زبدة التفاسير الجزء 3

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني
تفسير القرآن
ISBN: 964-7777-05-1


ملاحظة

هذا الكتاب

نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً

قسم اللجنة العلميّة في الشبكة




(٨)

سورة الأنفال

سورة الأنفال مدنيّة. وآيها خمس وسبعون.

وفي خبر أُبيٍّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له، وشاهد يوم القيامة أنّه بريء من النفاق، وأعطي من الأجر بعدد كلّ منافق ومنافقة، في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلّون عليه أيّام حياته في الدنيا».

وعن الصادقعليه‌السلام : «من قرأهما في كلّ شهر لم يدخله نفاق أبدا، وكان من شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام حقّا، ويأكل يوم القيامة من موائد الجنّة معهم، حتّى يفرغ الناس من الحساب».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) )

ولـمّا قصّ الله سبحانه في سورة الأعراف قصص الأنبياء وختمها بذكر


نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، افتتح سورة الأنفال بذكره، ثمّ ذكر ما جرى بينه وبين قومه، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ ) أي: يسألك يا محمّد جماعة من أصحابك( عَنِ الْأَنْفالِ ) أي: عن حكمها.

واختلف في الأنفال ما هي؟ فقال ابن عبّاس وجماعة: إنّها غنيمة بدر. وقال قوم: هي أنفال السرايا. وقيل: هي ما شذّ عن المشركين من عبد وجارية من غير قتال. وقال قوم: هو الخمس.

والصحيح ما قال الباقر والصادقعليهما‌السلام : إنّها كلّ ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وكلّ أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا، ويسمّيها الفقهاء فيئا، والأرضون الموات، والآجام، وبطون الأودية، وقطائع الملوك إذا لم تكن مغصوبة، وميراث من لا وارث له.

( قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) ولمن قام مقامه بعده من الأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم، يصرفونها حيث شاؤا من مصالحهم ومصالح عيالهم. وقالاعليهما‌السلام : «إنّ غنائم بدر كانت للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة، فقسّمها بينهم تفضّلا منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

وهو مذهب أصحابنا الإماميّة. ويؤيّده أنّ الأنفال جمع نفل، وهي الزيادة على الشيء، سمّي به لكونه زائدا على الغنيمة، كما سمّيت النافلة نافلة لزيادتها على الفرض، وسمّي ولد الولد نافلة لزيادته على الأولاد. وقيل: سمّيت النافلة نفلا، لأنّ هذه الأمّة فضّلت بها على سائر الأمم.

واختلفوا في نسخ هذه الآية، فقال جماعة من المفسّرين: نعم، نسخت بآية( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) (١) الآية. وقال الطبري(٢) وأصحابنا: ليست منسوخة. وهو الحقّ، لعدم المنافاة بينها وبين آية الخمس، لـما ذكرنا من المغايرة بين الموضوعين.

__________________

(١) الأنفال: ٤١.

(٢) تفسير الطبري ٩: ١١٩.


وقال سعيد بن المسيّب وجماعة: لا نفل بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومنعه جماعة من الفقهاء وأصحابنا، لـما بيّنّا أنّها للإمام القائم مقامه.

وفائدة الجمع بين الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفائدته في قوله:( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ) (١) على وجه يأتي إن شاء الله. فالمعنى: حكمها مختصّ بالله تعالى ورسوله. وتخصيصها علم بفعل الرسول، فإنّ فعله حجّة كقوله. وفي الكشّاف(٢) : أنّ حكمها مختصّ بهما، الله حاكم، والرسول منفذ.

عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال يوم بدر: من فعل كذا فله كذا.

فتسارع الشبّان فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثمّ طلبوا نفلهم، وبقي الشيوخ والوجوه تحت الرايات. فلمّا كانت الغنيمة جاء الشبّان يطلبون نفلهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنّا كنّا ردءا، أي: عونا لكم، ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا. وجرى التشاجر بينهم، فنزلت. فقسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النفل بينهم بالسويّة.

وعن سعد بن أبي وقّاص: قتل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت له: إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف. فقال: ليس لي هذا ولا لك. فما جاوزت إلّا قليلا حتّى جاءني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال: يا سعد إنّك سألتني السيف وليس لي، وإنّه قد صار لي، فاذهب فخذه.

وقال عبادة بن الصامت: اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقسّمه بيننا على السواء.

فخاطبنا بقوله:( فَاتَّقُوا اللهَ ) في الاختلاف والمشاجرة في الأنفال( وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) الحال

__________________

(١) الأنفال: ٤١، وسيأتي تفسيرها في ص: ٤٢.

(٢) الكشّاف ٢: ١٩٥.


الّتي بينكم من المنازعة بالمحابّة والائتلاف، والمساعدة والمواساة فيما رزقكم الله تعالى، وتسليم أمره إلى الله والرسول.

وقال الزّجاج: «ذات بينكم» أي: حقيقة وصلكم، ومنه:( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) (١) أي: وصلكم واجتماعكم على أوامر الله.

( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) فيه( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فإنّ الإيمان يقتضي ذلك.

أو إن كنتم كاملي الإيمان، فإنّ كمال الايمان بطاعة الأوامر، والاتّقاء عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان.

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) )

ثمّ بيّن صفة خلّص المؤمنين بقوله:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي: الكاملون في الإيمان( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ ) ذكر عندهم عقوبته وعدله، ووعيده على المعاصي بالعقاب، واقتداره عليه( وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) فزعت لذكره تهيّبا من جلاله، واستعظاما

__________________

(١) الأنعام: ٩٤.


له. وأمّا إذا ذكرت نعمة الله على عباده، وإحسانه إليهم، وفضله ورحمته عليهم، وثوابه على الطاعات، اطمأنّت قلوبهم، كما قال تعالى:( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (١) ، وسكنت نفوسهم إلى عفو الله، فلا تنافي بين الآيتين.

وقيل: هو الرجل يهمّ بمعصية فيقال له: إتّق الله، فينزع عنها خوفا من عقابه.

( وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ) لزيادة المؤمن به، أي: ازدادوا يقينا وطمأنينة نفس وتصديقا بها، منضمّا إلى يقينهم بما أنزل قبل ذلك من القرآن، كما روي عن ابن عبّاس أنّ المعنى زادتهم تصديقا مع تصديقهم بما أنزل إليهم قبل ذلك. يعني: أنّهم يصدّقون بالأولى والثانية والثالثة، وهكذا فكلّ ما يأتي من عند الله فيزداد تصديقهم كميّة لا كيفيّة، لأنّ الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان عندنا.

وقيل: إنّ المراد ازدياد الايمان، لاطمئنان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلّة، أو بالعمل بموجبها. وهو قول من قال: إنّ الايمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أنّ العمل داخل فيه.

( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) يفوّضون إليه أمورهم، ولا يخشون ولا يرجون إلّا إيّاه.

( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) إنّما خصّ فرض الصلاة والزكاة بالذكر لعظم شأنهما، وتأكّد الأمر فيهما.

( أُولئِكَ ) المستجمعون لهذه الخصال الحميدة( هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) هم الّذين استحقّوا إطلاق اسم الإيمان حقيقة عليهم، لأنّهم حقّقوا إيمانهم، بأن ضمّوا

__________________

(١) الرّعد: ٢٨.


إليه مكارم أعمال القلوب، من الخشية والإخلاص والتوكّل، ومحاسن أفعال الجوارح الّتي هي المعيار عليها، من الصّلاة والصدقة. و «حقّا» صفة مصدر محذوف، أي: إيمانا حقّا. أو مصدر مؤكّد للجملة الّتي هي( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ ) كما تقول: هو عبد الله حقّا، أي: حقّ ذلك حقّا.

( لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) شرف وكرامة وعلوّ منزلة. وقيل: درجات الجنّة يرتقونها بأعمالهم.( وَمَغْفِرَةٌ ) وتجاوز لـما فرط منهم من السيّئات( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) أي: حظّ عظيم أعدّ لهم فيها على سبيل التعظيم لا ينقطع عدده، ولا ينتهي أمده. وهذا معنى الثواب.

( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ ) الكاف في محلّ الرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذه الحال كحال إخراجك. والمعنى: أنّ حالهم في كراهة ما حكم الله في الأنفال، مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب.

ويجوز أن يكون في محلّ النصب، على أنّه صفة لمصدر الفعل المقّدر في قوله:( الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ) أي: الأنفال استقرّت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم، ثباتا مثل ثبات إخراج ربّك إيّاك من بيتك مع كراهتهم، يعني: من المدينة، لأنّها مهاجره ومسكنه، أو بيته فيها.

( بِالْحَقِ ) أي: إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب الّذي لا محيد عنه.

وسبب كراهتهم أنّ عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة، ومعها أربعون راكبا، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، فأخبر جبرئيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقّي العير، لكثرة المال وقلّة الرجال.

فلمّا خرجوا بلغ أهل مكّة خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل


مكّة النجاء(١) النجاء على كلّ صعب وذلول، عيركم أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا.

وقد رأت عاتكة أخت العبّاس بن عبد المطّلب رؤيا قبل ذلك بثلاث ليال، فقالت لأخيها: إنّي رأيت عجبا، رأيت كأنّ ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثمّ حلق(٢) بها، فلم يبق بيت من بيوت مكّة إلّا اصابه حجر من تلك الصخرة. فحدّث بها العبّاس، فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبّئوا حتّى تتنبّأ نساؤهم. وبرواية أخرى قال: هذه نبيّة ثانية من بني عبد المطّلب.

فخرج أبو جهل بجميع أهل مكّة، وهم النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النفير. فقيل له: إنّ العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكّة. فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدا حتّى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، ونقيم القينات(٣) والمعازف ببدر، فيتسامع جميع العرب بمخرجنا، وإنّ محمّدا لم يصب العير، وإنّا قد أعضضناه(٤) . فمضى بهم إلى بدر. وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة.

ونزل جبرئيل فقال: يا محمّد إنّ الله وعدكم إحدى الطائفتين: إمّا العير وإمّا قريشا. فاستشار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه وقال: ما تقولون: إنّ القوم قد خرجوا من مكّة على كلّ صعب وذلول، فالعير أحبّ إليكم أم النفير؟

__________________

(١) أي: أسرعوا أسرعوا.

(٢) أي: رمى بها إلى فوق.

(٣) أي: المغنّيات، والواحدة: قينة.

(٤) في الصحاح (٣: ١٠٩١ ـ ١٠٩٢): «أعضضته الشيء فعضّه. ويقال: أعضضته سيفي، أي: ضربته به».


قالوا: بل العير أحبّ إلينا من لقاء العدوّ.

فتغيّر وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ ردّد عليهم فقال: إنّ العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل.

فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ.

فقام عند غضب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبو بكر وعمر وقالا فأحسنا.

ثمّ قام سعد بن عبادة فقال: أنظر أمرك فامض، فو الله لو سرت إلى عدن أبين(١) ما تخلّف عنك رجل من الأنصار.

ثمّ قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله إمض لـما أمرك الله، فإنّا معك حيث ما أحببت، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى:( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) (٢) ، ولكن إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، ما دامت عين منّا تطرف. فضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ قال: أشيروا عليّ أيّها الناس وهو يريد الأنصار، لأنّهم كانوا عدده، وقد قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنّا برآء من ذمامك حتّى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك ممّا نمنع منه أبناءنا ونساءنا.

فكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتخوّف أنّ الأنصار لا يروا نصرته إلّا على عدوّ دهمه بالمدينة.

فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنّك تريدنا يا رسول الله؟

قال: أجل.

قال: قد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لـما

__________________

(١) في الصحاح (٥: ٢٠٨٢): «أبين اسم رجل نسب إليه عدن، يقال: عدن أبين».

(٢) المائدة: ٢٤.


أردت، فو الّذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، وإنّا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله.

ففرح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونشّطه قول سعد ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم.

وروي أنّه قيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء. فناداه العبّاس وهو في وثاقه: لا يصلح. فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم؟ قال: لأنّ الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.

وكانت تلك الكراهة من بعضهم لقوله:( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ) وهو في موقع الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم خروجك من بيتك إلى حرب مشركي مكّة في بدر.

( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ ) ينازعونك في إيثارك الجهاد بإظهار الحقّ، لإيثارهم تلقّي العير عليه.( بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) لهم أنّهم ينصرون أينما توجّهوا، وذلك بإعلام الرسول. وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلّا للعير، وهلّا قلت لنا لنستعدّ ونتأهّب؟ وذلك لكراهتهم القتال.

ثمّ شبّه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة، بحال من يجذب إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت المتيقّن، فقال:( كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) أي: يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه. وكان ذلك لقلّة عددهم، وعدم تأهّبهم، إذ روي أنّهم كانوا رجّالة، وما كان فيهم إلّا فارسان. وفيه إيماء إلى أنّ مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم.


( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) )

( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ) إمّا النفير أو العير. وهذا على إضمار «اذكر». و «إحدى» ثاني مفعولي «يعدكم»، وقد أبدل منها قوله:( أَنَّها لَكُمْ ) بدل الاشتمال( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) يعني: العير، فإنّه لم يكن فيها إلّا أربعون فارسا، ولذلك يتمنّونها، ويكرهون الطائفة الّتي هي ذات الشوكة، لكثرة


عددهم وعدّتهم. والشوكة الحدّة، مستعارة من واحدة الشوك.

( وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ ) أن يثبته، أي: يعزّ الإسلام ويعليه( بِكَلِماتِهِ ) بآياته المنزلة في محاربتهم، أو بأوامره للملائكة بالإمداد( وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) باستئصالهم وقتلهم وأسرهم وطرحهم في قليب بدر. والدابر: الآخر، من: دبر إذا أدبر. وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال.

والمعنى: أنّكم تريدون الفائدة العاجلة، ولا تريدون مكروها، والله يريد ما يرجع إلى علوّ أمور الدين وإظهار الحقّ، وما يحصل لكم من فوز الدارين، فشتّان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوّتهم، وغلّبكم عليهم مع كثرتهم وقلّتكم، فأذلّهم وأعزّكم.

( لِيُحِقَّ الْحَقَ ) متعلّق بمحذوف، تقديره: فعل ذلك لتثبيت دين الحقّ( وَيُبْطِلَ الْباطِلَ ) أي: الشرك. وليس بتكرير، لأنّ الأوّل لبيان المراد، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على اختيار ذات الشوكة ونصرتهم عليها( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) ذلك.

روي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، فاستقبل القبلة ومدّ يده وقال: أللَّهمّ أنجز لي ما وعدتني، أللَّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف كذلك حتّى سقط رداؤه من منكبيه، فأنزل الله تعالى:( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) وهذا بدل من «إذ يعدكم»، أو متعلّق بقوله: «ليحقّ الحقّ»، أو على إضمار «اذكر».

وقيل: استغاثتهم أنّهم لـمّا علموا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون: أي ربّ انصرنا على عدوّك، أغثنا يا غياث المستغيثين.

( فَاسْتَجابَ لَكُمْ ) فأغاثكم وأجاب دعوتكم( أَنِّي مُمِدُّكُمْ ) بأنّي ممدّكم، فحذف الجارّ وسلّط عليه الفعل.

وقرأ أبو عمرو بالكسر(١) على إرادة القول، أو إجراء «استجاب» مجرى

__________________

(١) أي: بكسر: إنّ.


«قال»، لأنّ الاستجابة من القول.

( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم( مُرْدِفِينَ ) متبعين المؤمنين، أو متبعين بعضهم بعضا، من: أردفته إذا جئت بعده، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين أو أنفسهم المؤمنين، من: أردفته إيّاه فردفه.

وقرأ نافع ويعقوب: مردفين بفتح الدال، أي: متبعين أو متّبعين، بمعنى: أنّهم كانوا مقدّمة الجيش أو ساقتهم.

( وَما جَعَلَهُ اللهُ ) أي: إمدادكم بالملائكة( إِلَّا بُشْرى ) إلّا بشارة لكم بالنصر( وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) فيزول ما بها من الوجل، لقلّتكم وذلّتكم( وَمَا النَّصْرُ ) بالملائكة وغيرهم من الأسباب( إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ ) فينصر من يشاء، قلّ العدد أم كثر( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يمنع عن مراده( حَكِيمٌ ) في أفعاله، يجريها على ما تقتضيه الحكمة. وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط، فلا تحسبوا النصر منها حقيقة، ولا تيأسوا منه بفقدها.

واختلف في أنّ الملائكة هل قاتلت يوم بدر أم لا؟ فقيل: ما قاتلت ولكن شجّعت وكثّرت سواد المسلمين وبشّرت بالنصر، وإلّا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلّهم، فإنّ جبرئيل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة.

وقيل: إنّها قاتلت. وروي عن ابن مسعود أنّه سأله أبو جهل من أين يأتينا الضرب ولا نرى الشخص؟ فقال: من قبل الملائكة. فقال: هم غلبونا لا أنتم.

وعن ابن عبّاس أيضا: أنّ الملائكة قاتلت يوم بدر. وفي رواية: قاتلت يوم بدر، ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين.

وروي: أنّ رجلا من المسلمين بينما هو يشتدّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك قد خرّ مستلقيا وشقّ وجهه، فحدّث الأنصاري رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السّماء.


وعن أبي داود المازني: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر، فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي.

وقوله:( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ) بدل ثان من «إذ يعدكم»، أو متعلّق بالنصر، أو بما في «عند الله» من معنى الفعل، أو يجعل «أو» بإضمار «اذكر».

وقرأ نافع بالتخفيف، من: أغشيته الشيء إذا غشّيته إيّاه. والفاعل على القراءتين هو الله تعالى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: يغشاكم النّعاس بالرفع.

( أَمَنَةً مِنْهُ ) أمنا من الله تعالى. وهو مفعول له باعتبار المعنى، فإنّ قوله( يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ) متضمّن معنى: تنعسون، و «يغشاكم» بمعناه، فيكون فاعل الفعل المعلّل والعلّة واحدا. و «منه» صفة لـ «أمنة». والمعنى: إذ يتغشّون لأمنكم الحاصل من الله بإزالة الرعب من قلوبكم، فإنّ الإنسان لا يأخذه النوم في حال الخوف، فآمنهم الله تعالى بزوال الرعب عن قلوبهم، كما يقال: الخوف مسهر، والأمن منيم. والأمنة الدعة الّتي تنافي المخافة.

وعن ابن عبّاس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصّلاة وسوسة الشيطان.

( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) من الحدث والجنابة( وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ) يعني: الجنابة، لأنّه من تخييله أو وسوسته وتخويفه إيّاهم من العطش، وذلك أنّ المشركين قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المسلمون في كثيب(١) أعفر تسوخ فيه الأقدام، وناموا فاحتلم أكثرهم، فتمثّل لهم إبليس وقال: يا أصحاب محمد أنتم تزعمون أنّكم على الحقّ، وأنتم تصلّون على الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حقّ ما غلبكم هؤلاء على الماء، وها هم الآن يمشون إليكم، فيقتلونكم ويسوقون بقيّتكم إلى مكّة. فحزنوا لذلك، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلا حتّى جرى

__________________

(١) الكثيب: التلّ من الرمل.


الوادي، واغتسلوا وتوضّؤوا، واتّخذوا الحياض على عدوة(١) الوادي، وتلبّد(٢) الرمل الّذي كان بينهم وبين العدوّ حتّى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان، وطابت النفوس.

( وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ) وليشدّ عليها. ومعناه: يشجّع قلوبكم، ويزيدكم قوّة قلب وسكون نفس، والثقة على لطف الله( وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ) أي: بالمطر حتّى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتّى تثبت في المعركة، فإنّ الجرأة تثبّت القدم في مواطن الحرب.

( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ ) بدل ثالث، أو متعلّق بـ «يثبّت»( إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ ) في إعانتهم وتثبيتهم. وهو مفعول «يوحي».( فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمجاهدة أعدائهم.

وقوله:( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) كالتفسير لقوله:( أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا ) . ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفّار، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم.( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ) أي: أعاليها الّتي هي المذابح، لأنّها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزّا وتطييرا للرؤوس، لأنّها فوق الأعناق( وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) أصابع، أي: حزّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم من اليدين والرجلين، فإنّ الضرب إمّا واقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معا.

وفيه دليل على أنّهم قاتلوا. ومن منع ذلك جعل الخطاب فيه مع المؤمنين، إمّا على تغيير الخطاب، أو على أنّ قوله: «سألقي» إلى قوله: «كلّ بنان» تلقين للملائكة ما يثبّتون المؤمنين به، كأنّه قال: قولوا لهم قولي هذا.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما وقع بهم من القتل أو الأمر به. والخطاب في «ذلك»

__________________

(١) العدوة: المكان المتباعد، أو المرتفع.

(٢) تلبّد الرمل أي: تجمّع ولصق بعضه ببعض.


للرسول، أو لكلّ أحد من المخاطبين قبل( بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) أي: ذلك العقاب العاجل أو أمر الملائكة به بسبب مشاقّتهم ومخالفتهم لهما. واشتقاقه من الشقّ، لأنّ كلّا من المعاندين في شقّ خلاف شقّ الآخر، كالمعاداة من العدوة بمعنى الجانب، والمخاصمة من الخصم، وهو أيضا الجانب.

وقوله:( وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) تقرير للتعليل، أو وعيد بما أعدّ لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا.

( ذلِكُمْ ) الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات. ومحلّه الرفع، أي: الأمر ذلكم، أو ذلكم واقع، أو نصب بفعل دلّ عليه قوله:( فَذُوقُوهُ ) أو غيره، مثل: باشروا أو عليكم، فتكون الفاء عاطفة( وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ ) عطف على «ذلكم»، أو نصب على المفعول معه. والمعنى: ذوقوا ما عجّل لكم مع ما أجّل لكم في الآخرة. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أنّ الكفر سبب العذاب الآجل، أو الجمع بينهما.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) )

ولـمّا أمدّ سبحانه المسلمين بالملائكة، ووعدهم النصر والظفر بالكفّار، نهاهم عقيبه عن الفرار، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً )


متزاحفين. حال من( الَّذِينَ كَفَرُوا ) . والزحف: الجيش الدهم(١) الّذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي: يدبّ دبيبا، من: زحف الصبيّ إذا دبّ على استه قليلا قليلا، سمّي بالمصدر. والجمع زحوف. والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جمّ وأنتم قليل.( فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ) فلا تنصرفوا عنهم منهزمين من العدوّ.

ويجوز أن يكون حالا من الفاعل والمفعول، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين يدبّون إليكم وتدبّون إليهم فلا تنهزموا. أو حال من الفاعل، كأنّهم أخبروا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولّوا مدبرين وهم زحف اثنا عشر ألفا.

( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ) يريد الكرّ بعد الفرّ، يخيّل عدوّه أنّه منهزم ثمّ يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها. أو يكون التحرّف لأجل إصلاح لأمته(٢) وسائر أسلحته( أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ) أو منحازا إلى فئة اخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم. وانتصابهما على الحال، و «إلّا» لغو لا عمل لها. أو على الاستثناء من المولّين، أي: ومن يولّهم إلّا رجلا منهم متحرّفا أو متحيّزا. ووزن متحيّز متفيعل لا متفعّل، لأنّه من: حاز يحوز، فبناء متفعّل منه متحوّز.

( فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) هذا إذا لم يزد العدوّ على الضعف، لقوله:( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ ) (٣) الآية.

وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب.

وعن ابن عبّاس: أنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر.

روي أنّه لـمّا طلعت قريش من العقنقل قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم داعيا لله تعالى: هذه قريش

__________________

(١) الدّهم: العدد الكثير.

(٢) اللأمة: الدرع.

(٣) الأنفال: ٦٦.


جاءت بخيلائها وفخرها يكذّبون رسولك، أللَّهمّ إنّي أسألك ما وعدتني. فأتاه جبرئيل وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فلمّا التقى الجمعان قال لعليّعليه‌السلام : أعطني قبضة من حصباء الوادي، فأعطاه فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلّا شغل بعينيه فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم.

ثمّ لـمّا انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت:( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ) الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم بقوّتكم( وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) بإنزال الملائكة وإلقاء الرعب في قلوبهم.

( وَما رَمَيْتَ ) يا محمّد رمية توصلها إلى أحداقهم، ولم تقدر عليه( إِذْ رَمَيْتَ ) أي: أتيت بصورة الرمي( وَلكِنَّ اللهَ رَمى ) أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعا حتّى انهزموا، وتمكّنت من قطع دابرهم. وهذا من عجائب المعجزات. واللفظ كما يطلق على المسمّى، يطلق على ما هو كماله والمقصود منه.

وقيل: معناه: ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء، ولكنّ الله رمى بالرعب في قلوبهم.

وقيل: إنّه نزل في طعنة طعن بها أبيّ بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتّى مات. أو في رمية سهم رماه يوم خيبر نحو الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق على فراشه. وأكثر المفسّرين على القول الأوّل.

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: ولكن بالتخفيف ورفع ما بعده في الموضعين.

( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) ولينعم عليهم نعمة عظيمة من ذلك النصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، أو من عنده تعالى.( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لاستغاثتهم


ودعائهم( عَلِيمٌ ) بنيّاتهم وأحوالهم.

( ذلِكُمْ ) إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي. ومحلّه الرفع، أي: الغرض أو الأمر ذلكم. وو قوله:( وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ) معطوف عليه، أي: المقصود إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين، وإبطال حيلهم.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: موهّن بالتشديد، وحفص: موهن كيد بالإضافة والتخفيف.

( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) )

ثمّ خاطب أهل مكّة على سبيل التهكّم بقوله:( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) وذلك أنّهم حين أرادوا الخروج تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: أللَّهمّ انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين. وبرواية أخرى: أللَّهمّ انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكّنا للعاني، إن كان محمّد على حقّ فانصره، وإن كنّا على حقّ فانصرنا.


وروي أنّ أبا جهل قال يوم بدر: أللَّهمّ أيّنا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم، أي: فأهلكه.

( وَإِنْ تَنْتَهُوا ) عن الكفر ومعاداة الرسول( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) لتضمّنه سلامة الدارين وخير المنزلتين. وقيل:( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ) خطاب للمؤمنين، و( إِنْ تَنْتَهُوا ) للكافرين.( وَإِنْ تَعُودُوا ) لمحاربته( نَعُدْ ) لنصره( وَلَنْ تُغْنِيَ ) ولن تدفع( عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ ) جماعتكم( شَيْئاً ) من الإغناء أو المضارّ( وَلَوْ كَثُرَتْ ) فئتكم( وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) بالنصر والمعونة.

وقرأ نافع وابن عامر وحفص: وأنّ بالفتح، على تقدير: ولأنّ الله مع المؤمنين كان ذلك.

وقيل: الآية خطاب للمؤمنين. والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال والرغبة عمّا يستأثره الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار أو تهييج العدوّ، ولن تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر، فإنّ الله مع الكاملين في إيمانهم.

ويؤيّد ذلك أمر الله سبحانه المؤمنين بالطاعة الّتي هي سبب النصرة، ونهيهم عن التولّي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد تلك الآية، بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ) أي: لا تتولّوا عن الرسول، فإنّ المراد بالآية الأمر بطاعته والنهي عن الإعراض عنه. وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أنّ طاعة الله تعالى في طاعة الرسول، لقوله:( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ ) (١) .

وقيل: الضمير للجهاد، أو للأمر الّذي دلّ عليه الطاعة.

__________________

(١) النساء: ٨٠.


( وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق.

( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا ) كالكفرة أو المنافقين الذين ادّعوا السماع( وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) سماعا ينتفعون به، لأنّهم ليسوا بمصدّقين، فكأنّهم لا يسمعون رأسا.

والمعنى: أنّكم تصدّقون بالقرآن والنبوّة، فإذا تولّيتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور ـ من قسمة الغنائم وغيرها ـ كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا يؤمن به.

ثمّ قال ذمّا للمعرضين عن أمر الله ورسوله:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ ) أي: شرّ ما يدبّ على الأرض، أو شرّ البهائم( الصُّمُ ) عن سماع الحقّ( الْبُكْمُ ) عن قراءته( الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) شيئا منه. عدّهم من البهائم أوّلا ثمّ جعلهم شرّها، لإبطالهم ما ميّزوا به وفضّلوا لأجله، وهو العقل.

( وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ ) في هؤلاء الصمّ البكم( خَيْراً ) انتفاعا باللطف( لَأَسْمَعَهُمْ ) للطف بهم حتّى يسمعوا سماع المصدّقين( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ) أي: ولو لطف بهم وقد علم أن لا خير فيهم( لَتَوَلَّوْا ) عنه ولم ينتفعوا به. أو ولو لطف بهم فصدّقوا لارتدّوا بعد التصديق والقبول، وكذّبوا فلم يستقيموا( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) لعنادهم. وفي هذا دلالة على أنّه سبحانه لا يمنع أحدا اللطف، إذا علم أنّه ينتفع به.

وقال الباقرعليه‌السلام : «بنو عبد الدار لم يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة». وكانوا يقولون: نحن صمّ بكم عمّا جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قتلوا جميعا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء.

وقيل: قالوا للنبيّ: أحي لنا قصيّا، فإنّه كان شيخا مباركا حتّى يشهد لك فنؤمن بك. فالمعنى: لأسمعهم كلام قصيّ.

وعن ابن جريج: هم المنافقون. وعن الحسن: هم أهل الكتاب.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) )

ثمّ أمر سبحانه عباده بطاعة رسوله، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) بالطاعة والامتثال( إِذا دَعاكُمْ ) وحّد الضمير فيه لـما سبق، ولأنّ دعوة الله تسمع من الرسول( لِما يُحْيِيكُمْ ) من العلوم الدينيّة والأحكام الشرعيّة، فإنّها حياة القلب، والجهل موته، قال :

لا تعجبنّ الجهول حلّته

فذاك ميت وثوبه كفن

أو ممّا يورثكم الحياة الأبديّة في النعيم الدائم، من العقائد الحسنة المرضيّة والأعمال السنيّة. أو من الجهاد، فإنّه سبب بقاء المؤمنين، إذ لو تركوه لغلبهم العدوّ وقتلهم. أو الشهادة، لقوله:( بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (١) .

( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) تمثيل لغاية قربه من العبد، كقوله:( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (٢) ، فإنّ الحائل بين الشيء وغيره أقرب إلى ذلك الشيء من ذلك الغير. وتنبيه على أنّه مطّلع على مكنونات القلوب وضمائرها، ممّا عسى يغفل عنه صاحبها، فكأنّه بينه وبين قلبه.

أو حثّ على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله تعالى بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة.

أو تصوير وتخييل لتملّكه على العبد قلبه، فيفسخ عزائمه، ويغيّر مقاصده ،

__________________

(١) آل عمران: ١٦٩.

(٢) ق: ١٦.


ويبدله بالخوف أمنا، وبالأمن خوفا، وبالذكر نسيانا، وبالنسيان ذكرا، وما أشبه ذلك ممّا هو جائز عليه تعالى. ومنه قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : «عرفت الله بفسخ العزائم».

وما جاء في الدعاء: يا مقلّب القلوب.

وروى يونس بن عمّار عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «أنّ الله يحول بين المرء وقلبه» معناه: لا يستيقن القلب أنّ الحقّ باطل أبدا، ولا يستيقن القلب أنّ الباطل حقّ أبدا».

وروى هشام بن سالم عنه قال: «معناه: يحول بينه وبين أن يعلم أنّ الباطل حقّ». أوردهما العيّاشي في تفسيره(١) .

( وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) فيجازيكم بأعمالكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة.

( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) أي: اتّقوا ذنبا يعمّكم أثره، كترك النهي عن المنكر، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وإظهار البدع، والتكاسل في الجهاد. وقيل: الفتنة العذاب.

وقوله: «لا تصيبنّ» لا يخلو: إما أن يكون جوابا للأمر، أو نهيا بعد أمر معطوفا عليه بحذف الواو، أو صفة لـ «فتنة».

فإذا كان جوابا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصّة، بل تعمّكم. وإنّما جاز دخول النون في جواب الشرط، مع أنّه متردّد لا يليق به النون المؤكّدة، لأنّ فيه معنى النهي فساغ، كقوله:( ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ) (٢) ، وكما تقول: انزل عن الدابّة لا تطرحك، ويجوز، لا تطرحنّك.

وإذا كانت نهيا ـ بعد أمر باتّقاء الذنب ـ عن التعرّض للظلم، فإنّ وباله يصيب الظالم خاصّة ويعود عليه. فكأنّه قيل: واحذروا ذنبا أو عقابا، ثمّ قيل: لا تتعرّضوا

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢: ٥٢ ح ٣٦ و ٣٩.

(٢) النمل: ١٨.


للظلم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصّة. وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنّه قيل: واتّقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبنّ. ونظيره قوله :

حتّى إذا جنّ الظلام واختلط

جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط

والمذق اللبن المخلوط بالماء. والمعنى: بمذق مقول فيه هذا القول، لأنّ فيه لون الورقة(١) الّتي هي لون الذئب. ويعضده قراءة ابن مسعود: لتصيبنّ، على جواب القسم المحذوف. ويكون «من» للتبيين على هذا، لأنّ المعنى: لا تصيبنّكم خاصّة على ظلمكم، لأنّ الظلم أقبح منكم من سائر الناس، وللتبعيض على الوجه الأوّل.

وفي الكشّاف: «روي عن الحسن: أنّها نزلت في عليّ وعمّار وطلحة والزبير، وهو يوم الجمل خاصّة. قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيّون بها».

وروي: أنّ الزبير كان يساير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما، إذا أقبل عليٌّعليه‌السلام ، فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله: كيف حبّك لعليٍّ؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، إنّي أحبّه كحبّي لوالدي أو أشدّ حبّا. قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟».(٢)

وقال في المجمع(٣) : «روى الثعلبي بإسناده عن حذيفة أنّه قال: أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، يهلك فيها كلّ شجاع بطل، وكلّ راكب موضع، وكلّ خطيب مصقع(٤) ».

وفي حديث أبي أيّوب الأنصاري أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعمّار: «إنّه سيكون بعدي هنات، حتّى يختلف السيف فيما بينهم، وحتّى يقتل بعضهم بعضا، وحتّى يبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني عليّ بن أبي طالب ،

__________________

(١) الورقة: سواد في غبرة، والأورق: الذي لونه لون الرماد.

(٢) الكشّاف ٢: ٢١٢.

(٣) مجمع البيان ٤: ٥٣٤.

(٤) راكب موضع أي: مسرع، والمصقع: البليغ.


فإن سلك الناس كلّهم واديا وسلك عليّ واديا فاسلك وادي علي، وخلّ عن الناس.

يا عمّار إنّ عليّا لا يردّك عن هدى، ولا يدلّك على ردى. يا عمّار طاعة عليّ طاعتي، وطاعتي طاعة الله»(١) . رواه السيّد أبو طالب الهروي بإسناده عن علقمة والأسود عن أبي أيّوب الأنصاري.

وفي كتاب شواهد التنزيل للحاكم أبي القاسم الحسكاني رحمة الله، وحدّثنا عنه السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، حدّثني محمد بن القاسم ابن أحمد، قال: حدّثني أبو سعيد محمّد بن الفضيل بن محمّد، قال: حدّثنا محمّد ابن صالح العرزمي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ، عن أبي خلف الأحمر، عن إبراهيم بن طهمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عبّاس قال: « لـمّا نزلت هذه الآية:( وَاتَّقُوا فِتْنَةً ) قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنّما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء قبلي»(٢) .

وعن ابن عبّاس: أنّه سئل عن هذه الفتنة فقال: أبهموا ما أبهم الله.

( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) لمن لم يتّق المعاصي والمظالم.

( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) )

ثمّ عاد سبحانه إلى وقعة بدر، وبيّن حالتهم السالفة في القلّة والضعف، وإنعامه عليهم بالنصر والتأييد والتكثير، فقال( وَاذْكُرُوا ) معشر المهاجرين( إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ) أي: وقت كونكم أقلّة أذلّة( مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ) أرض مكّة ،

__________________

(١) مجمع البيان ٤: ٥٣٤.

(٢) شواهد التنزيل ١: ٢٧١ ح ٢٦٩.


يستضعفكم قريش قبل الهجرة. و «إذ» هنا مفعول به، وليس بظرف لـ «مستضعفون».

وقيل: الخطاب للعرب، كانوا أذلّاء في أيدي الفرس والروم.

( تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ) يستلبكم كفّار قريش إن خرجتم من مكّة، أو من عداهم، فإنّهم كانوا جميعا معادين مضادّين لهم.

( فَآواكُمْ ) إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصّنون به عن أعاديكم( وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ) وقوّاكم على الكفّار بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) من الغنائم( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) إرادة أن تشكروا هذه النعم.

وعن قتادة: كانت العرب أذلّ الناس وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلدا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكّن الله لهم في البلاد، ووسّع عليهم في الرزق والغنائم، وجعلهم ملوكا.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) )

روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام. فأبى أن يعطيهم ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.


فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة. وكان مناصحا لهم، لأنّ عياله وماله وولده كانت عندهم.

فبعثه رسول الله، فأتاهم. فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه أنّه الذبح فلا تفعلوا. فأتاه جبرئيلعليه‌السلام فأخبره بذلك.

قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله. فنزلت في شأنه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ ) من الخون، وهو النقص، كما أنّ أصل الوفاء التمام. ومنه: تخوّنه، أي: تنقّصه، ثمّ استعمل في ضدّ الأمانة والوفاء، لأنّك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه.

والمعنى: لا تخونوا الله بترك أوامره، والرسول بترك سننه وشرائعه.

وعن الحسن: أنّ من ترك شيئا من الدين وضيّعه فقد خان الله ورسوله.

( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) ولا تخونوا الأمانات فيما بينكم، بأن لا تحفظوها.

وهو مجزوم بالعطف على الأوّل، أو منصوب على الجواب بالواو.( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنّكم تخونون. أو أنتم علماء تميّزون الحسن من القبيح. أو أنتم تعلمون ما في الخيانة من الذمّ والعقاب.

ولـمّا نزلت هذه الآية شدّ أبو لبابة نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيّام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا، حتّى خرّ مغشيّا عليه، ثمّ تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. فقال: لا والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله هو الّذي يحلّني، فحلّه بيده.

ثمّ قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها


الذنب، وأن انخلع عن مالي. فقال النبيّ: يجزيك الثلث أن تتصدّق به.

وهذه الرواية مرويّة أيضا عن الكلبي والزهري.

وقال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إنّ أبا سفيان خرج من مكّة، فأتى جبرئيلعليه‌السلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا. قال: فكتب إليه رجل من المنافقين: إنّ محمّدا يريدكم فخذوا حذركم.

فأنزل الله هذه الآية.

وقال السدّي: كانوا يسمعون الشيء من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيفشونه حتّى يبلغ المشركين، فنزلت.

وقيل: المراد بالخيانة الغلول في المغانم.

( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) لأنّهم سبب الوقوع في الإثم أو العقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم، فلا يحملنّكم حبّهم على الخيانة، كأبي لبابة( وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) لمن آثر رضا الله تعالى عليهم، وراعى حدوده فيهم، فعليكم أن تزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحبّ الأولاد، ولا تؤثروهما على نعيم الأبد.

قال في المجمع: «بيّن سبحانه بهذه الآية أنّه يختبر خلقه بالأموال والأولاد، ليتبيّن الراضي بقسمه ممّن لا يرضى به، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن ليظهر الأفعال الّتي بها يستحقّ الثواب والعقاب. وإلى هذا أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام في قوله: «لا يقولنّ أحدكم: أللَّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة، لأنّه ليس أحد إلّا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلّات الفتن، فإنّ الله سبحانه يقول:( وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) . وقد روي هذا المعنى عن ابن مسعود أيضا»(١) .

__________________

(١) مجمع البيان ٤: ٥٣٦.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) )

ولـمّا أمر الله سبحانه بالطاعة وترك الخيانة، بيّن بعده ما أعدّه لمن امتثل أمره في الدنيا والآخرة، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ ) إن تتّقوا عقابه باتّقاء معاصيه وأداء فرائضه( يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) هداية ونورا في قلوبكم، وشرحا في صدوركم بوسيلة التوفيق واللطف، تفرّقون به بين الحقّ والباطل. أو نصرا وفتحا، كقوله تعالى( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) (١) لأنّه يفرّق بين المحقّ والمبطل، بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين. أو مخرجا من الشبهات. أو نجاة عمّا تحذرون في الدارين. أو ظهورا يشهّر أمركم في أقطار الأرض ويبثّ صيتكم، من قوله: بتّ أفعل كذا حتّى سطع الفرقان، أي: الصبح.

( وَيُكَفِّرْ ) ويستر( عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ذنوبكم بالتجاوز والعفو عنها. قيل: السيّئات الصغائر، والذنوب الكبائر. وقيل: المراد ما تقدّم وما تأخّر، لأنّها في أهل بدر، وقد غفرهما الله تعالى لهم.

( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) على خلقه بما أنعم عليهم في الدنيا من أنواع النعم من غير سبق استحقاق منهم، وفي الآخرة بما زاد على قدر استحقاقهم.

( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) )

روي أنّ قريشا ـ لـمّا أسلمت الأنصار وبايعوه ـ خافوا أن يعلو أمره ويعظم

__________________

(١) الأنفال: ٤١.


شأنه، فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وقال: أنا شيخ من نجد، ما أنا من تهامة، دخلت مكّة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منّي رأيا ونصحا.

فقال أبو البختري: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتشدّوا وثاقه، وتسدّوا بابه غير كوّة، تلقون إليه طعامه وشرابه منها، وتتربّصوا به ريب المنون.

فقال إبليس: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلّصه من أيديكم.

فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضرّكم ما صنع واسترحتم.

فقال إبليس: بئس الرأي، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم.

فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كلّ بطن غلاما، وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلّهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا.

فقال الشيخ: هذا الفتى هو أجودكم رأيا.

فتفرّقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله. فأخبر جبرئيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك، وأمره بالهجرة وأن يبيّت في مضجعه عليّا، فنام في مضجعه، وقال له: اتّشح ببردتي، فإنّه لن يصل إليك أمر تكرهه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار.

وباتوا مترصّدين، فلمّا أصبحوا ساروا إلى مضجعه فأبصروا عليّا فبهتوا، وخيّب الله سعيهم، واقتصّوا أثره، وأرسلوا في طلبه، فلمّا بلغوا الجبل ومرّوا بالغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو كان ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاثا، ثمّ قدم المدينة، فأبطل الله تعالى مكرهم.

فذكّرعزوجل ها هنا رسوله إنجاءه إيّاه من مكرهم حين كان بمكّة، ليشكر الله على خلاصه من مكرهم واستيلائه عليهم، فقال:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: اذكر إذ يحتال كفّار قريش في إبطال أمرك، ويدبّرون في هلاكك( لِيُثْبِتُوكَ ) بالوثاق أو الحبس أو الإثخان بالجرح، من قولهم: ضربه حتّى أثبته لا حراك به ولا


براح(١) . والأوّل مرويّ عن ابن عبّاس.( أَوْ يَقْتُلُوكَ ) بسيوفهم وخناجرهم( أَوْ يُخْرِجُوكَ ) من مكّة.

( وَيَمْكُرُونَ ) ويخفون المكائد لك( وَيَمْكُرُ اللهُ ) ويخفي الله ما أعدّ لهم حتّى يأتيهم بغتة. أو المراد بمكر الله مجازاته إيّاهم على مكرهم، أو معاملته معهم معاملة الماكرين.( وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) أي: مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا.

أو لأنّه لا ينزل إلّا ما هو حقّ وعدل. وإسناد أمثال هذا ممّا يحسن للمزاوجة، أو لضرب من التأويل. ولا يجوز إطلاقها ابتداء، لتضمّنه القبح والذمّ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) )

ثمّ أخبر سبحانه عن عناد هؤلاء الكفّار في الحقّ، فقال:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ما سطره الأوّلون من القصص. قائله النضر بن الحارث بن كلدة، فإنّه حين سمع اقتصاص الله أحاديث القرون، قال: لو شئت لقلت مثل هذا. وهو الّذي جاء من بلاد فارس بنسخة حديث رستم وإسفنديار، فزعم أنّ هذا مثل ذلك، وأنّه من جملة الأساطير.

وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنّه كان قاصّهم.

وقيل: هو قول الّذين ائتمروا في أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم عن أن يقولوا مثله؟! وقد تحدّاهم وقرعهم

__________________

(١) أي: لم يبرح ولم يزل من مكانه.


بالعجز عشر سنين، ثمّ قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سورة، مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا، خصوصا في باب البلاغة والفصاحة.

( وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا ) القرآن( هُوَ الْحَقَ ) منزلا( مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) أي: حجارة من سجّيل عقوبة على إنكاره، كما فعلت بأصحاب الفيل( أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) بنوع آخر من أنواع العذاب.

هذا أيضا من كلام النضر.

روي أنّه لـمّا قال:( إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) قال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويلك إنّه كلام الله. فقال ذلك.

ومراده من هذا القول التهكّم وإظهار اليقين والجزم التامّ على كونه باطلا، فكان تعليق العذاب بكونه حقّا مع اعتقاد أنّه ليس بحقّ كتعليقه بالمحال عنده، كما في قولك: إن كان الباطل حقّا فأمطر علينا حجارة.

وفائدة تعريف الحقّ الدلالة على أنّ المعلّق به كونه حقّا بالوجه الّذي يدّعيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو تنزيله، لا الحقّ مطلقا، لتجويزهم أن يكون مطابقا للواقع غير منزل، كأساطير الأوّلين.

روي أنّ معاوية قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة!! قال: أجهل من قومي قومك، قالوا لرسول الله حين دعاهم إلى الحقّ: «إن كان هذا هو الحق فأمطر علينا حجارة» ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحقّ فاهدنا له.

( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) )

ثمّ ذكر سبحانه سبب إمهالهم، وموجب التوقّف في إجابة دعائهم، مع فرط


عنادهم وشقاهم، فقال:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) اللّام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أظهرهم خارج عن عادة الله تعالى، غير مستقيم في قضائه، لفضله وحرمته. قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى لم يعذّب قومه حتّى أخرجوه من مكّة. وكذا لا يعذّبهم حين الاستغفار عن الذنوب، لقوله:( وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .

والمراد باستغفارهم إما استغفار من بقي فيهم من المؤمنين بعد خروجهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مكّة، كما روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا خرج من مكّة بقيت فيها بقيّة من المؤمنين، ولم يهاجروا لعذر، وكانوا على عزم الهجرة، فرفع الله العذاب عن مشركي مكّة لحرمة استغفارهم، فلمّا خرجوا أذن الله في فتح مكّة.

وهذا منقول عن ابن عبّاس وعطيّة والضحّاك. واختاره الجبائي.

وقيل: معناه: وما كان الله ليعذّبهم بعذاب الاستئصال في الدنيا وهم يقولون: أللَّهمّ غفرانك، وإنّما يعذّبهم في الآخرة. أو المراد فرض الاستغفار على معنى: لو استغفروا لم يعذّبوا، كقوله تعالى:( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) (١) أي: لو أصلحوا.

( وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ ) وما يمنع تعذيبهم متى لم تكن فيهم، ولم يمكن الاستغفار؟ وكيف لا يعذّبون( وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ؟ وحالهم صدّ الناس عنه، ومن صدّهم عنه إلجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين إلى الهجرة، وإحصارهم عام الحديبية. روي أنّهم قالوا: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدّ من نشاء، وندخل من نشاء.

( وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ) أي: مستحقّين ولاية أمره مع شركهم( إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ) من الشرك، الّذين لا يعبدون فيه غير الله تعالى. أو إلّا المتّقون من

__________________

(١) هود: ١١٧.


المسلمين، فليس كلّ مسلم أيضا ممّن يصلح لأن يلي أمره، بل إنّما يستأهل ولايته من كان برّا تقيّا، فكيف بالكفرة وعبدة الأصنام؟

( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أن لا ولاية لهم عليه. كأنّه استثنى من كان يعلم ويعاند لطلب الرئاسة. أو أراد بالأكثر الجميع، كما يراد بالقلّة العدم.

( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) )

روي أنّهم كانوا يطوفون عراة، الرجال والنساء، مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفّقون، فنزلت:( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ) أي: دعاؤهم، أو ما يسمّونه صلاة، أو ما يضعون موضعها( إِلَّا مُكاءً ) صفيرا، من: مكا يمكو إذا صفر( وَتَصْدِيَةً ) تصفيقا. وهو ضرب اليد على اليد. تفعلة من الصدى، أو من: صدّ يصدّ، كقوله تعالى:( إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) (١) أي: يصيحون، على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء.

واعلم أنّ مساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب، أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنها لا تليق ممّن هذه صلاته.

وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاته، لـما روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره يصفّقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر، كما قال:( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) يعني: القتل والأسر يوم بدر. وقيل: عذاب الآخرة. واللّام يحتمل أن تكون للعهد، والمعهود: ائتنا بعذاب أليم( بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) اعتقادا وعملا.

__________________

(١) الزخرف: ٥٧.


( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) )

روي أنّ أبا سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش، وهم فرق مختلفون من قبائل شتّى، ومنه يقال: عندي أحبوش منهم، أي: جماعة منهم، سوى من استجاش(١) من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا، أو استأجرهم لأصحاب العير، فإنّه لـمّا أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لعلّنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا، فنزلت:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ) في قتال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين( لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ليمنعوا بذلك الناس عن دين الله الّذي أتى به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا من قريش، يطعم كلّ واحد منهم كلّ يوم عشر جزر(٢) . وغرضهم في هذا الإنفاق الصدّ عن اتّباع محمّد، وهو سبيل الله.

وإنّما قال: ليصدّوا، وإن كانوا لم يقصدوا ذلك، من حيث لم يعلموا أنّ ذلك دين الله، لأنّ فعلهم ذلك كان صدّا عن دين الله وإن لم يقصدوا ذلك.

( فَسَيُنْفِقُونَها ) بتمامها. ويحتمل أن يكون الأوّل إخبارا عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق يوم بدر، والثاني إخبارا عن إنفاقهم فيما يستقبل، وهو الإنفاق في يوم أحد. أو يراد بهما واحد، على أنّ مساق الأوّل لبيان غرض الإنفاق ،

__________________

(١) أي: جمع الجيش منهم.

(٢) الجزر جمع الجزور، وهو من الإبل يقع على الذكر والأنثى.


ومساق الثاني لبيان عاقبته، وأنّه لم يقع بعد.

( ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) ندما وغمّا، لفواتها من غير مقصود. وجعل ذاتها حسرة ـ وهي عاقبة إنفاقها ـ مبالغة.( ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) آخر الأمر، وإن كان الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا قبل ذلك، أي: مرّة تكون لهم ومرّة عليهم.

وفي هذا دلالة على صحّة نبوّة النبيّ، لأنّه أخبر بالشيء قبل كونه، فوجد على ما أخبر به.

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: ثبتوا على الكفر منهم، إذ أسلم بعضهم( إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) يساقون.

( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) أي: الفريق الخبيث ـ وهم الكافرون ـ من الفريق الطيّب، وهم المؤمنون. أو يميز الفساد من الصلاح. واللّام متعلّقة بـ «يحشرون» أو «يغلبون»، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ممّا أنفقه المسلمون في نصرته. وحينئذ اللّام متعلّقة بقوله:( ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ) .

وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: ليميّز من التمييز، وهو أبلغ من الميز.

( وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ ) ويجعل الفريق الخبيث من الكفّار( بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ) فيجمعه ويضمّ بعضه إلى بعض حتّى يتراكبوا، لفرط ازدحامهم. أو يضمّ إلى الكافر ما أنفقه، ليزيد به عذابه، ليعاقبهم به، كما قال:( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ) (١) الآية.( فَيَجْعَلَهُ ) كلّه( فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ ) إشارة إلى الخبيث، لأنّه مقدّر بالفريق الخبيث، أو إلى المنفقين( هُمُ الْخاسِرُونَ ) الكاملون في الخسران، لأنّهم خسروا أنفسهم وأموالهم.

( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ

__________________

(١) التوبة: ٣٥.


لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) ) ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدعائهم إلى التوبة والإيمان، فقال:( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني: أبا سفيان وأصحابه. والمعنى: قل لأجلهم، لقوله:( إِنْ يَنْتَهُوا ) على صيغة الغائب، أي: ينتهوا عن معاداة الرسول بالدخول في الإسلام( يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ) من الشرك وعداوة الرسول وسائر ذنوبهم. ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الإسلام يجبّ ما قبله».

( وَإِنْ يَعُودُوا ) إلى قتاله( فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ) الّذين تحزّبوا على الأنبياء بالتدمير، كما جرى على أهل بدر، فليتوقّعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا.

( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) لا يوجد فيهم شرك( وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) ويضمحلّ كلّ دين، ويبقى دين الإسلام وحده.

عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «لم يجيء تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما بلغ الليل، حتّى لا يكون مشرك على ظهر الأرض».

( فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن الكفر( فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم. وعن يعقوب: تعملون بالتاء، على معنى: فإنّ الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان بصير، فيجازيكم عليه أحسن الجزاء. ويكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنّه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة، يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبّب.

( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) وإن لم ينتهوا( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ ) ناصركم فثقوا بولاية الله ونصرته، ولا تبالوا بمعاداتهم( نِعْمَ الْمَوْلى ) لا يضيع من تولّاه( وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) لا يغلب من نصره.


( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) )

وبعد الأمر بالجهاد بيّن ما يلحقه من حكم الغنيمة، فقال مخاطبا للمسلمين:( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) «ما» موصولة، و «من شيء» بيانه، أي: ممّا يقع عليه اسم الشيء حتّى الخيط والمخيط، لا في الكنز والمعدن والغوص، فإنّ النصاب شرط فيه، كما صرّح به فقهاؤنا في كتبهم. فلفظ «شيء» وإن اقتضى العموم، لكن البيان من الأئمّةعليهم‌السلام خصّصه.

والغنيمة لغة: هي الفائدة. واصطلاحا: ما أخذ من الكفّار بقتال، وإلّا فهو فيء ونفل. وهو مذهب أصحابنا والشافعي، ويروى عن الباقر والصادقعليهما‌السلام . وقيل:


إنّهما بمعنى واحد.

ثمّ إنّ عند أصحابنا أنّ الفيء للإمام خاصّة، والغنيمة يخرج منها الخمس، كما قال الله تعالى:( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) مبتدأ خبره محذوف، أي: فثابت أنّ لله خمسه( وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) وهذه الأسهم الثلاثة اليوم للإمام القائم مقام الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) أي: ليتامى آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، لا يشركهم في ذلك غيرهم، لأنّ الله سبحانه حرّم عليهم الصدقة، لكونها أوساخ الناس، وعوّضهم عن ذلك الخمس. وروى ذلك الطبري(١) عن عليّ بن الحسين زين العابدين ومحمّد بن عليّ الباقر.

وعن أبي عبد اللهعليهم‌السلام أيضا أنّه قال: « لـمّا حرّم الله علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا حلال».

ورووا عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قيل له: «إنّ الله تعالى قال:( وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ) فقال: أيتامنا ومساكيننا»(٢) . فثلاثة أسهم أخر للطوائف المذكورين من بني هاشم.

واعلم أيّدك الله تعالى أنّ علماء الجمهور على أنّ اسم الله هنا للتبرّك، وأنّ المراد قسم الخمس على الخمسة المذكورين في الآية في حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّ المراد بذي القربى هم بنو هاشم وبنو المطّلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ بني المطّلب ما فارقونا في جاهليّة ولا إسلام، وبنو هاشم وبنو المطّلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه».

وأن الثلاثة الباقية في باقي المسلمين.

وأمّا بعد حياة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال مالك: الأمر فيه إلى الإمام، يصرفه إلى ما يراه أهمّ من وجوه القرب.

__________________

(١) راجع تفسير الطبري ج ١٠: ٧.

(٢) رواه في الكشّاف ٢: ٢٢٢.


وقال أبو حنيفة: يسقط سهمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسهم ذوي القربى، وصار الكلّ مصروفا إلى الثلاثة الباقية من المسلمين.

وقال الشافعي: إنّ سهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه من مصالح المسلمين. وقيل: إلى الإمام. وقيل: إلى الأقسام الأربعة.

وقال أصحابنا الإماميّة: إنّه يقسّم ستّة أقسام: ثلاثة للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته، وبعده للإمام القائم مقامه، وهو المعنيّ بذي القربى، والثلاثة الباقية لمن سمّاهم الله من بني عبد المطّلب خاصّة دون غيرهم.

وقولهم هو الحقّ. أمّا أوّلا: فلأنّه لا يلزمهم مخالفة للآية الكريمة بسبب إسقاط سهم الله من البين، وكذا إسقاط سهم الرسول بعد حياته.

وأمّا ثانيا: فلما ورد من النقل الصحيح عن أئمّتناعليهم‌السلام . وكذا نقله الخصم عن عليّعليه‌السلام ، وعن ابن عبّاس، كما حكاه الزمخشري في الكشّاف(١) .

وأمّا ثالثا: فلأنّا إذا أعطينا لفقراء ذي القربى من اليتامى والمساكين وأبناء السبيل جاز بالإجماع، وبرئت الذمّة يقينا، وإذا أعطينا غيرهم لم يجز عند الإماميّة، فكان التخصيص بذي القربى أحوط. ولفظة الآية وإن كانت أعمّ، لكن ما من عامّ إلّا وقد خصّ كما في الأصول، فهذا مخصوص بما رويناه عن أئمّة الهدى كما مرّ.

على أنّا نقول لفظة الآية عامّ مخصوص بالاتّفاق، فإنّ ذا القربى مخصوص ببني هاشم، واليتامى والمساكين وابن السبيل عامّ في المشرك والذميّ وغيرهم، مع أنّه مخصوص بمن ليس كذلك.

قال السيّد(٢) قدس‌سره : كون ذي القربى مفردا يدلّ على أنّه الامام القائم مقام

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٢٢٢.

(٢) الانتصار: ٨٧.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ لو أراد الجمع لقال: ذوي القربى.

وفيه نظر، لجواز إرادة الجنس.

قوله: إذ لو كان المراد جميع قرابات بني هاشم، لزم أن يكون ما عطف عليه ـ أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل ـ من غيرهم لا منهم، لأنّ العطف يقتضي المغايرة.

وأجيب بجواز عطف الخاصّ على العامّ، لمزيد فائدة ووفور عناية. فالأولى حينئذ الاعتماد في هذه المحتملات على بيانهعليه‌السلام ، وبيان الأئمّة بعده.

وفي الآية المذكورة من التوكيد ما ليس في غيرها، فإنّه صدّرها بالأمر بالعلم، أي: تحقّق عندكم ذلك حتّى إنّه لم يرد لها ناسخ اتّفاقا. ثمّ أتى بـ «أنّ» المؤكّدة في موضعين. ثمّ قال:( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ ) وهو متعلّق بمحذوف دلّ عليه «واعلموا» أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّه جعل الخمس لهؤلاء، فسلّموه إليهم، واقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإنّ العلم للعمل، فإذا أمر به لم يرد منه العلم المجرّد، لأنّه مقصود بالعرض، والمقصود بالذات هو العمل.

( وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا ) معطوف على «بالله» أي: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا من الآيات والملائكة والنصرة( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) يوم بدر، فإنّه فرّق فيه بين الحقّ والباطل( يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ) المسلمون والكفّار، بدل منه( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيقدر على نصر القليل على الكثير، والإمداد بالملائكة.

عن الكلبي: أنّها نزلت ببدر. وقال الواقدي: نزل الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيّام، للنصف من شوّال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة.

( إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ) من المدينة. وهو بدل ثان من( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) .


والعدوة بالحركات الثلاث شطّ الوادي. والمشهور الضمّ والكسر. وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب.

( وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ) البعدى من المدينة. تأنيث الأقصى. وكان قياسه قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا، تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل شاذّا كالقود، وهو أكثر استعمالا من القصيا، كما كثر استعمال «استصوب» مع مجيء «استصاب» و «أغيلت» مع «أغالت»(١) .

( وَالرَّكْبُ ) أي: العير أو قوّادها( أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) في مكان أسفل من مكانكم، يعني: الساحل. قال الكلبي: كانوا على شطّ البحر بثلاثة أميال. وهو منصوب على الظرف، واقع موقع خبر المبتدأ، والجملة حال من الظرف قبله.

والفائدة في ذكر هذه المراكز الإخبار عن الحال الدّالة على قوّة المشركين وشوكتهم، وتكامل عدّتهم، وضعف المسلمين، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلّا بأمر إلهي، لم يتيسّر إلّا بحوله وقوّته، وذلك أنّ العدوة القصوى الّتي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، والعدوة الدنيا رخوة تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلّا بتعب ومشقّة، وما كان فيها ماء، وكانت العير وراء ظهور العدوّ، مع كثرة عددهم، وفرط حمايتهم وحميّتهم، وغاية جهدهم في أن لا يبرحوا بهم إلى مكّة.

وأيضا لمثل هذه الفائدة قال:( وَلَوْ تَواعَدْتُمْ ) أي: لو تواعدتم أنتم وهم القتال، ثمّ علمتم حالهم وحالكم( لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ) أي: لثبّطكم قلّتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، هيبة منهم، ويأسا من الظفر عليهم، لتتحقّقوا أنّ ما اتّفق لكم من الفتح ليس إلّا صنعا من الله تعالى خارقا للعادة، فتزدادوا إيمانا وشكرا.

( وَلكِنْ ) جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد، بل حين وعدكم إحدى

__________________

(١) أغالت أو أغيلت المرأة ولدها: أرضعته وهي حامل.


الطائفتين مبهمة غير مبيّنة، حتّى خرجتم لتأخذوا العير راغبين في الخروج، وشخص(١) بقريش مخوّفين ممّا بلغهم من تعرّض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأموالهم، حتّى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبّب الأسباب حتّى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، ووراءهم العير يحامون عليها، حتّى قامت الحرب على ساق وكان ما كان.

( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) أي: حقيقا بأن يفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه.

وقوله:( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ) بدل منه، أو متعلّق بقوله: «مفعولا».

والمعنى: ليموت من يموت عن بيّنة عاينها( وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) ويعيش من يعيش عن حجّة شاهدها، لئلّا يكون له حجّة ومعذرة، فإنّ وقعة بدر من الآيات الواضحة والمعجزات الباهرة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أو المعنى: ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بيّنة وقيام حجّة عليه، ويصدر إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنّه الدين الحقّ الّذي يجب التمسّك به. فالهلاك والحياة مستعارتان للكفر والإسلام. والمعنيّ بـ «من هلك» و «من حيّ» المشارف للهلاك الأبدي والحياة السرمدي.

وقرأ ابن كثير برواية البزّي ونافع وأبو بكر ويعقوب: من حيي بفكّ الإدغام، للحمل على المستقبل.

( وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ ) لأقوال من كفر وآمن( عَلِيمٌ ) بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه. فالجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.

( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) مقدّر بـ «اذكر». أو بدل ثان من «يوم

__________________

(١) في هامش النسخة الخطيّة: «شخص به إذا أخرجه. منه».


الفرقان». أو متعلّق بـ «عليم»، أي: يعلم المصالح، إذ يقلّلهم في عينك في رؤياك، وذلك أنّ الله سبحانه أراه إيّاهم في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه، فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم.

( وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ) لجبنتم( وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ) أمر القتال، وتفرّقت آراؤكم بين الثبات والفرار( وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ ) أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) يعلم ما سيكون وما يغيّر أحوالها، من الجرأة والجبن والصبر والجزع.

( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ ) الضميران مفعولا «يري»( إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ) حال من المفعول الثاني. وإنّما قلّلهم في أعين المسلمين لا غير، لـما روي عن ابن مسعود أنّه قال: لقد قلّلوا في أعيننا حتّى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ فقال: أتراهم مائة؟ تصديقا لرؤيا رسول الله وتثبيتا لهم.

( وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) حتّى قال أبو جهل: إنّ محمدا وأصحابه أكلة جزور.

وروي أيضا أنّه كان يقول: خذوهم بالأيدي أخذا، ولا تقاتلوهم.

وإنّما قلّلهم في أعينهم قبل القتال ليجترؤا عليهم، ولا يستعدّوا لهم بعد اللقاء، ثم كثّرهم حتّى يرونهم مثليهم، لتفجأهم الكثرة فتبهتهم، وتكسر قلوبهم، وتفلّ(١) شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم. وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة، فإنّ البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحدّ، وإنّما يتصوّر ذلك بصدّ الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض، مع التساوي في شروط الرؤية.

( لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) كرّره لاختلاف المعلّل به. أو لأنّ المراد بالأمر ثمّ الاكتفاء على الوجه المحكي، وهاهنا إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وحزبه.( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) امور العباد، فيجازيهم على ما يستحقّونه.

__________________

(١) أي: تكسر.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) )


ثمّ أمر سبحانه بالقتال والثبات في الحرب، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ) أي: إذا حاربتم جماعة كافرة. ولم يصفها، لأنّ المؤمنين ما كانوا يحاربون إلّا الكفّار. واللقاء ممّا غلب استعماله في القتال.( فَاثْبُتُوا ) للقائهم، ولا تفرّوا.

( وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً ) في مواطن القتال، مستعينين به، مستظهرين بذكره، مترقّبين لنصره، داعين له على عدوّكم، بأن تقولوا: أللَّهمّ اخذلهم، أللَّهمّ اقطع دابرهم( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة.

وفيه تنبيه على أنّ العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله تعالى، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بشراشره(١) فارغ البال، واثقا بأنّ لطفه لا ينفكّ عنه في شيء من الأحوال.

وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أيّام صفّين، وفي مشاهده مع البغاة والخوارج ـ من البلاغة والبيان، ولطائف المعاني، وبليغات المواعظ والنصائح ـ دليلا على أنّهم كانوا لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل وإن تفاقم الأمر.

( وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا ) لا تتنازعوا فيما بينكم باختلاف الآراء، كما فعلتم ببدر أو أحد( فَتَفْشَلُوا ) فتجبنوا، وتضعفوا عن قتال عدوّكم. هذا جواب النهي منصوب بإضمار «أن».( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) والريح مستعارة للدولة، شبّهت في تمشّي أمرها ونفاذه بهبوب الريح ونفوذها. فقيل: هبّت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، وركدت ريحه إذا أدبر أمره.

__________________

(١) الشراشر: النفس وجميع الجسد.


وقيل: المراد بها الحقيقة، فإنّ النصرة لا تكون إلّا بريح يبعثها الله تعالى. وفي الحديث: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور».

( وَاصْبِرُوا ) على قتال الأعداء( إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالحفظ والنصر.

( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) يعني: أهل مكّة حين خرجوا منها لحماية العير( بَطَراً ) للبطر والطرب والفخر، أو بطرين طربين متفاخرين( وَرِئاءَ النَّاسِ ) ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة. وذلك أنّهم لـمّا بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم. فقال أبو جهل: لا والله حتّى تقدم بدرا، ونشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان(١) ، ونطعم بها من حضرنا من العرب.

فوافوها فسقوا كأس المنايا، وناحت عليهم النوائح مكان غناء القيان. فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين، وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص، من حيث إنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه.

( وَيَصُدُّونَ ) ويمنعون غيرهم( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) معطوف على «بطرا» إن جعل مصدرا في موضع الحال. وكذا إن جعل مفعولا له، لكن على تأويل المصدر.

( وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) عالم بأعمالكم، فيجازيكم على وفقها.

( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ) أي: اذكر وقت تزيين الشيطان( أَعْمالَهُمْ ) في معاداة الرسول وغيرها( وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ ) لا يغلبكم أحد من الناس، لكثرة عددكم وقوّتكم. و «لكم» خبر «لا غالب» أو صفته، تقديره: لا غالب كائن لكم. وليس مفعوله، وإلّا لانتصب، فقيل: لا غالبا لكم، بمعنى: لا غالبا إيّاكم، كقولك: لا ضاربا زيدا عندنا.

( وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) أي: ناصركم ودافع عنكم السوء. وهذه وسوسة نفسانيّة.

والمعنى: أنّه ألقى في خاطرهم وخيّل إليهم أنّهم لا يغلبون ولا يطاقون، لكثرة

__________________

(١) القيان جمع القينة، وهي المغنيّة.


عددهم وعددهم، وأوهمهم أنّ اتّباعهم إيّاه فيما يظنّون أنّها قربات مجير لهم، حتّى قالوا: أللَّهمّ انصر أهدى الفئتين، وأفضل الدينين، كما ذكر.

( فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ ) أي: تلاقى الفريقان( نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ) رجع القهقرى، أي: بطل كيده، وعاد ما خيّل إليهم أنّه مجيرهم سبب هلاكهم( وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ) من إمداد الملائكة للمسلمين( إِنِّي أَخافُ اللهَ ) أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم. يعني: تبرّأ منهم، وخاف عليهم، وأيس من حالهم، لـمّا رأى إمداد الله تعالى المسلمين بالملائكة.

قيل: لـمّا اجتمعت قريش على المسير ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب، وكاد ذلك يثبّطهم، فتمثّل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني ـ وكان من أشرافهم ـ في جند من الشياطين معه راية، وقال: لا غالب لكم اليوم، وإنّي مجيركم من بني كنانة، فلمّا رأى الملائكة تنزل نكص.

وروي: كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلمّا نكص قال له الحارث: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحال؟ قال: إنّي أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث وانطلق. وانهزموا، فلمّا بلغوا مكّة قالوا: هزم الناس سراقة. فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتّى بلغتني هزيمتكم. فلمّا أسلموا علموا أنّه الشيطان.

وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام . ونقل عن الكلبي.

وهذا هو المشهور بين المفسّرين.

وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله:( إِنِّي أَخافُ اللهَ ) أنّي أخافه أن يصيبني مكروها من الملائكة، أو يهلكني. ويكون الوقت في قوله:( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (١) هذا الوقت الموعود، إذ رأى فيه ما لم ير قبله، فإنّ الملائكة لا ينزلون إلّا لقيام الساعة أو للعذاب. والأوّل قول الحسن، واختيار ابن بحر.

__________________

(١) الحجر: ٣٨.


وفي الحديث: «ما رؤي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، لـما راى من نزول الرحمة، إلّا ما رؤي يوم بدر».

( وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ) يجوز أن يكون من كلامه، وأن يكون مستأنفا.

( إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ ) بالمدينة( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) والّذين لم يطمئنّوا إلى الإيمان بعد، وبقي في قلوبهم شكّ وشبهة في الإسلام. وقيل: هم المشركون. وقيل: المنافقون. والعطف لتغاير الوصفين.

( غَرَّ هؤُلاءِ ) يعنون المؤمنين( دِينُهُمْ ) أي: اغترّوا بدينهم، وأنّهم ينصرون من أجله، حتّى تعرّضوا لـما لا يديّ(١) لهم به، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف.

ثمّ قال جوابا لهم:( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) في أموره( فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) غالب لا يذلّ من استجار به وإن قلّ، فيسلّط القليل الضعيف على الكثير القويّ.( حَكِيمٌ ) يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.

( وَلَوْ تَرى ) ولو رأيت، فإنّ «لو» تجعل المضارع ماضيا عكس «إن»( إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ ) ببدر. و «إذ» ظرف «ترى» والمفعول محذوف، أي: ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذ. و «الملائكة» فاعل «يتوفّى». ويدلّ عليه قراءة ابن عامر بالتاء.

ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا لله، وقوله: «الملائكة» مبتدأ خبره:( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ ) والجملة حال من( الَّذِينَ كَفَرُوا ) واستغني فيه بالضمير عن الواو. وهو على الأوّل حال منهم، أو من الملائكة، أو منهما، لاشتماله على الضميرين.

__________________

(١) يديّ ويديّ جمع اليد، وجمع الجمع الأيادي، يقال: لا يدين لك بهذا، أي: لا قوّة ولا طاقة لك به.


( وَأَدْبارَهُمْ ) ظهورهم أو أستاههم. وقيل: المراد تعميم الضرب، أي: يضربون ما أقبل منهم وما أدبر.

( وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ) عطف على «يضربون» بإضمار القول، أي: ويقولون: ذوقوا، بشارة لهم بعذاب الآخرة. وقيل: كانت مع الملائكة مقامع من حديد كلّما ضربوا التهبت النار منها في جراحاتهم. وجواب «لو» محذوف، لتفظيع الأمر وتهويله، تقديره: لرأيت أمرا فظيعا منكرا.

( ذلِكَ ) الضرب والعذاب( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ) بسبب ما كسبتم من الكفر والمعاصي. وهو خبر لـ «ذلك».( وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) عطف عليه، أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم، وبأن الله يعذّب الكفّار بالعدل، لأنّه لا يظلم عباده في عقوبتهم، وقد بالغ في نفي الظلم عن نفسه بقوله: «ظلّام» فإنّه صيغة المبالغة. أو تكثير الظلم لأجل كثرة العبيد. أو لأنّ العذاب من العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلّاما بليغ الظلم متفاقمه.

وقوله:( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) مرفوع المحلّ بالخبر، تقديره: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، وهو عملهم وطريقهم الّذي دأبوا فيه، أي: داموا عليه.( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من قبل آل فرعون.

( كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ) تفسير لدأبهم( فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ) كما أخذ هؤلاء( إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ) لا يغلبه في دفعه شيء.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما حلّ بهم، أي: ذلك العذاب( بِأَنَّ اللهَ ) بسبب أنّ الله( لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ ) مبدّلا إيّاها بالنقمة( حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) أي: لا يصحّ ذلك في حكمته حتّى يبدّلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ، كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم والكفّ عن تعرّض الآيات والرسل بمعاداة الرسول ومن تبعه منهم، والسعي في إراقة دمائهم، والتكذيب بالآيات


والاستهزاء بها، إلى غير ذلك ممّا أحدثوه بعد البعث.

وعن السدّي: النعمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنعم الله به على قريش، فكفروا به وكذّبوه، فنقله إلى الأنصار.

وهذا من جري عادة الله تعالى، فإنّ عادته سبحانه جارية على تغيير نعمته متى غيّر العبد أعماله بأسوأ منه، فإنّه كما تغيّر الحال المرضيّة إلى المسخوطة، تغيّر الحال المسخوطة إلى أسخط منها. فكفرة قريش كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة عبدة أصنام، فلمّا بعث إليهم النبيّ بالآيات البيّنات، فكذّبوه وعادوه، وتحزّبوا عليه ساعين في اراقة دمه، غيّروا حالهم إلى أسوأ ممّا كانت، فغيّر الله ما أنعم به عليهم من إمهالهم، وعاجلهم بالعذاب.

وأصل «يك» يكون، فحذفت الحركة للجزم، ثمّ الواو لالتقاء الساكنين، ثمّ النون لشبهه بالحروف اللينة تخفيفا، مع أنّ كثرة الاستعمال أيضا مقتضية للتخفيف.

( وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لـما يقول مكذّبو الرسل( عَلِيمٌ ) بما يفعلون.

وقوله:( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ) تكرير للتأكيد، ولـما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله:( بِآياتِ رَبِّهِمْ ) ، وبيان ما أخذ به آل فرعون.

وقيل: الأوّل لتشبيه الكفر والأخذ به، والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.

( وَكُلٌ ) من الفرق المكذّبة، أو من غرقى القبط وقتلى قريش( كانُوا ظالِمِينَ ) أنفسهم بالكفر والمعاصي، فلم يعاقبوا إلّا عن استحقاق.

( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) )


ثمّ ذمّ الله سبحانه الكفّار، فقال:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ ) إنّ شرّ من يدبّ على وجه الأرض في معلوم الله أو في حكمه( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أصرّوا على الكفر ورسخوا فيه( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) لإصرارهم على الكفر، ولجاجهم وعنادهم فيه، فلا يتوقّع منهم إيمان، وهم قوم مطبوعون على الكفر بأنّهم لا يؤمنون. وذكر الفاء العاطفة للتنبيه على أنّ تحقّق المعطوف عليه مستدع لتحقّق المعطوف.

وقوله:( الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ) بدل من( الَّذِينَ كَفَرُوا ) بدل البعض، للبيان والتخصيص. وهم بنو قريظة، عاهدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أن لا يمالئوا عليه عدوّا فنكثوا، بأن أعانوا مشركي مكّة بالسلاح، وقالوا :

نسينا وأخطأنا، ثمّ عاهدهم فنكثوا ومالأوا عليه الأحزاب يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكّة فحالفهم.

و «من» لتضمين المعاهدة معنى الأخذ. والمراد بالمرّة مرّة المعاهدة أو مرّة المحاربة، أي: كلّما عاهدتم نقضوا العهد ولم يفوا به. وجعلهم الله شرّ الدّوابّ، لأنّ شرّ الناس الكفّار، وشرّ الكفّار المصرّون منهم، وشرّ المصرّين الّذين ينقضون العهد.

( وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ) لا يخافون عاقبة الغدر وتبعته، ولا يبالون ما فيه من العار والنار، أو نصر الله للمؤمنين وتسليطه إيّاهم عليهم.

( فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) )

ثمّ حكم سبحانه في هؤلاء الناقضين للعهود، فقال لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فَإِمَّا


تَثْقَفَنَّهُمْ ) فإمّا تصادفنّهم وتظفرنّ بهم( فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ ) ففرّق عن محاربتك ومناصبتك بقتلهم والنكاية فيهم( مَنْ خَلْفَهُمْ ) من وراءهم من الكفرة. والتشريد تفريق على اضطراب.( لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) لعلّ المشرّدين يتّعظون، فلا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارا بهم، واتّعاظا بحالهم.

( وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ ) معاهدين( خِيانَةً ) نقض عهد بأمارات تلوح لك( فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ ) فاطرح إليهم عهدهم( عَلى سَواءٍ ) على طريق مقتصد مستو في العداوة، وذلك بأن تخبرهم بنبذ العهد إخبارا ظاهرا مبيّنا لهم أنّك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تبدأهم بالقتال وهم على توهّم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك. أو على سواء في الخوف، أو العلم بنقض العهد. وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأوّل، أي: ثابتا على طريق سويّ، أو من المنبوذ إليهم، أو منهما على غيره، أي: حاصلين على استواء في الخوف أو العلم.

وقوله:( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ) تعليل للأمر بالنبذ، والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال، على طريقة الاستئناف. والمعنى: فلا تخنهم، بأن تناجزهم القتال من غير إعلامهم بالنبذ.

قال الواقدي: هذه الآية نزلت في بني قينقاع، وبهذه الآية سار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم.

( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ


هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣))

ولـمّا تقدّم الأمر بقتال الكفّار، عقّبه سبحانه بوعد النصر والأمر بالإعداد لقتالهم، فقال مخاطبا لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ) مفعولا «يحسبنّ»، أي: لا تحسبنّ يا محمّد الكافرين قد سبقوا أمر الله وأعجزوه، وأنّهم فاتوك، فإنّ الله تعالى يظفرك بهم كما وعدك، ويظهرك عليهم. والسبق والفوت بمعنى واحد.

وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص بالياء، على أنّ الفاعل ضمير أحد، أو «من خلفهم»، أو «الّذين كفروا» والمفعول الأوّل أنفسهم، فحذف للتكرار.

وقيل فيه: أصله أن سبقوا. وهو ضعيف، لأنّ «أن» المصدريّة كالموصول، فلا تحذف.

وقيل: وقع الفعل على( إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) بالفتح على قراءة ابن عامر، وأنّ «لا»(١) صلة، و «سبقوا» حال، بمعنى: سابقين أو مفلتين.

والأظهر أنّه تعليل للنهي، أي: لا تحسبنّهم سبقوا فأفلتوا، لأنّهم لا يفوتون الله، أو لا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم. وكذا إن كسرت «إنّ» إلّا أنّه تعليل على سبيل الاستئناف. ولعلّ الآية إزاحة لـما يحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدوّ.

وعن الزهري أنّها نزلت فيمن أفلت من فلّ المشركين.

__________________

(١) أي: زائدة، فيكون المعنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أنهم يعجزون.


( وَأَعِدُّوا ) أيّها المؤمنون( لَهُمْ ) لناقضي العهد أو الكفّار( مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) من كلّ ما يتقوّى به في الحرب، من العدد وسائر آلات الحرب.

وعن عقبة بن عامر سمعتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول على المنبر: «ألا إنّ القوّة الرمي، قالها ثلاثا». ومات عقبة عن سبعين قوسا في سبيل الله.

ولعلّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصّه بالذكر لأنّه أقواه.

( وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ) اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. فعال بمعنى مفعول، أو مصدر سمّي به. يقال: ربط ربطا ورباطا، ورابط مرابطة ورباطا. أو جمع ربيط، كفصيل وفصال. وعطفها على «قوّة» إذا فسّرت بكلّ ما يتقوّى به، كعطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة.

وجاء في الحديث: «أنّ الشيطان لا يقرب صاحب فرس، ولا دارا فيها فرس عتيق».

وروي: «أنّ صهيل الخيل يرهب الجنّ».

( تُرْهِبُونَ بِهِ ) تخوّفون به. وعن يعقوب: ترهّبون بالتشديد. والضمير لـ( مَا اسْتَطَعْتُمْ ) أو للإعداد( عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) كفّار مكّة( وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ ) وترهبون كفّارا آخرين من غيرهم من الكفرة. قيل: هم اليهود. وقيل: المنافقون.

وقيل: الفرس. وقيل: كفرة الجنّ.( لا تَعْلَمُونَهُمُ ) لا تعرفونهم بأعيانهم( اللهُ يَعْلَمُهُمْ ) يعرفهم، لأنّه المطّلع على الأسرار.

( وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ ) في الجهاد( يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ) يوفّر عليكم ثوابه( وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) بتضييع العمل أو نقص الثواب.

( وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ) وإن مالوا للصلح أو الاستسلام، ومنه الجناح.

وقد يعدّى باللام وإلى. وقرأ أبو بكر بكسر السين.( فَاجْنَحْ لَها ) وعاهد معهم. وتأنيث الضمير لحمل السلم على نقيضها وهي الحرب، أو لأنّه بمعنى المسالمة.


( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) ولا تخف من إبطانهم خداعا فيه، فإنّ الله يعصمك من مكرهم، ويحيقه بهم.( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالهم( الْعَلِيمُ ) بنيّاتهم.

والآية مخصوصة بأهل الكتاب، لاتّصالها بقصّتهم. وقيل: عامّة نسختها آية السيف(١) . والأصحّ أنّها ليست بمنسوخة، لأنّها في الموادعة لأهل الكتاب، وآية السيف لعبّاد الأوثان.

( وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ) في الصلح، بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن القتال، حتّى يقوى أمرهم فيبدؤوكم بالقتال بالاستعداد التامّ( فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ ) فإنّ محسبك الله تعالى وكافيك من مكرهم( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ) جميعا، ينصرونك على أعدائك، يريد الأنصار، وهم الأوس والخزرج.

( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) مع ما فيهم من العصبيّة والضغينة في أدنى شيء، والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، فإنّه لم يكن حيّان من العرب بينهما من العداوة مثل ما كان بين هذين الحيّين، فألّف الله بين قلوبهم حتّى صاروا كنفس واحدة في التحابّ والتوادّ، وهذا من معجزاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وبيانه قوله:( لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ) أي: كان تناهي عداوتهم بحيث لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإصلاح، وإزالة ضغائن الجاهليّة( وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ) بقدرته البالغة، فإنّه المالك للقلوب، يقلبها كيف يشاء. فتصافوا، وصاروا أنصارا بميامن الإسلام، وبركة سيّد الأنام عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

( إِنَّهُ عَزِيزٌ ) تامّ القدرة والغلبة، لا يعصي عليه ما يريد( حَكِيمٌ ) يعلم أنّه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده.

__________________

(١) التوبة: ٥ و ٢٩.


( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) )

ثمّ أمر سبحانه بقتال الكفّار، وحثّ عليه بقوله:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ ) كافيك. وقوله:( وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) إمّا في محلّ النصب على المفعول معه.

والمعنى: كفاك الله مع متّبعيك من المؤمنين ناصرا. أو في محلّ الجرّ عطفا على المكنيّ عند الكوفيّين. أو الرفع عطفا على اسم الله تعالى، أي: كفاك اللهعزوجل والمؤمنون. وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.

( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ) بالغ في حثّهم عليه. وأصله الحرض، وهو أن ينهكه المرض حتّى يشفى ـ أي: يشرف ـ على الموت( إِنْ يَكُنْ


مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ ) على القتال( يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) من العدوّ( وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) اللفظ لفظ الخبر، والمراد منه الأمر. وهذه عدة من الله بأنّ الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفّار بتأييد الله وعونه.

وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: تكن بالتاء في الآيتين. ووافقهم البصريّان في «وإن تكن منكم مائة».

( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) بسبب أنّ الكفّار جهلة بالله واليوم الآخر، لا يثبتون ثبات المؤمنين، رجاء الثواب وعوالي الدرجات قتلوا أو قتلوا، ولا يستحقّون من الله تعالى إلّا الهوان والخذلان، فيقاتلون على غير احتساب ثواب كالبهائم.

عن ابن جريج: كان عليهم أن لا يفرّوا، ويثبت الواحد منهم للعشرة. وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث حمزة بن عبد المطّلب في ثلاثين راكبا، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب، فثقل ذلك عليهم وضجّوا منه. وكان ذلك الحكم مدّة طويلة، ثمّ نسخ وخفّف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين، بقولهعزوجل :( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) فيه(١) لغتان: الفتح، وهو قراءة عاصم وحمزة. والضمّ، وهو قراءة الباقين. والضعف ضعف البدن. وقيل: ضعف البصيرة والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين فيها.

وقال في المجمع: «أراد به ضعف البصيرة والعزيمة، ولم يرد ضعف البدن، فإنّ الّذين أسلموا في الابتداء لم يكونوا كلّهم أقوياء البدن، بل كان فيهم القويّ والضعيف، ولكن كانوا أقوياء البصيرة واليقين، ولـمّا كثر المسلمون واختلط بهم من كان أضعف يقينا وبصيرة نزل:( الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ) (٢) .

__________________

(١) أي: في «ضعفا».

(٢) مجمع البيان ٤: ٥٥٧.


( فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ ) على القتال( يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) من العدوّ( وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ ) صابرة( يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ) منهم( بِإِذْنِ اللهِ ) بعلم الله أو بأمر الله( وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالنصر والمعونة، فكيف لا يغلبون؟ قيل: كان فيهم قلّة فأمروا بذلك، ثمّ لـمّا كثروا خفّف عنهم. وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة قبل التخفيف وبعده، للدلالة على أنّ حكم القليل والكثير واحد لا يتفاوت، لأنّ الحال قد يتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين.

واعلم أنّ هذه الآية ناسخة للأولى كما مرّ، والمعتبر في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة. وعن الحسن: أنّ التغليظ كان على أهل بدر، ثمّ جاءت الرخصة.

روي أنّه كان القتلى من المشركين يوم بدر سبعين، قتل منهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه سبعة وعشرين. وكان الأسرى أيضا سبعين، ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله، فجمعوا الأسارى وقرنوهم في الحبال، وساقوهم على أقدامهم. وقتل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعة رجال، منهم سعد بن خيثمة، وكان من النقباء من الأوس.

وعن محمّد بن إسحاق: استشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا، أربعة من قريش وسبعة من الأنصار، وقيل: ثمانية. وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلا.

وعن ابن عبّاس قال: لـمّا أمسى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر والناس محبوسون بالوثاق بات ساهرا أوّل الليل، فقال له أصحابه: مالك لا تنام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: سمعت أنين عمّي العبّاس في وثاقه. فأطلقوه فسكت، فنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


وفي كتاب عليّ بن إبراهيم(١) : لـمّا قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط خافت الأنصار أن يقتل الأسارى، فقالوا: يا رسول الله قتلنا سبعين منهم وهم قومك وأسرتك، فخذ من هؤلاء الفداء، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش.

وروي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر كره أخذ الفداء، حتّى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال: يا رسول الله هذا أوّل حرب لقينا فيه المشركين، والإثخان في القتل أحبّ من استبقاء الرجال.

وكذا قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك، فقدّمهم واضرب أعناقهم، ومكّن عليّا من عقيل فيضرب عنقه، ومكّنّي من فلان أضرب عنقه، فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر. وقال أبو بكر: أهلك وقومك ؛ استبقهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوّة على الكفّار.

وأيضا في كتاب عليّ بن إبراهيم(٢) : كان أكثر الفداء أربعة آلاف درهم، وأقلّه ألف درهم. فبعثت قريش بالفداء أوّلا فأوّلا، فبعثت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فداء زوجها أبي العاص بن الربيع، وبعثت قلائد لها كانت خديجة جهّزتها بها، وكان أبو العاص ابن أخت خديجة، فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك القلائد قال: رحم الله خديجة هذه قلائد هي جهّزتها بها، فأطلقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشرط أن يبعث إليه زينب، ولا يمنعها من اللحوق به، فعاهده على ذلك ووفى له.

وكان أكثر الفداء أربعة آلاف درهم، وأقلّه ألف درهم.

ثمّ نزلت:( ما كانَ لِنَبِيٍ ) ما استقام لنبيّ وما صحّ له( أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى )

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ٢٧٠.

(٢) لم نجده في تفسير عليّ بن إبراهيم، والظاهر أنّه من كلام الطبريقدس‌سره ، إذ نقل أولا عن كتاب عليّ بن إبراهيم ثم عقّبه بما في المتن هنا، وحسبه المؤلّفقدس‌سره أنّه من تتمّة المنقول عن تفسير القمّي. راجع مجمع البيان ٤: ٥٥٩.


من المشركين ليفديهم أو يمنّ عليهم. وقرأ البصريّان بالتاء.( حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) يكثر القتل ويبالغ فيه بإشاعته، حتّى يذلّ الكفر ويقلّ حزبه، ويعزّ الإسلام ويستولي أهله، من: أثخنه المرض إذا أثقله. وأصله الثخانة.

( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ) حطامها بأخذكم الفداء. سمّي عرضا لأنّه حدث قليل اللبث. والخطاب للمؤمنين الّذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى.( وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) يريد لكم ثواب الآخرة، أو سبب نيل ثواب الآخرة، من إعزاز دينه وقمع أعدائه.

( وَاللهُ عَزِيزٌ ) يغلّب أولياءه على أعدائه( حَكِيمٌ ) يعلم ما يليق بكلّ حال ويخصّه بها، ولهذا أمر بالإثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيّر بينه وبين المنّ لـمّا تحوّلت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين.

( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ ) أي: حكم فيه( سَبَقَ ) في اللوح بإباحة الغنائم لكم، ومن ذلك الفداء، ورفع التعذيب عن أهل بدر، أو عن قوم لم يصرّح لهم بالنهي عنه، أو عن الخطأ في اجتهادهم لأنّهم نظروا في أنّ استبقاءهم ربّما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم، وأنّ فداءهم يتقوّى به المسلمون على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أنّ قتلهم أعزّ للإسلام، وأهيب لمن وراءهم، وأفلّ لشوكتهم.

( لَمَسَّكُمْ ) لنالكم( فِيما أَخَذْتُمْ ) من الفداء( عَذابٌ عَظِيمٌ ) قال ابن زيد: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد نزول هذه الآية: «لو نزل عذاب من السماء لـما نجا منكم غير عمر وسعد بن معاذ».

وقيل: معناه: لولا كتاب من الله في القرآن أنّه لا يعذّبكم والنبيّ بين أظهركم، حيث قال:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) (١) .

( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ) من الفدية، فإنّها من جملة الغنائم. وقيل: أمسكوا عن

__________________

(١) الأنفال: ٣٣.


الغنائم ولم يمدّوا أيديهم إليها بعد العتاب على الفداء، فنزلت. والفاء للتسبيب، والسبب محذوف، تقديره: أبحت لكم الغنائم فكلوا. وبنحوه تشبّث من زعم أنّ الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة.

( حَلالاً ) حال من المغنوم أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا. وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، ولذلك وصفه بقوله:( طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ ) في مخالفته( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) غفر لكم ذنبكم( رَحِيمٌ ) أباح لكم ما أخذتم.

( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) )

روي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّف العبّاس أن يفدي نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث.

فقال: يا محمّد تركتني أتكفّف(١) قريشا ما بقيت.

فقال: فأين الذهب الّذي دفعته إلى أمّ الفضل وقت خروجك، وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم.

فقال: وما يدريك؟

__________________

(١) تكفّف الناس: مدّ كفّه إليهم يستعطي.


قال: أخبرني به ربّي.

قال: فأشهد أنّك صادق، لا إله إلّا الله وأنّك رسوله، والله لم يطّلع عليه أحد إلّا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، وإذ أخبرتني بذلك فزال ريبي وشكّي في نبوّتك.

فنزلت:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى ) أي: أيديكم قابضة عليهم. وقرأ أبو عمرو: من الأسارى. والقراءة الأولى أولى، لأنّ الأسير فعيل بمعنى المفعول، وذلك يجمع على فعلى، نحو جريح وجرحى. وقيل: وجه القراءة الثانية تشبيهه بكسالى، كما شبّهوا كسلى بأسرى.

( إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ) خلوص عقيدة وصحّة نيّة في الإيمان( يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ) من الفداء إمّا بأن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة. قال العبّاس: فأبدلني الله خيرا من ذلك، لي الآن عشرون عبدا، إن أدناهم ليضرب ـ أي: ليسافر ـ في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم ما أحبّ أن لي بها جميع أموال أهل مكّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربّكم، يعني: الموعود بقوله:( وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

وروي أنّه قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مال البحرين ثمانون ألفا، فتوضّأ لصلاة الظهر، وما صلّى حتّى فرّقه، وأمر العبّاس أن يأخذ منه، فأخذ ما قدر على حمله، وكان يقول: هذا خير ممّا أخذ منّي، وأرجو المغفرة.

( وَإِنْ يُرِيدُوا ) يعني: الأسرى( خِيانَتَكَ ) نقض ما عاهدوك من الإسلام( فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ ) بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين، أو بأن نقضوا الميثاق المأخوذ بالعقل( فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ) أي: فأمكنك منهم كما فعل يوم بدر، وسيمكّنك منهم ثانيا إن خانوك( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بما يقولونه، وبما في نفوسكم، وبجميع الأشياء( حَكِيمٌ ) فيما يفعله.


( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) )

ثمّ ختم الله سبحانه السورة بإيجاب موالاة المؤمنين وقطع موالاة الكافرين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا ) أي: فارقوا أوطانهم حبّا لله تعالى ولرسوله. وهم المهاجرون من مكّة إلى المدينة.( وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ ) فصرفوها في الكراع(١) والسلاح، وأنفقوها على المحاويج( وَأَنْفُسِهِمْ ) بمباشرة القتال( فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ) هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم، ونصروهم على أعدائهم( أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) أي: يتولّى بعضهم بعضا في الميراث. وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب، أو بالمؤاخاة، وهذا مرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام ، ثمّ نسخ بقوله:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (٢) ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ) أي: من

__________________

(١) الكراع: اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير، أو اسم لجماعة الخيل خاصّة.

(٢) الأنفال: ٧٥.


تولّيهم في الميراث. وقرأ حمزة: ولايتهم بالكسر. قال الزجّاج: هي بفتح الواو من النصرة والنسب، وبالكسر هي بمنزلة الإمارة. ووجه الكسر أنّه شبّه تولّي بعضهم بعضا بالصناعة والعمل، لأنّ كلّ ما كان من هذا الجنس مكسور، كالصياغة والكتابة، فكأنّ الرجل بتولّيه صاحبه يباشر أمرا ويزاول عملا.

( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ ) أي: وإن طلب المؤمنون الّذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفّار( فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين( إِلَّا عَلى قَوْمٍ ) من المشركين( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) عهد، فلا يجوز لكم نصرهم عليهم، لأنّهم لا يبتدؤن بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) في الميراث أو المؤازرة. وهو بمفهومه يدلّ على نهي المسلمين عن موالاة الكفّار ومعاونتهم، وإن كانوا أقارب( إِلَّا تَفْعَلُوهُ ) أي: إلّا تفعلوا ما أمرتم به من تواصل المسلمين وتولّي بعضهم بعضا حتّى في التوارث، وقطع العلائق بينكم وبين الكفّار، وجعل قرابتهم كلا قرابة في التوارث( تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ ) تحصل فتنة عظيمة فيها، وهي ضعف الايمان وظهور الكفر( وَفَسادٌ كَبِيرٌ ) في الدين.

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) )


ولـمّا قسّم المؤمنين ثلاثة أقسام، بيّن أنّ الكاملين في الايمان منهم هم الّذين حقّقوا إيمانهم، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) . ثمّ وعد لهم الموعد الكريم بقوله:( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) لا تبعة ولا منّة فيه، وذلك لأنّهم حقّقوا إيمانهم بالهجرة والنصرة، والانسلاخ من الأهل والمال لأجل الدين. وليس بتكرار، لأنّ هذه الآية واردة للثناء عليهم والشهادة لهم مع الموعد الكريم، والآية الأولى للأمر بالتواصل.

ثمّ ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتّسم بسمتهم، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ ) من بعد فتح مكّة. وقيل: من بعد إيمانكم.( وَهاجَرُوا ) بعد هجرتكم( وَجاهَدُوا ) في الجهاد وبذل الأموال فيه( مَعَكُمْ ) أيّها المؤمنون. يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله:( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ) (١) فألحقهم الله بهم تفضّلا منه وترغيبا، فقال:( فَأُولئِكَ مِنْكُمْ ) أي: من جملتكم أيّها المهاجرون والأنصار، وحكمهم كحكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخّر إيمانهم وهجرتهم.

( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) وأولوا القرابات( بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) في حكمه، أو في اللوح، أو في القرآن. وهذا نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة كما مرّ آنفا. وفيه دلالة على أن من كان أقرب إلى الميّت في النسب كان أولى بالميراث.

( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) من المواريث والحكمة، في إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أوّلا، واعتبار القربة ثانيا.

__________________

(١) الحشر: ١٠.



(٩)

سورة التوبة

( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) )

مدنيّة، وآياتها مائة وتسع وعشرون.

ولها أربعة(١) عشر اسما :

البراءة، لأنّها مفتّحة بها، ونزلت بإظهار البراءة من الكفّار.

والتوبة، لكثرة ما فيها من ذكر التوبة، كقوله تعالى:( وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) (٢) ( فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) (٣) .

والفاضحة، لأنّها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم.

__________________

(١) ذكر الشارحقدس‌سره ثلاثة عشر اسما فقط، وسقط الرابع عشر من قلمه، وهو ـ كما في تفسير البيضاوي ٣: ٥٨ ـ المخزية، لـما فيها مما يخزي المنافقين.

(٢) التوبة: ١٥ و ٧٤ و ١١٨.

(٣) التوبة: ١٥ و ٧٤ و ١١٨.


والمبعثرة، لأنّها تبعثر عن أسرار المنافقين، أي: تبحث عنها.

والمنقّرة لذلك، لأنّ التنقير بمعنى البحث والتفتيش.

والمقشقشة، لأنّها تبرئ من آمن بها من النفاق والشرك، لـما فيها من الدعاء إلى الإخلاص. يقال: قشقشه إذا برّأه، وتقشقش المريض من علّته إذا برىء منها وأفاق.

والبحوث، لأنّها تتضمّن ذكر المنافقين والبحث عن سرائرهم.

والمدمدمة، أي: المهلكة، ومنه قوله:( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) (١) .

والحافرة، لأنّها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسرّونه.

والمثيرة، لأنّها أثارت مخازيهم ومقابحهم.

والمنكّلة، لأنّها تنكّلهم.

والمشرّدة، إذ تشرّدهم.

وسورة العذاب، لأنّها نزلت بعذابهم.

وإنّما تركت التسمية فيها، لأنّها نزلت لرفع الأمان، وبسم الله أمان، كما ورد عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم راس سورة براءة، لرفع الأمان وللسيف».

وهذا منقول عن سفيان بن عيينة. واختاره أبو العبّاس المبرّد.

وقيل: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا نزلت عليه سورة أو آية بيّن موضعهما، وتوفّي ولم يبيّن موضعها.

وكانت قصّتها تشابه قصّة الأنفال وتناسبها، لأنّ في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذها، فضمّت إليها، ولهذا سمّيتا قرينتين، وتعدّان السابعة من السبع الطوال.

وقيل: لـمّا اختلفت الصحابة في أنّهما سورة واحدة ـ وهي سابعة السبع

__________________

(١) الشمس: ١٤.


الطوال ـ أو سورتان تركت بينهما فرجة، ولم يكتب «بسم الله» لقول من قال: هما سورة واحدة.

ويؤيّد الأوّل ما روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «الأنفال وبراءة واحدة».

وروي ذلك عن سعيد بن المسيّب، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له».

الخبر بتمامه مضى ذكره في صدر سورة الأنفال(١) .

وروى الثعلبي بإسناده عن عائشة، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «ما نزل عليّ القرآن إلّا آية آية وحرفا حرفا، خلا سورة البراءة وقل هو الله أحد، فإنّهما نزلتا ومعهما سبعون ألف صفّ من الملائكة».

وعلى قول من قال إنّهما سورتان قيل: ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الأنفال بإيجاب البراءة من الكفّار، افتتح هذه السورة بأنّه تعالى ورسوله بريئان منهم، كما أمر المسلمين بالبراءة منهم في سورة الأنفال، فقال:( بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ) أي: هذه براءة. و «من» ابتدائيّة متعلّقة بمحذوف تقديره: واصلة من الله( وَرَسُولِهِ ) أي: انقطاع منهما للعصمة، ورفع الأمان، وخروج من العهود. ويجوز أن تكون براءة مبتدأ، لتخصّصها بصفتها، والخبر قوله:( إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) كما تقول: رجل من قريش في الدار. والمعنى: أنّ الله ورسوله برئا من العهد الّذي عاهدتم به المشركين.

وإنّما علّقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين، للدلالة على أنّه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم، وإن كانت صادرة بإذن الله واتّفاق الرسول، فإنّهما برئا الآن منها. وذلك أنّهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلّا أناسا، منهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين، وأمهل المشركين أربعة أشهر

__________________

(١) راجع ص: ٥.


ليسيروا أين شاؤا، فقال خطابا للمشركين:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) شوّال وذي القعدة وذي الحجّة والمحرّم، آمنين أين شئتم، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها.

وقيل: إنّ براءة نزلت في شوّال سنة تسع من الهجرة، وفتح مكّة سنة ثمان.

وقيل: كان ابتداؤها من النحر إلى العاشر من ربيع الآخر، لأنّ التبليغ كان يوم النحر.

وهو الأصحّ، لأنّه مرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وقال ابن عبّاس: إنّما أجّلهم الأشهر الأربعة من شوّال إلى آخر المحرّم، لأنّ هذه الآية نزلت في شوّال.

قال في الكشّاف: «كان نزول براءة سنة تسع من الهجرة، وفتح مكّة سنة ثمان، وكان الأمير عتّاب بن أسيد، فأمّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر على موسم الحجّ سنة تسع، ثمّ أتبعه عليّاعليه‌السلام راكبا العضباء ـ وهي ناقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ ليقرأها على أهل الموسم. فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر. فقال: لا يؤدّي عنّي إلّا رجل منّي. فلمّا دنا عليٌّعليه‌السلام سمع أبو بكر الرغاء فوقف، فقال: هذا رغاء ناقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلمّا لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور.

وروي: أنّ أبا بكر لـمّا كان ببعض الطريق هبط جبرئيل، فقال: يا محمّد لا يبلّغ رسالتك إلّا رجل منك، فأرسل عليّاعليه‌السلام . فرجع أبو بكر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟ قال: نعم، فسر وأنت على الموسم، وعليّ ينادي بالآي. فلمّا كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدّثهم عن مناسكهم. وقام عليّ يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيّها الناس إنّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليكم. فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. وعن مجاهد ثلاث عشرة آية. ثمّ قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك. ولا يطوف بالبيت عريان. ولا يدخل الجنّة إلّا كلّ نفس مؤمنة. وأن يتمّ كلّ


ذي عهد عهده. فقالوا عند ذلك: يا عليّ أبلغ ابن عمّك أنّا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وأنّه ليس بيننا وبينه عهد إلّا طعن بالرماح وضرب بالسيوف»(١) انتهى كلامه.

وقال في المجمع: «روى عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن الباقرعليه‌السلام قال: خطب عليّعليه‌السلام الناس يوم النحر، واخترط سيفه فقال: لا يطوفنّ بالبيت عريان، ولا يحجّنّ بالبيت مشرك، ومن كانت له مدّة فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له مدّة فمدّته أربعة أشهر، وقرأ عليهم سورة براءة»(٢) .

وقيل: إنّه أخذها من أبي بكر قبل الخروج ودفعها إلى عليّعليه‌السلام ، وقال: لا يبلّغ عنّي إلّا أنا أو رجل منّي.

وروى أصحابنا: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولّاه ايضا الموسم، وأنّه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سماك بن حرب، عن أنس بن مالك: «أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكّة، فلمّا بلغ ذا الحليفة بعث إليه فردّه، وقال: لا يذهب بهذا إلّا رجل من أهل بيتي، فبعث عليّاعليه‌السلام »(٣) .

وتحريم القتال في الأشهر الحرم قد نسخ، وأبيح قتال المشركين فيها بعد ذلك.

( وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) لا تفوتونه وإن أمهلكم( وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ) أي: مذلّهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب الأليم.

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٢٤٣ ـ ٢٤٤.

(٢) مجمع البيان ٥: ٣ ـ ٤.

(٣) شواهد التنزيل ١: ٣٠٥ ح ٣٠٩.


( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) )

ولـمّا أخبر بثبوت البراءة أخبر بعد ذلك بوجوب الإعلام بما ثبت، فقال:( وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ) أي: إعلام منهما إليهم. فعال بمعنى الإفعال، أي: الإيذان، كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء. والمراد من الناس الناكثون، أو جميع الناس من عاهد منهم ومن لم يعاهد. ورفعه كرفع براءة بعينه على الوجهين، فالجملة معطوفة على مثلها.

( يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) قيل: يوم النحر، لأنّ فيه تمام الحجّ ومعظم أفعاله، ولأنّ الإعلام كان فيه، ولما روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجّة الوداع، فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر.

وروي أنّ عليّاعليه‌السلام أخذ رجل بلجام دابّته فقال: ما الحجّ الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خلّ عن دابّتي. وقيل: يوم عرفة، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحجّ عرفة».

ووصف بالحجّ الأكبر لأنّ العمرة تسمّى الحجّ الأصغر. أو لأنّ المراد بالحجّ ما يقع في ذلك اليوم من أعماله، فإنّه أكبر من باقي الأعمال. أو لأنّ ذلك الحجّ اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، ولم يتّفق ذلك


قبله ولا بعده، فعظم في قلب كلّ مؤمن وكافر، وظهر فيه عزّ المسلمين وذلّ المشركين.

( أَنَّ اللهَ ) أي: بأنّ الله، حذف الباء تخفيفا.( بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي: من عهودهم( وَرَسُولِهِ ) عطف على الضمير المستكن في «بريء»( فَإِنْ تُبْتُمْ ) من الكفر والغدر( فَهُوَ ) فالتوب( خَيْرٌ لَكُمْ ) من الإقامة عليهما، لأنّكم تنجون به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة( وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) عن التوبة، أو تبتم على التولّي والإعراض عن الإسلام والوفاء( فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ ) غير سابقين الله هربا، ولا فائتين أخذه وعقابه. وفي هذا إعلام بأنّ الإمهال ليس بعجز، بل إنّما هو لإظهار الحجّة والمصلحة.

ثمّ أوعدهم بعذاب الآخرة فقال:( وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) في الآخرة. وذكر البشارة مكان النذارة للتهكّم.

وقوله:( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) استثناء من المشركين أو استدراك، فكأنّه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين: ولكن الّذين عاهدوا منهم( ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) من شروط العهد أصلا ولم ينكثوه، أو لم يقتلوا منكم ولم يضرّوكم قطّ( وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً ) من أعدائكم( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) إلى تمام مدّتهم الّتي وقع العهد إليها، ولا تجروهم مجرى الناكثين، ولا تجعلوا الوفيّ كالغادر( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) تعليل وتنبيه على أنّ إتمام عهدهم من باب التقوى.

والمراد بهم بنو كنانة وبنو ضمرة وأشباههم، فإنّهم قد بقي من أجلهم تسعة أشهر، فأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإتمامها لهم، لأنّهم لم يظاهروا على المؤمنين، ولم ينقضوا عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . أو المراد أهل هجر وأهل البحرين وأيلة ودومة الجندل، فإنّ لهعليه‌السلام عليهم عهودا بالصلح والجزية، ولم ينبذ إليهم بنقض عهد ولا حاربهم بعد، لأنّهم لم ينقضوا العهود، وكانوا أهل ذمّة إلى أن مضى لسبيلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


( فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) )

ثمّ بيّن سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدّة، فقال:( فَإِذَا انْسَلَخَ ) انقضى. وأصل الانسلاح خروج الشيء ممّا لابسه، من سلخ الشاة( الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ) الّتي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها. وقيل: هي رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، ثلاثة سرد، وواحد فرد. وهذا مخلّ بالنظم، لأنّ اللام في الأشهر الحرم إشارة إلى أربعة أشهر في قوله:( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) فصرفه إلى غيرها مخلّ بالنظم، وأيضا مخالف للإجماع.

( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) الناكثين، وضعوا السيف فيهم( حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) من حلّ أو حرم( وَخُذُوهُمْ ) وأسروهم. والأخيذ الأسير.( وَاحْصُرُوهُمْ ) واحبسوهم. أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام. أو امنعوهم من التصرّف في البلاد.( وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ) كلّ ممرّ وطريق ترصدونهم، أي: ضيّقوا المسالك عليهم لئلّا يتبسّطوا في البلاد، فتتمكّنوا من أخذهم. والأمر للتخيير. وانتصابه على


الظرف، كقوله:( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) (١) . وهذا ناسخ لكلّ آية وردت في الصلح والإعراض عنهم.

( فَإِنْ تابُوا ) من الشرك بالإيمان( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ ) تصديقا لتوبتهم وإيمانهم. والمعنى: قبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنّ عصمة الدم لا تقف على إقامة الصلاة وأداء الزكاة، فثبت أنّ المراد به القبول.( فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ) فدعوهم ولا تتعرّضوا لهم بشيء من ذلك، أو دعوهم يحجّوا ويدخلوا المسجد الحرام. وفيه دليل على أنّ تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلّى سبيله( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تعليل للأمر، أي: فخلّوهم، لأنّ الله غفور رحيم، غفر لهم ما قد سلف من كفرهم وغدرهم، ووعد لهم الثواب بالتوبة.

( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) المأمور بالتعرّض لهم( اسْتَجارَكَ ) استأمنك وطلب منك جوارك. و «أحد» رفع بفعل يفسّره ما بعده، لا بالابتداء، لأنّ «إن» من عوامل الفعل لا تدخل على غيره. فتقدير الكلام: وإن استجارك أحد( فَأَجِرْهُ ) فأمّنه( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ) ويتدبّره، ويطّلع على حقيقة الأمر( ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) موضع أمنه بعد ذلك ـ يعني: داره الّتي يأمن فيها ـ إن لم يسلم، ثمّ قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة. وهذا الحكم ثابت في كلّ وقت. وعن الحسن: هي محكمة إلى يوم القيامة. وإنّما خصّ كلام الله لأنّ معظم الأدلّة فيه.

( ذلِكَ ) الأمن أو الأمر بالاجارة( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) بسبب أنّهم قوم جهلة لا يعلمون ما الايمان، وما حقيقة ما تدعوهم إليه؟ فلا بدّ من أمانهم ريثما يسمعون ويتدبّرون.

وعن سعيد بن جبير: «جاء رجل من المشركين إلى عليّعليه‌السلام فقال: إن أراد الرجل منّا أن يأتي محمّدا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة

__________________

(١) الأعراف: ١٦.


قتل؟ قال: لا، لأنّ الله يقول:( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ) الآية».

وعن السدّي والضحّاك: هي منسوخة بقوله تعالى:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (١) .

( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) )

ولـمّا أمر سبحانه بنبذ العهود إلى المشركين، بيّن أنّ العلّة في ذلك ما ظهر منهم من الغدر، وأمر بإتمام العهد لمن استقام على الأمر، فقال :

__________________

(١) التوبة: ٥.


( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ) استفهام بمعنى الإنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع وغرة(١) صدورهم وغدرهم، أو لأن يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه. وخبر «يكون»: «كيف»، وقدّم للاستفهام، أو «للمشركين» أو «عند الله». وهو على الأوّلين صفة للعهد، أو ظرف له، أو لقوله: «يكون». و «كيف» على الأخيرين حال من العهد. وقوله: «للمشركين» إن لم يكن خبرا فتبيين.

( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) هم المستثنون قبل من بني كنانة وبني ضمرة ونظرائهم. ومحلّه النصب على الاستثناء، أو الجرّ على البدل، أو الرفع على أنّ الاستثناء منقطع، أي: ولكنّ الّذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام.

( فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) ما تحتمل الشرطيّة والمصدريّة، أي: فتربّصوا أمرهم فلا تقاتلوهم، فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء. أو ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة فكونوا معهم كذلك. وهذا كقوله:( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ) (٢) غير أنّه مطلق وهذا مقيّد.( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) للنكث والغدر، فإنّ التربّص بهم من أعمال المتّقين.

( كَيْفَ ) تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد، أو بقاء حكمه، مع التنبيه على العلّة. وحذف الفعل للعلم به، أي: كيف يكون لهم عهد؟( وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) أي: وحالهم أنّهم إن يظفروا بكم بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق( لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ ) لا يراعوا ولا يحفظوا( إِلًّا ) حلفا. وقيل: قرابة. وقيل: ربوبيّة. ولعلّه اشتقّ للحلف من الألّ، وهو الجؤار(٣) . يقال: له أليل، أي: أنين يرفع به صوته، لأنّهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم، ثم استعير للقرابة، لأنّها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف، ثمّ للربوبيّة والتربية. وقيل: اشتقاقه من: ألّل الشيء إذا حدّده، أو من: ألّ

__________________

(١) الوغر: الحقد والعداوة والضغن، ووغرة الصدر: شدّة غيظه.

(٢) التوبة: ٤.

(٣) جأر يجأر جؤارا إلى الله: رفع صوته بالدعاء.


البرق إذا لمع.( وَلا ذِمَّةً ) عهدا أو حقّا يعاب على إغفاله وإهماله.

وقوله:( يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) كلام مستأنف في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرّر لاستبعاد الثبات منهم على العهد، وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لـما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل، وهذه المخالفة موجبة لعدم مراقبتهم عند الظفر. والمعنى: يتكلّمون بكلام الموالين لترضوا عنهم( وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ ) ما تتفوّه به أفواههم، للعداوة والغدر ونقض العهد.

( وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) متمرّدون في الكفر والشرك، لأنّه لا عقيدة لهم تمنعهم، ولا مروءة تردعهم، وهم رؤساء الكفرة. أو خارجون عن طريق الوفاء بالعهد. وتخصيص الأكثر لـما في بعض الكفرة من التباعد عن الغدر، والتعفّف عمّا يجرّ إلى أحدوثة السوء. ولا يجوز جعل هذه الجملة الفعليّة حالا من فاعل «لا يرقبوا»، فإنّهم بعد ظهورهم لا يرضون.

( اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ) استبدلوا بالقرآن والإسلام( ثَمَناً قَلِيلاً ) عرضا يسيرا، وهو اتّباع الأهواء والشهوات( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) فعدلوا عن دينه الموصل إلى رحمته، وصرفوا غيرهم عنه، أو سبيل بيته بحصر الحجّاج والعمّار. والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أدّاهم إلى الصدّ.

( إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) بئس العمل عملهم هذا، أو ما دلّ عليه قوله:( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ) فهو تفسير لا تكرير. وقيل: الأوّل عامّ في الناقضين، وهذا خاصّ بالّذين اشتروا، وهم اليهود أو الأعراب الّذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم.( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة.

( فَإِنْ تابُوا ) عن الكفر والصدّ ونقض العهد( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ ) فهم إخوانكم( فِي الدِّينِ ) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم( وَنُفَصِّلُ الْآياتِ ) ونبيّنها( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) اعتراض للحثّ على تأمّل ما فصّل من أحكام المعاهدين أو خصال التائبين، فكأنّه قيل: ومن تأمّل تفصيلها فهو العالم.


( وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) وإن نقضوا ما بايعوا عليه من الأيمان أو الوفاء بالعهود( مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) من بعد أن عقدوها( وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام( فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) أي: فقاتلوهم. فوضع أئمّة الكفر موضع الضمير، للدلالة على أنّهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدّم في الكفر والضلالة، أحقّاء بالقتل. وقيل: المراد بالأئمّة رؤساء المشركين. فالتخصيص إمّا لأنّ قتلهم أهمّ، وهم أحقّ به، أو للمنع من مراقبتهم.

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: أئمّة، بتسهيل(١) الثانية بلا فصل بينهما.

وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وروح عن يعقوب: أئمّة، بتحقيق الهمزتين على الأصل. والتصريح بالياء لحن.

وعن حذيفة: لم يأت أهل هذه الآية بعد. وقرأ عليّعليه‌السلام الآية يوم الجمل، ثمّ قال: «والله لقد عهد إليّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال لي: يا علي لتقاتلنّ الفئة الناكثة، والفئة الباغية، والفئة المارقة».

( إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ ) ، أي: لا عهود لهم على الحقيقة ـ يعني: لا يحفظونها ـ وإلّا لـما طعنوا ولم ينكثوا، فلا تعطوهم الأمان بعد النكث والردّة. وفيه دليل على أنّ الذمّي إذا طعن في الإسلام فقد نكث عهده. وقرأ ابن عامر: لا إيمان، بمعنى: لا أمان أو لا إسلام.

وعلى القراءة الأولى استشهد الحنفي على أنّ يمين الكافر ليس يمينا. وهو ضعيف، لأنّ المراد نفي الوثوق عليها، لا أنّها ليست بأيمان.

