تعادل المفدى.

وهاهنا الفداء. ونصب «كلّ» على المصدر.( لا يُؤْخَذْ مِنْها ) الفعل مسند إلى «منها» لا إلى ضمير العدل، لأنّه هاهنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ، بخلاف قوله:( وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ) (١) ، فإنّه بمعنى المفدى به، فصحّ إسناده إليه.

( أُولئِكَ ) إشارة إلى الّذين اتّخذوا دينهم لعبا( الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ) أي: سلّموا إلى العذاب بسبب كسبهم الأعمال القبيحة والعقائد الزائغة.

ثمّ أكّد وفصّل ذلك بقوله:( لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) أي: هم بين ماء مغليّ يتجرجر(٢) في بطونهم، ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم.

( قُلْ أَنَدْعُوا ) أنعبد( مِنْ دُونِ اللهِ ) النافع الضارّ( ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ) ما لا يقدر على نفعنا ولا ضرّنا، أي: إن تركنا عبادته( وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا ) ونرجع إلى الشرك( بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ ) فأنقذنا منه، ورزقنا الإسلام.

( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ) كالّذي ذهبت به مردة الجنّ والغيلان في المهامه(٣) . استفعال من: هوى في الأرض يهوي، إذا ذهب، كأنّ المعنى: طلبت الشياطين هواه. وقرأ حمزة: استهواه بألف ممالة.

ومحلّ الكاف النصب على الحال من فاعل «نردّ»، أي: مشبّهين الّذي

__________________

(١) البقرة: ٤٨.

(٢) جرجر الماء في حلقه: صوّت.

(٣) المهامه جمع المهمه، وهو الصحراء.


استهوته. أو على المصدر، أي: ردّا مثل ردّ الّذي استهوته.

( فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ ) متحيّرا ضالّا عن الطريق( لَهُ ) أي: لهذا المستهوى( أَصْحابٌ ) رفقة( يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) إلى أن يهدوه الطريق المستقيم. أو سمّي الطريق المستقيم بالهدى، أي: يدعونه إلى الطريق المستقيم. وسمّاه هدى تسمية للمفعول بالمصدر.( ائْتِنا ) يقولون له: ائتنا. وقد اعتسف المهمه تابعا للجنّ، لا يجيبهم ولا يأتيهم. وهذا مبنيّ على ما تزعمه العرب أنّ الجنّ تستهوي الإنسان، والغيلان كذلك، فشبّه به الضالّ عن الإسلام الّذي لا يلتفت إلى دعاء المسلمين إيّاه.

( قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ ) الّذي هو الإسلام( هُوَ الْهُدى ) وحده، وما عداه ضلال.

( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (١) .( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) (٢) .

( وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) من جملة المقول، عطف على( إِنَّ هُدَى اللهِ ) .

واللام لتعليل الأمر، أي: أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. وقيل: هي زائدة.

( وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ ) عطف على «لنسلم»، أي: للإسلام ولإقامة الصلاة. أو على موقعه، كأنّه قيل: وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا، بمعنى: للإسلام ولإقامة الصلاة( وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ ) إلى جزائه( تُحْشَرُونَ ) يوم القيامة، فيجازي كلّ عامل منكم بعمله.

( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) قائما بالحقّ والحكمة( وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ ) جملة اسميّة قدّم فيها الخبر، وهو «يوم»، أي: قوله الحقّ يوم يقول، كقولك: القتال يوم الجمعة. والمعنى: أنّه خالق السماوات والأرضين، وقوله الحقّ نافذ في الكائنات.

وقيل: «يوم» منصوب بالعطف على السماوات، أو على الهاء في «واتّقوه».

__________________

(١) آل عمران: ٨٥.

(٢) يونس: ٣٢.


والمراد: حين يكوّن الأشياء ويحدثها، أو حين تقوم القيامة، فيكون التكوين حشر الأموات وإحياءها.

( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) كقوله:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) (١) . و «الصور» قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين، فيفنى الخلق بالنفخة الأولى، ويحيون بالثانية.( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) أي: هو عالم الغيب( وَهُوَ الْحَكِيمُ ) في أفعاله( الْخَبِيرُ ) العالم بعباده وأعمالهم.

( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) )

ولمّا عاب الله سبحانه دين المشركين وذمّ آلهتهم، واحتجّ عليهم بما سلف من بيان حقّية دين الإسلام، بيّن أنّه دين أبيهم الّذي كان ذا قدر عظيم، وهو إبراهيمعليه‌السلام ، فقال:( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ) . قال العامّة: إنّه اسم أب إبراهيم، كما أنّ تارخ اسمه، فهما علمان، كإسرائيل ويعقوب. ولا خلاف بين النسّابين أنّ اسم أب إبراهيم تارخ.

وقال أصحابنا: إنّ آزر كان اسم جدّ إبراهيم لأمّه. وروي أيضا أنّه كان عمّه. وقالوا: إنّ آباء نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى آدم كانوا موحّدين. ورووا عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «لم يزل ينقلني الله تعالى من صلب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات، لم يدنّسني بدنس

__________________

(١) غافر: ١٦.


الجاهليّة».

ولو كان في آبائهعليه‌السلام كافر لم يصف جميعهم بالطهارة، لقوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (١) . وفي ذلك أدلّة وبراهين ليس هاهنا موضع ذكرها.

وقيل: إنّ آزر اسم صنم يعبده، فلقّب به للزومه عبادته. وعند بعض أنّ آزر وصف معناه: الشيخ أو المعوجّ. ولعلّ منع صرفه لأنّه أعجميّ حمل على موازنه(٢) ، أو نعت مشتقّ من الأزر أو الوزر. والأقرب أنّه علم أعجميّ على فاعل، كعابر وشالخ: وقرأ يعقوب: آزر بالضمّ على النداء. وهو يدلّ على أنّه علم.

وقوله:( أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً ) الهمزة للإنكار، أي: لا تفعل ذلك( إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ ) عن الحقّ( مُبِينٍ ) ظاهر الضلالة.

وفي الآية حثّ للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على محاجّة قومه الّذين دعوه إلى عبادة الأصنام، والاقتداء بأبيه إبراهيمعليه‌السلام فيه، وتسلية له بذلك.

( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ ) ومثل هذا التبصير نبصّره. وهو حكاية حال ماضية( مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ربوبيّتها وملكها، ونوفّقه لمعرفتها، ونهديه لطريق النظر والاستدلال. وقيل: عجائبها اللطيفة وبدائعها المحكمة. والملكوت أعظم الملك. والتاء فيه للمبالغة.

( وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) أي: ليستدلّ وليكون من المتيقّنين. أو وفعلنا ذلك ليكون من المتيقّنين بأنّ الله سبحانه هو خالق للملك والمالك له.

عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال: «كشط الله لإبراهيم عن الأرضين حتّى رآهنّ وما تحتهنّ، وعن السماوات حتى رآهنّ وما فيهنّ من الملائكة وحملة العرش».

وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «لمّا رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض، رأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثمّ رأى آخر فدعا عليه

__________________

(١) التوبة: ٢٨.

(٢) أي: حمل على ما هو على وزنه، كشالح، الذي هو غير منصرف للعجمة والعلميّة.


فمات، ثمّ رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا. فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم إنّ دعوتك مستجابة، فلا تدع على عبادي، فإنّي لو شئت أن أميتهم بدعائك ما خلقتهم. إنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: صنف يعبدني لا يشرك بي شيئا، فأثيبه. وصنف يعبد غيري، فليس يفوتني. وصنف يعبد غيري، فأخرج من صلبه من يعبدني».

( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) )

ولـمّا تقدّم ذكر الآيات الّتي أراه الله تعالى إبراهيمعليه‌السلام ، بيّن سبحانه وفصّل كيف استدلّ بها؟ وكيف عرف الحقّ من جهتها؟ فقال:( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ) ستره بظلامه( رَأى كَوْكَباً ) وهو الزهرة أو المشتري. والشرطيّة معطوفة على( قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ ) . وقوله:( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ ) معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.

( قالَ هذا رَبِّي ) على سبيل الفرض والوضع، فإنّ المستدلّ على فساد قول


يحكيه على ما يقوله الخصم، ثمّ يكرّ عليه بالإفساد، فإنّ قومه كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبّههم على خطئهم، ويرشدهم ويبصّرهم طريق النظر والاستدلال، ليعرفوا أنّ شيئا منها لا يصحّ أن يكون إلها، لو وضح دلالة الحدوث فيها، فقال: هذا ربّي، قول من ينصف خصمه، ويماشي قوله، مع علمه بأنّه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصّب لمذهبه، ليكون ذلك أدعى إلى الحقّ، وأدفع لتهيّج الشرّ والشغب(١) .

( فَلَمَّا أَفَلَ ) أي: غاب( قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) أي: لا أحبّ عبادة الأرباب المتغيّرين من حال إلى حال، المنتقلين من مكان إلى مكان، فإنّ ذلك من صفات الأجسام، ودليل الحدوث والإمكان، فضلا عن عبادتهم. فلمّا كان الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الإمكان والحدوث فيكون منافيا للألوهيّة.

( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ) مبتدئا في الطلوع( قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) استعجز نفسه، واستعان بربّه في درك الحقّ، فإنّه لا يهتدي إليه إلّا بتوفيقه ولطفه، إرشادا لقومه، وتنبيها لهم على أنّ القمر ايضا لتغيّر حاله لا يصلح للألوهيّة، وأنّ من اتّخذه إلها فهو ضالّ.

( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي ) تذكير اسم الإشارة لتذكير الخبر، وإن كان إشارة إلى الشمس، وصيانة للربّ عن شبهة التأنيث، الا تراهم لم يقولوا: الله سبحانه علّامة، وإن كان علّامة أبلغ من علّام، احترازا عن علامة التأنيث.( هذا أَكْبَرُ ) كبّره استدلالا، أو إظهارا لشبهة الخصم، من باب استعمال الإنصاف مع الخصوم.

( فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها، الّتي تجعلونها شركاء لخالقها.

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «الشغب ـ بتسكين الغين ـ تهييج الفتن. منه».


وإنّما احتجّ بالأفول دون البزوغ مع أنّه أيضا انتقال، لأنّ الاحتجاج بالأفول أظهر، فإنّه انتقال مع خفاء واحتجاب، ولأنّه رأى الكوكب الّذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال.

قيل: إنّه كان استدلاله في نفسه في زمان مهلة النظر الّذي هو أوّل زمان التكليف، فحكاه الله سبحانه. والقول الأوّل أظهر، لقوله:( لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي ) ، ولقوله:( يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) .

ولـمّا تبرّأ منها توجّه إلى موجدها ومبدعها الّذي دلّت هذه الممكنات عليه، فقال:( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أي: للّذي دلّت هذه المحدثات على أنّه صانعها، ومبدعها الّذي دبّر أحوالها، ومسيرها وانتقالها، وطلوعها وأفولها.( حَنِيفاً ) مائلا عن الشرك إلى التوحيد( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

( وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) )

روى المفسّرون أنّ إبراهيمعليه‌السلام ولد في زمان نمرود بن كنعان. وزعم بعضهم


أنّ نمرود كان من ولاة كيكاوس. وبعضهم قال: كان ملكا برأسه. وقيل لنمرود: إنّه يولد في بلده هذه السنة مولود يكون هلاكه وزوال ملكه على يده. ثمّ اختلفوا فقال بعضهم: إنّما قالوا ذلك من طريق التنجيم والتكّهن.

وقال أبو عبد الله والباقرعليهما‌السلام ومحمّد بن إسحاق: إنّ نمرود رأى كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر، فسأل عنه فعبّر بأنّه يولد غلام يذهب ملكه على يده، فعند ذلك أمر بقتل كلّ غلام يولد تلك السنة. وأمر بأن يعزل الرجال عن النساء، وبأن يتفحّص عن أحوال النساء، فمن وجدت حبلى تحبس حتّى تلد، فإن كان غلاما قتل، وإن كان جارية خلّيت، حتّى حملت أمّ إبراهيم، فلمّا دنت ولادة إبراهيم خرجت أمّه هاربة، فذهبت به إلى غار ولفّته في خرقة، ثمّ جعلت على باب الغار صخرة، ثمّ انصرفت عنه.

فجعل الله تعالى رزقه في إبهامه، فجعل يمصّها فتشخب لبنا، وجعل يشبّ في اليوم كما يشبّ غيره في الجمعة، ويشبّ في الجمعة كما يشبّ غيره في الشهر، ويشبّ في الشهر كما يشبّ غيره في السنة، فمكث ما شاء الله أن يمكث.

وقيل: كانت تختلف أمّه إليه، فكان يمصّ أصابعه، فوجدته يمصّ من إصبع ماء، ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا، ومن إصبع تمرا، ومن إصبع سمنا. ولـمّا بلغ سنّ التمييز خرج من الغار ونظر إلى النجم وكان آخر الشهر، فرأى الكوكب قبل القمر، ثمّ رأى القمر، ثمّ رأى الشمس، فقال ما قال. ولـمّا رأى قومه يعبدون الأصنام خالفهم. وكان يعيب آلهتهم، حتّى فشا أمره، وجرت المناظرات والمحاجّات، كما قال الله تعالى:( وَحاجَّهُ قَوْمُهُ ) أي: خاصموه في التوحيد، وبترك عبادة آلهتهم منكرين( قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ ) في وحدانيّته. وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف النون.( وَقَدْ هَدانِ ) إلى توحيده.


وقد خوّفوه أنّ معبوداتهم تصيبه بسوء، فقال في جوابهم:( وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ) أي: لا أخاف معبوداتكم في وقت قطّ، لأنّها لا تقدر بنفسها على نفع وضرّ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ) أي: إلّا وقت مشيئة ربّي شيئا، بأن يصيبني بمكروه من جهتها، إن أصبت ذنبا أستوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقّة من الشمس أو القمر على مضرّة، بأن يحييها ويقدّرها فتضرّ وتنفع.

( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) كأنّه علّة الاستثناء، أي: أحاط به علما، فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من جهتها.( أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) فتميّزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز.

ثمّ احتجّ عليهم، وأكّد الحجاج بقوله:( وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ ) ولا يتعلّق به ضرر( وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ) أي: ولا تخافون إشراككم بالله، وهو حقيق بأن يخاف منه كلّ الخوف، لأنّه إشراك للمصنوع بالصانع، وتسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضارّ النافع.

( ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ) ما لم ينزّل بإشراكه كتابا، أو لم ينصب عليه دليلا، ولا يصحّ أن يكون علمه حجّة، وكأنّه قال: وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟!( فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ ) فريق المشركين أو فريق الموحّدين( أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ) . وإنّما لم يقل: أيّنا أنا أم أنتم؟ احترازا من تزكية نفسه.( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ما يحقّ أن يخاف منه.

ثمّ استأنف الجواب عمّا استفهم عنه بقوله:( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ) ولم يخلطوا( إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) أي: بالشرك( أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) محكوم لهم بالاهتداء.

والدليل على أنّ المراد بالظلم هاهنا الشرك قرينة المقام، ولما روي أنّ الآية


لـمّا نزلت شقّ ذلك على الصحابة وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليس ما تظنّون، إنّما هو ما قال لقمان لابنه:( يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (١) .

ولبس الإيمان بالظلم أن يصدّق بوجود الصانع الحكيم، ويخلط بهذا التصديق الإشراك به. وقيل: المراد بالظلم المعصية.

( وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) )

( وَتِلْكَ ) إشارة إلى ما احتجّ به إبراهيم من قوله:( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ) إلى قوله:( وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ، أو من قوله:( أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ ) .( حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ ) أرشدناه إليها، ووفّقناه لها، وأخطرناها بباله( عَلى قَوْمِهِ ) متعلّق بـ «حجّتنا» إن جعل خبر «تلك»، وبمحذوف إن جعل بدله، أي: آتيناها إبراهيم حجّة على قومه.

( نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) من المؤمنين في العلم والحكمة. وقرأ الكوفيّون ويعقوب بالتنوين(٢) .( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ) في رفعه وخفضه( عَلِيمٌ ) بحال من يرفعه، واستعداده له.

( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)

__________________

(١) لقمان: ١٣.

(٢) وقرأ الباقون: درجات، بالإضافة.


وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) )

( وَوَهَبْنا لَهُ ) لإبراهيم( إِسْحاقَ ) ابنه من سارة( وَيَعْقُوبَ ) ابن إسحاق( كُلًّا ) منهما( هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ) أي: من قبل إبراهيم. عدّ هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنّه أبوه، وشرف الوالد يتعدّى إلى الولد. والمعنى: كلّا من الثلاثة فضّلناهم بالنبوّة. وقيل: بالكرامات والمعجزات.

( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ ) الضمير لإبراهيم، إذ الكلام فيه. وقيل: لنوح، لأنّه أقرب، ولأنّ يونس ولوطا ليسا من ذرّيّة إبراهيم، فلو كان لإبراهيم اختصّ البيان بالمعدودين في تلك الآية والّتي بعدها. والمذكورون في الآية الثالثة عطف على «نوحا».( داوُدَ ) أي: هدينا داود بن إيشا( وَسُلَيْمانَ ) ابنه( وَأَيُّوبَ ) هو ولد أموص بن رازج بن روم بن عيصا بن إسحاق بن إبراهيم( وَيُوسُفَ ) بن يعقوب بن إسحاق( وَمُوسى وَهارُونَ ) أخاه ابني عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وهارون كان أكبر منه بسنة.

( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي: نجزي المحسنين جزاء مثل ما جزينا


إبراهيم، برفع درجاته، وكثرة أولاده، والنبوّة فيهم.

( وَزَكَرِيَّا ) بن أذن بن بركيا( وَيَحْيى ) ابنه( وَعِيسى ) وهو ابن مريم بنت عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا. وفي ذكره دليل على أنّ الذرّيّة تتناول أولاد البنت. ففيه دلالة واضحة وحجّة قاطعة على أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام ذرّيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّهما ابنا رسول الله. وقد صحّ

في الحديث أنّه قال لهما: «ابناي هذان إمامان، قاما أو قعدا». وقال للحسن: «إنّ ابني هذا سيّد».

وأنّ الصحابة كانوا يقولون لكلّ منهما ومن أولادهما: يا ابن رسول الله، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

( وَإِلْياسَ ) قيل: هو إدريس جدّ نوحعليه‌السلام ، كما قيل: ليعقوب إسرائيل، فيكون البيان مخصوصا بمن في الآية الأولى. وقيل: هو إلياس بن يستر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبيّ الله، فهو من أسباط هارون أخي موسى. وعن كعب: هو الخضر.( كُلٌ ) من الأنبياء والمرسلين( مِنَ الصَّالِحِينَ ) الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي، والتحرّز عمّا لا ينبغي.

( وَإِسْماعِيلَ ) بن إبراهيم، من هاجر( وَالْيَسَعَ ) بن أخطوب بن العجوز.

وقرأ حمزة: والليسع. وعلى القراءتين علم أعجميّ أدخل عليه اللام، كما أدخل على اليزيد في قوله :

رأيت الوليد بن اليزيد مباركا

شديدا بأعباء الخلافة كاهله

( وَيُونُسَ ) بن متّى( وَلُوطاً ) بن هاران ابن أخي إبراهيم. وقيل: ابن أخته.( وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ) بالنبوّة. وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من أهل زمانهم.

( وَمِنْ آبائِهِمْ ) ومن آباء هؤلاء الأنبياء، في موضع النصب عطفا على «كلّا» أو «نوحا»، أي: فضّلنا كلّا منهم، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم( وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ ) بعض منهم، فإنّ منهم من لم يكن نبيّا ولا مهديّا.


( وَاجْتَبَيْناهُمْ ) واصطفيناهم عطف على «فضّلنا» أو «هدينا». واجتبى مأخوذ من: جبيت الماء في الحوض، إذا جمعته.( وَهَدَيْناهُمْ ) أي: أرشدناهم فاهتدوا( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي: طريق بيّن لا اعوجاج فيه، وهو الدين الحقّ.

هذا تكرير لبيان ما هدوا إليه.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما تقدّم ذكره من التفضيل والاجتباء، والهداية والاصطفاء( هُدَى اللهِ ) هو الإرشاد إلى الثواب للّذين استرشدوا طريق الحقّ( يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) ممّن سمّاهم ومن لم يسمّهم في هذه الآيات.

( وَلَوْ أَشْرَكُوا ) أي: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء مع فضلهم وعلوّ شأنهم وتقدّمهم( لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) فكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها، ونحوه قوله:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (١) .

( أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) يريد به الجنس( وَالْحُكْمَ ) بين الناس، أو الحكمة العمليّة الّتي هي الأحكام الشرعيّة( وَالنُّبُوَّةَ ) والرسالة( فَإِنْ يَكْفُرْ بِها ) أي: بهذه الثلاثة( هؤُلاءِ ) يعني: قريشا( فَقَدْ وَكَّلْنا بِها ) أي: بمراعاتها( قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ) . وهم الأنبياء المذكورون، ومتابعوهم الّذين آمنوا بما أتى به نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل وقت مبعثه. وقيل: هم الأنصار، أو أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقيل: كلّ من آمن به، أو الفرس. وقيل: الملائكة.

ومعنى توكيلهم بها: أنّهم وفّقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها، كما يوكّل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهّده ويحافظ عليه. والباء في «بها» صلة «يكفرون»، وفي «بكافرين» لتأكيد النفي.

( أُولئِكَ ) يريد الأنبياء المتقدّم ذكرهم( الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) فاختصّ طريقهم بالاقتداء، ولا تقتد إلّا بهم. وهذا معنى تقديم المفعول. والمراد

__________________

(١) الزمر: ٦٥.


بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين، دون الفروع المختلف فيها، فإنّها ليست هدى مضافا إلى الكلّ، ولا يمكن التأسّي بهم جميعا، لأنّها يتطرّق إليها النسخ، فهي هدى ما لم ينسخ، بخلاف أصول الدين، فإنّها هدى أبدا على الإطلاق. فليس فيه دليل على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعبّد بشرع من قبله.

والهاء في «اقتده» للوقف. ومن اثبتها في الدرج ساكنة ـ كابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وعاصم ـ أجرى الوصل مجرى الوقف. وأشبعها ابن عامر، على أنّها كناية المصدر.

( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ ) لا أطلب منكم( عَلَيْهِ ) أي: على التبليغ، أو القرآن( أَجْراً ) جعلا من جهتكم، كما لم يسأل من قبلي من النبيّين. وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه.( إِنْ هُوَ ) أي: التبليغ، أو القرآن، أو الغرض( إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ) إلّا تذكير، أو عظة لهم. وفيه دليل على أنّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مبعوث إلى كافّة العالمين، وأنّ النبوّة مختومة به.

( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) )

ولـمّا تقدّم ذكر الأنبياء والنبوّة، عقّبه سبحانه بالتهجين لمن أنكر النبوّة، فقال:( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) وما عرفوه حقّ معرفته، وما عظّموه حقّ عظمته، وما وصفوه بما يجب أن يوصف به من الرحمة والإنعام على العباد واللطف بهم.( إِذْ


قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته. أو في السخط على الكفّار وشدّة البطش بهم، حين جسروا على هذه المقالة.

والقائلون هم اليهود. وإنّما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن، بدليل نقض كلامهم وإلزامهم بقوله:( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً ) ليستضاء به في الدين( وَهُدىً لِلنَّاسِ ) يهتدون به. وبدليل قراءة الجمهور في قوله :( تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً ) بالتاء. وإنّما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملا، على «قالوا» و( ما قَدَرُوا اللهَ ) .

والمعنى: جاء به موسى وهو نور( وَهُدىً لِلنَّاسِ ) حتى غيّروه وبعّضوه، وجعلوه ورقات مقطّعة متفرّقة، ليتمكّنوا ممّا حاولوه من الإبداء والإخفاء. أو تضمّن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة، وذمّهم على تجزئتها، بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرّقة، وإخفاء بعض لا يشتهونه.

روي أنّه جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف ـ وهو من أحبارهم ـ يخاصم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنشدك بالّذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أنّ الله تعالى يبغض الحبر السمين، فأنت الحبر السمين، قد سمنت ممّا يطعمك اليهود؟ وكان سمينا. فضحك القوم، فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه: ويحك ولا موسى؟! فقال: إنّه أغضبني.

فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فنزلت الآية.

وقيل: إنّ اليهود قالت: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم. قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فنزلت.

وفي رواية أخرى انّها نزلت في مشركي مكّة أنكروا قدرة الله عليهم، فألزمهم بإنزال التوراة، لأنّه من المشهورات الذائعة عندهم، ولذلك كانوا يقولون :


( لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ) (١) .

( وَعُلِّمْتُمْ ) على لسان محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ ) مع أنّكم حملة التوراة( وَلا آباؤُكُمْ ) أي: ولم يعلمه آباؤكم الّذين كانوا قبلكم، وهم أعلم منكم، وهو ما زاد على ما في التوراة بيانا لـما التبس عليكم، ونحوه قوله:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (٢) . وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش.

( قُلِ اللهُ ) أي: أنزله الله، أو الله أنزله. فأمر الله تعالى نبيّه بأن يجيب عنهم، إشعارا بأنّ الجواب متعيّن لا يمكن غيره، وتنبيها على أنّهم بهتوا بحيث لا يقدرون على الجواب.( ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ ) في أباطيلهم الّتي يخوضون فيها، فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجّة( يَلْعَبُونَ ) حال من «هم» الأوّل، والظرف صلة «ذرهم» أو «يلعبون»، أو حال من المفعول، أو فاعل «يلعبون»، أو من «هم» الثاني، والظرف متّصل بالأوّل.

( وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢) )

ولـمّا احتجّ سبحانه بإنزال التوراة على موسى، بيّن أنّ سبيل القرآن سبيلها، فقال:( وَهذا ) أي: القرآن( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ ) من السماء إلى الأرض، لأنّ جبرئيل أتى به من السماء( مُبارَكٌ ) كثير الفوائد والمنافع، فإنّ قراءته خير، والعمل به

__________________

(١) الأنعام: ١٥٧.

(٢) النمل: ٧٦.


خير، وفيه علم الأوّلين والآخرين، وفيه الحلال والحرام، وهو باق إلى آخر التكليف لا يرد عليه نسخ( مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) يعني: التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدّمة قبله.

( وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ) معطوف على ما دلّ عليه صفة «كتاب»، كأنّه قيل: للبركات وللتصديق لـما تقدّمه من الكتب، وللإنذار. أو علّة محذوف، أي: ولتنذر أهل أمّ القرى أنزلناه. وإنّما سمّيت مكّة أمّ القرى. لأنّها مكان أوّل بيت وضع للناس، ولأنّها قبلة لأهل القرى ومحجّهم، ولأنّها أعظم القرى شأنا، ولأنّ الأرض بأسرها دحيت من تحتها، فكأنّها تولّدت منها. وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء، أي: لينذر الكتاب.( وَمَنْ حَوْلَها ) أهل الشرق والغرب.

( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) فإنّ من صدّق بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبّر حتى يؤمن بالكتاب أو النبيّ، لدلالة الكلام عليه. والضمير يحتملهما، ويحافظ على الطاعة.

وتخصيص الصلاة لأنّها عماد الدين وعلم الإيمان، ومن حافظ عليها كانت له لطفا في المحافظة على أخواتها.

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) )

ولـمّا تقدّم ذكر نبوّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنزال الكتاب عليه، عقّبه سبحانه بذكر تهجين الكفّار الّذين كذّبوه أو ادّعوا أنّهم يأتون بمثل ما أتى به، فقال:( وَمَنْ أَظْلَمُ


مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) الاستفهام في معنى الإنكار، أي: لا أحد أظلم ممّن كذب على الله فزعم أنّه بعثه نبيّا، كمسيلمة والأسود العنسي، أو اختلق عليه أحكاما، كعمرو بن لحى ومتابعيه.

وروي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب، فكبرا عليّ وأهمّاني، فأوحى الله إليّ أن أنفخهما، فنفختهما فطارا عنّي، فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما، كذّاب اليمامة مسيلمة، وكذّاب صنعاء الأسود العنسي».

( أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ) كعبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكان إذا أملى عليه: سميعا عليما، كتب هو: عليما حكيما. ولـمّا نزلت:( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) فلمّا بلغ قوله:( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) (١)

قال عبد الله: تبارك الله أحسن الخالقين، تعجّبا من تفصيل خلق الإنسان. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اكتبها، فكذلك نزلت. فشكّ عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. فارتدّ عن الإسلام ولحق مكّة، ثمّ رجع مسلما قبل فتح مكّة. وقيل: هو النضر بن الحارث، أو المستهزؤن.

( وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ ) كالّذين قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا.

( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ ) اللام للعهد. وهم الّذين مرّ ذكرهم من اليهود المتنبّئة. وحذف مفعول «ترى» لدلالة الظرف عليه، أي: ولو ترى الظالمين( فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ) شدائده وسكراته. وأصل الغمر ما يغمر الأشياء، من: غمره الماء إذا؟؟؟، فاستعيرت للشدّة الغالبة.

( وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ ) بقبض أرواحهم، كالمتقاضي المسلّط، أو

__________________

(١) المؤمنون: ١٢ ـ ١٤.


بالعذاب( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) أي: يقولون: أخرجوها إلينا من أجسادكم، تغليظا وتعنيفا عليهم، أو أخرجوها من العذاب وخلّصوها من أيدينا، أي: لا تقدرون على الخلاص. وجواب «لو» محذوف، أي: لو ترى هذه الحالة لرأيت أمرا عظيما.

( الْيَوْمَ ) يريد به وقت الإماتة، أو الوقت الممتدّ من الإماتة إلى ما لا نهاية له( تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ ) أي: الهوان، يريد العذاب المتضمّن لشدّة وإهانة.

وإضافته إلى الهون لعراقته(١) وتمكّنه فيه، كقولك: رجل سوء. فالمراد التمكّن في العراقة وأنّه عريق فيه.( بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِ ) كادّعاء الولد والشريك له، ودعوى النبوّة والوحي كاذبا.( وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) فلا تتأمّلون فيها، ولا تؤمنون بها.

( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) )

ثمّ بيّن سبحانه تمام ما يقال لهم على سبيل التوبيخ، فقال:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا ) للحساب والجزاء( فُرادى ) منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، أو عن الأعوان والأوثان الّتي زعمتم أنّها شفعاؤكم. وهو جمع فرد، والألف للتأنيث، ككسالى. قيل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة حين قال: سوف تشفع لي اللّات والعزّى.

وقوله:( كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) بدل من فرادى، أي: على الهيئة

__________________

(١) أي: لأصالته، والعرق: أصل كلّ شيء.


الّتي ولدتم عليها في الانفراد. أو حال ثانية إن جوّز التعدّد فيها. أو حال من الضمير في «فرادى» أي: مشبهين ابتداء خلقكم، أي: تحشرون عراة حفاة غرلا بهما، كما وقع في الحديث. والغرل(١) : هم القلف. والبهم هم الّذين لا نطق لهم أصلا. أو صفة مصدر «جئتمونا» أي: مجيئا كما خلقناكم أوّل مرّة.

( وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ ) ما تفضّلنا به عليكم في الدنيا، فشغلتم به عن الآخرة( وَراءَ ظُهُورِكُمْ ) ما قدّمتم منه شيئا، ولم تحتملوا نقيرا( وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ ) في استعبادكم( شُرَكاءُ ) أي: شركاء الله في ربوبيّتكم واستحقاق عبادتكم.

( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) أي: تقطّع وصلكم، وتشتّت جمعكم. والبين من الأضداد، ويستعمل للفصل والوصل: وقيل: هو الظرف أسند إليه الفعل على الاتّساع. والمعنى: وقع التقطّع بينكم. ويشهد له قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على إضمار الفاعل، لدلالة ما قبله عليه. أو أقيم مقام موصوفه، وأصله: لقد تقطّع ما بينكم. وقد قرئ به.( وَضَلَّ عَنْكُمْ ) ضاع وبطل( ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أنّها شفعاؤكم، أو أن لا بعث ولا جزاء.

( إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ

__________________

(١) غرل الصبيّ: لم يختن، فهو أغرل، وجمعه: غرل. والغرلة: القلفة، وهي جلدة عضو التناسل.


لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) )

ثمّ عاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين بعجائب الصنع ولطائف التدبير، فقال:( إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ) بالنبات والشجر. وقيل: أراد الشقّين اللّذين في


النواة والحنطة.( يُخْرِجُ الْحَيَ ) يريد به ما ينمو من الحيوان والنبات، ليطابق ما قبله( مِنَ الْمَيِّتِ ) ممّا لا ينمو، كالنطف والبيض والحبّ والنوى( وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ ) ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنبات. ذكره بلفظ الاسم حملا على( فالِقُ الْحَبِّ ) ، فإنّه معطوف عليه، فإنّ قوله( يُخْرِجُ الْحَيَّ ) واقع موقع البيان له.( ذلِكُمُ اللهُ ) أي: ذلك المحي والمميت هو الّذي يحقّ له العبادة( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) تصرفون عنه إلى غيره.

( فالِقُ الْإِصْباحِ ) شاقّ عمود الصبح عن الظلمة، أو عن بياض النهار. أو شاقّ ظلمة الإصباح، وهو الغبش(١) في آخر الليل. والإصباح في الأصل مصدر: أصبح، إذا دخل في الصبح، سمّي به الصبح.

( وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً ) يسكن إليه التعب بالنهار، لاستراحته فيه، من: سكن إليه، إذا اطمأنّ إليه استئناسا به، واسترواحا إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل للمرأة: سكن، لأنّه يستأنس بها. أو يسكن فيه الخلق، من قوله تعالى:( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) (٢) . ونصبه بفعل دلّ عليه «جاعل»، لابه، فإنّه في معنى الماضي. ويدلّ عليه قراءة الكوفيّين: وجعل الليل، حملا على معنى المعطوف عليه، فإنّ «فالق» بمعنى: فلق، ولذلك قرئ به. أو به على أن لا يكون المراد منه معنى المضيّ، بل يكون المراد منه جعلا مستمرّا في الأزمنة المختلفة. وعلى هذا يجوز أن يكون( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) عطفا على محلّ «الليل». ويشهد له قراءتهما بالجرّ. والأحسن نصبهما بـ «جعل» مقدّرا.

( حُسْباناً ) أي: على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات، فيكونان علمي الحسبان، يعلم حساب الأوقات بدورهما ومسيرهما. وهو مصدر: حسب بالفتح ،

__________________

(١) غبش الليل: خالط البياض ظلمته في آخره.

(٢) يونس: ٦٧.


كما أنّ الحسبان بالكسر مصدر: حسب. وقيل: جمع حساب، كشهاب وشهبان.

( ذلِكَ ) إشارة إلى جعلهما حسبانا، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم( تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ) الّذي قهرهما وسيّرهما على الوجه المخصوص( الْعَلِيمِ ) بتدبيرهما، والأنفع من التداوير الممكنة لهما.

( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ) أي: خلقها لنفعكم( لِتَهْتَدُوا بِها ) بضوئها وطلوعها ومواضعها( فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) في ظلمات الليل في البرّ والبحر.

وإضافتها إليهما لملابستهما إيّاها. أو في مشتبهات الطرق. وسمّاها ظلمات على الاستعارة. وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد ما أجملها بقوله: «لكم».( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ) بيّنّاها فصلا فصلا( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فإنّهم منتفعون به.

( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) هو آدمعليه‌السلام . وخلقت أمنّا حوّاء من ضلع من أضلاعه، ومنّ علينا بهذا، لأنّ الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى التوادّ والتعاطف والتآلف.( فَمُسْتَقَرٌّ ) أي: فلكم استقرار في الأصلاب، أو فوق الأرض( وَمُسْتَوْدَعٌ ) واستيداع في الأرحام، أو تحت الأرض. أو مستقرّ في الرحم، ومستودع في الصلب. أو المراد منهما: موضع استقرار واستيداع.

وعن الحسن: يا بن آدم أنت وديعة في أهلك، ويوشك أن تلحق بصاحبك.

وأنشد قول لبيد :

وما المال والأهلون إلّا وديعة

ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع

وقرأ ابن كثير والبصريّان بكسر القاف، على أنّه فاعل والمستودع مفعول، أي: فمنكم قارّ ومنكم مستودع، لأنّ الاستقرار منّا دون الاستيداع.

( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ) بيّنّا الحجج، وميّزنا الأدلّة( لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ) ذكر «يعلمون» مع ذكر النجوم، لأنّ أمرها ظاهر، و «يفقهون» مع ذكر خلق بني آدم، لأنّ إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى


استعمال فطنة وتدقيق نظر، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة ذكيّة وتدقيق فكر صائب مطابقا له.

( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) من السحاب، أو من جانب السماء، فإنّ كلّ ما علاك وأظلّك فهو سماء( فَأَخْرَجْنا ) على تلوين الخطاب( بِهِ ) بالماء( نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ) نبت كلّ صنف من أصناف النامي من الحيوان والنبات، يعني: أنّ السبب واحد والمسبّبات صنوف. فالمراد منه إظهار القدرة في إنبات الأنواع المفنّنة بماء واحد، كما في قوله:( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) (١) .

( فَأَخْرَجْنا مِنْهُ ) من النبات أو الماء( خَضِراً ) شيئا غضّا أخضر، وهو ما تشعّب من أصل النبات الخارج من الحبّة. يقال: أخضر وخضر، كأعور وعور.

( نُخْرِجُ مِنْهُ ) من الخضر( حَبًّا مُتَراكِباً ) قد تركّب بعضه على بعض، مثل سنبلة الحنطة والشعير وغيرهما( وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ ) أي: وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان. أو من النخل شيء من طلعها قنوان. ويجوز أن يكون «من النخل» خبر «قنوان»، و «من طلعها» بدل منه. والمعنى: وحاصلة من طلع النخل قنوان، وهو الأعذاق، جمع قنو وعذق، وهو عنقود التمر. ونظيره صنو(٢) وصنوان.

( دانِيَةٌ ) قريبة من المتناول، أو ملتفّة قريب بعضها من بعض. وإنّما اقتصر على ذكرها عن مقابلها ـ يعني البعيدة ـ لدلالتها عليه، كقوله:( سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) (٣) ، لأنّ النعمة فيها أظهر.

__________________

(١) الرعد: ٤.

(٢) الصنو: الأخ الشقيق، وإذا خرجت نخلتان أو أكثر من أصل واحد فكلّ واحدة منها صنو، والجمع صنوان.

(٣) النحل: ٨١.


( وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ ) عطف على( نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ) ، أي: أخرجنا جنّات من أعناب.

( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ ) أيضا عطف على «نبات». والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، لفضل هذين الصنفين عندهم، كقوله:( وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ ) (١) ( مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ) حال من الرمّان أو من الجميع، أي: بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه، في الصورة والقدر واللون والطعم. يقال: اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك: استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا.

( انْظُرُوا ) نظر اعتبار واستبصار واستدلال على كمال اقتداره وتدبيره( إِلى ثَمَرِهِ ) أي: ثمر كلّ واحد من ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بضمّ الثاء. وهو جمع ثمرة، كخشب وخشبة، أو ثمار ككتاب وكتب.( إِذا أَثْمَرَ ) إذا أخرج ثمره، كيف يثمر ضعيفا صغيرا لا يكاد ينتفع به( وَيَنْعِهِ ) وإلى حال نضجه، أو إلى نضيجه، كيف يعود ضخما ذا نفع ولذّة. وهو في الأصل مصدر: ينعت الثمرة إذا أدركت.

وقيل: جمع يانع، كتاجر وتجر. والمعنى: انظروا من ابتداء خروجه إذا أثمر إلى انتهائه إذا أينع وأدرك، كيف تنتقل عليه الأحوال في الطعم واللون والرائحة والصغر والكبر.

( إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) بعلامات على وجود القادر الحكيم وتوحيده، فإنّ حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المفنّنة من أصل واحد، ونقلها من حال إلى حال، لا يكون إلّا بإحداث عالم قادر يعلم تفاصيلها، ويرجّح ما تقتضيه حكمته ممّا يمكن من أحوالها، ولا يعوّقه عن فعله ندّ يعارضه أو ضدّ يعانده، ولذلك عقّبه بتوبيخ من أشرك به والردّ عليه، فقال:( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) هما مفعولا «جعل». وقوله:( الْجِنَ ) بدل من «شركاء». ويجوز أن يكون «شركاء

__________________

(١) الحجّ: ٣٥.


الجنّ» مفعولين قدّم ثانيهما على الأوّل، أي: جعلوا الجنّ شركاء، و «لله» متعلّق بـ «شركاء» أو حال منه. وفائدة تقديم «لله» استعظام أن يتّخذ لله شريكا من كان ملكا أو جنّيّا أو إنسيّا، فلذلك قدّم اسم الله على الشركاء.

والمراد بالجنّ الملائكة، فإنّهم عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله. وسمّاهم جنّا لاجتنانهم، تحقيرا لشأنهم. أو الشياطين، لأنّهم أطاعوهم كما يطاع الله. أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم. أو قالوا: الله خالق الخير وكلّ نافع، والشيطان خالق الشرّ وكلّ ضارّ، كما هو رأي الثنويّة.

( وَخَلَقَهُمْ ) حال بتقدير «قد». والمعنى: وقد علموا أنّ الله خالقهم دون الجنّ، وليس من يخلق كمن لا يخلق.

( وَخَرَقُوا لَهُ ) اختلقوا واقترحوا له. وقال في عين المعاني(١) : الخرق أشنع الكذب، كأنّه يخرق العقل. وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير.( بَنِينَ وَبَناتٍ ) فقالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه، ويروا عليه دليلا، بل جهلا منهم. وهو في موضع الحال من الواو أو المصدر، أي: خرقا بغير علم.

( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ) أنّ له شريكا أو ولدا.

( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من إضافة الصفة المشبّهة إلى فاعلها، كقولك: فلان بديع الشعر، أي: بديع شعره. أو إلى الظرف، كقولهم: ثبت(٢) الغدر، أي: ثابت فيه، بمعنى أنّه عديم النظير فيهما. والمعنى: بديع سماواته وأرضه، أو بديع فيهما.

وقيل: معناه مبدعهما ومنشئهما ابتداء لا من شيء، ولا على سبق مثال. ورفعه على

__________________

(١) عين المعاني في تفسير السبع المثاني، لمحمد بن طيفور السجاوندي الغزنوي، من علماء المائة السادسة، والظاهر أنه لم يطبع إلى الآن. راجع كشف الظنون ٢: ١١٨٢.

(٢) في هامش النسخة الخطّية: «رجل ثبت الغدر، أي: ثابت في القتال. منه».


الخبر، والمبتدأ محذوف. أو على الابتداء، وخبره قوله:( أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ) أي :من أين وكيف يكون له ولد؟ ولا يستقيم أن يوصف بالولادة، لأنّ الولادة من صفات الأجسام، وصانع الأجسام ليس بجسم حتّى يكون والدا، ولأنّ الولادة لا تكون إلّا بين زوجين.

( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ ) يكون منها الولد( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) لا يخفى عليه خافية. ولم يقل: «به» لتطرّق التخصيص إلى الأوّل.

وفي الآية استدلال على نفي الولد من ثلاثة وجوه :

الأوّل: أنّه من مبدعاته السماوات والأرضون، وهي مع أنّها من جنس ما يوصف بالولادة مبرّأة عنها، لاستمرارها وطول مدّتها، فهو أولى بأن يتعالى عنها.

والثاني: أنّ المعقول من الولد ما يتولّد من ذكر وأنثى متجانسين، والله تعالى منزّه عن المجانسة.

والثالث: أنّ الولد كفؤ لوالده، ولا كفؤ له لوجهين: الأوّل: أنّ كلّ ما عداه مخلوقه، فلا يكافئه. والثاني: أنّه سبحانه لذاته عالم بكلّ المعلومات، ولا كذلك غيره بالإجماع.

( ذلِكُمُ ) إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات. وهو مبتدأ.( اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) أخبار مترادفة. ويجوز أن يكون البعض بدلا أو صفة، والبعض خبرا.( فَاعْبُدُوهُ ) حكم مسبّب عن مضمون الجملة، فإنّ من استجمع هذه الصفات استحقّ العبادة( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) أي: وهو مع تلك الصفات متولّي أموركم، فكلوها إليه، وتوسّلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم، ورقيب على أعمالكم، فيجازيكم عليها.

( لا تُدْرِكُهُ ) لا تحيط به( الْأَبْصارُ ) جمع بصر، وهو الجوهر اللطيف الّذي به تدرك المبصرات. وقد يقال للعين من حيث إنّها محلّها. والمعنى: أنّه متعال أن


يكون مبصرا في ذاته، فالأبصار لا تدركه، لأنّها إنّما تدرك ما كان في جهة أو تابعا، كالأجسام والألوان.

( وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ) محيط علمه بها، فإنّه للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة الّتي ركّبها الله في حاسّة النظر، وهي الأبصار، لا يدركها مدرك سواه. وقيل: تقديره: وهو يدرك ذوي الأبصار.

( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) فيدرك ما لا تدركه الأبصار. ويجوز أن يكون من باب اللفّ، أي: لا تدركه الأبصار، لأنّه اللطيف، فيلطف عن أن تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، ولا تلطف عن إدراكه، لأنّه خبير بكلّ لطيف.

وروي عن الرضاعليه‌السلام : أنّها الأبصار الّتي في القلوب، لا تقع عليه الأوهام، ولا يدرك كيف هو.

( قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه بعد هذه الآيات قد أزاح العلّة للمكلّفين، فقال:( قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ) البصائر جمع بصيرة، وهي نور القلب، كما أنّ البصر نور العين. وسمّيت بها الدلالة، لأنّها تجلّي للنفس الحقّ وتبصّرها به.

( فَمَنْ أَبْصَرَ ) أي: أبصر الحقّ وآمن به( فَلِنَفْسِهِ ) أبصر، لأنّ نفعه لها( وَمَنْ عَمِيَ ) عن الحقّ وضلّ( فَعَلَيْها ) وباله. وهذا وارد على لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لقوله تعالى:( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنّما أنا منذر، والله تعالى هو الحفيظ عليكم، يحفظ أعمالكم ويجازيكم


عليها. وهذا كلام ورد على لسان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ) ومثل ذلك التصريف نصرّف. وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة من التصرّف، وهو نقل الشيء من حال إلى حال.

( وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ) أي: وليقولوا: وتعلّمت من اليهود صرفنا. واللام لام العاقبة. والدرس القراءة والتعلّم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: دارست، أي: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم. وابن عامر ويعقوب: درست، من الدروس، أي: قدّمت هذه الآيات وعفت، كقولهم: أساطير الأوّلين.

( وَلِنُبَيِّنَهُ ) هذا اللام على أصله وحقيقته، لأنّ التبيين مقصود التصريف، بخلاف لام «ليقولوا» فإنّه على المجاز. والضمير للآيات باعتبار المعنى، لأنّها في معنى القرآن. أو للقرآن وإن لم يذكر، لكونه معلوما. أو للتبيين الّذي هو مصدر الفعل.( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فإنّهم المنتفعون به.

( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّه باتّباع الوحي فقال:( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) بالتديّن به( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) اعتراض أكّد به إيجاب الاتّباع. أو حال مؤكّدة من «ربّك»، بمعنى: منفردا في الألوهيّة( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) لا تبال بأقوالهم، ولا تلتفت إلى آرائهم وأهوائهم، ولا تلاطفهم. ومن جعله منسوخا بآية السيف(١) ،

__________________

(١) التوبة: ٥ و٢٩.


حمل الإعراض على ما يعمّ الكفّ عنهم.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) توحيدهم وعدم إشراكهم جبرا وقسرا( ما أَشْرَكُوا ) أي :لاضطرّهم إلى الإيمان بالقسر والجبر، ولكنّ الجبر مناف للتكليف الذي هو مناط استحقاق الثواب والعقاب، فلم يشأ ذلك. ولا يجوز أن يكون المعنى: أنّه تعالى لا يريد إيمان الكافر، فلذلك لم يؤمن، لأنّ مراده واجب الوقوع كما قالت الأشعريّة، لأنّ إرادة الكفر قبيح، والقبح على الله محال.

وفي تفسير أهل البيتعليهم‌السلام : لو شاء الله أن يجعلهم كلّهم مؤمنين معصومين حتّى كان لا يعصيه أحد، لـما كان يحتاج إلى جنّة ولا إلى نار، ولكنّه أمرهم ونهاهم وامتحنهم، وأعطاهم ماله به عليهم الحجّة من الآلة والاستطاعة، ليستحقّوا الثواب والعقاب.

( وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) رقيبا لأعمالهم( وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) بموكّل عليهم بذلك، وإنّما أنت رسول عليك البلاغ وعلينا الحساب. وجمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معنى اللفظين، فإنّ الحافظ للشيء هو الّذي يصونه عمّا يضرّه، والوكيل على الشيء هو الّذي يجلب الخير إليه.

( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) )

ثمّ نهى الله تعالى المؤمنين أن يسبّوا الأصنام، لـما في ذلك من المفسدة، فقال:( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي: ولا تذكروا آلهتهم الّتي يعبدونها بما فيها من القبائح( فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً ) تجاوزا عن الحقّ إلى الباطل( بِغَيْرِ عِلْمٍ )


على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به. وقرأ يعقوب: عدوّا بضمّ العين وتشديد الواو. ويقال: عدا فلان عدوا وعدوّا وعداء وعدوانا.

قال ابن عبّاس: لـمّا نزلت:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (١) .

قال المشركون: لتنتهي عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ إلهك، فنزلت.

وقيل: كان المسلمون يسبّونها فنهوا، لئلّا يكون سبّهم سببا لسبّ الله.

وفيه دليل على أنّ النهى عن المنكر الّذي هو من أجلّ الطاعات إذا علم أنّه يؤدّي إلى زيادة الشرّ ينقلب معصية، فصار النهي عن ذلك النهي من جملة الواجبات.

وسئل أبو عبد اللهعليه‌السلام عن قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفوانة(٢) سوداء في ليلة ظلماء، فقال: كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون الله، وكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله عن سبّ آلهتهم لكيلا يسبّ الكفّار إله المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا من حيث لا يعلمون.

( كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك التزيين( زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ) من أمم الكفّار( عَمَلَهُمْ ) أي: خلّيناهم وسوء ما عملوا، ولم نمنعهم حتّى حسن عندهم عملهم السيّء، أي: أمهلنا الشيطان حتّى زيّن لهم. أو زيّنّاه في زعمهم وقولهم: إنّ الله أمرنا بهذا وزيّنه لنا. ولا يجوز التزيين على المعنى الحقيقي لقبحه، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) فيوبّخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم عليه.

__________________

(١) الأنبياء: ٩٨.

(٢) الصفوان: الصخر الأملس.


( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) )

ثمّ بيّن سبحانه حال الكفّار الّذين سألوه الآيات المقترحة، فقال:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) مصدر في موقع الحال، أي: حلفوا بالله مجدّين مجتهدين.

والداعي لهم إلى هذا القسم والتأكيد فيه التحكّم على الرسول في طلب الآيات، واستحقار ما رأوا منها.( لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ ) من مقترحاتهم( لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ ) هو قادر عليها، يظهر منها ما يشاء، وليس شيء منها بقدرتي ومشيئتي( وَما يُشْعِرُكُمْ ) وما يدريكم( أَنَّها ) أنّ الآيات المقترحة( إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) .

يعني: أنا أعلم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنتم لا تدرون. وذلك أنّ المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم عند مجيء تلك الآيات، فيتمنّون مجيئها، فأخبرهم الله تعالى أنّهم لا يدرون ما سبق علمه به من أنّهم لا يؤمنون. والاستفهام للإنكار، أنكر السبب ـ وهو مجيء الآية ـ مبالغة في نفي المسبّب، وهو الايمان. ففيه تنبيه على أنّه تعالى إنّما لم ينزلها لعلمه بأنّها لا يؤمنون بها إذا جاءت.

وقيل: «لا» مزيدة. وعلى قراءة الفتح قيل: «أن» بمعنى: لعلّ، إذ قرأ أبيّ: لعلّها، من قولهم: ائت السوق أنّك تشتري لحما.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب: «إنّها» بالكسر، على أنّ الكلام قد تمّ قبله، كأنّه قال: وما يشعركم ما يكون منهم، ثمّ أخبرهم بما علم.


وقيل: الخطاب للمشركين. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا تؤمنون بالتاء.

( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ) عطف على( لا يُؤْمِنُونَ ) داخل في حكم( وَما يُشْعِرُكُمْ ) . يعني: وما يشعركم أنّهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنّا نقلّب أفئدتهم وأبصارهم، أي: نطبع على قلوبهم وأبصارهم، فلا يفقهون ولا يبصرون الحقّ( كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) كما كانوا عند نزول آياتنا أوّلا لا يؤمنون بها، لكونهم مطبوعا على قلوبهم.( وَنَذَرُهُمْ ) وما يشعركم أنّا ندعهم( فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) يتحيّرون، أي: نخلّيهم وشأنهم، لا نكفّهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه.

( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) )

ثمّ بيّن سبحانه حالهم في عنادهم، وتردّدهم في طغيانهم وكفرهم، وتمرّدهم ولجاجهم، فقال:( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ) يشهدون لنبيّنا بالرسالة، كما قالوا:( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ ) (١) ( وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ) وأحيينا الموتى حتّى شهدوا له، كما قالوا:( فَأْتُوا بِآبائِنا ) (٢) ( وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ) كما قالوا:( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) (٣) . وقبلا جمع قبيل، بمعنى: كفيلا، أو جمع القبيل الّذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات، أو مصدر بمعنى مقابلة كقبلا. وهو قراءة نافع وابن عامر. وهو على الوجوه حال من «كلّ». وإنّما جاز ذلك لعمومه.

( ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) لـما سبق عليهم علمه تعالى بكفرهم وعنادهم

__________________

(١) الفرقان: ٢١.

(٢) الدخان: ٣٦.

(٣) الإسراء: ٩٢.


( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) استثناء من أعمّ الأحوال، أي: لا يؤمنون في حال من الأحوال إلّا حال أن يشاء الله تعالى إيمانهم، مشيئة إكراه وقسر واضطرار. يعني: أنّهم لا يؤمنون مختارين قطّ إلّا أن يكرهوا.( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) أنّهم لو أوتوا بكلّ آية لم يؤمنوا طوعا، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم، مع أنّ مطلق الجهل يعمّهم. أو لكنّ أكثر المسلمين يجهلون أنّهم لا يؤمنون، فيتمنّون نزول الآية المقترحة طمعا في إيمانهم.

وفي الآية دلالة على أنّ الله تعالى لو علم أنّه إذا فعل ما اقترحوه من الآيات آمنوا لفعل ذلك، ولكان من الواجب في حكمته، لأنّه لو لم يجب ذلك، لم يكن لتعليله بأنّه لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنّه لو فعلها لم يؤمنوا، معنى.

( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) )

ثمّ بيّن سبحانه ما كان عليه حال الأنبياءعليهم‌السلام مع أعدائهم، تسلية لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ) أي: وكما خلّينا بينك وبين أعدائك، ولم نمنعهم عنك قسرا وكرها، كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم عن العداوة، لـما فيه من الامتحان الّذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر.


( شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ ) مردة الفريقين. وهو بدل من «عدوّا»، أو أوّل مفعولي «جعلنا»، و «عدوّا» مفعوله الثاني، و «لكلّ» متعلّق به أو حال منه.

( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ) يوسوس ويلقي خفية شياطين الجنّ إلى شياطين الإنس، أو بعض الجنّ إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض( زُخْرُفَ الْقَوْلِ ) ما يزيّنه ويموّهه من القول والإغراء على المعاصي. يقال: زخرف القول إذا زيّنه، أي: الذي يستحسن ظاهره، ولا حقيقة له ولا أصل.

( غُرُوراً ) خدعا وأخذا على غرّة. وهو مفعول له، أو مصدر في موقع الحال.

وعن مالك بن دينار: أنّ شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ، لأنّي إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عنّي، وبعض الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عيانا.

( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ) أي: ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول، بأن يكفّهم عنه اضطرارا وإلجاء، ولا يخلّيهم وشأنهم( فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) أي: دعهم وافتراءهم الكذب، فإنّي أجازيهم وأعقابهم. أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يخلّي بينهم وبين ما اختاروه، ولا يمنعهم منه بالقهر تهديدا لهم، كما قال:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) ، دون أن يكون أمرا واجبا أو ندبا.

( وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) عطف على «غرورا» إن جعل علّة، وإلّا يتعلّق بمحذوف، أي: وليكون ذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّا. ولا يجوز أن يكون اللام للعلّة، لأنّه تعالى لا يجوز أن يريد إصغاء القلوب في الكفر ووحي الشياطين، بل اللام لام الصيرورة والعاقبة، كما في قوله :

__________________

(١) فصلت: ٤٠.


( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) (١) . والصغو: الميل. والضمير في «إليه» يرجع إلى ما يرجع إليه ضمير «فعلوه»، أي: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين قلوب الكفّار، والّذين لا يعتقدون بالآخرة والحشر والنشر والحساب.

( وَلِيَرْضَوْهُ ) وليحبّوه لأنفسهم( وَلِيَقْتَرِفُوا ) ليكتسبوا( ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) من الآثام.

( أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) )

ثمّ أمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول لهؤلاء الكفّار الّذين مضى ذكرهم هذا القول:( أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً ) على إرادة القول، أي: قل لهم يا محمد: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويميّز المحقّ منّا من المبطل؟! و «غير» مفعول «أبتغي»، و «حكما» حال منه. ويحتمل عكسه. وحكما أبلغ من حاكم، ولذلك لا يوصف به غير العادل.

( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ ) القرآن المعجز( مُفَصَّلاً ) مبيّنا فيه الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء، وسائر الحقّ والباطل بحيث ينفي الالتباس. وفيه تنبيه على أنّ القرآن بإعجازه وتقريره مغن عن سائر الآيات.

( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) يعني: التوراة والإنجيل( يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) أنّ القرآن

__________________

(١) القصص: ٨.


( مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ ) . هذا تأييد لدلالة الإعجاز على أنّ القرآن حقّ منزل من عند الله، يعلم أهل الكتاب به، لتصديقه ما عندهم، مع أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يمارس كتبهم، ولم يخالط علماءهم، وإنّما وصف جميعهم بالعلم، لأنّ أكثرهم يعلمون، ومن لم يعلم فهو متمكّن منه بأدنى تأمّل. وقيل: المراد مؤمنوا أهل الكتاب. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: منزّل بالتشديد.

( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) من الشاكّين في أنّهم يعلمون ذلك، أو في أنّه منزل، لجحود أكثرهم وكفرهم به، فيكون من باب التهييج، كقوله تعالى:( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (١) . أو( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) في أن أهل الكتاب يعلمون أنّه منزل بالحقّ، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم به. وقيل: الخطاب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ظاهرا، والمراد خطاب أمّته. ويجوز أن يكون خطابا لكلّ أحد، على معنى أنّه: إذا تظاهرت الحجج على صحّته فلا ينبغي أن يمتري أحد فيه.

( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) )

ثمّ بيّن سبحانه صفة الكتاب المنزل، فقال:( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) أي: بلغت الغاية حججه وأمره ونهيه ووعده ووعيده( صِدْقاً ) في الأخبار والمواعيد( وَعَدْلاً ) في الأقضية والأحكام. ونصبهما يحتمل التمييز والحال والمفعول له( لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) لا أحد يبدّل شيئا من ذلك بما هو أصدق وأعدل. أو لا أحد يقدر أن يحرّفها شائعا ذائعا كما فعل بالتوراة، على أنّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانا لها من الله تعالى بأن يحفظه، كقوله:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (٢) . أو لا نبيّ ولا كتاب

__________________

(١) القصص: ٨٧.

(٢) الحجر: ٩.


بعدها ينسخها أو يبدّل أحكامها.

وقرأ الكوفيّون ويعقوب: كلمة ربّك، أي: ما تكلّم به، أو القرآن.

( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لـما يقولون( الْعَلِيمُ ) بما يضمرون، فلا يهملهم.

( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر الكتاب بيّن سبحانه أنّ من تبع غير هذا الكتاب ضلّ وأضلّ، فقال:( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ) أي: أكثر الناس، يريد الكفّار، أو الجهّال، أو أتباع الهوى. وقيل: أهل مكّة.( يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن الطريق الموصل إليه، فإنّ الضالّ في غالب الأمر لا يأمر إلّا بما فيه ضلال.

( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ ) وهو ظنّهم أنّ آباءهم كانوا محقّين، فهم يقلّدونهم. أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة، فإنّ الظنّ يطلق على ما يقابل العلم. وفيه: أنّه لا عبرة في معرفة الحقّ بالكثرة، وإنّما الاعتبار بالحجّة.( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) يقدّرون أنّهم على شيء. أو يكذبون على الله فيما ينسبون إليه، كاتّخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه، وتحليل الميتة، وتحريم البحائر. وحقيقة الخرص ما يقال عن ظنّ وتخمين.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أي: أعلم بالفريقين. و «من» موصولة أو موصوفة في محلّ النصب بفعل دلّ عليه «أعلم»، وهو: يعلم، لا به، فإنّ أفعل لا ينصب الظاهر في مثل ذلك. أو استفهاميّة مرفوعة بالابتداء، والخبر «يضلّ». والجملة معلّق عنها الفعل المقدّر.

وفي هذا دلالة على أنّ الضلال والإضلال من فعل العبيد، خلاف ما يقول


أهل الجبر، وعلى أنّه لا يجوز التقليد واتّباع الظنّ في الدين والاغترار بالكثرة.

وإلى هذا أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام حيث قال للحارث الهمداني: «يا حار الحقّ لا يعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله».

( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) )

وعن ابن عبّاس أنّهم كانوا يدعون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين إلى أكل الميتة، ويقولون: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربّكم! فهذا ضلالهم، فقال: سبحانه


ردّا عليهم:( فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) هذا مسبّب عن إنكار اتّباع المضلّين الّذين يحرّمون الحلال ويحلّون الحرام. والمعنى: كلوا ممّا ذكر اسم الله على ذبحه، وهو المذكّى ببسم الله، لا ممّا ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه.( إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ) فإنّ الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحلّه الله تعالى، واجتناب ما حرّمه.

( وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) أي: وأيّ غرض لكم في أن تتحرّجوا عن أكله؟ وما يمنعكم عنه؟( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) ممّا لم يحرّم بقوله:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (١) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: فصّل على البناء للمفعول، ونافع ويعقوب وحفص: حرّم على البناء للفاعل، وهو الله تعالى.

( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) إلى ما حرّم عليكم، فإنّه ايضا حلال حال الضرورة، حفظا للنفس.

( وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ ) بتحليل الحرام وتحريم الحلال. وقرأ الكوفيّون بضمّ الياء، وأرادوا: يضلّون أشياعهم، والباقون بالفتح.( بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بتشهّيهم من غير تعلّق بدليل يفيد العلم( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ) المتجاوزين الحقّ إلى الباطل، والحلال إلى الحرام.

( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) ما أعلنتم منه، وما أسررتم. وقيل: ما عملتم بجوارحكم، وما نويتم بقلوبكم. وقيل: الزنا في الحوانيت، واتّخاذ الأخدان في السرّ.

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ ) يرتكبون القبيح( سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ) يكتسبون.

ثمّ أكّد سبحانه ما قدّم بقوله:( وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ) على ذبحه. وهذا تصريح في وجوب التسمية على الذبيحة. وظاهره دالّ على تحريم متروك التسمية عمدا أو نسيانا. وإليه ذهب داود وأحمد. وقال مالك والشافعي بخلافه، لقولهعليه‌السلام : «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه». وفرّق أبو

__________________

(١) المائدة: ٣.


حنيفة بين العمد والنسيان. ومن ذهب إلى جواز أكل ما لم يذكر عليه اسم الله بنسيان أو عمد، أوّله بالميتة، أو بما ذكر غير اسم الله عليه.

وعند أصحابنا الإماميّة أنّ المسلم إذا لم يسمّ الله متعمّدا لم تحلّ ذبيحته، وإذا كان ناسيا حلّ أكلها بعد أن يكون معتقدا لوجوب التسمية، وأنّ ذبائح الكفّار كلّهم محرّم، أهل الكتاب وغيرهم، من سمّى منهم ومن لم يسمّ، لأنّهم لا يعرفون الله تعالى على الوجه الصحيح والطريق الحقّ.

( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) الضمير لـ «ما». ويجوز أن يكون للأكل الّذي دلّ عليه «لا تأكلوا».

( وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ) ليوسوسون( إِلى أَوْلِيائِهِمْ ) من الكفّار( لِيُجادِلُوكُمْ ) بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم، كالصقر والبازي والكلب وغيرها، وتدعون ما قتله الله تعالى. وهو يؤيّد التأويل بالميتة.( وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ) في استحلال ما حرّم( إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) فإنّ من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره وأتبعه فيه أشرك به. وإنّما حسن حذف الفاء فيه، لأنّ الشرط بلفظ الماضي.

( أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) يستضيء به بين الناس. مثّل به من هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال، وجعل له نور الحجج والآيات، يتأمّل بها في الأشياء، فيميّز بين الحقّ والباطل، والمحقّ والمبطل. وقرأ نافع ويعقوب: ميّتا على الأصل.

( كَمَنْ مَثَلُهُ ) صفته. وهو مبتدأ، وخبره:( فِي الظُّلُماتِ ) أي: كمن صفته هذه، وهي قوله:( فِي الظُّلُماتِ ) أي: خابط فيها، كقوله:( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ ) (١) .( لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) لا ينفكّ منها ولا يتخلّص. حال من المستكن في الظرف، لا من الهاء في «مثله»، للفصل. وهو مثل لمن بقي على الضلالة، لا يفارقها بحال.

وإنّما سمّى الله تعالى الكافر ميّتا، لأنّه لا ينتفع بحياته، ولا ينتفع غيره بحياته ،

__________________

(١) محمّد: ١٥.


فهو أسوأ حالا من الميّت، إذ لا يوجد من الميّت ما يعاقب عليه، ولا يتضرّر غيره به. وسمّى المؤمن حيّا، لأنّ له ولغيره المصلحة والمنفعة في حياته.

( كَذلِكَ ) كما زيّن للمؤمنين إيمانهم( زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي :زيّنه الشيطان، أو الله عزّ وعلا، على قوله:( زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) (١) . عن الحسن: زيّنه والله لهم الشيطان وأنفسهم. والآية نزلت في حمزة وأبي جهل. وقيل: في عمّار وأبي جهل.

( وَكَذلِكَ ) أي: وكما جعلنا في مكّة صناديدها ليمكروا فيها، كذلك( جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ) اللام للعاقبة. والمعنى: خلّيناهم وشأنهم، ولم نكفّهم عن المنكر. وخصّ الأكابر لأنّهم أقوى في حملهم على الضلال والمكر بالناس، وهو كقوله:( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) (٢) .( وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ ) لأنّ وباله يحيق بهم( وَما يَشْعُرُونَ ) ذلك.

وهذه الآية تسلية لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتقديم موعد بالنصرة عليهم.

( وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) )

روي أنّ الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوّة حقّا لكنت أولى بها منك، لأنّي أكبر منك سنّا، وأكثر منك مالا.

__________________

(١) النمل: ٤.

(٢) الإسراء: ١٦.


وروي أنّ أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتّى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منّا نبيّ يوحى إليه. والله لا نرضى به ولا نتّبعه أبدا، إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت:( وَإِذا جاءَتْهُمْ ) يعني: كفّار قريش( آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ ) . ونحوها قوله:( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ) (١) .

( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) استئناف للردّ عليهم، بأنّ النبوّة ليست بالنسب والمال، وإنّما هي بفضائل نفسانيّة يخصّ الله تعالى بها من يشاء من عباده، فيجتبي لرسالته من علم أنّه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الّذي يضعها فيه. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: رسالته.

( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) من أكابرها( صَغارٌ ) ذلّ وحقارة بعد كبرهم وعظمهم( عِنْدَ اللهِ ) يوم القيامة. وقيل: من عند الله.( وَعَذابٌ شَدِيدٌ ) في الدارين من الأسر والقتل وعذاب النار( بِما كانُوا يَمْكُرُونَ ) بسبب مكرهم، أو جزاء على مكرهم.

( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر المؤمنين والكافرين، بيّن عقيبه ما يفعله سبحانه بكلّ من

__________________

(١) المدّثّر: ٥٢.


القبيلتين، فقال:( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ) أن يلطف به ويوفّقه للإيمان. ولا يفعل ذلك إلّا بمن يعلم أنّ له لطفا.( يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ) فيتّسع له ويفسح فيه مجاله، ويثبت عزمه عليه، ويقوّي دواعيه على التمسّك به، لطفا له بذلك ومنّا عليه، حتى تسكن نفسه إليه وتنشرح، حيث تكون النفس طالبة للرشاد والاهتداء، عائقة عن العناد والمكابرة. وإليه أشارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين سئل عنه فقال: «نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح. فقالوا: هل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله».

( وَمَنْ يُرِدْ ) الله( أَنْ يُضِلَّهُ ) أي: يخذله ويخلّيه وشأنه، وهو الّذي لا يلطف له( يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) بأن يمنعه ألطافه حتّى يقسو قلبه، وينبو عن قبول الحقّ وينسدّ، فلا يدخله الإيمان. وقرأ ابن كثير: ضيقا بالتخفيف، ونافع وأبو بكر عن عاصم: حرجا بالكسر، أي: شديد الضيق، والباقون بالفتح وصفا بالمصدر.

( كَأَنَّما يَصَّعَّدُ ) يتصعّد( فِي السَّماءِ ) أي: إذا دعي إلى الإسلام كأنّما يزاول أمرا غير ممكن، لأنّ صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة، ويضيق عنه القدرة. وقيل: معناه: كأنّما يتصاعد إلى السماء نبوّا عن الحقّ، وتباعدا في الهرب منه. وقرأ ابن كثير: يصعد، وأبو بكر عن عاصم: يصّاعد، بمعنى: يتصاعد.

( كَذلِكَ ) أي: كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الحقّ بالخذلان والتخلية( يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) أي: الخذلان ومنع التوفيق عليهم.

فوضع الظاهر موضع الضمير للتعليل. وصفه تعالى بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب، أو أراد الفعل الّذي يؤدّي إلى الرجس، وهو العذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب.


( وَهذا ) إشارة إلى البيان الّذي جاء به القرآن أو الإسلام، أو إلى ما سبق من التوفيق والخذلان( صِراطُ رَبِّكَ ) طريقه الّذي اقتضته الحكمة، وعادته في التوفيق والخذلان( مُسْتَقِيماً ) عادلا لا اعوجاج فيه. وانتصابه على أنّه حال مؤكّدة، كقوله:( وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً ) (١) .( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) فيعلمون أنّ القادر هو الله تعالى، وأنّه عالم بأحوال العباد، حكيم عادل فيما يفعل بهم.

( لَهُمْ ) أي: للّذين تذكّروا وعرفوا الحقّ( دارُ السَّلامِ ) دار الله، يعني: الجنّة. أضافها إلى نفسه تعظيما لها. أو دار السّلامة من كلّ آفة وكدر. أو دار تحيّتهم فيها سلام.( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: هي مضمونة لهم عند ربّهم، يوصلهم إليها لا محالة، كما تقول: لفلان عندي حقّ لا ينسى. أو ذخيرة لهم لا يعلمون كنهها، كقوله:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (٢) .

( وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ) مولاهم ومحبّهم وناصرهم على أعدائهم( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) بسبب أعمالهم، أو متولّيهم بجزاء ما كانوا يعملون.

( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ

__________________

(١) البقرة: ٩١.

(٢) السجدة: ١٧.


وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) )

( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) منصوب بمحذوف، تقديره: واذكر يوم نحشرهم، أو تقديره: ويوم نحشرهم جميعا نقول. والضمير لمن يحشر من الثقلين. وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب بالياء.

( يا مَعْشَرَ الْجِنِ ) يعني: الشياطين( قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ) أي: من إغوائهم وإضلالهم. أو منهم، بأن جعلتموهم أتباعكم، فحشروا معكم، كقولهم: استكثر الأمير من الجنود، أي: طلب كثرتهم.

( وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ ) الّذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم( رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ) أي: انتفع الإنس بالشياطين حيث دلّوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصّل إليها، وانتفع الجنّ بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم، وحصّلوا مرادهم.

وقيل: استمتاع الإنس بهم أنّهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند


المخاوف، كقوله تعالى:( وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ ) (١) .

واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنّهم يقدرون على تخليصهم وإجارتهم.

( وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) أي: يوم البعث. وهو اعتراف بما فعلوه من طاعة الشيطان، واتّباع الهوى، وتكذيب البعث، وتحسّر على حالهم.

( قالَ ) أي: قال الله تعالى لهم( النَّارُ مَثْواكُمْ ) مقامكم ومنزلكم، أو ذات مثواكم( خالِدِينَ فِيها ) مؤبّدين. وهو حال، والعامل فيها «مثواكم» إن جعل مصدرا، ومعنى الإضافة إن جعل مكانا.( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) من الأوقات الّتي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير، فقد روي أنّهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميّز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم. أو إلّا ما شاء الله قبل الدخول، كأنّه قيل: النار مثواكم أبدا، إلّا ما أمهلكم من أوقات حشركم من قبوركم، ومقدار مدّتكم ومحاسبتكم.

( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ ) في أفعاله، لا يفعلها إلّا بموجب الحكمة( عَلِيمٌ ) بأعمال الثقلين وأحوالهم.

( وَكَذلِكَ ) أي: ومثل ذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض( نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ) نخلّيهم حتّى يتولّى بعضهم بعضا، كما فعل الشياطين وغواة الناس. أو نجعل بعضهم أولياء بعض وقرناءهم في العذاب، كما كانوا في الدنيا.

( بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.

ويقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ:( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) الرسل من الإنس خاصّة، لكن لـمّا جمع الثقلان في الخطاب صحّ ذلك وإن كان من أحدهما. ونظيره:( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ) (٢) ، وإن كان اللؤلؤ

__________________

(١) الجنّ: ٦.

(٢) الرحمن: ٢٢.


يخرج من الملح دون العذب. وتعلّق قوم بظاهره وقالوا: بعث إلى كلّ من الثقلين رسل من جنسهم. وقيل: الرسل من الجنّ رسل الرسل إليهم، لقوله:( وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) (١) .

وعن الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبعثون إلى النّاس، ثمّ بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الإنس والجنّ.

( يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ) يتلون عليكم حججي ودلائلي( وَيُنْذِرُونَكُمْ ) ويخوّفونكم( لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) يعني: يوم القيامة.

( قالُوا ) جوابا( شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ) بالجرم والعصيان. وهو اعتراف منهم بأنّ حجّة الله لازمة لهم، وبكفرهم واستيجاب العذاب لهم.( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) ذمّ لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم، فإنّهم اغترّوا بالحياة الدنيويّة واللذّات الخسيسة، وأعرضوا عن الآخرة بالكلّية، حتّى كان عاقبة أمرهم أن اضطرّوا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر، والاستسلام للعذاب المخلّد، تحذيرا للسامعين من مثل حالهم.

ولا ينافي الآية قوله:( وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (٢) ، لتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول، فيقرّون في بعضها، ويجحدون في البعض. أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم.

ولـمّا كانت الشهادة الأولى حكاية لقولهم كيف يعترفون على أنفسهم، والثانية ذمّ لهم وتخطئة لرأيهم، ووصف لقلّة نظرهم لأنفسهم، وأنّهم قوم غرّتهم الحياة الدنيا واللذّات الحاضرة، وعاقبة حالهم اضطرارهم إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر، فلا يلزم تكرار الشهادة.

__________________

(١) الأحقاف: ٢٩.

(٢) الأنعام: ٢٣.


( ذلِكَ ) إشارة إلى ما تقدّم من بعثة الرسل. وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك. وقوله:( أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ) تعليل للحكم. و «أن» مصدريّة أو مخفّفة من الثقيلة، أي: الأمر ما قصصنا عليك، لانتفاء كون ربّك، أو لأنّ الشأن لم يكن ربّك مهلك أهل القرى بسبب ظلم أقدموا عليه، أو ملتبسين بظلم، أو ظالما، على معنى: أنّه لو أهلكهم من غير تنبيه رسول وكتاب لكان ظالما، وهو متعال عن الظلم.

( وَلِكُلٍ ) من المكلّفين( دَرَجاتٌ ) مراتب( مِمَّا عَمِلُوا ) من أعمالهم على حسب ما يستحقّونه، أو من جزائها، أو من أجلها. وقيل: أراد درجات ودركات من جزاء أعمالهم، فغلب منازل أهل الجنّة.( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) فلا يخفى عليه مقاديره، وما يستحقّ عليه من الثواب والعقاب. وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة.

( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) )

ولـمّا أمر سبحانه بطاعته وحثّ عليها ورغّب فيها، بيّن أنّه لم يأمر بها لحاجة، لأنّه يتعالى عن النفع والضرّ، فقال:( وَرَبُّكَ الْغَنِيُ ) عن العباد والعبادة( ذُو الرَّحْمَةِ ) يترحّم عليهم بإمهالهم على التكليف، ليعرضهم المنافع العظيمة الّتي


لا يحسن إيصالهم إليها إلّا بالاستحقاق، لاقترانها بالتعظيم والإجلال.

( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) أي: ما به إليكم حاجة، لأنّه غنيّ مطلق، إن يشأ يذهبكم أيّها العصاة( وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ) من الخلق، أي: ينشئ من بعد إهلاككم وإذهابكم خلقا غيركم يطيعونه، يكونون خلفا لكم( كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) أي: قرنا بعد قرن، لكنّه أبقاكم ترحّما عليكم.

( إِنَّ ما تُوعَدُونَ ) من البعث والحشر، والثواب والعقاب، وتفاوت أهل الجنّة والنار في الدرجات والدركات( لَآتٍ ) لكائن لا محالة( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) طالبكم بالبعث. والإعجاز أن يأتي الإنسان بشيء يعجز خصمه عنه، فيكون قد جعله عاجزا منه. فالمعنى: لستم بمعجزين الله عن الإتيان بالبعث والعقاب.

( قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) على غاية تمكّنكم، وأقصى استطاعتكم وإمكانكم. يقال: مكّن مكانة إذا تمكّن أبلغ التمكّن. أو على حالكم الّتي أنتم عليها، أو على ناحيتكم وجهتكم الّتي أنتم عليها، من قولهم: مكان ومكانة، كمقام ومقامة. وقرأ أبو بكر عن عاصم: مكاناتكم، بالجمع في جميع القرآن. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف. وهو أمر تهديد. والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي.

( إِنِّي عامِلٌ ) ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام. والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد، كأنّ المهدّد يريد تعذيبه، فيحمله بالأمر على ما يفضي به إليه، وتسجيل بأنّ المهدّد لا يتأتّى منه إلّا الشرّ، فكأنّه مأمور به، وهو واجب عليه حتم، ليس له أن يتفصّى عنه ويعمل بخلافه.

( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ) أيّنا تكون له العاقبة المحمودة؟ وهذا نحو قوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) : جعل «من» استفهاميّة، بمعنى: أيّنا تكون له

__________________

(١) فصّلت: ٤٠.


عاقبة الدار الحسنى الّتي خلق الله هذه الدار لها؟ فمحلّها الرفع، وفعل العلم معلّق عنه. وإن جعلت خبريّة بمعنى: الّذي، فالنصب بـ «تعلمون» أي: فسوف تعرفون الّذي تكون له العاقبة. وفيه مع الإنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب، وتنبيه على وثوق المنذر بأنّه محقّ.

وقرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء، لأنّ تأنيث العاقبة غير حقيقي.

( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) وضع «الظالمون» موضع: الكافرون، لأنّه أعمّ وأكثر فائدة.

( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) )

ثمّ عاد الكلام إلى حجاج المشركين وبيان اعتقاداتهم الفاسدة، فقال:( وَجَعَلُوا ) يعني: كفّار مكّة ومن تقدّمهم من المشركين( لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ ) خلق( مِنَ الْحَرْثِ ) من الزرع( وَالْأَنْعامِ ) أي: المواشي، من الإبل والبقر والغنم( نَصِيباً ) حظّا( فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ) أي: قد زعموا أنه لله، والله لم يأمرهم بذلك( وَهذا لِشُرَكائِنا ) يعني: الأوثان. وإنّما جعلوها شركاءهم لأنّهم أشركوها في أموالهم وأفعالهم.

روي أنّهم كانوا يعيّنون شيئا من حرث ونتاج لله، ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئا منهما لآلهتهم، وينفقونه على سدنتها، ويذبحونه عندها. ثمّ إن رأوا ما عيّنوا لله أزكى وأنمى بدّلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ،


واعتلّوا لذلك بأن الله غنيّ. فقال سبحانه:( فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ ) أي: لا يصل إلى الوجوه الّتي كانوا يصرفونه إليها، من قرى الضيفان والتصدّق على المساكين( وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ) .

وفي قوله: «ممّا ذرأ» تنبيه على فرط جهالتهم، فإنّهم أشركوا الخالق في خلقه جمادا لا يقدر على شيء، ثمّ رجّحوه عليه، بأن جعلوا الزاكي له. وفي قوله: «بزعمهم» تنبيه على أنّ ذلك ممّا اخترعوه، لم يأمرهم الله به. وقرأ الكسائي بالضمّ في الموضعين(١) . وهو لغة فيه.

( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) حكمهم هذا. وهو إيثار آلهتهم على الله، وعملهم على ما لم يشرع لهم.

( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) )

ثمّ بيّن سبحانه خصلة اخرى من خصالهم الذميمة، فقال:( وَكَذلِكَ ) أي: ومثل ذلك التزيين الّذي هو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله وآلهتهم( زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ ) بالوأد خيفة العلية أو العار، أو بنحرهم لآلهتهم( شُرَكاؤُهُمْ ) من الجنّ، أو من سدنة الأصنام. وهو فاعل «زيّن».

وقرأ ابن عامر: زيّن، على البناء للمفعول الّذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجرّ الشركاء بإضافة القتل إليه، مفصولا بينهما بمفعوله. وهو ضعيف في العربيّة، معدود من ضرورات الشعر، كقوله :

فزججتها بمزجّة

زجّ القلوص أبي مزادة

فإنّه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. وتقديره: فزججت الكتيبة

__________________

(١) أي: بزعمهم، في هذه الآية، وفي الآية ١٣٨، وستأتي في ص: ٤٦٦.


زجّا مثل زجّ أبي مزادة القلوص. والزجّ: الطعن. والمزجّة بفتح الزاء: الرمح القصير. والقلوص: الشابّة من النوق. فتقدير الآية: زيّن لهم أن قتل شركاؤهم أولادهم.

( لِيُرْدُوهُمْ ) ليهلكوهم بالإغواء( وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ) وليخلطوا عليهم ويشبهوه. ودينهم هو ما كانوا عليه من دين إسماعيل. وقيل: دينهم الّذي كان يجب أن يكونوا عليه. واللام للعلّة إن كان التزيين من الشياطين، وللعاقبة إن كان من السدنة.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) مشيئة قسر( ما فَعَلُوهُ ) أي: ما فعل المشركون ما زيّن لهم من القتل، لكن هذه المشيئة منافية للتكليف الّذي هو مناط الثواب والعقاب، فلم يشأها( فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) أي: افتراءهم، أو ما يفترونه من الإفك على الله. وفيه غاية الزجر والتهديد، كما يقول القائل: دعه وما اختار.

وفي هذه الآية دلالة واضحة على أنّ تزيين القتل والقتل فعلهم، وأنّهم في إضافة ذلك إلى الله تعالى كاذبون.

( وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) )

ثمّ حكى الله سبحانه عنهم عقيدة اخرى من عقائدهم الفاسدة، فقال:( وَقالُوا هذِهِ ) إشارة إلى ما جعل لآلهتهم( أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ) حرام. فعل بمعنى


المفعول، كالذبح والطحن بمعنى المذبوح والمطحون. يستوي فيه الواحد والكثير، والذكر والأنثى، لأنّ حكمه حكم الأسماء غير الصفات.( لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ ) يعنون: خدم الأوثان والرجال دون النساء( بِزَعْمِهِمْ ) من غير حجّة لهم.

( وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ) من البحائر والسوائب والحوامي(١) ( وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا ) في الذبح، وإنّما يذكرون أسماء الأصنام عليها. وقيل: لا يحجّون على ظهورها، ولا يلبّون.

والمعنى: أنّهم قسّموا أنعامهم فقالوا: هذه أنعام حجر، وهذه أنعام محرّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكرون عليها اسم الله. فجعلوها أجناسا بدعوتهم الباطلة، ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله.

( افْتِراءً عَلَيْهِ ) أي: فعلوا ذلك كلّه على جهة الافتراء. فهو مفعول له.

ويحتمل نصبه على المصدر، لأنّ ما قالوه تقوّل على الله. والجارّ متعلّق بـ «قالوا» أو بمحذوف هو صفة له، أو على الحال.( سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ) بسببه أو بدله.

ثمّ حكى الله تعالى عنهم مقالة اخرى، فقال:( وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ ) يعنون: أجنّة البحائر والسوائب( خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ) حلال للذكور خاصّة( وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ) أي: دون الإناث، إن ولد حيّا، لقوله:( وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ ) فالذكور والإناث فيه سواء.

وتأنيث الخالصة للمعنى، فإنّ «ما» في معنى الأجنّة. وذكّر «محرّم» للحمل على اللفظ. ولذلك وافق عاصم ـ في رواية أبي بكر ـ ابن عامر في «تكن» بالتاء، والباقون بتذكيره. وقرأ ابن كثير وابن عامر: ميتة بالرفع، والباقون بالنصب. فيكون لابن عامر التأنيث والرفع على أنّ «كان» تامّة. ولأبي بكر التأنيث والنصب على :

__________________

(١) مرّ تفسيرها ذيل الآية ١٠٣ من سورة المائدة، راجع ص: ٣٣٢.


وإن تكن الأجنّة ميتة. ولابن كثير التذكير والرفع على أنّ «كان» تامّة، وتأنيث الفاعل غير حقيقي. وللباقين التذكير والنصب على: وإن يكن ما في بطنها ميتة.

وقيل: التاء في الخالصة للمبالغة، كما في راوية الشعر، أو هو مصدر كالعافية، وقع موقع الخالص.

( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) أي: جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى في التحريم والتحليل، من قوله:( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) (١) هذا حلال وهذا حرام( إِنَّهُ حَكِيمٌ ) فيما يفعل بهم من العقاب آجلا، وفي إمهالهم عاجلا( عَلِيمٌ ) بما يفعلونه، لا يخفى عليه شيء منها.

( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) )

ثمّ جمع سبحانه بين الفريقين: الّذين قتلوا الأولاد، والّذين حرّموا الحلال، فقال:( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ ) يريد بهم العرب الّذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر. وقرأ ابن كثير وابن عامر: قتّلوا بالتشديد، بمعنى التكثير.

( سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) لخفّة عقلهم، وجهلهم بأنّ الله رازق أولادهم. ويجوز نصبه على الحال أو المصدر.

( وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ ) من البحائر ونحوها( افْتِراءً عَلَى اللهِ ) يحتمل الوجوه المذكورة فيه( قَدْ ضَلُّوا ) قد ذهبوا عن طريق الحقّ بما فعلوه( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) إلى الحقّ والصواب.

وفي هذه الآيات دلالات على بطلان مذهب المجبّرة، لأنّه سبحانه أضاف

__________________

(١) النحل: ٦٢.


القتل والافتراء والتحريم إليهم، ونزّه نفسه عن ذلك، وذمّهم على قتل الأطفال بغير جرم، فكيف يعاقبهم سبحانه عقاب الأبد على غير جرم؟!

( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) )

ولـمّا حكى سبحانه عن المشركين أنّهم جعلوا بعض الأشياء للأوثان، عقّب ذلك البيان بأنّه الخالق لجميع الأشياء، فلا يجوز إضافة شيء منها إلى الأوثان، ولا تحليل ذلك ولا تحريمه إلّا بإذنه، فقال:( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ ) بساتين من الكروم( مَعْرُوشاتٍ ) مرفوعات على ما يحملها من الدعائم( وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ) أي: ملقيات على وجه الأرض بغير عرش. وقيل: المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه، وغير معروشات ما نبت في البراري والجبال.

( وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ) ثمره الّذي يؤكل في اللون والطعم والحجم والرائحة. والضمير للزرع، والباقي مقيس عليه. أو للنخل، والزرع داخل في حكمه، لكونه معطوفا عليه. أو للجميع على تقدير: أكل ذلك، أو كلّ واحد منهما.

و «مختلفا» حال مقدّرة، لأنّه لم يكن كذلك عند الإنشاء، كقوله:( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (١) .

( وَالزَّيْتُونَ ) وإنشاء الزيتون( وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً ) في الهيئة والكيفيّة( وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ) فيهما، أي: يتشابه بعض أفرادهما في الهيئة والكيفيّة، ولا يتشابه

__________________

(١) الزمر: ٧٣.


بعضها. وإنّما قرن الزيتون إلى الرمّان، لأنّهما متشابهان باكتناز الأوراق في أغصانها.

( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) من ثمر كلّ واحد من ذلك( إِذا أَثْمَرَ ) وإن لم يدرك ولم يينع(١) بعد. والأمر للإباحة. وإنّما قال ذلك ليعلم أنّ وقت إباحة الأكل من ثمرة وقت الاطلاع(٢) ، ولا يتوهّم أنّه غير مباح أكله قبل وقت الإيناع.( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ )

وهو ما تيسّر إعطاؤه المساكين، من الضغث(٣) بعد الضغث، ومن الحفنة بعد الحفنة. وهو المرويّ عنهمعليهم‌السلام .

وقيل: إنّه الزكاة، العشر ونصف العشر، أي: لا تؤخّروه عن أوّل وقت يمكن فيه الإيتاء.

ويؤيّد الأوّل ما قاله السدّي: إنّ الآية منسوخة بفرض العشر، لأنّ الزكاة المقدّرة فرضت بالمدينة، وهذه الآية مكّية. ولأنّ الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، بل وقت التنقية وإخراج المؤن.

وقرأ نافع وابن كثير وحمزة والكسائي: حصاده بكسر الحاء. وهو لغة فيه.

ويؤيّد القول الأوّل أيضا قوله:( وَلا تُسْرِفُوا ) في التصدّق، كقوله تعالى:( وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) (٤) ، بأن تتصدّقوا بالجميع، ولا تبقوا لعيال، لأنّ الزكاة مقدّرة بقدر معلوم، فلا يتصوّر الإسراف فيها( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) لا يرتضي فعلهم.

__________________

(١) ينع يينع الثمر ينوعا وإيناعا: أدرك وطاب وحان قطافه.

(٢) أي: وقت اطلاع الشجر الثمرة، وهو وقت ظهورها.

(٣) الضّغث: قبضة حشيش يختلط فيها الرطب باليابس. والحفنة: ملء الكفّين.

(٤) الإسراء: ٢٩.


( وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) )

ثمّ بيّن نعمة اخرى، وهي إنشاء الأنعام، فقال عطفا على «جنّات»:( وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ) أي: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ما يفرش المنسوج من شعره وصوفه ووبره. وقيل: الكبار الصالحة للحمل، والصغار الدانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها.

( كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) أي: استحلّوا أكل ما أحلّ لكم منه( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) ولا تحرّموا شيئا منها، كما فعله أهل الجاهليّة من التحليل والتحريم في الحرث والأنعام من عند أنفسهم( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ظاهر العداوة.

ثمّ فسّر سبحانه الحمولة والفرش بقوله:( ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ) بدل من «حمولة» و «فرشا» أو مفعول «كلوا». وقوله( وَلا تَتَّبِعُوا ) معترض بينهما، أو حال من( مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) بمعنى: مختلفة أو متعدّدة. والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه.


وهما زوجان، بدليل قوله:( خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) (١) . وقد يقال لمجموعهما. والمراد هاهنا الأوّل، لقوله:( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ) زوجين: الكبش(٢) والنعجة. وهو بدل من «ثمانية». والضأن اسم جنس كالإبل، وجمعه ضئين، أو جمع ضائن، كتاجر وتجر.( وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ) العنز(٣) والتيس. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بفتح العين. وهو جمع ماعز، كصاحب وصحب، أو حارس وحرس.

( قُلْ آلذَّكَرَيْنِ ) ذكر الضأن وذكر المعز( حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ) أم أنثييهما؟! والهمزة للإنكار. ونصب الذكرين والأنثيين بـ «حرّم».( أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ) أو ما حملت إناث الجنسين، ذكرا كان أو أنثى. والمعنى: إنكار أن يحرّم الله من جنس الغنم شيئا من نوعي ذكورها وإناثها، ولا ممّا تحمل إناث الجنسين.

( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ) أخبروني بأمر معلوم يدلّ على أنّ الله تعالى حرّم شيئا من ذلك( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في دعوى التحريم عليه. وإنّما ذكر الله تعالى هذا على وجه الاحتجاج عليهم، وبيّن فريتهم وكذبهم على الله تعالى فيما ادّعوا من أنّ ما في بطون الأنعام حلال للذكور وحرام على الإناث، وغير ذلك ممّا حرّموه.

( وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ ) الذكور والإناث( وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ) كذلك( قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ) كما سبق. والمعنى: إنكار أنّ الله تعالى حرّم شيئا من أجناس الأربعة، ذكرا كان أو أنثى، أو ما تحمل إناثها، ردّا عليهم، فإنّهم كانوا يحرّمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها اخرى، وأولادها كيف كانت تارة، زاعمين أنّ الله تعالى حرّمها.

__________________

(١) النجم: ٤٥.

(٢) الكبش: فحل الضأن. والنعجة: الأنثى من الضأن. والضّأن: خلاف المعز، أي: ذوات الصوف من الغنم.

(٣) العنز: الأنثى من المعز. والتيس: الذكر من المعز. والمعز: خلاف الضأن من الغنم، أي: ذوات الشعر والأذناب القصار.


( أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ) بل أكنتم شهداء حاضرين مشاهدين( إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهذا ) حين وصّاكم بهذا التحريم؟! ومعناه: أعرفتم توصية الله مشاهدين، إذ أنتم لا تؤمنون بالرسل، ومع ذلك تقولون إنّ الله حرّم هذا الّذي تحرّمونه، فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلّا المشاهدة والسماع.

( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم. والمراد كبراؤهم المقرّرون لذلك، أو عمرو بن لحى المؤسّس له، فإنّه الّذي بحّر البحائر وسيّب السوائب وغيّر دين إبراهيم وإسماعيل.( لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي: يعمل عمل القاصد إلى إضلالهم، من أجل دعائه إيّاهم إلى ما لا يثق بصحّته، ممّا لا يأمن من أن يكون فيه هلاكهم، وإن لم يقصد إضلالهم( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) إلى الثواب، لأنّهم مستحقّون العقاب الدائم بكفرهم وضلالهم.

وقوله:( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) إلى قوله:( الْمُسْرِفِينَ ) اعتراض. وكذلك قوله:( كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) و( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ) إلى تمام الآيتين. والاعتراضات لتأكيد التحليل، والاحتجاج على من ذهب إلى التحريم.

( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) )

ولـمّا قدّم تعالى ذكر ما حرّمه المشركون، عقّبه ببيان المحرّمات بقوله:( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ ) أي: في القرآن، أو فيما أوحي إليّ مطلقا. وفيه تنبيه على أنّ التحريم إنّما يعلم بالوحي، لا بما تهوى الأنفس.( مُحَرَّماً ) طعاما محرّما( عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ ) على آكل يأكله( إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ) إلّا أن يكون الطعام ميتة. وقرأ


ابن كثير وحمزة بالتاء، لتأنيث الخبر، ونصب «ميتة». وقرأ ابن عامر بالياء ورفع «ميتة» على أنّ «كان» هي التامّة.

( أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) عطف على «أن يكون» مع ما في حيّزه، أي: إلّا وجود ميتة أو دما مسفوحا ـ أي: مصبوبا ـ كالدم في العروق، لا المتخلّف بعد الذبح، فإنّه مباح.

( أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) فإنّ الخنزير أو لحمه نجس قذر منفور عنه( أَوْ فِسْقاً ) عطف على( لَحْمَ خِنزِيرٍ ) ، وما بينهما اعتراض للتعليل( أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ) صفة له موضحة. وإنّما سمّى ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغّله في لفسق.

ويجوز أن يكون «فسقا» مفعولا له من «أهلّ»، وهو عطف على «يكون» والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في «يكون».

( فَمَنِ اضْطُرَّ ) فمن دعته الضرورة إلى تناول شيء من ذلك( غَيْرَ باغٍ ) على مضطرّ مثله، أو الخارج على الإمام العادل( وَلا عادٍ ) متجاوز قدر الضرورة( فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لا يؤاخذه.

والآية محكمة، لأنّها تدلّ على أنّه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرّما غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر بعد ذلك، فلا يصحّ الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد، ولا على حلّ ما عدا ذلك.

( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) )


ثمّ بيّن سبحانه ما حرّم تعالى على اليهود، فقال:( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا ) أي: وعلى اليهود( حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) كلّ ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل والسباع والطيور. وقيل: كلّ ذي مخلب وحافر. وسمّي الحافر ظفرا مجازا. وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم، فلمّا ظلموا حرّم عليهم، فعمّ التحريم كلّ ذي ظفر، بدليل قوله:( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) (١) .

وقوله:( وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما ) الثروب(٢) وشحوم الكلى. والإضافة لزيادة الربط.( إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ) إلّا ما علقت بظهورهما من الشحم. وهو اللحم السمين، فإنّه لم يحرّم عليهم.( أَوِ الْحَوايا ) أو ما اشتمل على الأمعاء من الشحوم، فإنّه غير محرّم عليهم أيضا. جمع حاوية، أو حاوياء، كقاصعاء وقواصع، أو حويّة، كسفينة وسفائن. وقيل: هو عطف على شحومهما، و «أو» بمعنى الواو. وكذا قوله:( أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ) هو شحم الألية، لاتّصالها بالعصعص(٣) .

( ذلِكَ ) التحريم أو الجزاء( جَزَيْناهُمْ ) وهو تحريم الطيّبات( بِبَغْيِهِمْ ) بسبب ظلمهم( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) فيما أوعدنا به العاصين، لا نخلفه كما لا نخلف ما وعدناه للمطيعين. أو في الإخبار عن بغيهم.

( فَإِنْ كَذَّبُوكَ ) فيما تقول( فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ) يمهلكم على التكذيب، فلا تغترّوا بإمهاله، فإنّه لا يهمل.( وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) حين ينزل. أو ذو رحمة واسعة على المطيعين، وذو بأس شديد على المجرمين، فأقام مقامه( وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ ) ، لتضمّنه التنبيه على إنزال البأس عليهم، مع الدلالة

__________________

(١) النساء: ١٦٠.

(٢) جمع الثرب، وهو الشحم الرقيق الذي على الكرش والأمعاء.

(٣) العصعص والعصعوص: عظم الذنب.


على أنّه لازم لهم لا يمكن ردّه عنهم.

( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) )

ولـمّا تقدّم الردّ على المشركين لاعتقاداتهم الباطلة، ردّ سبحانه عليهم مقالتهم الفاسدة، فقال:( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) هذا إخبار بما سوف يقولونه. ووقوع مخبره يدلّ على إعجازه.( لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ ) زعموا أنّ شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما حرّموه، بمشيئة الله وإرادته، ولولا أنّه شاء ذلك لم يكن شيء منه. وهذا مذهب المجبّرة بعينه. ولا شكّ في بطلان مذهبهم، فإنّ الله تعالى ركّب في العقول ما دلّ على علمه بالقبائح، وبراءته عن مشيئة القبائح وإرادتها، وأخبر أنبياءه بذلك، فمن علّق وجود الكفر بمشيئة الله فقد كذّب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلّة العقل والسمع وراء ظهره.

( كَذلِكَ ) أي: مثل هذا التكذيب الّذي صدر من هؤلاء( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الرسل والكتب وأدلّة العقل( حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا ) عذابنا الّذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم.

( قُلْ ) تهكّما عليهم( هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ ) من أمر معلوم يصحّ الاحتجاج به فيما قلتم( فَتُخْرِجُوهُ ) فتظهروه( لَنا ) وهذا من التهكّم والشهادة بأن مثل قولهم


محال أن يكون حجّة( إِنْ تَتَّبِعُونَ ) ما تتّبعون في قولكم هذا( إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) تقدّرون أن الأمر كما تزعمون، أو تكذبون. وفيه دليل على المنع من اتّباع الظنّ، سيّما في الأصول.

( قُلْ ) يا محمد إذا عجز هؤلاء عن إقامة حجّة على ما قالوه( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) البيّنة الواضحة الّتي بلغت غاية المتانة والقوّة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحّة دعواه. وهي من الحجّ بمعنى القصد، كأنّها تقصد إثبات الحكم وتطلبه. أو من: حجّ، إذا غلب، فإنّ من تمسّك بها غلب أهل الضلال.

( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) أي: لألجأكم إلى الإيمان وهداكم جميعا إليه، بفعل الإلجاء والقسر، إلّا أنّه لم يفعل ذلك، لأنّ الإلجاء ينافي التكليف.

وقال في الكشّاف: «معناه: قل إن كان الأمر كما زعمتم أنّ ما أنتم عليه بمشيئة الله، فالله الحجّة البالغة عليكم على قود مذهبكم، فلو شاء لهداكم أجمعين منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإنّ تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلّقوا دين من يخالفكم أيضا بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه»(١) .

( قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ الطريق الموصل إلى صحّة مذاهبهم منسدّ غير ثابت من

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٧٧.


جهة حجّة عقليّة ولا سمعيّة، وما هذه صفته فهو فاسد لا محالة، فقال:( قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ ) أحضروهم. وهو اسم فعل لا يتصرّف عند أهل الحجاز، وفعل يؤنّث ويجمع عند بني تميم. وأصله عند البصريّين: هالمّ، من: لمّ إذا قصد، حذفت الألف.

وعند الكوفيّين هل امّ، فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام. وهو بعيد، لأنّ «هل» لا تدخل الأمر. ويكون متعدّيا كما في هذه الآية، ولازما كقوله: هلمّ إلينا.

( الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا ) يعني: قدوتهم في هذا الأمر. والمراد: أن يحضروا شهداءهم الّذين علم أنّهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلّدونهم، ويثقون بهم، ويعتضدون بشهادتهم بانقطاع حجّتهم ما يقومون بهم، فيحقّ الحقّ ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك. وجيء بـ «الّذين» للدلالة على أنّهم شهداء معروفون، موسومون بالشهادة لهم، وينصرون مذهبهم.

( فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ) فلا تصدّقهم فيه، وبيّن لهم فساده، فإنّ تسليمه موافقة لهم في الشهادة الباطلة.

( وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) من وضع المظهر موضع المضمر، للدلالة على أنّ مكذّب الآيات متّبع الهوى لا غير، وأنّ متّبع الحجّة لا يكون إلّا مصدّقا بها( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) كعبدة الأوثان( وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) يجعلون له عديلا. وإنّما ذكر الفريقين وإن كانوا كلّهم كفّارا ليفصّل وجوه كفرهم، لأنّ منه ما يكون مع الإقرار بالآخرة، كحال أهل الكتاب، ومنه ما يكون مع الإنكار، كحال عبدة الأوثان.

( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا


الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) )

ولـمّا حكى سبحانه عنهم تحريم ما حرّموه، عقّبه بذكر المحرّمات، فقال:( قُلْ تَعالَوْا ) أمر من التعالي. وأصله أن يقوله من كان في علوّ لمن كان في سفل، فاتّسع فيه بالتعميم.( أَتْلُ ) أقرأ( ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ) منصوب بـ «أتل». و «ما» تحتمل الخبريّة والمصدريّة. ويجوز أن تكون استفهاميّة منصوبة بـ «حرّم»، والجملة مفعول «أتل». والمعنى: أتل أيّ شيء حرّم ربّكم؟( عَلَيْكُمْ ) متعلّق بـ «حرّم» أو «أتل».

( أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ) أن مفسّرة، و «لا» للنهي، أي: لا تشركوا به. وإن جعلت «أن» ناصبة كان «أن لا تشركوا» بدلا من «ما حرّم». إلّا أنّ القول الأوّل أوجه، ليكون «لا تشركوا» «ولا تقربوا» «ولا تقتلوا» «ولا تتّبعوا السبل» النواهي، أو بتعطّف الأوامر عليها، وهي قوله:( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) ، فإنّ التقدير: وأحسنوا للوالدين إحسانا، وأوفوا، وإذا قلتم فاعدلوا. ويجوز أن تقف على قوله:( حَرَّمَ رَبُّكُمْ ) ثمّ تبتدئ فتقول: أن لا تشركوا، أي: عليكم ترك الإشراك، على أن تكون «أن» الناصبة للفعل. و «شيئا» يحتمل المصدر والمفعول.


( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) أي: وأحسنوا بهما إحسانا. وضعه موضع النهي عن الإساءة إليهما للمبالغة، وللدلالة على أنّ ترك الإساءة في شأنهما غير كاف، بخلاف غيرهما.

( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ ) من أجل فقر، أو من خشية إملاق( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) منع لموجبيّة ما كانوا يفعلون لأجله، واحتجاج عليه.

( وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ) كبائر الذنوب كلّها( ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) بدل منه. وهو مثل قوله:( وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ ) (١) .

وعن الباقرعليه‌السلام : «ما ظهر هو الزنا، وما بطن هو المخالّة»(٢) .

وعن ابن عبّاس: أنّهم كانوا لا يرون بالزنا في السرّ بأسا، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في الحالتين.

( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ) هي نفس المسلم والمعاهد( إِلَّا بِالْحَقِ ) كالقود وقتل المرتدّ ورجم المحصن. وعلى الأوّل ذكر هذا النهي ـ وإن كان داخلا في الفواحش ـ تعظيما لشأنه.

( ذلِكُمْ ) إشارة إلى ما ذكر مفصّلا( وَصَّاكُمْ بِهِ ) بحفظه، فتحلّلوا ما حلّله لكم، وتحرّموا ما حرّمه عليكم( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ترشدون، فإنّ كمال العقل هو الرشد.

( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ) المراد بالقرب التصرّف فيه( إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) إلّا بالفعلة أو الخصلة الّتي هي أحسن ما يفعل بماله، كحفظه وتثميره( حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) حتّى يصير بالغا كامل العقل، ثمّ ادفعوه إليه. وهو جمع شدّة كنعمة وأنعم، أو شدّ كصرّ وأصرّ. وقيل: هو كآنك(٣) . وإنّما خصّ مال اليتيم بالذكر، لأنّه لا

__________________

(١) الأنعام: ١٢٠.

(٢) المخالّة: المصادقة.

(٣) الآنك: الأسربّ. وأفعل من أبنية الجمع، ولم يجيء عليه الواحد إلّا آنك وأشدّ. الصحاح


يستطيع الدفاع عن نفسه ولا عن ماله، فيكون الطمع في ماله أشدّ، ويد الرغبة إليه أمدّ، فأكّد تعالى النهي عن التصرّف في ماله، وإن كان ذلك واجبا في مال كلّ أحد.

( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) بالعدل والتسوية( لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) إلّا ما يسعها ولا تعجز عنه. وإنّما ذكره عقيب الأمر، لأنّ مراعاة التعديل فيهما على الحدّ الّذي لا زيادة فيه ولا نقصان ممّا يتعذّر، فأمر ببلوغ الوسع، وأنّ ما وراءه معفوّ عنه.

( وَإِذا قُلْتُمْ ) في حكومة وغيرها( فَاعْدِلُوا ) فيه، أي: فقولوا الحقّ( وَلَوْ كانَ ) المقول له أو عليه في شهادة وغيرها( ذا قُرْبى ) من ذوي قرابتكم. فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله( وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ) (١) .( وَبِعَهْدِ اللهِ ) أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع( أَوْفُوا ) بالامتثال( ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) تتّعظون به.

( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً ) الإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة، فإنّها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوّة وبيان الشريعة. وقرأ حمزة والكسائي: إنّ بالكسر على الاستئناف، وابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف، والباقون بالفتح مشدّدة بتقدير اللام، على أنّه علّة لقوله:( فَاتَّبِعُوهُ ) أي: فاتّبعوا ما في هذه السورة، لأنّه صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر: صراطي بفتح الياء.

( وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ) الأديان المختلفة، من اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة، وسائر البدع والشبهات، أو الطرق التابعة للهوى، فإنّ مقتضى الحجّة واحد، ومقتضى الهوى متعدّد، لاختلاف الطبائع والعادات( فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) فتفرّقكم وتزيلكم( عَنْ سَبِيلِهِ ) عن صراط الله المستقيم، وهو دين الإسلام.

وروي عن ابن مسعود: «أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطّ خطّا ثمّ قال: هذا سبيل الرشد ،

__________________

٤: ١٥٧٣.

(١) النساء: ١٣٥.


ثمّ خطّ عن يمينه وعن شماله خطوطا ثمّ قال: هذه سبل، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثمّ تلا هذه الآية:( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً ) .

( ذلِكُمْ ) الاتّباع( وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) عن الضلال والتفرّق عن الحقّ.

عن ابن عبّاس: هذه الآيات محكمات لم ينسخها شيء من جميع الكتب، وهي محرّمات على بني آدم كلّهم، وهنّ أمّ الكتاب، من عمل بهنّ دخل الجنّة، ومن تركهنّ دخل النار.

وقال كعب الأحبار: والّذي نفس كعب بيده إنّ هذه الآيات لأوّل شيء في التوراة،( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) :( قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ) الآيات.

( ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) )

( ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) عطف على «وصّاكم». و «ثمّ» للتراخي في


الأخبار، أو للتفاوت في الرتبة، كأنّه قيل: ذلكم وصّاكم به قديما وحديثا، ثمّ أعظم من ذلك أنّا آتينا موسى الكتاب. وقيل: هو عطف على ما تقدّم من قوله:( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) (١) .

( تَماماً ) للكرامة والنعمة( عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ) على كلّ من أحسن القيام به، أي: من كان محسنا صالحا، يريد به جنس المحسنين. أو على الّذي أحسن تبليغه، وهو موسى. أو تماما على ما أحسنه موسى من العلم والشرائع، من: أحسن الشيء إذا أجاد معرفته، أي: زيادة على علمه إتماما له.

( وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) وبيانا مفصّلا لكلّ ما يحتاج إليه في الدين. وهو عطف على «تماما». ونصبهما يحتمل العلّة والحال والمصدر.

( وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ ) لعلّ بني إسرائيل( بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ) أي: بلقائه للجزاء.

( وَهذا ) يعني: القرآن( كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ) كثير النفع في الدارين( فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) بواسطة اتّباعه، وهو العمل بما فيه.

( أَنْ تَقُولُوا ) علّة لـ «أنزلناه». والخطاب لأهل مكّة، أي: أنزلنا القرآن كراهة أن تقولوا يا أهل مكّة:( إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا ) اليهود والنصارى.

وإنّما خصّهما بالذكر من بين الكتب السماويّة لشهرتهما وظهور أمرهما، أي: أنزلنا القرآن عليكم لنقطع حجّتكم.( وَإِنْ كُنَّا ) «إن» هي المخفّفة، ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبر «كان»، والهاء ضمير الشأن، أي: وإن الشأن كنّا( عَنْ دِراسَتِهِمْ ) قراءتهم( لَغافِلِينَ ) لا ندري ما هي، ولم ينزل علينا الكتاب كما أنزل عليهم، لأنّهم كانوا غيرنا، ولو أريد منّا ما أريد منهم لأنزل الكتاب علينا كما أنزل عليهم.

( أَوْ تَقُولُوا ) عطف على الأوّل( لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ

__________________

(١) الأنعام: ٨٤، ومضى تفسيرها في ص: ٤٢٣.


لحدّة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقّفنا فنونا من العلم، كالقصص والأشعار والخطب، على أنّا أمّيّون.

( فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) حجّة واضحة، ودلالة ظاهرة تعرفونها، وهو القرآن. هذا تبكيت لهم، فإنّه جواب الشرط المقدّر، تقديره: إن صدقتم فيما كنتم تعدّونه من أنفسكم فقد جاءكم بيّنة من ربّكم( وَهُدىً ) يهتدي به الخلق إلى النعيم المقيم والثواب الجسيم( وَرَحْمَةٌ ) ونعمة لمن تأمّل فيه وعمل به.

( فَمَنْ أَظْلَمُ ) لنفسه( مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ ) بعد أن عرف صحّتها وصدقها، أو تمكّن من معرفتها( وَصَدَفَ عَنْها ) أعرض أو صدّ عنها، فضلّ أو أضلّ( سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ ) يعرضون( عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ ) شدّته( بِما كانُوا يَصْدِفُونَ ) بإعراضهم أو صدّهم.

( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) )

ثمّ توعّدهم سبحانه بقوله:( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أي: ما ينتظرون؟ يعني: أهل مكّة. وهم وإن كانوا غير منتظرين لذلك، لكن لـمّا كان يلحقهم لحوق المنتظر شبّهوا بالمنتظرين( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ) ملائكة الموت أو العذاب. وقرأ حمزة والكسائي بالياء.( أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ) أي: أمره بالعذاب وكلّ آياته، يعني: آيات القيامة والهلاك الكلّي، بدلالة قوله:( أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ) يعني: أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك.

وعن حذيفة والبراء بن عازب: «كنّا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: إنّها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابّة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدجّال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونارا تخرج من عدن».

( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها ) كالمحتضر، إذ صار الأمر عيانا، لأنّه ليس بإيمان اختياري، بل إنّما هو إيمان دفع العذاب واليأس عن أنفسهم، فيصير ملجأ إلى فعل الحسن وترك القبيح، والإيمان الاضطراري غير معتبر( لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ) صفة لقوله: «نفسا»( أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً ) عطف على «آمنت». والمعنى: أنّه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدّمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو غير كاسبة في إيمانها خيرا. وفي هذا دلالة على أنّ كسب الخير الّذي هو عمل الجوارح غير الإيمان الّذي هو عمل القلب، الا ترى أنّه عطف على ذاك، والشيء لا يعطف على نفسه، وإنّما يعطف على غيره.

( قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) وعيد لهم، أي: انتظروا إتيان أحد الثلاثة، فإنّا منتظرون له، وحينئذ لنا الفوز وعليكم الويل.

( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) )

ثمّ عطف سبحانه على ما قدّمه من الوعيد، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ) بدّدوه، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. أو جعلوه أديانا فافترقوا فيه، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلّا واحدة، وافترقت النصاري على ثنتين وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلّا واحدة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في الهاوية إلّا واحدة».

ولا شبهة أنّ هذه الواحدة هي الفرقة الإماميّة، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا ،


ومن تخلّف عنها غرق».

وقرأ حمزة والكسائي: فارقوا، أي: باينوا دينهم.

( وَكانُوا شِيَعاً ) فرقا تشيع كلّ فرقة إماما. وعن الباقرعليه‌السلام : «أنّهم أهل الضلالة، وأصحاب الشبهات والبدع». ورواه أيضا أبو هريرة وعائشة مرفوعا.

( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) أي: من السؤال عنهم وعن تفرّقهم، أو من عقابهم.

أو أنت بريء منهم، وعلى المباعدة التامّة من الاجتماع معهم في شيء من مذاهبهم الفاسدة. وقيل: هو نهي عن التعرّض لهم. وهو منسوخ بآية السيف(١) .

( إِنَّما أَمْرُهُمْ ) والحكم بينهم في اختلافهم، ومجازاتهم على سوء أفعالهم( إِلَى اللهِ ) يتولّى جزاءهم( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ) بالعقاب( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) بفعلهم القبيح.

( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) )

ولـمّا ذكر سبحانه الوعيد على المعاصي، عقّبه بذكر الوعد وتضعيف الجزاء في الطاعات، فقال:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) بالخصلة الواحدة من خصال الطاعات( فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) . أقيمت الصفة مقام الموصوف، أي: عشر حسنات أمثالها، فضلا من الله تعالى. وقرأ يعقوب: عشر بالتنوين، وأمثالها بالرفع على الوصف.

وهذا اقلّ ما وعد من الأضعاف، فقد وعد بالواحد سبعين، وسبعمائة، وبغير حساب. ولذا قيل: المراد بالعشر الكثرة دون العدد. وذلك من عظم فضل الله، وجزيل إنعامه على عباده، حيث لا يقتصر في الثواب على قدر الاستحقاق، بل يزيد عليه، وربما يعفو عن ذنوب المؤمنين منّا منه عليهم وتفضّلا، وإن عاقب على قدر الاستحقاق عدلا، كما قال:( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) بالخصلة الواحدة( فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) قضيّة للعدل. فمضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيّئات عدل.

__________________

(١) التوبة: ٥ و٢٩.


( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) بنقص الثواب، وزيادة العقاب.

وعن أبي ذرّ، عن الصادق المصدّقصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ الله تعالى قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيّئة واحدة أو أغفر، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره».

( قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) )

ثمّ أمر الله سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:( قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج( دِيناً ) بدل من موضع قوله: «إلى صراط»، فإنّ المعنى: هداني صراطا مستقيما، كقوله:( وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) (١) .

( قِيَماً ) نهاية الاستقامة. فيعل(٢) من: قام، كسيّد وهيّن، من: ساد وهان.

وهو ابلغ من المستقيم باعتبار الزنة، والمستقيم أبلغ منه باعتبار الصيغة. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي قيما، على أنّه مصدر نعت به. فكان قياسه قوما كعوض، فأعلّ لإعلال فعله، كالقيام.

( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ) عطف بيان لـ «دينا»( حَنِيفاً ) حال من إبراهيم، أي: هداني وعرّفني ملّة إبراهيم حال كونه مائلا عن الملل الباطلة إلى الملّة الحقّة ميلا لازما لا رجوع معه، وهي ملّة الإسلام، أي: مخلصا لله في العبادة. وإنّما وصف دين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه ملّة إبراهيم ترغيبا فيه للعرب، لجلالة إبراهيم في نفوسهم ونفوس

__________________

(١) الفتح: ٢٠.

(٢) أي: في قراءة: قيّما.


كلّ أهل الأديان، وانتساب العرب إليه، واتّفاقهم على أنّه كان على الحقّ( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يعني: إبراهيم كان يدعو إلى الله، وينهى عن عبادة الأصنام. وهذا تعريض لكفّار مكّة.

( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ) عبادتي كلّها أو قرباني، فجمع بين الصلاة والذبح، ونحوه:( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (١) . وقيل: مناسك حجّي.( وَمَحْيايَ وَمَماتِي ) وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصيّة والتدبير، أو الحياة والممات أنفسهما.

وقرأ نافع: محياي بإسكان الياء، إجراء للوصل مجرى الوقف.( لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) خالصة له.

( لا شَرِيكَ لَهُ ) لا أشرك فيها غيره( وَبِذلِكَ ) القول أو الإخلاص( أُمِرْتُ ) أمر ربّي( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) من هذه الأمّة، لأنّ إسلام كلّ نبيّ متقدّم على إسلام أمّته.

( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) )

ولـمّا أمر سبحانه نبيّه ببيان الإخلاص في الدين، عقّبه بأمره بأن يبيّن لهم

__________________

(١) الكوثر: ٢.


بطلان أفعال المشركين، فقال:( قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا ) فأشركه في عبادتي. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. والهمزة للإنكار، أي: أنا منكر أن أبغي ربّا غيره.( وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ) حال في موضع العلّة للإنكار والدليل له، أي: وكلّ ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبيّة، ونحوه:( أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ ) (١) .

( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ) أي: لا تكسب كلّ نفس جزاء كلّ عمل من طاعة أو معصية إلّا عليها، فعليها عقاب معصيتها، ولها ثواب طاعتها. ووجه اتّصالها بما قبلها أنّ المراد أنّه لا ينفعني في ابتغاء ربّ غيره ما أنتم عليه من ذلك.

( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) وهذا جواب عن قولهم:( اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) (٢) . والمعنى: لا تؤخذ نفس غير آثمة بإثم نفس أخرى. وفيه دلالة على فساد قول المجبّرة: إنّ الله يعذّب الطفل. بكفر أبيه.( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ) مآلكم يوم القيامة( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) بتبيين الرشد من الغي، وتمييز المحقّ من المبطل.

( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) يخلّف كلّ عصر أهل العصر الّذي قبله، يجري ذلك على انتظام واتّساق إلى يوم القيامة. أو خلفاء الله في أرضه تتصرّفون فيها، على أنّ الخطاب عامّ. أو خلفاء الأمم السابقة، على أنّ الخطاب لأمّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه خاتم النبيّين، فخلّفت أمّته سائر الأمم.

( وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) في الشرف والغنى. وقيل: في الصورة والعقل، والمال والقوّة، والعمر.( لِيَبْلُوَكُمْ ) ليختبركم( فِي ما آتاكُمْ ) من الجاه والمال، كيف تشكرون نعمه؟ وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والغنيّ بالفقير؟ يعني: يعاملكم معاملة المختبر مظاهرة في العدل، وانتفاء من الظلم، أي: لينظر الغنيّ إلى

__________________

(١) الزمر: ٦٤.

(٢) العنكبوت: ١٢.


الفقير فيشكر، وينظر الفقير إلى الغنيّ فيصبر، ويفكّر العاقل في الأدلّة فيعلم ويعمل بما يعلم.

( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ ) لمن كفّر نعمه، لأنّ ما هو آت قريب، أو لأنّه يسرع إذا أراده في الدنيا( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن أقام بشكره. وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة، وضمّ إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكّدة، تنبيها على أنّه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها. والله أعلم بالصواب.



(٧)

سورة الأعراف

عدد آيها مائتان وستّ آيات.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس سترا، وكان آدم شفيعا له يوم القيامة.

وروى العيّاشي بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة الأعراف في كلّ شهر كان يوم القيامة من الّذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإن قرأها في كلّ جمعة كان ممّن لا يحاسب يوم القيامة»(١) .

وروى أيضا عنهعليه‌السلام : «أما إنّ فيها آيا محكمة، فلا تدعوا قراءتها وتلاوتها والقيام بها، فإنّها تشهد يوم القيامة لمن قرأها عند ربّه»(٢) .

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) )

ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الأنعام بالرحمة، افتتح هذه السورة بأنّه أنزل

__________________

(١، ٢) تفسير العيّاشي ٢: ٢ ح ١.


كتابا فيه معالم الدين والحكمة، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص ) أنا الله أعلم جميع الأمور والأحوال وأصدق في جميع الأقوال. وقيل: اسم السورة أو القرآن. وبواقي وجوه الحروف المقطّعة قد سبق(١) في سورة البقرة.

( كِتابٌ ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كتاب. أو خبر «المص». والمراد به السورة أو القرآن.( أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) صفته( فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) من تبليغه مخافة أن تكذّب فيه أو تقصّر في القيام بحقّه، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخاف تكذيب قومه له، وإعراضهم عن قبوله، وأذاهم له، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له، فآمنه الله تعالى، وأمره بترك المبالاة بهم. أو المراد بالحرج الشكّ، فإنّ الشاكّ ضيّق الصدر حرجه، كما أنّ المتيقّن منشرح الصدر منفسحه. وتوجّه النهي إلى الحرج للمبالغة، كقولهم: لا أرينّك هاهنا. والفاء تحتمل العطف والجواب، فكأنّه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك منه.

( لِتُنْذِرَ بِهِ ) متعلّق بـ «أنزل» أو بـ «لا يكن»، أي: أنزل إليك لإنذارك، أو لا يكن في صدرك حرج لإنذارك، لأنّه إذا أيقن أنّه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم، أو علم أنّه موفّق للقيام بتبليغه.

( وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) يحتمل النصب على معنى: لتنذر به وتذكّر تذكيرا، فإنّ الذكرى في معنى التذكير. والرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أو عطف على «كتاب». والجرّ للعطف على محلّ أن «تنذر» أي: للإنذار وللذكر. وخصّ المؤمنين لأنّهم المنتفعون به.

ثمّ خاطب المكلّفين بقوله:( اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يعمّ القرآن والسنّة، لقوله:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) (٢) . ويدخل في وجوب

__________________

(١) راجع ج ١: ٣٦.

(٢) النجم: ٣ ـ ٤.


الاتّباع الواجب والندب والمباح، لأنّه يجب أن يعتقد في كلّ منها ما أمر الله به، كما يجب أن يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه.

( وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ ) من دون الله( أَوْلِياءَ ) يضلّونكم عن دين الله وعمّا أمركم باتّباعه من الجنّ والإنس. وقيل: الضمير في «دونه» لـ «ما أنزل»، أي: ولا تتّبعوا من دون دين الله دين أولياء.

وعن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتّباع كتاب الله وسنّة نبيّه، والله ما أنزلت آية إلّا ويحبّ أن تعلم فيم نزلت وما معناها.

( قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) أي: تذكّرا قليلا أو زمانا قليلا تذكّرون، حيث تتركون دين الله وتتّبعون غيره. و «ما» مزيدة لتأكيد القلّة. وإن جعلت مصدريّة لم ينتصب «قليلا» بـ «تذكّرون». وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: تذكرون، بحذف التاء وتخفيف الذال. وابن عامر: يتذكّرون بالغيبة، أي: ما يتذكّر هؤلاء يا محمد.

ومعنى التذكّر أن تأخذ في الذكر شيئا بعد شيء، مثل التفقّه والتعلّم.

( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) )

ولـمّا تقدّم الأمر منه سبحانه للمكلّفين باتّباع القرآن، والتحذير من مخالفته والتذكير، عقّب ذلك بتذكيرهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب، وتحذيرهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، فقال:( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ) أي: وكثيرا من أهل القرى( أَهْلَكْناها ) أردنا إهلاك أهلها لفرط عصيانهم وعنادهم( فَجاءَها ) فجاء أهلها( بَأْسُنا ) عذابنا( بَياتاً ) بائتين، كقوم لوط. مصدر وقع موقع الحال.( أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) عطف عليه، أي: قائلين نصف النهار، كقوم شعيب. يعني: فجاءهم عذابنا في هذين الوقتين: وقت البيات، ووقت القيلولة. وتخصيص هذين الوقتين لأنّهما وقت الغفلة


والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشدّ وأفظع.

وأصل القيلولة الراحة، ومنه الإقالة في البيع، لأنّه الإراحة منه بالإعفاء من عقده.

وإنّما حذفت واو الحال استثقالا لاجتماع حرفي العطف، فإنّ واو الحال واو العطف في الأصل استعيرت للوصل، لا اكتفاء بالضمير، فإنّه غير فصيح. وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم من العذاب.

( فَما كانَ دَعْواهُمْ ) أي: دعاؤهم واستغاثتهم، أو ما كانوا يدّعونه من دينهم( إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) إلّا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه تحسّرا عليهم. و «دعواهم» خبر «كان»، و «أن قالوا» رفع لأنّه اسم له. ويجوز العكس.

( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) )

ولـمّا أنذرهم سبحانه بالعذاب في الدنيا، عقّبه بالإنذار بعذاب الآخرة، فقال:( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) أي: المرسل إليهم ـ وهم الأمم ـ عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل( وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) عمّا أجيبوا به، وعمّا عملت أممهم فيما جاؤا به. والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم، والتقرير عليهم، وازدياد


سرور المثابين بالثناء عليهم، وغمّ المعاقبين بإظهار قبائحهم. والمنفيّ في قوله:( وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) (١) سؤال استعلام. أو الأوّل في موقف الحساب، وهذا عند حصولهم على العقوبة.

( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ ) على الرسل، أي: لنخبرنّهم حين يقولون:( لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) (٢) . أو على الرسل والمرسل إليهم ما كانوا عليه.( بِعِلْمٍ ) عالمين بظواهرهم وبواطنهم، أو بمعلومنا منهم( وَما كُنَّا غائِبِينَ ) عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم.

( وَالْوَزْنُ ) ووزن الأعمال والتمييز بين خفيفها وراجحها. أو المراد به القضاء الحقّ والحكم العدل. ورفعه بالابتداء، وقوله:( يَوْمَئِذٍ ) خبره، أي: الوزن الثابت يوم يسأل الله الأمم ورسلهم( الْحَقُ ) صفته. أو خبر محذوف، ومعناه: الوزن الحقّ، أي: العدل السويّ.

واختلفوا في كيفيّة الوزن، لأنّ الأعمال أعراض لا يجوز عليها الاعادة، ولا يكون لها وزن، ولا تقوم بأنفسها. فقيل: توزن الصحائف، فإنّ جمهور العلماء ـ من موافقينا ومخالفينا ـ على أنّ صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفّتان ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، وتأكيدا للحجّة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم.

ويؤيّده ما روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ الرجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلّا، كلّ سجلّ مدّ البصر، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلّات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت(٣) السجلّات وثقلت البطاقة.

__________________

(١) القصص: ٧٨.

(٢) المائدة: ١٠٩.

(٣) طاش يطيش، أي: خفّ.


وقيل: توزن الأشخاص، لـما روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنّه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، لقوله:( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) (١) .

( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) فمن رجحت أعماله الموزونة الّتي لها وزن وقدر، وهي الحسنات. أو ما يوزن به حسناته. وحينئذ جمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدّد الوزن، بأن يكون لكلّ نوع من أنواع الطاعات يوم القيامة ميزان. ويؤيّده ما جاء في الخبر: «أنّ الصلاة ميزان، فمن وفي استوفى».

فهو جمع موزون أو ميزان.

( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بالنجاة والثواب.

( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) فيكذّبون بدل التصديق، ويكتسبون ما عرّضوها للعذاب، فيضيّعون الفطرة السليمة الّتي فطرت عليها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن أعظم رأس المال النفس، فإذا أهلك نفسه بسوء عمله فقد خسر نفسه.

( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) )

ثمّ ذكر سبحانه نعمه على البشر، بالتمكين في الأرض وما خلق فيها من الأرزاق، مضافا إلى نعمه السابغة عليهم، بإنزال الكتب وإرسال الرسل، فقال:( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ) أي: جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا، أو أقدرناكم على التصرّف فيها، وملّكناكم فيها.

( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) أسبابا تعيشون بها. جمع معيشة، وهي ما يعاش

__________________

(١) الكهف: ١٠٥.


به من أنواع الرزق ووجوه النعم والمنافع، أو ما يتوصّل إلى ذلك. وعن نافع: أنّه همزه تشبيها بما الياء فيه زائدة، كصحائف.

( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) زمانا أو شكرا قليلا تشكرون فيما صنعت إليكم.

( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) )

ثمّ ذكر سبحانه نعمته في ابتداء الخلق، فقال:( وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ) أي: خلقنا أباكم آدمعليه‌السلام طينا غير مصوّر، ثمّ صوّرناه. نزّل خلقه وتصويره منزلة خلق الكلّ وتصويره. أو ابتدأنا خلقكم ثمّ تصويركم، بأن خلقنا آدم ثمّ صوّرناه.

( ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) . قيل: ذكر «ثمّ» لتأخير الإخبار. ويمكن حملها على التراخي في الرتبة، لأنّ مقام الامتنان يؤذن أن يكون أبوهم بسجود الملائكة أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم.( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ


السَّاجِدِينَ ) ممّن سجد لآدم.

( قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) أي: أن تسجد و «لا» صلة، كما في:( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ ) (١) ، فإنّه بمعنى: ليعلم، بدليل قوله:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) (٢) . والفائدة في زيادتها توكيد معنى الفعل الّذي دخلت عليه وتحقيقه، كأنّه قيل: ما منعك أن تحقّق السجود وتلزمه نفسك، والتنبيه على أنّ الموبّخ عليه ترك السجود. وقيل: الممنوع عن الشيء مضطرّ إلى خلافه، فكأنّه قيل: ما اضطرّك إلى أن لا تسجد( إِذْ أَمَرْتُكَ ) . فيه دليل على أنّ مطلق الأمر للوجوب والفور.

( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) وإنّما سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه، توبيخا له، وإظهارا لمعاندته وكفره وكبره، وافتخاره بأصله، وازدرائه بأصل آدم، وأنّه خالف أمر ربّه معتقدا أنّه غير واجب عليه، لـمّا رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب، ولهذا قال في جوابه: أنا خير منه. وحقيقة الجواب أن يقول: منعني كذا وكذا، إلّا أنّه أجاب بما يكون جوابا من حيث المعنى، استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله، كأنّه قال: المانع فيه أنّي خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به؟ يعني: من كان على مثل صفتي يستبعد أن يؤمر بما أمرت به. فهو الّذي سنّ التكبّر.

عن ابن عبّاس: قاس إبليس فأخطأ القياس، وهو أوّل من قاس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله بإبليس. وقال ابن سيرين: أوّل من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلّا بالمقاييس.

ثمّ بيّن علّة خيريّته وقال:( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) فهو تعليل لفضله على آدم. ومراده منه: أنّ النار أشرف من الطين، وهو خلق منها وآدم من الطين، فلم يجز أن يسجد الأشرف للأدون.

__________________

(١) الحديد: ٢٩.

(٢) ص: ٧٥.


وقد غلط في ذلك، بأن رأى الفضل كلّه باعتبار العنصر، وغفل عمّا يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله:( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ) (١) ، أي: بغير واسطة. وباعتبار الصورة، كما نبّه عليه بقوله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ) (٢) . وباعتبار الغاية، وهو فضله من حيث علومه الجمّة، ولذلك أمر الملائكة بسجوده لـمّا بيّن لهم أنّه أعلم منهم، وأنّ له خواصّ ليست لغيره.

والآية دليل على الكون والفساد، وأنّ الشياطين أجسام كائنة. ولعلّ إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب.

( قالَ فَاهْبِطْ ) فانزل وانحدر( مِنْها ) من السماء، أو الجنّة، أو عن الدرجة الشريفة الرفيعة الّتي للمطيعين إلى الدرجة الدنيّة الوضيعة الّتي للعاصين.( فَما يَكُونُ لَكَ ) فما يصحّ لك( أَنْ تَتَكَبَّرَ ) عن أمر الله( فِيها ) وتعصي، فإنّها مكان الخاشع والمطيع، وليست بموضع المتكبّرين، وإنّما موضعهم النار، كما قال:( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) (٣) . وفيه تنبيه على أنّ التكبّر لا يليق بأهل الجنّة، وأنّه تعالى إنّما طرده وأهبطه للتكبّر لا لمجرّد عصيانه.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تواضع رفعه الله، ومن تكبّر وضعه الله».

( فَاخْرُجْ ) من المكان الّذي أنت فيه( إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) ممّن أهانه الله ووضعه لكبره. وهذا الكلام إنّما صدر من الله سبحانه على لسان بعض الملائكة.

والآية لا تدلّ على أنّه يجوز التكبّر في غير الجنّة، فإنّ التكبّر لا يجوز على حال، لأنّه إظهار كبر النفس على جميع الأشياء، وهذا في صفة العباد ذمّ، وفي صفة الله مدح، إلّا أنّ إبليس تكبّر على الله في الجنّة فأخرج منها قسرا، ومن تكبّر خارج الجنّة منع من ذلك بالأمر وبالنهي. ويؤيّده قوله تعالى:( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها

__________________

(١) ص: ٧٥.

(٢) الحجر: ٢٩.

(٣) الزمر: ٦٠.


لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ) (١) .

( قالَ أَنْظِرْنِي ) أمهلني وأخّرني في الأجل( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) إلى يوم القيامة، فلا تمتني، أو لا تعجّل عقوبتي.

( قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) ظاهره يقتضي الإجابة إلى ما سأله، لكنّه محمول على ما جاء مقيّدا بقوله:( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (٢) . وهو النفخة الأولى، أو وقت يعلم الله تعالى انتهاء أجله. وفي إنجاح مسئوله ابتلاء العباد، وتعريضهم للثواب بمخالفتهم إيّاه. وحكمه حكم ما خلق في الدنيا من صنوف الزخارف، وأنواع الملاذّ والملاهي، وما ركّب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده.

( قالَ ) بعد الإمهال( فَبِما أَغْوَيْتَنِي ) بسبب إغوائك إيّاي. والباء متعلّقة بفعل القسم المحذوف لا بـ «أقعدنّ»، فإن اللّام تصدّ عنه. وقيل: الباء للقسم. فعلى الأوّل الباء للسببيّة، والمقسم والمقسم عليه مقدّر. والتقدير: أحلف بالله بسبب إغوائك إيّاي. وعلى الثاني، تقديره: أقسم بإغوائك إيّاي.

والمراد بالإغواء تكليفه سبحانه إيّاه ما وقع به في الغيّ، ولم يثبت عليه كما ثبتت الملائكة.

وقيل: معناه: بسبب أمرك إيّاي بالسجود، فحملتني به الأنفة والاستنكاف على معصيتك، فتسبّب وقوعي في الغيّ. أو بما خيّبتني من رحمتك وجنّتك. أو بما حكمت بغوايتي، كما يقال: أضللتني، أي: حكمت بضلالتي. أو بما أهلكتني بلعنتك إيّاي، كما في قوله تعالى:( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) (٣) أي: هلاكا. وقالوا: غوى الفصيل إذا فقد اللبن فمات. والمصدر غوى مقصورا.

ولا يبعد أن يكون إبليس قد اعتقد أنّ الله تعالى يغوي الخلق، بأن يضلّهم، ويكون ذلك من جملة ما كان اعتقده من الشرّ. وعلى هذا يكون الإغواء على

__________________

(١) القصص: ٨٣.

(٢) الحجر: ٣٨.

(٣) مريم: ٥٩.


حقيقته. وقيل: «ما» استفهاميّة، كأنّه قيل: بأيّ شيء أغويتني؟

ثمّ ابتدأ فقال:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ) لأولاد آدم ترصّدا بهم، كما يقعد القطّاع على الطريق ليقطعه على المارّة( صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) طريق الإسلام. ونصبه على الظرف. وقيل: تقديره: على صراطك، كقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. والمعنى: لأجتهدنّ في إغوائهم حتّى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم.

( ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) أي: من جميع الجهات الأربع، مثل قصده إيّاهم بالتسويل والإضلال من أيّ وجه يمكنه، بإتيان العدوّ من الجهات الأربع في الغالب، ولذلك لم يقل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

وقيل: لم يقل: من فوقهم، لأنّ الرحمة تنزل منه. ولم يقل: من تحتهم، لأنّ الإتيان منه يوحش الناس.

وعن ابن عبّاس: من بين أيديهم من قبل الآخرة، ومن خلفهم من قبل الدنيا، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيّئاتهم.

والمعنى: أنّي أزيّن لهم الدنيا، وأخوّفهم بالفقر، وأقول لهم: لا جنّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وأثبّطهم عن الحسنات، وأشغلهم عنها، وأحبّب إليهم السيّئات، وأحثّهم عليها.

وقيل: من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرّز عنه، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسّر لهم أن يعلموا ويتحرّزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقّظهم واحتياطهم.

وعن الباقرعليه‌السلام أنّه قال:( لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) معناه: أهوّن عليهم أمر الآخرة.

( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) آمرهم بجمع الأموال، والبخل بها عن الحقوق، لتبقى لورثتهم.( وَعَنْ أَيْمانِهِمْ ) أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة.

( وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ) بتحبيب اللذّات إليهم، وتغليب الشهوات على قلوبهم». وهذا قريب من قول ابن عبّاس.


وإنّما عدّي الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنّه منهما متوجّه إليهم، وإلى الآخرين بحرف المجاوزة، لأنّ الآتي منهما جلس متجافيا عن صاحبهما منحرفا عنه غير ملاصق له، ثمّ كثر حتّى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرناه في «تعال». ونظيره قولهم: جلست عن يمينه أو عن شماله، وقولهم: رميت عن القوس، لأنّ السهم يبعد عنها.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنّ الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة، قعد له بطريق الإسلام، فقال له: تدع دين آبائك، فعصاه فأسلم. ثمّ قعد له بطريق الهجرة، فقال له: تدع ديارك وتتغرّب، فعصاه فهاجر. ثمّ قعد له بطريق الجهاد، فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل».

وعن شقيق: ما من صباح إلّا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي. أمّا من بين يديّ فيقول: لا تخف فإنّ الله غفور رحيم، فأقرأ:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) (١) . وأمّا من خلفي فيخوّفني الضيعة على مخلّفي، فاقرأ:( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها ) (٢) . وأمّا من قبل يميني فيأتيني من قبل الثناء، فأقرأ:( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٣) . وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) (٤) .

( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) مطيعين. وإنّما قاله ظنّا، لقوله تعالى:( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) (٥) لـمّا رأى فيهم مبدأ الشرّ متعدّدا ومبدأ الخير واحدا ،

__________________

(١) طه: ٨٢.

(٢) هود: ٦.

(٣) الأعراف: ١٢٨.

(٤) سبأ: ٥٤.

(٥) سبأ: ٢٠.


ولأنّه لـمّا استنزل آدم ظنّ أنّ ذرّيّته أيضا سيجيبونه، لكونهم أضعف منه. وقيل: سمعه من الملائكة.

( قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) )

ثمّ بيّن سبحانه ما فعله بإبليس من الإهانة والإذلال، وما آتاه آدم من الإكرام والإجلال، فقال:( قالَ اخْرُجْ مِنْها ) من الجنّة، أو من السماء، أو من المنزلة الرفيعة


( مَذْؤُماً ) مذموما. من: ذأمه إذا ذمّه.( مَدْحُوراً ) مطرودا( لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) أطاعك واقتدى بك من بني آدم. اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه.( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ) سدّ مسدّ جواب الشرط. ومعنى «منكم»: منك ومنهم، فغلّب المخاطب.

( وَيا آدَمُ ) أي: وقلنا يا آدم( اسْكُنْ ) من السكنى، لا من السكون( أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) إنّما لم يقل: زوجتك، لأنّ الإضافة أغنت عن ذكره، وكان الحذف أحسن، لـما فيه من الإيجاز من غير إخلال بالمعنى( فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ) أباح سبحانه لهما أن يأكلا منها أين شاءا وما شاءا( وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ) بالأكل( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) فتصيرا من الباخسين نفوسهم الثواب العظيم. وقد مضى تفسير هذه الآية مشروحا في سورة البقرة(١) . و «تكونا» يحتمل الجزم على العطف، والنصب على الجواب.

( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ ) يقال: وسوس إذا تكلّم كلاما خفيّا يكرّره. ومنه: وسوس الحليّ. وهو فعل غير متعدّ، كـ: ولولت المرأة، ووعوع الذئب. ورجل موسوس بكسر الواو. ولا يقال: موسوس بالفتح، ولكن موسوس له وموسوس إليه، وهو الّذي يلقى إليه الوسوسة. ومعنى: وسوس له، فعل الوسوسة لأجله.

ووسوس إليه ألقاها إليه. وهي في الأصل الصوت الخفيّ، كالهينمة(٢) للصوت الجليّ، والخشخشة لصوت النعل. وقد سبق في البقرة كيفيّة وسوسته(٣) .

( لِيُبْدِيَ لَهُما ) ليظهر لهما. واللام للعاقبة، أو للغرض على أنّه أراد أيضا

__________________

(١) راجع ج ١: ١٢٦ ذيل الآية ٣٥.

(٢) الهينمة: الكلام أو الصوت الخفيّ. راجع الصحاح ٥: ٢٠٦٢، لسان العرب ١٢: ٦٢٣.

ولعلّ ما ذكره المفسّر «قدس‌سره» من سهو قلمه الشريف.

(٣) راجع ج ١: ١٢٧ ذيل الآية ٣٦.


بوسوسته أن يسوأهما بانكشاف عورتهما، وذلك لعلمه أنّ من أكل هذه الشجرة بدت عورته، وأنّ من بدت عورته لا يترك في الجنّة، ولهذا عبّر عنهما بالسوءة، فقال:( ما وُورِيَ ) ما غطّي( عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ) عوراتهما. والمواراة جعل الشيء وراء ما يستره. وإنّما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور، كما قلبت في «أو يصل» تصغير «واصل»، لأنّ الثانية مدّة. وفيه دليل على أنّ كشف العورة من عظائم الأمور، وأنّه لم يزل مستهجنا في الطباع، مستقبحا في العقول.

( وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا ) أي: كراهة أن تكونا( مَلَكَيْنِ ) يعني: أنّه أوهمهما أنّهما إذا أكلا من هذه الشجرة تغيّرت صورتهما إلى صورة الملك.( أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) الّذين لا يموتون، أو يخلدون في الجنّة.

واستدلّ به على فضل الملائكة على الأنبياء. وجوابه: إنّما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما ما للملائكة من الكمالات الفطريّة، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة، وذلك لا يدلّ على فضلهم مطلقا، فإنّ الثواب إنّما يستحقّ على الطاعات دون الصور والهيئات. ولا يمتنع أن يكونا رغبا في صور الملائكة وهيئاتها، ولا يكون ذلك رغبة في الثواب ولا الفضل. ألا ترى أنّهما رغبا في أن يكونا من الخالدين؟ وليس الخلود ممّا يقتضي مزيّة في الثواب ولا الفضل.

( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) أي: أقسم لهما على أنّه من المخلصين النصيحة في دعائهما إلى التناول من هذه الشجرة، أي: اجتهد في النصيحة اجتهاد المقاسم، وإخراجه على صورة المفاعلة للمبالغة. وقيل: اقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها، فجعل ذلك مقاسمة.

( فَدَلَّاهُما ) فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة، من تدلية الدلو، وهو إرسالها في البئر. نبّه به على أنّه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإنّ التدلية


والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل.( بِغُرُورٍ ) بما غرّهما به من القسم، فإنّهما ظنّا أنّ أحدا لا يحلف بالله كاذبا. أو ملتبسين بغرور. وإنّما يخدع المؤمن بالله.

وعن ابن عمر أنّه كان إذا رأى من عبده حسن صلاة أعتقه. فقيل له: إنّهم يخدعونك. فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ ) وجدا طعمها آخذين في الأكل منها. وفيه أنّ ذوق الشيء المحرّم يوجب الذمّ، فكيف استيفاؤه وقضاء الوطر منه؟( بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) تهافت عنهما لباسهما، وظهرت لهما عوراتهما، فأبصر كلّ واحد منهما عورة صاحبه، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة :ما رأيت منه، ولا رأى منّي. واختلف في أنّ الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما، وأنّ اللباس كان من جنس النور يحول بينها وبين الناظر، أو حلّة، أو من جنس الظفر.

( وَطَفِقا يَخْصِفانِ ) أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة. يقال: طفق يفعل كذا، بمعنى: أخذ يفعل.( عَلَيْهِما ) على عوراتهما( مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) . قيل: كان ورق التين.

( وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ) عتاب على ترك الأولى، وعدم ارتكاب المندوب إليه، وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ.

ولـمّا عاتبهما ووبّخهما على ارتكاب المنهيّ عنه( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) أضررناها بنقص الثواب لأجل ترك المندوب إليه( وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ) أي: وإن لم تستره علينا، لأنّ المغفرة هي الستر( وَتَرْحَمْنا ) ولم تتفضّل علينا بنعمك الّتي يتمّ بها ما فوّتناه نفوسنا من الثواب( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) من جملة من خسر ولم


يربح. وهذا نهي تنزيه لا تحريم عندنا، لأنّ الأنبياء معصومون منزّهون عن ارتكاب القبائح، لكن قالا ذلك على عادة أولياء الله في استعظام الزلّات، واستصغار العظيم من الحسنات.

روي أنّ الله سبحانه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنّة مندوحة ـ أي: كافية ـ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزّتك، لكن ما ظننت أنّ أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال: فبعزّتي لأهبطنّك إلى الأرض، ثمّ لا تنال العيش إلّا كدّا. فأهبط، وعلّم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وعجن وخبز.

( قالَ اهْبِطُوا ) الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس. كرّر الأمر ليعلم أنّهم قرناء أبدا( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) في موقع الحال، أي: متعادين، يعاديهما إبليس ويعاديانه( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) استقرار، أي: موضع استقرار( وَمَتاعٌ ) وتمتّع وانتفاع بعيش( إِلى حِينٍ ) إلى تقضّي آجالكم.

( قالَ فِيها تَحْيَوْنَ ) تعيشون( وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ ) عند البعث للجزاء.

وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ويعقوب: تخرجون بفتح التاء وضمّ الراء.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أنّ الله سبحانه يخرج العباد يوم القيامة من هذه الأرض الّتي حيوا فيها بعد موتهم، وأنّه يفنيها بعد أن يخرج العباد منها في يوم الحشر، وإذا أراد إفناءها زجرهم عنها زجرة فيصيرون إلى أرض أخرى يقال لها: الساهرة، وتفنى هذه، كما قال:( فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) (١) .

__________________

(١) النازعات: ١٤.


( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) )

ولـمّا ذكر نعمته على بني آدم في تبوّئه الدار والمستقرّ، عقّبه بذكر النعمة في الملابس والستر، فقال خطابا عامّا لجميع أهل القرون والأمصار إلى يوم القيامة:( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً ) أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماويّة، واسباب نازلة منها، فإنّه قضى وكتب في اللوح المحفوظ. أو لأنّه ينبت بالمطر الّذي ينزل


من السماء. وقيل: لأنّ البركات تنسب إلى أنّها تأتي من السماء. ونظيره قوله:( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ) (١) . وقوله:( وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) (٢) .( يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) الّتي قصد الشيطان إبداءها، ويغنيكم عن خصف الورق.

روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها، فنزلت.

( وَرِيشاً ) ولباسا يتجمّلون به. والريش الجمال، استعير من ريش الطير، لأنّه لباسه وزينته. والمعنى: أنزل عليكم لباسين: لباسا يواري عوراتكم، ولباسا يزينكم. وقيل: مالا، ومنه تريّش الرجل إذا تموّل.

( وَلِباسُ التَّقْوى ) وهو الورع وخشية الله. وقيل: الإيمان. وقيل: السمت الحسن. وقيل: لباس الحرب، من الدروع والمغافر وغيرهما ممّا يتّقى به في الحرب. وقيل: ستر العورة. ولا مانع من حمل ذلك على الجميع. ورفعه بالابتداء، وخبره( ذلِكَ خَيْرٌ ) . أو خبره «خير»، و «ذلك» صفته، كأنّه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. وفي هذه الإشارة تعظيم لباس التقوى. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي: ولباس بالنصب، عطفا على «لباسا».

( ذلِكَ ) أي: إنزال اللباس( مِنْ آياتِ اللهِ ) الدالّة على فضله ورحمته على عباده( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) فيعرفون نعمته. أو يتّعظون فيتورّعون عن القبائح.

وفي الكشّاف: «هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدوّ السوءة وخصف الورق عليها، إظهارا للمنّة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة الفضيحة، وإشعارا بأنّ التستّر باب عظيم من أبواب التقوى»(٣) .

__________________

(١) الزمر: ٦.

(٢) الحديد: ٢٥.

(٣) الكشّاف ٢: ٩٧.


( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ ) لا يمتحننّكم، بأن يمنعكم دخول الجنّة بإغوائه وإضلاله إيّاكم عن الدين( كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ) كما محن أبويكم، بأن أخرجهما منها. والنهي لفظا للشيطان، والمراد نهيهم عن اتّباعه والافتتان به.

( يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما ) حال من «أبويكم» أو من فاعل «أخرج». وإسناد النزع إليه للتسبّب، أي: أخرجهما نازعا لباسهما، بأن كان سببا في أن ينزع عنهما.

( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ) عطف على الضمير في «يراكم» المؤكّد بـ «هو».

والضمير في «إنّه» ضمير الشأن.( مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) فيغتالكم من حيث لا تشعرون. وهذا تعليل للنهي، وتأكيد للتحذير من فتنته. وقبيله: جنوده.

عن ابن عبّاس: إنّ الله جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال تعالى:( يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) (١) . فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.

وعن قتادة ومالك بن دينار: والله إن عدوّا يراك ولا تراه لشديد المؤونة، إلّا من عصم الله. وإنّما لا يراهم البشر لأنّ أجسامهم شفّافة لطيفة، تحتاج رؤيتها إلى فضل شعاع.

وقال: أبو الهذيل: يجوز أن يمكّنهم الله تعالى فيتكشّفوا، فيراهم حينئذ من يحضرهم. وإليه ذهب عليّ بن عيسى. قال: إنّهم ممكّنون من ذلك. وهو الّذي نصره الشيخ المفيد أبو عبد اللهرحمه‌الله . وقال الشيخ أبو جعفرقدس‌سره : وهو الأقوى عندي.

( إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) خلّينا بينهم، لم نكفّهم عنهم حتّى تولّوهم وأطاعوهم فيما سوّلوا لهم من مخالفة الله. وهذا تحذير آخر

__________________

(١) الناس: ٥.


أبلغ من الأوّل.

( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) فعلة متناهية في القبح، كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف، فنهوا عنه( قالُوا ) في جواب الناهي( وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها ) اعتذروا واحتجّوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله. فأعرض عن الأوّل، لظهور فساده، وردّ الثاني بقوله:( قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) لأنّ فعل القبيح مستحيل عليه، لعدم الداعي، ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله؟( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) إنكار لإضافتهم القبيح إليه، وشهادة عليهم بالجهل، متضمّنا للنهي عن الافتراء على الله تعالى.

عن الحسن: إنّ الله بعث محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى العرب وهم قدريّة مجبّرة يحملون ذنوبهم على الله. وتصديقه قول الله تعالى:( وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) إلى قوله:( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) بالعدل. وهو الوسط من كلّ أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط، يشهد العقل المستقيم أنّه حقّ حسن. وقيل: هو التوحيد.

( وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ ) أي: وقل توجّهوا إلى عبادته، واقصدوها مستقيمين، غير عادلين إلى غيرها. أو أقيموها نحو القبلة.( عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) في كلّ وقت سجود أو مكانه، وهو الصلاة، أو في أيّ مسجد حضرتكم الصلاة، ولا تقولوا حتى نرجع إلى مسجدنا. أو اقصدوا المسجد في وقت كلّ صلاة أمر بالجماعة لها ندبا عند الأكثرين، وحتما عند الأقلّين.

( وَادْعُوهُ ) واعبدوه( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي: الطاعة، مبتغين بها وجهه خالصا، فإنّ إليه مصيركم لا غير( كَما بَدَأَكُمْ ) كما أنشأكم ابتداء( تَعُودُونَ ) بإعادته، فيجازيكم على أعمالكم، فإنّه ليس بعثكم أشدّ من ابتدائكم. احتجّ عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق. والمعنى: أنّه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة. وإنّما شبّه الإعادة بالإبداء تقريرا لإمكانها والقدرة عليها.


وقيل: كما بدأكم من التراب تعودون إليه.

وقيل: كما بدأكم حفاة عراة غرلا(١) تعودون.

وقيل: معناه: تبعثون على ما متّم عليه، المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره.

( فَرِيقاً هَدى ) وهم المؤمنون، وفّقهم للإيمان( وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) أي: الخذلان، إذ لم يقبلوا الهدى، ولم يكن لهم لطف، فهم يضلّون ولا يهتدون.

و «فريقا» منصوب بفعل مضمر يفسّره ما بعده، والتقدير: وخذل فريقا حقّ عليهم الضلالة. وهذا دليل على أنّ علم الله لا أثر له في ضلالهم، وأنّهم هم الضالّون باختيارهم.

( إِنَّهُمُ ) الفريق الّذين حقّ عليهم الضلالة( اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ ) أطاعوهم فيما أمروهم( مِنْ دُونِ اللهِ ) . وهذا تعليل لخذلانهم، وتحقيق لضلالتهم، ودليل على أنّ مولاهم في الضلالة الشيطان دون الله.( وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) وهم مع ذلك يظنّون أنّهم في ذلك على هداية وحقّ.

( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) )

ولـمّا تقدّم ذكر ما أنعم سبحانه على عباده من اللباس والرزق، أمرهم في اثرها بتناول الزينة والتستّر والاقتصاد في المأكل والمشرب، فقال:( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ ) ثيابكم الّتي تتزيّنون بها( عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) أي: كلّ صلاة.

وروى العيّاشي بإسناده: «أنّ الحسن بن عليّعليه‌السلام كان إذا قام إلى الصلاة لبس

__________________

(١) غرل الصبيّ: لم يختن، فهو أغرل، وجمعه: غرل.


أجود ثيابه. فقيل له: يا ابن رسول الله لم تلبس أجود ثيابك؟ فقال: إنّ الله جميل يحبّ الجمال، فأتجمّل لربّي، وهو يقول:( خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) فأحبّ أن ألبس أجود ثيابي»(١) .

وقيل: خذوا زينتكم للصلاة في الجمعات والأعياد. وهذا مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

وقيل: هو أمر بلبس الثياب في الصلاة والطواف، وكانوا يطوفون عراة، وقالوا: إنّا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، كما مرّ(٢) . وكان يطوف الرجال بالنهار والنساء بالليل. وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة والطواف.

وقيل: أخذ الزينة هو التمشّط عند كلّ صلاة. وهو المرويّ عن الصادقعليه‌السلام .

وروي أنّ بني عامر في أيّام حجّهم كانوا لا يأكلون الطعام إلّا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظّمون بذلك حجّهم، فقال المسلمون: فإنّا أحقّ أن نفعل، فقال الله سبحانه:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ) أي: لا تأكلوا محرّما، فإنّ أكل الحرام وإن قلّ إسراف ومجاوزة عن الحدّ، ولا حلالا على وجه لا يحلّ، كمن لا يملك إلّا دينارا فاشترى به طيبا فتطيّب به وترك عياله محتاجين. أو ولا تسرفوا بإفراط الطعام والشره عليه. عن ابن عبّاس: كل ما شئت والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة(٣) .( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) لا يرتضي فعلهم.

وقد حكي أنّ الرشيد كان له طبيب نصرانيّ حاذق، فقال ذات يوم لعليّ بن الحسين بن واقد: أليس في كتابكم من علم الطبّ شيء، والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان؟

فقال له عليّ: قد جمع الله الطبّ كلّه في نصف آية من كتابه، وهو قوله: «كلوا

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢: ١٤ ح ٢٩.

(٢) في ص: ٥٠٩.

(٣) المخيلة: الكبر.


واشربوا ولا تسرفوا».

فقال النصراني: أيؤثر من رسولكم شيء في الطبّ؟

فقال: جمع نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الطبّ في ألفاظ يسيرة.

قال: وما هي؟

قال: قوله: «المعدة بيت الداء، والحمية راس كلّ دواء، وأعط كلّ بدن ما عوّدته».

فقال الطبيب: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّا.

( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) )

ولـمّا حثّ الله سبحانه على أخذ الزينة عند كلّ مسجد وندب إليه، وأباح الأكل والشرب، ونهى عن الإسراف، وكان قوم من العرب يحرّمون كثيرا من هذا الجنس، حتّى إنّهم كانوا يحرّمون السمون والألبان في الإحرام، ويحرّمون السوائب والبحائر، أنكر عزّ اسمه ذلك عليهم، فقال:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ) من الثياب وسائر ما يتجمّل به( الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ ) من النبات كالقطن والكتّان، والحيوان كالحرير والصوف، والمعادن كالدروع( وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) المستلذّات من المآكل والمشارب. وفيه دليل على أنّ الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجمّلات الإباحة، لأنّ الاستفهام في «من» للإنكار.

( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) بالأصالة. والكفّار وإن شاركوهم فيها فتبع( خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) لا يشاركهم فيها غيرهم. وانتصابها على الحال. وقرأ


نافع بالرفع، على أنّها خبر بعد خبر.

( كَذلِكَ ) أي: كتفصيلنا هذا الحكم( نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) نفصّل سائر الأحكام لأهل العلم وأرباب العقول.

وفي هذه الآية دلالة على جواز لبس الثياب الفاخرة، وأكل الأطعمة الطيّبة من الحلال.

وروى العيّاشي بإسناده عن الحسن بن زيد، عن عمر بن عليّ، عن أبيه زين العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام : «أنّه كان يشتري كساء الخزّ بخمسين دينارا، فإذا أصاف(١) تصدّق به، ولا يرى به بأسا، ويقول:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ) الآية»(٢) .

وبإسناده عن يوسف بن إبراهيم، قال: «دخلت على أبي عبد اللهعليه‌السلام وعليّ جبّة خزّ وطيلسان خزّ، فنظر إليّ فقلت: جعلت فداك هذا خزّ ما تقول فيه؟ فقالعليه‌السلام : لا بأس بالخزّ. قلت: وسداه(٣) إبريسم. قال: لا بأس به، فقد أصيب الحسينعليه‌السلام وعليه جبّة خزّ. ثمّ قال: إنّ عبد الله بن عبّاس لـمّا بعثه أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الخوارج لبس أفضل ثيابه، وتطيّب بأطيب طيبه، وركب أفضل مراكبه، فخرج إليهم فوافقهم. فقالوا: يا ابن عبّاس بينا أنت خير الناس إذ أتيتنا في لباس الجبابرة ومراكبهم. فتلا هذه الآية:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ) إلى آخرها. فألبس وأتجمّل، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال، وليكن من حلال»(٤) .

وفي الآية دلالة أيضا على أنّ الأشياء على الإباحة، لقوله: «من حرّم».

فالسمع ورد مؤكّدا لـما في العقل.

__________________

(١) أي: دخل في الصيف.

(٢) تفسير العيّاشي ٢: ١٦ ح ٣٥.

(٣) السدى والسداة من الثوب: ما مدّ من خيوطه، والجمع: أسدية.

(٤) تفسير العيّاشي ٢: ١٥ ح ٣٢.


( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) )

ثمّ بيّن سبحانه المحرّمات، فقال:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ) ما تفاحش قبحه، أي: تزايد. وقيل: هي ما يتعلّق بالفروج.( ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ) ما علن منها وما خفي.

( وَالْإِثْمَ ) وما يوجب الإثم. تعميم بعد تخصيص. وقيل: شرب الخمر.

( وَالْبَغْيَ ) الظلم أو الكبر. أفرده بالذكر للمبالغة، كما قال:( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) (١) .( بِغَيْرِ الْحَقِ ) متعلّق بـ «البغي»، مؤكّد له معنى.

( وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) تهكّم بالمشركين، لأنّه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره، وتنبيه على تحريم اتّباع ما لم يدلّ عليه برهان.

( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) بالإلحاد في صفاته، والافتراء عليه، كقولهم: الله أمرنا بها.

( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) )

ثمّ بيّن ما فيه تسلية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تأخير عذاب الكفّار، ووعيد لهم بالعذاب النازل عند الأجل المقدّر، فقال:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) مدّة أو وقت لنزول العذاب بهم

__________________

(١) النحل: ٩٠.


( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) انقرضت مدّتهم، أو حان وقتهم( لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) أي: لا يتأخّرون ولا يتقدّمون أقصر وقت. أو لا يطلبون التأخّر والتقدّم لشدّة الهول.

( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) )

ثمّ خاطب جميع المكلّفين من بني آدم، فقال:( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ )


أي: إن يأتكم. و «ما» زائدة.( رُسُلٌ مِنْكُمْ ) من جنسكم( يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ) ذكر الشرط بحرف الشكّ في مقام الجزم لتنزيل المخاطب العالم بوقوع الشرط عقلا منزلة الجاهل، لمخالفته مقتضى العلم. وضمّت إليها «ما» تأكيدا لمعنى الشرط، ولذلك أكّد فعلها بالنون وجوابه.( فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ ) فمن اتّقى التكذيب وأصلح عمله منكم( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) في الآخرة( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا ) منكم( بِآياتِنا ) بحججنا( وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ) عن قبولها( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ) الملازمون لها( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) باقون على وجه الدوام. وإدخال الفاء في الخبر الأوّل دون الثاني، للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد.

( فَمَنْ أَظْلَمُ ) فمن أشنع ظلما( مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) ممّن تقوّل عليه ما لم يقله( أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) أو كذّب ما قاله. والمراد بالاستفهام الإخبار، وإنّما جاء بصورة الاستفهام ليكون أبلغ.( أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ ) ممّا كتب لهم من الأرزاق والأعمار. وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ، أي: ممّا أثبت لهم فيه.

( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا ) أي: ملك الموت وأعوانه( يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) يتوفّون أرواحهم. وهو حال من الرسل، و «حتّى» غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي: إلى وقت وفاتهم، وهي الّتي يبتدأ بعدها الكلام. والمستأنف هاهنا الجملة الشرطيّة.

والمعنى: حتّى إذا استوفوا أرزاقهم وآجالهم، وجاءهم ملك الموت مع أعوانه.

( قالُوا ) جواب «إذا» أي، قال الرسل توبيخا لهم:( أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) أين الآلهة التي كنتم تعبدونها؟ ولفظة «ما» وصلت بـ «أين» في خطّ المصحف، وحقّها الفصل، لأنّها موصولة.


( قالُوا ضَلُّوا ) أي: غابوا( عَنَّا ) فلا نراهم ولا ننتفع بهم( وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) اعترفوا بأنّهم كانوا ضالّين فيما كانوا عليه.

( قالَ ) أي: قال الله تعالى لهم يوم القيامة، أو أحد من الملائكة:( ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي: كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم( مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) يعني: كفّار الأمم الماضية من النوعين( فِي النَّارِ ) متعلّق بـ «ادخلوا» أي: ادخلوا في النار مع أمم قد مضت من قبلكم، وتقدّم زمانهم زمانكم.

( كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ ) في النار( لَعَنَتْ أُخْتَها ) شبيهتها في الدين. وهم الّذين ضلّوا بالاقتداء بهم.( حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً ) أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار( قالَتْ أُخْراهُمْ ) دخولا أو منزلة. وهم الأتباع والسفلة.

( لِأُولاهُمْ ) أي: لأجل أولاهم، إذ الخطاب مع الله لا معهم. وهم القادة والرؤساء لهم.( رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا ) سنّوا لنا الضلال، ودعونا إليه، فاقتدينا بهم.

قال الصادقعليه‌السلام : «هم أئمّة الجور».

( فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً ) مضاعفا( مِنَ النَّارِ ) لأنّهم ضلّوا وأضلّوا.

( قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ) أي: لكلّ من رؤساء الضلالة وأتباعهم عذاب مضاعف.

أمّا القادة فبكفرهم وتضليلهم. وأمّا الأتباع فبكفرهم وتقليدهم. أو لأنّ كلّا منهم كانوا ضالّين ومضلّين.( وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ ) ما لكم أو ما لكلّ فريق. وقرأ عاصم بالياء على الغيبة، ردّا على قوله: «لكلّ ضعف».

( وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ ) وقال الرؤساء للأتباع:( فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) عطفوا كلامهم على قول الله تعالى: «لكلّ ضعف» أي: فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا ولا تفاوت في الكفر، حتّى تطلبوا من الله أن يزيد في عذابنا وينقص من عذابكم، بل إنّا وإيّاكم مساوون في الضلال، واستحقاق ضعف العذاب.( فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) من قول القادة، أو من قول الله لكلا الفريقين.


( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) )

ثمّ عاد الكلام إلى الوعيد، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها ) أي: عن الإيمان بها( لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ) أي: لا يصعد لهم أدعيتهم وأعمالهم، كما تفتّح لأعمال المؤمنين، كقوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) (١) .

وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا، كما تصعد أرواح المؤمنين لتتّصل بالملائكة.

وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، كما قال:( فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ ) (٢) .

والتاء في «تفتّح» لتأنيث الأبواب، والتشديد لكثرتها. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف، وحمزة والكسائي به وبالياء، لأنّ التأنيث غير حقيقيّ، والفعل مقدّم.

( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) أي: حتّى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم ـ وهو البعير ـ فيما هو مثل في ضيق المسلك ـ وهو ثقبة الإبرة ـ وذلك ممّا لا يكون، فكذا ما يتوقّف عليه. وهذا كما تقول العرب في التبعيد

__________________

(١) فاطر: ١٠.

(٢) القمر: ١١.


والأمر المستحيل: لا أفعل كذا حتّى يشيب الغراب، وحتّى يبيضّ القار(١) . قال الشاعر :

إذا شاب الغراب أتيت أهلي

وصار القار كاللبن الحليب

فتعليق الحكم بما لا يتوهّم وجوده ولا يتصوّر حصوله تأكيد له، وتحقيق لليأس من وجوده.

( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الجزاء الفظيع( نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ) المكذّبين بآيات الله تعالى.

روي عن أبي جعفرعليه‌السلام أنّه قال في هذه الآية: «أمّا المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء، فتفتّح لهم أبوابها. وأمّا الكافر فيصعد بعمله وروحه حتّى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجّين، وهو واد بحضر موت يقال له: برهوت».

وقيل: لا تفتّح لهم أبواب السماء لدخول الجنّة، لأنّ الجنّة في السماء.

( لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ ) فراش( وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ) أغطية. والتنوين فيه للبدل عن الإعلال عند سيبويه، وللصرف عند غيره.( وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) عبّر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى، إشعارا بأنّهم بتكذيبهم الآيات اتّصفوا بهذه الأوصاف الذميمة. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنّة، والظلم مع التعذيب بالنار، تنبيها على أنّه أعظم الأجرام.

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ

__________________

(١) أي: القير.


تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) )

ولـمّا كانت عادة الله تعالى جارية في أن يشفع الوعيد بالوعد، فقال بعد ذلك:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) . الجملة الفعليّة بين المبتدأ ـ وهو الموصول ـ وخبره ـ وهو اسم الإشارة ـ للترغيب في اكتساب ما لا يبلغه وصف الواصف من النعيم الدائم، مع الإجلال والتعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضّيق من الإيمان والعمل الصالح.

( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ ) أي: نخرج من قلوبهم أسباب الحقد والحسد والعداوة في الجنّة. أو نطهّرها منه حتّى لا يكون بينهم إلّا التوادّ والتعاطف، وإن رأوا رجلا أرفع درجة منهم.( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) زيادة في لذّتهم وسرورهم.

( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا ) لموجب هذا الفوز العظيم والأجر الجسيم( وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ) وما كان يستقيم أن نكون مهتدين( لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) لو لا هداية الله وتوفيقه. واللام لتوكيد النفي. وجواب «لولا» محذوف دلّ عليه ما قبله.

وقرأ ابن عامر: ما كنّا بغير واو، على أنّها مبيّنة للأولى.

( لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ ) فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك ابتهاجا وفرط سرورهم بأنّ ما علموه يقينا في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة، وتلذّذا بالتكلّم به، لا تعبّدا وتقرّبا.

( وَنُودُوا ) يناديهم مناد من جهة الله( أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ) إذا رأوها من بعيد ،


أو بعد دخولها( أُورِثْتُمُوها ) أعطيتموها إرثا( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بسبب أعمالكم، لا بالتفضّل كما يقول المبطلة. وهو حال من «الجنّة»، والعامل فيها معنى الإشارة. أو خبر والجملة صفة «تلكم». و «أن» في المواضع الخمسة ـ المتقدّمة والمتأخّرة ـ هي المخفّفة، والضمير للشأن، أي: ونودوا بأنّه تلكم الجنّة. أو المفسّرة، لأنّ المناداة والتأذين من القول، كأنّه قيل: وقيل لهم، أي: تلكم الجنّة أورثتموها، أي: يصير إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.

وقيل: معناه جعلها الله سبحانه بدلا لكم عمّا كان أعدّ للكفّار لو آمنوا، فقد روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: ما من أحد إلّا وله منزل في الجنّة ومنزل في النار.

فأمّا الكافر فيرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنّة، فذلك قوله: «أورثتموها».

( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) )

ثمّ حكى سبحانه ما يجري بين أهل الجنّة والنار بعد استقرارهم في الدارين ،


فقال:( وَنادى ) أي: وسينادي( أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ) تبجّحا(١) بحالهم، وشماتة بأصحاب النار، وتحسيرا لهم( أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ) . إنّما لم يقل «ما وعدكم ربّكم» كما قال:( ما وَعَدَنا رَبُّنا ) لدلالة «وعدنا» عليه، فحذف تخفيفا، وليتناول كلّ ما وعد الله من البعث والحساب وسائر أحوال القيامة، لأنّهم كانوا مكذّبين بذلك أجمع. ولأنّ ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم الجنّة لأهلها.

( قالُوا نَعَمْ ) أي: قال أهل النار: وجدنا ما وعدنا ربّنا من العقاب حقّا وصدقا. وقرأ الكسائي بكسر العين. وهما لغتان.( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ) قيل: هو صاحب الصور. وقيل: هو مالك خازن النار، نادى بأمر الله نداء( بَيْنَهُمْ ) بين الفريقين بحيث يسمع جميع أهل الجنّة وأهل النار( أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) . وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: «أنّ لعنة الله» بالتشديد والنصب. وقرئ «إنّ» بالكسر، على إرادة القول، أو إجراء «أذّن» مجرى: قال.

روي عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: «المؤذّن أمير المؤمنينعليه‌السلام ». ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره(٢) بعد أن قال: حدّثني أبي، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا.

ورواه أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة، عن عليّعليه‌السلام أنّه قال: «أنا ذلك المؤذّن»(٣) .

وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: «إنّ لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس، منها قوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) ، فهو المؤذّن بينهم ،

__________________

(١) تبجّح وتباجح أي: افتخر وتعظّم وباهى.

(٢) تفسير القمّي ١: ٢٣١.

(٣) شواهد التنزيل ١: ٢٦٧ ح ٢٦١ ـ ٢٦٢.


يقول: ألا لعنة الله على الّذين كذّبوا بولايتي، واستخفّوا بحقّي»(١) .

( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) صفة لـ «الظالمين» مقرّرة، أو ذمّ مرفوع أو منصوب( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) زيغا وميلا عمّا هو عليه. والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة، وبالفتح في المنتصبة، كالحائط والرمح.( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ ) وهي القيامة( كافِرُونَ ) جاحدون.

( وَبَيْنَهُما حِجابٌ ) أي: بين الفريقين، لقوله:( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ) (٢) . أو بين الجنّة والنار ليمنع وصول أثر إحداهما إلى الاخرى. وهو الأعراف.

( وَعَلَى الْأَعْرافِ ) أي: على أعراف الحجاب، أي: أعاليه، وهي الأسوار المضروبة بينهما. جمع عرف، مستعار من عرف الفرس وعرف الديك. وقيل: العرف ما ارتفع من الشيء، فإنّه يكون لظهوره أعرف من غيره.( رِجالٌ ) من الموحّدين قصرّوا في العمل، كما روي عن ابن مسعود: أنّهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فحالت حسناتهم بينهم وبين النار، وحالت سيّئاتهم بينهم وبين الجنّة، فيحبسون بين الجنّة والنار، حتّى يقضي الله فيهم ما شاء.

وروى الضحّاك عن ابن عبّاس: أنّ الأعراف موضع عال على الصراط، عليه حمزة والعبّاس وعليّ وجعفر، يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه، ومبغضيهم بسواد الوجوه. ورواه الثعلبي بالإسناد في تفسيره.

وقيل: إنّهم الملائكة في صورة الرجال، يعرفون أهل الجنّة والنار، ويكونون خزنة الجنّة والنار، ويكونون حفظة الأعمال، الشاهدين بها في الآخرة.

وعن الحسن ومجاهد: أنّهم فضلاء المؤمنين. وعن الجبائي: أنّهم الشهداء، وهم عدول الآخرة.

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٢٦٧ ح ٢٦١ ـ ٢٦٢.

(٢) الحديد: ١٣.


( يَعْرِفُونَ كُلًّا ) من أهل الجنّة والنار( بِسِيماهُمْ ) بعلامتهم الّتي أعلمهم الله بها، كبياض الوجه وسواده. «فعلى» من: سام إبله، إذا أرسلها في المرعى معلمة.

أو من: وسم على القلب، كالجاه من الوجه. وإنّما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة.

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام : «أصحاب الأعراف هم آل محمّدعليهم‌السلام ، لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرهم وأنكروه».

وروى عمر بن شيبة بإسناده عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «يا عليّ كأنّي بك يوم القيامة وبيدك عصا عوسج(١) تسوق قوما إلى الجنّة، وآخرين إلى النار».

وروي أيضا عن عمر بن شيبة وغيره: أنّ عليّاعليه‌السلام قسيم النار والجنّة.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده رفعه إلى الأصبغ بن نباتة قال: «كنت جالسا عند عليّعليه‌السلام فأتاه ابن الكوّاء فسأله عن هذه الآية. فقال: ويحك يا ابن الكوّاء نحن نوقف يوم القيامة بين الجنّة والنار، فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنّة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار»(٢) .

وعن الصادقعليه‌السلام : «الأعراف كثبان(٣) بين الجنّة والنار، فيقف عليها كلّ نبيّ وكلّ خليفة نبيّ مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده، وقد سيق المحسنون إلى الجنّة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سيقوا إلى الجنّة، فيسلّم المذنبون عليهم، وذلك قوله:( وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أي: إذا نظروا إليهم سلّموا عليهم.

__________________

(١) العوسج: جنس شجيرات من فصيلة الباذنجانيّات، أغصانه شائكة، يصلح سياجا.

(٢) شواهد التنزيل ١: ٢٦٣ ح ٢٥٦.

(٣) الكثيب: التلّ من الرمل، وجمعه: كثبان.


( لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) أن يدخلهم الله بشفاعة النبيّ أو الإمام. وهذا حال من الواو. والواو إن كانت راجعة إلى الأنبياء أو الأئمّة فالطمع طمع يقين، مثل قول إبراهيم:( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (١) ، وإلّا طمع حسن ظنّ.

( وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ ) ورأوا ما هم فيه من العذاب( قالُوا ) نعوذ بالله( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي: في النار. وقيل: إن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا.

( وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) )

( وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ ) أي: الأنبياء والخلفاء( رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ ) من رؤساء الكفرة وأئمّة الضلال( قالُوا ) تعييرا وتوبيخا( ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ) كثرتكم، أو جمعكم المال( وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ) عن الحقّ، أو على الخلق.

ثمّ قالوا لهم:( أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ) إشارة إلى ضعفاء أهل الجنّة الّذين كانت الكفرة وسائر أهل الضلال يحتقرونهم في الدنيا، ويحلفون أنّ الله لا يدخلهم الجنّة، فالتفتوا إلى أصحاب الجنّة وقالوا:( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) . وهذا أوفق للوجوه الأخيرة. وعلى الأوّل معناه: قيل

__________________

(١) الشعراء: ٨٢.


لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنّة بفضل الله، بعد أن حبسوا حتّى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا.

وقيل: لـمّا عيّروا أصحاب النار أقسموا أنّ أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة، فقال الله تعالى أو بعض الملائكة: أهؤلاء الّذين أقسمتم؟

( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) )

ثمّ ذكر سبحانه كلام أهل النار وما أظهروه من الافتقار، بدلا ممّا كانوا عليه من الاستكبار، فقال:( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا ) أي: صبّوا. وهو دليل على أنّ الجنّة فوق النار.( مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) من سائر الأشربة ليلائم الإفاضة. أو من الفواكه وسائر الأطعمة، كقوله(١) : علفتها تبنا وماء باردا.( قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ) منعهما عنهم منع المحرّم عن المكلّف.

( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً ) كتحريم البحيرة، والتصدية حول البيت.

واللهو صرف الهمّ بما لا يحسن أن يصرف به. واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن

__________________

(١) صدره: لـمّا حططت الرحل عنها واردا أي: لـمّا حططت الرحل عن الناقة حال كوني واردا للماء، علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا.


يطلب به.( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) أي: اغترّوا بها وبطول وبطول البقاء فيها، فكأنّ الدنيا غرّتهم.

( فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ ) نفعل بهم فعل الناسين، فنتركهم في النار، فلا نجيب لهم دعوة، ولا نرحم لهم عبرة( كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا ) فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدّوا له( وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) وكما كانوا منكرين أنّها من عند الله.

و «ما» في الموضعين مصدريّة. والتقدير: كنسيانهم وكونهم جاحدين.

( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) )

ولـمّا ذكر الله حال الفريقين، بيّن أنّه قد أتاهم الكتاب والحجّة دفعا لمعذرتهم، فقال:( وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ ) بيّنّا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصّلة( عَلى عِلْمٍ ) عالمين بوجه تفصيل أحكامه ومواعظه وجميع معانيه. وهو حال من فاعل «فصّلناه».( هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) حالان من الهاء، أي: فصّلنا القرآن حال كونه هاديا وسببا للرحمة في الدارين.

( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ) أي: ما يؤول إليه أمر الكتاب من تبيّن صدقه بظهور صحّة ما نطق به من الوعد والوعيد. والمعنى: ما ينتظرون إلّا عاقبة ما وعدوا به.( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ) عاقبة ما وعدوا به( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ) تركوه ترك


الناسي( قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ ) أي: قد تبيّن لنا أنّهم جاؤا بالحقّ( فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ ) تمنّوا أن يكون لهم شفعاء( فَيَشْفَعُوا لَنا ) اليوم في إزالة العقاب( أَوْ نُرَدُّ ) أو هل نردّ إلى الدنيا( فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) جواب الاستفهام الثاني.

( قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) بصرف أعمارهم في الكفر( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) وبطل( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) على الأصنام بقولهم إنّها آلهة تشفع لنا، فلم تنفعهم.

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) )

ولـمّا ذكر سبحانه الكفّار وعبادتهم غير الله، احتجّ عليهم بمقدوراته ومصنوعاته، ودلّهم بذلك على أنّه لا معبود سواه، فقال مخاطبا لجميع الخلق:( إِنَّ رَبَّكُمُ ) خالقكم ومالككم( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أنشأهما وأوجدهما( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أي: في ستّة أوقات، كقوله:( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) (١) أي: وقتئذ. أو في مقدار ستّة أيّام من أيّام الدنيا، فإنّ المتعارف في اليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها. ولم يكن خلق الأشياء بالتدريج مع قدرته على إيجاده دفعة، إلا ليدلّ على اختياره وقدرته، ولتعتبره النظّار، وليكون حثّا على التأنّي والرفق في الأمور. وخلقهما في هذه المدّة لا أزيد ولا أقلّ، ورتّبهما على الأسبوع، فابتدأ بالأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، لمصلحة لا يعلمها إلّا هو.

__________________

(١) الأنفال: ١٦.


( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) استوى أمره، أو استولى على خلق العرش.

وقيل: إنّ الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف. والمعنى: أنّ له تعالى استواء على العرش على الوجه الّذي عناه منزّها عن الاستقرار والتمكّن، كما روي عن مالك بن أنس أنّه قال: الاستواء غير مجهول، وكيفيّته غير معلومة، والسؤال عنه بدعة.

والعرش: الجسم المحيط بسائر الأجسام. سمّي به لارتفاعه، أو للتشبيه بسرير الملك، فإنّ الأمور والتدابير تنزل منه. وقيل: الملك، أي: استوى واستولى أمره على ملكه.

( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) يغطّيه به. ولم يذكر عكسه، لأنّ الكلام يدلّ عليه.

وقد ذكر في موضع آخر:( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ ) (١) . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه وفي الرعد(٢) ، للدلالة على التكرير.( يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) يعقّبه سريعا، بأن يأتي أحدهما عقيب الآخر، كما يأتي الشيء في اثر الشيء طالبا له على وجه لا يفصل بينهما شيء. والحثيث فعيل من الحثّ. وهو صفة مصدر محذوف، أو حال من الفاعل بمعنى: حاثّا، أو المفعول بمعنى: محثوثا، أو منهما.

( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ ) مذلّلات جاريات في مجاريهنّ( بِأَمْرِهِ ) أي: بمشيئته وتدبيره وتصريفه. وسمّى ذلك أمرا على التشبيه، كأنّهنّ مأمورات بذلك. ونصبها بالعطف على «السماوات». ونصب «مسخّرات» على الحال. وقرأ ابن عامر كلّها بالرفع على الابتداء والخبر.

ولـمّا ذكر أنّه خلقهنّ مسخّرات بأمره قال:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) فإنّه

__________________

(١) الزمر: ٥.

(٢) الرعد: ٣.


الموجد والمتصرّف مطلقا، أي: هو الّذي خلق الأشياء، وهو الّذي صرّفها على حسب إرادته( تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) تعالى بالوحدانيّة والألوهيّة، وتعظّم بالتفرّد في الربوبيّة.

قال في الأنوار: «وتحقيق الآية والله أعلم: أنّ الكفرة كانوا متّخذين أربابا، فبيّن لهم أنّ المستحقّ للربوبيّة واحد، وهو الله تعالى، لأنّه الّذي له الخلق والأمر، فإنّه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم، فأبدع الأفلاك ثمّ زيّنها بالكواكب، كما أشار إليه بقوله:( فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) (١) .

وعمد إلى إيجاد الأجرام السفليّة، فخلق جسما قابلا للصور المتبدّلة والهيئات المختلفة. ثمّ قسّمها بصور نوعيّة متضادّة الآثار والأفعال، وأشار إليه بقوله:( خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) (٢) أي، ما في جهة السفل في يومين.

ثمّ أنشأ أنواع المواليد الثلاثة: المعادن، والحيوان، والنبات، بتركيب موادّها أوّلا، وتصويرها ثانيا، كما قال بعد قوله:( خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) :( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) (٣) أي: مع اليومين الأوّلين، لقوله في سورة السجدة:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) (٤) .

ثمّ لـمّا تمّ له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبّر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيّام.

__________________

(١) فصّلت: ١٢. (٢، ٣) فصّلت: ٩ ـ ١٠.

(٤) السجدة: ٤.


ثمّ صرّح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته، فقال:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) (١) .

( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) )

ثمّ أمر سبحانه بعد ذكره دلائل توحيده بدعائه على وجه الخشوع والتذلّل كافّة عبيده، فقال:( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) أي: ذوي تضرّع، من الضراعة، وهي الذلّة، وذوي خفية، فإنّ الإخفاء دليل الإخلاص.

وقيل: التضرّع رفع الصوت، والخفية السرّ، أي: أدعوه علانية وسرّا.

ويؤيّد الأوّل ما روي: «أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في غزاة، فأشرفوا على واد، فجعل الناس يهلّلون ويكبّرون ويرفعون أصواتهم. فقال: أيّها الناس اربعوا(٢) على أنفسكم، أما إنّكم لا تدعون أصمّ ولا نائيا، إنّكم تدعون سميعا قريبا، إنّه معكم».

وعن الحسن قال: «بين دعوة السرّ ودعوة العلانية سبعون ضعفا».

وقرأ أبو بكر عن عاصم: خفية بالكسر. وهما لغتان.

( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) المجاوزين الحدّ المرسوم في جميع العبادات والدعوات. ونبّه به على أنّ الدّاعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به، كرتبة

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ١٢ ـ ١٣.

(٢) يقال: اربع على نفسك أي: توقّف وكفّ.


الأنبياءعليهم‌السلام ، والصعود إلى السماء. وقيل: هو الصياح في الدعاء والإكثار والإطناب فيه. والرواية المذكورة تؤيّده.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: أللّهمّ إنّي أسألك الجنّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرّب إليها من قول وعمل، ثمّ قرأ:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) .

( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بالكفر والمعاصي( بَعْدَ إِصْلاحِها ) بعد أن أصلحها الله ببعث الأنبياء وإنزال الكتب وشرع الأحكام.

( وَادْعُوهُ خَوْفاً ) ذوي خوف من الردّ، لقصور أعمالكم، وعدم استحقاقكم( وَطَمَعاً ) وذوي طمع في إجابته تفضّلا وإحسانا، لفرط رحمته.( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ترجيح للطمع، وتنبيه على ما يتوسّل به إلى الإجابة. وتذكير قريب، لأنّ الرحمة بمعنى الرحم أو الترحّم. أو لأنّه صفة محذوف، أي: أمر قريب.

أو على تشبيهه بفعيل الّذي بمعنى مفعول، أو الّذي هو بزنة المصدر كالنقيض. أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره. والإحسان هو النفع الّذي يستحقّ به الحمد، والإساءة هي الضرر الّذي يستحقّ به الذمّ.

( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) )

ولـمّا أخبر الله تعالى في الآية المتقدّمة بأنّه خلق السماوات والأرض وما فيهما من البدائع، عطف على ذلك بقوله:( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً ) . وقرأ


ابن كثير وحمزة والكسائي: الريح على الوحدة، و «نشرا»(١) جمع نشور بمعنى ناشر. وقرأ ابن عامر: و «نشرا» بالتخفيف حيث وقع. وحمزة والكسائي: نشرا بفتح النون حيث وقع، على أنّه مصدر في موقع الحال، بمعنى: ناشرات، أو مفعول مطلق، فإنّ الإرسال والنشر متقاربان، فكأنّه قيل: نشرها نشرا. وعاصم: بشرا، وهو تخفيف بشر جمع بشير.

( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) قدّام رحمته. يعني: الغيث الّذي هو أحسن النعم أثرا، فإنّ الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تذره، والدبور تفرّقه.

( حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ ) أي: حملت هذه الرياح. واشتقاق الإقلال من القلّة، فإنّ المقلّ للشيء يستقلّه، يعني: الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلا.( سَحاباً ثِقالاً ) بالماء. جمعه، لأنّ السحاب ـ بمعنى السحائب ـ جمع سحابة.( سُقْناهُ ) أي: السحاب. وإفراد الضمير باعتبار اللفظ.( لِبَلَدٍ مَيِّتٍ ) لأجل بلد ليس فيه حياة، أو لإحيائه، أو لسقيه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ميت.

( فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ ) بالبلد، أو بالسحاب، أو بالسوق، أو بالريح. وكذلك( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) . ويحتمل فيه عود الضمير إلى الماء. وإذا كان للبلد فالباء للإلصاق في الأوّل. وللظرفيّة في الثاني. وإذا كان لغيره فهي للسببيّة فيهما.( مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) من كلّ أنواعها. و «من» للتبعيض أو للتبيين.

( كَذلِكَ ) إشارة إلى إخراج الثمرات، أو إلى إحياء البلد الميّت، أي: كما نحييه بإحداث القوّة النامية فيه، وتطريتها(٢) بأنواع النباتات والثمرات

__________________

(١) أي: قرأ ابن كثير وحده: ونشرا، لـما سيأتي في السطر التالي أن قراءة حمزة والكسائي: نشرا.

(٢) أي: جعلها ذات طراوة بأنواع النبات.


( نُخْرِجُ الْمَوْتى ) من الأجداث، ونحييها بردّ النفوس إلى موادّ أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواسّ.( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فتعلمون أنّ من قدر على ذلك قدر على هذا، إذ كلّ واحد منهما إعادة الشيء بعد إنشائه، فلا يكون فرقا بين الإخراجين.

( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) )

ثمّ بيّن سبحانه حال الأرض الّتي يأتيها المطر، فقال:( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ ) الأرض العذبة الكريمة التربة( يَخْرُجُ نَباتُهُ ) زرعه خروجا زاكيا ناميا( بِإِذْنِ رَبِّهِ ) بمشيئته وتيسيره. عبّر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه، كأنّه قيل: يخرج نباته حسنا وافيا، لأنّه أوقعه في مقابلة قوله:( وَالَّذِي خَبُثَ ) وهو السبخة الّتي لا تنبت ما ينتفع به.( لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) نباتا قليلا عسر الخروج منه، من: نكد عيشهم بالكسر ينكد نكدا، إذا اشتدّ وعسر. ونصبه على الحال.

وتقدير الكلام: والبلد الّذي خبث لا يخرج نباته إلّا نكدا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار مرفوعا مستترا. أو يقدّر: ونبات الّذي خبث.

( كَذلِكَ ) مثل ذلك التصريف( نُصَرِّفُ الْآياتِ ) نردّدها ونكرّرها( لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) نعمة الله تعالى، فيتفكّرون فيها، ويعتبرون بها. والآية مثل لمن تدبّر الآيات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسا، ولم يتأثّر بها.

وعن مجاهد: ذرّيّة آدم منهم خبيث وطيّب. وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله بعقله فوعاه وانتفع به، كالأرض الطيّبة أصابها الغيث فأنبتت، والكافر بخلاف ذلك.


( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤) )

ولـمّا بيّن سبحانه الأدلّة على وحدانيّته ذكر بعده حال من عاند وكذّب رسله، تسلية لنبيّنا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتثبيتا له على احتمال الأذى من قومه، وتحذيرا لهم عن الاقتداء بأولئك، فينزل بهم ما نزل بهم. وابتدأ بقصّة نوح، لأنّه شيخ الأنبياء ومقدّمهم، فقال:( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً ) وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبيّعليه‌السلام ، أوّل نبيّ بعده. وولد في العام الّذي مات آدمعليه‌السلام قبل موت آدم في الألف الأولى، وبعث في الثانية( إِلى قَوْمِهِ ) وهو ابن أربعمائة. وقيل: ابن خمسين أو أربعين.

ولبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما. وكان في تلك الألف ثلاثة قرون


عايشهم وعمّر فيهم. وكان يدعوهم ليلا ونهارا، فلا يزيدهم دعاؤه إلّا فرارا. وكان يضربه قومه حتّى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: أللّهمّ اهد قومي، فإنّهم لا يعلمون. ثمّ شكاهم إلى الله تعالى، فغرقت له الدنيا، وعاش بعد ذلك تسعين سنة. وروي أكثر من ذلك أيضا.

وذكر اللام لأنّه جواب قسم محذوف، كأنّه قيل: حقّا أقول: إنّا أرسلناه، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلّا مع «قد» لأنّها مظنّة التوقّع، فإنّ المخاطب إذا سمعها توقّع وقوع ما صدّر بها.

( فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ) أي: اعبدوه وحده، لقوله:( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) بالرفع على محلّ «من إله». وقرأ الكسائي: غيره بالجرّ على اللفظ.( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) إن لم تؤمنوا. وهذا وعيد وبيان للداعي إلى عبادة الله، لأنّه هو الّذي يحذر عقابه دون من كانوا يعبدونه من دونه. واليوم هو القيامة، أو يوم نزول الطوفان.

( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ ) أي: الأشراف، فإنّهم يملأون العيون بحسن منظرهم وبهجتهم ووجاهتهم( إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ ) ذهاب عن الحقّ( مُبِينٍ ) بيّن الضلالة.

والمراد بالرؤية رؤية القلب الّذي هو العلم. وقيل: رؤية البصر، أي: نراك بأبصارنا على هذه الحال.

( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ) أي: شيء من الضلال. بالغ في النفي، فإنّ الضلالة كانت أبلغ في نفي الضلال، كما بالغوا في الإثبات، وعرّض لهم به.( وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) استدراك باعتبار ما يلزمه، وهو كونه على هدى، كأنّه قال: ولكنّي على هدى في الغاية، لأنّي رسول من الله.

( أُبَلِّغُكُمْ ) كلام مستأنف بيانا لكونه رسول ربّ العالمين، أو صفة لـ «رسول». قرأ أبو عمرو: وأبلغكم بالتخفيف.( رِسالاتِ رَبِّي ) جمع الرسالات


لاختلاف أوقاتها. أو لتنوّع معانيها، كالعقائد والمواعظ والأحكام. أو لأنّ المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله، كصحف شيث وإدريسعليهما‌السلام . والمعنى: ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي. أو ما أوحي إليّ وإلى الأنبياء السابقة.

( وَأَنْصَحُ لَكُمْ ) في زيادة اللام دلالة على إمحاض النصيحة للمنصوح له.

( وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) هو تقرير لـما أوعدهم به، فإنّ معناه أعلم من قدرته وشدّة بطشه على أعدائه، وأنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين، أو من جهته بالوحي، أشياء لا علم لكم بها.

( أَوَعَجِبْتُمْ ) الهمزة للإنكار، والواو عطف على محذوف، أي: أكذبتم وعجبتم( أَنْ جاءَكُمْ ) من أن جاءكم( ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) رسالة أو موعظة( عَلى رَجُلٍ ) على لسان رجل( مِنْكُمْ ) من جملتكم، أو من جنسكم، فإنّهم كانوا يتعجّبون من إرسال البشر، ويقولون: ما هذا إلّا بشر مثلكم، ولو شاء الله لأنزل ملائكة، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين( لِيُنْذِرَكُمْ ) ليحذّركم عاقبة الكفر والمعاصي( وَلِتَتَّقُوا ) ولتخشوا الله في ترك الشرك والمعاصي بسبب الإنذار( وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ولترحموا بالتقوى.

وفائدة حرف الترجّي التنبيه على أنّ المتّقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن من عذاب الله، فإنّ الاعتماد على التقوى مستلزم للعجب في الأعمال، وهو محبط لها.

( فَكَذَّبُوهُ ) فكذّبوا نوحا فيما دعاهم إليه( فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) وهم من آمن به. وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل: كانوا تسعة: بنوه سام ويافث وحام، وستّة ممّن آمن به.( فِي الْفُلْكِ ) متعلّق بـ «معه»، كأنّه قال: والّذين استقرّوا معه في الفلك، أو صحبوه فيه. أو بـ «أنجيناه»، أي: أنجيناهم في السفينة من


الطوفان. أو حال من الموصول، أو من الضمير في «معه».

( وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) بالطوفان( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ) أي: عمي القلوب غير مستبصرين. يقال: رجل عم، إذا كان أعمى القلب، ورجل أعمى في البصر. وأصله عميين فخفّف. والفرق بين العمى والعامي: أنّ العمى يدلّ على عمى ثابت، والعامي على عمى حادث.

وفي حديث وهب بن منبّه: «أنّ نوحاعليه‌السلام كان أوّل نبيّ نبّأهعزوجل بعد إدريس، وكان إلى الأدمة ما هو(١) ، دقيق الوجه، في رأسه طول، عظيم العينين، دقيق الساقين، طويلا جسيما. دعا قومه إلى الله حتّى انقرضت ثلاثة قرون منهم، كلّ قرن ثلاثمائة سنة، يدعوهم سرّا وجهرا فلا يزدادون إلّا طغيانا، ولا يأتي منهم قرن إلّا كان أعتى(٢) على الله من الّذين قبلهم.

وكان الرجل منهم يأتي بابنه وهو صغير فيقيمه على رأس نوح فيقول: يا بنيّ إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون. وكانوا يثورون إلى نوح فيضربونه حتّى يسيل مسامعه دما، وحتّى لا يعقل شيئا ممّا يصنع به، فيحمل فيرمى به في بيته أو على باب داره مغشيّا عليه.

فأوحى الله تعالى إليه:( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) (٣) . فعندها أقبل على الدعاء عليهم، ولم يكن دعا عليهم قبل ذلك، فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (٤) إلى آخر السورة. فأعقم الله تعالى أصلاب الرجال وأرحام النساء، فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم ولد، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتّى هلكت أموالهم، وأصابهم الجهد والبلاء.

__________________

(١) أي: قريبا إلى الأدمة.

(٢) من: عتى عتوّا، استكبر وعصى وجاوز الحدّ.

(٣، ٤) هود: ٣٦.


ثمّ قال لهم نوح:( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ) (١) الآيات. فأعذر إليهم وأنذر، فلم يزدادوا إلّا كفرا. فلمّا يئس منهم أقصر عن كلامهم ودعائهم، فلم يؤمنوا( وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً ) (٢) الآية، يعني: آلهتهم، حتى غرقهم الله وآلهتهم الّتي كانوا يعبدونها.

وبعد نوح عبد الناس الأصنام، وسمّوا أصنامهم بأسماء أصنام قوم نوح.

فاتّخذ أهل اليمن يغوث ويعوق، وأهل دومة الجندل اتّخذوا صنما سمّوه ودّا، واتّخذت حمير صنما سمّته نسرا، وهذيل صنما سمّوه سواعا. فلم يزالوا يعبدونها حتّى جاء الإسلام.

وسنذكر قصّة السفينة والغرق في سورة هودعليه‌السلام إن شاء الله.

وروى الشيخ أبو جعفر بإسناده في كتاب النبوّة مرفوعا إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «لـمّا بعث اللهعزوجل نوحا دعا قومه علانية، فلمّا سمع أولاد هبة الله ـ يعني :شيثعليه‌السلام ـ من نوح تصديق ما في أيديهم من العلم، وعرفوا أنّ العلم الّذي في أيديهم هو العلم الّذي جاء به نوح، صدّقوه وسلّموا له. فأمّا ولد قابيل فإنّهم كذّبوه وقالوا: إنّ الجنّ كانوا قبلنا فبعث الله إليهم ملكا، فلو أراد أن يبعث إلينا لبعث إلينا ملكا من الملائكة».

وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: سمعت عليّ بن محمّدعليه‌السلام يقول: «عاش نوحعليه‌السلام ألفين وخمسمائة سنة، وكان يوما في السفينة نائما فهبّت ريح فكشفت عورته، فضحك حام ويافث، وزجرهما سام ونهاهما عن الضحك، وكان كلّما غطّى سام ما يكشفه الريح كشفه حام ويافث، فانتبه نوح فرآهم يضحكون فقال: ما هذا؟ فأخبره سام بما كان، فرفع يده إلى السماء

__________________

(١) هود: ٣٦.

(٢) نوح: ٢٣.


يدعو، فقال: أللّهمّ غيّر ماء صلب حام حتّى لا يولد له إلّا السودان، أللّهمّ غيّر ماء صلب يافث. فغيّر الله ماء صلبهما، فجميع السودان من صلب حام حيث كانوا، وجميع الترك والسقلاب ويأجوج ومأجوج والصين من يافث، وجميع البيض سواهم من سام».

وروى إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «عاش نوح ألفي سنة وخمسمائة سنة، منها ثمانمائة وخمسين قبل أن يبعث، وألف سنة إلّا خمسين عاما وهو في قومه، ومأتي عام في عمل السفينة، وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء. فمصّر الأمصار، وأسكن ولده البلدان.

ثمّ إنّ ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك.

فردّ عليه نوحعليه‌السلام ، وقال له: ما جاء بك يا ملك الموت؟

فقال: جئت لأقبض روحك.

فقال له: تدعني أتحوّل من الشمس إلى الظلّ؟

فقال له: نعم.

قال: فتحوّل نوح، ثمّ قال: يا ملك الموت كأنّ ما مرّ بي من الدنيا مثل تحوّلي من الشمس إلى الظلّ، فامض لـما أمرت به. قال: فقبض روحه صلّى الله على نبيّنا وعليه»(١) .

( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ

__________________

(١) لم نجده في تفسير القمّي، ورواه عنه في مجمع البيان ٢: ٤٣٥.


وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) )

ثم حكى سبحانه قصّة هودعليه‌السلام ، فقال عطفا على( نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) :( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ) عطف بيان لـ «أخاهم». والمراد به الواحد منهم، كقولهم: يا أخا العرب. وهو: هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح. وقيل: هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ابن عمّ أبي عاد. وعاد اسم أبي القبيلة. وهو: عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوحعليه‌السلام .

( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) استأنف به ولم يعطف كما في قصّة نوح، كأنّه جواب سائل قال: فما قال لهم حين أرسل؟( أَفَلا تَتَّقُونَ ) عذاب الله، وكأنّ قومه كانوا أقرب من قوم نوح، ولذا قال: «أخاهم».


( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) وصف الملأ الّذين كفروا دون الملأ من قوم نوح، لأنّه كان في أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد، بخلاف قوم نوح.( إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ) متمكّنا ومنغمسا في خفّة عقل، راسخا فيها حيث فارقت دين قومك. فجعلوا السفاهة ظرفا على طريق المجاز، لإفادة أنّه متمكّن فيها غير خال عنها.( وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) أي: كذّبوه ظانّين لا متيقّنين.

( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ) أي: لم يحملني على هذا الإخبار السفاهة( وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) .

في إجابة(١) الأنبياءعليهم‌السلام ـ من نسبتهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم، مع علمهم بأنّ خصومهم أضلّ الناس وأسفههم ـ أدب حسن وخلق عظيم. وحكاية اللهعزوجل ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء؟ وكيف يغضّون عنهم، ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم؟

والحاصل: أنّ هذا تعليم من الله أن لا يقابل السفهاء بالكلام القبيح، ولكن يقتصر الإنسان على نفي ما أضيف إليه عن النفس.

( أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ ) فيما أدعوا إليه من توحيد الله وطاعته( أَمِينٌ ) ثقة مأمون في تأدية الرسالة، فلا أكذب فيه. أو عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة، فما حقّي أن أتّهم.

( أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: لا عجب في أن جاءكم نبوّة( عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ ) أي: اذكروا وقت استخلافكم( مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) أي: في مساكنهم أو في الأرض، بأن جعلكم ملوكا، فإنّ شدّاد بن عاد ممّن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى بحر عمان، فخوّفهم هود أوّلا من

__________________

(١) خبر مقدّم، والمبتدأ قوله بعد أسطر: أدب حسن.


عقاب الله تعالى، ثمّ ذكّرهم بإنعامه.

( وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ) أي: طولا وقوّة. قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستّين ذراعا. وقال أبو جعفرعليه‌السلام : «كانوا كأنّهم النخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحو الجبل بيده فيهدم منه قطعة».

( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ) أي: نعم الله في استخلافكم وبسطة أجرامكم، وغير ذلك من عطاياه. وواحد الآلاء إلى(١) ، ونحوه أنى وآناء، وضلع وأضلاع، وعنب وأعناب.( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) لكي تفوزوا بنعيم الدنيا والآخرة.

( قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) من الأصنام.

استبعدوا اختصاص الله تعالى بالعبادة، والإعراض عمّا أشرك به آباؤهم، انهماكا في التقليد، وحبّا لـما ألفوه. ومعنى المجيء إمّا المجيء من مكان اعتزل به عن قومه، أو من السماء على التهكّم، أو القصد على المجاز، كقولهم: ذهب يسبّني، ولا يراد حقيقة الذهاب.

( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) من العذاب المدلول عليه بقوله:( أَفَلا تَتَّقُونَ ) . وهذا استعجال منهم للعذاب.( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في أنّك رسول الله إلينا، وفي نزول العذاب بنا لو لم نترك عبادة الأصنام.

( قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ) قد وجب وحقّ عليكم، أو نزل عليكم على أنّ المتوقّع الّذي لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع( مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ ) عذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب( وَغَضَبٌ ) إرادة انتقام.

( أَتُجادِلُونَنِي ) أتناظرونني وتخاصمونني( فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ) في أشياء ما هي إلّا أسماء ليس تحتها مسمّيات، لأنّكم سمّيتموها آلهة، ومعنى الإلهيّة فيها معدوم، فإنّ المستحقّ للعبادة بالذات هو الموجد للكلّ. ونحوه

__________________

(١) الإلي والإلى والألى: النعمة. ومثّل لها المصنّف «قدس‌سره» بثلاث صيغ، ف: أنى على زنة ألى، وضلع على زنة إلي، وعنب على زنة إلى.


قوله:( ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (١) .( ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) أي: لو استحقّت للعبادة كان استحقاقها بجعلهعزوجل ، إمّا بإنزال آية أو نصب حجّة. فبيّن بذلك أنّ منتهى حجّتهم وسندهم أنّ الأصنام تسمّى آلهة، من غير دليل يدلّ على تحقّق المسمّى، لفرط جهالتهم وغباوتهم.

ولـمّا وضح الحقّ وأنتم مصرّون على العناد( فَانْتَظِرُوا ) نزول عذاب الله، فإنّه نازل بكم( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) لنزوله بكم.

( فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) في الدين، من العذاب( بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) عليهم، بأن أخرجناهم من بينهم قبل إنزال العذاب بهم( وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) أي :دمّرناهم واستأصلناهم عن آخرهم، فلم يبق لهم نسل ولا ذرّيّة( وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ ) تعريض بمن آمن منهم، وتنبيه على أنّ الفارق بين من نجا ومن هلك هو الإيمان.

وقصّة عاد إجمالا: أنّهم قد تبسّطوا في البلاد ما بين عمان وحضر موت، وكانت مساكنهم في اليمن بالشحر والأحقاف، وهي رمال يقال لها: رمل عالج.

وكان لهم زرع ونخل، ولهم أعمار طويلة، وأجساد عظيمة. وكانت لهم أصنام يعبدونها: صداء، وصمود، والهباء. فبعث الله إليهم هودا نبيّا، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا، فكذّبوه وازدادوا عتوّا وتجبّرا، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتّى جهدوا. وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج منه عند بيته الحرام، مسلمهم ومشركهم. وأهل مكّة إذ ذاك العماليق، أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيّدهم معاوية بن بكر.

فجهّزت عاد إلى مكّة سبعين رجلا، منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الّذي كان يكتم إسلامه. فلمّا قدموا نزلوا على معاوية بن بكر ـ وهو بظاهر مكّة خارجا

__________________

(١) العنكبوت: ٤٢.


عن الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره. فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان ـ قينتان كانتا لمعاوية بن بكر ـ اسم إحداهما وردة والاخرى جرادة، فقيل لهما الجرادتان على التغليب.

فلمّا رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عمّا قدموا له أهمّه ذلك، وقال: قد هلك أخوالي واصهاري وهؤلاء على ما هم عليه. وكان يستحي أن يكلّمهم خيفة أن يظنّوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين. فقالتا: قل شعرا نغنّيهم به لا يدرون من قاله. فقال معاوية :

ألا يا قيل ويحك قم فهينم(١)

لعلّ الله يسقينا غماما

فيسقي أرض عاد إن عادا

قد أمسوا ما يبينون الكلاما

فلمّا غنّتا به قالوا: إنّ قومكم يتغوّثون من البلاء الّذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.

فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيّكم وتبتم إلى الله سقيتم، وأظهر إسلامه.

فقالوا لمعاوية: احبس عنّا مرثدا، لا يقدمنّ معنا مكّة، فإنّه قد اتّبع دين هود وترك ديننا. ثمّ دخلوا مكّة.

فقال قيل: أللّهمّ اسق عادا ما كنت تسقيهم.

فأنشأ الله سحابات ثلاثا: بيضاء، وحمراء، وسوداء. ثمّ ناداه مناد من السماء يا قيل: اختر لنفسك وقومك.

فقال: اخترت السوداء، فإنّها أكثرهنّ ماء. فخرجت على عاد من واد لهم يقال له: المغيث. فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا. فجاءتهم منها ريح عقيم، فتدمغهم بالحجارة فأهلكتهم. ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكّة، فعبدوا الله فيها حتى ماتوا.

وروى أبو حمزة الثمالي، عن سالم، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «إنّ لله بيت ريح

__________________

(١) أمر من الهينمة، وهو الصوت الخفيّ، أي: فادع الله تعالى.


مقفل عليه لو فتح لأذرت(١) ما بين السماء والأرض، ما أرسل على قوم عاد إلّا قدر الخاتم».

وروي عنهعليه‌السلام : «أنّه كان هود وصالح وشعيب وإسماعيل ونبيّنا صلّى الله عليه وعليهم يتكلّمون بالعربيّة».

( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) )

__________________

(١) أذرته الريح إذراء: أطارته وفرّقته.


وبعد ذكر قصّة عاد عطف عليها قصّة صالح، فقال:( وَإِلى ثَمُودَ ) أي: وأرسلنا إلى ثمود. وهي قبيلة أخرى من العرب سمّوا باسم أبيهم الأكبر، وهو ثمود بن عابر بن ارم بن سام. وقيل: سمّوا به لقلّة مائهم، من الثمد، وهو الماء القليل.

وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى.( أَخاهُمْ صالِحاً ) صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. فصالح من ولد ثمود.

( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) معجزة ظاهرة الدلالة على صحّة نبوّتي.

وقوله:( هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) استئناف لبيانها، كأنّه قيل: ما هذه البيّنة؟ فقال: هذه ناقة الله لكم. و «آية» نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة.

و «لكم» بيان لمن هي له آية. ويجوز أن تكون «ناقة الله» بدلا أو عطف بيان، و «لكم» خبرا عاملا في «آية». وإضافة الناقة إلى الله تعالى لتعظيمها، ولأنّها جاءت من عند الله بلا وسائط وأسباب معهودة، فإنّها خرجت من صخرة ملساء، كما سنذكر، ولذلك كانت آية.

( فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ ) العشب( وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ) بعقر أو نحر.

نهى عن المسّ الّذي هو مقدّمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى، مبالغة في الأمر، وإزاحة للعذر.( فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) جواب للنهي.

( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ ) في الأرض، بأن مكّنكم فيها( مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) وأنزلكم في أرض الحجر، وجعل لكم فيها مساكن تأوون إليها.

( تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً ) أي: تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من اللبن والآجرّ( وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ) تسكنونها في الشتاء. وانتصاب «بيوتا» على الحال المقدّرة، كما تقول: خط هذا الثوب قميصا، لأنّ الجبل لا يكون


بيتا في حال النحت، ولا الثوب قميصا. أو على المفعوليّة، على أنّ التقدير: بيوتا من الجبال، أو تنحتون بمعنى: تتّخذون.

( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ ) نعم الله عليكم، بما أعطاكم من القوّة والتمكّن في الأرض( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) ولا تضطربوا بالفساد في الأرض، ولا تبالغوا فيه.

( قالَ الْمَلَأُ ) . وقرأ ابن عامر: وقال الملأ بالواو.( الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) تعظّموا وأبوا من اتّباع الرسول الداعي إلى الله( مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) أي: للّذين استضعفوهم واستذلّوهم( لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) بدل من( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) بدل الكلّ إن كان الضمير لـ «قومه»، وبدل البعض إن كان لـ «الّذين». وذلك أنّ الراجع إذا رجع إلى «قومه» فقد جعل «من آمن» مفسّرا لمن استضعف منهم، فدلّ أنّ استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين، وإذا رجع إلى «الذين استضعفوا» لم يكن الاستضعاف مقصورا عليهم، ودلّ أنّ المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين.

( أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ) قالوه على الاستهزاء( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) . عدلوا به عن الجواب السويّ الّذي هو «نعم» تنبيها على أنّ إرساله أظهر من أن يشكّ فيه عاقل، ويخفى على ذي رأي، وإنّما الكلام فيمن آمن به ومن كفر، فلذلك قال:( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) على وجه المقابلة. ووضعوا «آمنتم به» موضع: أرسل به، ردّا لـما جعلوه معلوما مسلّما.

( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ) فنحروها. قال الأزهري(١) : «العقر عند العرب قطع عرقوب البعير، ثمّ جعل النحر عقرا، لأنّ ناحر البعير يعقره ثمّ ينحره». أسند إلى جميعهم فعل بعضهم ـ وهو قدار بن سالف مع أصحابه ـ للملابسة، أو لأنّه كان برضاهم.

وقدار كان أحيمر أزرق قصيرا، وكانوا تسعة رهط.

روى الثعلبي بإسناده مرفوعا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «يا علي أتدري من

__________________

(١) تهذيب اللغة ١: ٢١٥.


أشقى الأوّلين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: عاقر الناقة. قال: أتدري من أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: الّذي يخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ورأسه».

( وَعَتَوْا ) واستكبروا وتولّوا( عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) عن امتثاله، وهو ما بلّغهم صالح بقوله: «فذروها». أو عن شأن ربّهم، وهو دينه.( وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا ) من العذاب. وإنّما استعجلوه لتكذيبهم به، ولذلك علّقوه بما كانوا به كافرين، وهو قوله:( إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) من عند الله.

( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) أي: الصيحة الّتي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها، أو الزلزلة الّتي زلزلت بها الأرض( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ ) في مساكنهم وبلادهم( جاثِمِينَ ) صرعى ميّتين هامدين لا حراك بهم. يقال: الناس جثم، أي: قعود لا حراك بهم. ومنه المجثمة الّتي جاء النهي عنها، وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى.

وعن جابر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا مرّ بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم إلّا رجل واحد كان في حرم الله.

قالوا: من هو؟ قال: ذاك أبو رغال، فلمّا خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه.

وروي أنّ صالحا كان بعثه إلى قوم فخالف أمره».

( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ) تولّى يتحسّر على ما فاته من إيمانهم ويتحزّن لهم( وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ) لقد بذلت فيكم وسعي، ولم آل جهدا في النصيحة لكم( وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) حكاية حال ماضية. وظاهره يدلّ أنّ تولّيه عنهم كان بعد أن أبصرهم موتى صرعى، ولعلّه خاطبهم به بعد هلاكهم، كما خاطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل قليب بدر، وقال: إنّا وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ أو ذكر ذلك على سبيل التحسّر عليهم كما مرّ، كما يقول


الرجل لصاحبه وهو ميّت، وكان قد نصحه فلم يسمع منه حتّى ألقى بنفسه في التهلكة: يا أخي كم نصحتك، وكم قلت لك فلم تقبل منّي؟ ويجوز أن يتولّى عنهم تولّي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.

وملخّص قصّتهم: أنّ عادا لـمّا هلكت عمرت ثمود بلادها، وخلّفوهم في الأرض، وكثروا وعمّروا أعمارا طوالا، حتّى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت من الجبال. وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا. فدعاهم إلى الله، فلم يتّبعه إلّا قليل منهم مستضعفون، فحذّرهم وأنذرهم. فسألوه آية.

فقال: أيّة آية تريدون؟

قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتّبعناك، وإن استجيب لنا اتّبعتنا.

فقال صالح: نعم. فخرج معهم ودعوا أوثانهم، وسألوها الاستجابة فلم تجبهم.

ثمّ قال سيّدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء. والمخترجة هي الّتي شاكلت البخت. فإن فعلت صدّقناك وأجبناك.

فأخذ صالحعليه‌السلام المواثيق عليهم لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ولتصدّقنّ؟ قالوا: نعم. فصلّى ودعا ربّه فتمخّضت الصخرة تمخّض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، لا يعلم ما بين جنبيها إلّا الله، وعظماؤهم ينظرون، ثمّ نتجت ولدا مثلها في العظم. فآمن به جندع ورهط من قومه، ومنع الباقين من الإيمان ذؤاب بن عمرو، والحباب صاحب أوثانهم، ورباب كاهنهم.


فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غبّا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتّى تشرب كلّ ماء فيها، ثمّ تتفحّج(١) فيحتلبون ما شاؤا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدّخرون.

قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستّين ذراعا. وفي رواية الحسن بن محبوب: ثمانون ذراعا.

وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيّفت بظهر الوادي، فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد تشتّت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشقّ ذلك عليهم. وزيّنت عقرها لهم امرأتان: عنيزة أمّ غنم، وصدقة بنت المختار، لـمّا أضرّت به من مواشيهما، وكانتا كثيرتي المواشي.

فعنيزة دعت قدار بن سالف ـ وكان ولد زنا ـ وقالت: أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة. وكان قدار عزيزا منيعا في قومه. ودعت صدقة ـ وهي ذات جمال ـ رجلا من ثمود يقال له: مصدع بن مهرج، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة.

فاستغويا غواة ثمود، فأتبعهما سبعة نفر، فعقروها، واقتسموا لحمها وطبخوه.

فانطلق سقبها(٢) حتّى رقى جبلا اسمه قارة، فرغا(٣) ثلاثا. وكان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه. وانفجّت(٤) الصخرة بعد رغائه فدخلها.

فقال لهم صالح: تصبحون غدا ووجوهكم مصفرّة، وبعد غد ووجوهكم محمرّة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة، ثمّ يصبحكم العذاب.

__________________

(١) أي: تفرّج ما بين رجليها.

(٢) السقب: ولد الناقة ساعة يولد، وجمعه: أسقب.

(٣) رغا البعير: صوّت وضجّ.

(٤) أي: انفتحت.


فلمّا رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولـمّا كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر(١) وتكفّنوا بالأنطاع(٢) ، فأتتهم صيحة من السماء، فتقطّعت قلوبهم، فهلكوا.

وروي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بقبر أبي رغال فقال: «أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فذكر قصّة أبي رغال، وأنّه دفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب.

فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن».

وروي أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت.

وروي أنّه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فالتفت فرأى الدخان ساطعا، فعلم أنّهم قد هلكوا، وكانوا ألفا وخمسمائة. وروي أنّه رجع بمن معه، فسكنوا ديارهم.

( وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) )

ثمّ عطف الله سبحانه على قصّتهم قصّة لوط، وقال:( وَلُوطاً ) أي: أرسلنا

__________________

(١) الصّبر: عصارة شجر مرّ.

(٢) النطع: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب.


لوطا. وهو لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم الخليل. وقيل: إنّه كان ابن خالة إبراهيم، وكانت سارة امرأة إبراهيم أخت لوط.( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ) وقت قوله لهم. أو واذكر لوطا. و «إذ» بدل منه.( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، وهي إتيان الرجال في أدبارهم.( ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) ما عملها قبلكم أحد قطّ.

والباء للتعدية. و «من» الأولى لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض، والجملة استئناف مقرّر للإنكار، كأنّه وبّخهم أوّلا بإتيان الفاحشة ثمّ باختراعها، فإنّه أسوأ.

وقوله:( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ) بيان لقوله:( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) . وهو أبلغ في الإنكار والتوبيخ. وقرأ نافع وحفص: إنّكم، على الإخبار المستأنف. و «شهوة» مفعول له، أي: للاشتهاء. أو مصدر موضع الحال، أي: ذوي شهوة. وفي التقييد بها وصفهم بالبهيميّة الصرفة، وتنبيه على أنّ العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء الوطر. و( مِنْ دُونِ النِّساءِ ) في موضع الحال أيضا، أي: تاركين إتيان النساء اللاتي أباح الله إتيانهنّ، أي: مجامعتهنّ، من: أتى المرأة إذا غشيها.

( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) متجاوزون الحدّ في الفساد، حتى تجاوزتم المعتاد إلى غير المعتاد. وهذا إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عن حالهم الّتي أدّت بهم إلى ارتكاب أمثالها، وهي اعتياد الإسراف في كلّ شيء. أو عن الإنكار عليها إلى الذمّ على جميع معايبهم. أو عن محذوف، مثل: لا عذر لكم فيه، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف.

( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) يعني: ما أجابوا لوطا عمّا كلّمهم به بما يكون جوابا، ولكنّهم جاؤا بما لا يتعلّق بكلامه ونصيحته ،


من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم، والاستهزاء بهم. فقالوا استهزاء وافتخارا بما كانوا فيه من القذرات:( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) أي: من الفواحش والخبائث.

( فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ ) فخلّصنا لوطا ومن آمن معه( إِلَّا امْرَأَتَهُ ) فإنّها كانت تسرّ الكفر موالية لأهل سدوم( كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) من الّذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فيها. والتذكير لتغليب الذكور. روي أنّها التفتت فأصابها الحجر فماتت.

( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ) أي: نوعا من المطر عجيبا، وهو مبيّن بقوله:( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) (١) .( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) تفكّر بعين العقل كيف كان مآل أمر المقترفين للسيّئات؟ وعاقبة فعلهم من عذاب الدنيا بالاستئصال قبل عذاب الآخرة بالخلود في النار.

وتحرير قصّتهم على ما روي عن أبي حمزة الثمالي وأبي بصير عن أبي جعفرعليه‌السلام وغيره: أنّ لوطا لـمّا هاجر مع عمّه إبراهيم إلى الشام نزل بالأردن، فأرسله الله إلى أهل سدوم ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عمّا اخترعوه من الفاحشة.

فلبث في قومه ثلاثين سنة، وكان نازلا فيهم، ولم يكن منهم، يدعوهم إلى الله، وينهاهم عن الفواحش، ويحثّهم على الطاعة، فلم يجيبوه، ولم يطيعوه.

وكانوا لا يتطهّرون من الجنابة، بخلاء أشحّاء على الطعام، فأعقبهم البخل الداء الّذي لا دواء له في فروجهم. وذلك أنّهم كانوا على طريق السيّارة إلى الشام ومصر، وكان ينزل بهم الضيفان، فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضيف فضحوه، وإنّما فعلوا ذلك لتنكل النازلة عليهم، من غير شهوة بهم إلى ذلك.

فأوردهم البخل هذا الداء، حتى صاروا يطلبونه من الرجال، ويعطون عليه الجعل.

وكان لوط سخيّا كريما يقري الضيف إذا نزل به، فنهوه عن ذلك وقالوا: لا

__________________

(١) الحجر: ٧٤.


تقرينّ ضيفا جاء ينزل بك، فإنّك إن فعلت فضحنا ضيفك. فكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه.

ولـمّا أراد الله سبحانه عذابهم بعث إليهم رسلا مبشّرين ومنذرين. فلمّا عتوا عن أمره بعث الله إليهم جبرئيل في نفر من الملائكة، فأقبلوا إلى إبراهيم قبل لوط.

فلمّا رآهم إبراهيم ذبح عجلا سمينا، فلمّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم، وأوجس منهم خيفة، قالوا: يا إبراهيم إنّا رسل ربّك، ونحن لا نأكل الطعام، إنّا أرسلنا إلى قوم لوط. وخرجوا من عند إبراهيم، فوقفوا على لوط وهو يسقي الزرع.

فقال: من أنتم؟

قالوا: نحن أبناء السبيل أضفنا الليلة.

فقال لوط: إنّ أهل هذه القرية قوم سوء، ينكحون الرجال في أدبارهم، ويأخذون أموالهم.

قالوا: قد أبطأنا فأضفنا.

فجاء لوط إلى أهله وكانت كافرة، فقال: قد أتاني أضياف في هذه الليلة، فاكتمي أمرهم.

قالت: أفعل. وكانت العلامة بينها وبين قومها أنّه إذا كان عند لوط أضياف بالنهار تدخّن من فوق السطح، وإذا كان بالليل توقد النار.

فلمّا دخل جبرئيل والملائكة معه بيت لوط وثبت امرأته على السطح فأوقدت نارا، فأقبل القوم من كلّ ناحية يهرعون إليه، أي: يسرعون، ودار بينهم ما قصّه الله تعالى في مواضع من كتابه. فضرب جبرئيل بجناحه على عيونهم فطمسها، فلمّا رأوا ذلك علموا أنّه قد أتاهم العذاب.

فقال جبرئيل للوط: أخرج من بينهم أنت وأهلك إلّا امرأتك.


فقال: كيف أخرج وقد اجتمعوا حول داري؟

فوضع بين يديه عمودا من نور، وقال: اتّبع هذا العمود، ولا يلتفت منكم أحد.

فخرجوا من القرية. فلمّا طلع الفجر ضرب جبرئيلعليه‌السلام بجناحه في طرف القرية فقلعها من تخوم الأرضين السابعة، ثمّ رفعها في الهواء، حتّى سمع أهل السماء نباح كلابهم وصراخ ديوكهم، ثم قلبها عليهم. وهو قول اللهعزوجل ( جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ) (١) . وذلك بعد أن أمطر الله عليهم حجارة من سجّيل، وهلكت امرأته، بأن أرسل الله عليها صخرة فقتلتها، كما مرّ.

وقيل: قلبت المدينة على الحاضرين منهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطرت الحجارة على الغائبين، فأهلكوا بها.

وقال الكلبي: أوّل من عمل عمل قوم لوط إبليس الخبيث، لأنّ بلادهم أخصبت، فانتجعها(٢) أهل البلدان، فتمثّل لهم إبليس في صورة شابّ، ثمّ دعاهم إلى دبره فنكح في دبره، ثمّ عبثوا بذلك العمل. فلمّا كثر ذلك فيهم عجّت الأرض إلى ربّها، فسمعت السماء فعجّت إلى ربّها، فسمع العرش فعجّ إلى ربّه، فأمر الله السماء أن تحصبهم، وأمر الأرض أن تخسف بهم.

( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ

__________________

(١) هود: ٨٢.

(٢) انتجع القوم الكلأ: ذهبوا لطلبه في مواضعه.


مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) )


ثمّ عطف الله سبحانه على ما تقدّم من القصص قصّة شعيب، فقال:( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) أي: وأرسلنا إليهم. وهم أولاد مدين بن إبراهيمعليه‌السلام ، فنسبت القبيلة إليه. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وقال قتادة: هو شعيب بن بويب. وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل بن يشحب بن مدين.

وكان يقال له خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه.

( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: معجزة من عند ربّكم شاهدة بصحّة نبوّتي، أوجبت عليكم الإيمان. وليس في القرآن أنّها ما هي، كما لم تذكر أكثر معجزات الأنبياء فيه، ولكن قد وقع العلم بأنّه كانت له معجزة تشهد له وتصدّقه، وإلّا لم تصحّ دعواه. وكان متنبّئا لا نبيّا. وما روي من أنّ معجزاته هي محاربة عصا موسى التنّين(١) حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الّتي دفعها إليه الدرع(٢) خاصّة حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم على يده في المرّات السبع، متأخّر(٣) عن هذه المقاولة. ويحتمل أن تكون كرامة لموسىعليه‌السلام ، أو إرهاصا(٤) لنبوّته.

( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) أي: آلة الكيل على الإضمار، وهي المكيال. أو إطلاق الكيل على المكيال، كالعيش على المعاش، وهو ما يعاش به، لقوله( وَالْمِيزانَ ) كما قال في سورة هود:( أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ) (٥) . أو أوفوا الكيل ووزن الميزان. ويجوز أن يكون الميزان مصدرا، كالميعاد والميلاد.

__________________

(١) التنّين: الحيّة العظيمة.

(٢) الدرع جمع الأدرع، وهو من الفرس والشاة ما اسودّ رأسه وابيضّ سائر جسده.

(٣) خبر «وما روي ...» قبل ثلاثة أسطر.

(٤) الإرهاص: ما يصدر من النبيّ من خوارق العادة قبل دعوى النبوّة.

(٥) هود: ٨٥.


( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) ولا تنقصوهم حقوقهم. وإنّما قال: «أشياءهم» للتعميم، تنبيها على أنّهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير. وقيل: كانوا مكّاسين(١) ، لا يدعون شيئا إلّا مكسوه.

( وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بالكفر والبخس وغيرهما( بَعْدَ إِصْلاحِها ) بعد ما أصلح الصالحون أمرها. أو أهلها من الأنبياء وأتباعهم العاملين بالشرائع. أو أصلحوا فيها. والإضافة إليها كالإضافة في( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) (٢) أي: مكركم في الليل والنهار.

( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض. أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه. ومعنى الخيريّة إمّا الزيادة مطلقا، أو في الإنسانيّة وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من الربح، لأنّ الناس إن عرفوا منكم النصفة والأمانة رغبوا في متاجرتكم.

( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) مصدّقين لي في قولي.

( وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ) بكلّ منهاج من مناهج الدين، مشبّهين بالشيطان في قوله:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) (٣) .( تُوعِدُونَ ) تخوّفون بالقتل والضرب والحبس. وصراط الحقّ وإن كان واحدا، كقوله تعالى:( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (٤) ، لكنّه يتشعّب إلى معارف وحدود وأحكام، فلهذا قال: بكلّ صراط. وكانوا إذا رأوا أحدا يسعى في شيء منها منعوه.

__________________

(١) مكسه: ظلمه، وفي البيع: انتقص الثمن. والمكّاس: من يأخذ المكس، أي: الدراهم التي كانت تؤخذ من بائعي السلع في الجاهليّة.

(٢) سبأ: ٣٣.

(٣) الأعراف: ١٦.

(٤) الأنعام: ١٥٣.


وقيل: كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيبا: إنّه كذّاب فلا يفتننّك عن دينك، ويوعدون لمن آمن به.

وقيل: كانوا يقطعون الطريق. وقيل: كانوا عشّارين.

ويؤيّد الأوّل قوله:( وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) يعني: الّذي قعدوا عليه.

فوضع الظاهر موضع المضمر، بيانا لكلّ صراط، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه، وتقبيحا لـما كانوا عليه. أو الإيمان بالله تعالى. ومحلّ «توعدون» و «تصدّون» النصب على الحال من الضمير في «تقعدوا» أي: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجا.

( مَنْ آمَنَ بِهِ ) أي: بالله، أو بكلّ صراط على الأوّل. و «من» مفعول «تصدّون» على إعمال الأقرب. ولو كان مفعول «توعدون» لقال: وتصدّونهم.

( وَتَبْغُونَها عِوَجاً ) وتطلبون لسبيل الله تعالى عوجا، بإلقاء الشبه، أو بوصفها للناس بأنّها معوجّة غير مستقيمة، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها.

( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً ) عددكم( فَكَثَّرَكُمْ ) بالبركة في النسل. و «إذ» مفعول به غير ظرف، أي: واذكروا على وجه الشكر وقت كونكم قليلا عددكم.

قيل: إنّ مدين بن إبراهيم الخليلعليه‌السلام تزوّج بنت لوط فولدت له، فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء، فكثروا. ويجوز أن يكون معناه: إذ كنتم فقراء مقلّين فجعلكم أغنياء مكثرين.

( وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، واعتبروا بهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، كانوا قريبي العهد ممّا أصاب المؤتفكة.

( وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ) وقبلوا قولي( وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ) لم يصدّقوني( فَاصْبِرُوا ) فتربّصوا وانتظروا( حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا ) أي: بين الفريقين بنصر المحقّين على المبطلين. فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ،


كقوله:( فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) (١) .( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) إذ لا معقّب لحكمه، ولا حيف فيه.

( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) أي: قال الّذين رفعوا أنفسهم فوق مقدارها( مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) أي: ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم من بلدتنا، أو عودكم في الكفر. وشعيب لم يكن في ملّتهم قطّ، لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر لا قبل البعث ولا بعدها، لكن غلّبوا الجماعة على الواحد، فخوطب هو وقومه بخطابهم. وعلى التغليب أجري الجواب في قوله:( قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ) الواو للحال، والهمزة للاستفهام، أي: وكيف نعود فيها في حال كوننا كارهين للدخول فيها؟

وقيل: المعنى: إنّكم لا تقدرون على ردّنا إلى دينكم على كره منّا. فيكون على هذا «كارهين» بمعنى: مكرهين. أو يكون ذكر العود لظنّهم أنّه كان قبل ذلك على دينهم، وقد كانعليه‌السلام يخفي دينه فيهم.

( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ ) اختلقنا عليه( كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها ) شرط جوابه محذوف، دليله «قد افترينا». وهو بمعنى المستقبل، لأنّه لم يقع، لكنّه جعل كالواقع للمبالغة. وأدخل عليه «قد» لتقريبه من الحال، أي: قد افترينا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها، حيث نزعم أنّ لله تعالى ندّا، وأنّه قد تبيّن لنا أنّ ما كنّا عليه باطل، وما أنتم عليه حقّ. وقيل: إنّه جواب قسم، وتقديره: والله لقد افترينا.

( وَما يَكُونُ لَنا ) وما يصحّ وما ينبغي لنا( أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا ) خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنّها لا تنفع فينا، فيكون فعلها بنا عبثا، والله تعالى متعال عن فعل العبث.

__________________

(١) التوبة: ٥٢.


وقيل: أراد به قطع طمعهم في العود بسبب التعليق على ما لا يكون، فإنّ مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة. فهذا من قبيل قوله:( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ) (١) . وكما قيل :

إذا شاب الغراب أتيت أهلي

وصار القار كاللبن الحليب

( وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) أي: أحاط علمه بكلّ شيء ممّا كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل، وقلوبهم كيف تنقلب، وكيف تقسو بعد الرقّة، وتمرض بعد الصحّة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان. أو علمه أحاط بكلّ ما هو من الحكمة، وما هو خارج عنها.

( عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا ) في أن يثبّتنا على الإيمان، ويخلّصنا من الأشرار، ويوفّقنا لازدياد الإيقان.( رَبَّنَا افْتَحْ ) أي: احكم( بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ ) فإنّ الفتاحة الحكومة. أو أظهر أمرنا، بأن تنزل عليهم عذابا يتبيّن معه أنّا على الحقّ وأنّهم على الباطل، ويتميّز المحقّ من المبطل، من: فتح المشكل إذا بيّنه.( وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) على المعنيين.

( وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) أي: اشرافهم، للّذين دونهم يثبّطونهم عن الإيمان( لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ) وتركتم دينكم( إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) لاستبدالكم ضلالته بهداكم. أو لفوات ما يحصل بالبخس والتطفيف، لأنّه ينهاكم عنهما، ويحملكم على الإيفاء والتسوية. وهو سادّ مسدّ جواب الشرط والقسم الموطّأ باللام.

( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) الزلزلة. وفي سورة الحجر:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) (٢) .

ولعلّها كانت من مباديها.( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ ) أي: في مدينتهم( جاثِمِينَ ) ميّتين لا حراك لهم.

__________________

(١) الأعراف: ٤٠.

(٢) الحجر: ٧٣.


( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً ) مبتدأ خبره:( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) أي: استؤصلوا، كأن لم يقيموا بها. والمغنى: المنزل.

( الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ ) أي: هم المخصوصون بالخسران العظيم دينا ودنيا، لا الّذين صدّقوه واتّبعوه كما زعموا: فإنّهم الرابحون في الدارين.

وللتنبيه على هذا والمبالغة فيه كرّر الموصول، واستأنف بالجملتين، وأتى بهما اسميّتين. ففي هذا الاستئناف والتكرار تسفيه لرأي الملأ، وردّ لمقالتهم.

( فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ) لـمّا رأى إقبال العذاب عليهم( وَقالَ ) تاسّفا بهم، لشدّة حزنه عليهم:( يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ) لقد أعذرت إليكم في النصيحة، وإبلاغ الرسالة، والتحذير ممّا حلّ بكم، فلم تصدّقوني.

ثم أنكر على نفسه فقال:( فَكَيْفَ آسى ) أحزن جدّا، فإنّ الأسى شدّة الحزن( عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ) الّذين ليسوا أهل حزن، لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم. أو قال هذا اعتذارا عن عدم شدّة حزنه عليهم. والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار، وبذلت وسعي في النصح والإشفاق، فلم تصدّقوا قولي، فكيف أحزن عليكم وأنتم لستم أحقّاء بالأسى؟!

( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) )

ثمّ ذكر سبحانه بعد ما اقتصّ من قصص الأنبياء، وتكذيب أممهم إيّاهم، وما نزل بهم من العذاب، سنّته في أمثالهم، تسلية لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ ) بالبؤس، وهو الفقر( وَالضَّرَّاءِ ) وهو


المرض( لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) كي يتضرّعوا ويتذلّلوا ويتوبوا.

( ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ ) رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والشدّة، وأعطيناهم بدله السعة والسلامة، ابتلاء لهم بهذين الأمرين، كقوله:( وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ) (١) .( حَتَّى عَفَوْا ) كثروا عددا وعددا. يقال: عفا النبات والشحم والوبر، إذا كثر. ومنه

قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «واعفوا اللحى».

فأبطرتهم النعمة والصحّة وأشروا( وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ) كفرانا لنعمة الله، ونسيانا لذكره، واعتقادا بأنّ هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضّرّاء والسّرّاء، وقد مسّ آباءنا نحو ذلك، فلم ينتقلوا عمّا كانوا عليه.

( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ) فجأة عبرة لمن بعدهم( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بنزول العذاب إلّا بعد حلوله، وهو أشدّ الأخذ وأفظعه.

( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ كلّ من أهلكه من الأمم المتقدّم ذكرهم إنّما أتوا في ذلك

__________________

(١) الأعراف: ١٦٨.


من قبل نفوسهم، فقال:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى ) يعني: القرى المدلول عليها بقوله:( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ ) (١) . فكأنّه قال: ولو أنّ أهل تلك القرى الّذين كذّبوا.

وقيل: مكّة وما حولها. وقيل: اللام للجنس.( آمَنُوا ) بدل أن كفروا( وَاتَّقَوْا ) مكان أن أشركوا وعصوا( لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ ) خيرات نامية( مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) أي: لوسّعنا عليهم الخير، ويسّرناه لهم من كلّ جانب. ومنه قولهم :فتحت على القارئ، إذا تعذّرت عليه القراءة فيسّرتها عليه بالتلقين. وقيل: المراد المطر والنبات. وقرأ ابن عامر: لفتّحنا بالتشديد.

( وَلكِنْ كَذَّبُوا ) الرسل( فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) بسوء كسبهم، من الكفر والمعاصي.

( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) عطف على قوله:( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) .

وما بينهما اعتراض، والهمزة للإنكار. والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى الّذين يكذّبون نبيّنا( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً ) ؟ أي: وقت بيات، أو مبيّتا، أو مبيّنين، أو بمعنى: تبييتا، كالسلام بمعنى التسليم، فكأنّه قيل: أن يبيّتهم بأسنا تبييتا. وهو في الأصل مصدر بمعنى: البيتوتة.( وَهُمْ نائِمُونَ ) حال من ضمير «هم» البارز، أو المستتر في «بياتا».

( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: أو بالسكون، على الترديد.( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى ) ضحوة النهار. وهو في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت. ونصبه على الظرف.( وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) يلهون من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، فكأنّهم يلعبون. وتخصيص هذين الوقتين لغفلتهم فيهما غالبا.

( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ ) تكرير لقوله:( أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) . ومكر الله تعالى استعارة لاستدراج العبد، وأخذه من حيث لا يحتسب. فعلى العاقل أن يكون خائفا

__________________

(١) الأعراف: ٩٤.


من مكر الله، كالمحارب الّذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.

وعن ربيع بن خثيم أنّ ابنته قالت له: مالي أري الناس ينامون، ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إنّ أباك يخاف البيات. أراد قوله:( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً ) .

( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) الّذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار.

قيل: إنّ الأنبياء وسائر المعصومين أمنوا مكر الله، وليسوا بخاسرين.

وأجيب أنّ تقدير الآية: لا يأمن مكر الله من المذنبين إلّا القوم الخاسرون، بدلالة قوله تعالى:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ) (١) . أو لا يؤمّن عذاب الله للعصاة إلّا الخاسرون، والمعصومون لا يؤمّنون عذاب الله للعصاة. أو لا يأمن عقاب الله جهلا بحكمته إلّا الخاسرون.

( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) )

ثمّ أنكر سبحانه عليهم تركهم الاعتبار بمن تقدّمهم من الأمم، فقال:( أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ) أي: يخلفون من خلا قبلهم، ويرثون

__________________

(١) الدخان: ٥١.


أرضهم. وإنّما عدّي باللام لأنّه بمعنى: يبيّن.( أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) أنّ الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، وأهلكناهم كما أهلكنا أولئك( وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) معطوف على ما دلّ عليه( أَوَلَمْ يَهْدِ ) ، فكأنّه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم. أو على( يَرِثُونَ الْأَرْضَ ) . أو منقطع عنه، بمعنى: ونحن نطبع. ولا يجوز عطفه على «أصبناهم» على أنّه بمعنى: وطبعنا، لأنّه في سياقة جواب «لو»، وهو يدلّ على نفي الطبع عنهم، وهذا باطل، لأنّ القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم من فرط الكفر واقتراف الذنب، والرسوخ عليه عنادا ولجاجا، مع ظهور الحقّ عليهم. وقد ذكرنا معنى الطبع(١) غير مرّة.( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) سماع تفهّم واعتبار.

( تِلْكَ الْقُرى ) يعني: قرى الأمم المارّ ذكرهم( نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ) لتخبر قومك بها، فيعتبروا ويحذروا عن الإصرار على مثل حالهم. والجملة الفعليّة حاليّة إن جعل القرى خبرا لـ «تلك»، فيكون كلاما مفيدا بالتقييد بالقرى، كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم. وخبر إن جعلت صفة لـ «تلك».

ويجوز أن يكونا خبرين، و «من» للتبعيض، أي: نقصّ بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لا نقصّها.

( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) عند مجيئهم بها( بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) ومن قبل مجيء الرسل، بل كانوا مستمرّين على التكذيب. أو فما كانوا ليؤمنوا مدّة عمرهم بما كذّبوا به أوّلا حين جاءتهم الرسل، ولم تؤثّر فيهم قطّ دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. واللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ الإيمان كان منافيا لحالهم، لفرط عنادهم ولجاجهم، وتصميمهم على الكفر، وانهماكهم في المعصية، مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات.

__________________

(١) راجع ص ١٨٧ ذيل الآية ١٥٥ من سورة النساء.


( كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك الطبع الشديد( يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ) فلا تلين شكيمتهم(١) بالآيات والنذر.

( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ ) لأكثر الناس، والآية اعتراض. أو لأكثر الأمم المذكورين( مِنْ عَهْدٍ ) من وفاء عهد، فإنّ أكثرهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإيمان والتقوى، بإنزال الآيات ونصب الحجج. أو ما عهدوا إليه حين كانوا في ضرّ ومخافة، مثل:( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) (٢) .

( وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ ) أي: وإن الشأن علمناهم( لَفاسِقِينَ ) خارجين عن الطاعة، من: وجدت زيدا ذا الحفاظ، لدخول «إن» المخفّفة واللام الفارقة، وذلك لا يجوز إلّا في المبتدأ والخبر، والأفعال الداخلة عليهما. وعند الكوفيّين «إن» للنفي، واللام بمعنى «إلّا». وذكر الأكثر مع أنّ كلّهم كافرون، لأنّ أكثرهم مع كفرهم فاسق في دينه، غير لازم لمذهبه، ناقض للعهد، قليل الوفاء به.

( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ

__________________

(١) الشكيمة: الأنفة والإباء وعدم الانقياد.

(٢) يونس: ٢٢.


فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) )


ثمّ عطف سبحانه قصّة موسىعليه‌السلام على ما تقدّم من قصص الأنبياءعليهم‌السلام ، فقال:( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى ) الضمير للرسل في قوله:( وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ) . أو للأمم.( بِآياتِنا ) يعني: المعجزات( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها ) بأن كفروا بها مكان الإيمان الّذي هو من حقّها، لوضوحها. ولهذا المعنى وضع «ظلموا» موضع: كفروا. وفرعون لقب لمن ملك مصر، ككسرى لمن ملك فارس.

وكان اسمه قابوس. وقيل: الوليد بن مصعب بن الريّان.( فَانْظُرْ ) نظر الاعتبار( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) من الإغراق.

( وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) إليك وإلى قومك.

وقوله:( حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) يجوز أن يكون هذا جوابا لتكذيبه إيّاه في دعوى الرسالة. وإنّما لم يذكره لدلالة قوله: «فظلموا بها» عليه.

وكأنّ أصله: حقيق عليّ أن لا أقول، كما قرأ نافع، أي: واجب عليّ، فقلب لأمن الالتباس. أو لأنّ ما لزمك فقد لزمته، فلمّا كان قول الحقّ حقيقا عليه كان هو حقيقا على قول الحقّ، أي: لازما له. أو لأنّ حقيقا يتضمّن معنى: حريص.

والتوجيه الرابع ـ وهو الأوجه الأدخل في نكت القرآن ـ: أن يغرق موسىعليه‌السلام في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام، لا سيّما وقد روي أنّ عدوّ الله فرعون قال له ـ لـمّا قال:( رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ـ: كذبت. فيقول: أنا حقيق عليّ قول الحقّ، أي: واجب عليّ قول الحقّ أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلّا بمثلي ناطقا به. ويحتمل أن يكون «على» بمعنى الباء، لإفادة التمكّن، كقولهم: رميت السهم على القوس، وجئت على حال حسنة.

( قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ ) بمعجزة ظاهرة الدلالة على صدقي( مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) فخلّهم من عقال التسخير حتّى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة الّتي هي وطن آبائهم. وكان قد استعبد فرعون والقبط بني إسرائيل، واستخدموهم في الأعمال الشاقّة، فأنقذهم الله بموسى. وكان بين اليوم الّذي دخل


يوسف مصر واليوم الّذي دخله موسى أربعمائة عام.

( قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ) بحجّة من عند من أرسلك( فَأْتِ بِها ) فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك، ويصحّ بها دعواك( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في الدعوى.

( فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) ظاهر أمره، لا يشكّ في أنّه ثعبان، وهو الحيّة العظيمة.

وروي أنّه لـمّا ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغرا(١) فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، وضع لحيه الأسفل على الأرض، ولحيه الأعلى على سور القصر. ثمّ توجّه نحو فرعون، فوثب فرعون من سريره وهرب وأحدث، وصاح: يا موسى أنشدك بالّذي أرسلك أن تأخذه وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل. وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ويصيح فرعون: خذه يا موسى.

فأخذه موسى، فعاد عصا.

واعلم أنّ عصا موسى كانت بصفة الجانّ في ابتداء النبوّة، كما حكاه الله تعالى في قوله:( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ ) (٢) . أمّا عند فرعون فصارت بصفة الثعبان. وقيل: إنّه سبحانه شبّهها بالجانّ لسرعة حركتها ونشاطها وخفّتها، مع أنّها في جسم الثعبان، فلا منافاة.

وروي أنّ هذه العصا كانت لآدمعليه‌السلام من آس الجنّة حين أهبط، وكانت تدور بين أولاده، حتّى انتهت النوبة إلى شعيب، فكانت ميراثا له مع أربعين عصا كانت لآبائه. فلمّا استأجر شعيب موسى أمره بدخول بيت فيه العصيّ، وقال له: خذ عصا من تلك العصيّ. فوقعت تلك العصا بيد موسى، فاستردّها شعيب، وقال: خذ غيرها، حتّى فعل ذلك سبع مرّات، وقيل: ثلاث مرّات، في كلّ مرّة تقع يده عليها دون غيرها، فتركها في يده في المرّة الأخيرة.

__________________

(١) أي: فاتحا.

(٢) النمل: ١٠، القصص: ٣١.


فلمّا خرج من عنده متوجّها إلى مصر ورأى نارا وأتى الشجرة، فناداه الله تعالى: أن يا موسى إنّي أنا الله، وأمره بإلقائها، فألقاها فصارت حيّة، فولّى هاربا.

فناداه الله: خذها ولا تخف. فأدخل يده بين لحييها فعادت عصا. فلمّا أتى فرعون ألقاها بين يديه، على ما تقدّم بيانه.

وقيل: كان الأنبياءعليهم‌السلام يأخذون العصا تجنّبا من الخيلاء. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من خرج في سفر ومعه عصا لوز مرّ، وتلا هذه الآية:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ) إلى قوله:( وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) (١) آمنه الله من كلّ سبع ضارّ، ومن كلّ لصّ، ومن كلّ ذات حمة(٢) ، حتى رجع إلى أهله ومنزله، وكان معه سبعة وسبعون من المعقّبات، يستغفرون له حتّى يرجع ويضعها».

وقيل: أوّل من أخذ من أخذ العصا عند الخطبة في العرب قسّ بن ساعدة.

رويّ أنّ فرعون قال له: هل معك آية اخرى؟ قال: نعم. فأدخل يده في جيبه ثمّ أخرجها، كما قالعزوجل :( وَنَزَعَ يَدَهُ ) أي: أخرجها من جيبه، أو من تحت إبطه( فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) أي: بيضاء بياضا خارجا عن العادة، بحيث تجتمع عليها النظّارة. وقيل: بيضاء للنظّار، لا أنّها كانت بيضاء في جبلّتها.

وروي أنّهعليه‌السلام كان آدم شديد الأدمة، فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه ثمّ نزعها فإذا هي بيضاء نورانيّة، غلب شعاعها شعاع الشمس.

( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) بالسحر، ماهر فيه.

واعلم أنّه تعالى قال في سورة الشعراء:( قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ ) (٣) . وقال هاهنا:( قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ) . ويمكن أن يكون قاله هو وقالوه أيضا، فحكى قوله هناك وقولهم هنا. أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ، كما يفعله الملوك، يبلّغ

__________________

(١) القصص: ٢٢ ـ ٢٨.

(٢) الحمة: السمّ.

(٣) الشعراء: ٣٤.


خواصّهم ما يرونه من الرأي إلى العامّة. والمعنى: قال الأشراف من قومه لمن دونهم في الرتبة، أصالة أو نيابة:( إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) .

( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) بسحره( فَما ذا تَأْمُرُونَ ) تشيرون في أن نفعل، من: أمرته فأمرني بكذا، إذا شاورته فأشار عليك برأي. وقيل: هذا قول الأشراف بعضهم لبعض على سبيل المشورة. ويحتمل أن يكون خطابهم إلى فرعون، وإنّما قالوا: «تأمرون» بلفظ الجمع على خطاب الملوك.

( قالُوا ) لفرعون( أَرْجِهْ وَأَخاهُ ) أي: أخّر أمرهما حتّى ترى رأيك فيهما وتدبير أمرهما.

وأصله: أرجئه، كما قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب، من: أرجأت. وكذلك: أرجئهو، على قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر على الأصل في الضمير. أو: أرجهي، من: أرجيت، كما قرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائي. وأمّا قراءة نافع في رواية قالون: أرجه بحذف الياء، فللاكتفاء بالكسرة عنها. وأمّا قراءة عاصم وحمزة: أرجه بسكون الهاء، فلتشبيه المنفصل بالمتّصل، وجعل «جه» كـ «إبل» في إسكان وسطه. وأمّا قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر: أرجئه بالهمزة وكسر الهاء، فلا يرتضيه النحاة، فإنّ الهاء لا تكسر إلّا إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة.

ووجهه أنّ الهمزة لـمّا كانت تقلب ياء أجريت مجراها.

( وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ ) التي حولك( حاشِرِينَ ) جامعين للسحرة، يحشرون من يعلمونه منهم. وعن ابن عبّاس: هم أصحاب الشرط، أرسلهم في حشر السحرة، وكانوا اثنين وسبعين رجلا.

( يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ) ليجتمعوا ويعارضوا موسى فيغلبوه. وقرأ حمزة والكسائي: بكلّ سحّار، فيه وفي يونس(١) . ويؤيّده اتّفاقهم عليه في الشعراء(٢) .

__________________

(١) يونس: ٧٩.

(٢) الشعراء: ٣٧.


( وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ ) بعد ما أرسل الشرط في طلبهم( قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ) كلام مستأنف، كأنّه جواب سائل قال ما قالوا إذ جاؤا.

وقرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم: إن لنا، على الإخبار وإيجاب الأجر، كأنّهم قالوا: لا بدّ لنا من أجر. والتنكير للتعظيم.

( قالَ نَعَمْ ) أي: إنّ لكم لأجرا( وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) عطف على ما سدّ مسدّه «نعم»، أي: إنّ لكم لأجرا وإنّكم لمن المقرّبين، زيادة على الجواب، أي: لا أقتصر على الأجر وحده، بل لكم مع الأجر ما يقلّ عنده الأجر، وهو التبجيل والتقريب. وقيل: إنّه قال لهم: تكونون أوّل من يدخل بي وآخر من يخرج.

( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) تخيير السحرة موسى مراعاة منهم لأدب حسن معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، أو إظهارا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبّهوا عليها بتغيير النظم، إذ مقتضى النظم: إمّا أن نلقي وإمّا أن تلقي، فيغيّروه إلى ما هو أبلغ، وهو إتيانهم بالجملة الاسميّة، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، وتأكيد ضميرهم المتّصل بالمنفصل، فلذلك( قالَ ) بل( أَلْقُوا ) كرما وتسامحا، أو تحقيرا بهم، وقلّة مبالاة بهم، ووثوقا على شأنه، وثقة بما كان بصدده من المعجز الإلهي والتأييد السماوي.

( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) بما أروهم ممّا لا حقيقة له في الخارج من الحيل والشعبذة، كقوله:( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) (١) ، بخلاف موسى( وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ) وأرهبوهم إرهابا شديدا، كأنّهم طلبوا رهبتهم( وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) في فنّه.

روي أنّهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، بعد أن لوّنوها بلون الحيّات، وجعلوا فيها الزئبق، فإذا هي أمثال الحيّات قد ملأت الأرض، وركب بعضها بعضا.

__________________

(١) طه: ٦٦.


وروي أنّ فرعون قبل صدور السحر من السحرة دعا رؤساءهم ومعلّميهم فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: قد عملنا سحرا عظيما لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلّا أن يكون أمرا من السماء، فإنّه لا طاقة لنا به. وهم كانوا ثمانين ألفا.

وقيل: سبعين ألفا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا. وقيل: كان يعلّمهم مجوسيّان من أهل نينوى. وقال فرعون: لا يغالب موسى إلّا بما هو منه، يعني: السحر.

( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ) فألقاها فصارت حيّة عظيمة( فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ) تبتلع( ما يَأْفِكُونَ ) أي: ما يزوّرونه ويقلبونه عن الحقّ إلى الباطل، من: الإفك، وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه. ويجوز أن تكون «ما» مصدريّة، وهي مع الفعل بمعنى المفعول، أي: تلقف مأفوكهم. وقرأ حفص عن عاصم: تلقف بالتخفيف حيث كان.

وقيل: إنّها لـمّا تلقّفت حبالهم وعصيّهم بأسرها أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتّى هلك جمع عظيم، ثمّ أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، إذ فرّقها أجزاء لطيفة. فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصيّنا.

( فَوَقَعَ الْحَقُ ) فثبت، لظهور أمر موسى بهذه المعجزة البيّنة( وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من السحر والمعارضة.

( فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ) أي: صاروا أذلّاء منهزمين. أو رجعوا إلى المدينة أذلّاء مقهورين. والضمير لفرعون وقومه.

( وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) أي: جعلهم الله ملقين على وجوههم، تنبيها على أنّ الحقّ بهرهم(١) واضطرّهم إلى السجود، بحيث لم يبق لهم تمالك. أو أنّ الله تعالى ألهمهم ذلك حتّى ينكسر فرعون بالّذين أراد بهم كسر موسى، وينقلب الأمر

__________________

(١) بهره، أي: غلبه وفاق عليه.


عليه. أو مبالغة في سرعة خرورهم وشدّته، كأنّما ألقاهم ملق. أو أنّهم لم يتمالكوا ممّا رأوا، فكأنّهم ألقوا.

( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) أبدلوا الثاني من الأوّل، لئلّا يتوهّم أنّهم أرادوا به فرعون.

وعن قتادة: كانت السحرة أوّل النهار كفّارا سحرة، وفي آخره شهداء بررة.

( قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ ) بالله، أو بموسى. والاستفهام فيه للإنكار. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب، بتحقيق الهمزتين على الأصل. وقرأ حفص: آمنتم به على الإخبار. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ءامنتم، بهمزة ومدّة طويلة في تقدير ألفين.( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) قبل أن أرخّص لكم بالإيمان.

( إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ ) أي: إنّ هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى( فِي الْمَدِينَةِ ) في مصر قبل أن تخرجوا للميعاد( لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها ) يعني: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عاقبة ما فعلتم.

وهو تهديد مجمل، تفصيله:( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) أي: من كلّ شقّ طرفا. وعن الحسن: هو أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.( ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) تفضيحا لكم، وتنكيلا لأمثالكم.

قيل: إنّه أوّل من سنّ ذلك، فشرعه الله تعالى للقطّاع، تعظيما لجرمهم.

( قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ) بالموت لا محالة، فلا نبالي بوعيدك. أو إنّا لمنقلبون إلى ربّنا وثوابه إن فعلت بنا ذلك، كأنّهم استطابوه شغفا على لقاء الله تعالى. أو مصيرنا ومصيرك إلى ربّنا، فيحكم بيننا.

( وَما تَنْقِمُ مِنَّا ) وما تعيب وتنكر منّا( إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ) أي: إلّا الايمان بآيات الله، وهو خير الأعمال، وأصل كلّ منفعة وخير. ومثله قول الشاعر :


ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم

بهنّ فلول من قراع الكتائب

ثمّ فزعوا إلى الله فقالوا:( رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ) أي: أفض علينا صبرا كثيرا حتّى يغمرنا، كما يفرغ الماء. أو صبّ علينا ما يطهّرنا من الآثام، وهو الصبر على وعيد فرعون.( وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ) ثابتين على الإسلام.

قيل: إنّه فعل بهم ما أوعدهم به. وقيل: إنه لم يقدر عليهم، لقوله:( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ) (١) .

روي عن ابن عبّاس: أنّه لـمّا آمن السحرة أسلم من بني إسرائيل ستّمائة ألف نفس، فأرادوا الفساد في الأرض، فخاف القبط منهم.

( وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) )

( وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ) تحريضا له على قتل موسى بعد أن أسلم السحرة وغيرهم( أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ) بتغيير الناس عليك ،

__________________

(١) القصص: ٣٥.


ودعوتهم إلى مخالفتك( وَيَذَرَكَ ) عطف على «يفسدوا»، لأنّه إذا تركهم ولم يمنعهم فكان ذلك مؤدّيا إلى ترك آلهته. أو جواب الاستفهام بالواو، كقول الحطيئة :

ألم أك جاركم ويكون بيني

وبينكم المودّة والإخاء

على معنى: أيكون منك ترك موسى، ويكون منه تركه إيّاك؟

( وَآلِهَتَكَ ) معبوداتك. قيل: كان يعبد الكواكب. وقيل: صنع لقومه أصناما، وأمرهم أن يعبدوها تقرّبا إليه، ولذلك قال:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) (١) .

( قالَ ) فرعون( سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) أي: سنعيد عليهم كما كنّا نفعل من قتل الأبناء واستعباد النساء، ليعلم موسى أنّا على ما كنّا عليه من القهر والغلبة، ولا يتوهّم أنّه المولود الّذي حكم المنجّمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده، ويعلم أنّ غلبته لا أثر لها في ملكنا.( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) غالبون، وهم مقهورون تحت أيدينا.

ولـمّا سمع بنو إسرائيل قول فرعون وتضجّروا منه( قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) تسكينا لهم وتسلية لقلوبهم:( اسْتَعِينُوا ) في دفع الأعادي عنكم( بِاللهِ وَاصْبِرُوا ) على أذيّتهم.

ثم قال تقريرا للأمر بالاستعانة بالله، والتثبّت بالأمر بالصبر:( إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) أي: ينقلها إلى من يشاء نقل المواريث، فيورّثكم بعد هلاك فرعون كما أورثها فرعون( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) . فهذا وعد لهم بالنصرة، وتذكير لـما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم، وتحقيق له، وبشارة بأنّ الخاتمة المحمودة للمتمسّكين بالتقوى، وأنّ المشيئة متناولة لهم. واللام في الأرض تحتمل العهد، وهو أرض مصر، أو للجنس.

( قالُوا ) أي: بنو إسرائيل( أُوذِينا ) بقتل الأبناء واستعباد النساء( مِنْ قَبْلِ

__________________

(١) النازعات: ٢٤.


أَنْ تَأْتِيَنا ) بالرسالة( وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا ) أيضا، فإنّ فرعون يتوعّدنا، ويأخذ أموالنا، ويكلّفنا الأعمال الشاقّة ،لم ينفعنا مجيئك إيّانا.

( قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ) فرعون( وَيَسْتَخْلِفَكُمْ ) أي: يملّككم ما كانوا يملكونه( فِي الْأَرْضِ ) في أرض مصر. وهذا تصريح بما كنّى عنه أوّلا، لـمّا رأى أنّهم لم يتسلّوا بذلك. ولعلّه أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنّهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم. وقد روي أنّ مصر إنّما فتح لهم في زمن داود.

وقال الزجّاج: «عسى» طمع وإشفاق، إلّا أنّ ما يطمع الله فيه فهو واجب.

وهو معنى قول أكثر المفسّرين: «عسى» من الله واجب. فالمعنى: أوجب ربّكم على نفسه أن يهلك عدوّكم فرعون وقومه.

( فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) فيرى الكائن ممّا تعملون، من شكر وكفران وطاعة وعصيان، فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وحقيقة معناه أن يظهر معلومه، أي: يبتليكم بالنعمة ليظهر شكركم، كما ابتلاكم بالمحنة ليظهر صبركم. ومثله:( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) (١) .

( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) )

ثمّ بيّن سبحانه ما فعله بآل فرعون، وأقسم عليه تأكيدا له، فقال :

__________________

(١) محمد: ٣١.


( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ ) . آل الرجل: خاصّته الّذين يؤول أمره إليهم، وأمرهم إليه.

ومعناه: عاقبنا قوم فرعون( بِالسِّنِينَ ) بسنيّ القحط، أي: بالجدوب والقحوط، لقلّة الأمطار والمياه. والسنة من الأسماء الغالبة، كالدابّة والنجم، غلبت على عام القحط، لكثرة ما يذكر عنه ويؤرّخ به، ثمّ اشتقّ منها فقيل: أسنت القوم، إذا قحطوا.

( وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ) بكثرة الآفات( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) لكي يتنبّهوا على أنّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتّعظوا، أو ترقّ قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى الله تعالى، ويرغبوا فيما عنده.

وعن ابن عبّاس: أنّ السنين كانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم.

وعن كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلّا تمرة.

قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة، ولم ير مكروها في ثلاثمائة وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدّة وجع أو جوع أو حمّى لـما ادّعى الربوبيّة.

( فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ ) من الخصب والسعة( قالُوا لَنا هذِهِ ) لأجلنا، مختصّة بنا، ونحن مستحقّوها. واللام مثلها في قولك: الجلّ للفرس.

( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) من جدب وبلاء( يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) يتشاءموا بهم، ويقولوا هذا بشئومهم: ولو لا مكانهم لـما أصابتنا، كما قال الكفّار لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هذه من عندك. وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، فإنّ الشدائد ـ مع أنّها ترقّق القلوب وتذلّل الطبائع، سيّما بعد مشاهدة الآيات ـ لم تؤثّر فيهم، بل زادوا عندها عتوّا وانهماكا في الغيّ.

وإنّما عرّف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق ـ وهي كلمة «إذا» ـ لكثرة وقوعها، وتعلّق الإرادة بإحداثها بالذات. ونكّر السيّئة وأتى بها مع حرف الشكّ، لندورها، وعدم القصد لها إلّا بالتبع.


( أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ ) أي: سبب خيرهم وشرّهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الّذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيّئة، كقوله:( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (١) . أو سبب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنّها الّتي ساقت إليهم ما يسوءهم.( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أنّ ما يصيبهم من الله، أو من شؤم أعمالهم.

( وَقالُوا مَهْما ) أصلها «ما» الشرطيّة، ضمّت إليها «ما» المزيدة، ثمّ قلبت ألفها هاء، استثقالا لتكرير المتجانسين. وقيل: مركّبة من «مه» الّذي يصوّت به الكافّ و «ما» للجزاء، كأنّه قيل: كفّ ما تأتنا به. ومحلّها الرفع على الابتداء، أو النصب بفعل يفسّره قوله:( تَأْتِنا بِهِ ) أي: أيّما شيء تحضرنا تأتنا به.

( مِنْ آيَةٍ ) بيان لـ «مهما». وإنّما سمّوها آية على زعم موسى، لانتفاء اعتقادهم بها، ولذلك قالوا:( لِتَسْحَرَنا بِها ) أعيننا وتشبّه علينا. والضمير في «به» و «بها» باعتبار اللفظ والمعنى، فإنّه في معنى الآية. والمعنى: أنّهم قالوا لموسى: أيّ شيء تأتنا به من الآيات لتسحرنا بالتموّه علينا بها.( فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) بمصدّقين. أرادوا أنّهم مصرّون على تكذيبهم إيّاه وإن أتى بجميع الآيات.

( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ

__________________

(١) النساء: ٧٨.


هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) )

ثمّ زاد الله سبحانه في الآيات تأكيدا لأمر موسىعليه‌السلام ، فقال:( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ) ما طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم، من مطر أو سيل.

قيل: إنّه أرسل عليهم الماء ثمانية أيّام في ظلمة شديدة، لا يقدر أحد أن يخرج من بيته. ودخل الماء بيوتهم حتّى قاموا وبلغ إلى تراقيهم، ومن جلس غرق. وكانت بيوت موسى وسائر بني إسرائيل منضمّة ببيوتهم، فلم يدخل فيها قطرة، وركد على أراضيهم، فمنعهم من الحرث والتصرّف فيها، ودام ذلك عليهم أسبوعا. فقالوا لموسى: ادع لنا ربّك يكشف عنّا ونحن نؤمن بك، فدعا فكشف الكلأ والزرع ما لم يعهد مثله، ولم يؤمنوا. وقيل: المراد بالطوفان الطاعون.

( وَالْجَرادَ ) أي: أرسل عليهم الجراد بعد الطوفان، فأكلت عامّة زروعهم وثمارهم، ثمّ أكلت كلّ شيء حتّى الأبواب وسقوف البيوت والثياب، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل. ففزعوا إلى موسى ثانيا، فدعا وخرج إلى الصحراء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت إلى النواحي الّتي جاءت منها، فلم يؤمنوا.


( وَالْقُمَّلَ ) وأرسل عليهم القمّل بعد ارتفاع عذاب الجراد. قيل: هي كبار القردان(١) . وقيل: أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وقيل: البراغيث. وكان يقع في أطعمتهم، ويدخل بين أثوابهم وجلودهم فيمصّها، ففزعوا إليه فرفع عنهم. فقالوا: قد تحقّقنا الآن أنّك ساحر.

( وَالضَّفادِعَ ) أي: ثمّ أرسلناها عليهم بحيث لا يكشف ثوب وطعام إلّا وجدت فيه. وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتثب إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواههم عند التكلّم. فضجّوا وفزعوا إلى موسى، وقالوا: ارحمنا هذه المرّة ولا نعودنّ. فدعا فكشف عنهم، ولم يؤمنوا.

( وَالدَّمَ ) أي: بعد رفع عذاب الضفادع عنهم أرسلنا عليهم الدم، فصارت مياههم دما، وإذا شربه الاسرائيلي كان ماء. وكان القبطي يقول للاسرائيلي: خذ الماء في فيك وصبّه في فيّ، فكان إذا صبّه في فم القبطي تحوّل دما. وعطش فرعون حتّى أشرف على الهلاك، فكان يمصّ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماءها الطيّب الحلو ملحا أجاجا. وقيل: المراد منه الرعاف.

( آياتٍ ) نصب على الحال( مُفَصَّلاتٍ ) مبيّنات ظاهرات، لا تشكل على عاقل أنّها آيات الله تعالى ونقمته عليهم. أو مفصّلات لامتحان أحوالهم أيوفون بما وعدوا من أنفسهم أم ينكثون؟ إلزاما للحجّة عليهم، إذ كان بين كلّ آيتين منها شهر، وكان امتداد كلّ واحدة أسبوعا. وقيل: إنّ موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل.

( فَاسْتَكْبَرُوا ) عن الإيمان( وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ) مصرّين على الكفر والمعاصي.

( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ) يعني: العذاب المفصّل، أو الطاعون الّذي أرسله الله عليهم بعد ذلك( قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ) .

__________________

(١) القرد والقراد، وجمعه قردان: دويبّة تتعلّق بالبعير ونحوه، وهي كالقمّل للإنسان.


«ما» مصدريّة، أي: بعهده عندك، وهو النبوّة. أو موصولة، أي: بالّذي عهدك، أو بالّذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك.

وهي صلة لـ «ادع». أو حال من الضمير فيه، بمعنى: ادع الله متوسّلا إليه بما عهد عندك. أو متعلّق بمحذوف دلّ عليه التماسهم، مثل: أسعفنا إلى ما نطلب منك بحقّ ما عهد عندك. أو قسم مجاب بقوله:( لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ) لنصدّقنّ بنبوّتك.( وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي: أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنّا الرجز لنؤمننّ.

( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ ) إلى حدّ من الزمان( هُمْ بالِغُوهُ ) لا محالة، فيعذّبون أو يهلكون. وهو وقت الغرق، أو الموت. وقيل: إلى أجل عيّنوه لإيمانهم.( إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ) جواب «لمّا» أي: فلمّا كشفنا عنهم فاجئوا النكث وبادروه من غير توقّف وتأمّل فيه.

( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) فأردنا الانتقام منهم( فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ ) أي: البحر الّذي لا يدرك قعره. وقيل: هو لجّة البحر ومعظم مائه. واشتقاقه من التيمّم، لأنّ المستنفعين به يقصدونه.( بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها، حتّى صاروا غافلين عن نزول العذاب بهم. وقيل: الضمير للنقمة الّتي دلّ عليها قوله: «فانتقمنا».

( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ ) بالاستعباد وذبح الأبناء من مستضعفيهم( مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ) يعني: أرض الشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتمكّنوا في نواحيها الشرقيّة والغربيّة كيف شاءوا( الَّتِي بارَكْنا فِيها ) بأنواع الخصب والسعة، من الزروع والثمار والعيون والأنهار.

( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي: مضت، من قولك: تمّ عليّ الأمر، إذا مضى واستمرّ. والحسنى تأنيث الأحسن، صفة للكلمة. والمعنى: ومضت عليهم واتّصلت بالإنجاز عدته إيّاهم بالنصرة والتمكين. وهو قوله:( وَنُرِيدُ


أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) إلى قوله:( ما كانُوا يَحْذَرُونَ ) (١) .( بِما صَبَرُوا ) بسبب صبرهم على الشدائد.

( وَدَمَّرْنا ) وخرّبنا( ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ) يعملونه من القصور وسائر العمارات( وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ) من الجنّات. أو ما كانوا يرفعون من البنيان، كصرح(٢) هامان. وقرأ ابن عامر وأبو بكر: يعرشون بالضمّ.

وهذا آخر ما اقتصّ الله سبحانه من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله تعالى.

( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) )

ثمّ اقتصّ نبأ بني إسرائيل وما أحدثوا بعده من الأمور الشنيعة، بعد إنقاذهم من فرعون ومعاينتهم للآيات العظام، تسلية لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا رأى منهم ،

__________________

(١) القصص: ٥ ـ ٦.

(٢) الصرح: القصر وكلّ بناء عال.


وإيقاظا للمؤمنين حتّى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم، فقال:( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) بأن جعلنا لهم فيه طرقا يابسة حتّى عبروا، ثمّ أغرقنا فرعون وقومه. والبحر هو النيل، نهر مصر.

روي أنّ موسىعليه‌السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد إهلاك فرعون وقومه، فصاموه شكرا.

( فَأَتَوْا ) فمرّوا( عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ ) يقيمون ويواظبون( عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ) على عبادتها. قيل: كانت تماثيل بقر، وذلك أوّل شأن العجل. والقوم كانوا من العمالقة الّذين أمر موسى بقتالهم. وقيل: من لخم. وهي حيّ من اليمن، منهم ملوك العرب في الجاهليّة. وقرأ حمزة: يعكفون بالكسر.

( قالُوا ) أي: قال الجهّال من قومه( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً ) انصب لنا مثالا نعبده( كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) يعبدونها. و «ما» كافّة للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها.

عن عليّعليه‌السلام : «أنّ يهوديّا قال له: اختلفتم بعد نبيّكم قبل أن يجفّ ماؤه.

فقال: قلتم: اجعل لنا آلهة، ولـمّا تجفّ أقدامكم».

( قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) وصفهم بالجهل المطلق وأكّده، لبعد ما صدر عنهم عن العقل ممّا قالوا، وللتعجّب منه بعد ما رأوا من الآيات الباهرة.

ثمّ قال تنبيها وإيقاظا:( إِنَّ هؤُلاءِ ) إشارة إلى القوم( مُتَبَّرٌ ) مكسّر مدمّر( ما هُمْ فِيهِ ) من عبادة الأصنام. يعني: أنّ الله تعالى يهدم دينهم الّذي هم عليه، ويحطّم أصنامهم، ويجعلها رضاضا.( وَباطِلٌ ) ومضمحلّ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من عبادتها فيما سلف. وإنّما بالغ في هذا الكلام بإيقاع «هؤلاء» اسم «إن»، والإخبار عمّا هم فيه بالتبار، وعمّا فعلوا بالبطلان، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبرا لـ «إنّ»، للتنبيه على أنّ الدمار لاحق بهم لا محالة، وأنّ الإحباط الكلّي لازم لـما مضى عنهم، تنفيرا وتحذيرا عمّا طلبوا.

( قالَ أَغَيْرَ اللهِ ) المستحقّ للعبادة( أَبْغِيكُمْ إِلهاً ) أطلب لكم معبودا( وَهُوَ


فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) والحال أنّه خصّكم بنعم لم يعطها غيركم. والهمزة للإنكار والتعجّب من طلبهم عبادة غير الله تعالى، مع كونهم مغمورين في نعم الله. وفيه تنبيه على سوء معاملتهم، حيث قابلوا تخصيص الله إيّاهم من بين أمثالهم بما لم يستحقّوه تفضّلا، بأن قصدوا أن يشركوا به أخسّ شيء من مخلوقاته.

ثمّ فصّل إعطاء النعم عليهم بقوله:( وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) واذكروا صنيعه تعالى معكم في هذا الوقت. وقرأ ابن عامر: أنجاكم.( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) يبغونكم شدّة العذاب، من: سام السلعة إذا طلبها. وهذا استئناف لبيان ما أنجاهم منه. أو حال من المخاطبين، أو من آل فرعون، أو منهما.( يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) بدل منه مبيّن. وقرأ نافع: يقتلون بالتخفيف.( وَفِي ذلِكُمْ ) إشارة إلى الإنجاء أو العذاب( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) نعمة أو محنة عظيمة منه.

( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) )

ثمّ بيّن تعالى تمام نعمته على بني إسرائيل، فقال:( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ


لَيْلَةً ) لإعطاء التوراة. وهو شهر ذي القعدة. وقرأ أبو عمرو ويعقوب: ووعدنا.

( وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ) من ذي الحجّة( فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ ) فتمّ ما وقّته الله له من الوقت وضربه له( أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) أي: بالغا هذا العدد. ونصبه على الحال.

وروي أنّ موسىعليه‌السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك الله عدوّهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون ويذرون. فلمّا هلك فرعون سأل موسى ربّه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما، فلمّا أتمّ الثلاثين أنكر خلوف(١) فيه، فتسوّك. فقالت الملائكة: كنّا نشمّ من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك.

وقيل: أوحى الله إليه: أما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيّام من ذي الحجّة لذلك.

وقيل: أمره الله بأن يصوم ثلاثين يوما، وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر، وكلّم فيها.

ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة، وفصّلها هاهنا.

( وَقالَ مُوسى ) وقت خروجه إلى الميقات( لِأَخِيهِ هارُونَ ) عطف بيان لأخيه( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) كن خليفتي فيهم( وَأَصْلِحْ ) ما يجب أن يصلح من أمورهم. أو كن مصلحا في حال غيبتي.( وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) ولا تتّبع من سلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. أراد بذلك إصلاح قومه، وإن كان المخاطب به أخاه.

وقيل: إنّما أمر موسى أخاه هارون بأن يخلفه وينوب عنه في قومه مع أنّ هارون كان نبيّا، لأنّ الرئاسة كانت لموسىعليه‌السلام عليه وعلى أمّته، ولم يكن يجوز أن يقول هارون لموسى ذلك. وفي هذا دلالة على أنّ منزلة الإمامة منفصلة من النبوّة وغير داخلة فيها، وإنّما اجتمع الأمران لأنبياء مخصوصين، لأنّ هارون لو كان له

__________________

(١) خلف خلوفا فم الصائم: تغيّرت رائحته وفسدت.


القيام بأمر الأمّة من حيث كان نبيّا لـما احتاج فيه إلى استخلاف موسى إيّاه وإقامته مقامه.

ثمّ ذكر سبحانه حديث الميقات، فقال:( وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ) لوقتنا الّذي وقّتناه وحدّدناه. واللام للاختصاص، فكأنّه قيل: اختصّ مجيئه لميقاتنا، كما تقول: أتيته لخمس خلون من الشهر.( وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) من غير واسطة، كما يكلّم الملائكة. وتكليمه أن ينشئ الكلام منطوقا في بعض الأجرام، كما خلقه مخطوطا في اللوح، لأنّ الكلام عرض لا بدّ له من محلّ يقوم به. وروي: أنّهعليه‌السلام كان يسمع ذلك الكلام من كلّ جهة.

وعن ابن عبّاس: كلّمه أربعين يوما، وأربعين ليلة.

( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) المفعول الثاني محذوف، يعني: أرني نفسك أنظر إليك، أي: اجعلني متمكّنا من رؤيتك، بأن تتجلّى لي فأنظر إليك وأراك. وإنّما طلب الرؤية لقومه حين قالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (١) ، ولذلك دعاهم سفهاء وضلّالا، وقال لـمّا أخذتهم الرجفة:( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) (٢) . ولم يسأل ذلك إلّا بعد أن أنكر عليهم ونبّههم على الحقّ، فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة الرؤية، وهو قوله:( قالَ لَنْ تَرانِي ) ليتيقّنوا وتزول شبهتهم.

ومعنى «لن» تأكيد النفي الّذي يعطيه «لا»، وذلك أنّ «لا» ينفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدا، فإذا أكّدت النفي قلت: لن افعل غدا. والأصحّ أنّ «لن» ينفي مدخوله على وجه التأبيد، كما قال:( لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) (٣) . فقوله:( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) (٤) نفي للرؤية فيما يستقبل. وقوله: «لن تراني» تأكيد وبيان أنّ

__________________

(١) البقرة: ٥٥.

(٢) الأعراف: ١٥٥.

(٣) الحجّ: ٧٣.

(٤) الأنعام: ١٠٣.


الرؤية منافية لصفاته.

وإنّما لم يقل موسى: أرهم ينظروا، لأنّ الله سبحانه إنّما كلّم موسى وهم يسمعون، فلمّا سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يري موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه منه، إرادة مبنيّة على قياس فاسد، فلذلك قال موسى: «أرني أنظر إليك». ولأنّه إذا زجر عمّا طلب، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله، وقيل له: لن تراني، كان غيره أولى بالإنكار. ولأنّ الرسول إمام أمّته، فكان ما يخاطب به راجعا إليهم.

وقوله: «أنظر إليك» وما فيه من معنى المقابلة الّتي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنّه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم. وكيف طلب موسى ذلك لنفسه وهو أعلم الناس بالله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية الّتي هي إدراك ببعض الحواسّ؟! وذلك إنّما يصحّ فيما كان في جهة، وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة. وجلّ صاحب الجبل أن يجعل الله منظورا إليه، مقابلا بحاسّة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله؟! وإنّما قال: «لن تراني» ولم يقل كما قال موسى، لأنّه لـمّا كان «أرني» بمعنى: اجعلني متمكّنا من الرؤية الّتي هي الإدراك، علم أنّ الطلب هو الرؤية، لا النظر الّذي لا إدراك معه، فقيل: لن تراني، ولم يقل: لن تنظر إليّ.

وقوله:( وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ) استدراك يريد أن يبيّن به أنّه لا يطيقه.

والمعنى: أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن عليك أن تنظر إلى الجبل كيف أفعل به؟ وكيف أجعله دكّا بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره. كأنّهعزوجل حقّق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله:( وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ) .

( فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ) كما كان مستقرّا ثابتا( فَسَوْفَ تَرانِي ) تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون، من استقرار الجبل مكانه حين يدكّه دكّا ويسوّيه بالأرض.


( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) فلمّا ظهر له عظمته واقتداره، وتصدّى له أمره وإرادته( جَعَلَهُ دَكًّا ) مدكوكا مفتّتا. مصدر بمعنى مفعول، كضرب الأمير. والدكّ والدقّ أخوان، كالشكّ والشقّ. وقرأ حمزة والكسائي: دكّاء. وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكّة. أو أرضا دكّاء، أي: مستوية. ومنه قولهم: ناقة دكّاء للّتي لا سنام لها.

قيل: ساخ في الأرض حتّى فني.

وقيل: تقطّع أربع قطع: قطعة ذهبت نحو المشرق، وقطعه ذهبت نحو المغرب، وقطعة سقطت في البحر، وقطعة صارت رملا.

وفي الحديث: صار الجبل ستّة أجبل: ثلاثة بالمدينة، وثلاثة بمكّة، فالّتي بالمدينة: أحد وورقان ورضوي، والّتي بمكّة: ثور وثبير وحراء.

( وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) مغشيّا عليه غشية كالموت من هول ما رأى. والصعق من باب: فعلته ففعل، تقول: صعقته فصعق. وأصله من الصاعقة.

وعن ابن عبّاس: أخذته الغشية يوم الخميس يوم عرفة، وأفاق عشيّة الجمعة. وأمّا السبعون الّذين كانوا معه فقد ماتوا كلّهم، لقوله:( ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) (١) .

وروي(٢) أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيّ عليه، فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيّض أطمعت في رؤية ربّ العزّة؟

__________________

(١) البقرة: ٥٦.

(٢) أوردها في الكشّاف (٢: ١٥٥). وليت المفسّر «قدس‌سره» لم يذكرها هنا.

والجدير الأليق تنزيه الملائكة عليهم‌السلام ـ وهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (سورة الأنبياء: ٢٦ ـ ٢٧) ـ عن مثل هذا الكلام الجافي، وإهانة موسى كليم الله عليه‌السلام باللكز بالرجل، والحطّ من كرامته، وخطابه بما لا يخاطب به إلا السفلة الرعاع. وهي رواية غير مسندة، وتشبه أن تكون من الإسرائيليّات، وأقاصيص المهوّسين، وخرافات الجاهلين.


( فَلَمَّا أَفاقَ ) من صعقته( قالَ ) تعظيما لـما رأى( سُبْحانَكَ ) أنزّهك ممّا لا يجوز عليك( تُبْتُ إِلَيْكَ ) من الجرأة والإقدام على تلك المقالة العظيمة بغير إذنك، وإن كان لغرض صحيح( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) بأنّك لا ترى.

قال صاحب(١) الكشّاف: «فانظر أيّها الطالب للحقّ، والسالك في طريق الرشاد، إلى إعظام الله أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها، وجعله دكّا، وأصعقهم ولم يخلّ كليمه من نفيان(٢) ذلك، مبالغة في إعظام الأمر؟ وكيف سبّح ربّه ملتجأ إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه، فقال: وأنا أوّل المؤمنين؟ ثمّ تعجّب من المتسمّين بالإسلام كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهبا؟ نعوذ بالله من الأهواء المضلّة، والطرق الملحدة».

وقيل في الآية وجه آخر: وهو أن يكون المراد بقوله:( أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) عرّفني نفسك تعريفا واضحا جليّا، بإظهار بعض آيات الآخرة الّتي تضطرّ الخلق إلى معرفتك. «أنظر إليك» أعرفك معرفة ضروريّة كأنّي أنظر إليك، كما جاء في الحديث: «سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر» بمعنى: ستعرفونه معرفة جليّة مثل أبصاركم القمر إذا استوى بدرا.( قالَ لَنْ تَرانِي ) لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية.( وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ) فإنّي أورد عليه آية من تلك الآيات، فإن ثبت لتجلّيها واستقرّ مكانه فسوف تثبت لها وتطيقها.( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ ) فلمّا ظهرت للجبل آية من آيات ربّه( جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً ) لعظم ما رأى.( فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) ممّا اقترحت وتجاسرت، وأنا من المؤمنين بعظمتك وجلالك.

__________________

(١) الكشّاف ٢: ١٥٦.

(٢) النفيان: ما تنفيه الريح في أصول الشجر من التراب. والمراد هنا: ما يتطاير من أجزاء الجبل عند اندكاكه.


( قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) )

ثمّ أخبر سبحانه عن عظيم نعمته على موسى بالاصطفاء، وإجلال القدر، وأمره إيّاه بالشكر، بقوله:( قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ ) اخترتك( عَلَى النَّاسِ ) أي: الموجودين في زمانك. وهارون وإن كان نبيّا كان مأمورا باتّباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع.( بِرِسالاتِي ) يعني: أسفار التوراة. وقرأ نافع وابن كثير: برسالتي.( وَبِكَلامِي ) وبتكليمي إيّاك( فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ) أعطيتك من الرسالة والحكمة( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) على النعمة في ذلك. روي أنّ سؤال الرؤية يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر.

( وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ ) يريد ألواح التوراة. قيل: كانت سبعة ألواح. وقيل :


عشرة. وقيل: لوحين، وإنّها كانت من زمرّد. وقيل: زبرجد خضراء أو ياقوتة حمراء. وقيل: كانت من صخرة صمّاء ليّنها الله تعالى لموسى، فقطعها بيده أو شقّها بأصابعه. وقيل: كانت من خشب. وقيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر(١) بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلّا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى.

( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) احتاجت إليه بنو إسرائيل في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام، والحلال والحرام، وذكر الجنّة والنار، وغير ذلك من العبر والأخبار( مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ) بدل من الجارّ والمجرور، أي: كتبنا كلّ شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام.

( فَخُذْها ) على إضمار القول عطفا على «كتبنا»، أي: فقلنا له: خذها. أو بدل من قوله:( فَخُذْ ما آتَيْتُكَ ) . والهاء للألواح، أو لكلّ شيء، فإنّه بمعنى الأشياء، أو للرسالات.( بِقُوَّةٍ ) بجدّ وعزيمة، فعل أولي العزم من الرسل.

( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ) أي: بأحسن ما فيها، كالصبر والعفو بالإضافة إلى الانتصار والاقتصاص، على طريقة الندب والحثّ على الأفضل، كقوله:( وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٢) . أو بواجباتها، فإنّ الواجب أحسن من غيره. ويجوز أن يراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقا لا بالإضافة، وهو المأمور به واجبا كان أو ندبا، كقولهم: الصيف أحرّ من الشتاء.

( سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ) دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، لفسقهم. أو منازل عاد وثمود وأضرابهم، لتعتبروا فلا تفسقوا. أو دارهم في الآخرة، وهي جهنّم.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم(٣) أنّ معناه: «يجيئكم قوم فسّاق تكون الدولة

__________________

(١) الوقر: الحمل الثقيل.

(٢) الزمر: ٥٥.

(٣) تفسير القمّي ١: ٢٤٠.


لهم»، كقوله:( وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .

( سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ) المنصوبة في الآفاق والأنفس( الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ) بالطبع على قلوبهم وخذلانهم، فلا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.

وفي الحديث: «إذا عظّمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي».

وقيل: معناه: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا، كما اجتهد فرعون في إبطال آية موسى، فأبى الله إلّا علوّ أمره، وهلاك فرعون وقومه.

وقوله:( بِغَيْرِ الْحَقِ ) صلة «يتكبّرون» أي: يتكبّرون بما ليس بحقّ، وهو دينهم الباطل. أو حال من فاعله، يعني: يتكبّرون غير محقّين، لأنّ التكبّر بالحقّ لله تعالى وحده.

( وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ) من الآيات المنزلة عليهم أو المعجزة( لا يُؤْمِنُوا بِها ) لعنادهم واختلال عقولهم، بسبب انهماكهم في الهوى والتقليد. وهو يؤيّد الوجه الأوّل.

( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ) الصواب والحقّ( لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ) لاستيلاء الشيطنة عليهم. وقرأ حمزة والكسائي: الرّشد بفتحتين.

( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِ ) الضلال( يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ ) الصرف( بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ) بسبب تكذيبهم بآيات الله، وعدم تدبّرهم لها.

ويجوز أن ينصب لفظة «ذلك» على المصدر، أي: سأصرف ذلك الصرف بسببهما.

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) بحججنا ومعجزات رسلنا( وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ) من إضافة المصدر إلى المفعول به، أو إلى الظرف، أي: ولقائهم الآخرة، أو ما وعد الله تعالى في الآخرة( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) لا ينتفعون بها( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلّا جزاء أعمالهم.

__________________

(١) الأنعام: ١٢٩.


واعلم أنّ هاتين الآيتين اعتراض بين قصّة موسى والخطاب لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والمراد أنّه يصرف المتكبّرين عن آياته كما صرف فرعون عن موسى. ويجوز أن تكونا ليستا باعتراض، والخطاب لموسى زيادة في البيان عن إتمام ما وعده من إهلاك أعدائه، وصرفهم عن الاعتراض على آياته. ومعناه: خذها آمنا من طعن الطاعنين.

( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) )

ثمّ أخبر عن قصّة بني إسرائيل، وما أحدثوا عند خروج موسىعليه‌السلام إلى ميقات ربّه، فقال:( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد خروجه إلى الطور( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) الّتي استعاروها من قوم فرعون حين همّوا بالخروج من مصر، وبقيت في


أيديهم بعد هلاك فرعون وقومه. وأضافها إليهم، لأنّها كانت في أيديهم، أو ملكوها بعد هلاكهم. وهو جمع حلي، كثدي وثديّ. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر(١) بالاتباع، كدليّ(٢) . ويعقوب على الإفراد(٣) ، لأنّه اسم جنس.

( عِجْلاً جَسَداً ) أي: جسدا من الذهب خاليا من الروح. وعن وهب بدنا ذا لحم ودم.( لَهُ خُوارٌ ) صوت البقر.

قيل: إنّ السامريّ صاغ العجل من الحليّ، فالقى في فمه من تراب أثر فرس جبرئيلعليه‌السلام الّذي قبضه يوم قطع البحر، فصار عجلا حيّا فصاح.

وقيل: صاغه بنوع من الحيل، فتدخل الريح جوفه وتصوّت.

وإنّما نسب الاتّخاذ إليهم وهو فعله، إمّا لأنّهم رضوا به. أو لأنّ السامريّ بين ظهرانيّهم فعل ذلك، كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل كان واحدا منهم. أو لأنّ المراد اتّخاذهم إيّاه إلها، فحذف المفعول الثاني.

( أَلَمْ يَرَوْا ) حين اتّخذوه إلها( أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) حتّى لا يتّخذوه معبودا. وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. والمعنى: ألم يروا حين اتّخذوه إلها أنّه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل كآحاد البشر، حتّى حسبوا أنّه خالق الأجسام والقوى والقدر؟! ثمّ ابتدأ فقال:( اتَّخَذُوهُ ) تكرير للذمّ، أي: أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر الّذي هو اتّخاذ العجل إلها( وَكانُوا ظالِمِينَ ) واضعين الأشياء في غير مواضعها، فلم تكن عبادة العجل بدعا منهم.

( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) كناية عن اشتداد ندمهم على عبادة العجل، فإنّ

__________________

(١) أي: حليّهم.

(٢) جمع الدلو.

(٣) أي: حليهم.


النادم المتحسّر يعضّ يده غمّا، فتصير يده مسقوطا فيها، لأنّ فاه وقع فيها.

و «سقط» مسند إلى «في أيديهم».( وَرَأَوْا ) وعلموا( أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ) باتّخاذ العجل حين رجع إليهم موسى( قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ) بإنزال التوبة( وَيَغْفِرْ لَنا ) بالتجاوز عن الخطيئة( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء(١) ، وربّنا على النداء.

( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً ) شديد الغضب. وقيل: حزينا.

( قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي ) أي: بئسما فعلتم خلفي حيث عبدتم العجل، والخطاب للعبدة. أو قمتم مقامي فلم تكفّوا العبدة، والخطاب لهارون والمؤمنين معه. و «ما» نكرة موصوفة تفسّر المستكن في «بئس» والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى قوله:( مِنْ بَعْدِي ) بعد انطلاقي إلى ميقات ربّي. أو من بعد ما رأيتم منّي من التوحيد والتنزيه، والحمل عليه والكفّ عمّا ينافيه.

( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) أتركتموه غير تامّ. يقال: عجل عن الأمر، إذا تركه غير تامّ. ونقيضه: تمّ عليه، وأعجله عنه غيري. ويضمّن معنى «سبق»، فيعدّى تعديته.

فيقال: عجلت الأمر. والأمر هو انتظار موسى حافظين لعهده بعده، أي: أعجلتم وعد ربّكم الّذي وعدنيه لكم من الأربعين، وقدّرتم موتي، وغيّرتم بعدي كما غيّرت الأمم بعد أنبيائهم؟

قيل: إنّ السامريّ قال لهم: إنّ موسى لن يرجع، وأنّه قد مات.

روي أنّهم عدّوا عشرين يوما بلياليها، فجعلوها أربعين، ثمّ أحدثوا ما أحدثوا.

( وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ) طرحها من شدّة الغضب وفرط الضجر، حميّة للدين.

__________________

(١) أي: قرءا: لم ترحمنا ربّنا


روي أنّ التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة أسباع في سبعة ألواح، فلمّا ألقاها انكسرت، فرفع ستّة اسباعها، وكان فيها تفصيل كلّ شيء، وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام.

( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ) بشعر رأسه( يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) لشدّة ما ورد عليه من استعظام فعلهم، مفكّرا فيما كان منهم، كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدّة الفكر، فيقبض على لحيته ويعضّ شفته. فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه، فصنع به ما يصنع الإنسان بنفسه عند حالة الغضب والفكر.

وقال المفيدرحمه‌الله : أراد موسى أن يظهر ما اعتراه من شدّة الغضب على قومه، بسبب ما صاروا إليه من الكفر والارتداد، فصدر ذلك منه للتألّم بضلالهم، وإعلامهم عظم الحال عنده، لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال. وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين. وكان حمولا ليّنا، ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل.

( قالَ ابْنَ أُمَ ) ذكر الأمّ ليرقّقه عليه، فإنّ ذكرها أبلغ في الاستعطاف. وكانا من أب وأمّ. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ابن أمّ بالكسر.

وأصله: يا ابن أمّي، فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا، كالمنادى المضاف إلى الياء. والباقون بالفتح، زيادة في التخفيف، لطوله، أو تشبيها بخمسة عشر.

( إِنَّ الْقَوْمَ ) الّذين تركتني بين أظهرهم( اسْتَضْعَفُونِي ) قهروني واتّخذوني ضعيفا، ولم آل جهدا في كفّهم بالإنذار والوعظ( وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) أي: قاربوا قتلي، لشدّة إنكاري عليهم( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ) فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله، من الاستهانة بي والإساءة إليّ، أي: لا تسرّهم بما تفعل بي ما يوهم ظاهره خلاف التعظيم.( وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي: قرينا لهم ومعدودا فيهم، في إظهار الغضب عليّ.

( قالَ ) موسى حين تبيّن له ما نبّهه هارون عليه من الاعتذار، وذكر شماتة


الأعداء، وخوف التهمة، ودخول الشبهة على القوم( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ) ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، ويرفع دخول الشبهة عليهم من عدم رضا موسى عن أخيه، فلا يتمّ لهم شماتتهم. وهذا الدعاء على وجه الانقطاع إلى الله، أو على ترك الأولى، لا أنّه كان وقع منه أو من أخيه قبيح كبير أو صغير يحتاج أن يستغفر منه، فإنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء لا يجوز أن يقع منهم شيء من القبيح.

( وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ) بمزيد الإنعام علينا( وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فأنت أرحم بنا منّا على أنفسنا.

( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) )

ثمّ أوعد الله سبحانه عبدة العجل، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ ) وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم( وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) وهي خروجهم من ديارهم. وقيل: الجزية.( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ) على الله تعالى، ولا فرية أعظم من قول السامريّ: هذا إلهكم وإله موسى، فإنّه فرية لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم.


( وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ) من الكفر والمعاصي( ثُمَّ تابُوا ) ورجعوا( مِنْ بَعْدِها ) من بعد السيّئات( وَآمَنُوا ) وأخلصوا الإيمان وما هو مقتضاه من الأعمال الصالحة، واستأنفوا عمل الإيمان( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) من بعد التوبة( لَغَفُورٌ ) لستور عليهم، محّاء لـما كان منهم من الذنب، وإن عظم كجريمة عبدة العجل، وكثر كجرائم بني إسرائيل( رَحِيمٌ ) منعم عليهم.

( وَلَمَّا سَكَتَ ) أي: سكن( عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) في هذا الكلام مبالغة وبلاغة، من حيث إنّه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالآمر به والمغري عليه، فقال له: ألق الألواح وجرّ برأس أخيك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولهذا عبّر عن سكونه بالسكوت. والمعنى: ولـمّا انطفى غضبه.

( أَخَذَ الْأَلْواحَ ) الّتي ألقاها( وَفِي نُسْخَتِها ) وفيما نسخ فيها، أي: كتب.

فعلة بمعنى المفعول، كالخطبة. وقيل: فيما نسخ منها، أي: من الألواح المنكسرة( هُدىً ) دلالة وبيان للحقّ( وَرَحْمَةٌ ) إرشاد إلى الصلاح والخير( لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) دخلت اللام على المفعول لضعف الفعل بالتأخير، كما تقول: لك ضربت، ونحوه:( لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) (١) . أو حذف المفعول، واللام للتعليل، والتقدير: يرهبون معاصي الله لربّهم.

( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) )

__________________

(١) يوسف: ٤٣.


ثمّ أخبر سبحانه عن اختيار موسى من قومه عند خروجه إلى ميقات ربّه، فقال:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) أي: من قومه، فحذف الجارّ وأوصل الفعل إليه( سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا ) خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربّه.

واختلف في سبب اختياره إيّاهم ووقته. فقيل: إنّه اختارهم حين خرج إلى الميقات ليكلّمه الله سبحانه بحضرتهم، ويعطيه التوراة في حضورهم، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل لـمّا لم يثقوا بخبره أنّ الله سبحانه يكلّمه. فلمّا حضروا الميقات وسمعوا كلامه سألوا الرؤية، فأصابتهم الصاعقة، ثمّ أحياهم الله. فابتدأ سبحانه بحديث الميقات، ثم اعترض حديث العجل، فلمّا تمّ عاد إلى بقيّة القصّة.

وهذا الميقات هو الميعاد الأوّل الّذي تقدّم ذكره.

وهذا منقول عن أبي على الجبائي وأبي مسلم وجماعة من المفسّرين. وهو الصحيح. ورواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره(١) .

وقيل: إنّه اختارهم بعد الميقات الأوّل للميقات الثاني بعد عبادة العجل، ليعتذروا من ذلك.

روي أنّه تعالى أمر موسى بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فاختار من اثني عشر سبطا، ومن كلّ سبط ستّة، فزاد اثنان. فقال: ليتخلّف منكم رجلان.

فتشاحّوا. فقال: إنّ لمن قعد منكم مثل أجر من خرج. فقعد كالب ويوشع، وذهب

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ٢٤١.


مع الباقين. فلمّا دنوا من الجبل غشيه غمام، فدخل موسىعليه‌السلام بهم الغمام، وخرّوا سجّدا، فسمعوه تعالى وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه. ثمّ انكشف الغمام، فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية، فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم.

فقالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (١) . فقال:( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) (٢) . فأجيب:( لَنْ تَرانِي ) (٣) فأخذتهم الرجفة، أي: الصاعقة أو رجفة الجبل، فصعقوا منها.

( فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ) هذا تمنّي هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، أو بسبب آخر غير الرجفة. أو عنى به أنّك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك، بحمل فرعون على إهلاكهم، وبإغراقهم في البحر، فترحّمت عليهم بالإنقاذ منها، فإن ترحّمت عليهم مرّة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك.

( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) من العناد والتجاسر على طلب الرؤية. قاله بعضهم. وقيل: المراد بما فعل السفهاء عبادة العجل. والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنها، فغشيتهم هيبة قلقوا منها ورجفوا، حتّى كادت تبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى فبكى ودعا، فكشف الله عنهم.

( إِنْ هِيَ ) ما هذه الحالة( إِلَّا فِتْنَتُكَ ) ابتلاؤك حين كلّمتني وأسمعتهم كلامك حتّى طمعوا في الرؤية، لاستدلالهم بالكلام على الرؤية استدلالا فاسدا حتّى افتتنوا. أو أوجدت في العجل خوارا فزاغوا به.

( تُضِلُّ بِها ) بالفتنة تخلية وخذلانا( مَنْ تَشاءُ ) أي: الجاهلين غير الثابتين في معرفتك( وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ) أي: العالمين بك. وجعل ذلك إضلالا وهدى من الله، لأنّ محنته لـمّا كانت سببا لأن ضلّوا واهتدوا فكأنّه أضلّهم بها وهداهم، على الاتّساع في الكلام. وقيل: معناه: تهلك بها من تشاء، وتنجي من تشاء.

( أَنْتَ وَلِيُّنا ) مولانا القائم بأمورنا( فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ )

__________________

(١) البقرة: ٥٥.

(٢، ٣) الأعراف: ١٤٣.


تغفر السيّئة، وتبدّلها بالحسنة.

( وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ) حسن معيشة وتوفيق طاعة. قال هذا على لسان القوم.( وَفِي الْآخِرَةِ ) أي: واكتب لنا في الآخرة أيضا حسنة. وهي الجنّة.( إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ ) أي: تبنا إليك، من: هاد إذا رجع وتاب. والهود جمع الهائد، وهو التائب. ولبعضهم :

يا راكب الذنب هدهد

واسجد كأنّك هدهد

( قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ ) أي: من صفته أنّي أصيب به( مَنْ أَشاءُ ) تعذيبه ممّن عصاني، واستحقّه بعصياني( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) في الدنيا، المؤمن والكافر، بل المكلّف وغيره، بحيث لا أحد إلّا وهو متقلّب في نعمتي( فَسَأَكْتُبُها ) فسأثبت هذه الرحمة في الآخرة كتبة خاصّة منكم يا بني إسرائيل( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الكفر والمعاصي( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) خصّها بالذكر لإنافتها(١) ، ولأنّها كانت أشقّ عليهم( وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) فلا يكفرون بشيء منها. يعني: للّذين يؤمنون في آخر الزمان من أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجميع آياتنا وكتبنا.

( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) )

وروي عن ابن عبّاس وقتادة وابن جريج أنّه لـمّا نزلت: «ورحمتي وسعت

__________________

(١) أي: زيادتها، يقال: أناف على كذا، أي: زاد.


كلّ شيء» قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله من إبليس بقوله:( فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الآية. فقالت اليهود والنصارى: نحن نتّقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربّنا، فنزعها منهم وجعلها لهذه الأمّة بقوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَ ) . وعلى هذا هو خبر مبتدأ تقديره: هم الّذين يتّبعون الرسول الّذي نوحي إليه كتابا مختصّا به، وهو القرآن. والنبيّ صاحب المعجزات. وقيل: سمّي رسولا بالإضافة إلى الله، ونبيّا بالإضافة إلى العباد. ويحتمل أن يكون بدلا من «يتّقون» بدل الكلّ أو البعض.

أو يكون مبتدأ خبره: يأمرهم.

( الْأُمِّيَ ) الّذي لا يكتب ولا يقرأ. وصفه به تنبيها على أنّ كمال علمه مع حاله هذه إحدى معجزاته. وروي عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام : «أنّ الأمّيّ بمعنى المنسوب إلى أمّ القرى، وهي مكّة».

وقيل: إنّه منسوب إلى الأمّة. والمعنى: أنّه على جبلّة الأمّة قبل استفادة الكتابة. أو المراد بالأمّة العرب، لأنّها لم تكن تحسن الكتابة. أو منسوب إلى الأمّ.

والمعنى: أنّه على ما ولدته أمّة قبل تعلّم الكتابة.

( الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ) اسما وصفة، فقد روي أنّه مكتوب في السفر الخامس من التوراة: إنّي سأقيم لهم نبيّا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم كلّ ما أوصيه به. وفيها أيضا مكتوب: وأمّا ابن الأمة فقد باركت عليه جدّا جدّا، وسيلد اثني عشر عظيما، وأؤخّره لأمّة عظيمة.

وفي الإنجيل بشارة بالفارقليط في مواضع، منها: نعطيكم فارقليط يكون معكم آخر الدهر كلّه. وفيه أيضا قول المسيح للحواريّين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحقّ الّذي لا يتكلّم من قبل نفسه، إنّه نذيركم بجميع الخلق، ويخبركم بالأمور المزمعة، ويمدحني، ويشهد لي.

( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ) ممّا حرّم


عليهم، كالشحوم( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) ما يستخبث، كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما خبث في الحكم من المكاسب الخبيثة، كالربا والرشوة.

( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) ويخفّف عليهم الثقل الّذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله. وهو مثل لثقل ما كلّفوا به، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحّة التوبة.( وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) العهود الّتي كانت في ذممهم. وهذا أيضا مثل لـما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقّة، نحو قطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.

وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلّي لبسوا المسوح(١) ، وغلّوا أيديهم إلى أعناقهم، وربّما ثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة، وأوثقها إلى السارية، يحبس نفسه على العبادة. وجعل تلك العهود بمنزلة الأغلال الّتي تكون في الأعناق، للزومها، كما يقال: هذا طوق في عنقك.

( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ ) وعظّموه، أو منعوه حتّى لا يقوى عليه عدوّ.

وأصل التعزير المنع، ومنه التعزير للضرب دون الحدّ، لأنّه يمنع من معاودة القبيح.

( وَنَصَرُوهُ ) لي ولديني( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) أي: مع نبوّته، وهو القرآن.

وإنّما سمّاه نورا لأنّه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره. أو لأنّه كاشف الحقائق مظهر لها. أو لأنّه نور في القلوب، كما أنّ الضياء نور في العيون، ويهتدي به الخلق في أمور الدين، كما يهتدون بالنور في أمور الدنيا.

ويجوز أن يكون «معه» متعلّقا بـ «اتّبعوا» أي: واتّبعوا النور المنزل مع اتّباع

__________________

(١) المسوح جمع المسح، وهو الكساء من شعر، أو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشّفا وزهدا.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فيكون إشارة إلى اتّباع الكتاب والسنّة.

( أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بالرحمة الأبديّة. ومضمون الآية جواب دعاء موسىعليه‌السلام .

( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) )

ثمّ أمر الله سبحانه نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطب جميع الخلق من العرب والعجم، فقال:( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) حال من «إليكم». وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مبعوثا إلى كافّة الثقلين، بخلاف سائر الرسل، فإنّهم مبعوثون إلى أقوامهم.

( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) صفة لله تعالى، وإن حيل بين الصفة والموصوف بما هو متعلّق المضاف إلى الرسول، لأنّه كالتقدّم عليه. أو مدح منصوب أو مرفوع. أو مبتدأ خبره:( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) وهو على الوجوه الأول بيان لـما قبله، فإنّ من ملك العالم كان هو الإله لا غيره. وفي قوله:( يُحيِي وَيُمِيتُ ) مزيد تقرير لاختصاصه بالألوهيّة، لأنّه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره.

( فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ ) ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه. وإنّما عدل عن التكلّم إلى الغيبة، لإجراء هذه الصفات الداعية إلى الايمان والاتّباع له.

( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، تنبيها على أنّ


من صدّقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعدّ في خطط الضلالة.

( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) )

ثمّ عاد الكلام إلى قصّة بني إسرائيل، فقال:( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى ) يعني: من بني إسرائيل( أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ ) يهدون الناس محقّين، أو بكلمة الحقّ( وَبِهِ ) وبالحقّ( يَعْدِلُونَ ) بينهم في الحكم. والمراد بها الثابتون على الإيمان القائلون بالحقّ من أهل زمانه. أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن، تنبيها على أنّ تعارض الخير والشرّ وتزاحم أهل الحقّ والباطل أمر مستمرّ. وقيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما.

وفي حديث أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهير: «أنّ موسىعليه‌السلام لـمّا أخذ الألواح قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة هي خير أمّة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمّتي.

قال: تلك أمّة أحمد.

قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة هم الآخرون في الخلق، السابقون في دخول الجنّة، فاجعلهم أمّتي.

قال: تلك أمّة أحمد.

قال: ربّ فإنّي أجد في الألواح أمّة يقاتلون الأعور الكذّاب، فاجعلهم أمّتي.

قال: تلك أمّة أحمد.

قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ثمّ لم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرة أمثالها، وإن همّ بسيّئة ولم يعملها لم يكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيّئة واحدة، فاجعلهم من أمّتي.

قال: تلك أمّة أحمد.

قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة هم الشافعون وهم المشفوع لهم، فاجعلهم أمّتي.


قال: تلك أمّة أحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال موسى: ربّ اجعلني من أمّة أحمد.

قال أبو حمزة الثمالي: فأعطي موسى آيتين لم يعطوها، يعني: أمّة محمد.

قال الله:( يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي ) (١) . وقال:( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) . قال: فرضي موسى كلّ الرضا».

وفي حديث غير أبي حمزة قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لمّا قرأ:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) (٢) هذه لكم، وقد أعطى الله قوم موسى مثلها».

وقيل: هم قوم وراء الصين رآهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة المعراج، فآمنوا به.

وروي أنّ بني إسرائيل لـمّا قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا، تبّرأ سبط منهم ممّا صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرّق بينهم وبين إخوانهم. ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا فيه سنة ونصفا حتّى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا.

وذكر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ جبرئيل ذهب برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الإسراء نحوهم فكلّمهم. فقال لهم جبرئيل: هل تعرفون من تكلّمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمّد النبيّ الأمّي فآمنوا به. وقالوا: يا رسول الله: إنّ موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منّي السّلام. فردّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على موسىعليه‌السلام السّلام. ثمّ أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكّة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة. وأمرهم أن يقيموا مكانهم. وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمّعوا، أي: يصلّوا صلاة الجمعة، ويتركوا السبت.

وهذه الرواية منقولة عن ابن عبّاس والسدّي والربيع والضحّاك وعطاء، ومرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام . ثمّ قالوا: وليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون

__________________

(١) الأعراف: ١٤٤.

(٢) الأعراف: ١٨١.


باللّيل، ويضحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منّا أحد، ولا منهم إلينا، وهم على الحقّ.

وقيل: لو كانوا في طرف من الدنيا متمسّكين بشريعة، ولم يبلغهم نسخها، كانوا معذورين. وهذا من باب الفرض والتقدير، وإلّا فقد طار الخبر بشريعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى كلّ أفق، وتغلغل في كلّ نفق، ولم يبق مدر ولا وبر، ولا سهل ولا جبل، ولا برّ ولا بحر، في مشارق الأرض ومغاربها، إلّا وقد ألقاه الله إليهم، وملأ به مسامعهم، وألزمهم به الحجّة، وهو سائلهم عنه يوم القيامة.

( وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) )

ثمّ أخبر سبحانه خبرا آخر عن بني إسرائيل، فقال:( وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ


عَشْرَةَ ) وصيّرناهم قطعا متميّزا بعضهم عن بعض. ونصب «اثنتي عشرة» على أنّه مفعول ثان لـ «قطع»، فإنّه متضمّن معنى «صيّر» أو حال. وتأنيثه للحمل على الأمّة أو القطعة.( أَسْباطاً ) بدل منه، ولذلك جمع. أو تمييز له، على أنّ كلّ واحدة من اثنتي عشرة أسباط، فكأنّه قيل: اثنتي عشرة قبيلة، وكلّ قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباطا موضع قبيلة. والأسباط أولاد الأولاد، جمع سبط. وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوبعليه‌السلام .

( أُمَماً ) على الأوّل بدل بعد بدل، أو نعت لـ «أسباطا». وعلى الثاني بدل من «أسباطا»، أي: وقطّعناهم أمما، لأنّ كلّ أسباط أمّة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكلّ واحدة كانت تؤمّ خلاف ما تؤمّه الأخرى، فإنّ كلّ أمّة منهم ترجع إلى رئيسهم ليتميّزوا في مشربهم ومطعمهم، فيخفّ الأمر على موسىعليه‌السلام ، ولا يقع بينهم اختلاف وتباغض.

( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ ) في التيه( أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ ) أي: فضرب فانفجرت من الحجر. وحذفه للإيماء على أنّ موسىعليه‌السلام لم يتوقّف في الامتثال، وأنّ ضربه لم يكن مؤثّرا في ذاته، بل الانبجاس بفعل الله سبحانه، لكن يتوقّف على الضرب وإن كان غير مؤثّر فيه. والانبجاس: الانفتاح بسعة وكثرة.( اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ ) كلّ أمّة من تلك الأمم( مَشْرَبَهُمْ ) . والأناس اسم جمع غير تكسير، نحو رخال(١) وتوام.

( وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ) ليقيهم حرّ الشمس( وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا ) أي: وقلنا لهم: كلوا( مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا ) بالتجاوز عن أوامرنا( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) . قد سبق في سورة البقرة(٢) تفسير هذه الآية.

( وَإِذْ قِيلَ ) بإضمار «اذكر»( لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ) قرية بيت المقدس

__________________

(١) الرخال: هي الإناث من أولاد الضأن. والتوام واحدة: توأم.

(٢) في ج ١: ١٥٣.


( وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ) مثل ما في سورة البقرة(١) البقرة معنى، غير أنّ قوله: «فكلوا منها» بالفاء أفاد تسبّب سكناهم للأكل منها، ولم يتعرّض له هاهنا اكتفاء بذكره ثمّ، أو بدلالة الحال عليه. وأمّا تقديم «قولوا» على «وادخلوا» فلا أثر له في المعنى، لأنّه لا يوجب الترتيب، وكذا الواو العاطفة بينهما.( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) .

قرأ نافع وابن عامر ويعقوب: تغفر بالتاء والبناء للمفعول، وخطيئاتكم بالجمع والرفع، غير ابن عامر، فإنّه وحّد. وقرأ أبو عمرو: خطاياكم.

( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ) قد مرّ(٢) تفسيره أيضا.

( وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) )

__________________

(١) في ج ١: ١٥٣ ـ ١٥٤.

(٢) راجع ج ١: ١٥٥ ذيل الآية ٥٩ من سورة البقرة.


ثمّ ابتدأ بخبر آخر من أخبار بني إسرائيل، فقال مخاطبا لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَسْئَلْهُمْ ) للتقرير والتقريع بقديم كفرهم وعصيانهم، والإعلام بما هو من علومهم الّتي لا تعلم إلّا بكتاب أو وحي، ليكون معجزة عليهم( عَنِ الْقَرْيَةِ ) عن خبرها وما وقع بأهلها( الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ) قريبة منه. وهي: أيلة، قرية بين مدين والطور على شاطئ البحر. وقيل: مدين. وقيل: طبرية.( إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ) يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة.

و «إذ» ظرف لـ «كانت»، أو حاضرة، أو للمضاف المحذوف، أي: لأهل القرية. أو بدل من المضاف بدل الاشتمال، كأنّه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في تعظيم السبت.

( إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ ) ظرف لـ «يعدون» أو بدل بعد بدل منه. والحيتان جمع الحوت، بمعنى السمك.( يَوْمَ سَبْتِهِمْ ) يوم تعظيمهم أمر السبت. مصدر: سبتت اليهود، إذا عظّمت سبتها بترك الصيد والتجرّد للعبادة. وقيل: اسم لليوم. والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه.( شُرَّعاً ) حال من الحيتان. ومعناه: ظاهرة على وجه الماء، من: شرع علينا، إذا دنا وأشرف.

( وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ) بل كانت تغوص في البحر. قيل: إنّهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتّى كان يقع فيها السمك، ثمّ كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد.

وفي رواية عكرمة عن ابن عبّاس: اتّخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها، ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الأحد. وقيل: إنّهم اصطادوها وتناولوها باليد في يوم السبت.

( كَذلِكَ ) مثل ذلك البلاء الشديد( نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) بسبب فسقهم.


( وَإِذْ قالَتْ ) عطف على «إذ يعدون»( أُمَّةٌ مِنْهُمْ ) جماعة من أهل القرى، يعني: صلحاءهم الّذين اجتهدوا في موعظتهم حتّى أيسوا من اتّعاظهم( لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ ) مخزيهم ومستأصلهم في الدنيا بمعصيتهم( أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ) في الآخرة، لتماديهم في العصيان. قالوه مبالغة في أنّ الوعظ لا ينفع فيهم، أو سؤالا عن علّة الوعظ ونفعه، وكأنّه تقاول بينهم، أو قول من ارعوى عن الوعظ لمن لم يرعو منهم. وقيل: المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعّاظهم، ردّا عليهم وتهكّما بهم.

( قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ ) جواب للسؤال، أي: موعظتنا إنهاء عذر إلى الله تعالى، حتّى لا تنسب إلى تفريط في النهي عن المنكر. وقرأ حفص: معذرة بالنصب على المصدر أو العلّة، أي: اعتذرنا به معذرة، أو وعظناهم معذرة( وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) ولطمعنا أن يتّقوا ويرجعوا، إذ اليأس لا يحصل إلّا بالهلاك.

( فَلَمَّا نَسُوا ) تركوا ترك الناسي( ما ذُكِّرُوا بِهِ ) ما ذكّروهم به صلحاؤهم( أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بالاعتداء ومخالفة أمر الله تعالى( بِعَذابٍ بَئِيسٍ ) شديد. فعيل من: بؤس يبؤس بؤسا، إذا اشتدّ.

وقرأ أبو بكر بيئس على فيعل، كضيغم. وابن عامر: بئس بكسر الباء وسكون الهمزة، على أنّه بئس كحذر. كما قرئ به شاذّا فخفّف عينه بنقل حركتها إلى الفاء، ككبد. ونافع: بيس على قلب الهمزة ياء، كما قلبت في ذيب، أو على أنه فعل الذمّ وصف به فجعل اسما.( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) بسبب فسقهم.

( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ) تكبّروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله تعالى:( وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) (١) ( قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ) عبارة عن مسخهم قردة( خاسِئِينَ ) مطرودين مبعّدين. وهذا كقوله:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ

__________________

(١) الأعراف: ٧٧.


كُنْ فَيَكُونُ ) (١) . والظاهر أنّ الله عذّبهم أوّلا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم. ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى.

ولم يذكر الفرقة الثالثة الّتي قالت لم تعظون؟ أهي الناجية أم من الهالكة؟ واختلف في ذلك فقيل: هلكت الفرقتان، ونجت الفرقة الناهية. وروي ذلك عن الصادقعليه‌السلام .

وقيل: نجت الفرقتان وهلكت الفرقة الثالثة، وهي الآخذة للحيتان، لأنّ الناهي إذا علم أنّ النهي لا يؤثّر في المنهيّ سقط عنه النهي.

وروي أنّ الناهين لـمّا أيسوا عن اتّعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم، فقسّموا القرية بجدار فيه باب مطروق، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين، فقالوا: إنّ لهم شأنا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، فلم يعرفوا أنسباءهم، ولكن القرود تعرفهم، فجعلت تأتي أنسباءهم، وتشمّ ثيابهم، وتدور باكية حولهم، ثمّ ماتوا بعد ثلاث.

وفي الكشّاف: «أنّ أصحاب السبت كانوا مستقيمين على ما أمروا به وما نهوا عنه برهة من الدهر، ثمّ جاء إبليس فقال لهم: إنّما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتّخذوا حياضا تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد.

وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل، ثمّ شواه يوم الأحد. فوجد جاره ريح السمك، فتطلّع في تنّوره فقال له: إنّي أرى الله سيعذّبك، فلمّا لم يره عذّب أخذ في السبت القابل حوتين.

فلمّا رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم صادوا وأكلوا وملّحوا وباعوا. وكانوا نحوا من سبعين ألفا. فصار أهل القرية أثلاثا: ثلث نهوا، وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا ،

__________________

(١) النحل: ٤٠.


وثلث قالوا: لم تعظون قوما؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة.

فلمّا لم ينتهوا قال المسلمون: إنّا لا نساكنكم. فقسّموا القرية بجدار، للمسلمين باب، وللمعتدين باب. ولعنهم داودعليه‌السلام ، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأنا، فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسباءها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود. فجعل القرد يأتي نسيبه فيشمّ ثيابه ويبكي. فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى. وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير»(١) .

وفي المجمع(٢) عن ابن عبّاس: أنّهم بقوا ثلاثة أيّام ينظر إليهم الناس، ثمّ هلكوا ولم يتناسلوا. قال: ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام. وعن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله لم يمسخ شيئا فجعل له نسلا وعقبا.

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ

__________________

(١) الكشّاف ٢: ١٧٢.

(٢) مجمع البيان ٤: ٤٩٣.


لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) )

ثمّ خاطب سبحانه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ) أي: أعلم. تفعّل من الإيذان بمعناه، كالتوعّد والإيعاد. ومعناه: واذكر إذ عزم ربّك، لأنّ العازم على الأمر يحدّث به نفسه ويؤذنها بفعله. وأجري مجرى فعل القسم، كـ: علم الله وشهد الله، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم، وهو قوله:( لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) .

والمعنى: وإذ أوجب ربّك على نفسه ليسلّطنّ على اليهود إلى يوم القيامة( مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) كالإذلال وضرب الجزية، كما روي أنّ الله بعث عليهم بعد سليمانعليه‌السلام بختنصّر، فخرّب ديارهم، وقتل مقاتليهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدّونها إلى المجوس، حتّى بعث الله محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ففعل ما فعل، ثمّ ضرب عليهم الجزية، فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر. ومعنى البعث هاهنا بمعنى الإطلاق والتخلية والأمر.

( إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ ) عاقبهم في الدنيا( وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لمن تاب وآمن. وهذه الآية دالّة على أنّ اليهود لا يكون لهم دولة وعزّة إلى يوم القيامة.

( وَقَطَّعْناهُمْ ) وفرّقناهم( فِي الْأَرْضِ أُمَماً ) فرقا وجماعات، بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم، تتمّة لإدبارهم حتّى لا يكون لهم شوكة قطّ. و «أمما» مفعول ثان أو حال( مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ ) صفة أو بدل منه. وهم الّذين آمنوا بالمدينة ونظراؤهم( وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ) تقديره: ومنهم ناس دون ذلك، أي: منحطّون عن الصلاح. وهم كفرتهم وفسقتهم.

( وَبَلَوْناهُمْ ) واختبرناهم، أي: نعاملهم معاملة أهل الاختبار( بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ ) بالنعم والنقم( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) ينتبهون فينتهون فينيبون عمّا كانوا


عليه.

ثمّ ذكر سبحانه الأخلاف بعد الأسلاف بقوله:( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) من بعد المذكورين( خَلْفٌ ) بدل سوء. مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع.

وقيل: جمع. وهو شائع في الشرّ، والخلف بالفتح في الخير. والمراد بهم الّذين كانوا في عصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .( وَرِثُوا الْكِتابَ ) أي: بقيّة التوراة من أسلافهم، يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي، ولا يعملون بها.

( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ) حطام هذا الشيء الأدنى، يعني: الدنيا وما يتمتّع به منها، من: الدنوّ أو الدناءة، وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الحكومة وعلى تحريف الكلم عن مواضعه. والجملة حال من الواو.

( وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ) لا يؤاخذنا الله تعالى بذلك، ويتجاوز عنه. وهو يحتمل العطف والحال. والفعل مسند إلى الجارّ والمجرور، أو مصدر «يأخذون».

والّذي عليه المجبّرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.

وعن مالك بن ديناررحمه‌الله : يأتي على الناس زمان إن قصّروا عمّا أمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنّا لم نشرك بالله شيئا، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الّذين ذكرهم الله، وتلا الآية.

( وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ) حال من الضمير في «لنا» أي: يرجون المغفرة، مصرّين على الذنب، عائدين إلى مثل فعلهم، غير تائبين عنه.

( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ) على هؤلاء المرتشين( مِيثاقُ الْكِتابِ ) الميثاق في التوراة( أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ ) عطف بيان للميثاق، أو متعلّق به، أي: بأن لا يقولوا، أي: لا يكذّبوا على الله، ولا يضيفوا إليه إلّا ما أنزله. والمراد توبيخهم على البتّ بالمغفرة مع عدم التوبة، والدلالة على أنّه افتراء على الله، وخروج عن ميثاق الكتاب.


( وَدَرَسُوا ما فِيهِ ) وقرءوا ما فيه. عطف على «ألم يؤخذ» من حيث المعنى، فكأنّه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه، فإنّه تقرير. أو على «ورثوا»، وهو اعتراض.

( وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ ) من ذلك العرض الحقير( لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) ممّا يأخذ هؤلاء( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) فيعلموا ذلك، ولا يستبدلوا الأدنى المؤدّي إلى العقاب بالنعيم المخلّد. وقرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتاء على التلوين.

( وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ ) عطف على( الَّذِينَ يَتَّقُونَ ) . وقوله:( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) اعتراض، أي خير للّذين لا يحرّفونه ولا يكتمونه، ويعملون بكلّ ما فيه.

( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) إفراد إقامتها لإنافتها على سائر أنواع التمسّكات. ويجوز أن تكون الجملة الموصولة مبتدأ خبره:( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) على تقدير: منهم. أو وضع الظاهر موضع المضمر، تنبيها على أنّ الإصلاح كالمانع من التضييع.

وقرأ أبو بكر: يمسكون بالتخفيف.

( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) )

ثمّ عاد الكلام إلى قوم موسىعليه‌السلام فقال:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ) أي: قلعناه ورفعناه فوقهم، كقوله:( وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) (١) . وأصل النتق الجذب.( كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) سقيفة. وهي: كلّ ما أظلّك.( وَظَنُّوا ) وتيقّنوا( أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ) ساقط عليهم، لأنّ الجبل لا يثبت في الجوّ، ولأنّهم كانوا يوعدون به، وذلك لأنّهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخا

__________________

(١) البقرة: ٦٣.


في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلّا ليقعنّ عليكم، فلمّا نظروا إلى الجبل خرّوا سجّدا على أحد شقّي وجوههم، ينظرون إلى الجبل خوفا من سقوطه.

وقوله:( خُذُوا ) على إضمار القول، أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا( ما آتَيْناكُمْ ) من الكتاب( بِقُوَّةٍ ) بجدّ وعزم على تحمّل مشاقّه. وهو حال من الواو.( وَاذْكُرُوا ما فِيهِ ) من الأوامر والنواهي، فاعملوا به ولا تتركوه كالمنسيّ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) فضائح الأعمال ورذائل الأخلاق.

( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) )

ثمّ ذكر سبحانه ما أخذ على الخلق من المواثيق بعقولهم عقيب ذكر المواثيق الّتي في الكتب، جمعا بين دلائل السمع والعقل، وإبلاغا في إقامة الحجّة، فقال:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي: أخرج من أصلابهم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن. و «من ظهورهم» بدل من «بني آدم» بدل البعض. وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب: ذرّيّاتهم. ومن أفرد فللاستغناء عن جمعه، لوقوعه


على الجمع، ألا ترى إلى قوله:( وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) (١) .

