ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
(١٧)
سورة الإسراء
(بني إسرائيل)
مكّيّة كلّها. وهي مائة وإحدى عشرة آية. في حديث أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرَّق قلبه عند ذكر الوالدين، أعطي في الجنّة قنطارين من الأجر، والقنطار ألف أوقيّة ومائتا أوقيّة، والأوقيّة منها خير من الدنيا وما فيها».
روى الحسن بن أبي العلاء عن الصادقعليهالسلام قال: «من قرأ سورة بني إسرائيل في كلّ ليلة جمعة لم يمت حتّى يدرك القائم، ويكون من أصحابه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة النحل بذكر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، افتتح سورة بني إسرائيل أيضا بذكره وبيان إسرائه إلى المسجد الأقصى، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) . «سبحان» اسم بمعنى التسبيح. وقد يستعمل علما له، فينقطع عن الإضافة، ويمنع عن الصرف. قال :
قد قلت لـمّا جاءني فخره |
سبحان من علقمة الفاخر |
وانتصابه يفعل متروك إظهاره. والتقدير: أسبح الله سبحان. ثمّ نزّل منزلة الفعل، فسدّ مسده. ودلّ على التنزيه البليغ من جميع القبائح والمعائب والنواقص. وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عمّا ذكر بعد. وأسرى وسرى بمعنى.
و «ليلا» نصب على الظرف. وفائدته ـ مع أنّ الإسراء لا يكون إلّا بالليل ـ الدلالة بتنكيره على تقليل مدّة الإسراء من مكّة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة. وذلك أنّ التنكير فيه معنى البعضيّة. والمعنى: أنزّه عن صفة العجز الّذي أذهب عبدهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جزء من الليل.
( مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) بعينه، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان، إذ أتاني جبرئيل بالبراق».
أو من الحرم، وسمّاه المسجد الحرام، لأنّ كلّه مسجد، أو لأنّه محيط به، لـما روي أنّه كان نائما في بيت أمّ هانئ أخت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بعد صلاة العشاء، فأسري به ورجع من ليلته، وقصّ القصّة عليها، وقال: مثّل لي النبيّون فصلّيت بهم. وقام ليخرج إلى المسجد فتشبّثت أمّ هانئ بثوبه. فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذّبك قومك إن أخبرتهم. قال: وإن كذّبوني.
فخرج إلى المسجد، فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بحديث الإسراء. فقال: يا معشر بني كعب بن لؤيّ هلمّوا، فحدّثهم، فمن بين مصفّق وواضع يده على رأسه تعجّبا وإنكارا. وارتدّ ناس ممّن كان قد آمن به. واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس، فجلّى الله له بيت المقدس، فطفقصلىاللهعليهوآلهوسلم ينظر إليه وينعته لهم. فقالوا: أمّا النعت فقد أصاب.
فقالوا: أخبرنا عن عيرنا. فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها. وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق. وهو الإبل الّذي في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحما، وليس بمحمود عندهم في العمل. كذا قاله الأصمعي.
فخرجوا يشتدّون في ذلك اليوم نحو الثنيّة، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت. وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلّا سحر مبين.
وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به من بيت المقدس، وأخبر قريشا أيضا بما رأى في السماء من العجائب، وأنّه لقي الأنبياء، وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى. وكان ذلك قبل الهجرة بسنة.
وما قاله بعضهم: إنّ ذلك العروج كان في النوم، ظاهر البطلان، مخالف لإجماع الإماميّة وجمهور العامّة.
وما قيل: من أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كلّم الله سبحانه جهرة ورآه، وقعد معه على سريره، ونحو ذلك، فهو من مقالات أهل التشبيه والتجسيم، والله تعالى يتقدّس عن ذلك.
وكذا ظاهر البطلان ما روي من أنّه شقّ بطنه وغسل بطنه، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان طاهرا مطهّرا من كلّ سوء وعيب، وكيف يطهّر القلب وما فيه من الاعتقاد بالماء؟! والقول الصحيح المنقول عن أئمّتناعليهمالسلام أنّ الله سبحانه أسرى بنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقظة بشخصه من المسجد الحرام( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) بيت المقدس، لأنّه لم يكن حينئذ وراءه مسجد( الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ) ببركات الدين والدنيا، لأنّه مهبط الوحي، ومتعبّد الأنبياء من لدن موسى، ومحفوف بالأنهار والأشجار، وموضع أمن وخصب، حتّى لا يحتاجوا إلى أن تجلب إليهم الثمرات والحبوب من موضع آخر.
( لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا ) كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر، ومشاهدته بيت المقدس، وتمثّل الأنبياء له، ووقوفه على مقاماتهم، وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلّم لتعظيم تلك البركات والآيات.( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لأقوال محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( الْبَصِيرُ ) بأفعاله، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.
ومن جملة الأخبار الواردة في قصّة المعراج ما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم من أنّه قال :
«أتاني جبرئيل وأنا بمكّة فقال: قم يا محمّد. فقمت معه وخرجت إلى الباب، فإذا معه ميكائيل وإسرافيل. فأتى جبرئيل بالبراق، وكان فوق الحمار ودون البغل، خدّه كخدّ الإنسان، وذنبه كذنب البقر، وعرفه كعرف الفرس، وقوائمه كقوائم الإبل، عليه رحل من الجنّة، وله جناحان. فقال: اركب. فركبت ومضيت حتّى انتهيت إلى بيت المقدس، فإذا ملائكة نزلوا من السماء بالبشارة والكرامة من عند ربّ العزّة. وصلّيت في بيت المقدس، فبشّر لي إبراهيم في رهط من الأنبياء، ثمّ موسى وعيسى.
ثمّ أخذ جبرئيل بيدي إلى الصخرة فأقعدني عليها، فإذا معراج إلى السماء لم أر مثلها حسنا. فصعدت إلى السماء الدنيا، ورأيت عجائبها وملكوتها، وملائكتها يسلّمون عليّ.
ثمّ أصعدني إلى السماء الثانية، فرأيت فيها عيسى بن مريم ويحيى بن زكريّا. ثمّ أصعدني إلى السماء الثالثة، فرأيت يوسف. ثمّ أصعدني إلى السماء الرابعة، فرأيت فيها إدريس، وأصعدني إلى السماء الخامسة، فرأيت فيها هارون وموسى. ثمّ أصعدني إلى السماء السادسة، فإذا فيها خلق كثير يموج بعضها في بعض، وفيها الكرّوبيّون. ثمّ أصعدني إلى السماء السّابعة، فرأيت فيها إبراهيمعليهالسلام . ثمّ جاوزناها متصاعدين إلى أعلى علّيّين.
ووصف ذلك إلى أن قال: ثمّ كلّمني ربّي وكلّمته، ورأيت الجنّة والنار، ورأيت العرش وسدرة المنتهى. ثمّ رجعت إلى مكّة، فلمّا أصبحت حدّثت به الناس، فكذّبني أبو جهل والمشركون».
وفي تفسير العيّاشي بالإسناد عن ابن بكير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «لمّا أسري برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى السماء الدنيا لم يمرّ بأحد من الملائكة إلّا استبشر به. قال: ثمّ مرّ بملك كئيب حزين، فلم يستبشر به. فقال: يا جبرئيل ما مررت بأحد من الملائكة إلّا استبشر بي إلّا هذا الملك، فمن هذا؟
قال: هذا مالك خازن جهنّم، وهكذا جعله الله.
فقال له النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا جبرئيل سله أن يرينيها.
قال: فقال جبرئيل: يا مالك هذا محمّد رسول الله، وقد شكا إليّ وقال: ما مررت بأحد من الملائكة إلّا استبشر بي إلّا هذا، فأخبرته أن الله هكذا جعله، وقد سألني أن أسألك أن تريه جهنّم.
قال: فكشف له عن طبق من أطباقها. قال: فما رئي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضاحكا حتّى قبض».
وعن أبي بصير قال: «سمعته يقول: إنّ جبرئيل احتمل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى انتهى به إلى مكان من السماء، ثمّ تركه وقال له: ما وطأ نبيّ قطّ مكانك».
( وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) )
ولـمّا أنكر الكفّار القرآن مع أنّه أمّ المعجزات، وحديث المعراج مع إبانة آياته عندهم، بيّن إنكارهم نبوّة موسى وكتابه مع ظهور معجزاته، تسلية لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) يعني: التوراة( وَجَعَلْناهُ هُدىً ) حجّة ودلالة وإرشادا( لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ) على أن لا تتّخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا. وقرأ أبو عمرو بالياء، على لأن لا يتّخذوا.( مِنْ دُونِي وَكِيلاً ) ربّا غيري تكلون إليه أموركم.
( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) نصب على الاختصاص بتقدير: أعني. أو على النداء إن قرئ: أن لا تتّخذوا بالخطاب. أو على أنّه أحد مفعولي «لا تتّخذوا» و «من دوني» حال من «وكيلا». فيكون كقوله:( وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً ) (١)
__________________
(١) آل عمران: ٨٠.
والمعنى: قلنا لهم: لا تتّخذوا من دوني وكيلا يا ذرّيّة من حملنا مع نوح، أو لا تتّخذوا ذرّيّة من حملنا مع نوح وكيلا. فيكون «وكيلا» موحّد اللفظ مجموع المعنى، كرفيق في قوله:( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) (١) أي: لا تجعلونهم أربابا. وفيه تذكير بإنعام الله عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، بحملهم مع نوح في السفينة.
( إِنَّهُ ) إنّ نوحا( كانَ عَبْداً شَكُوراً ) يحمد الله على مجامع حالاته. وفيه إيماء بأنّ إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره، وحثّ للذريّة على الاقتداء به. كأنّه قال: لا تتّخذوا من دوني وكيلا، ولا تشركوا بي، لأنّ نوحا كان عبدا شكورا، وأنتم ذرّيّة من آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم. وقيل: الضمير لموسى.
روي عن الباقر والصادقعليهماالسلام : «أنّه كان إذا أصبح وأمسى قال: أللّهمّ إنّي أشهدك أنّ ما أصبح وأمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فمنك، وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها عليّ حتى ترضى، وبعد الرضا، فهذا كان شكره».
وقيل: كان إذا أكل قال: الحمد لله الّذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. وإذا شرب قال: الحمد لله الّذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال: الحمد لله الّذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال: الحمد لله الّذي حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الّذي أخرج عنّي أذاه في عافية، ولو شاء حبسه.
وروي: أنّه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به، فإن وجده محتاجا آثره به.
( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
__________________
(١) النساء: ٦٩.
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) )
ولـمّا تقدّم أمره سبحانه لبني إسرائيل بالتوحيد، ونهيه إيّاهم عن الشرك، عقّب ذلك بذكر ما صدر منهم وما جرى عليهم، تحذيرا للمشركين، وتسلية لسيّد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) وأوحينا إليهم وحيا مقضيّا مبتوتا( فِي الْكِتابِ ) في التوراة( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ) لا محالة. جواب قسم محذوف.
ويجوز أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم. والمعنى: وقضينا قضاء مبتوتا جاريا مجرى القسم لتفسدنّ فيها.( مَرَّتَيْنِ ) إفسادتين، أولاهما: مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعيا، وحبس أرميا. والآخرة: قتل زكريّا ويحيى، وقصد قتل عيسى.( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) ولتستكبرنّ عن طاعة الله، أو لتظلمنّ الناس.
( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) وعد عقاب أولاهما( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا ) أي: خلّينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، فهو كقوله:( وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ
بَعْضاً ) (١) . وقوله:( أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ ) (٢) وقوله( وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ ) (٣) . وهم بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده. وقيل: جالوت الجزري.
وقيل: سنحاريب، من أهل نينوى.( أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) ذوي قوّة وبطش في الحرب شديد( فَجاسُوا ) تردّدوا لطلبكم، من الجوس، وهو التردّد( خِلالَ الدِّيارِ ) وسطها للقتل والغارة. قتلوا سبعين ألفا من كبارهم، وسبوا سبعين ألفا من صغارهم، وحرّقوا التوراة، وخرّبوا المسجد.( وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) وكان وعد عقابهم لا بدّ أن يفعل.
عن ابن عبّاس وابن مسعود وابن زيد: أنّ الإفساد الأوّل قتل زكريّا، والثاني قتل يحيى بن زكريّا. فسلّط الله عليهم سابور ذا الأكتاف ـ ملكا من ملوك فارس ـ في قتل زكريّا، وسلّط عليهم في قتل يحيى بختنصّر، وهو رجل خرج من بابل.
( ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ ) أي: الدولة والغلبة( عَلَيْهِمْ ) على الّذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلوّ. فردّ أسراهم إلى الشام، وملك دانيال عليهم، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر. أو بأن سلّط داود على جالوت فقتله.
( وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ) أي: كثّر مالكم وأولادكم، ورددنا لكم العدّة والقوّة( وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) عددا ممّا كنتم. والنفير من ينفر مع الرجل من قومه. وقيل: جمع نفر، كالعبيد. وهم المجتمعون للذهاب إلى العدوّ.
( إِنْ أَحْسَنْتُمْ ) في أقوالكم وأفعالكم( أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ) لأنّ ثوابه لكم، فنفع إحسانكم عائد إليكم( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) فإنّ وبالها عليها. وإنّما ذكرها باللام ازدواجا. والمعنى: إنّ الإحسان والإساءة كليهما مختصّ بأنفسكم، لا يتعدّى
__________________
(١) الأنعام: ١٢٩.
(٢) مريم: ٨٣.
(٣) فصّلت: ٢٥.
النفع والضرر إلى غيركم. وعن عليّعليهالسلام : «ما أحسنت إلى أحد، ولا أسأت إليه، وتلاها».
( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) وعد عقوبة المرّة الآخرة( لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ) أي: بعثناهم ليسوؤا وجوهكم، أيّ: يجعلوها بادية آثار المساءة فيها، فحذف لدلالة ذكره أوّلا عليه. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر: ليسوء على التوحيد. والضمير فيه للوعد، أو البعث، أو لله. ويعضده قراءة الكسائي بالنون.
( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ) مسجد بيت المقدس ونواحيه( كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ) وليهلكوا( ما عَلَوْا ) ما غلبوه واستولوا عليه، أو مدّة علوّهم( تَتْبِيراً ) وذلك بأن سلّط الله عليهم الفرس مرّة أخرى، فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز. وقيل: حردوس.
قيل: دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلي، فسألهم عنه.
فقالوا: دم قربان لم يقبل منّا. فقال: ما صدقوني. فقتل أكثرهم، فلم يهدأ الدم. فقال: إن لم تصدّقوني ما تركت منكم أحدا. فقالوا: إنّه دم يحيى. فقال: لمثل هذا ينتقم ربّكم منكم.
ثمّ قال: يا يحيى قد علم ربّي وربّك ما أصاب قومك من أجلك، فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي منهم أحدا، فهدأ.
( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) بعد المرّة الثانية توبة أخرى، وانزجرتم عن المعاصي( وَإِنْ عُدْتُمْ ) مرّة ثالثة إلى الفساد( عُدْنا ) مرّة ثالثة إلى عقوبتكم. وقد عادوا فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة، فقتلوا منهم مائة ألف وثمانين ألفا، وخرّب بيت المقدس. وعن الحسن: عادوا بتكذيب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقصد قتله، فعاد الله بتسليطه عليهم، فقتل قريظة، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين إلى يوم القيامة.
هذا لهم في الدنيا.( وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ) محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد. وقيل: بساطا كما يبسط الحصير.
( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) )
ولـمّا أمر بني إسرائيل بالرجوع إلى الطريق المستقيم من التوبة وقبول الإسلام، بيّن أنّ هذا الكتاب هو الّذي يهدي للأحسن الأقوم، فقال:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) للحالة أو الطريقة الّتي هي أعدل الحالات، أو أصوب الطرق وأرشدها وأسدّها( وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) وقرأ حمزة والكسائي: ويبشر بالتخفيف.
( وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) عطف على( أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) . فيكون هذا بشارة أخرى لهم. والمعنى: أنّه يبشّر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم. أو عطف على «يبشّر» بإضمار: يخبر.
( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) )
ولـمّا تقدّم من بشارة الكفّار بالعذاب، بيّن عقيبه أنّهم يستعجلون العذاب جهلا وعنادا، فقال:( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ ) أي: الكافر بوقوع العذاب الموعود عليه إنكارا واستهزاء. أو المراد جنس الإنسان. والمعنى: ويدعو الله عند غضبه بالشّر على نفسه وأهله وماله، أو يدعوه بما يحسبه خيرا وهو شرّ.( دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ ) مثل دعائه بالخير( وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ) يتسرّع إلى كلّ ما يخطر بباله، لا ينظر عاقبته.
وعن ابن عبّاس: أنّ المراد به آدم، فإنّه لـمّا انتهى الروح إلى سرّته أخذ لينهض
فسقط، فشبّه سبحانه ابن آدم بأبيه في الاستعجال وطلب الشيء قبل وقته.
وقيل: المراد النضر بن الحارث استعجل بالعذاب عنادا، وقال: أللّهمّ انصر خير الحزبين، أللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك. فأجيب له، فضرب عنقه يوم بدر صبرا.
( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) )
ثمّ بيّن أنّه أنعم عليهم بوجوه النعم، كالليل والنهار للاستراحة وكسب الأرزاق، ونحو ذلك، وإن لم يشكروه وطلبوا منه ما فيه شرّ لهم، فقال:( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ) تدلّان بتعاقبهما على نسق واحد ـ بإمكان غيره ـ على القادر الحكيم( فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ ) أي: أزلنا الآية الّتي هي الليل بالإشراق والإضاءة. والإضافة للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود.( وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ) مضيئة أو مبصرة للناس، من: أبصره فبصر. أو مبصرا أهله، كقولهم: أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء.
وقيل: الآيتان: القمر والشمس. وتقدير الكلام: وجعلنا نيّري الليل والنهار آيتين، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين. ومحو آية الليل ـ الّتي هي القمر ـ جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور، أو نقص نورها شيئا فشيئا إلى المحاق. وجعل آية النهار ـ الّتي هي الشمس ـ مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها.
( لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ ) لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم، وتتوصّلوا به إلى استبانة أعمالكم( وَلِتَعْلَمُوا ) باختلافهما أو بحركاتهما( عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) وجنس الحساب، وآجال الديون، وغير ذلك من المواقيت. ولولا ذلك لما
علم أحد حسبان الأوقات، ولتعطّلت الأمور.( وَكُلَّ شَيْءٍ ) تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا( فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً ) بيّنّاه بيانا غير ملتبس، وميّزنا كلّ شيء تمييزا بيّنا.
( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) )
ولـمّا قدّم سبحانه ذكر الوعيد أتبع ذلك بذكر كيفيّته، فقال:( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ ) عمله من الخير الّذي عاقبته يمنة، والشرّ الّذي خاتمته شؤمة. وإنّما قيل للعمل طائر على عادة العرب، فإنّهم إذا أخذوا في مقصد إن طار طير في أيمانهم يتّخذونه ميمونا، وإن طار في شمائلهم يتّخذونه مشؤوما. ومثله قوله تعالى:( قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) (١) . وقوله:( إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ ) (٢) . وعن ابن عيينة: هو من قولك: طار له سهم إذا خرج. يعني: ألزمناه ما طار من عمله.
( فِي عُنُقِهِ ) لزوم الطوق والغلّ في العنق لا ينفكّ عنه، كما قيل في المثل: تقلّدها طوق الحمامة. وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا ربقة في رقبته. وعن الحسن: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلّدتها في عنقك.
( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً ) هو صحيفة عمله، أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله، فإنّ الأفعال الاختياريّة تحدث في النفس أحوالا، ولهذا يفيد تكريرها لها
__________________
(١) يس: ١٩.
(٢) الأعراف: ١٣١.
ملكات. ونصبه بأنّه مفعول، أو حال من مفعول محذوف، وهو ضمير الطائر. ويعضده قراءة يعقوب: ويخرج، من: خرج.( يَلْقاهُ ) يرى ذلك الكتاب( مَنْشُوراً ) مفتوحا معروضا عليه ليقرأه ويعلم ما فيه. وهما صفتان للكتاب، أو «يلقاه» صفة و «منشورا» حال من مفعوله. وقرأ ابن عامر: يلقّاه على البناء للمفعول، من: لقّيته كذا.
( اقْرَأْ كِتابَكَ ) على إرادة القول. وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. وروى خالد بن نجيح عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «يذكر العبد جميع أعماله وما كتب عليه، حتّى كأنّه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا:( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) (١) .
( كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) الباء مزيدة، أي: كفى نفسك. و «حسيبا» تمييز. وهو بمعنى الحاسب، كالصريم بمعنى الصارم، وضريب القداح بمعنى ضاربها.
و «على» متعلّق به، من قولهم: حسب عليه كذا. أو بمعنى الكافي، فوضع موضع الشهيد، وعدّي بـ «على»، لأنّه يكفي المدّعي ما أهمّه. وتذكيره على أنّ الحساب والشهادة ممّا يتولّاه الرجال، أو على تأويل النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس.
وكان الحسن إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك.
( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) أي: لا ينجي اهتداؤه غيره، ولا يردي ضلاله سواه( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ ) ولا تحمل نفس حاملة وزرا( وِزْرَ أُخْرى ) وزر نفس أخرى، بل إنّما تحمل وزرها.
( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) وما صحّ منّا صحّة تدعو إليها الحكمة أن نعذّب قوما بعذاب الاستئصال( حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) إلّا بعد أن نبعث إليهم رسولا يبيّن الحجج ويمهّد الشرائع، فيلزمهم الحجّة، بأن ينبّههم على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة في التكليفات العقليّة، ويعلّمهم التكليفات النقليّة، لئلّا يقولوا: كنّا غافلين، فلو لا بعثت إلينا رسولا
__________________
(١) الكهف: ٤٩.
ينبّهنا على النظر في أدلّة العقل. وعلى هذا التأويل تكون الآية عامّة في العقليّات والنقليّات.
وقال أكثر المفسّرين، وهو الأصح: إنّ المراد بالآية أنّه لا يعذّب سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة إلّا بعد البعثة. فتكون الآية خاصّة فيما يتعلّق بالسمع من الشرعيّات. فأمّا ما كانت الحجّة من جهة العقل، وهو الإيمان بالله تعالى، فإنّه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول، عند من قال: إنّ التكليف العقلي ينفكّ من التكليف السمعي. على أنّ المحقّقين منهم يقولون: إنّه وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول، فإنّ الله سبحانه لا يفعل ذلك، مبالغة في الكرم والفضل والإحسان والطول.
( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) )
( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ) إذا دنا وقت إرادتنا بإهلاك أهل قرية بعد قيام الحجّة عليهم وإرسال الرسل إليهم.
وقيل: ذكر الإرادة على التجوّز والاتّساع، وإنّما عنى بها قرب الهلاك والعلم بكونه لا محالة، كما يقال إذا أراد العليل أن يموت: خلط في مأكله ويسرع إلى ما تتوق نفسه إليه، وإذا أراد التاجر أن يفتقر: أتاه الخسران من كلّ وجه. ومعلوم أنّ العليل والتاجر لم يريدا في الحقيقة شيئا من ذلك، لكن لـمّا كان من المعلوم من حال هذا الهلاك، ومن حال ذلك الخسران، حسن هذا الكلام، واستعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه. ولكلام العرب إشارات واستعارات ومجازات، وكان كلامهم بهذا يصير في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة.
فالمعنى: إذا قرب وقت تعلّق علمنا بإهلاك أهل قرية( أَمَرْنا مُتْرَفِيها ) متنعّميها بالإيمان والطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم، توكيدا للحجّة عليهم. ويدلّ على ذلك ما
قبله وما بعده، فإنّ الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرّد في العصيان، فيدلّ على الطاعة من طريق المقابلة.
وقيل: معناه: كثّرنا مترفيها. فيكون من باب: أمرت الشيء وآمرته فأمر، إذا كثّرته فكثر. وفي الحديث: «خير المال سكّة مأبورة، ومهرة مأمورة».
والسكّة: الطريقة المصطفّة من النخل. والمأبورة: الملقّحة. وقال الأصمعي: السكّة هاهنا الحديدة الّتي يحرث بها، ومأبورة مصلحة. ومعنى الحديث: خير المال كثير النتاج والزرع. ويؤيّده قراءة يعقوب: آمرنا.
( فَفَسَقُوا فِيها ) بالمعاصي. وتخصيص المترفين لأنّ غيرهم يتبعهم، ولأنّهم أسرع في الحماقة، وأقدر على الفجور.( فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ ) يعني: كلمة العذاب السابقة بحلوله، أو بظهور معاصيهم، أو بانهماكهم في المعاصي( فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) فأهلكناها بإهلاك أهلها. ومثله: أمرتك فعصيتني. ويشهد بصحّة هذا التأويل الآية المتقدّمة، وهي قوله:( مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) إلى قوله:( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) .
( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) )
ثمّ بيّن سبحانه ما فعله من ذلك بالقرون الخالية، فقال:( وَكَمْ أَهْلَكْنا ) وكثيرا أهلك( مِنَ الْقُرُونِ ) بيان لـ «كم» وتمييز له( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) يعني: عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا. والقرن مائة وعشرون سنة. وقيل: مائة سنة. وقيل: ثمانون. وقيل: أربعون.( وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) يدرك بواطنها وظواهرها، فلا يفوته شيء منها. فيعاقب عليها. ونبّه بهذا القول على أنّ الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، وأنّه عالم بها جميعا، فيعاقب عليها.