وعلى الثانية تشبّث بها من لم يقبل توبة المرتدّ. وهو أيضا ضعيف، لجواز أن يكون بمعنى: لا يؤمنون، على أنّ الإخبار عن قوم معيّنين، إذ ليس لهم إيمان فيراقبوا لأجله.

__________________

(١) أي: تلفّظ الهمزة الثانية بين بين، أي: بين مخرج الهمزة والياء.


وقوله:( لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) متعلّق بـ «قاتلوا» أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عمّا هم عليه، لا إيصال الأذيّة بهم كما هو طريقة المؤذين. وهذا من غاية كرمه العميم وفضله الجسيم، جلّ كرمه وعظم فضله.

( أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) )

ثمّ حرّض المؤمنين على القتال، فقال:( أَلا تُقاتِلُونَ ) دخول الهمزة على «لا» للإنكار، فأفادت المبالغة في الفعل والتحريض فيه، أي: هلّا تقاتلون( قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) الّتي حلفوها مع الرسول والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة( وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ) حين تشاوروا في أمره بدار الندوة، فأذن الله له في الهجرة، فخرج بنفسه، على ما مرّ ذكره في قوله:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١) . وقيل: هم اليهود نكثوا عهد رسول الله، وهمّوا بإخراجه من المدينة.

( وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) بالمعاداة والمقاتلة، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدأهم بالدعوة وإلزام الحجّة بالكتاب والتحدّي به، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة، والبادي أظلم، فما يمنعكم أن تقابلوهم وتقاتلوهم؟( أَتَخْشَوْنَهُمْ ) الهمزة للتوبيخ الّذي يتضمّن التشجيع، أي: أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم؟( فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ) فقاتلوا أعداءه ولا تتركوا أمره( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فإنّ قضيّة الايمان أن لا يخشى المؤمن إلّا ربّه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله:( وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ ) (٢) .

__________________

(١) راجع ص: ٣٣ ذيل الآية ٣٠ من سورة الأنفال.

(٢) الأحزاب: ٣٩.


( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) )

ثمّ أمرهم بالقتال بعد بيان موجبه، والتوبيخ على تركه، والتوعيد عليه، فقال:( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ) قتلا( وَيُخْزِهِمْ ) أسرا( وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) غلبة. هذا وعد للمؤمنين إن قاتلوهم بالنصر عليهم، والتمكّن من قتلهم وإذلالهم، ليثبّت قلوبهم ويصحّح نيّاتهم( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) طائفة منهم، يعني: بني خزاعة. وعن ابن عبّاس: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكّة وأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، فشكوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: أبشروا فإنّ الفرج قريب.

( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ) لـما لقوا منهم من المكروه، وقد أوفى الله تعالى بما وعدهم به. والآية من المعجزات.( وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) استئناف كلام. وفيه إخبار بأنّ بعضهم سيتوب عن كفره. وقد كان ذلك أيضا، فإنّ كثيرا منهم قد أسلموا وحسن إسلامهم.( وَاللهُ عَلِيمٌ ) يعلم ما سيكون كما يعلم ما كان( حَكِيمٌ ) لا يفعل ولا يحكم إلّا على وفق الحكمة والمصلحة.

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦) )

ثمّ نبّه سبحانه على جلالة موقع الجهاد، فقال خطابا للمؤمنين حين كره


بعضهم القتال:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ) أم منقطعة. ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على الحسبان. والمعنى: لا تظنّوا أنّكم تتركون على ما أنتم عليه( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) والحال أنّه لم يبيّن الله ولم يميّز الخلّص منكم، وهم المجاهدون في سبيل الله لوجه الله. نفى العلم وأراد نفي المعلوم للمبالغة، فإنّه كالبرهان عليه، من حيث إنّ تعلّق العلم به مستلزم لوقوعه، كما يقال: ما علم الله ما قيل في فلان، أي: ما وجد ذلك. و «لمّا» معناها التوقّع، فدلّت على أنّ تميّز ذلك وإيضاحه متوقّع كائن.

( وَلَمْ يَتَّخِذُوا ) عطف على «جاهدوا» داخل في الصلة( مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ) هو الّذي يعرّفه الرجل أسراره ثقة به. شبّه ببطانة الثوب، كما شبّه بالشعار. فعيلة من: ولج، كالدخيلة من: دخل. يعني: بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم.( وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) يعلم أعمالكم فيجازيكم عليها. وهو كالمزيح لـما يتوهّم من ظاهر قوله:( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ) .

( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) )

ولـمّا أمر الله تعالى بقتال المشركين، وقطع العصمة والموالاة عنهم، أمر بمنعهم عن المساجد، فقال:( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ) ما صحّ لهم وما استقام( أَنْ


يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ ) شيئا من المساجد، فضلا عن المسجد الحرام الّذي هو صدرها ومقدّمها. وقيل: هو المراد، وإنّما جمع لأنّه قبلة المساجد كلّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، أو لأنّ كلّ موضع منه مسجد. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد.

( شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) حال من الواو في «يعمروا». ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر: ظهور كفرهم وتكذيبهم الرسول، وأنّهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون حول البيت عراة، وكلّما طافوا بها شوطا سجدوا لها.

وقيل: هو قولهم: لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك، تملكه وما ملك.

والمعنى: ما استقام أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة بيت الله تعالى، وعبادة غيره.

روي أنّ المهاجرين والأنصار عيّروا أسارى بدر، ووبّخ عليّعليه‌السلام العبّاس حين أسر بقتال رسول الله وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول. فقال العبّاس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا. فقالوا: ألكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرا، إنّا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكّ العاني. فنزلت:( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) الّتي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك، لأنهم أوقعوها على الوجه الّذي لا يستحقّ لأجله الثواب عليها عند الله.( وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ) مقيمون مؤبّدون لأجله.

( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ ) بحدودها المعتبرة في شرع الإسلام( وَآتَى الزَّكاةَ ) إن وجب عليه إلى مستحقّها. والمعنى: إنّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميّة والعمليّة، لا لغيرهم. ومن عمارتها: رمّ ما استهدم منها، وكنسها وتنظيفها، وتزيينها بالفرش، وتنويرها


بالسرج، وزيارتها للعبادة، وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم، وصيانتها ممّا لم تبن له، كحديث الدنيا.

وفي الحديث: يأتي في آخر الزمان ناس من أمّتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحبّ الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة.

وروي أيضا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش».

وقال أيضاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «قال الله تعالى: إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زوّاري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثمّ زارني في بيتي، فحقّ على المزور أن يكرم زائره».

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من ألف المسجد ألفه الله».

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان».

وعنه أيضا برواية أنس: «من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوءه».

وإنّما لم يذكر الإيمان بالرسول لـما علم أنّ الايمان بالله قرينه، وتمامه الإيمان به، ولدلالة قوله:( وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ) عليه.

( وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ ) أي: في أبواب الدين، فإنّ الخشية عن المحاذير جليّة لا يكاد الرجل يتمالك عنها. قيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم.( فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) ذكره بصيغة التوقّع قطعا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخا لهم بالقطع بأنّهم مهتدون، فإنّ هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرا بين عسى ولعلّ فما ظنّك بأضدادهم؟ ومنعا للمؤمنين أن يغترّوا بأحوالهم ويتّكلوا عليها.


( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) )

روي عن الحسن والشعبي ومحمّد بن كعب القرظي: أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام والعبّاس بن عبد المطّلب وطلحة بن شيبة افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، وبيدي مفتاحه، ولو أشاء بتّ فيه. وقال العبّاس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها. وقال عليّعليه‌السلام : ما أدري ما تقولان، لقد صلّيت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فنزلت:( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) .

السقاية والعمارة مصدران من: سقى وعمر، فلا يشبّهان بالجثث، بل لا بدّ من إضمار، تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاجّ كمن آمن؟ أو أجعلتم سقاية الحاجّ كإيمان من آمن؟ ويؤيّد الأوّل قراءة من قرأ: سقاة الحاجّ وعمرة المسجد الحرام.

ومعنى الهمزة إنكار أن يشبّه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة.

ثمّ قرّر ذلك بقوله:( لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ ) وبيّن عدم تساويهم بقوله:( وَاللهُ


لا يَهْدِي ) إلى طريق الثواب( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي: الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، منهمكون في الضلالة، فكيف يساوون الّذين هداهم الله ووفّقهم للحقّ والصواب؟! وقيل: المراد بالظالمين الّذين يسوّون بينهم وبين المؤمنين.

عن ابن سيرين: أنّ عليّاعليه‌السلام قال للعبّاس: يا عمّ ألا تهاجر، ألا تلحق برسول الله؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة: أعمر المسجد الحرام، وأسقي حاجّ بيت الله؟ فنزلت.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن بريدة، عن أبيه قال: «بينا شيبة والعبّاس يتفاخران إذ مرّ بهما عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال: بماذا تتفاخران؟

فقال العبّاس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد، سقاية الحاجّ.

وقال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام.

فقال عليّعليه‌السلام : استحييت لكما، فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا.

فقالا: وما أوتيت يا عليّ؟

قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتّى آمنتما بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقام العبّاس مغضبا يجرّ ذيله حتّى دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال: أما ترى إلى ما يستقبلني عليّ؟

فقال: ادعوا عليّا. فدعي له، فقال: ما حملك على ما استقبلت به عمّك؟

فقال: يا رسول الله صدمته بالحقّ، فمن شاء فليغضب ومن شاء فليرض.

فنزل جبرئيل وقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرأ عليك السلام ويقول: اتل عمّك:( أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ ) الآيات.

فقال العبّاس: قد رضينا، ثلاث مرّات»(١) .

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٣٢٨ ح ٣٣٨.


( الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ ) أعلى رتبة وأكثر كرامة ممّن لم يستجمع هذه الصفات، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم( وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) المختصّون بالفوز بالثواب ونيل الحسنى عند الله دونكم.

( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها ) في الجنّات( نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) دائم لا يزول. وقرأ حمزة: يبشرهم بالتخفيف. وتنكير المبشّر به من الرحمة والرضوان والنعيم المقيم، إشعار بأنّها وراء صفة الواصف وتعريف المعرّف.

( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) أكّد الخلود بالتأبيد، لأنّه قد يستعمل للمكث الطويل( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله، أو نعم الدنيا.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) )

روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام أنها نزلت في ابن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش بخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا أراد فتح مكّة، فنهاه الله تعالى وسائر المؤمنين عن موالاة الكفّار وإن كانوا في النسب الأقربين، بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ ) إن اختاروه


وحرّضوا غيرهم عليه.

وقيل: نزلت نهيا عن موالاة التسعة الّذين ارتدّوا ولحقوا بمكّة. والمعنى: لا تتّخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان ويصدّونكم عن الطاعة.

وقيل: نزلت في المهاجرين، فإنّهم لـمّا أمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجاراتنا، وبقينا ضائعين.

وروي: أنّ من المهاجرين من تعلّقت به زوجته، ومنهم من تعلّق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة، فيتركونها لأجهلهم. فبهذه الآية بيّن سبحانه أنّ أمر الدين مقدّم على النسب، وإذا وجب قطع قرابة الوالدين والولد فالأجنبيّ أولى. وبعد نزولها هاجروا، فجعل الرجل يأتيه أبوه وابنه وأخوه أو بعض أقربائه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه، وبعد ذلك رخّص لهم في الإنفاق.

ثمّ قال تأكيدا لهذا النهي بقوله:( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ) فترك طاعة الله لأجلهم، أو اطّلعهم على أسرار المسلمين( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) بوضعهم الموالاة في غير محلّها. وفي الحديث: «لا يجد أحد طعم الإيمان حتّى يحبّ في الله ويبغض في الله، وحتّى يحبّ في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه».

( قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ ) أقرباؤكم.

مأخوذ من العشرة. وقيل: من العشيرة، فإنّ العشيرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة. وقرأ أبو بكر: عشيراتكم.( وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ) اكتسبتموها واقتطعتموها وجمعتموها( وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ) تخافون أنّها تكسد إذا اشتغلتم بطاعة الله تعالى والجهاد( وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ) اخترتموها لأنفسكم، ويعجبكم المقام فيها( أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) من طاعتهما( وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ) الحبّ الاختياري دون الطبيعي، فإنّه لا يدخل تحت التكليف في التحفّظ عنه( فَتَرَبَّصُوا ) فانتظروا( حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) جواب الشرط متضمّن للوعيد. والأمر بمعنى العقوبة


العاجلة أو الآجلة. وقيل: فتح مكّة.( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) لا يرشدهم، بل يخلّيهم لعنادهم.

وفي الآية تشديد عظيم، فإنّ فيها تكليف المؤمن أن يتجرّد من الآباء والأبناء والعشائر وجميع حظوظ الدنيا لأجل الدين، وقلّ من يتخلّص منه. أللَّهمّ وفّقنا لـما يوافق رضاك، حتى نحبّ فيك الأبعدين، ونبغض فيك الأقربين.

( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) )

ولـمّا تقدّم أمر المؤمنين بالقتال، ذكّرهم بعده ما أتاهم من النصرة حالا بعد حال، فقال:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ) يعني: مواطن الحرب، وهي مواقعها ومواقفها. وروي عن الصادقينعليهم‌السلام أنّهم قالوا: أنّها كانت ثمانين موطنا.

وروي أنّ المتوكّل اشتكى في مرضه شكاية شديدة، فنذر أن يتصدّق بمال كثير إن شفاه الله، فلمّا عوفي سأل العلماء عن حدّ المال الكثير، فاختلفت أقوالهم، فأشير عليه أن يسأل أبا الحسن عليّ بن محمد بن عليّ بن موسىعليه‌السلام ، وقد كان حبسه في داره، فأمر أن يكتب إليه، فكتب: يتصدّق بثمانين درهما. ثمّ سألوه عن العلّة في ذلك، فقرأ هذه الآية، وقال: عدّدنا تلك المواطن فبلغن ثمانين موطنا.


( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ) وموطن يوم حنين. ويجوز أن يقدّر: في أيّام مواطن، أو يفسّر الموطن بالوقت، كمقتل الحسينعليه‌السلام . ولا يمنع إبدال قوله:( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) من «يوم حنين» أن يعطف على موضع «في مواطن» فإنّه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف، حتّى يقتضي كثرتهم وإعجابها إيّاهم في جميع المواطن.

وهذا قول القاضي في تفسيره(١) ، ردّ بذلك قول الزمخشري في الكشّاف حيث قال: «الواجب أن يكون «يوم حنين» منصوبا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أنّ قوله: «إذ أعجبتكم» بدل من «يوم حنين» فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصحّ، لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرا في جميعها، فبقي أن يكون ناصبه فعلا خاصّا به، إلّا إذا نصبت «إذ» بإضمار: اذكر»(٢) .

وحنين واد بين مكّة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين ـ وهم اثنا عشر ألفا، منهم عشرة آلاف حضروا فتح مكّة، وقد انضمّ إليهم ألفان من الطلقاء ـ وبين هوازن وثقيف، وهم أربعة آلاف.

فلمّا التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلّة. فساءت مقالته رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقيل: قائلها أبو بكر. وقد روي عن أصحابنا: أن أبا بكر عانهم، وعليّاعليه‌السلام أعانهم. فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم المسلمون حتّى بلغ فلّهم(٣) مكّة، وبقي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مركزه، وبقي عليّعليه‌السلام ومعه الراية يقاتلهم، والعبّاس بن عبد المطّلب آخذ بلجام بغلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن يمينه، وأبو سفيان بن الحارث بن

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ٦٤.

(٢) الكشّاف ٢: ٢٥٩.

(٣) فلّ القوم: هزمهم، ورجل فلّ وقوم فلّ: منهزم ومنهزمون.


عبد المطّلب عن يساره في تسعة من بني هاشم، وعاشرهم أيمن بن أمّ أيمن.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعبّاس وكان صيّتا: صح بالناس. فنادى: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرّون؟ هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فكرّوا وهم يقولون: لبّيك لبّيك. ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فنظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى قتال المسلمين فقال: الآن حمي الوطيس(١) .

أنا النبيّ لا كذب

أنا ابن عبد المطّلب

ثمّ أخذ كفّا من تراب فرماهم به، ثمّ قال: انهزموا وربّ الكعبة، فانهزموا ونزل النصر من عند الله، وانهزمت هوازن، كما حكى الله تعالى ذلك بقوله:( فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ ) أي: الكثرة( شَيْئاً ) من الإغناء، أو من أمر العدوّ( وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) . «ما» مصدريّة، والباء بمعنى «مع»، أي: مع رحبها ـ أي: سعتها ـ لا تجدون فيها مفرّا تطمئنّ إليه نفوسكم من شدّة الرعب، أي: لا تثبتون فيها، كمن لا يسعه مكانه، فكأنّها ضاقت عليكم. والجارّ والمجرور في موضع الحال، أي: ملتبسة برحبها( ثُمَّ وَلَّيْتُمْ ) الكفّار ظهوركم( مُدْبِرِينَ ) منهزمين.

والإدبار الذهاب إلى خلف، خلاف الإقبال.

( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) رحمته الّتي سكنوا بها وآمنوا( عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الّذين انهزموا. وإعادة الجارّ للتنبيه على اختلاف حاليهما. وقيل: هم الّذين ثبتوا مع الرسول ولم يفرّوا.

وروى الحسن بن عليّ بن فضّال عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: «السكينة ريح من الجنّة تخرج منها طيّبة، لها صورة كصورة وجه الإنسان، تكون

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «الوطيس: التنّور، مثل في شدّة الحرّ، فجعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كناية عن شدّة الحرب. منه».


مع الأنبياء». رواه العيّاشي(١) مسندا.

( وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) بأعينكم، يعني: الملائكة. وكانوا خمسة آلاف، أو ثمانية آلاف، أو ستّة عشر ألفا، على اختلاف الأقوال. عن الجبائي: أنّ الملائكة نزلوا يوم حنين بتقوية قلوب المؤمنين وتشجيعهم، ولم يباشروا القتال يومئذ، ولم يقاتلوا إلّا يوم بدر.

( وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالقتل والأسر، وسبي النساء والذراري، وسلب الأموال( وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ) أي: ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا.

( ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ ) منهم بالتوفيق للإسلام( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يتجاوز عنهم ويتفضّل عليهم.

روي: أنّ ناسا منهم جاءوا فبايعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّ الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا، وقد سبي يومئذ ستّة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى.

فقال: إنّ عندي ما ترون، إنّ خير القول أصدقه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم وإمّا أموالكم.

فقالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا.

فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: إنّ هؤلاء جاءوا مسلمين، وإنّا خيّرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يردّه فشأنه، ومن لا فليعطنا، وليكن قرضا علينا حتّى نصيب شيئا فنعطيه مكانه.

فقالوا: رضينا وسلّمنا.

فقال: إنّي لا أدري لعلّ فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢: ٨٤ ح ٣٩.


إلينا. فرفعت إليه العرفاء أنّهم قد رضوا.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) )

ولـمّا تقدّم النهي عن ولاية المشركين، أزال سبحانه ولايتهم عن المسجد الحرام، وحظر عليهم دخوله، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) مصدر، يقال نجس نجسا، وقذر قذرا. ومعناه: ذووا نجس. فجعلوا نجاسة بعينها مبالغة في وصفهم ـ لفرط خبث باطنهم وظاهرهم ـ بها، كقولهم: زيد فسق، فإنّ معهم الشرك الّذي هو رأس النجاسات الّتي يجب الاجتناب عنها، فالاجتناب عنه بطريق أولى، ولأنّهم لا يجتنبون الأحداث والأخباث.

وعن ابن عبّاس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وعن الحسن: من صافح مشركا توضّأ. وعن الصادقينعليهما‌السلام : من صافح الكافر ويده رطبة غسل يده.

وبه قال فقهاؤنا، فإنّ الكفّار بأنواعهم كافر نجس العين، وظاهر الآية يدلّ على ذلك، وبه أيضا روايات متظافرة مرويّة عن أئمّتناعليهم‌السلام .

( فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) لنجاستهم. وإنّما نهى عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم، فلا يحجّوا ولا يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهليّة( بَعْدَ عامِهِمْ هذا ) وهو سنة براءة الّتي نادى فيها عليّعليه‌السلام بالبراءة، وقال: لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك، وهو عام تسع من الهجرة. وقيل: سنة حجّة الوداع. وعندنا أنّهم كما منعوا من المسجد الحرام منعوا من جميع المساجد، لاشتراك العلّة، وهي النجاسة.


وقال قتادة: سمّاهم نجسا لأنّهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضّئون، ولم يجتنبوا عن أنواع النجاسات، فمنعوا من دخول المسجد، كما أنّ الجنب وصاحب النجاسات لا يجوز لهم دخول المسجد.

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كتب: امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى:( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) الآية، للعلّة المشتركة.

( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) فقرا بسبب منع المشركين من الحرم، وانقطاع ما كان لكم في قدومهم عليكم من الارفاق والمكاسب( فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) من عطائه، أو تفضّله على وجه آخر. وقد أنجز الله وعده، بأن أرسل السماء عليهم مدرارا أكثر به خيرهم، ووفّق أهل جدّة وصنعاء وتبالة(١) وجرش فأسلموا وامتاروا(٢) لهم. ثمّ فتح عليهم البلاد والغنائم، وتوجّه إليهم الناس من أقطار الأرض، فحملوا الطعام إلى مكّة، وكان ذلك أعود عليهم( إِنْ شاءَ ) إن أوجبت الحكمة إغناءكم، وكان مصلحة لكم في دينكم.

وفي الأنوار: «قيّده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله، ولينبّه على أنّه متفضّل في ذلك، وأنّ الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام»(٣) .

( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) بأحوالكم( حَكِيمٌ ) فيما يعطي ويمنع على وفق الحكمة والمصلحة.

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «التبالة ـ بفتح التاء، وتخفيف الباء الموحّدة ـ بلدة صغيرة في اليمن. والجرش ـ بضمّ الجيم، وفتح الراء ـ مخلاف من مخاليف اليمن. منه». والمخلاف: الكورة من البلاد ـ وهي: البقعة التي تجتمع فيها المساكن والقرى.

(٢) امتار أي: جمع الطعام والمئونة. والميرة: الطعام الذي يدّخره الإنسان.

(٣) أنوار التنزيل ٣: ٦٥.


( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) )

وعن ابن عبّاس: أنّ الشيطان ألقى في قلوبهم الخوف وقال: من أين تأكلون؟ فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية. ثم بيّن أنّ من الكفّار من يجوز تبقيته بالجزية، فقال:( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ) أي: لا يؤمنون بهما على ما ينبغي، كما بيّنّاه في أوائل(١) سورة البقرة، فإنّ إيمانهم كلا إيمان، ولأنّ اليهود مثنّية والنصارى مثلّثة.

( وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنّة.

وقيل: رسوله هو الّذي يزعمون اتّباعه. والمعنى: أنّهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا.

( وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ ) الثابت الّذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها.

فالمعنى: ولا يعتقدون دين الإسلام الّذي هو الحقّ. يقال: فلان يدين بكذا إذا اتّخذه دينه ومعتقده.

وقوله:( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) بيان لـ «الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ »( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ) ما تقرّر عليهم أن يعطوه. مشتقّ من: جزى دينه إذا قضاه، فإنّها قطعة من المال على أهل الذمّة أن يجزوه، أي: يقضوه( عَنْ يَدٍ ) حال من الضمير، أي: عن يد مواتية غير ممتنعة، بمعنى: منقادين. أو عن يدهم، بمعنى: مسلّمين بأيديهم غير

__________________

(١) راجع ج ١: ٥٩.


باعثين بأيدي غيرهم، ولذلك منع من التوكيل فيه. أو عن غنى، ولذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير. أو عن يد قاهرة عليهم، بمعنى: أذلّاء عاجزين. أو حال من الجزية، بمعنى: نقدا مسلّمة عن يد إلى يد أو عن إنعام عليهم، فإنّ إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة.

( وَهُمْ صاغِرُونَ ) أذلّاء. وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، ويسلّمها وهو قائم والآخذ جالس، وأن يؤخذ بتلبيبه(١) ويقال له: أدّها. وعن ابن عبّاس رضى الله عنه: تؤخذ الجزية من الذمّي وتوجأ(٢) عنقه.

ومفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب. ويؤيّده أنّ عمر لم يكن يأخذ الجزية من المجوس، حتّى شهد عبد الرحمن بن عوف أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذها من مجوس هجر، وأنّه قال: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب، وذلك لأنّ لهم شبهة كتاب، فالحقوا بالكتابيّين. وهذا موافق لمذهب فقهائنا الاماميّة.

وأمّا سائر الكفرة فلا تؤخذ منهم الجزية عندنا وعند الشافعي. وأمّا عند الحنفيّة فتؤخذ منهم إلّا من مشركي العرب. وعند مالك تؤخذ من كلّ كافر إلّا المرتدّ. وبيان كميّة الجزية وسائر ما يتعلّق بها من كيفيّة الأخذ وغيرها مذكور في كتب الفقه.

__________________

(١) لبّبت الرجل تلبيبا، إذا جمعت ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جررته.

(٢) أي: تضرب باليد أو غيرها.


( وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) )( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) )

ثمّ حكى الله سبحانه عن اليهود والنصارى أقوالهم الشنيعة، فقال:( وَقالَتِ الْيَهُودُ ) أي: بعضهم لا كلّهم( عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ) مبتدأ وخبر. وهو اسم أعجميّ، كعازر وعيزار وعزرائيل. ولعجمته وتعريفه امتنع من الصرف. وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب منوّنا على أنّه عربيّ. وإنّما قالوا ذلك لأنّه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصّر من يحفظ التوراة، وهو لـمّا أحياه الله تعالى بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظا، فتعجّبوا من ذلك وقالوا: ما هذا إلّا لأنّه ابن الله. والدليل على أنّ هذا القول كان فيهم أنّ الآية قرئت عليهم فلم يكذّبوا، مع تهالكهم على التكذيب.


وعن ابن عبّاس: جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك.

وقيل: قائله فنحاص. وسبب هذا القول أنّ اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسىعليه‌السلام ، فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض، فأتاه جبرئيل فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم، فحفّظه التوراة، فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرم حرفا، فقالوا: ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام إلّا لأنّه ابنه.

( وَقالَتِ النَّصارى ) أي: بعضهم( الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ) وإنّما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب، أو لأنّه لا يفعل ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلها.

( ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) إمّا تأكيد لنسبة هذا القول إليهم، ونفي للتجوّز عنها، أو إشعار بأنّه قول مجرّد عن برهان وتحقيق، مماثل للمهمل الّذي يوجد في الأفواه ولا يوجد مفهومه في الأعيان( يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: يضاهي قولهم قول الّذين كفروا، بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. والمضاهاة المشابهة، والهمزة لغة فيه، وقد قرأ به عاصم، ومنه قولهم: امرأة ضهياء على فعيل، للّتي شابهت الرجال في أنّها لا تحيض( مِنْ قَبْلُ ) أي: من قبلهم. والمعنى: أنّ الّذين كانوا في عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، على معنى أنّ الكفر قديم فيهم، أو قول المشركين الّذين قالوا: الملائكة بنات الله، أو قول اليهود على أنّ الضمير للنصارى.

( قاتَلَهُمُ اللهُ ) دعاء عليهم بالإهلاك، فإنّ من قاتله الله تعالى هلك، أو تعجّب من شناعة قولهم. وقال ابن الأنباري: المقاتلة من القتل، فإذا أخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة، لأنّ من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) كيف


يصرفون عن الحقّ إلى الباطل.

( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) بأن أطاعوهم في تحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله، أو بالسجود لهم، كما تطاع الأرباب في أوامرهم.

ولهذا يسمّى أتباع الشيطان فيما يوسوس به عباده، كما قال الله تعالى:( يَعْبُدُونَ الْجِنَ ) (١) .( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ) (٢) .

روى الثعلبي بإسناده عن عديّ بن حاتم قال: «أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: يا عديّ اطرح هذا الوثن من عنقك. قال: فطرحته، ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية:( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ ) . فقلت: إنّا لسنا نعبدهم. فقال: أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّمه فتحلّونه؟ قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم.

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام وأبي عبد اللهعليه‌السلام أنّهما قالا: «أما والله ما صاموا لهم ولا صلّوا، ولكنّهم أحلّوا لهم حراما وحرّموا عليهم حلالا، فاتّبعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون».

وعن فضيل: ما ابالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صلّيت لغير القبلة.

( وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) أهّلوه للعبادة حين جعلوه ابنا لله تعالى. الا ترى إلى قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) (٣) .( وَما أُمِرُوا ) وما أمر المتّخذون أو المتّخذون أربابا، فيكون كالدليل على بطلان الاتّخاذ( إِلَّا لِيَعْبُدُوا ) ليطيعوا( إِلهاً واحِداً ) وهو الله تعالى. وأمّا طاعة الرسول وسائر من أمر الله تعالى

__________________

(١) سبأ: ٤١.

(٢) مريم: ٤٤.

(٣) الزخرف: ٨١.


بطاعته فهو في الحقيقة طاعة الله تعالى. والأمر هو أدلّة العقل والنصوص في الإنجيل( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) صفة ثانية، أو استئناف مقرّر للتوحيد( سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تنزيه له عن أن يكون له شريك.

( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا ) يخمدوا( نُورَ اللهِ ) حجّته الدّالة على وحدانيّته وتقدّسه عن الولد، أو القرآن، أو نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( بِأَفْواهِهِمْ ) بشركهم، أو بتكذيبهم( وَيَأْبَى اللهُ ) الإباء في الأصل المنع والامتناع، وقد جرى مجرى عدم الإرادة والرضا هاهنا. فالمعنى: ولا يريد ولا يرضى( إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) بإعلاء التوحيد وإعزاز الإسلام. وإنّما صحّ الاستثناء المفرّغ والفعل موجب، لأنّه في معنى النفي كما فسّر.

وقيل: إنّه سبحانه مثّل حالهم في طلبهم إبطال نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتكذيبه، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثّ في الآفاق، يريد الله أن يزيده ويبلغه الغاية القصوى من الإضاءة والإنارة، ليطفئه بنفخه ويطمسه.

( وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ) محذوف الجواب، وهو: لأتمّ، لدلالة ما قبله عليه.

وقوله:( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ) بالحجج والدلائل المبيّنة( وَدِينِ الْحَقِ ) أي: الإسلام وما تضمّنه من أحكامه( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) كالبيان(١) لقوله:( وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) ولذلك كرّر( وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) غير أنّه وضع «المشركون» موضع «الكافرون»، للدلالة على أنّهم ضمّوا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله. والضمير في «ليظهره» للدّين الحقّ أو للرسول. واللام في الدين للجنس، أي: ليعلي دين الإسلام على سائر الأديان بالحجّة والغلبة فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم حتّى لا يبقى على وجه الأرض إلّا مغلوب، فلا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجّة، وهم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجّة. وأمّا الظهور بالغلبة ،

__________________

(١) خبر لقوله: وقوله، في أوّل العبارة.


فهو أنّ كلّ طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك، ولحقهم قهر من جهتهم.

وقيل: أراد عند نزول عيسىعليه‌السلام لا يبقى أهل دين إلّا أسلم أو أدّى الجزية.

وقال أبو جعفرعليه‌السلام : «إنّ ذلك يكون عند خروج المهديّ من آل محمدعليه‌السلام ، فلا يبقى أحد إلّا أقرّ بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

وقال الكلبي: لا يبقى دين إلّا ظهر الإسلام عليه، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتّى يكون ذلك.

قال المقداد بن الأسود: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلّا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعزّ عزيز وإمّا بذلّ ذليل، أمّا بعزّهم فيجعلهم الله من أهله فيعزّوا به، وأمّا بذلّهم فيدينون له».

وعن ابن عبّاس: أنّ الهاء في «ليظهره» عائد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي: ليعلّمه الله الأديان كلّها حتّى لا يخفى عليه شيء منها.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) أي: يأخذونها ويتناولونها من الجهة الّتي يحرم منها أخذه. وسمّى أخذ المال أكلا لأنّه الغرض الأعظم منه. والمعنى: أنّهم كانوا يأخذون الرشا في تبديل الأحكام وتخفيف الشرائع والمسامحة فيها من عوامهم( وَيَصُدُّونَ ) ويمنعون غيرهم( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن اتّباع دينه الّذي هو الإسلام.

وقوله:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ ) يقتنون ويجمعون( الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ ) يحتمل أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان، فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضنّ بها. وأن يراد المسلمون الّذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدّون حقّه. وحينئذ اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ. ويدلّ عليه أنّه لـمّا نزل كبر على المسلمين، فذكر عمر لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال: «إنّ الله لم


يفرض الزكاة إلّا ليطيب بها ما بقي من أموالكم».

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما أدّي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكّى فلم يزكّ فهو كنز وإن كان ظاهرا» معناه: فليس بكنز أوعد الله عليه، فإنّ الوعيد على الكنز مع عدم الإنفاق فيما أمر الله تعالى أن ينفق فيه.

وكذلك قولهعليه‌السلام : «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها».

وقوله: «تبّا للذهب وتبّا للفضّة. قالها ثلاثا. فقالوا له: أيّ مال نتّخذ؟ قال: لسانا ذاكرا، وقلبا خاشعا، وزوجة تعين أحدكم على دينه».

وتوفّي رجل فوجد في مئزره دينار، فقال عليه الصلاة والسلام: «كيّة»(١) . وتوفّي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال عليه الصلاة والسلام: «كيّتان».

معناه: ما لم يؤدّ حقّها، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها، إلّا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره».

والضمير في «ولا ينفقونها» إلى المعنى، لأنّ المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة، كما قال عليّعليه‌السلام : «أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز».

وقيل: الضمير راجع إلى الأموال الّتي يتضمّنها الذهب والفضّة. أو معناه: ولا ينفقونها والذهب، كما أنّ معنى قوله: فإنّي وقيّار بها لغريب، أي: وقيّار كذلك.

وحينئذ تخصيص الضمير بالفضّة لقربها، ودلالة حكمها على أنّ الذهب أولى بهذا الحكم.

وإنّما خصّ الذهب والفضّة من بين الأموال بالذكر، لأنّهما قانون التموّل، وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلّا من فضلا عن حاجته.

( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) وهو الكيّ بهما.

قوله:( يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ) أي: يوم توقد النار ذات حمى شديد

__________________

(١) الكيّة: اسم المرّة من: كوى.


عليها، من قوله: نار حامية. ولو قيل: يوم تحمى، لم يعط هذا المعنى. وأصله: تحمى بالنار، فجعل الإحماء للنار مبالغة، ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجارّ والمجرور، تنبيها على المقصود، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير، كما تقول: رفعت القصّة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصّة قلت: رفع إلى الأمير.

( فَتُكْوى بِها ) بتلك الكنوز المحماة( جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) تخصيص هذه المواضع، لأنّ جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى عند الناس، والتنعّم بالمطاعم الشهيّة، بحيث يتضلّعون منها وينفخون جنوبهم، وبالملابس البهيّة الّتي يطرحونها على ظهورهم، كما ترى أغنياء زمانك. أو لأنّهم كانوا يعبسون وجوههم للسائل ويولّونه جنوبهم وظهورهم في المجالس. أو لأنّها أشرف الأعضاء الظاهرة، فإنّها المشتملة على الأعضاء الرئيسة الّتي هي الدماغ والقلب والكبد. أو لأنّها أصول الجهات الأربع الّتي هي مقاديم البدن ومآخيره وجنباه.

( هذا ما كَنَزْتُمْ ) على إرادة القول، أي: يقال لهم: هذا ما كنزتم( لِأَنْفُسِكُمْ ) لمنفعتها، وكان عين مضرّتها وسبب تعذيبها( فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ) أي: وبال كنزكم والمال الّذي تكنزونه وتجمعونه وتمنعون حقّ الله منه، فحذف لدلالة الكلام عليه.

أورد مسلم بن الحجّاج في الصحيح(١) أنّه قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وما من عبد له مال لا يؤدّي زكاته إلّا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جبهته وجنباه وظهره، حتّى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثم يرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار».

__________________

(١) صحيح مسلم ٢: ٦٨٠ ح ٢٤.


وروى ثوبان عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من ترك كنزا مثّل له يوم القيامة شجاعا(١) أقرع له ذنبان يتبعه، ويقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الّذي تركت بعدك، فلا يزال يتبعه حتّى يلقمه يده فيقضمها، ثمّ يتبعه سائر جسده».

( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) )

ولـمّا ذكر سبحانه وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير إخراج الزكاة وغيرها من حقوق الله منه، اقتضى ذلك أن يذكر النهي عن مثل حاله، وهو الظلم في الأشهر الحرم الّذي يؤدّي إلى مثل حاله أو شرّ منه في المنقلب، فقال:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ ) مبلغ عدد شهور السنة( عِنْدَ اللهِ ) في حكم الله وتقديره. وهو معمول «عدّة» لأنّها مصدر( اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ ) أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، أو في جميع الكتب المنزلة على أنبيائه، أو فيما أثبته في حكمه ورآه حكمة وصوابا. وهو صفة لـ «اثنا عشر».

وقوله:( يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) متعلّق بما فيه من معنى الثبوت، أو بالكتاب إن جعل مصدرا. والمعنى: أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر مذ خلق الله تعالى الأجرام والأزمنة. وإنّما تعبّد الله المسلمين أن يجعلوا سنتهم اثني عشر شهرا

__________________

(١) الشجاع: ضرب من الحيّات.


ليوافق ذلك عدد الأهلّة ومنازل القمر، دون ما دان به أهل الكتاب. والشهر مأخوذ من شهرة الأمر، لحاجة الناس إليه في معاملاتهم وغير ذلك من مصالحهم المعلّقة بالشهور.

( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ) واحد فرد وهو رجب، وثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم.

( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أي: تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيلعليهما‌السلام . والعرب قد تمسّكت به وراثة منهما، فكانوا يعظّمون الأشهر الحرم، ويحرّمون القتال فيها، حتّى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجه.

( فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ) بهتك حرمتها وارتكاب حرامها. وأكثر الأمّة على أنّ حرمة المقاتلة فيها منسوخة. وأوّلوا الظلم بارتكاب المعاصي فيهنّ، فإنّه أعظم وزرا، كارتكابها في الحرم وحال الإحرام. وعن عطاء أنّه لا يحلّ للناس أن يغزوا في الحرم وفي الأشهر الحرم، إلّا أن يقاتلوا، وما نسخت.

ويؤيّد الأوّل ما روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوّال وذي القعدة.

( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) جميعا مؤتلفين غير مختلفين( كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) جميعا. وهي مصدر: كفّ عن الشيء، فإنّ الجميع مكفوف عن الزيادة، وقع موقع الحال من الفاعل أو المفعول( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) حثّهم على التقوى بضمان النصر لأهلها.

وفي هذه الآية دلالة على أنّ الاعتبار في السنين بالشهور القمريّة لا الشمسيّة، والأحكام الشرعيّة معلّقة بها، وذلك لـما علم الله تعالى فيه من المصلحة، ولسهولة معرفة ذلك على الخاصّ والعامّ.


( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر السنة والشهر، عقّبه بذكر ما كانوا يفعلونه من النسيء، فقال:( إِنَّمَا النَّسِيءُ ) أي: تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر. وذلك أنّهم كانوا أصحاب حروب وغارات، وكانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون شقّ عليهم ترك المحاربة، فكانوا يحلّونه ويحرّمون مكانه شهرا آخر، حتّى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرّد العدد، وربما زادوا في عدد الشهور، فيجعلونها ثلاثة عشر شهرا ليتّسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى:( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ) يعني: من غير زيادة زادوها. وعن نافع برواية ورش: إنّما النسيّ بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها.( زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) لأنّه تحريم ما أحلّه الله تعالى وتحليل ما حرّمه الله، وهو كفر آخر ضمّوه إلى كفرهم.

( يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ضلالا زائدا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: يضلّ على البناء للمفعول. وعن يعقوب: يضلّ على أنّ الفعل لله تعالى على سبيل التخلية.( يُحِلُّونَهُ عاماً ) يحلّون النسيء من الأشهر الحرم سنة( وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ) ويحرّمون مكانه شهرا آخر في سنة اخرى، فيتركونه على حرمته.

ويروى أنّه حدث ذلك في كنانة، لأنّهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهليّة، وكان يقوم على جمل في الموسم فينادي: إنّ آلهتكم قد أحلّت لكم المحرّم فأحلّوه، ثمّ ينادي في القابل: إنّ آلهتكم


قد حرّمت عليكم المحرّم فحرّموه. والجملتان تفسير للضلال أو حال.

( لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ ) ليوافقوا عدّة الأربعة المحرّمة ولا يخالفوها، وقد خالفوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم. واللام متعلّقة بـ «يحرّمونه»، أو بما دلّ عليه مجموع الفعلين( فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ ) بمواطاة العدّة وحدها من غير مراعاة الوقت.

( زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ) فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) هداية موصلة إلى الاهتداء، تخلية وخذلانا، أي: لا يلطف بهم، بل يخذلهم. أو هداية موصلة إلى الجنّة، لفرط كفرهم وعنادهم.

قال ابن عبّاس: أوّل من سنّ النسيء عمرو بن يحيى بن قمعة بن جندب، وقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كلّ شهرين، فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ حجّوا في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، حتّى وافقت الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة، ثمّ حجّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العام القابل حجّة الوداع فوافقت ذا الحجّة، فذلك حين قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته: «ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب الّذي بين جمادى وشعبان».

أرادعليه‌السلام بذلك أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحجّ إلى ذي الحجّة، وبطل النسيء.


( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) )

روي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وذلك في زمان عسرة وقيظ وقحط ووقت إدراك الثمار، فأحبّوا المقام في المسكن والمال، وشقّ عليهم الخروج إلى القتال، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلّما خرج في غزوة إلّا كنّى عنها وورّى بغيرها إلّا غزوة تبوك، لبعد شقّتها وكثرة العدوّ، ليتأهّب الناس، فأخبرهم بالّذي يريد واستنفرهم. فلمّا علم الله سبحانه تثاقل الناس عاتبهم فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا ) اخرجوا( فِي سَبِيلِ اللهِ ) في الجهاد للقربة، وهو هنا غزوة تبوك( اثَّاقَلْتُمْ ) أصله: تثاقلتم، فأدغمت التاء في الثاء ثمّ أدخلت همزة الوصل، أي: تباطأتم( إِلَى الْأَرْضِ ) متعلّق به، كأنّه ضمّن معنى الإخلاد والميل فعدّي بـ «إلى» أي: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم( أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) وغرورها( مِنَ الْآخِرَةِ ) بدل الآخرة ونعيمها( فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) فما التمتّع بها( فِي الْآخِرَةِ ) في جنب الآخرة( إِلَّا قَلِيلٌ ) مستحقر.

( إِلَّا تَنْفِرُوا ) إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه( يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً ) بالإهلاك بسبب فظيع، كقحط وظهور عدوّ( وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) ويستبدل بكم


آخرين مطيعين، كأهل اليمن وأبناء فارس( وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً ) أي: لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئا، فإنّه الغنيّ عن كلّ شيء وفي كلّ أمر. وقيل: الضمير للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي: ولا تضرّوا الرسول، فإنّ الله وعد له بالعصمة والنصرة ووعده حقّ. وفيه سخط عظيم على المتثاقلين، حيث هدّدهم بعذاب عظيم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنّه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم وأطوع، وأنّه غنيّ عنهم في نصرة دينه.

( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد، كما قال جلّت قدرته:( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) أي: إن تركتم نصرته فسينصره الله، كما نصره وجعله منصورا على أعدائه( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ ) حال كونه أحد اثنين، أي: لم يكن معه إلّا رجل واحد ـ وهو أبو بكر ـ فلن يخذله من بعد، فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه ـ أعني: قوله:( فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) ـ مقامه. وإن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتّى نصره في ذلك الوقت، فلن يخذله في غيره. وإسناد الإخراج إلى الكفرة لأنّ همّهم بإخراجه أو قتله تسبيب، لإذن الله له بالخروج.

( إِذْ هُما فِي الْغارِ ) بدل من «إذ أخرجه» بدل البعض، إذ المراد به زمان متّسع. والغار النقب العظيم في الجبل. وهو هاهنا نقب في أعلى ثور. وثور جبل في يمنى مكّة على مسيرة ساعة، مكثا فيه ثلاثا.

( إِذْ يَقُولُ ) بدل ثان أو ظرف لـ «ثاني»( لِصاحِبِهِ ) وهو أبو بكر( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) مطّلع علينا وعالم بحالنا، يحفظنا وينصرنا. ولـمّا دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أللَّهمّ أعم أبصارهم.

فلمّا طلع سراقة بن مالك ونظراؤه فوق الغار جعلوا يتردّدون حوله، ولم يروه ولا يفطنون، وقد أخذ الله بأبصارهم عنه. وسراقة لـمّا رأى بيض الحمام


وبيت العنكبوت قال: لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسّخ بيت العنكبوت، فانصرفوا.

وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم قال: «كان رجل من خزاعة فيهم يقال له أبو كرز، فما زال يقفو أثر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى وقف بهم على باب الحجر، فقال: هذه قدم محمّد، هي والله أخت القدم الّتي في المقام، وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه.

وقال: ما جازوا هذا المكان، إمّا أن يكونوا قد صعدوا في السماء، أو دخلوا في الأرض. وجاء فارس من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار، وهو يقول لهم: اطلبوه في الشعاب فليس هاهنا، وكانت العنكبوت نسجت على باب الغار. ونزل رجل من قريش فبال على باب الغار، فقال أبو بكر: قد أبصرونا يا رسول الله. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم».

( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ) أمنته الّتي تسكن عندها القلوب( عَلَيْهِ ) على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأيقن أنّهم لا يصلون إليه.

وقال بعضهم(١) : يجوز أن تكون الهاء الّتي في «عليه» راجعا إلى أبي بكر.

وهذا بعيد، لأن الضمائر قبل هذا وبعده تعود إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلا خلاف، وذلك في قوله:( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ) وفي قوله: «إذ أخرجه» وفي قوله: «لصاحبه» وقوله فيما بعد: «وأيّده» فكيف يتخلّلها ضمير عائد إلى غيره؟! هذا، وقد قال الله تعالى في هذه السورة:( ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (٢) وقال في سورة الفتح:( فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) .

( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ) يعني: الملائكة أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ٦٨ ـ ٦٩.

(٢) التوبة: ٢٦.

(٣) الفتح: ٢٦.


ليعينوه على العدوّ يوم بدر والأحزاب وحنين. وعلى هذا الوجه، الجملة معطوفة على قوله: «نصره الله».( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ) يعني: الشرك، أو دعوة الكفر( وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا ) يعني: التوحيد، أو دعوة الإسلام. والمعنى: وجعل ذلك بتخليص الرسول عن أيدي المشركين إلى المدينة، فإنّه المبدأ له، أو بتأييده إيّاه بالملائكة في هذه المواطن، أو بحفظه ونصره له حيث حضر.

وقرأ يعقوب: كلمة الله بالنصب، عطفا على «كلمة الّذين». والرفع أبلغ، لـما فيه من الاشعار بأنّ كلمة الله عالية في نفسها وإن فاق غيرها، فلا ثبات لتفوّقه ولا اعتبار. وفي توسيط ضمير الفصل تأكيد زيادة فضل كلمة الله في العلوّ، وأنّها المختصّة به دون سائر الكلم.

( وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) في أمره وتدبيره.

( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) )

ثمّ بيّن تأكّد وجوب الجهاد على العباد فقال:( انْفِرُوا خِفافاً ) لنشاطكم له( وَثِقالاً ) عنه لمشقّته عليكم، أو لقلّة عيالكم ولكثرتها، أو ركبانا ومشاة، أو خفافا وثقالا من السلاح، أو صحاحا ومراضا، أو شبّانا وشيوخا، ولذلك لـمّا قال ابن أمّ مكتوم لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أعليّ أن أنفر؟ قال: نعم، حتّى نزل قوله:( لَيْسَ عَلَى


الْأَعْمى حَرَجٌ ) (١) .

الآية. وعن ابن عبّاس نسخت بقوله:( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ) (٢) .

( وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما على حسب الحال. وهذا يدلّ على أنّ الجهاد بالنفس والمال واجب على من استطاع بهما أو بأحدهما( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) من تركه( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الخير، أو علمتم أنّه خير، إذ إخبار الله به صدق فبادروا إليه.

( لَوْ كانَ ) ما دعوا إليه( عَرَضاً ) نفعا دنيويّا( قَرِيباً ) سهل المأخذ( وَسَفَراً قاصِداً ) وسطا( لَاتَّبَعُوكَ ) لوافقوك طمعا في المال( وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ) المسافة الّتي تقطع بمشقّة.

( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ ) أي: المتخلّفون يحلفون بالله إذا رجعت من تبوك معتذرين( لَوِ اسْتَطَعْنا ) يقولون: لو كان لنا استطاعة العدّة أو البدن، فإنّهم تمارضوا( لَخَرَجْنا مَعَكُمْ ) هو سادّ مسدّ جوابي القسم والشرط. وهذا من المعجزات، لأنّه إخبار عمّا وقع قبل وقوعه.( يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ) بإيقاعها في العذاب للأيمان الكاذبة، فإنّ الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك، أو لـما أسرّوا به من الشرك. وهو بدل من «سيحلفون» أو حال من فاعله.( وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) في ذلك، لأنّهم كانوا مستطيعين الخروج.

( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) )

__________________

(١) النور: ٦١.

(٢) التوبة: ٩١.


ثمّ خاطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما فيه شوب العتاب في إذنه لـمّا استأذنوه في التأخّر عن الخروج معه إلى تبوك، فقال:( عَفَا اللهُ عَنْكَ ) هو من لطيف المعاتبة فيما غيره منه أولى، لا سيّما للأنبياء. وقد أخطأ جار الله(١) في أن( عَفَا اللهُ عَنْكَ ) كناية عن الجناية والخطأ، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت جانيا. وحاشا سيّد الأنبياء وخير المرسلين أن ينسب إليه جناية وخطأ وسوء فعل، لثبوت عصمته بالأدلّة العقليّة المانعة عن الجناية والخطأ. وقيل: معناه: أدام الله لك العفو.

( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) بيان لـما كنّي عنه بالعفو من ترك الأولى. والمعنى: لأيّ شيء أذنت لهم في القعود والتخلّف عنك حين استأذنوك واعتلّوا بأكاذيب؟! وهلّا توقّفت!( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) في الاعتذار( وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ) فيه، فإنّه أولى من إذنك في التخلّف.

قيل: إنّما فعل رسول الله شيئين والحال أنّ تركهما أولى وأحسن: أخذه الفداء، وإذنه للمنافقين، فعاتبه تعالى عليهما ليلتزم بما هو أولى في الأمور.

( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) )

ثمّ بيّن سبحانه حال المؤمنين والمنافقين في الاستئذان، فقال:( لا يَسْتَأْذِنُكَ ) لا يطلب منك الإذن في العقود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) أي: ليس من

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٢٧٤.


عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، فإنّ الخلّص منهم يبادرون إليه ولا يوقفونه على الإذن فيه، فضلا أن يستأذنوك في التخلّف عنه، أو أن يستأذنوك في التخلّف كراهة أن يجاهدوا( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) شهادة لهم بالانتظام في زمرة أهل التقوى، وعدة لهم بأجزل الثواب.

( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ ) في التخلّف( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) تخصيص الإيمان بالله واليوم الآخر في الموضعين، للإشعار بأنّ الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان وعدم الإيمان بهما( وَارْتابَتْ ) واضطربت وشكّت( قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ ) في شكّهم( يَتَرَدَّدُونَ ) يتحيّرون، فإنّ التردّد صفة المتحيّر، كما أنّ الثبات صفة المستبصر. والمراد منهم المنافقون.

( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) )

ثمّ أخبر سبحانه عن هؤلاء المنافقين، فقال:( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ ) إلى الجهاد( لَأَعَدُّوا لَهُ ) للخروج( عُدَّةً ) أهبة( وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ ) نهوضهم للخروج إلى الغزو، لعلمه تعالى بأنّهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين( فَثَبَّطَهُمْ ) فحبسهم بالجبن والكسل وخذلهم، لـما علم منهم من الفساد.

وإنّما وقع الاستدراك بـ «لكن» لأنّ قوله:( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ ) يعطي معنى النفي، وكأنّه قيل: ما خرجوا ولكن تثبّطوا عن الخروج، لأنّ الله كره انبعاثهم، فضعفت رغبتهم في الانبعاث.

( وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ) النساء والصبيان والزمنى. هذا ذمّ لهم وتعجيز، وهو إذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم في القعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو تمثيل لإلقاء الله تعالى كراهة الخروج في قلوبهم.


وفي هذه الآية دلالة على أنّ إذنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم غير قبيح، وإن كان الأولى أن لا يأذن، ليظهر للناس نفاقهم.

( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) )

ثمّ بيّن سبحانه وجه الحكمة في تثبيطهم عن الخروج، فقال:( لَوْ خَرَجُوا ) لو خرج هؤلاء المنافقون إلى الجهاد( فِيكُمْ ما زادُوكُمْ ) بخروجهم شيئا( إِلَّا خَبالاً ) فسادا وشرّا. ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال حتّى لو خرجوا زادوه، لأنّ الزيادة باعتبار أعمّ العامّ الّذي وقع منه الاستثناء. ولأجل هذا التوهّم جعل


الاستثناء منقطعا. وليس كذلك، لأنّ الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيرا إلّا خبالا، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعمّ العامّ الّذي هو الشيء، فكان استثناء متّصلا، لأنّ الخبال بعض أعمّ العامّ.

( وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ ) ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة والتضريب والتفريق، أو الهزيمة والتخذيل، من: وضع البعير وضعا إذا أسرع، وأوضعته أنا.

والمراد السرعة بالفساد، لأنّ الراكب أسرع من الماشي.( يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ) يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نيّاتكم في غزواتكم، أو الرعب في قلوبكم. والجملة حال من الضمير في «أوضعوا».( وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ) ضعفة من المسلمين يسمعون قولهم ويطيعونهم، أو نمّامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم( وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) بالمصرّين على الفساد، فيعلم ضمائرهم وما يتأتّى منهم.

( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ ) هي اسم يقع على كلّ شرّ وفساد، أي: نصبوا لك الغوائل، وسعوا في تشتيت شملك وتفريق أصحابك.( مِنْ قَبْلُ ) يعني: يوم أحد، فإنّ ابن أبيّ وأصحابه كما تخلّفوا عن تبوك بعد ما خرجوا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ذي جدة أسفل من ثنيّة الوداع، انصرفوا يوم أحد. وعن سعيد بن جبير: وقفوا في غزوة تبوك على الثنيّة ليلة العقبة ليفتكّوا به، وهم اثنا عشر رجلا.

( وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ ) ودبّروا لك المكائد والحيل، واحتالوا في إبطال أمرك( حَتَّى جاءَ الْحَقُ ) أي: النصر والتأييد الإلهي( وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ ) علا وغلب دينه وأهله( وَهُمْ كارِهُونَ ) أي: على رغم منهم. وهو في موضع الحال. والآيتان لتسلية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على تخلّفهم، وبيان ما ثبّطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له، وهتك استارهم وكشف اسرارهم، وإزاحة اعتذارهم، تداركا لإذن رسوله تخلّفهم، فعوتب عليه لترك الأولى.


( وَمِنْهُمْ ) ومن هؤلاء المنافقين( مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ) في القعود عن الجهاد( وَلا تَفْتِنِّي ) ولا توقعني في الفتنة. وهي الإثم الّذي يلزم العصيان والمخالفة، بأن لا تأذن لي، فإنّي إن تخلّفت بعد أمرك بالجهاد أثمت. وفيه إشعار بأنّه لا محالة متخلّف، أذن له أو لم يأذن. أو في الفتنة. بسبب ضياع المال والعيال، إذ لا كافل لهم بعدي. أو في الفتنة بنساء الروم، لـما روي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا استنفر الناس إلى تبوك فقال: انفروا لعلّكم تغنمون بنات الأصفر، يعني: نساء الروم، فقال جدّ بن قيس أخو بني سلمة من بني الخزرج: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتنّي ببنات الأصفر، ولكنّي أعينك بمالي، فاتركني فإنّي أخاف أن أفتن بهنّ، لأنّي مستهتر بالنساء. فقال: أذنت لك.

( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ) أي: الفتنة هي الّتي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلّف أو ظهور النفاق، لا ما احترزوا عنه( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) جامعة لهم يوم القيامة أو الآن، لأنّ إحاطة أسبابها بهم كوجودها، فكأنّهم في وسطها.

( إِنْ تُصِبْكَ ) في بعض غزواتك( حَسَنَةٌ ) ظفر وغنيمة( تَسُؤْهُمْ ) لفرط حسدهم( وَإِنْ تُصِبْكَ ) في بعضها( مُصِيبَةٌ ) كسر وشدّة وبليّة، كما أصاب يوم أحد( يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا ) الّذي نحن متّسمون به، من الحذر والعمل بالحزم والتيقّظ( مِنْ قَبْلُ ) من قبل ما وقع، أي: تبجّحوا(١) بانصرافهم، واستحمدوا رأيهم في التخلّف( وَيَتَوَلَّوْا ) عن مقام التحدّث بذلك والاجتماع له إلى أهاليهم، أو عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَهُمْ فَرِحُونَ ) مسرورون.

( قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا ) إلّا ما اختصّنا بإثباته وإيجابه، من النصرة أو الشهادة، أو ما كتب لأجلنا في اللوح المحفوظ، لا يتغيّر بموافقتكم ولا بمخالفتكم.( هُوَ مَوْلانا ) متولّي أمورنا وناصرنا( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )

__________________

(١) تبجّح وتباجح أي: افتخر وتعظّم وتباهي.


لأنّ حقّهم أن لا يتوكّلوا على غيره تعالى، فليفعلوا ما هو حقّهم.

( قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا ) تنتظرون بنا( إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ) إحدى العاقبتين اللّتين كلّ منهما حسنى العواقب: النصرة والشهادة( وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ) أيضا إحدى السوأيين( أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ ) بقارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود( أَوْ بِأَيْدِينا ) أو بعذاب بأيدينا، وهو القتل على الكفر( فَتَرَبَّصُوا ) ما هو عاقبتنا( إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) ما هو عاقبتكم، فإنّه لا بدّ أن يلقى كلّنا ما يتربّصه ولا يتجاوزه. والمراد بالأمر التهديد، كقوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) .

( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ هؤلاء المنافقين لا ينتفعون بما ينفقونه مع إقامتهم على

__________________

(١) فصّلت: ٤٠.


الكفر، فقال:( قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ) طائعين أو مكرهين( لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ) نفقاتكم. والأمر في معنى الخبر، كقوله:( مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ ) (١) . ومعناه: لن يتقبّل منكم، أنفقتم طوعا أو كرها. ونحوه قوله:( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) (٢) أي: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. وفي تساوي الإنفاقين مبالغة في عدم القبول. وهذا جواب قول جدّ بن قيس: وأعينك بمالي. ونفي التقبّل يحتمل أمرين: أن لا يؤخذ منهم، وأن لا يثابوا عليه.

وقوله:( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ) تعليل له على سبيل الاستئناف، وما بعده بيان وتقرير له، أعني: قوله:( وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ ) وقرأ حمزة والكسائي: أن يقبل بالياء، لأنّ تأنيث النفقات غير حقيقيّ( وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ) متثاقلين( وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ ) لأنّهم لا يرجون بهما ثوابا، ولا يخافون على تركهما عقابا.

( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ) الإعجاب بالشيء أن يسرّ به سرور راض به متعجّب من حسنه. والخطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمراد جميع المؤمنين. والمعنى: فلا تستحسنوا ما أوتوا به من زينة الدنيا، فإنّ ذلك استدراج ووبال لهم، كما قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب( وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتّع عن النظر في العاقبة، فيكون ذلك استدراجا لهم.

وأصل الزهوق الخروج بصعوبة.

( وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ) أي: لمن جملة المسلمين( وَما هُمْ مِنْكُمْ ) لكفر قلوبهم( وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ) يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون

__________________

(١) مريم: ٧٥.

(٢) التوبة: ٨٠.


بالمشركين، فيظهرون الإسلام تقيّة.

( لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً ) حصنا يلجؤون إليه، متحصّنين به من راس جبل أو قلعة( أَوْ مَغاراتٍ ) غيرانا(١) ، من: أغار الرجل وغار إذا دخل الغور. وقيل: هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا، يعني: أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم.( أَوْ مُدَّخَلاً ) مفتعل من الدخول. وأصله: مدتخلا، أبدل التاء بعد الدال دالا، أي: نفقا ينجحرون(٢) فيه.

وقرأ يعقوب: مدخلا، من: دخل، أي: موضع دخول يأوون إليه.( لَوَلَّوْا إِلَيْهِ ) لأقبلوا نحوه( وَهُمْ يَجْمَحُونَ ) يسرعون إسراعا لا يردّهم شيء، كالفرس الجموح.

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ (٥٩) )

روى الثعلبي في تفسيره: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقسّم غنائم حنين، فاستعطف قلوب أهل مكّة بتوفير الغنائم عليه. فقال ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعه، فإنّ له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ثمّ قال: رأسهم رجل أسود في إحدى ثدييه أو إحدى يديه مثل

__________________

(١) جمع الغار.

(٢) انجحر أي: دخل الجحر.


ثدي المرأة، أو مثل البضعة(١) تدردر(٢) ، يخرجون على فترة من الناس. وفي حديث آخر: فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثمّ إذا خرجوا فاقتلوهم، ثمّ إذا خرجوا فاقتلوهم.

قال أبو سعيد الخدري: أشهد أنّي سمعت هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشهد أنّ عليّاعليه‌السلام حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الّذي نعته رسول الله.

وفي ابن أبي خويصرة نزلت:( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ ) يعيبك ويطعن عليك.

وقرأ يعقوب: يلمزك بالضمّ، وابن كثير: يلامزك.( فِي الصَّدَقاتِ ) في قسمتها.

ثمّ وصفهم بأنّ رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين، فقال:( فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا ) وطابت نفوسهم وأقرّوا بالله( وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ) «إذا» للمفاجأة نائب مناب الفاء الجزائيّة.

وقيل: إنّها نزلت في أبي الجواظ المنافق، قال: الا ترون إلى صاحبكم إنّما يقسّم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنّه يعدل. وقال ابن زيد: قال المنافقون: ما يعطيها محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا من أحبّ، ولا يؤثر بها إلّا من هواه، فنزلت.

( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) بما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة. وذكر الله للتعظيم، وللتنبيه على أنّ ما فعله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان بأمره تعالى( وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ ) كفانا فضله( سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) صدقة أو غنيمة اخرى( وَرَسُولُهُ ) فيؤتينا أكثر ممّا آتانا اليوم( إِنَّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ ) في أن يغنينا من فضله. والآية بأسرها في حيّز الشرط، والجواب محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم.

__________________

(١) البضعة: القطعة من اللحم.

(٢) أي: ترجرج وتجيء وتذهب. راجع لسان العرب ٤: ٢٨٣.


( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) )

ثمّ بيّن مصارف الصدقات تصويبا وتحقيقا لـما فعله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودلالة على أنّ أهل النفاق ليسوا من مستحقّيها، وأنّهم بعداء عن مصارفها، فما لهم التكلّم فيها ولمن قاسمها، فقال:( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ) أي: الزكوات لهؤلاء الأصناف الثمانية مختصّة بهم، ولا يجوز صرفها في غيرهم، ونحوه: إنّما السخاء لحاتم، أي: ليس لغيره، ويحتمل أن يصرف إلى بعضها. وعن حذيفة وابن عبّاس وغيرهما من الصحابة أنّهم قالوا: في أيّ صنف منها وضعتها أجزأك. وهو مذهبنا.

فأتى بـ «إنّما» الّتي للحصر للدلالة على أنّه لا يستحقّها سوى هؤلاء المذكورين.

واختلف في اللام في الفقراء هل للتمليك أو لبيان المصرف؟ فقال الشافعي: بالأوّل، فيجب البسط على الأصناف، ويعطى من كلّ صنف ثلاثة لا أقلّ. وقال مالك وأبو حنيفة بالثاني، فلا يجب البسط، بل لو أعطى زكاته واحدا من أيّ صنف كان جاز، لكن أبو حنيفة لا يعطي ما يؤدّي إلى الغنيّ، فلو خالف فعل مكروها، وملكه المعطى، وبرئت الذمّة. ومالك يجوّز ذلك إذا أمّل إغناءه.

وقال أصحابنا: يجوز أيّ صنف كان ولو واحدا منهم، لكنّ البسط أفضل، وبذلك قال ابن عبّاس وحذيفة وغيرهما من الصحابة، لأنّ كون اللام للتمليك لا وجه له، فإنّ المستحقّ لا يملك قبل الأخذ، ولأنّ حملها على بيان المصرف موافق لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذي عابه المنافقون، فيكون أولى.

والفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته، من الفقار، كأنّه أصيب


فقاره. والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه، من السكون، كأنّ العجز أسكنه.

ويدلّ عليه قوله:( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) (١) . وأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يسأل المسكنة ويتعوّذ من الفقر. وقيل: بالعكس، لقوله تعالى:( أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ) (٢) . أو الفقير الزمن المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج. أو الفقير هو المتعفّف الّذي لا يسأل، والمسكين الّذي يسأل. وروي ذلك عن أبي جعفرعليه‌السلام ، ومنقول عن ابن عبّاس والحسن والزهري ومجاهد. وقيل: بالعكس. وقيل: إنّهما قسم واحد، والثاني تأكيد الأوّل، كعطشان نطشان(٣) . والتحقيق: أنّهما يشتركان في معنى عدمي، وهو عدم ملك مؤونة السنة له ولعياله الواجبي النفقة لو كان غنيّا.

( وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ) الساعين في تحصيلها وجمعها( وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) قوم أسلموا ونيّتهم ضعيفة فيه، فيستألف قلوبهم. أو أشراف من العرب يترقّب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم. وقد أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعبّاس بن مرداس لذلك. وقيل: أشراف يستألفون على أن يسلموا، فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعطيهم. وقيل: كان سهم المؤلّفة لتكثير سواد الإسلام والاستعانة بهم، فلمّا أعزّه الله وأكثر أهله سقط.

( وَفِي الرِّقابِ ) وللصرف في فكّ الرقاب. وهم المكاتبون يعانون بشيء من الزكاة على أداء النجوم ليفكّوا رقابهم من الرقّ. والعبيد إذا كانوا في شدّة يشترون منها ويعتقون، ويكون ولاؤهم لأرباب الزكاة. وعندنا يجوز ابتياع العبيد مطلقا من الزكاة مع عدم المستحقّ، أمّا مع وجوده فلا. والعدول عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة للدلالة على أنّهم أحقّ بأن توضع فيهم الصدقات ممّن سبق ذكره، لأنّ «في» للوعاء، وعلى أنّ المستحقّين قسمان: قسم يقبض لنفسه، وهم الفقراء

__________________

(١) الكهف: ٧٩.

(٢) البلد: ١٦.

(٣) النطش: شدّة جبلة الخلق. وعطشان نطشان: إتباع. راجع لسان العرب ٦: ٣٥٤ ـ ٣٥٥.


والمساكين والعاملون والمؤلّفة. فهؤلاء يصرفونه في أيّ جهة شاؤا، فهم مختصّون به، فناسب ذلك اللام. وقسم يقبض لأجل جهة معيّنة يصرفه فيها، ولا يجوز صرفه في غيرها. وهم الرقاب والغارمون وابن السبيل، فناسب ذلك «في».

( وَالْغارِمِينَ ) هم الّذين ركبتهم الديون في غير معصية، إذا لم يكن لهم وفاء( وَفِي سَبِيلِ اللهِ ) وللصرف في الجهاد بالإنفاق على ابتياع الكراع(١) والسلاح إجماعا. وقيل: يدخل فيه بناء القناطر والمصانع وسائر مصالح المسلمين.

( وَابْنِ السَّبِيلِ ) المسافر المنقطع عن ماله في الغربة، وإن كان غنيّا في بلده.

وإنّما سمّي ابن السبيل للزومه الطريق، فنسب إليه. ويشترط في استحقاقه كون سفره مباحا. والضيف إن كان منقطعا به في غير بلده فهو داخل في ابن السبيل.

وإنّما كرّر «في» الأخيرين، ولم يعطف على الرقاب كما عطف الغارمين عليه، لفضل ترجيح لهما.

( فَرِيضَةً مِنَ اللهِ ) مصدر لـما دلّ عليه الآية، أي: فرض لهم الصدقات فريضة. أو حال من الضمير المستكن في «للفقراء».( وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يضع الأشياء في مواضعها.

( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) )

روي أنّ جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد وشاس بن قيس

__________________

(١) الكراع: اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.


ومخشى بن حمير ورفاعة بن عبد المنذر وغيرهم قالوا ما لا ينبغي للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذمّوه. فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنّا نخاف أن يبلغ محمّدا ما تقولون فيوقع بنا.

فقال الجلاس بن سويد: بل نقول ما شئنا ثمّ نأتيه فيصدّقنا بما نقول، فإنّ محمّدا أذن سامعة، فنزلت:( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ) الاذن الرجل الّذي يصدّق كلّ ما يسمع، ويقبل قول كلّ أحد. والمعنى: هو يسمع كلّ ما يقال له ويصدّقه. سمّي بالجارحة للمبالغة، كأنّه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع، كما سمّي الجاسوس عينا لذلك. أو اشتقّ له فعل من: أذن اذنا إذا استمع، كأنف وشلل.

( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) تصديق لهم بأنّه أذن ولكن لا على الوجه الّذي ذمّوا به، بل من حيث إنّه يسمع الخير ويقبله.

ثمّ فسّر ذلك بقوله:( يُؤْمِنُ بِاللهِ ) يصدّق به، لـما قام عنده من الأدلّة( وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ويصدّقهم، لـما علم من خلوصهم. واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق، فإنّه بمعنى التسليم، وإيمان الأمان، كما في قوله:( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) (١) .

( وَرَحْمَةٌ ) أي: هو رحمة( لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) لمن اظهر الايمان، حيث يقبله ولا يكشف سرّه ولا يفضحه، فلا يفعل به ما يفعل بالمشركين، مراعاة لـما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليه. وفيه تنبيه على أنّه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم، بل رفقا بكم وترحّما عليكم.

وقرأ حمزة: ورحمة بالجرّ، عطفا على «خير» أي: هو أذن خير ورحمة، ولا يسمع غيرهما. وقرأ نافع: أذن بالتخفيف فيهما.

( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) بإيذائه. وقيل: نزلت هذه الآية

__________________

(١) يوسف: ١٧.


في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث، وكان رجلا أدلم(١) أحمر العينين أسفع(٢) الخدّين مشوّه الخلقة، وكان ينمّ حديث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المنافقين. فقيل له: لا تفعل. فقال: إنّما محمد أذن، من حدّثه شيئا صدّقه، نقول ما شئنا ثمّ نأتيه ونحلف له فيصدّقنا. وهو الّذي قال فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث.

( يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) )

وقيل: إنّ جلاس بن سويد وغيره من المنافقين قالوا: لئن كان ما يقول محمّد حقّا فنحن شرّ من الحمير. وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس، فقال: والله ما يقول محمد حقّ، وأنتم شرّ من الحمير. ثمّ أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأخبره، فدعاهم فسألهم، فحلفوا أنّ عامرا كذب. فنزلت:( يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ ) على معاذيرهم فيما قالوا( لِيُرْضُوكُمْ ) لترضوا عنهم، والخطاب للمؤمنين( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) أحقّ بالإرضاء بالطاعة والوفاق. وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين. أو لأنّ الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه. أو لأنّ التقدير: والله أحقّ أن يرضوه، والرسول كذلك.( إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ) باطنا وظاهرا، مذعنين بنبوّة محمد مقرّين به.

وقيل: إنّها نزلت في رهط من المنافقين تخلّفوا عن غزوة تبوك، فلمّا رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلّفهم ويحلفون.

__________________

(١) الأدلم: الذي اشتدّ سواده في ملوسة.

(٢) الأسفع: أسود اللون إلى حمرة.


( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤) )

ثمّ قال سبحانه على وجه التقريع والتوبيخ لهؤلاء المنافقين:( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ ) أنّ الشأن( مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يشاققهما، مفاعلة من الحدّ( فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ) على حذف الخبر، أي: فحقّ أنّ له، أو على تكرير «أنّ» للتأكيد.

ويجوز أن يكون معطوفا على «أنّه»، ويكون الجواب محذوفا، تقديره: من يحادد الله ورسوله يهلك فأنّ له نار جهنّم خالدا فيها( ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ) يعني: الهلاك الدائم.

روي: أنّ المنافقين كانوا يستهزؤن بالإسلام، فكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي، فنزلت في شأنهم:( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ) أي: على المؤمنين( سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ) وتهتك عليهم أستارهم. ويجوز أن تكون الضمائر للمنافقين، فإنّ النازل فيهم كالنازل عليهم، من حيث إنّه مقروء ومحتجّ به عليهم.

وقيل: اللفظ لفظ الخبر ومعناه الأمر، أي: ليحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تخبرهم بما في قلوبهم من النفاق. وهذا حسن، لأنّ موضع الكلام على التهديد، لقوله:( قُلِ اسْتَهْزِؤُا ) أي: اطلبوا الهزء، هو وعيد بلفظ الأمر( إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ) مبرز أو مظهر( ما تَحْذَرُونَ ) ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم.

وقيل: هذا الحذر أظهروه على وجه الاستهزاء لا على سبيل التصديق، لأنّهم


حين رأوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينطق في كلّ شيء عن الوحي، قال بعضهم لبعض :

احذروا ألّا ينزل وحي فيكم، يتناجون بذلك ويضحكون به.

( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩) )

روي عن ابن كيسان: أنّ اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة ليفتكّوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند رجوعه من تبوك، فأخبر جبرئيلعليه‌السلام رسول الله


بذلك، وأمره أن يرسل إليهم أحدا ويضرب وجوه رواحلهم. وعمّار كان يقود دابّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحذيفة يسوقها. فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم.

فضربها حتّى نحّاهم. فلمّا نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحدا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه فلان وفلان، حتّى عدّهم كلّهم. فقال حذيفة: ألّا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لـمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم.

وروي عن أبي جعفرعليه‌السلام مثله، إلّا أنّه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنّما كنّا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن نقتله. فنزلت:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ) قيل: نزلت في ركب المنافقين مرّوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات. فأخبر الله تعالى به نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدعاهم، فقال: قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: لا والله ما كنّا في شيء من أمرك وأمر أصحابك، ولكن كنّا في شيء ممّا يخوض فيه الركب ليقصّر بعضنا على بعض السفر، أي: مشقّته.

( قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ ) توبيخا على استهزائهم بمن لا يصحّ الاستهزاء به، وإلزاما للحجّة عليهم، وإشعارا بعدم الاعتداد باعتذارهم الكاذب.

ثمّ أمر الله تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقول لهؤلاء المنافقين:( لا تَعْتَذِرُوا ) لا تشتغلوا باعتذاراتكم، فإنّها معلومة الكذب( قَدْ كَفَرْتُمْ ) قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والطعن فيه( بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) بعد إظهاركم الايمان( إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ ) لتوبتهم وإخلاصهم، أو لتجنّبهم عن الإيذاء والاستهزاء( نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ) مصرّين على النفاق، أو مقدمين على الإيذاء والاستهزاء. وقرأ


عاصم بالنون فيهما(١) ونصب طائفة.

ثمّ بيّن أحوال المنافقين منهم بقوله:( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) أي: متشابهة في النفاق والبعد عن الإيمان، كأبعاض الشيء الواحد. وهو تكذيب لهم فيما حلفوا( بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ) (٢) وتقرير لقوله:( وَما هُمْ مِنْكُمْ ) (٣) ، وما بعده كالدليل عليه، فإنّه يدلّ على مضادّة حالهم لحال المؤمنين، وهو قوله:( يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ) بالكفر والمعاصي( وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) عن الإيمان والطاعات( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) عن المبرّات. وقبض اليد كناية عن الشحّ، أي: شحّوا بالخيرات أو الصدقات والإنفاق في سبيل الله( نَسُوا اللهَ ) أغفلوا ذكر الله وتركوا طاعته( فَنَسِيَهُمْ ) فتركهم من لطفه وفضله( إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) الكاملون في التمرّد والانسلاخ عن دائرة الخير.

( وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) أي: مقدّرين الخلود فيها( هِيَ حَسْبُهُمْ ) عقابا وجزاء. وفيه دليل على عظم عذابها، وأنّه لا شيء أبلغ منه، نعوذ بالله منها( وَلَعَنَهُمُ اللهُ ) أبعدهم من رحمته وأهانهم( وَلَهُمْ عَذابٌ ) ولهم نوع من العذاب سوى الصلي بالنار( مُقِيمٌ ) دائم لا ينقطع في الآخرة عنهم، وهو عذاب النار. أو عذاب مقيم معهم في العاجل لا ينفكّون عنه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق، وما يخافونه من الفضيحة.

( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) محلّ الكاف رفع، تقديره: أنتم مثل الّذين من قبلكم. أو نصب، تقديره: فعلتم مثل فعل الّذين من قبلكم.

ثمّ بيّن تشبيههم بهم، ومثّل حالهم بحالهم، فقال:( كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ ) نصيبهم من ملاذ الدنيا. واشتقاقه من الخلق

__________________

(١) أي: قراءة «نعف» و «نعذّب» بالنون. وقرئ بالياء وبناء الفاعل فيهما.

(٢) التوبة: ٥٦.

(٣) التوبة: ٥٦.


بمعنى التقدير، فإنّه ما قدّر لصاحبه ونصب، أي: أثبت.( فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ) ذمّ الأوّلين بحظوظهم الناقصة من الشهوات الفانية، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقيّة، تمهيدا لذمّ المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم.

( وَخُضْتُمْ ) دخلتم في الباطل( كَالَّذِي خاضُوا ) كالّذين خاضوا. وإفراده باعتبار الفوج أو الخوض، أي: كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الّذي خاضوا.

( أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) لم يستحقّوا عليها ثوابا في الدارين( وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) الّذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة.

عن ابن عبّاس أنّه قال في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة،( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) هؤلاء بنو إسرائيل شبّهنا بهم، لا أعلم إلّا أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتتبعنّهم، حتّى لو دخل الرجل منهم جحر ضبّ لدخلتموه».

وروي مثل ذلك عن أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لتأخذنّ كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا(١) بباع، حتّى لو أنّ أحدا من أولئك دخل جحر الضبّ لدخلتموه. قالوا يا رسول الله: كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلّا هم؟!».

وقال عبد الله بن مسعود: أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتّبعون عملهم حذو القذّة(٢) بالقذّة، غير أنّي لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟

وقال حذيفة: المنافقون الّذين فيكم اليوم شرّ من المنافقين الّذين كانوا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه. أورد جميعها الثعلبي في تفسيره.

__________________

(١) الباع: قدر مدّ اليدين، وجمعه أبواع.

(٢) القذّة: ريش السهم. وحذو القذّة بالقذّة يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان، كما أن كلّ واحدة من القذّة تقدّر على قدر صاحبتها.


( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) )

ثمّ قال سبحانه تهديدا للمنافقين:( أَلَمْ يَأْتِهِمْ ) ألم يأت هؤلاء المنافقين( نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ ) أغرقوا بالطوفان( وَعادٍ ) وقوم عاد أهلكوا بالريح الصرصر(١) ( وَثَمُودَ ) وقوم صالح أهلكوا بالرجفة( وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ ) نمرود وأصحابه، فإنّهم أهلكوا بالبعوض( وَأَصْحابِ مَدْيَنَ ) وأهل مدين، وهم قوم شعيب، أهلكوا بالنار يوم الظلّة( وَالْمُؤْتَفِكاتِ ) ثلاث قريات قوم لوط، ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم فصار عاليها سافلها، وأمطروا حجارة من سجّيل. وقيل: قريات المكذّبين المتمرّدين. وائتفاكهنّ انقلاب أحوالهنّ من الخير إلى الشرّ.

( أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالبراهين والحجج والمعجزات( فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) أي: لم يكن من عادة الله ما شابه ظلم الناس، كالعقوبة بلا جرم، لأنّه حكيم لا يجوز أن يفعل القبيح( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) حيث عرّضوها للعقاب بالكفر والتكذيب وسائر أنواع المعاصي، واستحقّوا العقاب.

__________________

(١) الريح الصرصر: الشديدة الهبوب أو البرد.


( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) )

ولـمّا ذكر الله سبحانه المنافقين ووصفهم بقبيح خصالهم، اقتضت الحكمة أن يذكر المؤمنين ويصفهم بضدّ أوصافهم، ليتّصل الكلام بما قبله اتّصال النقيض بالنقيض، فقال:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) في مقابلة قوله:( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) أي: يلزم كلّ واحد منهم موالاة بعض ونصرته، فهم يد واحدة على سواهم( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في سائر الأمور.

( أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ ) لا محالة، فإنّ السين مؤكّدة للوقوع، مفيدة لوجود الرحمة لا محالة. ونحوه:( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) (١) ( سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ) (٢) ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) (٣) ( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) غالب على كلّ شيء، لا يمتنع عليه ما يريده، فهو يقدر على الثواب والعقاب( حَكِيمٌ ) يضع الأشياء مواضعها على حسب الاستحقاق.

( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ) تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش. وفي الحديث: أنّها قصور

__________________

(١) مريم: ٩٦.

(٢) النساء: ١٥٢.

(٣) الضحى: ٥.


بناها الله من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر( فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) إقامة وخلود.

وفي الكشّاف: «هو علم، لـما روى أبو الدرداء عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عدن دار الله تعالى الّتي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيّون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك. وقيل: مدينة في الجنّة.

وقيل: نهر جنّاته على حافّاته»(١) .

وفي الأنوار: «مرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدّد الموعود لكلّ واحد، أو للجميع على سبيل التوزيع. أو إلى تغاير وصفه، فكأنّه وصفه أوّلا بأنّه من جنس ما هو أبهى الأماكن الّتي يعرفونها، لتميل إليه طبائعهم أوّل ما يقرع أسماعهم. ثمّ وصفه بأنّه محفوف بطيب العيش، معرّى عن شوائب الكدورات الّتي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين. ثمّ وصفه بأنّه دار إقامة وثبات في جوار علّيين، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيّر. ثمّ وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال:( وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ) وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كلّه، لأنّ رضاه مبدأ لكلّ سعادة، وسبب لكلّ فوز وكرامة»(٢) .

وروي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنّ الله تعالى يقول لأهل الجنّة: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا».

( ذلِكَ ) أي: الرضوان، أو جميع ما تقدّم( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) الّذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها.

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٢٨٩ ـ ٢٩٠.

(٢) أنوار التنزيل ٣: ٧٤.


( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجهاد الّذي هو من أعظم الأسباب الموصلة إلى النعم المذكورة، فقال:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ ) بالسيف( وَالْمُنافِقِينَ ) بإلزام الحجّة وإقامة الحدود( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) في الجهادين جميعا، ولا ترقّ بهم( وَمَأْواهُمْ ) ومأوى الفريقين( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) .

( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤) )

وروي عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالسا في ظلّ حجرته، فقال: إنّه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم نظر الشيطان. فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فنزلت:( يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ) ما حكى عنهم( وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ ) وأظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام.

روي: أنّه عليه الصلاة والسلام أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلّفين. فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمّد لإخواننا حقّا


لنحن شرّ من الحمير، كما مرّ(١) آنفا. فبلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستحضره، فحلف بالله ما قاله، فنزلت هذه الآية. فتاب الجلاس، وحسنت توبته.

وروي أن اثني عشر أو خمسة عشر منافقا توافقوا عند مرجعهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك، أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنّم العقبة بالليل، على نحو ما مرّ.

فأخذ عمّار بن ياسر بخطام(٢) راحلته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها، كما سبق.

فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة(٣) السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثّمون، فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا.

وعن الباقرعليه‌السلام : ثمانية منهم من قريش، وأربعة من العرب.

فنزلت فيهم:( وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ) من قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقيل: نزلت عند إرادتهم إخراجهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإخراج المؤمنين من المدينة، أو عند إرادتهم أن يتوجّوا عبد الله بن أبيّ، أي: يجعلوه أميرا وإن لم يرض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( وَما نَقَمُوا ) وما أنكروا وعابوا، أو ما وجدوا ما يورث نقمتهم( إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ) فإنّ أكثر أهل المدينة كانوا محاويج في ضنك من العيش، فلمّا قدمهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاروا ذوي ثروة وغناء بالغنائم. وقتل مولى للجلاس، فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بديته اثني عشر ألف درهم، فاستغنى. والاستثناء مفرّغ من أعمّ المفاعيل أو العلل. والمعنى: أنّهم جعلوا موضع شكر النعمة كفرانها، وكان الواجب عليهم أن يقابلوها بالشكر.

( فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ ) أي: التوب( خَيْراً لَهُمْ ) هو الّذي حمل الجلاس على التوبة( وَإِنْ يَتَوَلَّوْا ) بالإصرار على النفاق( يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )

__________________

(١) في ص: ١٣٠.

(٢) الخطام: حبل يجعل في عنق البعير ويثنى في خطمه، وهو مقدم أنف الدابة وفمها.

(٣) قعقع السلاح: صوت.


بالقتل والنار( وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) فينجيهم من العذاب.

( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨) )

روي أنّ ثعلبة بن حاطب قال: «يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. فقال: قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه، فقال: والّذي بعثك بالحقّ لئن رزقني الله مالا لأعطينّ كلّ ذي حقّ حقّه. فدعا له، فاتّخذ غنما فنمت كما ينمي الدود حتّى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة. فسأل عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقيل: كثر ماله حتى لا يسعه واد، فقال: يا ويح ثعلبة. فبعث رسول الله مصدّقين لأخذ الصدقات، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم، ومرّا بثعلبة فسألاه واقرءاه كتاب رسول الله الّذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلّا جزية، ما هذه إلّا أخت الجزية، وقال: ارجعا حتّى أرى رأيي. فلمّا رجعا قال لهما رسول الله قبل أن يكلّماه: يا ويح ثعلبة مرّتين. فنزلت:( وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ ) على الفقراء حقوقهم( وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ) بإنفاقه في طاعة الله.

( فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ) منعوا حقّ الله تعالى منه( وَتَوَلَّوْا ) عن


طاعة الله( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) وهم قوم عادتهم الإعراض عنها. وبعد نزول هذه الآية جاء ثعلبة بالصدقة، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ الله منعني أن أقبل منك».

فجعل يحثوا التراب على رأسه. فقال: هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني. فقبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فجاء بها إلى أبي بكر فلم يقبلها، ثمّ جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان.

( فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ) أي: فجعل الله تعالى عاقبة فعلهم ذلك نفاقا وسوء اعتقاد في قلوبهم، وتخلية وخذلانا، يعني: خذلهم حتّى نافقوا فتمكّن النفاق في قلوبهم، لا ينفكّ عنها إلى أن يموتوا. وعن الحسن وقتادة: أن الضمير للبخل.

والمعنى: فأورثهم البخل نفاقا متمكّنا في قلوبهم( إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ) يلقون عملهم، أي: جزاءه، وهو يوم القيامة( بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ ) بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدّق والصلاح( وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ) وبكونهم كاذبين فيه، فإنّ خلف الوعد متضمّن للكذب مستقبح، ومنه جعل خلف(١) الوعد ثلث النفاق. أو في المقال مطلقا.

( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) أي: المنافقون، أو من عاهد الله تعالى( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ) ما أسرّوه في أنفسهم من النفاق، أو العزم على الإخلاف( وَنَجْواهُمْ ) وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، أو تسمية الزكاة جزية( وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) فلا يخفى عليه ذلك.

( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) )

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «لأن المنافق هو الذي إذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب».


روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حثّ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب، وقيل: بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف، فأقرضت ربّي أربعة، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فبارك الله له حتّى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم.

وتصدّق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر. وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر فقال: بتّ ليلتي أجرّ بالجرير(١) على صاعين، فتركت صاعا لعيالي، وجئت بصاع. فأمره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينثره على الصدقات.

فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء، ولقد كان الله ورسوله لغنيّين عن صاع أبي عقيل، ولكنّه أحبّ أن يذكّر بنفسه ليعطى من الصدقات. فنزلت:( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ) ذمّ مرفوع أو منصوب، أو بدل من الضمير في «سرّهم»، أي: الّذين يعيبون ويطعنون( الْمُطَّوِّعِينَ ) المتطوّعين المتبرّعين( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ) إلّا طاقتهم، فيتصدّقون بالقليل( فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ) يستهزؤن بهم( سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ) جازاهم على سخريّتهم، كقوله تعالى:( اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) (٢) ( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) على كفرهم.

( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) )

روي أنّ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ـ وكان من المخلصين ـ سأل رسول

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «الجرير: الحبل الذي يجرّ به البعير. ومعناه: استقى للناس على أجر صاعين. منه».

(٢) البقرة: ١٥.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرض أبيه ـ لعنه الله ـ أن يستغفر له، فنزلت:( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ )

الأمر والنهي في معنى الخبر. والمعنى: لن يغفر الله لهم استغفرت أم لم تستغفر لهم. وفيه معنى الشرط والجزاء. والمراد به المبالغة في اليأس من المغفرة بأنّه لو طلبها طلب المأمور بها وتركها ترك المنهيّ عنها لكان ذلك سواء في أنّ الله تعالى لا يفعلها، فيريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم، كما نصّ عليه بقوله:( إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) وقد شاع في كلامهم استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير دون التحديد.

وما قيل: من أنّه قال: لأزيدنّ على السبعين، فنزلت سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لن يغفر الله لهم. وذلك لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهم من السبعين العدد المخصوص، لأنّه الأصل، فجوّز أن يكون ذلك حدّا يخالفه حكم ما وراءه، فبيّن له أنّ المراد به التكثير دون التحديد.

ضعيف(١) ، لأنّه خبر واحد لا يعوّل عليه، لأنّه يتضمّن أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر للكفّار، وذلك غير جائز بالإجماع. وكذا أورد في الآحاد أنّه قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو علمت أنّه لو زدت على السبعين مرّة غفر لهم لفعلت.

ويحتمل أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرجو أن يكون لهم لطف يصلحون به، فعزم على الاستغفار لهم قبل أن يعلم بكفرهم ونفاقهم. ويمكن أن يكون قد استغفر لهم قبل أن يخبر بأنّ الكافر لا يغفر له، أو قبل أن يمنع منه. ويجوز أن يكون استغفاره لهم واقعا بشرط التوبة من الكفر، فمنعه الله منه، وأخبره بأنّهم لا يؤمنون أبدا، فلا فائدة في الاستغفار لهم. والله أعلم.

( ذلِكَ ) أي: اليأس من المغفرة وعدم جواز استغفارك ليس لبخل منّا، ولا قصور فيك، بل( بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) بسبب الكفر الصارف عنها( وَاللهُ لا

__________________

(١) خبر لـ «ما قيل» قبل أسطر.


يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) المتمرّدين في كفرهم. وهو كالدليل على الحكم السابق، فإنّ مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر والإرشاد إلى الحقّ، والمنهمك في كفره المطبوع عليه لا ينقلع ولا يهتدي. ويجوز أن يكون ذلك تنبيها على عذر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في استغفاره، وهو عدم يأسه عن إيمانهم ما لم يعلم أنّهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم، لقوله:( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) (١) .

( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) )

ثمّ أخبر سبحانه عن المنافقين المخلّفين عن تبوك وابتهاجهم بذلك، فقال:( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ) أي: الّذين خلّفهم النبيّ ولم يخرجهم معه إلى تبوك، لأنّهم استأذنوه في التأخّر فأذن لهم، ففرحوا( بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ ) بقعودهم عن

__________________

(١) التوبة: ١١٣.


الغزو خلفه. يقال: أقام خلاف الحيّ، أي بعدهم. ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة، لأنّهم خالفوه حيث قعدوا، فيكون انتصابه على العلّة أو الحال، أي: قعدوا عن تبوك لمخالفة رسول الله، أو مخالفين.

( وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) إيثارا للدعة والراحة على طاعة الله. وفيه تعريض بالمؤمنين الّذين آثروا عليها تحصيل رضاه ببذل الأموال والمهج( وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ) أي: قال بعضهم لبعض، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا وإقعادا عن الجهاد.( قُلْ نارُ جَهَنَّمَ ) الّتي وجبت لهم بالتخلّف عن أمر الله( أَشَدُّ حَرًّا ) من هذا الحرّ بمراتب غير متناهية، وقد آثرتموها بهذه المخالفة( لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ) أن مآبهم إليها، أو أنّها كيف اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة.

ثمّ أخبر عمّا يئول إليه حالهم في الدنيا والآخرة:( فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على أنّه حتم واجب. ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغمّ. والمراد من القلّة العدم.

( فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ) فإن ردّك إلى المدينة وفيها طائفة من المتخلّفين، يعني: منافقيهم، فإنّ كلّهم لم يكونوا منافقين، أو من بقي منهم، وكان المتخلّفون اثني عشر رجلا أو ثمانية عشر( فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ) إلى غزوة اخرى بعد تبوك( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ) إخبار في معنى النهي للمبالغة( إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) تعليل له. وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلّفهم. وأوّل مرّة هي الخرجة إلى غزوة تبوك( فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ) أي: المتخلّفين، لعدم لياقتكم للجهاد، كالنساء والصبيان.


( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) )

روي أنّ ابن أبيّ المنافق دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه، فلمّا دخل عليه سأله أن يستغفر له، ويكفّنه في شعاره الّذي يلي جسده ويصلّي عليه، فلمّا مات أرسل قميصه ليكفّن فيه، وذهب ليصلّي عليه، فأخذ جبرئيل بثوبه وتلا عليه:( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ) يعني: الموت على الكفر والنفاق.

واعلم أنّ «مات» وقع صفة للنكرة وهو «أحد». وأتى بصيغة الماضي، وإن كان متعلّق النهي مستقبلا، نظرا إلى وقت إيقاع الصلاة، فإنّه بعد الموت، فيكون الموت ماضيا بالنسبة إليه.

وإنّما قال: «أبدا» وإن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس بأبديّ، لأنّ المراد: لا تصلّ أنت ولا أمّتك أبدا، أو يكون المراد أنّهم لا يستحقّون الصلاة أبدا لكفرهم. والأولى أنّه قيّده بالثانية قطعا لأطماعهم في ذلك، أو قطعا لتجويز النسخ. وفي بعض الروايات أنّه صلّى عليه، فقال له عمر: أتصلّي على عدوّ الله؟ فقال له: «وما يدريك ما قلت؟ فإنّي قلت: أللَّهمّ احش قبره نارا، وسلّط عليه الحيّات والعقارب».

وإنّما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهي عن الصلاة عليه، لأنّ الضنّة بالقميص كان مخلّا بالكرم، ولأنّه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر.

روي أنّه قيل له: لم وجّهت إليه بقميصك وهو كافر؟ فقال: إنّ قميصي لن يغني عنه من الله شيئا، وإنّي أؤمّل من الله تعالى أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب. فيروى أنّه أسلم ألف من الخزرج.


( وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ) ولا تقف عند قبره للدفن، أو للزيارة والدعاء.

روي: أنّهعليه‌السلام كان إذا صلّى على ميّت وقف على قبره ساعة يدعو له، فنهي عن الأمرين في المنافقين بسبب كفرهم بالله وموتهم على النفاق، كما قالعزوجل ( إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ) تعليل للنهي. والفسق هنا الكفر، لأنّه أعمّ منه، ويجوز إطلاق العامّ على الخاصّ.

( وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ) كرّر للتأكيد. والأمر حقيق به، فإنّ الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مغتبطة عليها. ويجوز أن تكون هذه في فريق غير الأوّل.

( وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) )

ثمّ بيّن سبحانه تمام أخبار المنافقين، فقال:( وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ) من القرآن. ويجوز أن يراد بها بعضها، كما يقع القرآن والكتاب على كلّه وعلى بعضه.

( أَنْ آمِنُوا بِاللهِ ) بأن آمنوا. ويجوز أن تكون «أن» المفسّرة.( وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ


اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ ) ذووا الفضل والسعة، من: طال عليه طولا( وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ) الّذين قعدوا عن الحرب.

( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ) مع النساء. جمع خالفة. وقد يقال: الخالفة للّذي لا خير فيه.( وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ) خذلانا وتخلية( فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) ما في الجهاد وموافقة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السعادة، وما في التخلّف عنه من الشقاوة.

( لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) أي: إن تخلّف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم( وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ) منافع الدارين: النصر والغنيمة في الدنيا، والجنّة والكرامة في الآخرة. وقيل: الحور، لقوله تعالى:( فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ) (١) . وهي جمع خيرة تخفيف خيّرة.( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بالمطالب.

ثمّ بيّن ما لهم من الخيرات الأخرويّة بقوله:( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .

( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) )

روي أنّ أسدا وغطفان استأذنوا في التخلّف، معتذرين بالجهد وكثرة العيال، فنزلت فيهم:( وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) في التخلّف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت طيّ على أهالينا ومواشينا.

والمعذّر إمّا من: عذّر في الأمر إذا قصّر فيه موهما أنّ له عذرا ولا عذر له، أو من: اعتذر إذا مهّد العذر، بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين. وقرأ

__________________

(١) الرحمن: ٧٠.


يعقوب: المعذرون.

( وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ ) نزل في غيرهم، وهم منافقوا الأعراب كذبوا الله ورسوله في ادّعاء الايمان. وإن كانوا هم الأوّلين فكذبهم بالاعتذار.

( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) من الأعراب أو من المعذّرين، فإنّ منهم من اعتذر لكسله لا لكفره( عَذابٌ أَلِيمٌ ) بالقتل والنار.

( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) )

قيل: إنّ عبد الله بن أمّ مكتوم ـ وكان ضرير البصر ـ جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا نبيّ الله إنّي شيخ ضرير خفيف الحال خفيف الجسم وليس لي قائد، فهل لي رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فنزلت:( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ ) هم الّذين قوّتهم ناقصة بالزمانة والعجز، كالهرمى(١) ( وَلا عَلَى الْمَرْضى ) هم أصحاب العلل المانعة من الخروج( وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما

__________________

(١) جمع الهرم، وهو الضعيف البالغ أقصى الكبر.


يُنْفِقُونَ ) لفقرهم، كجهينة ومزينة وبني عذرة( حَرَجٌ ) إثم في التأخّر( إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) خلصوا لله ولرسوله بالإيمان والطاعة في السرّ والعلانية، كما يفعل الموالي الناصح، أو بما قدروا عليه فعلا أو قولا يعود على الإسلام والمسلمين بالصلاح.

( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل المؤاخذة. وإنّما وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على أنّهم منخرطون في سلك المحسنين، غير معاتبين لذلك.( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لهم أو للمسيء، فكيف المحسن؟!

روي أنّ سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل، وعلية بن زيد، أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالوا: نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة نغز معك. فقال: لا أجد. فتولّوا وهم يبكون.

فنزلت فيهم:( وَلا عَلَى الَّذِينَ ) عطف على الضعفاء، أو على المحسنين( إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ) أي: جاؤا يسألونك مركبا يركبونه فيخرجون معك إلى الجهاد، إذ ليس معهم من الأموال والظهر ما يمكنهم للخروج في سبيل الله( قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ) حال من الكاف في أتوك بإضمار «قد»( تَوَلَّوْا ) جواب «إذا» أي: رجعوا عنك( وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) أي: من دمعها، فإنّ «من» للبيان، وهي مع المجرور في محلّ النصب على التمييز. وهذا ابلغ من: يفيض دمعها، لأنّه يدلّ على أنّ العين جعلت كأنّ كلّها دمعا فيّاضا( حَزَناً ) نصب على العلّة أو الحال أو المصدر لفعل دلّ عليه ما قبله( أَلَّا يَجِدُوا ) متعلّق بـ «حزنا» أو بـ «تفيض» على تقدير اللام، أي: لئلّا يجدوا( ما يُنْفِقُونَ ) في مغزاهم.

عن الواقدي: أنّهم لـمّا بكوا كثيرا حمل عثمان منهم رجلين، والعبّاس بن


عبد المطّلب رجلين، ويامين بن كعب النضري ثلاثة.

( إِنَّمَا السَّبِيلُ ) بالمعاتبة( عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ) واجدون الأهبة( رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ) استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر، كأنّه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في سلك الخوالف إيثارا للدعة( وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) خذلانا وتخلية حتّى غفلوا عن وخامة العاقبة( فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) عاقبته في التخلّف.

( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) )

قيل: إنّ ثمانين رجلا من المنافقين، منهم جدّ بن قيس ومعتب بن قشير، اعتذروا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تخلّفهم لـمّا قدم راجعا من تبوك، فقال: لا تجالسوهم ولا تكلّموهم، فنزلت:( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ ) في التخلّف بالأباطيل( إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ) من هذا السفر( قُلْ لا تَعْتَذِرُوا ) بالمعاذير الكاذبة، لأنّه( لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ) لن نصدّقكم، لأنّه( قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ ) أعلمنا بالوحي( مِنْ أَخْبارِكُمْ ) بعض أخباركم، وهو


ما في ضمائركم من الشرّ والفساد( وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ) أتتوبون عن الكفر أم تثبتون عليه؟ فكأنّه استتابة وإمهال للتوبة( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) أي: إليه، فوضع الوصف موضع الضمير، للدلالة على أنّه مطّلع على سرّهم وعلنهم، لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بالتوبيخ والعقاب عليه.

( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ) لتصفحوا عن جرمهم، فلا تعاتبوهم ولا تعنّفوهم( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ) إعراض ردّ وإنكار وتكذيب، فلا توبّخوهم( إِنَّهُمْ رِجْسٌ ) نجس كالشيء الخبيث الّذي يجب الاجتناب عنه، فاجتنبوهم كما تجتنب الأنجاس، فإنّه لا ينفع فيهم التوبيخ والتعيير، فإن المقصود منه التطهير بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير، فهو علّة الإعراض وترك المعاتبة( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) من تمام التعليل، وكأنّه قال: إنّهم أرجاس من أهل النار لا ينفع فيهم التوبيخ والعتاب في الدنيا والآخرة. أو تعليل ثان، والمعنى: أنّ النار كفتهم عتابا، فلا تتكلّفوا عتابهم( جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) يجوز أن يكون مصدرا، وأن يكون علّة.

( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ) بحلفهم، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) أي: فإنّ رضاكم لا يستلزم رضا الله، ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله تعالى وعقابه. أو إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم، لا يمكنهم أن يلبسوا على الله تعالى، فلا يهتك سترهم، ولا ينزل الهوان بهم. والمقصود من الآية النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم.

وفي هذه الآية دلالة على أنّ من طلب بفعله رضا الناس ولم يطلب رضا الله تعالى، فإنّ الله يسخط الناس عليه، كما جاء في الحديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال :


«من التمس رضا الله بسخط الناسرضي‌الله‌عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».

( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) )

ولـمّا تقدّم ذكر المنافقين بيّن سبحانه أنّ الأعراب منهم أشدّ في ذلك وأكثر جهلا، فقال:( الْأَعْرابُ ) أهل البدو( أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً ) من أهل الحضر، لتوحّشهم وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم، وقلّة استماعهم للكتاب والسنّة( وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا ) وأحقّ وأحرى بأن لا يعلموا( حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ ) من الشرائع، فرائضها وسننها( وَاللهُ عَلِيمٌ ) يعلم حال كلّ أحد من أهل الوبر والمدر( حَكِيمٌ ) فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابا وثوابا.

( وَمِنَ الْأَعْرابِ ) ومن منافقي الأعراب( مَنْ يَتَّخِذُ ) يعدّ( ما يُنْفِقُ ) يصرفه في سبيل الله ويتصدّق به( مَغْرَماً ) غرامة وخسرانا، ولا يحتسبه عند الله تعالى، ولا يرجو عليه ثوابا، وإنّما ينفق رياء أو تقيّة من أهل الإسلام، لا


لوجه الله( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ) دوائر الزمان وحوادث الأيّام وعواقب الأمور من نوب الشدائد، لينقلب الأمر عليكم، وتذهب غلبتكم عليه، فيتخلّص من الإنفاق.

( عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ) اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربّصون، من قبيل:( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا ) (١) . أو بالإخبار عن وقوع ما يتربّصون عليهم. والدائرة في الأصل مصدر، أو اسم فاعل من: دار يدور. وسمّي به عقبة الزمان. والسّوء بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة، كقولك: رجل صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: السّوء، هنا وفي الفتح(٢) بضمّ السين، وهو العذاب.

( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لـما يقولون عند الإنفاق( عَلِيمٌ ) بما يضمرون. قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم.

ثمّ بيّن سبحانه من الأعراب المؤمنين المخلصين، فقال:( وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ ) سبب قربات. وهي ثاني مفعولي «يتّخذ»( عِنْدَ اللهِ ) صفتها، أو ظرف لـ «يتّخذ»( وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ) وسبب صلواته، لأنّه كان يدعو للمتصدّقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أللَّهمّ صلّ على آل أبي أوفى، لـمّا أتاه أبو أوفى بصدقته.

( أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ) تقرّبهم إلى ثواب الله. وهذا شهادة من الله تعالى بصحّة معتقدهم، وتصديق لرجائهم على الاستئناف، مع حرف التنبيه، و «إنّ» المحقّقة للنسبة، والضمير لنفقتهم. وقرأ ورش: قربة بضمّ الراء.( سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ ) وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم. والسين لتحقيقه. وقوله:( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لتقريره. وهذه الآية في عبد الله ذي البجادين ورهطه.

__________________

(١) المائدة: ٦٤.

(٢) الفتح: ٦.


( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) )

ولـمّا تقدّم ذكر الأعراب بقسميهم، عقّبه بذكر السابقين إلى الايمان، فقال:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) أي: السابقون إلى الايمان وإلى الطاعات. وإنّما مدحهم بالسبق لأنّ السابق إلى شيء يتبعه غيره، فيكون متبوعا وغير تابع له، فهو إمام فيه وداع إلى الخير بسبقه إليه، وكذلك من سبق إلى الشرّ يكون أسوأ حالا لهذه العلّة.

( مِنَ الْمُهاجِرِينَ ) من الّذين هاجروا من مكّة إلى المدينة وإلى الحبشة.

وهؤلاء السابقون هم الّذين صلّوا إلى القبلتين. وقيل: الّذين شهدوا بدرا، أو الّذين أسلموا قبل الهجرة.

( وَالْأَنْصارِ ) الّذين سبقوا نظراءهم من أهل المدينة إلى الإسلام. وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة أو اثني عشر رجلا، وأهل العقبة الثانية، وكانوا سبعين. والّذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير، فعلّمهم القرآن.

( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ) لحقوا بالسابقين من القبيلتين، أو من اتّبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة.

( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم( وَرَضُوا عَنْهُ ) بما نالوا من نعمه الدينيّة والدنيويّة( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ ) . وقرأ ابن كثير: من تحتها، كما هو في سائر المواضع.( خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) الّذي يصغر في جنبه كلّ نعيم.

قال في المجمع: «وفي هذه الآية دلالة على فضل السابقين ومزيّتهم على


غيرهم، لـما لحقهم من أنواع المشقّة في نصرة الدين، فمنها مفارقة العشائر والأقربين، ومنها مباينة المألوف من الدين، ومنها نصرة الإسلام مع قلّة العدد وكثرة العدوّ، ومنها السبق إلى الايمان والدعاء إليه.

واختلف في أوّل من أسلم من المهاجرين. قيل: أوّل من آمن خديجة بنت خويلد، ثمّ عليّ بن أبي طالب. وهو قول ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وأنس، وزيد بن أرقم، ومجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، وغيرهم.

وقال أنس: بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الاثنين، وأسلم عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وصلّى خلف رسول الله يوم الثلاثاء.

وقال مجاهد وابن إسحاق: إنّه أسلم وهو ابن عشر سنين، وكان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أخذه من أبي طالب وضمّه إلى نفسه يربّيه في حجره، وكان معه حتّى بعث نبيّا.

وقال الكلبي: إنّه أسلم وله تسع سنين. وقيل: اثنتا عشرة سنة، عن أبي الأسود. قال السيّد أبو طالب الهروي: وهو الصحيح.

وفي تفسير الثعلبي روى إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف، قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت مكّة أيّام الحجّ، فنزلت على العبّاس بن عبد المطّلب، وكان العبّاس لي صديقا، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر فيبيعه أيّام الموسم. فبينما أنا والعبّاس بمنى إذ جاء رجل شابّ حين حلّقت(١) الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء، ثمّ استقبل الكعبة فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشابّ فركع الغلام والمرأة، فخرّ الشابّ ساجدا فسجدا معه، فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة.

__________________

(١) أي: ارتفعت.


فقلت: يا عبّاس أمر عظيم.

فقال: أمر عظيم.

فقلت: ويحك ما هذا؟

فقال: هذا ابن أخي محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب يزعم أنّ الله بعثه رسولا، وأنّ كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذا الغلام عليّ بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمّد، تابعاه على دينه، وأيم الله ما على ظهر الأرض كلّها أحد على هذا الدين غير هؤلاء.

فقال عفيف الكندي بعد ما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه: يا ليتني كنت رابعا.

وروي أنّ أبا طالب قال لعليّعليه‌السلام : أي: بنيّ ما هذا الدين الّذي أنت عليه؟

قال: يا أبة آمنت بالله ورسوله، وصدّقته فيما جاء به، وصلّيت معه لله. فقال له: ألا إنّ محمّدا لا يدعو إلّا إلى خير فالزمه.

وروى عبيد الله بن موسى، عن العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، قال: سمعت عليّاعليه‌السلام يقول: «أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي إلّا كذّاب مفتر، صلّيت قبل الناس سبع سنين».

وفي مسند السيّد أبي طالب الهروي مرفوعا إلى أبي أيّوب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «صلّت الملائكة عليّ وعلى عليّ سبع سنين، وذلك أنّه لم يصلّ فيها أحد غيري وغيره».

وقيل: إنّ أوّل من أسلم بعد خديجة أبو بكر. عن إبراهيم النخعي. وقيل: أوّل من أسلم بعدها زيد بن حارثة. عن الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن أبي الزبير.

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني(١) بإسناده مرفوعا إلى عبد الرحمن بن

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٣٣٣ ح ٣٤٢.


عوف في قوله تعالى:( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) قال: «هم عشرة من قريش، أوّلهم إسلاما عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام »(١) .

( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١) )

ثمّ عاد الكلام إلى ذكر المنافقين، فقال:( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ ) من جملة من حول بلدتكم، يعني: المدينة( مِنَ الْأَعْرابِ ) الّذين يسكنون البدو( مُنافِقُونَ ) وهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) عطف على خبر المبتدأ الّذي هو «ممّن حولكم». ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدّرت: ومن أهل المدينة قوم.( مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ) أي تمرّنوا على النفاق، من قولهم: مرن فلان على عمله ومرد عليه، إذا درب به حتّى لان عليه ومهر فيه. فعلى الوجه الأخير «مردوا» صفة موصوف محذوف. ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قوله: أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا، أي: أنا ابن رجل جلا ووضح أمره. وعلى الأوّل صفة للمنافقين فصّل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر، أو كلام مبتدأ لبيان تمرّنهم وتمهّرهم في النفاق.

ودلّ على مهارتهم في النفاق قوله:( لا تَعْلَمُهُمْ ) لا تعرفهم بأعيانهم، أي: مهارتهم فيه وتنوّقهم في تحامي مواقع التهم إلى حدّ أخفى عليك حالهم، مع كمال فطنتك وصدق فراستك.

__________________

(١) مجمع البيان ٥: ٦٤ ـ ٦٥.


ثمّ قال:( نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) لا يعلمهم إلّا الله المطّلع على البواطن، لأنّهم يبطنون الكفر في ضمائرهم، ويظهرون لك الايمان وظاهر الإخلاص الّذي لا تشكّ في أمرهم، فهم وإن لبسوا عليك لكن لم يقدروا أن يلبسوا علينا.

( سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ) بالفضيحة والقتل على أيدي الملائكة، أو بأحدهما وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان.

عن ابن عبّاس أنّهم اختلفوا في هاتين المرّتين فقال: قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيبا يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان فإنّك منافق، اخرج يا فلان فإنّك منافق، وأخرج ناسا وفضحهم، فهذا العذاب الأوّل، والثاني عذاب القبر.

( ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ ) هو عذاب النار.

( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) )

روي أنّ ثلاثة من المتخلّفين وهم: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام، أو عشرة، وقيل: سبعة منهم هؤلاء الثلاثة، لـمّا سمعوا ما نزل في المتخلّفين عن تبوك أيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد توبة وندما على فعلهم، وكان سبب تأخّرهم اشتغالهم بإصلاح أموالهم. فقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فدخل المسجد فصلّى ركعتين، وكانت عادته كلّما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم، فذكر له أنّهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الّذي يحلّهم. فقال: وأنا أقسم أن لا أحلّهم حتّى اومر فيهم، فنزلت :

( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) ولم يعتذروا من تخلّفهم بالمعاذير الكاذبة( خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) أي: خلطوا العمل الصالح الّذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب، بآخر سيّء هو التخلّف وموافقة أهل النفاق. والواو إما بمعنى الباء، كما في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهما، أي: بدرهم، أو واقعة بمعناه الأصلي


للدلالة على أنّ كلّ واحد منهما مخلوط بالآخر، كما تقول: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كلّ واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن، لأنّك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به، وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما، كأنّك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء.

وفيه دلالة على بطلان القول بالإحباط، لأنّه لو كان أحد العملين محبطا لم يكن لقوله: «خلطوا» معنى، لأنّ الخلط يستعمل في الجمع مع امتزاج، كخلط الماء واللبن، وبغير امتزاج، كخلط الدنانير والدراهم.

( عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أن يقبل توبتهم. وهي مدلول عليها بقوله:( اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ) .( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يتجاوز عن التائب ويتفضّل عليه.

( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) )

روي أنّه لـمّا نزلت هذه الآية أطلقهم رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنفسه النفيسة، ولـمّا أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا الّتي خلّفتنا فتصدّق بها وطهّرنا. فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فنزلت:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) من الذنوب، أو حبّ المال المؤدّي بهم إلى مثله. والفعل صفة للصدقة، أي: صدقة مطهّرة. ويجوز


أن يكون التاء للخطاب لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أي: تطهّرهم أنت.

( وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) وتنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين. وقيل: التزكية بمعنى التطهير تأكيدا. ولا شبهة أنّ التأسيس أولى. وإنّما لم يجزم الفعلين ليكون جوابا للأمر، لأنّ في جعلهما صفتين فائدة زائدة، وهي أنّ المأمور أخذ صدقة مطهّرة، وهي الّتي تكون عن طيب نفس وانشراح صدر بنيّة خالصة، لا مطلق الصدقة، ومع الجزم لا يفيد إلّا مطلق الصدقة. فعلى هذا تكون التاء للخطاب.

( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) وترحّم عليهم بالدعاء لهم بقبول صدقاتهم والاستغفار لهم( إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) هو ما يسكن إليه. والمراد أنّهم تسكن إليها نفوسهم، وتطمئنّ بها قلوبهم، وتطيب بقبول صدقتهم. وجمعها لتعدّد المدعوّ لهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتوحيد.( وَاللهُ سَمِيعٌ ) باعترافهم بذنوبهم( عَلِيمٌ ) بما في ضمائرهم من الندم والغمّ لـما فرط منهم.

والأمر للوجوب عند أكثر أصحابنا، وعند آخرين للندب. وهذه مسألة أصوليّة، من أراد تحقيقها فليرجع إلى الكتب الأصوليّة. وهذا الحكم ثابت في أئمّتناعليهم‌السلام القائمين مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل في الفقير والساعي، للتاسّي، ولجريان علّة الصلاة فيهم، وهي تطييب النفوس وطمأنينة القلوب.

قال الزهري بعد ذكر ما تقدّم: قال أبو لبابة: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي الّتي أصبت فيها الذنب، وأنا انخلع من مالي كلّه. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يجزيك يا أبا لبابة الثلث. فأخذصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلث أموالهم وترك الثلثين، لأنّ الله تعالى قال:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ) ولم يقل: خذ أموالهم.

وعن الحسن: المراد بها الأمر بأن يأخذ الصدقة من أموال هؤلاء التائبين تشديدا للتكليف، وليست بالصدقة المفروضة، بل هي على سبيل الكفّارة للذنوب الّتي أصابوها.


وعن الجبّائي وأكثر المفسّرين أنّ المراد بهذه الصدقة الصدقة المفروضة، أعني: الزكاة. وهو الظاهر، لأنّ حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له، فيكون أمرا بأن يأخذ من المالكين للنصاب الزكاة من الورق إذا بلغ مائتي درهم، ومن الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا، ومن الإبل إذا بلغ خمسا، ومن البقر إذا بلغت ثلاثين، ومن الغنم إذا بلغت أربعين، ومن الغلّات الأربع إذا بلغت خمسة أوسق.

( أَلَمْ يَعْلَمُوا ) الضمير إمّا للمتوب عليهم، والهمزة للتقرير والتنبيه على وجوب علمهم بأنّ الله تعالى هو يقبل التوبة، وهو الّذي يأخذ الصدقة. والمعنى: ألم يعلموا قبول توبتهم ـ قبل أن يتوب عليهم وتقبل صدقاتهم ـ والاعتداد بصدقاتهم.

أو الضمير لغيرهم، والمراد به التحضيض عليهما.

( أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ) إذا صحّت. وتعديته بـ «عن» لتضمّنه معنى التجاوز.( وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) يقبلها إذا صدرت عن خلوص النيّة، قبول من يأخذ شيئا ليؤدّي بدله( وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) وأنّ من شأنه قبول توبة التائبين والتفضّل عليهم.

ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار لعدم علمهم، وذلك أنّهم لـمّا سألوا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ أموالهم ويقبل توبتهم كما تقدّم ذكره، ولم يعلموا أنّه لا يقبل التوبة غير الله ولا يأخذ الصدقة إلّا هو، أنكر ذلك عليهم. وفائدة لفظ «هو» للحصر، أي: لا يقبل إلّا هو.