وقوله:( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ) من باب التمثيل. والمعنى في ذلك: أنّه نصب لهم الأدلّة على ربوبيّته، وركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها، وجعلها مميّزة بين الضلالة والهداية، حتّى صاروا بمنزلة من قيل لهم: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى شهدنا، أي: أقررنا بربوبيّتك. فنزّل تمكينهم من العلم بها وتمكّنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل.

وقوله:( أَنْ تَقُولُوا ) مفعول له على حذف المضاف، أي: نصبنا الأدلّة الّتي تشهد العقول على صحّتها كراهة أن تقولوا( يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ) لم ننبّه عليه بدليل.

( أَوْ تَقُولُوا ) عطف على( أَنْ تَقُولُوا ) . وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء على الغيبة، لأنّ أوّل الكلام على الغيبة، أي: كراهة أن يقولوا كذا أو يقولوا:( إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) فاقتدينا بهم( أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) يعني: آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك. ولـمّا كان نصب الأدلّة على التوحيد قائما معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على تقليد الآباء والاقتداء بهم، كما لا عذر لآبائهم في الشرك، لأنّه نصبت الأدلّة لهم أيضا على التوحيد، فهذا العذر منهم أيضا غير صحيح.

وقيل: لـمّا خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرّيّة كالذرّ وأحياهم، وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك. والقول الأوّل أشهر بين المفسّرين وأصحّ.

ولا شبهة أنّ المقصود من إيراد هذا الكلام هنا إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العامّ بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعيّة والعقليّة، ومنعهم عن التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال، كما قال:( وَكَذلِكَ )

__________________

(١) الأعراف: ١٧٣.


أي: ومثل ذلك التفصيل البليغ( نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي: عن التقليد واتّباع الباطل.

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقرأ عليهم قصّة أخرى من أخبار بني إسرائيل، فقال:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) أي: على اليهود( نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ) هو عالم من علماء بني إسرائيل من الكنعانيّين، اسمه بلعم بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله تعالى، وعنده الاسم الأعظم. وهو مرويّ عن الباقرعليه‌السلام .

وقيل: هو أميّة بن أبي الصلت، كان قد قرأ الكتب، وعلم أنّ الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الزمان، ورجا أن يكون هو، فلمّا بعث محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسده وكفر به.

( فَانْسَلَخَ مِنْها ) من الآيات، بأن كفر بها وأعرض عنها، كالشيء الّذي ينسلخ من الجلد( فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ) تبعه ولحقه فأدركه، وصار قرينا له حتّى أضلّه. وتبع وأتبع واتّبع بمعنى. وقيل: استتبعه.( فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ )


فصار من الضالّين.

روي أنّ قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه. فقال: كيف أدعو على من معه الملائكة؟ فألحّوا عليه حتى دعا عليهم، فبقوا في التيه.

( وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ ) إلى منازل الأبرار من العلماء( بِها ) بسبب تلك الآيات وملازمتها( وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) مال إلى الدنيا ورغب فيها، أو إلى السفالة والدناءة( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات. وكان أصل الكلام أن يقول: ولكنّه أعرض عنها، فأوقع موقعه( أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ) مبالغة، وتنبيها على ما حمله عليه، وأنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة.

وإنّما علّق الله سبحانه رفعه بمشيئة الله، ولم يعلّقه بفعله الّذي يستحقّ به الرفع، لأنّ مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات، فذكرت المشيئة، والمراد ما هي تابعة له ومسبّبة عنه، كأنّه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها. ألا ترى إلى قوله:( وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) فإنّه تعالى استدرك مشيئته بإخلاده الّذي هو فعله، فوجب أن يكون( وَلَوْ شِئْنا ) في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: لرفعناه ولكنّا لم نشأ.

ثمّ ضرب مثلا لكلّ مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة، فقال:( فَمَثَلُهُ ) فصفته الّتي هي مثل في الخسّة( كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) كصفته في أخسّ أحواله، وهو( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) أي: يلهث دائما، سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرّض له، أي: يتّصل لهثه في الحالين جميعا، وذلك لضعف فؤاده، بخلاف سائر الحيوانات، فإنّها لا تلهث إلّا حين هيجت. واللهث إدلاع اللسان من التنفّس الشديد. والشرطيّة في موضع الحال. والمعنى: لاهثا في الحالتين، أي: إن وعظته فهو ضالّ، وإن لم تعظه فهو ضالّ. ومثله قوله تعالى :


( سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ) (١) .

وقيل: شبّه بالكلب إذا أخرج لسانه لإيذاء الناس بلسانه، حملت عليه أو تركته. والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الّذي هو نفي الرفع، ووضع المنزلة للمبالغة.

وقيل: لـمّا دعا على موسى خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كالكلب.

( ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) من اليهود، بعد ما قرءوا نعت رسول الله في التوراة، وبشّروا الناس بقرب مبعثه، وكانوا يستفتحون به( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) أي: قصّة بلعم على اليهود، فإنّها نحو قصصهم( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) تفكّرا يؤدّي بهم إلى الاتّعاظ، فيحذرون مثل عاقبته، إذ ساروا بسيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنّك علمته من جهة الوحي فتزداد الحجّة لزوما لهم.

( ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ ) أي: مثل القوم( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) بعد قيام الحجّة عليهم وعلمهم بها. وقوله:( وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) إمّا أن يكون داخلا في الصلة معطوفا على «كذّبوا» بمعنى: الّذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم.

أو منقطعا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلّا أنفسهم، فإنّ وباله لا يتخطّاها، ولذلك قدّم المفعول، فكأنّه قيل: رخّصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها.

( مَنْ يَهْدِ اللهُ ) إلى نيل الثواب، أو الّذي هداه الله فقبل الهداية وأجاب إليها( فَهُوَ الْمُهْتَدِي ) للإيمان( وَمَنْ يُضْلِلْ ) أي: يضلله الله عن طريق الجنّة، وعن نيل الثواب، عقوبة على كفره وفسقه. أو الّذي اختار الضلالة فخلّى الله بينه وبين ما اختاره، ولم يمنعه منه بالجبر.( فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) خسروا أنفسهم في حرمانهم عن الجنّة. وإفراد الضمير أوّلا والجمع ثانيا باعتبار اللفظ والمعنى، تنبيها

__________________

(١) الأعراف: ١٩٣.


على أنّ المهتدين كواحد، لاتّحاد طريقهم، بخلاف الضالّين.

( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) )

ولـمّا بيّن سبحانه أمر الكفّار وضرب لهم الأمثال، عقّبه ببيان حالهم في المصير والمآل، فقال:( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) اللام للعاقبة، أي: خلقنا كثيرا من الثقلين على أنّ مصيرهم إلى جهنّم بسوء اختيارهم. وهم الكفّار المصرّون على الكفر، المعاندون المكابرون، فما أثّر اللطف فيهم.

ثمّ فصّل بيان حالهم بقوله:( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) أي: لا يلقون أذهانهم إلى النظر في دلائل معرفة الله( وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ) أي: لا ينظرون إلى مخلوقاته نظر اعتبار( وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) أي: لا يسمعون ما يتلى عليهم من المواعظ والأذكار، سماع تأمّل وتذكّر، فلا يأتي منهم إلّا أفعال أهل النار، فكأنّهم مخلوقون لها.

( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ) في عدم الفقه والإبصار للاعتبار والاستماع للتدبّر، أو في أنّ مشاعرهم وقواهم متوجّهة إلى أسباب التعيّش مقصورة عليها( بَلْ هُمْ أَضَلُ ) فإنّ البهائم إذا زجرت انزجرت، وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت، وتدرك من المنافع والمضارّ، وتجتهد في جذبها ودفعها غاية جهدها، وهؤلاء لا يهتدون إلى شيء من أمور الدين، مع ما ركّب فيهم من العقول الدالّة على الرشاد، والصارفة عن العناد.

( أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) الكاملون في الغفلة.


( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) )

وبعد ذكر أهل العناد رغّب العباد إلى طريق التوحيد، فقال:( وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) الّتي هي أحسن الأسماء، لأنّها دالّة على معاني هي أحسن المعاني، بعضها يرجع إلى صفات ذاته، كالعالم والقادر والحيّ والإله، وبعضها يرجع إلى صفات فعله، كالخالق والرازق والبارئ والمصوّر، وبعضها يفيد التمجيد والتقديس، كالغنيّ والواحد( فَادْعُوهُ بِها ) فسمّوه بتلك الأسماء.

( وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ) واتركوا الّذين يعدلون بأسمائه عمّا هي عليه، فيسمّون بها أصنامهم، أو يصفونه بما لا يليق به، كإسناد القبائح وخلق الفحشاء والمنكر إليه، وكذا نسبة التشبيه إليه، كالرؤية ونحوها. أو يسمّونه بما لا يجوز تسميته به، إذ ربّما يوهم معنى فاسدا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه. وهذا دالّ على أنّ أسماء الله توقيفيّة. أو ذروهم وإلحادهم فيها، بإطلاقها على الأصنام، وباشتقاق أسمائها منها، كاللات من الله، والعزّى من العزيز، ولا توافقوهم عليه، أو أعرضوا عنهم، فإنّ الله مجازيهم، كما قال:( سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: جزاء عملهم.

وقرأ حمزة: يلحدون بالفتح. يقال: لحد وألحد، إذا مال عن القصد.

( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ ) أي: جماعة يدعون الناس إلى توحيد الله وأحكامه( وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) وبالحقّ يحكمون.

عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يقول إذا قرأها: «هذه لكم، وقد أعطي القوم بين


أيديكم مثلها:( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ ) (١) ». الآية.

وقال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ هذه الآية فقال: «إنّ من أمّتي قوما على الحقّ حتّى ينزل عيسىعليه‌السلام ».

وعن عليّعليه‌السلام : «والّذي نفسي بيده لتفترقنّ الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا فرقة واحدة:( وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ ) الآية، فهذه الّتي تنجو».

وعن الباقر والصادقعليهما‌السلام أنّهما قالا: «نحن هم».

واستدلّ به على صحّة الإجماع، لأنّ المراد منه أنّ في كلّ قرن طائفة بهذه الصفة، لقولهعليه‌السلام : «لا تزال من أمّتي طائفة على الحقّ إلى أن يأتي أمر الله»، إذ لو اختصّ بعهد الرسول أو غيره لم تكن لذكره فائدة، فإنّه معلوم.

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) )

ولـمّا ذكر سبحانه المؤمنين بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الهادين بالحقّ، ذكر بعده المكذّبين

__________________

(١) الأعراف: ١٥٩.


بآياته، فقال:( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) أصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة. والمعنى: سنستدنيهم إلى الهلاك قليلا قليلا حتى يقعوا فيه بغتة.( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) ما نريد بهم، وذلك بأن تتواتر عليهم النعم، فيظنّوا أنّها لطف من الله تعالى بهم، فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغيّ، حتى يحقّ عليهم كلمة العذاب.

( وَأُمْلِي لَهُمْ ) عطف على( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ) أي: أمهلهم ولا أعاجلهم بالعقوبة( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) إنّ أخذي شديد. وإنّما سمّاه كيدا لأنّه شبيه به، فإنّه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان.

عن قتادة: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على الصفا فدعاهم فخذا فخذا إلى توحيد الله، يحذّرهم بأس الله. فقال قائلهم: إنّ صاحبكم لمجنون، بات يهوّت(١) إلى الصباح، فنزلت:( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ )

ألم يتفكّر هؤلاء الكفّار فيعلموا ما بصاحبهم ـ يعني: بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ( مِنْ جِنَّةٍ ) جنون( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) موضّح إنذاره بحيث لا يخفى على أحد.

( أَوَلَمْ يَنْظُرُوا ) نظر استدلال( فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فيما تدلّان على وجوب وجوبه ووحدانيّته( وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) وفيما خلق الله ممّا يقع عليه اسم الشيء من أجناس خلقه الّتي لا يمكن حصرها، ليدلّهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولّي أمرها، ليظهر لهم صحّة ما يدعوهم إليه.

( وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) عطف على «ملكوت». و «أن» مصدريّة أو مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. وكذا اسم «يكون». والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقّع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحقّ والتوجّه

__________________

(١) أي: يصيح من: هوّت تهويتا به، أي: صاح.


إلى ما ينجيهم، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب؟( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ ) أي: بعد القرآن( يُؤْمِنُونَ ) إذا لم يؤمنوا به؟ وهو النهاية في البيان، كأنّه إخبار عنهم بالطبع والتصميم على الكفر بعد إلزام الحجّة والإرشاد إلى النظر.

قال في الكشّاف: «قوله:( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ) متعلّق بقوله:( عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ) كأنّه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما بالهم لا يبادرون إلى الايمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقّ؟ فإن لم يؤمنوا به فبأيّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا به»(١) .

( مَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) أي: يخلّه ويمنعه عن التوفيق، لتوغّله في العناد( فَلا هادِيَ لَهُ ) من بعد الله( وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ ) بالرفع على الاستئناف. وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء، لقوله:( مَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) . وحمزة والكسائي به وبالجزم، عطفا على محلّ( فَلا هادِيَ لَهُ ) ، كأنّه قيل: لا يهده أحد غيره ويذرهم في ضلالتهم.

( يَعْمَهُونَ ) يتحيّرون. وهو حال من «هم».

( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) )

ولـمّا تقدّم الوعيد بالساعة سألوا عن وقتها، فقال سبحانه :

__________________

(١) الكشاف ٢: ١٨٢ ـ ١٨٣.


( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ) أي: القيامة. وهي من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريّا. وإطلاقها عليها إمّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنّها على طولها عند الله تعالى كساعة.( أَيَّانَ مُرْساها ) متى إرساؤها؟ أي: إثباتها. واشتقاق أيّان من أيّ، لأنّ معناه: أيّ وقت؟ وهو من: أويت، لأنّ البعض آو إلى الكلّ متساند إليه. والإرساء من الرسو، بمعنى الثبوت، فإنّ رسو الشيء ثباته واستقراره، ومنه: رسا الجبل، وأرسى السفينة.

( قُلْ إِنَّما عِلْمُها ) علم إرسائها( عِنْدَ رَبِّي ) يعني: استأثر به لم يطلع عليه ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا، فضلا عن غيرهما من خلقه، ليكون العباد على حذر منه، وذلك أدعى لهم إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى سبحانه وقت الموت لذلك( لا يُجَلِّيها ) لا يظهر أمرها، ولا يكشف خفاء علمها( لِوَقْتِها ) في وقتها( إِلَّا هُوَ ) يعني: أنّ الخفاء بها مستمرّ على غيره إلى وقت وقوعها. واللام للتوقيت، كاللام في قوله:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) (١) .

( ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) كثرت وعظمت على أهلها من الملائكة والجنّ والإنس، لأهوالها وشدائدها. وكأنّه إشارة إلى الحكمة في إخفائها.( لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ) فجأة على غفلة.

وفي الحديث: «أنّ الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوّم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه».

( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) عالم بها. فعيل من: حفي عن الشيء إذا سأل عنه، وحفي بفلان يحفي به بالغ في البرّ به، فإنّ من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه فيه، ولذلك عدّي بـ «عن».

وقيل: هي صلة الفعل، أي: يسألونك عنها كأنّك حفيّ عالم بها.

وقيل: من الحفاوة، بمعنى الشفقة، فإنّ قريشا قالوا له: إنّ بيننا وبينك قرابة ،

__________________

(١) الإسراء: ٧٨.


فقل لنا متى الساعة؟ ومعناه حينئذ: يسألونك عنها كأنّك حفيّ تتحفّى بهم، فتخصّهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها.

وقيل: معناه: كأنّك حفيّ بالسؤال عنها، أي: تحبّه في زعمهم، والحال أنّك تكره السؤال عنها، لأنّه من الغيب الّذي استأثره الله تعالى بعلمه، من: حفي بالشيء إذا فرح.

( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ) كرّره لتكرير «يسألونك»، لـما نيط به من هذه الزيادة، وللمبالغة( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن علمها عند الله، ولم يؤته أحدا من خلقه.

( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) )

ولـمّا تقدّم إجابة القوم بأنّه لا يعلم الغيب، عقّبه بأنّ علم الغيب يختصّ به المالك للنفع والضرّ، وهو الله سبحانه، فقال:( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً ) أي: جلب نفع( وَلا ضَرًّا ) ولا دفع ضرر. وهو إظهار للعبوديّة، والانتفاء عمّا يختصّ بالربوبيّة من العلم بالغيوب( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) ربّي ومالكي من النفع لي والدفع عنّي، فيلهمني إيّاه ويوفّقني له.

( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ) أي: ولو كنت أعلمه لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، فكنت استكثر المنافع واجتنب المضارّ حتّى لا يمسّني شيء منها، ولم أكن غالبا مرّة ومغلوبا أخرى في الحروب ،


ورابحا مرّة وخاسرا أخرى( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) ما أنا إلّا عبد مرسل للإنذار والبشارة( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فإنّهم المنتفعون بهما. ويجوز أن يكون متعلّقا بالبشير، ومتعلّق النذير محذوف، أي: إلّا نذير للكافرين، وبشير لقوم يؤمنون.

( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) )

ولـمّا تقدّم ذكر الله سبحانه، ذكر عقيبه ما يدلّ على وحدانيّته، فقال:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ) وهو آدمعليه‌السلام ( وَجَعَلَ مِنْها ) من جسدها، من ضلع من أضلاعها( زَوْجَها ) وهي حوّاء( لِيَسْكُنَ إِلَيْها ) ليأنس بها، ويطمئنّ إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. وتذكير الضمير باعتبار معنى النفس، لتبيين أنّ المراد بها آدم، ولأنّ الذكر هو الّذي يسكن إلى الأنثى، وليناسب قوله:( فَلَمَّا تَغَشَّاها ) أي: جامعها، فإنّ التغشّي كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان.


( حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) خفّ عليها بحيث لم يمنعها الحمل عن شيء من التصرّف، ولم تلق منه ما تلقى منه العوامل غالبا من الأذى. أو محمولا خفيفا، وهو النطفة.( فَمَرَّتْ بِهِ ) فاستمرّت به، وقامت وقعدت.

( فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ) صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. أو حان وقت ثقل حملها، كما يقال: أقربت.( دَعَوَا ) أي: دعا آدم وحوّاء( اللهَ رَبَّهُما ) ومالك أمرهما الّذي هو الحقيق أن يلتجأ إليه( لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً ) وهبت لنا ولدا سويّا قد صلح بدنه. وقيل: ولدا ذكرا، لأنّ الذكورة من الصلاح والجودة.( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لك على هذه النعمة المجدّدة. والضمير في «آتيتنا» و «لنكوننّ» لهما ولكلّ من يتناسل من ذرّيّتهما.

( فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ) أي: جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فإنّ آدم وحوّاء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله تسميتهم أولادهم بعبد العزّى وعبد مناف وعبد يغوث وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم.

ويدلّ على حذف المضاف قوله:( فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) حيث جمع الضمير. وكذلك قوله:( أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً ) ما لا يقدر على خلق شيء( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) يعني: الأصنام أجريت مجرى أولي العلم بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إيّاها آلهة.

وما قالت العامّة من أنّ حوّاء لـمّا حملت أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك، لعلّه بهيمة أو كلب؟ وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك وذكرت لآدمعليه‌السلام ، فهمّا منه. ثمّ عاد إليها وقال: إنّي من الله بمنزلة، فإن دعوت الله تعالى أن يجعله خلقا مثلك، ويسهّل عليك خروجه، تسمّيه


عبد الحارث برضا آدم، وكان اسمه حارثا بين الملائكة، فتقبّلت. فلمّا ولدت سمّته عبد الحارث.

فذلك بعيد غاية البعد، تأباه العقول وتنكره، لأنّ البراهين الساطعة دالّة على عصمة الأنبياء، فلا يجوز عليهم الشرك والمعاصي وطاعة الشيطان.

وقيل: الخطاب في «خلقكم» لآل قصيّ من قريش، أي: خلقكم من نفس قصيّ، وجعل من جنسها زوجها عربيّة قرشيّة، فلمّا آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السويّ جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سمّيا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزّى وعبد قصيّ وعبد الدار.

وحكى البلخي عن جماعة من العلماء أنّهم قالوا: لو صحّ الخبر الأوّل لم يكن في ذلك إلّا إشراكا في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية. واختاره الطبري(١) .

( وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ ) لعبدتهم( نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث.

( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ) أي: المشركين( إِلَى الْهُدى ) إلى ما هو هدى ورشاد، وهو الإسلام( لا يَتَّبِعُوكُمْ ) . وقرأ نافع بالتخفيف.

وقيل: الخطاب للمشركين، و «هم» ضمير الأصنام، أي: إن تدعوهم إلى أن يهدوكم لا يتّبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله.

( سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ) على دعائهم، في أنّه لا فلاح معهم. وإنّما لم يقل: أم صمتّم، للمبالغة في عدم إفادة الدعاء، من حيث إنّ الأصنام مستمرّة بالثبات على الصمات في عدم الإجابة. أو لأنّهم ما كانوا يدعونها لحوائجهم، فكأنّه قيل: سواء عليكم إحداثكم دعاءهم في إلحاح الحوائج أو

__________________

(١) تفسير الطبري ٩: ١٠١.


استمراركم على الصمات من دعائهم.

( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) )

ثمّ أتمّ سبحانه الحجّة على المشركين بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي: تعبدونهم وتسمّونهم آلهة( عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) من حيث إنّها مملوكة مسخّرة( فَادْعُوهُمْ ) في مهمّاتكم، ولصرف الأسواء عنكم( فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أنّهم آلهة. ويحتمل أنّهم لـمّا نحتوها بصور الأناسيّ قال لهم: إنّ نهاية أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم، فلا يستحقّون عبادتكم، كما لا يستحقّ بعضكم عبادة بعض.

ثمّ أبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم، فقال:( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ) .


روي: أنّهم كانوا يخوّفون الرسول بآلهتهم، فأمره الله تعالى بقوله:( قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ) واستعينوا بهم في عداوتي( ثُمَّ كِيدُونِ ) فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي أنتم وشركاؤكم( فَلا تُنْظِرُونِ ) فلا تمهلوني، فإنّي لا أبالي بكم، لوثوقي على ولاية الله تعالى وحفظه.

( إِنَّ وَلِيِّيَ ) ناصري وحافظي ودافع شرّكم عنّي( اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ ) القرآن( وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) أي: ومن عادته تعالى أن يتولّى الصلحاء المطيعين من عباده، فضلا عن أنبيائه.

ثمّ تمّم التعليل لعدم مبالاته بهم، فقال:( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) كرّر ذلك لأنّ ما تقدّم فإنّه على وجه التقريع والتوبيخ، وما ذكره هنا فإنّه على وجه الفرق بين صفة من يجوز له العبادة وصفة من لا يجوز له، فكأنّه قال: إنّ من أعبده ينصرني، ومن تعبدونه لا يقدر على نصركم ولا على نصر نفسه(١) .

( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) )

ولـمّا أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدعاء إليه وتبليغ رسالته، علّمه محاسن الأفعال

__________________

(١) سقط من النسخة الخطّية تفسير الآية (١٩٨) كملا، وإليك تفسيرها باختصار من مجمع البيان:( وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ) يعني: إن دعوتم هؤلاء الذين تعبدونهم من الأصنام( إِلَى الْهُدى ) أي: إلى الرشد والمنافع. وقيل: معناه: وإن دعوتم المشركين إلى الدين.( لا يَسْمَعُوا ) أي: لا يسمعوا دعاءكم( وَتَراهُمْ ) فاتحة أعينهم نحوكم على ما صوّرتموهم عليه من الصور. وقيل: معناه: لا يقبلوا، ومنه: سمع الله لمن حمده.( يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) الحجّة. يعني: مشركي العرب.


ومكارم الأخلاق والخصال، فقال:( خُذِ الْعَفْوَ ) أي: خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم، وتسهّل من غير كلفة، ولا تداقّهم، ولا تطلب ما يشقّ عليهم حتّى لا ينفروا، من العفو الّذي هو ضدّ الجهد والمشقّة، ومنه: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يسّروا ولا تعسّروا».

فأمر سبحانه بالتسامح وترك الاستقصاء. أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل وما تسهّل من صدقاتهم، وذلك قبل وجوب الزكاة، فلمّا نزلت أمر أن يأخذهم بها طوعا أو كرها.

( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) المعروف المستحسن من الأفعال( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) فلا تمارهم، ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم، صيانة لقدرك، فإنّ مجاوبة السفيه تضع عن القدر.

قيل: إنّه لـمّا نزلت الآية سأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جبرئيل عن ذلك، فقال: لا أدري حتى أسأل. ثمّ أتاه فقال: يا محمد إنّ الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك.

وعن الصادقعليه‌السلام : «أمر الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكارم الأخلاق، وليست في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها».

قال ابن زيد: لـمّا نزلت هذه الآية قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كيف يا ربّ هذا والغضب؟ فنزل قوله:( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ) ينخسنّك( مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ) نخس في القلب، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به، كاعتراء غضب. والنزغ والنسغ والنخس: الغرز، كأنّه ينخس الإنسان حين يغريه على خلاف مأمور الله تعالى. فشبّه وسوسته للناس ـ إغراء لهم على المعاصي وإزعاجا ـ بغرز السائق ما يسوقه. وجعل النزغ نازغا كما قيل: جدّ جدّه.

( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ) ولا تطعه( إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يعلم ما فيه صلاح أمرك، فيحملك عليه. أو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها، مغنيا إيّاك


عن الانتقام ومتابعة الشيطان.

( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) )

ثمّ ذكر سبحانه طريقة المتّقين إذا عرضت لهم وساوس الشياطين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) باجتناب معاصيه( إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ ) لمّة( مِنَ الشَّيْطانِ ) وهو اسم فاعل من: طاف يطوف، كأنّها طافت بهم ودارت حولهم، فلم تقدر أن تؤثّر فيهم. أو من: طاف به الخيال يطيف طيفا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: طيف، على أنّه مصدر أو تخفيف طيّف، كـ: لين وهين. والمراد بالشيطان الجنس، ولذلك جمع ضميره في قوله: «وإخوانهم».

ومعنى الآية: أن المتّقين عادتهم أنه إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته( تَذَكَّرُوا ) ما أمر الله تعالى به ونهى عنه( فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ) فأبصروا الرشد، أو بسبب التذكّر مواقع الخطأ ومكائد الشيطان، فيتحرّزون عنها ولا يتّبعونه فيها.

والآية تأكيد وتقرير لـما قبلها. وكذا قوله:( وَإِخْوانُهُمْ ) أي: وإخوان الشياطين الّذين لم يتّقوا( يَمُدُّونَهُمْ ) يمدّهم الشياطين، أي: يكونون لهم مددا ويزيدونهم( فِي الغَيِ ) بالتزيين والحمل عليه. وقرأ نافع: يمدّونهم، من: أمدّ.( ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) لا يمسكون ولا يكفّون عن إغوائهم.


ويجوز أن يكون الضمير للإخوان، أي: لا يتّقون عن الغيّ ولا يقصرون كالمتّقين. ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، ويرجع ضمير «إخوانهم» إلى الجاهلين، فيكون الخبر جاريا على ما هو له. والأوّل أوجه، لأنّ إخوانهم في مقابلة الّذين اتّقوا.

( وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ) من القرآن، أو من الآيات المقترحة( قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ) هلّا جمعتها تقوّلا من عند نفسك كسائر ما تقرؤه، لقولهم: إن هذا إلّا إفك مفترى، من: اجتبى الشيء، أي: جباه لنفسه، بمعنى: جمعه، كقولك: اجتمعه.

أو هلّا أخذتها منزّلة عليك مقترحة، أي: هلّا طلبتها، من جبى إليه فاجتباه، أي: أخذه، كقولك: جليت إليه العروس فاجتلاها.

( قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ) لست بمختلق للآيات، أو لست بمقترح لها( هذا ) أي: هذا القرآن( بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ) حجج بيّنة ودلائل واضحة يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى. أو هو بمنزلة بصائر القلوب، بها يبصر الحقّ ويدرك الصواب.( وَهُدىً ) ودلالة تهدي إلى الرشد( وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) خصّهم بالذكر لأنّهم المنتفعون بها دون غيرهم.

( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) )

( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ) ظاهر اللفظ يقتضي وجوب


استماع القرآن والإنصات له وقت قراءته، في الصلاة وغير الصلاة.

وعن ابن مسعود وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيّب ومجاهد والزهري: أنّه في الصلاة خلف الامام الذي يؤتمّ به إذا سمعت قراءته. قالوا: وكان المسلمون يتكلّمون في صلاتهم ويسلّم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل فقال لهم: كم صلّيتم؟ أجابوه. فبهذه الآية نهوا عن ذلك، وأمروا بالاستماع، ثمّ صار سنّة في غير الصلاة أن ينصت القوم في مجلس يقرأ فيه القرآن. وهذا مرويّ أيضا عن أبي جعفرعليه‌السلام .

وعن عطاء وزيد بن أسلم: أنّه في الخطبة أمر بالإنصات والاستماع إلى الامام يوم الجمعة.

وعن الحسن: أنّه في الخطبة والصلاة جميعا.

وقيل: معناه: إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له.

وقال الجبائي: إنّها نزلت في ابتداء التبليغ ليعلموا أو يتفهّموا.

وقال أحمد بن حنبل: أجمعت الأمّة على أنّها نزلت في الصلاة.

وقال الشيخ أبو جعفرقدس‌سره : «أقوى الأقوال الأوّل، لأنّه لا حال يجب فيها الإنصات لقراءة القرآن إلّا حال قراءة الإمام في الصلاة، فإنّ على المأموم الإنصات لذلك والاستماع له، فأمّا خارج الصلاة فلا خلاف أنّ الإنصات والاستماع غير واجب.

وما روي عن الصادقعليه‌السلام : «إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع» يحمل على تأكيد الاستحباب»(١) .

( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) لترحموا لاتّعاظكم بمواعظه.

( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ) عامّ في الأذكار من القراءة والدعاء والتسبيح والتهليل.

__________________

(١) التبيان: ٥: ٦٨.


وروى زرارة عن أحدهماعليهما‌السلام قال: «معناه: إذا كنت خلف إمام تأتمّ به فأنصت، وسبّح في نفسك».

يعني: فيما لا يجهر الإمام فيه بالقراءة.

( تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) متضرّعا وخائفا( وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ) ومتكلّما كلاما فوق السرّ ودون الجهر، لأنّ الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى القبول( بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) بالغدوات والعشيّات، لفضل هذين الوقتين. وقيل: المراد دوام الذكر واتّصاله.( وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ) عن ذكر الله تعالى، اللاهين عنه.

ثمّ ذكر سبحانه ما يبعث إلى الذكر ويدعو إليه، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) يعني: ملائكة الملأ الأعلى. والمعنى: عند دنوّ المنزلة والزلفة والقرب من فضل الله ورحمته، لتوفّرهم على طاعته وابتغاء مرضاته.( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ) مع جلالة قدرهم وعلوّ مرتبتهم( وَيُسَبِّحُونَهُ ) وينزّهونه عمّا لا يليق به( وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) ويخصّونه بالسجود والتذلّل، ولا يشركون به غيره. وهو تعريض بمن عداهم من المكلّفين، ولهذا شرع السجود لقراءته. وهي أول سجدات القرآن.

واختلف في وجوب سجدة التلاوة عندها واستحبابها، فعند أبي حنيفة واجبة، وعند الشافعي سنّة مؤكّدة، وإليه ذهب أصحابنا. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنّة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار».



فهرس الموضوعات

سورة النساء (٤)

الآية: ١ ٦

الآية: ٢ ٨

الآية: ٣ ـ ٤ ١٠

الآية: ٥ ١٣

الآية: ٦ ١٥

الآية: ٧ ـ ٨ ١٧

الآية: ٩ ١٨

الآية: ١٠ ٢٠

الآية: ١١ ٢١

الآية: ١٢ ٢٥

الآية: ١٣ ـ ١٤ ٢٨

الآية: ١٥ ـ ١٦ ٢٩

الآية: ١٧ ـ ١٨ ٣٠

الآية: ١٩ ٣٣

الآية: ٢٠ ـ ٢١ ٣٥

الآية: ٢٢ ٣٦

الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٣٨

الآية: ٢٥ ٤٦

الآية: ٢٦ ـ ٢٨ ٤٨


الآية: ٢٩ ـ ٣٠ ٤٩

الآية: ٣١ ٥١

الآية: ٣٢ ٥٥

الآية: ٣٣ ٥٧

الآية: ٣٤ ٥٨

الآية: ٣٥ ٦٠

الآية: ٣٦ ـ ٣٧ ٦٢

الآية: ٣٨ ـ ٣٩ ٦٤

الآية: ٤٠ ٦٦

الآية: ٤١ ـ ٤٢ ٦٧

الآية: ٤٣ ٦٨

الآية: ٤٤ ـ ٤٥ ٧٢

الآية: ٤٦ ٧٣

الآية: ٤٧ ٧٥

الآية: ٤٨ ٧٦

الآية: ٤٩ ـ ٥٠ ٨٠

الآية: ٥١ ـ ٥٢ ٨١

الآية: ٥٣ ـ ٥٥ ٨٣

الآية: ٥٦ ـ ٥٧ ٨٥

الآية: ٥٨ ٨٦

الآية: ٥٩ ٨٨

الآية: ٦٠ ـ ٦٣ ٩١

الآية: ٦٤ ٩٤

الآية: ٦٥ ٩٥

الآية: ٦٦ ـ ٦٨ ٩٧


الآية: ٦٩ ـ ٧٠ ٩٩

الآية: ٧١ ١٠١

الآية: ٧٢ ـ ٧٣ ١٠٢

الآية: ٧٤ ١٠٤

الآية: ٧٥ ـ ٧٦ ١٠٥

الآية: ٧٧ ـ ٧٨ ١٠٧

الآية: ٧٩ ١١٠

الآية: ٨٠ ـ ٨١ ١١١

الآية: ٨٢ ١١٢

الآية: ٨٣ ١١٤

الآية: ٨٤ ـ ٨٥ ١١٦

الآية: ٨٦ ١١٧

الآية: ٨٧ ـ ٩٠ ١١٩

الآية: ٩١ ١٢٣

الآية: ٩٢ ١٢٤

الآية: ٩٣ ١٢٧

الآية: ٩٤ ١٢٨

الآية: ٩٥ ـ ٩٦ ١٣٠

الآية: ٩٧ ـ ٩٩ ١٣٣

الآية: ١٠٠ ١٣٥

الآية: ١٠١ ١٣٦

الآية: ١٠٢ ـ ١٠٣ ١٣٩

الآية: ١٠٤ ١٤٤

الآية: ١٠٥ ـ ١٠٦ ١٤٥

الآية: ١٠٧ ـ ١٠٨ ١٤٦


الآية: ١٠٩ ١٤٧

الآية: ١١٠ ـ ١١٢ ١٤٨

الآية: ١١٣ ١٤٩

الآية: ١١٤ ١٥٠

الآية: ١١٥ ـ ١١٦ ١٥٢

الآية: ١١٧ ـ ١٢١ ١٥٣

الآية: ١٢٢ ١٥٧

الآية: ١٢٣ ـ ١٢٤ ١٥٨

الآية: ١٢٥ ـ ١٢٦ ١٦٠

الآية: ١٢٧ ـ ١٢٨ ١٦٢

الآية: ١٢٩ ـ ١٣٠ ١٦٦

الآية: ١٣١ ـ ١٣٢ ١٦٨

الآية: ١٣٣ ١٦٩

الآية: ١٣٤ ـ ١٣٥ ١٧٠

الآية: ١٣٦ ـ ١٣٩ ١٧٢

الآية: ١٤٠ ـ ١٤١ ١٧٤

الآية: ١٤٢ ـ ١٤٣ ١٧٧

الآية: ١٤٤ ـ ١٤٦ ١٧٩

الآية: ١٤٧ ١٨٠

الآية: ١٤٨ ١٨١

الآية: ١٤٩ ١٨٢

الآية: ١٥٠ ـ ١٥٢ ١٨٣

الآية: ١٥٣ ـ ١٥٤ ١٨٤

الآية: ١٥٥ ـ ١٥٨ ١٨٦


الآية: ١٥٩ ـ ١٦٢ ١٩٠

الآية: ١٦٣ ـ ١٦٥ ١٩٤

الآية: ١٦٦ ـ ١٦٩ ١٩٦

الآية: ١٧٠ ١٩٨

الآية: ١٧١ ١٩٩

الآية: ١٧٢ ٢٠١

الآية: ١٧٣ ٢٠٢

الآية: ١٧٤ ـ ١٧٦ ٢٠٣

سورة المائدة (٥)

الآية: ١ ٢٠٨

الآية: ٢ ٢٠٩

الآية: ٣ ٢١٣

الآية: ٤ ٢١٨

الآية: ٥ ٢٢١

الآية: ٦ ٢٢٢

الآية: ٧ ٢٢٨

الآية: ٨ ٢٢٩

الآية: ٩ ـ ١١ ٢٣٠

الآية: ١٢ ـ ١٣ ٢٣٢

الآية: ١٤ ٢٣٥

الآية: ١٥ ـ ١٦ ٢٣٦

الآية: ١٧ ٢٣٧

الآية: ١٨ ٢٣٨

الآية: ١٩ ٢٣٩


الآية: ٢٠ ٢٤٠

الآية: ٢١ ـ ٢٦ ٢٤١

الآية: ٢٧ ـ ٣١ ٢٤٦

الآية: ٣٢ ٢٥١

الآية: ٣٣ ـ ٣٤ ٢٥٢

الآية: ٣٥ ٢٥٤

الآية: ٣٦ ـ ٣٧ ٢٥٥

الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ٢٥٦

الآية: ٤١ ـ ٤٤ ٢٥٨

الآية: ٤٥ ٢٦٦

الآية: ٤٦ ـ ٤٧ ٢٦٧

الآية: ٤٨ ـ ٥٠ ٢٦٩

الآية: ٥١ ـ ٥٣ ٢٧٢

الآية: ٥٤ ـ ٥٦ ٢٧٥

الآية: ٥٧ ٢٨٥

الآية: ٥٨ ٢٨٦

الآية: ٥٩ ٢٨٧

الآية: ٦٠ ٢٨٨

الآية: ٦١ ٢٨٩

الآية: ٦٢ ـ ٦٦ ٢٩٠

الآية: ٦٧ ٢٩٥

الآية: ٦٨ ـ ٧١ ٢٩٨

الآية: ٧٢ ـ ٧٤ ٣٠١

الآية: ٧٥ ـ ٧٧ ٣٠٣

الآية: ٧٨ ـ ٨١ ٣٠٥


الآية: ٨٢ ـ ٨٥ ٣٠٧

الآية: ٨٦ ٣١١

الآية: ٨٧ ـ ٨٩ ٣١٢

الآية: ٩٠ ـ ٩٣ ٣١٧

الآية: ٩٤ ـ ٩٦ ٣٢٢

الآية: ٩٧ ـ ٩٩ ٣٢٧

الآية: ١٠٠ ـ ١٠٢ ٣٢٩

الآية: ١٠٣ ـ ١٠٤ ٣٣٢

الآية: ١٠٥ ٣٣٣

الآية: ١٠٦ ـ ١٠٩ ٣٣٥

الآية: ١١٠ ـ ١١٥ ٣٤٢

الآية: ١١٦ ـ ١٢٠ ٣٥٠

سورة الأنعام (٦)

الآية: ١ ـ ٣ ٣٥٧

الآية: ٤ ـ ٥ ٣٦٠

الآية: ٦ ٣٦١

الآية: ٧ ـ ٩ ٣٦٢

الآية: ١٠ ـ ١٣ ٣٦٤

الآية: ١٤ ـ ١٦ ٣٦٦

الآية: ١٧ ـ ١٨ ٣٦٨

الآية: ١٩ ـ ٢٠ ٣٦٩

الآية: ٢١ ـ ٢٢ ٣٧١

الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٣٧٢


الآية: ٢٥ ـ ٢٦ ٣٧٣

الآية: ٢٧ ـ ٢٨ ٣٧٨

الآية: ٢٩ ـ ٣٢ ٣٨٠

الآية: ٣٣ ـ ٣٦ ٣٨٣

الآية: ٣٧ ٣٨٥

الآية: ٣٩ ٣٨٨

الآية: ٤٠ ـ ٤١ ٣٨٩

الآية: ٤٢ ـ ٤٥ ٣٩٠

الآية: ٤٦ ـ ٤٧ ٣٩٢

الآية: ٤٨ ـ ٤٩ ٣٩٣

الآية: ٥٠ ٣٩٤

الآية: ٥١ ٣٩٥

الآية: ٥٢ ٣٩٦

الآية: ٥٣ ٣٩٨

الآية: ٥٤ ٣٩٩

الآية: ٥٥ ـ ٥٨ ٤٠١

الآية: ٥٩ ٤٠٣

الآية: ٦٠ ـ ٦٢ ٤٠٤

الآية: ٦٣ ـ ٦٤ ٤٠٦

الآية: ٦٥ ٤٠٧

الآية: ٦٦ ـ ٦٨ ٤٠٩

الآية: ٦٩ ـ ٧٣ ٤١١

الآية: ٧٤ ـ ٧٥ ٤١٥


الآية: ٧٦ ـ ٧٩ ٤١٧

الآية: ٨٠ ـ ٨٢ ٤١٩

الآية: ٨٣ ٤٢٢

الآية: ٨٤ ـ ٩٠ ٤٢٣

الآية: ٩١ ٤٢٦

الآية: ٩٢ ٤٢٨

الآية: ٩٣ ٤٢٩

الآية: ٩٤ ٤٣١

الآية: ٩٥ ـ ١٠٣ ٤٣٣

الآية: ١٠٤ ـ ١٠٥ ٤٤٠

الآية: ١٠٦ ـ ١٠٧ ٤٤١

الآية: ١٠٨ ٤٤٢

الآية: ١٠٩ ـ ١١٠ ٤٤٤

الآية: ١١١ ٤٤٥

الآية: ١١٢ ـ ١١٣ ٤٤٦

الآية: ١١٤ ٤٤٨

الآية: ١١٥ ٤٤٩

الآية: ١١٦ ـ ١١٧ ٤٥٠

الآية: ١١٨ ـ ١٢٣ ٤٥١

الآية: ١٢٤ ٤٥٤

الآية: ١٢٥ ـ ١٢٧ ٤٥٥

الآية: ١٢٨ ـ ١٣٢ ٤٥٨

الآية: ١٣٣ ـ ١٣٥ ٤٦١

الآية: ١٣٦ ٤٦٣

الآية: ١٣٧ ٤٦٤


الآية: ١٣٨ ـ ١٣٩ ٤٦٥

الآية: ١٤٠ ٤٦٧

الآية: ١٤١ ٤٦٨

الآية: ١٤٢ ـ ١٤٤ ٤٧٠

الآية: ١٤٥ ٤٧٢

الآية: ١٤٦ ـ ١٤٧ ٤٧٣

الآية: ١٤٨ ـ ١٤٩ ٤٧٥

الآية: ١٥٠ ٤٧٦

الآية: ١٥١ ـ ١٥٣ ٤٧٨

الآية: ١٥٤ ـ ١٥٧ ٤٨١

الآية: ١٥٨ ٤٨٣

الآية: ١٥٩ ٤٨٤

الآية: ١٦٠ ٤٨٥

الآية: ١٦١ ـ ١٦٣ ٤٨٦

الآية: ١٦٤ ـ ١٦٥ ٤٨٧

سورة الأعراف (٧)

الآية: ١ ـ ٣ ٤٩١

الآية: ٤ ـ ٥ ٤٩٣

الآية: ٦ ـ ٩ ٤٩٤

الآية: ١٠ ٤٩٦

الآية: ١١ ـ ١٧ ٤٩٧

الآية: ١٨ ـ ٢٥ ٥٠٣

الآية: ٢٦ ـ ٣٠ ٥٠٨

الآية: ٣١ ٥١٢


الآية: ٣٢ ٥١٤

الآية: ٣٣ ـ ٣٤ ٥١٦

الآية: ٣٥ ـ ٣٩ ٥١٧

الآية: ٤٠ ـ ٤١ ٥٢٠

الآية: ٤٢ ـ ٤٣ ٥٢٢

الآية: ٤٤ ـ ٤٧ ٥٢٣

الآية: ٤٨ ـ ٤٩ ٥٢٧

الآية: ٥٠ ـ ٥١ ٥٢٨

الآية: ٥٢ ـ ٥٣ ٥٢٩

الآية: ٥٤ ٥٣٠

الآية: ٥٥ ـ ٥٦ ٥٣٣

الآية: ٥٧ ٥٣٤

الآية: ٥٩ ـ ٦٤ ٥٣٦

الآية: ٦٥ ـ ٧٢ ٥٣٧

الآية: ٧٣ ـ ٧٩ ٥٤٣

الآية: ٨٠ ـ ٨٤ ٥٥٤

الآية: ٨٥ ـ ٩٣ ٥٥٩

الآية: ٩٤ ـ ٩٥ ٥٦٥

الآية: ٩٦ ـ ٩٩ ٥٦٦

الآية: ١٠٠ ـ ١٠٢ ٥٦٨

الآية: ١٠٣ ـ ١٢٦ ٥٧١

الآية: ١٢٧ ـ ١٢٩ ٥٧٩

الآية: ١٣٠ ـ ١٣٢ ٥٨١


الآية: ١٣٣ ـ ١٣٧ ٥٨٤

الآية: ١٣٨ ـ ١٤١ ٥٨٧

الآية: ١٤٢ ـ ١٤٣ ٥٨٩

الآية: ١٤٤ ـ ١٤٧ ٥٩٥

الآية: ١٤٨ ـ ١٥١ ٥٩٨

الآية: ١٥٢ ـ ١٥٤ ٦٠٢

الآية: ١٥٥ ـ ١٥٦ ٦٠٤

الآية: ١٥٧ ٦٠٦

الآية: ١٥٨ ٦٠٩

الآية: ١٥٩ ٦١٠

الآية: ١٦٠ ـ ١٦٢ ٦١٢

الآية: ١٦٣ ـ ١٦٦ ٦١٤

الآية: ١٦٧ ـ ١٧٠ ٦١٨

الآية: ١٧١ ٦٢١

الآية: ١٧٢ ـ ١٧٤ ٦٢٢

الآية: ١٧٥ ـ ١٧٨ ٦٢٤

الآية: ١٧٩ ٦٢٧

الآية: ١٨٠ ـ ١٨١ ٦٢٨

الآية: ١٨٢ ـ ١٨٦ ٦٢٩

الآية: ١٨٧ ٦٣١

الآية: ١٨٩ ـ ١٩٣ ٦٣٤

الآية: ١٩٤ ـ ١٩٨ ٦٣٧

الآية: ١٩٩ ـ ٢٠٠ ٦٣٨


الفهرس

سورة النساء ٥

سورة المائدة ٢٠٧

سورة الأنعام ٣٥٥

سورة الأعراف ٤٩١


زبدة التفاسير الجزء ٢

زبدة التفاسير

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني
الناشر: مؤسسة المعارف الاسلامية
تصنيف: تفسير القرآن
ISBN: 964-7777-04-3
الصفحات: 657