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه يدبّر عباده بحسب ما يراه من المصلحة، فقال:( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ ) نعمها مقصورا عليها همّه( عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ) بدل من «له» بدل البعض، لأنّ الضمير إلى «من» وهو في معنى الكثرة. وقيّد المعجّل والمعجّل له بالمشيئة والإرادة، لأنّه لا يجد كلّ متمنّ ما يتمنّاه، ولا يعطى إلّا بعضا منه، وكثير منهم يتمنّون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليه فقر الدنيا وفقر الآخرة. وأما المؤمن التقيّ فقد اختار مراده، وهو غني الآخرة، فما يبالي أوتي حظّا من الدنيا أو لم يؤت، فإن أوتي فيها، وإلّا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده.
قيل: الآية نزلت في المنافقين، كانوا يراؤن المسلمين ويغزون معهم، ولم يكن غرضهم إلّا مساهمتهم في الغنائم ونحوها.
ويؤيّد هذا القول ما روي عن ابن عبّاس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «معنى الآية: من كان يريد ثواب الدنيا بعمله الّذي افترضه الله عليه، لا يريد به وجه الله والدار الآخرة، عجّل له فيها ما يشاء من عرض الدنيا، وليس له ثواب في الآخرة، وذلك أنّ
الله سبحانه يؤتيه ذلك ليستعين به على الطاعة، فيستعمله في معصية الله، فيعاقبه الله عليه» ،
كما قال:( ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) مطرودا من رحمة الله.
( وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) إيمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب، لأنّ العمل بلا إيمان صحيح باطل لا يترتّب عليه فائدة( فَأُولئِكَ ) الجامعون للشروط الثلاثة( كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) من الله، أي: مقبولا عنده مثابا عليه، فإنّ شكر الله الثواب على الطاعة.
( كُلًّا ) كلّ واحد من الفريقين. والتنوين بدل من المضاف إليه.( نُمِدُّ ) نزيدهم من عطائنا مرّة بعد أخرى، ونجعل آنفه مددا لسالفه لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا( هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ ) بدل من «كلّا»( مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ) من معطاه. متعلّق بـ «نمدّ».
( وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) ممنوعا، لا يمنعه في الدنيا من مؤمن بعصيانه، ولا كافر لكفره، تفضّلا.
( انْظُرْ ) بعين الاعتبار( كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ) جعلناهم متفاوتين في تفضيل الرزق. وانتصاب «كيف» بـ «فضّلنا» على الحال.( وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ ) ومراتب( وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) أي: التفاوت في الآخرة أكبر، لأنّ التفاوت فيها بالجنّة ودرجاتها والنار ودركاتها. وقد روي: «أنّ ما بين أعلى درجات الجنّة وأسفلها مثل ما بين السماء والأرض».
( لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) الخطاب للرسول، والمراد به أمّته، أو لكلّ أحد( فَتَقْعُدَ ) فتصير، من قولهم: شحذ الشفرة حتّى قعدت كأنّها حربة. أو فتعجز، من قولهم: قعد عن الشيء إذا عجز عنه( مَذْمُوماً مَخْذُولاً ) جامعا على نفسك الذمّ من الملائكة والمؤمنين، والخذلان من الله. ومفهومه: أنّ الموحّد يكون ممدوحا منصورا.
( وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) )
ولـمّا تقدّم النهي عن الشرك والمعاصي، عقّبه سبحانه بالأمر بالتوحيد والطاعات، فقال:( وَقَضى رَبُّكَ ) وأمر أمرا مقطوعا به( أَلَّا تَعْبُدُوا ) بأن لا تعبدوا( إِلَّا إِيَّاهُ ) لأنّ غاية التعظيم لا تحقّ إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وهو كالتفصيل لسعي الآخرة.
ويجوز أن تكون «أن» مفسّرة، و «لا» ناهية.( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) وبأن تحسنوا، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا، لأنّهما السبب الظاهر للوجود والتعيّش. ولا يجوز أن تتعلّق الباء بالإحسان، لأنّ صلة المصدر لا تتقدّم عليه.
( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ) سنّا( أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما ) أصل إمّا «إن» الشرطيّة زيدت عليها «ما» تأكيدا، ولذلك صحّ لحوق النون المؤكّدة للفعل. و «أحدهما» فاعل «يبلغنّ»، وبدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغانّ» الراجع إلى الوالدين.
و «كلاهما» عطف على «أحدهما» فاعلا على الأوّل وبدلا على الثاني. ولا يجوز أن يكون توكيدا للتثنية، لأنّه لو أريد التأكيد لقيل: كلاهما، فحسب، فلمّا قيل: أحدهما أو كلاهما، علم أنّ التأكيد غير مراد، فكان بدلا مثل الأوّل.
ومعنى «عندك» أن يكونا في كنفك وكفالتك. وتخصيص حال الكبر ـ وإن كان من
الواجب طاعة الوالدين على كلّ حال ـ لأنّ الحاجة أكثر في تلك الحال إلى التعهّد والخدمة.
( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ ) فلا تتضجّر ممّا تستقذر منهما، وتستثقل من مؤونتهما. وهو صوت يدلّ على تضجّر. وقيل: اسم الفعل الّذي هو: أتضجّر. وبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف. والنهي عن ذلك يدلّ على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأولى. وهذا هو القياس المنصوص العلّة. وقيل: عرفا، كقولك: فلان لا يملك النقير(١) والقطمير.
ولقد بالغ سبحانه في التوصية بالوالدين، حيث افتتحها بأن شفّع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا، ثمّ ضيّق الأمر في مراعاتهما، حتّى لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجّر، مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة.
ثمّ قال:( وَلا تَنْهَرْهُما ) ولا تزجرهما عمّا يفعلانه بإغلاظ وصياح. وقيل: معناه: ولا تمتنع من شيء أراداه منك، مثل قوله:( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) (٢) . وقيل: النهي والنهر والنهم أخوات.( وَقُلْ لَهُما ) بدل التأفيف والنهر( قَوْلاً كَرِيماً ) جميلا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة، وهو أن تقول: يا أبتاه يا أمّاه، ولا تدعوهما بأسمائهما، فإنّه من سوء الأدب وعادة الدعّار(٣) .
وعن سعيد بن المسيّب: معناه: قل لهما قول العبد المذنب للسيّد الفظّ الغليظ.
وعن مجاهد: معنى الآية: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويحدثان، فلا
__________________
(١) أي: لا يملك شيئا.
(٢) الضحى: ١٠.
(٣) الدعّار جمع الداعر، وهو الخبيث المفسد الفاسق.
تتقذّرهما، وأمط عنهما كما كانا يميطن عنك في حال الصغر.
وروي عن عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام عن أبيه، عن جدّه أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «لو علم الله لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أفّ لأتى بها».
وفي رواية أخرى عنه: «أدنى العقوق أفّ، ولو علم الله شيئا أيسر منه وأهون منه لنهى عنه».
وفي الخبر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «فليعمل العاقّ ما يشاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة، وليفعل البارّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار»!
وعنه أيضا: «رغم أنفه، ثلاث مرّات. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنّة».
وعن حذيفة: «أنّه استأذن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قتل أبيه وهو في صفّ المشركين.
فقال: دعه يليه غيرك».
وفي الحديث القدسي: «من رضي عنه والده فأنا عنه راض».
وروى سعيد بن المسيّب: أنّ البارّ لا يموت ميتة سوء.
( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ ) تذلّل لهما وتواضع فيهما. أمر بخفض جناح الذلّ مبالغة، وأراد جناح صاحب الذلّ، كقوله:( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (١) . وإضافته إلى الذلّ للبيان، أي: جناحك للذلّ، كما أضيف حاتم إلى الجود. والمعنى: واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والمراد: بالغ في التواضع والخضوع لهما قولا وفعلا، برّا بهما وشفقة عليهما. والمراد بالذلّ هنا اللين والتواضع، من: خفض الطائر جناحه، إذا ضمّ فرخه إليه، فكأنّه قال: ضمّ أبويك إلى نفسك، كما كانا يفعلان بك وأنت صغير.
وعن الصادقعليهالسلام : «لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلّا برحمة ورأفة، ولا ترفع صوتك فوق صوتهما، ولا يديك فوق أيديهما، ولا تتقدّم قدّامهما».
__________________
(١) الحجر: ٨٨.
( مِنَ الرَّحْمَةِ ) من فرط رحمتك عليهما، لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما، فإنّ الولد أحوج خلق الله إلى الوالدين.
( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما ) وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين، لأنّ من الرحمة أن يهديهما( كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) رحمة مثل رحمتهما عليّ، وإرشادهما لي في صغري، وفاء بوعدك للراحمين.
روي أنّ رجلا قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ أبويّ بلغا من الكبر أنّي ألي منهما ما وليا منّي في الصغر، فهل قضيتهما حقّهما؟ قال: لا، فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبّان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما».
وشكا رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أباه، وأنّه يأخذ ماله. فدعا به فإذا شيخ يتوكّأ على عصا، فسأله. فقال: إنّه كان ضعيفا وأنا قويّ، وفقيرا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قويّ، وأنا فقير وهو غنيّ، ويبخل عليّ بماله! فبكىصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: «ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلّا بكى. ثمّ قال للولد: أنت ومالك لأبيك، أنت ومالك لأبيك».
وشكا إليه آخر سوء خلق أمّه. فقال: «لم تكن سيّئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر؟ قال: إنّها سيّئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين! قال: إنّها سيّئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها، وأظمأت نهارها! قال: لقد جازيتها.
قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي. قال: ما جزيتها ولو طلقة» يعني: ولو كان المجزيّ به طلقة، وهو وجع المخاض.
وعنهعليهالسلام : «إيّاكم وعقوق الوالدين، فإنّ الجنّة توجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا يجد ريحها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارّ إزاره خيلاء، وإنّ الكبرياء لله ربّ العالمين».
( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ ) من قصد البرّ إليهما، واعتقاد ما يجب لهما من
التوقير، ومن العقوق. وكأنّه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا.
( إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ) قاصدين للصلاح طائعين( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ ) للتوّابين( غَفُوراً ) ما فرط منهم من أذيّة أو تقصير في الوالدين. وفيه تشديد عظيم.
ويجوز أن يكون عامّا لكلّ تائب. ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوّليّا، لوروده على أثره. وروي مرفوعا: أنّ الأوّابين هم الّذين يصلّون بين المغرب والعشاء.
( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) )
ثمّ وصّى بغير الوالدين من الأقارب بعد أن بالغ في الوصيّة بهما، فقال:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) من صلة الرحم، وحسن المعاشرة، والبرّ عليهم. وعن السدّي: المراد بذي القربى أقارب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال: إن عليّ بن الحسينعليهماالسلام قال لرجل من أهل الشام ـ حين بعث به عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية عليهما لعائن الله ـ: أقرأت القرآن؟ قال: نعم.
قال: أما قرأت( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) ؟ قال: وإنّكم ذو القربى الذي أمر الله أن يؤتى حقّه؟
قال: نعم. وهو الّذي رواه أصحابنارضياللهعنهم عن الصادقينعليهماالسلام .
قال في المجمع: «حدّثنا السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني(١) ، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن عثمان ببغداد شفاها، قال: أخبرني عمر بن الحسين بن عليّ بن مالك، قال: حدّثنا جعفر بن محمد الأحمسي، قال: حدّثنا حسن بن حسين، قال: حدّثنا أبو معمر سعيد بن خثيم ،
__________________
(١) شواهد التنزيل ١: ٤٣٨ ح ٤٦٧.
وعليّ بن القاسم الكندي، ويحيى بن يعلى، وعليّ بن مسهر، عن فضل بن مرزوق، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: لـمّا نزل قوله:( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) أعطى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة فدكا».
قال عبد الرحمن بن صالح: «كتب المأمون إلى عبيد الله بن موسى يسأله عن قصّة فدك، فكتب إليه عبيد الله بهذا الحديث، رواه عن الفضيل بن مرزوق عن عطيّة، فردّ المأمون فدك على ولد فاطمةعليهاالسلام »(١) .
( وَالْمِسْكِينَ ) وآت المسكين حقّه الّذي جعله الله له، من الزكاة وغيرها( وَابْنَ السَّبِيلِ ) وآت المجتاز المنقطع عن بلاده حقّه أيضا( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) بصرف المال فيما لا ينبغي، فإنّ التبذير تفريق المال في غير حقّه. قال مجاهد: لو أنفق مدّا في باطل كان مبذّرا، ولو أنفق جميع ماله في الحقّ لم يكن تبذيرا. وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه: لا خير في السّرف، فقال: لا سرف في الخير.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لسعد وهو يتوضّأ: «ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء سرف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار».
( إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ) إنّ المسرفين أمثال الشياطين في الشرارة، السالكون طريقهم، فإنّ التضييع والإتلاف شرّ. أو أصدقاؤهم وأتباعهم، لأنّهم يطيعونهم في الإسراف والصرف في المعاصي.
روي أنّهم كانوا ينحرون الإبل، ويتياسرون(٢) عليها، ويبذّرون أموالهم في السمعة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بالإنفاق في القربات.
( وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) مبالغا في الكفر به، فينبغي أن لا يطاع، فإنّه لا يدعو إلا إلى مثل فعله من الشرّ.
__________________
(١) مجمع البيان ٦: ٤١١.
(٢) أي: يتقامرون.
( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) وإن تعرض عن هؤلاء الّذين أمرتك بإيتاء حقوقهم عند مسألتهم إيّاك ـ لأنّك لا تجد ذلك ـ حياء من الردّ. ويجوز أن يراد بالإعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية.( ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها ) لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه، أو منتظرين له. وقيل: معناه: لفقد رزق من ربّك ترجوه أن يفتح لك. فوضع الابتغاء موضعه، لأنّه مسبّب عنه.( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) أي: قولا ليّنا سهلا، تطييبا لقلوبهم.
ويجوز أن يتعلّق قوله:( ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) بجواب الشرط، أعني قوله:( فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ) . ومعناه: فقل لهم قولا ليّنا ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم، بإجمال القول لهم. والميسور من: يسر الأمر، مثل: سعد الرجل ونحس. وقيل: القول الميسور الدعاء لهم بالميسور، وهو اليسر، مثل: أغناكم الله ورزقنا الله وإيّاكم.
( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) )
ثمّ أمر سبحانه بالاقتصاد الّذي هو بين الإسراف والتقتير، فقال:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) هذان تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذّر.
والمعنى: لا تكن ممّن لا يعطي شيئا ولا يهب، فتكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه لا يقدر على الإعطاء. وهذا مبالغة في النهي عن الشحّ والإمساك. ولا تعط أيضا جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من بسط يده حتّى لا يستقرّ فيها شيء. والمقصود الأمر بالاقتصاد
بينهما الّذي هو الكرم.
( فَتَقْعُدَ مَلُوماً ) فتصير ملوما عند الله وعند النّاس بالإسراف وسوء التدبير( مَحْسُوراً ) نادما، أو منقطعا بك لا شيء عندك، من: حسره السفر إذا بلغ منه، أي: انقطع.
وقيل: معناه: إن أمسكت قعدت ملوما مذموما، وإن أسرفت بقيت متحسّرا مغموما.
وعن جابر: «بينا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس أتاه صبيّ فقال: إنّ أمّي تستكسيك درعا. فقال: من ساعة إلى ساعة يظهر، فعد إلينا. فذهب إلى أمّه فقالت: قل له: إنّ أمّي تستكسيك الدرع الّذي عليك. فدخلصلىاللهعليهوآلهوسلم داره، ونزع قميصه وأعطاه، وقعد عريانا.
وأذّن بلال، وانتظروه للصلاة فلم يخرج، فلامه الكفّار وقالوا: إنّ محمدا اشتغل بالنوم واللهو عن الصلاة. فأنزل الله ذلك، ثمّ سلّاه بقوله:( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) يوسّعه ويضيّقه بمشيئته التابعة للحكمة، فليس ما يرهقك من الإضافة إلّا لمصلحتك( إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) يعلم سرّهم وعلنهم، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم.
ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله العالم بالسرائر والظواهر، فأمّا العباد فعليهم أن يقتصدوا. أو أنّه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى، فاستنّوا بسنّته، ولا تقبضوا كلّ القبض، ولا تبسطوا كلّ البسط. وأن يكون تمهيدا لقوله:( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ) أي: بناتكم( خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) مخافة الفاقة. وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر، فنهاهم عنه، وضمن لهم أرزاقهم، فقال:( نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ) ذنبا عظيما، لـما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع. والخطأ: الإثم. يقال: خطئ خطأ، كأثم إثما.
وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان: خطأ. وهو اسم من: أخطأ، يضادّ الصواب.
وقيل: لغة فيه، كمثل ومثل، وحذر وحذر. وقرأ ابن كثير خطاء بالمدّ والكسر. وهو إمّا
لغة فيه، أو مصدر خاطأ. وهو وإن لم يسمع لكنّه جاء: تخاطأ، فهو مبنيّ عليه.
( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) )
( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) بالعزم والإتيان بالمقدّمات فضلا عن أن تباشروه( إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ) فعلة فاحشة زائدة عن حدّ القبح( وَساءَ سَبِيلاً ) وبئس طريقا طريقه. وهو وطء المرأة حراما بلا عقد ولا شبهة عقد.
وفي الأنوار: «هو الغصب على الأبضاع المؤدّي إلى قطع الأنساب، وتهييج الفتن»(١) . وإبطال المواريث، وصلة الرحم، وحقوق الآباء على الأولاد، وذلك مستنكر في العقول.
وفي المجمع: «أخبرني المفيد عبد الجبّار بن عبد الله بن علي، قال: حدّثنا أبو جعفر الطوسي، قال: حدّثنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن حبيب الفارسي، عن أبي بكر محمّد بن أحمد بن محمّد الجرجرائي، قال: سمعت أبا عمرو عثمان بن الخطّاب المعروف بأبي الدنيا يقول: سمعت عليّ بن أبي طالبعليهالسلام يقول: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: في الزنا ستّة خصال، ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة. فأمّا اللواتي في الدنيا: فيذهب بنور الوجه، ويقطع الرزق، ويسرع الفناء. وأمّا اللّواتي في الآخرة: فغضب الربّ، وسوء الحساب، والدخول في النار»(٢) .
( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) )
__________________
(١) أنوار التنزيل ٣: ٢٠١.
(٢) مجمع البيان ٦: ٤١٣ ـ ٤١٤.
( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ ) إلّا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان ـ سواء كان أصليّا أو بالارتداد ـ وزنا بعد إحصان ـ وفي حكمه اللواط ـ وقتل مؤمن معصوم عمدا.
( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً ) غير مستوجب للقتل( فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ ) الّذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث( سُلْطاناً ) تسلّطا على القاتل بالمؤاخذة والاقتصاص منه، فإنّ قوله: «مظلوما» يدلّ على أنّ القتل عمدا عدوان، فإن الخطأ لا يسمّى ظلما( فَلا يُسْرِفْ ) أي: القاتل( فِي الْقَتْلِ ) بأن يقتل من لا يستحقّ قتله، فإنّ العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك. أو الوليّ بالمثلة، أو قتل غير القاتل. وقرأ حمزة والكسائي: فلا تسرف، على خطاب أحدهما.
ثمّ استأنف الكلام بقوله:( إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) علّة للنهي عن قتل غير المقتول والمثلة. والضمير إمّا للمقتول، فإنّه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله، وفي الآخرة بالثواب. وإمّا لوليّه، فإنّ الله نصره حيث أوجب القصاص له، وأمره الولاة بمعونته. وإمّا للّذي يقتله الوليّ إسرافا، بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف.
( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) )
( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ) فضلا أن تتصرّفوا فيه( إِلَّا بِالَّتِي ) أي: بالطريقة الّتي( هِيَ أَحْسَنُ ) وهي حفظه عليه وجوبا، وتثميره مندوبا على الأصحّ( حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) غاية لجواز التصرّف الّذي دلّ عليه الاستثناء.
وبعد النهي عن المنهيّات المذكورة الّتي هي أمّ المناهي، حثّ عباده على الوفاء بالعهود، وعلى إتمام الوزن والكيل في المعاملات، وإيفاء الحقوق الّذي هو سبب انتظام الأمور، فقال:( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ) بما عاهدكم الله من تكاليفه، أو ما عاهدتموه وغيره( إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ) مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيّعه ويفي به. أو مسئولا عنه، يسأل الناكث ويعاتب عليه. ويجوز أن يكون تخييلا، كأنّه يسأل العهد لم نكثت؟ وهلّا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للمؤودة: بأيّ ذنب قتل؟ ويجوز أن يراد: أن صاحب العهد كان مسئولا.
( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) ولا تبخسوا فيه( إِذا كِلْتُمْ ) يعني: أوفوا الناس حقوقهم إذا كلتم عليهم حقوقهم( وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) بالميزان السويّ الّذي لا بخس فيه ولا غبن، صغيرا كان أو كبيرا. وقيل: هو القبّان(١) . والقسطاس رومي عرّب. ولا يقدح ذلك في عربيّة القرآن، لأنّ العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربيّا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي الشعراء(٢) .
( ذلِكَ خَيْرٌ ) نموّا في المال( وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) عاقبة في المآل. وهو ثواب الآخرة. تفعيل من: آل إذا رجع.
( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) )
ثمّ نهى عن اقتفاء شيء لا يتعلّق العلم به، فقال:( وَلا تَقْفُ ) ولا تتّبع
__________________
(١) القبان: آلة توزن بها الأشياء.
(٢) الشعراء: ١٨٢
( ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ما لم يتعلّق به علمك تقليدا. وعن ابن عبّاس: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم. والعلم هنا مقابل الجهل، وهو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعا أو ظنّا. واستعماله بهذا المعنى شائع، فلا يكون حجّة لمن منع اتّباع الظنّ، فيدخل فيه الاجتهاد، لأنّ ذلك نوع من العلم، فإنّ الشرع قد أقام غالب الظنّ مقام العلم، وأمر بالعمل به.
وقيل: إنّه مخصوص بالعقائد. وقيل: بالرمي وشهادة الزور. ويؤيّده قولهعليهالسلام : «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج».
والردغة: الماء والطين والوحل الشديد. والمراد هنا عصارة أهل النار، والخبل عرقهم. والمعنّي من الآية: النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لم يعلم.
( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ ) أي: كلّ هذه الأعضاء.
قال في الأنوار: «إنّما خصّ هذه القوى الثلاثة بالذكر، لأنّ العلوم إمّا مستفاد من الحواسّ أو العقول. ولـمّا كانت هذه الثلاثة مسئولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها أجريت مجرى العقلاء. وأيضا «أولاء» وإن غلّب في العقلاء، لكنّه من حيث إنّه اسم جمع لـ «ذا» وهو يعمّ القبيلتين جاء لغيرهم»(١) .
( كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ) الضمير للكلّ، أي: كان كلّ واحد منها مسئولا عن نفسه، يعني: عمّا فعل به صاحبه. ويجوز أن يكون الضمير في «عنه» لمصدر «لا تقف»، أو لصاحب السمع والبصر والفؤاد. وقيل: إنّ «مسئولا» مسند إلى «عنه»، كقوله تعالى:( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) . والمعنى: يسأل صاحبه عنه. وهو خطأ، لأنّ الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدّم.
__________________
(١) أنوار التنزيل ٣: ٢٠٢. ولم ترد فيه الجملة الأولى.
( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) )
ثمّ نهى عن فعل قبيح آخر بقوله:( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) أي: ذا مرح، وهو الاختيال والتكبّر( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ) لن تجعل فيها خرقا بدوسك فيها وشدّة وطأتك( وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ) بتطاولك. وهو تهكّم بالمختال، وتعليل للنهي بأنّ الاختيال حماقة محضة لا تعود بجدوى، ليس في التذلّل.
قال في المجمع: «إنّما قال ذلك لأنّ من الناس من يمشي في الأرض بطرا، يدقّ قدميه عليها ليرى بذلك قدرته وقوّته، ويرفع رأسه وعنقه، فبيّن سبحانه أنّه ضعيف مهين، لا يقدر أن يخرق الأرض بدقّ قدميه عليها حتى ينتهي إلى آخرها، وأنّ طوله لا يبلغ طول الجبال وإن كان طويلا»(١) .
( كُلُّ ذلِكَ ) إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة من قوله:( لا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) (٢) . وعن ابن عبّاس: أنّ هذه الثماني(٣) عشرة آية كانت مكتوبة في ألواح موسىعليهالسلام .( كانَ سَيِّئُهُ ) يعني: المنهيّ عنه، فإنّ المذكورات مأمورات ومنهيّات.
وقرأ الحجازيّان والبصريّان: سيّئة، على أنّها خبر «كان»، والاسم ضمير «كلّ» ،
__________________
(١) مجمع البيان ٦: ٤١٦.
(٢) الإسراء: ٢٢.
(٣) أي: من آية ٢٢ إلى ٣٩ من سورة الإسراء.
و «ذلك» إشارة إلى ما نهى عنه خاصّة. وعلى هذا قوله:( عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) بدل من «سيّئة» أو صفة لها محمولة على المعنى، فإنّه بمعنى: سيّئا. وفي الكشّاف: «السيّئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم، زال عنه حكم الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه»(١) .
ويجوز أن ينتصب «مكروها» على الحال من المستكن في «كان»، أو في الظرف، على أنّه صفّة «سيّئة».
وفي هذا دلالة واضحة على بطلان قول المجبّرة، فإنّه سبحانه صرّح بأنّه يكره المعاصي والسيّئات، وإذا كرهها فكيف يريدها؟! فإنّ من المحال أن يكون الشيء الواحد مرادا ومكروها عنده.
( ذلِكَ ) إشارة إلى الأحكام المتقدّمة، من الأوامر والنواهي( مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) الّتي هي معرفة الحقّ لذاته، ومعرفة الخير للعمل به. وفي الكشّاف: «سمّاه حكمة لأنّه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه»(٢) .
( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) كرّره للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإنّ من لا قصد له بطل عمله، ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنّه رأس الحكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه، وإن بذّ(٣) فيها الحكماء، وحكّ بيافوخه(٤) السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضلّ من النعم.
ورتّب عليه أوّلا ما هو عائدة الشرك في الدنيا، وثانيا ما هو نتيجته في العقبى، فقال:( فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ) أي: إذا فعلت ذلك فتلقى وتطرح في النار تلوم نفسك
__________________
(١، ٢) الكشّاف ٢: ٦٦٨.
(٣) بذّه أي: غلبه وفاقه.
(٤) اليافوخ: موضع من رأس الطفل بين عظام جمجمته. يقال: مسّ بيافوخه السماء، إذا علا قدره وتكبّر.
( مَدْحُوراً ) مبعدا من رحمة الله تعالى.
( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١) )
( أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ) خطاب لمن قالوا: الملائكة بنات الله. والهمزة للإنكار. والمعنى: أفخصّكم ربّكم بأفضل الأولاد وهم البنون.( وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ) بنات لنفسه؟! وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصّة بالأجسام لسرعة زوالها، ثمّ بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ثمّ. يجعل الملائكة الّذين هم من أشرف خلق الله أدونهم.
( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) كرّرنا الدلائل، وفصّلنا العبر، بوجوه من تقرير التوحيد( فِي هذَا الْقُرْآنِ ) في مواضع منه. وترك المفعول لدلالة الكلّي عليه، وعلم السامع به. ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه، لأنّه ممّا صرفه وكرّر ذكره. والمعنى: ولقد صرّفنا القول في هذا المعنى، أو أوقعنا التصريف فيه.( لِيَذَّكَّرُوا ) ليتذكّروا. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان(١) : ليذكروا، من الذكر الّذي بمعنى التذكّر. يعني: كرّرناه ليتّعظوا ويعتبروا ويطمئنّوا إلى ما يحتجّ به عليهم.
( وَما يَزِيدُهُمْ ) وما يزيد هؤلاء الكفّار تصريف الأمثال والدلائل لهم( إِلَّا نُفُوراً ) عن الحقّ، وقلّة طمأنينة إليه. وأضاف النفور إلى القرآن، لأنّهم ازدادوا النفور عند
__________________
(١) الفرقان: ٥٠.
نزوله، كقوله:( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ) (١) . والحكمة في إنزاله ـ مع أنّهم يزدادون النفور عند إنزال القرآن ـ إلزام الحجّة، وقطع المعذرة في إظهار الدلائل الّتي تحسن التكليف. وعن سفيان: كان إذا قرأها قال: زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا.
( قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤) )
ثمّ بيّن التوحيد بأوضح البيان، فقال:( قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ) ايّها المشركون. وقرأ ابن كثير وحفص بالياء فيه وفيما بعده، على أنّ الكلام مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ووافقهما نافع وابن عامر وأبو بكر وأبو عمرو ويعقوب في الثانية، على أنّ الأولى ممّا أمر الرسول أن يخاطب به المشركين، والثانية ممّا نزّه به نفسه عن مقالتهم.( إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) جواب عن قولهم، وجزاء لـ «لو».
والمعنى: لطلبوا إلى من له الملك والربوبيّة طريقا بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، فإنّ الشريكين في الإلهيّة يكونان متساويين في صفات الذات، ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك. وفيه إشارة إلى برهان التمانع، كقوله:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) (٢) .
قيل: معناه ليقربوا إليه بالطاعة، لعلمهم بقدرته وعجزهم، كقوله :
__________________
(١) نوح: ٦.
(٢) الأنبياء: ٢٢.
( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) (١) .
( سُبْحانَهُ ) تنزّه تنزيها( وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا ) تعاليا( كَبِيراً ) متباعدا غاية البعد عمّا يقولون، فإنّه في أعلى مراتب الوجود، وهو كونه واجب الوجود وواجب البقاء لذاته، واتّخاذ الولد من أدنى مراتبه، فإنّه من خواصّ ما يمتنع بقاؤه، فوصف العلوّ بالكبر للمبالغة في معنى البراءة والبعد ممّا وصفوه به.
( تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ ) حيث تدلّ على صانعها وعلى صفاتها العلى بإمكانها وحدوثها.
( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ) وليس شيء من الموجودات( إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) ينزّهه عمّا هو من لوازم الإمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال، إذ كلّها حادث مصنوع، فتدلّ بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم، الواجب لذاته، القادر على جميع الممكنات، على وجه كأنّها تنطق بذلك. وهذا التسبيح المجازي حاصل في الجميع، فيحمل عليه. وأيضا هو من طريق الدلالة أقوى من التسبيح الحقيقي، لأنّه يؤدّي إلى العلم به، بخلاف الحقيقي.
( وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) أيّها المشركون، فإنّهم وإن كانوا إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا: الله، إلّا أنّهم لـمّا جعلوا معه آلهة مع إقرارهم، فكأنّهم لم ينظروا ولم يقرّوا، لأنّ نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح، ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق.
ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ الّذي هو التسبيح الحقيقي، والدلالة الّتي هي التسبيح المجازي، لإسناده إلى ما يتصوّر منه اللفظ من الملائكة والثقلين، وإلى ما لا يتصوّر منه من غير ذوي العقول. ويجوز حمله عليهما جميعا عند من جوّز إطلاق اللفظ على معنييه.
__________________
(١) الإسراء: ٥٧.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: يسبّح بالياء.
( إِنَّهُ كانَ حَلِيماً ) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وجهلكم بالتسبيح وشرككم( غَفُوراً ) لمن تاب منكم.
( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) )
ولـمّا تقدّم قوله:( وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ ) بيّن سبحانه حالهم عند قراءة القرآن، فقال:( وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) أي: يحجبهم عنك عند قراءتك ستر ذا ستر، كقولهم: سيل مفعم(١) ، أي: ذو إفعام. أو مستورا عن العيون من قدرة الله، فهو حجاب لا يرى. ويجوز أن يراد به حجاب من دونه حجاب.
قال الكلبي: هم: أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وأبو جهل، وأمّ جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، وكانوا يأتونه ويمرّون به ولا يرونه، لئلّا يؤذوه.
__________________
(١) أي: مالئ، من: أفعم الإناء: ملأه.
( وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) تكنّها وتحول دونها عن إدراك الحقّ وقبوله( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) كراهة أن يفقهوه( وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) يمنعهم عن استماعه. يعني: أنّهم في رسوخ الكفر، والانهماك في العناد، والتصميم على اللجاج في طريق الاعوجاج، على وجه كأنّ الله تعالى جعل أكنّة على قلوبهم لئلّا يفقهوا القرآن، وفي آذانهم صمما لئلّا يستمعوه، لا أنّه واقع على معناه الظاهري، فإنّه قبيح غاية القبح، ومستلزم لتكليف ما لا يطاق، تعالى الله عن ذلك.
وقال صاحب الكشّاف: «هذه حكاية لـما كانوا يقولونه:( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) (١) كأنّه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم»(٢) . وقد مرّ تحقيق ذلك في سورة الأنعام(٣) .
وقيل: معناه: أنّا جعلنا بينك وبينهم حجابا. بمعنى: باعدنا بينك وبينهم في القرآن، فهو لك وللمؤمنين معك شفاء وهدى، وهو للمشركين في آذانهم وقر وعليهم عمى، فهذا هو الحجاب. وهذا منقول عن أبي مسلم.
( وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ) واحدا غير مشفوع به آلهتهم. مصدر وقع موقع الحال. وأصله واحدا وحده.( وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) هربا من استماع التوحيد أو تولية. ويجوز أن يكون جمع نافر، كقاعد وقعود.
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ) بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن.
قيل: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان يقرأ يقوم عن يمينه رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن يساره، فيصفّقون ويصفّرون ويخلّطون عليه بالأشعار.
( إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) ظرف لـ «أعلم». وكذا( وَإِذْ هُمْ نَجْوى ) أي: نحن أعلم
__________________
(١) فصّلت: ٥.
(٢) الكشّاف ٢: ٦٧٠ ـ ٦٧١.
(٣) راجع ج ٢ ص ٣٧٤ ذيل الآية ٢٥ من سورة الأنعام.
بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له، وحين هم ذووا نجوى يتناجون به في أمرك.
قيل: يعني بهم أبا جهل وزمعة بن الأسود وعمرو بن هشام وخويطب بن عبد العزّى، اجتمعوا وتشاوروا في أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال أبو جهل: هو مجنون. وقال زمعة: هو شاعر. وقال خويطب: هو كاهن. ثمّ أتوا الوليد بن المغيرة وعرضوا عليه ذلك، فقال: هو ساحر.
ونجوى مصدر. ويحتمل أن يكون جمع نجيّ.
( إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً ) مقدّر بـ: أذكر، أو بدل من «إذ هم نجوى» على وضع «الظالمون» موضع الضمير، للدلالة على أن تناجيهم بقوله هذا ظلم. والمسحور هو الّذي سحر فزال عقله. وقيل: الّذي له سحر، وهو الرئة، أي: إلّا رجلا يتنفّس ويأكل ويشرب مثلكم.
( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢) )
ثمّ قال على وجه التعجّب:( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ) مثّلوك بالشاعر والساحر والكاهن والمجنون( فَضَلُّوا ) عن الحقّ في جميع ذلك، كضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحيّر في أمره لا يدري ما يصنع( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) إلى طعن بوجه فيتهافتون ويخبطون.
( وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً ) وغبارا. وعن مجاهد: ترابا.( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) يعني: قال منكروا البعث على الإنكار والاستبعاد: أإذا متنا، وانتثرت لحومنا، وصرنا عظاما وحطاما، أنبعث بعد ذلك خلقا متجدّدا؟ لـما بين غضاضة الحيّ ويبوسة الرميم من المباعدة والمنافاة. والعامل في «إذا» ما دلّ عليه «مبعوثون» لا نفسه، لأنّ ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها. و «خلقا» مصدر أو حال.
( قُلْ ) جوابا لهم( كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ) أي: اجهدوا في أن لا تعادوا، فكونوا إن استطعتم حجارة في القوّة والصلابة، أو حديدا في الشدّة والجساوة(١) .
( أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ) أي: ممّا يكبر عندكم عن قبول الحياة، لكونه أبعد شيء منها، كالسماوات والأرض والجبال، فإنّ قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم، لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظاما مرفوتة، وقد كانت غضّة موصوفة بالحياة قبل؟! والشيء أقبل لـما عهد فيه ممّا لم يعهد. وخرج الكلام مخرج الأمر، لأنّه أبلغ في الإلزام.
( فَسَيَقُولُونَ ) إنكارا واستبعادا( مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وكنتم ترابا وما هو أبعد منه من الحياة، فإنّ من قدر على ابتداء الشيء كان على إعادته أقدر، فإنّ ابتداء الشيء أصعب من إعادته، وأنتم تقرّون بالنشأة الأولى، فلم تنكرون النشأة الآخرة، مع أنّها أهون وأسهل؟!( فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ ) فسيحرّكونها نحوك تعجّبا واستهزاء
__________________
(١) أي: الصلابة، من: جسأ أو جسا، إذا صلب.
( وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ) متى يكون البعث؟( قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ) فإنّ كلّ آت قريب. وانتصابه على الخبر أو الظرف، أي: يكون في زمان قريب. و «أن يكون» اسم عسى أو خبره، والاسم مضمر.
( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ ) أي: يوم نبعثكم فتنبعثون مطاوعين منقادين لا تمنعون. استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسّر أمرهما، وأنّ المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء.( بِحَمْدِهِ ) حال منهم، أي: حامدين الله على كمال قدرته، كما نقل عن سعيد بن جبير: أنّهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك أللّهمّ وبحمدك.
وفي الكشّاف: «هي مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشقّ عليه فيتأبّى ويتمنّع: ستركبه وأنت حامد شاكر»(١) .
( وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً ) وتستقصرون مدّة حياتكم في الدّنيا، وتحسبونها يوما أو بعض يوم، لسرعة انقلاب الدنيا إلى الآخرة، أو لـما ترون من الهول. أو لمدّة مكثكم في القبر. وقال قتادة: استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا لـما يعلمون من طول لبثهم في الآخرة.
( وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) )
( وَقُلْ لِعِبادِي ) يعني: المؤمنين( يَقُولُوا ) للمشركين( الَّتِي ) الكلمة الّتي
__________________
(١) الكشّاف ٢: ٦٧٢.
( هِيَ أَحْسَنُ ) ولا يخاشنوهم، كقوله:( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
( إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) يهيّج بينهم المراء والمخاصمة والمشاقّة، ويغري بعضهم ببعض، ويلقي بينهم العداوة، فلعلّ المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد.
( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ ) في جميع الأوقات( لِلْإِنْسانِ ) لآدم وذريّته( عَدُوًّا مُبِيناً ) ظاهر العداوة.
ثمّ فسّر الّتي هي أحسن بقوله:( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ) وبما هو صلاح لكم( إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ) بالتوبة( أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ) بالإصرار على المعصية. وما بينهما(٢) اعتراض. والمعنى: قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا تصرّحوا بأنّهم من أهل النار، فإنّه يهيّجهم على الشرّ، مع أنّ ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلّا الله.
( وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ) موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإيمان، وإنّما أرسلناك مبشّرا ونذيرا، فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم. روي أنّ المشركين أفرطوا في إيذائهم، فشكوا إلى رسول الله، فنزلت، وذلك قبل نزول آية السيف(٣) .
وقيل: الكلمة الّتي هي أحسن أن يقولوا: يهديكم الله ويرحمكم الله. والخطاب في قوله:( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ) للمؤمنين. والمعنى: إن يشأ يرحمكم بإخراجكم من مكّة وتخليصكم من إيذاء المشركين، وإن يشأ يعذّبكم بتسليطهم عليكم. أو إن يشأ يرحمكم بفضله، وإن يشأ يعذّبكم بعذابه. وهو الأظهر.
( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا
__________________
(١) النحل: ١٢٥.
(٢) أي: ما بين قوله تعالى:( يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) وقوله:( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ ) .
(٣) التوبة: ٥ و ٢٩.
يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) )
ثمّ عاد إلى خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) بأحوالهم وبما يستأهل كلّ واحد منهم، فيختار منهم لنبوّته وولايته من يشاء. وهو ردّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيّا، وأن يكون العراة الجوّع أصحابه، كصهيب وبلال وخباب، دون أن يكون ذلك في بعض أكابرهم وصناديدهم.
ثمّ زاد في الموعظة بقوله:( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ) بالفضائل النفسانيّة، والتبرّي عن العلائق الجسمانيّة، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتّى داودعليهالسلام ، فإنّ شرفه بما أوحي إليه من الكتاب، لا بما أوتيه من الملك. فقوله بعده:( وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ) إشارة إلى بعض ذلك.
وقيل: قوله:( وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ ) إشارة إلى تفضيل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما بعده تنبيه على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء وأمّته خير الأمم، المدلول عليه.
بما كتب في الزبور من أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون، وهم محمّد وأمّته.
وقيل: وجه تخصيصه بالذكر «أنّ كفّار قريش ما كانوا على نظر وجدل، بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، واليهود كانوا يقولون: لا نبيّ بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود» كذا في الكبير(١) .
__________________
(١) التفسير الكبير للرازي ٢٠: ٢٣٠.
وتنكيره هاهنا وتعريفه في قوله:( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ ) (١) لأنّه في الأصل فعول بمعنى المفعول كالحلوب، أو المصدر كالقبول. ويؤيّده قراءة حمزة بالضمّ. وهو كالعبّاس وعبّاس، والفضل وفضل. أو لأنّ المراد وآتينا داود بعض الزبر، وهي الكتب.
وأن يراد ما ذكر فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الزبور، فسمّى ذلك زبورا، لأنّه بعض الزبور، كما سمّي بعض القرآن قرآنا.
( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) أنّها آلهة( مِنْ دُونِهِ ) كالملائكة والمسيح وعزيز( فَلا يَمْلِكُونَ ) فلا يستطيعون( كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ) كالمرض والفقر والقحط( وَلا تَحْوِيلاً ) ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم.
( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ) يعني: هؤلاء الآلهة( يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ) يطلبون إلى الله القربة بالطاعة( أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) بدل من واو «يبتغون»، أي: يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغير الأقرب؟!( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) كسائر العباد، فكيف تزعمون أنّهم آلهة؟!( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) حقيقا بأن يحذره كلّ أحد، حتى الرسل والملائكة، فضلا عن غيرهم.
( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩) )
__________________
(١) الأنبياء: ١٠٥.
( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ) بإماتة أهلها واستئصال ساكنيها( قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً ) بالقتل وأنواع البليّة. قيل: الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة.
وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحّاك بن مزاحم في تفسيرها: أمّا مكّة فيخرّبها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال ـ يعني: بلادها الّتي يسكنها الأكراد، ما بين بغداد وما والاها ـ بالصواعق والرواجف. وأمّا خراسان فعذابها ضروب، ثمّ ذكرها بلدا بلدا.
( كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ ) في اللوح المحفوظ( مَسْطُوراً ) أخبر أنّ ذلك كائن لا محالة، ولا يكون خلافه.
( وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ) وما صرفنا عن إرسال الآيات الّتي اقترحها قريش، من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، وغير ذلك( إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ) إلا تكذيب الأوّلين الّذين هم أمثالهم في الطبع، كعاد وثمود. يعني: أنّها لو أرسلت لكذّبوا بها تكذيب أولئك، واستوجبوا الاستئصال، على ما مضت به سنّتنا في الأمم أن من كذّب بالآيات المقترحة عوجل بعذاب الاستئصال بعد أن كفر بها. ومن حكمنا النافذ أن لا نستأصلهم لشرف محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولأنّ منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن وينصر دينه الإسلام، فإنّ أمّته باقية، وشريعته مؤيّدة إلى يوم القيامة.
ثمّ ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة، فقال:( وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ ) بسؤالهم( مُبْصِرَةً ) بيّنة ذات أبصار، فإنّ آثارهم قريبة من قريش، يبصرها صادرهم وواردهم، أو بصائر. أو جاعلتهم ذوي بصائر.( فَظَلَمُوا بِها ) فكفروا بها، أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها.
( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ ) يعني: بالآيات المقترحة( إِلَّا تَخْوِيفاً ) من نزول العذاب المستأصل. أو بالآيات غير المقترحة ـ كالمعجزات وآيات القرآن ـ إلّا إنذارا بعذاب
الآخرة، فإنّ أمر من بعثت إليهم مؤخّر إلى يوم القيامة. والباء مزيدة، أو في موضع الحال، والمفعول محذوف.
( وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) )
ثمّ قال سبحانه مخاطبا لنبيّه:( وَإِذْ قُلْنا لَكَ ) واذكر إذ أوحينا إليك( إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ ) كلّهم، فهم في قبضة قدرته ومن تحت علمه، فإنّه عالم بأحوالهم وبما يفعلونه من طاعة أو معصية، قادر على ما يستحقّونه على ذلك من الثواب والعقاب. أو أحاط بقريش، بمعنى: أهلكهم، من: أحاط بهم العدوّ. فهو بشارة بوقعة بدر، وبالنصرة عليهم. والتعبير بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه. وهو كقوله:( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (١) ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ) (٢) وغير ذلك.
( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) قيل: المراد بهذه الرؤية رؤية العين، وهي ما ذكر في أوّل السورة من إسراء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى بيت المقدس وإلى السماوات في ليلة واحدة، فلمّا رأى ذلك ليلا وأخبر بها حين أصبح سمّاها رؤيا. وسمّاها فتنة في قوله:( إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) لأنّه أراد بها الامتحان وشدّة التكليف، ليعرض المصدّق بذلك لجزيل ثوابه والمكذّب به لأليم عقابه. وهذا مرويّ عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة.
__________________
(١) القمر: ٤٥.
(٢) آل عمران: ١٢
وقال بعضهم: إنّها رؤيا نوم رآها أنّه دخل مكّة وهو بالمدينة، فقصدها فصدّه المشركون في الحديبية عن دخولها، حتّى شكّ قوم ودخلت عليهم الشبهة، فقالوا: يا رسول الله ألست قد أخبرتنا أنّا ندخل المسجد الحرام آمنين؟ فقال: أو قلت لكم إنّكم تدخلونها العام؟ قالوا: لا. فقال: لندخلنّها إن شاء الله. ورجع ثمّ دخل مكّة في العام القابل، فنزل:( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ ) (١) . وهو قول الجبائي وأبو مسلم.
وفيه: أنّ الآية مكيّة، إلّا أن يقال: رآها بمكّة وحكاها حينئذ.
وقيل: هي رؤيا رآها في وقعة بدر، لقوله:( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) (٢) .
ولما روي أنه لـمّا ورد ماء بدر قال: لكأنّي أنظر مصارع القوم، هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان، فتسامعت به قريش واستسخروا منه.
وقيل: رأى في المنام قوما من بني أميّة يرقون على منبره وينزون عليه نزو القردة، فقال: هذا حظّهم من الدنيا، يعطون بظاهر إسلامهم. وهو منقول عن سهل بن سعيد عن أبيه، ومرويّ عن أبي عبد الله وأبي جعفرعليهماالسلام ، حيث قالا: «إنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أميّة، أخبره الله تعالى بتغلّبهم على مقامه، وقتلهم ذرّيّته».
وبعد هذه الرؤية لم يرصلىاللهعليهوآلهوسلم ضاحكا حتّى مات.
وعلى هذا كان المراد بقوله:( إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) ما حدث في أيّامهم، كماروي عن المنهال بن عمرو قال: «دخلت على عليّ بن الحسينعليهماالسلام فقلت له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ فقال: أصبحنا والله بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون، يذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وأصبح خير البريّة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يلعن على المنابر، وأصبح من يحبّنا منقوصا حقّه بحبّه إيّانا».
وقيل للحسن: يا أبا سعيد قتل الحسين بن عليّعليهماالسلام ، فبكى حتّى اختلج جنباه ،
__________________
(١) الفتح: ٢٧.
(٢) الأنفال: ٤٣.
ثمّ قال: واذلّاه لأمّة قتل ابن دعيّها ابن نبيّها.
وقوله:( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) عطف على الرؤيا، أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلّا فتنة للناس. وهي شجرة الزقّوم، لـمّا سمع المشركون ذكرها قالوا: إنّ محمّدا يزعم أنّ الجحيم تحرق الحجارة ثمّ يقول: ينبت فيها الشجر. وما قدروا الله حقّ قدره، ولم يعلموا أنّ من قدر أن يحمي وبر السمندر من أن تأكله النار ـ وهو دويبّة ببلاد الترك تتّخذ منه مناديل، إذا اتّسخت طرحت في النار، فذهب الوسخ وبقي المنديل سالما لا تعمل فيه النار ـ وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر الّتي تبتلعها، قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها.
ولعنها في القرآن لعن طاعميها. وصفت به على المجاز للمبالغة. أو وصفها بأنّها في أصل الجحيم، فإنّه أبعد مكان من الرحمة. أو بأنّها مكروهة مؤذية، من قولهم: طعام ملعون لـما كان ضارّا. وقد أوّلت بالشيطان، وأبي جهل، والحكم بن أبي العاص. قيل: هي بني أميّة الّذين أكثرهم أولاد الزنا.
( وَنُخَوِّفُهُمْ ) بأنواع التخويف( فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً ) إلّا عتوّا في الكفر، متجاوز الحدّ في الغيّ.
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما
يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) )
ثمّ ذكر قصّة آدم وإبليس ليعلم عداوته المستمرّة من لدن آدم إلى يوم القيامة ليحترزوا عنه، فقال:( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) تقدّم تفسيره في سورة البقرة(١) ( قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) أي: من طين، فنصب بنزع الخافض. ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول، أي: خلقته وهو طين. أو منه، أي: أأسجد له وأصله طين؟ وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء إلى علّة الإنكار.
( قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ ) الكاف لتأكيد الخطاب، لا محلّ له من الإعراب. و «هذا» مفعول أوّل، و «الّذي» صفته. والمفعول الثاني محذوف، لدلالة صلته عليه. والمعنى: أخبرني عن هذا الّذي كرّمته عليّ بأمري بالسجود له لم كرّمته عليّ وأنا ختر منه؟ واختصر الكلام بحذف ذلك.
ثمّ ابتدأ فقال:( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) كلام مبتدأ، واللام موطّئة للقسم المحذوف، وجوابه( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ) أي: لأستأصلنّهم بالإغواء إلّا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم. من: احتنك الجراد الأرض إذا جرّد ما عليها ـ أي: قشره ـ أكلا، مأخوذ من الحنك. وإنّما علم أنّ ذلك يتسهّل له، إمّا استنباطا من قول الملائكة:( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ) (٢) مع تقرير الله إيّاهم في ذلك، أو تفرّسا من خلقه ذا شهوة ووهم وغضب.
( قالَ اذْهَبْ ) امض لـما قصدته. وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سوّلت له نفسه،
__________________
(١) راجع ج ١ ص ١٣٠ ذيل الآية ٣٤ من سورة البقرة.
(٢) البقرة: ٣٠.
كما قال موسىعليهالسلام للسامري:( فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ) (١) .
( فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ ) جزاؤك وجزاؤهم، فغلّب المخاطب على الغائب.
ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات.( جَزاءً مَوْفُوراً ) مكمّلا، من قولهم: فر لصاحبك عرضه. وانتصاب «جزاء» على المصدر بإضمار فعله، أو بما في «جزاؤكم» من معنى: تجازون، أو الحال، لأنّ الجزاء موصوف بالموفور.