وفي الآية من المبالغة في وجوب العلم بقبول التوبة وأخذ الصدقة، وأنّه كثير القبول للتوبة ورحيم بعباده، ما يظهر لمن تدبّر تركيبها بإيراد الاستفهام بالمعنيين المذكورين، وإردافه بالعلم، ثمّ الإتيان بالجملة المؤكّدة بـ «أنّ» وأداة الحصر، وذلك غاية رأفته بعباده ورحمته لهم.

( وَقُلِ اعْمَلُوا ) ما شئتم( فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ ) فإنّه لا يخفى عليه، خيرا كان


أو شرّا( وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) فإنّه تعالى لا يخفى عنهم كما رأيتم وتبيّن لكم.

وإنّما أدخل السين لأنّ ما لم يحدث لا تتعلّق به الرؤية، فكأنّه قال: كلّ ما تعملونه يراه الله تعالى. وقيل: أراد بالمؤمنين الشهداء. وقيل: الملائكة الّذين هم الحفظة الّذين يكتبون الأعمال. وروى أصحابنا أنّ أعمال الأمّة تعرض على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلّ اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على أئمّة الهدىعليهم‌السلام القائمين مقامه فيعرفونها، وهم المعنيّون بقوله: «والمؤمنون».( وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) بالموت( فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بالمجازاة عليه.

( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) )

روي أنّ كعب بن مالك وهلال بن أميّة ومرارة بن الربيع ـ وهم من الأوس والخزرج ـ لـمّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم من تبوك، أتوا عنده وقالوا: يا رسول الله ما لنا من عذر، ولم نعتذر إليك بالكذب، وإنّما تخلّفنا توانيا عن الاستعداد حتّى فاتنا المسير. فقال: صدقتم قوموا حتّى يقضي الله حكمه. فنهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن مكالمتهم، وأمر نساءهم باعتزالهم، حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. فأقاموا على ذلك خمسين ليلة، وبنى كعب خيمة على سلع(١) يكون فيها وحده.

فنزلت فيهم:( وَآخَرُونَ ) من المتخلّفين( مُرْجَوْنَ ) مؤخّرون، أي: موقوف أمرهم، من: أرجأته إذا أخّرته. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص: مرجون بالواو. وهما لغتان(٢) .( لِأَمْرِ اللهِ ) في شأنهم( إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ ) إن بقوا على الإصرار على النفاق

__________________

(١) السلع: جبل بالمدينة.

(٢) أي: قراءة مرجئون بالهمز ومرجون.


ولم يتوبوا( وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) إن تابوا. والترديد للعباد.( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بأحوالهم( حَكِيمٌ ) فيما يفعل بهم. ولـمّا أخلصوا نيّاتهم وفوّضوا أمرهم إلى الله تعالى رحمهم وقبل توبتهم. وتصدّق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته.

وفي هذه الآية دلالة على صحّة مذهبنا في جواز العفو عن العصاة، لأنّه سبحانه بيّن أن قوما من العصاة يكون أمرهم إلى الله، إن شاء عذّبهم وإن شاء قبل توبتهم، فعفا عنهم. ويدلّ أيضا على أنّ قبول التوبة تفضّل من الله سبحانه، لأنّه لو كان واجبا لـما جاز تعليقه بالمشيئة.

( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) )

قال المفسّرون: إنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا، وبعثوا إلى رسول


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأتيهم، فأتاهم وصلّى فيه. فحسدهم إخوتهم المتخلّفون، وهم بنو غنم بن عوف، وكانوا من المنافقين، فقالوا: نبني مسجدا فيصلّي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الّذي سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفاسق.

وقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلمّا انهزمت هوازن خرج هاربا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإنّي ذاهب إلى قيصر وآت بجنود، ومخرج محمّدا وأصحابه من المدينة.

وكانوا اثني عشر رجلا. وقيل: خمسة عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، ونبتل بن الحارث.

فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا، فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنّا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه وتدعو لنا بالخير والبركة. فقال: إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلّينا لكم فيه.

فلمّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك نزلت:( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ) عطف على( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ) . أو مبتدأ خبره محذوف، أي: وممّن وصفنا الّذين اتّخذوا. أو منصوب على الاختصاص. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو.( ضِراراً ) مضارّة للمؤمنين( وَكُفْراً ) وتقوية للكفر الّذي يضمرونه( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يريد الّذين كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قبا( وَإِرْصاداً ) ترقّبا( لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يعني: الراهب( مِنْ قَبْلُ ) متعلّق بـ «حارب» أي: لأجل من حارب الله ورسوله من قبل أن يتّخذوا المسجد، أو بـ «اتّخذوا» أي: اتّخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلّف.

قيل: أبو عامر كان قد ترهّب في الجاهليّة ولبس المسوح(١) ، فلمّا قدم

__________________

(١) المسوح جمع المسح، وهو ما يلبس من نسيج الشعر على البدن زهدا وتقشّفا.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة حسده، وجمع الجيوش عليه يوم الأحزاب، فلمّا انهزموا خرج إلى الشام ولحق إلى الروم فتنصّر، ومات بقنّسرين وحيدا.

( وَلَيَحْلِفُنَ ) يعني: هؤلاء المنافقين( إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى ) ما أردنا ببنائه إلّا الخصلة الحسنى، أو لإرادة الحسنى، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلّين( وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) في حلفهم.

( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً ) للصّلاة( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ) يعني: مسجد قبا أسّسه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصلّى فيه أيّام مقامه بقبا من الاثنين إلى الجمعة. وقبا اسم قرية من قرى المدينة. وهذا أوفق للقصّة. وقيل: إنّه مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لقول أبي سعيد: سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه فقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة.

( مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) من أيّام وجوده. و «من» يعمّ الزمان والمكان.( أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ) أولى بأن تصلّي فيه( فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ) من المعاصي والخصال المذمومة طلبا لمرضاة الله. وقيل: من الجنابة، فلا ينامون عليها.( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه إدناء المحبّ حبيبه.

وبعد نزول الآية عند قدوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك دعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، ففعل واتّخذ مكانه كناسة.

قيل: لـمّا نزلت مشى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه المهاجرون حتّى وقف على باب مسجد قبا، فإذا الأنصار جلوس، فقال: أمؤمنون أنتم؟ فسكتوا، فأعادها.

فقال عمر: إنّهم مؤمنون وأنا معهم.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أترضون بالقضاء؟

قالوا: نعم.

قال: أتصبرون على البلاء؟


قالوا: نعم.

قال: أتشكرون في الرخاء؟

قالوا: نعم.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مؤمنون وربّ الكعبة. فجلس ثمّ قال: يا معشر الأنصار إنّ اللهعزوجل قد أثنى عليكم فما الّذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟

فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاث، ثم نتبع الأحجار الماء.

فتلاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) .

( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ ) بنيان دينه( عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ ) على قاعدة محكمة، هي التقوى من الله تعالى وطلب مرضاته بالطاعة( خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ ) على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلّها بقاء، وهو الباطل. والشفا: الشفير. وجرف الوادي: جانبه الّذي يتحفّر أصله بالماء وتجرفه السيول، فيبقى واهيا. والهار: الهائر الّذي أشفى على السقوط والتهدّم. ووزنه فعل، قصر عن هائر، كخلف من خالف. ونظيره: شاك وصات في شائك وصائت. وألفه ليس بألف فاعل. وأصله: هور وشوك وصوت.

ولـمّا جعل الجرف مجازا عن الباطل قال:( فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ) يوقعه ذلك البناء ويؤدّي به ـ لخوره(١) وقلّة استمساكه ـ إلى السقوط في النار. وإنّما وضع شفا الجرف ـ وهو ما جرفه الوادي الهائر ـ في مقابلة التقوى، تمثيلا لـما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثمّ رشّحه بانهياره به في النار، فكأنّ المبطل أسّس بنيانا على شفير جهنّم فطاح به في قعرها. ووضعه في مقابلة الرضوان، تنبيها على أنّ تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار، ويوصله إلى رضوانه تعالى ومقتضياته الّتي الجنّة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على

__________________

(١) خار خورا: فتر وضعف وانكسر.


صدد الوقوع في النار ساعة فساعة، ثمّ إنّ مصيرهم إلى النار لا محالة.

وقرأ نافع وابن عامر: اسّس على البناء للمفعول. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر: جرف بالتخفيف.

وملخّص معنى الآية: أنّ الله تعالى شبّه بنيانهم على نار جهنّم بالبناء على جانب نهر هذا صفته، فكما أنّ من بنى على جانب هذا النهر فإنّه ينهار بناؤه في الماء ولا يثبت، فكذلك بناء هؤلاء ينهار ويسقط في نار جهنّم. يعني: أنّه لا يستوي عمل المتّقي وعمل المنافق، فإنّ عمل المؤمن المتّقي ثابت مستقيم مبنيّ على أصل صحيح ثابت، وعمل المنافق ليس بثابت، بل واه ساقط.

( وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) إلى ما فيه صلاح ونجاة. روي عن جابر بن عبد الله أنّه قال: رأيت المسجد الّذي بنى ضرارا يخرج منه الدخان.

( لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا ) أي: بناؤهم الّذي بنوه. مصدر أريد به المفعول.

وليس بجمع، ولذلك قد تدخله التاء، ووصف بالمفرد، وأخبر عنه بقوله:( رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ ) أي: شكّا ونفاقا. والمعنى: أنّ بناءهم هذا لا يزال سبب شكّهم وتزايد نفاقهم، فإنّه حملهم على ذلك، ثمّ لـمّا هدمه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد، بحيث لا يزول وسمه(١) عن قلوبهم.( إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ) قطعا، وتفرّق أجزاء بحيث لا يبقى لها قابليّة الإدراك والإضمار، وحينئذ يسلون عنه. وهذا في غاية المبالغة. والاستثناء من أعمّ الأزمنة.

وقيل: المراد بالتقطّع ما هو كائن بالقتل، أو في القبر، أو في النار. وقيل: التقطّع بالتوبة ندما وأسفا.

وقرأ يعقوب: إلى، بحرف الانتهاء ـ وروي ذلك عن الصادقعليه‌السلام ـ و «تقطّع» بمعنى: تتقطّع. وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص.

__________________

(١) أى: علامته.


( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بنيّاتهم( حَكِيمٌ ) فيما أمر بهدم بنيانهم.

( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) )

ولـمّا تقدّم ذكر المؤمنين والمنافقين عقّب سبحانه بالترغيب في الجهاد، فقال:( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) عبّر سبحانه عن إثابتهم بالجنّة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالاشتراء، وجعل الثواب ثمنا، وأعمالهم الحسنة مثمنا، تمثيلا لإثابته إيّاهم الجنّة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. عن الصادقعليه‌السلام : «ليس لأبدانكم ثمن إلّا الجنّة، فلا تبيعوها إلّا بها».

( يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) استئناف ببيان ما لأجله الشراء.

وقيل: «يقاتلون» في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبنيّ للمفعول.

وقد عرفت أنّ الواو لا توجب الترتيب، وأنّ فعل البعض قد يسند إلى الكلّ.

( وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ) مصدر مؤكّد لــما دلّ عليه الشراء، فإنّه في معنى الوعد، يعني: أنّ الوعد الّذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت( فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ


وَالْقُرْآنِ ) أي: وعدا مذكورا فيهما كما أثبت في القرآن( وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ) مبالغة في الإنجاز، وتقرير لكونه حقّا، أي: لا أحد أوفى بعهده من الله، لأنّ الخلف قبيح لا يقدم عليه كريم، فكيف بالكريم الغنيّ الّذي لا يجوز عليه فعل القبيح؟!( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ) فافرحوا به غاية الفرح، فإنّه أوجب لكم عظائم المطالب، كما قال:( وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ولا ترغيب في الجهاد أحسن وأبلغ منه.

ثمّ وصف الله تعالى المؤمنين الّذين اشترى منهم الأنفس والأموال بأوصاف جليلة ونعوت جميلة، فقال:( التَّائِبُونَ ) رفع على المدح، أي: هم التائبون الراجعون إلى طاعة الله، والمنقطعون إليه، النادمون على ما فعلوه من القبائح.

والمراد بهم المؤمنون المذكورون. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: التائبون من أهل الجنّة وإن لم يجاهدوا، لقوله:( وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى ) (١) . أو خبره «العابدون» أي: التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال.

( الْعابِدُونَ ) الّذين عبدوا الله مخلصين له الدين( الْحامِدُونَ ) لنعمائه، أو لكلّ ما أصابهم من السرّاء والضرّاء( السَّائِحُونَ ) الصائمون، لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «سياحة أمّتي الصوم».

شبّهوا بذوي السياحة في الأرض من حيث إنّ الصوم يعوق عن الشهوات كالسياحة، أو لأنّه رياضة نفسانيّة يتوصّل بها إلى الاطّلاع على خفايا الملك والملكوت، أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم، أو الّذين يسيحون في الأرض فيعتبرون بعجائب الله.( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) في الصلاة.

( الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) بالإيمان والطاعة( وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) عن الشرك والمعاصي. والعاطف فيه للدلالة على أنّه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، كأنّه قال: الجامعون بين الوصفين. وأمّا العاطف في قوله تعالى :

__________________

(١) الحديد: ١٠.


( وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ ) أي: فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع، فللتنبيه على أنّ ما قبله مفصّل الفضائل وهذا مجملها. وقيل: للإيذان بأنّ التعداد قد تمّ بالسابع، من حيث إنّ السبعة هو العدد التامّ عندهم، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ولذلك سمّي واو الثامنة.

( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أنّ إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأنّ المؤمن الكامل من كان كذلك. وحذف المبشّر به للتعظيم، كأنّه قيل: وبشّرهم بما يجلّ عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.

روى أصحابنا أنّ هذه صفات الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام ، لأنّه لا يكاد يجمع هذه الأوصاف على تمامها وكمالها غيرهم.

ولقي الزهري عليّ بن الحسينعليهما‌السلام في طريق الحجّ فقال له: تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ، والله سبحانه يقول:( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) الآية. فقالعليه‌السلام : «أتمّ الآية الاخرى:( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ) إلى آخرها، ثمّ قال: إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ».

( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) )

روي أنّ المسلمين قالوا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا تستغفر لآبائنا الّذين ماتوا في


الجاهليّة؟ فأنزل الله سبحانه:( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ) أي: لا ينبغي لنبيّ ولا لمؤمن أن يطلب المغفرة ويدعو للكافر، ولا يصحّ ذلك في حكم الله سبحانه. وهذا القول أبلغ من أن يقال: لا ينبغي للنبيّ، لأنّه يدلّ على قبحه وأنّ الحكمة تمنع منه، فلو قال: لا ينبغي، لم يدلّ على أنّ الحكمة تمنع منه، وإنّما كان يدلّ على أنّه لا ينبغي أن يختاره. فمعناه: لم يجعل الله في دينه ولا في حكمه أن يستغفروا للمشركين.

( وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ) أقرب الناس إليهم في النسب، ودعتهم رقّة القرابة وشفقة الرحم إلى الاستغفار لهم( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) أي: من بعد أن يعلموا أنّهم ماتوا على الشرك، فهم مستحقّون للخلود في النار، ويظهر أنّ لهم عذابا عظيما.

ثمّ بيّن سبحانه الوجه في استغفار إبراهيم لأبيه مع كونه كافرا، سواء كان أباه الّذي ولده كما قالت العامّة، أو جدّه لأمّه أو عمّه على ما رواه أصحابنا، فقال:( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها ) أي: لم يكن استغفاره له إلّا صادرا عن موعدة وعدها إبراهيم( إِيَّاهُ ) وهو قوله: لأستغفرنّ لك. ومعناه: لأطلبنّ لك التوفيق للإيمان الّذي هو سبب الإيمان الّذي يجبّ ما قبله. ويدلّ عليه قراءة الحسن: وعدها أباه. وقيل: صاحب الموعدة أبوه، فإنّه وعد إبراهيم أنّه يؤمن إن استغفر له، فاستغفر له لذلك.

( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ) أي: أنّه مات مشركا، أو أوحي إليه بأنّه لا يفي بما وعد ولن يؤمن( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) وترك الدعاء له. والقول الأوّل مرويّ عن ابن عبّاس، ومنقول عن أبي جعفرعليه‌السلام .

والثاني مرويّ عن مجاهد وقتادة.( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ ) يكثر التأوّه. وهو كناية عن فرط ترحّمه ورقّة قلبه.( حَلِيمٌ ) صبور على الأذى. والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع سوء خلقه معه، واستماع قوله :


«لأرجمنّك» منه.

وعن ابن عبّاس: الأوّاه بمعنى الدّعاء الكثير الدعاء والبكاء. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وعن كعب: أنّ الأوّاه هو الّذي إذا ذكر النار قال: أوّه. وروى عبد الله بن شدّاد عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: الأوّاه هو الخاشع المتضرّع.

( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) ) روي: أنّ قوما من المسلمين ماتوا على الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، فقال المسلمون: يا رسول الله إخواننا الّذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزلت:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ) أي: ليسمّيهم ضلّالا، ويؤاخذهم مؤاخذة الكفّار( بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ ) للإسلام( حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) حتّى يبيّن لهم حظر ما يجب اتّقاؤه، فقبل بيان ذلك لا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم. وهذا دليل على أنّ الغافل غير مكلّف. ولا يخفى أنّ المراد بما يتّقون ما يجب اتّقاؤه للنهي، فأمّا ما يعلم بالعقل، كالصدق في الخبر وردّ الوديعة، فغير موقوف على النقل.( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) فيعلم أمرهم في الحالين.

( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) )

ولـمّا منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى، وتضمّن ذلك وجوب التبرّؤ عنهم رأسا، قال بعد ذلك:( إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي


وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) ليبيّن لهم أنّ الله مالك كلّ موجود، ومتولّي أمره والغالب عليه، ولا يتأتّى لهم ولاية ولا نصرة إلّا منه، ليتوجّهوا بشراشرهم إليه، ويتبرّءوا عمّا عداه، حتّى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه.

( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) )

ولـمّا ذكر سبحانه أنّ له ملك السموات والأرض وما بينهما، ولا متولّي ومعطي نعمة ولا ناصر لأحد دونه، بيّن عقيبه رحمته بالمؤمنين ورأفته بهم في قبول توبتهم، فقال:( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِ ) في ترك الأولى من إذن المنافقين في التخلّف قبل النهي عنه، كقوله تعالى:( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) (١) ( وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ) وتاب عليهما في المأثم.

وقيل: هو بعث على التوبة. والمعنى: ما من أحد إلّا وهو محتاج إلى التوبة، حتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمهاجرين والأنصار، لقوله تعالى:( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً ) (٢)

__________________

(١) التوبة: ٤٣.

(٢) النور: ٣١.


إذ ما من أحد إلّا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه، والترقّي إليه توبة من تلك النقيصة، وإظهار لفضلها بأنّها مقام الأنبياء والصالحين من عباده.

وقال في المجمع(١) والجامع(٢) : «إنّما ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استفتاحا باسمه، ولأنّه سبب توبتهم، وإلّا فمن المعلوم أنّه لم يكن منه ما يوجب التوبة. ويؤيّده أنّ الرضاعليه‌السلام قرأ: لقد تاب الله بالنبيّ على المهاجرين والأنصار.

( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) في وقتها. وقد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق، كما تستعمل الغداة والعشيّة في اليوم. والمراد بالعسرة حالهم في غزوة تبوك، فإنّهم كانوا في عسرة المركب، حتّى يعتقب العشرة على بعير واحد.

وفي عسرة الزاد، فإنّ زادهم الشعير المسوّس(٣) والتمر المدوّد. وبلغت الشدّة بهم حتّى قيل: إنّ الرجلين كانا يقتسمان التمرة، ربّما مصّها جماعة ليشربوا عليها الماء.

وفي عسرة من الماء في حمارّة(٤) القيظ والضيق الشديد من القحط، حتّى شربوا الفظّ، وهو ماء الكرش(٥) .

( مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ) عن الثبات على الجهاد واتّباع الرسول في تلك الغزوة. ولم يرد بالزيغ هاهنا الزيغ عن الإيمان. وفي «كاد» ضمير الشأن أو ضمير القوم. والعائد إليه الضمير في «منهم». وقرأ حمزة وحفص: يزيغ بالياء، لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقيّ. قيل: إنّ قوما منهم همّوا بالانصراف عن غزاتهم بغير استئذان، فعصمهم الله تعالى حتّى مضوا.

__________________

(١) مجمع البيان ٥: ٨٠.

(٢) جوامع الجامع ١: ٦٣٥.

(٣) المسوّس أي: الذي وقع فيه السوس. وهو دود يقع في الثياب والشعير والخشب ونحوها.

(٤) الحمارّة: شدّة الحرّ.

(٥) الكرش: هي لذي الخفّ وكلّ حيوان مجترّ بمنزلة المعدة للإنسان.


( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) تكرير للتأكيد، وتنبيه على أنّه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) تداركهم برأفته ورحمته.

( وَعَلَى الثَّلاثَةِ ) وتاب الله على الثلاثة. وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الربيع.( الَّذِينَ خُلِّفُوا ) تخلّفوا عن الغزو، أو خلّف أمرهم، فإنّهم المرجون( حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) أي: برحبها، لإعراض الناس عنهم بالكلّيّة. وهو مثل لشدّة الحيرة، كأنّهم لا يجدون في الأرض موضع قرار( وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ) قلوبهم من فرط الوحشة والغمّ بحيث لا يسعها أنس وسرور( وَظَنُّوا ) وعلموا( أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ ) من سخطه( إِلَّا إِلَيْهِ ) إلّا إلى استغفاره.

( ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ) رجع عليهم بالقبول والرحمة كرّة بعد اخرى( لِيَتُوبُوا ) ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو ليتوبوا أيضا في المستقبل إن فرطت منهم خطيئة.

أو المعنى: رجع عليهم بالتوفيق للتوبة ليتوبوا، أو أنزل قبول توبتهم، أو سهّل الله عليهم التوبة ليتوبوا.( إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ ) لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرّة( الرَّحِيمُ ) المتفضّل عليهم بالنعم.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) )

ثمّ خاطب سبحانه المؤمنين المصدّقين بالله المقرّين بنبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ) فيما لا يرضاه( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نيّة وقولا وعملا، أي: في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم.


( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) )

ولـمّا قصّ الله سبحانه قصّة الّذين تأخّروا عن الخروج مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى تبوك، ثمّ اعتذارهم عن ذلك وتوبتهم منه، وأنّه قبل توبة من ندم على ما كان منه، لرأفته بهم ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم والإزراء على ما كانوا فعلوه، فقال:( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ) عن حكمه. نهي عبّر عنه بصيغة النفي للمبالغة.( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ) لا يصونوا أنفسهم عمّا لم يصن رسول الله نفسه عنه، ويكابدوا ما يكابده من الأهوال.

روي أنّه كان أبو خيثمة عبد الله بن خيثمة تخلّف إلى أن مضى من مسير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشرة أيّام، ثمّ دخل يوما على امرأتين له في يوم حارّ في عريشين لهما، قد رشّتاهما وبرّدتا الماء، وهيّأتا له الطعام. فقام على العريشين، وقد بلغ بستانه، فيأكل منه الرطب ويشرب الماء البارد، فنظر فقال: ظلّ ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ مع أنّه قد غفر الله له ما


تقدّم من ذنبه وما تأخّر ـ في الضحّ(١) والريح والحرّ والغزو، يحمل سلاحه على عاتقه، وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيّأ وامرأتين حسناوين، ما هذا بالنصف. ثمّ قال: والله لا أكلّم واحدة منكما كلمة، ولا أدخل عريشا حتّى ألحق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فأناخ ناضحه واشتدّ عليه وتزوّد وارتحل، وامرأتاه تكلّمانه ولا يكلّمهما. ثم سار حتّى إذا دنا من تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كن أبا خيثمة. فلمّا دنا قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله.

فأناخ راحلته وسلّم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أولى لك. فحدّثه الحديث، فقال له خيرا واستغفر له.

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: «ما كان» من النهي عن التخلّف أو وجوب المشايعة( بِأَنَّهُمْ ) بسبب أنّهم( لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ) عطش( وَلا نَصَبٌ ) تعب( وَلا مَخْمَصَةٌ ) مجاعة( فِي سَبِيلِ اللهِ ) في الجهاد تقرّبا إلى الله( وَلا يَطَؤُنَ ) ولا يدوسون بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم( مَوْطِئاً ) وطأ، أو مكان وطء( يَغِيظُ الْكُفَّارَ ) يغضبهم وطؤهم، ولا يتصرّفون في أرضهم تصرّفا يضيق صدورهم( وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً ) كالقتل والأسر والنهب( إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ) إلّا استوجبوا به الثواب، وذلك ممّا يوجب المشايعة( إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) على إحسانهم. وهو تعليل لـ «كتب»، وتنبيه على أنّ الجهاد إحسان. أمّا في حقّ الكفّار، فلأنّه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون. وأمّا في حقّ المؤمنين، فلأنّه صيانة لهم عن سطوة الكفّار واستيلائهم.

( وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ) ولو تمرة( وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ) في

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «الضحّ: ضوء الشمس إذا استمكن في الأرض. منه».


مسيرهم. وهو كلّ منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل. وهو في الأصل اسم فاعل من: ودى إذا سال، فشاع بمعنى الأرض، أي: ولا يسيرون أرضا في ذهابهم ومجيئهم( إِلَّا كُتِبَ ) أثبت ذلك( لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ ) متعلّق بـ «كتب» أي: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء بذلك( أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أحسن جزاء أعمالهم.

( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) )

ولـمّا تقدّم الترغيب في الجهاد بأبلغ أسباب الترغيب، وتأنيب من تخلّف عنه بأبلغ أسباب التأنيب، بيّن موضع الرخصة في تأخّر من تأخّر عنه، فقال:( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) اللام لتأكيد النفي، أي: وما استقام لهم أن ينفروا جميعا لنحو غزو أو طلب علم، كما لا يستقيم أن يتثبّطوا جميعا، فإنّه يخلّ بأمر المعاش وانتظام العالم غالبا. ولو صحّ وأمكن خروج الجميع ولم يؤدّ إلى مفسدة لوجب على الكافّة، لأنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم.

( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) فهلّا نفر من كلّ جماعة كثيرة ـ كقبيلة أو أهل بلدة ـ جماعة قليلة( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) ليتكلّفوا الفقاهة فيه، ويتحمّلوا مشاقّ تحصيلها( وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم. وتخصيصه بالذكر لأنّه أهمّ. وفيه دليل على أنّ التفقّه والتذكير من فروض الكفاية، وأنّه ينبغي أن يكون غرض المتعلّم فيه أن يستقيم ويقيم، لا الترفّع على الناس، والتبسّط في البلاد، والترأّس فيهم، والتشبّه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم.( لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) إرادة أن يحذروا عمّا ينذرون منه.

واستدلّ به على أنّ أخبار الآحاد حجّة، لأنّ عموم كلّ فرقة يقتضي أن ينفر


من كلّ ثلاثة تفرّدوا بقرية طائفة إلى التفقّه، لتنذر فرقتها كي يتذكّروا ويحذروا، فلو لم يعتبر الإخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك.

قال في الكشّاف(١) : وللآية معنى آخر، وهو أنّه لـمّا نزل في المتخلّفين ما نزل استبق المؤمنون إلى النفير، وانقطعوا جميعا عن التفقّه واستماع الوحي، فأمروا أن ينفر من كلّ فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقّهون حتّى لا ينقطعوا عن التفقّه الّذي هو الجهاد الأكبر، لأنّ الجدال بالحجّة هو الأصل والمقصود من البعثة.

ويكون الضمير في «ليتفقّهوا» و «لينذروا» لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو، وفي «رجعوا» للطوائف، أي: ولينذر البواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا في أيّام غيبتهم من العلوم. وعلى الأوّل الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقّه.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) )

ثمّ بيّن سبحانه ما يجب تقديمه في القتال والقتل، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ) يقربون منكم( مِنَ الْكُفَّارِ ) فإنّ القتال وإن كان واجبا مع

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٣٢٣.


جميع الكفّار لكن الأقرب منهم فالأقرب، كما أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّلا بإنذار عشيرته ثمّ غيرهم من العرب، فحارب قومه ثمّ غيرهم من عرب الحجاز، ثمّ غزا الشام، وذلك لأنّ الأقرب أحقّ بالشفقة والاستصلاح. وهكذا المفروض على أهل كلّ ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى.

وقيل: هم يهود حوالي المدينة، كقريظة والنضير وخيبر. وقيل: الروم، فإنّهم كانوا يسكنون الشام، وهو قريب من المدينة.

والأوّل أصحّ، لأنّ السورة نزلت في سنة تسع، وقد فرغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أولئك. وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والترك والديلم تلا هذه الآية.

( وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ) شدّة وشجاعة وصبرا على القتال. ونحوه:( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (١) .( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) بالحراسة والإعانة.

( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ ) فمن المنافقين( مَنْ يَقُولُ ) بعضهم لبعض إنكارا واستهزاء باعتقاد المؤمنين( أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ ) السورة( إِيماناً ) أي: تصديقا ويقينا( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ) بزيادة العلم الحاصل من تدبّر السورة، وانضمام الايمان بها وبما فيها إلى إيمانهم( وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) بنزولها، أي: يسرّون، ويبشّر بعضهم بعضا، قد تهلّلت وجودهم وفرحوا بنزولها، لأنّه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم.

( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) كفر ونفاق( فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها، فإنّهم بتجديد الوحي جدّدوا كفرا ونفاقا فازداد كفرهم عنده واستحكم( وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ) واستحكم وتضاعف ذلك منهم حتّى ماتوا عليه.

__________________

(١) التوبة: ٧٣.


( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) )

ثمّ نبّه سبحانه على إعراض المنافقين عن النظر والتدبّر لـما ينبغي أن ينظروا ويتدبّروا فيه، فقال:( أَوَلا يَرَوْنَ ) يعني: المنافقين. وقرأ حمزة بالتاء( أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ) يبتلون بأصناف البليّات، كالمرض والقحط، أو بالجهاد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويعاينون أمره وما ينزل عليه من النصرة والتأييد، أو يفتنهم الشيطان فينقضون عهودهم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيقتلهم وينكل بهم( فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ) لا يتنبّهون ولا يتوبون من نفاقهم( وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) ولا يعتبرون.

( وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ ) من المسلمين( إِلى بَعْضٍ ) أي: تغامزوا بعيونهم إنكارا للوحي وسخريّة، أو غيظا لـما فيها من عيوبهم، قائلين:( هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ) من المسلمين لننصرف، فإنّا لا نصبر على استماعه، ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم. أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال لواذا(١) ، فإن لم يرهم أحد قاموا، وإن يرهم أحد أقاموا.( ثُمَّ انْصَرَفُوا ) عن حضرته مخافة الفضيحة( صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) عن الايمان خذلانا وتخلية. وهو يحتمل الإخبار والدعاء.( بِأَنَّهُمْ ) بسبب أنّهم( قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) لا يتدبّرون حتّى يفقهوا ويعلموا.

__________________

(١) أي: مستترين.


( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) )

ثمّ خاطب الله جميع الخلق، وأكّد خطابه بالقسم، فقال:( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) من جنسكم من البشر، ثمّ من العرب، ثمّ من بني إسماعيل. وقيل: الخطاب للعرب، وليس في العرب قبيلة إلّا وقد ولدت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وله فيهم نسب.

( عَزِيزٌ عَلَيْهِ ) شديد شاقّ( ما عَنِتُّمْ ) عنتكم ومشقّتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب بترك الإيمان( حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ) على إيمانكم وصلاح شأنكم، حتّى لا يخرج أحد منكم من الاستسعاد به وبدينه الّذي جاء به( بِالْمُؤْمِنِينَ ) منكم ومن غيركم( رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) قدّم الأبلغ منهما وهو الرؤوف، لأنّ الرّأفة شدّة الرحمة، محافظة على الفواصل.

قال بعض السلف: لم يجمع الله سبحانه لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلّا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه قال:( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) ، وقال:( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) (١) .

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن الإيمان بك( فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ) فاستعن بالله وفوّض إليه أمرك، فإنّه يكفيك معرّتهم(٢) ، ويعينك عليهم( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) كالدليل عليه( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) فلا أرجو ولا أخاف إلّا منه( وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) الملك العظيم، أو الجسم العظيم الّذي تنزل منه الأحكام والمقادير.

قيل: إنّ هذه الآية آخر آية نزلت من السماء. وآخر سورة كاملة نزلت سورة براءة.

__________________

(١) البقرة: ١٤٣.

(٢) المعرّة: الأذى والمساءة والإثم.


(١٠)

سورة يونس

مكّيّة، وهي مائة وتسع آيات.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بيونس وكذّب به، وبعدد من غرق مع فرعون.

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة يونس في كلّ شهرين أو ثلاثة لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين، وكان يوم القيامة من المقرّبين».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) )

لـمّا ختم الله سورة براءة بذكر الرسول، افتتح هذه السورة بذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما أنزل عليه من القرآن، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر ) تعديد للحروف على طريق التحدّي. وقيل: معناه: أنا الله ارى. وبواقي وجوه التفسير فيه مذكورة في


صدر سورة البقرة. فخّمها ابن كثير ونافع برواية قالون وحفص. وقرأ ورش بين بين. وأمالها الباقون، إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة من الياء.

( تِلْكَ ) إشارة إلى ما تضمّنته السورة أو القرآن من الآي( آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) المراد بالكتاب السورة، أو القرآن كلّه، أو اللوح المحفوظ، فإنّ القرآن منزل منه. ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم، أو لأنّه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ شيء منها.

( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) استفهام إنكار للتعجّب. و «عجبا» خبر «كان»، واسمه( أَنْ أَوْحَيْنا ) . وذكر اللام للدلالة على أنّهم جعلوه أعجوبة لهم يوجّهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم( إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) من جنس رجالهم، دون أن يكون عظيما من عظمائهم.

قيل: كانوا يقولون: العجب أنّ الله تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلّا يتيم أبي طالب. وهو من فرط حماقتهم، وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوّة. هذا وإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلّا في المال، وخفّة الحال أعون شيء في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء قبله كذلك.

وقيل: تعجّبوا من أنّهعزوجل بعث بشرا رسولا، كما سبق(١) في سورة الأنعام.

( أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) «أن» هي المفسّرة لـ «أن أوحينا» فيه معنى القول، أو المخفّفة من الثقيلة، فتكون في موضع مفعول «أوحينا». وأصله: أوحينا أنّ الشأن قولنا: أنذر الناس.

( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ) عمّم الإنذار، إذ قلمّا من أحد ليس فيه ما ينبغي أن

__________________

(١) راجع ج ٢ ص ٤٢٧ ذيل الآية ٩١ من سورة الأنعام.


ينذر منه. وخصّص البشارة بالمؤمنين، إذ ليس للكفّار ما يصحّ أن يبشّروا به( أَنَّ لَهُمْ ) بأنّ لهم( قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) سابقة ومنزلة رفيعة. سمّيت قدما لأنّ السبق والسعي بها، كما سمّيت النعمة يدا، لأنّها تعطى باليد. وإضافتها إلى الصدق لتحقّقها، والتنبيه على أنّهم إنّما ينالونها بصدق القول والنيّة.

وعن أبي سعيد الخدري: أنّ معنى قدم صدق شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

ولـمّا قال:( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) قالوا: وكيف لا نعجب ولا علم لنا بالمرسل؟! فقال:( قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا ) يعنون الكتاب وما جاء به الرسول( لَساحِرٌ مُبِينٌ ) وقرأ ابن كثير والكوفيّون: لساحر، على أنّ الإشارة إلى الرسول. وفيه اعتراف بأنّهم صادفوا من الرسول أمورا خارقة للعادة، معجزة إيّاهم عن المعارضة، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا.

( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ


اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦))

ثمّ بيّن صفاته الكماليّة المنضمّة لاستحقاقه العبوديّة لا غير، المقتضية للحكم والمصالح والتدابير الّتي من جملتها إعطاء النبوّة لمن يليق بحاله، فقال:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) الّتي هي اصول الممكنات( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) مع قدرته على إنشائهما دفعة واحدة. والوجه في ذلك دلالة صريحة على أنّه قادر مختار لا موجب، وتعليما لعباده التأنّي في الأمور. وفي الحديث: «التأنّي من الرحمن، والعجلة من الشيطان».

( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) مرّ تفسيره مرارا(١) ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) يقدّر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته، ويهيّء بتحريكه أسبابها وينزلها منه. والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة.( ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) تقرير لعظمته وعزّ جلاله، وردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله.

وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له.

( ذلِكُمُ ) أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهيّة والربوبيّة( اللهُ رَبُّكُمْ ) لا غير، إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك( فَاعْبُدُوهُ ) وحّدوه بالعبادة، ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلا عن جماد لا يضرّ ولا ينفع( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) تتفكّرون أدنى تفكّر، فينبّهكم على أنّه المستحقّ للربوبيّة والعبادة لا ما تعبدونه.

( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) في العاقبة بالموت أو النشور، لا إلى غيره، فاستعدّوا للقائه( وَعْدَ اللهِ ) مصدر مؤكّد لنفسه، لأنّ قوله:( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) وعد من الله تعالى( حَقًّا ) مصدر آخر مؤكّد لغيره، وهو ما دلّ عليه وعد اللهعزوجل .

( إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) بعد بدئه وإهلاكه( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

__________________

(١) راجع ج ٢ / ٥٣١.


الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ ) أي: بعدله. أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم. أو بإيمانهم، لأنّه العدل القويم، كما أنّ الشرك ظلم عظيم. وهو الأوجه، لمقابلة قوله:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) فإنّ معناه: ليجزي الّذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم. لكنّه غيّر النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب، والتنبيه على أنّ المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، والعقاب واقع بالعرض، وأنّه تعالى يتولّى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يعيّنه. وأمّا عقاب الكفرة فكأنّه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم.

والآية كالتعليل لقوله تعالى:( إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ) فإنّه لـمّا كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلّفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة.

ثمّ زاد سبحانه في الاحتجاج للتوحيد، فقال:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ) أي: ذات ضياء. وهو مصدر كقيام، أو جمع ضوء، كسياط وسوط. والياء فيه منقلبة عن الواو، لكسرة ما قبلها. وعن ابن كثير برواية قنبل: ضئاء بهمزتين، في كلّ القرآن، على القلب بتقديم اللام على العين.( وَالْقَمَرَ نُوراً ) أي: ذا نور.

وسمّي نورا للمبالغة. وهو أعمّ من الضوء. وقيل: ما بالذات ضوء، وما بالعرض نور. ونبّه سبحانه بذلك على أنّه خلق الشمس نيّرة في ذاتها، والقمر نيّرا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها.

( وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ ) الضمير لكلّ واحد، أي: قدّر مسير كلّ واحد منهما منازل، كقوله:( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ) (١) . أو قدّره ذا منازل. أو الضمير للقمر. وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره، ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علّله بقوله :

__________________

(١) يس: ٣٩.


( لِتَعْلَمُوا ) به وبمنازله( عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) أي: حساب الأوقات من الأشهر والأيّام في معاملاتكم وتصرّفاتكم.

( ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ ) أي: المذكور( إِلَّا ) ملتبسا( بِالْحَقِ ) الّذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثا( يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فإنّهم المنتفعون بالتأمّل فيها.

وقرأ ابن كثير والبصريّان وحفص: يفصّل بالياء.

( إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من أنواع الكائنات فيهما( لَآياتٍ ) على وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته( لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) العواقب. وخصّهم لأنّهم يحذرون العاقبة، فيدعوهم ذلك إلى النظر والتأمّل.

( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) )

ثمّ إنّه سبحانه أوعد الغافلين عن الأدلّة المتقدّمة المكذّبين بالمعاد، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ) لا يتوقّعون جزاءنا، لإنكارهم البعث، وذهولهم بالمحسوسات عمّا وراءها( وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) من الآخرة، لغفلتهم عنها، واختاروا القليل الفاني على الكثير الباقي( وَاطْمَأَنُّوا بِها ) وسكنوا إليها، مقصّرين هممهم على لذائذها وزخارفها. أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها.( وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ) لا يتفكّرون فيها، لانهماكهم فيما يضادّها.

والعطف إمّا لتغاير الوصفين، والتنبيه على أنّ الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات والانهماك في الشهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلا. وإمّا لتغاير الفريقين، فإنّ المراد بالأوّلين من أنكر البعث ولم ير إلّا الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه حبّ العاجل عن التأمّل في الآجل والإعداد له.


( أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) بما واظبوا عليه، وتمرّنوا به من المعاصي.

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) )

ثمّ وعد سبحانه المؤمنين بعد ما أوعد الكافرين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ) بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدّي إلى الجنّة. أو لإدراك الحقائق، كما

قال:صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم».

أو لـما يريدونه في الجنّة. ومفهوم الترتيب وإن دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دلّ منطوق قوله: «بإيمانهم» على استقلال الإيمان بالسببيّة، وأنّ العمل الصالح كالتتمّة والرديف له.

وقوله:( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) استئناف، أو خبر ثان، أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير.

وقوله:( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) خبر، أو حال اخرى منه أو من الأنهار، أو متعلّق بـ «تجري» أو بـ «يهدي».

( دَعْواهُمْ ) أي: دعاؤهم( فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَ ) أللَّهمّ إنّا نسبّحك تسبيحا.

وذلك لا على وجه العبادة، فإنّه لا تكليف في الجنّة، بل على طريق التلذّذ من غير كلفة.( وَتَحِيَّتُهُمْ ) ما يحيّي به بعضهم بعضا، أو تحيّة الملائكة إيّاهم( فِيها سَلامٌ ) . قيل: هي تحيّة الله لهم. والمعنى: سلمتم من الآفات والمكاره الّتي ابتلي بها


أهل النار.

( وَآخِرُ دَعْواهُمْ ) وآخر دعائهم( أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي: أن يقولوا ذلك. وقيل: إنّهم إذا دخلوا الجنّة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثمّ حيّاهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو الله تعالى(١) ، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام. و «أن» هي المخفّفة من الثقيلة.

وأصله: أنّه الحمد، على أنّ الضمير للشأن.

( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) )

ثمّ عاد الكلام إلى ذكر المائلين إلى الدنيا، المطمئنّين إليها، الغافلين عن الآخرة، فقال:( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ ) ولو يسرعه إليهم إذا دعوا به على أنفسهم أو على أهاليهم عند الغيظ والضجر، مثل قول الإنسان: رفعني الله من بينكم، وقوله لولده: أللَّهمّ العنه ولا تبارك فيه( اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ ) أي: كما يعجّل لهم إجابة الدعوة بالخير إذا استعجلوها. فوضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعارا بسرعة إجابته لهم في الخير، حتّى كأنّ استعجالهم به تعجيل لهم، أو بأنّ المراد شرّ استعجلوه، كقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء. وتقدير الكلام: لو يعجّل الله للناس الشرّ تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالا كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه.

والمعنى: لو عجّلنا لهم الشرّ الّذي دعوا به كما نعجّل لهم الخيرات ونجيبهم إليه( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) لأميتوا وأهلكوا. وقرأ ابن عامر ويعقوب: لقضى على

__________________

(١) أي: حيّاهم الله تعالى.


البناء للفاعل، وهو الله تعالى.

( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) عطف على فعل محذوف دلّت عليه الشرطيّة. كأنّه قيل: ولكن لا نعجّل ولا نقضي، فنذرهم إمهالا لهم واستدراجا، لإلزام الحجّة عليهم.

( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) )

ثمّ أخبر سبحانه عن قلّة صبر الإنسان على الضرّ والشدائد، فقال:( وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ ) المشقّة والبلاء( دَعانا ) لإزالته مخلصا فيه( لِجَنْبِهِ ) ملقيا بجنبه، أي: مضطجعا( أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ) وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال. والمعنى: أنّه لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتّى يزول عنه الضرر، فهو يدعو في حالاته كلّها يستدفع البلاء. واللام في الإنسان للجنس.

( فَلَمَّا كَشَفْنا ) أزلنا( عَنْهُ ضُرَّهُ ) ووهبنا له العافية( مَرَّ ) مضى على طريقته الاولى، أي: استمرّ على كفره كما كان قبل أن يمسّه الضرّ. أو مرّ عن موقف الدعاء والتضرّع لا يرجع إليه.( كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا ) أي: كأنّه لم يدعنا، فخفّف وحذف ضمير الشأن، كقوله :

ونحر مشرق اللون

كأن ثدياه حقّان

( إِلى ضُرٍّ ) إلى كشف ضرّ( مَسَّهُ كَذلِكَ ) مثل ذلك التزيين( زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ) أي: زيّن الشيطان بوسوسته لهم( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من الانهماك في


الشهوات والأماني الباطلة، والإعراض عن العبادات عند الرخاء.

( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) )

ثمّ أخبر سبحانه عمّا نزل بالأمم الماضية من المثلات، وحذّر هذه الأمّة عن مثل مصارعهم، فقال:( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) يا أهل مكّة بأنواع العذاب( لَمَّا ظَلَمُوا ) حين ظلموا بالتكذيب وفرط العصيان، واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي. وهو ظرف لـ «أهلكنا».( وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالحجج الدالّة على صدقهم. وهو حال من الواو بإضمار «قد»، أو عطف على «ظلموا».( وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) اللام لتأكيد النفي، أي: وما كانوا يؤمنون حقّا. والمعنى: أنّ السبب في هلاكهم تكذيبهم الرسل، وعلم الله إصرارهم على الكفر، وأنّه لا فائدة في إمهالهم بعد أن لزمهم الحجّة بإرسال الرسل.

( كَذلِكَ ) مثل ذلك الجزاء، وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه، بحيث تحقّق أنّه لا فائدة في إمهالهم( نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) نجزي كلّ مجرم، أو نجزيكم. فوضع المظهر موضع المضمر للدلالة على كمال جرمهم وأنّهم أعلام فيه. وهو وعيد لأهل مكّة.

( ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) استخلفناكم في الأرض من بعد القرون الّتي أهلكناها استخلاف من يختبر( لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) أي: أتعملون خيرا أم شرّا؟ فنعاملكم على حسب أعمالكم. و «كيف» في محلّ النصب حالا


ب «تعملون»، فإنّ معنى الاستفهام فيه يحجب أن يعمل فيه ما قبله. والنظر هنا مستعار، بمعنى العلم المحقّق الّذي هو العلم بالشيء موجودا، شبّه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحقّقه.

( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) )

روي أنّ خمسة نفر من المشركين، وهم: عبد الله بن أميّة المخزومي، والوليد ابن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص ابن عامر بن هاشم، قالوا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزّى ومناة وهبل، وليس فيه عيبها، ولا ما نستبعده من الآخرة وأحوالها، أو بدّله فتكلّم به عن تلقاء نفسك. فنزلت:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) اضحات الدلالات في الحلال والحرام وسائر الشرائع( قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ) لا يؤمنون بالبعث والنشور وما يتعلّق به، يعني: المشركين( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ) بكتاب آخر نقرؤه، وليس فيه ما نكرهه من معايب آلهتنا، وما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد


الموت( أَوْ بَدِّلْهُ ) بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية اخرى. ولعلّهم سألوا ذلك لكي يسعفهم إليه فيلزموه.

( قُلْ ما يَكُونُ لِي ) ما يصحّ لي( أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ) من قبل نفسي.

وهو مصدر استعمل ظرفا. وإنّما اكتفى بالجواب عن التبديل لأنّ هذا داخل تحت مقدور الإنسان، بأن يضع مكان آية عذاب آية رحمة ممّا أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة، فأمّا الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للإنسان.

( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ ) تعليل لقوله:( ما يَكُونُ لِي ) ، فإنّ المتّبع لغيره في أمر لا يستبدّ بالتصرّف فيه بوجه. وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض، أي: إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدّلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إليّ نسخ ولا تبديل. وردّ لـما عرضوا له بهذا السؤال من أنّ القرآن كلامه واختراعه، ولذلك قيّد التبديل في الجواب وسمّاه عصيانا فقال:( إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ) أي: بالتبديل من عند نفسي( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) . وفيه إيماء بأنّهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.

( قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ) غير ذلك( ما تَلَوْتُهُ ) ما قرأت هذا القرآن( عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ) ولا أعلمكم الله به على لساني بأن لا ينزله عليّ، فلا أقرأ عليكم فلا تعلمونه. وعن ابن كثير برواية قنبل والبزّي مع خلاف: ولأدراكم بلام التأكيد، أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم الله به على لسان غيري، ولكنّه خصّني بهذه الكرامة، يعني: أنّه الحقّ الّذي لا محيص عنه، لو لم أرسل به لأرسل به غيري.

وملخّص المعنى: أنّ تلاوته ليست إلّا بمشيئة الله، لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو ما تشتهونه.

ثمّ قرّر ذلك بقوله:( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ ) فقد أقمت فيما بينكم( عُمُراً ) مقدار عمر أربعين سنة( مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه. فهذا دلالة على أنّ القرآن معجز خارق للعادة، فإن من عاش بين أظهركم أربعين سنة لم يمارس فيها


علما، ولم يشاهد عالما، ولم ينشئ شعرا ولا خطبة، ثمّ قرأ عليهم كتابا بذّت(١) فصاحته فصاحة كلّ منطيق فصيح، وعلا عن كلّ منثور ومنظوم، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع، وأعرب عن أقاصيص الأوّلين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه، علم أنّه معلّم به من الله تعالى.( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبّر والتفكّر فيه لتعلموا أنّه ليس إلّا من الله تعالى؟!( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) أي: لا أحد أظلم ممّن اخترع على الله كذبا. وهذا تفاد ممّا أضافوه إليه كناية، أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله في قولهم: إنّه لذو شريك وذو ولد.( أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ) فكفر بها( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) أي: المشركون المتوغّلون في الطغيان والعصيان.

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) )

__________________

(١) بذّ يبذّ: غلب وفاق.


روي: أنّ أهل الطائف كانوا يعبدون اللّات، وأهل مكّة العزّى ومناة وهبل وأسافا ونائلة، وكانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فنزلت فيهم:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ )

لأنّه جماد لا يقدر على نفع ولا ضرّ، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبا ومعاقبا حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضرّ( وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) تشفع لنا فيما يهمّنا من أمور الدنيا أو الآخرة إن يكن بعث. وهذا من فرط جهالتهم، حيث تركوا عبادة الموجد الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنّه لا يضرّ ولا ينفع، على توهّم أنّه ربما يشفع لهم عنده.

( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ ) أتخبرونه( بِما لا يَعْلَمُ ) وهو أنّ له شريكا. وفيه تقريع وتهكّم بهم. أو هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وما لا يعلمه العالم بالذات المحيط بجميع المعلومات لا يكون له تحقّق.( فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) حال من العائد المحذوف في «لا يعلم» أي: لا يعلمه، مؤكّدة للنفي، منبّهة على أنّ ما يعبدون من دون الله إما سماويّ أو أرضيّ، ولا شيء من الموجودات فيهما إلّا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) «ما» مصدريّة، أي: عن إشراكهم. أو موصولة، أي: عن الشركاء الّذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أوّل النحل(١) والروم(٢) بالتاء.

( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً ) متّفقين على ملّة واحدة، موحّدين كلّهم على الفطرة. وذلك في عهد آدمعليه‌السلام إلى أن قتل قابيل هابيل، أو بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديّارا. أو مجتمعين على الضلال في فترة من الرسل.( فَاخْتَلَفُوا ) باتّباع الهوى والأباطيل، أو ببعثة الرسل، فتبعتهم طائفة وأصرّت اخرى.

__________________

(١) النحل: ١.

(٢) الروم: ٤٠.


( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة، فإنّه يوم الفصل والجزاء( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) عاجلا( فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) بإهلاك المبطل وإبقاء المحقّ، ولكنّ الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار للتكليف، وتلك للثواب والعقاب.

ثمّ حكى سبحانه عن هؤلاء الكفّار فقال:( وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) أي: من الآيات التي اقترحوها. وكانوا لا يعتدّون بما أنزل عليه من الآيات العظيمة المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، لفرط عنادهم وتماديهم في التمرّد، وانهماكهم في الغيّ.( فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ) هو المختصّ بعلمه، فلعلّه يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد تصرف عن إنزالها( فَانْتَظِرُوا ) لنزول ما اقترحتموه( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) لـما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل عليّ من الآيات العظام، واقتراحكم غيره.

ثمّ أخبر سبحانه عن ذميم فعالهم فقال:( وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ ) يريد بالناس الكفّار( رَحْمَةً ) صحّة وسعة( مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ) كمرض وقحط( إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا ) احتيال في دفعها والطعن فيها.

قيل: قحط أهل مكّة سبع سنين حتّى كادوا يهلكون، ثمّرحمهم‌الله بغزارة المطر، فصاروا يطعنون في آيات الله، ويكيدون رسوله ويعادونه.

( قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً ) منكم، قد دبّر عقابكم قبل أن تدبّروا كيدكم في إطفاء نور الإسلام. وإنّما دلّ على سرعتهم المفضّل عليها كلمة «إذا» المفاجأة الواقعة جوابا لـ «إذا» الشرطيّة. والمكر إخفاء الكيد. وهو من الله تعالى إمّا الاستدراج، أو الجزاء على المكر.( إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ) هذا إعلام للانتقام، وتنبيه على أنّ ما دبّروا في إخفائه لم يخف على الحفظة، فضلا أن يخفى على الله تعالى. وعن يعقوب: يمكرون بالياء، ليوافق ما قبله.


( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) )

ثمّ امتنّ الله سبحانه على خلقه، بأن عدّد نعمه الّتي يعطيهم في كلّ حال، فقال:( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ) يحملكم على السير، ويمكّنكم منه بما هيّأ لكم من أسباب السير. وقرأ ابن عامر: ينشركم، بالنون والشين من النشر.( فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ) في السفن( وَجَرَيْنَ بِهِمْ ) بمن فيها. عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنّه تذكرة لغيرهم ليتعجّب من حالهم وينكر عليهم.( بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) ليّنة الهبوب يستطيبونها( وَفَرِحُوا بِها ) سرّوا بتلك الريح، لأنّها تبلغهم مقصودهم( جاءَتْها ) جواب «إذا». والضمير للفلك أو الريح الطيّبة. بمعنى: تلقّتها.( رِيحٌ عاصِفٌ ) ذات عصف، شديدة الهبوب، هائلة.

( وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) من أمكنة الموج. يعني: الموج من الجوانب الأربع.( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ) وأيقنوا أنّهم دنوا من الهلاك. وهو مثل في الهلاك، أي: أنّهم أهلكوا، وسدّت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاطت به أعداؤه.


( دَعَوُا اللهَ ) عند نزول هذه الشدائد( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) من غير إشراك، لتراجع الفطرة، وزوال المعارض من شدّة الخوف. وهو بدل من «ظنّوا» بدل الاشتمال، لأنّ دعاءهم من لوازم ظنّهم الهلاك، فهو ملتبس به. والجملة الشرطيّة بعد «حتّى» بما في حيّزها غاية للتسيير، فكأنّه قال: هو الّذي يسيّركم حتّى وقعت هذه الحادثة، وكان كيت وكيت، من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، والظنّ بالهلاك، والدعاء بالإنجاء خالصا ومخلصا.

( لَئِنْ أَنْجَيْتَنا ) يا ربّ( مِنْ هذِهِ ) الشدّة( لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) أي: من جملة من يشكرك، على إرادة القول، أو مفعول «دعوا» لأنّه من جملة القول.

( فَلَمَّا أَنْجاهُمْ ) أخلصهم الله تعالى من تلك المحن إجابة لدعائهم( إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ ) فاجئوا الفساد فيها، وسارعوا إلى ما كانوا عليه( بِغَيْرِ الْحَقِ ) مبطلين فيه. وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم، فإنّها إفساد بحقّ.

( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) فإنّ وباله عليكم، وإنّما بغيكم على أمثالكم وأبناء جنسكم( مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) منفعة الحياة الدّنيا لا تبقى، ويبقى عقابها. ورفعه على أنّه خبر «بغيكم» و «على أنفسكم» صلته، أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ذلك متاع الحياة الدنيا، و «على أنفسكم» خبر «بغيكم» ونصبه حفص على أنّه مصدر مؤكّد، أي: تمتّعون متاع الحياة الدنيا. أو مفعول البغي، لأنّه بمعنى الطلب، فيكون الجارّ من صلته والخبر محذوف، تقديره: بغيكم متاع الحياة الدّنيا محذور أو ضلال. أو مفعول فعل دلّ عليه البغي، و «على أنفسكم» خبر.

( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ ) في الآخرة( فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بالجزاء عليه.

وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثنتان يعجّلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين».

وعن ابن عبّاس: لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي.


( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) )

ولـمّا تقدّم ما يوجب الترغيب في الآخرة والتزهيد في الدنيا، عقّبه سبحانه بذكر صفة الدارين، فقال:( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) حالها العجيبة في سرعة تقضّيها، وذهاب نعيمها بعد إقبالها، واغترار الناس بها( كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ) فاشتبك بسببه حتّى خالط بعضه بعضا( مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ ) من الزروع والبقول والحشيش.

( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ ) تزيّنت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة، كعروس أخذت ألوان الثياب والزينة وتزيّنت بها. وأصل «ازّيّنت» تزيّنت، فأدغم ثمّ أدخل عليه الهمزة المكسورة، لتعذّر الابتداء بالساكن.

( وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها ) متمكّنون من حصدها ورفع غلّتها( أَتاها أَمْرُنا ) هو ضرب زرعها ببعض العاهات والآفات بعد أمنهم وإيقانهم أن قد سلم( لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها ) فجعلنا زرعها( حَصِيداً ) شبيها بما حصد من أصله واستؤصل( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ) زرعها، أي: لم ينبت. والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة.

( بِالْأَمْسِ ) فيما قبيله. وهو مثل في الوقت القريب، كأنّه قيل: كأن لم تغن آنفا.

واعلم أنّ الممثّل به مضمون الحكاية، وهو زوال خضرة النبات فجأة، وذهابه حطاما، بعد ما كان غضّا والتفّ وزيّن الأرض حتى طمع فيه أهله، وظنّوا


أنّه قد سلم من الجوائح(١) ، لا الماء وإن وليه حرف التشبيه، لأنّه من التشبيه المركّب.

( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فإنّهم المنتفعون به.

( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) )

ولـمّا بيّن سبحانه أنّ الدنيا تنقطع وتفنى بالموت كما يفنى هذا النبات بفنون الآفات، ونبّه على التوقّع لزوالها والتحرّز عن الاغترار بأحوالها، رغّب عقيبه في الآخرة، فقال:( وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ) دار السلامة من التقضّي والآفة، أو دار الله. وتخصيص هذا الاسم أيضا للتنبيه على ذلك. أو دار يسلّم الله والملائكة فيها على من يدخلها. والمراد الجنّة.( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) بالتوفيق. وهو الّذي علم أنّ اللطف يجدي عليه، فإنّ مشيئته تابعة لحكمته.( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) هو طريقها الّذي هو الإسلام والتدرّع بلباس التقوى.

__________________

(١) الجوائح جمع الجائحة، وهي البليّة والتهلكة.


والمعنى: يدعو العباد كلّهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلّا الّذي استرشد فوفّق بالاهتداء، فإنّ الحكمة الإلهيّة مقتضية أن يوفّق طالب الحقّ ويهديه، ويخذل المعاند المكابر ويمنع لطفه وتوفيقه عنه.

ثمّ بيّن حال أهل دار السلام فقال:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ) المثوبة( الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ) وما يزيد على المثوبة تفضّلا، لقوله:( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) (١) . وعن عليّعليه‌السلام «الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب».

وعن ابن عبّاس: الحسنى مثل حسناتها، والزيادة عشر أمثالها. وعن الحسن: عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر. وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنّة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئا إلّا أمطرتهم. وعن أبي جعفرعليه‌السلام : «الزيادة هي ما أعطاهم الله تعالى من النعم في الدنيا، لا يحاسبهم به في الآخرة».

( وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ) لا يغشاها( قَتَرٌ ) غبرة فيها سواد( وَلا ذِلَّةٌ ) هوان وأثر كآبة. والمعنى: لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، كقوله:( تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ) (٢) و( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) (٣) .

روى الفضيل بن يسار عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من عين ترقرقت(٤) بمائها إلّا حرّم الله ذلك الجسد على النار، فإن فاضت من خشية الله لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلّة».

( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) دائمون لا زوال فيها، ولا انقراض

__________________

(١) النساء: ١٧٣.

(٢) عبس: ٤١.

(٣) القلم: ٤٣.

(٤) ترقرقت العين: دمعت.


لنعيمها، بخلاف الدنيا وزخارفها.

( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ) عطف على قوله:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ) على مذهب من يجوّز: في الدار زيد والحجرة عمرو. أو «الّذين» مبتدأ، والخبر «جزاء سيّئة» على تقدير: وجزاء الّذين كسبوا السيّئات جزاء سيّئة بمثلها. والمعنى: جزاؤهم أن تجازى سيّئة بسيّئة مثلها لا يزاد عليها. أو «الّذين» مبتدأ، والخبر «كأنّما أغشيت» أو «أولئك أصحاب النار»، وما بينهما اعتراض.

فـ «جزاء سيّئة» مبتدأ خبره محذوف، أي: فجزاء سيّئة بمثلها واقع، أو بمثلها، على زيادة الباء أو تقدير مقدّر: بمثلها.

وفي هذا دليل على أنّ المراد بالزيادة الفضل، لأنّه دلّ بترك الزيادة على السيّئة على عدله، ودلّ ثمّة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

( وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ ) ما من أحد يعصمهم من سخط الله، أو من جهة الله تعالى ومن عنده، كما يكون للمؤمنين( كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ) لفرط سوادها وظلمتها. و «مظلما» حال من الليل، والعامل فيه «أغشيت»، لأنّه العامل في «قطعا»، وهو موصوف بالجارّ والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة. أو العامل معنى الفعل في «من الليل».

وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: قطعا بسكون الطاء. وعلى هذا يصحّ أن يكون «مظلما» صفة له أو حالا منه.

( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) وهذه الآية في المشركين، فلا تكون ممّا يحتجّ به الوعيديّة.

( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً


بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) )

ولـمّا تقدّم ذكر الجزاء بيّن سبحانه وقت الجزاء، فقال:( وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) نجمع الخلائق أجمعين من كلّ أوب إلى الموقف( ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ ) الزموا مكانكم حتّى تنظروا ما يفعل بكم( أَنْتُمْ ) تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله، لأنّه سدّ مسدّ: الزموا( وَشُرَكاؤُكُمْ ) عطف عليه( فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ) ففرّقنا بينهم، وقطّعنا الوصل الّتي كانت بينهم( وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ) مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم، فإنّهم عبدوا في الحقيقة أهواءهم، لأنّها الآمرة بالإشراك لا ما أشركوا به.

وقيل: ينطق الله الأصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة الّتي توقّعوا منها.

وقيل: المراد بالشركاء الملائكة والمسيح. وقيل: الشياطين.

( فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) فإنّه العالم بكنه الحال( إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ) «إن» هي المخفّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.

( هُنالِكَ ) في ذلك المقام( تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) تختبر ما قدّمت من عمل، فتعاين نفعه وضرّه، مقبوله ومردوده، ومنه( يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ) (١) . وقرأ حمزة والكسائي: تتلو، من التلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت، أو من التلو، أي: تتبع عملها فيقودها إلى الجنّة أو إلى النّار.( وَرُدُّوا إِلَى اللهِ ) إلى جزائه إيّاهم بما اسلفوا( مَوْلاهُمُ الْحَقِ ) ربّهم الثابتة ربوبيّته، ومتولّي أمورهم على الحقيقة، لا ما اتّخذوه مولى. أو الّذي يتولّى حسابهم، العدل الّذي لا يجوز.( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) وضاع عنهم

__________________

(١) الطارق: ٩.


( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) من أنّ آلهتهم تشفع لهم، أو ما كانوا يدّعون أنّها آلهة.

( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) )

ثمّ قرّر سبحانه أدلّة التوحيد والبعث عليهم، فقال:( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) أي: منهما جميعا، فإنّ الأرزاق تحصل بأسباب سماويّة وموادّ أرضيّة، أو من كلّ واحد منهما توسعة عليكم. وقيل: «من» لبيان «من» على حذف المضاف، أي: من أهل السماء والأرض.

( أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ) أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما؟ أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء؟

( وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ) أي: ومن يحيي ويميت؟ ومن ينشئ الحيوان من النطفة، والنطفة منه؟( وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) ومن يلي تدبير أمر العالم. وهو تعميم بعد تخصيص.

( فَسَيَقُولُونَ اللهُ ) إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك، لفرط وضوحه( فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) أنفسكم عقابه بإشراككم إيّاه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.


( فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ ) أي: المتولّي لهذه الأمور المستحقّ للعبادة هو ربّكم الثابت ربوبيّته، لأنّه الّذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبّر أموركم( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) استفهام إنكار، أي: ليس بعد الحقّ إلّا الضلال، فمن تخطّى الحقّ ـ الّذي هو عبادة الله ـ وقع في الضلال( فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) عن الحقّ إلى الضلال.

( كَذلِكَ ) أي: كما حقّت الربوبيّة لله تعالى، أو أنّ الحقّ بعده الضلال، أو أنّهم مصروفون عن الحقّ( حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) أي: ثبت حكمه بالعذاب( عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ) تمرّدوا في كفرهم، وخرجوا عن حدّ الاستصلاح( أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) بدل من الكلمة، أي: حقّ عليهم انتفاء الإيمان. أو تعليل لحقّيتها، أي: حقّ عذاب الله على الّذين فسقوا، لعدم إيمانهم.

( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦) )

ثمّ احتجّ سبحانه عليهم في التوحيد باحتجاج آخر، فقال:( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ ) من هذه الأصنام التي جعلتموها شركاء لله تعالى( مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) جعل إعادة الخلق كالإبداء في الإلزام بها، لظهور برهانها، ومكابرة دافعها، وعدم مساعدته عليها، ولذلك أمر الرسول بأن ينوب عنهم في الجواب، فقال:( قُلِ


اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) لأن لجاجهم ومكابرتهم لا يدعهم أن يعترفوا بها( فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) تصرفون عن قصد السبيل.

ثمّ استأنف الحجاج بنوع آخر، فقال:( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) إلى الرشد وما فيه من الصلاح والنجاة، بنصب الحجج وإرسال الرسل، والتوفيق للنظر والتدبّر. و «هدى» كما يعدّى بـ «إلى» لتضمّنه معنى الانتهاء، يعدّى باللام، للدلالة على أنّ المنتهى غاية الهداية، وأنّها لم تتوجّه نحوه على سبيل الاتّفاق، ولذلك عدّي بها ما أسند إلى الله تعالى، وقال:( قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِ ) بما ركّب في المكلّفين من العقول، ومكّنهم من النظر في الأدلّة، ووقفهم على الشرائع.

( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي ) لا يهتدي( إِلَّا أَنْ يُهْدى ) من قولهم: هدى بنفسه إذا اهتدى. أو لا يهدي غيره إلّا أن يهديه الله. وهذا حال أشراف شركائهم، كالملائكة والمسيح وعزير.

وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر: لا يهدّي، بفتح الهاء وتشديد الدال. ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد. والأصل: يهتدي، فأدغم، وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر: يهدّي باتّباع الهاء. وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرّد عن الفتحة أو الكسرة، ولم يكن يبال بالتقاء الساكنين، لأنّ المدغم في حكم المتحرّك. وعن نافع برواية قالون مثله.

( فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) بما يقتضي صريح العقل بطلانه، كقولهم: إنّ هذه الأصنام آلهة، وأنّها شفعاء عند الله. والاستفهام للتعجيب.

( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ) فيما يعتقدونه( إِلَّا ظَنًّا ) مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد، والخالق على المخلوق، بأدنى مشاركة موهومة. والمراد بالأكثر الجميع، أو من ينتمي إلى تمييز ونظر، ولا يرضى بالتقليد الصرف.


( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ ) من العلم والاعتقاد الحقّ الثابت( شَيْئاً ) من الإغناء. ويجوز أن يكون مفعولا به، و «من الحقّ» حالا منه. وفيه دليل على أنّ تحصيل العلم في الأصول واجب، والاكتفاء بالتقليد والظنّ غير جائز.( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ) وعيد على اتّباعهم للظنّ، وإعراضهم عن البرهان.

( وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) )

ثمّ ردّ الله سبحانه على الكفّار قولهم:( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ) ، وقولهم: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم افترى هذا القرآن، فقال:( وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ ) وما صحّ وما استقام وكان محالا أن يكون مثله في علوّ أمره وإعجازه مفترى من الخلق( وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) مطابقا لـما تقدّمه من الكتب الإلهيّة المشهود على صدقها، ولا يكون كذبا، كيف وهو ـ لكونه معجزا دونها ـ عيار عليها، شاهد على صحّتها. ونصبه بأنّه خبر لـ «كان» مقدّرا، أو علّة لفعل محذوف، تقديره: لكن أنزله الله تصديق الّذي بين يديه.

( وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ ) وتفصيل ما حقّق وأثبت من العقائد وفرض الأحكام، وبيان سائر الشرائع( لا رَيْبَ فِيهِ ) منتفيا عنه الشكّ. وهو خبر ثالث داخل في


حكم الاستدراك. ويجوز أن يكون حالا من «الكتاب»، فإنّه مفعول في المعنى، وأن يكون استئنافا.

( مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) خبر آخر، تقديره: كائنا من ربّ العالمين. أو متعلّق بـ «تصديق» أو بـ «تفصيل»، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) اعتراض. أو بالفعل المعلّل بالتصديق والتفصيل، أي: أنزله الله كائنا من ربّ العالمين. ويجوز أن يكون حالا من الكتاب، أو من الضمير في «فيه». ومساق الآية بعد المنع من اتّباع الظنّ لبيان ما يجب اتّباعه والبرهان عليه.

( أَمْ يَقُولُونَ ) بل أيقولون( افْتَراهُ ) محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ ومعنى الهمزة فيه للإنكار.( قُلْ ) إن افتريته كما زعمتم( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ) في البلاغة وحسن النظم وقوّة المعنى على وجه الافتراء، فإنّكم مثلي في العربيّة والفصاحة، وأشدّ تمرّنا في النظم والعبارة( وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ) ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به( مِنْ دُونِ اللهِ ) سوى الله تعالى، فإنّه وحده قادر على أن يأتي بمثله، ولا يقدر على ذلك أحد غيره( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أنّ محمدا اختلقه.

( بَلْ كَذَّبُوا ) بل سارعوا إلى التكذيب( بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) بالقرآن الّذي لم يعلموه من جميع وجوهه أوّل ما سمعوه، قبل أن يتدبّروا آياته، ويحيطوا بالعلم بشأنه وكنه أمره، من كيفيّة نظمه وصحّة معانيه. أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما، من ذكر البعث وسائر ما يخالف دينهم.

( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) ولم يقفوا بعد على حقيقته، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، لنفورهم عمّا يخالف ما ألفوه من آبائهم. أولم يأتهم بعد عاقبة ما فيه من الإخبار بالغيوب حتّى يتبيّن لهم أنّه صدق أو كذب. والمعنى: أنّ القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى. ثمّ إنّهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبّروا نظمه ويتفحّصوا معناه.

ومعنى التوقّع في «لمّا» أنّه قد ظهر لهم بالأخرة إعجازه لـمّا كرّر عليهم التحدّي، فجرّبوا قواهم في معارضته فضعفت دونها، أو لـمّا شاهدوا وقوع ما أخبر


به طبقا لإخباره مرارا، فلم يقلعوا عن التكذيب تمرّدا وعنادا.

( كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك التكذيب( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أنبياءهم( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.

( وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) )

ثمّ أخبر سبحانه أنّ من جملة هؤلاء الكفّار الّذين كذّبوا بالقرآن ونسبوه إلى الافتراء من سيؤمن به في المستقبل، ويصدّق بأنّه من عند الله، ومنهم من يموت


على كفره، فقال:( وَمِنْهُمْ ) ومن المكذّبين( مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) من سيؤمن ويتوب عن كفره، أو يصدّق به في نفسه ويعلم أنّه حقّ ولكن يعاند( وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ ) فيما يستقبل، بأن يموت على الكفر، أو لا يؤمن به في نفسه، لقلّة تدبّره فيه( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ) بالمعاندين أو بالمصرّين.

ثمّ خاطب نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( وَإِنْ كَذَّبُوكَ ) وإن اصرّوا على تكذيبك بعد إلزام الحجّة( فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ) لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، حقّا كان أو باطلا( أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) لا تؤاخذون بعملي، ولا أؤاخذ بعملكم. ومثله:( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (١) . وقوله:( قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ) إلى آخر السورة.

وملخّص المعنى: إن عاندوا وأصرّوا على تكذيبك فتبرّأ منهم وخلّهم، فقد أعذرت في التبليغ إليهم. وهذا وعيد لهم من الله تعالى، كقوله تعالى:( اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) (٢) . ولا تنافي بين هذه الآية وآية القتال، لأنّه براءة ووعيد، وذلك لا ينافي الجهاد، فلا تكون منسوخة بإنزال آية(٣) السيف كما توهّم بعضهم.

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع، ولكن لا يقبلون ولا يعون، كالأصمّ الّذي لا يسمع أصلا( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ ) أتقدر على إسماعهم( وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ) ولو انضمّ إلى صممهم عدم تعقّلهم، لأنّ الأصمّ العاقل ربما تفرّس واستدلّ وعلم إذا وقع في صماخه دويّ الصوت، فإذا اجتمع سلب العقل والسمع جميعا فقد تمّ الأمر.

وفيه تنبيه على أنّ حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه، ولذلك لا

__________________

(١) الشعراء: ٢١٦.

(٢) الأنعام: ١٣٥.

(٣) التوبة: ٥ و ٢٩.


توصف به البهائم، وهو لا يتأتّى إلّا باستعمال العقل السليم في تدبّره، وعقولهم لـمّا كانت مؤفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف والتقليد تعذّر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة، فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق، وهو مجرّد استماع الصوت.

( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ) يعاينون دلائل نبوّتك ولكن لا يصدّقونك( أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ) أتقدر على هدايتهم( وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) وإن انضمّ إلى عدم البصر عدم البصيرة، فإنّ المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار، والعمدة في ذلك البصيرة، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطّن لـما لا يدركه البصير الأحمق. يعني: أنّهم في اليأس من قبولهم وتصديقهم الحقّ كالصمّ والعمي الّذين لا عقول لهم ولا بصائر. والآية كالتعليل للأمر بالتبرّي والإعراض عنهم. والاستفهام في الآيتين للإنكار.

( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ) بسلب حواسّهم وعقولهم( وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بإفسادها وتفويت منافعها عليهم. أو لا يظلمهم في تعذيبهم يوم القيامة، بل العذاب لا حق بهم على سبيل العدل والاستحقاق. وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف «لكن» ورفع الناس.

ثمّ بيّن حالهم يوم الجمع بقوله:( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ) يعني: يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا أو في القبور، لهول ما يرون.

والجملة التشبيهيّة في موضع الحال، أي: يحشرهم مشبّهين بمن لم يلبث إلّا ساعة.

أو صفة لـ «يوم»، والعائد محذوف تقديره: كأن لم يلبثوا قبله، أو لمصدر محذوف، أي: حشرا كأن لم يلبثوا قبله.

( يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) يعرف بعضهم بعضا كأنّهم لم يتفارقوا إلّا قليلا، وذلك عند خروجهم عن القبور، ثمّ ينقطع التعارف بينهم، لشدّة العذاب عليهم. وهي حال


أخرى مقدّرة، نحو: خرجت مع البازي صائدا، والصيد لا يكون حين الخروج بل بعده. أو بيان لقوله:( كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ) . أو متعلّق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم يحشرهم.

( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ ) على إرادة القول. والمعنى: يتعارفون بينهم قائلين ذلك. أو هي شهادة من الله على خسرانهم. والمعنى: قد خسروا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر.( وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ) لطرق استعمال ما منحوا من القوى في تحصيل المعارف، فاستكسبوا بها جهالات أدّت بهم إلى الردى والعذاب الدائم، فما كانوا عارفين بالتجارة المربحة، والمثمرة للسعادة الأبديّة.

( وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) نبصّرنّك( بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل أن نريك( فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ) فنريكه في الآخرة.

وهو جواب «نتوفّينّك». وجواب «نرينّك» محذوف، مثل: فذاك.( ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ) أي: مجاز عليه. ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها، فكأنّه قال: ثمّ الله معاقب على ما يفعلون، ولذا رتّبها على الرجوع بـ «ثمّ». أو معناه: مؤدّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة.

( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ) من الأمم الماضية( رَسُولٌ ) يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحقّ( فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ ) بالبيّنات فكذّبوه( قُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بين الرسول ومكذّبيه( بِالْقِسْطِ ) بالعدل، فأنجي الرسول وأهلك المكذّبون( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) .

وقيل: معناه لكلّ أمّة يوم القيامة رسول تنسب إليه، فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بإنجاء المؤمن وعقاب الكافر، كقوله:( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) (١) .

__________________

(١) الزمر: ٦٩.


( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) )

ولـمّا وعد سبحانه المكذّبين بيّن عقيبه أنّهم استعجلوا ذلك على سبيل التكذيب والردّ، فقال:( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ ) استبعادا له واستهزاء به( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) خطاب منهم للنبيّ والمؤمنين.

( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ) من فقر أو مرض( وَلا نَفْعاً ) من غنى أو صحّة، فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب إليكم؟!( إِلَّا ما شاءَ اللهُ ) أن أملكه، أو ولكن ما شاء الله من ذلك كائن( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) مضروب محدود من الزمان


لهلاكهم( إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) لا يتأخّرون ولا يتقدّمون، فلا تستعجلوا فسيحين(١) وقتكم وينجز وعدكم.

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ ) الّذي تستعجلون به( بَياتاً ) وقت بيات واشتغال بالنوم. وهو بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم.( أَوْ نَهاراً ) حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم( ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ) أيّ شيء من العذاب يستعجلونه، وليس شيء منه يوجب الاستعجال، فإنّ كلّه مكروه، فلا يلائم الاستعجال؟! وهو متعلّق بـ «أرأيتم» لأنّه بمعنى: أخبروني. والمجرمون وضع موضع الضمير، للدلالة على أنّهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد، لا أن يستعجلوه. ويجوز ان يكون معناه التعجّب، كأنّه قال: أي هول شديد يستعجلون منه؟

وقيل: الضمير في «منه» لله تعالى، وتعلّق الاستفهام بـ «أرأيتم». والمعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون؟ وجواب الشرط محذوف، وهو: تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه.

ويجوز أن يكون( ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ) جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ثمّ تتعلّق الجملة بـ «أرأيتم» أو بقوله:( أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ) بمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان. و «ماذا يستعجل» اعتراض. ودخول حرف الاستفهام على «ثمّ» لإنكار التأخير.

( آلْآنَ ) تؤمنون وقد اضطررتم لحلوله. وهو على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به. وعن نافع: الآن بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام.( وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ ) أي: بالعذاب( تَسْتَعْجِلُونَ ) تكذيبا واستهزاء.

( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) عطف على «قيل» المقدّر( ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ )

__________________

(١) أي: سيأتي ويقرب وقتكم، من: حان يحين أي: قرب.


المؤلم على الدوام( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) من الكفر والمعاصي.

( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ) ويستخبرونك( أَحَقٌّ هُوَ ) أحقّ ما تقول من الوعد أو ادّعاء النبوّة، تقوله بجدّ أم باطل تهزل به. قاله حييّ بن أخطب لـمّا قدم مكّة. والأظهر أنّ الاستفهام فيه على أصله، لقوله: «ويستنبؤنك». وقيل: إنّه للإنكار. و «أحقّ» مبتدأ، والضمير مرتفع به سادّ مسدّ الخبر، أو خبر مقدّم، والجملة في موقع النصب بـ «يستنبؤنك».

( قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ ) إنّ العذاب لكائن لا شكّ فيه، أو ما ادّعيته لثابت.

وقيل: كلا الضميرين للقرآن. و «إي» بمعنى «نعم» وهو من لوازم القسم، كما كان «هل» بمعنى «قد» في الاستفهام خاصّة، ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال: إي والله، ولا يقال: إي وحده.( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) فائتين العذاب، وهو لاحق بكم لا محالة.

( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ) صفة نفس، أي: لكلّ نفس ظالمة بالشرك أو التعدّي على الغير( ما فِي الْأَرْضِ ) من خزائنها وأموالها على كثرتها( لَافْتَدَتْ بِهِ ) لجعلته فدية لها من العذاب، من قولهم: افتداه بمعنى: فداه( وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) لأنّهم بهتوا بما عاينوا ممّا لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهوله، ورأوا من تفاقم الأمر ما سلبهم قواهم، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا، ولم يقدروا أن ينطقوا سوى إسرار الندامة في القلوب.

وقيل: أسرّ الرؤساء منهم الندامة من أتباعهم، حياء منهم وخوفا من توبيخهم.

وقيل: أسرّوا الندامة أخلصوها، لأنّ إخفاءها إخلاصها، أو لأنّه يقال: سرّ الشيء لخالصته، من حيث إنّها تخفى ويضنّ بها.

وقيل: معناه: أظهروها، من قولهم: أسرّ الشيء وأشرّه إذا أظهره. فهو من


لغات الأضداد.

ويؤيّد المعنى الأوّل ما روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «إنّما اسرّوا الندامة وهم في النار كراهية لشماتة الأعداء».

( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ليس فيه تكرار، لأنّ الأوّل قضاء بين الأنبياء ومكذّبيهم، والثاني مجازاة المشركين على الشرك، أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين. والضمير إنّما يتناولهم والحال أنّهم لم يذكروا لدلالة الظلم عليهم.

( أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب( أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) من الثواب والعقاب( حَقٌ ) ثابت كائن لا خلف فيه( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) لعدم تدبّرهم وتفكّرهم في العقبى، وقصر همّتهم إلى متاع الحياة الدنيا.

( هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ) في الدنيا، فهو يقدر عليهما في العقبى، لأنّ القادر لذاته لا يزول قدرته، والمادّة القابلة للحياة والموت قابلة لهما أبدا( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) بالموت أو النشور.

( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) )

ولـمّا تقدّم ذكر القرآن وما فيه من الوعد والوعيد، عقّبه سبحانه بذكر جلالة موقع القرآن وعظم محلّه في باب الأدّلة، فقال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ


مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي: قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العمليّة الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها، والمرغّبة في المحاسن، والزاجرة عن القبائح، والحكمة النظريّة الّتي هي شفاء لـما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحقّ واليقين، ورحمة للمؤمنين، حيث أنزل عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان، وتبدّلت مقاعدهم من دركات النيران بمصاعد من درجات الجنان. والتنكير في الجميع للتعظيم. وخصّ المؤمنين بالذكر، وإن كان القرآن عظة ورحمة لجميع الخلق، لأنّهم الّذين انتفعوا به.

( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ ) بإنزال القرآن. والباء متعلّقة بفعل يفسّره قوله:( فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) أصل الكلام: بفضل الله ورحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا.

والتكرير لتأكيد التقرير، وللبيان بعد الإجمال، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا. فأحد الفعلين حذف لدلالة الآخر عليه.

ودخلت الفاء لمعنى الشرط، كأنّه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصّوهما بالفرح، فإنّه لا مفروح به أحقّ منهما. وعن يعقوب: فلتفرحوا بالتاء على الأصل المرفوض.

وعن أبي سعيد الخدري والحسن: فضل الله هو القرآن، ورحمته هو الإسلام. وعن مجاهد وقتادة وغيرهما: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.

وروى أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «من هداه الله للإسلام، وعلّمه القرآن، ثمّ شكا الفاقة كتب اللهعزوجل الفقر بين عينيه إلى يوم القيامة، ثمّ تلا:( قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) إلى آخر الآية».

وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: فضل الله رسول الله، ورحمته عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . وهو أيضا مرويّ عن الباقرعليه‌السلام .

( هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) من حطام الدنيا، فإنّها منتهية إلى الزوال. وضمير «هو» راجع إلى ذلك. وقرأ ابن عامر: تجمعون، على معنى: فبذلك فليفرح


المؤمنون، فهو خير ممّا تجمعونه أيّها المخاطبون.

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) )

ثمّ أمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطب كفّار مكّة، فقال:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ) جعل الرزق منزلا لأنّه مقدّر في السماء، محصّل بأسباب منها. و «ما» في موضع النصب بـ «أنزل» أو بـ «أرأيتم»، فإنّه بمعنى: أخبروني. و «لكم» دلّ على أنّ الرزق لا يكون إلّا حلالا، ولذا وبّخ على التبعيض فقال:( فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً ) مثل:( هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ) (١) ( ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ) (٢) وكالسائبة والبحيرة والوصيلة والحام ونحوها.

( قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ ) في التحريم والتحليل، فتقولون ذلك بحكمه( أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ) في نسبة ذلك إليه؟! ويجوز أن تكون المنفصلة متّصلة بـ «أرأيتم»، و «قل» تكرير للتأكيد، وأن يكون الاستفهام للإنكار و «أم» منقطعة. ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله تعالى.

وكفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عن التجوّز فيما يسأل عنه من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز

__________________

(١، ٢) الأنعام: ١٣٨ ـ ١٣٩.


إلّا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتّق الله وليصمت، وإلّا فهو مفتر على الله.

( وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) أيّ شيء ظنّهم( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي: أيحسبون أنّهم لا يجازون عليه يوم الجزاء؟ وهو منصوب بالظنّ. وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم.

( إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) حيث أنعم عليهم بالعقل، وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) هذه النعم الجليلة.

( وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ إمهاله إيّاهم ليس لجهل بحالهم، فقال:( وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ) أي: لا تكون يا محمّد في أمر من أمور الدين وحال من أحواله، من تبليغ الرسالة وتعليم الشريعة وغير ذلك. وأصله الهمزة، من: شأنت شأنه إذا قصدت قصده. والضمير في قوله:( وَما تَتْلُوا مِنْهُ ) للشأن، لأنّ تلاوة القرآن معظم شأن الرسول، أو لأنّ القرآن يكون لشأن، فيكون التقدير: من أجله. ومفعول «تتلو»:( مِنْ قُرْآنٍ ) على أنّ «من» تبعيضيّة، أو مزيدة لتأكيد النفي. أو للقرآن، وإضماره قبل الذكر ثمّ بيانه تفخيم له. أو لله تعالى.

( وَلا تَعْمَلُونَ ) أنتم جميعا( مِنْ عَمَلٍ ) تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم، ولذلك ذكر حيث خصّ ما فيه فخامة، وذكر حيث عمّ ما يتناول الجليل


والحقير( إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ) شاهدين مطّلعين عليه( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) تخوضون فيه وتندفعون، من: أفاض في العمل إذا اندفع فيه.

( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ) ولا يبعد عنه، ولا يغيب عن علمه. وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا وفي سبأ(١) .( مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ) في موضع الرفع، و «من» زائدة.

والذرّة ما يوازن نملة صغيرة أو هباء.( فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) أي: في الوجود والإمكان، فإنّ العامّة لا تعرف ممكنا غيرهما ليس فيهما ولا متعلّقا بهما. وتقديم الأرض لأنّ الكلام في شؤون أهلها وأحوالهم وأعمالهم. والمقصود منه هو البرهان على إحاطة علمه بها.( وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) كلام برأسه مقرّر لـما قبله. و «لا» نافية، و «أصغر» اسمها، و «في كتاب» خبرها.

وقرأ حمزة ويعقوب بالرفع على الابتداء والخبر. ومن عطف على لفظ «مثقال ذرّة» وجعل الفتح بدل الكسر، لامتناع الصرف، أو على محلّه مع الجارّ، جعل الاستثناء منقطعا. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ.

( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) )

ولـمّا ذكر أنّه يحصي أعمال خلقه بشّر من تولّاه وذكر ما أعدّ لهم، فقال :

__________________

(١) سبأ: ٣.


( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ ) الّذين يتولّونه بالطاعة، ويتولّاهم بالكرامة.

وعن ابن عبّاس وسعيد بن جبير: هم قوم ذكر هم الله بما هم عليه من سيماء الخير والإخبات. وقيل: هم المتحابّون في الله. ذكر ذلك في خبر مرفوع.

وعن عليّ بن الحسينعليه‌السلام : أنّهم الّذين أدّوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله، وتورّعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل هذه الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيّب من رزق الله لمعايشهم، لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثمّ أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الّذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا، ويثابون على ما قدّموا لآخرتهم.

( لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من لحوق مكروه( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) لفوات مأمول.

وعن ابن زيد: أولياء الله هم الّذين قال الله تعالى في شأنهم:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) . فالآية الأولى مجملة، وهذه مفسّرة لها.

( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) وهو ما بشّر به المتّقين في كتابه وعلى لسان نبيّه، وما يريهم من الرؤيا الصالحة، وما يسنح لهم من المكاشفات، وبشرى الملائكة لهم عند النزع بأن لا تخافوا ولا تحزنوا( وَفِي الْآخِرَةِ ) بتلقّي الملائكة إيّاهم مسلمين مبشّرين بالفوز والكرامة. وقيل:( الَّذِينَ آمَنُوا ) بيان لتولّيهم لربّهم، وهذه الآية بيان لتولّيه لهم.

وروى عقبة بن خالد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «يا عقبة لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلّا هذا الدين الّذي أنتم عليه، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينه إلّا أن يبلغ نفسه إلى هذه، وأومأ بيده إلى الوريد، ثمّ قال: إنّ هذا في كتاب الله، وقرأ:( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) ».

ومحلّ «الّذين آمنوا» النصب أو الرفع على المدح، أو على وصف الأولياء، أو على الابتداء، وخبره «لهم البشرى».

( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ) لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده( ذلِكَ ) إشارة


إلى كونهم مبشّرين في الدارين( هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) هذه الجملة والّتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشّر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتّصل بما قبله.

( وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم وتدبيرهم في إبطال أمرك، وسائر ما يتكلّمون في شأنك. وقرأ نافع: يحزنك، من: أحزنه. وكلاهما بمعنى.( إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) استئناف بمعنى التعليل، كأنّه قيل: لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم، لأنّ الغلبة والقهر جميعا لله وفي ملكه، لا يملك غيره شيئا منها، فهو يقهرهم وينصرك عليهم( هُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالهم( الْعَلِيمُ ) بعزماتهم، فيكافئهم عليها.

( أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) )

ولـمّا سلّى الله سبحانه نبيّه بقوله:( وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) فإنّهم لا يفوتونني، بيّن بعد ذلك ما يدلّ على صحّته، فقال:( أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) يعني: العقلاء والثقلين. وإذا كان العقلاء عبيده وفي مملكته، ولا يصلح أحد منهم للإلهيّة، فما وراءهم ممّا لا يعقل ولا يميّز أحقّ أن لا يكون له ندّا ولا شريكا، فمن اتّخذ غيره ربّا من ملك أو إنسيّ أو جنّيّ فضلا عن صنم أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لـما أدّى إليه التقليد وترك النظر.

( وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ ) أي شركاء على الحقيقة، وإن كانوا يسمّونها شركاء. ويجوز أن يكون «شركاء» مفعول «يدعون»، ومفعول «يتّبع» محذوف دلّ عليه( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ ) أي: ما يتّبعون يقينا، وإنّما يتّبعون ظنّهم أنّها شركاء. ويجوز أن تكون «ما» استفهاميّة منصوبة بـ «يتّبع»، أي: أيّ شيء


يتّبعون، وموصولة معطوفة على «من»، أي: ألا أنّ لله الّذي يتّبعون من الأصنام.

( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) يكذبون فيما ينسبون إلى الله تعالى، أو يحزرون ويقدّرون أنّها شركاء تقديرا باطلا.

( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) )

ثمّ نبّه على عظيم نعمه وكمال قدرته المتوحّد هو بهما، ليدلّهم على تفرّده باستحقاق العبادة، فقال:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) ممّا تقاسون في نهاركم من تعب التردّد في المعاش( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) أي: مضيئا تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم، وتهتدون بها. وإنّما قال: «مبصرا» ولم يقل: لتبصروا فيه، تفرقة بين الظرف المجرّد عن السبب والظرف الّذي هو سبب.( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) سماع تدبّر واعتبار.

( قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) )

ثمّ حكى الله سبحانه عن صنف من الكفّار بأنّهم أضافوا إليه اتّخاذ الولد، وهم طائفتان: إحداهما: كفّار قريش والعرب، فإنّهم قالوا: الملائكة بنات الله ،


والأخرى: النصارى الّذين قالوا: المسيح ابن الله، فقال:( قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) أي: تبنّاه( سُبْحانَهُ ) تنزيه له عن التبنّي، فإنّه لا يصحّ إلّا ممّن يتصوّر له الولد، وتعجّب من كلمتهم الحمقاء.

ثمّ علّل لتنزيهه عن الولد بقوله:( هُوَ الْغَنِيُ ) فإنّ اتّخاذ الولد مسبّب عن الحاجة الّتي تنزّه الله سبحانه عنها، لأنّه الغنيّ بالذات مستغن عن جميع الممكنات( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) تقرير لغناه( إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا ) ما عندكم من حجّة بهذا القول. والباء متعلّق بـ «سلطان»، أو بقوله: «إن عندكم» على أن يجعل القول مكانا للسلطان، كقولك: ما عندكم بأرضكم موز، كأنّه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان. وهذا نفي لمعارض ما أقامه من البرهان، مبالغة في تجهيلهم، وتحقيقا لبطلان قولهم.

ثمّ وبّخ وقرّع على اختلافهم وجهلهم، فقال:( أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) . وفيه دليل على أنّ كلّ قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأنّ العقائد لا بدّ لها من دليل قاطع، وأنّ التقليد فيها غير جائز.

( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) باتّخاذ الولد وإضافة الشريك إليه( لا يُفْلِحُونَ ) لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنّة.

( مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ) خبر مبتدأ محذوف، أي: افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر، أو حياتهم أو تقلّبهم عن الحقّ متاع. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: لهم تمتّع في الدنيا.( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ) بالموت فيلقون الشقاء المؤبّد بعده( ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ) بسبب كفرهم.

( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ


أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) )

ثمّ أمر الله سبحانه نبيّه أن يقرأ عليهم أخبار نوح وقومه ليعتبروا من حالهم ويدعوا الشرك، فقال:( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ) خبره مع قومه( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ) عظم وشقّ عليكم( مَقامِي ) أي: نفسي، تسمية للشيء باسم لازمه، فإنّ المقام لازم للنفس ولا ينفكّ منه، كقولهم: فعلت كذا لمكان فلان، أي: لنفسه. أو يكون مصدرا ميميّا، ومعناه: كوني وإقامتي بينكم مدّة مديدة، أو قيامي على القدمين بالدعوة، فإنّهم كانوا إذا وعظوا قاموا على أرجلهم ليكون كلامهم مسموعا.( وَتَذْكِيرِي ) إيّاكم( بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ ) وثقت به واعتمدت.

( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ) فاعزموا عليه، من: أجمع الأمر وأزمعه إذا نواه وعزم عليه( وَشُرَكاءَكُمْ ) أي: مع شركائكم، أي: احتشدوا كلّكم فيما تريدون من إهلاكي، وابذلوا وسعكم فيه. وهذا على وجه التهكّم، كقوله:( قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ


ثُمَّ كِيدُونِ ) (١) . وقيل: إنّه معطوف على «أمركم» بحذف المضاف، أي: وأمر شركائكم. وقيل: إنّه منصوب بفعل محذوف، تقديره: وادعوا شركاءكم. وعن نافع: فاجمعوا من الجمع. والمعنى: أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده، والسعي في إهلاكه على أيّ وجه يمكنهم.

( ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ ) قصدكم إلى إهلاكي( عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) مستورا، واجعلوه ظاهرا مكشوفا، من: غمّه إذا ستره. وفي الحديث: «لا غمّة في الفرائض». وإنّما قال ذلك إظهارا لقلّة مبالاته، وثقته بما وعده ربّه من كلاءته وعصمته إيّاه، وأنّهم لن يجدوا إليه سبيلا. أو المعنى: ثمّ لا يكن حالكم عليكم غمّا وهمّا إذا أهلكتموني، وتخلّصتم من ثقل مقامي وتذكيري.( ثُمَّ اقْضُوا ) أدّوا( إِلَيَ ) ذلك الأمر الّذي تريدون بي( وَلا تُنْظِرُونِ ) ولا تمهلوني.

( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي، وعن اتّباع الحقّ( فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ) يوجب تولّيكم لثقله عليكم، واتّهامكم إيّاي لأجله( إِنْ أَجْرِيَ ) ما ثوابي في الآخرة على الدعوة والتذكير( إِلَّا عَلَى اللهِ ) لا تعلّق له بكم، يثيبني به آمنتم أو تولّيتم. والمعنى: ما نصحتكم إلّا لوجه الله لا لغرض من أغراض الدنيا.

( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) المستسلمين المنقادين لحكمه، لا أخالف أمره ولا أرجو غيره.

( فَكَذَّبُوهُ ) فأصرّوا على تكذيبه بعد ما ألزمهم الحجّة، وبيّن أنّ تولّيهم ليس إلّا لعنادهم وتمرّدهم، لا جرم حقّت عليهم كلمة العذاب( فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ ) من الغرق( فِي الْفُلْكِ ) في السفينة، وكانوا ثمانين( وَجَعَلْناهُمْ ) وجعلنا الّذين نجوا مع نوح( خَلائِفَ ) خلفا لمن هلك بالغرق( وَأَغْرَقْنَا ) بالطوفان( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ ) أيّها السامع( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ) . هذا تعظيم لـما جرى

__________________

(١) الأعراف: ١٩٥.


عليهم، وتحذير لمن كذّب الرسول، وتسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( ثُمَّ بَعَثْنا ) أرسلنا( مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد نوح( رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ ) يعني: هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا، كلّ رسول إلى قومه( فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات الواضحة، والحجج المبيّنة، المثبتة لدعواهم( فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ) فما استقام لهم أن يؤمنوا، لشدّة شكيمتهم في الكفر، وتصميمهم على العناد والمكابرة، كما قال:( بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ) أي: بسبب تعوّدهم تكذيب الحقّ، وتمرّنهم عليه قبل بعثة الرسل إليهم. يعني: لم يكن بين حالتيهم فرق قبل البعثة وبعدها.

( كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك الطبع والخذلان والتخلية( نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) أي نخذلهم ونسدّ عليهم أبواب التوفيق وأسباب اللطف، لانهماكهم في الضلال، وتوغّلهم في اتّباع الغيّ والعناد واللجاج. أو نجعل على قلوبهم سمة وعلامة على كفرهم ليعرفهم بها الملائكة فيلعنوهم. وباقي وجوه المعاني في الطبع قد مرّ(١) في أوائل سورة البقرة.

( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا

__________________

(١) راجع ج ١: ٥٤.


وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) )

( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ ) من بعد هؤلاء الرسل( مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) رؤساء قومه وأهل مجلسه( بِآياتِنا ) بالآيات التسع( فَاسْتَكْبَرُوا ) عن اتّباعهما بعد تبيّنها لهم( وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ) معتادين الإجرام، فلذلك تهاونوا برسالة ربّهم، واجترءوا على ردّها.

( فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ) وعرفوه بتظاهر الآيات الواضحة، وتتابع المعجزات القاهرة المزيحة للريب والشكّ( قالُوا ) من فرط تمرّدهم( إِنَّ هذا


لَسِحْرٌ مُبِينٌ ) ظاهر أنّه سحر، أو فائق فيه، واضح فيما بين إخوانه.

( قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِ ) للمعجز الثابت( لَمَّا جاءَكُمْ ) إنّه لسحر، فحذف المحكيّ المقول لدلالة ما قبله عليه. ولا يجوز أن يكون( أَسِحْرٌ هذا ) ، لأنّهم جزموا القول، بل هو استئناف بإنكار ما قالوه من عيبه والطعن عليه. أللَّهمّ إلّا أن يكون الاستفهام فيه للتقرير والمحكيّ مفهوم قولهم. ويجوز أن يكون معنى «أتقولون»: أتعيبونه وتطعنون فيه؟ من قولهم: فلان يخاف القالة، أي: العيب، كقوله تعالى:( سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ) (١) ، فيستغنى عن المفعول.

( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) من تمام كلام موسىعليه‌السلام ، للدلالة على أنّه ليس بسحر، فإنّه لو كان سحرا لاضمحلّ ولم يبطل سحر السحرة، ولأنّ العالم بأنّه لا يفلح الساحر لا يسحر. ويجوز أن يكون قوله:( أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ) حكاية من تمام قولهم، كأنّهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح الساحرون، كما قال موسى للسحرة:( ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ ) .

( قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ) لتصرفنا. واللّفت والفتل أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال.( عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) من عبادة الأصنام( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ ) أي: الملك فيها. سمّي بها لأنّ الملوك موصوفون بالكبر أو التكبّر على الناس فيها باستتباعهم.( وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ) بمصدّقين فيما جئتما به.

( وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ ) وقرأ حمزة والكسائي: بكلّ سحّار( عَلِيمٍ ) حاذق فيه.

( فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا ) حبالهم

__________________

(١) الأنبياء: ٦٠.


وعصيّهم المجوّفة المملوءة بالزئبق، كما وقع في سورة طه(١) ( قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ) أي: الّذي جئتم به هو السحر، لا الّذي سمّيتموه سحرا من المعجزات الباهرة.

وقرأ أبو عمرو: السحر، على أنّ «ما» استفهاميّة مرفوعة بالابتداء، و «جئتم به» خبرها، و «السحر» بدل منه. أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أهو السحر؟ أو مبتدأ خبره محذوف، أي: السحر هو؟ ويجوز أن ينتصب «ما» بفعل يفسّره ما بعده، تقديره: أيّ شيء جئتم به أهو السحر؟

( إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ ) سيمحقه ويدمّر عليه، أو سيظهر بطلانه( إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ) لا يثبته ولا يقوّيه. وفيه دليل على أنّ السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له.

( وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَ ) ويثبته( بِكَلِماتِهِ ) بأوامره وقضاياه، ومواعيده بالنصر( وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) ذلك.

( فَما آمَنَ لِمُوسى ) فما صدّقه في مبدأ أمره( إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ) إلّا طائفة من ذراري بني إسرائيل، وذلك أنّ موسىعليه‌السلام دعا الآباء فلم يجيبوه إلّا طائفة من شبّانهم. وقيل: الضمير لفرعون، والذرّية: مؤمن آل فرعون، وامرأته آسية، وخازنه، وزوجة خازنه، وماشطته.

( عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ ) أي: مع خوف منهم. والضمير لفرعون.

وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء، أو المراد بفرعون آله، كما يقال: ربيعة ومضر. أو للذريّة أو للقوم، أي: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنّهم كانوا يمنعونهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم.( أَنْ يَفْتِنَهُمْ ) أي: يعذّبهم فرعون. وهو بدل منه، أو مفعول «خوف». وإفراده بالضمير

__________________

(١) طه: ٦٦.


للدلالة على أنّ الخوف من الملأ كان بسببه.

( وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ ) لغالب فيها( وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ) في الكبر والعتوّ والظلم والفساد، حتّى ادّعى الربوبيّة واسترقّ أسباط الأنبياء.

( وَقالَ مُوسى ) لـمّا رأى تخوّف المؤمنين به( يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ ) صدّقتم به وبآياته( فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ) اسندوا أمركم في العصمة من فرعون واعتمدوا عليه( إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) مستسلمين منقادين لقضاء الله تعالى، مخلصين له العبادة، بحيث لا حظّ للشيطان فيها أصلا ورأسا. وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين، فإنّ المعلّق بالايمان وجوب التوكّل، فإنّه المقتضي له، والمشروط بالإسلام حصول التوكّل، فإنّه لا يوجد مع التخليط. ونظيره: إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت، وإن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوّة.

( فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا ) لأنّهم كانوا مؤمنين مخلصين، ولذلك أجيبت دعوتهم، فنجّاهم من فرعون وقومه، وجعلهم خلفاء في أرضه. فمن أراد أن يصلح للتوكّل على ربّه والتفويض إليه، فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص.

( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً ) موضع فتنة( لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي: لا تسلّطهم علينا تخلية فيفتنونا عن ديننا أو يعذّبونا.

( وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) من كيد فرعون وقومه، ومن شؤم مشاهدتهم واستعبادهم إيّانا. وفي تقديم التوكّل على الدعاء تنبيه على أنّ الداعي ينبغي أن يتوكّل أوّلا لتجاب دعوته.

( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ


آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) )

(وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا ) أي: اتّخذا مباءة ومرجعا، كقولك :

توطّنه، إذا اتّخذه وطنا( لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ) تسكنون فيها، أو ترجعون إليها للعبادة( وَاجْعَلُوا ) أنتما وقومكما( بُيُوتَكُمْ ) تلك البيوت( قِبْلَةً ) مصلّى. وقيل: مساجد متوجّهة نحو القبلة، لـما روي أنّه دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون، أمروا باتّخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى، وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة، يعني: الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلّون إلى الكعبة. وقيل: معناه. اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا.( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) فيها، وداوموا على فعلها في البيوت.

وعن ابن عبّاس: إنّ فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة، فأمروا أن يتّخذوا مساجد في بيوتهم يصلّون فيها خوفا من فرعون، وذلك قوله:( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) أي: صلّوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف. وهذا القول أنسب لسوق كلام ما قبله وما بعده.

( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) بالنصرة في الدنيا والجنّة في العقبى. ثنّى الضمير أوّلا لأنّ التبوّء للقوم واتّخاذ المعابد ممّا يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور. ثم جمع لأنّ جعل البيوت مساجد والصلاة فيها ممّا ينبغي أن يفعله كلّ أحد. ثمّ وحّد لأنّ


البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة.

( وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً ) ما يتزيّن به من اللباس والمراكب ونحوهما( وَأَمْوالاً ) وأنواعا من المال( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ) دعاء عليهم بلفظ الأمر حين لم يبق له طمع في إيمانهم، فاشتدّ غضبه عليهم لـمّا علم من ممارسة أحوالهم أنّه لا يكون غير الضلال، فدعا عليهم بما علم أنّه لا يكون غيره، ليشهد عليهم أنّهم لا يستحقّون إلّا الخذلان، وأن يخلّي بينهم وبين ضلالهم.

وقيل: اللام للعاقبة، وهي متعلّقة بـ «آتيت». وقيل: للتعليل، على أنّهم جعلوا نعمة الله سببا في الضلال، فكأنّهم أعطوها ليضلّوا.

ويؤيّد الأوّل قوله:( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ ) أهلكها. والطمس: المحق.

قيل: المراد بالطمس على الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها. قال مجاهد وقتادة وعامّة أهل التفسير: صارت جميع أموالهم بعد ذلك الدعاء حجارة، حتّى السكّر والفانيذ(١) .

( وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ) أي: واقسها واطبع عليها على وجه الخذلان حتّى لا تنشرح للايمان( فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) جواب للدعاء، أو دعاء عليهم بلفظ النهي، أو عطف على «ليضلّوا» وما بينهما دعاء معترض. وقرأ الكوفيّون: ليضلّوا من الضلال. وفائدة هذا الدعاء إظهار التبرّي منهم.

( قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) يعني: موسى وهارون، لأنّه كان يؤمّن فسمّاهما داعيين( فَاسْتَقِيما ) فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجّة، فقد لبث نوح في قومه ألف عام إلّا قليلا، ولا تستعجلا، فإنّ ما طلبتماه كائن ولكن في وقته.

روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّه مكث فرعون فيهم بعد

__________________

(١) الفانيذ: ضرب من الحلواء، فارسيّ معرّب.


الدعاء أربعين سنة».

( وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) طريق الجهلة في الاستعجال، فإنّ العجلة ليست بمصلحة. وهذا كما قال لنوح:( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) (١) أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى.

وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان: ولا تتّبعان بالنون الخفيفة وكسرها، لالتقاء الساكنين، تشبيها بنون التثنية. ولا تتبعانّ من: تبع. ولا تتبعان أيضا.

( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) )

( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) أي: جوّزناهم في البحر، بأن يبّسنا لهم البحر، وفرقنا لهم اثني عشر فرقة حتّى بلغوا الشطّ حافظين لهم( فَأَتْبَعَهُمْ ) فأدركهم. يقال: تبعته حتّى أتبعته.( فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً ) باغين وعادين، أو للبغي والعدو.

روي أنّ الله سبحانه لـمّا أجاب دعاء موسى أمره بإخراج بني إسرائيل من

__________________

(١) هود: ٤٦.


مصر ليلا، فخرج معهم، وتبعهم فرعون وجنوده مشرقين حتّى انتهوا إلى البحر، وأمر الله سبحانه موسىعليه‌السلام فضرب البحر بعصاه فانفلق اثني عشر فرقا، وصار لكلّ سبط طريق يابس، وارتفع الماء بين كلّ طريقين كالجبل، وصار في الماء شبه الخروق، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض. فلمّا وصل فرعون بجنوده إلى البحر فرأوا البحر بتلك الهيئة فهابوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان أدهم(١) ، فجاء جبرئيل على فرس وديق(٢) ، وخاض البحر وميكائيل يسوقهم، فلمّا شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبرئيل انسلّ(٣) خلفه في الماء، واقتحمت الخيول خلفه، فلمّا دخل آخرهم البحر وهمّ أوّلهم أن يخرج انطبق الماء عليهم.

( حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ ) لحقه( الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ ) أي: بأنّه( لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) . وقرأ حمزة والكسائي: إنّه بالكسر، على إضمار القول، أو الاستئناف بدلا وتفسيرا لـ «آمنت».

والمعنى: نكث فرعون عن الإيمان أوان القبول، وبالغ فيه حين لا يقبل، بأن كرّر المعنى الواحد ثلاث مرّات في ثلاث عبارات حرصا على القبول، فلم يقبل منه حيث أخطأ وقته، وقاله حين لم يبق له اختيار قطّ، وكانت المرّة الواحدة كافية في حال الاختيار وعند بقاء التكليف. ويحكى أنّه حين قال: آمنت بالله وحده، أخذ جبرئيل من رمل البحر فدسّه في فيه، وقال:( آلْآنَ ) أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك، ولم يبق لك اختيار؟!( وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) قبل ذلك مدّة عمرك( وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) الضالّين المضلّين عن الإيمان.

روي أنّ جبرئيل أتاه على صورة مستفت حال جلوسه على سرير السلطنة ،

__________________

(١) أي: يضرب لونه إلى السواد. والدهمة: السواد.

(٢) ودقت ذات الحافر: أرادت الفحل، فهي وديق.

(٣) أي: خرج.


وقال: ما قول الأمير في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته في حقّه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه: يقول أبو العبّاس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيّده الكافر نعماءه أن يغرّق في البحر. فلمّا ألجمه(١) الغرق ناوله جبرئيل خطّه فعرفه ثمّ غرق.

وروى عليّ بن إبراهيم بن هاشم بإسناده عن الصادقعليه‌السلام قال: ما أتى جبرئيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا كئيبا حزينا، ولم يزل كذلك منذ أهلك الله فرعون، فلمّا أمره الله سبحانه بنزول هذه الآية نزل وهو ضاحك مستبشر، فقال: حبيبي جبرئيل ما أتيتني إلّا وتبيّنت الحزن في وجهك حتّى الساعة. قال: نعم يا محمّد لـمّا أغرق الله فرعون قال: آمنت أنّه لا إله إلّا الّذي آمنت به بنو إسرائيل، فأخذت حمأة فوضعتها في فيه، فقلت: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، ثمّ خفت أن تلحقه الرحمة من عند الله ويعذّبني على ما فعلت، فلمّا كان الآن وأمرني أن أودّي إليك ما قلته أنا لفرعون أمنت وعلمت أنّ ذلك كان لله رضا.

( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ) ننقذك ممّا وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافيا، أو نلقيك على نجوة من الأرض ـ وهي المكان المرتفع ـ ليراك بنو إسرائيل. وقرأ يعقوب: ننجيك، من: أنجى.( بِبَدَنِكَ ) في موضع الحال، أي: في الحال الّتي لا روح فيك، يعني: عاريا عن الروح، وإنّما أنت بدن فقط. أو كاملا سويّا، لم ننقص منه شيئا ولم يتغيّر. أو عريانا من غير لباس. أو بدرعك، وكانت له درع من ذهب يعرف بها.

( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) لمن وراءك علامة. وهم بنو إسرائيل، إذ كان في أنفسهم أنّ فرعون أجلّ شأنا من أن يغرق، حتّى كذّبوا موسىعليه‌السلام حين أخبرهم بغرقه، فألقاه الله على الساحل حتّى عاينوه مطروحا على ممرّهم من الساحل. أو

__________________

(١) ألجم الماء فلانا: بلغ فاه.


لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك، عبرة ونكالا عن الطغيان، فلا يجترأ على نحو ما اجترأت عليه. أو حجّة تدلّهم على أنّ الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظانّ الربوبيّة، فما الظنّ بغيره؟!( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ) لا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.

( وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) )

ثمّ بيّن سبحانه حال بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون، فقال:( وَلَقَدْ بَوَّأْنا ) أنزلنا( بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ) منزلا صالحا مرضيّا. وهو الشام ومصر.

( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) من اللذائذ( فَمَا اخْتَلَفُوا ) في أمر دينهم، وما تشعّبوا فيه شعبا( حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) إلّا من بعد ما قرءوا التوراة وعلموا أحكامها. أو في أمر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته.( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) فيميز المحقّ من المبطل بالإنجاء والإهلاك.

( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ


مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) )

ثمّ بيّن سبحانه صحّة نبوّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) من القصص. وهذا على سبيل الفرض والتقدير، كما تقول لعبدك: إن كنت عبدي فأطعني، ولأبيك: إن كنت والدي فتعطّف عليّ، ولولدك: إن كنت ابني فبرّ بي، ويريد بذلك المبالغة.( فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) فاسأل علماء أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وتميم الداري وغيرهم، فإنّه محقّق عندهم، ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك. والمراد تحقيق ذلك، والاستشهاد بما في الكتب المتقدّمة، وأنّ القرآن مصدّق لـما فيها، أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحّة ما أنزل إليه، أو تهييج الرسول وزيادة تثبيته، كما ازداد إبراهيم بمعاينة إحياء الموتى، لا إمكان وقوع الشكّ له، ولذلك قالعليه‌السلام : «لا أشكّ ولا أسأل».

وعن الصادقعليه‌السلام : «لم يشكّعليه‌السلام ولم يسأل».

وقيل: الخطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمراد أمّته أو كلّ من يسمع، أي: إن كنت أيّها السامع في شكّ ممّا أنزلنا على لسان نبيّنا إليك. وفيه تنبيه على أنّ من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلّها بالرجوع إلى أهل العلم.

وعلى المعنى المذكور أيضا قوله:( لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي: ثبت عندك بالآيات القاطعة والبراهين الساطعة أنّ ما أتاك هو الحقّ الواضح الّذي لا مدخل للمرية فيه( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ) بالتزلزل عمّا أنت عليه من الحزم واليقين.


( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ) هذا أيضا من باب التهييج والتثبيت وقطع أطماع الكفّار عنه، كقوله:( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ) (١) .

( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ ) ثبتت( عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ) قول الله الّذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة من أنّهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب( لا يُؤْمِنُونَ ) إذ لا يكذّب كلامه.

( وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ) كلّ معجزة ودلالة واضحة ممّا يقترحونها( حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) فيصيروا ملجئين إلى الإيمان، وحينئذ لا ينفعهم كما لم ينفع فرعون.

( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) )

ولـمّا ذكر سبحانه أنّ إيمان فرعون لم يقبل عند معاينة العذاب، وصل ذلك بذكر إيمان قوم يونسعليه‌السلام قبيل نزول العذاب، فقال:( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ ) فهلّا كانت قرية ـ أي: أهل قرية ـ من القرى الّتي أهلكناها( آمَنَتْ ) وقت بقاء التكليف قبل معاينة العذاب، ولم يؤخّروا التوبة إليها كما أخّر فرعون( فَنَفَعَها إِيمانُها ) بأن يقبله الله تعالى منها ويكشف العذاب عنها( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) لكن قوم يونس( لَمَّا آمَنُوا ) أوّل ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخّروه إلى حلوله( كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) .

ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي، لتضمّن حرف التحضيض معناه ،

__________________

(١) القصص: ٨٦.


فيكون الاستثناء متّصلا، لأنّ المراد من القرى أهاليها، كأنّه قال: ما من أهل قرية من القرى العاصية الهالكة أهلها حين مشاهدة العذاب فنفعهم إيمانهم إلّا قوم يونس لـمّا آمنوا رفعنا عنهم العذاب( وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) إلى آجالهم.

روي أنّ يونسعليه‌السلام بعث إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فكذّبوه وأصرّوا عليه، فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث، وقيل: إلى أربعين، فذهب عنهم مغاضبا، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنّا بك. فلمّا مضى اثنان أو مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، ثمّ يهبط حتّى يغشى مدينتهم، ويسوّد سطوحهم، فهابوا وطلبوا يونس فلم يجدوه، فأيقنوا صدقه، فلبسوا المسوح، وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الدوابّ وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرّعوا، فرحمهم‌الله وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم، حتّى إنّ الرجل كان ليأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيردّه.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقيّة علمائهم، فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا: يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حيّ لا إله إلّا أنت. فقالوها فكشف عنهم العذاب.

وعن الفضيل بن عياض: قالوا: إنّ ذنوبنا قد عظمت وجلّت، وأنت أعظم منها وأجلّ، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

وروى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، قال: «قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : كان فيهم رجلان، اسم أحدهما مليخا عابد، والآخر اسمه روبيل عالم، وكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول له: لا تدع عليهم، فإنّ الله يستجيب لك، ولا يحبّ هلاك عباده. فقبل يونس قول العابد ،


فدعا عليهم، فأوحى الله تعالى إليهم أنّه يأتيهم العذاب في شهر كذا في يوم كذا.