( وَاسْتَفْزِزْ ) واستخفف واستزلّ( مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ) أن تستفزّه، من الفزاز بمعنى الخفيف( بِصَوْتِكَ ) بدعائك إلى الفساد( وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ ) وصح عليهم، من الجلبة وهي الصياح( بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ) بأعوانك من راكب وراجل. والخيل: الخيّالة.
ومنه قولهعليهالسلام : «يا خيل الله اركبي».
والرّجل اسم جمع للراجل، كالصحب والركب.
ويجوز أن يكون تمثيلا لتسلّطه على من يغويه بمغوار وقع على قوم، فصوّت بهم صوتا يستفزّهم من أماكنهم، ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم.
وقرأ حفص: رجلك بالكسر، على أنّ فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب.
ومعناه: وجمعك الرجل.
وهذا من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (٢) . وكذلك قوله:( وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ ) بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرّف فيها على ما لا ينبغي، كالربا والبحيرة والسائبة، ومنع الزكاة وغيرها، والإنفاق المحرّم.
( وَالْأَوْلادِ ) بالحثّ على التوصّل إلى الولد بالسبب المحرّم، ودعوى ولد بغير سبب، والإشراك فيه بتسميته عبد العزّى وعبد الحارث، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة، والحرف الذميمة، والأفعال القبيحة.
__________________
(١) طه: ٩٧.
(٢) فصّلت: ٤٠.
( وَعِدْهُمْ ) المواعيد الباطلة، كشفاعة الآلهة، والاتّكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة لطول الأمل( وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ) اعتراض لبيان مواعيده الباطلة. والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنّه صواب.
( إِنَّ عِبادِي ) يعني: المخلصين. وتعظيم الإضافة، والتقييد في قوله:( إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (١) يخصّصهم.( لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) أي: على إغوائهم قدرة( وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) يتوكّلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة.
( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) )
ولـمّا تقدّم ذكر الشيطان وذكر المشركين وعبدة الأوثان، احتجّ سبحانه بدلائل التوحيد والإيمان، فقال:( رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي ) يجري ويسيّر( لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) أي: من الريح وأنواع الأمتعة الّتي لا تكون عندكم( إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ) حيث هيّأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهّل عليكم ما تعسّر من أسبابه.
__________________
(١) الحجر: ٤٠.
( وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ ) خوف الغرق( فِي الْبَحْرِ ) باضطراب الأمواج( ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ) ذهب عن خواطركم وأوهامكم كلّ من تدعونه في حوادثكم( إِلَّا إِيَّاهُ ) وحده، فإنّكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، فلا تدعون لكشفه إلّا إيّاه. أو ضلّ كلّ من تعبدونه عن إغاثتكم إلّا الله( فَلَمَّا نَجَّاكُمْ ) من الغرق( إِلَى الْبَرِّ ) وأمنتم منه( أَعْرَضْتُمْ ) عن التوحيد كفرانا للنعمة( وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ) كثير الكفران. هذا كالتعليل للإعراض.
( أَفَأَمِنْتُمْ ) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ ) فحملكم ذلك على الإعراض عن التوحيد؟! وليس كذلك، فإنّ من قدر أن يهلككم في البحر بالغرق، قادر أن يهلككم في البحر بالخسف وغيره. و «جانب البرّ» مفعول به لـ «يخسف» كالأرض في قوله:( فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ ) (١) . والمعنى: أن يخسف جانب البرّ، أي: يقلبه وأنتم عليه، أو يقلبه بسببكم، فـ «بكم» حال أو صلة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيه(٢) وفي الأربعة الّتي بعده.
وفي ذكر الجانب تنبيه على أنّهم كما وصلوا الساحل كفروا وأعرضوا، وأنّ الجوانب والجهات في قدرته سواء، لا معقل يؤمن فيه من أسباب الهلاك. فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله تعالى في جميع الجوانب وحيث كان.
( أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) ريحا تحصب، أي: ترمي بالحصباء. أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء، فيرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر.( ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً ) يحفظكم من ذلك، فإنّه لا رادّ لفعله.
( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ ) أي: في البحر( تارَةً أُخْرى ) بإلهام دواع تلجئكم
__________________
(١) القصص: ٨١.
(٢) أي: نخسف، وكذا: نرسل، نعيدكم، فنرسل، فنغرقكم.
إلى أن ترجعوا فتركبوه( فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ ) هي الريح الّتي لها قصيف، وهو الصوت الشديد، كأنّها تتقصّف، أي: تتكسّر. أو الّتي لا تمرّ بشيء إلّا قصفته، أي: كسرته.( فَيُغْرِقَكُمْ ) وعن يعقوب بالتاء، على إسناده إلى ضمير الريح( بِما كَفَرْتُمْ ) بسبب إشراككم، أو كفرانكم نعمة الإنجاء( ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ) مطالبا يتبعنا بانتصار أو صرف.
( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) )
لمّا تقدّم ذكر قول إبليس:( هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) ذكر سبحانه بعد ذلك تكرمته لبني آدم بأنواع الإكرام وفنون الإنعام، فقال:( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ) بحسب صنوف الإنعام. وهي: حسن الصورة، والمزاج الأعدل، واعتدال القامة، والتمييز بالعقل، والإفهام بالنطق والإشارة والخطّ، والتهدّي إلى أسباب المعاش والمعاد، والتسلّط على ما في الأرض، والتمكّن من الصناعات، وتسخير أكثر الأشياء لهم، وانسياق الأسباب والمسبّبات العلويّة والسفليّة إلى ما يعود عليهم بالمنافع، إلى غير ذلك ممّا يقف الحصر دون إحصائه. ومن ذلك ما ذكره ابن عبّاس: أنّ كلّ حيوان يتناول طعامه بفيه إلّا الإنسان، فإنّه يرفعه إليه بيده. وقيل: تفضيلهم بأن جعل محمّدا منهم.
( وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) على الدوابّ والسفن، من: حملته حملا، إذا جعلت له ما يركبه. أو حملناهم فيهما حتّى لم تخسف بهم الأرض ولم يغرقهم الماء.
( وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) المستلذّات ممّا يحصل بفعلهم وبغير فعلهم( وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) بحسب الغلبة والاستيلاء، أو بالشرف ومزيّة المرتبة.
والمستثنى الّذي يفهم من «كثير» جنس الملائكة، أو الخواصّ منهم على اختلاف المذهبين. ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده.
وقال في المجمع: «لا يمتنع أن يكون جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، لأنّ الفضل في الملائكة عامّ لجميعهم أو أكثرهم، والفضل في بني آدم يختصّ بقليل من كثير، وعلى هذا فغير منكر أن يكون الأنبياء أفضل من الملائكة، وإن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم»(١) . وقد أوّل الكثير بالكلّ. وفيه تعسّف.
( يَوْمَ نَدْعُوا ) نصب بإضمار: أذكر، أو ظرف لـما دلّ عليه «وَلا يُظْلَمُونَ »( كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) بمن ائتمّوا به من نبيّ، فيقال: هاتوا متّبعي إبراهيم، هاتوا متّبعي موسى، هاتوا متّبعي محمد. فيقوم أهل الحقّ الّذين اتّبعوا الأنبياءعليهمالسلام ، فيأخذون كتبهم بأيمانهم.
ثمّ يقال: هاتوا متّبعي الشيطان، هاتوا متّبعي رؤساء الضلالة. أو بمقدّم في الدين من أئمّتهم وعلمائهم، أو بكتاب، فيقال: يا أهل القرآن ويا أهل التوراة، أو بدين. وقيل: بكتاب أعمالهم الّتي قدّموا، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشرّ، أي: ينقطع علقة الأسباب، ويبقى نسبة الأعمال.
وروي عن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «ألا تحمدون الله إذا كان يوم القيامة، فدعا كلّ قوم إلى من يتولّونه، ودعانا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفزعنا إلى رسول الله، وفزعتم إلينا، فإلى أين ترون نذهب بكم؟ إلى الجنّة وربّ الكعبة. قالها ثلاثا».
وعن محمّد بن كعب: أي: بأمّهاتهم، جمع أمّ، كخفّ وخفاف. والحكمة في ذلك
__________________
(١) مجمع البيان ٦: ٤٢٩.
إجلال عيسى، وإظهار مزيّة شرف الحسن والحسين، وإن كان فيهما الشرافة العليّة من جانب الأب، وأن لا يفتضح أولاد الزنا.
( فَمَنْ أُوتِيَ ) من المدعوّين( كِتابَهُ ) أي: كتاب عمله( بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ) ابتهاجا وتبجّحا بما يرون فيه( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) مقدار فتيل. وهو المفتول الّذي في شقّ النواء، وهو أدنى شيء في المقدار. يعني: لا ينقصون من أجورهم أدنى شيء، كقوله:( وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) (١) . وجمع اسم الإشارة والضمير، لأنّ من أوتي في معنى الجمع.
وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدلّ على أنّ من أوتي كتابه بشماله إذا اطّلعوا على ما فيه، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته والاعتراف بمساويه، أمام التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل، وحبسة اللسان والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول، فكأنّ قراءتهم كلا قراءة، ولهذا لم يذكرهم. وأمّا أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنّهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدها حتى يقول القارئ لأهل المحشر( هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ) (٢) .
( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ) في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يبصر الرشد وطريق النجاة( فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ) كذلك( وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) لا يهتدي إلى طريق الجنّة.
والأعمى مستعار ممّن لا يدرك المبصرات لفساد حاسّته، لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أمّا في الدنيا فلفقد النظر، وأمّا في الآخرة فلأنّه لا ينفعه الاهتداء إليه. وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل، من: عمى بقلبه، كالأجهل. ومن ثمّ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي الأوّل ممالا. والثاني لم يوافقهم ابن عامر، بل يفخّمه ،
__________________
(١) مريم: ٦٠.
(٢) الحاقّة: ١٩.
لأنّ أفعل التفضيل تمامه بـ «من» المقدّرة، فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلام، كقولك: أعمالكم. وأمّا الأوّل فلم يتعلّق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة. وقرأ ورش بين بين فيهما.
( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) )
روي أنّ ثقيفا قالت للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ندخل في أمرك حتّى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب: لا نعشر(١) ، ولا نحشر، ولا نجّبي في صلاتنا، وكلّ ربا لنا فهو لنا، وكلّ ربا علينا فهو موضوع عنّا، وأن تمتّعنا باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تحرّم وادينا كما حرّمت مكّة، فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إنّ الله أمرني به.
وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمّد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون. فقالوا: ولا يجبّون. فسكت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبّون، والكاتب ينظر إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقام عمر فسلّ سيفه فقال: أسعرتم قلب نبيّنا يا معشر قريش، أسعر الله قلوبكم نارا. فقالوا: لسنا نكلّم إيّاك، إنّما نكلّم محمدا. فنزلت:( وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) .
وقيل: نزلت في قريش قالوا: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية
__________________
(١) لا نعشر أي: لا يؤخذ عشر أموالنا. ولا نحشر أي: لا نبعث إلى المغازي. ولا نجبّي من: جبّى تجبية أي: وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض وقت السجود.
رحمة، حتّى نؤمن لك. وبرواية أخرى: لا نمكّنك من استلام الحجر حتّى تلمّ بآلهتنا وتمسّها بيدك.
و «إن» هي المخفّفة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.
والمعنى: أنّ الشأن قاربوا بمبالغتهم أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين( عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) من أوامرنا ونواهينا، ووعدنا ووعيدنا( لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ) لتقول علينا غير ما أوحينا إليك( وَإِذاً ) ولو اتّبعت مرادهم( لَاتَّخَذُوكَ ) بافتتانك( خَلِيلاً ) وليّا لهم، بريئا من ولايتي.
( وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْناكَ ) ولولا تثبيتنا إيّاك وعصمتنا( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) لقاربت أن تميل قليلا إلى اتّباع مرادهم. والمعنى: أنّك كنت على صدد الركون إليهم، لقوّة خدعهم وشدّة احتيالهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون، فضلا عن أن تركن إليهم. وهو صريح في أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما همّ بإجابتهم، مع قوّة الداعي إليها، ودليل على أنّ العصمة بتوفيق الله وحفظه.
ثمّ توعّده سبحانه على ذلك لو فعله، فقال:( إِذاً ) لو قاربت( لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ) أي: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ضعف ما نعذّب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأنّ خطأ الخطير(١) أخطر. وكان أصل الكلام: عذابا ضعفا في الحياة، وعذابا ضعفا في الممات، بمعنى: مضاعفا، نحو قوله تعالى:( عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ ) (٢) بمعنى: مضاعفا، ثمّ حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثمّ أضيفت كما يضاف موصوفها.
وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة، وبضعف الممات عذاب القبر.
__________________
(١) أي: الشريف.
(٢) ص: ٦١.
( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) يدفع العذاب عنك. وفيه دليل على أنّ أدنى مداهنة للغواة مضادّة لله، وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. فعلى المؤمن أن يتدبّرها، ويستشعر فيها الخشية وازدياد التصلّب في دين الله. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّها لـمّا نزلت كان يقول: «اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا».
( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧) )
( وَإِنْ كادُوا ) وإن كاد أهل مكّة( لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) ليزعجونك بمعاداتهم ومكرهم( مِنَ الْأَرْضِ ) من أرض مكّة( لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً ) لو خرجت( لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ ) لا يبقون بعد إخراجك( إِلَّا قَلِيلاً ) إلّا زمانا قليلا، فإنّ الله مهلكهم. وقد كان كذلك، فإنّهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بقليل.
وقيل: الآية نزلت في اليهود، حسدوا مقام النبيّ بالمدينة فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيّا فالحق بها حتّى نؤمن بك ونتّبعك، وقد علمنا أنّه لا يمنعك من الخروج إلّا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم. فوقع ذلك في قلبه، فخرج مرحلة فنزلت فرجع. ثمّ قتل منهم بنو قريظة، وأجلي بنو النضير بقليل.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص: خلافك. وهو لغة فيه.
( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ) نصب على المصدر، أي: سنّ الله ذلك سنّة، وهو أن يهلك كلّ أمّة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم. فالسنّة لله، وإضافتها إلى الرسل لأنّها من أجلهم. ويدلّ عليه:( وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً ) تغييرا، أي: ما يتهيّأ
لأحد أن يقلّب سنّة الله ويبطلها، والسنّة هي العادة الجارية.
( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) )
ثمّ أمر سبحانه بعد إقامة البيّنات وذكر الوعد والوعيد بإقامة الصلاة، فقال مخاطبا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان المراد هو وغيره، فقال:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) لزوالها.
ويدلّ عليه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أتاني جبرئيلعليهالسلام لدلوك الشمس حين زالت، فصلّى بي الظهر».
وقيل: لغروبها. والأوّل أشهر وأصحّ، فإنّه منقول عن معظم المفسّرين، كابن عبّاس وابن عمر وجابر وأبي العالية والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وأصل التركيب الانتقال، ومنه الدلك، فإنّ الدالك لا تستقرّ يده. وكذا ما تركّب من الدال واللام، كدلج ودلع ودله. وقيل: الدلوك من الدلك، لأنّ الناظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها. واللام للتأقيت، مثلها في: لثلاث خلون.
( إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) ظلمته. وهو وقت صلاة العشاءين.( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) وصلاة الصبح. سمّيت قرآنا لأنّه جزؤها، تسمية للشيء باسم جزئه، كما سمّيت ركوعا وسجودا. واستدلّ به على وجوب القراءة فيها.
( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأوّل ديوان النهار. أورده البخاري في الصحيح(١) . أو مشهودا بشواهد القدرة، من تبدّل الظلمة بالضياء، والنوم الّذي هو أخو الموت بالانتباه. أو بكثير من المصلّين في العادة. أو من حقّه أن يشهده الجمّ الغفير.
وقيل: قرآن الفجر حثّ على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مشهودا بالجماعة الكثيرة، ليسمع العباد القرآن فيكثر الثواب.
والآية جامعة للصلوات الخمس، إن فسّر الدلوك بالزوال. فصلاتا دلوك الشمس الظهر والعصر، وصلاتا غسق الليل هما المغرب والعشاء الآخرة، والمراد بقرآن الفجر صلاة الغداة. ولصلوات الليل وحدها إن فسّر بالغروب.
ويؤيّد الأوّل ما رواه العيّاشي بالإسناد عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام في هذه الآية، قال: «إنّ الله افترض أربع صلوات، أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أوّل وقتهما عند زوال الشمس إلى غروبها، إلّا أنّ هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل، إلّا أنّ هذه قبل هذه»(٢) وإلى هذا ذهب المرتضى علم الهدىقدسسره في أوقات الصلاة. فالآية دالّة على امتداد الصلوات الأربع.
( وَمِنَ اللَّيْلِ ) وبعض الليل( فَتَهَجَّدْ بِهِ ) أي: فاترك الهجود للصلاة، فإنّ التهجّد بمعنى ترك الهجود(٣) ، نحو التأثّم والتحرّج. والضمير للقرآن.( نافِلَةً لَكَ ) عبادة زائدة لك على الصلوات المفروضة. أو فضيلة لك، لاختصاص وجوبه بك دون أمّتك، فإنّه تطوّع لهم.
__________________
(١) ذكره بلفظ آخر في صحيح البخاري ٦: ١٠٨.
(٢) تفسير العيّاشي ٢: ٣١٠ ح ١٤٣.
(٣) أي: النوم.
( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ ) يوم القيامة( مَقاماً مَحْمُوداً ) مقاما يحمده القائم فيه.
وأجمع المفسّرون على أنّه مقام الشفاعة، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي».
ولإشعاره بأنّ الناس يحمدونه، لقيامه فيه، وما ذاك إلّا مقام الشفاعة.
وعن ابن عبّاس: مقاما محمودا يحمدك فيه الأوّلون والآخرون، وتشرّف فيه على جميع الخلائق، تسأل فتعطى، وتشفّع فتشفع، ليس أحد إلّا تحت لوائك.
وعن حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلّم نفس، فأوّل مدعوّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، ولا ملجأ ولا منجى منك إلّا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربّ البيت. قال: فهذا قوله:( عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .
وانتصاب «مقاما» على الظرف بإضمار فعله، أي: فيقيمك مقاما. أو بتضمين «يبعثك» معنى: يقيمك. أو الحال، بمعنى: أن يبعثك ذا مقام.
( وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي ) أي: في القبر( مُدْخَلَ صِدْقٍ ) إدخالا مرضيّا على طهارة وطيب من السيّئات( وَأَخْرِجْنِي ) أي: منه عند البعث( مُخْرَجَ صِدْقٍ ) إخراجا ملقى بالكرامة، آمنا من السخط. يدلّ عليه ذكره على أثر ذكر البعث.
وقيل: المراد إدخال المدينة، والإخراج من مكّة ظاهرا عليها بالفتح، وإخراجه منها آمنا من المشركين.
وقيل إدخاله الغار، وإخراجه منه سالما.
وقيل: إدخاله فيما حمّله من أعباء الرسالة، وإخراجه منها مؤدّيا حقّه.
وقيل: إدخاله عامّ في كلّ ما يلابسه من مكان أو أمر، وإخراجه منه.
( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) حجّة تنصرني على من خالفني، أو ملكا ينصر الإسلام على الكفر. فاستجاب له بقوله:( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (١) .
__________________
(١) المائدة: ٦٧ و ٥٦.
( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) (١) .( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (٢) .( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) (٣) .
( وَقُلْ جاءَ الْحَقُ ) الإسلام( وَزَهَقَ الْباطِلُ ) وذهب وهلك الشرك، من: زهق روحه إذا خرج( إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) مضمحلّا غير ثابت.
عن ابن عبّاس: «كانت لقبائل العرب ثلاثمائة وستّون صنما، كلّ قوم بحيالهم، يحجّون إليها وينحرون لها. فشكا البيت إلى الله فقال: أي ربّ حتّى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك؟ فأوحى الله إلى البيت: إنّي سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجّدا، يدفّون إليك دفيف(٤) النسور، ويحنّون إليك حنين الطيور إلى بيضها، لهم عجيج حولك بالتلبية.
ولـمّا نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبرئيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خذ مخصرتك(٥) ثمّ ألق بها الأصنام. فجعل ينكت بمخصرته في عين واحد واحد منها ويقول: جاء الحقّ وزهق الباطل، فينكبّ لوجهه، حتّى ألقى جميعها. وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، فقال: يا عليّ إرم به. فحمله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكّة يتعجّبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمّد.
وعن عليّعليهالسلام : كان على الكعبة أصنام، فذهبت لأحمل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم أستطع، فحملني فجعلت أقطعها، ولو شئت لنلت السماء.
( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) )
__________________
(١) المائدة: ٥٦.
(٢) التوبة: ٣٣.
(٣) النور: ٥٥.
(٤) الدفيف: السير الليّن.
(٥) المخصرة: السوط، وما يتوكّأ عليه كالعصا.
( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ما هو في قمع الشرك والشكّ والريب، وتقويم دينهم، واستصلاح نفوسهم، كالدواء الشافي للمرضى. و «من» للبيان، فإنّ كلّه كذلك. وقيل: للتبعيض. والمعنى: أنّ منه ما يشفي من المرض، كالفاتحة وآيات الشفاء. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله».
وقرأ البصريّان: ننزل بالتخفيف.
( وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) نقصانا، لتكذيبهم وكفرهم به، كقوله:( فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) (١) ( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ ) بالصحّة والسعة( أَعْرَضَ ) عن ذكر الله تعالى( وَنَأى بِجانِبِهِ ) لوى عطفه، وبعّد بنفسه عنه، كأنّه مستغن مستبدّ. ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار، لأنّه من عادة المستكبرين.
وقرأ ابن عامر وابن ذكوان هنا وفي فصّلت(٢) : وناء على القلب، كقولهم: راء في: رأى. ويجوز أن يكون من: ناء بمعنى: نهض. وأمال الكسائي وخلف فتحة النون والهمزة في السورتين. وأمال خلف فتحة الهمزة فيهما فقط. وأمال أبو بكر فتحة الهمزة هنا، وأخلص فتحته. وورش على أصله في ذوات الراء.
( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) من مرض أو فقر( كانَ يَؤُساً ) شديد اليأس من روح الله، كقوله:( لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ) (٣) .
__________________
(١) التوبة: ١٢٥.
(٢) فصّلت: ٥١.
(٣) يوسف: ٨٧.
( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ) أي: كلّ واحد من المؤمن والكافر يعمل على طريقته الّتي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، من قولهم: طريق ذو شواكل، وهي الطرق الّتي تتشعّب منه. والدليل عليه قوله:( فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ) أسدّ طريقا، وأبين منهجا. وقد فسّرت الشاكلة بالطبيعة والعادة.
قال بعض المحقّقين: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى، لأنّ لفظ «كلّ» فيها شامل لكلّ من الواجب والممكن، فمقتضى ذاته الكرم والعفو عن عباده، فهو يعمل به، ومقتضى ذاتهم المعصية واتّباع الهوى.
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) )
روي أنّ اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدا عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيّ. فبيّن لهم القصّتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة. فنزلت:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) الّذي يحيا به بدن الإنسان ويدبّره( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) أي: ممّا استأثره بعلمه، ولا يطلعه أحدا من عباده.
وقيل: سألوا عن الروح أهو قديم، أو مخلوق محدث؟ فقال: قل الرّوح وجد بأمره وحدث بتكوينه.
وقيل: سألوا عن الروح أنّه مادّيّ أو متولّد من أصل؟ فأجيب بأنّه من الإبداعيّات الكائنة بـ «كن»، من غير مادّة وتولّد من أصل، كأعضاء جسده.
وقيل: هو خلق عظيم روحانيّ أعظم من الملك. وقيل: الروح جبرئيل. وعن عليّعليهالسلام : أنّه ملك من الملائكة، له سبعون ألف وجه، لكلّ وجه سبعون ألف لسان، تسبّح الله بجميع ذلك.
وقيل: إنّ المشركين سألوه عن الروح الّذي هو القرآن، كيف يلقاك به الملك؟
وكيف صار معجزا؟ وكيف صار نظمه وترتيبه مخالفا لأنواع كلامنا من الخطب والأشعار؟ وقد سمّى الله القرآن روحا في قوله:( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً ) (١) . فقال سبحانه: قل يا محمّد إنّ الروح الّذي هو القرآن من أمر ربّي، أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر، ولا ممّا يدخل في إمكانهم.
( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) تستفيدونه بتوسّط حواسّكم، فإنّ اكتساب العقل للمعارف النظريّة إنّما هو من الضروريّات المستفادة من إحساس الجزئيّات، فلذلك قيل: من فقد حسّا فقد فقد علما، وأكثر الأشياء لا يدركه الحسّ، ولا شيئا من أحواله المعرّفة لذاته.
وهو إشارة إلى أنّ الروح ممّا لا يمكن معرفة ذاته إلّا بعوارض تميّزه عمّا يلتبس به. كما قيل: إنّه جسم رقيق هوائيّ متردّد في مخارق الحيوان. وهو مذهب أكثر المتكلّمين. واختاره علم الهدى قدس سرّه. أو جسم هوائيّ على بنية حيوانيّة، في كلّ جزء منه حياة. أو الحياة الّتي يتهيّأ به المحلّ لوجود القدرة والعلم والاختيار. وهو مذهب الشيخ المفيد وجماعة من المعتزلة. وغير ذلك من الأقاويل الّتي لا يعلم بها كنهه، فلذلك اقتصر على الجواب، كما اقتصر موسى في جواب( وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ) (٢) بذكر بعض صفاته.
روي أنّهعليهالسلام لـمّا قال لهم ذلك قالوا: أنحن مختصّون بهذا الخطاب؟ فقال: بل نحن وأنتم. فقالوا: ما أعجب شأنك! ساعة تقول:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (٣) . وساعة تقول هذا. فنزلت. وليس ما قالوه بلازم، لأنّ القلّة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلّة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته ،
__________________
(١) الشورى: ٥٢.