فلمّا قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، وبقي العالم فيهم. فلمّا كان اليوم الّذي نزل بهم العذاب قال لهم العالم: افزعوا إلى الله لعلّه يرحمكم ويردّ العذاب عنكم، واخرجوا إلى المفازة، وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوانات وأولادها، ثمّ ابكوا وادعوا. ففعلوا فصرف عنهم العذاب، وكان قد نزل وقرب منهم.

ومرّ يونس على وجهه مغاضبا كما حكى الله تعالى عنه حتّى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة قد شحنت(١) وأرادوا أن يدفعوها، فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه، فلمّا توسّط البحر بعث الله عليهم حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة، فتساهموا فوقع سهم يونس، وأخرجوه فألقوه في البحر، فالتقمه الحوت ومرّ به في الماء»(٢) .

وقيل: إنّ الملّاحين قالوا: نقرع فمن أصابته القرعة ألقيناه في الماء، فإنّ ها هنا عبدا عاصيا آبقا، فوقعت القرعة سبع مرّات على يونس. فقام وقالعليه‌السلام : أنا العبد الآبق، وألقى نفسه في الماء وابتلعه الحوت، فأوحى الله إلى ذلك الحوت: لا تؤذ شعرة منه، فإنّي جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامك، فلبث في بطنه ثلاثة أيّام، وقيل: سبعة أيّام، وقيل: أربعين يوما.

وقد سأل بعض اليهود أمير المؤمنينعليه‌السلام عن سجن طاف أقطار الأرض بصاحبه. فقال: يا يهوديّ هو الحوت الّذي حبس يونس في بطنه، فدخل في بحر قلزم، ثمّ خرج إلى مصر، ثمّ سار منها إلى بحر طبرستان، ثمّ خرج من الدجلة.

قال عبد الله بن مسعود: ابتلع الحوت حوت آخر، فأهوى به إلى قرار الأرض، فكان في بطنه أربعين ليلة، فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين. فاستجاب الله له، فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر ،

__________________

(١) أي: ملئت.

(٢) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣١٧.


وهو كالفرخ المتمعّط(١) ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فجعل يستظلّ تحتها، ووكلّ الله به وعلا(٢) يشرب من لبنها. فيبست الشجرة، فبكى عليها، فأوحى الله تعالى إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن أهلكهم. فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: من أنت؟ قال: من قوم يونس.

قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم أنّك لقيت يونس. فأخبرهم الغلام، وردّ الله عليه بدنه، ورجع إلى قومه وآمنوا به. وقيل: إنّهعليه‌السلام أرسل إلى قوم غير قومه الأوّلين.

( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) )

ولـمّا تقدّم أنّ إيمان الملجأ غير نافع، بيّن سبحانه أنّ ذلك لو كان ينفع لأكره أهل الأرض عليه، فقال:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ) مشيئة إلجاء وقسر( لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ ) بحيث لا يشذّ منهم أحد( جَمِيعاً ) مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه، كما قال:( إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) (٣) . ولكنّ الإلجاء مناف للتكليف الاختياري الّذي هو مناط الأعمال ومدارها. ولو كان المراد بالمشيئة مشيئة أزليّة ـ كما قال الأشاعرة ـ لم يصحّ تعليقها بالشرط، ألا ترى أنّه لا يصحّ أن يقال: لو علم سبحانه ولو قدر، كما صحّ: لو شاء ولو أراد.

__________________

(١) أي: الساقط شعره، من: تمعّط الشعر، أي: سقط.

(٢) الوعل: تيس الجبل، له قرنان.

(٣) الشعراء: ٤.


( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) يعني: إنّما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو سبحانه لا أنت. وإيلاء حرف الاستفهام للإعلام بأنّ الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنّما المكره هو وحده لا يشارك فيه، لأنّه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرّون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر.

روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان حريصا على إيمان قومه، شديد الاهتمام به، فنزلت هذه الآية.

( وَما كانَ لِنَفْسٍ ) من النفوس الّتي علم الله أنّها تؤمن( أَنْ تُؤْمِنَ ) بالله( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) أي: بتسهيله ومنح الطافه وتوفيقه وتمكينه منه، ودعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك( وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ) العذاب أو الخذلان، فإنّه سببه( عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات عنادا ولجاجا.

قابل الإذن بالرّجس وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالّذين لا يعقلون، وهم المصرّون على الكفر، كقوله:( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) (١) .

( قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣) )

ثمّ بيّن سبحانه ما يزيد في تنبيه القوم وإرشادهم، فقال:( قُلِ انْظُرُوا

__________________

(١) البقرة: ١٧١.


تفكّروا( ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من عجائب صنعه، كاختلاف الليل والنهار، ومجاري النجوم والأفلاك، وما خلق من الجبال والبحار، وأنبت من الأشجار والثمار، وأخرج من أنواع الحيوانات وغيرها، لتدلّكم على وحدته وكمال قدرته، فإنّ النظر في افرادها وجملتها يدعو إلى الإيمان إلى معرفة الصانع ووحدانيّته وعلمه وحكمته وقدرته. و «ماذا» إن جعلت استفهاميّة علّقت «انظروا» عن العمل.

( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ ) الرسل المنذرون أو الإنذارات( عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) أي: لا يتوقّع إيمانهم، لعنادهم ولجاجهم ومكابرتهم. و «ما» نافية، أو استفهاميّة في موضع النصب.

( فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ) مثل وقائعهم ونزول بأس الله تعالى بهم، إذ لا يستحقّون غيره، من قولهم: أيّام العرب لوقائعها( قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) لذلك. أو فانتظروا هلاكي، إنّي معكم من المنتظرين هلاككم.

( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ) عطف على محذوف دلّ عليه( إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ) . كأنّه قيل: نهلك الأمم ثمّ ننجّي رسلنا ومن آمن بهم، على حكاية الحال الماضية.( كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي: كذلك الإنجاء، أو إنجاء كذلك ننجّي محمدا وصحبه حين نهلك المشركين. و «حقّا علينا» اعتراض، ونصبه بفعله المقدّر، أي: حقّ ذلك علينا حقّا. وقيل: بدل من «كذلك». وقرأ حفص والكسائي: ننجي مخفّفا.

( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ


(١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالبراءة عن كلّ معبود سواه، فقال:( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ) خطاب لأهل مكّة( إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ) أي: من صحّته( فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) فهذا خلاصة ديني اعتقادا وعملا، فأعرضوها على العقل الصرف، وانظروا فيها بعين الإنصاف لتعلموا صحّتها، وهو أنّي لا أعبد ما تخلقونه ـ كالأصنام المنحوتة من الحجارة والخشب ـ وتعبدونه، ولكن أعبد خالقكم الّذي هو يوجدكم ويتوفّاكم. وإنّما خصّ التوفّي بالذكر للتهديد.( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) المصدّقين بالتوحيد الّذي دلّ عليه العقل، ونطق به الوحي. وحذف الجارّ من «أن» و «أنّ» مطّرد، ومع غيرهما غير مطّرد، كقوله: أمرتك الخير، أي: بالخير.

( وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ) عطف على «أن أكون» غير أنّ صلة «أن» محكيّة بصيغة الأمر، ولا فرق بينهما في الغرض، لأنّ المقصود وصلها بما يتضمّن معنى المصدر لتدلّ معه عليه، وصيغ الأفعال كلّها كذلك، سواء الخبر منها والطلب.

والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه، وبإقبالي عليه، قائما بأعباء الرسالة وتحمّل أمر الشريعة، من أداء الفرائض والانتهاء عن القبائح غير عوج عنه، أو في الصلاة باستقبال القبلة( حَنِيفاً ) حال من الدين أو الوجه، أي: مستقيما في الدين( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .


( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ ) إن أطعته( وَلا يَضُرُّكَ ) إن عصيته وتركته( فَإِنْ فَعَلْتَ ) فإن دعوته( فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) جزاء للشرط، وجواب لسؤال مقدّر عن تبعة الدعاء، كأنّ سائلا سأل عن تبعة عبادة غير الله. وجعل من الظالمين، لأنّه لا ظلم أعظم من الشرك،( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (١) . والخطاب وإن كان متوجّها إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الظاهر لكنّ المراد به أمّته.

( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) )

ثمّ عقّب النهي عن عبادة ما لا ينفع ولا يضرّ، بأنّ الله هو الضارّ والنافع الّذي إن أصابك بضرّ لم يقدر على كشفه إلّا هو، وإن أرادك بخير لم يردّه أحد، فقال:( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ ) وإن يصبك بضرر، كالمرض والفقر( فَلا كاشِفَ لَهُ ) برفعه( إِلَّا هُوَ ) إلّا الله( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ) كالصحّة والغنى( فَلا رَادَّ ) فلا دافع( لِفَضْلِهِ ) الّذي أرادك به، فهو الحقيق بأن يعبد دون الأوثان.

ولعلّه ذكر الإرادة مع الخير والمسّ مع الضرّ مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أنّ الخير مراد بالذات، وأنّ الضرّ إنّما مسّهم لا بالقصد الأوّل. ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنّه متفضّل بما يريد بهم من الخير، لا استحقاق لهم عليه.

( يُصِيبُ بِهِ ) بالخير( مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ ) لذنوب عباده( الرَّحِيمُ ) بهم. فتعرّضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. والمراد بالمشيئة مشيئة المصلحة.

__________________

(١) لقمان: ١٣.


( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) )

ثمّ ختم الله سبحانه السورة بالموعظة الحسنة، تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والوعد للمؤمنين والوعيد للمشركين، فقال:( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُ ) أي: الرسول أو القرآن( مِنْ رَبِّكُمْ ) فلم يبق لكم عذر، ولا لكم على الله حجّة( فَمَنِ اهْتَدى ) بالإيمان والمتابعة( فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) لأنّ نفعه لها( وَمَنْ ضَلَ ) بالكفر بهما( فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) لأنّ وبال الضلال عليها. واللام و «على» دليلان على معنى النفع والضرّ.( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) بحفيظ موكول إلى أمركم لأحملكم على ما أريد، وإنّما أنا بشير ونذير، فليس عليّ إلّا البلاغ، ولا يلزمني أن أجعلكم مهتدين، وأن أنجيكم من النار، كما يجب على من وكّل على متاع أن يحفظه من الضرر.

( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ ) بالامتثال والتبليغ( وَاصْبِرْ ) على دعوتهم وتحمّل أذيّتهم( حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ ) بالأمر بالقتال( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) لا يحكم إلّا بالحقّ والعدل، إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطّلاعه على السرائر اطّلاعه على الظواهر.


(١١)

سورة هود

مكّيّة، وهي مائة وثلاث وعشرون آية.

أبيّ بن كعب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح وكذّب به، وبهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى، وكان يوم القيامة من السعداء».

وروى الثعلبي بإسناده عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة قال: «قيل: يا رسول الله قد أسرع إليك الشيب، قال: شيّبتني سورة هود وأخواتها».

وفي رواية اخرى عن أنس بن مالك، عن أبي بكر قال: «قلت: يا رسول الله عجّل إليك الشيب. قال: شيّبتني سورة هود وأخواتها: الحاقّة، والواقعة، وعمّ يتساءلون، وهل أتيك حديث الغاشية».

وروى العيّاشي عن الحسن بن عليّ بن الوشّاء، عن ابن سنان، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة هود في كلّ جمعة بعثه الله يوم القيامة في زمرة النبيّين، وحوسب حسابا يسيرا، ولم يعرف له خطيئة عملها يوم القيامة»(١) .

__________________

(١) تفسير العيّاشى ٢: ١٣٩ ح ١.


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) )

ولـمّا ختم الله سبحانه سورة يونس بذكر الوحي في قوله:( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ ) افتتح هذه السّورة ببيان ذلك الوحي، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ ) مبتدأ وخبر، أو «كتاب» خبر محذوف( أُحْكِمَتْ آياتُهُ ) نظمت ظما محكما لا يعرضه نقض، ولا يعتريه خلل من جهة اللفظ والمعنى، كالبناء المحكم. أو منعت من الفساد والنسخ. من: أحكم الدابّة وضع عليها الحكمة(١) لتمنعها من الجماح، أو جعلت حكيمة، منقول من: حكم بالضمّ إذا صار حكيما، لأنّها مشتملة على أمّهات الحكم النظريّة والعمليّة.

( ثُمَّ فُصِّلَتْ ) بالفوائد، من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص. أو بجعلها سورة سورة وآية آية. أو بالإنزال نجما نجما. أو فصّل فيها ولخّص ما يحتاج إليه العباد. و «ثمّ» للتفاوت في الحال، كما تقول: هي

__________________

(١) الحكمة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه يمنعه من مخالفة راكبه.


محكمة أحسن الإحكام ثمّ مفصّلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثمّ كريم الفعل.

( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ ) أحكمها( خَبِيرٍ ) فصّلها وبيّنها. هذه صفة اخرى لـ «كتاب»، أو خبر بعد خبر، أو صلة لـ «أحكمت» أو «فصّلت». وهو تقرير لإحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي، باعتبار ما ظهر أمره وما خفي.

( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) مفعول له، أي: لأن لا تعبدوا. وقيل: «أن» مفسّرة، لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، كأنّه قيل: قال لا تعبدوا إلّا الله، أو أمركم أن لا تعبدوا إلّا الله، أي: أمركم بالتوحيد. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ للإغراء على التوحيد، أو الأمر بالتبرّي من عبادة الغير، كأنّه قيل: ترك عبادة غير الله، بمعنى: الزموه.( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ ) من الله( نَذِيرٌ ) بالعقاب على الشرك( وَبَشِيرٌ ) بالثواب على التوحيد.

( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) عطف على «أَلَّا تَعْبُدُوا »( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) ثمّ توصّلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فإن المعرض عن طريق الحقّ لا بدّ له من الرجوع.

والمعنى: استغفروا من الشرك ثمّ توبوا إلى الله تعالى بالطاعة. أو استغفروا، والاستغفار توبة، ثمّ أخلصوا التوبة ـ الّتي هي الاستغفار ـ واستقيموا عليها. فإيراد «ثمّ» لتفاوت ما بين الأمرين.

( يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً ) يعيّشكم في الدنيا بالنعم السابغة، والمنافع المتتابعة الدينيّة والماليّة( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) هو آخر أعماركم المقدّرة، كقوله:( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) (١) . أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال. والأرزاق والآجال وإن كانت متعلّقة بالأعمار، كما ورد في الحديث أنّ الصدقة تزيد

__________________

(١) النحل: ٩٧.


في العمر وتلاوة القرآن تزيد في الرزق، لكنّها مسمّاة بالإضافة إلى كلّ واحد فلا تتغيّر.

( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) ويعط كلّ ذي فضل في دينه وعمله جزاء فضله في الدنيا والآخرة لا يبخس منه، أو فضله في الثواب والدرجات تتفاضل في الجنّة على قدر تفاضل الطاعات. وهو وعد للموحّد التائب بخير الدارين.

( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) وإن تتولّوا عمّا أمرتم به( فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) أي: كبير شأنه. وهو يوم القيامة. وقيل: يوم الشدائد. وقد ابتلوا بالقحط حتّى أكلوا الجيفة.

( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ) رجوعكم في ذلك اليوم. وقياس المصدر الميمي أن يكون على وزن مفعل بالفتح، نحو مدخل، فالمرجع شاذّ عن القياس.

( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيقدر على تعذيبكم أشدّ عذاب، وكأنّه تقرير لكبر اليوم.

( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) )

روي أنّ طائفة من المشركين قالوا: إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمّد كيف يعلم؟ وهذا من شدّة جهلهم بالله، فظنّوا أنّهم إذا ثنوا صدورهم على سبيل الإخفاء لم يعلم الله تعالى أسرارهم، فنزلت:( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ) يطوونها ويعطفونها على الكفر وعداوة النبيّ( لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ) من الله بسرّهم، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه.

وقيل: إنّ الأخنس بن شريق كان حلو الكلام، يلقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما


يحبّ وينطوي بقلبه على ما يكره، ويضمر خلاف ما يظهر، فنزلت هذه الآية.

وقيل: نزلت في المنافقين. وفيه نظر، إذ الآية مكّيّة والنفاق حدث بالمدينة.

ويؤيّد الأوّل ما روى العيّاشي بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «أخبرني جابر بن عبد الله أنّ المشركين إذا مرّوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طأطأ أحدهم رأسه وولّى ظهره وغطّى رأسه بثوبه حتّى لا يراه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأنزل الله هذه الآية».

( أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ ) أي: حين يتغطّون بثيابهم( يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ ) في قلوبهم( وَما يُعْلِنُونَ ) بأفواههم. يعني: يستوي في علمه سرّهم وعلنهم، فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه؟!( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بأسرار ذات الصدور، أو بالقلوب وأحوالها.

( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) )

ثمّ بيّن أنّه عالم بجميع المعلومات كلّها، تقريرا لعلمه بأسرار العباد وإعلانهم، فقال:( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها ) غذاؤها ومعاشها، لتكفّله إيّاه تفضّلا ورحمة. ولـمّا ضمن سبحانه أن يتفضّل بالرزق عليهم وتكفّل به صار التفضّل واجبا، فلذلك جاء بلفظ الوجوب، كالنذور الواجبة على العباد.

( وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ) مواضع قرارها ومسكنها من الأرض( وَمُسْتَوْدَعَها ) حيث كانت مودعة. قيل: الاستقرار في أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات. أو المراد منهما أماكنهما في الحياة والممات.( كُلٌ ) كلّ واحد من الدوّاب وأحوالها( فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) مذكور في اللوح المحفوظ.


( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) )

ثمّ بين كونه قادرا على الممكنات بأسرها تقريرا للتوحيد، فقال:( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أي: خلقهما وما فيهما مقدار ستّة أيّام، لأنّها لم تكن هناك بعد، فإنّ اليوم عبارة عمّا بين طلوع الشمس وغروبها. أو ما في جهتي العلوّ والسفل. وجمع السموات دون الأرض، لاختلاف العلويّات بالذات دون السفليّات.

( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) قبل خلقهما، لم يكن حائل بينهما، لا أنّه كان موضوعا على متن الماء. واستدلّ به على إمكان الخلا، وأنّ الماء أوّل حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، وأنّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض، وأنّ الماء قائم بقدرة الله تعالى على غير موضع قرار، بل كان الله يمسكه بكمال قدرته. وقيل: كان الماء على متن الريح. وكيف كان، فالله ممسك كلّ ذلك بقدرته.

( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) متعلّق بـ «خلق» أي: خلق ذلك ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون؟ فإنّ جملة ذلك أسباب وموادّ لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلّون بها وتستنبطون منها.


وإنّما جاء تعليق فعل البلوى بـ «خلق» لـما فيه من معنى العلم، من حيث إنّه طريق إليه، كالنظر والاستماع، كما في قولك: أنظر أيّهم أحسن وجها واسمع أيّهم أحسن صوتا. وإنّما ذكر صيغة التفضيل والاختبار شامل لفرق المكلّفين باعتبار الحسن والقبح، للتحريض على أحاسن المحاسن، والتحضيض على الترقّي دائما في مراتب العلم والعمل، فإنّ المراد بالعمل ما يعمّ عمل القلب والجوارح، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله تعالى؟».

والمعنى: أيّكم أكمل علما وعملا؟

( وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ) فتوقّعوه( لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا ) أي: ما البعث، أو القول به. أو القرآن المتضمّن لذكره( إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) إلّا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة والكسائي: إلّا ساحر، على أنّ الإشارة إلى قائل هذا القول، وهو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ ) الموعود( إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ) إلى جماعة متعاقبة من الأوقات قليلة.

روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام : «أنّ الأمّة المعدودة هم أصحاب المهدي في آخر الزمان، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، كعدّة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع(١) الخريف».

( لَيَقُولُنَ ) استهزاء( ما يَحْبِسُهُ ) أيّ شيء يمنعه من الوقوع استعجالا( أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ) كيوم بدر( لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) ليس العذاب مدفوعا عنهم. و «يوم» منصوب بخبر «ليس» مقدّم عليه. وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها، وذلك لأنّه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها كان ذلك دليلا على جواز تقديم خبرها، إذ المعمول تابع للعامل، فلا يقع إلّا حيث يقع العامل.

__________________

(١) القزع: قطع من السحاب صغار متفرّقة.


( وَحاقَ بِهِمْ ) وأحاط بهم. وإنّما وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد.( ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي: العذاب الّذي كانوا به يستعجلون. فوضع «يستهزءون» موضع: يستعجلون، لأنّ استعجالهم كان استهزاء.

( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) )

ثمّ بيّن سبحانه حال الإنسان فيما قابل به نعمه من الكفران، فقال:( وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ) ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذّتها( ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ ) ثمّ سلبنا تلك النعمة منه( إِنَّهُ لَيَؤُسٌ ) قطوع رجاءه من فضل الله تعالى أن يعود إليه تلك النعمة المنزوعة، لقلّة صبره وعدم ثقته به( كَفُورٌ ) مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة.

( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) كصحّة بعد سقم، وغنى بعد فقر. وفي إسناد إذاقة النعماء إليه تعالى في قوله: «أذقناه» دون الضرّاء في قوله «مسّته» إيماء إلى أنّ النعمة من جانبه تعالى مقصود أصليّ له، والضرّاء كداء ساقه إليهم سوء أفعالهم.

( لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ) أي: المصائب الّتي ساءتني( إِنَّهُ لَفَرِحٌ ) بطر بالنعم مغترّ بها( فَخُورٌ ) على الناس بما أنعم الله عليه، مشغول عن الشكر والقيام بحقّها. وفي لفظ الإذاقة والمسّ تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لـما يجده في الآخرة، وأنّه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء ،


لأنّ الذوق إدراك أوّل الطعم، والمسّ مبدأ الوصول.

( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) على الضرّاء، إيمانا بقدره واستسلاما لقضائه( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) شكرا لآلائه السابقة واللاحقة( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) لذنوبهم( وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) أقلّه الجنّة. والاستثناء من الإنسان، لأنّ المراد به الجنس، فإذا كان محلّى باللام أفاد الاستغراق. ومن حمله على الكافر، لسبق ذكرهم، جعل الاستثناء منقطعا.

( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) )

روي عن ابن عبّاس: أنّ رؤساء مكّة من قريش أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا محمّد إن كنت رسولا فحوّل لنا جبال مكّة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوّة، فنزلت:( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ) أي: تترك( بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ ) وهو ما يخالف رأي المشركين، مخافة ردّهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقّع الشيء ـ لوجود ما يدعو إليه ـ وقوعه، لجواز أن يكون ما يصرف عنه ـ وهو عصمة الرسل من الخيانة في الوحي، والثقة في التبليغ ـ مانعا.

( وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ) أي: عارض لك أحيانا ضيّق صدرك، بأن تتلوه


عليهم مخافة ـ فللدلالة على أنّه ضيق عارض غير ثابت عدل عن ضيّق إلى ضائق ـ( أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ) ينفقه في الاستتباع كالملوك( أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ) يصدّقه. وقيل: الضمير في «به» مبهم يفسّره «أن يقولوا».( إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ) ليس عليك إلّا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك ردّوا أو اقترحوا، فما بالك يضيق به صدرك؟!( وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) فتوكّل عليه، فإنّه عالم بحالهم، وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم.

روى العيّاشي بإسناده إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : إنّي سألت ربّي أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربّي أن يجعلك وصيّي ففعل. فقال بعض القوم: والله لصاع من تمر في شنّ(١) بال أحبّ إلينا ممّا سال محمّد ربّه، فهلّا سأله ملكا يعضده على عدوّه أو كنزا يستغني به على فاقته، فأنزل الله تعالى هذه الآية».

ثمّ قال:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) «أم» منقطعة، والهاء لـ «ما يوحى»( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ ) كلّ واحدة منها( مِثْلِهِ ) في البيان وحسن النظم. تحدّاهم أوّلا بعشر سور، ثمّ لـمّا عجزوا عنها سهّل الأمر عليهم وتحدّاهم بسورة. وتوحيد المثل مقام الأمثال باعتبار كلّ واحدة، لأنّه أراد مماثلة كلّ واحدة منها له.( مُفْتَرَياتٍ ) مختلقات من عند أنفسكم، إن صحّ أنّي اختلقته من عند نفسي كما زعمتم، فإنّكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر، لتعلّمكم القصص والأشعار، وتعوّدكم نسق النظم وإنشاء الكلام المنثور الّذي كاللآلي( وَادْعُوا ) في المعاونة على المعارضة( مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أنّه مفترى.

( فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ) بإتيان ما دعوتم إليه. وجمع الضمير لأنّ المؤمنين أيضا كانوا يتحدّونهم، وكان أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متناولا لهم، من حيث إنّه يجب

__________________

(١) الشّنّ: القربة الخلق الصغيرة.


اتّباعه عليهم في كلّ أمر إلّا ما خصّه الدليل، وللتنبيه على أنّ التحدّي ممّا يوجب رسوخ إيمانهم وقوّة يقينهم، فلا يغفلون عنه. ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ويؤيّد الأوّل قوله بعد ذلك:( فَاعْلَمُوا ) أيّها المؤمنون( أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ) ملتبسا بما لا يعلمه إلّا الله، ولا يقدر عليه سواه، من نظم معجز لجميع الخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه( وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) واعلموا أن لا إله إلّا الله وحده، لأنّه العالم القادر بما لا يعلم، ولا يقدر عليه غيره، ولظهور عجز آلهتهم، ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقه بإعجازه عليه. وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم.( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقّق عندكم إعجازه مطلقا.

ويجوز أن يكون الخطاب للكفّار، والضمير في «لم يستجيبوا» لـ «من استطعتم»، فيكون المعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المظاهرة على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، فاعلموا أنّه نظم لا يعلمه إلّا الله، وأنّه منزل من عنده، وأنّ ما دعاكم إليه من التوحيد حقّ، فهل أنتم مسلمون داخلون في الإسلام، معتقدون للتوحيد، بعد قيام الحجّة القاطعة؟! وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ، لـما فيه من معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر.

( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)


مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها ) وحسن بهجتها، بإحسانه تعالى وبرّه( نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها ) نوفّر عليهم أجور أعمالهم في الدنيا وما يرزقون فيها، من الصحّة وسعة الرزق والرئاسة وكثرة الأولاد( وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) لا ينقصون شيئا من أجورهم. قيل: هذه الآية في أهل الرياء. وقيل: في المنافقين.

وقيل: في الكفرة وبرّهم.

( أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ) مطلقا في مقابلة ما عملوا، لأنّهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيّئة( وَحَبِطَ ما صَنَعُوا ) ما صنعوه، أي: لم يكن لصنيعهم ثواب( فِيها ) في الآخرة، لأنّهم لم يريدوا به وجه الله، والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإخلاص. ويجوز تعليق الظرف بـ «صنعوا» على أنّ الضمير للدّنيا.( وَباطِلٌ ) في نفسه( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) لأنّه لم يعمل على الوجه الصحيح الّذي هو ابتغاء وجه الله، والعمل الباطل لا ثواب له.

وكأنّ كلّ واحدة من الجملتين علّة لـما قبلها.

( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) )

( أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) على برهان وحجّة من الله يدلّه على أنّ دين الإسلام هو الحقّ والصواب فيما يأتيه ويذره. وهو دليل العقل. والهمزة لإنكار أن يتّبع من هذا شأنه هؤلاء المقصّرين هممهم وأفكارهم على الدنيا، وأن يقارب بينهم في المنزلة. يريد أنّ بين الفريقين تفاوتا بعيدا وتباينا بيّنا، وهو الّذي


أغنى عن ذكر الخبر، وتقديره: أفمن كان على بيّنة كمن كان يريد الحياة الدنيا؟! وهو حكم يعم كلّ مؤمن مخلص. وقيل: المراد به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقيل: مؤمنوا أهل الكتاب.

( وَيَتْلُوهُ ) ويتبع ذلك البرهان الّذي هو دليل العقل( شاهِدٌ مِنْهُ ) شاهد من الله يشهد بصحّته، وهو القرآن( وَمِنْ قَبْلِهِ ) ومن قبل القرآن( كِتابُ مُوسى ) يعني: التوراة، فإنّها أيضا تتلوه في التصديق. أو البيّنة هو القرآن، و «يتلوه» من التلاوة، والشاهد جبرئيل، أو لسان الرسول. وهذا منقول عن الحسين بن عليّعليه‌السلام ومحمد بن الحنفيّة. أو من التلو، والشاهد ملك يحفظه.

وقيل: الشاهد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، يشهد للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو منه.

وهذا مرويّ عن أبي جعفر وعليّ بن موسى الرضاعليهما‌السلام . ورواه الطبري(١) بإسناده عن جابر بن عبد الله عن عليّعليه‌السلام .

والضمير في «يتلوه» إمّا لـ «من» أو للبيّنة باعتبار المعنى، وهو البرهان.

ويجوز أن يكون( وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى ) جملة مبتدأة.

( إِماماً ) كتابا مؤتمّا به في الدين( وَرَحْمَةً ) ونعمة عظيمة على المنزل عليهم، لأنّه الوسيلة إلى الفوز بخير الدارين.

( أُولئِكَ ) إشارة إلى من كان على بيّنة( يُؤْمِنُونَ بِهِ ) بالقرآن( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ ) من أهل مكّة ومن ضامّهم من المتحزّبين على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) يردها لا محالة( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ) من الموعد، أو القرآن( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) والخطاب للنبيّ، والمراد أمّته، أو المراد كلّ سامع( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) صحّته وصدقه عنادا وجحودا ولجاجا.

__________________

(١) تفسير الطبري ١٢: ١١.


( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) )

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله، أي: لا أحد أظلم منه. وإخراجه مخرج الاستفهام ليكون أبلغ.

( أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ) في الموقف، بأن يحبسوا ويعرضوا ويوقفوا موقفا يراهم الخلائق للمطالبة بما عملوا، أو تعرض أعمالهم( وَيَقُولُ الْأَشْهادُ ) من الملائكة والحفظة والنبيّين، أو شهد كل إمام عصر من أئمّة المؤمنين، أو من جوارحهم. وهو جمع شاهد كأصحاب، أو شهيد كأشراف.( هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ) . وقوله:( أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) ابتداء كلام، أو تتمّة كلام الأشهاد. وفيه تهويل عظيم ممّا يحيق بهم حينئذ، لظلمهم بالكذب على الله تعالى.

( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن دينه الإسلام( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) ويصفونها بالاعوجاج عن الحقّ والصواب وهي مستقيمة. أو يبغون أهلها أن يعوّجوا عن الحقّ بالردّة، وهم الثابتة عليه.( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) والحال


أنّهم كافرون بالآخرة. وتكرير «هم» لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.

( أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) أي: ما كانوا معجزين الله تعالى في الدنيا أن يعاقبهم، بأن يفوتوا منه هربا إذا أراد إهلاكهم، كما يهرب الهارب من عدوّ وقد جدّ في طلبه. وإنّما خصّ الأرض بالذكر وإن كانوا لا يفوتون الله ولا يخرجون عن قبضته على كلّ حال، لأنّ معاقل الأرض هي الّتي يهرب إليها البشر، فكأنّه سبحانه نفى أن يكون لهؤلاء الكفّار عاصم عنه ومانع من عذابه.

( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) بأن يتولّوهم فينصروهم ويمنعوهم من العذاب، ولكنّه سبحانه أخّر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشدّ وأدوم.

( يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ) استئناف. وقرأ ابن كثير ويعقوب وابن عامر: يضعّف بالتشديد. ومعناه: أنّه لا يقتصر بهم على عذاب الكفر، بل يعاقبون عليه وعلى سائر المعاصي، كما قال في موضع آخر:( زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ) (١) . أو كلّما مضى ضرب من العذاب يعقبه ضرب آخر منه مثله أو فوقه، كذلك دائما مؤبّدا، وكلّ ذلك على قدر الاستحقاق.

( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ) لفرط تصامّهم عن استماع الحقّ وبغضهم له، كأنّهم لا يستطيعون السمع( وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ) لفرط تعاميهم عن آيات الله، وكأنّه العلّة لمضاعفة العذاب. وقيل: هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله:( وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) فإنّ ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية. وقوله:( يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ) اعتراض.

( أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى( وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) من الآلهة وشفاعتها، أو خسروا بما بدّلوا، وضاع عنهم ما حصّلوا، فلم يبق معهم سوى الندامة والحسرة.

__________________

(١) النحل: ٨٨.


( لا جَرَمَ ) قال الزجّاج: «لا» نفي لـما ظنّوا أنّه ينفعهم، فكأنّ المعنى: لا ينفعهم ذلك. و «جرم» بمعنى: حقّ وثبت.( أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) بحيث لا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم. وقال غير الزجّاج: معناه: لا بدّ ولا محالة أنّهم.

وقيل: معناه: حقّا. ويستعمل في أمر يقطع عليه ولا يرتاب فيه، أي: لا شكّ أنّ هؤلاء الكفّار هم أخسر الناس في الآخرة.

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) )

ولـمّا تقدّم ذكر الكفّار وما أعدّ لهم من العذاب، عقّبه سبحانه بذكر المؤمنين، إجراء على عادته تعالى أنّه يذكر الوعد مع الوعيد وبالعكس، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ ) اطمأنّوا إليه، وخشعوا له وانقطعوا إلى عبادته، من الخبت، وهي الأرض المطمئنّة( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) دائمون.

ثمّ ضرب مثلا للكافر والمؤمن بقوله:( مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ) الكافر والمؤمن( كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ) فشبّه فريق الكفّار بالأعمى والأصمّ، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع. وهو من اللفّ والطباق. وفيه وجهان :

أحدهما: تشبيه الكافر بالأعمى، لتعاميه عن آيات الله تعالى، وبالأصمّ لتصامّه عن استماع كلام الله تعالى، وتأبيّه عن تدبّر معانيه، وتشبيه المؤمن بالبصير والسميع، لأنّ أمره بالضدّ. فيكون كلّ منهما مشبّهين باثنين باعتبار وصفين. وثانيهما: أن يشبّه الكافر بالجامع بين العمى والصمم، والمؤمن بين ضدّيهما.


( هَلْ يَسْتَوِيانِ ) هل يستوي الفريقان عند العقلاء( مَثَلاً ) تمثيلا، أو صفة أو حالا( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) بضرب الأمثال والتأمّل فيها، فتعلموا صحّة ما ذكرنا.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) )

ولـمّا تقدّم ذكر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، عقّب ذلك سبحانه بذكر أخبار الأنبياء، تأكيدا لذلك، وتخويفا للخلق، وتسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبدأ بقصّة نوحعليه‌السلام ، لأنّه شيخ الأنبياء وأبوهم بعد الطوفان وأسبقهم، فقال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ ) بأنّي لكم، أي: ملتبسا بهذا الكلام. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالكسر على إرادة القول( نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أبيّن لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص.

( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ ) بدل من «إنّي لكم»، أو مفعول «مبين». ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة متعلّقة بـ «أرسلنا» أو بـ «نذير».( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ) مؤلم. وهو في الحقيقة صفة المعذّب، لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة: جدّ جدّه، ونهارك صائم وليلك قائم، للمبالغة.


( فَقالَ الْمَلَأُ ) أي: الأشراف، لأنّهم يملؤن القلوب هيبة وهيئة( الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ) لا مزيّة لك علينا تخصّك بالنبوّة ووجوب الإطاعة، وذلك لظنّهم أنّ الرسول ينبغي أن يكون من غير جنس المرسل إليه( وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا ) أخسّاؤنا. جمع أرذل، فإنّه بالغلبة صار مثل الاسم، كالأكبر. أو أرذل جمع رذل.( بادِيَ الرَّأْيِ ) ظاهر الفكر من غير تعمّق، من البدوّ بمعنى الظهور، أو أوّل الرأي من البدء. والباء مبدلة من الهمزة، لانكسار ما قبلها.

وقرأ أبو عمرو بالهمزة. وانتصابه بالظرف، على حذف المضاف، أي: وقت حدوث بادي الرأي. والعامل فيه «اتّبعك».

وإنّما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم، فإنّهم لـمّا لم يعلموا إلّا ظاهرا من الحياة الدنيا، كان الأحظّ بها أشرف عندهم، والمحروم منها أرذل، كما ترى أكثر المتّسمين بالإسلام يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم. ولقد زلّ عنهم أنّ التقدّم في الدنيا لا يقرّب أحدا من الله، وإنّما يبعّده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا عن أن يجعله سببا في الاختيار للنبوّة والتأهيل لها، على أنّ الأنبياء بعثوا مرغّبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهّدين فيها، مصغّرين لشأنها وشأن من أخلد إليها.

( وَما نَرى لَكُمْ ) لك ولمن اتّبعك( عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) يؤهّلكم للنبوّة واستحقاق المتابعة( بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ) إيّاك في دعوى النبوّة، وإيّاهم في دعوى العلم بصدقك، فغلّب المخاطب على الغائبين.

( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ ) أخبروني( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ) حجّة شاهدة بصحّة دعواي( مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) بإيتاء المعجزة البيّنة، أو النبوّة( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) فخفيت عليكم، فلم تهدكم. وتوحيد الضمير لأنّ البيّنة في نفسها هي الرحمة. أو لأنّ خفاءها يوجب خفاء النبوّة. أو على تقدير: فعميت بعد البيّنة، وحذفها للاختصار، أو لأنّه لكلّ واحدة منهما. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: فعميت، أي: أخفيت.

( أَنُلْزِمُكُمُوها ) أنلزمكم قبولها، ونجبركم على الاهتداء بها( وَأَنْتُمْ لَها


كارِهُونَ ) تكرهونها ولا تختارونها، ولا تتأمّلون فيها. وحيث اجتمع ضميران، وليس أحدهما مرفوعا، وقدّم الأعرف منهما، جاز في الثاني الفصل والوصل.

( وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) )

ثمّ أنكر نوح على قومه استثقالهم التكليف، والعاقل إنّما يستثقل الأمر إذا لزمته مؤونة ثقله، فقطععليه‌السلام هذا العذر بقوله:( وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) على التبليغ. وهو وإن لم يذكر إلّا أنّه معلوم ممّا ذكر.( مالاً ) جعلا( إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) فإنّه المأمول منه.

قيل: إنّهم كانوا يسألونه طرد المؤمنين ليؤمنوا به، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء. فقال نوح في جوابهم:( وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) فيخاصمون طاردهم عنده تعالى. أو إنّهم يلاقونه ويفوزون بقربه، فكيف أطردهم؟!( وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) بلقاء ربّكم، أو بأقدارهم وأنّهم خير منكم، أو في التماس طردهم، أو تتسفّهون عليهم، بأن تدعوهم أراذل.

( وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ ) من يمنعني من انتقام الله وعذابه( إِنْ طَرَدْتُهُمْ ) وهم بتلك الصفة والمثابة( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) لتعرفوا أنّ التماس الطرد وتوقيف الايمان عليه ليس بصواب، بل محض خطأ.


( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) خزائن رزقه وأمواله، فأدّعي فضلا عليكم كما تقولون في الدنيا، حتّى تجحدوا فضلي بقولكم: «وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ »( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ) عطف على( عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ) أي: ولا أقول أنا أعلم الغيب حتّى تكذّبوني استبعادا. أو حتّى أطّلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم، وأعلم أنّ هؤلاء اتّبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب. وعلى الثاني يجوز عطفه على «أقول».

( وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) حتّى تقولوا:( ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا )( وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ ) أي: لا أحكم في شأن من استرذلتموهم وتعيب أعينكم لفقرهم( لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً ) فإنّ ما أعدّه الله لهم في الآخرة خير ممّا آتاكم في الدنيا.

والازدراء افتعال، من: زرى عليه إذا عابه، قلبت تاؤه دالا لتجانس الراء في الجهر.

والإسناد إلى الأعين للمبالغة، وللتنبيه على أنّهم استرذلوهم من غير رؤية، بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلّة منالهم، دون تأمّل في كمالاتهم ومعانيهم.( اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ ) بما في قلوبهم من الإخلاص وغيره( إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) إن قلت شيئا من ذلك المذكور.

( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) )


ثمّ حكى سبحانه جواب قوم نوح عمّا قاله لهم، فقال:( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ) خاصمتنا( فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ) فأطلته، أو أتيت بأنواعه( فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ) من العذاب، فإنّا لا نؤمن بك( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في الدعوى والوعيد، فإنّ مناظرتك لا تؤثّر فينا.

( قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ ) أي: ليس الإتيان بالعذاب إليّ، بل إنّما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه( إِنْ شاءَ ) إن اقتضت حكمته عاجلا وآجلا( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) بدفع العذاب، أو الهرب منه.

( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ ) شرط، وجزاؤه محذوف دلّ عليه ما قبله. والجملة جواب قوله:( إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) وتقدير الكلام: إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي. ومعنى الإغواء: أنّه إذا عرف الله من الكافر الإصرار والعناد فخلّاه وشأنه ولم يلجئه سمّي ذلك إغواء وإضلالا، كما أنّه إذا عرف منه أنّه يتوب ويرعوي فلطف به سمّي إرشادا وهداية. وقيل: «أن يغويكم» أن يهلككم، من: غوى الفصيل غوى إذا بشم(١) من كثرة شرب اللبن فهلك. ومعناه: أنّكم إذا كنتم من التصميم على الكفر بالمنزلة الّتي لا تنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ألطافه، كيف ينفعكم نصحي؟! وهذا جواب لـما أوهموا من أنّ جداله كلام باطل.

( هُوَ رَبُّكُمْ ) خالقكم والمتصرّف فيكم وفق حكمته( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) فيجازيكم على أعمالكم.

( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) إن صحّ وثبت أنّي افتريته( فَعَلَيَّ إِجْرامِي ) عقوبة إجرامي وافترائي( وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ) من إجرامكم في إسناد الافتراء إليّ، فلا وجه لإعراضكم عنّي.

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «البشم ـ محرّكة ـ مرض يقال له التخمة. منه».


( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) )

( وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) إلّا من قد وجد منه ما كان يتوقّع من إيمانه. و «قد» للتوقّع.( فَلا تَبْتَئِسْ ) فلا تحزن حزن بائس مستكين( بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ) بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت


الانتقام لك منهم. فأقنطه الله من إيمانهم، وأعلمه أنّ إيمانهم كالمحال الّذي لا يتعلّق به التوقّع، ونهاه أن يغتمّ بما فعلوه من التكذيب والإيذاء.

( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) ملتبسا بمرأى منّا، أي: بحفظنا إيّاك من أن تزيغ في صنعتك عن الصواب، وأن يحول بينك وبين عملك أحد من أعدائك، حفظ الرائي لغيره إذا كان يدفع الضرر عنه. وذكر الأعين لتأكيد الحفظ. فعبّر بكثرة آلة الحسّ ـ الّذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ ـ عن المبالغة في الحفظ والرعاية، على طريق التمثيل.( وَوَحْيِنا ) إليك، وإلهامنا لك كيف تصنعها، فأوحى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ولا تراجعني فيهم، ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) محكوم عليهم بالإغراق، فلا سبيل إلى كفّه.

( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) حكاية حال ماضية( وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ) استهزؤا به لعمله السفينة، فإنّه كان يعملها في برّية بعيدة من الماء جدّا أوان عزّته، فكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجّارا بعد ما كنت نبيّا( قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا ) الآن( فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ ) في المستقبل إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة( كَما تَسْخَرُونَ ) منّا الساعة. وقيل: المراد بالسخريّة الاستجهال.

( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ ) في محلّ النصب بـ «تعلمون» أي: تعلمون الّذي يأتيه( عَذابٌ يُخْزِيهِ ) يعني به إيّاهم، وبالعذاب الغرق( وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ) وينزل أو يحلّ عليه حلول الدين الّذي لا انفكاك عنه( عَذابٌ مُقِيمٌ ) دائم، وهو عذاب النار.

ويجوز أن تكون «من» استفهاميّة، وتكون تعليقا.

قال الحسن: كان طول السفينة ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستّمائة ذراع.


وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وبابها في عرضها.

وقال ابن عبّاس: كانت ثلاث طبقات: طبقة للناس، وطبقة للأنعام، وطبقة للهوامّ والوحش. وجعل أسفلها للوحوش والسباع والهوامّ، وأوسطها للدوابّ والأنعام، وركب هو ومن معه في الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. وكانت من خشب الساج.

وروت عائشة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «مكث نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى الله تعالى، حتّى إذا كان آخر زمانهم غرس شجرة فعظمت وذهبت كلّ مذهب فقطعها، وجعل يعمل على سفينته، وقومه يمرّون عليه فيسألونه فيقول: أعمل سفينة. فيسخرون منه ويقولون: تعمل سفينة على البرّ فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون. فلمّا فرغ منها وفار التنّور وكثر الماء في السكك خشيت أمّ صبيّ عليه، فكانت تحبّه حبّا شديدا، فخرجت إلى الجبل حتّى بلغت ثلثه، فلمّا بلغها الماء خرجت به حتّى استوت على الجبل، فلمّا بلغ الماء رقبتها رفعت بيديها حتّى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أمّ الصبيّ».

وروى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن صفوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: « لـمّا أراد الله هلاك قوم نوح عقّم أرحام النساء أربعين سنة، فلم يلد لهم مولود. فلمّا فرغ نوح من اتّخاذ السفينة أمره الله تعالى أن ينادي بالسريانيّة أن يجمع إليه جميع الحيوان، فلم يبق حيوان إلّا وقد حضر، وأدخل من كلّ جنس من أجناس الحيوان زوجين ما خلا الفار والسنّور. ولـمّا شكا أهل السفينة إليه سرقين الدوابّ والقذر، دعا بالخنزير فمسح جبينه فعطس فسقط من أنفه زوج فارة فتناسل، فلمّا كثروا وشكوا إليه منهم دعا بالأسد فمسح جبينه فعطس فسقط من


أنفه زوج سنّور، وكان الّذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا(١) .

وفي حديث آخر: أنّهم شكوا إليه العذرة، فأمر الله الفيل فعطس فسقط الخنزير.

وروى الشيخ أبو جعفر في كتاب النبوّة، بإسناده عن حنان بن سدير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «آمن مع نوح ثمانية نفر».

قيل: إن الحواريّين قالوا لعيسىعليه‌السلام : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدّثنا عنها. فانطلق بهم حتّى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفّا من ذلك التراب فقال :

أتدرون من هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هذا كعب بن حام.

قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب.

فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟

قال: لا، متّ وأنا شابّ، ولكنّي ظننت أنّها الساعة فمن ثمّ شبت.

قال: حدّثنا عن سفينة نوح.

قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستّمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدوابّ والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير.

ثمّ قالعليه‌السلام : عد بإذن الله كما كنت، فعاد ترابا.

وقوله عزّ اسمه:( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا ) غاية لقوله:( وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ) وما بينهما حال من الضمير فيه. أو «حتّى» هي الّتي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء.( وَفارَ التَّنُّورُ ) نبع الماء منه وارتفع بشدّة اندفاع ،

__________________

(١) تفسير القمّي ١: ٣٢٦ ـ ٣٢٧.


كالقدر تفور. والتنّور تنّور الخبز، وهو تنّور كان لآدم ابتدأ منه النبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع مسجدها. وهو مرويّ عن ائمّتناعليهم‌السلام .

أو في الهند، أو بعين وردة من أرض الجزيرة في دار نوح. وقيل: التنّور وجه الأرض، أو أشرف موضع فيها.

وروى المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث طويل قال: «كان التنّور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة مسجد الكوفة.

قال: قلت: وكيف كان بدء خروج الماء من ذلك التنّور؟

قال: نعم إنّ الله أحبّ أن يري قوم نوح آية، ثم إنّ الله سبحانه أرسل عليهم المطر يفيض فيضا، وفاض الفرات فيضا، وفاضت العيون كلّها فيضا فغرقهم، وأنجى نوحا ومن معه في السفينة.

فقلت: فكم لبث نوح في السفينة حتّى نضب الماء فخرجوا منها؟

فقال: لبث فيها سبعة أيّام بلياليها.

فقلت له: إنّ مسجد الكوفة لقديم؟

قال: نعم، وهو مصلّى الأنبياء، ولقد صلّى فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أسري به إلى السماء. قال له جبرئيل: يا محمّد هذا مسجد أبيك آدم، ومصلّى الأنبياء، فانزل فصلّ فيه. ثمّ إنّ جبرئيل عرج به إلى السماء».

وفي رواية: أنّ السفينة استقلّت بما فيها، فجرت على ظهر الماء مائة وخمسين يوما بلياليها.

وروى أبو عبيدة الحذّاء عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «مسجد كوفان وسطه روضة من رياض الجنّة، الصلاة فيه بسبعين صلاة، صلّى فيه ألف نبيّ وسبعون نبيّا، وفيه فار التنّور وجرت السفينة، وهو سرّة بابل ومجمع الأنبياءعليهم‌السلام ».

وقيل: معنى( فارَ التَّنُّورُ ) طلع الفجر وظهرت أمارات دخول النهار وتقضّي


الليل، من قولهم: نوّر الصبح تنويرا. روي ذلك عن عليّعليه‌السلام .

وقيل: معناه: اشتدّ غضب الله عليهم، ووقعت نقمته بهم.

( قُلْنَا احْمِلْ فِيها ) في السفينة( مِنْ كُلٍ ) من كلّ نوع من الحيوانات المنتفع بها( زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) ذكرا وأنثى. هذا على قراءة حفص، والباقون أضافوا(١) ، على معنى: احمل اثنين من كلّ زوجين، أي: من كلّ صنف ذكر وصنف أنثى. وعلى القراءة الأولى «اثنين» مفعول «احمل». وعلى الثانية صفة «زوجين».

( وَأَهْلَكَ ) عطف على «زوجين» على القراءة الاولى، و «اثنين» على الثانية.

والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم.( إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) بأنه من المغرقين. يريد ابنه كنعان وأمّه واعلة، فإنّهما كانا كافرين.( وَمَنْ آمَنَ ) والمؤمنين من غيرهم( وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) . قيل: كانوا تسعة وسبعين، زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة :

سام وحام ويافث، ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم.

( وَقالَ ارْكَبُوا فِيها ) أي: صيروا فيها. جعل ذلك ركوبا، لأنّها في الماء كالمركوب في الأرض.( بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها ) متّصل بـ «اركبوا» حال من الواو، أي: اركبوا فيها مسمّين الله، أو قائلين بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها أو مكانهما، على أنّ المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر، والمضاف محذوف، كقولهم: آتيك خفوق النجم. وانتصابهما بما قدّرناه حالا. ويجوز رفعهما بـ «بسم الله»، على أنّ المراد بهما المصدر. أو جملة من مبتدأ وخبر، أي: إجراؤها بسم الله، على أنّ بسم الله خبر، أو صلة والخبر محذوف. وهي إمّا جملة مرتجلة لا تعلّق لها بما قبلها، أو حال مقدّرة من الواو أو الهاء.

روي أنّه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله فرست. ويجوز أن يكون

__________________

(١) أي: قرءوا «كلّ زوجين» مضافا.


الاسم مقحما، كقوله(١) : ثمّ اسم السلام عليكما.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: مجراها بالفتح، من: جرى. واتّفقوا على ضمّ الميم في «مرساها»( إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي: لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إيّاكم لـما نجّاكم.

( وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ ) متّصل بمحذوف دلّ عليه «اركبوا»، أي: فركبوا مسمّين وهي تجري وهم فيها( فِي مَوْجٍ ) من الطوفان. وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه.( كَالْجِبالِ ) أي: موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها وعظمها. روي عن الحسن: أنّ الماء ارتفع فوق كلّ شيء وفوق كلّ جبل ثلاثين ذراعا. وقيل: خمسة عشر ذراعا.

وقيل: إنّ سفينة نوح سارت لعشر مضين من رجب، فسارت ستّة أشهر حتّى طافت الأرض كلّها لا يستقرّ في موضع، حتّى أتت الحرم فطافت بموضع الكعبة أسبوعا، وكان الله تعالى رفع البيت إلى السماء، ثمّ سارت بهم حتّى انتهت إلى الجوديّ، وهو جبل بأرض الموصل، واستقرّت عليه اليوم العاشر من المحرّم.

وروى أصحابنا عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أن نوحاعليه‌السلام ركب السفينة في أوّل يوم من رجب، فصام وأمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم. وقال: من صام ذلك اليوم تباعد عنه النار مسيرة سنة. فصارت سنّة».

( وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ ) كنعان( وَكانَ فِي مَعْزِلٍ ) عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه. ومفعل للمكان، من: عزله عنه إذا أبعده.( يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ) اركب معنا في السفينة بشرط الإيمان لتسلم من الغرق. قيل: هو منافق وأبوه لم يعلم نفاقه.

والجمهور كسروا الياء ليدلّ على ياء الإضافة المحذوفة في جميع القرآن ،

__________________

(١) للبيد بن ربيعة العامري، وتمامه :

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر


غير ابن كثير، فإنّه وقف عليها في لقمان، في الموضع(١) الأوّل باتّفاق الرواة، وفي الثالث(٢) في رواية قنبل، وغير عاصم، فإنّه فتح ها هنا اقتصارا على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإضافة، واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع.

وقد أدغم(٣) الباء في الميم أبو عمرو والكسائي وحفص، لتقاربهما.

( وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ) في الدين والانعزال.

( قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ) أن يغرقني( قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) أي: من الطوفان الّذي هو بأمره( إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) إلّا الراحم، وهو الله تعالى.

أو إلّا مكان منرحمهم‌الله ، وهم المؤمنون، أي: لا يعصمك اليوم معتصم قطّ من جبل ونحوه سوى معتصم واحد، وهو مكان من رحمهم ونجّاهم، يعني: السفينة.

فردّ بذلك أن يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم العائذ به إلّا معتصم المؤمنين، وهو السفينة. وقيل: «لا عاصم» بمعنى: لا ذا عصمة، كقوله: في عيشة راضية. وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن من رحمه فهو معصوم.

( وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ) بين نوح وابنه، أو ابنه والجبل( فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) فصار من المهلكين بالماء.

( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) )

ثمّ بيّن سبحانه الحال بعد انتهاء الطوفان، فقال:( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ) انشفي ماءك الّذي نبعت به العيون، واشربيه حتّى لا يبقى على وجهك شيء منه ،

__________________

(١، ٢) لقمان: ١٣ و ١٧.

(٣) أي: باء «اركب» في ميم «معنا».


من البلع بمعنى النشف( وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) أمسكي عن المطر، من الإقلاع بمعنى الإمساك. نوديا بما ينادى به أولوا العلم، وأمرا بما يؤمرون، تمثيلا لكمال قدرته وانقيادهما لـما يشاء تكوينه فيهما، بالآمر المطاع الّذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر امتثال أمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه.

وفي الكشّاف: «أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأنّ الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء، غير ممتنعة عليه، كأنّها عقلاء مميّزون، قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كلّ مقدور، وتبيّنوا تحتّم طاعته عليهم وانقيادهم له. وهم يهابونه ويفزعون من التوقّف دون الامتثال له، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث»(١) .

( وَغِيضَ الْماءُ ) نقص، من: غاضه إذا نقصه( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين( وَاسْتَوَتْ ) استوت السفينة( عَلَى الْجُودِيِ ) جبل بالموصل. وقيل: بالشام. وقيل: بآمد.( وَقِيلَ بُعْداً ) هلاكا( لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يقال: بعد بعدا إذا بعّده بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثمّ استعير للهلاك، وخصّ بدعاء السوء.

وفي الأنوار: «هذه الآية في غاية الفصاحة، لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنّه متعيّن في نفسه، مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأنّ مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهّار»(٢) .

وقال في المجمع: «وفي الآية من بدائع الفصاحة وعجائب البلاغة ما لا

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٣٩٧.

(٢) أنوار التنزيل ٣: ١١٠.


يقاربه كلام البشر ولا يدانيه. منها: أنّه خرج مخرج الأمر، وإن كانت الأرض والسماء من الجماد، ليكون أدلّ على الاقتدار. ومنها: حسن تقابل المعنى وائتلاف الألفاظ. ومنها: حسن البيان في تصوير الحال. ومنها: الإيجاز من غير إخلال، إلى غير ذلك ممّا يعلمه من تدبّره، وله معرفة بكلام العرب ومحاوراتهم. ويروى أنّ كفّار قريش أرادوا أن يتعاطوا معارضة القرآن فعكفوا على لباب البرّ ولحوم الضأن وسلاف الخمر أربعين يوما لتصفوا أذهانهم، فلمّا أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية، فقال بعضهم لبعض: هذا الكلام لا يشبه كلام المخلوقين، وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا»(١) .

( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) )

ثمّ حكى الله سبحانه تمام قصّة نوح، فقال:( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ ) أي: أراد نداءه، بدليل عطف قوله:( فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) فإنّه النداء( وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ ) وإن كلّ وعد تعده حقّ لا يتطرّق إليه الخلف، وقد وعدت أن تنجي أهلي ،

__________________

(١) مجمع البيان ٥: ١٦٥.


فما حاله أو فماله لم ينج؟ ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه( وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) لأنّك أعلمهم وأعدلهم. أو لأنّك أكثر حكمة من ذوي الحكم، على أنّ الحاكم من الحكمة، كالدارع من الدرع.

( قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) لقطع الولاية بين الكافر والمؤمن. وأشار إليه بقوله:( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) فإنّه تعليل لنفي كونه من أهله. وأصله: إنّه ذو عمل فاسد، فجعل ذاته ذات العمل الفاسد للمبالغة. ثمّ بدّل الفاسد بغير الصالح، تصريحا بالمناقضة بين وصفي الأهليّة وغير الصلاح، وانتفاء ما أوجب النجاة ـ من صالح العمل ـ لمن نجا من أهله عنه. وقرأ الكسائي ويعقوب: إنّه عمل، أي: عمل عملا غير صالح.

وفيه إيذان بأنّ قرابة الدين غامرة لقرابة النسب. وفي الحديث القدسي: «خلقت الجنّة لمن أطاعني ولو كان عبدا حبشيّا، وخلقت النار لمن عصاني ولو كان سيّدا قرشيّا».

( فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) فلا تلتمس منّي التماسا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب؟ حتّى تقف على كنهه. وإنّما سمّى نداءه سؤالا لتضمّن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده، أو استفسار المانع للإنجاز في حقّه. وإنّما سمّاه جهلا وزجر عنه بقوله:( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) لأنّ استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دلّه على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن أشغله عنه حبّ الولد حتّى اشتبه الأمر عليه.

وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون المشدّدة. وكذا نافع وابن عامر، غير أنّهما كسرا النون، على أنّ أصله: تسألنّني، فحذفت نون الوقاية، لاجتماع النونات، وكسرت الشديدة للياء، ثمّ حذفت اكتفاء بالكسرة. وعن نافع إثباتها في الوصل.

والوعظ: الدعاء إلى الحسن، والزجر عن القبيح، على وجه الترغيب


والترهيب. ومعنى الكلام: إنّي أدعوك إلى الحسن، وأزجرك عن القبائح، كراهة أن تكون، أو لئلّا تكون من الجاهلين الّذين يسألون شيئا قبل أن يتأمّلوا فيه تأمّلا تامّا، ليعلموا صحّة سؤالهم عن فسادهم. ولا شكّ أنّ وعظه سبحانه يصرف عن الجهل وينزّه عن القبيح.

( قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ) أن أطلب منك فيما يستقبل( ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) ما لا علم لي بصحّته، تأدّبا بأدبك واتّعاظا بموعظتك( وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ) وإن لم تغفر لي ما فرط منّي في السؤال الّذي يكون تركه أولى. والمراد بالغفران هنا لازمه، وهو إعطاء الثواب على فعل الأولى، وعدم حرمانه منه لتركه.

( وَتَرْحَمْنِي ) بالتوبة عن ترك الندب( أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أعمالا، لتفويتي الثواب الّذي يترتّب على فعل الأولى. وقيل: قاله على سبيل الخضوع لله عزّ اسمه والتذلّل له والاستكانة، وإن لم يسبق منه ذنب لعصمته.

( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) )

ثمّ حكى الله سبحانه ما أمر به نوحا حين استقرّت سفينته على الجبل بعد خراب الدنيا بالطوفان، فقال:( قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا ) انزل من السفينة مسلما محفوظا من المكاره من جهتنا، أو مسلّما عليك مكرّما( وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ ) ومباركا عليك حالا بعد حال. والبركات: الخيرات الناميات. أو زيادات في نسلك


حتّى تصير آدما ثانيا.( وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ) وعلى أمم هم الّذين معك. سمّوا أمما لتحزّبهم، أو لأنّ الأمم تتشعّب منهم. فـ «من» للبيان. والأوجه أن تكون للابتداء.

والمعنى: وعلى أمم ناشئة ممّن معك إلى آخر الدهر. والمراد بهم المؤمنون، لقوله:( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) أي: وممّن معك أمم سنمتّعهم في الدنيا( ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة. والمراد بهم الكفّار من ذرّيّة من معه. وقيل: هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب صلوات الله عليهم، والعذاب ما نزل بهم.

( تِلْكَ ) إشارة إلى قصّة نوح. ومحلّها الرفع بالابتداء، وخبرها( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ) أي: بعضها( نُوحِيها إِلَيْكَ ) خبر ثان. والضمير للقصّة، أي: موحاة إليك.

أو حال من الأنباء. أو هو الخبر و «من أنباء» متعلّق به. أو حال من الهاء في «نوحيها».( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) خبر آخر، أي: مجهولة عندك وعند قومك من قبل إيحائنا إليك. أو حال من الهاء في «نوحيها» أو الكاف في «إليك» أي: جاهلا أنت وقومك بها. وفي ذكر القوم تنبيه على أنّه لم يتعلّمها، إذ لم يخالط غيرهم، وأنّهم مع كثرتهم لـمّا لم يسمعوها فكيف بواحد منهم؟( فَاصْبِرْ ) على مشاقّ الرسالة وأذيّة القوم كما صبر نوحعليه‌السلام ( إِنَّ الْعاقِبَةَ ) في الدنيا بالظفر والنصرة، وفي الآخرة بالفوز( لِلْمُتَّقِينَ ) عن الشرك والمعاصي.

( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)


قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) )

ثمّ عطف سبحانه قصّة هودعليه‌السلام على قصّة نوح، فقال:( وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ ) في النسب( هُوداً ) عطف على قوله:( نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) . و «هودا» عطف بيان.

( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ) وحّدوه( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ) على الله تعالى كذبا، باتّخاذكم الأوثان له شركاء، وجعلها شفعاء.

( يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ) خاطب كلّ رسول به قومه إزاحة للتهمة وتمحيضا للنصيحة، فإنّها لا تنجع ما دامت مشوبة


بالمطامع( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أفلا تستعملون عقولكم، فتعرفوا المحقّ من المبطل، والصواب من الخطأ.

( وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ) اطلبوا مغفرة الله بالإيمان( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) ثمّ توسّلوا إليها بالتوبة، فإنّ التبرّي عن الغير إنّما يكون بعد الإيمان بالله والرغبة فيما عنده( يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) كثير الدرور، كالمغزار( وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ) ويضاعف قوّتكم. وإنّما رغّبهم بكثرة المطر وزيادة القوّة، لأنّهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حرّاصا عليها أشدّ الحرص، فكانوا أحوج إلى الماء والقوّة في صنع العمارات.

وقيل: حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم هودعليه‌السلام على الإيمان والتوبة كثرة الأمطار وتضاعف القوّة على النكاح بالتناسل.

( وَلا تَتَوَلَّوْا ) لا تعرضوا عمّا أدعوكم إليه( مُجْرِمِينَ ) مصرّين على إجرامكم.

وفي الكشّاف عن الحسن بن عليّعليه‌السلام : «أنّه وفد على معاوية فلمّا خرج تبعه بعض حجّابه فقال: إنّي رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلّمني شيئا لعلّ الله يرزقني ولدا. فقال: عليك بالاستغفار. فكان يكثر الاستغفار حتّى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرّة، فولد له عشرة بنين. فبلغ ذلك معاوية فقال: هلّا سألته ممّ قال ذلك؟، فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل فقال: ألم تسمع قول هودعليه‌السلام : «ويزدكم قوّة إلى قوّتكم» وقول نوحعليه‌السلام :( وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ) (١) »(٢) .

( قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ) بحجّة تدلّ على صحّة دعواك. وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات، كما قالت قريش لرسول

__________________

(١) نوح: ١٢.

(٢) الكشّاف ٢: ٤٠٢.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لولا أنزل عليه آية من ربّه، مع كثرة آياته من ربّه ومعجزاته.( وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا ) بتاركي عبادتهم( عَنْ قَوْلِكَ ) صادرين عن قولك. حال من الضمير في «تاركي».( وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ) إقناط له من الإجابة والتصديق.

وفي المجمع: «إنّما حملهم على دفع البيّنة مع ظهورها أشياء، منها: تقليد الآباء والرؤساء. ومنها: اتّهامهم لمن جاء بها، حيث لم ينظروا فيها نظر تأمّل.

ومنها: أنّه دخلت عليهم الشبهة في صحّتها. ومنها: اعتقادهم لأصول فاسدة دعتهم إلى جحدها. وإنّما حملهم على عبادة الأوثان أشياء، منها: اعتقادهم أن عبادتها تقرّبهم إلى الله زلفى. ومنها: أن الشيطان ربما ألقى إليهم أنّ عبادتها تحظيهم في الدنيا. ومنها: أنّهم ربما اعتقدوا مذهب المشبّهة، فاتّخذوا الأوثان على صورته عندهم فعبدوها»(١) .

( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ ) ما نقول إلّا قولنا: اعتراك، أي: أصابك، من: عراه يعروه إذا أصابه( بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ ) بجنون، لسبّك إيّاها وصدّك عن عبادتها، ومن ذلك تهذي وتتكلّم بالخرافات. والجملة مقول القول، وإلّا لغو، لأنّ الاستثناء مفرّغ، أي: ما نقول شيئا إلّا قولنا: اعتراك بعض آلهتنا بسوء.

( قالَ إِنِّي ) أي: أجاب عن مقالتهم الحمقاء بأنّي( أُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ ) أي: أشهد الله على براءتي من آلهتكم وفراغي عن إضراركم، تأكيدا لذلك وتثبيتا له. وأمرهم بأن يشهدوا عليه استهانة بدينهم، وقلّة مبالاة بهم.

قال( فَكِيدُونِي جَمِيعاً ) أي: اجتمعوا على الكيد في إهلاكي( ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) لا تمهلوني، فإنّي لا ابالي بكم وبكيدكم. وإنّما قال: «واشهدوا» ولم يقل: وأشهدكم على طبق «أشهد الله»، لأنّ إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد

__________________

(١) مجمع البيان ٥: ١٧٠.


صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشدّ معاقده، وأمّا إشهادهم فما هو إلّا تهاون بدينهم، دلالة على قلّة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول الرجل لمن لا يحبّه: اشهد على أنّي لا أحبّك، تهكّما به واستهانة بحاله.

والّذي بعثه على هذا القول أنّهم إذا اجتهدوا في إهلاكه، ورأوا أنّهم عجزوا من أوّلهم إلى آخرهم ـ وهم الأقوياء الأشدّاء ـ أن يضرّوه، لم يبق لهم شبهة أنّ آلهتهم الّتي هي جماد لا يضرّ ولا ينفع لا تتمكّن من إضراره انتقاما منه، فلزمت الحجّة عليهم. وهذا من جملة معجزاته، فإنّ مواجهة الواحد الجمّ الغفير من الجبابرة الفتّاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلّا لثقته بالله تعالى، وتثبّطهم عن إضراره ليس إلّا بعصمته إيّاه، ولذلك عقّبه بقوله:( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ) تقريرا له.

والمعنى: أنّكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضرّوني، فإنّي متوكّل على الله تعالى، واثق بحفظه، وهو مالكي ومالككم، فلا يحيق بي ما أردتم، ولا تقدرون على إهلاكي، لأنّه يصرف كيدكم عنّي.

( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها ) أي: إلّا وهو مالك لها قادر عليها، فهي ذليلة مقهورة له. والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك، فإنّ من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذلّه.

ولـمّا ذكر توكّله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب التوكّل عليه من قهره وسلطانه، فقال:( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي: إنّه على الحقّ والعدل، لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم.

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) فإن تتولّوا لم أعاتب على التفريط في الإبلاغ( فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ) فقد أدّيت ما عليّ من الإبلاغ وإلزام الحجّة، فأبيتم إلّا تكذيب


الرسالة، فلا تفريط منّي ولا عذر لكم( وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ) استئناف بالوعيد لهم، بأنّ الله يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم، يوحّدونه ويعبدونه( وَلا تَضُرُّونَهُ ) بتولّيكم وإعراضكم( شَيْئاً ) من الضرر، أي: لا ضرر عليه في إهلاككم، لأنّه لم يخلقكم لحاجة منه إليكم( إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) رقيب، فلا تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم. أو حافظ مستول عليه، فلا يمكن أن يضرّه شيء.

( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) عذابنا، أو أمرنا بالعذاب( نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) وكانوا أربعة آلاف( وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) تكرير لبيان ما نجّاهم منه. وهو السموم، كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم، فتتقطّع أعضاؤهم. وقيل: أراد بالتنجية الثانية إنجاءهم من عذاب الآخرة، تعريضا بأنّ المهلكين كما عذّبوا في الدنيا بالسموم، فهم معذّبون في الآخرة بالعذاب الغليظ.

( وَتِلْكَ عادٌ ) أنّث اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأنّ الإشارة إلى قبورهم( جَحَدُوا ) كفروا( بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) لأنّهم عصوا رسولهم، ومن عصى رسولا فكأنّما عصى الكلّ، لأنّهم أمروا بطاعة كلّ رسول( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) يعني: كبراءهم الطاغين. و «عنيد» من: عند يعند عنودا إذا طغى. والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم الى الكفر وما يرديهم.

( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، يكبّهم في العذاب( أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) جحدوه، أو كفروا نعمه، أو كفروا به، فحذف الجارّ( أَلا بُعْداً لِعادٍ ) دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنّهم كانوا مستوجبين لـما نزل عليهم بسبب ما صدر عنهم من الآثام العظام. وكرّر «ألا»، وأعاد ذكر عاد، ولم يكتف بالضمير، تفظيعا لأمرهم، وحثّا على الاعتبار بحالهم( قَوْمِ هُودٍ ) عطف بيان لعاد. وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم والإيماء إلى أنّ استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود.

( وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً


فَذَرُ‌وهَا تَأْكُلْ فِي أَرْ‌ضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِ‌يبٌ (٦٤) فَعَقَرُ‌وهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِ‌كُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ‌ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ‌نَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَ‌حْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَ‌بَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِ‌هِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُ‌وا رَ‌بَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ (٦٨))

( وَتِلْكَ عَادٌ ) أنت اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى قبورهم( جَحَدُوا ) كفروا( بِآيَاتِ رَ‌بِّهِمْ وَعَصَوْا رُ‌سُلَهُ ) لأنهم عصوا رسولهم، ومن عصى رسولاً فكأنّما عصى الكلّ، لأنهم أمروا بطاعة كلّ رسول( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ‌ كُلِّ جَبَّارٍ‌ عَنِيدٍ ) يعني: كبراء هم الطاغين، وو «عنيد» من: عند يعند عنواداً إذا طغى. والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعا هم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم الى الكفر وما يرديهم.

( وَأُتْبِعُوا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، يكبهم في العذاب( أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُ‌وا رَ‌بَّهُمْ ) جحدوا، أو كفروا نعمه، أو كفروا به فحذف الجارّ( أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ ) دعا عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على أنّهم مستوجبين لـما نزل عليهم بسبب ما صدر عنهم من الآثام العظام. وكرّر «ألا»، وأعاد ذكر عاد، ولم يكتف بالضمير، وتفظيعاً لأمرهم، وحثّاً على الاعتبار باحالهم( قَومِ هُودٍ ) عطف بيان لعاد. وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم ،


والإيماء إلى أنّ استحاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود.

ثمّ عطف على ذلك قصّة صالح وقومه فقال:( وَإِلى ثَمُودَ ) منع صرفه باعتبار التعريف والتأنيث، فإنّه بمعنى القبيلة( أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ) هو كوّنكم منها لا غيره، فإنّه خلق آدم وموادّ النطف الّتي خلق نسله منها من التراب( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ) عمّركم فيها واستبقاكم، من العمر. وعن الضحّاك: كانت أعمارهم من ألف سنة إلى ثلاثمائة سنة. أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها. وقيل: هو من العمري، بمعنى أعمركم فيها دياركم، ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم. أو جعلكم معمرين دياركم، بأن تسكنوها مدّة عمركم ثمّ تتركونها لغيركم، فإنّ الرجل إذا ورّث داره من بعده فكأنّما أعمره إيّاها، لأنّه يسكنها عمره ثمّ يتركها لغيره.

( فَاسْتَغْفِرُوهُ ) من الشرك( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) أي: دوموا على التوبة( إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ) قريب الرحمة( مُجِيبٌ ) لداعيه.

( قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا ) لـما نرى فيك من مخائل رشدك والسداد، أن تكون لنا سيّدا ومستشارا في الأمور، وأن توافقنا في الدين، فلمّا سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا عنك( أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) على حكاية الحال الماضية( وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ) من التوحيد والتبرّؤ عن الأوثان( مُرِيبٍ ) موقع في الريبة، من: ارابه إذا أوقعه، أو ذي ريبة على الإسناد المجازي، من: أراب في الأمر إذا كان ذا ريبة.

( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ) بيان وبصيرة( مِنْ رَبِّي ) حرف الشكّ باعتبار المخاطبين( وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) نبوّة( فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ ) فمن يمنعني من عذابه( إِنْ عَصَيْتُهُ ) في تبليغ رسالته والمنع عن الإشراك به( فَما تَزِيدُونَنِي ) حينئذ باستتباعكم إيّاي( غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به


والتعرّض لعذابه. أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران.

ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس أنّ معناه: ما تزيدونني إلّا بصيرة في خسارتكم.

( وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً ) أشار الى ناقته الّتي جعلها معجزته، لأنّه سبحانه أخرجها لهم من جوف صخرة يشاهدونها على تلك الصفة، وخرجت كما طلبوه وهي حامل، وكانت تشرب يوما جميع الماء فتنفرد به ولا ترد الماء معها دابّة، فإذا كان يوم لا ترد فيه وردت الواردة كلّها الماء، وهذا أعظم آية ومعجزة.

وأضافها إلى الله تشريفا لها، كما يقال: بيت الله. ونصب «آية» على الحال، وعاملها معنى الإشارة. و «لكم» حال منها، تقدّمت عليها لتنكيرها.

( فَذَرُوها ) فاتركوها( تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ ) ترع نباتها، وتشرب ماءها( وَلا تَمَسُّوها ) ولا تصيبوها( بِسُوءٍ ) قتل أو جرح أو غيره( فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ) عاجل لا يتراخى عن مسّكم لها بالسوء إلّا يسيرا، وهو ثلاثة أيّام.

( فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ) عيشوا في منازلكم. سمّي المنزل والبلد دارا لأنّه يدار فيه بالتصرّف. أو في داركم الدنيا.( ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) الأربعاء والخميس والجمعة، ثمّ تهلكون. قيل: عقروها يوم الأربعاء، وهلكوا يوم السبت.

روي أنّهم لـمّا عقروا الناقة صعد فصيلها الجبل ورغا ثلاث مرّات، فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم. فاصفرّت ألوانهم أوّل يوم، ثمّ احمرّت من الغد، ثم اسودّت اليوم الثالث، فهو قوله:( ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) أي: غير مكذوب فيه، فاتّسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم مشهود. أو غير مكذوب على المجاز، وكأنّ الواعد قال له: أفي بك، فإن وفى به صدّقه، وإلّا كذّبه. أو وعد غير كذب، على أنّه مصدر، كالمجلود بمعنى الجلد، والمعقول بمعنى الإدراك، والمصدوقة بمعنى الصدق.

روى جابر بن عبد الله الأنصاري: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لـمّا نزل الحجر في غزوة


تبوك قام فخطب الناس، وقال: أيّها الناس لا تسألوا نبيّكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث لهم الناقة، وكانت ترد من الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون من لبنها مثل الّذي كانوا يشربون من مائها يوم غبّها، فعتوا عن أمر ربّهم، فقال:( تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ) وكان وعدا من الله غير مكذوب. ثمّ جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم إلّا رجلا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، يقال له: أبو رغال. قيل: يا رسول الله من أبو رغال؟ قال: أبو ثقيف.

( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ) أي: ونجّيناهم من خزي يومئذ، وهو هلاكهم بالصيحة، أو ذلّهم وفضيحتهم يوم القيامة، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وباسمه. وقرأ نافع :

يومئذ بالفتح، على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه.( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُ ) القادر على كلّ شيء( الْعَزِيزُ ) الغالب عليه.

( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) أمر الله سبحانه جبرئيل فصاح بهم صيحة ماتوا عندها( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) في منازلهم ميّتين واقعين على وجوههم. وقيل: قاعدين على ركبهم.

( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) كأن لم يكونوا في منازلهم قطّ، لانقطاع آثارهم بالهلاك، من: غنى بالمكان أي: أقام، وغنى أي: عاش( أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) ، نوّنه أبو بكر ها هنا وفي النجم(١) والكسائي في جميع القرآن، وابن كثير ونافع وأبو عمرو في قوله(٢) :( أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ) ذهابا إلى الحيّ، فإنّه مذكّر، أو الأب(٣) الأكبر.

__________________

(١) النجم: ٥١.

(٢) أي: قرءوا: لثمود.

(٣) أي: على هذين التقديرين يكون «ثمود» منصرفا، لأنّه مذكّر. وأمّا إذا فسّر بالقبيلة، يكون


( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) )

ثمّ ذكر سبحانه قصّة إبراهيم ولوط، فقال:( وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ ) يعني: الملائكة. قيل: كانوا أربعة رابعهم اسمه كروبيل. وهذا منقول عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وقيل: تسعة. وقيل: أحد عشر.( بِالْبُشْرى ) ببشارة الولد( قالُوا سَلاماً ) سلّمنا عليك سلاما. ويجوز نصبه بـ «قالوا» على معنى: ذكروا سلاما، لتضمّن الذكر القول.( قالَ سَلامٌ ) أي: أمركم أو جوابي سلام، أو وعليكم سلام.

رفعه إجابة بأحسن من تحيّتهم. وقرأ حمزة والكسائي: سلم. وكذلك في

__________________

غير منصرف بالتأنيث والعلميّة، فلا يدخله التنوين.


الذاريات(١) . وهما لغتان، كحرم وحرام. والمراد به الصلح.

( فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) فما ابطأ مجيئه به، أو فما أبطأ في المجيء به، أو فما تأخّر عنه. والجارّ في «أن» مقدّر. والحنيذ المشويّ بالرضف، وهو الحجارة المحماة في أخدود من الأرض. وقيل: الّذي يقطر دسمه، من: حنذت الفرس إذا عرّقته بالجلّ(٢) ، لقوله: بعجل سمين.

( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ ) فلمّا راى إبراهيم أيدي الملائكة( لا تَصِلُ إِلَيْهِ ) لا يمدّون إلى العجل الحنيذ أيديهم( نَكِرَهُمْ ) أنكر ذلك، فإنّ نكر وأنكر واستنكر بمعنى( وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) وخاف أن يريدوا به مكروها، وذلك أنّ أهل ذلك الزمان إذا أكل بعضهم طعام بعض أمنه صاحب الطعام على نفسه. وقيل: إنّه ظنّهم لصوصا يريدون به سوء. والإيجاس الإدراك. وقيل: الإضمار.

( قالُوا ) له لـمّا أحسّوا منه أثر الخوف( لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) إنّا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب، وإنّما لم نمدّ إليه أيدينا لأنّا لا نأكل. قيل: إنّهم دعوا الله فأحيا العجل الّذي كان ذبحه إبراهيم وشواه فرغا، فعلم حينئذ أنّهم رسل الله.

( وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ ) وراء الستر تسمع محاورتهم، أو على رؤوسهم للخدمة( فَضَحِكَتْ ) سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، أو بإصابة رأيها، فإنّها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطا، فإنّي أعلم أنّ العذاب ينزل بهؤلاء القوم.

وقيل: «فضحكت» من الضحك بفتح الضاد بمعنى: حاضت. يقال: ضحكت الأرنب إذا حاضت. ومنه: ضحكت السمرة إذا سال صمغها. وهي: سارة بنت هارون بن يا حور بن ساروع بن فالع. وهي كانت ابنة عمّ إبراهيم.

( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) نصب «يعقوب» ابن عامر وحمزة وحفص بفعل يفسّره ما دلّ عليه الكلام. وتقديره: ووهبنا من وراء إسحاق

__________________

(١) الذاريات: ٢٥.

(٢) أي: ألقيت عليه الجلّ وأجريته حتى عرق.


يعقوب. وقيل: إنّه معطوف على موضع «بإسحاق»، فإنّه مفعول بواسطة الجرّ، أو على لفظ «إسحاق»، وفتحته للجرّ، فإنّه غير منصرف. وردّ للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف. وقرأ الباقون بالرفع، على أنّه مبتدأ خبره الظرف، أي: ويعقوب مولود من بعده.

وعن ابن عبّاس: الوراء ولد الولد. ولعلّه سمّي به لأنّه بعد الولد. وعلى هذا تكون إضافته إلى إسحاق ليس من حيث إنّ يعقوب وراءه، بل من حيث إنّه وراء إبراهيم من جهة إسحاق. وعن الشعبي: أنّه قيل له: هذا ابنك؟ قال: نعم من الوراء، وكان ولد ولده. وتوجيه البشارة إليها للدلالة على أنّ الولد المبشّر به يكون منها، ولأنّها كانت عقيمة حريصة على الولد.

( قالَتْ يا وَيْلَتى ) يا عجبا. وأصله في الشرّ، فأطلق على كلّ أمر فظيع.

والألف فيه مبدلة عن ياء الإضافة. وكذلك: يا لهفا ويا عجبا.( أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) ابنة تسعين، أو تسعة وتسعين( وَهذا بَعْلِي ) زوجي. وأصله القائم بالأمر.

( شَيْخاً ) ابن مائة وعشرين. ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى اسم الاشارة.

( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) يعني: الولد من الهرمين.

وهو استعجاب من حيث العادة الّتي أجراها الله، دون القدرة، ولذلك( قالُوا ) قالت الملائكة منكرين عليها:( أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ) بكثرة خيراته النامية الباقية( عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) أي: إنّ هذه وأمثالها ممّا يكرمكم الله به أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب، فإنّ خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوّة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات، ليس ببدع وعجيب، ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلا عمّن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات.

قال في الكشّاف: «قوله:( رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) مستأنف علّل به إنكار التعجّب، كأنّه قيل: إيّاك والتعجّب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. وقيل: الرحمة النبوّة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل ،


لأنّ الأنبياء منهم، وكلّهم من ولد إبراهيم»(١) .

ونصب «أهل البيت» على المدح، أو النداء لقصد التخصيص، كقولهم: أللَّهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة.

روي: «أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام مرّ بقوم فسلّم عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه. فقالعليه‌السلام : لا تجاوزوا بنا ما قالت الملائكة لأبينا إبراهيم: ورحمة الله وبركاته أهل البيت».

( إِنَّهُ حَمِيدٌ ) فاعل ما يستوجب به الحمد( مَجِيدٌ ) كثير الخير والإحسان.

( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ) ما أوجس من الخيفة، واطمأنّ قلبه بعرفانهم أنّهم الملائكة( وَجاءَتْهُ الْبُشْرى ) بدل الروع( يُجادِلُنا ) يجادل رسلنا( فِي قَوْمِ لُوطٍ ) في شأنهم. وكانت مجادلته إيّاهم قوله لهم: إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: فأربعون؟ قالوا: لا. فما زال ينقص حتّى قال: فواحد؟ قالوا: لا. فقال: إنّ فيها لوطا؟ قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجّينّه وأهله.

وقيل: إنّه جادلهم وقال: بأيّ شيء استحقّوا عذاب الاستئصال؟ وهل ذلك واقع لا محالة، أم هو تخويف ليرجعوا إلى الطاعة؟ وبأيّ شيء يهلكون؟ وكيف ينجي المؤمنين؟

وقوله: «يجادلنا» إمّا جواب «لمّا»، جيء به مضارعا على حكاية الحال. أو لأنّه في سياق الجواب بمعنى الماضي، كجواب «لو». أو دليل جوابه المحذوف، مثل: اجترأ على خطاب رسلنا، أو شرع في جدالهم. أو متعلّق بالجواب أقيم مقامه، مثل: أخذ أو أقبل يجادل رسلنا.

( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ ) غير عجول على الانتقام من المسيء إليه( أَوَّاهٌ ) كثير التأوّه من الفرطات، والتاسّف على صدور ما هو تركه أولى( مُنِيبٌ ) راجع إلى الله تعالى بما يحبّ ويرضى. وفيه بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقّة قلبه وفرط

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٤١١.


ترحّمه، رجاء أن يرفع العذاب عنهم.

( يا إِبْراهِيمُ ) على إرادة القول، أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم( أَعْرِضْ عَنْ هذا ) عن الجدال، وإن كانت الرحمة ديدنك( إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) قضاؤه وحكمه الّذي لا يصدر إلّا عن حكمة، والعذاب نازل بهم لا محالة، وهو أعلم بحالهم( وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) غير مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.

( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) )( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) )


( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ) ساءه مجيئهم، لأنّهم جاؤوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظنّ أنّهم أناس، فخاف عليهم خبث قومه وسوء سيرتهم، فيعجز عن مدافعتهم. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي: سيء وسيئت بإشمام السين الضمّ، وفي العنكبوت(١) والملك(٢) . والباقون باختلاس حركة السين.

( وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) وضاق بمكانهم صدره. وهو كناية عن شدّة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه.( وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) شديد، من: عصبه إذا شدّه.

قال الصادقعليه‌السلام : «جاءت الملائكة لوطا وهو في زراعة قرب القرية فسلّموا عليه، ورأى هيئة حسنة عليهم ثياب بيض وعمائم بيض. فقال لهم: ائتوا المنزل، فتقدّمهم ومشوا خلفه. فقال في نفسه: أيّ شيء صنعت؟! آتي بهم قومي وأنا أعرفهم، فالتفت إليهم فقال: لتأتون شرارا من خلق الله. وكان قد قال الله لجبرئيل: لا تهلكهم حتّى يشهد لوط عليهم ثلاث مرّات. فقال جبرئيل: هذه واحدة. ثمّ مشى لوط ثم التفت إليهم فقال: إنّكم لتأتون شرارا من خلق الله. فقال جبرئيل: هذه ثنتان. ثمّ مشى ولـمّا بلغ باب المدينة التفت إليهم فقال مثل ذلك. فقال جبرئيلعليه‌السلام : هذه الثالثة. ثمّ دخل ودخلوا معه حتّى دخل منزله، ولـمّا رأت امرأته هيئة حسنة صعدت فوق السطح فصفقت فلم يسمعوا، فدخنت، فلمّا رأوا الدخان أقبلوا يهرعون، فذلك قوله:( وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ) يسرعون إليه، كأنّهم يدفعون دفعا لشدّة طلب الفاحشة من أضيافه.

__________________

(١) العنكبوت: ٣٣.

(٢) الملك: ٢٧.


( وَمِنْ قَبْلُ ) أي: ومن قبل ذلك الوقت( كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) الفواحش مع الذكور، فتمرّنوها ولم يستحيوا منها، حتّى جاؤا يهرعون لها مجاهرين.

( قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي ) فتزوّجوهنّ. وكانوا يطلبونهنّ قبل فلا يجيبهم، لخبثهم وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفّار كما قيل، فإنّه شرع مجدّد في الإسلام. وكذا كان أيضا في مبدأ الإسلام، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زوّج ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل أن يسلما وهما كافران، ثمّ نسخ ذلك.

أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه، حتّى إنّ ذلك أهون منه. أو إظهار لشدّة غيظه من ذلك كي يرقّوا له. وقيل: المراد بالبنات نساء قومه، فإنّ كلّ نبيّ أبو أمته من حيث الشفقة والتربية.

( هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) أنظف فعلا، وأحلّ عملا. وهذا مثل قولك: الميتة أطيب من المغصوب وأحلّ منه، ولا يلزم أن يكون في المغصوب طيب وحلّية. فالأطهر بمعنى كثير النزاهة والطيب في نفسه.

( فَاتَّقُوا اللهَ ) في مواقعة الذكران، أو بترك جميع الفواحش( وَلا تُخْزُونِ ) ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية بمعنى الحياء.( فِي ضَيْفِي ) في شأن أضيافي، فإنّ إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) أي: في جملتكم رجل واحد يهتدي إلى سبيل الرشد وفعل الجميل، والكفّ عن القبيح.

( قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ ) من حاجة، لأنّ نكاح الإناث أمر خارج من مذهبنا الّذي نحن عليه، فإنّا نرغب عن نكاح الإناث بنكاح الذكران( وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ) وهو إتيان الذكران.

( قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ) أي: لو قويت بنفسي على دفعكم( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ) إلى قويّ أتمنّع به عنكم. شبّهه بركن الجبل في شدّته ومنعته. قال جبرئيل


في جوابه: إنّ ركنك لشديد. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد». وجواب «لو» محذوف، تقديره: لدفعتكم.

روي أنّ لوطا أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوّروا الجدار، فلمّا رأت الملائكة ما على لوط من الكرب( قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ) لهلاكهم فلا تغتمّ( لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) إلى إضرارك، ولن يقدروا عليه بإضرارنا، فهوّن عليك، ودعنا وإيّاهم، فخلّاهم أن يدخلوا، ففتح الباب فدخلوا.

فاستأذن جبرئيل ربّه في عقوبتهم، فأذن له، فقام في الصورة الّتي يكون فيها فنشر جناحه ـ وله جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم، وهو براق الثنايا ـ فضرب جبرئيل بجناحه وجوههم، فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال اللهعزوجل :( فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ ) (١) .

وعن الصادقعليه‌السلام : «كابر قوم لوط معه حتّى دخلوا البيت، فصاح به جبرئيل أن يا لوط دعهم يدخلوا، فلمّا دخلوا أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم، فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء(٢) ، فإنّ في بيت لوط سحرة».

( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) بقطع الهمزة من الإسراء. وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث وقع في القرآن(٣) من السرى.( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) بطائفة منه. وعن ابن عبّاس: في ظلمة الليل.( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) ولا يتخلّف، أو لا ينظر إلى ورائه. والأوّل قول ابن عبّاس، والثاني قول مجاهد. والنهي في اللفظ لـ «أحد» وفي المعنى للوط.

وعلى هذا، كأنّهم تعبّدوا بذلك للنجاة بالطاعة في هذه العبادة.( إِلَّا امْرَأَتَكَ ) استثناء

__________________

(١) القمر: ٣٧.

(٢) أي: أسرعوا أسرعوا.

(٣) الحجر: ٦٥، طه: ٧٧، الشعراء: ٥٢، الدخان: ٢٣.


من قوله:( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) .

قال في الأنوار: «وهذا إنّما يصحّ على تأويل الالتفات بالتخلّف، فإنّه إن فسّر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرفع على البدل من «أحد». ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين في أنّ الملائكة أمروا لوطا أن يخلّفها في المدينة مع قومها أو يخرجها، فلمّا سمعت صوت العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها ـ كما قال صاحب الكشّاف(١) ـ لأنّ القواطع لا يصحّ حملها على المعاني المتناقضة. والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله: «لا يلتفت» مثله في قوله:( ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) (٢) .

ولا يبعد أن يكون أكثر القرّاء على غير الأفصح. ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات، بل عدم نهيها عنه استصلاحا، ولذلك علّله على طريقة الاستئناف ـ لبيان هلاكها معهم ـ بقوله:( إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ ) ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعا على قراءة الرفع(٣) .

( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) كأنّه علّة الأمر بالإسراء. روي: أنّه قال لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك، لضيق صدره بهم. فقالوا:( أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) فهذا جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب.

( فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) عذابنا، أو أمرنا بالعذاب. ويؤيّده الأصل، وجعل التعذيب مسبّبا عنه بقوله:( جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها ) فإنّه جواب «لمّا». وكان حقّه: جعلوا عاليها، أي: الملائكة المأمورون به، فأسند سبحانه إلى نفسه من حيث إنّه

__________________

(١) الجملة المعترضة من كلام المؤلّف، وليست من كلام البيضاوي، راجع الكشّاف ٢: ٤١٦.

(٢) النساء: ٦٦.

(٣) أنوار التنزيل ٣: ١١٦.


المسبّب، تعظيما للأمر، فإنّه روي أنّ جبرئيلعليه‌السلام ادخل جناحه تحت مدائنهم الأربع ورفعها إلى السماء، حتّى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثمّ قلبها عليهم.

( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها ) على المدن بعد التقليب، تغليظا للعقوبة. أو على شذاذها.

( حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) من طين متحجّر، لقوله:( حِجارَةً مِنْ طِينٍ ) (١) . وهذا معرّب، وأصله: سنگ گل. وقيل: إنّه من: أسجله إذا أرسله، أو أدرّ عطيّته. والمعنى: من مثل الشيء المرسل، أو من مثل العطيّة في الإدرار. أو من السجلّ، أي: ممّا كتب الله تعالى أن يعذّبهم به. وقيل: أصله من سجّين، أي: من جهنّم، فأبدلت نونه لاما.

( مَنْضُودٍ ) نضد معدّا لعذابهم في السماء. أو نضد في الإرسال بتتابع بعضه بعضا، كقطار الأمطار. أو نضد بعضه على بعض، وألصق به.

( مُسَوَّمَةً ) معلمة للعذاب. وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيماء تتميّز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمى بها.( عِنْدَ رَبِّكَ ) في خزائنه، أي: فيها علامات يدلّ على أنّها معدّة للعذاب( وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) فإنّهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم. روي أنّ حجرا بقي معلّقا بين السماء والأرض أربعين يوما، يتوقّع به رجل من قوم لوط كان في الحرم، حتّى خرج منها فأصابه. قال قتادة: وكانوا أربعة ألف ألف.

وفي خاتمة الآية وعيد لكلّ ظالم. وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه سأل جبرئيلعليه‌السلام فقال: «يعني ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلّا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة».

وقيل: الضمير للقرى، أي: هي قريبة من ظالمي مكّة، يمرّون بها في

__________________

(١) الذاريات: ٣٣.


أسفارهم إلى الشام. وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان.

( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) )

ثمّ عطف سبحانه قصّة شعيب على ما تقدّمها من قصص الأنبياءعليهم‌السلام ، فقال:( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ) أراد أولاد مدين بن إبراهيم، أو أهل مدين. وهو بلد بناه، فسمّي باسمه.( قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ) أمرهم بالتوحيد أوّلا، فإنّه أصل الأمر. ثمّ نهاهم عمّا اعتادوه من البخس المنافي للعدل، المخلّ بحكمة التعاوض. ثمّ علّل لهذا النهي بقوله:( إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ) بسعة وثروة من الأموال تغنيكم عن البخس والتطفيف. أو بنعمة حقّها


أن تتفضّلوا على الناس شكرا عليها، لا أن تنقصوا حقوقهم. أو بسعة من الله، فلا تزيلوها عنكم بما أنتم عليه من البخس.

( وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ) لا يشذّ منه أحد منكم. وقيل: عذاب مهلك، من قوله:( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) (١) . والمراد عذاب يوم القيامة، أو عذاب الاستئصال. وأصله من إحاطة العدوّ. وتوصيف اليوم بالإحاطة ـ وهي صفة العذاب ـ لاشتماله عليه، فإنّ الزمان يشتمل على ما يحدث فيه.

ثمّ صرّح بالأمر بالإيفاء بعد النهي عن ضدّه مبالغة، فقال:( وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ) أي: أوفوا حقوق الناس في المكيلات والموزونات( بِالْقِسْطِ ) بالعدل والسويّة من غير زيادة ونقصان، فإنّ الازدياد فوق أصل الإيفاء مندوب غير مأمور به. وفيه تنبيه على أنّه لا يكفيهم الكفّ عن تعمّد التطفيف، بل يلزم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتّى الإيفاء بدونها، كغسل اليد من باب المقدّمة.

وقوله:( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) تعميم بعد تخصيص، فإنّه أعمّ من أن يكون في المقدار أو في غيره. وكذا قوله:( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) فإنّ العثوّ يعمّ تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد.

وقيل: المراد بالبخس مكس درهم مثلا، إذ كانوا يأخذون من كلّ شيء يباع شيئا، كما تفعل السماسرة، أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك. والعثوّ: السرقة وقطع الطريق والغارة. وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإصلاح، كما فعله الخضرعليه‌السلام .

وقيل: معناه: ولا تعثوا في الأرض مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم.

( بَقِيَّتُ اللهِ ) ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزّه عمّا حرّم عليكم( خَيْرٌ لَكُمْ ) ممّا تجمعون بالتطفيف.

__________________

(١) الكهف: ٤٢.


قال في الكشّاف: «إضافة البقيّة إلى الله من حيث إنّها رزقه الّذي يجوز أن يضاف إليه. وأمّا الحرام فلا يضاف إلى الله، ولا يسمّى رزقا على مذهبنا»(١) .

( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بشرط أن تؤمنوا، فإنّ خيريّتها باستتباع الثواب مع النجاة، وذلك مشروط بالإيمان. أو إن كنتم مصدّقين لي في قولي لكم. وقيل: البقيّة الطاعة، فإنّه يبقى ثوابها أبدا والدنيا تفنى. ويؤيّده قوله تعالى:( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ ) (٢) .

( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) أحفظكم عن القبائح، أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم عليها، وإنّما أنا ناصح مبلّغ، وقد أعذرت حين أنذرت. أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم.

( قالُوا ) إنما أجابوه بعد أمرهم بالتوحيد استهزاء وتهكّما بصلاته( يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا ) من الأصنام. أشعروا بذلك أنّ مثل قولك لا يدعو إليه داع عقليّ، وأنّ ما دعاك إليه وساوس من جنس ما تواظب عليه. وكانعليه‌السلام كثير الصلاة، فلذلك جمعوا وخصّوا الصلاة بالذكر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص على الإفراد. والمعنى: أصلوتك الّتي تداوم عليها ليلا ونهارا تأمرك بتكليف أن نترك، فحذف المضاف، لأنّ الرجل لا يؤمر بفعل غيره. وإسناد الأمر إلى الصلاة على طريق المجاز، كإسناد النهي إليها في قوله:( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (٣) .

( أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا ) عطف على «ما»، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا. وهذا جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإيفاء. وقيل: كان شعيب

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٤١٩.

(٢) الكهف: ٤٦.

(٣) العنكبوت: ٤٥.


ينهاهم عن تقطيع الدراهم والدنانير، فأرادوا به ذلك. ثمّ قالوا تهكّما به:( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) لأنّهم قصدوا بذلك وصفه بضدّ ذلك، وهو غاية السّفه والغيّ، فعكسوا ليتهكّموا به، كما يقال للشحيح: لو أبصرك حاتم لسجد لك. أو علّلوا إنكار ما سمعوا منه واستبعاده بأنّه موسوم بالحلم والرشد المانعين عن المبادرة إلى أمثال ذلك.

( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ ) أخبروني( إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ ) حجّة واضحة( مِنْ رَبِّي ) إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوّة( وَرَزَقَنِي مِنْهُ ) من عنده وبإعانته، بلا كدّ منّي في التحصيل( رِزْقاً حَسَناً ) إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من المال الحلال الطيّب غير مشوب بالنجس. وجواب الشرط محذوف، تقديره: فهل يصحّ لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادات الروحانيّة والجسمانيّة أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه؟ وهل يصحّ لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكفّ عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلّا لذلك؟ وهو اعتذار عمّا أنكروا عليه من تغيير مألوفهم، والنهي عن دين آبائهم.

( وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ) أي: ما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم الّتي نهيتكم عنها وأختارها لنفسي، فاستبدّ بها دونكم، فلو كانت صوابا لآثرتها ولم أعرض عنها، فضلا عن أن أنهى عنها. يقال: خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مولّ عنه، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس.

( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ ) ما أريد إلّا أن أصلحكم أموركم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر( مَا اسْتَطَعْتُ ) ما دمت أستطيع الإصلاح، أي: فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لـما نهيتكم عنه. و «ما» مصدريّة واقعة موقع الظرف، اي: مدّة استطاعتي وتمكّني منه. وقيل: خبريّة بدل من لإصلاح، أي: المقدار الّذي استطعته، أو إصلاح ما استطعته، فحذف المضاف.


ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا الترتيب شأن، وهو التنبيه على أنّ العاقل يجب أن يراعي في كلّ ما يفعله ويتركه أحد حقوق ثلاثة، أهمّها وأعلاها حقّ الله.

وثانيها: حقّ النفس. وثالثها: حقّ الناس. فقال شعيب: كلّ ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به، وأنهاكم عمّا نهيتكم عنه.

( وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ ) وما كوني موفّقا لإصابة الحقّ والصواب إلّا بهدايته ومعونته. والمعنى: أنّي أطلب التوفيق من ربّي في إمضاء الأمر على سننه، وأطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه.( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) وفوّضت الأمور إليه، فإنّه القادر المتمكّن من كلّ شيء، وما عداه عاجز في حدّ ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار. وفيه إشارة إلى محض التوحيد الّذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ.

( وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) إشارة إلى معرفة المعاد. وهو يفيد الحصر بتقديم الصلة على «أنيب»، كتقديم الصلة على «توكّلت».

وفي هذه الكلمات الثلاثة طلب التوفيق لإصابة الحقّ فيما يأتيه ويذره من اللهعزوجل ، والاستعانة به في مجامع أمره، والإقبال عليه بشراشره، وحسم أطماع الكفّار، وإظهار الفراغ عنهم، وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم، بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء.

( وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ


(٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) )

( وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي ) لا يكسبنّكم خلافي ومعاداتي( أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ ) من الغرق( أَوْ قَوْمَ هُودٍ ) من الريح( أَوْ قَوْمَ صالِحٍ ) من الرجفة. و «أن» بصلتها ثاني مفعولي «جرم» فإنّه يعدّى إلى واحد وإلى اثنين، ككسب. وعن ابن كثير: لا يجر منّكم بضمّ الياء. وهو منقول من المتعدّي إلى مفعول واحد، كما نقل أكسبه المال وكسب المال. والأوّل أفصح، كما أنّ «كسبته مالا» أفصح من: أكسبته، فإن «أجرم وأكسب» أقلّ دورانا على ألسنة الفصحاء.

( وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ) زمانا أو مكانا، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم. وعن قتادة: أن دارهم قريبة من داركم. أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوئ، فلا يبعد عنكم ما أصابهم. وإفراد البعيد لأنّ المراد: وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد. ولا يبعد أن يسوّى في أمثاله ـ كقريب وكثير وقليل ـ بين المذكّر والمؤنّث، لأنّها على زنة المصادر، كالصهيل وهو صوت الفرس، والنهيق صوت الحمار.


( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) داوموا على الاستغفار والتوبة عمّا أنتم عليه( إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ) عظيم الرحمة للتائبين( وَدُودٌ ) فاعل بهم ما يفعل البليغ المودّة لمن يودّه من اللطف والإحسان. وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار.

( قالُوا ) قال قوم شعيب له حين سمعوا منه الوعظ والتخويف( يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ ) ما نفهم( كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ ) كوجوب التوحيد وحرمة البخس، وما ذكرت دليلا عليهما، وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكّرهم. وقيل: قالوا ذلك استهانة بكلامه، أو لأنّهم لم يلقوا إليه أذهانهم، لشدّة نفرتهم عنه.

( وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ) لا قوّة لك فتمتنع منّا إن أردنا بك سوء، أو مهينا لا عزّ لك فيما بيننا. وقيل: أعمى بلغة حمير، كما يسمّى ضريرا، أي: ضرّ بذهاب بصره. وهو مع عدم مناسبته يردّه التقييد بالظرف وهو «فينا»، فإن من كان أعمى يكون كذلك كيف كان غير مختصّ ببعض مكان.

( وَلَوْ لا رَهْطُكَ ) قومك وعزّتهم عندنا، لكونهم على ملّتنا لا لخوف من شوكتهم، فإنّ الرهط من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة( لَرَجَمْناكَ ) لقتلناك برمي الأحجار، أو بأصعب وجه.( وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) أي: لا تعزّ علينا ولا تكرم، فتمنعنا عزّتك عن الرجم. وهذا من عادة السفيه المحجوج اللجوج يقابل الحجج والآيات بالسبّ والتهديد.

وقد دلّ إيلاء ضميره حرف النفي على أنّ الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل، كأنّه قيل: وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزّة علينا، ولذلك( قالَ ) في جوابهم( يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ ) أعظم حرمة( عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ ) ؟ ولو قيل: وما عززت علينا، لم يصحّ هذا الجواب.

( وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ) وجعلتموه كالمنسيّ المنبوذ وراء الظهر، لا يعبأ به بإشراككم به وإهانتكم رسوله. وهو يحتمل الإنكار والتوبيخ، والردّ


والتكذيب. والظهريّ منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب، كالأمس يقال له: امسيّ بالكسر.

( إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) قد أحاط بأعمالكم علما، فلا يخفى عليه شيء منها، فيجازي عليها.

ثمّ قال تهديدا لهم:( وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة، أو يكون مصدرا من: مكن مكانة فهو مكين. والمعنى: اعملوا قارّين على جهتكم الّتي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي، أو اعملوا متمكّنين من عداوتي مطيعين لها.

( إِنِّي عامِلٌ ) على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكّنني( سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ) يجوز أن تكون «من» استفهاميّة معلّقة لفعل العلم عن عمله فيها، كأنّه قيل: سوف تعلمون أيّنا يأتيه عذاب يخزيه وأيّنا هو كاذب. وأن تكون موصولة قد عمل فيها، كأنّه قيل: سوف تعلمون الشقيّ الّذي يأتيه عذاب يخزيه والّذي هو كاذب. وذكر الفاء في( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) في سورة الأنعام(١) للتصريح بأنّ الإصرار والتمكّن فيما هم عليه سبب لذلك، وحذفها هاهنا لأنّه جواب سائل قال: فما ذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل.

( وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ ) عطف على( مَنْ يَأْتِيهِ ) لا لأنّه قسيم له، كقولك: ستعلم الكاذب والصادق، بل لأنّهم لـمّا أوعدوه وكذّبوه قال: سوف تعلمون من المعذّب والكاذب منّي ومنكم. وقيل: كان قياسه: ومن هو صادق، لينصرف الأوّل إليهم والثاني إليه، لكنّهم لـمّا كانوا يدعونه كاذبا قال:( وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ ) على زعمهم.

( وَارْتَقِبُوا ) وانتظروا ما أقول لكم( إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) منتظر. فعيل بمعنى الراقب كالصريم، أو المراقب كالعشير بمعنى المعاشر، أو المرتقب كالرفيع بمعنى

__________________

(١) الأنعام: ١٣٥.


المرتفع.

( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) إنّما ذكره بالواو لا بالفاء كما في قصّة لوط وصالح، إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له، بخلاف قصّتي صالح(١) ولوط(٢) ، فإنّه ذكر بعد الوعد، وذلك قوله:( وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) (٣) وقوله:( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) (٤) ، فلذلك جاء بفاء السببيّة.

( وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) قيل: صاح بهم جبرئيلعليه‌السلام فهلكوا( فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ) ميّتين. وأصل الجثوم اللزوم في المكان.

( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ) كأن لم يقيموا فيها( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ) شبّههم بهم، لأنّ عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أنّ صيحتهم كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم. و «بعد» بالكسر مخصوص، بمعنى البعد الّذي يكون بسبب الهلاك. والبعد بالضمّ مصدر: بعد وبعد. والبعد بالفتح مصدر المكسور خاصّة. يقال: بعد بعدا وبعدا، إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) )

ثمّ عطف سبحانه قصّة موسىعليه‌السلام على ما تقدّم من قصص الأنبياء، فقال :

__________________

(١، ٢) هود: ٦٦ و ٨٢.

(٣، ٤) هود: ٦٥ و ٨١.


( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) بالتوراة أو المعجزات( وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) هو المعجزة القاهرة المخلصة من التلبيس والتمويه على أتمّ وجه. وهي العصا.

وإفرادها بالذكر لأنّها أبهرها. ويجوز أن يراد بهما واحد، أي: ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوّته، واضحا في نفسه، أو موضحا نبوّته، فإنّ «أبان» جاء لازما ومتعدّيا. والفرق بين الآيات والسلطان المبين: أنّ الآية تعمّ الأمارة والدليل القاطع، والسلطان يخصّ بالقاطع، والمبين يخصّ بما فيه جلاء، كالعصا.

( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) فاتّبعوا أمره بالكفر بموسىعليه‌السلام . أو فما اتّبعوا موسى الهادي إلى الحقّ المؤيّد بالمعجزات القاهرة الباهرة، واتّبعوا ـ لفرط جهالتهم ـ طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان، الداعي إلى مالا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل. وذلك أنّه ادّعى الإلهيّة وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشرّ الّذي لا يأتي إلّا من شيطان مارد، ومثله بمعزل عن الإلهيّة ذاتا وأفعالا.

( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) مرشد، أو ذي رشد، وإنّما هو غيّ محض وضلال صريح. وفيه تجهيل لمتّبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين.

( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) إلى النار، كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال.

يقال: قدم، بمعنى: تقدّم. والمعنى: أنّ فرعون يمشي بين يدي قومه يوم القيامة على قدميه حتّى يهجم بهم على النار، كما كان يقدمهم في الدنيا يدعوهم إلى طريق النار.( فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه. ونزّل النار لهم منزلة الماء، فسمّى إتيانها ورودا، تهكّما.( وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) أي: بئس المورد الّذي وردوه، فإنّ الورد إنّما يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضدّ.

والآية كالدليل على قوله:( وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) ، فإنّ من كان هذه عاقبته


لم يكن في أمره رشد. أو تفسير له، على أنّ المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها.

( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ ) أي: هذه الدنيا( لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي: يلعنون في الدنيا والآخرة( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده، فإنّ رفد الدنيا عون ومعين لعذاب الآخرة ومدد له، ورفد الآخرة معان لرفد الدنيا. وإنّما سمّاه رفدا، لأنّه في مقابلة ما يعطى أهل الجنّة من أنواع النعم. والمخصوص بالذمّ محذوف، أي: رفدهم، وهو اللعنة في الدارين.

( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما


شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) )

( ذلِكَ ) ذلك النّبأ( مِنْ أَنْباءِ ) بعض( الْقُرى ) أنباء بعض القرى المهلكة( نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ) مقصوص عليك( مِنْها ) من تلك القرى( قائِمٌ ) باق، كالزرع القائم على ساقه( وَحَصِيدٌ ) ومنها عافي الأثر، كالزرع المحصود. وهذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها. وقيل: حال من الهاء في «نقصّه». وليس بصحيح، إذ لا واو ولا ضمير.

( وَما ظَلَمْناهُمْ ) بإهلاكنا إيّاهم( وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بأن عرّضوها للهلاك بارتكاب ما يوجبه( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ ) فما قدرت أن تدفع عنهم( آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ ) يعبدونها( مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) شيئا من بأس الله. هي حكاية حال ماضية.( لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ) أي: عذابه. و «لمّا» منصوب بـ «ما أغنت».( وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ) هلاك وتخسير. يقال: تبّ إذا خسر، وتبّبه غيره إذا أوقعه في الخسران.

( وَكَذلِكَ ) مرفوع المحلّ، أي: مثل ذلك الأخذ( أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى ) أي: أهلها( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) حال من القرى. وهي في الحقيقة لأهلها، لكنّها لـمّا أقيمت مقامه أجريت عليها. وفائدة هذه الحال الإشعار بأنّهم أخذوا لظلمهم، وإنذار كلّ ظالم ظلم نفسه أو غيره من وخامة العاقبة.( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) وجيع غير مرجوّ الخلاص منه. وهو مبالغة في التهديد والتحذير.

( إِنَّ فِي ذلِكَ ) إشارة إلى ما قصّ الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبها، أو إلى


ما نزل بالأمم الهالكة( لَآيَةً ) لعبرة( لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ) يعتبر به عظمته، لعلمه بأنّ ما حاق بهم أنموذج ممّا أعدّ الله تعالى للمجرمين في الآخرة، أو ينزجر به عن موجباته، لعلمه بأنّها من إله مختار، يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء، فإنّ من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم ـ كالفلاسفة ـ لم يقل بالفاعل المختار، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكيّة اتّفقت في تلك الأيّام، لا لذنوب المهلكين بها.

ونحو ذلك قوله تعالى:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) (١) .

( ذلِكَ ) إشارة إلى يوم القيامة، وإن لم يذكر صريحا لكن دلّ عليه قوله:( عَذابَ الْآخِرَةِ ) وقوله:( يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ) . والتغيير من الفعليّة إلى الاسميّة للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّ الثبات من شأنه لا محالة، وأنّ الناس لا ينفكّون عن هذا اليوم. فهو أبلغ من قوله:( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ) (٢) . ومعنى الجمع له: الجمع لـما فيه من المحاسبة والمجازاة.

( وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) أي: مشهود فيه أهل السماوات والأرضين بحيث لا يغيب عنه غائب، فاتّسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به. ولو جعل اليوم مشهودا في نفسه لا مشهودا فيه، لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه عن سائر الأيّام، فإنّ سائرها كذلك.

ثمّ أخبر سبحانه عن اليوم المشهود، وهو يوم القيامة، فقال:( وَما نُؤَخِّرُهُ ) أي: ذلك اليوم( إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ) إلّا لانتهاء مدّة معدودة متناهية، على حذف المضاف وإرادة مدّة التأجيل كلّها بالأجل، من زمان حياتهم إلى المقدّر، لا منتهاها، فإنّه غير معدود.

__________________

(١) النّازعات: ٢٦.

(٢) التغابن: ٩.


( يَوْمَ يَأْتِ ) أي: اليوم، كقوله تعالى:( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) (١) . والمراد بإتيانه إتيان هوله وشدائده، إذ لولا هذا التقدير لزم أن يكون الزمان ظرفا لنفسه. أو المراد: يأتي الله، أي: أمره تعالى، كقوله:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ) (٢) .

وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة: يأت بحذف الياء، اجتزاء عنها بالكسرة.

وانتصب الظرف بـ «أذكر» أو بقوله:( لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ) لا تتكلّم بما ينفع وينجي، من جواب أو شفاعة( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) إلّا بإذن الله تعالى، كقوله:( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) (٣) . وهذا في موقف. وقوله:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) (٤) في موقف آخر، فإنّ ذلك اليوم يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي بعضها يكفّون عن الكلام، فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلّمون، وفي بعضها يختم على أفواههم، وتكلّم أيديهم وتشهد أرجلهم. أو المأذون فيه هي الجوابات الحقّة، والممنوع عنه ـ في قوله:( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ ) ـ هي الأعذار الباطلة.

( فَمِنْهُمْ ) الضمير لأهل الموقف. ولم يذكروا، لأنّ ذلك معلوم مدلول عليه بقوله:( لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ ) . أو للناس في قوله:( مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ ) .( شَقِيٌ ) وجبت له النار بإساءته( وَسَعِيدٌ ) وجبت له الجنّة بإحسانه.

( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ ) وهو إخراج النفس( وَشَهِيقٌ ) وهو ردّ النفس. واستعمالهما في أوّل النهيق وآخره. والمراد بهما الدلالة على شدّة كربهم وغمّهم، وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحبس فيه روحه ،

__________________

(١) يوسف: ١٠٧.

(٢) البقرة: ٢١٠.

(٣) النبأ: ٣٨.

(٤) المرسلات: ٣٥ ـ ٣٦.


أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير.

( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) ليس ذلك لارتباط دوامهم في النار بدوامهما، فإنّ النصوص القاطعة دالّة على تأبيد دوامهم وعلى انقطاع دوامهما.

فالمراد منه التعبير عن التأبيد والمبالغة بما كان العرب يعبّرون به عنه على سبيل التمثيل، كما قالوا: هو دائم ومؤبّد ما دام جبل قبيس باقيا، وما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد عندهم، ومعلوم أنّها فانية. وعلى تقدير الارتباط لم يلزم أيضا من زوال السماوات والأرض زوال عذابهم، ولا من دوامه دوامهما، إلّا من قبيل مفهوم المخالف، ودلالة المفهوم ليست بحجّة على المذهب الصحيح. وعلى تقدير حجّيّته لا يقاوم المنطوق الصريح القاطع الدالّ على التأبيد المؤبّد، وعدم الانقطاع.

أو المراد سماوات الآخرة وأرضها، ويدلّ عليه قوله تعالى:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) (١) . وهما مخلوقتان للأبد. وأيضا لا بدّ لأهل الآخرة من مظلّ ومقلّ. وكلّ ما علاك وأظلّك سماء، وكلّ ما أقلّك أرض.

وهذا القول مرجوح، من حيث إنّه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلائق وجوده ودوامه، ومن عرفه فإنّما يعرفه بما يدلّ على دوام الثواب والعقاب، فكيف يجوز له التشبيه، إذ لا بدّ من وجود الشبه فيه؟

( إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) استثناء من الخلود في النار، لأنّ بعضهم ـ وهم فسّاق الموحّدين ـ يخرجون منها، وذلك كاف في صحّة الاستثناء، لأنّ زوال الحكم عن الكلّ يكفيه زواله عن البعض. وهم المراد بالاستثناء الثاني، فإنّهم مفارقون عن الجنّة أيّام عذابهم، فإنّ التأبيد من مبدأ معيّن ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم.

__________________

(١) إبراهيم: ٤٨.


وهذا مرويّ عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وقتادة، والسدّي، والضحّاك، وجمع من المفسّرين.

إن قيل: فعلى هذا لم يكن قوله:( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) تقسيما صحيحا، لأنّ شرط التقسيم أن تكون صفة كلّ قسم منتفية عن قسيمه.

قلنا: ذلك الشرط من حيث التقسيم، لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع، وهاهنا المراد مانع الخلوّ، فإنّ المعنى المراد: أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين، وحالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة، وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين.

وقيل: الاستثناء من الخلود باعتبار أنّ أهل النار لا يخلّدون في عذاب النار وحده، بل يعذّبون بالزمهرير، وبأنواع أخر من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلّها، وهو سخط الله عليهم وخسئه لهم وإهانته إيّاهم، كما أنّ أهل الجنّة لهم سوى الجنّة ما هو أكبر منها وأجلّ موقعا منهم، وهو رضوان الله، كما قال:( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ) (١) . فلهم ما يتفضّل الله به عليهم سوى ثواب الجنّة ممّا لا يعرف كنهه إلّا هو. فهو المراد من الاستثناء. والدليل عليه قوله:( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) أي: إنّه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب المخلّد، كما يعطي أهل الجنّة عطاءه الّذي لا انقطاع له.

( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ) بطاعات الله، وانتهائهم عن المعاصي( فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) غير مقطوع. وهو تصريح بأنّ الثواب لا ينقطع.

وقيل: «إلّا» بمعنى: سوى، كقولك: عليّ ألف إلّا الألفين القديمين. والمعنى :

__________________

(١) التوبة: ٧٢.


سوى ما شاء ربّك من الزيادة الّتي لا آخر لها على مدّة بقاء السماوات والأرض.

وقرأ حمزة وحفص: سعدوا على البناء للمفعول، من: سعده الله تعالى، بمعنى: أسعده. و «عطاء» نصب على المصدر المؤكّد، أي: اعطوا عطاء، أو الحال من «الجنّة»، فإنّه مفعول بواسطة.

( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) )

ولـمّا قصّ سبحانه قصص الكفّار، وما أحلّ بهم من نقمه، وما أعدّ لهم من عذابه، قال تسلية لرسوله، وعدة بالانتقام منهم، ووعيدا لهم:( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ) شكّ بعد ما أنزل إليك من مآل الناس، من الشقاوة والسعادة( مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ) «ما» مصدريّة، أي: من عبادة هؤلاء المشركين، في أنّها ضلال مؤدّ إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم ممّن قصصنا عليك سوء عاقبة عبادتهم. أو موصولة، أي: من حال ما يعبدونه في أنّه يضرّ ولا ينفع.

( ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) استئناف، معناه: تعليل النهي عن المرية، أي: هم وآباؤهم سواء في الشّرك، ما يعبدون إلّا كعبادة آبائهم، على تقدير المصدريّة. أو ما يعبدون شيئا إلّا مثل ما عبدوه من الأوثان، على تقدير الموصوليّة.

وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك، فسيلحقهم مثله، لأنّ التماثل في الأسباب ـ وهي عبادة الأوثان هنا ـ يقتضي التماثل في المسبّبات، وهي العقوبات. ومعنى «كما يعبد»: كما كان يعبد، فحذف لدلالة «من قبل» عليه.

( وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) حظّهم من العذاب كما وفّيناءاباءهم. أو من الرزق، فيكون عذرا لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه.( غَيْرَ مَنْقُوصٍ ) حال من النصيب، لإفادة معنى التوفية حقيقة، ورفع توهّم المعنى المجازي، فإنّك تقول :


وفّيته حقّه، وتريد به وفاء بعضه ولو مجازا.

( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) )

ثمّ بيّن أنّ تكذيب هؤلاء الكفّار بالّذي آتيناك، كتكذيب أولئك بالكتاب الّذي آتيناه موسى، فقال:( لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) فآمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن.

( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) يعني: كلمة إنظار العذاب إلى يوم القيامة( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بين قوم موسى، أو بين قومك، بإنزال ما يستحقّه المبطل ليتميّز به عن المحقّ( وَإِنَّهُمْ ) وإن كفّار قومك( لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) من القرآن( مُرِيبٍ ) موقع في الريبة.

( وَإِنَّ كُلًّا ) التنوين عوض المضاف إليه، أي: وإن كلّ المختلفين فيه، المؤمنين منهم والكافرين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف(١) مع الإعمال، اعتبارا للأصل.( لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ) ربّهم( رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ ) اللام في «لمّا» موطّئة للقسم، والثانية للتأكيد، أو بالعكس. و «ما» مزيدة بين اللامين للفصل. والمعنى: وإنّ جميعهم والله ليوفّينّهم ربّك جزاء أعمالهم، من حسن وقبح، وإيمان وكفر.

وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: لـمّا بالتشديد، على أنّ أصله: لمن ما، فقلبت النون ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت أولاهنّ. والمعنى: لمن الّذين

__________________

(١) أي: بتخفيف «إنّ».


يوفّينّهم ربّك جزاء أعمالهم.

( إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) فلا يفوته شيء منه وإن خفي.

( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) )

ولـمّا بيّن أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة، وأطنب في شرح الوعد والوعيد، أمر رسوله بالاستقامة مثل ما أمر بها، فقال:( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) أي: فاستقم مثل الاستقامة الّتي أمرت بها، على جادّة الحقّ، غير عادل عنها.

وهذه الاستقامة شاملة للاستقامة في العقائد، كالتوسّط بين التشبيه والتعطيل، بحيث يبقى العقل مصونا من الطرفين، وفي الأعمال، من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل، والقيام بوظائف العبادات، من غير إفراط وتفريط مفوّت للحقوق ونحوها. وهي في غاية العسر، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «شيّبتني سورة هود»، كما نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: ما نزلت آية كانت أشدّ ولا أشقّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذه الآية. ولهذا قال: «شيّبتني سورة هود والواقعة وأخواتهما».

وروي أنّ بعض أصحابه قال: «قد أسرع فيك الشيب. فقال: شيّبتني سورة هود. فقال: ما الّذي شيّبك منها، أقصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله:( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) .

وعن الصادقعليه‌السلام :( فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ) معناه: افتقر إلى الله بصحّة العزم»(١) .

( وَمَنْ تابَ مَعَكَ ) عطف على المستكن في «استقم» وإن لم يؤكّد بمنفصل، لقيام الفاصل مقامه. والمعنى: فاستقم أنت ليستقم من تاب من الشرك

__________________

(١) رواه في الكشّاف ٢: ٤٣٣.


والكفر وآمن معك.

( وَلا تَطْغَوْا ) ولا تخرجوا عمّا حدّ لكم من حدود الله( إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فهو مجازيكم عليه. وهو في معنى التعليل للأمر والنهي.

وفي الآية دليل على وجوب اتّباع النصوص من غير تصرّف وانحراف، بنحو قياس واستحسان.

( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) )

ثمّ نهى الله سبحانه عن المداهنة في الدين والميل إلى الظالمين، فقال:( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ولا تميلوا إلى الّذين وجد منهم الظلم ادنى ميل، فإنّ الركون هو الميل اليسير، كالتزيّي بزيّهم، وتعظيم ذكرهم، وكذا الرضا بفعلهم، ومصاحبتهم ومداهنتهم، ومدّ العين إلى زهرتهم( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) بركونكم إليهم.

وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمّى ظلما كذلك، فما ظنّك بالركون إلى الظالمين ـ أي: الموسومين بالظلم ـ ثمّ بالميل إليهم كلّ الميل، ثمّ بالظلم نفسه، والانهماك فيه؟! وقال سفيان: في جهنّم واد لا يسلكها إلّا القرّاء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي: ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا. وعن محمّد بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء.


وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه».

وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برّيّة هل يسقى شربة ماء؟ قال: لا. فقيل: يموت؟ فقال: دعه يموت.

والآية أبلغ ما يتصوّر في النهي عن الظلم والتهديد عليه. وخطاب الرسول ومن معه من المؤمنين للتثبيت على الاستقامة الّتي هي العدل، فإنّ الزوال عن الاستقامة بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط.

( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ) من أنصار يمنعون العذاب عنكم. والواو للحال من قوله:( فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) أي: فتمسّكم النار وأنتم على هذه الحال.( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) أي: ثمّ لا ينصركم الله، إذ سبق في حكمه أن يعذّبكم ولا يبقي عليكم.

و «ثمّ» لاستبعاد نصره إيّاهم، وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم.

قال في المجمع: «الركون إلى الظالمين المنهيّ عنه هو الدخول معهم في ظلمهم، وإظهار الرضا بفعلهم، أو إظهار موالاتهم. فأمّا الدخول عليهم أو مخالطتهم ومعاشرتهم دفعا لشرّهم فجائز. وقريب منه ما روي عن أئمّتناعليهم‌السلام »(١) .

( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) غدوة وعشيّة. وانتصابه على الظرف، لأنّه مضاف إلى النهار، كقولك: أقمت عنده جميع النهار، وأتيته نصف النهار وأوّله وآخره.( وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ) وساعات منه قريبة من النهار، فإنّه من: أزلفه إذا قربه. وهو جمع زلفة.

وصلاة الغداة صلاة الصبح، لأنّها أقرب الصلوات من أوّل النهار. وصلاة العشيّة العصر. وقيل: المغرب. وقيل: الظهر والعصر، لأنّ ما بعد الزوال عشيّ.

__________________

(١) مجمع البيان ٥: ٢٠٠.


وصلاة الزلف: العشاء الآخرة. وقيل: صلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر. وصلاة زلف الليل: المغرب والعشاء الآخرة.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المغرب والعشاء زلفتا الليل».

( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) يكفّرنها. قال أكثر المفسّرين: إن الصلوات الخمس تكفّر ما بينها من الذنوب، لأنّ الحسنات معرّفة باللام. وقد تقدّم ذكر الصلوات.

( ذلِكَ ) إشارة إلى قوله: «فاستقم» وما بعده. وقيل: إلى القرآن.( ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ) عظة للمتّعظين.

قيل: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إنّ في البيت أجود من هذا التمر. فذهبت إلى بيته، فضمّها إلى نفسه وقبّلها. فقالت له: اتّق الله. فتركها وندم، فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره بما فعل. فقال: أنتظر أمر ربّي. فلمّا صلّى صلاة العصر نزلت هذه الآية. فقال: نعم، اذهب فإنّها كفّارة لـما عملت.

وروى الواحدي بإسناده عن حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد، عن أبي عثمان، قال: «كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا يابسا منها فهزّه حتّى تحاتّ ورقه، ثمّ قال: يا أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: إنّ المسلم إذا توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ هذا الورق، ثمّ قرأ هذه الآية:( وَأَقِمِ الصَّلاةَ ) إلى آخرها»(١) .

وبإسناده عن أبي أمامة قال: «بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المسجد ونحن قعود معه إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله إنّي أصبت حدّا فأقمه. فقال: هل شهدت

__________________

(١) الوسيط ٢: ٥٩٥ ـ ٥٩٦.


الصلاة معنا؟ قال: نعم، يا رسول الله. قال: فإنّ الله قد غفر لك حدّك، أو قال: ذنبك»(١) .

وبإسناده عن الحارث، عن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال: «كنّا مع رسول الله في المسجد ننتظر الصلاة، فقام رجل فقال: يا رسول الله إنّي أصبت ذنبا. فأعرض عنه. فلمّا قضى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلاة قام الرجل فأعاد القول. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أليس قد صلّيت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور؟ قال: بلى. قال: فإنّها كفّارة ذنبك»(٢) .

ورووا عن أبي حمزة الثمالي قال: «سمعت أحدهماعليهما‌السلام يقول: إنّ عليّاعليه‌السلام أقبل على الناس فقال: أيّ آية في كتاب الله أرجى عندكم؟

فقال بعضهم:( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) (٣) .

فقال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) (٤) .

قال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) (٥) الآية.

فقال: حسنة، وليست إيّاها.

وقال بعضهم:( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا ) (٦) الآية.

قال: حسنة، وليست إيّاها.

__________________

(١) الوسيط ٢: ٥٩٤ ـ ٥٩٥.

(٢) الوسيط ٢: ٥٩٥.

(٣) النساء: ٤٨ و ١١٠.

(٤) النساء: ٤٨ و ١١٠.

(٥) الزمر: ٥٣.

(٦) آل عمران: ١٣٥.


قال: ثمّ أحجم(١) الناس. فقال: ما لكم يا معشر المسلمين؟

فقالوا: لا والله ما عندنا شيء.

قال: سمعت حبيبي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: أرجى آية في كتاب الله:( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ) . وقرأ الآية كلّها. يا عليّ، والذي بعثني بالحقّ بشيرا ونذيرا إنّ أحدكم ليقوم من وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه، لم ينفتل(٢) وعليه من ذنوبه شيء كما ولدته أمّه، فإن أصاب شيئا بين الصلاتين كان له مثل ذلك، حتّى عدّ الصلوات الخمس.

ثمّ قال: يا عليّ إنّما منزلة الصلوات الخمس لأمّتي كنهر جار على باب أحدكم، فما يظنّ أحدكم لو كان في جسده درن(٣) ، ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات، أكان يبقى في جسده درن؟! فكذلك والله الصلوات الخمس لأمّتي».

وقيل:( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) معناه: أنّ الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيّئات، فكأنّها تذهب بها.

وقيل: إنّ المراد بالحسنات التوبة، فإنّها تذهب السيّئات، بأن تسقط عقابها، لأنّه لا خلاف في أنّ العقاب يسقط عند التوبة.

( وَاصْبِرْ ) على الطاعات، وعن المعاصي( فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) عدول عن المضمر ليكون كالبرهان على المقصود ـ والّذي هو الأمر بالصبر ـ ودليلا على أنّ الصلاة والصبر إحسان دائما.

وهذه الآيات اشتملت على الاستقامة، وإقامة الصلوات، والانتهاء عن الطغيان، وعن الركون إلى الظلمة، وغير ذلك من الحسنات.

__________________

(١) أي: كفّوا وامتنعوا.

(٢) أي: لم ينصرف.

(٣) الدرن: الوسخ.


( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) )

ولـمّا ذكر سبحانه إهلاك الأمم الماضية والقرون الخالية، عقّب ذلك بأنّهم أتوا في هلاكهم من قبل نفوسهم، ولو كان فيهم مؤمنون يأمرون بالصلاح وينهون عن الفساد لـما استأصلناهم رحمة منّا، ولكنّهم لـمّا عمّهم الكفر استحقّوا عذاب الاستئصال، فقال بيانا لذلك:( فَلَوْ لا كانَ ) أي: فهلّا كان. وقد حكوا عن الخليل كلّ «لولا» في القرآن فمعناها: هلّا، إلّا الّتي في الصافّات(١) ،( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ ) (٢) ( وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ) (٣) ( وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ ) (٤) .

( مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ ) من الرأي والعقل، أو أولوا فضل وخير.

وإنّما سمّي بقيّة لأنّ الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه وأجوده، فصار مثلا في الفضل والجودة، ومنه يقال: فلان من بقيّة القوم، أي: من خيارهم. ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى البقوى، كالتقيّة بمعنى التقوى، أي: ذوو بقاء على أنفسهم

__________________

(١) الصافّات: ٥٧.

(٢) القلم: ٤٩.

(٣) الفتح: ٢٥.

(٤) الإسراء: ٧٤.


وصيانة لها من العذاب.

( يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ ) لكن قليلا منهم أنجيناهم، لأنّهم كانوا كذلك. ولا يصحّ اتّصال «إلّا» إلّا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض.

( وَاتَّبَعَ ) عطف على مضمر دلّ عليه الكلام، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفساد واتّبع( الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ ) ما انعموا فيه من الشهوات، واهتمّوا بتحصيل أسبابها، وأعرضوا عمّا وراء ذلك( وَكانُوا مُجْرِمِينَ ) عطف على «اتّبع» أو اعتراض. ومعنى «مجرمين»: كافرين. كأنّه أراد أن يبيّن ما كان سببا لاستئصال الأمم السالفة، وهو فشوّ الظلم فيهم، واتّباعهم للهوى، وترك النهي عن المنكرات، مع الكفر.

( وَما كانَ رَبُّكَ ) وما صحّ وما استقام( لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ ) اللام لتأكيد النفي. والظلم بمعنى الشرك، أي: لا يصحّ في حكمته أن يهلك أهل القرى بسبب شركهم( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) يتعاطون الحقّ فيما بينهم، ولا يضمّون إلى شركهم فسادا وتباغيا، كما روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «وأهلها مصلحون» أي: أنصف بعضهم بعضا، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه، ومن ذلك قدّم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقّ العباد. وقيل: الملك يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم.

وقيل: معناه: وما كان ربّك ليهلك القرى بظلم منه، ولكن إنّما يهلكهم بظلمهم لأنفسهم، كما قال:( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ) (١) .

وقيل: المعنى لا يؤاخذهم بظلم واحد مع أنّ أكثرهم مصلحون، ولكن إذا عمّ الفساد وظلم الأكثرون عذّبهم.

__________________

(١) يونس: ٤٤.


( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) )

ثمّ أخبر سبحانه عن كمال قدرته، فقال:( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) لاضطرّ الناس وقسرهم إلى أن يكونوا أهل أمّة واحدة، أي: ملّة واحدة، وهي ملّة الإسلام، كقوله:( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) (١) . وذلك بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنّهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه. ولكن ذلك ينافي التكليف، ويبطل الغرض بالتكليف، لأنّ الغرض استحقاق الثواب، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب، فلذلك لم يشأ الله ذلك، بل مكّنهم من الاختيار الّذي هو أساس التكليف، ليستحقّوا الثواب، فاختار بعضهم الحقّ وبعضهم الباطل.

( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) أي: في الأديان، يهوديّ ونصرانيّ ومجوسيّ وغير ذلك( إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ) أي: إلّا ناسا من المؤمنين، فإنّه سبحانه هداهم ولطف بهم ،

__________________

(١) الأنبياء: ٩٢.


فاتّفقوا على ما هو أصول دين الحقّ، غير مختلفين فيه. والمعنى: ولا يزالون مختلفين بالباطل إلّا من رحم الله بفعل اللطف لهم، وهم الّذين يؤمنون بجميع أنبيائه ورسله وكتبه، فإنّ من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل.

( وَلِذلِكَ ) إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام الأوّل. يعني: ولذلك التمكين والاختيار الّذي كان عنه الاختلاف( خَلَقَهُمْ ) ليثيب الّذي يختار الحقّ بحسن اختياره، ويعاقب من يختار الباطل بسوء اختياره.

أو إشارة إلى الرحمة في قوله: «رحم ربّك». وعدم تأنيث اسم الاشارة باعتبار معناه، وهو الفضل والإنعام والإحسان، كقوله:( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ ) (١) بتذكير الخبر باعتبار معناه.

وقيل: إشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة. يريد: أنّ الله خلقهم وعلم أنّ عاقبتهم تؤل إلى الاختلاف المذموم، كما قال:( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ) (٢) .

أو إشارة إلى اجتماعهم على الإيمان، وكونهم فيه أمّة واحدة، لقوله:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٣) .

( وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) وعيده، أو قوله للملائكة:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) من عصاتهما( أَجْمَعِينَ ) لعلمه بكثرة من يختار الباطل. ومعنى «تمّت»: وقع مخبرها على ما اخبر به، أو وجب قول ربّك، أو مضى حكم ربّك.

( وَكُلًّا ) وكلّ نبأ( نَقُصُّ عَلَيْكَ ) نخبرك به( مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) بيان لـ «كلّا» أو بدل منه. وفائدته التنبيه على المقصود من الاقتصاص، وهو زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، وثبات نفسه على أداء الرسالة، واحتمال أذى الكفّار، فإنّ تكاثر الأدلّة أثبت للقلب، وأرسخ للعلم. أو مفعول، و «كلّا» منصوب

__________________

(١، ٢) الأعراف: ٥٦ و ١٧٩.

(٣) الذاريات: ٥٦.


على المصدر، بمعنى: كلّ نوع من أنواع الاقتصاص نقصّ عليك ما نثبّت به فؤادك من أنباء الرسل.

( وَجاءَكَ فِي هذِهِ ) السورة، أو الأنباء المقتصّة عليك بالأساليب المختلفة( الْحَقُ ) أي: ما هو حقّ وصدق( وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى ) وتذكرة( لِلْمُؤْمِنِينَ ) إشارة إلى سائر فوائده العامّة.

( وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) من أهل مكّة وغيرهم( اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) على حالكم الّتي أنتم عليها، مثل قوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) .

( إِنَّا عامِلُونَ ) على حالنا ممّا أمرنا الله به.

( وَانْتَظِرُوا ) بنا الدوائر( إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ) أن ينزل بكم نحو ما قصّ الله من النقم النازلة على أمثالكم.

( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خاصّة، لا يخفى عليه خافية ممّا فيهما، فلا يخفى عليه أعمالكم.

وما نقل عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ورواه(٢) عنه الخاصّ والعامّ من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها، وكذا ما نقل عن أولاده المعصومينعليهم‌السلام من الأمور الغيبيّة، فهو متلقّى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا اطّلعه الله عليه.

فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، كما اعترض ذلك بعض المخالفين على الشيعة الإماميّة عنادا وتعصّبا وعداوة. وهل هذا إلّا سبب قبيح وتضليل لهم، بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذهب خبير؟ والله يحكم بينه وبينهم وإليه المصير، كما قال:( وَإِلَيْهِ ) وإلى حكمه( يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه، فينتقم لك منهم.

__________________

(١) فصّلت: ٤٠.

(٢) انظر الأحاديث الغيبيّة ٢: ١٢٩ وبعدها.


وقرأ نافع وحفص: يرجع على البناء للمفعول.

( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) فإنّه كافيك أمرهم وناصرك عليهم. وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكّل تنبيه على أنّ التوكّل إنّما ينفع العابد.( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أنت وهم، فيجازي ما تستحقّه. وقرأ نافع وابن عامر وحفص هنا وفي آخر النمل بالياء.

روي عن كعب الأحبار أنّه قال: خاتمة التوراة خاتمة هود.



(١٢)

سورة يوسف

آيها مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «علّموا أرقّاءكم سورة يوسف، فإنّه أيّما مسلم تلاها وعلّمها أهله وما ملكت يمينه هوّن الله تعالى عليه سكرات الموت، وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلما».

وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة يوسف في كلّ يوم أو في كلّ ليلة، بعثه الله يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسف، ولا يصيبه فزع يوم القيامة، وكان من خيار عباد الله الصالحين. وقال: إنّها كانت في التوراة مكتوبة».

وروى إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تنزلوا نساءكم الغرف، ولا تعلّموهنّ الكتابة، ولا تعلّموهنّ سورة يوسف، وعلّموهنّ المغزل وسورة النور».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) )


ولـمّا ختم الله تعالى سورة هود بذكر قصص الرسل، افتتح هذه السورة بأنّ من تلك القصص قصّة يوسف وإخوته، وأنّها من أحسن القصص، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ) «تلك» إشارة إلى آيات السورة، وهي المراد بالكتاب، أي: تلك الآيات آيات السورة الظاهر أمرها في الإعجاز، أو الواضحة معانيها، أو المبيّنة لمن تدبّرها أنّها من عند الله، أو لليهود ما سألوا، إذ روي أنّ علماءهم قالوا لكبراء المشركين: اسألوا محمّدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن قصّة يوسف؟ فنزلت.

( إِنَّا أَنْزَلْناهُ ) أي: الكتاب( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) بدل من الهاء، أو حال. وهو في نفسه إمّا توطئة للحال الّتي هي «عربيّا»، كما تقول: مررت بزيد رجلا صالحا، فإنّ «رجلا» توطئة للحال، وهو «صالحا». أو هو الحال، لأنّه مصدر بمعنى مفعول، أي: مقروءا، و «عربيّا» صفة له. أو حال من الضمير في القرآن. أو حال بعد حال.

وفي كلّ ذلك خلاف.

وسمّى البعض قرآنا، لأنّه في الأصل اسم جنس يقع على الكلّ والبعض.

وصار علما للكلّ بغلبة الاسميّة، كالنجم للثريّا.

( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) علّة لإنزاله بهذه الصفة، أي: أنزلناه مجموعا أو مقروءا بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه، أو تستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أنّ اقتصاصه كذلك ممّن لم يتعلّم القصص معجز لا يتصوّر إلّا بالإيحاء.

( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) أحسن الاقتصاص، لأنّه اقتصّ على أبدع أسلوب وأعجب نظم. وهو مصدر، تقول: قصّ الحديث يقصّه قصصا، كقولهم: شلّه يشلّه شللا إذا طرده. أو «فعل» بمعنى مفعول، كالنقض والسّلب، ونحوه النّبأ والخبر بمعنى: المنبأ والمخبر به، أي: أحسن ما يقصّ، لاشتماله على الحكم والآيات، والعبر والنكت، وسائر العجائب الّتي ليست في غيرها. واشتقاقه


من: قصّ أثره، إذا اتّبعه، لأنّ الّذي يقصّ الحديث يتّبع ما حفظ منه شيئا فشيئا، كما يقال: تلا القرآن إذا قرأه، لأنّه يتلو ـ أي: يتبع ـ ما حفظ منه آية بعد آية.

( بِما أَوْحَيْنا ) مصدريّة، أي: بإيحائنا( إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ ) يعني: السورة.

ويجوز أن يكون «هذا» مفعول «نقصّ» على أن «أحسن القصص» نصب على المصدر.

ثمّ علّل لكونه موحى، فقال:( وَإِنْ كُنْتَ ) وإنّ الشأن كنت( مِنْ قَبْلِهِ ) قبل إيحائنا هذه القصّة إليك( لَمِنَ الْغافِلِينَ ) عنها، ولم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قطّ. و «إن» هي المخفّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.

( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) )

ثمّ ابتدأ بقصّة يوسف، فقال:( إِذْ قالَ يُوسُفُ ) منصوب بتقدير: اذكر. أو بدل من «أحسن القصص» ـ إن جعل مفعولا ـ بدل الاشتمال، لأنّ الوقت يشتمل على ما يقصّ فيه. ويوسف عبريّ، ولو كان عربيّا لصرف.

( لِأَبِيهِ ) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيمعليهم‌السلام . وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم».


( يا أَبَتِ ) أصله: يا أبي، فعوّض عن الياء تاء التأنيث، لتناسبهما في الزيادة، ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. وكسرها، لأنّها عوض حرف يناسب الكسرة، إلّا ابن عامر فإنّه فتحها في كلّ القرآن، لأنّها حركة أصلها، أو لأنّه كان: يا أبتا، فحذف الألف وبقي الفتحة. وإنّما جاز: يا أبتا، ولم يجز: يا أبتي، لأنّه جمع بين العوض والمعوّض. وإنّما لم تسكن التاء كأصلها، وهو: يا أبي، لأنّ التاء حرف صحيح نزّل منزلة الاسم، فيجب تحريكها، ككاف الخطاب.

( إِنِّي رَأَيْتُ ) من الرؤيا لا من الرؤية، لقوله:( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ) ، وقوله:( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ ) .( أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) .

روي عن جابر أنّ يهوديّا جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «أخبرني يا محمّد عن النجوم الّتي رآهنّ يوسف. فسكت، فنزل جبرئيل فأخبره بذلك. فقال: إن أخبرتك فهل تسلم؟ قال: نعم. قالعليه‌السلام : جريان، والطارق، والذيّال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، والفرغ، ووثاب، وذو الكتفين، رآها يوسفعليه‌السلام ، والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له. فقال اليهوديّ: إي والله إنّها لأسماؤها».

وعن ابن عبّاس: أنّ يوسف رأى في المنام ليلة الجمعة ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلن من السماء فسجدن له، ورأى الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له، فالشمس والقمر أبواه، والكواكب إخوته الأحد عشر.

وقيل: الشمس أبوه، والقمر خالته، وذلك أنّ أمّه راحيل قد ماتت.

ويجوز أن يكون الواو في «والقمر والشمس» بمعنى «مع» أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر. وأخّر الشمس والقمر ليعطفهما على الكواكب على طريق الاختصاص، بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزيّة على غيرهما من الطوالع ،


كما أخّر جبرئيل وميكائيل عن الملائكة ثمّ عطفهما عليها لذلك.

وقوله:( رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) كلام مستأنف لبيان حالهم الّتي رآهم عليها ـ على تقدير سؤال ـ وقع جوابا، كأنّه قال له يعقوب: كيف رأيتها؟ فقال: رأيتهم لي ساجدين، فلا تكرير. وإنّما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم.

عن وهب: أنّ يوسف رأى وهو ابن سبع سنين أنّ إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة، فإذا عصا صغيرة تثب عليها حتّى اقتلعتها وغلبتها. فوصف ذلك لأبيه، فقال: إيّاك أن تذكر هذا لإخوتك. ثمّ رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له، فقصّها على أبيه. فقال له: لا تقصّها عليهم، فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة. وقيل: ثمانون.

وقال في الكشّاف(١) والأنوار(٢) : «إنّ يعقوبعليه‌السلام عرف دلالة الرؤيا على أنّ يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة، ويصطفيه للنبوّة، ويفوّقه على إخوته، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم».

( قالَ يا بُنَيَ ) تصغير ابن، صغّره للشفقة أو لصغر السنّ، لأنّه كان ابن اثنتي عشرة سنة. وقرأ حفص هاهنا وفي الصافّات(٣) بفتح الياء.( لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) فيحتالوا لإهلاكك حيلة.

قال في الأنوار: «الرؤيا كالرؤية، غير أنّها مختصّة بما يكون في النوم، ففرّق بينهما بحرفي التأنيث، كالقربة والقربى. وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيّلة إلى الحسّ المشترك. والصادقة منها إنّما تكون باتّصال النفس بالملكوت ،

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٤٤٤.

(٢) أنوار التنزيل ٣: ١٢٧.

(٣) الصافّات: ١٠٢.


وهي عالم المجرّدات، لـما بينهما من التناسب، عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فتتصوّر بما فيها ممّا يليق بها من المعاني الحاصلة هناك. ثمّ إنّ المتخيّلة تحاكيه بصورة تناسبه، فترسلها إلى الحسّ المشترك، فتصير مشاهدة. ثمّ إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى، بحيث لا يكون التفاوت إلّا بالكلّية والجزئيّة، استغنت الرؤيا عن التعبير، أي: وقع ما رآه بعينه، وإلّا احتاجت إليه»(١) .

وإنّما عدّي «كاد» باللّام، وهو متعدّ بنفسه، لتضمّنه معنى فعل يتعدّى به، وهو: يحتالوا، ليفيد معنى الفعلين تأكيدا، ولذلك أكّد بالمصدر، وعلّل بقوله:( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ظاهر العداوة، لـما فعل بآدم وحوّاء، فلا يألوا جهدا في تسويلهم، وإثارة الحسد فيهم، حتّى يحملهم على الكيد.

روى أبو حمزة الثمالي عن زين العابدينعليه‌السلام : «أنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشا فيتصدّق به، ويأكل هو وعياله منه، وأنّ سائلا مؤمنا صوّاما اعترّ(٢) ببابه عشيّة جمعة عند أوان إفطاره، وكان مجتازا غريبا، فهتف على بابه واستطعمهم وهم يسمعون، فلم يصدّقوا قوله. فلمّا يئس أن يطعموه وغشيه الليل استرجع واستعبر، وشكا جوعه إلى الله تعالى، وبات طاويا، وأصبح صائما حامدا لله. وبات يعقوب وآل يعقوب بطانا، وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم، فابتلاه الله سبحانه بيوسفعليه‌السلام ، وأوحى إليه أن استعدّ لبلائي، وارض بقضائي، واصبر للمصائب.

فرأى يوسف هذه الرؤيا في تلك الليلة».

( وَكَذلِكَ ) أي: وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالّة على شرف وعزّ، وكمال نفس وكبرياء شأن( يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) للنبوّة والملك، أو لأمور عظام. والاجتباء من: جبيت الشّيء إذا حصّلته لنفسك.

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ١٢٧.

(٢) اعترّ به: أتاه للمعروف من غير أن يسأل. والمعترّ: الفقير.


( وَيُعَلِّمُكَ ) كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه الّذي يفهم من «كذلك»، لأنّه يلزم أن يكون تعليم التعبير أيضا سابقا، فيلزم أن يعلم تعبير رؤياه قبل ذلك الوقت، وليس كذلك، لأنّ هذا التعليم في مستقبل الزمان، لقوله:( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) (١) . كأنّه قيل: وهو يعلّمك.

( مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) من تعبير الرؤيا. سمّى التعبير تأويلا، لأنّه يؤول أمره إلى ما رأى في المنام. وسمّى الرؤيا أحاديث، لأنّها أحاديث تلك الرؤيا إن كانت صادقة، وأحاديث النّفس أو الشيطان إن كانت كاذبة. أو من تأويل غوامض كتب الله تعالى، وسنن الأنبياء، وكلمات الحكماء. وهو اسم جمع للحديث، كأباطيل اسم جمع للباطل.

روي: أنّ يوسف أعبر الناس للرؤيا، وأصحّهم عبارة لها.

( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) معنى إتمام النعمة: أنّه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، فجعلهم أنبياء وملوكا، ثمّ نقلهم إلى نعيم الآخرة والدرجات العلى من الجنّة( وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) يريد أهله ونسله، بأن يثبّتهم على ملّة الإسلام، ويشرّفهم بمكانك، ويجعل فيهم النبوّة. وأصل آل: أهل، بدليل أن تصغيره اهيل، إلّا أنّه لا يستعمل إلّا فيمن له خطر، فيقال: آل النبيّ وآل الملك.

( كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ ) بالرسالة. وقيل: على إبراهيمعليه‌السلام بالخلّة والإنجاء من النار، وعلى إسحاق بإنقاذه من الذبح، وفدائه بذبح عظيم.

وقيل: بإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. والقول الأخير قول أكثر المفسّرين.

( مِنْ قَبْلُ ) من قبلك، أو من قبل هذا الوقت( إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) عطف بيان لـ «أبويك»( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ) بمن يستحقّ الاجتباء( حَكِيمٌ ) يفعل الأشياء على ما ينبغي.

__________________

(١) يوسف: ٢١.


( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) )

ثمّ أنشأ سبحانه في ذكر قصّة يوسف، فقال:( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ) أي: في قصّتهم( آياتٌ ) دلائل قدرة الله تعالى وحكمته، أو عبر وأعاجيب، أو علامات نبوّتك( لِلسَّائِلِينَ ) لمن سأل عن قصّتهم فأخبرهم بالصحّة من غير سماع ولا قراءة كتاب.

والمراد بالإخوة بنو علّاته الأحد عشر. والعلّات إخوة من أمّهات شتّى.

وهم: يهوذا، وروبيل، وشمعون، وهو أكبرهم، ولاوي، وزبالون، ويشخر، ودينة.

وهذه السبعة كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، تزوّجها أوّلا، فلمّا توفّيت تزوّج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف. وقيل: جمع بينهما، ولم يكن الجمع محرّما حينئذ. وأربعة آخرون: جاد، ودان، ونفتالى، وآشر، من سرّيتين: زلفة وبلهة.

( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) )

ثم أخبر سبحانه عمّا قال إخوة يوسف حين سمعوا منام يوسف وتأويل يعقوب إيّاه، فقال:( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ ) اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة.( وَأَخُوهُ ) بنيامين. وتخصيصه بالاضافة لاختصاصه بالأخوّة من الطرفين.( أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ) وحّده لأنّ «أفعل من» لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، والتذكير والتأنيث، بخلاف أخويه، فإنّ الفرق واجب في المحلّى باللام جائز في المضاف.


( وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) والحال أنّا جماعة أقوياء، أحقّ بالمحبّة من صغيرين لا كفاية للمهمّات فيهما. والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا. سمّوا بذلك لأنّ الأمور تعصب بهم، أي: تشتدّ.( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) عن طريق الحقّ والصواب، لتفضيله المفضول، أو لترك التعديل في المحبّة.

روي أنّه كان أحبّ إليه، لـما يرى فيه من الخصال الحسنة الرضيّة، والخلال السنيّة المرضيّة، وكان إخوته يحسدونه، فلمّا رأى الرؤيا ضاعف له المحبّة بحيث لم يصبر عنه، فزاد حسدهم حتّى حملهم على التعرّض له.

( اقْتُلُوا يُوسُفَ ) من جملة المحكيّ بعد قوله:( إِذْ قالُوا ) ، كأنّهم اتّفقوا على ذلك إلّا من قال: لا تقتلوا. وقيل: إنّما قاله شمعون. وقيل: دان ورضي به الآخرون.

( أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) منكورة مجهولة بعيدة عن العمران. وهو معنى تنكيرها وإبهامها، ولذلك نصبت كالظروف المبهمة.( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) جواب الأمر.

والمعنى: يخلص لكم وجه أبيكم، فيقبل بكلّيته عليكم، ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، ولا ينازعكم في محبّته أحد. فذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، لأنّ الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. وقيل: «يخل» يفرغ لكم من الشغل بيوسف.

( وَتَكُونُوا ) جزم بالعطف على «يخل»، أو نصب بإضمار أن( مِنْ بَعْدِهِ ) بعد يوسف، أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه( قَوْماً صالِحِينَ ) تائبين إلى الله تعالى عمّا جنيتم. أو صالحين مع أبيكم، يصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهّدونه. أو صالحين في أمر دنياكم، فإنّه ينتظم لكم بعد يوسف بخلوّ وجه أبيكم.

واعلم أنّ أكثر المفسّرين على أنّ إخوة يوسف كانوا أنبياء. وقال بعضهم: لم يكونوا أنبياء، لأنّ الأنبياء لا تقع منهم القبائح. وهذا موافق لأصول مذهب الإماميّة.

وقال علم الهدىقدس‌سره : «لم تقم لنا الحجّة بأنّ إخوة يوسف الّذين فعلوا به ما فعلوا كانوا أنبياء. ولا يمتنع أن يكون الأسباط الّذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الإخوة


الّذين فعلوا بيوسف ما قصّه الله عنهم. وليس في ظاهر الكتاب أنّ جميع إخوة يوسف وسائر الأسباط فعلوا بيوسف ما حكاه الله تعالى من الكيد. ويجوز أن يكون هؤلاء الإخوة في تلك الحال لم يكونوا بلغوا الحلم، ولا توجّه إليهم التكليف، وقد يقع ممّن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال، ويعاتب على ذلك ويلام ويضرب»(١) . وهذا الوجه قول البلخي والجبائي. ويدلّ عليه قوله:( يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ) .

وقوله:( وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ) لا ينافي ذلك، فإنّ المراهق يجوز أن يعلم ذلك خاصّة، خصوا إذا كان مربّى في حجر الأنبياء ومن أولادهم.

وروى أبو جعفر بن بابويهرحمه‌الله في كتاب النبوّة بإسناده عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن حنان بن سدير، قال: «قلت لأبي جعفرعليه‌السلام أكان أولاد يعقوب أنبياء؟

فقال: لا، ولكنّهم كانوا أسباطا أولاد الأنبياء، ولم يفارقوا الدنيا إلّا سعداء، تابوا وتذكّروا ما صنعوا».

وقال الحسن: كانوا رجالا بالغين، ووقعت ذلك منهم صغيرة.

( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) )

ثمّ أخبر سبحانه عن واحد من جملتهم بقوله:( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ) أي: من إخوة يوسف، وهو يهوذا. وكان أحسنهم فيه رأيا، وهو الّذي قال:( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ) (٢) الآية. وقيل: روبيل، وهو ابن خالة يوسف. وقيل: لاوي. رواه عليّ بن إبراهيم(٣) في تفسيره.( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ) فإنّ القتل أمر عظيم( وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) في قعره. سمّي به لغيبوبته عن عين الناظر. وقرأ نافع غيابات في الموضعين

__________________

(١) تنزيه الأنبياء: ٤٣ ـ ٤٤.

(٢) يوسف: ٨٠.

(٣) تفسير القمّي ١: ٣٤٠.


على الجمع، كأنّه لتلك الجبّ غيابات، أي: أسافل. والجبّ البئر التي لم تطو، لأنّ الأرض تجبّ جبّا، أي: تقطع.( يَلْتَقِطْهُ ) يأخذه( بَعْضُ السَّيَّارَةِ ) بعض الذين يسيرون في الأرض( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) بمشورتي. أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم، وهو التفريق بينه وبين أبيه، فإنّ هذا رأيي.

واختلف في ذلك الجبّ، فقال قتادة: هو بئر بيت القدس. وعن كعب: بئر بين مدين ومصر. وعن وهب: بئر بأرض الأردنّ. وقال مقاتل: بئر على رأس ثلاث فراسخ من منزل يعقوب.

( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) )


ثمّ بيّن سبحانه أنّهم عند اتّفاق آرائهم فيما تآمروا فيه من أمر يوسف، كيف سألوا أباهم، فقال:( قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ ) لم تخافنا عليه؟( وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ) مخلصون في إرادة الخير له والشفقة عليه. وفي هذا دلالة على أنّهعليه‌السلام كان يأبى عليهم أن يرسله معهم، لظهور حسدهم ليوسف عليه، فأرادوا استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم، لـما تنسّم(١) من حسدهم. والمشهور «تأمنّا» بالإدغام مع الإشمام. وعن نافع ترك الإشمام.

( أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً ) إلى الصحراء( يَرْتَعْ ) نتّسع في أكل الفواكه ونحوها، من الرتعة، وهي الخصب( وَيَلْعَبْ ) بالاستباق والانتضال لقتال العدوّ، لا لمجرّد اللهو. وإنّما سمّوه لعبا لأنّه في صورته. وقرأ ابن كثير: نرتع بكسر العين، على أنّه من: ارتعى يرتعي. ونافع بالكسر والياء فيه وفي «نلعب». وقرأ الكوفيّون ويعقوب بالياء وسكون العين، على إسناد الفعل إلى يوسف.( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) أن يناله مكروه.

( قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ) لشدّة مفارقته عليّ، وقلّة صبري عنه( وَأَخافُ ) عليه إن ذهبتم به إلى الصحراء( أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) لأنّ الأرض كانت مذأبة. وقيل: لأنّ يعقوب رأى في منامه كأنّ يوسف قد شدّ عليه عشرة أذؤب ليقتلوه، وإذا ذئب يحمي عنه، وكأنّ الأرض انشقّت فدخل فيها يوسف، فلم يخرج منها إلّا بعد ثلاثة أيّام. وقد همزها على الأصل ابن كثير ونافع في رواية اليزيدي، وأبو عمرو درجا ووقفا، وعاصم وحمزة درجا. واشتقاقه من: تذاءبت الريح إذا هبّت من كلّ جهة.( وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ) لاشتغالكم بالرتع واللّعب، أو لقلّة اهتمامكم بحفظه.

( قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) اللام موطّئة للقسم، وجوابه:( إِنَّا إِذاً

__________________

(١) تنسم فلان الخبر: تلطف في التماسه شيئا فشيئا.


لَخاسِرُونَ ) ضعفاء عجزة مغبونون، كالّذين تذهب عنهم رؤوس أموالهم. أو مستحقّون لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار. والواو في «ونحن» للحال.

( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) وعزموا على إلقائه فيها. وجواب «لمّا» محذوف، مثل: فعلوا به ما فعلوا من الأذى.

فقد روي أنّهم لـمّا برزوا به إلى البرّيّة أظهروا له العداوة، وأخذوا يؤذونه ويضربونه، وكلّما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلّا بالإهانة والضرب، حتّى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح: يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء. فقال يهوذا: أما أعطيتموني موثقا ألّا تقتلوه؟ فلمّا أرادوا إلقاءه في الجبّ تعلّق بثيابهم، فنزعوها من يديه، فتعلّق بحائط البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه. فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به. وإنّما نزعوه ليلطّخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم. فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا يلبسوك ويؤنسوك. ودلوه في البئر، فلمّا بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثمّ آوى إلى صخرة، فقام عليها وهو يبكي. فنادوه، فظنّ أنّها رحمة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه، فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام.

وقيل: إنّ الجبّ أضاء له وعذب ماؤه حتّى أغناه عن الطعام والشراب. وعن مقاتل: كان الماء كدرا فصفا وعذب، ووكّل الله به ملكا يحرسه ويطعمه.

ويروى أنّ إبراهيم صلوات الله عليه حين القي في النار جرّد عن ثيابه، فأتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنّة فألبسه إيّاه، فدفعه إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة(١) علّقها في عنق يوسف، فجاءه جبرئيل فألبسه إيّاه، وهو القميص الّذي وجد يعقوب ريح يوسف فيه.

وأوحى إليه كما قال عزّ

__________________

(١) التميمة: خرزة أو ما يشبهها كان الأعراب يضعونها على أولادهم للوقاية من العين ودفع الأرواح.


اسمه:( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ ) وكان ابن سبع عشرة سنة. وقيل: كان مراهقا أوحي إليه في صغره، كما اوحي إلى يحيى وعيسىعليهم‌السلام ( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا ) لتحدّثنّهم بما فعلوا بك بعد أن تتخلّص ممّا أنت فيه( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أنّك يوسف، لعلوّ شأنك، وكبرياء سلطانك، وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغيّر للحلّي والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين ـ أي: يشترون الغلّة ـ فعرفهم وهم له منكرون. فبشّره جبرئيلعليه‌السلام في البئر بما يئول إليه أمره إيناسا له وتطييبا لقلبه. وقيل: «وهم لا يشعرون» متّصل بـ «أوحينا»، أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.

وفي كتاب النبوّة عن الحسن بن محبوب، عن الحسن بن عمارة، عن مسمع أبي سيّار، عن الصادقعليه‌السلام قال: « لـمّا ألقى إخوة يوسف إيّاه في الجبّ نزل عليه جبرئيل فقال له: يا غلام من طرحك؟

فقال: إخوتي، لمنزلتي من أبي حسدوني، ولذلك طرحوني.

فقال: أتحبّ أن تخرج من هذا الجبّ؟

قال: ذلك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

فقال له جبرئيل: فإنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك قل: أللَّهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد، لا إله إلّا أنت، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل من أمري فرجا ومخرجا، وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب.

فقالها يوسف، فجعل الله له من الجبّ يومئذ فرجا، ومن كيد المرأة مخرجا، وأتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب».

وروى عليّ بن إبراهيم: «أنّ يوسفعليه‌السلام قال في الجبّ: يا إله إبراهيم


وإسحاق ويعقوب، ارحم ضعفي وقلّة حيلتي وصغري»(١) .

( وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً ) آخر النهار( يَبْكُونَ ) متباكين ليوهموه أنّهم صادقون. وفيه دلالة على أنّ البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه.

روي أنّه لـمّا سمع بكاءهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ هل أصابكم في غنمكم؟ قالوا: لا قال: فما لكم وأين يوسف؟

( قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ) نتسابق في العدو أو في الرمي. وقد يشترك الافتعال والتفاعل، كالانتضال والتناضل.( وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) بمصدّق لنا، لسوء ظنّك بنا، وفرط محبّتك ليوسف( وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ) من أهل الصدق والثقة عندك.

( وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) أي: ذي كذب، بمعنى مكذوب فيه.

ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة، كزيد عدل. و «على قميصه» في موضع النصب على الظرف، أي: فوق قميصه، أو على الحال من الدم إن جوّز تقديمها على المجرور.

روي أنّهم ذبحوا سخلة ولطخوا قميصه بدمها، وزلّ عنهم أن يمزّقوه، ولـمّا سمع يعقوب بخبر يوسف صاح وسأل قميصه، فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتّى خضب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزّق عليه قميصه، ولذلك( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) أي: سهّلت لكم أنفسكم، وهوّنت في أعينكم أمرا عظيما، من السول، وهو الاسترخاء.

قيل: إنّه كان في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قدّ من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيرا، وحين جاءوا عليه بدم كذب. فتنبّه يعقوب على أنّ الذئب لو أكله لخرق قميصه.

__________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٤١.


وقيل: لـمّا قال لهم يعقوب ذلك قالوا: بل قتله اللصوص. فقالعليه‌السلام : فكيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله؟!( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل أو أحسن أو أمثل أو أولى. وفي الحديث: «الصبر الجميل الّذي لا شكوى فيه إلى الخلق».

( وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ) أي: بالله أستعين على دفع ما تصفونه، أو على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف.

( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) )

ثمّ أخبر سبحانه عن حال يوسف بعد إلقائه في الجبّ، فقال:( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ) رفقة يسيرون من مدين إلى مصر، فنزلوا قريبا من الجبّ، وكان ذلك بعد ثلاثة أيّام من إلقائه فيه، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وكان الجبّ في قفره بعيدة من العمران، وإنّما هو للرعاة، وكان ماؤه ملحا فعذب( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ )


الّذي يرد الماء ويستقي لهم. وكان هو مالك بن ذعر الخزاعي.( فَأَدْلى دَلْوَهُ ) فأرسلها في الجبّ ليملأها، فتدلّى يوسف بالحبل، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان( قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ ) نادى: البشرى، بشارة لنفسه أو لقومه، كأنّه قال للبشارة: تعالي فهذا أوانك. وقيل: هو اسم لصاحب له ناداه ليعينه على إخراجه. وقرأ غير الكوفيّين: يا بشراي بالإضافة.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أعطي يوسف شطر الحسن، والنصف الآخر لسائر الناس».

وقال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه جدّا، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والعضدين، خميص البطن، صغير السرّة. وكان إذا تبسّم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلّم رأيت في كلامه شعاع النور يلتهب عن ثناياه. وكان حسنه كضوء النهار عند الليل. كان يشبه خلق آدمعليه‌السلام يوم خلقه اللهعزوجل وصوّره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية.

ويقال: إنّه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة، وكانت قد أعطيت سدس الحسن.

فلمّا رآه المدلي( وَأَسَرُّوهُ ) أي: الوارد وأصحابه من سائر الرفقة. وقيل: أخفوا أمره، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عبّاس: الضمير لإخوة يوسف، وذلك أنّ يهوذا كان يأتيه كلّ يوم بالطعام، فأتاه يومئذ فلم يجده فيها، فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وأسرّوه، أي: كتموا أنّه أخوهم، فقالوا: هذا غلامنا أبق منّا، فاشتروه من إخوته، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.

( بِضاعَةً ) نصب على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة. واشتقاقه من البضع، بمعنى القطع، فإنّه ما بضع من المال للتجارة.( وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ) بما يصنعون، لم يخف عليه أسرارهم، أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم.

( وَشَرَوْهُ ) أي: باعوه، أو اشتروه من إخوته. وفي مرجع الضمير الوجهان.


( بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) مبخوس، لزيفه أو نقصانه نقصانا ظاهرا( دَراهِمَ ) بدل من الثمن( مَعْدُودَةٍ ) قليلة، فإنّهم كانوا يزنون ما بلغ الاوقية، ويعدّون ما دونها. قيل: كان عشرين درهما. وقيل: اثنين وعشرين. وقيل: عشرة. فاقتسموها درهمين درهمين.

( وَكانُوا فِيهِ ) في يوسف( مِنَ الزَّاهِدِينَ ) الراغبين عنه. والضمير في «وكانوا» إن كان للإخوة فظاهر. وإن كان للرفقة وكانوا بائعين من العزيز، فزهدهم فيه لأنّهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به، خائف من انتزاعه، مستعجل في بيعه وإن كانوا مبتاعين من الإخوة، فلأنّهم اعتقدوا أنّه آبق. و «فيه» متعلّق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف. وإن جعل بمعنى «الّذي» فهو متعلّق بمحذوف يبيّنه «الزاهدين»، لأنّ متعلّق الصلة لا يتقدّم على الموصول.

( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ ) وهو العزيز الّذي كان على خزائن مصر.

واسمه قطفير أو اطفير، والعزيز لقبه، ومن كان بمكانه يسمّى بالعزيز، لعزّته عند الناس، ولهذا لـمّا عبّر يوسف رؤيا الملك سمّي العزيز وجعل مكان العزيز. وكان الملك يومئذ ريّان بن الوليد العمليقي، وقد آمن بيوسف حين شاهد منه المعجزات، ومات في حياته.

وقيل: كان فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة، وكان إلى زمن موسى، بدليل قوله تعالى:( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ) (١) .

والمشهور أنّ فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.

روي أنّه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشر سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريّان وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفّى وهو ابن مائة وعشرين سنة.

__________________

(١) غافر: ٣٤.


واختلف فيما اشتراه به من جعل شراءه غير الأوّل، فقيل: عشرون دينارا، وزوجا نعل، وثوبان أبيضان. وقيل: وزنه فضّة. وقيل: ذهبا. وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه، فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا، فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

( لِامْرَأَتِهِ ) راعيل، ولقبها زليخا. وهي المشهورة.( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) اجعلي مقامه عندنا كريما، أي: حسنا مرضيّا. والمعنى: أحسني تعهّده حتّى تكون نفسه طيّبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا. روي: أنّه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه، فعرفه وأمر زوجته بإكرامها له.( عَسى أَنْ يَنْفَعَنا ) في ضياعنا وأموالنا، ونستظهر به في مصالحنا( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) نتبنّاه، وكان عقيما، لـما تفرّس فيه من الرشد.

( وَكَذلِكَ ) أي: وكما مكّنّا محبّة يوسف في قلب العزيز، أو كما مكّنّاه في منزله، أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) جعلناه ملكا يتصرّف فيها بأمره ونهيه( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) عطف على مضمر، تقديره: ليتصرّف فيها بالعدل ولنعلّمه، أي: كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل، ويدبّر أمور الناس، ويعلّم كتاب الله وأحكامه فينفذها، أو يعبّر المنامات المنبّهة على الحوادث الكائنة ليستعدّ لها ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحلّ، كما فعله لسنوات القحط.

( وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ ) لا يردّه شيء، ولا ينازعه فيما يشاء. أو على أمر يوسف، يعني: إخوة يوسف أرادوا به شيئا، وأراد الله تعالى غيره، فلم يكن إلّا ما أراده ودبّره.( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أنّ الأمر كلّه بيده، أو لطائف صنعه وخفايا لطفه.

( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) منتهى اشتداد جسمه وقوّته، وهو سنّ الوقوف ما بين الثلاثين والأربعين. وقيل: سنّ الشباب، ومبدؤه بلوغ الحلم. وقيل: الأشدّ ثماني


عشرة سنة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون. وقيل: أقصاه ثنتان وستّون.

( آتَيْناهُ حُكْماً ) حكمة، وهو العلم المؤيّد بالعمل. أو حكما بين الناس، أو النبوّة.

( وَعِلْماً ) يعني: علم تأويل الأحاديث، أو علم الشريعة( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) تنبيه على أنّه تعالى إنّما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله، واتّقائه في عنفوان أمره. وعن الحسن: من أحسن عبادة ربّه في شيبته، آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) )

ثمّ أخبر سبحانه عن امرأة العزيز وما همّت به، فقال:( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ ) طلبت منه وتمحّلت(١) أن يواقعها، من: راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء، ومنه: الرائد. كأنّ المعنى: خادعته عن نفسه، أي: فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الّذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه

__________________

(١) تمحّل الشيء: احتال في طلبه.


ويأخذه منه، وهي ها هنا عبارة عن التمحّل لمواقعته إيّاها. وهذا الكلام أبلغ من: راودته امرأة العزيز أو زليخا، لاستهجان ذكر المرأة في المراودة.

( وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ) قيل: كانت سبعة. والتشديد للتكثير، أو للمبالغة في إيثاقها.( وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ) أي: أقبل وبادر، أو تهيّأت. و «هيت» على الوجهين اسم فعل بني على الفتح، كـ: أين. واللام للتبيين، كالّتي في: سقيا لك، كأنّه قال يوسف: لمن تهيّأت؟ فقالت: لك. وكذا في: سقيا.

وقرأ ابن كثير بضمّ التاء وفتح الهاء، تشبيها له بـ «حيث». ونافع وابن عامر برواية ابن ذكوان بفتح التاء وكسر الهاء من غير همز، كـ: عيط صوت يصاح به الغنم.

وهي لغة فيه. وهشام كذلك، إلّا أنّه يهمز. وقد روي عنه ضمّ التاء.

( قالَ مَعاذَ اللهِ ) أعوذ بالله معاذا( إِنَّهُ ) إنّ الشّأن( رَبِّي ) سيّدي قطفير( أَحْسَنَ مَثْوايَ ) أحسن تعهّدي، إذ قال لك فيّ: أكرمي مثواه، فليس جزاؤه أن أخونه في أهله. وقيل: الضمير لله تعالى، أي: أنّه خالقي وأحسن منزلتي، بأن عطف عليّ قلب قطفير، فلا أعصيه.( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) أي: المجازون الحسن بالسيّء. وقيل: الزناة.

وفي هذه دلالة على أنّ يوسف لم يهمّ بالفاحشة ولم يردها بقبيح، لأنّ من همّ بالقبيح لا يقول مثل ذلك. فقوله:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) معناه: قصدت مخالطته قصدا اختياريّا، فإنّ الهمّ بالشيء قصده والعزم عليه، ومنه الهمّام الّذي إذا همّ بشيء أمضاه.( وَهَمَّ بِها ) ومال إلى مخالطتها ميلا طبيعيّا بشريّا غير اختياريّ، مع المنازعة إليها عن شهوة الشباب الّتي هي تحت القدرة والاختيار.

فالمراد بهمّه إيّاها ميل الطبع البشري مع الامتناع عنه، لا القصد الاختياري والعزم على الفعل الّذي هو ممّا يدخل تحت التكليف. والحقيق بالمدح الجميل والأجر الجزيل من الله الجليل من يكفّ نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهمّ، ولو لم


يكن ذلك الميل الشديد ـ المسمّى همّا لشدّته ـ لـما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع عنه، لأنّ استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء وشدّته.

ولو كان همّه كهمّها عن عزيمة اختياريّة، لـما مدحه الله بأنّه من عباده الصالحين.

أو المراد بهمّه مشارفة الهمّ، كقولك: قتلته لو لم أخف الله تعالى، تريد مشارفة القتل. أو من قبيل: هممت بفلان، أي: بضربه وإيقاع المكروه به. ومن حقّ القارئ أن يقف على( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ) ويبتدئ قوله( وَهَمَّ بِها ) ، لاختلاف معنى الهمّين.

ولا يخفى على من له أدنى مسكة لو وجدت من يوسفعليه‌السلام أدنى زلّة لنعيت عليه، وذكرت توبته واستغفاره، كما نعيت على آدمعليه‌السلام زلّته، وهي ترك الأولى، وكذا على داود، وعلى نوح وعلى أيّوب وعلى ذي النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم. كيف وقد أثني عليه وسمّي مخلصا؟! فعلم بالقطع أنّه ثبت في هذا المقام الدّحض(١) ، وهو أنّه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوّة والعزم، ناظرا في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحقّ من الله الثناء فيما أنزل من كتب الأوّلين، ثمّ في القرآن الّذي هو حجّة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلّا على استيفاء قصّته وضرب سورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيمعليه‌السلام ، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفّة وطيب الإزار.

( لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) في قبح الزنا وسوء عاقبته لخالطها، لشبق(٢) الغلمة وكثرة المبالغة منها. ولا يجوز أن يجعل «وهمّ بها» جواب «لولا»، فإنّها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدّم عليها جوابها، بل الجواب محذوف يدلّ عليه قوله :

__________________

(١) المكان الدحض: إذا كان مزلّة لا تثبت عليها الأقدام.

(٢) أي: اشتداد الشهوة.


«وهمّ بها» كما عرفت.

( كَذلِكَ ) الكاف في محلّ النصب، أي: مثل ذلك التثبيت ثبّتناه، أو في محلّ الرفع، أي: الأمر مثل ذلك( لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ) خيانة السيّد( وَالْفَحْشاءَ ) الزنا( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) الّذين أخلصهم الله تعالى لطاعته. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كلّ القرآن إذا كان محلّى باللام، أي: الّذين أخلصوا دينهم لله تعالى.

فأخزى الله الحشويّة والجبريّة حيث أوردوا هذه القصّة على وجه يؤدّي إلى أنّ يوسف صلوات الله عليه عزم على ارتكاب الزنا الّذي هو أقبح القبائح وأفحش الفواحش، فقالوا: إنّه حلّ تكّة سراويله، وجلس من زليخا مجلس المجامع، وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها. وفسّروا البرهان بأنّه سمع صوتا: إيّاك وإيّاها، فلم يكترث، فسمعه ثانيا فلم يعمل به، فسمع ثالثا: أعرض عنها، فلم ينجع فيه، حتّى مثّل له يعقوب عاضّا على أنملته، وضرب بيده في صدره، فخرجت شهوته من أنامله.

وقالوا: كلّ ولد يعقوب له اثنا عشر ولدا إلّا يوسف، فإنّه ولد له أحد عشر ولدا، من أجل ما نقص من شهوته حين همّ.

وقالوا صيح بيوسف: لا تكن كالطائر كان له ريش فلمّا زنى قعد لا ريش له.

وقالوا: بدت كفّ فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها:( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ ) (١) فلم ينصرف. ثمّ رأى فيها:( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً ) (٢) فلم ينتبه. ثمّ رأى فيها :

__________________

(١) الانفطار: ١٠ ـ ١١.

(٢) الإسراء: ٣٢.


( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) (١) فلم ينجع فيه. فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحطّ جبرئيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟! وقالوا: رأى تمثال العزيز.

وغير ذلك من الأقاويل الباطلة وتقوّلاتهم الحشويّة. فيا له من مذهب ما أفحشه! ومن ضلال ما أبينه! الّذي يتضمّن الجبر والقسر الّذي يرتفع معه الاختيار الّذي هو مناط التكليف، ويقتضي أن لا يستحقّ على الامتناع من القبيح مدحا ولا ثوابا. فلعنة الله عليهم، وعلى من يعتقد معتقدهم، حتى قال قائل من قبلهم: إنّ قوله:( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ) خرجا مخرجا واحدا، فلم جعلتم همّها به متعلّقا بالقبيح، وهمّه بها متعلّقا بغيره؟

قلنا: إنّ من الظاهر أنّ الظاهر لا يكون دليلا وحجّة إذا عارضه الدليل العقلي والنقلي. أمّا النقلي على أنّه ما همّ بالفاحشة فقوله:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) ، وقوله:( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) (٢) ، وقوله:( قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) (٣) . ولا شبهة في أن العزم على الفاحشة من السوء. وأمّا العقلي فلأنّهعليه‌السلام نبيّ، والنبيّ لا بدّ أن يكون معصوما من جميع الصغائر والكبائر، والقبائح والفواحش، كما قرّر في الكتب الكلاميّة بأوضح وجه.

( وَاسْتَبَقَا الْبابَ ) أي: تسابقا إلى الباب. فحذف الجارّ، أو ضمّن الفعل معنى الابتدار، فلا يحتاج إلى تقدير صلة. وذلك أنّ يوسفعليه‌السلام فرّ منها ليخرج ويتخلّص

__________________

(١) البقرة: ٢٨١.

(٢) يوسف: ٥٢.

(٣) يوسف: ٥١.


منها، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج. روي عن كعب أنّه لـمّا هرب يوسف جعل فراش(١) القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الباب.

( وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) اجتذبته من ورائه فانقدّ قميصه. والقدّ الشقّ طولا، والقطّ الشقّ عرضا.( وَأَلْفَيا سَيِّدَها ) وصادفا زوجها( لَدَى الْبابِ ) عنده. وتسمية الزوج بالسيّد لأنّه مالك أمرها، أو لأنّ المرأة تقول لبعلها: سيّدي. وقيل: إنّما لم يقل سيّدهما لأنّ ملك يوسف لم يصحّ، فلم يكن سيّدا له على الحقيقة.

( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) إيهاما بأنّها فرّت منه، تبرئة لساحتها عند زوجها، وتغييره على يوسف، وإغراءه به انتقاما منه.

و «ما» نافية أو استفهاميّة، بمعنى: أيّ شيء جزاؤه إلّا السجن؟ كما تقول: من في الدار إلّا زيد؟ وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط ضربا وجيعا.

( قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩) )

ولـمّا عرّضته له من السجن أو العذاب، وأغرته به، ووجب عليه دفع هذا

__________________

(١) فراش القفل: ما ينشب ويدخل فيه، سمّي بذلك لرقّته.


الضرر عن نفسه( قالَ ) لدفعه( هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) طالبتني بالمؤاتاة( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) قيل: ابن عمّها، وكان حكيما يرجع إليه الملك ويستشيره، وهو جالس مع زوجها عند الباب. وقيل: ابن خالها صبيّا في المهد. وهذا أصحّ.

ويؤيّده ما روي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «تكلّم أربعة صغارا: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى».

وإنّما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها لتكون ألزم عليها حجّة، وأوثق دليلا، وأنفى للتهمة عنه.

( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) لأنّه يدلّ على أنّها قدّت قميصه من قدّامه بالدفع عن نفسها، أو أنّه أسرع خلفها فتعثّر بذيله فانقدّ جيبه.

( وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) لأنّه يدلّ على أنّها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدّته. والشرطيّة محكيّة على إرادة القول، أو على أنّ فعل الشهادة من القول، كأنّه قيل: وشهد شاهد فقال: إن كان قميصه. وتسميتها شهادة وإن لم يكن بلفظ الشهادة، ولم يكن مرئيّا، لأنّها أدّت مؤدّاها. والشّرط وإن كان ماضيا ولكنّه في تأويل المضارع، وهو: إن يعلم أنّه كان. فجاز الجمع بين «إن» الّذي هو للاستقبال وبين «كان». ونظيره قولك: إن أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك من قبل، أي: وإن تمنن عليّ بإحسانك امنن عليك بإحساني السابق.

( فَلَمَّا رَأى ) قطفير( قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ) وبه علم براءة يوسف وصدقه وكذبها( قالَ إِنَّهُ ) إن قولك:( ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ) ، أو إنّ السّوء، أو إنّ هذا الأمر( مِنْ كَيْدِكُنَ ) من حيلتكنّ. والخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر النساء.

( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) استعظم كيد النساء وإن كان في الرجال، لأنّ كيدهنّ أعلق بالقلب، وألطف به، وأشدّ تأثيرا في أنفس الرجال، فإنّ قليل حيل النساء أسبق إلى


قلوب الرجال من كثير حيل الرجال، ولأنهنّ يواجهن به الرجال، والشيطان يوسوس به مسارقة، ومنه قوله تعالى:( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ) (١) . وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر من أن أخاف من الشيطان، لأنّ الله تعالى يقول:( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) (٢) ، وقال للنساء:( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .

( يُوسُفُ ) حذف منه حرف النداء، لقربه وتفطّنه للحديث( أَعْرِضْ عَنْ هذا ) اكتمه ولا تحدّث به( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) يا راعيل( إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) من القوم المتعمّدين الذنب. يقال: خطئ إذا أذنب متعمّدا. والتذكير للتغليب.

قيل: إنّ قطفيرا لم يكن غيورا، سلبه الله الغيرة لطفا منه بيوسف، حتّى كفى شرّه، ولذلك قال ليوسف:( أَعْرِضْ عَنْ هذا ) واقتصر على هذا القدر.

( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ

__________________

(١) الفلق: ٤.

(٢) النساء: ٧٦.


رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) )

ثمّ ذكر سبحانه شياع هذه القصّة، فقال:( وَقالَ نِسْوَةٌ ) هي اسم لجمع امرأة لا جمع، من قبيل القوم والرهط للرجال. وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقيّ، ولذلك جرّد فعله عن التاء.( فِي الْمَدِينَةِ ) ظرف لـ «قال»، أي: أشعن الحكاية في مصر. أو صفة لـ «نسوة» أي: نسوة كائنة في المدينة. وكنّ خمسا: زوجة الحاجب، والساقي، والخبّاز، والسجّان، وصاحب الدوابّ، أي: رائضها(١) .

( امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ) تطلب مواقعة غلامها إيّاها. يقال: فتاي وفتاتي، أي: غلامي وجاريتي. والعزيز بلسان العرب الملك. وأصل فتى فتي، لقولهم: فتيان. والفتوّة شاذّة.( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) شقّ شغاف قلبها ـ وهو حجابه ـ حتّى وصل إلى فؤادها حبّا. ونصبه على التمييز، لصرف الفعل عن يوسف، ويعلم أنّ الحبّ شغفها، إذ التمييز في الأصل فاعل.( إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) في ضلال عن الرشد، وبعد عن الصواب.

( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ ) باغتيابهنّ، وهو قولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني. وإنّما سمّاه مكرا لأنّهنّ أخفينه، كما يخفي الماكر مكره. أو قلن ذلك لتريهنّ يوسف. أو لأنّها استكتمتهنّ سرّها، فأفشينه عليها.( أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ )

__________________

(١) الرائض: الذي يعلّم الدوابّ السير ويذلّلها ويطوّعها.


تدعوهنّ لاستضافتهنّ. قيل: دعت أربعين امرأة فيهنّ الخمس المذكورات.

( وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ) ما يتّكئن عليه من الوسائد( وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) حتّى يتّكئن والسكاكين بأيديهنّ، ليقطعن به الأترج(١) وغيره من الفواكه، كما هو العادة بين الناس.

وقيل: «متّكئا» يعني: طعاما أو مجلس طعام، لأنّهم كانوا يتّكئون للطعام والشراب ترفا واستراحة، كعادة المترفين، ولذلك نهي أن يأكل الرجل متّكئا.

وقيل: المتّكأ طعام يحزّ حزّا، كأنّ القاطع يتّكئ عليه بالسّكين.

( وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) عظّمنه، وهبن حسنه الفائق، وجماله الرائق. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رأيت يوسف في السماء الثانية ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر».

وقيل: كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها. وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف، فيبهتن ويشغلن عن نفوسهنّ، فتقع أيديهنّ على أيديهنّ، لزوال اقتدارهنّ، وذهاب عقولهنّ.

وقيل: أكبرن بمعنى: حضن، من: أكبرت المرأة إذا حاضت، لأنّها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر. والهاء ضمير مصدر: أكبرن، أو ليوسف على حذف اللام، أي: حضن له من شدّة الشبق، كما قيل: المرأة إذا اشتدّت غلمتها حاضت، أي: كلّما رأين حسنه الفائق حضن لشدّة الشبق.

( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ) تنزيها له من صفات العجز، وتعجّبا من قدرته على خلق مثله. وأصله: حاشا، كما قرأه أبو عمرو في الدرج لا في الوقف، فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفا. وهو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيد، فوضع موضع التنزيه. واللام للبيان، كما في قولك: سقيا لك. فمعنى حاشا لله: براءة الله وتنزيهه

__________________

(١) الأترج: واحدته الاترجّة، شجر من جنس الليمون.


عن صفات العجز، والتعجّب من قدرته على خلق مثله في فرط الحسن وغاية الجمال.

وقيل: «حاشا» فعل من الحشا الّذي هو الناحية، وفاعله ضمير يوسف، أي: صار في ناحية بعيدة لله تعالى ممّا يتوهّم فيه من عجزه عن خلق جميل مثله. وأمّا قوله:( حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) (١) فتعجّب من قدرته على خلق عفيف مثله.

( ما هذا بَشَراً ) لأنّ هذا الجمال غير معهود للبشر. وهو على لغة الحجاز في إعمال «ما» عمل «ليس»، لمشاركتهما في نفي الحال.( إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) فإنّ الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواصّ الملائكة. أو لأنّ جماله فوق جمال البشر، ولا يفوقه فيه إلّا الملك، لـما هو مركوز في الطباع أنّه لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبّه كلّ متناه في الحسن والقبح بهما.

( قالَتْ فَذلِكُنَ ) أي: فهو ذلك العبد الكنعاني( الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) في الافتتان به قبل أن تتصوّرنه حقّ تصوّره، ولو تصوّرتنّه بما عاينتنّ لعذرتنّني. أو فهذا هو الّذي لمتنّني فيه، فوضع «ذلك» موضع «هذا» رفعا لمنزلة المشار إليه.

( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) فامتنع أشدّ امتناع، واجتهد في الاستزادة من العصمة طالبا لها. ونحوه: استمسك. أقرّت لهنّ حين عرفت أنّهنّ يعذرنها، كي يعاونّها على إلانة عريكته. وهذا برهان قويّ على أنّ يوسف بريء ممّا أضاف إليه الحشويّة من همّ المعصية.

( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ) أي: ما آمر به، فحذف الجارّ. أو أمري إيّاه، بمعنى: موجب أمري، فيكون الضمير ليوسفعليه‌السلام .( لَيُسْجَنَنَ ) ليحبسنّ في

__________________

(١) يوسف: ٥١.


السجن( وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) الأذلّاء. وهو من: صغر بالكسر يصغر صغرا وصغارا. والصغير من: صغر بالضمّ صغرا.

فلمّا رأى يوسف إصرارها على ذلك وتهديدها له اختار السجن على المعصية( قالَ رَبِّ السِّجْنُ ) قرأ يعقوب بفتح السين على المصدر( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) أي: أخفّ عليّ وأسهل من مواتاتها زنا، نظرا إلى العاقبة، وإن كان هذا ممّا تشتهيه النفس، وذلك ممّا تكرهه. وإسناد الدعوة إليهنّ جميعا لأنّهن خوّفنه من مخالفتها، وزيّنّ له مطاوعتها، وقلن له: أطع مولاتك، فإنّها مظلومة وأنت تظلمها. أو دعونه إلى أنفسهنّ، لـما روى أبو حمزة عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام : «أنّ النسوة لـمّا خرجن من عنده أرسلت كلّ واحدة منهنّ إلى يوسف ـ سرّا من صاحبته ـ تسأله الزيارة».

وقيل: إنّما ابتلي بالسجن لقوله:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ) ، وإنّما كان الأولى به أن يسأل الله تعالى العافية، ولذلك ردّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على من كان يسأل الصبر.

( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي ) وإن لم تصرف عنّي( كَيْدَهُنَ ) في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة. فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزموا عليه ووطّنوا عليه أنفسهم،( أَصْبُ إِلَيْهِنَ ) أمل إلى جانبهنّ، أو إلى أنفسهنّ، بطبعي ومقتضى شهوتي. والصبوة الميل إلى الهوى. ومنه الصبا، لأنّ النفوس تستطيبها وتميل إليها.( وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه، فإنّ الحكيم لا يفعل القبيح. أو من الّذين لا يعملون بما يعلمون، فإنّهم والجهّال سواء.

( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ) فأجاب الله دعاءه الّذي تضمّنه قوله:( وَإِلَّا تَصْرِفْ ) ، لأنّ فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف( فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ ) فثبّته بالعصمة حتّى وطّن نفسه على مشقّة السجن، وآثرها على اللذّة المتضمّنة للعصيان( إِنَّهُ هُوَ


السَّمِيعُ ) لدعاء الملتجئين إليه( الْعَلِيمُ ) بأحوالهم وما يصلحهم.

( ثُمَّ بَدا لَهُمْ ) ثمّ ظهر للعزيز وأهله( مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ) الشواهد الدالّة على براءة يوسف، كشهادة الصبيّ، وقدّ القميص، وقطع النساء أيديهنّ، واستعصامه عنهنّ. وفاعل «بدا» مضمر، وهو: رأي، يفسّره قوله:( لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) وذلك لأنّ راعيل خدعت زوجها، وحملته على سجنه زمانا حتّى تبصر ما ترصّدت منه، أو يحسب الناس أنّه المجرم، فلبث في السجن سبع سنين.

( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) )


ثمّ أخبر سبحانه عن حال يوسف في السجن، فقال:( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ) أي: اتّفق أن أدخل مع يوسف السجن حينئذ آخران من عبيد الملك، فإنّ «مع» يدلّ على معنى الصحبة، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له.

وهما شرابيّه وخبّازه، للاتّهام بأنّهما يريدان أن يسمّاه.( قالَ أَحَدُهُما ) يعني: الشرابي( إِنِّي أَرانِي ) أي: في المنام. وهي حكاية حال ماضية.( أَعْصِرُ خَمْراً ) أي: عنبا. وسمّاه بما يئول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الدبس والآجرّ، وإنّما يطبخ العصير واللبن.( وَقالَ الْآخَرُ ) أي: الخبّاز( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) تنهش(١) منه.

عن الشعبي أنّهما تحالما له ليمتحناه، فقال الشرابي: إنّي أراني في المنام في بستان فإذا أنا بأصل حبلة(٢) عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كاس الملك، وسقيته إيّاه. وقال الخبّاز: إنّي أراني في المنام فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، فإذا سباع الطير تنهش منها.

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «النهش أول ما يأخذ الطير بمنقاره. منه».

(٢) في هامش النسخة الخطّية: «الحبلة ـ بالتحريك ـ القضيب من الكرم. وربما جاء بالتسكين. منه».


ثمّ قالا ليوسف:( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ) بتعبير ما نقصّ عليك وما يئول إليه أمره( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) من الّذين يحسنون تأويل الرؤيا. أو من العالمين، يقال: أحسنه إذا علمه. وإنّما قالا ذلك لأنّهما رأياه في السجن يعظ الناس ويعبّر رؤياهم.

أو من المحسنين إلى أهل السجن، فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه.

روي أنّه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا ضاق أوسع له، وإذا احتاج جمع له.

قيل: إنّ الفتيين قالا له: إنّا لنحبّك من حين رأيناك. فقال: أنشدكما بالله أن لا تحبّاني، فو الله ما أحبّني أحد قطّ إلّا دخل عليّ من حبّه بلاء، لقد أحبّتني عمّتي فدخل عليّ من حبّها بلاء، ثمّ أحبّني أبي فقد دخل عليّ من حبّه بلاء، ثمّ أحبّتني زوجة صاحبي فدخل علىّ بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما.

ولـمّا استعبراه ابتدأ بوصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، ليتيقّنا صدق تعبيره ووقوع ما يعبّره عليهما، وليدعوهما إلى التوحيد، ويرشدهما إلى الطريق القويم، قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه، كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد. فلهذا( قالَ ) أولا:( لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ) بتأويل الطعام، يعني: ماهيّته وكيفيّته، فإنّه يشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه( قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) أي: لا يأتيكما طعام من منزلكما إلّا أخبرتكما بصفة ذلك الطعام وكيفيّته قبل أن يأتيكما ذلك الطعام. وهذا مثل قول عيسىعليه‌السلام :( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (١) .

وقيل: معناه: لا يأتيكما طعام ترزقانه في منامكما إلّا نبّأتكما بتأويله وبيان عاقبته في اليقظة قبل أن يأتيكما التأويل. والأوّل أشهر وأصحّ.

__________________

(١) آل عمران: ٤٩.


( ذلِكُما ) أي: ذلك التأويل.( مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) بالإلهام والوحي، وليس من قبيل التكهّن أو التنجيم.

( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) تعليل لـما قبله، أي: علّمني ذلك لأنّي تركت ملّة الّذين لا يؤمنون بالوحدانيّة وبيوم البعث والنشور.

أراد بهؤلاء القوم أهل مصر، ومن كان الفتيان على دينهم.

( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنّه من أهل بيت النبوّة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق عليه.

ولذلك جوّز للخامل أن يصف نفسه حتّى يعرف فيقتبس منه وينتفع به في الدين، ولم يكن ذلك من باب التزكية. وتكرير ضمير «هم» للدلالة على تأكيد كفرهم بالآخرة.

( ما كانَ لَنا ) ما صحّ لنا معشر الأنبياء( أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ) أيّ شيء كان، من ملك أو جنّيّ أو إنسيّ، فضلا أن نشرك به صنما لا يسمع ولا يبصر.

( ذلِكَ ) التوحيد( مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا ) بالوحي( وَعَلَى النَّاسِ ) وعلى سائر الناس ببعثنا لإرشادهم، وتثبيتهم عليه( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) المبعوثون نحن إليهم( لا يَشْكُرُونَ ) هذا الفضل، فيعرضون عنه ولا يتنبّهون.

وقيل: معناه: ذلك فضل الله علينا وعليهم بنصب الأدلّة وإنزال الآيات، ولكنّ أكثرهم لا ينظرون إليها، ولا يستدلّون بها، فيلغونها، كمن يكفر النعمة ولا يشكرها.

( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ) أي: يا ساكنيه، كقوله عزّ اسمه:( أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ ) (١) . أو يا صاحبيّ فيه، فأضافهما إليه على الاتّساع، كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار. فكما أنّ الليل مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنّما المصحوب غيره، وهو يوسفعليه‌السلام .( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ )

__________________

(١) الحشر: ٢٠.


أملّاك شتّى متعدّدة متباينة، من حجر وخشب وغيرهما( خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ ) المتوحّد بالألوهيّة( الْقَهَّارُ ) الغالب الّذي لا يعادله ولا يقاومه غيره؟! والهمزة للإنكار. وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام.

( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ) خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر( إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) من حجّة غالبة، أي: إلّا أشياء باعتبار أسامي أطلقتم عليها، من غير حجّة تدلّ على تحقّق مسمّياتها فيها، فكأنّكم لا تعبدون إلّا الأسماء المجرّدة. والمعنى: أنّكم سمّيتم ما لم يدلّ على استحقاقه الألوهيّة عقل ولا نقل آلهة، ثمّ أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.

( إِنِ الْحُكْمُ ) في أمر العبادة( إِلَّا لِلَّهِ ) لأنّه المستحقّ لها بالذات، من حيث إنّه الواجب لذاته، والموجد للكلّ، والمالك لأمره( أَمَرَ ) على لسان أنبيائه( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) الحقّ الثّابت بالدلائل، وأنتم لا تميّزون المعوجّ عن القويم.

وهذا من التدرّج في الدعوة وإلزام الحجّة، لأنّه بيّن لهم أوّلا رجحان التوحيد على اتّخاذ الآلهة على طريق الخطابة، ثمّ برهن على أنّ ما يسمّونها آلهة ويعبدونها لا تستحقّ الإلهيّة، فإنّ استحقاق العبادة إمّا بالذات وإمّا بالغير، وكلا القسمين منتف عنها، ثمّ نصّ على ما هو الحقّ القويم والدين المستقيم الّذي لا يقتضي العقل غيره، ولا يرتضي العلم دونه.

( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) لعدولهم عن النظر والاستدلال، فيخبطون في جهالاتهم.

ثمّ عبّر رؤياهما فقال:( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما ) يعني: الشرابي( فَيَسْقِي رَبَّهُ ) أي: سيّده( خَمْراً ) كما كان يسقيه قبل، ويعود إلى ما كان عليه( وَأَمَّا الْآخَرُ ) يريد به الخبّاز( فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ) .


روي أنّه قال يوسف في تعبير الساقي: أمّا العناقيد الثلاثة فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثمّ يخرجك الملك اليوم الرابع وتعود إلى ما كنت عليه. وقال للخبّاز: بئس ما رأيت، أمّا السلال الثلاث فإنّها ثلاثة أيّام تبقى في السجن، ثمّ يخرجك الملك فيصلبك فتأكل الطير من رأسك. فقال عند ذلك: ما رأيت شيئا وكنت ألعب.

فقال يوسف:( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) أي: قطع الأمر الّذي تستفتيان فيه، وهو ما يئول إليه أمركما، ولذلك وحّده، فإنّهما وإن استفتيا في أمرين، لكنّهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما.

( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَ ) أي: علم بطريق الوحي( أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ) كما في قوله تعالى:( إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ) (١) أي: علمت. وقيل: المراد بالظانّ الناجي الّذي هو الشرابي لا يوسف، فـ «ظنّ» باق على معناه الحقيقي.( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) اذكر حالي عند الملك الّذي يربّيك بأنّي محبوس ظلما كي يخلّصني( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) فأنسى الشرابيّ أن يذكره لربّه. فأضاف إليه المصدر لملابسته له، فإنّ الربّ لا يكون فاعلا ولا مفعولا. أو على تقدير: ذكر أخبار ربّه. قيل :

أنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه في تلك الحال حين وكل أمره إلى غيره واستغاث بمخلوق. والأوّل أليق بمذهبنا. والاستعانة بالعباد في كشف الشدائد وإن كانت محمودة في الجملة، لكنّها لا تليق بمنصب الأنبياء، وتركه أولى.

( فَلَبِثَ ) لأجل ذلك( فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) البضع ما بين الثلاث إلى التسع، من البضع وهو القطع، كأنّه يقطع من العشرة. وقيل: البضع ما بين الثلاث إلى الخمس. وقيل: إلى السبع. وقيل: لبث في السجن سبع سنين بعد أن كان خمسا.

والأصحّ أن مدّة مكثه في السجن سبع سنين، فإنّه منقول عن عليّ بن الحسين وأبي عبد اللهعليهما‌السلام ، ومأثور عن ابن عبّاس.

__________________

(١) الحاقّة: ٢٠.


روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق».

وروي أنّهعليه‌السلام قال: «لولا كلمته ما لبث».

يعني قوله:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) .

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «جاء جبرئيل إلى يوسف فقال: يا يوسف من جعلك أحسن الناس؟ قال: ربّي. قال: فمن حبّبك إلى أبيك دون إخوتك؟ قال: ربّي. قال: فمن ساق إليك السيّارة؟ قال: ربّي. قال: فمن صرف عنك الحجارة؟ قال: ربّي. قال: فمن أنقذك من الجبّ؟ قال: ربّي. قال: فمن صرف عنك كيد النسوة؟ قال: ربّي. قال: فإنّ ربّك يقول: ما دعاك إلى أن تنزل حاجتك بمخلوق دوني؟! البث في السجن بما قلت بضع سنين».

وعنهعليه‌السلام في رواية اخرى قال: «فبكى يوسف عند ذلك حتّى بكى لبكائه الحيطان، فتأذّى ببكائه أهل السجن، فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما، فكان في اليوم الّذي يسكت أسوء حالا».

وعلى تقدير صحّة هذه الروايات، فإنّما عوتب يوسفعليه‌السلام في ترك عادته الجميلة في الصبر والتوكّل على الله سبحانه في كلّ أموره دون غيره، وإنّما يكون قبيحا لو ترك التوكّل على الله سبحانه واقتصر على غيره. وفي هذا ترغيب في الاعتصام بالله تعالى، والاستعانة به دون غيره عند نزول الشدائد، وإن جاز أيضا أن يستعان بغيره.

روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «علّم جبرئيلعليه‌السلام يوسف في محبسه فقال: قل في دبر كلّ صلاة فريضة: أللَّهمّ اجعل لي فرجا ومخرجا، وارزقني من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب».

وروى شعيب العقرقوفي عنهعليه‌السلام قال: « لـمّا انقضت المدّة وأذن له في دعاء الفرج وضع خدّه على الأرض، ثمّ قال: أللَّهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي


عندك، فإنّي أتوجّه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ففرّج الله عنه. قال: فقلت له: جعلت فداك أندعوا نحن بهذا الدعاء؟

فقال: ادعوا بمثله: أللَّهمّ إن كانت ذنوبي قد أخلقت عندك وجهي، فإنّي أتوجّه إليك بوجه نبيّك نبيّ الرحمة وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّةعليهم‌السلام ».

( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) )

ثمّ أخبر سبحانه عن سبب نجاة يوسف وقت دنوّها، فقال:( وَقالَ الْمَلِكُ )


الريّان بن الوليد( إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ) خرجن من نهر يابس، وسبع بقرات مهازيل( يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ) أي: ابتلعت المهازيل السمان( وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ) وأرى في منامي سبع سنبلات قد انعقد حبّها( وَأُخَرَ يابِساتٍ ) وسبعا أخر يابسات قد أدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتّى غلبت عليها. وإنّما استغنى عن بيان حالها ـ وهي سبع يابسات كالخضر ـ بما قصّ من حال البقرات. وأجرى السمان على المميّز دون المميّز وهو «سبع»، لأنّ التمييز بها. ووصف السبع الثاني بالعجاف، لتعذّر التمييز بها مجرّدا عن الموصوف، فإنّ التمييز لبيان الجنس. وقياس عجاف عجف، لأنّه جمع عجفاء، وأفعل فعلاء لا يجمع على فعال، لكنّه حمل على سمان، لأنّه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض.

( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ) أشراف قومي. وقيل: هم السحرة والكهنة.( أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ) عبّروها( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) إن كنتم عالمين بعبارة(١) الرؤيا. وهي الانتقال من الصور الخياليّة إلى المعاني النفسانيّة الّتي هي مثالها، من العبور، وهو المجاوزة. و «عبرت الرؤيا عبارة» أثبت(٢) من: عبّرتها تعبيرا، كما قال صاحب الكشّاف(٣) من أنّه لم ينقل من الأثبات(٤) التعبير والمعبّر، بل العبارة والعابر، لأنّه من العبور. وحقيقة «عبرت الرؤيا» ذكرت عاقبتها، كما يقال: عبرت النهر إذا قطعته حتّى تبلغ آخر عرضه. واللام للبيان أو لتقوية العامل، فإنّ الفعل لـمّا أخّر عن مفعوله ضعف فقوّي باللام، كاسم الفاعل إذا قيل: هو عابر للرؤيا، لانحطاطه عن الفعل في القوّة. أو لتضمّن «تعبرون» معنى فعل يعدّى باللام، كأنّه قيل: إن كنتم

__________________

(١) مصدر: عبر يعبر عبرا وعبارة.

(٢) في هامش النسخة الخطّية: «أي: أشدّ تثبّتا وحجّة. منه».

(٣) الكشّاف ٢: ٤٧٤.

(٤) الأثبات: ثقات القوم، جمع الثبت، وهو الثقة.


تجيبون لعبارة الرؤيا.

( قالُوا ) هي( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) أي: تخاليطها. جمع ضغث. وأصله ما جمع من أخلاط النبات وحزم، فاستعير للرؤيا الكاذبة. وإنّما جمعوا الأحلام للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان، كقولهم: فلان يركب الخيل، وإنّما يركب فردا منها. أو لتضمّن الحلم أشياء مختلفة. والإضافة بمعنى «من» أي: أضغاث من أحلام.( وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصّة، أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنّما التأويل للمنامات الصادقة. فهو كأنّه مقدّمة ثانية للعذر في جهلهم بتأويله.

وعند ذلك تذكّر الساقي حديث يوسف، فجثا بين يدي الملك وقال: أيّها الملك إنّي قصصت أنا وصاحب الطعام على رجل في السجن منامين، فخبّرنا بتأويلهما، وصدق في جميع ما وصف، فإن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا. وذلك قوله عزّ اسمه:( وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما ) من صاحبي السجن، وهو الشرابي( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) وتذكّر يوسفعليه‌السلام بعد جماعة من الزمان مجتمعة، أي: مدّة طويلة. والجملة اعتراض، ومقول القول قوله:( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ) فابعثوني إلى من عنده علمه، أو إلى السجن.

فأرسل إلى يوسف فجاء، فقال له:( يُوسُفُ ) أي: يا يوسف( أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) البليغ في الصدق. وإنّما وصفه بصيغة المبالغة، لأنّه جرّب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه.( أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) أي: في رؤيا ذلك( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) أعود إلى الملك ومن عنده، أو إلى أهل البلد، إذ روي عن ابن عبّاس أنّ السجن لم يكن فيه( لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) تأويلها، أو فضلك ومكانك، فيطلبوك


ويخلّصوك من محنتك. وإنّما لم يجزم الكلام فيهما، لأنّه لم يكن جازما بالرجوع، فربما اخترم دونه، ولا بعلمهم، فربما لم يعلموا.

( قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ) أي: على عادتكم المستمرّة. وانتصابه على الحال، بمعنى: دائبين. أو المصدر، بإضمار فعله، أي: تدأبون دأبا، وتكون الجملة حالا. وقرأ حفص: دأبا بفتح الهمزة. وكلاهما مصدر: دأب في العمل إذا اعتاد فيه. وقيل: «تزرعون» خبر في معنى الأمر، أخرجه في صورة الخبر مبالغة في تحقّق الفعل، لقوله:( فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ) كيلا يأكله السوس. وهو ـ على أنّه خبر لا أمر ـ نصيحة خارجة عن العبارة.( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ) في تلك السنين.

( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ ) أي: يأكل أهلهنّ ما ادّخرتم لأجلهنّ، وذلك متعارف، كما يقال: دّخرت الحبوب للسنين وإن كان في الحقيقة لأهلها. فأسند إليهنّ على المجاز تطبيقا بين المعبّر ـ وهو البقرات والسنبلات ـ والمعبّر به، وهو السنين.( إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ) تحرزون وتخبؤن لبذور الزراعة.

ثمّ بشّرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثاني يجيء مباركا خصيبا، كثير الخير، غزير النعم، فقال:( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ ) يمطرون، من الغيث. أو يغاثون من القحط، من الغوث.( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) ما يعصر، كالعنب والزيتون والسمسم، لكثرة الثمار. وقيل: يحلبون الضروع. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي. وهذه بشارة بشّرهم بها بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة. وعلم ذلك كلّه بالوحي. ويحتمل أن علم ذلك بأن انتهاء الجدب


بالخصب، أو بأن السنّة الإلهيّة على أن يوسّع على عباده بعد ما ضيّق عليهم. والأوّل موافق لمذهبنا.

( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) )

ولـمّا رجع الرسول إلى الملك، وقصّ عليه ما سمع من يوسف من التعبير، اشتاق لقاءه( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ) ليخرجه من السجن( قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ) سيّدك( فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) وإنّما تأنّى في الخروج، وقدّم سؤال النسوة وفحص حالهنّ، لتظهر براءة ساحته وطهارة ذيله، ويعلم أنّه سجن ظلما، فلا يقدر الحاسد أن يتوسّل به إلى تقبيح أمره. وفيه دليل على أنّه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم، ويتّقي مواقعها. وإنّما قال:( فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ ) ولم يقل: فاسأله أن يفتّش عن حالهنّ أو عن شأنهنّ، تهييجا له على البحث وتحقيق الحال. وإنّما لم يتعرّض لسيّدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب، فإنّها سيّدته وزوجة خليفة الملك.

( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) حين قلن لي: أطع مولاتك. وفيه تعظيم كيدهنّ ،


والاستشهاد بعلم الله تعالى عليه، وعلى أنّه بريء ممّا قذف به، والوعيد لهنّ على كيدهنّ.

عن ابن عبّاس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حالة، يقول: هذا الّذي راود امرأتي.

وقيل: أشفق يوسف من أن يراه الملك بعين مشكوك في أمره متّهم بفاحشة، فأحبّ أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه.

روي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره ـ والله يغفر له ـ حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتّى أشترط أن يخرجوني من السجن. ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه ـ والله يغفر له ـ حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربّك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، وما ابتغيت العذر، إنّه كان لحليما ذا أناة».

( قالَ ما خَطْبُكُنَ ) قال الملك لهنّ: ما شأنكنّ. والخطب أمر يحقّ أن يخاطب فيه صاحبه.( إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ) تنزيه له تعالى وتعجّب من قدرته على خلق عفيف مثله( ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) من ذنب.( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ ) ثبت واستقرّ، من: حصحص البعير إذا ألقى مباركة ليناخ. أو ظهر، من حصّ شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه.( أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) في قوله:( هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) . ولا مزيد على شهادتهنّ له بالبراءة والنزاهة، واعترافهنّ على أنفسهنّ بأنّه لم يتعلّق بشيء ممّا قرفنه(١) به، لأنّهنّ خصومه، وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحقّ وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال.

__________________

(١) قرف فلانا بكذا: عابه أو اتّهمه به.


( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) )

ثمّ قال يوسف لـمّا عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهنّ:( ذلِكَ ) أي: ذلك الّذي فعلت من التأنّي في السجن، وعدم سرعة الإجابة إلى الخروج منه، وردّ رسول الملك إليه في شأن النسوة( لِيَعْلَمَ ) العزيز( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) بظهر الغيب. وهو حال من الفاعل أو المفعول، أي: لم أخنه وأنا غائب عنه، أو وهو غائب عنّي. أو ظرف، أي: بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأستار والأبواب المغلقة.( وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) لا ينفذه ولا يسدّده. أو لا يهدي الخائنين بكيدهم، فأوقع الفعل على الكيد مبالغة.

وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها، وتوكيد لأمانته، وأنّه لو كان خائنا لـما هدى الله كيده ولا سدّده.

ثمّ أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلّا يكون لها مزكّيا، وبحالها في الأمانة معجبا ومفتخرا، كما

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر»، وليبيّن أنّ ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنّما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته، فقال:( وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) ولا أنزّهها( إِنَّ النَّفْسَ ) أراد جنس النفس( لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) من حيث إنّها بالطبع مائلة إلى الشهوات، فتهمّ بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كلّ الأوقات. وعن ابن كثير ونافع: بالسوّ، على قلب الهمزة واوا ثمّ الإدغام.( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) إلّا وقت رحمة ربّي، أو إلّا مارحمه‌الله تعالى من النفوس، فعصمه من تلك التهم.


وقيل: الاستثناء منقطع، أي: ولكن رحمة ربّي هي الّتي تصرف الإساءة.

وقيل: الآية حكاية قول راعيل، والمستثنى نفس يوسف وأضرابه. والمعنى: ذلك الّذي قلت من براءة ساحة يوسف، وإسناد المراودة إلى نفسي، ليعلم يوسف أنّي لم أكذب عليه في حال الغيبة، وصدقت فيما سئلت عنه، وما أبرّئ نفسي من الخيانة، فإنّي خنته حين قذفته وقلت: «ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلّا أن يسجن». ثمّ قالت اعتذارا ممّا كان منها: إنّ كلّ نفس لأمّارة بالسوء إلّا نفسا رحمها الله بالعصمة، كنفس يوسف.

( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يغفر همم النفوس، ويرحم من يشاء بالعصمة. وعلى القول الأخير: يغفر للمستغفر لذنبه، المعترف على نفسه، ويرحمه ما استرحمه ممّا ارتكبه. والقول الأوّل أشهر، والثاني أجود.

( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) )

( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ ) أجعله خالصا( لِنَفْسِي ) وأرجع إليه في تدبير مملكتي( فَلَمَّا كَلَّمَهُ ) فلمّا أتوا به وكلّمه، وشاهد منه الرشد وذكاء العقل وفطانة الفهم( قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ) ذو مكانة ومنزلة( أَمِينٌ )


مؤتمن على كلّ شيء.

روي أنّه لـمّا خرج من السجن كتب على بابه: «هذا قبور الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء». ثمّ اغتسل وتنظّف ولبس ثيابا جددا، وهو يومئذ كان ابن ثلاثين سنة، فلمّا رآه الملك شابّا حدث السنّ قال: يا غلام أنت مأوّل رؤياي؟ قال: نعم. فأقعده قدّامه، وقصّ عليه رؤياه.

وروي: أنّه لـمّا دخل على الملك قال: أللَّهمّ إنّي أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بعزّتك وقدرتك من شرّه. ثمّ سلّم عليه ودعا له بالعبرانيّة.

فقال: ما هذا اللسان؟

قال: لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لسانا، فكلّمه بها، فأجابه بجميعها. فتعجّب منه، فقال: أحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاها.

فقال يوسف: نعم، أيّها الملك رأيت سبع بقرات سمان شهب حسان، كشف لك عنهنّ النيل، فطلعن عليك من شاطئه، تشخب أخلافهنّ(١) لبنا.

فبينا تنظر إليهنّ ويعجبك حسنهنّ، إذ نضب(٢) النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمئه ووحله سبع بقرات عجاف شعث غبر، مقلّصات(٣) البطون، ليس لهنّ ضروع وأخلاف، ولهنّ أنياب وأضراس، وأكفّ كأكفّ الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع. فاختلطن بالسمان، فافترستهنّ افتراس السبع، فأكلن لحومهنّ، ومزّقن جلودهنّ، وحطّمن عظامهنّ، وتمشّشن(٤) مخّهنّ.

فبينا أنت تنظر وتتعجّب إذا سبع سنابل خضر وأخر سود في منبت واحد ،

__________________

(١) الأخلاف جمع الخلف، وهو: حلمة ضرع الناقة، أي: مكان مصّ الحليب من الثدي.

(٢) نضب الماء: غار في الأرض.

(٣) أي: انكمشت بطونهنّ هزالا.

(٤) تمشّش العظم: مصّه واستخرج منه المخّ.


عروقهنّ في الثرى والماء.

فبينا أنت تقول في نفسك: أنّى هذا وهؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، وأصولهنّ في الماء؟ إذ هبّت ريح فذرّت الأوراق من اليابسات السود على الثمرات الخضر، فاشتعلت فيهنّ النار وأحرقتهنّ، وصرن سودا متغيّرات. فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا، ثمّ انتبهت من نومك مذعورا.

فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا بأعجب ممّا سمعته منك، فما ترى في رؤياي أيّها الصديق؟

فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، فتجمع الحبوب بقصبها وسنبلها لتأمن من السوس، ويكون القصب والسنبل علفا للدوابّ. ويأتيك الخلق من النواحي، فيمتارون منك بحكمك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد ذلك.

فقال الملك: ومن لي بهذا؟ ومن يجمعه ويبيعه، ويكفي الشغل فيه؟

فعند ذلك( قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ) ولّني أمر أرض مصر( إِنِّي حَفِيظٌ ) لها ممّن لا يستحقّها( عَلِيمٌ ) بوجوه التصرّف فيه. وإنّما قال ذلك لأنّهعليه‌السلام لـمّا رأى أنّه يستعمله لا محالة آثر ما تعمّ فوائده وتجلّ عوائده، فيتوصّل بذلك إلى إمضاء أحكام الله، وبسط العدل، ووضع الحقوق موضعها.

وفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهار أنّه مستعدّ لها، والتولّي من يد الكافر، إذا علم أنّه لا سبيل إلى إقامة الحقّ وسياسة الخلق إلّا بالاستظهار به.

روي: أنّ الملك أجلسه على السرير، وفوّض إليه أمره. وقيل: توفّي قطفير في تلك السنين فنصبه في منصبه، وزوّج منه راعيل، فوجدها عذراء، وولدت له أفرائيم وميشا.

وروي: أنّ الملك كان يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كلّ ما رأى ،


فكان في حكم التابع له والمطيع. وعن مجاهد: أنّ الملك أسلم على يده.

وفي تفسير عليّ بن إبراهيم بن هاشم قال: « لـمّا مات العزيز وذلك في سنيّ الجدبة افتقرت امرأة العزيز واحتاجت حتّى سألت الناس. فقالوا لها: ما يضرّك لو قعدت للعزيز؟ وكان يوسف يسمّى العزيز، وكلّ ملك كان لهم سمّوه بهذا الاسم.

فقالت: استحي منه. فلمّا كثر اضطرارها وعجزها قعدت له. فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه زليخا، وقالت: سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيدا، وجعل العبيد بالطاعة ملوكا. فقال لها يوسف: أأنت تيك؟ قالت: نعم. فقال لها: هل لك فيّ؟ قالت: دعني أتهزأ بي؟ قال: لا. قالت: نعم. فأمر بها فحوّلت إلى منزله، وكانت هرمة. فقال لها يوسف: ألست فعلت بي كذا وكذا؟ قالت: يا نبيّ الله لا تلمني، فإنّي بليت ببليّة لم يبتل بها أحد. قال: وما هي؟ قالت: بليت بحبّك، وبليت بزوج عنّين. فقال لها يوسف: فما حاجتك؟ قالت: تسأل الله أن يردّ عليّ شبابي.

فسأل الله فردّ عليها، فتزوّجها وهي بكر شابّة»(١) .

روي عن ابن عبّاس عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل:( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ) لولّاه من ساعته، ولكنّه أخّر ذلك سنة».

قال ابن عبّاس: فأقام في بيت الملك سنة، فلمّا انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة، دعاه الأمير فتوّجه وختّمه بخاتمه وأعطاه سيفه، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب مكلّل بالدرّ والياقوت، ويضرب عليه كلّة(٢) من إستبرق، ثمّ أمره أن يخرج متوّجا، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه.

فانطلق حتّى جلس على السرير، ودانت له الملوك، فعدل بين الناس، وأحبّه الرجال والنساء. وذلك قوله عزّ اسمه:( وَكَذلِكَ ) مثل ذلك الإنعام الّذي أنعمنا على

__________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٥٧.

(٢) الكلّة: ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقّى به من البعوض.


يوسف( مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ) أقدرناه ما يريد( فِي الْأَرْضِ ) في أرض مصر( يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ ) ينزل من بلادها في كلّ مكان يهوى، لاستيلائه على جميعها.

وقرأ ابن كثير: نشاء بالنون.( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا ) بعطائنا( مَنْ نَشاءُ ) في الدنيا والآخرة( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) بل نوفي أجورهم عاجلا وآجلا.

( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) الشرك والفواحش، لعظمه ودوامه.

روي: أنّه لـمّا استوزره الملك أقام العدل، واجتهد في تكثير الزراعات وضبط الغلّات، حتّى دخلت السنون المجدبة، وعمّ القحط مصر والشام ونواحيهما، وتوجّه إليه الناس، فباعها.

وفي كتاب النبوّة بالإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن عليّ بن بنت إلياس، قال: «سمعت الرضاعليه‌السلام يقول: وأقبل يوسف على جمع الطعام، فجمع في السبع سنين المخصبة، فكبسه في الخزائن. فلمّا مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة، أقبل يوسف على بيع الطعام، فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير، حتّى لم يبق بمصر وما حولها دينار ولا درهم إلا صار في مملكته.

ثمّ باعهم في السنة الثانية بالحليّ والجواهر، حتّى لم يبق بمصر وما حولها حليّ ولا جواهر إلا صار في مملكته.

وباعهم في السنة الثالثة بالدوابّ والمواشي، حتّى لم يبق بمصر وما حولها دابّة ولا ماشية إلا صارت في مملكته.

وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتّى لم يبق بمصر عبد ولا أمة إلا صار في مملكته.

وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار، حتّى لم يبق بمصر وما حولها دار


ولا عقار إلا صار في مملكته.

وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار، حتّى لم يبق بمصر وما حولها نهر ولا مزرعة إلا صار في مملكته.

وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتّى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حرّ إلا صار عبد يوسف، فملك أحرارهم وعبيدهم. وقال الناس: ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطى هذا الملك حكما وعلما وتدبيرا.

ثمّ قال يوسف للملك: أيّها الملك ما ترى فيما خوّلني ربّي من ملك مصر وأهلها، أشر علينا برأيك، فإنّي لم أصلحهم لأفسدهم، ولم أنجهم من البلاء لأكون بلاء عليهم، ولكنّ الله تعالى أنجاهم على يديّ.

قال له الملك: الرأي رأيك.

قال: أشهد الله وأشهدك أيّها الملك بأنّي قد أعتقت أهل مصر كلّهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيّها الملك خاتمك وسريرك وتاجك، على أن لا تسير إلّا بسيرتي، ولا تحكم إلا بحكمي.

قال له الملك: إنّ ذلك لزيني وفخري، فلا أسير إلا بسيرتك، ولا أحكم إلا بحكمك، ولولاك ما قويت عليه ولا اهتديت له، ولقد جعلت سلطاني عزيزا لا يرام، وإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّك رسوله، فأقم على ما ولّيتك، فإنّك لدينا مكين أمين».

وقيل إن يوسفعليه‌السلام كان لا يمتلي شبعا من الطعام في تلك الأيّام المجدبة، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إنّي أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.

( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي


الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) )

وكان في السنين المجدبة قد أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد، فجمع يعقوب بنيه غير بنيامين، وقال: بلغني أنّه يباع الطعام بمصر وأنّ صاحبه رجل


صالح، فاذهبوا إليه. فتجهّزوا وساروا حتّى وردوا مصر للميرة(١) ، كما قالعزوجل :( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ) ليمتاروا من مصر كما امتار غيرهم. وكان لا يبيع أحدا من الممتارين أكثر من حمل بعير، تقسيطا بين الناس.( فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) أي: عرفهم يوسف ولم يعرفوه، لطول العهد ومفارقتهم إيّاه في سنّ الحداثة، ونسيانهم إيّاه، وتوهّمهم أنّه هلك، وبعد حاله الّتي رأوه عليها من حاله حين فارقوه، وقلّة تأمّلهم في حاله، ولأنّ الملك ممّا يبدّل الزيّ ويلبس صاحبه من المهابة والاستعظام ما ينكر له المعروف.

وقيل: رأوه على زيّ فرعون عليه ثياب الحرير، جالسا على سرير، في عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فما خطر ببالهم أنّه هو.

وقيل: ما رأوه إلا من بعيد بينهم وبينه مسافة وحجاب، وما وقفوا إلا حيث يقف طلّاب الحوائج. وإنّما عرفهم لأنّه فارقهم وهم رجال، ورأى زيّهم قريبا من زيّهم إذ ذاك، ولأنّ همّته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، فكان يتأمّل ويتفطّن.

( وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ ) والجهاز ما يعدّ من الأمتعة للنقلة، كعدد السفر، وما يحمل من بلدة إلى اخرى، وما تزفّ به المرأة إلى زوجها. والمعنى: ولـمّا أصلحهم بعدّتهم، وأوقر ركائبهم بما جاؤا لأجله( قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ) يعني: بنيامين.

والباعث على صدور هذا القول منه ـ على ما قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره(٢) ، والزمخشري في الكشّاف(٣) ـ أنّهم لـمّا دخلوا عليه قال: من أنتم وما

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «الميرة: الامتيار. وهو ابتياع الغلّات. والميرة: الغلّة التي تطلب. منه».

(٢) لم نجده في تفسيره.

(٣) الكشّاف ٢: ٤٨٤.


أمركم، فإنّي أنكركم؟

قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار.

فقال: لعلّكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي؟

قالوا: معاذ الله نحن بنو أب واحد، وهو شيخ صدّيق، نبيّ من الأنبياء اسمه يعقوب.

قال: كم أنتم؟

قالوا كنّا اثني عشر، فذهب أحدنا إلى البرّيّة فهلك.

قال: فكم أنتم هنا؟

قالوا: عشرة.

قال: فأين الحادي عشر؟

قالوا: عند أبينا يتسلّى به عن الهالك.

قال: فمن يشهد لكم؟

قالوا: لا يعرفنا ها هنا من يشهد لنا.

قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة، وائتوني بأخيكم من أبيكم حتّى أصدّقكم. فاقترعوا فأصابت شمعون.

وقيل: كان يوسف يعطي لكلّ نفس حملا، فسألوا حملا زائدا لأخ لهم من أبيهم، فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه به ليعلم صدقهم. ثمّ رغّبهم في أن يأتوا بأخيهم، فقال:( أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ) أتمّه( وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) للضيف والمضيفين لهم. وكانعليه‌السلام أحسن إنزالهم وضيافتهم.

ثمّ رهّبهم من حرمانهم عن الكيل إن لم يأتوا به، فقال:( فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ ) فليس لكم( عِنْدِي ) طعام أكيله عليكم( وَلا تَقْرَبُونِ ) أي: لا تقربوني، ولا تدخلوا دياري. وهو إمّا نهي، أو نفي مجزوم معطوف على الجزاء ،


وهو قوله:( فَلا كَيْلَ لَكُمْ ) . كأنّه قال: فإن لم تأتوني تحرموا ولا تقربوا.

( قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ ) سنجتهد في طلبه من أبيه( وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ) ذلك لا نتوانى فيه.

( وَقالَ لِفِتْيانِهِ ) لغلمانه الكيّالين. جمع فتى(١) . وقرأ حمزة والكسائي وحفص: لفتيانه على جمع الكثرة، ليوافق الرحال في قوله:( اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ ) فإنّه وكلّ بكلّ رحل واحدا يعبّئ فيه بضاعتهم الّتي شروا بها الطعام، أي: يجعل في رحالهم خفية كيلا يفهموا. واحدها: رحل. يقال للوعاء رحل، وللمسكن رحل. وأصله: الشيء المعدّ للرحيل. وكانت البضاعة نعالا وأدما. وإنّما ردّ عليهم البضاعة توسيعا وتفضّلا عليهم، وترفّعا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفا من أن لا يكون عند أبيهم ما يعيشون به.

( لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها ) لعلّهم يعرفون حقّ ردّها، أو لكي يعرفوها( إِذَا انْقَلَبُوا ) انصرفوا ورجعوا( إِلى أَهْلِهِمْ ) وفتحوا أوعيتهم( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) لعلّ معرفتهم ذلك الإحسان التامّ تدعوهم إلى الرجوع إلينا لطلب الميرة ثانيا.

قيل: معناه: أنّ ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة الّتي لا يستحلّون إمساكها، فيرجعون لأجلها. ولم يعرّف يوسف نفسه، مع علمه بشدّة حزن أبيه وقلقه واحتراقه على ألم فراقه، لأنّه لم يؤذن له في التعريف، استتماما للمحنة عليه وعلى يعقوب، ولـما علم الله من الحكمة والصلاح في تشديد البليّة، تعريضا للمنزلة السنيّة.

( فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ) حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب بنيامين( فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا ) بنيامين( نَكْتَلْ ) أي: نأخذ ما نحتاج إليه من الطعام بالكيل، ونرفع المانع منه. وقرأ حمزة والكسائي بالياء، على إسناده إلى

__________________

(١) أي: على قراءة: لفتيته.


الأخ، أي: يكتل لنفسه، فينضمّ اكتياله إلى اكتيالنا.( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) من أن يناله مكروه.

( قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ ) على بنيامين( إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ) وقد قلتم في يوسف:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) ثمّ لم تفوا بضمانكم( فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً ) فأتوكّل عليه، وأفوّض أمري إليه. وانتصابه على التمييز. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: حافظا. وهو يحتمل التمييز والحال، كقولهم: لله درّه فارسا.( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فأرجو أن يرحم ضعفي وكبر سنّي، فيحفظه ويردّه عليّ، ولا يجمع عليّ مصيبتين.

( وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي ) استفهاميّة، أي: ماذا نطلب؟ هل من مزيد على لك، أكرمنا، وأحسن مثوانا، وباع منّا، وردّ علينا متاعنا؟! أو نافية، أي: لا نطلب وراء ذلك إحسانا. أو لا نبغي في القول، ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه.

ثمّ استأنفوا كلاما موضحا لقولهم: «ما نبغي»، فقالوا:( هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ) فلا ينبغي أن تخاف على أخينا ممّن قد أحسن إلينا هذا الإحسان( وَنَمِيرُ أَهْلَنا ) ونجلب إليهم الطعام. وهو معطوف على محذوف، أي: ردّت إلينا، فنستظهر بها، ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك.( وَنَحْفَظُ أَخانا ) عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا( وَنَزْدادُ ) باستصحاب أخينا( كَيْلَ بَعِيرٍ ) وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا، فأيّ شيء نطلب وراء هذه المباغي الّتي نستصلح بها أحوالنا؟!( ذلِكَ ) الّذي جئناك به( كَيْلٌ يَسِيرٌ ) أي: مكيل قليل لا يكفينا. استقلّوا ما كيل لهم، فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك، ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. أو «ذلك» إشارة إلى «كيل بعير»، أي: ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظمه، بل يستقلّه. ويجوز أن يكون «كيل يسير» من كلام يعقوبعليه‌السلام . ومعناه: أنّ حمل بعير


شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد.

( قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ ) إذ رأيت منكم ما رأيت في يوسف( حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) حتّى تعطوني ما أتوثّق به من عند الله، أي: عهدا مؤكّدا بذكر الله تعالى( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ) جواب القسم، إذ المعنى: حتّى تحلفوا بالله لتأتنّني به، أي :

لتردّونه إليّ. روي عن ابن عبّاس: يعني: حتّى تحلفوا لي بحقّ محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين ألّا تعذروا بأخيكم.( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) إلا أن تغلبوا فلم تقدروا على الإتيان به، أو إلا أن تهلكوا جميعا. وهو استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال.

والتقدير: لتأتنّني به على كلّ حال من الأحوال إلا حال الإحاطة بكم. أو من أعمّ العلل، على أنّ قوله:( لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ) في تأويل النفي، أي: لا تمتنعون من الإتيان به لعلّة من العلل إلا لعلّة الإحاطة بكم، كقولهم: أقسمت بالله إلا فعلت، أي: ما أطلب إلا فعلك.

( فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ) ما يوثق به من العهود والأيمان( قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ ) من طلب الموثق وإتيانه( وَكِيلٌ ) رقيب مطّلع، إن أخلفتم بعد ما أحلفتم.

( وَ ) لـمّا تجهّزوا للمسير إلى مصر( قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ) لأنّهم كانوا ذوي جمال وأبّهة، مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا. وإنّما لم يوصّهم بذلك في الكرّة الأولى، لأنّهم كانوا مجهولين حينئذ، أو كان الداعي إليها خوفه على بنيامين.

واعلم أنّه خلاف بين العلماء في تأثير العين، وجوّزه كثير من المحقّقين.

وروي فيه الخبر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنّ العين حقّ، والعين تستنزل الحالق».

والحالق: المكان المرتفع من الجبل وغيره. فجعلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل، من قوّة أخذها وشدّة بطشها.


وروي في الخبر: أنّه كان يعوّذ الحسن والحسينعليهما‌السلام ، بأن يقول: أعيذكما بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة، ومن كلّ عين لامّة.

وروي أنّ إبراهيمعليه‌السلام عوّذ ابنيه، وأنّ موسىعليه‌السلام عوّذ ابني هارون بهذه العوذة.

وروي أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا، فقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله إنّ العين إليهم سريعة، أفأسترقي لهم من العين؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نعم.

وروي أنّ جبرئيلعليه‌السلام رقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلّمه الرقية. وهي: بسم الله أرقيك من كلّ عين حاسد، الله يشفيك.

وروي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين».

ثمّ اختلفوا في وجه الإصابة بالعين، فروي عن عمرو بن بحر الجاحظ أنّه قال: لا ينكر أن ينفصل من العين الصائبة إلى الشيء المستحسن أجزاء لطيفة، فتتّصل به وتؤثّر فيه، ويكون هذا المعنى خاصّية في بعض الأعين، كالخواصّ في الأشياء. وليس ببعيد أن يحدث الله تعالى عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصانا فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحانا لعباده. والله أعلم بحقائق الأمور.

( وَما أُغْنِي ) وما أدفع( عَنْكُمْ ) بما أشرت به إليكم من التفرّق( مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) ممّا قضى عليكم من المصيبة، فإنّ الحذر لا يمنع القدر( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) يصيبكم لا محالة إن قضى عليكم سوءا، ولا ينفعكم ذلك( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) فوّضت إليه أمري( وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) جمع بين الواو والفاء في عطف الجملة على الجملة، لتقدّم الصلة، لاختصاص التوكّل به، فكأنّ الواو للعطف، والفاء لإفادة التسبّب، فإنّ فعل الأنبياء صلّى الله عليهم سبب لأن يقتدى بهم.


( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) )

( وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ) أي: من أبواب متفرّقة في البلد( ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ ) رأي يعقوب واتّباعهم له في دخولهم متفرّقين( مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ )


ممّا قضاه عليهم، فسرّقوا(١) وافتضحوا بذلك، وأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب( إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ) أظهرها ووصّى بها. والاستثناء منقطع، أي: ولكن حاجة في نفسه، يعني: إظهار شفقته عليهم، ودغدغته من أن يعانوا.

( وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ) أي: حصل له العلم بتعليمنا إيّاه بطريق الوحي ونصب الحجج، ولذلك قال:( وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) ، ولم يغترّ بتدبيره( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) سرّ القدر، وأنّه لا يغني عنه الحذر. أو لا يعلمون مرتبة يعقوب في العلم، أو ما ألهم الله أولياءه.

( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ) ضمّ إليه بنيامين على الطعام، أو في المنزل.

روي أنّهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به. فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، وستجدون أجره عندي. فأنزلهم وأكرمهم، ثمّ أضافهم فأجلسهم مثنى مثنى على مائدة. ولـمّا أجلس كلّ اثنين على مائدة وبقي بنيامين وحيدا بكى وقال: لو كان أخي يوسف حيّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته، وجعل يؤاكله. ثمّ قال: لينزل كلّ اثنين منكم بيتا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده. وقال له :

أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك؟! ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل. فبكى يوسف وقام إليه وعانقه.

( قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ ) فلا تحزن. افتعال من البؤس، وهو الحزن.( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) يعمل إخوتنا في حقّنا، فإنّ الله قد أحسن إلينا وجمعنا.

( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ ) المشربة( فِي رَحْلِ أَخِيهِ ) أي: أمر حتّى جعلها في متاع أخيه. وإنّما أضاف الله تعالى ذلك إليه لوقوعه بأمره. روي أنّها

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «التسريق إسناد السرقة إلى الغير. منه».


مشربة جعلت صاعا في السنين الشداد القحاط يكال بها، فهي الصواع. وقيل: كان يسقى بها الملك، ثمّ جعلت صاعا يكال به. وقيل: كانت الدوابّ تسقى بها، ويكال بها. روي أنّها كانت إناء مستطيلا يشبه المكّوك(١) . وقيل: هي المكّوك الفارسي الّذي يلتقي طرفاه، تشرب به الأعاجم، وكانت من فضّة مموّهة بالذهب. وقيل: كانت من ذهب مرصّعة بالجواهر. وروي أنّهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتّى انطلقوا، ثمّ أمر بردّهم فأدركوا وحبسوا.

( ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ) نادى مناد. يقال: أذنه إذا أعلمه، وأذّن: إذا أكثر الإعلام، ومنه: المؤذّن، لكثرة ذلك منه.( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) والعير القافلة. وهو اسم الإبل الّتي عليها الأحمال، لأنّها تعير، أي: تذهب وتجيء، فقيل لأصحاب العير، كقولهعليه‌السلام : يا خيل الله اركبي، بمعنى: يا صاحب الخيل. وقيل: جمع عير.

وأصله: فعل، كسقف وسقف، فعل به ما فعل ببيض. يطلق على قافلة الحمير، ثمّ استعير لكلّ قافلة.

قيل: إنّما قال ذلك بعض من فقد الصاع من قوم يوسف من غير أمره، ولم يعلم بما أمر به يوسف من جعل الصاع في رحالهم.

وقيل: إنّ يوسف أمر المنادي بأن ينادي به، ولم يرد به سرقة الصاع، وإنّما عنى به أنّكم سرقتم يوسف عن أبيه وألقيتموه في الجبّ.

وقيل: إنّ الكلام يجوز أن يكون خارجا مخرج الاستفهام، كأنّه قال: أإنّكم لسارقون، فأسقط همزة الاستفهام.

ويؤيّده ما روي عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «ما سرقوا ولا كذب».

__________________

(١) المكّوك: مكيال يسع صاعا ونصف صاع، أو نحو ذلك، أو طاس يشرب فيه. وجمعه مكاكيك.


وقيل: كان تعبئة السقاية والنداء على السرقة برضا بنيامين.

وكانت عبارة الكشّاف هكذا: «وروي أنّه قال له: أنا لا أفارقك. قال: قد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمّه، ولا سبيل إلى ذلك إلّا أن أنسبك إلى ما لا يجمل. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال: فإنّي أدسّ صاعي في رحلك، ثمّ أنادي عليك بأنّك قد سرقته، ليتهيّأ لي ردّك بعد تسريحك معهم. قال: افعل»(١) .

انتهى كلامه.

أقول: ظاهر هذه الرواية غير مطابق لأصول الكلام كما لا يخفى.

وقال في المجمع: «ويجوز أن يكون ذلك بأمر الله تعالى. وروي أنّه أعلم أخاه بذلك ليجعله طريقا إلى التمسّك به»(٢) .

( قالُوا ) قال أصحاب العير( وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ) حال كونهم مقبلين على أصحاب يوسف( ما ذا تَفْقِدُونَ ) أيّ شيء ضاع عنكم؟ والفقد غيبة الشيء عن البصر بحيث لا يعرف مكانه.

( قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ) من الطعام، جعلا له( وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) كفيل أؤدّيه إلى من ردّه. وفيه دليل على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل.

( قالُوا تَاللهِ ) قسم فيه معنى التعجّب. والتاء بدل من الباء، مختصّة بالله سبحانه.( لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ) استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم، لـما عرفوا منهم في كرّتي مجيئهم ومداخلتهم للملك ممّا يدلّ على فرط أمانتهم، كردّ البضاعة الّتي جعلت في رحالهم، وكعم(٣) أفواه الدوابّ لئلّا تتناول

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٤٨٩.

(٢) مجمع البيان ٥: ٢٥٢.

(٣) كعم البعير كعما: شدّ فمه لئلّا يعضّ أو يأكل.


زرعا أو طعاما لأحد من أهل الأسواق.( وَما كُنَّا سارِقِينَ ) وما كنّا نوصف قطّ بالسرقة، فالسرقة منافية لحالنا.

( قالُوا فَما جَزاؤُهُ ) فما جزاء السارق أو السرق أو الصواع، على حذف المضاف، أي: جزاء سرقة الصواع( إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ) في ادّعاء البراءة.

( قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ) أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، واسترقاقه سنة. هكذا كان شرع يعقوبعليه‌السلام . وقوله: «فهو جزاؤه» تقرير للحكم وإلزام له، أو خبر «من» والفاء لتضمّنها معنى الشرط، أو جواب لكلمة «من» على أنّها شرطيّة. والجملة كما هي خبر «جزاؤه» على إقامة الظاهر فيها مقام الضمير، كأنّه قيل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو.( كَذلِكَ ) مثل ما ذكرناه من الجزاء( نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) بالسرقة، يعني: إذا سرقوا استرقّوا.

( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ) فبدأ المؤذّن. وقيل: بدأ يوسف بأوعيتهم، لأنّهم ردّوا إلى مصر.( قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ) بنيامين نفيا للتهمة( ثُمَّ اسْتَخْرَجَها ) أي: السقاية أو الصواع، لأنّه يذكّر ويؤنّث( مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ) .

( كَذلِكَ ) مثل ذلك الأمر الخفيّ الّذي هو في صورة الكيد والبهتان لا حقيقة، كما مرّ(١) في تفسير قوله: «ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ إلخ»( كِدْنا لِيُوسُفَ ) بأن علّمناه إيّاه وأوحينا به إليه ليتوصّل بما يتهيّأ له أن يحبس أخاه، ليكون ذلك سببا لوصول خبره إلى أبيه( ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) ملك مصر، لأنّ دينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ، دون الاسترقاق. وهو بيان للكيد( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ) إلّا بمشيئة الله وإذنه أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. فالاستثناء من أعمّ الأحوال. ويجوز أن يكون منقطعا، أي: لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه.

( نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ) بالعلم، كما رفعنا درجة يوسف( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )

__________________

(١) راجع ص: ٣٩٥.


أرفع درجة منه في علمه، حتّى ينتهي إلى الله تعالى العالم لذاته، فلا يختصّ بمعلوم دون معلوم، فيقف عليه ولا يتعدّاه.

( قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) )

روي: أنّهم لـمّا استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء، وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الّذي صنعت؟ فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا الصاع؟ ثمّ( قالُوا إِنْ يَسْرِقْ ) بنيامين( فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ ) يعنون يوسف( مِنْ قَبْلُ ) فليست سرقته بأمر بديع، فإنّه اقتدى بأخيه يوسف.

قيل: ورثت عمّته من أبيها منطقة(١) إبراهيم، وكانت تحضن يوسف وتحبّه حبّا شديدا، فلمّا ترعرع أراد يعقوب انتزاعه منها، فشدّت المنطقة على وسطه ثمّ أظهرت ضياعها، فتفحّص عنها فوجدت محزومة عليه، فصارت أحقّ به في شريعتهم.

__________________

(١) المنطقة: ما ينتطق به، اي: يشدّ على الوسط.


وقيل: كان لأبي أمّه صنم، فسرقه وكسره وألقاه في الجيف. وقيل: كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل.

والقول الأوّل أشهر وأكثر، ومرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام وابن عبّاس والضحّاك والجبائي.

( فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ) فأخفى يوسف تلك الكلمة الّتي قالوها، أو تلك الإجابة، أو نسبة السرقة إليه( وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ) ولم يظهرها لهم. وقيل: الضمير كناية بشريطة التفسير، وتفسيرها قوله:( قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ) فإنّه بدل من «أسرّها». والمعنى: قال في نفسه: أنتم شرّ مكانا، أي: منزلة في السرقة، لسرقتكم أخاكم، أو في سوء الصنيع ممّا كنتم عليه من ظلمكم على أخيكم وعقوق أبيكم.

وتأنيث هذا القول باعتبار الكلمة أو الجملة. وفيه نظر، إذ المفسّر بالجملة لا يكون إلّا ضمير الشأن.( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ) وهو يعلم أنّه ليس الأمر كما تصفون، ولم يصحّ لي ولأخي سرقة.

ثمّ رقّقوا في القول واستعطفوه بذكر أبيهم( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ) في القدر أو السنّ( فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ) بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإنّ أباه ثكلان على أخيه الهالك، مستأنس به( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) إمّا متعدّ، ومعناه: من المحسنين إلينا، فأتمم إحسانك. أو لازم، ومعناه: من الّذين عادتهم الإحسان، فلا تغيّر عادتك.

( قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ ) نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى المفعول به، وحذف «من»( إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ) هذا كلام موجّه بوجهين، ظاهره: أنّ أخذ غيره ظلم على فتواكم، فلو أخذنا أحدكم مكانه( إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) في مذهبكم هذا، فلا تطلبوا منّي ما تعرفون أنّه ظلم. وباطنه: أنّ الله تعالى أذن في أخذ من وجدنا الصاع في رحله، لمصلحته ورضاه عليه، فلو أخذت غيره كنت ظالما عاملا بخلاف ما أمرت به.


( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) )

( فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ) يئسوا من يوسف وإجابته إيّاهم. وزيادة السين والتاء للمبالغة، مثل: استعصم. وعن البزّي: استأيس، بالألف وفتح الياء من الهمزة. وإذا وقف حمزة ألقى حركة الهمزة على الياء على أصله.( خَلَصُوا ) انفردوا عن الناس واعتزلوا بحيث لا يخالطهم سواهم( نَجِيًّا ) متناجين. وإنّما وحّده لأنّه مصدر أو بزنته، كما قيل: هم صديق. وجمعه أنجية، كـ: نديّ وأندية. أو كان التقدير: ذوي نجوى، أو فوجا نجيّا، أي: متناجيا. وكان تناجيهم في تدبير أمرهم، أيرجعون أم يقيمون؟ وإذا رجعوا فما ذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟

( قالَ كَبِيرُهُمْ ) في السنّ، وهو روبيل ابن خالة يوسف، وهو الّذي نهى إخوته عن قتله. أو في الرأي والعلم، وهو شمعون، وكان رئيسهم. وقيل: في الشجاعة، وهو يهوذا. وعن محمّد بن إسحاق وعليّ بن إبراهيم بن هاشم(١) أنّه

__________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٤٩.


لاوي.( أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ ) عهدا وثيقا. وإنّما جعل حلفهم بالله موثقا منه، لأنّه بإذن منه وتأكيد من جهته.( وَمِنْ قَبْلُ ) ومن قبل هذا( ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ) قصّرتم في شأنه.

و «ما» مزيدة. ويجوز أن تكون مصدرا، على أنّ محلّ المصدر الرفع على الابتداء، وخبره الظرف، وهو «من قبل». ومعناه: ووقع من قبل تفريطكم في يوسف. أو النصب عطفا على مفعول «ألم تعلموا»، وهو «أنّ أباكم». ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف. كأنّه قيل: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا وتفريطكم من قبل في يوسف. وأن تكون موصولة، بمعنى: ومن قبل هذا ما قدّمتموه في حقّه من الخيانة العظيمة. ومحلّه ما تقدّم.

( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ) فلن أفارق أرض مصر( حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ) في الانصراف إليه( أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي ) أو يقضي لي بالخروج منها، أو بخلاص أخي منهم، أو بالمقاتلة معهم لتخليصه( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) لأنّ حكمه لا يكون إلّا بالحقّ.

( ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) على ما شاهدناه من ظاهر الأمر( وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ) بأن رأينا أنّ الصواع استخرج من وعائه( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ ) للأمر الخفيّ( حافِظِينَ ) فلا ندري أنّه سرق، أو سرق ودسّ الصواع في رحله. أو وما كنّا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنّه سيسرق، أو أنّك تصاب به كما أصبت بيوسف.

( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ) يعنون مصر. والعرب تسمّي الأمصار والمدائن قرى. أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها لطلب السقاية. والمعنى: أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصّة.( وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ) وأصحاب العير الّتي توجّهنا فيهم وكنّا معهم. وهم كانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب. وقيل: من


أهل صنعاء. وإنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا أهل تهمة عند يعقوب.( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) تأكيد في محلّ القسم.

( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) )

فلمّا رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال أخوهم( قالَ ) ما عندي أنّ الأمر على ما تقولونه( بَلْ سَوَّلَتْ ) أي: زيّنت وسهّلت( لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) أردتموه فقدّرتموه، وإلّا فما أدرى الملك أنّ السارق يؤخذ بسرقته لولا تعليمكم( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أجمل( عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ) بيوسف وبنيامين وأخيهما الّذي توقّف بمصر( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) بحالي في الحزن والأسف، وبحالهم( الْحَكِيمُ ) في تدبيره، لم يبتلني إلّا بحكمة ومصلحة.

( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ) وأعرض عنهم كراهة لـما صادف منهم( وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) أي: يا أسفا، تعال فهذا أوانك. والأسف أشدّ الحزن والحسرة. والألف بدل من ياء المتكلّم. وإنّما تأسّف على يوسف دون أخويه والأمر الحادث هو مصيبتهما، لأنّ مصيبة يوسف وإن كانت قديمة، لكن كانت قاعدة المصيبات الّتي ترتّبت عليها الرزايا في ولده. أو لأنّ الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضّا طريّا عنده، آخذا بمجامع قلبه. ولأنّه كان واثقا بحياتهما دون حياته.

عن ابن عبّاس أنّه قال: لم تعط أمّة من الأمم( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) عند


المصيبة إلّا أمّة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال:( يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) .

( وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ ) لكثرة بكائه( مِنَ الْحُزْنِ ) والغمّ الشديد، فكأنّ العبرة محقت سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر. وقيل: ضعف بصره، وكان لا يرى إلا رؤية ضعيفة. وقيل: إنّه عمي ستّ سنين. وروي: ما جفّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على الأرض أكرم على الله من يعقوب.

قيل اشترى يعقوب يوما جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتّى عميت، ولأجل ذلك ابيضّت عيناه من كثرة البكاء في فراق يوسف.

وفيه دليل على جواز التأسّف والبكاء عند التفجّع. ولعلّ أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف، فإنّه قلّ من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنّا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

( فَهُوَ كَظِيمٌ ) مملوء من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه، ولا يظهره.

فعيل بمعنى مفعول، كقوله تعالى:( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) (١) . من: كظم السقاء إذا شدّه على ملئه. أو بمعنى فاعل، كقوله:( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) (٢) . من: كظم الغيظ إذا اجترعه.

وأصله: كظم البعير جرّته(٣) إذا ردّها في جوفه.

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أنّه سأل جبرئيل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ».

__________________

(١) القلم: ٤٨.

(٢) آل عمران: ١٣٤.

(٣) الجرّة: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلعه.


( قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) )

( قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا ) أي: لا تفتأ ولا تزال( تَذْكُرُ يُوسُفَ ) تفجّعا عليه.

فحذف «لا»، كما في قول امرئ القيس(١) ـ حين ذهب ذات ليلة إلى قصر بنت قيصر ملك الروم، فقالت: حضرت الرقباء، ولم يتيسّر الوصال ـ :

فقلت يمين الله أبرح قاعدا

ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي

لأنّه لا يلتبس بالإثبات، فإنّ القسم إذا لم تكن معه علامة الإثبات كان على النفي، ولو كان إثباتا لم يكن بدّ من اللام والنون.

( حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً ) مريضا مشرفا على الهلاك. وقيل: الحرض الّذي أذابه همّ أو مرض. وهو في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنّث ولا يجمع. والنعت بالكسر، كدنف ودنف. وهو المرض الّذي لا يرجى زواله.( أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ) من الميّتين.

قيل: دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب قد تهشّمت وفنيت، وبلغت من السنّ ما بلغ أبوك. فقال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف.

فأوحى الله إليه: يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ قال: يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفر لي. فكان بعد ذلك إذا سئل( قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي ) همّي الّذي لا أقدر الصبر

__________________

(١) ديوان امرئ القيس: ١٤١.


عليه، من البثّ بمعنى النشر( وَحُزْنِي ) وشدّة غمّي( إِلَى اللهِ ) لا إلى أحد منكم ومن غيركم، فخلّوني وشكايتي( وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ) من صنعه ورحمته، وأنّه لا يخيب داعيه، ولا يدع الملتجئ إليه. أو وأعلم من الله بنوع من الإلهام.( ما لا تَعْلَمُونَ ) من حياة يوسف.

وقيل: إنّه أوحي إلى يعقوب: إنّما وجدت عليكم لأنّكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه، وإن أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين، فاصنع طعاما وادع عليه المساكين لأرجع إليك يوسف، فصنع ذلك. ولهذا قال:( وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) .

وقيل: رأى ملك الموت في المنام فسأله عن يوسف، فقال: هو حيّ.

وفي كتاب النبوّة بالإسناد عن سدير الصيرفي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: إنّ يعقوب دعا الله سبحانه في أن يهبط عليه ملك الموت، فأجابه. فقال: ما حاجتك؟

قال: أخبرني هل مرّ بك روح يوسف في الأرواح؟ فقال: لا. فعلم أنّه حيّ.

وقيل: علم من رؤيا يوسف أنّه لا يموت حتّى يخرّ له إخوته سجّدا، ولذلك قال:( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ) أي: فتجسّسوا وتفحّصوا( مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) فتعرّفوا منهما. والتحسّس تطلّب الإحساس، وهو المعرفة. وكذا بالجيم.( وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. وقيل: من رحمته.( إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) بالله تعالى وصفاته، فإنّ المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال عند البلاء.

قال الجبائي: العلّة في خفاء أخبار يوسف على يعقوب في المدّة الطويلة مع قرب المسافة، وعدم إخبار يوسف حاله له، أنّه حمل إلى مصر فبيع من عزيز فألزمه داره، ثمّ لبث في السجن بضع سنين، فانقطعت أخبار الناس عنه، فلمّا تمكّن احتال في إيصال خبره بأبيه على الوجه الّذي أمكنه، وكان لا يأمن لو بعث


رسولا إليه أن لا يمكّنه إخوته من الوصول إليه.

وقال المرتضىقدس‌سره : «يجوز أن يكون ذلك ليوسف ممكنا، وكان عليه قادرا، لكن الله سبحانه أوحى إليه بأن يعدل عن اطّلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه، ولله سبحانه أن يصعب التكليف وأن يسهّله»(١) .

( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) )

ولـمّا قال يعقوب لبنيه:( اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ) رجعوا إلى مصر رجعة ثانية( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ) على يوسف( قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ) الهزال من شدّة الجوع. شكوا إلى يوسف ما نالهم من القحط وهلاك المواشي.( وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) رديئة أو قليلة، تردّ وتدفع رغبة عنها، من: أزجيته إذا دفعته، ومنه تزجية الزمان. قيل: كانت دراهم زيوفا(٢) لا تنفق في ثمن الطعام. وقيل: صوفا وسمنا. وقيل: الصنوبر والحبّة الخضراء. وقيل: الأقط(٣) وسويق المقل.

( فَأَوْفِ ) فأتمم( لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا ) بالمسامحة وقبول المزجاة، والإغماض عن رداءته، أو بالزيادة على ما يساويها. وقيل: بردّ أخينا.( إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) أحسن الجزاء. والتصدّق التفضّل مطلقا. ومنه قولهعليه‌السلام في القصر(٤) : «هذه صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». لكنّه اختصّ عرفا

__________________

(١) تنزيه الأنبياء: ٥٧.

(٢) الزيوف جمع الزائف، وهو: الدرهم الرديء المردود الذي دخله غشّ.

(٣) الأقط: الجبن.

(٤) أي: في قصر الصلاة في السفر.


بعطيّة يبتغى بها ثواب من الله. وتسميتهم ما هو فضل وزيادة صدقة، لا يلزمها صدقة حقيقة، لأنّ الصدقات محظورة على الأنبياء. وقيل: كانت تحلّ لغير نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) )

ولـمّا رأى يوسف من عجزهم وتمسكنهم لم يتمالك إلّا أن عرّفهم نفسه و( قالَ ) لهم استفهاما عن وجه القبح( هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ ) من إذلاله وإبعاده عن أبيه، وإلقائه في البئر، والاجتماع على قتله، وبيعه بثمن بخس( وَأَخِيهِ ) من إفراده عن يوسف، والتفريق بينهما، حتّى صار ذليلا فيما بينكم، لا يستطيع أن يكلّمكم إلا بعجز وذلّة( إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ) قبحه، فلذلك أقدمتم عليه، أو عاقبته. وإنّما قال ذلك تنصيحا لهم، وتحريضا على التوبة، وشفقة عليهم، لا معاتبة وتثريبا. وإنّما جهّلهم لأنّ فعلهم كان فعل الجهّال، أو لأنّهم كانوا حينئذ صبيانا مشرفين الحلم طيّاشين(١) .

__________________

(١) الطيّاش: من لا يقصد وجها واحدا لخفّة عقله.


وقيل: أعطوه كتاب يعقوب مضمونه: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أمّا بعد، فإنّا أهل بيت موكّل بنا البلاء. أمّا جدّي، فشدّت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق، فنجّاه الله، وجعلت النار عليه بردا وسلاما. وأمّا أبي، فوضع السكّين على قفاه ليقتل، ففداه الله. فأمّا أنا، فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ وقرّة عيني وثمرة فؤادي، فذهب به إخوته إلى البرّيّة، ثمّ أتوني بقميصه ملطّخا بالدم، وقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من بكائي عليه. ثمّ كان لي ابن، وكان أخاه من أمّه، وكنت أتسلّى به، فذهبوا به ثمّ رجعوا وقالوا: إنّه سرق، وإنّك حبسته عنّي وفجعتني به. وقد اشتدّ لفراقه حزني، حتّى تقوّس لذلك ظهري. وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته عليّ وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، والسلام.

فلمّا قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وزال صبره، ووضعه على عينيه، وانتحب حتّى بلّت دموعه القميص الذي عليه. ثمّ أقبل عليهم فقال لهم: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟

( قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ) استفهام تقرير، ولذلك حقّق بـ «إنّ» ودخول اللام عليه. وقرأ ابن كثير على الإيجاب(١) . قيل: عرفوه بزيّه وشمائله حين كلّمهم به وقيل: تبسّم فعرفوه بثناياه، فإنّها كانت كاللؤلؤ المنظوم. وقيل: رفع التاج عن رأسه، فرأوا علامة بناصيته تشبه الشامة(٢) البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب مثلها.

( قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي ) من أبي وأمّي. ذكره تعريفا لنفسه به، وتفخيما لشأنه، وإدخالا له في قوله:( قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا ) بالسلامة والكرامة، والاجتماع بعد طول الفرقة( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ) يخف الله( وَيَصْبِرْ ) على البليّات، أو على الطاعات

__________________

(١) أي: إنّك، بدون همزة الاستفهام.

(٢) الشامة: الخال، أي: بثرة سوداء في البدن حولها شعر.


وعن المعاصي( فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وضع «المحسنين» موضع الضمير للتنبيه على أنّ المحسن من جمع بين التقوى والصبر.

( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا ) اختارك وفضّلك علينا بالحلم والعقل والعلم والملك، وحسن الصورة وكمال السيرة( وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ) والحال إنّ شأننا أنّا كنّا مذنبين عمدا بما فعلنا معك، فلا جرم أنّ الله أعزّك وأذلّنا.

( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ) لا تعيير عليكم. تفعيل من الثرب، وهو الشحم الّذي يغشي الكرش. ومعناه: إزالة الثرب، فاستعير للتقريع الّذي يمزّق العرض ويذهب ماء الوجه.( الْيَوْمَ ) متعلّق بالتثريب، أو بالمقدّر للجارّ الواقع خبرا لـ «لا تثريب».

والمعنى: لا أثرّبكم اليوم الّذي هو مظنّة التثريب، فما ظنّكم بسائر الأيّام؟! أو بقوله:( يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ ) لأنّه صفح عن جريمتهم حين اعترفوا بها.

روي: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: ما ترونني فاعلا بكم؟ قالوا: نظنّ خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال: أقول ما قال أخي يوسف:( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) .

( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) فإنّه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضّل على التائب.

ومن جملة كرم يوسف أنّهم لـمّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنّك تدعونا بالبكرة والعشيّ إلى الطعام، ونحن نستحي منك لـما فرط منّا فيك. فقال: إنّ أهل مصر كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان من بلّغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلّغ، ولقد شرّفت بكم وعظّمت في عيونهم حيث علموا أنّكم إخوتي، وأنّي من حفدة إبراهيمعليه‌السلام .

( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) )


وروي أنّهعليه‌السلام لـمّا عرّفهم نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟

قالوا: ذهبت عيناه. فقال:( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا ) وهو القميص الّذي كان عليه.

قيل: القميص المتوارث من إبراهيم الّذي كان في التعويذ. وهو الأصحّ. وهذا كان معجزا منه، إذ لا يعرف أنه يعود بصيرا بإلقاء القميص على وجهه إلّا بالوحي، كما قال مجاهد: إنّ جبرئيل أمره أن أرسل إليه قميصك، فإنّ فيه ريح الجنّة، لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلّا صحّ وعوفي.

( فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ) يرجع ذا بصر، أو يأت أبي وهو بصير( وَأْتُونِي ) أنتم وأبي( بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ) بنسائكم وذراريكم ومواليكم.

قيل: يهودا هو حامل القميص، قال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطّخا بالدم إليه، فأفرّحه كما أحزنته.

وقيل: حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا، وكان معه سبعة أرغفة، فلم يستوف الأرغفة في الطريق.

( وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ) من مصر، وخرجت من عمرانها. يقال: فصل من البلد فصولا، إذا انفصل منه وجاوز حيطانه.( قالَ أَبُوهُمْ ) لمن حضره من حفده( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ )

روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «وجد يعقوب ريح يوسف حين


فصلت العير من مصر وهو بفلسطين، من مسيرة عشرة ليال».

وعن ابن عبّاس: مسيرة ثمان ليال. وعنه أيضا أنّ ريحا هاجت فحملت ريح يوسف من قميصه.

وذكر أنّ الصبا استأذنت ربّها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير بالقميص، فأذن لها، فأتته بها، ولذلك يتروّح كلّ محزون بريح الصبا.

فلمّا وصلت الريح إلى يعقوب قال: إنّي لأجد ريح يوسف( لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ) لو لا أن تنسبوني إلى الفند. وهو نقصان عقل يحدث من هرم، ولذلك لا يقال: عجوز مفنّدة، لأنّ نقصان عقلها ذاتيّ. وجواب «لولا» محذوف، تقديره: لصدّقتموني، أو لقلت: إنّه قريب.

( قالُوا ) أي: الحاضرون( تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ) لفي ذهابك عن الصواب قدما، بإفراط محبّتك ليوسف، وإكثار ذكره، وتوقّعك للقائه، وكان عندهم أنّه قد مات.

( فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ ) يهوذا( أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً ) عاد بصيرا لـما انتعش فيه من القوّة( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) من حياة يوسف وإنزال الفرج. وقيل: «إني أعلم» كلام مبتدأ، والمقول( لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ ) ، أو( إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) .

روي: أنّه سأل البشير كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك؟! على أيّ دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. قال: الآن تمّت النعمة.

ولـمّا اجتمع الإخوة عند أبيهم( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ) ومن حقّ المعترف بذنبه أن يصفح عنه ويسأل له المغفرة.

( قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) أخّره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحرّيا لوقت الإجابة، أو ليتعرّف حالهم في صدق التوبة وإخلاصها، أو إلى أن يستحلّ لهم يوسف، أو يعلم أنّه عفا عنهم، فإنّ


عفو المظلوم شرط المغفرة.

وقيل: قام إلى الصلاة في وقت السحر، فلمّا فرغ رفع يديه فقال: أللَّهمّ اغفر لي جزعي على يوسف، وقلّة صبري عنه، واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم. فأوحي إليه: أنّ الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي: أنّهم قالوا ليعقوب وقد علتهم الكآبة: إن لم يوح إليك بالعفو عنّا فلا قرّت لنا عين أبدا. فاستقبل القبلة قائما يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمّن، وقام إخوته خلفهما، أذلّة خاشعين عشرين سنة، حتّى بلغ جهدهم، وظنّوا أنّ الهلكة وقعت عليهم. فنزل جبرئيلعليه‌السلام : قد أجاب دعوتك في ولدك.

وروي: أنّ يوسف وجّه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهّز إليه بمن معه، وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند، والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكّأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس، فقال يا يهوذا: أهذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ولدك.

( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) )

( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ) فلمّا لقيه يعقوب وأهله في موضع خارج من


مصر أو في بيت هناك، قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

وفي كتاب النبوّة بالإسناد عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: «لـما أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف ليستقبله، فلمّا رآه همّ أن يترجّل له، ثمّ نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل. فلمّا سلّم على يعقوب نزل عليه جبرئيل، فقال له: يا يوسف إنّ الله جلّ وعلا يقول: منعك أن تنزل إلى عبدي الصالح ما أنت فيه، أبسط يدك، فبسطها فخرج من بين أصابعه نور، فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا إنّه لا يخرج من صلبك نبيّ أبدا، عقوبة بما صنعت بيعقوب، إذ لم تنزل إليه».

وعلى تقدير صحّة هذه الرواية فالعتاب على يوسف لأجل ترك ندب وأدب صدر منه، لا ترك واجب، لمكان العصمة فيه.

قيل: إنّ يوسف قال له لـمّا التقيا: يا أبت بكيت عليّ حتّى ذهب بصرك، ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك.

وقيل: إنّ يعقوب وولده وسائر أهله دخلوا مصر، وهم اثنان وسبعون رجلا وامرأة، وكانوا حين خرجوا مع موسى ستّمائة ألف وخمسمائة وبضعة وستّين رجلا، سوى الذرّيّة والهرمى، وكانت الذرّيّة ألف ألف ومائتي ألف.

وحين دخلوا على يوسف( آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ) ضمّ إليه أباه وخالته واعتنقهما. نزّلها الله تعالى منزلة الأمّ تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله:( وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) (١) . أو لأنّ يعقوب تزوّجها بعد أمّه، والرابة تدعى أمّا.

( وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) من القحط وأصناف المكاره. وحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه. والمشيئة متعلّقة بالدخول المكيّف بالأمن.

__________________

(١) البقرة: ١٣٣.


ولـمّا دخلوا مصر عظّمهم وكرّمهم( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) تحيّة وتكرمة له، فإنّ السجود كان عندهم يجري مجراها. وقيل: معناه: خرّوا لأجله سجّدا لله شكرا. وقيل: الضمير لله تعالى، والواو لأبويه وإخوته. وهذا مرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

وقال عليّ بن إبراهيم: «حدّثني محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين أنّ يحيى بن أكثم سأل موسى بن محمّد بن عليّ بن موسى مسائل، فعرضها على أبي الحسن عليّ بن محمّدعليه‌السلام ، فكان إحداها أن قال: أخبرني أسجد يعقوب وولده ليوسف؟ فأجاب أبو الحسنعليه‌السلام : أمّا سجود يعقوب وولده فإنّه لم يكن ليوسف، وإنّما كان ذلك منهم طاعة لله وتحيّة ليوسف، كما أنّ السجود من الملائكة لآدم كان منهم طاعة لله وتحيّة لآدم، فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله لاجتماع شملهم»(١) .

( وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ ) رأيتها أيّام الصبا( قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ) صدقا( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ) يقال: أحسن بي وإليّ، وأساء بي وإليّ( إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ) ولم يذكر الجبّ لئلّا يكون تثريبا عليهم( وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ) من البادية، لأنّهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) أفسد بيننا وحرش، من: نزغ الرائض(٢) الدابّة، إذا نخسها وحملها على الجري.

( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ) لطيف في تدبير عباده، إذ ما من صعب إلّا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهّل دونها( إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) بوجوه المصالح في تدابير العباد( الْحَكِيمُ ) الّذي يفعل كلّ شيء في وقته، وعلى وجه تقتضي الحكمة.

روي: أنّ يوسفعليه‌السلام أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن

__________________

(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٥٦.

(٢) الرائض: الذي يعلّم الدوابّ السير ويذلّلها ويطوّعها.


الورق والذهب وخزائن الحليّ وخزائن الثياب وخزائن السلاح، وغير ذلك. فلمّا أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ ما أعقك! عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبرئيل. قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط منّي إليه فاسأله. فقال جبرئيل: الله أمرني بذلك، لقولك:( وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) . قال: فهلّا خفتني.

وفي كتاب النبوّة بالإسناد عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال: «قلت له: كم عاش يعقوب مع يوسف بمصر؟ قال: عاش حولين. قلت: فمن كان الحجّة لله في الأرض، يعقوب أم يوسف؟ قال: كان يعقوب الحجّة، وكان الملك ليوسف، فلمّا مات يعقوب حمله يوسف في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس، وكان يوسف بعد يعقوب الحجّة. قلت: وكان يوسف رسولا نبيّا؟ قال: نعم، أما تسمع قولهعزوجل :( وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ ) ؟».

وفي رواية اخرى: أنّ يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثمّ مات، وأوصى أن يدفنه في الشام إلى جنب أبيه إسحاق. فمضى بنفسه ودفنه، ثمّ عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة.

وبالإسناد عن أبي خالد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «دخل يوسف السجن وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ومكث فيها ثماني عشرة سنة، وبقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة وعشر سنين».

( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) )

ولـمّا جمع الله سبحانه له شمله، وأقرّ له عينه، وأتمّ له رؤياه، ووسّع عليه في


ملك الدنيا ونعيمها، علم أنّ ذلك لا يبقى له ولا يدوم، فطلب من الله سبحانه نعيما لا يفنى، وتاقت نفسه إلى الجنّة، فتمنّى الموت ودعا به، ولم يتمنّ ذلك من قبله ولا بعده أحد من الأنبياء، فقال:( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ) بعض ملك الدنيا، وهو ملك مصر( وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) الكتب أو الرؤيا. و «من» أيضا للتبعيض، لأنّه لم يؤت كلّ التأويل.

( فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) مبدعهما. وانتصابه على أنّه صفة المنادى، أو منادى برأسه.( أَنْتَ وَلِيِّي ) ناصري، أو متولّي أمري( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) أو الّذي يتولّاني بالنعمة فيهما( تَوَفَّنِي ) اقبضني عند انقضاء أجلي( مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِيبِالصَّالِحِينَ ) من آبائي، أو بعامّة الصالحين في الرتبة والكرامة.

روي أنّ يوسف لـمّا توفّاه الله طيّبا طاهرا تخاصم أهل مصر في مدفنه حتّى همّوا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمرّ عليه الماء، ثمّ يصل إلى مصر، ليكونوا شرعا فيه. ثمّ نقله موسىعليه‌السلام إلى مدفن آبائه. وقد ولد له من راعيل ميشا وأفرائيم. وهو جدّ يوشع بن نون ورحمة امرأة أيّوبعليه‌السلام .

( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) )

( ذلِكَ ) إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف. والخطاب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهو مبتدأ، وقوله:( مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) خبران له. وقوله:( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ) لدى إخوة يوسف( إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) كالدليل على هذين الخبرين.

والمعنى: أنّ هذا النبأ غيب لم تعرفه إلّا بوحي، لأنّك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما همّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه


ليرسله معهم، ومن المعلوم الّذي لا يخفى على مكذّبيك أنّك ما لقيت أحدا سمع ذلك فتعلّمته منه. وإنّما حذف هذا الشقّ استغناء بذكره في غير هذه القصّة، كقوله:( ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) (١) . وهذا تهكّم بقريش وبمن كذّبوه.

( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر الآيات والمعجزات الّتي لو تفكّروا فيها عرفوا الحقّ من جهتها فلم يتفكّروا، بيّن عقيبها أنّ التقصير من جهتهم حيث رضوا بالجهل، وليس من جهته سبحانه، لأنّه نصب الأدلّة والبيّنات، ولا من جهتك، لأنّك دعوتهم، فقال:( وَما أَكْثَرُ النَّاسِ ) يريد العموم. وعن ابن عبّاس: أراد أهل مكّة.( وَلَوْ حَرَصْتَ ) على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات عليهم( بِمُؤْمِنِينَ ) لعنادهم، وتصميمهم على الكفر. والشرطيّة معترضة.

( وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ ) على الأنباء، أو القرآن( مِنْ أَجْرٍ ) جعل، كما يعطى حملة الأخبار، فيصدّهم ذلك عن الإيمان، فأعذارهم منقطعة( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) عظة

__________________

(١) هود: ٤٩.


من الله( لِلْعالَمِينَ ) عامّة.

( وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ ) وكم من علامة ودلالة من الدلائل على وجود الصانع وحكمته، وكمال قدرته وتوحيده( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من الشمس والقمر، والسحاب والنجوم والجبال، والشجر وألوان النبات، وأحوال المتقدّمين، وآثار الأمم السالفة في الأرض( يَمُرُّونَ عَلَيْها ) على الآيات ويشاهدونها( وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ) لا يتفكّرون فيها، ولا يعتبرون بها.

( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ ) في إقرارهم بوجوده وخالقيّته( إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) بعبادة غيره، أو باتّخاذ الأحبار أربابا، أو نسبة التبنّي إليه، أو القول بالنور والظلمة، أو النظر إلى الأسباب كأهل التنجيم، أو الّذين يشبّهون الله بخلقه.

وقيل: هم مشركو مكّة. وقيل: المنافقون. وقيل: أهل الكتاب.

وعن الباقرعليه‌السلام : «أنّه شرك الطاعة لا شرك العبادة، أطاعوا الشيطان في ارتكاب المعاصي».

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «في شأن رجل يقول: لو لا فلان لهلكت، ولو لا فلان لضاع عيالي، جعل لله شريكا في ملكه تعالى، يرزقه ويدفع عنه».

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام أنّه قال: «إنّه شرك لا يبلغ به الكفر».

( أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ ) عقوبة تغشاهم وتشملهم( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) فجأة من غير سابقة علامة( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بإتيانها، غير مستعدّين لها.

( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)


قُلْ هذِهِ ) يعني: الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد( سَبِيلِي ) ثم فسّر السبيل بقوله:( أَدْعُوا إِلَى اللهِ ) إلى توحيده وعدله. قيل: هو حال من الياء.( عَلى بَصِيرَةٍ ) بيان وحجّة واضحة غير عمياء( أَنَا ) تأكيد للمستتر في «أدعو» أو «على بصيرة». أو مبتدأ خبره «على بصيرة».( وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) عطف عليه( وَسُبْحانَ اللهِ ) وأنزّه الله من الشركاء( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) وأنزّهه تنزيها من الشركاء.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً ) ردّ لقولهم:( لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) (١) .

وقيل: معناه نفي استنباء النساء.( نُوحِي إِلَيْهِمْ ) كما يوحى إليك، ويميّزون بذلك عن غيرهم. وقرأ حفص: نوحي، في كلّ القرآن. ووافقه حمزة والكسائي في سورة الأنبياء(٢) .( مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) لأنّ أهلها أعلم وأحلم من البدو، وأهل البوادي من أهل الجفاء والقسوة.

( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من المكذّبين بالرسل والآيات، فيحذروا تكذيبك. أو من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها، فيقلعوا عن حبّها( وَلَدارُ الْآخِرَةِ ) ولدار الحال، أو الساعة، أو الحياة الآخرة( خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) الشرك والمعاصي( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم ليعرفوا أنّها خير.

__________________

(١) فصّلت: ١٤.

(٢) الأنبياء: ٧.


روى أبو سعيد الخدري عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «شيء يسير من الجنّة خير من الدنيا وما فيها».

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء، حملا على قوله:( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ) ، أي: قل لهم: أفلا تعقلون.

( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) )

ثمّ أخبر سبحانه عن حال الرسل مع أممهم تسلية للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ) غاية محذوف دلّ عليه الكلام، أي: لا يغررهم تمادي أيّامهم، فإنّ من قبلهم أمهلوا حتّى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا، أو عن إيمانهم، لانهماكهم في الكفر، مترفّهين متمادين فيه من غير مانع. أو التقدير: وما أرسلنا قبلك إلّا رجالا قد تأخّر نصرنا إيّاهم، كما أخّرناه عن هذه الأمّة، حتّى إذا استيأس الرسل.

( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) أي: كذّبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنّهم ينصرون. أو كذّبهم القوم بوعد الإيمان. وقيل: الضمير للمرسل إليهم، أي: وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذّبوهم بالدعوة والوعيد. وقيل: الأوّل للمرسل إليهم، والثّاني للمرسل، أي: وظنّوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر، وخلط الأمر عليهم.


وما روي عن ابن عبّاس: أنّ الرسل ظنّوا أنّهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، إن صحّ فقد أراد بالظنّ ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشريّة، وأما الظنّ الّذي هو ترجيح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الّذين هم أعرف الناس بربّهم، وأنّه متعال عن خلف الميعاد، منزّه عن كلّ قبيح؟! وقرأ غير الكوفيّين بالتشديد، أي: وظنّ الرسل أنّ القوم قد كذّبوهم فيما أوعدوهم.

( جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ) النبيّ والمؤمنين. وإنّما لم يعيّنهم للدلالة على أنّهم الّذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم، لا يشاركهم فيه غيرهم. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: فنجّي(١) ، على لفظ الماضي المبنيّ للمفعول.( وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) إذا نزل بهم.

( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ ) في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصّة يوسف وإخوته( عِبْرَةٌ ) وبصيرة وموعظة( لِأُولِي الْأَلْبابِ ) لذوي العقول المبرّأة عن الشوائب، والركون إلى الحسّ وسائر الأغراض، فإنّ من تفكّر بالعقل الخالص أنّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقرأ كتابا، ولا سمع حديثا، ولا خالط أهله، ثمّ حدّثهم به في حسن نظمه ومعانيه بحيث لم يقدر أحد من إتيان مثل ذلك، لعلم أنّه أوضح برهان على صحّة نبوّته.

( ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى ) ما كان القرآن حديثا مفترى( وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) من الكتب الإلهيّة( وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ) يحتاج إليه في الدين، إذ ما من أمر دينيّ إلا وله سند من القرآن، فإنّه القانون الّذي يستند إليه السنّة والإجماع والقياس المنصوص العلّة( وَهُدىً ) من الضلال( وَرَحْمَةً ) ينال بها خير الدارين( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يصدّقونه. إنّما خصّهم بذلك لأنّهم المنتفعون به دون غيرهم.

__________________

(١) وفي قراءة اخرى: فننجّي، على لفظ المضارع.



(١٣)

سورة الرعد

مكّيّة، وهي ثلاث وأربعون آية.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأ سورة الرعد اعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ سحاب مضى وكلّ سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله تعالى».

وقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «من أكثر قراءة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا، وإن كان مؤمنا أدخل الجنّة بغير حساب، وشفع في جميع من يعرف من أهل بيته وإخوانه».

ولـمّا ختم الله سبحانه سورة يوسفعليه‌السلام بذكر قصص الأنبياءعليهم‌السلام ، افتتح هذه السورة بأنّ جميع ذلك آيات الكتاب، وأنّ الّذي أنزله هو الحقّ، فقال :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) )

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر ) قد فسّرناه في أوّل سورة البقرة، وبيّنّا ما


قيل فيه. روي أن معناه: أنا الله أعلم وأرى.( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ) يعني بالكتاب السورة. و «تلك» إشارة إلى آياتها، أي: تلك الآيات آيات السورة الكاملة، أو القرآن.

( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) وهو القرآن. ومحلّه الجرّ بالعطف على الكتاب، عطف العامّ على الخاصّ، أو عطف إحدى الصفتين على الأخرى. أو الرفع بالابتداء، وخبره( الْحَقُ ) . والجملة كالحجّة على الجملة الأولى. وعلى الأوّل خبر مبتدأ محذوف، أي: الآيات الجامعة للوصفين هي الحقّ. وتعريف الخبر وإن دلّ على اختصاص المنزل بكونه حقّا، فهو أعمّ من المنزل صريحا أو ضمنا، كالمثبت بالقياس المنصوص العلّة والإجماع، وغير ذلك ممّا نطق المنزل بحسن اتّباعه.( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) لإخلالهم بالتأمّل والنظر فيه.

( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) )


ولـمّا ذكر سبحانه أنّهم لا يؤمنون، بيّن الدليل الّذي يوجب التصديق بالخالق، فقال:( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ) مبتدأ وخبر. ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) .( بِغَيْرِ عَمَدٍ ) أساطين(١) . جمع عماد، كإهاب وأهب. أو جمع عمود، كأديم وأدم.( تَرَوْنَها ) صفة لـ «عمد». أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك.

وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإنّ ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرميّة، واختصاصها بما يقتضي ذلك، لا بدّ وأن يكون بمخصّص ليس بجسم ولا جسماني، يرجّح بعض الممكنات على بعض بإرادته.

وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات الآتية.

( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) بالحفظ والتدبير. وقد مضى(٢) تفسير استوائه على العرش غير مرّة.

( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) ذلّلهما لـما أراد منهما، كالحركة المستمرّة على حدّ معيّن من السرعة تنفع في حدوث الكائنات وبقائها( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) لمدّة معيّنة يتمّ فيها أدواره. أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره، وهي:( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) (٣) .

( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) أمر ملكوته وأمور خلقه، من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، وغير ذلك، على الوجه الّذي توجبه الحكمة( يُفَصِّلُ الْآياتِ ) يبيّنها مفصّلة في كتبه المنزلة، أو يحدث الدلائل واحدا بعد واحد( لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) لكي تتفكّروا فيها، وتتحقّقوا كمال قدرته، فتعلموا أنّ من قدر على خلق

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «أساطين جمع أسطون، معرّب ستون. منه».

(٢) راجع ج ٢ ص ٥٣١.

(٣) التكوير: ١ ـ ٢.


هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء، وأنّ هذا المدبّر والمفصّل لا بدّ لكم من الرجوع إليه.

( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ) بسطها طولا وعرضا لتثبت عليها الأقدام، ويتقلّب عليها الحيوان( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) جبالا ثوابت، من: رسا الشيء إذا ثبت، جمع راسية. والتاء للتأنيث، على أنّها صفة أجبل، أو للمبالغة.( وَأَنْهاراً ) ضمّها إلى الجبال، لأنّ الجبال أسباب لتولّدها.

( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) متعلّق بقوله:( جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) أي: وجعل فيها من جميع أنواع الثمرات صنفين اثنين، كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والرطب واليابس، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة. وذكر «اثنين» للتأكيد.

( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) يلبس ظلمة الليل ضياء النهار، فيصير الجوّ مظلما بعد ما كان مضيئا. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: يغشّي بالتشديد.( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فيها، فإنّ تكوّنها وتخصّصها بوجه دون وجه دليل على وجود الصانع الحكيم الّذي دبّر أمرها وهيّأ أسبابها.

( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متقاربة، بعضها طيّبة، وبعضها سبخة، وبعضها رخوة، وبعضها صلبة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، ولو لا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم تكن كذلك، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضيّة، وما يلزمها ويعرض لها بتوسّط ما يعرض من الأسباب السماويّة، من حيث إنّها متضامّة متشاركة في النسب والأوضاع.

( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) أي: وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع. وتوحيد الزرع لأنّه مصدر في أصله.( صِنْوانٌ ) نخلات أصلها واحد ،


فإنّها جمع صنو(١) ، وهي النخلة الّتي لها رأسان وأصلهما واحد( وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) ومتفرّقات مختلفات الأصول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص: زرع ونخيل وصنوان وغير صنوان بالرفع عطفا على «جنّات». وقرأ حفص: صنوان بالضمّ. وهو لغة تميم، كقنوان(٢) جمع قنو.

( يُسْقى ) ما ذكر من الأعناب والزروع والنخيل المختلفة( بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) في الثمر شكلا وقدرا ورائحة وطعما. وذلك أيضا من أوضح الدلالات على الصانع الحكيم، فإنّ اختلافها مع اتّحاد الأصول والأسباب لا يكون إلّا بتخصيص قادر مختار. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: يسقى بالتذكير، على تأويل: ما ذكر. وقرأ حمزة والكسائي: يفضّل بالياء، ليطابق قوله:( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) .

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) دلالات( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم بالتفكّر فيها، ويستدلّون بها.

روي عن جابر قال: «سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليّعليه‌السلام : الناس من شجر شتّى، وأنا وأنت من شجرة واحدة. وقرأ:( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ ) الآية».

( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) )

__________________

(١) الصنو: إذا خرجت نخلتان أو أكثر من أصل واحد فكلّ واحدة منها صنو، وجمعها: صنوان.

(٢) القنو: العذق، وهو من النخل كالعنقود من العنب، وجمعه: قنوان.


ولـمّا تقدّم ذكر الأدلّة على أنّه سبحانه قادر على الإنشاء والإعادة، عقّبه بالتعجّب من تكذيبهم بالبعث والنشور، فقال:( وَإِنْ تَعْجَبْ ) يا محمّد من قول هؤلاء الكفّار في إنكارهم البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق( فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) أي :

حقيق بأن يتعجّب منه، فإنّ من قدر على إنشاء ما قصّ عليك من الصنائع العجيبة والفطرة البديعة، ولم يعي بخلقهنّ، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره. والآيات المعدودة كما هي دالّة على وجود المبدأ، فهي دالّة على إمكان الإعادة، من حيث إنّها تدلّ على كمال علمه وقدرته، وقبول الموادّ لأنواع تصرّفاته.

وقوله:( أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) بدل من «قولهم»، أو مفعول له.

والفاعل في «إذا» محذوف دلّ عليه( أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) . ومعناه: أنبعث ونعاد بعد ما صرنا ترابا؟! هذا ممّا لا يمكن. وهذا القول منهم نهاية في الأعجوبة، فإنّ الماء إذا حصل في الرحم استحال علقة ثمّ مضغة ثمّ لحما، فإذا مات ودفن استحال ترابا، فإذا جاز أن يتعلّق الإنشاء بالاستحالة الأولى، فلم لا يجوز تعلّقه بالاستحالة الثانية؟!( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) أولئك المتمادون في كفرهم الكاملون فيه، لأنّهم كفروا بقدرته على البعث مع وجود هذه الدلالات الواضحة على صحّته


( وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) مقيّدون بالضلال تخلية وخذلانا، لا يرجى خلاصهم. أو يغلّون يوم القيامة.( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) لا ينفكّون عنها. وتوسيط الفصل لتخصيص الخلود بالكفّار.

( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنّهم استعجلوا ما هدّدوا به من عذاب الدنيا استهزاء( وَقَدْ خَلَتْ ) مضت( مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ) العقوبات لأمثالهم من المكذّبين، فما لهم لم يعتبروا بها، ولم يجوّزوا حلول مثلها عليهم؟! والمثلة ـ بفتح الثاء وضمّها، كالصدقة والصدقة ـ: العقوبة، لـما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (١) . ومنه المثال للقصاص. يقال: أمثلت الرجل من صاحبه، إذا اقتصصته منه.

( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ) أي: ظلمهم أنفسهم بالذنوب.

ومحلّه النصب على الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم. والعامل فيه المغفرة. والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة، فإنّ التائب ليس على ظلمه، كما قال المرتضىقدس‌سره : في هذا دلالة على جواز المغفرة للمذنبين من أهل القبلة، لأنّه سبحانه دلّنا على أنّه يغفر لهم مع كونهم ظالمين، لأنّ قوله: «على ظلمهم» إشارة إلى الحال الّتي يكونون فيها ظالمين. ومن منع ذلك خصّ الظلم بالصغائر المكفّرة لمجتنب الكبائر، أو أوّل المغفرة بالستر والإمهال.

( وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ) للكفّار، أو لمن يشاء قبل التوبة.

وعن سعيد بن المسيّب: لـمّا نزلت هذه الآية قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا عفو الله وتجاوزه لـما هنأ أحد العيش، ولو لا وعيده وعقابه لاتّكل كلّ أحد».

وتلا مطرف يوما هذه الآية فقال: لو يعلم الناس قدر رحمة الله ومغفرة الله وعفو الله وتجاوز الله لقرّت أعينهم، ولو يعلم الناس قدر عذاب الله وبأس الله ونكال

__________________

(١) الشورى: ٤٠.


الله ونقمة الله ما رقأ(١) لهم دمع، ولا قرّت أعينهم بشيء.

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة عليه، واقتراحهم لنحو ما أوتي موسى وعيسىعليهما‌السلام ، من نحو تفجير العيون، وإحياء الموتى، وجعل الصفا ذهبا، وغير ذلك.

ولا يخفى على من له أدنى مسكة أنّ الآيات متساوية في حصول صحّة الدعوى بها، فلذا خاطبه الله سبحانه بقوله:( إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ) مرسل للإنذار من سوء العاقبة كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصحّ به أنّك رسول منذر، من جنس المعجزات، لا بما يقترح عليك.

( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) عطف على «منذر» أي: إنّما أنت لكلّ قوم هاد، لأنّك مبعوث إلى الناس جميعا إلى يوم القيامة. أو يكون «هاد» مبتدأ و «لكلّ قوم» خبره.

ومعناه: لكلّ أمّة من الأمم نبيّ مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم، يهديهم إلى الحقّ، ويدعوهم إلى الصواب، ولم يجعل الله الأنبياء شرعا سواء في الآيات والمعجزات. أو قادر على هدايتهم، وهو الله.

وقرأ ابن كثير: هاد، ووال(٢) ، وواق(٣) ،( وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) (٤) بالتنوين في الوصل، وإذا وقف وقف بالياء في هذه الأربعة الأحرف حيث وقعت لا غير.

والباقون يصلون بالتنوين، ويقفون بغير ياء.

عن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت هذه الآية قال رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا المنذر، وعليّ الهادي من بعدي، يا عليّ بك يهتدي المهتدون».

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن

__________________

(١) رقأ الدمع: جفّ وانقطع. (٢، ٣) الرعد: ١١ و ٣٤.

(٤) النحل: ٩٦.


أبي إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكيم بن جبير، عن أبي بردة الأسلمي، قال: «دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالطهور وعنده عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعد ما تطهّر فألزقها بصدره، ثمّ قال: إنّما أنت منذر. ثمّ ردّها إلى صدر عليّ، ثم قال: لكلّ قوم هاد. ثمّ قال: إنّك منارة الأنام، وغاية الهدى، وأمير القرّاء، وأشهد على ذلك أنّك كذلك يا عليّ»(١) .

( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) )

ثمّ أردف الله سبحانه ذلك بما يدلّ على كمال علمه وقدرته، وشمول قضائه وقدره، تنبيها على أنّه قادر على إنزال ما اقترحوه، وإنّما لم ينزل لعلمه بأنّ اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد، وأنّه قادر على هدايتهم جبرا وقسرا، وإنّما لم يهدهم لعلمه بمنافاة الجبر للتكليف الّذي مناطه الاختيار، فقال:( اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ) «ما» مصدريّة أو موصولة، أي: يعلم حملها، أو ما تحمله على أيّ حال ،

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٣٠١ ح ٤١٤.


ذكورة وأنوثة، وتماما وخداجا(١) ، وحسنا وقبحا، وطولا وقصرا، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقّبة.

( وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ ) نقصها وازديادها. أو ما تنقصه وما تزداده في الجنّة، والمدّة، وأقصى مدّة الحمل وأقلّها، وعدد الولد، فإنّ الرحم يشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأكثر. وقال الشافعي: أخبرني شيخ باليمن أنّ امرأته ولدت بطونا، في كلّ بطن خمسة. وقيل: المراد نقصان دم الحيض وازدياده.

و «غاض» جاء متعدّيا ولازما. يقال: غاض الماء وغضته أنا. ومنه:( وَغِيضَ الْماءُ ) (٢) . وكذا: ازداد. يقال: زدته فزاد بنفسه، وازداد، وازددت منه كذا.

ومنه: قوله تعالى:( وَازْدَادُوا تِسْعاً ) (٣) . فإن جعلتهما لازمين تعيّن أن تكون «ما» مصدريّة. وإسنادهما إلى الأرحام على المجاز، من قبيل تسمية الشيء بما يجاوره، أو تسمية المحاط بما يحيط به.

( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله تعالى:( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) (٤) ، فإنّه تعالى خصّ كلّ حادث بوقت وحال معيّنين، وهيّأ له أسبابا مسوقة إليه، تقتضي ذلك على ما توجبه الحكمة.

( عالِمُ الْغَيْبِ ) الغائب عن الحسّ( وَالشَّهادَةِ ) الحاضر له( الْكَبِيرُ ) العظيم الشأن، الّذي لا يخرج عن علمه شيء( الْمُتَعالِ ) المستعلي على كلّ شيء بقدرته. أو الّذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه.

__________________

(١) خدجت الدابّة: ألقت ولدها ناقص الخلق أو قبل تمام الأيّام. فهي خادج، وولدها خدوج، وجمعه خداج.

(٢) هود: ٤٤.

(٣) الكهف: ٢٥.

(٤) القمر: ٤٩.


ثمّ قرّر كمال علمه وشموله بقوله:( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ) في نفسه( وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ) لغيره( وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ) طالب للخفاء في مختبأ بالليل ومظلمة( وَسارِبٌ ) وذاهب في سربه بالفتح، أي: في طريقه. يقال: سرب في الأرض سروبا، إذا برز في ذهابه، أي: بارز في الذهاب( بِالنَّهارِ ) بحيث يراه كلّ أحد. فهو عطف على «من» أو «مستخف»، على أنّ «من» في معنى الاثنين، كأنّه قال: سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار.

( لَهُ ) لمن أسرّ أو جهر أو استخفى أو سرب( مُعَقِّباتٌ ) ملائكة تعتقب في حفظه. جمع معقّبة، من: عقّبه مبالغة: عقبه، إذا جاء على عقبه، كأنّ بعضهم يعقّب بعضا، أو لأنّهم يعقّبون أقواله وأفعاله، فيكتبونها ويحفظونها. أو من: اعتقب، فأدغمت التاء في القاف. والتاء للمبالغة، أو لأنّ المراد بالمعقّبات جماعات.

( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ) من جوانبه، أو من الأعمال ما قدّم وأخّر( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) من بأسه ونقمته متى أذنب باستمهالهم، أي: مسألتهم ربّهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب. أو استغفارهم له. أو يحفظونه من المضارّ. قال كعب: لو لا أنّ الله وكلّ بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم، لتخطّفتكم الجنّ. أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى.

وعن الحسن: هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر. وهو معنى قوله تعالى:( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) (١) . وقد روي ذلك أيضا عن أئمّتناعليهم‌السلام .

وعن ابن جبير وقتادة ومجاهد: أنّها الملائكة يتعاقبون، تعقّب ملائكة الليل ملائكة النهار، وملائكة النهار ملائكة الليل، وهم الحفظة، يحفظون على العبد عمله.

وقيل: إنّهم الأمراء والملوك في الدنيا، الّذين يمنعون الناس عن المظالم ،

__________________

(١) الإسراء: ٧٨.


ويكون لهم الأحراس والشرط يحفظونهم. وهذا مرويّ عن عكرمة، ومرويّ عن ابن عبّاس أيضا. وتقديره: ومن هو سارب بالنهار، له أحراس وأعوان يحرسونه.

وقيل: «من» بمعنى الباء. وقيل: «من أمر الله» صفة ثانية لـ «معقّبات».

( إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ) من العافية والنعمة( حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) من الأحوال الجميلة إلى الأحوال القبيحة.

عن ابن عبّاس: إذا أنعم الله على قوم فشكروها زادهم، وإذا كفروا سلبهم.

وإلى هذا المعنى

أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام بقوله: «إذا أقبلت عليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر».

( وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ) فلا رادّ له. والعامل في «إذا» ما دلّ عليه الجواب.( وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) ممّن يلي أمرهم، فيدفع عنهم السوء.

( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) )


ثمّ أخبره سبحانه وتعالى عن كمال قدرته، فقال:( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً ) من أذاه( وَطَمَعاً ) في الغيث. وانتصابهما على العلّة بتقدير المضاف، أي: إرادة خوف وطمع، أو بتأويلهما بالإخافة والإطماع. أو على الحال من البرق، كأنّه في نفسه خوف وطمع، أو المخاطبين على إضمار «ذو». أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. وقيل: يخاف المطر من يضرّه، ويطمع فيه من ينفعه.

( وَيُنْشِئُ السَّحابَ ) الغيم المنسحب في الهواء( الثِّقالَ ) بالماء. وهو جمع ثقيلة. يقال: سحابة ثقيلة وسحاب ثقال، كما يقال: امرأة كريمة ونساء كرام. وإنّما وصف به السحاب، لأنّه اسم جنس في معنى الجمع.

( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ ) ويسبّح سامعوه( بِحَمْدِهِ ) ملتبسين به، فيضجّون بـ «سبحان الله والحمد لله». وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يقول: «سبحان من يسبّح الرّعد بحمده».

وعن عليعليه‌السلام أنّه كان يقول: «سبحان من سبّحت له إذا اشتدّ الرعد».

أو يدلّ الرعد بنفسه على وحدانيّته تعالى وكمال قدرته، ملتبسا بالدلالة على فضله ونزول رحمته.

وعن ابن عبّاس: أنّ اليهود سألت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: «ملك موكّل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب».

والمخاريق: جمع مخراق، وهو الخشب، أو الخرقة الملفوفة الّتي يلعب بها الصبيان. والمراد هنا آلة يزجر بها الملائكة ليسوقه.

وقالت المتصوّفة: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم.

( وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) من خوف الله تعالى وإجلاله. وقيل: الضمير للرعد.

( وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ ) فيهلكه( وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ ) حيث يكذّبون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرّد


بالألوهيّة، وإعادة الناس ومجازاتهم.

والجدال التشدّد في الخصومة، من الجدل(١) ، وهو الفتل. والواو إمّا لعطف الجملة على الجملة، أو للحال، فإنّه روي: «أنّ عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبّه له الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أللَّهمّ اكفنيهما بما شئت.

فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامرا بغدّة فمات في بيت سلوليّة. وكان يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت في بيت سلوليّة. فنزلت هذه الآية».

والغدّة طاعون الإبل، قلّما سلم منه. وسلوليّة امرأة من قبيلة بني سلول، وهم موصوفون بالذلّ.

( وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ ) شديد المماحلة والمماكرة والمكائدة لأعدائه، من: محل بفلان، إذا كايده وعرّضه للهلاك. ومنه: تمحّل إذا تكلّف استعمال الحيلة.

ولعلّ أصله المحل، بمعنى القحط. والمعنى: أنّه شديد المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.

وقيل: فعال من المحل بمعنى القوّة.

وقيل: مفعل من الحول أو الحيلة، أعلّ على غير قياس.

ويجوز أن يكون بمعنى شديد الفقار، فيكون مثلا في القوّة والقدرة، كقولهم: فساعد الله أشدّ، وموساه(٢) أحدّ.

وما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام معناه: شديد الأخذ، وعن قتادة: شديد القوّة، يقوّي القولين الأخيرين.

( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ ) الدعاء الحقّ، فإنّه الّذي يحقّ أن يعبد، أو يدعى إلى

__________________

(١) جدل الحبل: فتله، أي: لواه.

(٢) الموسى: آلة من فولاذ يحلق بها.


عبادته دون غيره. أوله الدعوة المجابة، فإنّ من دعاه أجابه. ويؤيّده ما بعده.

والحقّ على الوجهين ما يناقض الباطل. وإضافة الدعوة إليه لكونها مختصّة به، وبينهما ملابسة، وهو بمعزل عن الباطل. أو على تأويل دعوة المدعوّ الحقّ الّذي يسمع ويجيب.

وعن الحسن: الحقّ هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحقّ. وعن ابن عبّاس: أنّ دعوة الحقّ هي كلمة التوحيد.

والمراد بالجملتين إن كانت الآية عامّة، وعيد الكفرة على مجادلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحلول محاله بهم، وتهديدهم بإجابة دعاء الرسول عليهم. أو المراد بيان ضلالهم وفساد رأيهم. وإن كانت في عامر وأربد، فالمراد أنّ إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله، وإجابة لدعوة رسوله.

( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) أي: يدعوهم المشركون، فحذف الراجع. أو والمشركون الّذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول، لدلالة «من دونه» عليه.( لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ) من الطلبات( إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ ) أي: إلّا استجابة كاستجابة الماء من بسط كفّيه إليه( لِيَبْلُغَ فاهُ ) يطلب منه أن يبلغه( وَما هُوَ بِبالِغِهِ ) لأنّه جماد لا يشعر بدعائه، ولا ببسط كفّيه، ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر على إجابته والإتيان بغير ما جبل عليه. وكذلك ما يدعونه من جماد، فإنّه جماد لا يحسّ بدعائهم، ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم.

وقيل: شبّهوا في قلّة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، فبسط كفّيه ليشربه ناشرا أصابعه، فلم تلق كفّاه منه شيئا، ولم يبلغ طلبته من شربه.

( وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) إلّا في ضياع وخسار وباطل.

( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) طائعين وكارهين، أو


لطوعهم ولكراهتهم. ويحتمل أن يكون السجود على حقيقته، فإنّه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين طوعا حالتي الشدّة والرخاء، والكفرة كرها حال الشدّة والضرورة، فإنّهم لا يمكنهم أن يمتنعوا من الخضوع لله تعالى، لـما يحلّ بهم من الآلام والأسقام.

( وَظِلالُهُمْ ) ويسجد له ظلال من فيهما بالعرض. وأن يراد بالسجود انقيادهم لإحداث ما أراده منهم من أفعاله، شاؤا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إيّاها بالمدّ والتقليص على وفق مشيئته.

وقوله:( بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ) ظرف لـ «يسجد». والمراد بهما الدوام. أو حال من الظلال. وتخصيص الوقتين لأنّ الامتداد والتقلّص أظهر فيهما. والغدوّ جمع غداة، كقنيّ جمع قناة. والآصال جمع اصيل. وهو ما بين العصر والمغرب. وقيل: الغدوّ مصدر.

( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) )

لـمّا بيّن سبحانه في الآية الأولى أنّه المستحقّ للعبادة، وأنّ له من في السماوات والأرض، عقّبه بما يجري مجرى الحجّة على ذلك، فقال:( قُلْ ) يا محمّد لهؤلاء الكفّار( مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خالقهما ومدبّرهما ومتولّي


أمرهما، فإذا استعجم(١) عليهم الجواب، ولم يمكنهم أن يقولوا: الأصنام( قُلِ اللهُ ) أجب عنهم بأنّ ربّهما الله، إذ لا جواب لهم سواه، ولأنّه البيّن الّذي لا مراء فيه. أو لقّنهم الجواب به.

( قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) أي: ألزمهم بأن اتّخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل، فإنّهم( لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ) لا يقدرون أن يجلبوا إليها( نَفْعاً وَلا ضَرًّا ) ولا يدفعوا عنها ضرّا، فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضرّ عنه، وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب؟ فما أبين ضلالتكم! وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتّخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم.

ثمّ ضرب سبحانه لهم مثلا بعد إلزام الحجّة، فقال:( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى ) أي: المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها. وقيل: المعبود الغافل عنكم.

( وَالْبَصِيرُ ) والموحّد العالم بذلك، أو المعبود المطّلع على أحوالكم.

ثمّ زاد في الإيضاح بقوله:( أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ) الشرك والتوحيد. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالياء.

( أَمْ جَعَلُوا ) الهمزة للإنكار، أي: بل أجعلوا( لِلَّهِ شُرَكاءَ ) ؟ وقوله:( خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ) صفة لـ «شركاء» داخلة في حكم الإنكار( فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ) خلق الله وخلقهم.

والمعنى: أنّهم ما اتّخذوا لله شركاء خالقين مثله حتّى يتشابه عليهم الخلق، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، حتّى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه، فاستحقّوا العبادة كما استحقّها. ولكنّهم اتّخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلا عمّا يقدر عليه الخالق.

( قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) لا خالق غيره فيشاركه في العبادة. جعل الخلق

__________________

(١) أي: صعب واستبهم، أو عجزوا عن الجواب.


موجب العبادة ولازم استحقاقها، ثم نفاه عمّن سواه، ليدلّ على قوله:( وَهُوَ الْواحِدُ ) المتوحّد بالألوهيّة والربوبيّة( الْقَهَّارُ ) الغالب على كلّ شيء، وما عداه مربوب مقهور.

استدلّت المجبّرة بقوله:( اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله، لأنّ ظاهر العموم يقتضي دخول أفعال العباد فيه. وبقوله:( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ) . قالوا: لأنّه أنكر أن يكون خالق خلق كخلقه.

وأجيبوا عن ذلك: بأنّ الآية وردت حجّة على الكفّار، ولو كان المراد ما قالوا لكان فيها حجّة لهم على الله، لا له عليهم، لأنّه إذا كان الخالق لعبادتهم الأصنام هو الله، فلا يتوجّه التوبيخ إلى الكفّار، ولا يلحقهم اللوم بذلك، بل يكون لهم أن يقولوا: إنّك خلقت فينا ذلك، فلم توبّخنا على فعل فعلته فينا؟ فيبطل حينئذ فائدة الآية. وأيضا عند الأكثر معنى الخلق الاختراع، ولا يقدر العباد عليه، وما أسند إلى العباد هو الفعل والإحداث.

( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) )


ثمّ ضرب سبحانه مثلين للحقّ وأهله والباطل وأهله، فقال:( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) من السحاب، أو من جانب السماء، أو من السماء نفسها، فإنّ المبادئ منها( ماءً ) مطرا( فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ ) أنهار. جمع واد. وهو الموضع الّذي يسيل الماء فيه بكثرة، فاتّسع فيه واستعمل للماء الجاري فيه. وتنكيرها لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع، فيسيل بعض الأودية دون بعض.

( بِقَدَرِها ) بمقدارها الّذي علم الله تعالى أنّه نافع غير ضارّ. أو بمقدارها في الصغر والكبر، أي: الصغير على قدره والكبير على قدره، فسال كلّ نهر بقدره( فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً ) رفعه. والزبد وضر(١) الغليان( رابِياً ) أي: منتفخا مرتفعا.

فشبّه سبحانه الحقّ والإسلام بالماء الصافي النافع، والباطل بالزبد الذاهب غير النافع.

ثمّ ذكر المثل الآخر بقوله:( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ) عبارة جامعة لأنواع الفلزّات، كالذهب والفضّة والحديد والنحاس، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به، كما هو هجّير(٢) الملوك( ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ) طلب حليّ( أَوْ مَتاعٍ ) كالأواني وآلات الحرب والحرث. والمقصود من ذلك بيان منافعها( زَبَدٌ مِثْلُهُ ) أي: وممّا يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء، وهو خبثه. و «من» للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء، على أنّ الضمير للناس. وإضماره للعلم به.

( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ ) مثّل الحقّ والباطل، فإنّه مثّل الحقّ في إفادته وثباته بالماء الّذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فينتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض، بأن يثبت بعضه في

__________________

(١) الوضر: خبث الغليان، ووسخ الدسم.

(٢) الهجّير: العادة والدأب.


مناقعه(١) ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار. وبالفلزّ الّذي ينتفع به في صوغ الحليّ، واتّخاذ الأمتعة المختلفة، ويدوم ذلك مدّة متطاولة. ومثّل الباطل في قلّة نفعه وسرعة زواله بزبدهما.

وبيّن ذلك بقوله:( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ) يجفأ به، أي: يرمي به السيل أو الفلزّ المذاب. وانتصابه على الحال.( وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ ) كالماء الصافي وخلاصة الفلزّ( فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) ينتفع به أهلها( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ ) لإيضاح المشتبهات.

( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ) للمؤمنين الّذين استجابوا( لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ) أي: الاستجابة الحسنى( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ) وهم الكفرة. واللام متعلّقة بـ «يضرب»، على أنّه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما.

قال قتادة: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد. شبّه نزول القرآن بالماء الّذي ينزل من السماء، وشبّه القلوب بالأودية والأنهار. فمن استقصى في تدبّره وتفكّر في معانيه أخذ حظّا عظيما منه، كالنهر الكبير الّذي يأخذ الماء الكثير.

ومن رضي بما أدّاه إلى التصديق بالحقّ على الجملة، كان أقلّ حظّا منه، كالنهر الصغير. فهذا مثل واحد.

ثمّ شبّه الخطرات ووساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء، وذلك من خبث التربة لا عين الماء. وكذلك ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحقّ. فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفوة الماء، كذلك يذهب مخائل الشكّ هباء باطلا ويبقى الحقّ. فهذا مثل ثان.

والمثل الثالث قوله:( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ) إلى آخره. فالكفر مثل هذا الخبث الّذي لا ينتفع به، والإيمان مثل الماء الصافي الّذي ينتفع به.

__________________

(١) المناقع جمع المنقع، وهو الموضع يستنقع ـ أي: يجتمع ـ فيه الماء.


وتمّ الكلام عند قوله:( يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ ) ، ثمّ استأنف بقوله:( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ) .

وقيل:( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ) مبتدأ خبره( لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ) . وهو على الأوّل كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين.

( أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ) وهو المناقشة فيه، بأن يحاسب الرجل بذنبه، لا يغفر منه شيء، كما

في الحديث: «من نوقش في الحساب عذّب».

وعن النخعي أيضا: أنّ سوء الحساب هو أن يحاسب الرجل بذنبه كلّه، لا يغفر منه شيء. وعن الصادقعليه‌السلام : «سوء الحساب أن لا يقبل لهم حسنة، ولا يغفر لهم سيّئة» لسوء عقيدة صاحبه.

( وَمَأْواهُمْ ) ومرجعهم( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) المستقرّ. والمخصوص بالذمّ محذوف. وأصل المهاد الفراش الّذي يوطّأ لصاحبه.

( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ


يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) )

ثمّ بيّن سبحانه الفرق بين المؤمن والكافر بقوله:( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) فيستجيب( كَمَنْ هُوَ أَعْمى ) عمى القلب، لا يستبصر فيستجيب.

والهمزة لإنكار أن تقع شبهة في تشابههما بعد ما ضرب من المثل. يعني: لا شبهة في أنّ حال من علم أنّ ما أنزل إليك من ربّك فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الّذي لم يستبصر فيستجيب، كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث غير النافع وخلاصة الفلزّة الّتي ينتفع بها.

( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) ذوو العقول المبرّأة عن مشايعة الأهواء ومعارضة الأوهام، فإنّ أرباب العقول الصافية يتفكّرون ويستبصرون، فيعلمون قضايا عقولهم.

( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ) ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيّته حين قالوا «بلى». أو ما عهد الله عليهم في كتبه.( وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد. وهو تعميم بعد تخصيص.

( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) من الرحم، وموالاة المؤمنين، والإيمان بجميع الأنبياء. ومنه وصل قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم أهل بيته المعصومونعليهم‌السلام وذرّيّتهم، والإحسان إليهم، والذبّ عنهم، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وعيادة مرضاهم، وحضور جنائزهم.

روى محمد بن الفضيل عن موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام في هذه الآية قال: هي صلة آل محمّد معلّقة بالعرش تقول: أللَّهمّ صلْ من وصلني، واقطع من قطعني».

ويندرج فيه أيضا مراعاة صلة الرحم وجميع حقوق الناس.


روى أصحابنا أنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام لـمّا حضرته الوفاة قال: «أعطوا الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين ـ وهو الأفطس ـ سبعين دينارا. فقالت له أمّ ولد له: تعطي رجلا حمل عليك بالشفرة! فقال: ويحك أما تقرئين قول الله تعالى:( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) ؟!».

( وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) وعيده كلّه عموما( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) خصوصا.

فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ) على ما تكرهه النفس ويخالفه الهوى، من أوامر الله وسائر مشاقّ التكليف، والمصائب في النفوس والأموال، وعن المعاصي( ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) طلبا لرضاه، لا لغرض آخر من الأغراض الدنيويّة، كسمعة وطمع عوض وغيرهما.

( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) المفروضة( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) بعضه الّذي وجب عليهم إنفاقه من الحلال، لأنّ الحرام لا يكون رزقا( سِرًّا ) لمن لم يعرف بالمال( وَعَلانِيَةً ) لمن عرف به، دفعا للتهمة.

( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) ويدفعونها بها، فيجازون الإساءة بالإحسان.

عن ابن عبّاس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سّيء غيرهم. وعن الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. أو يتبعون السيّئة الحسنة، فتمحوها، كما

في الحديث: «أتبع السيّئة الحسنة تمحقها».

وأيضا قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاذ بن جبل: «إذا عملت سيّئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها».

( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) عاقبة الدار وما ينبغي أن يكون مآل أهلها، وهي الجنّة، لأنّها الّتي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. الجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء. وإن جعلت صفات لـ( أُولُوا الْأَلْبابِ ) فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات.


( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) بدل من( عُقْبَى الدَّارِ ) . أو مبتدأ خبره( يَدْخُلُونَها ) . والعدن الإقامة، أي: جنّات يقيمون فيها. وقيل: هو بطنان الجنّة، أي: وسطها. وعن ابن عبّاس: هي الدرجة العليا، وسكّانها الشهداء والصدّيقون. وقيل: قصر من ذهب، لا يدخله إلّا نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حاكم عدل.

( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) عطف على المرفوع في «يدخلون». وإنّما ساغ للفصل بالضمير الآخر. أو مفعول معه. والآباء جمع أبوي كلّ واحد منهم، فكأنّه قال: من آبائهم وأمّهاتهم. والمعنى: أنّه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم، تبعا لهم وتعظيما لشأنهم، كما قال:( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) (١) . وهو دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة. أو أنّ الموصوفين بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض ـ لـما بينهم من القرابة والوصلة ـ في دخول الجنّة زيادة في أنسهم. وفي التقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرّد الأنساب لا تنفع.

( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ) من أبواب المنازل، أو من أبواب الفتوح والتحف، قائلين:( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) بشارة بدوام السلامة( بِما صَبَرْتُمْ ) على الطاعة، وعن المعاصي. وهو متعلّق بـ «عليكم»، أو بمحذوف، أي: هذا بما صبرتم لا بسلام، فإنّ الخبر فاصل. والباء للسببيّة، أو للبدليّة.

( فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) الأصل: نعم، فسكّن العين بنقل كسرتها إلى الفاء بعد حذف الفتحة.

( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللهُ

__________________

(١) الطور: ٢١.


يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) )

ولـمّا ذكر سبحانه الّذين يوفون بعهد الله، ووصفهم بالصفات الّتي يستحقّون بها الجنّة، عقّبه بذكر الّذين حالهم على خلاف حالهم، فقال:( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ ) يعني: مقابلي الأوّلين( مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ) من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول( وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) بظلم العباد، وتهييج الفتن بينهم، وإضلالهم عن الحقّ( أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) عذاب جهنّم، أو سوء عاقبة الدنيا.

( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) يوسّعه ويضيّقه وفق المصلحة، دون غيره( وَفَرِحُوا ) أهل مكّة( بِالْحَياةِ الدُّنْيا ) بما بسط لهم في الدنيا( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ ) في جنب الآخرة( إِلَّا مَتاعٌ ) متعة لا تدوم، كعجالة(١) الراكب وزاد الراعي. والمعنى: أنّهم أشروا(٢) بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة، واغترّوا بما هو في جنب نعيم الآخرة حقير قليل النفع

__________________

(١) عجالة الراكب: ما يتعجّله من طعام أو شراب.

(٢) أي: فرحوا فرح بطر وأشر وتكبّر.


سريع الزوال.

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ) اقترحناها( مِنْ رَبِّهِ ) لـمّا جحدوا آياته الكثيرة الّتي لم يؤتها نبيّ قبله، ومن أعظمها القرآن الّذي يعجزون عن الإتيان بمثله مع أنّهم أبلغ بلغاء زمانهم، ولم يعتدّوا بها عنادا وإنكارا ولجاجا، فجعلوها كأنّها لم تنزل عليه قطّ، وقالوا ذلك تعجّبا واستنكارا.

( قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) خذلانا وتخلية، باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات( وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ) أقبل إلى الحقّ ورجع عن العناد. وهذا جواب يجري مجرى التعجّب من قولهم، كأنّه قال: قل لهم ما أعظم عنادكم! إنّ الله يضلّ من يشاء ممّن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن أنزلت كلّ آية، ويهدي إليه من أناب بما جئت به من الآيات.

( الَّذِينَ آمَنُوا ) بدل من «من»، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الّذين آمنوا( وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ) أنسا به، واعتمادا عليه، ورجاء منه. أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، كقوله:( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ) (١) . أو بذكر دلائله الدالّة على وجوده ووحدانيّته. أو بكلامه، يعني: القرآن الّذي هو أقوى المعجزات( أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) تسكن إليه.

وهذا حثّ للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب، والطمأنينة إليه، فإنّ وعده سبحانه صادق، ولا شيء تطمئنّ النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق.

( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) بدل من( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ ) . أو مبتدأ خبره( طُوبى لَهُمْ ) هو فعلى من الطيب، قلبت ياؤه واوا، لضمّة ما قبلها. مصدر لـ «طاب»، كبشرى وزلفى. ومعنى «طوبى لك»: أصبت خيرا وطيبا.

__________________

(١) الزمر: ٢٣.


واللام للبيان، مثلها في: سقيا لك. ومعناه: لهم عيش طيّب وقرّة عين. ويجوز فيه النصب.

وقيل: إنّ طوبى شجرة في الجنّة، أصلها في دار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي دار كلّ مؤمن منها غصن. وهو قول عبيد بن عمير، ووهب، وأبي هريرة، وشهر بن حوشب. ورواه أبو سعيد الخدري. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام . قال: لو كان راكب مجدّ سار في ظلّها مائة عام ما خرج منها. ولو أنّ غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتّى يبيضّ هرما. ألا في هذا فارغبوا، إنّ المؤمن نفسه منه في شغل والناس منه في راحة.

وروى عليّ بن إبراهيم عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكثر تقبيل فاطمةعليهما‌السلام ، فأنكرت عليه بعض نسائه ذلك. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه لـمّا أسري بي إلى السماء دخلت الجنّة، فأدناني جبرئيلعليه‌السلام من شجرة طوبى، وناولني منها تفّاحة، فأكلتها، فحوّل الله ذلك في ظهري ماء، فهبطت الى الأرض وواقعت خديجة، فحملت بفاطمةعليها‌السلام ، فكلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها، وما قبّلتها إلّا وجدت رائحة شجرة طوبى منها، فهي حوراء إنسيّة».

وروى الثعلبي بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: طوبى شجرة أصلها في دار عليّعليه‌السلام في الجنّة، وفي دار كلّ مؤمن منها غصن.

ورواه أبو بصير عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام .

وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، عن أبيه، عن آبائه، قال: «سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طوبى. قال: شجرة أصلها في داري، وفرعها على أهل الجنّة. ثمّ سئل عنها مرّة اخرى. فقال: هي في دار


عليّعليه‌السلام . فقيل له في ذلك. فقال: إنّ داري ودار عليّعليه‌السلام في الجنّة بمكان واحد»(١) .

( وَحُسْنُ مَآبٍ ) ولهم حسن مرجع.

( كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) )

ولـمّا ذكر سبحانه النعمة على من تقدّم ذكره بالثواب وحسن المآب، عقّبه بذكر النعمة على من أرسل إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( كَذلِكَ ) مثل إرسال الرسل قبلك( أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها ) أي: في أمّة قد تقدّمتها( أُمَمٌ ) كثيرة أرسلوا إليهم، فليس ببدع إرسالك إليها، وهي آخر الأمم، وأنت خاتم الأنبياءعليهم‌السلام ( لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الّذي أوحيناه إليك( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ) وحال هؤلاء أنّهم يكفرون بالله الواسع الرحمة البليغ الإحسان، الّذي أحاطت بهم نعمته، ووسعت كلّ شيء رحمته، فلم يشكروا نعمه، وخصوصا ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم، وإنزال القرآن المعجز الّذي هو مناط المنافع الدينيّة والدنيويّة عليهم.

قيل: نزلت في مشركي أهل مكّة حين قيل لهم: اسجدوا للرحمن، فقالوا: وما الرحمن؟

( قُلْ هُوَ رَبِّي ) أي: الرحمن خالقي ومتولّي أمري( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) لا مستحقّ للعبادة سواه، متعاليا عن الشركاء والأنداد( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ) في نصرتي

__________________

(١) شواهد التنزيل ١: ٣٩٦ ح ٤١٧.


عليكم( وَإِلَيْهِ مَتابِ ) مرجعي ومرجعكم، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم.

( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) )

ولـمّا تقدّم كفرهم بالرحمن عظّم شأن القرآن، وبالغ في رسوخهم في الكفر، وتوغّلهم في العناد، وتصميمهم على الإنكار، مع وضوح حقيقة القرآن، فقال:( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ) شرط حذف جوابه، أي: ولو أنّ كتابا زلزلت وزعزعت به الجبال عن مقارّها.

( أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ) تصدّعت من خشية الله تعالى عند قراءته. أو شقّقت فجعلت أنهارا وعيونا.

( أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ) فتقرؤه به، أو فتسمع، وتجيب عند قراءته، لكان هذا القرآن، لأنّه الغاية في الإعجاز، والنهاية في التذكير والإنذار، كما قال:( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) (١) . أو لـما آمنوا به، كقوله:( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ) (٢) الآية. وتذكير «كلّم» خاصّة لاشتمال الموتى على المذكّر الحقيقي.

وقيل: إنّ أبا جهل وطائفة من قريش قالوا: يا محمّد: إن سرّك أن نتّبعك فسيّر بقرآنك الجبال عن مكّة، حتّى تتّسع لنا فنتّخذ فيها بساتين وقطائع، أو سخّر

__________________

(١) الحشر: ٢١.

(٢) الأنعام: ١١١.


لنا به الريح لنركبها ونتّجر إلى الشام، أو ابعث لنا به قصيّ بن كلاب وغيره من آبائنا ليكلّمونا في صدقك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير.

وقيل: الجواب مقدّم، وهو قوله:( وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ) ، وما بينهما اعتراض.

ثمّ أضرب عمّا تضمّنته «لو» من معنى النفي، فقال:( بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ) بل لله القدرة على كلّ شيء، فإنّه قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكنّ الإرادة لم تتعلّق بذلك، لعلمه بأنّه لا تلين له شكيمتهم، ولا يزول رسوخ عنادهم وشدّة كفرهم. أو قادر على أن يلجئهم إلى الايمان، ولكن بناء أمر التكليف على الاختيار، فلم يلجئهم. ولذلك قال:( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ) أفلم يقنطوا عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم.

وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه: أفلم يعلم؟ لـما روي أنّ عليّاعليه‌السلام وابن عبّاس وجماعة من الصحابة والتابعين قرءوا: أفلم يتبيّن.

وهو تفسيره وإنّما استعمل اليأس بمعنى العلم، لأنّه مسبّب عن العلم، فإنّ اليائس عن الشيء عالم بأنّه لا يكون، كما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لذلك.

وعلى هذا قوله:( أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) متعلّق بـ «ييأس»، أي: أفلم يعلم المؤمنون أن لو يشاء الله مشيئة جبر وقسر لهداهم؟ وعلى الأوّل متعلّق بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الّذين آمنوا عن إيمانهم، علما منهم أن لو يشاء الله مشيئة جبر لهداهم جميعا. ويجوز أن يكون المعنى: لو أراد أن يهدي الخلق كلّهم إلى جنّته لهداهم، لكنّه كلّفهم لينالوا الثواب بطاعاتهم على وجه الاستحقاق.

( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا ) من الكفر وسوء الأعمال( قارِعَةٌ ) داهية تقرعهم وتقلقلهم، من صنوف المصائب في نفوسهم وأموالهم( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ ) ، فيفزعون منها، ويتطاير إليهم شررها.

وقيل: الآية في كفّار مكّة، فإنّهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه كان لا يزال يبعث السرايا فينزلون حواليهم، ويختطفون مواشيهم.


وعلى هذا يجوز أن يكون «تحلّ» خطابا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه حلّ بجيشه قريبا من دارهم عام الحديبية.

( حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ ) الموت، أو القيامة، أو فتح مكّة( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) لامتناع الكذب في كلامه.

( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) )

ثمّ قال تسلية لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتوعّدا للمشركين المقترحين عليه:( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) الإملاء أن يترك شيء ملاوة ـ أي :

مقدارا ـ من الزمان في دعة وأمن، كالبهيمة تملى في المرعى( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) أي: عقابي إيّاهم.

( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤) )

ثمّ احتجّ على المشركين في إشراكهم بالله، فقال:( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ ) أي :


رقيب( عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) من خير أو شرّ، بحيث لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم. والخبر محذوف تقديره: كمن ليس كذلك.( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ) استئناف، أو عطف على «كسبت» إن جعلت «ما» مصدريّة. أو تقدير الخبر: لم يوحّدوه، «وجعلوا» عطف عليه. ويكون الظاهر فيه موضع المضمر للتنبيه على أنّه المستحقّ للعبادة.

ثمّ نبّه على أنّ هؤلاء الشركاء لا يستحقّون العبادة، فقال:( قُلْ سَمُّوهُمْ ) بالأسماء الّتي هي صفاتهم، أي: صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقّون به العبادة ويستأهلون الشركة؟( أَمْ تُنَبِّئُونَهُ ) بل أتنبّئونه( بِما ) بشركاء له يستحقّون العبادة، أو بصفات لهم يستحقّونها لأجلها( لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ) لا يعلمهم فيها، وهو العالم بكلّ شيء، فإذا لم يعلمهم فإنّهم ليسوا بشيء يتعلّق بهم العلم. والمراد نفي أن يكون له شركاء. ونحوه:( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) (١) .

( أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ) أم تسمّونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى، كتسمية الزنجي كافورا، كقوله:( ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ ) (٢) ( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها ) (٣) .

وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب، ينادي بلسان فصيح أنه ليس من كلام البشر، بل محض الإعجاز.

( بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ ) تمويههم، فتخيّلوا أباطيل ثمّ خالوها حقّا، أو كيدهم للإسلام بشركهم( وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) سبيل الحقّ. وقرأ نافع وأبو عمرو

__________________

(١) يونس: ١٨.

(٢) التوبة: ٣٠.

(٣) يوسف: ٤٠.


وابن عامر: وصدّوا بالفتح، أي: وصدّوا الناس عن الإيمان.

( وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ ) يخذله في الضلالة ويخلّه فيها، لفرط عناده ورسوخ كفره( فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) يوفّقه للهدى، أو يقدر على هدايته.

( لَهُمْ عَذابٌ ) بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ ) أغلظ وأبلغ، لشدّته ودوامه( وَما لَهُمْ مِنَ ) عذاب( اللهِ مِنْ واقٍ ) حافظ يدفع عنهم عذابه.

( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) )

ولـمّا ذكر ما أعدّ للكفّار عقّبه بذكر ما أعدّ للمؤمنين، فقال:( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) أي: صفتها الّتي هي مثل في الغرابة. وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه، أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنّة. وعند غيره خبره( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) على طريقة قولك: صفة زيد أسمر. وعن الزجّاج الموصوف محذوف، أي: مثل الجنّة جنّة تجري من تحتها الأنهار. أو على زيادة المثل. وهو على قول سيبويه حال من العائد المحذوف، أو من الصلة.

( أُكُلُها دائِمٌ ) لا ينقطع ثمرها، كقوله:( لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) (١) ( وَظِلُّها ) أي: وظلّها كذلك، لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس.

( تِلْكَ ) أي: الجنّة الموصوفة( عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ) مآلهم ومنتهى أمرهم( وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ ) لا غير. وفي ترتيب النظمين إطماع للمتّقين وإقناط للكافرين.

__________________

(١) الواقعة: ٣٣.


( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) )

ولـمّا تقدّم ذكر الوعد والوعيد أخبر سبحانه عن حال المتّقين والكافرين في الدنيا، فقال:( وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) يعني: المسلمين من أهل الكتاب، كابن سلام وأصحابه، ومن آمن من النصارى، وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة. أو عامّتهم، فإنّهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم.

( وَمِنَ الْأَحْزابِ ) يعني: كفرتهم الّذين تحزّبوا على عداوة رسول الله، ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيّد والعاقب وأشياعهما( مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ) وهو ما يخالف شرائعهم، أو ما يوافق لـما حرّفوه منها، فإنّ الأقاصيص والأحكام الّتي هي ثابتة في كتبهم لا ينكرونها.

( قُلْ ) في جواب المنكرين( إِنَّما أُمِرْتُ ) فيما أنزل إليّ( أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ) بأن أعبد الله وأوحّده. وهو العمدة في الدين، ولا سبيل لكم إلى إنكاره.

وأمّا ما تنكرونه لـما يخالف شرائعكم، فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهيّة في جزئيّات الأحكام.

( إِلَيْهِ أَدْعُوا ) لا إلى غيره( وَإِلَيْهِ مَآبِ ) وإليه مرجعي للجزاء، لا إلى غيره.

وهذا هو القدر المتّفق عليه بين الأنبياء، وأما ما عدا ذلك من التفاريع فممّا يختلف


بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه.

( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها، أو كما أنزل الكتب إلى من تقدّم من الأنبياء بلسانهم( أَنْزَلْناهُ حُكْماً ) يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة( عَرَبِيًّا ) مترجما بلسان العرب، ليسهل لهم فهمه وحفظه. وانتصابه على الحال.

( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ) الّتي يدعونك إليها، كتقرير دينهم، والصلاة إلى قبلتهم حين حوّلت عنها( بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) بنسخ ذلك( ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ) ينصرك ويمنع العقاب عنك. وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على التصلّب في دينهم، والتثبّت فيه من الزلّة عند الشبهة بعد الاستمساك بالحجّة، وإلّا فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدّة الشكيمة بمكان عظيم.

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) )

روي أنّهم كانوا يعيبون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكثرة تزوّج النساء، كما كانوا يقولون:( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) (١) . وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ. فقال الله سبحانه ردّا عليهم:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ ) بشرا مثلك( وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً ) نساء وأولادا، كما هي لك.

__________________

(١) الفرقان: ٧.


( وَما كانَ لِرَسُولٍ ) وما صحّ له ولم يكن في وسعه( أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ) تقترح عليه، وبحكم يلتمس منه( إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) فإنّه المقتدر لا غيره.

ثمّ ردّ إنكار النسخ بقوله:( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ) لكلّ وقت وأمد حكم يكتب على العباد، على ما يقتضيه استصلاحهم.

( مْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ) ينسخ ما يستصوب نسخه( وَيُثْبِتُ ) ما تقتضيه حكمته.

وقيل: يمحو سيّئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها، كقوله:( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (١) .

وقيل: يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلّق به جزاء، ويترك غيره مثبتا، فإنّهم مأمورون بكتبة كلّ قول وفعل.

أو يمحو ما يشاء من ذنوب المؤمنين فضلا، فيسقط عقابها، ويثبت ذنوب من يريد عقابه عدلا.

عن ابن مسعود: أنّه عامّ في كلّ شيء، فيمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويثبت، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما. أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه.

وقيل: يمحو ما يشاء من القرون، ويثبت ما يشاء منها، كقوله:( ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) (٢) .

وقيل: يمحو الفاسدات، ويثبت الكائنات.

وقرأ نافع وابن عامر والكسائي: ويثبّت بالتشديد.

( وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ) أصل الكتب، وهو اللوح المحفوظ، إذ ما من كائن إلّا وهو مكتوب فيه.

__________________

(١) الفرقان: ٧٠.

(٢) المؤمنون: ٣١.


روى أبو قلابة عن ابن مسعود أنّه كان يقول: أللَّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء، فامحني من الأشقياء، واثبتني في السعداء، فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمّ الكتاب. وروي مثل ذلك عن أئمّتناعليهم‌السلام في دعواتهم المأثورة.

وروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: لله كتابان: كتاب سوى أمّ الكتاب، يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وأمّ الكتاب لا يغيّر منه شيء. ورواه عمران بن حصين عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «سألته عن ليلة القدر. فقال: ينزل الله فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا، فيكتبون ما يكون من أمر السنة، وما يصيب العباد، وأمر ما عنده موقوف له فيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ويثبت، وعنده أمّ الكتاب».

وروى الفضيل قال: «سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول: العلم علمان: علم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، وعلم عنده محزون لم يطّلع عليه أحد، يحدث فيه ما يشاء».

وروى زرارة عن حمران، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «هما أمران: موقوف ومحتوم، فما كان من محتوم أمضاه، وما كان من موقوف فله فيه المشيئة، يقضي فيه ما يشاء».

وقيل: المراد من الآية أنّ الله يغيّر الأرزاق والمحن والمصائب، ويثبته في الكتاب، ثمّ يزيله بالدعاء والصدقة. ففيه حثّ على الانقطاع إليه سبحانه.

( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم، أو توفّيناك قبله( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) لا غير( وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) للمجازاة لا عليك، فلا تحزن ـ أي: بإعراضهم ـ ولا تستعجل بعذابهم، فإنّا فاعلون له إمّا عاجلا وإمّا آجلا.

وفي هذه دلالة على أنّ الإسلام سيظهر على سائر الأديان، ويبطل الشرك


في أيّامه وبعد وفاته، وقد وقع المخبر به على وفق الخبر.

( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) )

ثمّ ذكر سبحانه ما يكون للكفّار كالبيّنة على الاعتبار، فقال:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ) أرض الكفّار( نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) أي: ننقص دار الحرب، ونزيد في دار الإسلام بما نفتحه على المسلمين منها. والمعنى: عليك البلاغ، ولا يهمّنّك ما وراء ذلك، فنحن نكفيكه، ونتمّ ما وعدناك من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام، فلا يضجرك تأخّره، فإنّ ذلك لـما نعلم من المصالح الّتي لا تعلمها.

( وَاللهُ يَحْكُمُ ) يفصّل الأمر( لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) لا ناقض لحكمه، ولا رادّ لقضائه. وحقيقته الّذي يعقّب الشيء ويكرّ عليه ليبطله، ومنه قيل لصاحب الحقّ :

معقّب، لأنّه يقفو غريمه بالاقتضاء. والمعنى: أنه حكم للإسلام بالإقبال، وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره. ومحلّ «لا» مع المنفيّ النصب على الحال، أي: يحكم نافذا حكمه.

( وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) فيحاسبهم عمّا قليل في الآخرة، بعد ما عذّبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا.

( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) )


ثمّ بيّن سبحانه أنّ مكرهم يضمحلّ عند نزول العذاب بهم، فقال:( وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) بأنبيائهم والمؤمنين منهم( فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً ) إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، فإنّه يردّ مكرهم ويعذّبهم من حيث لا يشعرون.

( يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ) فلا يخفى عليه ما يكتسبه الإنسان من خير وشرّ، لأنّه عالم بجميع المعلومات، فيعدّ جزاءها.

وقيل: يعلم ما يمكرونه في أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيبطل أمرهم، ويظهر أمره ودينه.

( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) من الحزبين حيثما يأتيهم من العذاب المعدّ لهم، وهم في غفلة منه. وهذا كالتفسير لمكر الله تعالى بهم، لأنّ من علم ما تكسب كلّ نفس وأعدّ لها جزاءها فهو المكر كلّه، لأنّه يأتيهم من حيث لا يشعرون ممّا يراد بهم. واللام تدلّ على أنّ المراد بالعقبى العاقبة المحمودة، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: الكافر على إرادة الجنس.

وفي الآية تهديد لهم بأنّهم سوف يعلمون من تكون عاقبته الجنّة، حين يدخل المؤمنون الجنّة والكافرون النار.

وقيل: معناه: سيعلمون لمن العاقبة المحمودة، لكم أم لهم، إذا اظهر الله دينه.

( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ) قيل: المراد بهم رؤساء اليهود( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) فإنّه أظهر من الدلالات على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها( وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ) علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز.

أو علم التوراة، وهو ابن سلام وأضرابه. أو علم اللوح المحفوظ، وهو الله تعالى.

والمعنى: كفى بالّذي يستحقّ العبادة، وبالّذي لا يعلم ما في اللوح المحوظ إلّا هو، شهيدا بيني وبينكم، فيخزى الكاذب منّا. وارتفاع علم الكتاب بالظرف، فإنّه معتمد


على الموصول.

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «أنّ المراد بمن عنده علم الكتاب عليّ بن أبي طالب وأئمّة الهدىعليهم‌السلام ».

روى بريد بن معاوية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «إيّانا عنى، وعلي أوّلنا، وأفضلنا، وخيرنا بعد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

وروى عنه عبد الله بن كثير: «أنّه وضع يده على صدره ثمّ قال: عندنا والله علم الكتاب كملا».

ويؤيّد ذلك ما روي عن الشعبي أنّه قال: ما أحد أعلم بكتاب الله بعد النبيّ من عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام .

وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ما رأيت أحدا أقرأ من عليّ بن أبي طالب للقرآن.


(١٤)

سورة إبراهيم

مكّية، وهي اثنتان وخمسون آية.

أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من قرأ سورة إبراهيمعليه‌السلام أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من عبد الأصنام، وبعدد من لم يعبدها».

وروى عيينة بن مصعب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة إبراهيم في ركعتين جميعا في كلّ جمعة، لم يصبه فقر ولا جنون ولا بلوى».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) )


ولـمّا ختم الله سورة الرعد بإثبات الرسالة وإنزال الكتاب، افتتح هذه السورة ببيان الغرض في الرسالة والكتاب، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر ) أنا الله أعلم وأرى. وباقي الوجوه فيه مزبور في أوّل سورة البقرة.

( كِتابٌ ) أي: هو كتاب( أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ ) بدعائك إيّاهم إلى ما تضمّنه( مِنَ الظُّلُماتِ ) من أنواع الضلال( إِلَى النُّورِ ) إلى الهدى( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) بتيسيره وتسهيله. مستعار من الإذن الّذي هو تسهيل الحجاب. والمراد ما يمنحهم من التوفيق والألطاف. وهذا صلة «لتخرج»، أو حال من فاعله أو مفعوله.

( إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) بدل من قوله: «إلى النور» بتكرير العامل. أو استئناف على أنّه جواب لمن يسأل عنه. وإضافة الصراط إلى الله تعالى، إمّا لأنّه مقصده، أو المظهر له. وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنّه لا يذلّ سالكه، ولا يخيب سابله.

( اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) قرأ نافع وأبو عمرو بالرفع، على أنّه مبتدأ والموصول خبره، أو خبر مبتدأ محذوف والموصول صفته، أي: هو الله الّذي. وقرأ الباقون بالجرّ، على أنّه عطف بيان للعزيز، لأنّه كالعلم ـ كما غلّب النجم في الثريّا ـ لاختصاصه بالمعبود على الحقّ.

ثمّ أوعد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور، فقال:( وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) الويل نقيض الوأل، وهو النجاة. وأصله النصب، لأنّه مصدر، إلّا أنّه لم يشتقّ منه فعل، لكنّه رفع لإفادة الثبات، كما يقال: سلام عليك. والمعنى: أنّهم يولولون من عذاب شديد، ويضجّون منه فيقولون: يا ويلاه، كقوله:( دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ) (١) .

( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) يختارونها عليها، فإنّ المختار

__________________

(١) الفرقان: ١٣.


للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها من غيره( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) بتعويق الناس عن الإيمان( وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) ويبغون لها زيغا ونكوبا عن الحقّ ليقدحوا فيه. فحذف الجارّ وأوصل الفعل إلى الضمير. والموصول بصلته يحتمل الجرّ صفة للكافرين، والنصب على الذمّ، والرفع عليه، أو على أنّه مبتدأ خبره( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي: ضلّوا عن الحقّ، ووقفوا دونه بمراحل. والبعد في الحقيقة للضالّ، لأنّه متباعد عن الطريق، فوصف به فعله للمبالغة، كما تقول: جدّ جدّه. ويجوز أن يراد: في ضلال ذي بعد، أو للأمر الّذي به الضلال، فوصف به للملابسة.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) )

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) إلّا بلغة قومه الّذي هو منهم وبعث فيهم( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) ما أمروا به، فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثمّ ينقلوه ويترجموه لغيرهم، فإنّهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم، وأحقّ بأن ينذرهم، ولذلك أمر


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإنذار عشيرته أوّلا. ولو نزّل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقلّ ذلك بنوع من الإعجاز، ولكن أدّى إلى اختلاف الكلمة، وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلّم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشعّبة منها، وما في إتعاب القرائح وكدّ النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب.

وقيل: الضمير في «قومه» لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنه تعالى أنزل الكتب كلّها بالعربيّة، ثمّ ترجمها جبرئيلعليه‌السلام أو كلّ نبيّ بلغة المنزل عليهم.

( فَيُضِلُّ اللهُ ) فيخلّي في الضلال خذلانا، بمنع الألطاف وأسباب التوفيق( مَنْ يَشاءُ ) من هو راسخ في الكفر ومصمّم على العناد( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) ويوفّق للهداية من هو طالب الرشاد والصواب، مثل قوله:( فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) (١) ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) فلا يغلب على مشيئته( الْحَكِيمُ ) فلا يخذل إلّا أهل الخذلان، ولا يلطف إلّا بأهل اللطف.

ثمّ ذكر سبحانه إرسال موسىعليه‌السلام تخصيصا بعد التعميم، فقال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) يعني: اليد والعصا وسائر معجزاته( أَنْ أَخْرِجْ ) «أن» مفسّرة، فمعناه: أي أخرج، لأنّ الإرسال فيه معنى القول، فكأنّه قال: أرسلناه وقلنا له: أن أخرج( قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ ) ظلمات الكفر( إِلَى النُّورِ ) إلى نور الإسلام. ويجوز أن تكون مصدريّة، أي: بأن أخرج، فإنّ صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر، فيصحّ أن توصل بها «أن» الناصبة.

( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ ) بوقائعه الّتي وقعت على الأمم الدارجة، ومنه أيّام العرب، أي: حروبها وملاحمها. وعن ابن عبّاس: هي نعماؤه وبلاؤه.( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ ) يصبر على بلائه( شَكُورٍ ) يشكر على نعمائه، فإنّه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء، وأفيض عليهم من النعماء، اعتبر وتنبّه لـما يجب عليه

__________________

(١) التغابن: ٢.


من الصبر والشكر.

وقيل: المراد لكلّ مؤمن، وإنّما عبّر عنهم بذلك تنبيها على أنّ الصبر والشكر عنوان المؤمن ومن سجاياه، فإنّ التكليف لا يخلو من الصبر والشكر.

( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائه إيّاكم. ويجوز أن ينتصب بـ «عليكم» إن جعلت مستقرّة غير صلة للنعمة، لأنّه إذا كان صلة لم يعمل فيه، أي: اذكروا نعمة الله مستقرّة عليكم وقت إنجائكم، وذلك إذا أريدت بها العطيّة دون الإنعام. ويجوز أن يكون بدلا من «نعمة الله» بدل الاشتمال، أي: اذكروا وقت إنجائكم.

وقوله:( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) أحوال من آل فرعون، أو من ضمير المخاطبين. والمراد بالعذاب ها هنا غير المراد به في سورة البقرة(١) والأعراف(٢) ، لأنّه ثمّ مفسّر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه التذبيح هنا. وهو إمّا جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقّة.

( وَفِي ذلِكُمْ ) من حيث استعبادهم بإقدار الله تعالى إيّاهم، وتمكينهم وإمهالهم فيه( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) ابتلاء منه. ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء. والمراد بالبلاء النعمة.

( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ

__________________

(١) البقرة: ٤٩.

(٢) الأعراف: ١٤١.


حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) )

ولـمّا تقدّم ذكر النعم أتبعه سبحانه بذكر ما يلزم عليها من الشكر، فقال:( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ) هو ايضا من كلام موسىعليه‌السلام . و «تأذّن» بمعنى: آذن، كـ: توعّد وأوعد، غير أنّه أبلغ، لـما في التفعّل من معنى التكلّف والمبالغة، ولا بدّ في «تفعّل» من زيادة معنى ليس في «أفعل». كأنّه قال: وإذ أذن ربّكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك.

( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم( لَأَزِيدَنَّكُمْ ) نعمة إلى نعمة( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ) جحدتم نعمتي( إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) بمعنى: أعذّبكم على الكفران عذابا شديدا. ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرّح بالوعد ويعرّض بالوعيد.

والجملة مقول قول مقدّر، أو مفعول «تأذّن»، على أنّه جار مجرى «قال»، لأنّه ضرب منه.

( وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) من الثقلين( فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌ ) عن شكركم، وأنتم محاويج إليه( حَمِيدٌ ) مستحقّ للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة، وتنطق بنعمته ذرّات المخلوقات، فما ضررتم بكفرانكم إلّا أنفسكم، حيث حرّمتموها مزيد الإنعام، وعرّضتموها للعذاب الشديد.

قال أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام في هذه الآية: «أيّما عبد أنعمت عليه نعمة فأقرّ بها بقلبه، وحمد الله تعالى عليها بلسانه، لم ينفذ كلامه حتّى يأمر الله له بالزيادة».


( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ) من كلام موسى، أو كلام مبتدأ من الله خطابا لأمّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ ) جملة وقعت اعتراضا. أو( الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) في محلّ الجرّ عطفا على قوم نوح، و «لا يعلمهم» اعتراض. والمعنى: أنّهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلّا الله تعالى. ولذلك قال ابن مسعود حين قرأ هذه الآية: كذب النسّابون.

وقيل: إنّ بين عدنان وإسماعيل ثلاثين أبا لا يعرفون. وقيل: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لا يجاوز في انتسابه معد بن عدنان.

( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ ) فعضّوا على أصابع أيديهم من شدّة الغيظ والضجر ممّا جاءت به الرسل، كقوله:( عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ) (١) . أو وضعوها عليها تعجّبا منه، أو استهزاء عليه، كمن غلبه الضحك، أو إسكاتا للأنبياء وأمرا لهم بإطباق الأفواه، أي: اسكتوا عمّا تدعوننا إليه. أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به، من قولهم: إنّا كفرنا، تنبيها على أن لا جواب لهم سواه، أوردوها في أفواه الأنبياءعليهم‌السلام يمنعونهم من التكلّم.

وقيل: الأيدي بمعنى الأيادي، أي: ردّوا أيادي الأنبياء الّتي هي أجلّ النعم، وهي مواعظهم وما أوحي إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم، لأنّهم إذا كذّبوها ولم يقبلوها فكأنّهم ردّوها إلى أفواههم، ورجعوها إلى حيث جاءت منه، على طريق المثل.

( وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) على زعمكم( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ ) من الإيمان( مُرِيبٍ ) موقع في الريبة، أو ذي ريبة. وهي قلق النفس بحيث لا تطمئنّ إلى شيء.

__________________

(١) آل عمران: ١١٩.


( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) )

( قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌ ) ادخلت همزة الإنكار على الظرف، لأنّ الكلام في المشكوك فيه وأنّه لا يحتمل الشكّ، لا في الشكّ، أي: إنّما يدعوكم إلى الله، وهو لا يتطرّق إليه الشكّ، لكثرة الأدلّة، وظهور دلالتها عليه. وأشاروا إلى ذلك بقولهم:( فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) صفة أو بدل. و «شكّ» مرتفع بالظّرف.

( يَدْعُوكُمْ ) إلى الإيمان ببعثه إيّانا( لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) أو يدعوكم إلى المغفرة، كقولك: دعوته لينصرني، على إقامة المفعول له مقام المفعول به( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) بعض ذنوبكم، وهو ما بينكم وبينه، فإنّ الإسلام يجبّه دون المظالم. وقيل: جيء بـ «من» في خطاب الكفّار دون المؤمنين في جميع القرآن، تفرقة بين الخطابين.

ويحتمل أن يكون المعنى فيه: أنّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفّار مرتّبة على الإيمان، وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنّب عن المعاصي، فتتناول الخروج عن المظالم.

( وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إلى وقت سمّاه الله تعالى، وجعله آخر أعماركم.

وفي هذه الآية دلالة على أنّه سبحانه لا يريد الكفر والشرك، وإنّما يريد الخير والإيمان، وأنّه إنّما بعث الرسل إلى الكفّار رحمة وفضلا، وإنعاما عليهم ليؤمنوا، فإنّه قال:( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ ) إلى آخرها.

( قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) لا فضل لكم علينا، فلم تخصّون بالنبوّة دوننا؟


ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل، وهم الملائكة( تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا ) بهذه الدعوى( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) يدلّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزيّة، أو على صحّة ادّعائكم النبوّة. وقد جاءتهم رسلهم بالبيّنات والحجج لكن لم يعتبروها عنادا، واقترحوا عليهم آية اخرى تعنّتا ولجاجا.

( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) )

ثمّ حكى جواب الرسل للكفّار، فقال:( قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ ) سلّموا مشاركتهم إيّاهم في البشريّة، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوّة فضل الله تعالى ومنّه عليهم، ولم يذكروا فضلهم تواضعا منهم، فاقتصروا على قولهم: «وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ »( مِنْ عِبادِهِ ) بالنبوّة، لأنّه قد علم أنّه لا يختصّهم بتلك الكرامة إلّا وهم أهل لاختصاصهم بها، لخصائص فيهم قد استأثروا بها على أبناء جنسهم.

( وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) أي: ليس إلينا الإتيان بالآيات، ولا يستبدّ به استطاعتنا حتّى نأتي بما اقترحتموه، وإنّما هو أمر يتعلّق بمشيئة الله تعالى، فيخصّ كلّ نبيّ بنوع من الآيات.

( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) عمّموا الأمر بالتوكّل للإشعار بما يوجب


التوكّل، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوّليّا، وأمروها به، كأنّهم قالوا: ومن حقّنا أن نتوكّل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، ولهذا قالوا بعد ذلك:( وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ ) أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه( وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ) وقد فعل بنا ما يوجب توكّلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كلّ واحد منّا إلى السبيل الّذي يجب عليه سلوكه في الدين. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف هاهنا وفي العنكبوت(١) .

( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ) جواب قسم محذوف، أكّدوا توكّلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفّار عليهم( وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) فليثبت المتوكّلون على ما استحدثوه من توكّلهم المسبّب عن إيمانهم. فالمراد بالتوكّل الأوّل استحداثه، وبالثاني التوكّل عليه.

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) )

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) حلفوا

__________________

(١) العنكبوت: ٦٩.


على أنّه لا بدّ من أحد الأمرين: إمّا إخراجهم للرسل من بلادهم، أو عودهم إلى ملّتهم. والعود هاهنا بمعنى الصيرورة، لأنّهم لم يكونوا على ملّتهم قطّ. ويجوز أن يكون الخطاب لكلّ رسول ولمن آمن معه، فغلّبوا الجماعة على الواحد.

( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) إلى رسلهم( رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) على إضمار القول، أو إجراء الإيحاء مجراه، لأنّه نوع منه.

( وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي: أرضهم وديارهم، كقوله:( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ) (١) . وفي الحديث: «من آذى جاره ورّثه الله داره».

( ذلِكَ ) إشارة إلى الموحى به، وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين( لِمَنْ خافَ مَقامِي ) موقفي، وهو الموقف الّذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة. أو قيامي عليه، وحفظي لأعماله. وقيل: المقام مقحم.

( وَخافَ وَعِيدِ ) أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفّار.

( وَاسْتَفْتَحُوا ) سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، من الفتاحة، كقوله:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ ) (٢) . وهو معطوف على «فأوحى». والضمير للأنبياء. وقيل: للكفرة، ظنّا منهم بأنّهم على الحقّ والرسل على الباطل. وقيل: للفريقين، فإنّ كلّهم سألوه أن ينصر المحقّ ويهلك المبطل.

( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) أي: ففتح لهم فأفلح المؤمنون، وخاب كلّ جبّار عات متكبّر على اللهعزوجل معاند للحقّ فلم يفلح.

( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ ) أي: من بين يدي هذا الجبّار، فإنّه مرصد بها، واقف على

__________________

(١) الأعراف: ١٣٧.

(٢) الأعراف: ٨٩.


شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الآخرة. وقيل: من وراء حياته وحقيقته ما توارى عنك.( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ ) عطف على محذوف تقديره: من ورائه جهنّم يلقى فيها ما يلقى، ويسقى من ماء( صَدِيدٍ ) عطف بيان لـ «ماء». وهو ما يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم.

وعن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام : «هو الدم والقيح من فروج الزواني في النار».

وهذا قول أكثر المفسّرين.

روى أبو امامة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله:( وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) ، قال: «يقرّب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة(١) رأسه، وإذا شرب قطع أمعاءه حتّى يخرج من دبره.

يقول الله تعالى:( وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ ) (٢) . ويقول:( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ) (٣) ».