(٢) الشعراء: ٢٣.
(٣) البقرة: ٢٦٩.
فالحكمة الّتي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلّا أنّها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة.
وقيل: هو خطاب لليهود خاصّة، لأنّهم قالوا للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد أوتينا التوراة، وفيها الحكمة، وقد تلوت:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) . فقيل لهم: إنّ علم التوراة قليل في جنب علم الله.
( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) )
ثمّ امتنّ سبحانه ببقاء القرآن بعد المنّة في تنزيله، فقال:( وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) اللام الأولى توطئة للقسم، و «لنذهبنّ» جوابه النائب مناب جزاء الشرط. والمعنى: إن شئنا ذهبنا بالقرآن، ومحوناه من المصاحف والصدور، فلم نترك له أثرا، وبقيت كما كنت لا تدري ما الكتاب.( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ) من يتوكّل علينا استرداده وإعادته مسطورا محفوظا.
( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) إلّا أن يرحمك ربّك فيردّه عليك، كأنّ رحمته تتوكّل عليه بالردّ. ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، بمعنى: ولكن رحمة من ربّك تركته غير مذهوب به.( إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) كإرساله، وإنزال الكتاب عليه، وإبقائه في حفظه.
فعلى كلّ ذي علم أن لا يغفل عن هاتين النعمتين والقيام بشكرهما.
عن ابن مسعود: إنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلّينّ قوم ولا دين لهم، وإنّ هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا، وأثبتناه في مصاحفنا، نعلّمه أبناءنا، ويعلّمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسرى عليه ليلا فيصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب.
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩) )
ثمّ احتجّ سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن، فقال:( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ) في البلاغة القصوى، وحسن النظم، وكمال المعنى، والفصاحة العليا( لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) وفيهم العرب العرباء، وأرباب البيان، وأهل التحقيق. وهو جواب قسم محذوف دلّ عليه اللام الموطّئة، ولولا هي لكان جواب الشرط بلا جزم، لكون الشرط ماضيا.( وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) ولو تظاهروا على الإتيان به. ولعلّه لم يذكر الملائكة لأنّ إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزا، ولأنّهم كانوا وسائط في إتيانه.
( وَلَقَدْ صَرَّفْنا ) كرّرنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان( لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) من كلّ معنى هو كالمثل في غرابته ووقوعه موقعها في الأنفس( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) إلّا جحودا. وإنّما جاز ذلك ولم يجز: ضربت إلّا زيدا، لأنّه متأوّل بالنفي، كأنّه قيل: فلم يرضوا إلّا كفورا.
ولـمّا تبيّن إعجاز القرآن، وانضمّت إليه المعجزات الأخر والبيّنات، ولزمتهم الحجّة وغلبوا، أخذوا يتعلّلون باقتراح الآيات تعنّتا، فعل المبهوت المحجوج المتعثّر في أذيال الحيرة.
( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ
السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣) )
( وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) أي: لن نصدّقك( حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ ) أي: تشقّق لنا من أرض مكّة، فإنّها قليلة الماء( يَنْبُوعاً ) ينبع منه الماء في وسط مكّة. وقرأ الكوفيّون ويعقوب: نفجر بالتخفيف. والينبوع عين غزيرة لا ينضب ماؤها. يفعول من: نبع الماء، كيعبوب، وهو فرس كثير الجري، ونهر شديد الجري. من: عبّ الماء إذا زخر.
وعباب الماء معظمه وكثرته. وهذه الصفة للمبالغة.
( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ ) من الماء( خِلالَها ) وسطها( تَفْجِيراً ) تشقيقا، حتّى يجري الماء تحت الأشجار، أي: بستان مشتمل على ذلك بحيث يجنّ أشجاره، أي: يستره.
( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ) أي: قطعا قد تركّب بعضها على بعض، يعنون قوله تعالى:( أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) (١) . وهو كقطع لفظا ومعنى. وقد سكّنه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب في جميع القرآن إلّا في الروم(٢) . وابن عامر إلّا في هذه السورة. ونافع وأبو بكر في غيرهما. وحفص فيما عدا الطور(٣) وهو إمّا مخفّف من المفتوح، كسدرة وسدر، أو فعل بمعنى مفعول، كالطحن.
( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ) كفيلا بما تدّعيه، أي: شاهدا على صحّته، ضامنا
__________________
(١) سبأ: ٩.
(٢) الروم: ٤٨.
(٣) الطور: ٤٤.
لدركه. أو مقابلا، كالعشير بمعنى المعاشر. وهو حال من الله، أي: يقابلنا بحيث نشاهده.
وحال الملائكة محذوفة، لدلالتها عليها، كما حذف الخبر في قوله :
ومن يك أمسى بالمدينة رحله |
فإنّي وقيّار بها لغريب |
أو جماعة، فيكون حالا من الملائكة.
( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) من ذهب. وأصله: الزينة.( أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ) أي: في معارجها، بحذف المضاف( وَلَنْ نُؤْمِنَ ) لك( لِرُقِيِّكَ ) لأجل رقيّك.
وهو ما يرقى به، أي: يتصاعد كالسلّم.( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) وكان فيه تصديقك.
عن ابن عبّاس: قال عبد الله بن أبي أميّة: لن نؤمن لك حتّى تتّخذ إلى السماء سلّما، ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر حتّى تأتيها، ثمّ تأتي معك بصكّ منشور، معه أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنّك كما تقول.
وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلّا العناد واللجاج، ولهذا قال عزّ اسمه:( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ) تعجّبا من اقتراحاتهم، أو تنزيها لله من أن يأتي أو يتحكّم عليه أو يشاركه أحد في القدرة. وقرأ ابن كثير وابن عامر: قال سبحان ربّي، أي: قال الرسول.( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً ) كسائر الناس( رَسُولاً ) كسائر الرسل، وكانوا لا يأتون قومهم إلّا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكّموا على الله، فما لكم تقترحون عليّ وأنا مثلهم لا أقدر بنفسي أن آتي بها؟! هذا هو الجواب المجمل. وأمّا التفصيل فقد ذكر في آيات أخر، كقوله تعالى:( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ ) (١) .( وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) (٢) .
__________________
(١) الأنعام: ٧.
(٢) الحجر: ١٤.
( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠) )
( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ) وما منعهم الإيمان، أي: ما صرفهم عنه بعد نزول الوحي وظهور الحقّ( إِلَّا أَنْ قالُوا ) إنكارا( أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً ) إلّا قولهم هذا. والمعنى: أنّه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم والقرآن، إلّا إنكارهم أن يرسل الله بشرا.
( قُلْ ) جوابا لشبهتهم( لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ ) كما يمشي بنو آدم( مُطْمَئِنِّينَ ) ساكنين فيها( لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ) لتمكّنهم من الاجتماع به والتلقّي منه. وأمّا الإنس فعامّتهم عماة عن إدراك الملك والتلقّف منه، فإنّ ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس.
إن قيل: إذا جاز أن يكون الرسول إلى النبيّ ملكا ليس من جنسه، فلم لم يجز أن يكون الرسول إلى الناس أيضا ملكا ليس من جنسهم؟! قلنا: إنّ صاحب المعجزة قد اختير للنبوّة، فصارت حاله مقاربة لحال الملك، وليس كذلك غيره من الأمّة، فيجوز أن يرى الملائكة كما يرى بعضهم بعضا، بخلاف الأمّة. وأيضا فإنّ النبيّ يحتاج إلى معجزة تعرف بها رسالة نفسه، كما احتاجت إليه الأمّة، فجعل الله تعالى المعجزة رؤيته الملك.
و «ملكا» يحتمل أن يكون حالا من «رسولا» وأن يكون موصوفا به. وكذلك «بشرا». والأوّل أوفق.
( قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) على أنّي رسول الله إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي. أو على أنّي بلّغت ما أرسلت به إليكم، وأنّكم عاندتم. و «شهيدا» نصب على الحال أو التمييز.( إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ) يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة، فيجازيهم عليها. وفيه تسلية للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتهديد للكفّار.
( وَمَنْ يَهْدِ اللهُ ) توفيقا ولطفا( فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) حقيقة( وَمَنْ يُضْلِلْ ) تخلية وخذلانا( فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ ) أنصارا يهدونه( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) يسحبون عليها، كقوله تعالى:( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ) (١) . أو يمشون بها.
روي أنّه قيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّ الّذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم».
__________________
(١) القمر: ٤٨.
( عُمْياً ) لا يبصرون ما يقرّ أعينهم( وَبُكْماً ) لا يسمعون ما يلذّ مسامعهم( وَصُمًّا ) لا ينطقون بما يقبل منهم، لأنّهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر، وتصامّوا عن استماع الحقّ، وأبوا أن ينطقوا بالصدق. ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مسلوبي الحواسّ، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنّهم يقرءون ويتكلّمون.
( مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ ) بأن أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها( زِدْناهُمْ سَعِيراً ) توقّدا، بأن نبدّل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة، كأنّهم لـمّا كذّبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء. وإليه أشار بقوله:( ذلِكَ ) إشارة إلى ما تقدّم من عذابهم( جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) مرّ معناه(١) .
( أَوَلَمْ يَرَوْا ) أو لم يعلموا( أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) فإنّهم ليسوا أشدّ خلقا منهنّ، ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء( وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ ) هو الموت أو القيامة. وهو معطوف على قوله:( أَوَلَمْ يَرَوْا ) .( فَأَبَى الظَّالِمُونَ ) مع وضوح الحقّ( إِلَّا كُفُوراً ) جحودا.
( قُلْ لَوْ أَنْتُمْ ) مرفوع بفعل يفسّره ما بعده. وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإيجاز، والدلالة على الاختصاص.( تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ) خزائن رزقه وسائر نعمه( إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ ) لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق، إذ لا أحد إلّا ويختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنّما يؤثره لعوض يفوقه، فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله وكرمه. ولقد بلغ هذا الوصف بالشحّ الغاية الّتي لا يبلغها الوهم.
وقيل: هؤلاء أهل مكّة الّذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وانّهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لبخلوا بها.
__________________
(١) راجع ص ٤٢ ذيل الآية ٤٩.
( وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً ) بخيلا، لأنّ بناء أمره على الحاجة والضنّة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذله.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) )
ثمّ ذكر سبحانه قصّة موسىعليهالسلام ، ومعاندة أمّته ومكابرتهم واقتراحاتهم، كصناديد قريش، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ) هي: العصا، واليد، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، وانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الطور على رؤوس بني إسرائيل، وعن الحسن: الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة. وقيل: المراد بالآيات الأحكام العامّة الثابتة في كلّ الشرائع.
وعن صفوان بن عسال: أنّ يهوديّا سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عنها، فقال: أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرّوا من الزحف. وأنتم يا يهود خاصّة: أن لا
تعدوا في يوم السبت. فقبّل اليهوديّ يده ورجله، وقال: أشهد أنّك نبيّ الله.
وعلى هذا سمّيت الشرائع بالآيات، لأنّها تدلّ على حال من يتعاطى متعلّقها في الآخرة من السعادة والشقاوة. وقولهعليهالسلام : «أنتم يا يهود خاصّة أن لا تعتدوا»
حكم مستأنف زائد على الجواب، ليدلّ على إحاطة علمه بالكلّ، ولذلك غيّر فيه مساق الكلام.
( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) فقلنا له: سلهم من فرعون ليرسلهم معك، أو سلهم عن حال دينهم، أو سلهم أن يعاضدوك، وتكون قلوبهم وأيديهم معك. وقوله:( إِذْ جاءَهُمْ ) متعلّق بـ: قلنا. أو معناه: فأسال يا محمّد بني إسرائيل ـ وهم عبد الله ابن سلام وأحزابه ـ عمّا جرى بين موسى وفرعون إذ جاءهم. أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك. أو لتعلم أنّه تعالى لو أتى بما اقترحوا لأصرّوا على العناد والمكابرة كمن قبلهم. أو ليزداد يقينك، لأنّ تظاهر الأدلّة يوجب قوّة اليقين وطمأنينة القلب، كقول إبراهيم:( وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (١) .
وعلى هذا كان «إذ» نصبا بـ «آتينا»، أو بإضمار: يخبروك، على أنّه جواب الأمر، أو بإضمار: اذكر، على الاستئناف.
( فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ) سحرت فتخبّط عقلك. قيل: معناه: إنّك ساحر، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما يقال: مشؤوم وميمون في معنى: شائم ويامن.
( قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ) يا فرعون. وقرأ الكسائي بالضمّ على إخباره عن نفسه، كما روي أنّ عليّاعليهالسلام قال: «والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى هو الّذي علم».
فقال: لقد علمت( ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ ) يعني: الآيات( إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ ) بيّنات مكشوفات تبصّرك صدقي، ولكنّك تعاند وتكابر. ونحوه :
__________________
(١) البقرة: ٢٦٠.
( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) (١) . وانتصابه على الحال.
( وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) مصروفا عن الخير، مطبوعا على الشرّ، من قولك: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما صرفك؟ أو هالكا. قارع ظنّه بظنّه، كأنّه قال: إن ظننتني مسحورا فأنا أظنّك مثبورا، وشتّان ما بين الظنّين، فإنّ ظنّ فرعون كذب بحت، وظنّ موسى يحوم حوم اليقين من تظاهر أماراته، ولهذا فسّر الظنّ هاهنا بمعنى العلم.
( فَأَرادَ ) فرعون( أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ ) أن يستخفّ موسى وقومه وينفيهم( مِنَ الْأَرْضِ ) أرض مصر، أو الأرض مطلقا، بالقتل والاستئصال( فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ) فعكسنا عليه مكره، واستفززناه وقومه بالإغراق.
( وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد فرعون، أو إغراقه( لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ ) الّتي أراد أن يستفزّكم منها( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ) الكرّة، أو الحياة، أو الساعة، أو الدار الآخرة، يعني: قيام القيامة( جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ) مختلطين إيّاكم وإيّاهم، ثمّ نحكم بينكم، ونميّز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتّى.
( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) )
__________________
(١) النمل: ١٤.
( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ ) تقديم الجارّ لإفادة الحصر، أي: وما أنزلنا القرآن إلّا ملتبسا بالحقّ المقتضي لإنزاله. وكذلك قوله:( وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) أي: ما نزل إلّا ملتبسا بالحقّ والحكمة، لاشتماله على الهداية إلى كلّ خير.
وقيل: معناه: وما أنزلناه من السماء إلّا محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا محفوظا بهم من تخليط الشيطان. ويحتمل أن يريد به نفي اعتراء البطلان له أوّل الأمر وآخره.
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ) للمطيع بالثواب( وَنَذِيراً ) للعاصي بالعقاب. فلا عليك ـ من إكراه على الدين أو نحو ذلك ـ إلّا التبشير والإنذار.
( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ ) منصوب بفعل يفسّره «فرقناه»، أي: نزّلناه مفرّقا منجّما. وقيل: فرقنا فيه الحقّ من الباطل، فحذف الجارّ، كما في قوله: ويوما شهدناه.( لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ) على مهل وتؤدة وتثبّت، فإنّه أيسر للحفظ وأعون في الفهم( وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ) على حسب الحوادث.
روي عن ابن عبّاس أنّه قال: لئن أقرأ سورة البقرة وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن جميعا.
وعن عبد الله بن مسعود أنّه قال: لا تقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث، واقرأه في سبع.
( قُلْ آمِنُوا بِهِ ) بالقرآن( أَوْ لا تُؤْمِنُوا ) فإنّ إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالا، وامتناعكم عنه لا يورّثه نقصانا. هذا أمر بالإعراض عنهم واحتقارهم والازدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، وإن لم يدخلوا في الايمان ولم يصدّقوا بالقرآن، وهم أهل جاهليّة وشرك.
قوله:( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ ) تعليل له: أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم، وهم العلماء الّذين قرءوا الكتب السابقة، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوّة، وتمكّنوا من الميز بين المحقّ والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك
في تلك الكتب، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه.
ويجوز أن يكون تعليلا لـ «قل» على سبيل التسلية له وتطييب نفسه، كأنّه قيل: تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم.
( إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ) القرآن( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ) يسقطون على وجوههم تعظيما لأمر الله، أو شكرا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمّد على فترة من الرّسل، وإنزال القرآن عليه.
( وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ) تنزيها لرّبنا عزّ اسمه عن خلف الموعد( إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ) إنّه كان وعده كائنا لا محالة.
( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ ) كرّره لاختلاف الحال والسبب، فإنّ الأوّل للشكر عند إنجاز الوعد، والثاني لـما أثّر فيهم من مواعظ القرآن، حال كونهم باكين من خشية الله، تواضعا لله، واستسلاما لأمره وطاعته. وذكر الذقن الّذي هو مجمع اللّحيين، لأنّه أوّل ما يلقى الأرض من وجد السّاجد. واللّام فيه لاختصاص الخرور(١) به.( وَيَزِيدُهُمْ ) سماع القرآن( خُشُوعاً ) كما يزيدهم علما ويقينا بالله.
( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) )
__________________
(١) الخرور مصدر: خرّ لله ساجدا، أي: انكبّ على الأرض وسجد.
عن ابن عبّاس: أنّ أبا جهل سمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنّه ينهانا أن نعبد إلهين ويدعو إلها آخر.
وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا: إنّك لتقلّ ذكر الرحمن، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ) . «أو» على الأوّل(١) للتسوية بين إطلاق اللفظين على المعبود. وعلى الثاني(٢) أنّهما سيّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود. وعلى التقديرين «أو» للتخيير والإباحة، أي: إن دعوتم بأحدهما كان جائزا، وإن دعوتم بهما كان جائزا، كما قال:( أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) .
والدعاء في الآية بمعنى التسمية لا النداء. وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، حذف أولهما استغناء عنه، فيقال: دعوت زيدا. والتنوين في «أيّا» عوض عن المضاف إليه. و «ما» صلة لتأكيد ما في «أيّا» من الإبهام، أي: أيّ هذين الاسمين سمّيتم وذكرتم فله الأسماء الحسنى. والضمير في «فله» لمسمّاهما، وهو ذاته تعالى، لأنّ التسمية للذات لا للاسم. وكأنّ أصل الكلام: أيّا ما تدعو فهو حسن. فوضع موضعه( فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) للمبالغة، لأنّه إذا حسنت أسماؤه كلّها حسن هذان الاسمان، لأنّهما منها.
ومعنى كونها أحسن الأسماء أنّها مستقلّة بمعاني التمجيد والتقديس والتعظيم، وغيرها من صفات الجلال والإكرام.
فبيّن سبحانه في هذه الآية أنّه سبحانه شيء واحد، وإن اختلفت أسماؤه وصفاته.
وفيه دلالة على أنّه سبحانه لا يفعل القبيح، مثل الظلم وغيره، لأنّ أسماءه حينئذ لا تكون حسنة.
روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرفع صوته بقراءة القرآن، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبّوا، وكان ذلك في أوّل أمر الإسلام، فنزلت:( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) بقراءة
__________________
(١، ٢) أي: على قول أبي جهل وقول أهل الكتاب.
صلاتك حتّى تسمع المشركين، فإنّ ذلك يحملهم على السبّ واللغو فيها( وَلا تُخافِتْ بِها ) حتّى لا تسمع من خلفك من المؤمنين( وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ ) بين الجهر والمخافتة( سَبِيلاً ) وسطا، فإنّ الاقتصاد في جميع الأمور محبوب. ولم يقل: بين ذينك، لأنّه أراد به الفعل، فهو مثل قوله:( عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ) (١) .
وقيل: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلّها، ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلا، بالإخفات نهارا والجهر ليلا.
( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ) فيكون مربوبا لا ربّا، لأنّ ربّ الأرباب لا يجوز أن يكون له ولد( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) في الألوهيّة، فيكون عاجزا محتاجا إلى غيره ليعينه، وهذا مناف للألوهيّة( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ ) أي: ناصر يواليه من أجل مذلّة به ليدفعها بموالاته.
نفى عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه، اختيارا واضطرارا، وما يعاونه ويقوّيه، تعالى الله عن صفة العجز والاحتياج. ورتّب الحمد عليه للدلالة على أن من هذا وصفه هو الّذي يقدر على إيلاء كلّ نعمة، فهو الّذي يستحقّ جنس الحمد، لأنّه الكامل الذات، المنفرد بالإيجاد، المنعم على الإطلاق، وما عداه ناقص مملوك نعمة أو منعم عليه. ولذلك عطف عليه قوله:( وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) وعظّمه تعظيما لا يساويه تعظيم ولا يقاربه.
وفيه تنبيه على أنّ العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقّه في ذلك.
وفي هذه الآية ردّ على اليهود والنصارى حيث قالوا: اتّخذ الله الولد، وعلى مشركي العرب حيث قالوا: لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك، وعلى الصابئين والمجوس حيث قالوا: لولا أولياء الله لذلّ الله.
__________________
(١) البقرة: ٦٨.
روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا أفصح(١) الغلام من بني عبد المطلّب علّمه هذه الآية.
وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه قال: بلغني أنّ رجلا أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله إنّي كثير الدّين كثير الهمّ. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اقرأ آخر سورة بني إسرائيل:( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ) حتّى تختم، ثمّ قل: توكّلت على الحيّ الّذي لا يموت، ثلاث مرّات».
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «يقال: أفصح الغلام في منطقه، فهم ما يقول في أوّل ما يتكلّم. منه».
(١٨)
سورة الكهف
مكّيّة. وهي مائة وعشرة آيات. أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها فهو معصوم ثمانية أيّام من كلّ فتنة، فإن خرج الدجّال في تلك الثمانية أيّام عصمه الله من فتنة الدّجال. ومن قرأ الآية الّتي في آخرها:( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) الآية، حين يأخذ مضجعه، كان له نور يتلألأ إلى الكعبة، حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتّى يستيقظ».
سمرة بن جندب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظا لم تضرّه فتنة الدجّال، ومن قرأ السورة كلّها دخل الجنّة».
وعن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ألا أدلّكم على سورة شيّعها سبعون ألف ملك حين نزلت، ملأت عظمتها ما بين السماء والأرض؟ قالوا: بلى. قال: سورة أصحاب الكهف، من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة أيّام، وأعطي نورا ليبلغ السماء، ووقي فتنة الدجّال».
وروى الواقدي بإسناده عن أبي الدرداء عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف ثم أدرك الدجّال لم يضرّه، ومن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة».
وروى أيضا بالإسناد عن سعيد بن محمّد الجزمي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ستّة أيّام من كلّ فتنة تكون، فإن رأى الدجّال عصم منه».
وروى العيّاشي بإسناده عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الكهف في كلّ ليلة جمعة لم يمت إلّا شهيدا، وبعثه الله مع الشهداء، وأوقف يوم القيامة مع الشهداء»(١) .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة بني إسرائيل بالتحميد والتوحيد وذكر القرآن، افتتح سورة الكهف أيضا بالتحميد وذكر القرآن والنبيّ، ليتّصل أوّل هذه بآخر تلك، اتّصال الجنس بالجنس، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ ) يعني: محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( الْكِتابَ ) أي: القرآن، فبعثه نبيّا ورسولا. ورتّب استحقاق الحمد على إنزاله، تنبيها على أنّه أعظم نعمائه وأجزل آلائه، وذلك لأنّه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم المعاش والمعاد.
( وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ) شيئا من العوج قطّ، باختلال في اللفظ وتناقض في
__________________
(١) تفسير العيّاشي ٢: ٣٢١ ح ١.
المعنى، أو انحراف من الدعوة إلى جانب الحقّ. وهو في المعاني كالعوج في الأعيان.
( قَيِّماً ) مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط. أو قيّما بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال. أو قيّما على الكتب السالفة، يشهد بصحّتها. أو دائما يدوم ويثبت إلى يوم القيامة.
وانتصابه بمضمر، تقديره: جعله قيّما. أو على الحال من الضمير في «له»، أو من «الكتاب» على أنّ الواو في «ولم» يجعل للحال دون العطف، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه، فإنّ الحال من تتمّة ذي الحال، ولذلك قيل: فيه تقديم وتأخير.
ثمّ بيّن سبحانه الغرض في إنزاله، فقال:( لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ) أي: لينذر العبد الّذي أنزل عليه الكتاب، الّذين كفروا، عذابا شديدا من عند الله، إن لم يؤمنوا به. فحذف المفعول الأوّل اكتفاء بدلالة القرينة، واقتصارا على الغرض المسوق إليه.( مِنْ لَدُنْهُ ) صادرا من عنده.
وقرأ أبو بكر بإسكان الدال مع إشمام الضمّة، ليدلّ على أصله، وكسر النون لالتقاء الساكنين، وكسر الهاء للإتباع.
( وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ) هو الجنّة( ماكِثِينَ فِيهِ ) في الأجر( أَبَداً ) بلا انقطاع.
( وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) خصّهم بالذكر، وكرّر الإنذار متعلّقا بهم، استعظاما لكفرهم. وإنّما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدّم ذكره.
( ما لَهُمْ بِهِ ) أي: بالولد، أو باتّخاذه، أو بالقول به( مِنْ عِلْمٍ ) يعني: أنّهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهّم كاذب، أو تقليد لـما سمعوه من أوائلهم، من غير علم بالمعنى الّذي أرادوا به، فإنّهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثّر والأثر، أو بالله، إذ لو علموه لما جوّزوا نسبة الاتّخاذ إليه( وَلا لِآبائِهِمْ ) الّذين تقوّلوه، بمعنى التبنّي.
( كَبُرَتْ كَلِمَةً ) عظمت مقالتهم هذه في الكفر، لما فيها من التشبيه والتشريك،
وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه، إلى غير ذلك من الزيغ. و «كلمة» نصب على التمييز. وفيه معنى التعجّب، كأنّه قيل: ما أكبرها كلمة! وضمير «كبرت» راجع إلى قولهم:( اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً ) . وسمّيت كلمة كما يسمّون القصيدة بها.
( تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ) صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم، فإنّ كثيرا ممّا يوسوسه الشيطان في قلوب الناس، ويحدّثون به أنفسهم من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوّهوا به ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوّرا(١) من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟! ووصف الكلمة بالخروج من الأفواه توسّعا ومجازا، فإنّ الخارج بالذات هو الهواء الحامل لها.( إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) وافتراء على الله.
( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ ) أي: قاتل( نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ) إذا ولّوا عن الايمان. شبّهه حين تولّوا عنه ولم يؤمنوا به، لـما تداخله من الوجد والأسف على تولّيهم، برجل فارقه أحبّته وأعزّته، فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهّفا على فراقهم.( إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ ) بهذا القرآن( أَسَفاً ) للتأسّف عليهم.
والأسف فرط الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف.
( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) )
( إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ ) من الحيوان والنبات والمعادن( زِينَةً لَها ) يعني :
__________________
(١) أي: تباعدا من إظهاره، كأنّه عورة. وفي الصحاح (٢: ٧٠٤): «الشوار: فرج المرأة والرجل».
ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها، من زخارف الدنيا وما يستحسن منها( لِنَبْلُوَهُمْ ) أي: لنعامل عبادنا معاملة المبتلي( أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) أي: أعمل بطاعة الله، وأطوع له في تعاطيه. وهو: من زهد فيه، ولم يغترّ به، وقنع منه بما يزجّي(١) به أيّامه، وصرفه على ما ينبغي، وفيه تسكين لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ زهّد العباد فيه بقوله:( وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) هي الأرض الّتي قطع نباتها، من الجرز بمعنى القطع. والمعنى: إنّا لنعيد ما عليها من الزينة ترابا مستويا بالأرض، ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به كان زينة.
( أَمْ حَسِبْتَ ) أم منقطعة، والخطاب للرسول، والمقصود أمّته. يعني: بل حسبت( أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ ) في إبقاء حياتهم مدّة مديدة( كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ) أي: كانوا آية عجبا من آياتنا. وصفا بالمصدر، أو على: ذات عجب على تقدير المضاف.
وقصّتهم بالإضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الّتي لا حصر لها، على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين، مع أنّها من مادّة واحدة، ثمّ ردّها إلى الأرض، ليس(٢) بعجيب، مع أنّه من آيات الله كالنزر الحقير.
والكهف: الغار الواسع في الجبل. والرقيم قيل: اسم الجبل. وعن ابن عبّاس: إنّه اسم الوادي الّذي فيه كهفهم. أو اسم قريتهم، أو كلبهم، كما قال أميّة بن أبي الصلت :
وليس بها إلّا الرقيم مجاورا |
وصيدهم والقوم في الكهف هجّد |
وعن ابن سعيد: لوح رصاصيّ أو حجريّ رقمت فيه أسماؤهم، وجعل على باب الكهف.
وعن النعمان بن بشير مرفوعا: أنّ أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف، فانحطّت صخرة وسدّت بابه. فقال أحدهم: اذكروا أيّكم عمل حسنة، لعلّ الله يرحمنا ببركته.
__________________
(١) زجّى يزجّي تزجية: دفع. يقال: كيف تزجّي أيّامك؟ أي: كيف تدفعها؟
(٢) خبر «وقصّتهم» قبل سطرين.
فقال أحدهم: استعملت أجراء ذات يوم، فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيّته مثل عملهم، فأعطيته مثل أجرهم، فغضب أحدهم وترك أجره، فوضعته في جانب البيت. ثمّ مرّ بي بقر فاشتريت به فصيلة، فبلغت ما شاء الله، فرجع إليّ بعد حين شيخا ضعيفا لا أعرفه، وقال لي: إنّ لي عندك حقّا، وذكره لي حتّى عرفته، فدفعتها إليه جميعا.
اللهمّ إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا. فانصدع الجبل حتّى رأوا الضوء.
وقال آخر: كان فيّ فضل، وأصابت الناس شدّة، فجاءتني امرأة فطلبت منّي معروفا، فقلت: والله ما هو دون نفسك، فأبت وعادت ثمّ رجعت ثلاثا. ثمّ ذكرت لزوجها، فقال: أجيبي له وأغيثي عيالك. فأتت وسلّمت إليّ نفسها، فلمّا تكشّفتها وهممت بها ارتعدت. فقلت: مالك؟ فقالت: أخاف الله. فقلت لها: خفته في الشدّة ولم أخفه في الرخاء. فتركتها وأعطيتها ملتمسها. أللّهمّ إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنّا. فانصدع حتّى تعارفوا.
وقال الثالث: كان لي أبوان همّان، وكانت لي غنم، وكنت أطعمهما واسقيهما ثمّ أرجع إلى غنمي. فحبسني ذات يوم غيث، فلم أبرح حتى أمسيت فأتيت أهلي، وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما، فوجدتهما نائمين، فشقّ عليّ أن أوقظهما، فتوقّعت جالسا ومحلبي على يدي، حتّى أيقظهما الصبح، فسقيتهما. أللّهمّ إن فعلته لوجهك فافرج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا.
( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦))
ثمّ بيّن سبحانه قصّة أصحاب الكهف بقوله:( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ) أي: اذكر حين إذ أوى فتية من أشراف الروم، وهم آمنوا بالله، وكانوا يخفون الإسلام خوفا من ملكهم. واسم ملكهم دقيانوس، واسم مدينتهم أفسوس أو أطروس. وكان ملكهم يعبد الأصنام، ويدعو إليها، ويقتل من خالفه، فهربوا من دقيانوس لحفظ دينهم، والتجأوا إلى الكهف.( فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ) توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من الأعداء( وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا ) الذي نحن عليه من مفارقة الكفّار( رَشَداً ) نصير بسببه راشدين مهتدين. أو اجعل أمرنا كلّه رشدا، كقولك: رأيت منك أسدا. وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء.
( فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ ) أي: فضربنا عليها حجابا يمنع السماع. يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبّههم فيها الأصوات. فحذف المفعول، كما حذف في قولهم: بنى على امرأته، يريدون: بني عليها القبّة.( فِي الْكَهْفِ سِنِينَ ) ظرفان لـ «ضربنا»( عَدَداً ) أي: ذوات عدد. ووصف السنين به يحتمل أن يريد التكثير والتقليل، فإنّ مدّة لبثهم كبعض يوم عنده.
( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ) أيقظناهم( لِنَعْلَمَ ) ليتعلّق علمنا تعلّقا استقباليّا مطابقا لمتعلّقه.
يعني: ليظهر معلومنا على ما علّمناه.( أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) المختلفين منهم في مدّة لبثهم.
وذلك قوله:( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ) (١) . أو المختلفين من غيرهم في مدّة لبثهم.( أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ) ضبط أمدا لزمان لبثهم. وما في «أيّ» من معنى الاستفهام علّق عنه «لنعلم» يعني: لم يعمل فيه. فهو مبتدأ و «أحصى» خبره. وهو فعل ماض، و «أمدا» مفعوله، و «لما لبثوا» حال منه أو مفعول له.
وقيل: إنّه المفعول، واللام مزيدة، و «ما» موصولة، و «أمدا» تمييز.
وقيل: «أحصى» اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد، كقولهم: هو أحصى للمال، وأفلس من ابن المذلّق.
وقال صاحب الكشّاف: «وهذا القول ليس بالوجه السديد، وذلك أنّ بناءه من غير الثلاثيّ المجرّد ليس بقياس. ونحو: أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذلّق شاذّ، والقياس على الشاذّ في غير القرآن ممتنع فكيف به؟ ولأنّ «أمدا» لا يخلوا: إمّا أن ينتصب بأفعل، وهو غير جائز، لأن أفعل لا يعمل. وإمّا أن ينتصب بـ «لبثوا» فلا يسدّ عليه المعنى.
وإن زعمت أنّي أنصبه بإضمار فعل يدلّ عليه «أحصى» كما أضمر في قوله: وأضرب منّا بالسيوف القوانسا(٢) ، على: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون «أحصى» فعلا، ثمّ رجعت مضطرّا إلى تقديره وإضماره»(٣) .
( نَحْنُ نَقُصُ ) أي: نتلو( عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ ) خبرهم بالصدق والصحّة( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ) شبّان. جمع فتيّ، كصبيّ وصبية.( آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ) بالتثبيت.
__________________
(١) الكهف: ١٩.
(٢) في هامش النسخة الخطّية: «القوانس: أعلى البيضة من الحديد والقونس. منه». يعني: أعلى بيضة الفارس وأعلى رأس الفرس.
(٣) الكشّاف ٢: ٧٠٥.
( وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ) أي: قوّيناها بالصبر على هجر الأوطان والأهل والمال، والفرار بالدين إلى بعض الغيران(١) ، وجسّرناهم على القيام بكلمة الحقّ والتظاهر بالإسلام( إِذْ قامُوا ) بين يديه من غير مبالاة حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام( فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ) والله لقد قلنا قولا ذا شطط، أي: ذا بعد عن الحقّ مفرط في الظلم، من: شطّ إذا بعد.
( هؤُلاءِ ) مبتدأ( قَوْمُنَا ) عطف بيان( اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) خبره. وهو إخبار في معنى الإنكار. ثمّ بكّتوهم بقولهم:( لَوْ لا يَأْتُونَ ) هلّا يأتون( عَلَيْهِمْ ) على عبادتهم، بحذف المضاف( بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ) ببرهان ظاهر، فإنّ الدين لا يؤخذ إلّا به.
وفيه دليل على أنّ ما لا دليل عليه من الديانات مردود، وأن التقليد فيه غير جائز.( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) بنسبة الشريك إليه.
( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ) خطاب من بعضهم لبعض حين صمّمت عزيمتهم على الفرار بدينهم( وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) عطف على الضمير المنصوب، أي: وإذ اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلّا الله. ويجوز أن تكون «ما» مصدريّة على تقدير: وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلّا عبادة الله. وأن تكون نافية، على أنّه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد، معترض بين «إذ» وجوابه، لتحقيق اعتزالهم. والاستثناء يجوز أن يكون متّصلا، فإنّهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام، كسائر المشركين. ويجوز أن يكون منقطعا.
( فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ ) يبسط الرزق لكم ويوسّع عليكم( مِنْ رَحْمَتِهِ ) في الدارين( وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ) ما ترتفقون به، أي: تنتفعون.
وجزمهم بذلك لخلوص يقينهم، وقوّة وثوقهم بفضل الله.
وقرأ نافع وابن عامر: مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء. وهو مصدر جاء شاذّا، كالمرجع والمحيض، فإنّ قياسه الفتح.
__________________
(١) جمع الغار.
( وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) )
ثمّ بيّن سبحانه حالهم في الكهف، فقال:( وَتَرَى الشَّمْسَ ) أي: لو رأيتهم.
والخطاب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو لكلّ أحد.( إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ) تميل عنه، ولا
يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، لأنّ الكهف كان جنوبيّا، أو لأنّ الله زوّرها عنهم. وأصله: تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي. وقرأ الكوفيّون بحذفها، وابن عامر ويعقوب: تزوّر، كـ: تحمّر. وكلّها من الزور، وهو الميل، ومنه: زاره إذا مال إليه:( ذاتَ الْيَمِينِ ) جهة اليمين. وحقيقتها الجهة المسمّاة باليمين.
( وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ) تقطعهم وتصرم عنهم ولا تقربهم( ذاتَ الشِّمالِ ) يعني: يمين الكهف وشماله، لقوله:( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) أي: وهم في متّسع من الكهف.
والمعنى: أنّهم في ظلّ نهارهم كلّه لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنّهم في مكان واسع منفتح معرّض لإصابة الشمس، ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، ولا يحسّون كرب الغار، وذلك لأنّ باب الكهف شماليّ مستقبل لبنات نعش، فتميل عنهم الشمس طالعة وغاربة، فهم في مقنأة(١) أبدا.
( ذلِكَ ) أي: شأنهم وإبواؤهم إلى كهف شأنه كذلك، أو ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة، أو إخبارك هذا( مِنْ آياتِ اللهِ ) من أدلّته وبراهينه( مَنْ يَهْدِ اللهُ ) بالتوفيق( فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) الّذي أصاب الفلاح. والمراد به إمّا الثناء عليهم، أو التنبيه على أنّ أمثال هذه الآيات كثيرة، ولكنّ المنتفع بها من استرشد، فيوفّقه الله للتأمّل فيها والاستبصار بها.( وَمَنْ يُضْلِلْ ) ومن يخذله ويخلّه لفرط عناده وتصميمه على الكفر( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً ) من يليه ويرشده.
( وَتَحْسَبُهُمْ ) أي: لو رأيتهم لحسبتهم( أَيْقاظاً ) لانفتاح عيونهم، أو لكثرة تقلّبهم. جمع يقظ، كأنكاد في نكد( وَهُمْ رُقُودٌ ) نيام في الحقيقة( وَنُقَلِّبُهُمْ ) في رقدتهم( ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ ) أي: تارة عن اليمين إلى الشمال، وتارة عن الشمال إلى اليمين، كما ينقلب النائم، لئلّا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان. قيل لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
__________________
(١) المقنأة: الموضع الذي لا تطلع عليه الشمس.
( وَكَلْبُهُمْ ) هو كلب مرّوا به فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله تعالى فقال: أنا أحبّ أحبّاء الله فناموا وأنا أحرسكم. أو كلب راع مرّوا به فتبعهم وتبعه الكلب. وقيل: كان كلب صيدهم، وهو أصفر اللون. وعن ابن عبّاس: أنمر(١) ، واسمه قطمير. وعن الحسن: أنّ ذلك الكلب مكث هناك ثلاثمائة وتسع سنين بغير شراب وطعام، ولا نوم ولا قيام.
( باسِطٌ ذِراعَيْهِ ) حكاية حال ماضية، ولذلك أعمل اسم الفاعل. والمعنى: ويلقيهما على الأرض مبسوطتين كافتراش السبع.( بِالْوَصِيدِ ) بفناء الكهف. وقيل: الوصيد الباب. وقيل: العتبة.( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ) فنظرت إليهم( لَوَلَّيْتَ ) أي: لهربت( مِنْهُمْ فِراراً ) نصبه بالمصدريّة، لأنّه نوع من التولية، أو بالعلّية، أو الحاليّة( وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ) خوفا يملأ صدرك، بما ألبسهم الله من الهيبة، أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم، وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم. وقيل: لوحشة مكانهم.
وقرأ الحجازيّان: لملّئت بالتشديد، للمبالغة. وابن عامر والكسائي ويعقوب: رعبا بالتثقيل. وكلاهما بمعنى الخوف الّذي يرعب الصدر، أي: يملؤه.
وعن معاوية: أنّه غزا الروم فمرّ بالكهف، فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فننظر إليهم! فقال له ابن عبّاس: ليس ذلك لك، قد منع الله ذلك من هو خير منك، فقال:( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً ) . فلم يسمع، وبعث أناسا فلمّا دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم.
( وَكَذلِكَ ) وكما أنمناهم آية( بَعَثْناهُمْ ) آية وادّكارا بكمال قدرتنا( لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ ) ليسأل بعضهم بعضا فيتعرّفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا على كمال قدرة الله، ويستبصروا به أمر البعث، ويشكروا ما أنعم الله تعالى به عليهم.
( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) بناء على غالب ظنّهم، لأنّ النائم لا يحصي مدّة نومه، ولذلك أحالوا العلم إلى الله( قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ) ويجوز أن يكون القول الأوّل قول بعضهم، والثاني إنكار الآخرين عليهم. وعن ابن
__________________
(١) الأنمر: ما فيه نقط سود. يقال: أسد أنمر، أي: فيه غبرة وسواد.
عبّاس: أنّ قائل هذا القول هو تمليخا رئيسهم.
وقيل: إنّهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة، فظنّوا أنّهم في يومهم أو اليوم الّذي بعده قالوا ذلك، فلمّا نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا.
ثمّ لـمّا علموا أنّ الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا في شيء آخر ممّا يهمّهم وقالوا:( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ) والورق الفضّة مضروبة كانت أو غيرها. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر وروح عن يعقوب بالتخفيف. وتزوّدهم عند فرارهم دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكّلين على الله، دون المتّكلين على الاتّفاقات، وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. عن ابن عبّاس: كان معهم دراهم عليها صورة الملك الّذي كان في زمانهم.
( فَلْيَنْظُرْ أَيُّها ) أيّ أهلها( أَزْكى طَعاماً ) أحلّ وأطيب. وعن ابن عبّاس: أطهر وأحلّ ذبيحة، لأنّ عامّتهم كانت مجوسا، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقيل: أكثر وأرخص.( فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ ) وليتكلّف اللطف في المعاملة حتّى لا يغبن.
أو في التخفّي حتى لا يعرف.( وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ) ولا يفعلنّ ما يؤدّي إلى الشعور.
( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) إن يطّلعوا عليكم ويعلموا مكانكم، أو يظفروا بكم.
والضمير للأهل المقدّر في «أيّها».( يَرْجُمُوكُمْ ) يقتلوكم بالرجم، وهو من أخبث القتل( أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) أو يصيّروكم إليها كرها، من العود بمعنى الصيرورة. والتقيّة في ذلك الوقت لم تكن جائزة في إظهار الكفر. وقيل: كانوا أوّلا على دينهم فآمنوا. والمعنى: يعيدوكم إلى دينهم بالاستدعاء دون الإكراه إلى دينهم الّذي كنّا نتديّن به قبل ذلك الوقت.( وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) إن دخلتم في ملّتهم.
( وَكَذلِكَ ) وكما أنمناهم وبعثناهم لتزداد بصيرتهم( أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ) أطلعنا عليهم( لِيَعْلَمُوا ) ليعلم الّذين أطلعنا عليهم( أَنَّ وَعْدَ اللهِ ) بالبعث أو الموعود الّذي هو البعث( حَقٌ ) لأنّ نومهم وانتباههم كحال من يموت ثمّ يبعث( وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ) وأنّ القيامة لا ريب في إمكانها، فإنّ من توفّى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنين ،
حافظا أبدانها عن التحلّل والتفتّت، ثمّ أرسلها إليها، قدر أن يتوفّى نفوس جميع الناس، ممسكا إيّاها إلى أن يحشر أبدانهم فيردّها عليها.
( إِذْ يَتَنازَعُونَ ) ظرف لـ «أعثرنا» أي: أعثرنا عليهم حين يتنازعون( بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) أمر دينهم، وكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح مجرّدة، وبعضهم يقول: يبعثان معا، ليرتفع الخلاف، ويتبيّن أنّهما يبعثان معا كما كانت قبل الموت. أو أمر الفتية حين أماتهم الله ثانيا بالموت، فقال بعضهم: ماتوا، وقال آخرون: ناموا نومهم أوّل مرّة. أو قالت طائفة: نبني عليهم بنيانا يسكنه الناس ويتّخذونه قرية، وقال آخرون: لنتّخذنّ عليهم مسجدا يصلّى فيه، كما قال عزّ اسمه:( فَقالُوا ) أي: بعضهم( ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً ) أي: على باب الكهف، لئلّا يتطرّق إليهم الناس ضنّا بتربتهم، ومحافظة عليها، كما حفظت تربة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحظيرة.
وقوله:( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) معترض بينه وبين قوله:( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا ) أي: أطّلعوا( عَلى أَمْرِهِمْ ) يعني: الملك وأصحابه المؤمنين بالله( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) متعبّدا للعبادة. والاعتراض إمّا من الله ردّا على الخائضين في أمرهم من أولئك المتنازعين. أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول. أو من المتنازعين للردّ إلى الله بعد ما تذاكروا أمرهم، وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلم يتحقّق لهم ذلك.
وتفصيل هذه القصّة على ما قاله المفسّرون: أنّ أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم حتّى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها. وممّن شدّد في ذلك دقيانوس، فأراد أن يحمل فئة من أشراف قومه على الشرك، وتوعّدهم بالقتل، فأبوا إلّا الثبات على الإيمان والتصلّب فيه، ثمّ هربوا من ملكهم ودخلوا الكهف، فاطّلع الملك على مكانهم، فأمر أن يسدّ عليهم باب الكهف، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الّذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظنّ أنّهم أيقاظا.
ثمّ إنّ رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الّذي بنوا على باب
الكهف، وقالا: لعلّ الله يظهر على هؤلاء الفئة قوما مؤمنين قبل يوم القيامة، ليعلموا خبرهم حين يقرءون هذا الكتاب.
ثمّ انقرض أهل ذلك الزمان، وخلّفت بعدهم قرون وملوك كثيرون، وملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: ندليس. وقيل: بندوسيس. وتحزّب الناس في ملكه أحزابا، منهم من يؤمن بالله ويعلم أنّ الساعة حقّ، ومنهم من
يكذّب. فكبر ذلك على الملك الصالح، وبكى إلى الله وتضرّع وقال: أي ربّ قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبيّن لهم بها أنّ البعث حقّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
فألقى الله في قلب رجل من أهل تلك البقعة الّتي بها الكهف أن يهدم البنيان الّذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، ففعل ذلك. وبعث الله الفتية من نومهم، فأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعاما. فلمّا دخل السوق أخرج الدرهم وكان عليه اسم دقيانوس، اتّهموه بأنّه وجد كنزا، فذهبوا به إلى الملك، وكان نصرانيّا موحّدا. فقصّ عليهم القصص.
قال بعضهم: إنّ آباءنا أخبرونا أنّ فتية فرّوا بدينهم من دقيانوس، فلعلّهم هؤلاء.
فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر، وأبصروهم وكلّموهم. ثمّ قال الفتية للملك: نستودعك الله، ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس. ثمّ رجعوا إلى مضاجعهم. فبنى الملك عليهم مسجدا.
وقيل: لـمّا انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانكم حتّى أدخل أوّلا لئلّا يفزعوا.
فدخل فعمي عليهم المدخل، فبنوا ثمّ مسجدا.
( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) )
ثمّ بيّن سبحانه تنازعهم في عددهم، فقال:( سَيَقُولُونَ ) سيقول قوم من المختلفين في عددهم في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من أهل الكتاب والمؤمنين:( ثَلاثَةٌ ) ثلاثة رجال( رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ) يربّعهم كلبهم بانضمامه إليهم. قيل: هو قول اليهود. وقيل: قول السيّد من نصارى نجران، وكان يعقوبيّا.( وَيَقُولُونَ ) ويقول آخرون: هم( خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ) قاله النصارى، أو العاقب، وكان نسطوريّا.
( رَجْماً بِالْغَيْبِ ) يرمون رميا بالخبر الخفيّ الّذي لا مطلع لهم عليه، كقوله: ويقذفون بالغيب، أي: يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنّه قيل: ظنّا بالغيب، لأنّهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظنّ، مكان قولهم: ظنّ، حتّى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. وإنّما لم يذكر بالسين اكتفاء بعطفه على ما يكون السين فيه.
( وَيَقُولُونَ ) ويقول آخرون: هم( سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) إنّما قاله المسلمون بإخبار الرسول لهم عن جبرئيل، وإيماء الله إليه، بأن أتبعه قوله:( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) وأتبع الأوّلين قوله:( رَجْماً بِالْغَيْبِ ) .
وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة، فإنّ عدم إيراد رابع في نحو هذا المحلّ دليل العدم، مع أنّ الأصل ينفيه. ثمّ ردّ الأوّلين بأن أتبعهما قوله: «رجما بالغيب» ليتعيّن الثالث.
وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة، تشبيها لها بالواقعة حالا من المعرفة، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أنّ اتّصافه بها أمر ثابت. ونظيره قوله تعالى:( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) (١) . ونحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف.
وقال ابن عبّاس: حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها، وثبت أنّهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. ثمّ قال: وأنا من ذلك القليل.
__________________
(١) الحجر: ٤.
وقيل: معناه: إلّا قليل من أهل الكتاب. والضمير في «سيقولون» على هذا لأهل الكتاب خاصّة، أي: سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلّا في قليل منهم، وأكثرهم على الظنّ والتخمين.
وروي عن عليعليهالسلام : «هم سبعة وثامنهم كلبهم. وأسماؤهم: يمليخا، ومكشلينيا، ومشلينيا. هؤلاء أصحاب يمين الملك. ومرنوش، ودبرنوش، وشاذنوش، أصحاب يساره. وكان يستشيرهم. والسابع: الراعي الّذي وافقهم. واسم كلبهم قطمير».
( فَلا تُمارِ فِيهِمْ ) ولا تجادل في شأن أصحاب الكهف مع الخائضين فيهم( إِلَّا مِراءً ظاهِراً ) إلّا جدالا ظاهرا غير متعمّق فيه، وهو أن تقصّ عليهم ما أوحي إليك فحسب، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، فإنّه يخلّ بمكارم الأخلاق، كما قال:( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
( وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ) ولا تسأل أحدا منهم عن قصّتهم سؤال مسترشد، فإنّ فيما أوحي إليك لمندوحة عن غيره، مع أنّه لا علم لهم بها. ولا سؤال متعنّت، حتّى يقول شيئا فتردّه عليه وتزيّف ما عنده، لأنّ ذلك ما وصيت به من المداراة والمجاملة.
( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) )
وروي عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير: أنّ النضر بن الحارث بن كلدة وعقبة بن أبي معيط أنفذهما قريش إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمّد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عندنا. فخرجا حتّى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقالا لهم ما قالت قريش.
__________________
(١) النحل: ١٢٥.
فقال لهما أحبار اليهود: اسألوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل. اسألوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان أمرهم؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب. واسألوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ واسألوه عن الروح. وفي رواية أخرى: فإن أخبركم عن الثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبيّ.