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن مات وفي بطنه شيء من ذلك كان حقّا على اللهعزوجل أن يسقيه من طينة خبال، وهي صديد أهل النار، وما يخرج من فروج الزناة، يجمع ذلك في قدور جهنّم، فيشربه أهل النار، فيصهر به ما في بطونهم والجلود». رواه شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادقعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

( يَتَجَرَّعُهُ ) يتكلّف جرعه. وهو صفة لـ «ماء»، أو حال من الضمير في «يسقى».( وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ) ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه؟ كقوله:( لَمْ يَكَدْ يَراها ) (٤) أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ بل يغصّ به فيطول عذابه.

__________________

(١) الفروة: جلدة الرأس بشعرها.

(٢) محمد: ١٥.

(٣) الكهف: ٢٩.

(٤) النور: ٤٠.


والسوغ جواز الشراب على الحلق بسهولة وقبول نفس.

( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) أي: أسبابه من الشدائد، فتحيط به من جميع الجهات. وقيل: من كلّ مكان من جسده، حتّى من أصول شعره وإبهام رجله.

( وَما هُوَ بِمَيِّتٍ ) فيستريح( وَمِنْ وَرائِهِ ) ومن بين يديه( عَذابٌ غَلِيظٌ ) يستقبل في كلّ وقت عذابا أشدّ وأغلظ ممّا هو عليه. عن ابن عبّاس: هو الخلود في النار.

وعن الفضيل: هو حبس الأنفاس.

وقيل: الآية منقطعة عن قصّة الرسل، نازلة في أهل مكّة، طلبوا الفتح الّذي هو المطر في سنيّ القحط الّتي أرسل الله تعالى عليهم بدعوة رسوله، فخيّب رجاءهم فلم يسقهم، ووعد لهم أن يسقيهم صديد أهل النار في جهنّم بدل سقياهم في الدنيا.

( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) )

ثمّ أخبر سبحانه عمّا ينال الكفّار من الحسرة فيما تكلّفوه من الأعمال، فقال:( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) مبتدأ خبره محذوف، أي: فيما يتلى عليكم صفتهم الّتي هي مثل في الغرابة. وقوله:( أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ ) جملة مستأنفة لبيان مثلهم، على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: أعمالهم كرماد. وقيل: أعمالهم بدل من المثل، والخبر «كرماد».

( اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ) حملته وأسرعت الذهاب به. وقرأ نافع: الرياح.( فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) العصف اشتداد الريح. وصف به زمانه للمبالغة، كقولهم: يوم ماطر، ونهاره صائم، وليله قائم. شبّه صنائعهم ـ من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم، في حبوطها، لبنائها على غير أساس من


معرفة الله والتوجّه بها إليه ـ أو أعمالهم للأصنام، برماد طيّرته الريح العاصف، فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرّق والانتفاع به، فكذلك هؤلاء الكفّار.

( لا يَقْدِرُونَ ) يوم القيامة( مِمَّا كَسَبُوا ) من أعمالهم( عَلى شَيْءٍ ) لحبوطه، فلا يرون له أثرا من الثواب. وهو فذلكة التمثيل.( ذلِكَ ) إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنّهم محسنون( هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) فإنّه الغاية في البعد عن طريق الحقّ.

وفي هذه الآية دلالة واضحة على بطلان قول المجبّرة، لأنّه أضاف العمل إليهم، ولو كان مخلوقا له سبحانه لـما صحّ إضافته إليهم.

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه إنّما خلق الخلق ليعبدوه وليؤمنوا به، لا ليكفروا، فقال:( أَلَمْ تَرَ ) خطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمراد به أمّته. وقيل: لكلّ واحد من الكفرة على التلوين.( أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) بالحكمة والوجه الّذي يحقّ أن تخلق عليه، ولم يخلقها عبثا ولا شهوة. وقرأ حمزة والكسائي: خالق السماوات.


( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) يعدمكم( وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) ويخلق مكانكم خلقا آخر. رتّب ذلك على كونه خالقا للسماوات والأرض استدلالا به عليه، فإنّ من خلق أصولهم وما يتوقّف عليه تخليقهم، ثمّ كوّنهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع، قدر أن يبدلهم بخلق آخر، ولم يمتنع عليه ذلك، كما قال:( وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ) بمتعذّر أو متعسّر، بل هو يسير، فإنّه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. ومن كان هذا شأنه كان حقيقا بأن يعبد ويؤمن به، رجاء لثوابه، وخوفا من عقابه يوم الجزاء.

( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) أي: يبرزون من قبورهم ويخرجون منها يوم القيامة لأمر الله ومحاسبته. أو لله على ظنّهم، فإنّهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش، ويظنّون أنّها تخفى على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم، وعلموا أنّ الله لا تخفى عليه خافية. وإنّما ذكر بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه. ونحوه قوله تعالى:( وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ ) (١) .

ونظائره. والمعنى: وبرّزهم الله، والله لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له كما ظنّوا.

( فَقالَ الضُّعَفاءُ ) أي: الأتباع، جمع ضعيف. يريد به ضعاف الرأي، وإنّما كتبت بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) لرؤسائهم الّذين استتبعوهم واستغووهم، وصدّوهم عن الاستماع إلى الأنبياء( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ) في تكذيب الرسل والإعراض عن نصائحهم. وهو جمع تابع، كغائب وغيب. أو مصدر، نحو خادم وخدم، نعت به للمبالغة، أو على إضمار مضاف، أي: ذوي تبع.

__________________

(١) الأعراف: ٤٤.


( فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا ) دافعون عنّا( مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) «من» الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول، أي: بعض الشيء الّذي هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض، أي: بعض شيء هو بعض عذاب الله. والإعراب ما سبق. ويحتمل أن تكون الأولى مفعولا والثانية مصدرا، أي: فهل أنتم مغنون عنّا بعض العذاب بعض الإغناء.

( قالُوا ) أي: الّذين استكبروا جوابا عن معاتبة الأتباع، واعتذارا عمّا فعلوا بهم( لَوْ هَدانَا اللهُ ) للإيمان( لَهَدَيْناكُمْ ) ولكن ضللنا فأضللناكم، أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا. وهذا كقوله تعالى:( لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ) (١) .( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (٢) . يقولون ذلك في الآخرة، كما كانوا يقولون ذلك في الدنيا. أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم، وسلكنا بكم طريق النجاة، وانقطعت حيلتنا ويئسنا من النجاة، ولكن سدّ دوننا طريق النجاة.

( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ) مستويان علينا الجزع والصبر. فالهمزة و «أم» للتسوية. ونحوه( فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا ) (٣) .( ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) أي: منجى ومهرب من العذاب. من الحيص، وهو العدول على جهة الفرار. وهو يحتمل أن يكون مكانا كالمبيت والمضيف، ومصدرا كالمغيب والمشيب. ويجوز أن يكون قوله:( سَواءٌ عَلَيْنا ) من كلام الفريقين. ويؤيّده ما روي أنّهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك، ثمّ يقولون: سواء علينا.

__________________

(١) الأنعام: ١٤٨.

(٢) النحل: ٣٥.

(٣) الطور: ١٦.


( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) )

ولـمّا تقدّم وعيد الكفّار ووصف يوم الحشر، وما يجري فيه من الجدال بين الأتباع والمتبوعين، عقّب ذلك سبحانه بكلام الشيطان في ذلك اليوم، فقال:( وَقالَ الشَّيْطانُ ) وهو إبليس باتّفاق المفسّرين( لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ) أحكم وفرغ منه، ودخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار، خطيبا في الأشقياء من الثقلين:( إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ ) وعدا من حقّه أن ينجز، أو وعدا أنجزه، وهو الوعد بالبعث والجزاء( وَوَعَدْتُكُمْ ) وعد الباطل، وهو أن لا بعث ولا حساب، وإن كانا فالأصنام تشفع لكم( فَأَخْلَفْتُكُمْ ) لم أوف بما وعدتكم. جعل تبيّن خلف وعده كالإخلاف منه.

( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) تسلّط، فأقسركم على الكفر والمعاصي، وألجئكم إليها( إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ) إلّا دعائي إيّاكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني.

وليس الدعاء من جنس السلطان والقهر والقسر، ولكنّه على طريقة قولهم: تحيّة بينهم ضرب وجيع. ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا.( فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) أسرعتم إجابتي.

( فَلا تَلُومُونِي ) بوسوستي، فإنّ من صرّح العداوة لا يلام بأمثال ذلك( وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) حيث أطعتموني، إذ دعوتكم من غير دليل وبرهان، ولم تطيعوا


ربّكم لـما دعاكم بالأدلّة الواضحة والحجج الباهرة.

وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الّذي يختار الشقاوة أو السعادة، ويحصّلها لنفسه، وليس من الله إلّا التمكين، ولا من الشيطان إلّا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم المجبّرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.

لا يقال: هذا قول الشيطان، فلا يجوز التمسّك به في بطلان قول المجبّرة.

لأنّا نقول: لو كان صدور هذا القول من الشيطان باطلا لبيّن الله بطلانه، وأظهر إنكاره، فتقريره دالّ على صحّته.

( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ) بمغيثكم من العذاب( وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ ) بمغيثي.

وقرأ حمزة بكسر الياء، على الأصل في التقاء الساكنين. وهو أصل مرفوض في مثله، لـما فيه من اجتماع ياءين وثلاث كسرات. مع أنّ حركة ياء الإضافة هي الفتح، فإذا لم تكسر وقبلها ألف ـ نحو: عصاي ورحاي ـ فبالحريّ أن لا تكسر وقبلها ياء.

( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) «ما» إمّا مصدريّة، و «من» متعلّقة بـ «أشركتموني»، أي: كفرت اليوم بإشراككم إيّاي من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا، بمعنى: تبرّأت منه واستنكرته، كقوله:( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) (١) . أو موصولة، بمعنى «من»، نحو «ما» في قولهم: سبحان ما سخّركنّ لنا، و «من» متعلّقة بـ «كفرت»، أي: كفرت بالّذي أشركتمونيه ـ وهو الله تعالى ـ بطاعتكم إيّاي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل إشراككم، حين رددت أمره بالسجود لآدم. و «أشركت» منقول من: شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان. فتقول: شركت زيدا، ثمّ تقول: أشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكا.

__________________

(١) فاطر: ١٤.


( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تتمّة كلامه، أو ابتداء كلام من الله تعالى. وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين، وإيقاظ لهم حتّى يحاسبوا أنفسهم، ويتدبّروا عواقبهم.

( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) )

ولـمّا تقدّم وعيد الكافرين، عقّبه سبحانه بالوعد للمؤمنين، فقال:( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) بإذن الله وأمره. والمدخلون هم الملائكة.( تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ) أي: تحيّيهم الملائكة فيها بالسلام بإذن ربّهم.

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧) )

ثمّ ضرب سبحانه مثلا يقرّب من أفهام السامعين، ترغيبا للخلق في اتّباع


الحقّ، فقال:( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) كيف اعتمده ووضعه( كَلِمَةً طَيِّبَةً ) منصوبة بفعل مضمر، أي: جعل كلمة طيّبة( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) زاكية نامية. وهو تفسير لقوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) ، كما تقول: أكرم الأمير زيدا، كساه حلّة، وحمله على فرس. ويجوز أن تكون «كلمة» بدلا من «مثلا» و «كشجرة» صفتها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة. وأن تكون أول مفعولي «ضرب»، إجراء لها مجرى «جعل».

( أَصْلُها ثابِتٌ ) في الأرض، ضارب بعروقه فيها، راسخة أصولها فيها( وَفَرْعُها ) وأعلاها( فِي السَّماءِ ) في جهة العلوّ والصعود. أراد به المبالغة في الرفعة. ويجوز أن يريد: وفروعها، أي: أفنانها(١) ، على الاكتفاء بلفظ الجنس، لاكتسابه الاستغراق من الإضافة.

( تُؤْتِي أُكُلَها ) تعطي ثمرها( كُلَّ حِينٍ ) وقّته الله لإثمارها. وعن سعيد بن جبير: أراد بذلك أنّه يؤكل ثمرها في الصيف، وطلعها في الشتاء. وما بين صرام(٢) النخلة إلى حملها ستّة أشهر.( بِإِذْنِ رَبِّها ) بإرادة خالقها وتكوينه.

وقيل: معناه في جميع الأوقات، لأنّ ثمر النخل يكون أوّلا طلعا، ثمّ يصير بلحا، ثمّ بسرا، ثمّ رطبا، ثمّ تمرا، فيكون ثمره موجودا في الأوقات كلّها.

( وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) لأنّ في ضربها زيادة إفهام وتذكير، فإنّه تصوير للمعاني وإدناء لها من الحسّ.

والكلمة الطيّبة هي كلمة التوحيد، كما نقل عن ابن عبّاس أنّها شهادة أن لا إله إلّا الله. وقيل: كلّ كلمة حسنة، كالتسبيحة والتحميد والتوبة والاستغفار والدعوة، وسائر ما أمر الله تعالى به. وإنّما سمّاها طيّبة، لأنّها زاكية بالخيرات، نامية

__________________

(١) الأفنان جمع الفنن، وهو الغصن المستقيم.

(٢) أي: قطع تمرها.


بالبركات في الدنيا والآخرة.

وأمّا الشجرة فكلّ شجرة مثمرة طيّبة الثمار، كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمّان، وغير ذلك. وعن ابن عبّاس: شجرة في الجنّة.

وروى ابن عقدة عن الباقرعليه‌السلام : «أنّ الشجرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفرعها عليّعليه‌السلام ، وعنصر الشجرة فاطمةعليهما‌السلام ، وثمرتها أولادها، وأغصانها وأوراقها شيعتنا». ثمّ قال: «إنّ الرجل من شيعتنا ليموت فتسقط من الشجرة ورقة، وإنّ المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة ورقة».

وروي عن ابن عبّاس قال: قال جبرئيلعليه‌السلام للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت الشجرة، وعليّ غصنها، وفاطمة ورقها، والحسن والحسينعليهما‌السلام ، ثمارها، وشيعتكم أوراقها.

وقيل: إنّه سبحانه شبّه الإيمان بالنخلة، لثبات الإيمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها. وشبّه علوّ مرتبة الإيمان عند الله بارتفاع فروع النخلة.

وشبّه ما يكسبه المؤمنون من بركة الإيمان وثوابه في كلّ وقت وحين، بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلّها، من الرطب والتمر.

وقيل: إنّ معنى قوله:( تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ) ما يفتي به الأئمّة من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشيعتهم في الحلال والحرام.

( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ ) استؤصلت وأخذت جثّتها بالكلّية( مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ) لأنّ عروقها قريبة منه( ما لَها مِنْ قَرارٍ ) استقرار. يقال: قرّ الشيء قرارا، كقولك: ثبت ثباتا، في مقابلة قوله: «أصلها ثابت». شبّه بها القول الّذي لم يعضد بحجّة، فهو داحض غير ثابت. وهذه الكلمة كلمة الشرك، والدعاء إلى الكفر، وتكذيب الحقّ، أو كلّ كلمة مضلّة على العموم. وفسّرت الشجرة بالحنظلة والكشوث(١) . وعن الباقرعليه‌السلام : أنّها بنو أميّة.

__________________

(١) الكشوث: نبات طفيليّ، لا جذر له ولا ورق، يلتفّ بأغصان الشجر.


( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) أي: الّذي ثبت بالحجّة عندهم، وتمكّن في قلوبهم، فاعتقدوه، واطمأنّت إليه أنفسهم( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) فلا يزلّون إذا فتنوا في دينهم، كزكريّا ويحيى وجرجيس وشمعون، والّذين فتنهم أصحاب الأخدود( وَفِي الْآخِرَةِ ) فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف، ولا تدهشهم أهوال يوم القيامة.

وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر. وهذا قول أكثر المفسّرين، منقول عن ابن عبّاس وابن مسعود. وهو المرويّ عن أئمّتناعليهم‌السلام .

وعن سويد بن غفلة عن أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام : قال: «إنّ المؤمن الصالح إذا كان في آخر يوم من الدنيا وأوّل يوم من الآخرة، أتاه عمله الصالح أطيب الناس ريحا، وأحسنهم منظرا، وأحسنهم رياشا، فقال: أبشر بروح وريحان وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم.

فيقول له: من أنت؟

فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنّة، وإنّه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يعجّله.

فإذا أدخل قبره أتاه ملكا القبر يجرّان أشعارهما، ويخدّان الأرض بأنيابهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟

فيقول: الله ربّي، وديني الإسلام، ونبييّ محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فيقولان: ثبّتك الله فيما تحبّ وترضى.

وهو قوله سبحانه وتعالى:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) . ثمّ يفسحان له في القبر قدّ بصره، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة، ثمّ يقولان له: نم قرير العين نوم الشابّ الناعم، فإنّ الله سبحانه يقول:( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) (١) ».

__________________

(١) الفرقان: ٢٤.


عن البراء بن عازب أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثمّ يعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره، ويقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيقول: ربّي الله، وديني الإسلام، ونبيّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي. فذلك قوله:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) .

( وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) الّذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على تقليد شيوخهم وكبارهم وآبائهم، فقالوا:( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) (١) . وإضلالهم الله في الدنيا أنّهم لا يثبّتون في مواقف الفتن، تخلية وخذلانا.

( وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ ) ولا يشاء إلّا ما توجبه الحكمة، من تثبيت المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين، أي: خذلانهم والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم.

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) )

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ) أي: شكر نعمته كفرانا، بأن وضعوا مكانه كفرا، فكأنّهم غيّروا الشكر إلى الكفر، وبدّلوه تبديلا. ونحوه:( وَتَجْعَلُونَ

__________________

(١) الزخرف: ٢٢.


رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) (١) ، أي: شكر رزقكم، حيث وضعتم التكذيب موضعه.

وعن أمير المؤمنينعليه‌السلام وابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحّاك: أنّهم كفّار قريش، كذّبوا نبيّهم، ونصبوا له الحرب والعداوة.

فالمعنى: أنّ الله سبحانه خلق كفّار مكّة وأسكنهم حرمه، وجعلهم قوّام بيته، ووسّع عليهم أبواب رزقه، وشرّفهم بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبدّلوا نفس النعمة كفرا، فسلبت منهم، فقحطوا سبع سنين، وأسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا أذلّاء، فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر، حاصلا لهم الكفر بدلها.

وأيضا عن عليّعليه‌السلام : «هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أميّة، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأمّا بنو أميّة فمتّعوا حتّى حين».

( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ ) الّذين شايعوهم في الكفر( دارَ الْبَوارِ ) دار الهلاك، بحملهم على الكفر.

( جَهَنَّمَ ) عطف بيان لها( يَصْلَوْنَها ) حال منها، أو من القوم، أي: داخلين فيها مقاسين لحرّها. أو مفسّر لفعل مقدّر ناصب لـ «جهنّم».

( وَبِئْسَ الْقَرارُ ) أي: وبئس المقرّ جهنّم.

وعن الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «نحن والله نعمة الله الّتي أنعم بها على عباده، وبنا يفوز من فاز من دار البوار». ذكره عليّ بن إبراهيم(٢) في تفسيره.

( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) الّذي هو التوحيد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بفتح الياء. وليس الضلال والإضلال غرضهم في اتّخاذ الأنداد، لكن لـمّا كان نتيجته جعل كالغرض على طريق التشبيه.

( قُلْ تَمَتَّعُوا ) بشهواتكم أو بعبادة الأوثان، فإنّها من قبيل الشهوات الّتي

__________________

(١) الواقعة: ٨٢.

(٢) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٧١.


يتمتّع بها. وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأنّهم لانغماسهم في التمتّع لا يعرفون غيره ولا يريدونه، فكأنّهم مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاع، وأنّ المهدّد عليه ـ أي: التمتّع ـ كالمطلوب، لإفضائه إلى المهدّد به، وهو النار، وأنّهما متلازمان، ولذلك علّله بقوله:( فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ ) مرجعكم( إِلَى النَّارِ ) إلى نار جهنّم.

( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ) خصّهم بالإضافة تنويها لهم، وتنبيها على أنّهم المقيمون لحقوق العبوديّة. ومفعول «قل» محذوف يدلّ عليه جوابه، أي: قل لعبادي الّذين آمنوا أقيموا الصّلاة وأنفقوا.( يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) فيكون إيذانا بأنّهم لفرط مطاوعتهم للرسول بحيث لا ينفكّ فعلهم عن أمره، وأنّه كالسبب الموجب له.

وقيل: لام الأمر مقدّر فيهما، أي: ليقيموا ولينفقوا، ليصحّ تعلّق القول بهما.

وإنّما جاز حذف اللام، لأنّ الأمر الّذي هو «قل» عوض منه. ولو قيل ابتداء: ليقيموا الصلاة وينفقوا، لم يجز.

وقيل: هما جوابا «أقيموا» و «أنفقوا» يقامان مقامهما.

وهو ضعيف، لأنّه لا بدّ من مخالفه ما بين الشرط وجوابه، ولأنّ أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحدا.

( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) منتصبان على المصدر، أي: إنفاق سرّ وعلانية. أو على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرّين ومعلنين. أو على الظرف، أي: وقتي سرّ وعلانية. والأفضل إعلان الواجب إذا كان صاحبه متّهما، وإلّا إخفاؤه أفضل.

وفي المتطوّع به الأفضل الإخفاء مطلقا.

( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ) فيبتاع المقصّر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه( وَلا خِلالٌ ) ولا مخالّة فيشفع له خليل. أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالّة، وإنّما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح فيهما، على النفي العامّ.


( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه المستحقّ للإلهيّة، فقال:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) مبتدأ وخبر. وبدأ بذكرهما لعظم شأنهما وغيرهما من المكوّنات في ضمنهما.( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ) تعيشون به. وهو يشمل المطعوم والملبوس. وهذا مفعول لـ «أخرج»، و «من الثمرات» بيان له وحال منه. ويحتمل عكس ذلك. ويجوز أن يراد به المصدر، فينتصب بالعلّة أو المصدر، لأنّ «أخرج» في معنى: رزق.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) بمشيئته إلى حيث توجّهتم( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) فجعلها معدّة لانتفاعكم وتصرّفكم. وقيل: تسخير هذه الأشياء تعليم كيفيّة اتّخاذها.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) يدأبان في سيرهما وإنارتهما، وإصلاح ما يصلحانه من المكوّنات( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم.

( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) أي: بعض جميع ما سألتموه، نظرا في


مصالحكم. أو بعضا من كلّ من الأصناف سألتموه، فإنّ الموجود من كلّ صنف بعض ما في قدرة الله تعالى. ويحتمل أن يكون المراد بـ «ما سألتموه» ما كان حقيقا بأن يسأل، لاحتياج الناس إليه سئل أو لم يسأل. ويحتمل أن تكون «ما» موصولة وموصوفة ومصدريّة، ويكون المصدر بمعنى المفعول.

( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) أي: لا تقدروا على إحصائها وحصرها، ولا تطيقوا عدّ أنواعها، فضلا عن أفرادها، فإنّها غير متناهية. وفيه دليل على أنّ المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة.

( إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ ) يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو يظلم نفسه، بأن يعرّضها للحرمان( كَفَّارٌ ) شديد الكفران لنعم ربّه. وقيل: ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع، كفّار في النعمة يجمع ويمنع.

( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ


الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) )

ولـمّا نهى الله سبحانه عن عبادة الأصنام، وأمر بعبادة الله وحده، عقّبه بما كان عليه إبراهيمعليه‌السلام من التشدّد في إنكار عبادة الأصنام، والدعاء بما دعا به، فقال عطفا على الجمل السابقة:( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ) بلدة مكّة( آمِناً ) ذا أمن لمن فيها. والفرق بين قوله: اجعل هذا بلدا آمنا، وبين قوله: اجعل هذا البلد آمنا، أنّ المسؤل في الأوّل جعله من جملة البلاد الّتي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني إخراجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدّها من الأمن، كأنّه قال: هو بلد مخوف، فاجعله آمنا. فاستجاب الله دعاء إبراهيمعليه‌السلام ، حتّى كان الإنسان يرى قاتل أبيه فيها فلا يتعرّض له، وتدنو الوحوش فيها من الناس فتأمن منهم.

( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ ) بعّدني وإيّاهم( أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) أي: ثبّتني وبنيّ على اجتناب عبادة الأوثان. والمعنى: الطف لي ولبنيّ لطفا نتجنّب به عن عبادة الأصنام إلى آخر العمر. وأراد بنيه من صلبه، كما هو المتبادر، فلا يتناول أحفاده وجميع ذرّيّته. وفيه دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إيّاهم.

وزعم ابن عيينة أنّ أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم، محتجّا به، وإنّما كانت لهم حجارة يدورون بها، ويسمّونها الدوار ـ بتخفيف الواو وتشديدها ـ ويقولون: البيت حجر فحيثما نصبنا حجرا فهو بمنزلته.

قيل: إنّ إبراهيمعليه‌السلام لـمّا فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء ثمّ قال:( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ) فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهنّ. وإسناد الإضلال إليهنّ باعتبار السببيّة، كقوله:( وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ


الدُّنْيا ) (١) ، بمعنى: اغترّوا بها وبسببها.

( فَمَنْ تَبِعَنِي ) على ديني( فَإِنَّهُ مِنِّي ) هو بعضي، لفرط اختصاصه بي وملابسته لي. ومثل ذلك قولهم: «من غشّنا فليس منّا»، أي: ليس بعض المؤمنين، لأنّ الغشّ ليس من أفعالهم وأوصافهم. والمعنى: فإنّه لا ينفكّ عنّي في أمر الدين.

( وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ ) تستر على العباد معاصيهم( رَحِيمٌ ) بهم في جميع أحوالهم، ومنعهم عليهم. وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك.

( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي ) أي: بعض ذرّيّتي، أو ذرّيّة من ذرّيّتي، فحذف المفعول، وهم إسماعيل ومن ولد منه، فإنّ إسكانه متضمّن لإسكانهم.

وروي عن الباقرعليه‌السلام أنّه قال: «نحن بقيّة تلك العترة».

وقالعليه‌السلام : «كانت دعوة إبراهيمعليه‌السلام لنا خاصّة».

( بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ) لا يكون فيه شيء من زرع قطّ، كقوله:( قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) (٢) . بمعنى: لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلّا الاستقامة. يعني: وادي مكّة، فإنّها حجريّة لا تنبت.

( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) الّذي حرّمت التعرّض له والتهاون به، بحيث لا يحلّ انتهاكه أصلا، وما حوله محرّم بحرمته. أو لم يزل محترما معظّما ممنّعا تهابه الجبابرة. أو منع منه الطوفان، فلم يستول عليه، ولذلك سمّي عتيقا، أي: أعتق منه.

ولو دعا بهذا الدعاء أوّل ما قدم، فتسميته بالبيت باعتبار ما كان، أو ما سيؤل إليه.

وإنّما أضاف البيت إليه سبحانه، لأنّه مالكه لا يملكه أحد سواه، وما عداه من البيوت قد ملكه غيره من العباد.

وروي أنّ هاجر كانت لسارة، فوهبتها لإبراهيمعليه‌السلام ، فولدت منه إسماعيل ،

__________________

(١) الأنعام: ٧٠.

(٢) الزمر: ٢٨.


فعرضت لها الغيرة، فناشدته أن يخرجهما من عندها. فأخرجهما إلى أرض مكّة.

فأظهر الله عين زمزم. ثمّ إنّ جرهم رأو ثمّ طيورا فقالوا: لا طير إلّا على الماء، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين، فقالوا: أشركينا في مائك نشركك في ألباننا، ففعلت. وتفصيل هذه القصّة مرّت قبل(١) .

( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) اللام لام «كي» متعلّقة بـ «أسكنت» أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كلّ مرتفق ومرتزق إلّا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرّم.

وتكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنّها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمّة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها.

وقيل: لام الأمر. والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة، كأنّه طلب منهم الإقامة، وسأل من الله أن يوفّقهم لها.

( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ) أي: أفئدة من أفئدة الناس. و «من» للتبعيض.

ويدلّ عليه ما روي عن مجاهد: لو قال: أفئدة النّاس، لازدحمت عليهم فارس والروم. وعن سعيد بن جبير: لو قال: افئدة الناس، لحجّت اليهود والنصارى والمجوس. أو للابتداء، كقولك: القلب منّي سقيم، أي: أفئدة ناس.( تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) تسرع إليهم شوقا وودادا.

( وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) مع سكناهم واديا لا نبات فيه، بأن تجلب إليه من البلاد( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) في أن يرزقوا أنواع الثمرات، حاضرة في واد ليس فيه زرع ولا شجر ولا ماء. فأجاب الله دعوته، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كلّ شيء، حتّى يوجد فيه الفواكه الربيعيّة والصيفيّة والخريفيّة في يوم واحد.

( رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ) تعلم سرّنا كما تعلم علننا. والمعنى: أنّك أعلم بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم بنا منّا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكنّا

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٢٣٢ ذيل الآية ١٢٦ من سورة البقرة.


ندعوك إظهارا للعبوديّة لك، وتخشّعا لعظمتك، وتذلّلا لعزّتك، وافتقارا إلى ما عندك، واستعجالا لنيل مواهبك، وولها إلى رحمتك، كما يتملّق العبد بين يدي سيّده رغبة في إصابة معروفه، مع توفّر السيّد على الوجه الحسن.

( وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ) أي: هو علّام الغيوب في كلّ مكان من الأرض والسماء، لأنّه العالم بعلم ذاتيّ يستوي إلى كلّ معلوم. و «من» للاستغراق.

( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ ) أي: مع الكبر، كقول الشاعر: إنّي على ما ترين من كبري وهو في موضع الحال، أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد( إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) قيّد الهبة بحال الكبر استعظاما للنعمة، من حيث إنها حال وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة على عقب اليأس، من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر، وإظهارا لـما فيها من آلائه. روي أنّه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة، وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة.

( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ) أي: لمجيبه، من قولك: سمع الملك كلامي، إذا اعتدّ به. وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، أضيف إلى مفعوله. ويجوز أن يكون من قبيل إضافة الفعل إلى فاعله، فيجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله الدعاء. وفيه إشعار بأنّه دعا ربّه وسأل منه الولد حال اليأس، فأجابه ووهب له سؤله حينما وقع اليأس منه.

( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ) هذا سؤال من إبراهيم من الله بأن يلطف له اللطف الّذي عنده يقيم الصلاة، معدّلا لها مواظبا عليها( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) عطف على المنصوب في «اجعلني». والتبعيض لعلمه بإعلام الله أنّه يكون في ذرّيّته كفّار، وذلك قوله:( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) .

__________________

(١) البقرة: ١٢٤.


( رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ ) أي: واستجب دعائي، أو وتقبّل عبادتي، فإنّ قبول الدعاء إنما هو الاجابة، وقبول الطاعة الإثابة.

( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ ) في هذا دلالة على أنّ أبويه لم يكونا كافرين، وإنّما كان آزر عمّه أو جدّه لأمّه على الخلاف، لأنّه سأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لـما سأل ذلك، لأنّه قال:( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) (١) .

ومن قال: إنّما دعا لأبيه لأنّه كان وعده أن يسلم، فلمّا مات على الكفر تبرّأ منه، على ما روي عن الحسن، فقول فاسد، لأنّ إبراهيمعليه‌السلام إنّما دعا بهذا الدعاء بعد الكبر، وبعد أن وهب له إسماعيل وإسحاق، وقد تبيّن له في هذا الوقت عداوة أبيه الكافر لله، فلا يجوز أن يقصده بدعائه.

( وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) أي: يثبت. مستعار من قيام القائم على الرجل، كقولهم: قامت الحرب على ساقها. أو يقوم إليه أهله، فحذف المضاف، أو أسند إليه قيامهم مجازا.

( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) )

ولـمّا ذكر سبحانه يوم الحساب بيّن أنّه لا يمهل الظالمين عن غفلة من أفعالهم القبيحة، لكن لتأكيد الحجّة، فقال وعيدا للظالم وتسلية للمظلوم:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) خطاب للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والمراد به تثبيته على ما هو

__________________

(١) التوبة: ١١٤.


عليه، من أنّه مطّلع على أحوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه خافية، ووعيدهم بأنّه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة. أو خطاب لكلّ من توهّم غفلته، جهلا بصفاته، واغترارا بإمهاله.

( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ ) يؤخّر عذابهم. وعن أبي عمرو بالنون.( لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ) أي: تشخص فيه أبصارهم، فلا تقرّ في أماكنها من هول ما ترى في ذلك اليوم.

( مُهْطِعِينَ ) مسرعين في المحشر إلى الداعي. وقيل: الإهطاع أن تقبل ببصرك على ما ترى، تديم النظر إليه لا تطرف. فالمعنى: مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفا، فإنّ أصل الكلمة هو الإقبال على الشيء.

( مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ ) رافعيها( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) لا ترجع إليهم أعينهم، فلا يغمضونها ولا يطبقونها، بل بقيت عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم.

( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) خلاء. أي: خالية عن الفهم، كفؤاد ذي الحيرة والدهشة، ومنه يقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء، أي: لا رأي فيه ولا قوّة. وقيل: خالية عن الخير، خاوية عن الحقّ.

( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) )


( وَأَنْذِرِ النَّاسَ ) يا محمّد( يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ ) يعني: يوم القيامة، أو يوم الموت، أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، فإنّه أوّل أيّام عذابهم. وهو مفعول ثان لـ «أنذر».

( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) نفوسهم بالشرك والتكذيب( رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) أخّر العذاب عنّا. أو ردّنا إلى الدنيا، وأمهلنا إلى حدّ من الزمان قريب. أو أخّر آجالنا، وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك( نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) جواب للأمر. ونظيره:( لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (١) .

فيقول الله تعالى مخاطبا لهم، أو يقول الملائكة بأمره:( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) من انتقال إلى دار اخرى. وهو على إرادة القول، و «ما لكم» جواب القسم، جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية. ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا من زوال. والمعنى: أقسمتم أنّكم باقون في الدنيا، لا تزالون بالموت. ولعلّهم أقسموا بطرا وغرورا، لـما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، أو دلّ عليه حالهم، حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا.

وقيل: أقسموا أنّهم لا ينتقلون إلى دار اخرى، يعني: أنّهم كفروا بالبعث، كقوله:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) (٢) .( لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ) (٣) .

( وَسَكَنْتُمْ ) من السكون، أو السكنى( فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بالكفر والمعاصي، كعاد وثمود. وأصل «سكن» أن يعدّى بـ «في» كقرّ وغني وأقام.

وقد يستعمل بمعنى التبوّء، فيجري مجراه، كقولك: سكنت الدار. والمعنى :

__________________

(١) المنافقون: ١٠.

(٢) النور: ٥٣.

(٣) النحل: ٣٨.


اطمأننتم فيها طيّبي النفوس، سائرين سيرة من قبلكم في الظلم.

( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ ) بالأخبار المتواترة عندكم أو بالمشاهدة( كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ) كيف أهلكناهم( وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ) من أحوالهم، أي: بيّنّا لكم أنّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب، أو في صفات ما فعلوا وفعل بهم الّتي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة.

( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) )

ثمّ أبان سبحانه عن مكر الكفّار ودفعه ذلك عن رسله، تسلية لنبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال:( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ) المستفرغ فيه جهدهم لإبطال الحقّ وتقرير الباطل( وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ) يمكن أن يكون مضافا إلى الفاعل، على معنى: ومكتوب عنده مكرهم، فهو مجازيهم عليه. أو مضافا إلى المفعول، يعني: وعنده ما يمكرهم به، وهو عذابهم الّذي يأتيهم به من حيث لا يحتسبون، جزاء لمكرهم وإبطالا له.

( وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ ) بالأنبياء قبلك في العظم والشدّة( لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ) مسوّى لإزالة الجبال.

وقيل: «إن» نافية، واللام مؤكّدة لها، كقوله:( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) (١) .

( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) (٢) . أي: وما كان مكرهم لتزول منه ما هو مثل

__________________

(١) الأنفال: ٣٣.

(٢) البقرة: ١٤٣.


الجبال الراسية ـ من دلائل النبيّ وشرائعه ـ في الثبات والتمكّن. يعني: لا تزول منه الجبال، فكيف يزول منه الدين الّذي هو أثبت من الجبال؟! وقيل: مخفّفة من الثقيلة، أي: وإنّه كان مكرهم ليزيلوا به ما هو كالجبال الراسية ثباتا وتمكّنا، من آيات الله وشرائعه. يعني: أنّ مكرهم وإن بلغ كلّ مبلغ فلا يزيل دين الله، ولا يضرّ ذلك أنبياءه، ولا يزيل أمرهم، ولا سيّما أمر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنّه أثبت من الجبال.

وقرأ الكسائي بالفتح والرفع، على أنّها المخفّفة، واللام هي الفاصلة. ومعناه: تعظيم مكرهم.

قيل: إنّ المراد به نمرود بن كوش بن كنعان، حين أخذ التابوت، وأخذ أربعة من النسور فأجاعها أيّاما، وعلّق فوقها لحما، وربط التابوت إليها، وطارت النسور بالتابوت وهو ووزيره فيه، إلى أن بلغت حيث شاء الله تعالى، وظنّ أنّه بلغ السماء، ففتح باب التابوت من أعلاه فرأى بعد السماء منه كبعدها حين كان في الأرض، وفتح بابا من أسفل التابوت فرأى الأرض قد غابت عنه، فهاله الأمر، فصوّب النسور، وسقط التابوت، وكانت له وجبة. وهذا القول مرويّ عن ابن مسعود وابن عبّاس وجماعة.

( فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) مثل قوله:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ) (١) ،( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) (٢) . وأصله: مخلف رسله وعده، فقدّم المفعول الثاني إيذانا بأنّه لا يخلف وعده أصلا، كقوله:( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) (٣) . وإذا لم يخلف وعده أحدا فكيف يخلف رسله الّذين هم خيرته وصفوته؟!

__________________

(١) غافر: ٥١.

(٢) المجادلة: ٢١.

(٣) آل عمران: ٩.


( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) غالب لا يماكر، قادر لا يدافع( ذُو انتِقامٍ ) لأوليائه من أعدائه.

( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢) )

( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ) أي: الأرض الّتي تعرفونها( غَيْرَ الْأَرْضِ ) أي: أرضا اخرى غيرها. وهو بدل من «يوم يأتيهم»، أو ظرف للانتقام، أو مقدّر بـ: اذكر، أو: لا يخلف وعده. ولا يجوز أن ينتصب بـ «مخلف»، لأنّ ما قبل «أن» لا يعمل فيما بعده.

( وَالسَّماواتُ ) عطف على «الأرض». وتقديره: والسماوات غير السماوات.

والتبديل يكون في الذات، كقولك: بدّلت الدراهم دنانير. وعليه قوله:( بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) (١) .( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ) (٢) . وفي الصفة، كقولك: بدّلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وسوّيتها خاتما، فنقلتها من شكل إلى شكل. وعليه قوله :

__________________

(١) النساء: ٥٦.

(٢) سبأ: ١٦.


( يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) (١) . والآية تحتملهما.

وعن عليّعليه‌السلام : «تبدّل أرضا من فضّة، وسماوات من ذهب».

وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء، لم يخطئ عليها أحد خطيئة.

وفي تفسير أهل البيتعليهم‌السلام بالإسناد عن زرارة ومحمد بن مسلم وحمران بن أعين، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام قالا: «تبدّل الأرض خبزة نقيّة، يأكل الناس منها حتّى يفرغ من الحساب، قال الله تعالى:( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) (٢) . وهو قول سعيد بن جبير ومحمد بن كعب.

وروي عن ابن مسعود أنّه قال: تبدّل الأرض بنار، فتصير الأرض كلّها يوم القيامة نارا، والجنّة من ورائها، يرى كواعبها وأكوابها، ويلجم الناس العرق، ولم يبلغ الحساب بعد.

وقال كعب: تصير السماوات جنانا، ويصير مكان البحر النار، وتبدّل الأرض غيرها. ويؤيّده قوله:( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) (٣) . وقوله:( إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) (٤) .

وعن أبي أيّوب الأنصاري قال: أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حبر من اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه:( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله، فلن يعجزهم ما لديه.

وقيل: تبدّل الأرض لقوم بأرض الجنّة، ولقوم بأرض النار.

وعن ابن عبّاس: هي تلك الأرض، وإنّما تغيّر صفاتها. ويدلّ عليه ما روى

__________________

(١) الفرقان: ٧٠.

(٢) الأنبياء: ٨. (٣، ٤) المطفّفين: ١٨ و ٧.


أبو هريرة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «تبدّل الأرض غير الأرض، فتبسط وتمدّ مدّ الأديم(١) العكاظي، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا».

وأمّا تبدّل السماء صفة فيكون بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبوابا.

( وَبَرَزُوا لِلَّهِ ) من قبورهم( الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) لمحاسبته ومجازاته. وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أنّ الأمر في غاية الصعوبة، كقوله:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) (٢) فإنّ الأمر إذا كان لواحد غلّاب لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.

( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ ) قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد الزائغة والأعمال السيّئة، كقوله تعالى:( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) (٣) أو بأن يقرن كلّ كافر مع شيطان كان يضلّه. وهو المنقول عن ابن عبّاس. أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.( فِي الْأَصْفادِ ) متعلّق بـ «مقرّنين»، أو حال من ضميره. والصفد القيد. وقيل: الغلّ. وأصله الشدّ.

( سَرابِيلُهُمْ ) قمصانهم( مِنْ قَطِرانٍ ) وقطران وقطران أيضا ـ بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء ـ لغتان، وإن لم يقرأهما أحد من القرّاء العشرة. وهو ما يتحلّب من شجر يسمّى الأبهل، فيطبخ فتطلى به الإبل الجربي(٤) ، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته. وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به. وهو أسود اللون، منتن الريح، لزج. فتطلى به جلود أهل النار، حتّى

__________________

(١) الأديم: الجلد المدبوغ. والعكاظي منسوب إلى سوق عكاظ بمكّة في الجاهليّة.

(٢) غافر: ١٦.

(٣) التكوير: ٧.

(٤) الجربي جمع الأجرب، وهو الإبل أصابه الجرب. وهو داء يحدث في الجلد بثورا صغارا لها حكّة شديدة.


يكون طلاؤه لهم كالسراويل، ليجتمع عليهم أربع: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح. على أنّ التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين. وكلّ ما وعد الله أو أوعد الله في الآخرة، فبينه وبين ما يشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، فكأنّه ما عندنا إلّا الأسامي والمسمّيات ثمّة.

وعن يعقوب: قطر آن. والقطر: النحاس أو الصفر المذاب، والآني: المتناهي حرّه. والجملة حال ثانية من مفعول «ترى»، أو حال من الضمير في «مقرّنين».

( وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) لأنّهم لم يتوجّهوا بها إلى الحقّ، ولم يستعملوا في تدبّره مشاعرهم وحواسّهم الّتي خلقت فيها لأجله، كما تطّلع على أفئدتهم، لأنّها فارغة عن المعرفة، مملوءة بالجهالات. ونظيره قوله:( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) (١) ، وقوله:( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) (٢) .

( لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ) أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي كلّ نفس مجرمة( ما كَسَبَتْ ) أو كلّ نفس مجرمة أو مطيعة، لأنّه إذا بيّن أنّ المجرمين يعاقبون لأجرامهم، دلّ على أنّ المطيعين يثابون لطاعتهم. ويتعيّن ذلك إن علّق اللام بـ «برزوا».( إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ) لا يشغله حساب عن حساب.

( هذا ) إشارة إلى القرآن، أو السورة، أو ما فيه من العظة والتذكير، أو ما وصفه من قوله:( وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ) (٣) ( بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) كفاية لهم في الموعظة( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) عطف على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا بما في هذا البلاغ من الوعيد. فتكون اللام متعلّقة بالبلاغ. ويجوز أن تتعلّق بمحذوف تقديره: ولينذروا به أنزل أو تلي.

__________________

(١) الزمر: ٢٤.

(٢) القمر: ٤٨.

(٣) إبراهيم: ٤٢.


( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) بالنظر والتأمّل في الأدلّة المؤدّية إلى التوحيد، المثبتة في القرآن من الآيات الدالّة عليه.( وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) ذوي العقول والنهى، فيرتدعوا عمّا يرديهم، ويتدرّعوا بما يحظيهم.

واعلم أيّها الطالب للرشاد ذخرا ليوم المعاد، أنّ في هذه الآية دلالة على أنّ القرآن كاف في جميع ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين، لأنّ جميعها ـ جملها وتفاصيلها ـ يعلم بالقرآن، إمّا بنفسه، وإمّا بواسطة. فيجب على المؤمن المجتهد المهتمّ بأمور الدين أن يشمّر عن ساق الجدّ في طلب علوم القرآن، ليوفّق بمعرفة ما فيه من بدائع الحكمة ومواضع البيان، ويكتفي به عمّا سواه، لينال السعادة في دنياه وعقباه.

وفي قوله:( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) دلالة على أنّه سبحانه أراد من الناس علم التوحيد، خلافا لأهل الجبر في قولهم إنّه سبحانه أراد من النصارى إثبات التثليث، ومن الزنادقة القول بالتثنية، تعالى الله عن ذلك.

وفي قوله:( وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ) دلالة على أنّه أراد من الجميع التدبّر والتذكّر. وعلى أنّ العقل حجّة، لأنّ غير ذوي العقول لا يمكنهم الفكر والاعتبار.

واعلم أيضا أنّه سبحانه ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد، هي الغاية في إنزال الكتب: تكميل الرسل للناس. واستكمالهم القوّة النظريّة الّتي منتهى كمالها التوحيد.

واستصلاح القوّة العمليّة، الّذي هو التدرّع بلباس التقوى. أللَّهمّ اجعلنا من الموفّقين لهما، بحقّ نبيّك النبيه، ووليّك الوليه، وآلهما المعصومين أجمعين.



(١٥)

سورة الحجر

مكّيّة، وهي تسع وتسعون آية بالإجماع.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأها اعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) )

ولـمّا ختم سبحانه سورة إبراهيمعليه‌السلام بذكر القرآن، وأنّه بلاغ وكفاية لأهل الإسلام، افتتح هذه السورة بذكر القرآن، وأنّه مبيّن للأحكام، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) إشارة إلى آيات السورة. والكتاب


هو السورة. وكذا القرآن. أو المراد بهما الكتاب والسورة جميعا. وتنكيره للتفخيم، أي: آيات المنزل الجامع بين كونه كتابا كاملا وقرآنا يبيّن الرشد من الغيّ، كاملا في البيان.

( رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) ربما يتمنّى الكفّار الإسلام حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر، أو عند حلول الموت، أو في القبر، أو يوم القيامة.

روى مجاهد عن ابن عبّاس قال: ما يزال الله يدخل الجنّة ويرحم ويشفع حتّى يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنّة، فحينئذ يودّ الّذين كفروا لو كانوا مسلمين.

وروي مرفوعا عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من يشاء الله من أهل القبلة، قال الكفّار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى.

قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع اللهعزوجل ما قالوه، فأمر من كان في النار من أهل الإسلام فأخرجوا منها. فحينئذ يقول الكفّار: يا ليتنا كنّا مسلمين».

وقال الصادقعليه‌السلام : «ينادي مناد يوم القيامة يسمع الخلائق: أنّه لا يدخل الجنّة إلّا مسلم، فثمّ يودّ سائر الخلق أنّهم كانوا مسلمين».

وقرأ نافع وعاصم: ربما بالتخفيف. و «ما» كافّة تكفّه عن الجرّ، فيجوز دخوله على الفعل. وحقّه أن يدخل على الماضي، لكن لـمّا كان المترقّب في أخبار الله تعالى كالماضي في تحقّقه، اجري المضارع مجرى الماضي.

وقيل: «ما» نكرة موصوفة، كقوله :

ربما(١) تكره النّفوس من الأمر

له فرجة كحلّ العقال

__________________

(١) أي: ربّ شيء تكرهه النفوس.


ومعنى التقليل فيه: الإيذان بأنّهم لو كانوا يودّون الإسلام مرّة فبالحريّ أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه كلّ ساعة! وقيل: تدهشهم أهوال القيامة، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الآنات من سكرتهم تمنّوا ذلك.

وقوله:( لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ) حكاية ودادهم. وإنّما جيء بها على لفظ الغيبة لأنّهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ. ولو قيل: لو كنّا مسلمين، وحلف بالله لأفعلنّ، لكان حسنا، لكن إيثار الحكاية هو الأحسن، لئلّا يلتبس بقول المتكلّم الحاكي.

( ذَرْهُمْ ) أي: اقطع طمعك منهم، ودعهم عن النهي عمّا هم عليه، والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلّهم( يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ) بدنياهم وتنفيذ شهواتهم( وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ) ويشغلهم أملهم وتوقّعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه. والغرض إقناط الرسول من ارعوائهم، وإيذانه بأنّهم من أهل الخذلان، فلا ينفعهم الوعظ، ولا ينجع فيهم النصح، فنصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته.

وفيه إلزام للحجّة، وتحذير عن إيثار التنعّم وما يؤدّي إليه طول الأمل، ومبالغة في الإنذار منه، وتنبيه على أنّ الإنسان يجب أن يكون مقصور الهمّة على أمور الآخرة، مستعدّا للموت، مسارعا إلى التوبة، ولا يأمل الآمال المؤدّية إلى الصدّ عنها.

وروي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه قال: «أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتّباع الهوى وطول الأمل، فإنّ اتّباع الهوى يصدّ عن الحقّ، وطول الأمل ينسي الآخرة».

وعن بعض العلماء: التمرّغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.

( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) مكتوب مقدّر معيّن، وهو أجلها الّذي كتب في اللوح المحفوظ. والمستثنى جملة واقعة صفة لـ «قرية». والأصل أن


لا تدخلها الواو، كما في قوله:( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ) (١) لكن لـمّا شابهت صورتها صورة الحال أدخلت عليها تأكيدا، للصوقها بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد وعليه ثوب.

( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها ) موضع كتابها، أي: لم تكن أمّة فيما مضى تسبق أجلها الّذي قدّر لها، فتهلك قبل ذلك( وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) عنه، بل إذا استوفت أجلها أهلكها الله لا محالة. وتذكير ضمير «أمّة» فيه للحمل على المعنى، فإنّها بمعنى القوم.

( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) )

( وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) نادوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على التهكّم. ألا ترى إلى ما نادوه له، وهو قولهم:( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) . ونظير ذلك قول فرعون :

__________________

(١) الشعراء: ٢٠٨.


( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) (١) . والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكّم مذهب واسع، وقد جاء في كتاب الله في مواضع، منها:( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٢) .

( إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) (٣) . وقد يوجد في كلام العجم. والمعنى: أنّك لتقول قول المجانين حين تدّعي أنّ الله نزّل عليك الذكر، أي: القرآن.

( لَوْ ما تَأْتِينا ) ركّبت «لو» مع «ما» كما ركّبت مع «لا» لمعنيين: لامتناع الشيء لوجود غيره، والتحضيض. والمراد ها هنا الثاني، أي: هلّا تأتينا.

( بِالْمَلائِكَةِ ) ليصدّقوك ويعضدوك على الدعوة، كقوله تعالى:( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) (٤) . أو للعقاب على تكذيبنا لك، كما أتت الأمم المكذّبة قبل.

( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في دعواك.

( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ ) بالياء مسند إلى ضمير اسم الله. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وعاصم: ننزّل بالنون. وأبو بكر: تنزّل الملائكة، بالتاء والبناء للمفعول ورفع الملائكة.( إِلَّا بِالْحَقِ ) إلّا تنزيلا ملتبسا بالحقّ، أي: بالوجه الّذي قدّره واقتضته حكمته، ولا حكمة في أن يأتيكم بصور تشاهدونها، فإنّه لا يزيدكم إلّا لبسا، ولا في معاجلتكم بالعقوبة، فإنّ علمنا يتعلّق بأنّ منكم ومن ذراريكم من سيؤمن.

وقيل: الحقّ الوحي، أو العذاب.

( وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) ممهلين مؤخّرين. «إذا» جواب لهم وجزاء الشرط مقدّر، أي: ولو نزّلنا الملائكة ما كانوا منظرين، بل عذّبوا بلا مهلة.

ثمّ زاد سبحانه في البيان، فقال:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) ردّ لإنكارهم

__________________

(١) الشعراء: ٢٧.

(٢) آل عمران: ٢١.

(٣) هود: ٨٧.

(٤) الفرقان: ٧.


واستهزائهم، ولذلك أكّده من وجوه، وهي: إيراد حرف التحقيق، وتأكيد الضمير، والإسناد إلى نفسه، وصيغة المبالغة، وتقريره بقوله:( وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) أي: من كلّ زيادة ونقصان، وتغيير وتحريف، بخلاف الكتب المتقدّمة، فإنّه لم يتولّ حفظها، وإنّما يستحفظها الربّانيّون والأحبار. ولم يكل القرآن إلى غير حفظه، ليكون إلى آخر الدهر معجزا مباينا لكلام البشر، لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان، فتنقله الأمّة عصرا بعد عصر على ما هو عليه، فيكون حجّة على الخلق.

وقيل: الضمير في «له» للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لقوله:( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ ) يا محمّد رسلا. حذف المفعول لدلالة الإرسال عليه.( فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ) في فرقهم. جمع شيعة، وهي الفرقة المتّفقة على طريق ومذهب، من: شاعه، إذا تبعه. والمعنى: نبّأنا رجالا فيهم وجعلناهم رسلا فيما بينهم.

( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) كما يفعل هؤلاء. وهو تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . و «ما» للحال لا يدخل إلّا مضارعا بمعناه، أو ماضيا قريبا منه. وهذا على حكاية الحال الماضية.

( كَذلِكَ نَسْلُكُهُ ) ندخل الذكر( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) والسلك إدخال الشيء في الشيء، كالخيط في المخيط، والرمح في المطعون.

( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) حال من مفعول «نسلكه». والمعنى: مثل ذلك السلك نسلك الذكر ونلقيه في قلوب المجرمين مكذّبا غير مؤمن به، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام، يعني: مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضيّة. أو يكون قوله: «لا يؤمنون» بيانا للجملة المتضمّنة للضمير.

__________________

(١) المائدة: ٦٧.


وقال بعض الأشعريّة: إنّ المعنى نسلك الاستهزاء في قلوبهم. وهذا غير صحيح، لأنّه لو كان الله قد سلك الاستهزاء في قلوبهم لسقط عنهم الذمّ والعقاب، لأنّ ذلك ليس من فعلهم، بل من فعل الله سبحانه فيهم، فلهم أن يقولوا محتجّين عليه: عتبتنا وذممتنا، وعذّبتنا بشيء أنت تخلقه فينا، وليس لنا فيه اختيار، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

ثمّ قال تهديدا لهم على تكذيبهم:( وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) طريقتهم الّتي سنّها الله في إهلاكهم حين كذّبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم. وهو وعيد لأهل مكّة على تكذيبهم.

( وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ ) على هؤلاء المعاندين المقترحين( باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) يصعدون إليها ويرون عجائبها طول نهارهم. وتخصيص ذلك بالنهار ليكونوا مستوضحين لـما يرون. وقيل: الضمير للملائكة، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا.

( لَقالُوا ) من غلوّهم في العناد وتشكيكهم في الحقّ( إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ) سدّت عن الإبصار بالسحر، فإنّ اشتقاقه من السّكر بمعنى السدّ. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف. أو حيّرت من السّكر، أي: حارت كما يحار السكران. والمعنى: أنّ هؤلاء المشركين بلغ من غلوّهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسّر لهم معراج يصعدون فيه إليها، وشاهدوا ملكوت السماء، أو رأو صعود الملائكة في السماء من العيان، لقالوا: هو شيء نتخايله لا حقيقة له.

( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) بل قالوا: قد سحرنا محمّد بذلك، كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات. وإنّما قال: «إنّما» ليدلّ على أنّهم يقطعون بأنّ ذلك ليس إلّا تسكيرا لأبصارهم.


( وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) )

ثمّ ذكر سبحانه دلالات التوحيد ردّا عليهم، فقال:( وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً ) اثني عشر تسير الشمس والقمر فيها، مختلفة الهيئات والخواصّ( وَزَيَّنَّاها ) بالأشكال الحسنة والهيئات البهيّة من الكواكب المنيرة( لِلنَّاظِرِينَ ) المعتبرين المستدلّين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها.

( وَحَفِظْناها ) وحفظنا السماء( مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) مرجوم مرميّ بالشهب، أو ملعون مشؤوم، فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس أهلها، ويتصرّف في أمرها، ويطّلع على أحوالها. وحفظ الشيء جعله على ما ينفي عنه الضياع. فمن ذلك حفظ القرآن بدرسه حتّى لا ينسى. وحفظ المال إحرازه حتّى لا يضيع. وحفظ السماء من الشيطان بالمنع حتّى لا يدخلها، ولا يبلغ إلى موضع يتمكّن فيه من استراق السمع، لـما أعدّ له من الشهاب، كما قال جلّ وعزّ:( إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) بدل( مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ ) .

واستراق السمع اختلاسه سرّا. شبّه به خطفتهم اليسيرة من قطّان السماوات، لـما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها ليخبروا بها الكهنة.

وعن ابن عباس: أنّه كان في الجاهليّة كهنة، ومع كلّ واحد شيطان، فكان يقعد من السماء مقاعد للسمع، فيستمع من الملائكة ما هو كائن في الأرض، فينزل ويخبر به الكاهن، فيفشيه الكاهن إلى الناس، فلمّا ولد عيسىعليه‌السلام منعوا من ثلاث


سماوات، ولـمّا ولد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منعوا من السماوات كلّها بالشهب. فالشهاب من معجزات نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنّه لم ير قبل زمانه.

وقيل: الاستثناء منقطع، أي: ولكن من استرق السمع( فَأَتْبَعَهُ ) فتبعه ولحقه( شِهابٌ مُبِينٌ ) ظاهر للمبصرين. والشهاب شعلة نار ساطعة. وقد يطلق للكواكب والسنان، لـما فيهما من البريق.

( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) )

ولـمّا تقدّم ذكر السماء وما فيها من الأدلّة والنعم، أتبعه بذكر الأرض، فقال:( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها ) بسطناها طولا وعرضا( وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ ) جبالا ثوابت( وَأَنْبَتْنا فِيها ) في الأرض، أو فيها وفي الجبال( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ) مقدّر بمقدار معيّن وزن بميزان الحكمة. أو مستحسن مناسب، من قولهم: كلام موزون.

أو ما يوزن ويقدّر في العادة، كالفضّة والذهب. أو له وزن في أبواب النعم والمنفعة.

( وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ) تعيشون بها من المطاعم والملابس( وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) عطف على معايش، أو على محلّ «لكم». كأنّه قيل: وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا من لستم له برازقين. ولا يجوز عطفه على ضمير «لكم»، لأنّه لا


يعطف على الضمير المجرور. والمراد به العيال والخدم والمماليك، وسائر ما يظنّون أنّهم يرزقونهم ظنّا كاذبا، فإنّ الله يرزقهم وإيّاهم.

وفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معيّنين ـ مختلفة الأجزاء في الوضع، محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة، مع جواز أن لا تكون كذلك ـ على كمال قدرته، وتناهي حكمته، والتفرّد في الألوهيّة، والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك، ليوحّدوه ويعبدوه.

ثمّ بالغ في ذلك وقال:( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) أي: وما من شيء إلّا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه. فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كلّ مقدوراته، أو شبّه مقدوراته بالأشياء المخزونة الّتي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد.

وقيل: المراد به الماء الّذي منه النبات، وهو مخزون عنده تعالى إلى أن ينزله، ونبات الأرض وثمارها إنّما ينبت بماء السماء.

( وَما نُنَزِّلُهُ ) وما نوجده وما نعطيه، أو ما ننزّل المطر في بقاع الأرض( إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) نعلم أنّه مصلحة. فحدّه الحكمة، وتعلّقت به المشيئة، فإنّ تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات، مشتملا على بعض الصفات والحالات، لا بدّ له من مخصّص حكيم.

ويؤيّد التفسير الثاني قوله:( وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ ) حوامل. شبّه الريح التي جاءت بخير ـ من إنشاء سحاب ماطر ـ بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك بالعقيم. أو ملحقات للشجر أو السحاب. ونظيره الطوائح، بمعنى المطيحات، في قوله: ومختبط ممّا تطيح الطوائح.

( فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ ) فجعلناه لكم سقيا( وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ) قادرين متمكّنين من إخراجه. نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله :


( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ ) . أو حافظين في الغدران والعيون والآبار، ثم نخرجه منها بقدر الحاجة، ولا يقدر أحد على إحراز ما يحتاج إليه من الماء في موضع.

وذلك أيضا يدلّ على المدبّر الحكيم، كما تدلّ حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس، فإنّ طبيعة الماء تقتضي الغور، فوقوفه دون حدّ لا بدّ له من سبب مخصّص.

( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي ) بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها( وَنُمِيتُ ) بإزالتها. وقد أوّل الحياة بما يعمّ الحيوان والنبات. وتكرير الضمير للدلالة على الحصر.( وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ) الباقون إذا هلك الخلق كلّه. وهو استعارة من وارث الميّت، لأنّه يبقى بعد فناء الموروث منه، ومنه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «واجعله الوارث منّا».

أو المراد: نحن الوارثون جميع الأشياء كلّها إذا مات الخلائق، فتصير جميع الأشياء كلّها راجعة إلينا ننفرد بالتصرّف فيها.

( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) )

ثمّ بيّن كمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته، فقال:( وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ) من استقدم ولادة وموتا ومن استأخر من الأوّلين والآخرين. أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. أو من تقدّم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة أو تأخّر، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم.

وقيل: رغّب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصفّ الأول، وقال: «خير صفوف الرجال أولها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها».

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ الله وملائكته يصلّون على الصفّ المقدّم». فازدحم الناس، وكانت دور بني


عذرة بعيدة عن المسجد، فقالوا: لنبيعنّ دورنا، ولنشترينّ دورا قريبة من المسجد، حتى ندرك الصفّ المقدّم، فنزلت هذه الآية.

فعلى هذا يكون المعنى: أنّا نجازي الناس على نيّاتهم.

وقيل: إنّ امرأة حسناء كانت تصلّي خلف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتقدّم بعض القوم لئلّا ينظر إليها، وتأخّر بعض ليبصرها، فنزلت الآية المذكورة. فقال:( وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) لا محالة للجزاء.

وتوسيط الضمير للدلالة على أنّه القادر والمتولّي لحشرهم، والعالم بحصرهم ـ مع كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ـ لا غير.

وتصدير الجملة بـ «إنّ» لتحقيق الوعد، والتنبيه على أنّ ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدلّ على صحّة الحكم، كما صرّح به بقوله:( إِنَّهُ حَكِيمٌ ) باهر الحكمة، متقن في أفعاله( عَلِيمٌ ) وسع علمه كلّ شيء.

( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) )


ولـمّا ذكر سبحانه الإحياء والإماتة والنشأة الثانية، عقّبه ببيان النشأة الأولى، فقال:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ ) طين يابس يصلصل ـ أي: يصوّت إذا نقر ـ وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار. وقيل: هو من: صلصل إذا أنتن، تضعيف: صلّ، فإنّه يقال: صلّ اللحم وأصلّ إذا أنتن.

( مِنْ حَمَإٍ ) طين تغيّر واسودّ من طول مجاورة الماء. وهو صفة صلصال، أي: كائن من حمإ( مَسْنُونٍ ) مصوّر، من: سنّة الوجه، أي: صورته. أو مصبوب مفرّغ لييبس، كالجواهر المذابة تصبّ في القوالب، من السنّ وهو الصبّ، كأنّه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتّى إذا نقر صلصل، ثمّ غيّر ذلك طورا بعد طور، حتّى سوّاه ونفخ فيه من روحه. أو منتن، من: سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فإنّ ما يسيل بينهما يكون منتنا، ويسمّى السنين.


( وَالْجَانَ ) أبا الجنّ. وقيل: إبليس. ويجوز أن يراد به الجنس، كما هو الظاهر من الإنسان، لأنّ تشعّب الجنس لـمّا كان من شخص واحد خلق من مادّة واحدة، كان الجنس بأسره مخلوقا منها. وانتصابه بفعل يفسّره قوله:( خَلَقْناهُ ) من قبل خلق الإنسان( مِنْ نارِ السَّمُومِ ) من نار الحرّ الشديد النافذ في المسامّ.

وقيل: هي نار لا دخان لها، والصواعق يكون منها. ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجرّدة، فضلا عن الأجساد المؤلّفة الّتي الغالب فيها الجزء الناري، فإنّها أقبل لها من الّتي الغالب فيها الجزء الأرضي. وقوله:( مِنْ نارِ ) باعتبار الغالب، كقوله:( خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) (١) .

قيل: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من سموم النار الّتي خلق الله منها الجانّ.

ومساق الآية كما يدلّ على كمال قدرته وبيان بدء خلق الثقلين، فهو كالتنبيه على المقدّمة الثانية الّتي يتوقّف عليها إمكان الحشر، وهو قبول الموادّ للجمع والإحياء.

واعلم أنّ أصل آدمعليه‌السلام كان من تراب، وذلك قوله:( مِنْ تُرابٍ ) (٢) . ثمّ جعل التراب طينا، وذلك قوله:( خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) (٣) . ثمّ ترك ذلك الطين حتّى تغيّر واسترخى، وذلك قوله:( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) ثمّ ترك حتّى جفّ، وذلك قوله:( مِنْ صَلْصالٍ ) . فهذه الأقوال لا تناقض فيها، إذ هي إخبار عن حالاته المختلفة، كما قال تعالى:( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ ) واذكر وقت قوله:( لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ) يعني: آدم.

وسمّي بشرا لأنّه ظاهر الجلد، لا يواريه شعر ولا صوف.

__________________

(١) الروم: ٢٠.

(٢) آل عمران: ٥٩.

(٣) الأنعام: ٢.


( مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) .

( فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) عدّلت خلقته وكمّلته، وهيّأته لنفخ الروح فيه( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي.

قال في الكشّاف: «معناه: وأحييته، وليس ثمّ نفخ ولا منفوخ، وإنّما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه»(١) .

وقال في الأنوار: «أصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولـمّا كان الروح يتعلّق أوّلا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب، وتفيض عليه القوّة الحيوانيّة، فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن، جعل تعلّقه بالبدن نفخا، وإضافة الروح إلى نفسه للتشريف»(٢) .

( فَقَعُوا ) فاسقطوا( لَهُ ساجِدِينَ ) أمر من: وقع يقع.

( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) أكّد بتأكيدين للمبالغة في التعميم، ومنع توهّم احتمال التخصيص.

وقيل: أكّد بالكلّ للإحاطة، وبأجمعين للدلالة على أنّهم سجدوا مجتمعين دفعة. وفيه بحث، إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالا لا تأكيدا.

( إِلَّا إِبْلِيسَ ) إن جعل منقطعا اتّصل به قوله:( أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) أي: ولكن إبليس امتنع أن يسجد معهم واستكبر. وإن جعل متّصلا كان استئنافا، على أنّه جواب سائل قال: هلّا سجد؟ فقيل: أبى أن يكون من الساجدين.

واستثنى إبليس من الملائكة، لأنّه كان بينهم مأمورا معهم بالسجود، فغلّب اسم الملائكة ثمّ استثنى بعد التغليب، كقولك: رأيتهم إلّا هذا. وقد سبق(٣) القول في

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٥٧٧.

(٢) أنوار التنزيل ٣: ١٦٨.

(٣) راجع ج ١ ص ١٢٣ ذيل الآية (٣٤) من سورة البقرة.


أنّ إبليس هل كان من الملائكة أو لم يكن؟ باختلاف العلماء فيه، وما لكلّ واحد من الفريقين من الحجج في سورة البقرة، فلا معنى للإعادة هاهنا.

( قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ ) حرف الجرّ محذوف، أي: أيّ غرض لك في أن لا تكون( مَعَ السَّاجِدِينَ ) لآدم؟!( قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ ) اللام لتأكيد النفي، أي: لا يصحّ منّي وينافي حالي أن أسجد( لِبَشَرٍ ) جسمانيّ كثيف وأنا جسم لطيف( خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) وهو أخسّ العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدمعليه‌السلام باعتبار النوع والأصل. وقد سبق(١) الجواب عنه في سورة الأعراف.

( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها ) أي: من السماء، أو الجنّة، أو زمر الملائكة. وقيل: من الرئاسة.( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) مطرود من الخير والكرامة، مبعد من الرحمة، فإنّ من يطرد يرجم بالحجر. أو شيطان يرجم بالشهب. وهو وعيد يتضمّن الجواب عن شبهته.

( وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ ) هذا الطرد والإبعاد( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) ضرب يوم الدين حدّا للعنة، إمّا لأنّه أبعد غاية يضربها الناس ـ كقوله:( ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ) (٢) ـ في التأبيد. وإمّا أن يراد: أنّك مذموم مدعوّ عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين من غير أن تعذّب، فإذا جاء ذلك اليوم عذّبت بما ينسى اللعن معه. أو لأنّ اللعنة إلى يوم الدين يناسب أيّام التكليف. وما في قوله:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) (٣) بمعنى آخر، وهو العذاب الأليم والعقاب العظيم.

( قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي ) فأخّرني. والفاء متعلّقة بمحذوف دلّ عليه «فاخرج

__________________

(١) راجع ج ٢ ص ٤٩٨ ذيل الآية (١٢) من سورة الأعراف.

(٢) هود: ١٠٧.

(٣) الأعراف: ٤٤.


منها فإنّك رجيم».( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) سأل الإنظار إلى اليوم الّذي فيه يبعثون لئلّا يموت، لأنّه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك الوقت، بل( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) المسمّى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلّهم، وهو النفخة الأولى.

ويجوز أن يكون المراد بالأيّام الثلاثة يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات. فعبّر عنه أوّلا بيوم الجزاء لـما عرفته، وثانيا بيوم البعث، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثا بالمعلوم، لوقوعه في الكلامين. ولا يلزم من ذلك أن لا يموت، ويمكن أن يموت أوّل اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه. وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدلّ على منصب إبليس، لأنّ خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال.

( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ) الباء للقسم، و «ما» مصدريّة، وجوابه( لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) . والمعنى: أقسم بإغوائك إيّاي لأزيّننّ لهم المعاصي في الدنيا الّتي هي دار الغرور. ومعنى إغوائه إيّاه تسبيبه لغيّه، بأن أمره بالسجود لآدم، فأفضى ذلك إلى غيّه. وما الأمر بالسجود إلّا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيّه ومن إرادته والرضا به، كما هو رأي الأشعريّة، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا. ونحو ذلك قوله:( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ ) (١) في أنّه إقسام، إلّا أنّ أحدهما إقسام بصفته، والآخر إقسام بفعله.

ويجوز أن لا تكون الباء للقسم، بل للسببيّة، ويقدّر قسم محذوف. والمعنى: بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلنّ بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم، بأن أزيّن لهم المعاصي.

__________________

(١) ص: ٨٢.


( وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) ولأحملنّهم أجمعين على الغواية، وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم في الدنيا الّتي هي دار الغرور، كقوله:( أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ) (١) . أو أراد: أنّي أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من الشجرة وهو في السماء، فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر. أو أراد: لأجعلنّ مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعنّ تزييني فيها، أي: لأزيّننّها في أعينهم، ولأحدّثنّهم بأنّ الزينة في الدنيا وحدها حتّى يستحبّوها على الآخرة، ويطمئنّوا إليها دونها.

( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) الّذين أخلصتهم لطاعتك، وطهّرتهم من الشوائب، فلا يعمل فيهم كيدي.

( قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَ ) حقّ عليّ أن أراعيه( مُسْتَقِيمٌ ) لا انحراف عنه.

وهذا إشارة إلى ما تضمّنه الاستثناء، وهو تخليص المخلصين من إغوائه. أو إلى الإخلاص، على معنى أنّه طريق عليّ يؤدّي إلى الوصول إليّ من غير اعوجاج وضلال.

( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) تصديق لإبليس فيما استثناه. وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين، ولأنّ المقصود بيان عصمتهم، وانقطاع مخالب الشيطان عنهم. أو تكذيب له فيما أوهم أنّ له سلطانا على من ليس بمخلص من عباده، فإنّ منتهى تزيينه التحريض والتدليس، كما قال:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (٢) . وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا. وعلى الأول يدفع قول من شرط أن يكون المستثنى أقلّ من الباقي، لإفضائه إلى تناقض الاستثناءين، لأنّه استثنى الغاوين من العباد تارة، وعكس

__________________

(١) الأعراف: ١٧٦.

(٢) إبراهيم: ٢٢.


اخرى، فيكون كلّ من الفريقين أقلّ من الآخر وأكثر.

( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ) لموعد الغاوين أو المتّبعين( أَجْمَعِينَ ) تأكيد للضمير، أو حال. والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان، فإنّه لا يعمل.

( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) يدخلون منها لكثرتهم. أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة، كما

روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام : «أنّ جهنّم لها سبعة طبقات بعضها فوق بعض، ووضع إحدى يديه على الاخرى فقال: هكذا، وإنّ الله وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنّم، وفوقها لظى، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية».

وفي رواية الكلبي: أسفلها الهاوية، وأعلاها جهنّم.

وعن ابن عبّاس: أنّ الباب الأوّل جهنّم، والثاني سعير، والثالث سقر، والرابع جحيم، والخامس لظى، والسادس الحطمة، والسابع الهاوية.

ولعلّ تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات، ومتابعة القوّة الشهويّة والغضبيّة، أو لأنّ أهلها سبع فرق.

( لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ ) من الأتباع في الدنيا( جُزْءٌ مَقْسُومٌ ) نصيب أفرز له، فأعلاها للموحّدين العصاة، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين.

وعن ابن عبّاس: أنّ جهنّم لمن ادّعى الربوبيّة، ولظى لعبدة النار، والحطمة لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية للموحّدين.

وقرأ أبو بكر: جزء بضمّتين. و «منهم» حال منه، أو من المستكن في الظرف لا في «مقسوم»، لأنّ الصفة لا تعمل فيما تقدّم موصوفها.


( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) )

ولـمّا ذكر سبحانه عبادة المخلصين عقّبه بذكر حالهم في الآخرة، فقال:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) من اتّباعه في الكفر والفواحش، فإنّ غيرهما مكفّرة بالصلوات وغيرها( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) لكلّ واحد جنّة وعين. أو لكلّ عدّة منهما، كقوله:( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (١) ثمّ قوله:( وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ ) (٢) وقوله:( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) الآية(٣) .

وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام: وعيون، حيث وقع بضمّ العين، والباقون بكسر العين.

( ادْخُلُوها ) على إرادة القول( بِسَلامٍ آمِنِينَ ) سالمين. أو مسلّما عليكم، يسلّم عليكم الملائكة. أو آمنين من الإخراج.

( وَنَزَعْنا ) في الدنيا بما ألّفنا بين قلوبهم، أو في الجنّة بتطييب نفوسهم( ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ ) من حقد كان في الدنيا. والمعنى: وأزلنا ما كان في قلوبهم من أسباب العداوة في الدنيا. أو طهّرنا قلوبهم من أن يتحاسدوا على درجات الجنّة ومراتب القرب.

( إِخْواناً ) حال من الضمير في «جنّات»، أو فاعل «ادخلوها»، أو الضمير

__________________

(١، ٢) الرحمن: ٤٦ و ٦٢.

(٣) محمد: ١٥.


في «آمنين»، أو الضمير المضاف إليه، والعامل فيها معنى الإضافة. وكذا قوله :

( عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) كائنين على مجالس السرر متواجهين، ينظر بعضهم إلى وجه بعض. وعن مجاهد: تدور بهم الأسرّة حيثما داروا، فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. ويجوز أن يكونا صفتين لـ «إخوانا»، أو حالين من ضميره، لأنّه في معنى: متصافّين. وأن يكون «متقابلين» حالا من المستتر في «على سرر».

( لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ ) تعب وعناء. استئناف، أو حال بعد حال، أو حال من الضمير في «متقابلين».( وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ) فإنّ تمام النعمة بالخلود.

( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) )

ثمّ قرّر ما ذكره من الوعد والوعيد، ومكّنه في نفوسهم بقوله:( نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ ) وفي ذكر المغفرة دليل على أنّه لم يرد بالمتّقين من يتّقي الذنوب بأسرها، كبيرها وصغيرها. وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده. وعن ابن عبّاس: غفور لمن


تاب، وعذابه لمن لم يتب.

وعطف قوله:( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ ) على «نبئ عبادي» ليتّخذوا ما أحلّ من العذاب بقوم لوط عبرة يعتبرون بها، ويعلموا أنّ رحمة الله على المتّقين، وسخط الله وانتقامه من المجرمين، فيتحقّقوا عنده أنّه هو الغفور الرحيم، وأنّ عذابه هو العذاب الأليم. وضيف إبراهيم كانوا أحد عشر ملكا في صورة أمارد.

( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً ) أي: نسلّم عليك سلاما، أو سلّمنا عليك سلاما( قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ) خائفون. وذلك لأنّهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، أو لأنّهم امتنعوا من الأكل. والوجل اضطراب النفس لتوقّع مكروه.

( قالُوا لا تَوْجَلْ ) لا تخف( إِنَّا نُبَشِّرُكَ ) استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل. أرادوا: أنّك بمثابة الآمن المبشّر، فلا توجل، فإنّ المبشّر لا يخاف منه.

وقرأ حمزة: نبشرك، من البشر.( بِغُلامٍ ) هو إسحاق، لقوله:( وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ ) (١) ( عَلِيمٍ ) إذا بلغ.

( قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي ) بالمولود( عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ ) تعجّب من أن يولد له مع مسّ الكبر إيّاه، أو إنكار لأن يبشّر به في مثل هذه الحالة. وكذلك قوله:( فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) «ما» استفهاميّة دخلها معنى التعجّب، كأنّه قال: فبأيّ أعجوبة تبشّرون؟! أو أراد: أنّكم تبشّرونني بما هو غير متصوّر في العادة، فبأيّ شيء تبشّرونني؟! فإنّ البشارة بما لا يتصوّر وقوعه عادة بشارة بغير شيء.

وقرأ ابن كثير بكسر النون مشدّدة في كلّ القرآن، على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها.

( قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ ) بما يكون لا محالة، أو باليقين الّذي لا لبس فيه، أو بطريقة هي حقّ، وهو قول الله وأمره( فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ) من الآيسين من ذلك ،

__________________

(١) الصافّات: ١١٢.


فإنّه تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر؟! وكان استعجاب إبراهيم باعتبار العادة دون القدرة، ولذا( قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ ) استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: لا يقنط البتّة منها( إِلَّا الضَّالُّونَ ) أي: المخطئون طريق المعرفة، فلا يعرفون سعة رحمة الله وكمال علمه وقدرته، كما قال:( لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (١) . فكأنّه قال: لم استنكر ذلك قنوطا من رحمته، ولكن استبعادا للعادة الّتي أجراها الله في الخلق. وقرأ أبو عمرو والكسائي: يقنط بالكسر.

( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) )

( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) أي: فما شأنكم الّذي أرسلتم لأجله سوى البشارة؟ لأنّهم كانوا عددا، والبشارة لا تحتاج إلى العدد، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريّا ومريم. أو لأنّهم بشّروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل، ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها.

( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) يعني: قوم لوط( إِلَّا آلَ لُوطٍ ) إن كان استثناء من «قوم» كان منقطعا، إذ القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان. وإن كان استثناء من الضمير في «مجرمين» كان متّصلا، والقوم والإرسال شاملين للمجرمين وآل لوط المؤمنين به. وكأنّهم قالوا: إنّا أرسلنا إلى قوم أجرم

__________________

(١) يوسف: ٨٧.


كلّهم إلا آل لوط منهم، لنهلك المجرمين، وننجّي آل لوط منهم.

ويدلّ عليه قوله:( إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ) ممّا يعذّب به القوم. وهو استئناف إذا اتّصل الاستثناء، كأنّ إبراهيم قال لهم: فما حال آل لوط؟ قالوا: إنّا لمنجّوهم.

ومتعلّق بـ «آل لوط» جار مجرى خبر «لكن» إذا انقطع، لأنّ المعنى: لكن آل لوط منجّون.

وعلى هذا جاز أن يكون قوله:( إِلَّا امْرَأَتَهُ ) استثناء من آل لوط أو من ضميرهم. وعلى الأوّل لا يكون إلّا من ضميرهم، لاختلاف الحكمين، لأنّ آل لوط متعلّق بـ «أرسلنا» أو بـ «مجرمين»، و «إلّا امرأته» متعلّق بـ «منجّوهم»، فأنّى يكون استثناء من استثناء؟ فإنّ الاستثناء من الاستثناء إنّما يكون فيما اتّحد الحكم فيه، بأن يقال: أهلكناهم إلّا آل لوط إلّا امرأته، كما اتّحد الحكم في قول المطلّق: أنت طالق ثلاثا إلّا ثنتين إلّا واحدة، وفي قول المقرّ: لفلان عليّ عشرة دراهم إلّا ثلاثة إلّا درهما. أللَّهمّ إلّا أن يجعل «إنّا لمنجّوهم» اعتراضا. وقرأ حمزة والكسائي: لمنجوهم مخفّفا.

( قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. وقرأ أبو بكر عن عاصم: قدرنا، هنا وفي النمل(١) بالتخفيف. وإنّما علّق فعل التقدير، والتعليق من خواصّ أفعال القلوب، لتضمّنه معنى العلم، ولذلك فسّر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم.

وفي المدارك: «لو لم تكن اللام في خبرها لوجب فتح «إنّ»، لأنّ «إنّ» مع اسمه وخبره مفعول( قَدَّرْنا ) (٢) .

ويجوز أن يكون «قدّرنا» أجري مجرى «قلنا» لأنّ التقدير بمعنى القضاء، وهو بمعنى القول. وأصله جعل الشيء على مقدار غيره.

__________________

(١) النمل: ٥٧.

(٢) مدارك التنزيل للنسفي المطبوع بهامش تفسير الخازن ٣: ٩٩.


وإسناد الملائكة التقدير إلى أنفسهم وهو فعل الله، لـما لهم من القرب والاختصاص به، كما يقول خاصّة الملك: دبّرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبّر والآمر هو الملك لا هم، وإنّما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنّهم لا يتميّزون عنه.

( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) )

( فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) غير معروفين، تنكركم نفسي وتنفر عنكم، مخافة أن تطرقوني بشرّ.

( قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ) أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما يسرّك ويشفي لك من عدوّك، وهو العذاب الّذي توعّدتهم به، فيمترون فيه، أي: يشكّون.

( وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ ) باليقين من عذابهم( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) فيما أخبرناك به من نزول العذاب عليهم.

( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) فاذهب بهم في الليل. وقرأ الحجازيّان بوصل الهمزة، من السّرى. وهما بمعنى.( بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) في طائفة من الليل بعد ما يمضي أكثره( وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ ) اقتف آثارهم، وكن وراءهم تسرع بهم، وتطّلع على حالهم، لئلّا يتخلّف أحد منهم.


( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) لا ينظر ما وراءه، فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو فيصيبه ما أصابهم. أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلّف، فيصيبه العذاب. وقيل: نهوا عن الالتفات ليوطّنوا نفوسهم على المهاجرة، ولا يشتغل بمن خلفهم قلوبهم، ولا يتحسّروا على مفارقة أوطانهم ومن به.

( وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ) اذهبوا إلى الموضع الّذي أمرتم بالذهاب إليه، وهو الشام أو مصر. وعدّي «امضوا» إلى «حيث» كما يعدّى إلى الظرف المبهم، لأنّ «حيث» مبهم في الأمكنة. وكذلك الضمير(١) في «تؤمرون».

( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ) أوحينا إليه مقضيّا مبتوتا، ولذلك عدّي بـ «إلى»( ذلِكَ الْأَمْرَ ) مبهم يفسّره( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ ) ومحلّه النصب على البدل منه. وفي ذلك تفخيم للأمر وتعظيم له. ودابر الشيء آخره. والمعنى: يستأصلون عن آخرهم حتّى لا يبقى منهم أحد.( مُصْبِحِينَ ) داخلين في الصبح. وهو حال من «هؤلاء»، أو من الضمير في «مقطوع». وجمعه للحمل على المعنى، فإنّ دابر هؤلاء في معنى مدبري هؤلاء.

( وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) )

( وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) وهي قرية سدوم( يَسْتَبْشِرُونَ ) يبشّر بعضهم بعضا

__________________

(١) أي: الضمير المحذوف في: تؤمرونه.


بنزول من هو في صورة أضياف لوط، طمعا فيهم.

( قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ) بفضيحة ضيفي، فإنّ من اسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه.

( وَاتَّقُوا اللهَ ) في ركوب الفاحشة( وَلا تُخْزُونِ ) ولا تذلّوني بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان. أو لا تخجلوني فيهم، من الخزاية وهو الحياء.

( قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ) عن أن تجير منهم أحدا، أو تضيفه، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنّهم كانوا يتعرّضون لكلّ أحد، وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه، أو عن ضيافة الناس وإنزالهم.

( قالَ هؤُلاءِ بَناتِي ) فانكحوهنّ، فلا تتعرّضوا لهم، يعني: نساء القوم، فإنّ نبيّ كلّ أمّة بمنزلة أبيهم. وفيه وجوه ذكرت في سورة هود(١) .( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) قضاء الوطر، أو ما أقول لكم. فهذا شكّ في قبولهم لقوله.

( لَعَمْرُكَ ) قسم بحياة المخاطب، وهو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قال ابن عبّاس: ما خلق اللهعزوجل ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلّا بحياته، فقال: لعمرك. وقيل: قسم بحياة لوط، قالت الملائكة له ذلك.

والأصحّ الأوّل. والتقدير: بحياتك ومدّة بقائك قسمي. والعمر والعمر واحد، إلّا أنّهم خصّوا القسم بالمفتوح، لإيثار الأخفّ فيه، لأنّه كثير الدوران على ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر، وهو قسمي.

( إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ ) لفي غوايتهم، أو شدّة غلمتهم(٢) الّتي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الّذي هم عليه، وبين الصواب الّذي يشار به إليهم، من ترك البنين إلى البنات( يَعْمَهُونَ ) يتحيّرون. فكيف يسمعون نصحك؟! وقيل: الضمير لقريش، والجملة معترضة.

__________________

(١) راجع ص ٣٠٠ ذيل الآية ٧٨ من سورة هود.

(٢) الغلمة: اشتداد الشهوة واهتياجها.


( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) )

ثمّ أخبر سبحانه عن كيفيّة عذاب قوم لوط بقوله:( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) الصوت الهائل المهلك. وهي صيحة جبرئيل.( مُشْرِقِينَ ) داخلين في وقت شروق الشمس.

( فَجَعَلْنا عالِيَها ) عالي مدينتهم، أو عالي قريتهم( سافِلَها ) وصارت منقلبة بهم( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) من طين متحجّر، أو طين عليه كتاب من السجلّ، بدليل قوله تعالى:( حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ) (١) أي: معلّمة بكتاب. وقد سبق(٢) مزيد بيان لهذه القصّة في سورة هود.

( إِنَّ فِي ذلِكَ ) فيما سبق ذكره من إهلاك قوم لوط( لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) للمتفرّسين المتأمّلين. وحقيقة المتوسّمين النظّار المتثبّتون في نظرهم حتّى يعرفوا

__________________

(١) الذاريات: ٣٣ ـ ٣٤.

(٢) راجع ص ٣٠٣ ذيل الآية ٨٣ من سورة هود.


حقيقة الشيء بسمته. يقال: توسّمت في فلان كذا، أي: عرفت وسمه فيه. وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله.

وقال: إنّ لله عبادا يعرفون الناس بالتوسّم، ثمّ قرأ هذه الآية.

( وَإِنَّها ) وإنّ المدينة أو القرى( لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) ثابت يسلكه الناس، ويرون آثارها. وهو تنبيه لقريش، كقوله:( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ) (١) .

ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره أنّه روي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام : «نحن المتوسّمون، والسبيل فينا مقيم، والسبيل طريق الجنّة»(٢) .

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) بالله ورسله. خصّهم بالذكر، لأنّهم هم المنتفعون بها.

( وَإِنْ كانَ ) وإنّه كان( أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ) هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة، فبعثه الله إليهم فكذّبوه فأهلكوا بالظلّة. والأيكة الشجرة المتكاثفة.

( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) بالإهلاك. روي: أنّهم أهلكوا بالظلّة الّتي احترقوا بنارها.

( وَإِنَّهُما ) يعني: سدوم والأيكة. وقيل: الأيكة ومدين، فإنّه كان مبعوثا إليهما، فكان ذكر إحداهما منبّها على الاخرى.( لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ) لبطريق واضح يؤتمّ ويتّبع ويهتدى به باعتباره. والامام اسم ما يؤتمّ به، فسمّي به اللوح الّذي يكتب فيه ومطمر البناء ـ وهو حبل يقدّر به البناء ـ لأنّه ممّا يؤتمّ به.

( وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ) يعني: ثمود كذّبوا صالحا، ومن كذّب واحدا من الرسل فكأنّما كذّب الجميع. ويجوز أن يراد بالمرسلين صالحا ومن معه من المؤمنين. والحجر واد بين المدينة والشام يسكنونه.

( وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) يعني: آيات الكتاب المنزل على

__________________

(١) الصافّات: ١٣٧.

(٢) تفسير عليّ بن إبراهيم ١: ٣٧٧.


نبيّهم. أو معجزاته، كالناقة وسقبها(١) وشربها ودرّها. أو ما نصب لهم من الأدلّة.

( وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ ) من الانهدام، لاستحكامها جدّا.

أو من نقب اللصوص وتخريب الأعداء، لوثاقتها. أو من العذاب، لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أنّ الجبال تحميهم منه.

( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ) فما دفع عنهم العذاب( ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الأموال والعدد.

عن جابر قال: مررنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم إلّا أن تكونوا باكين، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء». ثمّ زجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راحلته فأسرع حتّى خلّفها.

( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّ إهلاك هؤلاء الأمم لأجل أنّهم خالفوا الحقّ، فقال:( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) خلقا ملتبسا بالحقّ لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشرور، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء، وإزاحة فسادهم من الأرض.

( وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ) فينتقم الله لك فيها ممّن كذّبك من أعدائك، ويجازيك وإيّاهم على حسناتك وسيّئاتهم، فإنّه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلّا لذلك( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) فأعرض عنهم إعراضا جميلا، فلا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم. وقيل: هو منسوخ بآية السيف(٢) . ويجوز

__________________

(١) السقب: ولد الناقة ساعة يولد.

(٢) التوبة: ٥ و ٢٩.


أن يكون المراد به المخالقة(١) ، فلا يكون منسوخا.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ ) الّذي خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم( الْعَلِيمُ ) بحالك وحالهم، فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم. أو هو الّذي خلقكم وعلم الأصلح لكم، وقد علم أنّ الصفح اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح.

( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) )

ثمّ ذكر سبحانه ما خصّ به نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من النعم، لتطيب نفسه في احتمال

__________________

(١) أي: المعاشرة بخلق حسن.


المشاقّ والمتاعب في التبليغ، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً )

سبع آيات، وهي الفاتحة. وهو قول عليّعليه‌السلام ، وابن عبّاس، والحسن، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، ومجاهد، وقتادة. وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام .

وقال ابن مسعود والضحّاك وابن عمر: هي سبع سور، وهي الطوال. واختلف في سابعتها، فقيل: الأنفال والتوبة، فإنّهما في حكم سورة، ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية. وقيل التوبة. وقيل: يونس، أو الحواميم السبع. وقيل: سبع صحائف، وهي الأسباع.

( مِنَ الْمَثانِي ) بيان للسبع. والمثاني جمع المثناة أو المثنية، من التثنية أو الثناء، فإنّ كلّ ذلك مثنّى، تكرّر قراءته أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه، أو مثنيّ عليه بالبلاغة والإعجاز، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى. ويجوز أن يراد بالمثاني القرآن أو كتب الله كلّها، فتكون «من» للتبعيض.

( وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكلّ على البعض. وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر. يعني: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين، وهو التثنية أو الثناء والعظم. ووجه عظمه أنّه يتضمّن جميع ما يحتاج إليه من أمور الدين، بأوجز لفظ، وأحسن نظم، وأتمّ معنى.

ولـمّا علمت أنّ القرآن أعظم النعم، وما دونه بالنسبة إليه حقير جدّا، من النعم الدنيّة الفانية الدنياويّة، فعليك أن تستغني به و( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) لا تطمح ببصرك طموح راغب( إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ) أصنافا من الكفّار من أنواع النعم، فإنّه مستحقر جدّا بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنّه كمال مقصود بالذات، مفض إلى دوام اللذّات. وفي الحديث: «من أوتي القرآن فرأى أنّ أحدا أوتي من الدنيا أفضل


ممّا أوتي، فقد صغّر عظيما، وعظّم صغيرا».

قيل وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها أنواع البزّ(١) والطيب والجوهر وسائر الأمتعة. فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله. فقال لهم الله سبحانه :

لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع. والمعنى: لا تتمنّ أموالهم، ولا تحزن عليهم أنّهم لم يؤمنوا، فيتقوّى بمكانهم الإسلام، وينتعش بهم المؤمنون.

( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أنّهم لم يؤمنوا. وقيل: إنّهم المتمتّعون به.( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين وضعفائهم، وارفق بهم، وطب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء.

( وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) أنذركم ببيان وبرهان أنّ عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا( كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ) أي: عذابا مثل العذاب الّذي أنزلنا عليهم.

فهو وصف لمفعول «النذير» أقيم مقامه.

والمقتسمون هم الاثنا عشر الّذين اقتسموا مداخل مكّة، فقعدوا في كلّ مدخل متفرّقين أيّام الموسم لينفّروا الناس عن الإيمان بالرسول، يقول بعضهم: لا تغترّوا بالخارج منّا، فإنّه ساحر، ويقول الآخر: كذّاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر. أو الرهط الّذين اقتسموا، أي: تقاسموا على أن يبيّتوا صالحاعليه‌السلام ، أي: يقتلوه ليلا.

وقيل: هو صفة مصدر محذوف، يدلّ عليه قوله: «ولقد آتيناك» فإنّه بمعنى: أنزلنا إليك. والمعنى: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين.

__________________

(١) البزّ: السلاح، والثياب من الكتّان أو القطن.


( الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ) أي: جزّؤه أجزاء حيث قالوا بعنادهم وشدّة عداوتهم وحسدهم: بعضه موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حقّ وباطل. وواحد عضين عضة، بمعنى الجزء. وأصلها عضوة، من: عضى الشاة، إذا جعلها أعضاء. وقيل: أسحارا، من: عضهته إذا بهتّه(١) . وفي الحديث: «لعن رسول الله العاضهة(٢) والمستعضهة».

وإنّما جمع جمع السلامة جبرا لـما حذف منه.

وقيل: كانوا يستهزؤن، فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول الآخر: سورة آل عمران لي.

ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرءونه من كتبهم، وقد اقتسموه بتحريفهم، وبأنّ اليهود أقرّت ببعض التوراة وكذّبت ببعض، والنصارى أقرّت ببعض الإنجيل وكذّبت ببعض.

وهذه تسلية لرسول الله عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم: إنّه سحر وشعر وأساطير الأوّلين، بأنّ غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.

والموصول بصلته صفة لـ «المقتسمين»، أو مبتدأ خبره( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) من التقسيم، فنجازيهم عليه. وقيل: هو عامّ في كلّ ما فعلوا من الكفر والمعاصي. عن أبي العالية: يسأل العباد عن خلّتين: عمّا كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين. وأضاف الله سبحانه نفسه إلى نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تشريفا له، وتنبيها للخلق على عظم منزلته عنده. وهذا سؤال تقريع وتوبيخ، بأن يقول لهم :لم عصيتم؟ وما حجّتكم في ذلك؟ فيظهر عند ذلك خزيهم وفضيحتهم.

__________________

(١) أي: اتّهمته.

(٢) العاضهة: الساحر بلغة قريش.


( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) فأظهر، من: صدع بالحجّة إذا تكلّم بها جهارا. أو فافرق به بين الحقّ والباطل. وأصله الإبانة والتمييز. و «ما» مصدريّة، أي: بأمرك، مصدر من المبنيّ للمفعول. أو موصولة، والراجع محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع.( وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) ولا تلتفت إلى ما يقولون.

( إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) بقمعهم وإهلاكهم.

روي: أنّهم كانوا خمسة نفر ذووا أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطّلب، والحارث بن قيس ـ وقيل: ستّة، سادسهم الحارث بن الطلاطلة ـ يبالغون في إيذاء النبيّ والاستهزاء به. فقال جبرئيل لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمرّ بنبال فتعلّق بثوبه سهم، فلم ينعطف تعظّما لأخذه، أي: منعه الكبر أن يخفض رأسه فينزعه، فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيه شوكة، فقال: لدغت لدغت، وانتفخت رجله حتّى صارت كالرحى ومات. وأشار إلى أنف الحارث بن الطلاطلة فامتخط(١) قيحا فمات. وأشار إلى عيني الأسود بن المطّلب فعمي. وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات.

وقيل: إنّ الحارث بن قيس أكل حوتا مالحا فأصابه العطش، فما زال يشرب حتّى نفخ بطنه فمات. وعن ابن عبّاس: ماتوا كلّهم قبل وقعة بدر.

( الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) عاقبة أمرهم في الدارين.

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) من الشرك، والطعن في القرآن، والاستهزاء بك( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) فافزع إلى الله فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك المهمّ، ويكشف الغمّ عنك. أو فنزّهه عمّا يقولون، حامدا له على أن هداك

__________________

(١) أي: أخرج القيح، وهو ما يسيل من الجراحة والقرح.


للحقّ.( وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ) من المصلّين. وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا حزبه(١) أمر فزع إلى الصلاة.

( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) أي: الموت، فإنّه متيقّن لحاقه كلّ حيّ مخلوق. ويحتمل أن يكون أراد: حتّى يأتيك العلم الضروري بالموت والخروج من الدنيا، الّذي يزول معه التكليف. والمعنى: فاعبده ما دمت حيّا، ولا تخلّ بالعبادة لحظة.

__________________

(١) أي: اصابه غمّ وأمر شديد، ومنه: الحزيب، أي: الأمر الشديد.


(١٦)

سورة النحل

مكّيّة غير ثلاث آيات نزلت في انصراف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أحد، وهي:( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا ) إلى آخر السورة، نزلت بين مكّة والمدينة. وهي مائة وثمان وعشرون آية بلا خلاف.

أبيّ بن كعب عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قرأها لم يحاسبه الله بالنعم الّتي أنعمها عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالّذي مات وأحسن الوصيّة».

وروى محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: «من قرأ سورة النحل في كلّ شهر كفي المغرم في الدنيا، وسبعين نوعا من أنواع البلاء، أهونه الجنون والجذام والبرص، وكان مسكنه في جنّة عدن، وهي وسط الجنان».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) )


ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الحجر بوعيد الكفّار، افتتح هذه السورة بوعيدهم أيضا. وروي أنّ كفّار مكّة كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من قيام الساعة أو إهلاك الله إيّاهم ـ كما فعل يوم بدر ـ استهزاء وتكذيبا، ويقولون: إن صحّ ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلّصنا منه، فنزلت:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَتى أَمْرُ اللهِ ) أي: الأمر الموعود من الله بمنزلة الآتي المتحقّق، من حيث إنّه واجب الوقوع. وفي الحديث عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إنّ أمر الله آت، وكلّ ما هو آت قريب دان».

( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) فلا تستعجلوا وقوعه، فإنّه لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه.

وقيل: لـمّا نزلت:( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (١) قال الكفّار فيما بينهم: إنّ هذا يزعم أنّ القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتّى ننظر ما هو كائن. فلمّا تأخّرت قالوا: ما نرى شيئا. فنزلت:( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) (٢) . فأشفقوا وانتظروا قربها. فلمّا امتدّت الأيّام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئا ممّا تخوّفنا به. فنزلت:( أَتى أَمْرُ اللهِ ) . فوثب رسول الله، ورفع الناس رؤوسهم، فنزلت:( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) فاطمأنّوا.

( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) تبرّأ وجلّ عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم، فتكون «ما» موصولة. أو عن إشراكهم، فتكون مصدريّة. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله:( فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) . والباقون بالياء على تلوين الخطاب، أو على أن الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم.

( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) بالوحي أو القرآن، فإنّه يحيي به القلوب الميّتة بالجهل. أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد. وذكره عقيب ذلك إشارة إلى

__________________

(١) القمر: ١.

(٢) الأنبياء: ١.


الطريق الّذي به علم الرسول ما تحقّق موعدهم به ودنوّه.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ينزل، من: أنزل. وعن يعقوب مثله. وعنه: تنزّل، بمعنى: تتنزّل. وقرأ أبو بكر: تنزّل، على المضارع المبنيّ للمفعول، من التنزيل.

( مِنْ أَمْرِهِ ) من أجله، أو بأمره. ونظيره قوله:( يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ) (١) أي: بأمره.( عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) ممّن يصلح للنبوّة( أَنْ أَنْذِرُوا ) بأن أنذروا، أي: أعلموا، من: نذرت بكذا، إذا علمته( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ) أي: خوّفوا أهل الكفر والمعاصي بأنّه لا إله إلّا أنا. وقوله: «فاتّقون» رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود. و «أنّ» مفسّرة، لأنّ الروح بمعنى الوحي الدالّ على القول. أو مصدريّة في موضع الجرّ بدلا من الروح، أو النصب بنزع الخافض. أو مخفّفة من الثقيلة، أي: أن الشأن لا إله إلّا أنا.

والآية تدلّ على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة، وأنّ الغرض منه التنبيه على التوحيد الّذي هو منتهى كمال القوّة العلميّة، والأمر بالتقوى الّذي هو أقصى كمال القوّة العمليّة.

( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) )

__________________

(١) الرعد: ١١.


ثمّ دلّ على وحدانيّته بما ذكر ممّا لا يقدر عليه غيره، من خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان وما يصلحه، وما لا بدّله منه من خلق البهائم، فقال:( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة، قدّرها وخصّصها بحكمته( تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) منهما، أو ممّا يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما، ممّا لا يقدر على خلقهما.

( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) جماد لا حسّ بها ولا حراك، سيّالة لا تحفظ الوضع والشكل( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ ) منطيق، مجادل، مكافح للخصوم( مُبِينٌ ) للحجّة بعد ما كان نطفة من منيّ، جمادا لا حسّ به ولا حركة. أو خصيم لربّه، منكر على خالقه، قائل:( مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (١) ، وصفا للإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة.

وقيل: نزلت في أبيّ بن خلف، أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعظم رميم وقال: يا محمّد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ(٢) ؟

( وَالْأَنْعامَ ) الإبل والبقر والغنم. وانتصابها بمضمر يفسّره( خَلَقَها لَكُمْ ) . أو بالعطف على الإنسان. و «خلقها لكم» بيان ما خلقت لأجله، وما بعده تفصيل له.

وهو قوله:( فِيها دِفْءٌ ) ما يدفأ به من لباس معمول من الصوف والشعر ـ كـ: ملء، اسم ما يملأ به ـ فيقي البرد.

__________________

(١) يس: ٧٨.

(٢) رمّ العظم: بلي.


( وَمَنافِعُ ) نسلها ودرّها وظهورها. وإنّما عبّر عنها بالمنافع ليتناول عوضها.

( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) أي: تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان.

وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي، أو لأنّ الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش، وأمّا الأكل من سائر الحيوانات المأكولة ـ كالصيود البرّيّة والبحريّة، كالدجاج والبطّ ـ فعلى سبيل التداوي أو التفكّه(١) .

( وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ ) زينة( حِينَ تُرِيحُونَ ) تردّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشيّ( وَحِينَ تَسْرَحُونَ ) تخرجونها بالغداة إلى المراعي، فإنّ الأفنية تتزيّن بها في الوقتين، ويجلّ أهلها في أعين الناظرين إليها، ويفرح أربابها. ونحوه:( لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) (٢) ( يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ) (٣) . وتقديم الإراحة لأنّ الجمال فيها أظهر، فإنّها تقبل ملأى البطون حافلة(٤) الضروع، ثمّ تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها.

( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ) أحمالكم( إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ ) إن لم تكن الأنعام ولم تخلق، فضلا أن تحملوها على ظهوركم إليه. فلأجل هذه الإفادة لم يقل: لم تكونوا حامليها إليه، ليطابق قوله:( وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ ) .( إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ) إلّا بكلفة ومشقّة. وأصله: النصف، كأنّه ذهب نصف قوّته بالتعب.

( إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم، وتيسير الأمر عليكم.

( وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ ) عطف على الأنعام( لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً ) أي :

__________________

(١) أي: التلذّذ والتمتّع.

(٢) النحل: ٨.

(٣) الأعراف: ٢٦.

(٤) أي: ممتلئة ضروعها لبنا.


ولتتزيّنوا بها زينة. وقيل: هي معطوفة على محلّ «لتركبوها». وتغيير النظم لأنّ الزينة بفعل الخالق، والركوب ليس بفعله. ولأنّ المقصود من خلقها الركوب، وأمّا التزيّن بها فحاصل بالعرض. وليس فيه ما يدلّ على تحريم أكل لحومها، كما استدلّ به بعض العامّة، إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبا أن لا يقصد منه غيره أصلا. وقد روى البخاري في الصحيح(١) مرفوعا إلى اسماء بنت أبي بكر قالت: أكلنا لحم الفرس على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولـمّا فصّل الحيوانات الّتي يحتاج إليها غالبا ـ احتياجا ضروريّا أو غير ضروريّ ـ أجمل غيرها، فقال:( وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ) ويجوز أن يكون إخبارا بأنّ له من الخلائق ما لا علم لنا به، من الحشرات في المفاوز والبحار. وأن يراد به ما خلق في الجنّة والنار ممّا لم يخطر على قلب بشر، ليزيد دلالة على اقتداره بالإخبار بذلك، وإن طوى عنّا علمه، لحكمة ما في طيّه.

( وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) )

( وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) أي: بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحقّ.

فالقصد مصدر بمعنى الفاعل، وهو القاصد، يقال: سبيل قصد وقاصد، أي: مستقيم، كأنّه يقصد الوجه الّذي يؤمّه السالك لا يعدل عنه. أو المعنى: إقامة السبيل وتعديلها. أو عليه قصد السبيل، يصل إليه من يسلكه لا محالة، أي: واجب عليه هداية الطريق الموصل إلى الحقّ، كقوله:( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) (٢) . والمعنى: واجب على الله في عدله بيان الطريق المستقيم، وبيان الهدى من الضلالة، والحلال من

__________________

(١) صحيح البخاري ٧: ١٢٣.

(٢) الليل: ١٢.


الحرام، لينتفع المكلّف بالهدى والحلال، ويتجنّب عن الضلالة والحرام.

والمراد بالسبيل الجنس، ولذلك أضاف إليه القصد وقال:( وَمِنْها جائِرٌ ) مائل عن القصد، أو عن الله. وغيّر الأسلوب ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيل وما لا يجوز. ولو كان الأمر كما تزعم المجبّرة لقيل: وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها، أو وعليه الجائر. أو ليعلم أنّ المقصود بيان سبيله، وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنّما جاء بالعرض.

( وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) أي: ولو شاء هدايتكم أجمعين مشيئة جبر وقسر لهداكم قسرا إلى قصد السبيل، هداية مستلزمة للاهتداء، ولكنّ القسر والإلجاء ضدّ التكليف الّذي هو مدار أعمال العباد، كما بيّن غير مرّة.

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) )

ثمّ عدّ سبحانه نعمة اخرى دالّة على كمال قدرته ووحدانيّته، فقال:( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ) من السحاب، أو من جانب السماء( ماءً ) أي: مطرا( لَكُمْ


مِنْهُ شَرابٌ ) ما تشربونه. و «لكم» صلة «أنزل»، أو خبر «شراب»، و «من» تبعيضيّة متعلّقة به. وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه. ولا بأس به، لأنّ مياه العيون والآبار منه، لقوله:( فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ) (١) ، وقوله:( فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ) (٢) .

( وَمِنْهُ شَجَرٌ ) ومنه يكون شجر. قيل: معناه: لكم من ذلك الماء شراب، ومنه شرب شجر أو سقي شجر، فحذف المضاف. أو لكم من سقيه شجر، فحذف المضاف إلى الهاء في «منه». والمراد بالشجر الّذي ترعاه المواشي. وقيل: كلّ ما نبت على الأرض شجر.

( فِيهِ تُسِيمُونَ ) ترعون أنعامكم من غير كلفة والتزام مؤونة لعلفها. من: سامت الماشية إذا رعت، وأسامها صاحبها. وأصله: السومة، وهي العلامة، لأنّها تؤثّر بالرعي علامات في الأرض.

( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ ) بذلك المطر( الزَّرْعَ ) وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم( وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) وبعض كلّها، إذ لم ينبت في الأرض كلّ ما يمكن من الثمار، بل كلّ الثمار في الجنّة. ولعلّ تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه، لأنّه سيصير غذاء حيوانيّا هو أشرف الأغذية، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) على وجود الصانع وكمال حكمته وقدرته، فإنّ من تأمّل أن الحبّة تقع في الأرض، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشقّ أعلاها، ويخرج منه ساق الشجرة، وينشقّ أسفلها فيخرج منه عروقها، ثمّ ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار، ويشتمل كلّ منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع، مع اتّحاد الموادّ ونسبة الطبائع السفليّة والتأثيرات الفلكيّة إلى الكلّ، علم أنّ ذلك ليس إلّا بفعل فاعل مختار مقدّس عن منازعة الأضداد

__________________

(١) الزمر: ٢١.

(٢) المؤمنون: ١٨.


والأنداد، جلّت قدرته وحكمته.

( وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ ) بأن هيّأها لمنافعكم( مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ ) حال من الجميع، أي: نفعكم بها حال كونها مسخّرات لله، خلقها ودبّرها كيف شاء. أو مسخّرات لـما خلقن له بأمره بإيجاده وتقديره، أو لحكمه. ويجوز أن يكون نصب «مسخّرات» بالمصدريّة، وجمع لاختلاف النوع، أي: سخّرها أنواعا من التسخير. وقرأ حفص: والنجوم مسخّرات، على الابتداء والخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه. ورفع ابن عامر الشمس والقمر أيضا.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) جمع الآية وذكر العقل، لأنّ الآثار العلويّة أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. ولأنّها تدلّ أنواعا من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة، غير محوجة إلى استيفاء فكر، كأحوال النبات.

( وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) عطف على الليل، أي: وسخّر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات ومعدن( مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ) أصنافه، فإنّها تتخالف باللون غالبا( إِنَّ فِي ذلِكَ ) التسخير( لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ) أنّ اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلّا بصنع صانع حكيم.

( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) )


ثمّ عدّد سبحانه نوعا آخر من أنواع نعمه، فقال:( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ) جعله بحيث تتمكّنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص( لِتَأْكُلُوا مِنْهُ ) بالاصطياد( لَحْماً طَرِيًّا ) هو السمك. ووصفه بالطراوة، لأنّه أرطب اللحوم، يسرع إليه الفساد، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. ولإظهار قدرته في خلقه عذبا طريّا في ماء زعاق(١) .

وتمسّك به مالك والثوري على أنّ من حلف أن لا يأكل لحما حنث بأكل السمك.

وأجيب عنه بأنّ مبنى الأيمان على العرف، وهو لا يفهم منه عند الإطلاق.

ألا ترى إذا قال الرجل لغلامه: اشتر بهذه الدراهم لحما، فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار. ونظيره أنّ الله سمّى الكافر دابّة في قوله:( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٢) . ولا يحنث الحالف على أن لا يركب دابّة بركوب الكافر.

( وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) كاللؤلؤ والمرجان، أي: تلبسها نساؤكم، فأسند إليهم لأنّهنّ من جملتهم، ولأنّهنّ يتزيّنّ بها لأجلهم.

( وَتَرَى الْفُلْكَ ) السفن( مَواخِرَ فِيهِ ) شواقّ في البحر، وقواطع لمائه. يعني: في حالة الجريان تشقّ البحر بحيزومها(٣) . من المخر، وهو شقّ الماء. وعن الفرّاء: هو صوت جري الفلك بالرياح.

( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) من سعة رزقه بركوبها للتجارة( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي: تعرفون نعم الله فتقومون بحقّها. ولعلّ تخصيصه بتعقيب الشكر، لأنّه أقوى نعمة من نعم المنعم، من حيث إنّه جعل مظانّ الهلاك سببا للانتفاع وتحصيل المعاش.

__________________

(١) الزعاق: الماء المرّ لا يطاق شربه.

(٢) الأنفال: ٥٥.

(٣) في هامش النسخة الخطّية: «هو وسط الصدر. منه».


( وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ) جبالا عالية ثابتة. واحدها راسية.( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) كراهة أن تميل بكم، أو لئلّا تميل بكم وتضطرب. وذلك لأنّ الأرض قبل خلق الجبال فيها كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع، وكان من شأن الكرويّات أن تتحرّك بالاستدارة كالأفلاك، وأن تتحرّك بأدنى سبب للتحريك، فلمّا خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها، وتوجّهت الجبال بثقلها نحو المركز، فصارت كالأوتاد الّتي تمنعها عن الحركة.

وروي: أنّ الله سبحانه لـمّا خلق الأرض جعلت تمور(١) ، فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، ولم تدر الملائكة ممّ خلقت.

( وَأَنْهاراً ) أي: وجعل فيها أنهارا، لأن «ألقى» فيه معنى: جعل( وَسُبُلاً ) وطرقا( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) إلى حيث شئتم من البلاد لمقاصدكم، أو إلى معرفة الله.

( وَعَلاماتٍ ) ومعالم الطرق، وكلّ ما يستدلّ به السابلة من جبل ومنهل ونحو ذلك( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) بالليل في البراري والبحار. والمراد بالنجم الجنس، كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس. ويدلّ عليه القراءة الشاذّة: وبالنجم، بضمّتين، وضمّ وسكون، على الجمع. وعن السدّي: هو الثريّا والفرقدان وبنات النعش والجدي.

وعن ابن عبّاس: سألت رسول الله عنه فقال: الجدي علامة قبلتكم، وبه تهتدون في برّكم وبحركم.

ولعلّ الضمير لقريش، لأنّهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم. وإخراج الكلام عن سنن الخطاب، وتقديم النجم، وإقحام الضمير للتخصيص، كأنّه قيل: إنّ للناس ـ خصوصا لقريش ـ اهتداء

__________________

(١) أي: تضطرب وتتحرّك كثيرا وبسرعة من جهة إلى اخرى.


بالنجوم في أسفارهم، فكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر عليه ألزم لهم، وأوجب عليهم.

وعن الصادقعليه‌السلام : «نحن العلامات، والنجم رسول الله».

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ الله جعل النجوم أمانا لأهل السماء، وجعل أهل بيتي أمانا لأهل الأرض».

( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) )

وبعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته، والتفرّد بخلق ما عدّد من مبدعاته، أنكر عبادة المشركين الأصنام، فقال:( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ) يعني: كيف يساوي ويستحقّ مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك، بل على إيجاد شيء ما.

والمراد بـ «من لا يخلق» كلّ ما عبد من دون الله، سواء كان من أولي العلم أم لا، فغلّب أولو العلم على غيرهم لشرافتهم.

أو المراد به الأصنام، فجيء بـ «من» الّذي لأولي العلم، إمّا لأنّهم سمّوها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم. ألا ترى إلى قوله على أثره:( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) . وإمّا للمشاكلة بينه وبين «من يخلق». وإمّا للتنبيه على أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم، فكيف بما لا علم عنده؟! وكان حقّ الكلام: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ لأنّه إلزام للّذين عبدوا الأوثان، وسمّوها آلهة تشبيها بالله، فجعلوا غير الخالق مثل الخالق، فكان حقّ الإلزام أن يقال لهم: أفمن لا يخلق كمن يخلق، لكنّه عكس تنبيها على أنّهم حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له، وسوّوا بينه وبينه، فقد جعلوا


الله من جنس المخلوقات، شبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله:( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ) ، أي: أجعلتموه من جنس المخلوقات العجزة وشبّهتموه بها؟

( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أفلا تتذكّرون أيّها المشركون، فتعرفوا فساد ذلك؟! فإنّه لجلائه كالّذي حصل عند العقل بأدنى تذكّر والتفات.

( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) )

ولـمّا عدّد النعم وألزم الحجّة على تفرّده باستحقاق العبادة، نبّه العباد على أنّ ما وراء ما عدّد نعما لا تنحصر، فحقّ عبادته غير مقدور، فقال:( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ ) وإن أردتم تعداد نعم الله عليكم ومعرفة تفاصيلها( لا تُحْصُوها ) لا تضبطوا عددها، ولم يمكنكم إقصاؤها، ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها( إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ ) حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها( رَحِيمٌ ) لا يقطعها لتفريطكم فيه، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها.

( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩) )

ولـمّا قدّم سبحانه الدعاء إلى عبادته بذكر نعمه وكمال قدرته، عقّبه ببيان علمه بسريرة كلّ أحد وعلانيته، فقال:( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ) من عقائدكم وأعمالكم، فيجازيكم على حسبهما، إذ لا يخفى عليه الجليّ والخفيّ من أحوالكم. وهذا وعيد للكافر الكفور، وتزييف للشرك باعتبار العلم.

( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) )


ولـمّا نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق، بيّن أنّهم لا يخلقون شيئا، لينتج أنّهم لا يشاركونه، فقال:( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي: والآلهة الّذين يعبدونهم من دونه. وقرأ عاصم ويعقوب بالياء.( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ) فكيف يجوز أن يكونوا شركاء لله في الألوهيّة؟! ثمّ أكّد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهيّة، فقال:( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) لأنّها ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق، والإله ينبغي أن يكون واجب الوجود.

( أَمْواتٌ ) هم أموات لا تعتريهم الحياة، أو أموات حالا أو مآلا( غَيْرُ أَحْياءٍ ) بالذات ليتناول كلّ معبود، والإله ينبغي أن يكون حيّا بالذات لا يعتريه الممات( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) ولا يعلمون وقت بعث عبدتهم. وفيه تهكّم بالمشركين، وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟! والإله ينبغي أن يكون عالما بالغيوب، مقدّرا للثواب والعقاب. وفيه تنبيه على أنّ البعث من توابع التكليف، فإنّه لا بدّ للتكليف من الجزاء، وهو بعد البعث.

( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) )

ولـمّا أقام الله سبحانه الحجج على بطلان الشرك والشركاء، ذكر المدّعى وهو الوحدانيّة، فقال:( إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) .


ثمّ بيّن ما اقتضى إصرارهم على الشرك بعد وضوح الحقّ، من عدم إيمانهم بالآخرة، فقال:( فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ) جاحدة للحقّ، مستبعدة لـما يرد عليها من المواعظ( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) عن الانقياد للحقّ، دافعون له من غير حجّة، فإنّ المؤمن بالآخرة يكون طالبا للدلائل، متأمّلا فيما يسمع، فينتفع به، والكافر بها يكون حاله بالعكس. يعني: أنكرت قلوبهم ما لا يعرف إلّا بالبرهان، اتّباعا للأسلاف، وركونا إلى المألوف، فإنّه ينافي النظر، واستكبرت عن اتّباع الرسول وتصديقه، والالتفات إلى قوله. والأوّل هو العمدة في هذا الباب، ولذلك رتّب عليه الآخرين.

( لا جَرَمَ ) حقّا( أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ) فيجازيهم. وهو في موضع الرفع بـ «جرم»، لأنّه فعل أو مصدر.( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) فضلا عن الّذين استكبروا عن توحيده أو اتّباع رسوله.

( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) )


ثمّ أبان سبحانه عن أحوال المشركين وأقوالهم، فقال:( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ) القائل بعضهم على التهكّم، أو الوافدون عليهم، أو المسلمون. و «ماذا» إما منصوب بـ «أنزل» بمعنى: أيّ شيء أنزل ربّكم؟ أو مرفوع بالابتداء، بمعنى: ايّ شيء أنزله ربّكم؟ فإذا نصبت فمعنى قوله:( قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) : ما تدّعون نزوله أساطير الأوّلين. وإذا رفعته فالمعنى: المنزل أساطير الأوّلين. وإنّما سمّوه منزلا على التهكّم، أو على فرض أنّه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه.

والقائلون قيل: هم المقتسمون الّذين اقتسموا مداخل مكّة ينفّرون عن رسول الله، إذا سألهم وفود الحاجّ عمّا أنزل على رسول الله قالوا: أحاديث الأوّلين وأباطيلهم.

( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) اللام للعاقبة. والمعنى: كان عاقبة أمرهم إذا فعلوا ذلك أن حملوا أوزار ضلالهم تامّة، فإنّ إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال.

( وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ) وبعض أوزار ضلال من يضلّونهم، وهو حصّة التسبّب. يعني: حملوا أوزار إضلالهم وإغوائهم، ولم يحملوا أوزار ضلالهم.

( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) حال من المفعول، أي: يضلّون من لا يعلم أنّهم ضلّال. وإنّما وصف بالضلال من لا يعلم، لأنّه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميّز بين المحقّ والمبطل.

( أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ) بئس شيئا يزرونه فعلهم.

عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيّما داع


دعا إلى الهدى فاتّبع، فله مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

وأيّما داع دعا إلى ضلالة فاتّبع عليه، فإنّ عليه مثل أوزار من اتّبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».

( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي: جعلوا وسائل ليمكروا بها رسل الله( فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ ) فأتاها أمره من جهة أساطين البناء الّتي بنوا عليها، بأن ضعضعت( فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ) وصار سبب هلاكهم( وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) لا يحتسبون ولا يتوقّعون. وهو على سبيل التمثيل لاستئصالهم.

والمعنى: أنّهم سوّوا منصوبات ليمكروا رسل الله بها، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين، فأتى البنيان من الأساطين، بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا.

وعن ابن عبّاس: المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سمكه خمسة آلاف ذراع، وقيل: فرسخان، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه، أو ليترصّد أمر السماء، فأهبّ الله الريح فخرّ عليه وعلى قومه فهلكوا. وقيل: ألقت رأس الصرح في البحر، وخرّ عليهم الباقي. والأوّل أليق، وأفيد للعموم، وأليق بكلام العرب، كما قالوا: أتي فلان من مأمنه، أي: أتاه الهلاك من جهة مأمنه. وذكر الفوق مع حصول العلم بأنّ السقف لا يكون إلّا من فوق للتأكيد، كما يقال: مشيت برجلي، وتكلّمت بلساني.

( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ) ثمّ يذلّهم أو يعذّبهم بالنار، كقوله:( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) (١) .( وَيَقُولُ ) على سبيل التوبيخ لهم والتهجين( أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ ) تشركونهم معي في العبادة. فأضاف إلى نفسه استهزاء، أو حكاية لإضافتهم زيادة في توبيخهم. وقرأ البزّي بخلاف عنه: أين شركائي بغير

__________________

(١) آل عمران: ١٩٢.


همزة، والباقون بالهمز.( تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ) تعادون المؤمنين في شأنهم. وقرأ نافع بكسر النون، بمعنى: تشاقّونني، فإنّ مشاقّة المؤمنين كمشاقّة الله.

( قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أي: الأنبياء أو العلماء الّذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد، فيشاقّونهم وينكرون عليهم، أو الملائكة( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ ) الذلّة والعذاب( عَلَى الْكافِرِينَ ) وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم، وزيادة الإهانة.

وحكايته لأن يكون لطفا لمن سمعه.

( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) وقرأ حمزة بالياء. وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة.( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) بأن عرّضوها للعذاب المخلّد( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت. وأصل الإلقاء في الأجسام، فاستعمل في إظهارهم الانقياد، إشعارا بغاية خضوعهم واستكانتهم، وأنّها كالشيء الملقى بين يدي الغالب القاهر، قائلين:( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) كفر وعدوان، فجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر. ويجوز أن يكون تفسيرا للسلم، على أنّ المراد به القول الدالّ على الاستسلام.

( بَلى ) أي: فتجيبهم الملائكة بلى( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) في الدنيا من الكفر والمعاصي، فهو يجازيكم عليه.

وقيل: قوله: «فألقوا السلم إلخ» استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة. وعلى هذا أوّل من لم يجوّز الكذب يومئذ( ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ) بأنّا لم نكن في زعمنا واعتقادنا فاعلين سوء. واحتمل أن يكون الرادّ عليهم هو الله أو أولوا العلم. وهذا أيضا من الشماتة. وكذلك( فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ ) كلّ صنف بابها المعدّ له. وقيل: أبواب جهنّم طبقات جهنّم ودركاتها المتضمّنة أصناف عذابها.

( خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ ) جهنّم( مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) المتعظّمين عن قبول الحقّ. واللام للتأكيد.


( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) )

ولـمّا قدّم سبحانه ذكر أقوال الكافرين فيما أنزل على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عقّبه بذكر أقوال المؤمنين في ذلك، فقال:( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) يعني: المؤمنين( ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً ) أي: أنزل خيرا. وفي نصبه دليل على أنّهم لم يتلعثموا(١) في الجواب، وأطبقوه على السؤال، معترفين بالإنزال، على خلاف الكفرة، فصلا بين جواب المقرّ وجواب الجاحد. فهؤلاء أطبقوا الجواب على السؤال فقالوا: خيرا، أي: أنزل خيرا. وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء.

روي أنّ أحياء العرب كانوا يبعثون أيّام الموسم من يأتيهم بخبر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا جاء الوافد المقتسمين قالوا له ما قالوا، وإذا جاء المؤمنين قالوا له ذلك، فيخبرونه بصدقه وأنّه نبيّ مبعوث، فهم الّذين قالوا خيرا.

( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ) مكافأة في الدنيا( وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ )

__________________

(١) أي: لم يتوقفوا ولم يتأنوا. يقال: تلعثم في الأمر، أي: توقف فيه وتأنى.


أي: ولثوابهم في الآخرة خير منها. وهو وعد للّذين اتّقوا على قولهم خيرا.

ويجوز أن يكون «للّذين أحسنوا» وما بعده حكاية لقولهم، بدلا وتفسيرا لـ «خيرا»، على أنّه منتصب بـ «قالوا».( وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ) دار الآخرة. فحذفت لتقدّم ذكرها.

وقوله:( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) خبر مبتدأ محذوف. ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح( يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ) من أنواع المشتهيات. وفي تقديم الظرف تنبيه على أنّ الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلّا في الجنّة.

( كَذلِكَ ) مثل هذا الجزاء( يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ) طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنّه في مقابلة ظالمي أنفسهم. وقيل: فرحين ببشارة الملائكة إيّاهم بالجنّة. أو طيّبين بقبض أرواحهم، لتوجّه نفوسهم بالكلّية إلى حضرة القدس.

( يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) لا يحيقكم بعد مكروه( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) إنّما يقولون ذلك لهم عند خروجهم من قبورهم. وقيل: إذا أشرف العبد على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا وليّ الله، الله يقرئك السلام ويبشّرك بالجنّة.

( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤) )


ثمّ أشار إلى توعيد الكفّار، فقال:( هَلْ يَنْظُرُونَ ) ما ينتظر الكفّار المارّ ذكرهم( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ) لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء.( أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) القيامة أو العذاب المستأصل( كَذلِكَ ) مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب( فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) فأصابهم ما أصابوا( وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ ) بتدميرهم( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بكفرهم ومعاصيهم المؤدّية إليه.

( فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ) أي: جزاء سيّئات أعمالهم، على حذف المضاف، أو تسمية الجزاء باسمها، كما قال:( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (١) ( وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) وأحاط بهم جزاؤه. والحيق لا يستعمل إلّا في الشرّ.

( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) )

ثمّ عاد إلى حكاية قول المشركين، فقال:( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) مع الله إلها آخر( لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) من الأصنام وغيرها( نَحْنُ وَلا آباؤُنا ) الّذين اقتدينا بهم( وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) بل شاء منّا، وأراد فعلنا.

وهذا القول من جملة ما عدّد من أصناف كفرهم وعنادهم، من شركهم بالله وإنكار وحدانيّته بعد قيام الحجج، وإنكار البعث، واستهزائهم به، وتكذيبهم الرسول ،

__________________

(١) الشورى: ٤٠.


وشقاقهم واستكبارهم عن قبول الحقّ. يعني: أنّهم أشركوا بالله، وحرّموا ما أحلّ الله من البحيرة والسائبة وغيرهما، ثمّ نسبوا فعلهم إلى الله وقالوا: لو شاء لم نفعل. وهذا مذهب المجبّرة بعينه.

( كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) فأشركوا بالله، وحرّموا حلّه، وردّوا رسله.

ثمّ أنكر سبحانه هذا القول عليهم، فقال:( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) إلّا أن يبلغوا الحقّ بالبرهان والبيان، ويطلعوهم على بطلان الشرك وقبحه، وأنّ الله لا يشاء الشرك والمعاصي منهم، وعلى براءة الله من أفعال العباد، وأنّهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم، والله باعثهم على جميلها، وموفّقهم وزاجرهم عن قبيحها، وموعدهم عليه.

( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) )

ثمّ بيّن أنّ بعثة الرسل أمر جرت به السنّة الإلهيّة في الأمم كلّها، سببا لهداية من استرشد واستهدى، وزيادة لضلالة من عاند واستهوى، كالغذاء الصالح، فإنّه ينفع المزاج السويّ ويقوّيه، ويضرّ المنحرف ويفنيه، فقال:( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ ) في كلّ جماعة وقرن( رَسُولاً ) كما بعثناك على أمّتك( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ) ليقول لهم: اعبدوا الله( وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) أي: عبادة الشيطان وكلّ داع يدعو إلى الضلالة.


( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ) وفّقهم للإيمان بإرشادهم، لاسترشادهم. أو هداهم الله إلى طريق الجنّة.( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) أي: من أعرض عمّا دعا إليه الرسول عنادا وانهماكا في الجحود، مع وضوح الحقّ عليه، فخذله وخلّاه، فثبتت عليه الضلالة ولزمته. أو حقّت عليه عقوبة الضلالة. فسمّى الله العقاب ضلالا، كقوله:( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) (١) .

( فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) أرض المكذّبين يا معشر قريش إن لم تصدّقوني( فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) من عاد وثمود وغيرهم، لعلّكم تعتبرون كيف حقّت عليهم العقوبة وحلّت بهم، حتّى لا يبقى لكم شبهة في أنّي لا أقدّر الشرّ ولا الإساءة حيث أفعل بالأشرار.

( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) )

ثمّ ذكر عناد قريش وحرص رسول الله على إيمانهم، فقال:( إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ ) على أن يؤمنوا بك( فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي ) لا يوفّق( مَنْ يُضِلُ ) ولا يلطف بمن يخذل، أي: يريد ضلاله ويخلّيه، لانهماكه في الكفر وتصميمه على العناد، لأنّ اللطف في حقّه عبث، والله متعال عن العبث، لأنّه من قبيل القبائح الّتي لا تجوز عليه. وقرأ غير الكوفيّين: لا يهدى، على البناء للمفعول. وهو أبلغ.

( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) من ينصرهم بدفع العذاب عنهم. وهذا دليل على أنّ المراد بالضلال الخذلان الّذي هو نقيض النصرة.

__________________

(١) القمر: ٤٧.


( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) )

روي: أنّه كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه، فوقع في كلامه: والّذي أرجوه بعد الموت أنّه لكذا وكذا. فقال المشرك: إنّك لتزعم أنّك تبعث بعد الموت، وأقسم بالله لا يبعث الله من يموت. فنزلت:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) حلفوا بالله مجتهدين في أيمانهم. والمعنى: بلغوا في القسم كلّ مبلغ.( لا يَبْعَثُ اللهُ ) لا يحيي( مَنْ يَمُوتُ ) عطف ذلك على( وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) إيذانا بأنّهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه، زيادة في البتّ على فساده.

فردّ الله عليهم أبلغ ردّ، فقال:( بَلى ) يبعثهم( وَعْداً ) مصدر مؤكّد لنفسه، أي: وعدكم البعث والجزاء وعدا واجبا( عَلَيْهِ ) إنجازه، لامتناع الخلف في وعده، أو لأنّ البعث مقتضى حكمته( حَقًّا ) صفة اخرى للوعد، أي: وعدا ثابتا عند الله( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أنّهم يبعثون، إمّا لعدم علمهم بأنّه من مواجب الحكمة الّتي جرت عادته بمراعاتها، وإمّا لقصور نظرهم بالمألوف، فيتوهّمون امتناعه.

ثمّ إنّه تعالى بيّن الأمرين فقال:( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ) أي: يبعثهم ليبيّن لهم( الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) وهو الحقّ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) فيما كانوا يزعمون. وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث، المقتضي له من


حيث الحكمة. وهو المميّز بين الحقّ والباطل، والمحقّ والمبطل، بالثواب والعقاب.

ثمّ قال بيانا لإمكانه:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ) أي: إذا أردنا وجوده، فليس إلّا( أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي: أحدث فيحدث ذلك بلا توقّف. وهذا مثل في أنّ مراد الله لا يمتنع عليه، وأنّ وجوده عند إرادته مثل وجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع المتمثّل، ولا قول هناك. والمعنى: أنّ إيجاد كلّ مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع عليه البعث الّذي هو من شقّ المقدورات؟! وتقرير البيان أنّ تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقّف له على سبق الموادّ والمدد وإلّا لزم التسلسل، فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادّة ومثال، أمكن له تكوينها إعادة بعده.

ونصب ابن عامر والكسائي «فيكون» هاهنا وفي يس(١) ، عطفا على «نقول»، أو جوابا للأمر.

( وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) )

( وَالَّذِينَ هاجَرُوا ) والّذين فارقوا أوطانهم وديارهم وأهلهم فرارا بدينهم واتّباعا لنبيّهم( فِي اللهِ ) في حقّه ولوجهه خالصا( مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) ما ظلمهم

__________________

(١) يس: ٨٢.


المشركون وعذّبوهم بمكّة. وهم رسول الله وأصحابه المهاجرون، ظلمهم قريش ففرّوا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثمّ إلى المدينة فجمع بين الهجرتين، ومنهم من هاجر إلى المدينة.

وقيل: هم الّذين كانوا محبوسين معذّبين بمكّة بعد هجرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكلّما خرجوا تبعوهم فردّوهم، منهم بلال وصهيب وخباب وعمّار وعابس وأبو جندل وسهيل.

وقوله:( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) صفة للمصدر، أي: تبوئة حسنة.

وقيل: مباءة حسنة. وهي المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم. وقيل: لننزلنّهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكّة الّذين ظلموهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب.

( وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ) ممّا يعجّل لهم في الدنيا( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) الضمير للكفّار، أي: لو علموا أنّ الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين، أي: لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.

( الَّذِينَ صَبَرُوا ) منصوب المحلّ أو مرفوعه على المدح، تقديره: أعني الّذين، أو هم الّذين صبروا على الشدائد، كأذى الكفرة، ومفارقة الوطن الّذي هو حرم الله المحبوب في كلّ قلب، فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم؟! وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله.( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) منقطعين إلى الله، مفوّضين إليه الأمر كلّه.

( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) )


روي أنّ قريش قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، أو لا يرسل الله إلينا بشرا مثلنا، فنزلت:( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ) أي: جرت السنّة الإلهيّة بأن لا يبعث للدعوة العامّة إلّا بشرا يوحي إليه على ألسنة الملائكة، والحكمة في ذلك مذكورة في سورة الأنعام(١) ، فإن شككتم فيه( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) أهل الكتاب أو علماء الأحبار ليعلّموكم( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

وفي الآية دلالة على أنّه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا للدعوة العامّة. وأما قوله:( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) (٢) معناه رسلا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء. وقيل: لم يبعثوا إلى الأنبياء إلّا متمثّلين بصورة الرجال. وردّ بما روي أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى جبرئيلعليه‌السلام على صورته الّتي هو عليها مرّتين.

وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم.

( بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) أي: أرسلناهم بالبيّنات والزبر، أي: المعجزات والكتب، كأنّه جواب قائل قال: بم أرسلوا؟ ويجوز أن يتعلّق بـ «ما أرسلنا» داخلا في الاستثناء مع «رجالا»، أي: وما أرسلنا إلّا رجالا بالبيّنات، كقولك: ما ضربت

__________________

(١) راجع ج ٢ ص ٣٦٣.

(٢) فاطر: ١.


إلّا زيدا بالسوط، لأنّ أصله: ضربت زيدا بالسوط، أو صفة لهم: أي: رجالا ملتبسين بالبيّنات. أو بـ «نوحي» على المفعوليّة، أو الحال من القائم مقام فاعله.

وعلى هذه الوجوه قوله:( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) اعتراض. أو بـ «لا تعلمون» على أن الشرط للإلزام والتبكيت.

( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ) أي: القرآن. وإنّما سمّي ذكرا لأنّه موعظة وتنبيه للغافلين.( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) في الذكر بتوسّط إنزاله إليك ممّا أمروا به ونهوا عنه، أو ممّا يتشابه عليهم. والتبيين أعمّ من أن ينصّ بالمقصود، أو يرشد إلى ما يدلّ عليه، كالقياس المنصوص العلّة ودليل العقل.( وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) وإرادة أن يتأمّلوا فيه فيتنبّهوا للحقائق. وفي هذا دلالة على أنّ الله تعالى أراد من جميعهم التفكّر والنظر المؤدّي إلى المعرفة، بخلاف ما يقوله أهل الجبر.

( أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ ) أي: المكرات السيّئات. وهم الّذين احتالوا لهلاك الأنبياء، أو الّذين مكروا رسول الله، ودبّروا التدابير في إطفاء نور الإسلام وإيذاء المؤمنين، وراموا صدّ أصحابه عن الإيمان.( أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ) كما خسف بقارون( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط. قال ابن عبّاس: يعني يوم بدر، وذلك أنّهم أهلكوا يوم بدر، وما كانوا يقدّرون ذلك ولا يتوقّعونه.

( أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ) أي: منقلبين في مسايرهم ومتاجرهم وأسباب دنياهم. وهو خلاف قوله:( مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) .( فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) .

( أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ ) على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم، فيتخوّفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوّفون ومتوقّعون. أو على أن ينقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتّى يهلكوا. من: تخوّفته إذا تنقّصته. روي أنّ عمر قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا. فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا، التخوّف :


التنقّص. فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته :

تخوّف الرحل منها تامكا قردا

كما تخوّف عود النبعة(١) السّفن

فقال: عليكم بديوانكم لا تضلّوا. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهليّة، فإنّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم.

( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) )

( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) حيث لا يعاجلكم بالعقوبة مع استحقاقكم.

ثمّ بيّن دلائل قدرته، فقال:( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ ) أو لم ينظر هؤلاء الكفّار الّذين جحدوا وحدانيّته وكذّبوا نبيّه. والهمزة للإنكار، أي: قد رأو أمثال هذه الصنائع، فما بالهم لم يتفكّروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه؟! و «ما» موصولة مبهمة بيانها.

( مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ) أي: أولم ينظروا إلى المخلوقات الّتي لها ظلال

__________________

(١) في هامش النسخة الخطّية: «النبعة: الشجرة الّتي تتّخذ منها أخشاب القوس. منه».

والتامك: سنام البعير المرتفع. والقرد: الذي أكله القراد من كثرة أسفارها. والسفن: المبرد الحديد الذي ينحت به الخشب. والمعنى: تنقّص رحلها سنامها المرتفع الذي تنقب من كثرة السفر، كما تنقّص المبرد عود النبعة.


متفيّئة؟! وقرأ حمزة والكسائي: تروا بالتاء، وأبو عمرو: تتفيّؤا بالتاء.( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ ) عن أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كلّ واحد منها وشقّيه، استعارة من يمين الإنسان وشماله. ولعلّ توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى، فإنّ «من شيء» في معنى: ما خلق الله من كلّ شيء، فيكون جمعا معنى، كتوحيد الضمير في «ظلاله» وجمعه في قوله:( سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ) وهما حالان من الضمير في «ظلاله».

والمراد من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو الاختيار. يقال: سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب.

ويحتمل أن يكون «سجّدا» حالا من الظلال، و «هم داخرون» حالا من الضمير في «ضلاله»، لأنّه بمعنى الجمع كما عرفت آنفا. والمعنى: يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها، أو باختلاف مشارقها ومغاربها، بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب، منقادة لـما قدّر لها من التفيّؤ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، والأجرام في أنفسها أيضا داخرة، أي: صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. وجمع «داخرون» بالواو لأنّ من جملتها من يعقل فغلّب، أو لأنّ الدخور من أوصاف العقلاء.

وقيل: المراد باليمين والشمائل يمين الفلك، وهو جانبه الشرقي، لأنّ الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع، وشماله وهو الجانب الغربي المقابل له، فإنّ الظلال في أوّل النهار تبتدئ من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض، وعند الزوال تبتدئ من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض، جلّت قدرته وعظمته.

وعن الكلبي: معنى تفيّؤ الظلال يمينا وشمالا: أنّ الشمس إذا طلعت وأنت متوجّه إلى القبلة كان الظلّ قدّامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، فإذا كان بعد ذلك


كان خلفك، وإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك، فهذا تفيّؤه عن اليمين والشمال.

وقد نبّه الله تعالى بهذه الآية على أنّ جميع الأشياء تخضع له، بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى خالقها ومدبّرها، بما لولاه لبطلت ولم يكن لها قوام طرفة عين، فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع الذليل، ولهذا قال:( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي: ينقاد انقيادا يعمّ الانقياد لإرادته وتأثيره طبعا، والانقياد لتكليفه وأمره طوعا، ليصحّ إسناده إلى عامّة أهل السماوات والأرض.

وقوله:( مِنْ دابَّةٍ ) بيان لـما في السماوات والأرض جميعا، لأنّ الدبيب هو الحركة الجسمانيّة، سواء كان في أرض أو سماء.( وَالْمَلائِكَةُ ) عطف على المبيّن به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم، أو عطف المجرّدات على الجسمانيّات.

وبه احتجّ من قال: إنّ الملائكة أرواح مجرّدة.

أو بيان(١) لـ «ما في الأرض». ويراد بما في السماوات الملائكة الساكنة فيها.

وحينئذ «والملائكة» تكرير لـما في السماوات، وتعيين له إجلالا وتعظيما، فإنّهم أعبد الخلائق. أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم. «وما» لـمّا استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم، كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق «من» تغليبا للعقلاء.( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) عن عبادته.

( يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) يخافونه أن يرسل عذابا من فوقهم. وتخصيص هذه الجهة أنّ أكثر العقاب المهلك إنّما يأتي من فوق. أو يخافونه وهو فوقهم، أي: قاهرا غالبا عاليا عليهم، كقوله تعالى:( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) (٢) ( وَإِنَّا فَوْقَهُمْ

__________________

(١) عطف على قوله: بيان لـما في السماوات والأرض، قبل أربعة أسطر.

(٢) الأنعام: ١٨.


قاهِرُونَ ) (١) . وعلى الأوّل يتعلّق بـ «يخافون». وعلى الثاني حال من «ربّهم».

والجملة الفعليّة حال من الضمير في «لا يستكبرون»، أو بيان لنفي الاستكبار وتقرير له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته.

( وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ) من الطاعة والتدبير. وقد صحّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إنّ لله تعالى ملائكة في السماء السابعة سجودا مذ خلقهم الله إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من خشية الله، لا يقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكا، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حقّ عبادتك».

وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلّفون مدارون على الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والخوف والرجاء، كسائر المكلّفين.

( وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) )

ولـمّا بيّن سبحانه دلائل قدرته وألوهيّته، عقّبه بالتنبيه على وحدانيّته، فقال:( وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ) ذكر العدد مع المعدود لم يجر في الاثنين

__________________

(١) الأعراف: ١٢٧.


والواحد، وإنّما يجري فيما عداهما، كقولك: رجال ثلاثة وأفراس أربعة، لأنّ المعدود فيما عداهما عار عن الدلالة على العدد الخاصّ، بخلاف رجل ورجلان، فإنّهما يدلّان على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، لكن ذكر ها هنا ليدلّ دلالة صريحة على أنّ المقصود نهي الاثنينيّة لا ذات المعدود.

أو إيماء بأنّ الاثنينيّة تنافي الألوهيّة، كما ذكر الواحد في قوله:( إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ) للدلالة على أنّ المقصود إثبات الوحدانيّة دون الإلهيّة. ألا ترى أنّك لو قلت: إنّما هو إله، ولم تؤكّده بواحد، خيّل أنّك تثبت الإلهيّة لا الوحدانيّة الّتي قصدتها، فكذا إذا قلت: لا تتّخذوا إلهين بدون ذكر العدد، لخيّل أنّك قصدت المعدود لا العدد، ولـمّا شفّعتهما بذكر الاثنين دلّ دلالة صريحة على أنّ مقصودك نفي الاثنينيّة لا الجنسيّة، أو للتنبيه على أنّ الوحدة من لوازم الإلهيّة.

( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) نقل من الغيبة إلى التكلّم مبالغة في الترهيب، وتصريحا بالمقصود، فكأنّه قال: فأنا ذلك الإله الواحد، فإيّاي فارهبون لا غير.

عن بعض الحكماء: أنّه قال: نهاك ربّك أن تتّخذ إلهين فاتّخذت آلهة، عبدت نفسك وهواك ودنياك وطبعك ومرادك، وعبدت الخلق، فأنّى تكون موحّدا؟!( وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خلقا وملكا( وَلَهُ الدِّينُ ) أي: الطاعة( واصِباً ) ثابتا لازما، لـما تقرّر من أنّه الإله وحده، وأنّه الحقيق بأن يرهب منه.

وقيل: واصبا من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة. وقيل: الدين الجزاء، أي: وله الجزاء دائما، لا ينقطع ثوابه لمن آمن، وعقابه لمن كفر. وعلى التقادير، هو حال عمل فيه الظرف.

( أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ ) ولا ضارّ حقيقة سواه، كما لا نافع غيره، كما قال:( وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ) وأيّ شيء اتّصل بكم من نعمة فهو من الله. و «ما» شرطيّة، أو موصولة متضمّنة معنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول، فإنّ استقرار النعمة


لهم يكون سببا للإخبار بأنّها من الله لا لحصولها منه.

( ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ) من المرض وسائر الشدائد( فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ) فما تتضرّعون إلّا إليه. والجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة.

( ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) وهم كفّاركم.

( لِيَكْفُرُوا ) بعبادة غيره. هذا إذا كان الخطاب في قوله: «وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ إلخ» عامّا. فإن كان خاصّا بالمشركين كان «من» للبيان، كأنّه قال: وإذا فريق منهم وهم أنتم. ويحتمل أن يكون للتبعيض، على أن يعتبر بعضهم الّذي كان أشدّ عنادا منهم، كقوله:( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) (١) .

( بِما آتَيْناهُمْ ) من نعمة الكشف عنهم، كأنّهم قصدوا بكفرهم كفران النعمة أو إنكار كونها من الله. واللام للعلّة، أي: جعلوا غرضهم من الشرك كفران النعمة.

ويجوز أن يكون للأمر تخلية وخذلانا، كقوله:( فَتَمَتَّعُوا ) فإنّه أمر تهديد( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ما يحلّ بكم في العاقبة من العقاب وأليم العذاب. حذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وهذا أغلظ وعيد.

( وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما

__________________

(١) لقمان: ٣٢.


يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) )

ثمّ ذكر سبحانه فعلا آخر من أفعال المشركين دالّا على جهلهم، فقال:( وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ) أي: لآلهتهم الّتي لا علم لها، لأنّها جماد، فيكون الضمير لـ «ما». أو الّتي لا يعلمونها، فيعتقدون فيها جهالات، مثل أنّها تنفعهم وتشفع لهم عند الله، وليس كذلك، فإنّ حقيقتها أنّها جماد لا يضرّ ولا ينفع، فهم إذا جاهلون بها، على أنّ العائد إلى «ما» محذوف. أو لجهلهم، على أنّ «ما» مصدريّة، والمجعول له محذوف للعلم به.( نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) من زروعهم وأنعامهم، وهي لا تشعر بذلك.

ثمّ أوعدهم الله بذلك، فقال تأكيدا للوعيد:( تَاللهِ لَتُسْئَلُنَ ) في الآخرة( عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) تكذبون في الدنيا من أنّها آلهة حقيقة بالتقرّب إليها.

ثمّ ذكر سبحانه نوعا آخر من جهالاتهم فقال:( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ ) الضمير لخزاعة وكنانة، فإنّهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله( سُبْحانَهُ ) تنزيه له من قولهم أو تعجّب منه( وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) يعني: البنين. ويجوز في «ما يشتهون» الرفع بالابتداء، أو النصب بالعطف على البنات، على أنّ الجعل بمعنى الاختيار. وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد، لكنّه لا يبعد تجويزه في المعطوف.

( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ) أخبر بولادتها( ظَلَّ وَجْهُهُ ) صار، أو دام النهار كلّه( مُسْوَدًّا ) من الكآبة والحزن والحياء من الناس. واسوداد الوجه كناية عن شدّة الاغتمام.( وَهُوَ كَظِيمٌ ) مملوء غيظا على المرأة.

( يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ ) يستخفي منهم( مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ) من سوء


المبشّر به عرفا، ومن أجل تعييرهم( أَيُمْسِكُهُ ) محدّثا نفسه، متفكّرا في أن يتركه( عَلى هُونٍ ) هوان وذلّ( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ) أم يخفيه فيه ويئده.

وتذكير الضمير للفظ «ما».( أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محلّه عندهم، ويجعلون لأنفسهم من هو على العكس، وهذا غاية الجهل.

( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) صفة السوء، وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهارا بهم، وكراهة الإناث ووأدهنّ خشية الإملاق، وإقرارهم على أنفسهم بالشحّ البالغ، أو صفة النقص من الجهل والعجز.

( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) الصفة العليا، وهي الوجوب الذاتي، والغنى المطلق، والجود الفائق، والنزاهة عن صفات المخلوقين( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المنفرد بكمال القدرة والحكمة.

( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) )

( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ) بكفرهم ومعاصيهم، ويعاجلهم بالعقوبة


( ما تَرَكَ عَلَيْها ) على الأرض. وإنّما أضمرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابّة عليها( مِنْ دَابَّةٍ ) أي: ممّن يستحقّ العقوبة من الظالمين. ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس: أنّ معناه من مشرك يدبّ عليها. أو من دابّة ظالمة. أو لأهلك الدوابّ كلّها بشؤم ظلم الظالمين. وعن ابن مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء.

وقيل: معنى الآية: لو يؤاخذهم بذنوبهم لحبس المطر عنهم حتى يهلك كلّ دابّة. وعلى هذا العذاب للظالم عقوبة، ولغير الظالم عبرة ومحنة، فيكون كالأمراض النازلة بالأولياء وغير المكلّفين، فيعوّضون عنها.

وقيل: إنّه إذا هلك الظلمة ولم يبق مكلّف لا يبقى غيرهم من الحيوانات، لأنّها إنّما خلقت للمكلّفين، فلا فائدة في بقائها بعدهم.

( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) سمّاه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) بل هلكوا أو عذّبوا حينئذ لا محالة. ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلّهم ظالمين حتّى الأنبياءعليهم‌السلام ، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم.

( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ) أي: ما يكرهونه لأنفسهم، من البنات، والشركاء في الرئاسة، والاستخفاف برسلهم، والتهاون برسالتهم، وجعلهم له أرذل الأموال، ولأصنامهم أكرمها.

( وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) مع ذلك، وهو( أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى ) أي: عند الله، كقوله:( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) (١) . هذا بدل من «الكذب»، إذ هو قولهم: لنا البنون ولله البنات.

( لا ) أي: ليس الأمر على ما وصفوه( جَرَمَ ) ثبت وحقّا( أَنَّ لَهُمُ النَّارَ )

__________________

(١) فصّلت: ٥٠.


ردّ لكلامهم، وإثبات لضدّه( وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ) مقدّمون إلى النار، من: أفرطته في طلب الماء إذا قدّمته. وقرأ نافع بكسر الراء، على أنّه من الإفراط في المعاصي.

( تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) فأصرّوا على قبائحها، وكفروا بالمرسلين( فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) أي: قرينهم وناصرهم في الدنيا.

عبّر باليوم عن زمانها. أو فهو وليّهم حين كان يزيّن لهم. أو يوم القيامة، على أنّه حكاية حال ماضية، كأن يزيّن لهم الشيطان أعمالهم فيها، أو حال آتية، وهي حال كونهم معذّبين في النار، أي: فهو ناصرهم اليوم ولا ناصر لهم غيره، فيكون نفيا للناصر لهم على أبلغ الوجوه. ويجوز أن يكون الضمير لقريش، أي: زيّن الشيطان للكفرة المتقدّمين أعمالهم، فهو وليّ هؤلاء اليوم، فيغرّهم ويغويهم، وأن يقدّر مضاف، أي: فهو وليّ أمثالهم.( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في القيامة.

( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) )

ثمّ بيّن سبحانه أنّه قد أقام الحجّة وأزاح العلّة وأوضح الحقّ، فقال:( وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ) للناس( الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ) من التوحيد، وأحوال المعاد، وأحكام الحلال والحرام( وَهُدىً ) ودلالة على الحقّ( وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) . وهما معطوفان على محلّ «لتبيّن»، إلّا أنّهما انتصبا على أنّهما مفعول لهما، لأنّهما فعلا الّذي أنزل الكتاب. ودخل اللام على «لتبيّن» لأنّه فعل المخاطب.

وإنّما ينتصب مفعولا له ما كان فعل فاعل الفعل المعلّل.


( وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) غيثا( فَأَحْيا بِهِ ) بذلك الماء( الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) سماع تدبّر وإنصاف، لأنّ من لم يسمع بقلبه فكأنّه أصمّ لا يسمع أصلا.

( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) )

ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم من دلائل التوحيد وعجائب الصنعة وبدائع الحكمة، فقال:( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ ) الإبل والبقر والغنم( لَعِبْرَةً ) دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ) استئناف لبيان العبرة. وإنّما ذكّر الضمير ووحّده ها هنا للفظ، وأنّثه في سورة المؤمنين(١) للمعنى، فإنّ الأنعام اسم جمع، ولذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال، كأخلاق وأكباش(٢) . ومن قال: إنّه جمع «نعم» جعل الضمير للبعض، فإنّ اللبن لبعضها دون جميعها، أو لواحدة، أو له على المعنى، فإنّ المراد به الجنس.

وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: نسقيكم بالفتح، هاهنا وفي المؤمنين.

__________________

(١) المؤمنون: ٢١.

(٢) في هامش النسخة الخطّية: «ضرب من النبات غزل مرّتين. وقيل: ضرب من برود اليمن. منه».


( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً ) فإنّه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولّد من الأجزاء اللطيفة الّتي في الفرث، وهي الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش.

وعن ابن عبّاس: «أنّ البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها، كان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما» الحديث. فالكبد مسلّطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسّمها، فتجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش. فسبحان الله ما أعظم قدرته، وألطف حكمته، لمن تفكّر وتأمّل.

قال صاحب الأنوار بعد ذكر هذا الحديث: «إن صحّ هذا النقل فلعلّ المراد أنّ أوسطه يكون مادّة اللبن، وأعلاه مادّة الدم الّذي يغذّي البدن، لأنّهما لا يتكوّنان في الكرش، بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش، ويبقى ثفله وهو الفرث، ثمّ يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا، فيحدث أخلاطا أربعة معها مائيّة، فتميّز القوّة المميّزة تلك المائيّة بما زاد على قدر الحاجة من المرّتين، وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال، ثمّ يوزّع الباقي على الأعضاء بحسبها، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به، بتقدير العليم الحكيم.

ثمّ إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها، لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها، فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين، فإذا انفصل انصبّ ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع، فيبيض بمجاورة لحومها الغدديّة البيض، فيصير لبنا. ومن تدبّر صنع الله في إحداث الأخلاط والألبان، وإعداد مقارّها ومجاريها، والأسباب المولّدة لها، والقوى المتصرّفة فيها كلّ وقت على ما يليق به، اضطرّ إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته»(١) .

واعلم أنّ «من» الأولى تبعيضيّة، لأنّ اللبن بعض ما في بطونها، كقولك :

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ١٨٥.


أخذت من مال زيد ثوبا. والثانية ابتدائيّة، كقولك: سقيت من الحوض، لأنّ بين الفرث والدم المحلّ الّذي يبتدأ منه الإسقاء. وهي متعلّقة بـ «نسقيكم». أو حال من «لبنا»، قدّم عليه لتنكيره، وللتنبيه على أنّه موضع العبرة.

سئل شقيق عن الإخلاص، فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم.

( خالِصاً ) صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث. أو مصفّى عمّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه.( سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) سهل المرور في حلقهم.

بيّن سبحانه في هذه الآية لمن ينكر البعث أنّ من قدر على إخراج لبن أبيض سائغ من بين الفرث والدم من غير أن يختلط بهما، قادر على إخراج الموتى من الأرض من غير أن يختلط شيء من أبدانهم بأبدان غيرهم.

ثمّ قال تعدادا لنعمة اخرى:( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ) متعلّق بمحذوف، أي: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما. وحذف لدلالة «نسقيكم» قبله عليه.

وقوله:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ) استئناف لبيان الإسقاء، أو يتعلّق بـ «تتّخذون».

و «منه» تكرير للظرف تأكيدا، كقولك: زيد في الدار فيها، أو خبر لمحذوف صفته( تَتَّخِذُونَ ) أي: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتّخذون منه. وتذكير الضمير على الوجهين الأوّلين، لأنّه للمضاف المحذوف الّذي هو العصير، أو لأنّ الثمرات بمعنى الثمر. والسكر مصدر: سكر يسكر سكرا وسكرا، سمّي به الخمر.( وَرِزْقاً حَسَناً ) كالتمر والزبيب والدبس والخلّ. والآية جامعة بين العتاب والمنّة.

روى الحاكم في صحيحة بالإسناد عن ابن عبّاس أنّه سئل عن هذه الآية فقال: «السكر ما حرّم من ثمرها، والرزق الحسن ما أحلّ من ثمرها». وهذا القول


أيضا مرويّ عن ابن مسعود وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم.

وقال قتادة: نزلت الآية قبل تحريم الخمر، ونزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة(١) .

وقال أبو مسلم: لا حاجة إلى ذلك، سواء كان حراما أو حلالا، لأنّه تعالى خاطب المشركين وعدّد إنعامه عليهم بهذه الثمرات، والخمر من أشربتهم، فكانت نعمة عليهم.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم بالنظر والتأمّل في الآيات. بيّن سبحانه بذلك أنّكم تستخرجون من الثمرات عصيرا يخرج من قشر قد اختلط به، فكذلك يستخلص الله سبحانه ما تبدّد من الميّت ممّا هو مختلط به من التراب.

( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) )

ثمّ ذكر نعمة اخرى من نعمة الّتي تتضمّن كمال قدرته، فقال:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) ألهمها وقذف في قلوبها، وعلّمها على وجه لا سبيل إلى الوقوف عليه.

وأصل الوحي عند العرب أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار والإخفاء.

__________________

(١) المائدة: ٩٠ ـ ٩١.


( أَنِ اتَّخِذِي ) بأن اتّخذي. ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة، لأنّ في الإيحاء معنى القول. وتأنيث الضمير على المعنى، فإنّ النحل مذكّر.

( مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) تتعسّل فيها( وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) أي: من الكرم، لأنّه الّذي يعرش ويتّخذ منه العريش. أو ما يرفعون من سقوف البيوت، فإنّ العرش سقف البيت. والمعنى: ما يبني الناس للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن الّتي تتعسّل فيها، ولولا إلهام الله إيّاها ما كانت تأوي إلى ما بني لها من بيوتها.

وإنّما أتى بلفظ الأمر وإن كانت النحل لا تعقل الأمر ولا تكون مأمورة، لأنّه لـمّا أتى بلفظ الوحي أجرى عليه لفظ الأمر اتّساعا. وذكر بحرف التبعيض، لأنّها لا تبني في كلّ جبل وكلّ شجر وكلّ ما يعرش من كرم أو سقف، ولا في كلّ مكان منها.

وإنّما سمّي ما تبنيه لتتعسّل فيه بيتا تشبيها ببناء الإنسان، لـما فيه من حسن الصنعة وصحّة القسمة، الّتي لا يقوى عليها حذّاق المهندسين إلّا بآلات وأنظار دقيقة.

وقرأ ابن عامر وأبو بكر: يعرشون بضمّ الراء.

( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) من كلّ ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها( فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ) أي: الطرق الّتي ألهمك وأفهمك في عمل العسل. أو إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي راجعة إلى بيوتك الّتي هي سبل ربّك، لا تضلّين فيها. أو فاسلكي ما أكلت في مسالك ربّك، الّتي يحيل فيها بقدرته النّور(١) المرّ عسلا من أجوافك.

( ذُلُلاً ) جمع ذلول. وهي حال من السبل، أي: مذلّلة ذلّلها الله وسهّلها لك ،

__________________

(١) النّور: الزهر.


أو من الضمير في «اسلكي» أي: وأنت ذلل منقادة لـما أمرت به.

( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ) كأنّه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس، لأنّه محلّ الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم( شَرابٌ ) يعني: العسل، لأنّه ممّا يشرب. واحتجّ به من زعم أنّ النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة، فتستحيل في بطنها عسلا، ثمّ تقيء ادّخارا للشتاء. وفسّر البطون بالأفواه من زعم انّها تلتقط بأفواهها أجزاء طليّة(١) حلوة صغيرة متفرّقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادّخارا، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل.

( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) أبيض وأصفر وأحمر وأسود، بسبب اختلاف سنّ النحل والفصل( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) إمّا بنفسه كما في الأمراض البلغميّة، أو مع غيره كما في سائر الأمراض، إذ قلّما يكون معجون إلّا والعسل جزء منه. وليس الغرض أنّه بنفسه شفاء لكلّ مرض، كما أنّ كلّ دواء كذلك. والدليل عليه أنّ التنكير مشعر بالتبعيض. ويجوز أن يكون للتعظيم، فإنّه سبب لدفع معظم الأمراض.

وعن ابن بابويه في كتاب الاعتقادات: «اعتقادنا في العسل أنّه شفاء للأمراض البلغميّة».

وعن قتادة: أنّ رجلا جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: «إنّ أخي يشتكي بطنه.

فقال: اسقه العسل. فذهب ثمّ رجع فقال: قد سقيته فما نفع. فقال: اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك. فسقاه فبرىء، فكأنّما أنشط من عقال».

وعن عبد الله بن مسعود أنّه قال: عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل.

وقيل: الضمير للقرآن، أو لـما بيّن الله من أحوال النحل.

( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فإنّ من تدبّر اختصاص النحل بتلك العلوم

__________________

(١) أي: ناعمة غضّة.


الدقيقة والأفعال العجيبة حقّ التدبّر، علم قطعا أنّه لا بدّ له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.

قال صاحب المجمع: «ومن جملة عجائبه خروج العسل من فيه. ومنها: جعل الشفاء في موضع السمّ، فإنّ النحل يلسع. ومنها: ما ركّب الله من البدائع والعجائب فيه وفي طباعه. ومن أعجبها أن جعل الله سبحانه لكلّ فئة يعسوبا هو أميرها، يقدّمها ويحامي عنها، ويدبّر أمرها ويسوسها، وهي تتبعه وتقتفي أثره، ومتى فقدته انحلّ نظامها، وزال قوامها، وتفرّقت شذر مذر. وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنينعليه‌السلام في قوله: «أنا يعسوب المؤمنين»(١) .

( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) )

ثمّ بيّن سبحانه نعمته علينا في خلقنا وإخراجنا من العدم إلى الوجود، فقال :

( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) بآجال مختلفة( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ ) يعاد( إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) أخسّه وأوضعه، يعني: الهرم الّذي يشابه الطفوليّة في نقصان القوّة والعقل.

وقيل: هو خمس وتسعون سنة. وقيل: خمس وسبعون. وهذا مرويّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنينعليه‌السلام .

( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفوليّة في النسيان وسوء الفهم.

( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) بمقادير أعماركم( قَدِيرٌ ) يميت الشابّ النشيط، ويبقى الهرم الفاني. وفيه تنبيه على أنّ تفاوت آجال الناس ليس إلّا بتقدير قادر حكيم، ركّب أبنيتهم، وعدّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ.

__________________

(١) مجمع البيان ٦: ٣٧٢.


( وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٧١) )

ثمّ عدّد سبحانه نعمة منه اخرى، فقال:( وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) أي: جعلكم متفاوتين في الرزق، فمنكم غنيّ ومنكم فقير، ومنكم موال يتولّون رزقهم ورزق غيرهم، ومنهم مماليك حالهم على خلاف ذلك، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردّوا فضل ما رزقتموه عليهم حتّى تتساووا في الملبس والمطعم، كما يحكى عن أبي ذرّ رضى الله عنه عنه أنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «إنّما هم إخوانكم، فاكسوهم ممّا تلبسون، وأطعموهم ممّا تطعمون، فما رؤي عبده بعد ذلك إلّا ورداؤه رداؤه، وإزاره إزاره من غير تفاوت».

( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ ) بمعطي رزقهم( عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) على مماليكهم، فإنّ ما يردّون عليهم رزقهم الّذي جعله الله في أيديهم( فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ ) فالموالي والمماليك سواء في أنّ الله رزقهم، فلا يحسبنّ الموالي أنّهم يردّون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق، فإنّما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم. وهذه الجملة لازمة للجملة المنفيّة أو مقرّرة لها.

قيل: هذا مثل ضربه الله للّذين جعلوا له شركاء، فقال لهم: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!( أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ ) أفبهذه النعم الّتي عدّدتها واقتصصتها يجحد هؤلاء الكفّار، حيث يتّخذون له شركاء؟! فإنّه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنّه من عند الله. أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها. والباء لتضمّن الجحود معنى الكفر. وقرأ أبو بكر: تجحدون بالتاء، لقوله: «خلقكم» و «فضّل بعضكم».


( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤) )

ثمّ عدّد سبحانه نعمة اخرى، فقال:( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) أي: من جنسكم لتأنسوا بها، ولتكون أولادكم مثلكم. وقيل: هو خلق حوّاء من ضلع آدم.

( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ ) تسرّون بهم وتزيّنون بهم( وَحَفَدَةً ) وأولاد أولاد أو بنات، فإنّ الحافد هو الّذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة وفي الخدمة، والبنات يخدمن في البيوت أتمّ خدمة. وقيل: هم الأختان(١) على البنات. وهو مرويّ عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وعن ابن مسعود. وقيل: الربائب. ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم. والعطف لتغاير الوصفين، كقوله:( سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ) (٢) . فكأنّه قيل: وجعل لكم منهنّ أولادا هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين.

( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) من اللذائذ الّتي قد أباحها لكم. و «من» للتبعيض ،

__________________

(١) الأختان جمع الختن، وهو الصهر، أي: زوج الابنة.

(٢) النحل: ٦٧.


لأنّ كلّ الطيّبات في الجنّة، وما طيّبات الدّنيا إلّا أنموذج منها.

( أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ ) وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها، وأنّ من الطيّبات ما يحرم عليهم، كالبحائر والسوائب( وَبِنِعْمَتِ اللهِ ) المشاهدة المعاينة الّتي لا شبهة فيها لذي عقل وتمييز أنّها من الله( هُمْ يَكْفُرُونَ ) وينكرون لها كما ينكر المحال الّذي لا يتصوّره العقل.

وقيل: الباطل ما يسوّل لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب وغيرهما، ونعمة الله ما أحلّ لهم في السماوات والأرض، فأضافوا نعمه إلى الأصنام، أو حرّموا ما أحلّ الله لهم.

وتقديم الصلة على الفعل إمّا للاهتمام، أو لإيهام التخصيص مبالغة، أو للمحافظة على الفواصل.

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً ) من مطر ونبات. و «رزقا» إن جعلته مصدرا فـ «شيئا» منصوب به. وإن أردت المرزوق كان «شيئا» بدلا منه، بمعنى: قليلا منه. و( مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) صلة للرزق إن كان مصدرا، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا، ولا من الأرض نباتا. أو صفة إن كان اسما لـما يرزق.

( وَلا يَسْتَطِيعُونَ ) ليس فيه تقدير راجع، وإنّما المعنى: لا يملكون أن يرزقوا، والاستطاعة منفيّة عنهم أصلا، لأنّهم موات. أو يقدّر الراجع، ويراد بالجمع بين نفي الملك والاستطاعة التوكيد. أو يراد: أنّهم لا يملكون الرزق، ولا يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتّى ذلك منهم. وعلى التقادير، لا يكون معنى قوله: «لا يملك» و «ولا يستطيعون» شيئا واحدا ليلزم التكرار. وجمع الضمير في «لا يستطيعون» وتوحيده في «لا يملك»، لأنّ «ما» مفرد في معنى الآلهة.

ويجوز أن يعود إلى الكفّار، أي: ولا يستطيع هؤلاء ـ مع أنّهم أحياء متصرّفون ـ


شيئا من ذلك، فكيف بالجماد؟!( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ) فلا تجعلوا له مثلا تشركونه به أو تقيسونه عليه، فإنّ ضرب المثل تشبيه حال بحال( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ) فساد ما تعوّلون عليه من القياس، على أنّ عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ذلك، ولو علمتموه لـما جرّأتم عليه. أو أنّ الله يعلم كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في العظم، لأنّ العقاب على مقدار الإثم، وأنتم لا تعلمون كنهه وكنه عقابه، فذاك هو الّذي جرّكم إليه وجرّأكم عليه، فهو تعليل للنهي. أو أنّه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون نصّه.

ويجوز أن يراد: فلا تضربوا لله الأمثال، فإنّه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) )

ثمّ علّمهم كيف يضرب مثلا لنفسه ولمن عبد دونه، فقال:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ) بيّن الله تبيينا فيه بيان المقصود، تقريبا للخطاب إلى أفهامهم. ثمّ أبدل من المثل قوله:( عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ ) من أمره( عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ ) وحرّا رزقناه وملّكناه مالا ونعمة( مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً ) لا يخاف من أحد( هَلْ يَسْتَوُونَ ) لم يقل: يستويان، لأنّه أراد بقوله:( وَمَنْ رَزَقْناهُ ) وقوله:( عَبْداً مَمْلُوكاً ) الشيوع في الجنس لا التخصيص، فإنّ المعنى: هل يستوي


الأحرار والعبيد؟! وتقييد العبد بالمملوك للتمييز بينه وبين الحرّ، فإنّه أيضا عبد الله. وسلب القدرة عنه للتمييز عن المكاتب والمأذون. وجعله قسيما للمالك المتصرّف يدلّ على أنّ المملوك لا يملك. و «من» موصوفة، كأنّه قيل: وحرّا، ليطابق: عبدا. ولا يمتنع أن تكون موصولة.

مثّل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرّف رأسا، ومثّل نفسه بالحرّ المالك الّذي رزقه الله مالا كثيرا، فهو يتصرّف فيه وينفق منه كيف يشاء. واحتجّ بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما، مع تشاركهما في الجنسيّة والمخلوقيّة، على امتناع التسوية بين الأصنام الّتي هي أعجز المخلوقات، وبين الله الغنيّ القادر على الإطلاق.

وتوضيح المعنى: أنّ الاثنين المتساويين في الخلق، إذا كان أحدهما مالكا قادرا على الإنفاق، والآخر مملوكا لا يمكن أن يكون مالكا لشيء مّا، لا يستويان، فكيف يستوي بين الحجارة الّتي لا تعقل بل لا تتحرّك، وبين الله القادر على كلّ شيء، الخالق الرازق لجميع خلقه؟! وقيل: إنّ هذا المثل للكافر والمؤمن، فإنّ الكافر لا خير عنده، والمؤمن يكسب الخير. نبّه سبحانه بذلك على اختلاف حالهما، فدعا إلى حال المؤمن، وصرف عن حال الكافر.

ولـمّا ذكر هذا المثال، وكان مثلا مطابقا للغرض، كاشفا عن المقصود، قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) الّذي دلّنا على توحيده ومعرفته، وهدانا إلى شكر نعمته، وأوضح لنا السبيل إلى جنّته. أو كلّ الحمد له، لا يستحقّه غيره، فضلا عن العبادة، لأنّه مولى النعم كلّها.( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) فيضيفون نعمه إلى غيره، ويعبدونه لأجلها.


( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) )

ثمّ ضرب سبحانه مثلا آخر، فقال:( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ) ولد أخرس لا يفهم ولا يفهم( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ) من الصنائع والتدابير، لنقصان عقله( وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ ) ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله( أَيْنَما يُوَجِّهْهُ ) حيثما يرسله مولاه في طلب حاجة ومهمّ( لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) بنجح وكفاية مهمّ.

( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ) هذا الأبكم الموصوف بهذه الصفة( وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد، ينفع الناس بحثّهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل( وَهُوَ ) في نفسه( عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) على سيرة صالحة ودين قويم، لا يتوجّه إلى مطلب إلّا ويبلغه بأقرب سعي. وإنّما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين، لأنّهما كمال ما يقابلهما.

وهذا تمثيل ثان ضربه الله لذاته المفيض رحمته وألطافه ونعمه الدينيّة والدنيويّة، وللأصنام الّتي هي أموات لا تضرّ ولا تنفع، لإبطال المشاركة بينه وبينها، أو للمؤمن والكافر.

( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ


أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) )

ثمّ وصف سبحانه نفسه مؤكّدا لـما قدّم ذكره من أوصاف الكمال، فقال:( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: يختصّ به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم. وقيل: يوم القيامة، فإنّ علمه غائب عن أهل السماوات والأرض، ولم يطّلع عليه أحد منهم.

( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ) وما أمر قيام القيامة في سرعته وسهولته( إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ) إلّا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها( أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) أو أمرها أقرب منه، بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل في الآن الّذي تبتدئ فيه، فإنّه تعالى يحيي الخلائق دفعة، وما يوجد دفعة كان في آن. و «أو» للتخيير، أو بمعنى: بل.

وقيل: معناه: أنّ قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الّذي تقولون فيه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، مبالغة في استقرابه.

ووجه اتّصاله بما قبله: أنّ أمر القيامة من الأمور الغائبة، ومن أعظمها وأهمّها، لـما فيه من الثواب والعقاب، والإنصاف والانتصاف.

( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيقدر على أن يقيم الساعة، وأن يحيي الخلائق دفعة، كما قدر أن أحياهم متدرّجا.

ثمّ دلّ على قدرته، فقال:( وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ) وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنّه لغة، أو إتباع لـما قبلها. وحمزة بكسرها وكسر الميم. والهاء مزيدة، مثل: أراق وأهراق، والأصل: أمّات.( لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ) في موضع الحال، أي: غير عالمين شيئا من حقّ المنعم الّذي خلقكم في البطون، وسوّاكم وصوّركم ،


ثمّ أخرجكم من الضيق إلى السعة، مستصحبين جهل الجماديّة. ويجوز أن يكون «شيئا» مصدرا، أي: لا تعلمون علما.

( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ ) وركّب فيكم هذه الآلات والأدوات لإزالة الجهل الّذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به، من معرفة المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقّي إلى ما يسعدكم، فإنّكم أوّلا تحسّون بمشاعركم جزئيّات الأشياء فتدركونها، ثمّ تتنبّهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها، بتكرّر الإحساس حتّى تتحصّل لكم العلوم البديهيّة، وتتمكّنوا من تحصيل المعالم الكسبيّة بالنظر فيها.

( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) كي تعرفوا ما أنعم الله عليكم طورا بعد طور فتشكروه.

والأفئدة جمع الفؤاد، كالأغربة في غراب. وهي من جموع القلّة الّتي جرت مجرى جموع الكثرة.

( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) )

ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم من الدلائل بدلالة اخرى، فقال:( أَلَمْ يَرَوْا ) ينظروا ويتفكّروا( إِلَى الطَّيْرِ ) قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء، على أنّه خطاب للعامّة( مُسَخَّراتٍ ) مذلّلات للطيران صاعدة ومنحدرة، ذاهبة وجائية، بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية لذلك( فِي جَوِّ السَّماءِ ) في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلوّ( ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ ) فإنّ ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها.

( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في تسخير الطير للطيران، بأنّ خلقها خلقة يمكن معها الطيران، وخلق الجوّ بحيث يمكن الطيران فيه، وإمساكها في الهواء على خلاف


طبعها( لَآياتٍ ) على وحدانيّته وكمال قدرته( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لأنّهم هم المنتفعون بها.

( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) )

ثمّ عدّد سبحانه نعما أخر، فقال:( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، ممّا يتّخذ من الحجر والمدر. فعل بمعنى مفعول. وذلك بأن خلق سبحانه الخشب والمدر، والآلة الّتي يمكن بها تسقيف البيوت وبناؤها.

( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ) هي القباب والأبنية المتّخذة من الأدم والأنطاع. ويجوز أن يتناول المتّخذة من الوبر والصوف والشعر، فإنّها من حيث إنّها نابتة على جلودها يصدق عليها أنّها من جلودها.( تَسْتَخِفُّونَها ) تجدونها خفيفة، يخفّ عليكم حملها ونقضها ونقلها( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ) وقت ترحالكم من بلد إلى آخر( وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ ) وقت الحضر، أو النزول. واليوم بمعنى الوقت، يعني: يخفّ عليكم في أوقات السفر والحضر جميعا. وقرأ الحجازيّان والبصريّان: يوم ظعنكم


بالفتح. وهو لغة.

( وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها ) الصوف للضأن، والوبر للإبل، والشعر للمعز. وإضافتها إلى ضمير الأنعام لأنّها من جملتها.( أَثاثاً ) ما يلبس ويفرش( وَمَتاعاً ) ما يتّجر به( إِلى حِينٍ ) إلى وقت أن يبلى ويفنى، أو إلى حين مماتكم، أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم.

( وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ) من الشجر والجبل والأبنية وغيرها( ظِلالاً ) تتّقون بها من حرّ الشمس( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً ) مواضع تسكنون بها، من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها. جمع كنّ.

( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ ) قمصانا وثيابا من الصوف والكتّان والقطن وغيرها( تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) خصّه بالذكر اكتفاء بأحد الضدّين، أو لأنّ وقاية الحرّ كانت أهمّ عندهم، وقلّما يهمّهم البرد، لأنّهم أهل حرّ في بلادهم، محتاجون إلى ما يقي الحرّ أكثر( وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) يعني: الدروع والجواشن(١) . والسربال يعمّ كلّ ما يلبس من حديد وغيره.

( كَذلِكَ ) كإتمام هذه النعم الّتي تقدّمت( يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) يريد نعمة الدنيا، لقوله:( لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) أي: تنظرون في نعمه فتؤمنون به، وتنقادون لحكمه. وقال ابن عبّاس: معناه: لعلّكم يا أهل مكّة تعلمون أنّه لا يقدر على هذا غيره، فتوحّدوه وتصدّقوا رسوله.

( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أعرضوا عن الإيمان، ولم يقبلوه منك( فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) تبليغ ما أرسلت به، وقد بلّغت. فذكر سبب العذر ـ وهو البلاغ ـ ليدلّ على المسبّب، فهو من إقامة السبب مقام المسبّب. وهذا تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(١) الجوشن: الصدر والدرع، وجمعه: جواشن.


( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) )

ثمّ أخبر عن حال الكفرة، فقال:( يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ) أي: يعرف المشركون نعمته الّتي عدّدها عليهم وغيرها، حيث يعترفون بها وبأنّها من الله( ثُمَّ يُنْكِرُونَها ) بعبادتهم غير المنعم بها، وقولهم: هي من الله ولكنّها بشفاعة آلهتنا، أو بسبب قولهم: ورثناها من آبائنا، أو قولهم: لولا فلان ما أصبت كذا، أو بإعراضهم عن أداء حقوقها. وقيل: نعمة الله نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عرفوها بالمعجزات، ثمّ أنكروها عنادا.

( وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ ) وذكر الأكثر إمّا لأنّ بعضهم لم يعرف الحقّ، لنقصان العقل، أو التفريط في النظر، أو لم تقم عليه الحجّة، لأنّه لم يبلغ حدّ التكليف. وإمّا لأنّه يقام مقام الكلّ، كما في قوله:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وفي هذه الآية دلالة على فساد قول المجبّرة: أنّه ليس لله سبحانه على الكافر نعمة، وأنّ جميع ما فعله بهم إنّما هو خذلان ونقمة، لأنّه سبحانه نصّ في هذه الآية على خلاف قولهم.

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) وهو نبيّها، يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر والتكذيب. والمعنى: لا حجّة لهم ولا عذر. وكذا العدول من كلّ عصر يشهدون على الناس بأعمالهم. وقال الصادقعليه‌السلام : «لكلّ زمان وأمّة إمام، تبعث كلّ أمّة مع إمامها».

__________________

(١) النحل: ٧٥.


وفائدة بعث الشهداء مع علم الله سبحانه بذلك: أنّ ذلك أهول في النفس، وأشدّ في الفضيحة، إذا قامت الشهادة بحضرة الملأ، مع جلالة الشهود وعدالتهم عند الله تعالى، لأنّهم إذا علموا أنّ العدول عند الله يشهدون عليهم بين يدي الخلائق، فإنّ ذلك يكون زجرا لهم عن المعاصي.

( ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) في الاعتذار، إذ لا عذر لهم صحيح. وقيل: في الرجوع إلى الدنيا. و «ثمّ» لزيادة ما يحيق بهم من شدّة المنع عن الاعتذار، لـما فيه من الإقناط الكلّي على ما يمنون(١) به من شهادة الأنبياءعليهم‌السلام . والمعنى: لا حجّة لهم، فدلّ بترك الإذن على أنّ لا حجّة لهم ولا عذر.( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ولا هم يسترضون، من العتبى، وهي الرضا، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربّكم، لأنّ الآخرة ليست بدار عمل.

وانتصاب «يوم» بمحذوف تقديره: اذكر، أو خوّفهم، أو يحيق بهم ما يحيق. وكذا قوله:( وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ ) أي: عذاب جهنّم( فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) أي: العذاب( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) يمهلون.

( وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) )

ثمّ أبان سبحانه عن حال المشركين يوم القيامة، فقال:( وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ )

__________________

(١) أي: يبتلون ويختبرون، يقال: مناه الله بكذا، أي: ابتلاه.


أوثانهم الّتي دعوها شركاء، أو الشياطين الّذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه( قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ )

( كُنَّا نَدْعُوا ) في أنّهم شركاء لله( مِنْ دُونِكَ ) نعبدهم أو نطيعهم. وهو اعتراف بأنّهم كانوا مخطئين في ذلك، أو التماس لأن يشطّر عذابهم.

( فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ) إلقاء المعنى إلى النفس إظهاره لها حتى تدركه متميّزا عن غيره، أي: فقالت الأصنام وسائر ما كانوا يعبدون من دون الله، بإنطاق الله إيّاهم لهؤلاء( إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ ) يعني: أجابوهم بالتكذيب في أنّهم شركاء الله. أو أنّهم ما عبدوهم حقيقة، وإنّما عبدوا أهواءهم، كقوله:( كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ) (١) . أو في أنّهم حملوهم على الكفر وألزموهم إيّاه، كقوله:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (٢) .

( وَأَلْقَوْا ) وألقى الّذين ظلموا( إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) الاستسلام لأمره وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) وضاع عنهم وبطل( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) من أنّ لله شركاء، وأنّهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذّبوهم وتبرّؤا منهم.

( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ومنعوا الناس عن الإسلام، وحملوهم على الكفر( زِدْناهُمْ عَذاباً ) أي: عذّبناهم على صدّهم عن دين الله( فَوْقَ الْعَذابِ ) المستحقّ بكفرهم، أي: زيادة على عذاب الكفرة( بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ) بكونهم مفسدين الناس بصدّهم عن سبيل الله.

عن سعيد بن جبير: زيادة عذابهم حيّات أمثال البخت والفيلة، وعقارب

__________________

(١) مريم: ٨٢.

(٢) إبراهيم: ٢٢.


أمثال البغال الدلم(١) ، تلسع إحداهنّ اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا.

وعن ابن مسعود: زيادة عذابهم الأفاعي والعقارب في النار، لها أنياب كالنخل الطوال.

وعن ابن عبّاس: هي أنهار من صفر مذاب كالنار يعذّبون بها. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير، فيبادرون من شدّة برده إلى النار.

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) )

( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) يعني: نبيّهم الّذي أرسل إليهم، أو الحجّة الّذي هو إمام عصرهم( وَجِئْنا بِكَ ) يا محمّد( شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ ) على أمّتك. وإنّما أفرده بالذكر تشريفا له.

( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ) استئناف أو حال بإضمار «قد».( تِبْياناً ) بيانا بليغا( لِكُلِّ شَيْءٍ ) من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال، فإنّه ما من شيء إلّا وقد بيّن في القرآن، إمّا بالنصّ عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم، من بيان النبيّ والحجج القائمين مقامه، أو إجماع الأمّة، أو القياس المنصوص العلّة، فحكم الجميع مستفاد من القرآن.

( وَهُدىً ) ودلالة إلى الرشد( وَرَحْمَةً ) ونعمة للجميع، لـما فيه من الشرائع والأحكام، وإنّما حرمان المحروم من تفريطه( وَبُشْرى ) وبشارة بالثواب الدائم

__________________

(١) أي: السود، جمع الأدلم، وهو الطويل الأسود.


والنعيم المقيم( لِلْمُسْلِمِينَ ) خاصّة.

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) )

( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) بالتوسّط في الأمور اعتقادا، كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والتشريك، وعملا كالتعبّد بأداء الواجبات المتوسّط بين البطالة والترهّب، وخلقا كالجود المتوسّط بين البخل والتبذير.

( وَالْإِحْسانِ ) إحسان الطاعات. وهو إمّا بحسب الكمّيّة كالتطوّع بالنوافل، أو بحسب الكيفيّة، كما قالعليه‌السلام : «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».

وقيل: العدل أن تنصف وتنتصف، والإحسان أن تنصف ولا تنتصف.

وقيل: العدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، فلا يفعل إلّا ما هو عدل، ولا يقول إلّا ما هو حسن. وعن ابن عبّاس: العدل التوحيد، والإحسان أداء الفرائض.

( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه. وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة. وقيل: المراد بذي القربى قرابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذين أرادهم الله بقوله:( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى ) (١) .

وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام ، فإنّه قال: نحن هم.

( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ ) عن الإفراط في متابعة القوّة الشهويّة كالزنا، فإنّه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها( وَالْمُنْكَرِ ) ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوّة الغضبيّة( وَالْبَغْيِ ) والاستعلاء والاستيلاء على الناس، وطلب التطاول بالظلم والتجبّر عليهم، فإنّها الشيطنة الّتي هي مقتضى القوّة الوهميّة. ولا يوجد من الإنسان

__________________

(١) الأنفال: ٤١.


شرّ إلّا وهو مندرج في هذه الأقسام، صادر بتوسّط إحدى هذه القوى الثلاث.

ولذلك قال ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن للخير والشرّ، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنّه تبيان لكلّ شيء وهدى ورحمة للعالمين.

ولعلّ إيرادها عقيب قوله:( وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ ) للتنبيه عليه.

( يَعِظُكُمْ ) بالأمر والنهي، والتمييز بين الخير والشرّ، وسائر ما تضمّنت هذه الآية من مكارم الأخلاق( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) تتّعظون.

قال في الكشّاف: «حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه أقيمت هذه الآية مقامها، ولعمري إنّها كانت فاحشة ومنكرا وبغيا، ضاعف الله لمن سنّها غضبا ونكالا وخزيا، إجابة لدعوة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «وعاد من عاداه، واخذل من خذله»(١) .

وجاءت الرواية أنّ عثمان بن مظعون قال: كنت أسلمت استحياء من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكثرة ما كان يعرض عليّ الإسلام ولم يقرّ في قلبي. وكنت ذات يوم عنده فشخص بصره نحو السماء، كأنّه يستفهم شيئا، فلمّا سرى عنه سألته عن حاله. فقال: نعم، بينا أنا أحدّثك إذ رأيت جبرئيل في الهواء فأتاني بهذه الآية:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) ، وقرأها عليّ إلى آخرها.

فقرّ الإسلام في قلبي، وأتيت عمّه أبا طالب فأخبرته، فقال: يا آل قريش اتّبعوا محمّدا ترشدوا، فإنّه لا يأمركم إلّا بمكارم الأخلاق.

وأتيت الوليد بن المغيرة وقرأت عليه هذه الآية، فقال: إن كان محمّد قاله فنعم ما قال، وإن قاله ربّه فنعم ما قال. قال: فأنزل الله:( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى ) (٢) . يعني: قوله: فنعم ما قال. ومعنى قوله: «وأكدى» أنّه لم يقم على ما قاله وقطعه.

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٦٢٩.

(٢) النجم: ٣٣ ـ ٣٤.


وعن عكرمة قال: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة. فقال: يا ابن أخي أعد. فأعاد، فقال: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وما هو قول البشر.

( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) )

ولـمّا تقدّم الأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن المنكر والعدوان، عقّبه سبحانه بالأمر بالوفاء بالعهد، والنهي عن نقض الأيمان، فقال:( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ ) يعني: البيعة لرسول الله على الإسلام، لقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) (١) .

وقيل: العهد كلّ أمر يجب الوفاء به. وهو الّذي يحسن فعله، وعاهد الله ليفعلنّه، فإنّه يصير واجبا عليكم، كالنذر وشبهه.

( وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ ) أيمان البيعة، أو مطلق الأيمان( بَعْدَ تَوْكِيدِها )

__________________

(١) الفتح: ١٠.


توثيقها بذكر الله. ومنه: أكّد، بقلب الواو همزة.( وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ) شاهدا بتلك البيعة، فإنّ الكفيل مراع لحال المكفول به، رقيب عليه( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ) من نقض الأيمان والعهود والوفاء.

( وَلا تَكُونُوا ) في نقض الأيمان( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها ) ما غزلته، مصدر بمعنى المفعول( مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ) متعلّق بـ «نقضت» أي: نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام( أَنْكاثاً ) طاقات نكث فتلها، جمع نكث. وانتصابه على الحال من «غزلها»، أو المفعول الثاني لـ «نقضت»، فإنّه بمعنى: صيّرت. والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه، وهو من ينكث فتله.

قيل: هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشيّة، فإنّها كانت حمقاء خرقاء(١) ، اتّخذت مغزلا قدر ذراع، وصنّارة(٢) مثل أصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنّ فينقضن ما غزلن.

( تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) حال من الضمير في «ولا تكونوا»، أو من الجارّ الواقع موقع الخبر، أي: ولا تكونوا متشبّهين بامرأة هذا شأنها، متّخذي أيمانكم دخلا، أي: مفسدة وخيانة وغدرا بينكم. وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه.

( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ) لأجل أن تكونوا، أو بسبب أن تكونوا جماعة( هِيَ أَرْبى ) أي: أزيد عددا وأوفر مالا( مِنْ أُمَّةٍ ) من جماعة حلفتم له. والمعنى: لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلّتهم، أو لكثرة منابذتهم وقوّتهم كقريش، فإنّهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم، وحالفوا أعداءهم.

( إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ ) الضمير لـ( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ ) لأنّه بمعنى المصدر، أي :

__________________

(١) مؤنّث الأخرق، وهو الأحمق الذي لم يحسن عمله.

(٢) الصفّارة: الحديدة المعقّفة في رأس المغزل. ومنها الصنّارة التي تستعملها النساء لحياكة قمصان الصوف وغيرها.


يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسّكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترّون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلّة المؤمنين وضعفهم؟ وقيل: الضمير لـ «أربى».

وقيل: للأمر بالوفاء. وتحقيقه أنّه يعاملكم معاملة المختبر ليميّز المحقّ من المبطل ليقع الجزاء بحسب العمل.

ولـمّا كان بناء الإثابة والتعذيب على التكليف الّذي مداره الاختيار لا الإجبار، قال بعد ذلك:( وَلَيُبَيِّنَنَ ) وليظهرنّ( لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب.

( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) متّفقة على الإسلام قسرا وجبرا( وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) يخذله في الضلالة ويخلّيه فيها، لعلمه بفرط كفره، وانهماكه في عناده، وتوغّله في إنكاره، مع وضوح طريق الحقّ لديه( وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) يوفّقه طريق الاهتداء، لعلمه باسترشاده واستصوابه، فإنّه بنى الأمر على الاختيار، وعلى ما يستحقّ به اللطف والخذلان والثواب والعقاب، ولم يبنه على الإجبار، وحقّق ذلك بقوله:( وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) سؤال تبكيت ومجازاة.

( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) )


ثمّ صرّح بالنهي عن نقض العهد بعد التضمين، تأكيدا ومبالغة في قبح المنهيّ، فقال:( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) أي: خيانة وخديعة كما مرّ.( فَتَزِلَّ قَدَمٌ ) عن محجّة الإسلام( بَعْدَ ثُبُوتِها ) عليها. والمراد أقدامهم. وإنّما وحّد ونكّر للدلالة على أنّ زلل قدم واحدة عظيم، فكيف بأقدام كثيرة؟!( وَتَذُوقُوا السُّوءَ ) العذاب في الدنيا( بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) بسبب صدودكم عن الوفاء، فإنّ من نقض البيعة وارتدّ جعل ذلك سنّة لغيره( وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) في الآخرة.

روي عن سلمان الفارسي أنّه قال: تهلك هذه الأمّة بنقض مواثيقها.

وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: «نزلت هذه الآيات في ولاية عليّعليه‌السلام ، وما كان من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين».

( وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ) ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله( ثَمَناً قَلِيلاً ) عرضا يسيرا من الدنيا، وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويمنّونهم ويشترطون لهم على الارتداد( إِنَّما عِنْدَ اللهِ ) من النصر والتغنيم في الدنيا، والثواب في الآخرة( هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) ممّا يعدونكم( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي: كنتم من أهل العلم والتمييز.

( ما عِنْدَكُمْ ) من أعراض الدنيا( يَنْفَدُ ) ينقضي ويفنى( وَما عِنْدَ اللهِ ) من خزائن رحمته( باقٍ ) لا ينفد. وهو تعليل للحكم السابق، ودليل على أنّ نعيم أهل الجنّة باق.

( وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ ) على الفاقة وأذى المشركين، أو على مشاقّ التكاليف. وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون.( بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) بما يرجّح فعله من أعمالهم، كالواجبات والمندوبات. أو بجزاء أحسن من أعمالهم.

( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) )

روي عن ابن عبّاس: أنّ رجلا من حضر موت يقال له عبدان الأشرع قال: يا


رسول الله إنّ امرء القيس الكندي جاورني في أرضي فاقتطع من أرضي، فذهب بها منّي، والقوم يعلمون أنّي لصادق، ولكنّه أكرم عليهم منّي.

فسأل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امرء القيس عنه. فقال: لا أدري ما يقول. فأمره أن يحلف.

فقال عبدان: إنّه فاجر لا يبالي أن يحلف.

فقال: إن لم يكن لك شهود فخذ بيمينه.

فلمّا قام ليحلف أنظره، فانصرفا، فنزل قوله:( وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ) الآيتان.

فلمّا قرأهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال امرؤ القيس: أمّا ما عندي فينفد، وهو صادق فيما يقول، لقد اقتطعت أرضه، ولم أدركم هي، فليأخذ من أرضي ما شاء، ومثلها معها بما أكلت من ثمرها.

فنزل فيه:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) بيّنه بالنوعين دفعا للتخصيص( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) في الدنيا يعيش عيشا طيّبا، فإنّه إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة، وتوقّع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر، فإنّه إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنّأ بعيشه.

وعن ابن عبّاس: الحياة الطيّبة الرزق الحلال. وعن قتادة: يعني بها في الآخرة. وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه.

( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) من الطاعة، كقوله:( فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ ) (١) .

__________________

(١) آل عمران: ١٤٨.


( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) )

ولـمّا كان الشيطان يوسوس العباد في ترك الطاعة والإقدام على المعصية، وكلّما كانت العبادة أعظم كان الشيطان في وسوسته أجهد، ومعظم العبادة تلاوة القرآن، كما قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أفضل عبادة أمّتي تلاوة القرآن»، عقّب ذكر العمل الصالح بالاستعاذة من الشيطان عند تلاوته، ليأمن من وسوسته في طاعته، فقال :

( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) أي: إذا أردت قراءته. والتعبير عن إرادة الفعل بلفظ الفعل من قبيل تسمية السبب باسم المسبّب، فإنّ الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، فكان منه بسبب قويّ وملابسة ظاهرة، كقوله:( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) (١) .

( فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه، لئلّا يوسوسك في القراءة. والاستعاذة استدفاع الأدنى بالأعلى على وجه الخضوع.

وهي عند التلاوة مستحبّة غير واجبة بلا خلاف، في الصلاة وخارج الصلاة.

وعن ابن مسعود: «قرأت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم. فقال: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبرئيلعليه‌السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ».

( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ ) تسلّط وولاية( عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )

__________________

(١) المائدة: ٦.


أي: على أولياء الله المؤمنين به والمتوكّلين عليه، فإنّهم لا يطيعون أوامره، ولا يقبلون وساوسه، إلّا فيما يحتقرون على ندور وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة. فذكر نفي السلطنة بعد الأمر بالاستعاذة، لئلّا يتوهّم أنّ له سلطانا.

( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) يحبّونه ويطيعونه في إغوائه( وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ ) بالله، أو بسبب الشيطان( مُشْرِكُونَ ) .

( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) )

ثمّ قال مخبرا عن إسناد الكفّار الافتراء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنسبة إلى القرآن، فقال:( وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ) بالنسخ، فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظا أو حكما( وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ) من المصالح، فلعلّ ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه الله، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ينزل بالتخفيف.

وهذا اعتراض لتوبيخ الكفّار على قولهم، والتنبيه على فساد سندهم، واقع بين الشرط وبين جوابه، وهو قوله:( قالُوا ) أي: الكفرة( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) متقوّل على الله، تأمر بشيء ثمّ يبدو لك فتنهى عنه.

وروي عن ابن عبّاس: أنّهم كانوا يقولون إنّ محمّدا يسخر من أصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا فيأتيهم بما هو أهون. ولقد افتروا، فقد كان


ينسخ الأشقّ بالأهون، والأهون بالأشقّ، والأهون بالأهون، والأشقّ بالأشقّ، لأنّ الغرض المصلحة لا الهوان والمشقّة.

( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) حكمة الأحكام، ولا يميّزون الخطأ من الصواب.

( قُلْ ) ردّا لقولهم:( نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ) يعني: جبرئيل. وإضافة الروح إلى القدس ـ وهو الطهر ـ كقولهم: حاتم الجود وزيد الخير. والمراد الروح المقدّس، أي: المطهّر من المآثم. وقرأ ابن كثير: روح القدس بالتخفيف. وفي «ينزّل» و «نزّله» تنبيه على أنّ إنزاله مدرّجا على حسب المصالح إنّما يقتضي التبديل.( مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ ) ملتبسا بالحكمة.

( لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ) على الإيمان بأنّه كلامه، فإنّهم إذا سمعوا الناسخ وتدبّروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة، رسخت عقائدهم، واطمأنّت قلوبهم.

ومعنى تثبيته: استدعاؤه لهم بألطافه ومعونته إلى الثبات على الإيمان.

( وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ) المنقادين لحكمه. وهما معطوفان على محلّ «ليثبّت» أي: تثبيتا وهداية وبشارة. وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم.

( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) يعنون جبر الرومي غلام عامر بن الحضرمي. وقيل: عبدان: جبر ويسار، كانا يصنعان السيوف بمكّة، ويقران التوراة والإنجيل، وكان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمرّ عليهما ويسمع ما يقرءانه. وقيل: عائشا أو يعيش غلام حويطب بن عبد العزّى، وقد أسلم وحسن إسلامه، وكان صاحب كتب. وقيل: سلمان الفارسي، قالوا: يتعلّم القصص منه. وعن ابن عبّاس: قالت قريش: إنّما يعلّمه بلعام، وكان قينا(١) بمكّة روميّا نصرانيّا.

ثمّ ألزمهم الله تعالى الحجّة وأكذبهم بأن قال:( لِسانُ الَّذِي ) أي: لغة الرجل الّذي( يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ) يميلون قولهم عن الاستقامة إليه( أَعْجَمِيٌ ) أعجميّة عبريّة( وَهذا ) القرآن( لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) ذو بيان وفصاحة.

__________________

(١) القين: العبد والحدّاد.


وقرأ حمزة والكسائي: يلحدون بفتح الياء والحاء. يقال: ألحد القبر ولحّده وهو ملحد وملحود، إذا أمال حفره عن الاستقامة، فحفر في شقّ منه. ثمّ استعير لكلّ إمالة عن استقامة، فقالوا: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه. ومنه الملحد، لأنّه أمال مذهبه عن الأديان كلّها، لم يمله عن دين إلى دين.

والجملتان مستأنفتان لإبطال طعنهم. وتقريره من وجهين :

أحدهما: أنّ ما سمعه منه كلام أعجميّ لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن عربيّ تفهمونه بأدنى تأمّل، فكيف يكون ما تلقّفه منه؟! وثانيهما: هب أنّه تعلّم منه المعنى باستماع كلامه، لكن لم يتلقّف منه اللفظ، لأنّ ذلك أعجميّ، وهذا عربيّ، والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى، فهو معجز من حيث اللفظ. مع أنّ العلوم الكثيرة الّتي في القرآن لا يمكن تعلّمها إلّا بملازمة معلّم فائق في تلك العلوم مدّة متطاولة، فكيف تعلّم جميع ذلك من غلام سوقيّ، سمع منه بعض أوقات مروره عليه كليمات أعجميّة، لعلّهما لم يعرفا معناها؟! وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة الواهية دليل على غاية عجزهم. كذا قال صاحب الأنوار(١) .

( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ لا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) )

__________________

(١) أنوار التنزيل ٣: ١٩٢.


ثمّ أتبع سبحانه هذه الآية بذكر الوعيد للكفّار على ما قالوه، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) لا يصدّقون( بِآياتِ اللهِ ) بأنّها من عند الله( لا يَهْدِيهِمُ اللهُ ) إلى الحقّ، أي: لا يلطف بهم، بل يخذلهم، لأنّهم أهل التخلية والخذلان، لفرط عنادهم ومكابرتهم، مع أنّ حقّية القرآن واضح لديهم. وقيل: إلى الجنّة.( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة.

ولـمّا أماط شبهتهم، وردّ طعنهم، قلب الأمر عليهم، فقال:( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ ) لأنّهم لا يخافون عقابا يردعهم عنه( وَأُولئِكَ ) إشارة إلى الّذين كفروا، أو إلى قريش( هُمُ الْكاذِبُونَ ) أي: الكاذبون على لحقيقة. أو الكاملون في الكذب، لأنّ تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب. أو الّذين عادتهم الكذب، ولا يبالون به في كلّ شيء، ولا يصرفهم عنه دين ولا مروءة. أو الكاذبون في قولهم:( إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ) «إنّما يعلّمه بشر».

( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ ) بدل من( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) وما بينهما اعتراض. والمعنى: إنّما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه. واستثنى منهم المكره. أو من «أولئك» أو من «هم الكاذبون». أو مبتدأ خبره محذوف، دلّ عليه قوله: «فعليهم غضب». كأنّه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب إلّا من أكره إلخ.

ويجوز أن ينتصب بالذمّ، وأن تكون «من» شرطيّة محذوفة الجواب.

( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) على الافتراء أو كلمة الكفر. استثناء متّصل، لأنّ الكفر لغة يعمّ القول والعقد، كالإيمان( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ) لم تتغيّر عقيدته.

( وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً ) اعتقده وطاب به نفسا( فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) إذ لا شيء أعظم من جرمه.

روي: أنّ ناسا من أهل مكّة فتنوا فارتدّوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمّار ،


وأبواه ـ ياسر وسميّة ـ وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، عذّبوا. فأمّا سميّة فقد ربطوها بين بعيرين ووجئ(١) بحربة في قبلها، وقالوا: إنّك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت. وقتلوا ياسرا. وهما أوّل قتيلين في الإسلام. وأمّا عمّار فقد أعطاهم بلسانه ما أرادوا مكرها. فقيل: يا رسول الله إنّ عمّارا كفر. فقال: كلّا، إنّ عمّارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه. فأتى عمّار رسول الله وهو يبكي، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمسح عينيه. وقال: مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت.

وهو دليل على جواز التكلّم بالكفر للإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنّب عنه إعزازا للدين، كما فعله أبواه، لـما روي: أنّ مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمّد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ فقال: أنت أيضا. فخلّاه.

وقال للآخر: ما تقول في محمّد؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصمّ. فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله. فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أمّا الأوّل فقد أخذ برخصة الله. وأمّا الثاني فقد صدع بالحقّ، فهنيئا له.

( ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) )

__________________

(١) وجأ فلانا بالسكّين أو بيده: ضربه في أيّ موضع كان.


( ذلِكَ ) إشارة إلى الكفر بعد الايمان، أو الوعيد( بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ) بسبب استحبابهم الدنيا على الآخرة( وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) وبسبب استحقاقهم نخلّيهم وخذلانهم، لأجل انهماكهم في الكفر والعناد.

( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) برفع التوفيق واللطف عنهم، فيخلّيهم لفرط عنادهم ولجاجهم، فأبت قلوبهم وحواسّهم عن الاعتراف بالحقّ( وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) الكاملون في الغفلة، فلا أغفل منهم، لأنّهم غفلوا عن تدبّر عاقبة حالهم في الآخرة، وذلك غاية الغفلة ومنتهاها.

( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) إذ ضيّعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد.

( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ) أي: عذّبوا، كعمّار وأصحابه.

و «ثمّ» لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك. يعني: إنّ ربّك لهم لا عليهم، بمعنى: أنّه وليّهم وناصرهم، لا عدوّهم وخاذلهم. وقرأ ابن عامر: فتنوا بالفتح، أي: بعد ما عذّبوا المؤمنين، كالحضرمي أكره مولاه جبرا حتّى ارتدّ ثمّ أسلما وهاجرا، كما قال:( ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا ) على الجهاد وما أصابهم من المشاقّ( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) من بعد الهجرة والجهاد والصبر( لَغَفُورٌ ) لـما فعلوا قبل( رَحِيمٌ ) ينعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد.

( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ ) منصوب بـ «رحيم» أو بـ: أذكر. والمراد يوم القيامة.

( تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها ) عن ذاتها، وتسعى في خلاصها، لا يهمّها شأن غيرها، فتقول: نفسي نفسي. ومعنى المجادلة: الاحتجاج عنها والاعتذار لها، كقولهم:( هؤُلاءِ


أَضَلُّونا ) (١) ونحو ذلك.( وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) جزاء ما عملت( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) لا ينقصون أجورهم.

( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) )

ثمّ أنذر المشركين بقوله:( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً ) أي: جعلها مثلا لكلّ قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة فكفروا، فأنزل الله بهم نقمته. أو لأهل مكّة.

( كانَتْ آمِنَةً ) ذات أمن، أي: يأمن أهلها من أن يغار عليهم( مُطْمَئِنَّةً ) قارّة ساكنة بأهلها، لا ينزعجون خوف العدوّ، فإنّ الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف.

( يَأْتِيها رِزْقُها ) أقواتها( رَغَداً ) واسعا( مِنْ كُلِّ مَكانٍ ) من نواحيها وجوانبها، كما قال:( يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) (٢) .

( فَكَفَرَتْ ) فكفر أهل تلك القرية( بِأَنْعُمِ اللهِ ) بنعمه. جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث: «نادى مناد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالموسم بمنى: إنّها أيّام طعم ونعم فلا تصوموا».

( فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) استعار الذوق لإدراك أثر الضرر ،

__________________

(١) الأعراف: ٣٨.

(٢) القصص: ٥٧.


واللباس لـما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له، وهو ما غشيهم.

قال صاحب الكشّاف: «أمّا الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة، لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمسّ الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضرّ وأذاقه العذاب، شبّه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع. وأمّا اللباس، فقد شبّه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأمّا إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنّه لـمّا وقع عبارة عمّا يغشى منهما ويلابس فكأنّه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف»(١) .

( بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) بصنيعهم.

( وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ) يعني: محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . والضمير لأهل مكّة، عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم.( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ) أي: حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد سبع سنين، حتى أكلوا القدّ(٢) والعلهز، وهو الوبر يخلط بالدم ويؤكل، ومع ذلك كانوا خائفين من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، وذلك حين دعا عليهم فقال: أللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعل عليهم سنين كسنيّ يوسف. أو وقعة بدر.

( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) )

__________________

(١) الكشّاف ٢: ٦٣٩.

(٢) القدّ: جلد السخلة.


ولـمّا زجرهم عن الكفر، وأوعدهم بما ذكر من التمثيل، صدّا لهم عن صنيع الجاهليّة ومذاهبها الفاسدة، أمرهم بأكل ما أحلّ الله لهم، وشكر ما أنعم عليهم، فقال:( فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ ) إنعامه بذلك( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) تطيعون، أو إن صحّ زعمكم أنّكم تعبدون الله بعبادة الآلهة، لأنّها شفعاؤكم عنده.

( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) )

ولـمّا أمرهم بتناول ما أحلّ لهم، عدّد عليهم ما حرّم عليهم، فقال:( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) مقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بـ «إنّما» حصر المحرّمات في الأجناس الأربعة، إلّا ما ضمّ إليه دليل كالسباع. وهذه الآية والّتي قبلها مفسّرتان في سورة البقرة، فليطالع ثمّة(١) .

( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) )

__________________

(١) راجع ج ١ ص ٢٨٥ ذيل الآية ١٧٢ ـ ١٧٣ من سورة البقرة.


ثمّ أكّد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم، فقال:( وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ ) كما قالوا:( ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ) (١) الآية. وانتصاب الكذب بـ «لا تقولوا». و «هذا حلال وهذا حرام» بدل منه. أو متعلّق بـ «تصف» على إرادة القول، أي: ولا تقولوا الكذب لـما تصفه ألسنتكم فتقولوا: هذا حلال وهذا حرام. أو مفعول «لا تقولوا»، والكذب منصوب بـ «تصف»، و «ما» مصدريّة، أي: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. والمعنى: لا تحلّلوا ولا تحرّموا بمجرّد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل.

ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، كأنّ حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتهم تصفها وتعرّفها بكلامهم هذا، ولذلك عدّ من فصيح الكلام، كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر.

( لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) اللام للعاقبة، لأنّ الافتراء ما كان غرضا، كقوله:( عَدُوًّا وَحَزَناً ) (٢) ( إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ) لا ينجون من عذاب الله، ولا ينالون خيرا.

ولـمّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطالبه الدنيويّة نفى عنهم الفلاح، وبيّنه بقوله:( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) أي: ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب( وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة.

( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ ) أي: في سورة الأنعام في قوله:( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ) (٣) ( مِنْ قَبْلُ ) متعلّق بـ «قصصنا» أو

__________________

(١) الأنعام: ١٣٩.

(٢) القصص: ٨.

(٣) الأنعام: ١٤٦.


«حرّمنا»( وَما ظَلَمْناهُمْ ) بتحريم ذلك عليهم( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم، وأنّه كما يكون للمضرّة يكون للعقوبة. واتّصل قوله:( وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا ) الآية بما تقدّم ذكره من التحريم والتحليل، ليبيّن أنّ ما كانوا يحرّمونه ويحلّلونه بزعمهم ليس في التوراة، كما أنّه ليس ذلك في القرآن.

( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) )

ثمّ ذكر سبحانه التائبين بعد تقدّم الوعد والوعيد، فقال:( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) بسببها، أو ملتبسين بها، ليعمّ الجهل بالله وبعقابه، وعدم التدبّر في العواقب لغلبة الشهوة. والسوء يعمّ الافتراء على الله وغيره.( ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) من بعد سوء الفعل( وَأَصْلَحُوا ) نيّاتهم وأفعالهم( إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها ) من بعد التوبة( لَغَفُورٌ ) لذلك السوء( رَحِيمٌ ) يثيب على الإنابة.

( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) )

وبعد ذمّ المشركين وأهل الكتاب، وتهديدهم بعقائدهم الزائغة وصفاتهم


السيّئة، بيّن خلال إبراهيم الخليل ونعته الجليل ليقتدوا به، فقال:( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ) أي: كان وحده أمّة من الأمم، لكماله في جميع صفات الخير، واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلّا مفرّقة في أشخاص كثيرة، كقوله :

ليس من الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد

وهو رئيس الموحّدين، وقدوة المحقّقين، الّذي جادل فرق المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة. ولذلك عقّب أحوال المشركين بذكره تزييفا لمذاهبهم الزائغة، من الشرك، والطعن في النبوّة، وتحريم ما أحلّه. أو لأنّه كان وحده مؤمنا، وكان سائر الناس كفّارا.

وقيل: هي فعلة بمعنى مفعول، كالرحلة بمعنى ما يرتحل إليه، والنخبة بمعنى ما ينتخب به، من: أمّه إذا قصده أو اقتدى به، فإنّ الناس كانوا يؤمّونه للاستفادة، ويقتدون بسيرته، كقوله تعالى:( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ) (١) . قال ابن الأعرابي: يقال للرجل العالم أمّة، لأنّه قدوة معلّم الخير.

( قانِتاً لِلَّهِ ) مطيعا له، قائما بأوامره دائما( حَنِيفاً ) مائلا عن الباطل إلى الإسلام، مستقيما على الطاعة وطريق الحقّ( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) كما زعموا، فإنّ قريشا كانوا يزعمون أنّهم على ملّة إبراهيم.

( شاكِراً لِأَنْعُمِهِ ) معترفا بها. ذكر بلفظ القلّة للتنبيه على أنّه كان لا يخلّ بشكر النعم القليلة، فكيف بالكثيرة؟! روي أنّه كان لا يتغدّى إلّا مع ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخّر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام، فخيّلوا له أنّ بهم جذاما، فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله على أنّه عافاني وابتلاكم.

( اجْتَباهُ ) واصطفاه للنبوّة( وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) في الدعوة إلى الله.

__________________

(١) البقرة: ١٢٤.


( وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) بأن حبّبه إلى الناس، حتّى إنّ أرباب الملل جميعا يتولّونه ويثنون عليه، ورزقه أولادا طيّبة، وعمرا طويلا في السعة والطاعة.

وقيل: هي قول المصلّي منّا: كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم.

( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) لمن أهل الجنّة، كما سأله بقوله:( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) (١) . وناهيك بهذا ترغيبا في الصلاح. ولم يقل: لفي أعلى منازل الصالحين، مع اقتضاء حاله ذلك، ترغيبا في الصلاح، فإنّه عزّ اسمه بيّن أنّهعليه‌السلام من جملة الصالحين، مع علوّ رتبته وشرف منزلته، تشريفا لهم وتنويها بذكر من هو منهم.

( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) يا محمّد. وذكر «ثمّ» إمّا لتعظيم منزلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإجلال محلّه، والإيذان بأنّ أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجلّ ما أولي من النعمة، اتّباع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملّته، فإنّها دلّت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت الّتي أثنى الله عليه بها، أو لتراخي أيّامه.

( أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) في التوحيد والدعوة إليه بالرفق، وإيراد الدلائل مرّة بعد اخرى، والمجادلة مع كلّ أحد على حسب فهمه( وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بل كان قدوة الموحّدين.

( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) )

ولـمّا أمر سبحانه باتّباع الحقّ، حذّر من الاختلاف فيه، بما ذكر من أحوال المختلفين في السبت، كيف شدّد عليهم فرضه، وضيّق عليهم أمره، فقال :

__________________

(١) الشعراء: ٨٣.


( إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ ) أي: تعظيم السبت، أو التخلّي فيه للعبادة( عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ) أي: في نبيّهم. وهم اليهود، أمرهم موسىعليه‌السلام أن يتفرّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا عن ذلك وقالوا: نريد يوم السبت، لأنّه فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرض، فألزمهم الله السبت، وشدّد الأمر عليهم، إلّا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فأذن الله لهم الصيد في السبت، وابتلى المسبتين بتحريم الصيد فيه.

وقيل: معناه: إنّما جعل وبال السبت ـ وهو المسخ ـ على الّذين اختلفوا فيه، فأحلّوا الصيد فيه تارة وحرّموه اخرى، واحتالوا له الحيل، وكان الواجب عليهم أن يتّفقوا في تحريمه على كلمة واحدة، بعد ما حتّم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه. وعلى هذا، المعنيّ في ذكر ذلك نحو المعنيّ في ضرب القرية الّتي كفرت(١) بأنعم الله مثلا لمزيد تهديد المشركين.

( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) بالمجازاة على الاختلاف، أو بمجازاة كلّ فريق من الآبين والمعظّمين بما يستحقّه.

( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) )

ثمّ أمر سبحانه نبيّه بالدعاء إلى الحقّ، فقال:( ادْعُ ) من بعثت إليهم( إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ ) إلى دين ربّك، وهو الإسلام( بِالْحِكْمَةِ ) بالمقالة المحكمة. وهو الدليل الموضح للحقّ، المزيح للشبهة.( وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) الخطابات المقنعة والعبر النافعة. فالأولى لدعوة خواصّ الأمّة الطالبين للحقائق، والثانية لدعوة عوامهم.

__________________

(١) النحل: ١١٢.


وقيل: الحكمة هي القرآن. وسمّي حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن، والنهي عن القبيح. وأصل الحكمة المنع، ومنه حكمة اللجام. والموعظة الحسنة: هي الصرف عن القبيح، على وجه الترغيب في تركه، والتزهيد في فعله. وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع.

( وَجادِلْهُمْ ) وجادل معانديهم( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) بالطريقة الّتي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظة وتعنيف، وإيثار الوجه الأيسر فالأيسر، والمقدّمات الّتي هي أشهر، فإنّ ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتليين شغبهم.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، فكأنّك تضرب منه في حديد بارد. وإنّما عليك البلاغ والدعوة، وأمّا حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك، بل الله أعلم بالضالّين والمهتدين، وهو المجازي لهم.

( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) )

ولـمّا بيّن أمره بالدعوة وعلّمه طرقها، أشار إليه وإلى من يتابعه بمراعاة العدل مع من يناصبهم، فإن الدعوة لا تنفكّ عنه، من حيث إنّها تتضمّن رفض العادات وترك الشهوات، والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم بالكفر والضلال، فقال:( وَإِنْ عاقَبْتُمْ ) أي: أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة( فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ) ولا تزيدوا عليه.

وقيل: كان المشركون مثّلوا بقتلى أحد، وبقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم ،


وقتل حمزة وقد مثّل به، وأخذت هند كبده، فجعلت تلوكه، وجدعوا أنفه وأذنه، فقال المسلمون: لئن أمكننا الله منهم لنمثّلنّ بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت.

وفيه دليل على أنّ للمقتصّ أن يماثل الجاني، وليس له أن يجاوزه. وحثّ على العفو تعريضا بقوله:( وَإِنْ عاقَبْتُمْ ) ، وتصريحا بقوله:( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ ) أي: الصبر( خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) من الانتقام للمنتقمين.

( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) )

ثمّ صرّح بالأمر به لرسوله، لأنّه أولى الناس به، لزيادة علمه بالله، ووثوقه عليه، فقال:( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ ) إلّا بتوفيقه وتثبيته( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) على الكافرين في إعراضهم عنك، أو على قتلى بدر، أو على المؤمنين وما فعل بهم( وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) في ضيق صدر من مكرهم بك وبأصحابك، فإنّ الله يردّ كيدهم في نحورهم، ويحفظكم من شرورهم.

وقرأ ابن كثير: في ضيق، هنا وفي النمل(١) . وهما لغتان، كالقول والقيل.

ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيّق.

( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) الشرك والكبائر بالنصرة والحفظ( وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) في أعمالهم بالولاية والفضل. أو مع الّذين اتّقوا بتعظيم أمره، والّذين هم محسنون في أعمالهم بالولاية والفضل. أو مع الّذين اتّقوا بتعظيم أمره، والّذين هم محسنون بالشفقة على خلقه. والله أعلم بالصواب.

__________________

(١) النمل: ٧٠.



فهرس الموضوعات

سورة الأنفال (٨)

الآية: ١ ٥

الآية: ٢ ـ ٦ ٨

الآية: ٧ ـ ١٤ ١٤

الآية: ١٥ ـ ١٨ ١٩

الآية: ١٩ ـ ٢٣ ٢٢

الآية: ٢٤ ـ ٢٥ ٢٥

الآية: ٢٦ ٢٨

الآية: ٢٧ ـ ٢٨ ٢٩

الآية: ٢٩ ـ ٣٠ ٣٢

الآية: ٣١ ـ ٣٢ ٣٤

الآية: ٣٣ ـ ٣٤ ٣٥

الآية: ٣٥ ٣٧

الآية: ٣٦ ـ ٣٧ ٣٨

الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ٣٩

الآية: ٤١ ـ ٤٤ ٤١

الآية: ٤٥ ـ ٥٤ ٤٩

الآية: ٥٥ ـ ٥٦ ٥٤

الآية: ٥٧ ـ ٥٨ ٥٥

الآية: ٥٩ ـ ٦٣ ٥٧


الآية: ٦٤ ـ ٦٩ ٦٠

الآية: ٧٠ ـ ٧١ ٦٥

الآية: ٧٢ ـ ٧٣ ٦٧

الآية: ٧٤ ـ ٧٥ ٦٨

سورة التوبة (٩)

الآية: ١ ـ ٢ ٧١

الآية: ٣ ـ ٤ ٧٦

الآية: ٥ ـ ٦ ٧٨

الآية: ٧ ـ ١٢ ٨٠

الآية: ١٤ ـ ١٦ ٨٤

الآية: ١٧ ـ ١٨ ٨٦

الآية: ١٩ ـ ٢٢ ٨٩

الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٩١

الآية: ٢٥ ـ ٢٧ ٩٣

الآية: ٢٨ ٩٧

الآية: ٢٩ ٩٩

الآية: ٣٠ ـ ٣٥ ١٠١

الآية: ٣٦ ١٠٨

الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ١١٢

الآية: ٤١ ـ ٤٢ ١١٥

الآية: ٤٣ ١١٦

الآية: ٤٤ ـ ٤٥ ١١٧


الآية: ٤٦ ١١٨

الآية: ٤٧ ـ ٥٢ ١١٩

الآية: ٥٣ ـ ٥٧ ١٢٢

الآية: ٥٨ ـ ٥٩ ١٢٤

الآية: ٦٠ ١٢٦

الآية: ٦١ ١٢٨

الآية: ٦٢ ١٣٠

الآية: ٦٣ ـ ٦٤ ١٣١

الآية: ٦٥ ـ ٦٩ ١٣٢

الآية: ٧٠ ١٣٦

الآية: ٧١ ـ ٧٢ ١٣٧

الآية: ٧٣ ـ ٧٤ ١٣٩

الآية: ٧٥ ـ ٧٨ ١٤١

الآية: ٧٩ ١٤٢

الآية: ٨٠ ١٤٣

الآية: ٨١ ـ ٨٣ ١٤٥

الآية: ٨٤ ـ ٨٥ ١٤٧

الآية: ٨٦ ـ ٨٩ ١٤٨

الآية: ٩٠ ١٤٩

الآية: ٩١ ـ ٩٣ ١٥٠

الآية: ٩٤ ـ ٩٦ ١٥٢

الآية: ٩٧ ـ ٩٩ ١٥٤

الآية: ١٠٠ ١٥٦

الآية: ١٠١ ١٥٩

الآية: ١٠٢ ١٦٠


الآية: ١٠٣ ـ ١٠٥ ١٦١

الآية: ١٠٦ ١٦٤

الآية: ١٠٧ ـ ١١٠ ١٦٥

الآية: ١١١ ـ ١١٢ ١٧٠

الآية: ١١٣ ـ ١١٤ ١٧٢

الآية: ١١٥ ـ ١١٦ ١٧٤

الآية: ١١٧ ـ ١١٨ ١٧٥

الآية: ١١٩ ١٧٧

الآية: ١٢٠ ـ ١٢١ ١٧٨

الآية: ١٢٢ ١٨٠

الآية: ١٢٣ ـ ١٢٥ ١٨١

الآية: ١٢٦ ـ ١٢٧ ١٨٣

الآية: ١٢٨ ـ ١٢٩ ١٨٤

سورة يونس (١٠)

الآية: ١ ـ ٢ ١٨٥

الآية: ٣ ـ ٦ ١٨٨

الآية: ٧ ـ ٨ ١٩٠

الآية: ٩ ـ ١٠ ١٩١

الآية: ١١ ١٩٢

الآية: ١٢ ١٩٣

الآية: ١٣ ـ ١٤ ١٩٤

الآية: ١٥ ـ ١٧ ١٩٥

الآية: ١٨ ـ ٢١ ١٩٧

الآية: ٢٢ ـ ٢٣ ٢٠٠


الآية: ٢٤ ٢٠٢

الآية: ٢٥ ـ ٢٧ ٢٠٣

الآية: ٢٨ ـ ٣٠ ٢٠٦

الآية: ٣١ ـ ٣٣ ٢٠٧

الآية: ٣٤ ـ ٣٦ ٢٠٨

الآية: ٣٧ ـ ٣٩ ٢١٠

الآية: ٤٠ ـ ٤٧ ٢١٢

الآية: ٤٨ ـ ٥٦ ٢١٦

الآية: ٥٧ ـ ٥٨ ٢١٩

الآية: ٥٩ ـ ٦٠ ٢٢١

الآية: ٦١ ٢٢٢

الآية: ٦٢ ـ ٦٥ ٢٢٣

الآية: ٦٦ ٢٢٥

الآية: ٦٧ ـ ٧٠ ٢٢٦

الآية: ٧١ ـ ٧٤ ٢٢٨

الآية: ٧٥٠ ـ ٨٦ ٢٣١

الآية: ٨٧ ـ ٨٩ ٢٣٥

الآية: ٩٠ ـ ٩٢ ٢٣٧

الآية: ٩٣ ٢٤٠

الآية: ٩٤ ـ ٩٧ ٢٤١

الآية: ٩٨ ٢٤٢

الآية: ٩٩ ـ ١٠٠ ٢٤٥

الآية: ١٠١ ـ ١٠٣ ٢٤٦

الآية: ١٠٤ ـ ١٠٦ ٢٤٨

الآية: ١٠٧ ٢٤٩

الآية: ١٠٨ ـ ١٠٩ ٢٥٠


سورة هود (١١)

الآية: ١ ـ ٤ ٢٥٢

الآية: ٥ ٢٥٤

الآية: ٦ ٢٥٥

الآية: ٧ ـ ٨ ٢٥٦

الآية: ٩ ـ ١١ ٢٥٨

الآية: ١٢ ـ ١٤ ٢٥٩

الآية: ١٥ ـ ١٦ ٢٦١

الآية: ١٧ ٢٦٢

الآية: ١٨ ـ ٢٢ ٢٦٤

الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٢٦٦

الآية: ٢٨ ـ ٢٨ ٢٦٧

الآية: ٢٩ ـ ٣١ ٢٦٩

الآية: ٣٢ ـ ٣٥ ٢٧٠

الآية: ٣٦ ـ ٤٣ ٢٧٢

الآية: ٤٤ ٢٧٩

الآية: ٤٥ ـ ٤٧ ٢٨١

الآية: ٤٨ ـ ٤٩ ٢٨٣

الآية: ٥٠ ـ ٦٠ ٢٨٥

الآية: ٦١ ـ ٦٨ ٢٩٠

الآية: ٦٩ ـ ٧٦ ٢٩٤

الآية: ٧٧ ـ ٨٣ ٢٩٨

الآية: ٨٤ ـ ٨٨ ٣٠٤

الآية: ٨٩ ـ ٩٥ ٣٠٩

الآية: ٩٦ ـ ٩٩ ٣١٢


الآية: ١٠٠ ـ ١٠٨ ٣١٥

الآية: ١٠٩ ٣٢٠

الآية: ١١٠ ـ ١١١ ٣٢١

الآية: ١١٢ ٣٢٢

الآية: ١١٣ ـ ١١٥ ٣٢٣

الآية: ١١٦ ـ ١١٧ ٣٢٨

الآية: ١١٨ ـ ١٢٣ ٣٣٠

سورة يوسف (١٢)

الآية: ١ ـ ٣ ٣٣٥

الآية: ٤ ـ ٦ ٣٣٧

الآية: ٧ ـ ٩ ٣٤٢

الآية: ١٠ ٣٤٤

الآية: ١١ ـ ١٨ ٣٤٥

الآية: ١٩ ـ ٢٢ ٣٥٠

الآية: ٢٣ ـ ٢٥ ٣٥٤

الآية: ٢٦ ـ ٢٩ ٣٥٩

الآية: ٣٠ ـ ٣٥ ٣٦٢

الآية: ٣٦ ـ ٤٢ ٣٦٧

الآية: ٤٣ ـ ٤٩ ٣٧٣

الآية: ٥٠ ـ ٥١ ٣٧٧

الآية: ٥٢ ـ ٥٣ ٣٧٩

الآية: ٥٤ ـ ٥٧ ٣٨٠

الآية: ٥٨ ـ ٦٧ ٣٨٦


الآية: ٦٨ ـ ٧٦ ٣٩٣

الآية: ٧٧ ـ ٧٩ ٣٩٨

الآية: ٨٠ ـ ٨٢ ٤٠٠

الآية: ٨٣ ـ ٨٤ ٤٠٢

الآية: ٨٥ ـ ٨٧ ٤٠٤

الآية: ٨٨ ٤٠٦

الآية: ٨٩ ـ ٩٢ ٤٠٧

الآية: ٩٣ ـ ٩٨ ٤١٠

الآية: ٩٩ ـ ١٠٠ ٤١٢

الآية: ١٠١ ٤١٥

الآية: ١٠٢ ٤١٦

الآية: ١٠٣ ـ ١٠٧ ٤١٧

الآية: ١٠٨ ـ ١٠٩ ٤١٨

الآية: ١١٠ ـ ١١١ ٤٢٠

سورة الرعد (١٣)

الآية: ١ ٤٢٣

الآية: ٢ ـ ٤ ٤٢٤

الآية: ٥ ـ ٧ ٤٢٨

الآية: ٨ ـ ١١ ٤٣١

الآية: ١٢ ـ ١٥ ٤٣٤

الآية: ١٦ ٤٣٨

الآية: ١٧ ـ ١٨ ٤٤٠

الآية: ١٩ ـ ٢٤ ٤٤٤


الآية: ٢٥ ـ ٢٩ ٤٤٧

الآية: ٣٠ ٤٥٠

الآية: ٣١ ٤٥١

الآية: ٣٢ ـ ٣٤ ٤٥٣

الآية: ٣٥ ٤٥٥

الآية: ٣٦ ـ ٣٧ ٤٥٦

الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ٤٥٧

الآية: ٤١ ـ ٤٣ ٤٦٠

سورة إبراهيم (١٤)

الآية: ١ ـ ٣ ٤٦٣

الآية: ٤ ـ ٦ ٤٦٥

الآية: ٧ ـ ٩ ٤٦٨

الآية: ١٠ ٤٧٠

الآية: ١١ ـ ١٢ ٤٧١

الآية: ١٣ ـ ١٧ ٤٧٢

الآية: ١٨ ٤٧٥

الآية: ١٩ ـ ٢١ ٤٧٦

الآية: ٢٢ ٤٧٩

الآية: ٢٣ ـ ٢٧ ٤٨١

الآية: ٢٨ ـ ٣١ ٤٨٥

الآية: ٣٢ ـ ٣٤ ٤٨٨

الآية: ٣٥ ـ ٤١ ٤٩٠

الآية: ٤٢ ـ ٤٣ ٤٩٤


الآية: ٤٤ ـ ٤٥ ٤٩٥

الآية: ٤٦ ـ ٤٧ ٤٩٧

الآية: ٤٨ ـ ٥٢ ٤٩٩

سورة الحجر (١٥)

الآية: ١ ـ ٥ ٥٠٥

الآية: ٦ ـ ١٥ ٥٠٨

الآية: ١٦ ـ ١٨ ٥١٢

الآية: ١٩ ـ ٢٣ ٥١٣

الآية: ٢٤ ـ ٢٥ ٥١٥

الآية: ٢٦ ـ ٤٤ ٥١٧

الآية: ٤٥ ـ ٤٨ ٥٢٤

الآية: ٤٩ ـ ٥٦ ٥٢٥

الآية: ٥٧ ـ ٦٠ ٥٢٧

الآية: ٦١ ـ ٦٦ ٥٢٩

الآية: ٦٧ ـ ٧٢ ٥٣٠

الآية: ٧٣ ـ ٨٤ ٥٣٢

الآية: ٨٥ ـ ٨٦ ٥٣٤

الآية: ٨٧ ـ ٩٩ ٥٣٥

سورة النحل (١٦)

الآية: ١ ـ ٢ ٥٤١

الآية: ٣ ـ ٨ ٥٤٤

الآية: ٩ ٥٤٦


الآية: ١٠ ـ ١٣ ٥٤٧

الآية: ١٤ ـ ١٦ ٥٤٩

الآية: ١٧ ٥٥٢

الآية: ١٨ ـ ٢١ ٥٥٣

الآية: ٢٢ ـ ٢٣ ٥٥٤

الآية: ٢٤ ـ ٢٩ ٥٥٦

الآية: ٣٠ ـ ٣٢ ٥٥٩

الآية: ٣٣ ـ ٣٤ ٥٦٠

الآية: ٣٥ ٥٦١

الآية: ٣٦ ٥٦٢

الآية: ٣٧ ٥٦٣

الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ٥٦٤

الآية: ٤١ ـ ٤٢ ٥٦٥

الآية: ٤٣ ـ ٤٧ ٥٦٧

الآية: ٤٨ ـ ٥٠ ٥٦٩

الآية: ٥١ ـ ٥٥ ٥٧٢

الآية: ٥٦ ـ ٦٠ ٥٧٥

الآية: ٦١ ـ ٦٣ ٥٧٦

الآية: ٦٤ ـ ٦٥ ٥٧٨

الآية: ٦٦ ـ ٦٧ ٥٧٩

الآية: ٦٨ ـ ٦٩ ٥٨٢

الآية: ٧٠ ٥٨٥

الآية: ٧١ ٥٨٦

الآية: ٧٢ ـ ٧٤ ٥٨٧


الآية: ٧٥ ٥٨٩

الآية: ٧٦ ٥٩١

الآية: ٧٧ ـ ٧٨ ٥٩٢

الآية: ٧٩ ٥٩٣

الآية: ٨٠ ـ ٨٢ ٥٩٤

الآية: ٨٣ ـ ٨٥ ٥٩٦

الآية: ٨٦ ـ ٨٨ ٥٩٧

الآية: ٨٩ ٥٩٩

الآية: ٩٠ ٦٠٠

الآية: ٩١ ـ ٩٣ ٦٠٢

الآية: ٩٤ ـ ٩٦ ٦٠٤

الآية: ٩٧ ٦٠٥

الآية: ٩٨ ـ ١٠٠ ٦٠٧

الآية: ١٠١ ـ ١٠٣ ٦٠٨

الآية: ١٠٤ ـ ١٠٦ ٦١٠

الآية: ١٠٧ ـ ١١١ ٦١٣

الآية: ١١٢ ـ ١١٣ ٦١٤

الآية: ١١٤ ٦١٥

الآية: ١١٥ ـ ١١٨ ٦١٦

الآية: ١١٩ ـ ١٢٣ ٦١٨

الآية: ١٢٤ ٦٢٠

الآية: ١٢٥ ٦٢١

الآية: ١٢٦ ٦٢٢

الآية: ١٢٧ ـ ١٢٨ ٦٢٣


الفهرس

سورة الأنفال ٥

سورة التوبة ٧١

سورة يونس ١٨٥

سورة هود ٢٥١

سورة يوسف ٣٣٥

سورة الرعد ٤٢٣

سورة إبراهيم ٤٦٣

سورة الحجر ٥٠٥

سورة النحل ٥٤١


زبدة التفاسير الجزء ٣

زبدة التفاسير

تم المقابلة و التقويم في المؤسسة

مؤلف: فتح الله بن شكر الله الشريف الكاشاني
الناشر: مؤسسة المعارف الاسلامية
تصنيف: تفسير القرآن
ISBN: 964-7777-05-1
الصفحات: 637