فانصرفا إلى مكّة فقالا: يا معاشر قريش قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمّد. وقصّا عليهم القصّة.
فجاءوا إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسألوه. فقال: أخبركم بما سألتم غدا، ولم يستثن. فانصرفوا عنه. فمكثصلىاللهعليهوآلهوسلم خمس عشرة ليلة ـ وقيل: عشرا، وقيل: أربعين ـ لا يحدث الله له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرئيل، حتّى أرجف أهل مكّة وتكلّموا في ذلك، فكذّبوا نبوّته. فشقّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما يتكلّم به أهل مكّة. ثمّ جاءه جبرئيلعليهالسلام عن الله، فقرأ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية:( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ )
هذا نهي تأديب من الله لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نهي تحريم، لأنّه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف. والاستثناء متعلّق بالنهي خاصّة، أي: ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه إنّي فاعل غدا ـ أي: فيما يستقبل ـ إلّا بأن يشاء الله، أي: إلّا ملتبسا بمشيئته قائلا: إن شاء الله، أو إلّا وقت أن يشاء الله أن تقوله، بأن أذن لك فيه. ولا يجوز تعليقه بـ «إنّي فاعل»، لأنّه لو قال: إنّي فاعل كذا إلّا أن يشاء الله، كان معناه: إلّا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي.
وروي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لجبرئيل حين جاءه: «لقد احتبست عنّي يا جبرئيل. فقال له جبرئيل: وما نتنزّل إلّا بأمر ربّك. فقصّ عليه هذه السورة المشتملة على قصّة أصحاب الكهف والرجل الطوّاف، وقرأ عليه ما في سورة بني إسرائيل من قوله:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) .
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ ) مشيئة ربّك وقل: إن شاء الله، كما روي أنّه لـمّا نزل قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن شاء الله( إِذا نَسِيتَ ) يعني: إذا غفلت عن كلمة الاستثناء، لاشتغالك بأمر آخر من الأوامر الشرعيّة، ثمّ تنبّهت عليها فتداركها.
وعن ابن عبّاس: يجوز تأخير الاستثناء في الأيمان والنذور وغير ذلك من العقود والإيقاعات، كالإقرار والطلاق، ولو بعد سنة ما لم يحنث، ولذلك جوّز تأخير الاستثناء عنه.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع. وعن طاووس: هو على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن: نحوه. وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند أصحابنا: لا أثر في الأحكام ما لم يكن موصولا، كما قال الصادقعليهالسلام : «ما لم ينقطع الكلام»، فإنّه لو صحّ التأخير العرفي لم يتقرّر إقرار ولا طلاق ولا عتاق، ولم يعلم صدق ولا كذب.
ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربّك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، مبالغة في الحثّ عليه.
وقيل: واذكر ربّك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك. أو اذكره إذا اعتراك النسيان، ليذكّرك المنسيّ.
( وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي ) يدلّني( لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ) أي: لعلّ الله يؤتيني من البيّنات والحجج على أنّي نبيّ صادق، ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف. وقد هداه لأعظم من ذلك، كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيّامهم، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة.
وفي الكشّاف(١) : «والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئا فاذكر ربّك. وذكر ربّك عند نسيانه أن تقول: عسى ربّي أن يهديني لشيء آخر بدل من هذا المنسيّ، أقرب
__________________
(١) في الصفحة التالية.
منه رشدا، وأدنى خيرا ومنفعة. ولعلّ النسيان كان خيرا، كقوله تعالى:( أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها ) (١) (٢) .
( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦) )
ثمّ أخبر سبحانه عن مقدار مدّة لبثهم، فقال:( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ) تسع سنين. يعني: لبثهم فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدّة. وهو بيان لـما أجمله في قوله:( فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ) (٣) . والمعنى: قل الله أعلم من الّذين اختلفوا منهم مدّة لبثهم، والحقّ ما أخبرك به.
وعن قتادة: أنّه حكاية أهل الكتاب، فإنّهم اختلفوا في مدّة لبثهم، كما اختلفوا في عدّتهم، فقال بعضهم: ثلاثمائة، وقال بعضهم: ثلاثمائة وتسع سنين.
وقرأ حمزة والكسائي: ثلاثمائة سنين بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، والأصل ثلاثمائة سنة. ومن لم يضف أبدل السنين من ثلاثمائة. وقوله:( قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) ردّ عليهم. والمعنى: الله أعلم بلبثهم.
ثمّ ذكر اختصاصه بما غاب عن الناس، فقال:( لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يعني: له ما غاب فيهما، وخفي من أحوال أهلهما، وغيرها، فلا خلق يخفى عليه
__________________
(١) البقرة: ١٠٦.
(٢) الكهف: ١١.
(٣) البقرة: ١٠٦.
علما. ويؤكّد ذلك قوله:( أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) فإنّه ذكر بصيغة التعجّب، للدلالة على أنّ أمره في الإدراك خارج عمّا عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنّه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها، كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر، فلا يحجبه شيء، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيّ وجليّ.
والهاء تعود إلى الله، ومحلّه الرفع على الفاعليّة. والباء مزيدة عند سيبويه. وكان أصله: أبصر، أي: صار ذا بصر، ثمّ نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء، فبرز الضمير، لعدم بيان الصيغة له، أو لزيادة الباء، كما في قوله تعالى:( وَكَفى بِهِ ) (١) . والنصب على المفعوليّة عند الأخفش، والفاعل ضمير المأمور، وهو كلّ أحد. والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية، ومعدّية إن كانت للصيرورة. والمعنى: ما أبصر الله لكلّ مبصر! وما أسمعه لكلّ مسموع! فلا يخفى عليه شيء.
( ما لَهُمْ ) الضمير لأهل السماوات والأرض( مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ ) من يتولّى أمورهم( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ ) في قضائه( أَحَداً ) منهم، ولا يجعل له فيه مدخلا.
وقرأ ابن عامر وقالون عن يعقوب بالتاء والجزم، على نهي كلّ أحد عن الإشراك.
( وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) )
وبعد ذكر أصحاب الكهف وبيان قصّتهم قال:( وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ ) من القرآن، ولا تسمع لقولهم:( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ) (٢) ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ) ملتجأ تعدل إليه إن هممت به.
__________________
(١) النساء: ٥٠.
(٢) يونس: ١٥
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) )
روي أنّ قوما من رؤساء الكفرة قالوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : نحّ هؤلاء الموالي الّذين كأنّ ريحهم ريح الضأن ـ وهم صهيب وعمّار وخبّاب، وغيرهم من فقراء المسلمين ـ حتّى نجالسك، كما قال نوح:( أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) (١) فنزلت:( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ )
واحبسها وثبّتها( مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ ) في مجامع أوقاتهم، أو في طرفي النهار. وقرأ ابن عامر: بالغدوة. وفيه: أنّ غدوة علم في أكثر الاستعمال، فتكون اللام فيه على تأويل التنكير.( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) رضا الله وطاعته.
( وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ) ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم. وتعديته بـ «عن» لتضمينه معنى: نبا وعلا، في قولك: نبت عنه عينه وعلت عنه عينه، إذا اقتحمته ولم تعلق به. وفائدة التضمين إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذّ.( تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) حال من الكاف.
__________________
(١) الشعراء: ١١١.
( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ ) من جعلنا قلبه غافلا( عَنْ ذِكْرِنا ) بالخذلان. أو نسبنا قلبه إلى الغفلة، كما يقال: أكفره إذا نسبه إلى الكفر. أو من: أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي: لم نسمهم بالذكر، ولم نجعلهم من الّذين كتبنا في قلوبهم الايمان. وقد أبطل الله تعالى توهّم المجبّرة بقوله:( وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) أي: تقدّما على الحقّ، ونبذا له وراء ظهره. يقال: فرس فرط، أي: متقدّم للخيل. ومنه الفرط.
وفيه تنبيه على أنّ الداعي إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات، وانهماكه في المحسوسات، حتّى خفي عليه أنّ الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد، وأنّه لو أطاعه كان مثله في الغباوة.
( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: الحقّ ما يكون من جهة الله، لا ما يقتضيه الهوى.
ويجوز أن يكون «الحقّ» خبر مبتدأ محذوف، و «من ربّكم» حالا، أي: هذا الّذي أوحي إليّ هو الحقّ حال كونه صادرا من ربّكم. يعني: جاء الحقّ وزاحت العلل، فلم يبق إلّا اختياركم لأنفسكم ما شئتم.
( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) يعني: من شاء أخذ في طريق النجاة، ومن شاء أخذ في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير لأنّه لـمّا مكّن من اختيار أيّهما شاء، فكأنّه مخيّر مأمور بأن يتخيّر ما شاء من النجدين.
( إِنَّا أَعْتَدْنا ) هيّأنا( لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ) فسطاطها. شبّه به ما يحيط بهم من النار. وقيل: السرادق الحجرة الّتي تكون حول الفسطاط. وقيل: سرادقها دخانها، يحيط بالكفّار قبل دخولهم النار. وقيل: حائط من نار يطيف(١) بهم.
( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ) من العطش( يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ ) هو كلّ شيء أذيب، كالصفر المذاب، أو النحاس المذاب، أو غيرهما من جواهر الأرض. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(١) طاف يطوف حول الشيء: دار حوله. وأطاف يطيف بالشيء: ألمّ وأحاط به.
كعكر(١) الزيت، إذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه.
وقيل: هو القيح والدم. وعن الضحّاك: أنّه ماء أسود، فإنّ جهنّم أسود ماؤها، أسود شجرها، أسود أهلها. وقيل: هو كدرديّ(٢) الزيت. وفيه تهكّم على طريقة قوله: فاعتبوا بالصيلم(٣) ( يَشْوِي الْوُجُوهَ ) إذا قدّم ليشرب انشوى الوجه من فرط حرارته. وهو صفة ثانية لماء، أو حال من المهل، أو الضمير في الكاف.( بِئْسَ الشَّرابُ ) المهل( وَساءَتْ ) النار( مُرْتَفَقاً ) متّكأ. وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخدّ. وهو لمقابلة قوله: وحسنت مرتفقا، وإلّا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتّكاء.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١) )
ولـمّا تقدّم ذكر الوعيد عقّبه سبحانه بذكر الوعد، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) أي: لا نترك أعمالهم تذهب ضياعا، بل نجازيهم ونوفّيهم أجورهم من غير بخس.
__________________
(١) العكر من كلّ شيء: خاثره، أي: الغليظ والثخين منه.
(٢) الدرديّ من الزيت ونحوه: الكدر الراسب في أسفله.
(٣) لبشر بن أبي حازم، وتمامه :
غضبت تميم أن نقتّل عامرا |
يوم النسار فاعتبوا بالصيلم |
أي: أزلنا عتابهم بالصيلم. وهو السيف الكثير القطع.
واعلم أنّ خبر «إنّ» الأولى «إنّ» الثانية بما في حيّزها. والراجع محذوف، تقديره: من أحسن عملا منهم. أو مستغنى عنه بعموم( مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) كما هو مستغنى عنه في قولك: نعم الرجل زيد. أو واقع موقعه الظاهر، فإنّ من أحسن عملا لا يحسن إطلاقه على الحقيقة إلّا على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات. أو خبرها( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) أي: إقامة لهم، لأنّهم يبقون فيها ببقاء الله دائما أبدا. وعلى الوجه الأخير اعتراض(١) . وعلى الأوّل استئناف لبيان الأجر المبهم، أو خبر ثان.
وعن ابن مسعود: عدن بطنان الجنّة، أي: وسطها، وهي جنّة من الجنّات. وعلى هذا، فإنّما جمع لسعتها، ولأنّ كلّ ناحية منها تصلح أن تكون جنّة.
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) لأنّهم على غرف في الجنّة، كما قال:( وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) (٢) . وقيل: إنّ أنهار الجنّة تجري في أخاديد من الأرض، فلذلك قال: تجري من تحتهم الأنهار.
( يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) «من» الأولى للابتداء، والثانية للبيان، صفة لـ «أساور». وتنكيره لتعظيم حسنها من الإحاطة به. وهو جمع أسورة في جمع سوار.
عن سعيد بن جبير: أنّه يحلّى كلّ واحد بثلاثة أساور: سوار من فضّة، وسوار من ذهب، وسوار من لؤلؤ وياقوت.
( وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً ) لأنّ الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة( مِنْ سُنْدُسٍ ) ممّا رقّ من الديباج( وَإِسْتَبْرَقٍ ) وما غلظ منه. جمع بين النوعين للدلالة على أنّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين.
( مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ ) على السرر، كما هو هيئة المتنعّمين المستريحين
__________________
(١) أي: إن جعلنا قوله تعالى:( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ ) خبرا لـ «إنّ» الأولى، يكون قوله:( إِنَّا لا نُضِيعُ ) اعتراضا بين «إنّ» وخبرها. وعلى الوجه الأوّل ـ وهو جعل( إِنَّا لا نُضِيعُ ) خبرا لـ «إنّ» الأولى ـ يكون قوله تعالى:( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ ) استئنافا أو خبرا ثانيا لـ «إنّ».
(٢) سبأ: ٣٧.
حال الأمن والسلامة( نِعْمَ الثَّوابُ ) الجنّة ونعيمها( وَحَسُنَتْ ) أي: الأرائك( مُرْتَفَقاً ) متّكأ.
( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤) )
ثمّ ضرب الله لعباده مثلا ليرغّبهم به إلى طاعته، ويزجرهم عن معصيته وكفران نعمته، فقال:( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ) للكافر والمؤمن( رَجُلَيْنِ ) حال رجلين مقدّرين أو موجودين.
قيل: هما أخوان من بني إسرائيل، كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا.
قيل: هما المذكوران في سورة الصّافّات في قوله:( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ) (١) . ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطرا، فاشترى الكافر أرضا بألف.
فقال المؤمن: أللّهمّ إنّ أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنّة بألف، فتصدّق به.
ثمّ بنى أخوه دارا بألف.
فقال: أللّهمّ إنّي أشتري منك دارا في الجنّة بألف، فتصدّق به.
ثمّ تزوّج أخوه امرأة بألف.
فقال: أللّهمّ إنّي جعلت ألفا صداقا للحور.
ثمّ اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف.
فقال: أللّهمّ إنّي اشتريت منك الولدان المخلّدين بألف، فتصدّق به.
ثمّ أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه، فمرّ به في حشمه فتعرّض له،
__________________
(١) الصافّات: ٥١.
فطرده ووبّخه على التصدّق بماله.
وقيل: هما أخوان من بني مخزوم، كافر وهو الأسود بن عبد الأشد، ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله زوج أمّ سلمة قبل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ ) بستانين( مِنْ أَعْنابٍ ) من كروم. والجملة بتمامها بيان للتمثيل، أو صفة لـ «رجلين».( وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ) وجعلنا النخل محيطة بهما، مؤزّرا(١) بها كرومهما وسطها. يقال: حفّه القوم إذا أطافوا به، وحففته بهم إذا جعلتهم حافّين حوله. فتزيده الباء مفعولا ثانيا، كقولك: غشيه وغشيته به.( وَجَعَلْنا بَيْنَهُما ) وسطهما( زَرْعاً ) ليكون كلّ منهما جامعا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الأنيق.
( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ) ثمرها. وإفراد الضمير لإفراد «كلتا»، فإنّه مفرد اللفظ مثنّى المعنى. ولو قيل: آتتا على المعنى لجاز.( وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ ) ولم تنقص من أكلها( شَيْئاً ) يعهد في سائر البساتين، فإنّ الثمار تتمّ في عام وتنقص في عام غالبا( وَفَجَّرْنا خِلالَهُما ) وشققنا وسط الجنّتين( نَهَراً ) نسقيهما، حتّى يكون الماء قريبا منهما، يصل إليهما من غير كدّ وتعب، ويكون ثمرهما وزرعهما بدوام الماء فيهما أوفى وأروى. وقرأ يعقوب: وفجرنا بالتخفيف.
( وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ ) أنواع من المال سوى الجنّتين، من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد: الذهب والفضّة وغيرهما. فكان وافر اليسار من كلّ وجه، متمكّنا من عمارة الأرض كيف شاء.( فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ ) يراجعه في الكلام، من: حار يحور إذا رجع( أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ) حشما وأعوانا. وقيل: أولادا ذكورا، لأنّهم
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «التوزير: الإحكام، من قولهم: تأزّر النبت، أي: التفّ واشتدّ. منه غفر الله له».
الّذين ينفرون(١) معه دون الإناث.
( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ) أخذا بيد أخيه المسلم يطوف به فيها، ويفاخره بها. وإفراد الجنّة لأنّ المراد ما هو جنّته، وهو ما متّع به من الدنيا، تنبيها على أنّه لا جنّة له غيرها، ولا حظّ له في الجنّة الّتي وعد المتّقون. أو لاتّصال كلّ واحدة من جنّتيه بالأخرى. أو لأنّ الدخول يكون في واحدة واحدة.
( وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) ضارّ لها بعجبه وافتخاره، وكفره وكفرانه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم.
( قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ ) أن تفنى( هذِهِ ) الجنّة( أَبَداً ) لطول أمله، وتمادي غفلته، واغتراره بمهلته، واطّراحه النظر في عواقب أمثاله. ونرى أكثر الأغنياء من المسلمين كذلك، وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإنّ ألسنة أحوالهم ناطقة به، منادية عليه.
( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) كائنة( وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي ) أقسم على أنّي إن بعثت ورجعت إلى جزاء ربّي على سبيل الفرض والتقدير، أو كما زعمت( لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها ) من جنّته. وقرأ الحجازيّان والشامي: منهما، أي: من الجنّتين.( مُنْقَلَباً ) مرجعا وعاقبة، لأنّها فانية، وتلك باقية. ونصبه على التمييز. وإنّما أقسم على ذلك لاعتقاده أنّه تعالى إنّما أولاه ما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إيّاه لذاته، وهو معه أينما توجّه، كقوله:( إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) (٢) .( لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً ) (٣) . وقيل: معناه: لاكتسبنّ في الآخرة خيرا من هذه الّتي اكتسبها في الدنيا.
( قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ) لأنّه أصل مادّتك ،
__________________
(١) أي: يخرجون معه للحرب.
(٢) فصّلت: ٥٠.
(٣) مريم: ٧٧.
أو مادّة أصلك( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) فإنّها مادّتك القريبة( ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) ثمّ عدّلك وكمّلك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفرا بالله، لأنّ منشأه الشكّ في كمال قدرة الله، ولذلك رتّب الإنكار على خلقه إيّاه من التراب، فإنّ من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه. وفي الآية دلالة على أنّ الشكّ في البعث والنشور كفر.
( لكِنَّا ) أصله: لكن أنّا، فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على نون «لكن»، فتلاقت النونان، فحرّكت النون الأولى وأدغمت. وقرأ ابن عامر ويعقوب في رواية بالألف في الوصل، لتعويضها من الهمزة، أو لإجراء الوصل مجرى الوقف.( هُوَ اللهُ رَبِّي ) هو ضمير الشأن، وهو بالجملة الواقعة خبرا له خبر «أنا». أو ضمير الله، و «الله» بدله، و «ربّي» خبره، والجملة خبر «أنا».( وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً ) لا أشرك بعبادتي إيّاه أحدا، بل أوجّهها إليه وحده خالصا. والاستدراك من «أكفرت» كأنّه قال: أنت كافر بالله، لكنّي مؤمن به وبوحدانيّته.
( وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ) وهلّا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها( ما شاءَ اللهُ ) أي: الأمر ما شاء الله. أو ما شاء الله كائن، على أنّ «ما» موصولة. أو أيّ شيء شاء الله كان، على أنّها شرطيّة، والجواب محذوف، إقرارا بأنّها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها عامرة، وإن شاء أبادها وخرّبها.( لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ) وهلّا قلت: لا قوّة إلّا بالله، اعترافا بالعجز على نفسك والقدرة لله، وأن ما تيسّر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلّا بالله.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله ولا قوّة إلا بالله، لم يضرّه».
وروى هشام بن سالم وأبان بن عثمان عن الصادقعليهالسلام قال: «عجبت لمن خاف الفقر كيف لا يفزع إلى قوله سبحانه:( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (١) قال: سمعت اللهعزوجل
__________________
(١) آل عمران: ١٧٣.
يقول بعقبها:( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) (١) .
وعجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع إلى قوله:( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (٢) . فإنّي سمعت الله سبحانه يقول معها:( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (٣) .
وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله:( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) (٤) فإنّي سمعت الله سبحانه يعقّبها:( فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) (٥) .
وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله:( ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ) . فإنّي سمعت الله تعالى يعقّبها:( فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ) . و «عسى» موجبة».
( إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً ) يحتمل أن يكون «أنا» فصلا، وأن يكون تأكيدا للمفعول الأوّل. وقرئ: أقلّ بالرفع، على أنّه خبر «أنا»، والجملة مفعول ثان لـ «ترن».
وفي قوله: «وولدا» دليل لمن فسّر النفر بالأولاد.
وجواب الشرط قوله:( فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ) في الدنيا أو في الآخرة، لإيماني. والمعنى: إن ترني أفقر منك، فأنا أتوقّع من صنع الله أن يقلّب ما بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنّة خيرا من جنّتك.
( وَيُرْسِلَ عَلَيْها ) على جنّتك، لكفرك وكفرانك( حُسْباناً مِنَ السَّماءِ ) مرامي(٦) ، جمع حسبانة، وهي الصواعق. وقيل: هو مصدر، كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب. والمعنى: مقدارا قدّره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها. وقال الزّجاج: عذاب حسبان أي: حساب ما كسبت يداك من الأعمال السيّئة.( فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ) أرضا
__________________
(١) آل عمران: ١٧٤.(٢، ٣) الأنبياء: ٨٧ ـ ٨٨. (٤، ٥) غافر: ٤٤ ـ ٤٥.
(٦) أصل الحسبان: السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد.
ملساء يزلق عليها القدم، لملاستها باستئصال نباتها وأشجارها.
( أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً ) غائرا(١) في الأرض، لا يبقى أثره. مصدر وصف به، كالزلق.( فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ) للماء الغائر، تردّدا في ردّه.
( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وأهلك أمواله حسبما توقّعه صاحبه. وهو مأخوذ من: أحاط به العدوّ، فإنّه إذا أحاط به استولى عليه وغلبه، وإذا غلبه أهلكه. ومنه:( إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ ) (٢) . ونظيره: أتى عليه إذا أهلكه، من: أتى عليهم العدوّ إذا جاءهم مستعليا عليهم.
( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) ظهرا لبطن، كما هو فعل النادم، تلهّفا وتحسّرا( عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ) في عمارتها. وهو متعلّق بـ «يقلّب»، لأنّ تقليب الكفّين لـمّا كان في معنى الندم، عدّي تعديته بـ «على»، فإنّ النادم يقلّب كفّيه ظهرا لبطن، كما كنّي عن ذلك بعضّ الكفّ والسقوط في اليد. فكأنّه قيل: فأصبح يندم. أو حال، أي: متحسّرا على ما أنفق فيها.
( وَهِيَ خاوِيَةٌ ) ساقطة( عَلى عُرُوشِها ) بأن سقطت عروشها على الأرض، وسقطت الكروم فوقها. قيل: أرسل الله عليها نارا فأكلتها.
( وَيَقُولُ ) عطف على «يقلّب»، أو حال من ضميره( يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ) كأنّه تذكّر موعظة أخيه، وعلم أنّه أتى من قبل شركه وطغيانه، فتمنّى لو لم يكن مشركا فلم يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما سبق منه.
( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ) وقرأ حمزة والكسائي بالياء، لتقدّمه( يَنْصُرُونَهُ ) يقدرون على نصره، بدفع الإهلاك، أو ردّ المهلك، أو الإتيان بمثله( مِنْ دُونِ اللهِ ) فإنّه القادر على ذلك وحده( وَما كانَ مُنْتَصِراً ) وما كان ممتنعا بقوّته عن انتقام الله منه.
( هُنالِكَ ) في ذلك المقام وتلك الحال( الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ ) النصرة لله وحده، لا
__________________
(١) غار الماء: ذهب في الأرض، فهو غائر.
(٢) يوسف: ٦٦.
يقدر عليها غيره. وهذا تقرير لقوله:( وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ ) . أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، كما نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن. ويعضده قوله:( هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) أي: لأوليائه.
وقرأ حمزة والكسائي «الولاية» بالكسر، ومعناها السلطان والملك، أي: هنالك السلطان له لا يغلب ولا يمنع منه، أو في مثل تلك الحال الشديد يتولّى الله ويؤمن به كلّ مضطرّ، كقوله:( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (١) . فيكون تنبيها على أنّ قوله:( يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ ) كان عن اضطرار وجزع ممّا دهاه من شؤم كفره. وقيل: «هنا لك» إشارة إلى الآخرة، كقوله:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) (٢) .
وقرأ حمزة والكسائي «الحقّ» بالرفع، صفة للولاية. وقرأ حمزة وعاصم «عقبا» بالسكون.
( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) )
ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يضرب المثل للدنيا، تزهيدا فيها وترغيبا في الآخرة، فقال:( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) واذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها، أو صفتها الغريبة( كَماءٍ ) هي كماء. ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا
__________________
(١) العنكبوت: ٦٥.
(٢) غافر: ١٦.
ل «اضرب»، على أنّه بمعنى: صيّر.
( أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ) فالتفّ وتكاثف بسببه، وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه. أو نفذ في النبات الماء، فاختلط به حتّى روى ورفّ(١) رفيفا. وعلى هذا، كان حقّه: فاختلط بنبات الأرض، لكن لـمّا كان كلّ من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه عكس، للمبالغة في كثرته.
( فَأَصْبَحَ هَشِيماً ) مهشوما متفتّتا( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) تفرّقه. والمشبّه به ليس الماء ولا حاله، بل الكيفيّة المنتزعة من الجملة، وهي حال النبات المنبت بالماء، يكون أخضر وارفا، ثمّ هشيما تطيّره الرياح، فيصير كأن لم يكن. فشبّه الدنيا بهذا النبات في سرعة الفساد والهلاك.( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الإنشاء والإفناء( مُقْتَدِراً ) قادرا.
( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) يتزيّن بها الإنسان في دنياه، وتفنى عنه عمّا قريب( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) وأعمال الخير الّتي تبقى له ثمرتها أبد الآباد، وتفنى عنه كلّ ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ) من المال والبنين( ثَواباً ) عائدة( وَخَيْرٌ أَمَلاً ) لأنّ صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا.
روي عن عطاء وعكرمة ومجاهد عن ابن عبّاس: أنّ الباقيات الصالحات هي ما كان يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين، وهو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر.
وروى أنس بن مالك عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لجلسائه: «خذوا جنّتكم. قالوا: أحضر عدوّ؟ قال: خذوا جنّتكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر. فإنّهن المقدّمات، وهنّ المجيبات، وهنّ المعقّبات، وهنّ الباقيات
__________________
(١) رفّ لونه رفيفا: برق وتلألأ.
الصالحات» ورواه أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن آبائه، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدوّ أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، فإنّهنّ من الباقيات الصالحات، فقولوها».
وعن ابن مسعود وسعيد بن جبير ومسروق: هي الصلوات الخمس. وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
وروي عنه أيضا: «أنّ الباقيات الصالحات القيام بالليل».
وقيل: إنّ الباقيات الصالحات هنّ البنات الصالحات. وقيل: صيام رمضان.
وقيل: أعمال الحجّ. وروي: الكلام الطيّب. والأولى حملها على الطاعات، فيدخل فيها جميع الطاعات والخيرات.
وفي كتاب ابن عقدة أنّ أبا عبد اللهعليهالسلام قال للحصين بن عبد الرحمن: «يا حصين لا تستصغر مودّتنا، فإنّها من الباقيات الصالحات. قال: يا ابن رسول الله ما أستصغرها، ولكن أحمد اللهعزوجل عليها».
( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) )
( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ ) واذكر يوم نقلعها ونسيّرها في الجوّ، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثّا. ويجوز عطفه على «عند ربّك» أي: الباقيات الصالحات خير عند الله ويوم القيامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: تسيّر، بالتاء والبناء للمفعول.
قيل: يسيّرها على وجه الأرض كما يسيّر السحاب في السماء، ثمّ يجعلها كثيبا مهيلا، كما قال:( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ ) (١) الآية. ثمّ يصيّرها كالعهن المنفوش، كما قال:( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) (٢) . ثمّ يصيّرها هباء منبثّا في الهواء، كما قال:( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) (٣) . ثمّ يصيّرها بمنزلة التراب، كما قال:( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) (٤) .
( وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ) بادية برزت من تحت الجبال، ليس عليها ما يسترها من الجبال والنبات والشجر. وقيل: معناه قد برز من كان في بطنها، فصاروا على ظهرها.
وتقديره: وترى ما في باطن الأرض بارزا. فهو مثل قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ترمي الأرض بأفلاذ كبدها».
( وَحَشَرْناهُمْ ) وجمعناهم إلى الموقف. ومجيئه ماضيا بعد «نسيّر» و «ترى» لتحقّق الحشر، أو للدلالة على أنّ حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم.
وعلى هذا، تكون الواو للحال بإضمار «قد».( فَلَمْ نُغادِرْ ) فلم نترك( مِنْهُمْ أَحَداً ) يقال: غادره وأغدره إذا تركه. ومنه: الغدر لترك الوفاء، والغدير لـما غادره السيل.
( وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ ) شبّه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم( صَفًّا ) مصطفّين ظاهرين، لا يحجب أحد أحدا.
__________________
(١) المزّمّل: ١٤.
(٢) القارعة: ٥.
(٣) الواقعة: ٥ ـ ٦.
(٤) النبأ: ٢٠.
وقيل: يعرضون صفّا بعد صفّ.( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) على إضمار القول، أي: قلنا لهم: لقد جئتمونا. وهذا المضمر يجوز أن يكون عاملا في( يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ ) .( كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) عراة لا شيء معكم من المال والولد، كقوله:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ) (١) .
روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «يحشر الناس من قبورهم يوم القيامة عراة حفاة غرلا(٢) . فقالت عائشة: يا رسول الله أما يستحيي بعضهم من بعض؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم :( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) ». أو أحياء كخلقتكم الأولى.
( بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ) وقتا لإنجاز الوعد بالبعث والنشور، وأنّ الأنبياء كذّبوكم به. و «بل» للخروج من قصّة إلى قصّة اخرى.
( وَوُضِعَ الْكِتابُ ) صحائف أعمال بني آدم في الأيمان والشمائل، أو في الميزان. وقيل: هو كناية عن وضع الحساب.( فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ) خائفين( مِمَّا فِيهِ ) من الذنوب( وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ) ينادون هلكتهم الّتي هلكوها من بين الهلكات( ما لِهذَا الْكِتابِ ) تعجّبا من شأنه( لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ) لا يترك هنة صغيرة( وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ) إلّا عدّدها وأحاط بها، أي: أحصاها كلّها. وقد مرّ(٣) تفسير الصغيرة والكبيرة في سورة النساء.( وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ) مكتوبا في الصحف( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) فيكتب عليه ما لم يفعل، أو يزيد في عقابه الملائم لعمله.
وفيه دلالة على أنّه سبحانه لا يعاقب الأطفال، لأنّه إذا كان لا يزيد في عقوبة المذنب فكيف يعاقب من ليس بمذنب؟!
__________________
(١) الأنعام: ٩٤.
(٢) غرل الصبيّ: لم يختن، فهو أغرل، وجمعه: غرل.
(٣) راجع ج ٢ ص ١٤٨.
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) )
ثمّ أمر سبحانه نبيّه أن يذكّر هؤلاء المتكبّرين عن مجالسة الفقراء قصّة إبليس وما أورثه الكبر، فقال:( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) قيل: لـمّا بيّن حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها، وكان سبب الاغترار بها حبّ الشهوات وتسويل الشيطان، زهّدهم أوّلا في زخارف الدنيا بأنّها عرضة الزوال، والأعمال الصالحة خير وأبقى، ثمّ نفّرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة. وكرّره سبحانه في مواضع لكونه مقدّمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحالّ كما هاهنا، وهكذا مذهب كلّ تكرير في القرآن.
( كانَ مِنَ الْجِنِ ) حال بإضمار «قد»، أو استئناف للتعليل، كأنّه قيل: ماله لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنّ.( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) فخرج عن أمره بترك السجود.
والفاء للتسبيب، جعل كونه من الجنّ سببا في فسقه. يعني: لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتّة، لا يجوز عليهم ما يجوز على الجنّ والإنس، كما قال:( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (١) .
وفيه دليل على أنّ الملك لا يعصي البتّة، وإنّما عصى إبليس لأنّه كان جنّيّا في أصله. فما أبعد البون بين هذا القول، وبين قول من ضادّه وزعم أنّه كان ملكا ورئيسا على
__________________
(١) الأنبياء: ٢٧.
الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطانا. وتفصيل هذا المبحث قد مرّ(١) في سورة البقرة.
( أَفَتَتَّخِذُونَهُ ) الهمزة للإنكار والتعجّب، كأنّه قيل: أعقيب ما وجد منه تتّخذونه( وَذُرِّيَّتَهُ ) أولاده أو أتباعه. وسمّاهم ذرّيّة مجازا.( أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي ) أي: تستبدلونهم في، فتطيعونهم بدل طاعتي( وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) أي: بئس البدل من الله إبليس وذرّيّته لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته.
ثم نفى مشاركتهم في الإلهيّة بقوله:( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) لأعتضد بهم في خلقهما( وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، كقوله:( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٢) . فنفى إحضار إبليس وذرّيّته خلق السماوات والأرض، وإحضار بعضهم خلق بعض، ليدلّ على نفي الاعتضاد بهم في ذلك، كما صرّح به بقوله:( وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) أي: أعوانا، ردّا لاتّخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة، فإنّ استحقاق العبادة من توابع الخالقيّة، والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها. فوضع «المضلّين» موضع الضمير ذمّا لهم بالإضلال، واستبعادا للاعتضاد بهم، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتّخذونهم شركاء في العبادة؟! وقيل: الضمير للمشركين. والمعنى: ما أشهدتهم خلق ذلك، ولا خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم، حتّى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين، فإنّه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلّين لديني.
( وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) )
__________________
(١) راجع ج ١ ص ١٣٢ ذيل الآية ٣٤ من سورة البقرة.
(٢) النساء: ٢٩.
( وَيَوْمَ يَقُولُ ) أي: الله تعالى للكفّار. وقرأ حمزة بالنون.( نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) أنّهم شركائي وشفعاؤكم، ليمنعوكم من عذابي. وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ. والمراد: كلّ ما عبد من دونه. وقيل: إبليس وذرّيّته.
( فَدَعَوْهُمْ ) فنادوهم للإغاثة( فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ) فلم يغيثوهم( وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ) بين الكفّار وآلهتهم( مَوْبِقاً ) مهلكا يشتركون فيه، وهو النار. اسم مكان من: وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا، إذا هلك، وأوبقه غيره.
ويجوز أن يكون مصدرا، كالمورد والموعد. يعني: وجعلنا بينهم واديا من أودية جهنّم، هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا، يهلكون فيه جميعا.
وعن الحسن: «موبقا» عداوة. والمعنى: عداوة هي في شدّتها هلاك.
وقال الفراء: البين الوصل، أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة.
ويجوز أن يريد الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده، لأنّهم في قعر جهنّم، وهم في أعلى الجنان.
( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا ) فأيقنوا( أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ) مخالطوها واقعون فيها( وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ) انصرافا، أو مكانا ينصرفون إليه.
( وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) تصريفها ترديدها من نوع واحد وأنواع مختلفة ليتفكّروا فيها( وَكانَ الْإِنْسانُ ) أي: النضر بن الحارث. وقيل: أبيّ بن خلف، أو جميع الكفّار( أَكْثَرَ شَيْءٍ ) يتأتّى منه الجدل( جَدَلاً ) خصومة بالباطل.
وانتصابه على التمييز. يعني: جدل الإنسان أكثر من جدل كلّ شيء. ونحوه:( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) (١) .
( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا ) أي: من الإيمان( إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ) وهو الرسول الداعي، أو القرآن المبين( وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ) ومن الاستغفار من الذنوب( إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ) إلّا طلب أو انتظار أو تقدير أن تأتيهم سنّة الأوّلين، وهي الاستئصال، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ ) عذاب الآخرة( قُبُلاً ) عيانا من حيث يرونه. وتأويله: أنّهم بامتناعهم من الإيمان بمنزلة من يطلب هذا.
وقرأ الكوفيّون بضمّتين. وهو لغة فيه، أو جمع قبيل بمعنى أنواع. وانتصابه على الحال من الضمير أو العذاب.
( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩) )
__________________
(١) يس: ٧٧.
ثمّ بيّن سبحانه أنّه قد أزاح العلّة، وأظهر الحجّة، وأوضح المحجّة، فقال:( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) للمؤمنين والكافرين( وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ) باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصّة أصحاب الكهف ونحوها تعنّتا( لِيُدْحِضُوا بِهِ ) ليزيلوا بالجدال( الْحَقَ ) عن مقرّه ويبطلوه. من إدحاض القدم، وهو إزلاقها. وذلك قولهم للرسل: ما أنتم إلّا بشر مثلنا، ولو شاء الله لأنزل ملائكة ونحو ذلك.( وَاتَّخَذُوا آياتِي ) يعني: القرآن( وَما أُنْذِرُوا ) وإنذارهم، أو والّذي أنذروا به من العقاب( هُزُواً ) استهزاء.
وقرأ نافع والكسائي وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر وابن كثير بضمّتين وإبدال الواو همزة. وحفص: هزوا بضمّتين. وحمزة: هزءا، بسكون الزاء والهمزة.
( وَمَنْ أَظْلَمُ ) أي: ليس أحد أظلم لنفسه( مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ) وعظ بالقرآن( فَأَعْرَضَ عَنْها ) فلم يتدبّرها، ولم يتذكّر بها( وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ) عاقبة ما كسبت من الكفر والمعاصي، ولم يتفكّر في عاقبتهما، ولم ينظر في أنّ المحسن والمسيء لا بدّ لهما من جزاء.
ثمّ عللّ إعراضهم ونسيانهم بقوله:( إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) أي: إنّهم مطبوع على قلوبهم خذلانا( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) كراهة أن يفقهوه، فأعرض عنها ولم يتذكّر حين ذكر، ولم يتدبّر. وتذكير الضمير وإفراده للمعنى.( وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) ثقلا يمنعهم
أن يستمعوه حقّ استماعه. وقد تقدّم(١) بيان هذا فيما مضى. وجملته أنّه على التمثيل، كما قال في موضع آخر:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) (٢) . فالمعنى: كأنّ على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه، وفي آذانهم وقرا أن يسمع.
( وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ) فلا يكون منهم اهتداء البتّة، كأنّه محال منهم، لشدّة تصميمهم على الكفر والعناد مدّة التكليف كلّها. و «إذا» كما عرفت جزاء وجواب، فدلّ على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنّهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنّه جواب للرسول على تقدير قوله: مالي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل: وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا.
( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ) البليغ المغفرة( ذُو الرَّحْمَةِ ) الموصوف بالرحمة. ثمّ استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكّة عاجلا، مع إفراطهم في عداوة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ) وهو يوم بدر، أو يوم القيامة( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ) منجا. يقال: وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.
( وَتِلْكَ الْقُرى ) يعني: قرى عاد وثمود وأضرابهم. و «تلك» مبتدأ خبره( أَهْلَكْناهُمْ ) . ويجوز أن يكون «تلك القرى» نصبا بإضمار «أهلكنا» على شرائط التفسير. والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم( لَمَّا ظَلَمُوا ) بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي، مثل ظلم أهل مكّة( وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) لإهلاكهم وقتا معلوما، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. فليعتبروا بهم، ولا يغترّوا بتأخير العذاب عنهم.
وقرأ أبو بكر: لمهلكهم بفتح الميم واللام، أي: لهلاكهم. وحفص بكسر اللام حملا على ما شذّ من مصادر: يفعل، كالمرجع والمحيض.
__________________
(١) راجع ج ٢: ص ٣٧٤ ذيل الآية ٢٥ من سورة الأنعام، وهنا ص ٤٠ ذيل الآية ٤٦ من سورة الإسراء.
(٢) لقمان: ٧.
( وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) )
قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره(١) : لـمّا أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قريشا بخبر أصحاب الكهف، وانجرّ الكلام إلى هاهنا، قالوا: أخبرنا عن العالم الّذي أمر الله تعالى موسى أن يتبعه من هو؟ وكيف تبعه؟ وما قصّته؟ فنزلت:( وَإِذْ قالَ مُوسى ) بتقدير: اذكر( لِفَتاهُ ) يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسفعليهالسلام ، فإنّه كان يخدمه ويصحبه ويتبعه، ولذلك سمّاه فتاه. وقيل: كان يأخذ منه العلم. وقيل: لعبده. وفي الحديث: ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي.
( لا أَبْرَحُ ) أي: لا أزال أسير، فحذف الخبر، لدلالة حاله ـ وهو السفر ـ وقوله:( حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ) من حيث أنّه يستدعي ذا غاية، على الخبر المحذوف.
ويجوز أن يكون أصله: لا يبرح مسيري حتّى أبلغ، على أنّ «حتّى أبلغ» هو الخبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير والفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلّم. وهو وجه لطيف. وأن يكون «لا أبرح» بمعنى: لا أزول عمّا أنا عليه من السير والطلب، بمعنى: ألزم المسير والطلب، ولا أفارقه حتّى أبلغ، فلا يستدعي الخبر.
ومجمع البحرين ملتقى بحري فارس والروم ممّا يلي المشرق، وعد لقاء الخضر فيه. وقيل: هو طنجة. وقيل: أفريقية. وقيل: البحران موسى وخضرعليهماالسلام ، فإنّ موسى كان
__________________
(١) تفسير على بن إبراهيم ٢: ٣٧.
بحر علم الظاهر، والخضر كان بحر علم الباطن.
( أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ) أو أسير زمانا طويلا. والمعنى: حتّى يقع إمّا بلوغ المجمع، أو أن أمضي زمانا أتيقّن معه فوات المجمع. والحقب: الدهر. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: سبعون.
واعلم أنّ أكثر المفسّرين على أنّ موسى الّذي حكاه الله عنه هو موسى بن عمران، وفتاه يوشع بن نون، كما مرّ.
وقال محمّد بن كعب بقول أهل الكتاب: إنّ موسى الّذي طلب الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف، وكان نبيّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران.
وأمّا الّذي عليه الجمهور وأجمع عليه الإماميّة أنّه موسى بن عمران، ولأنّ إطلاقه يوجب صرفه إلى موسى بن عمران، كما أنّ إطلاق محمّد ينصرف إلى نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن سعيد بن جبير: أنّه قال لابن عبّاس: إنّ نوفا ابن امرأة كعب يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران، وأنّ موسى هو موسى بن ميشا. فقال: كذب عدوّ الله.
وقال عليّ بن إبراهيم: حدّثني محمّد بن عليّ بن بلال، عن يونس، قال: اختلف يونس وهشام بن إبراهيم في العالم الّذي أتاه موسى أيّهما كان أعلم؟ وهل يجوز أن يكون على موسى حجّة في وقته، وهو حجّة الله على خلقه؟ فكتبوا إلى أبي الحسن الرضاعليهالسلام يسألانه عن ذلك. فكتب في الجواب: «أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر، فسلّم عليه موسى، فأنكر السلام، إذ كان بأرض ليس بها سلام.
قال: من أنت؟
قال: أنا موسى بن عمران.
قال: أنت موسى بن عمران الّذي كلّمه الله تكليما؟
قال: نعم.
قال: فما حاجتك؟ قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدا.
قال: إنّي وكّلت بأمر لا تطيقه، ووكّلت بأمر لا أطيقه»(١) .
وروي أنّه لـمّا ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل بعد هلاك القبط واستقرّوا بها، أمره الله أن يذكّر قومه النعمة. فقام فخطب خطبة بليغة أعجب خطبة، فذكر نعمة الله وقال: إنّه اصطفى نبيّكم وكلّمه. فقالوا له: قد علمنا هذا هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: لا.
فبعث الله عليه جبرئيل حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبدلي عند مجمع البحرين، وهو الخضر. وكان الخضر في أيّام أفريدون قبل موسى. وكان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيّام موسى.
وقيل: إنّ موسى سأل ربّه أيّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: الّذي يذكرني ولا ينساني.
قال: فأيّ عبادك أقضى؟
قال: الّذي يقضي بالحقّ، ولا يتّبع الهوى.
قال: فأيّ عبادك أعلم؟
قال: الّذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى، أو تردّه عن ردى.
فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منّي فادللني عليه.
قال: أعلم منك الخضر.
قال: أين أطلبه؟
قال: على الساحل، عند الصخرة الّتي عندها ماء الحياة، عند مجمع البحرين.
قال: يا ربّ كيف لي به؟ قال: خذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك.
فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني. فذهبا يمشيان( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما ) أي: مجمع البحرين. و «بينهما» ظرف أضيف إليه على الاتّساع، أو بمعنى
__________________
(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢: ٣٨.
الوصل.( نَسِيا حُوتَهُما ) غفل موسى أن يطلبه ويتعرّف حاله، لاستغراقه في جناب القدس، وتوجّهه التامّ إلى المبدأ الحقيقي. ولذلك أيضا غفل يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.
قيل: كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل: إنّ يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل(١) ، فنزل ليلة على شاطئ عين تسمّى عين الحياة، ونام موسى، فلمّا أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت. وروي أنّهما أكلا منها.
وقيل: إنّ موسى رقد فاضطرب الحوت المشويّ ووثب في البحر، معجزة لموسى أو الخضر.
وقيل: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة، فانتضح الماء عليه، فعاش ووثب في الماء.
وقيل: نسيا تفقّد أمره وما يكون منه، أمارة على الظفر بالمطلوب.
( فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ ) فاتّخذ الحوت طريقه( فِي الْبَحْرِ سَرَباً ) مسلكا، من قوله:( وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ) (٢) . وقيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه، وحصل منه في مثل السرب. ونصبه على المفعول الثاني، و «في البحر» حال منه، أو من السبيل. ويجوز أن يكون «في البحر» متعلّقا بـ «اتّخذ».
( فَلَمَّا جاوَزا ) مجمع البحرين. وهو الموعد الّذي فيه الصخر.( قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ) ما نتغدّى به( لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ) تعبا وشدّة. قيل: لم ينصب حتّى جاوز الموعد، فلمّا جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب. وقيل: لم يعي موسى في سفر غيره. ويؤيّده التقييد باسم الاشارة.
__________________
(١) المكتل: زنبيل من خوص يحمل فيه التمر وغيره.
(٢) الرعد: ١٠.
( قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠) )
ولـمّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عن سبب ذلك( قالَ ) يوشع( أَرَأَيْتَ ) ما دهاني( إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ ) يعني: الصخرة الّتي رقد عندها موسى. وقيل: هي الصخرة الّتي دون نهر الزيت(١) .( فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت منه.
ثمّ اعتذر عن نسيانه، فقال:( وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) وما أنساني ذكره إلّا الشيطان، فإنّ «أن أذكره» بدل من الضمير. والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى
__________________
(١) في هامش النسخة الخطيّة: «سمّي نهر الزيت لكثرة أشجار الزيت على شاطئه. منه غفر الله له».
مثلها، لكنّه لـمّا ضرى(١) بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قلّ اهتمامه بها، أو نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس، بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة. وإنّما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه، أو لأنّ عدم احتمال القوّة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعدّ من نقصان.
( وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ) سبيلا عجبا، وهو كونه كالسرب. أو اتّخاذا عجبا. والمفعول الثاني هو الظرف. وقيل: هو مصدر فعله المضمر، أي: قال في آخر كلامه أو موسى في جوابه: عجبا، تعجّبا من تلك الحال. وعن ابن عبّاس: الفعل لموسى، أي: اتّخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا.
( قالَ ذلِكَ ) أي: أمر الحوت( ما كُنَّا نَبْغِ ) نطلب، لأنّه أمارة المطلوب. حذف الياء لدلالة الكسرة عليه. وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء وصلا، وابن كثير مطلقا.( فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما ) فرجعا في الطريق الّذي جاءا فيه( قَصَصاً ) يقصّان قصصا، أي: يتّبعان آثارهما اتّباعا. أو فارتدّا مقتصّين حتّى أتيا الصخرة الّتي هي مدخل الحوت.
( فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا ) الجمهور على أنّه الخضر كما مرّ. واسمه بليا بن ملكان. وقيل: اليسع. وقيل: إلياس.( آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا ) هي: الوحي والنبوّة( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) ممّا يختصّ بنا، ولا يعلم إلّا بتوفيقنا. وهو علم الغيوب.
وقيل: إنّ موسى رآه على طنفسة خضراء فسلّم عليه. فقال: وعليك السلام يا نبيّ بني إسرائيل. فقال له موسى: وما أدراك من أنا؟ ومن أخبرك أنّي نبيّ؟ قال: من دلّك عليّ. وقيل: سلّم عليه موسى فعرّفه نفسه، فقال: وأنّى بأرضنا السلام.
( قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ ) وهو في موضع الحال من الكاف( مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) علما ذا رشد، وهو إصابة الخير. وقرأ البصريّان بفتحتين. وهما لغتان، كالبخل والبخل. وهو مفعول «تعلّمني». ومفعول «علّمت» العائد
__________________
(١) أي: اعتاد وألف. وأصله من الضراوة، وهي الدربة والعادة.
المحذوف. وكلاهما منقولان من «علم» الّذي له مفعول واحد. ويجوز أن يكون «رشدا» علّة لـ «أتّبعك» أو مصدرا بإضمار فعله.
ولا ينافي نبوّته وكونه صاحب شريعة أن يتعلّم من غيره ما لم يكن شرطا في أبواب الدين، فإنّ الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممّن أرسل إليه فيما بعث به من اصول الدين وفروعه لا مطلقا. وقد راعي في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه، واستأذن أن يكون تابعا له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
وإنّما سمّي خضرا، لأنّه إذا صلّى في مكان اخضرّ ما حوله.
( قالَ ) الخضر( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) أي: يثقل عليك الصبر ولا يخفّ عليك. وإنّما قال ذلك لأنّ موسىعليهالسلام كان يأخذ الأمور على ظواهرها، والخضر كان يحكم بما علّمه الله من بواطنها، فلا يسهل على موسى مشاهدة ذلك. فنفى استطاعة الصبر منه على وجه التأكيد، كأنّها ممّا لا يصحّ ولا يستقيم.
وعلّل ذلك واعتذر عنه بقوله:( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) أي: وكيف تصبر وأنت نبيّ على ما أتولّى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك؟ والرجل الصالح لا يصبر على ذلك، فكيف إذا كان نبيّا؟! لا يتمالك أن يشمئزّ ويمتعض(١) ويجزع إذا رأى ذلك، ويأخذ في الإنكار. و «خبرا» تمييز، أي: لم يحط به خبرك أو مصدر، لأنّ «لم تحط» بمعنى لم تخبره، فنصبه نصب المصدر.
( قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً ) معك غير منكر عليك( وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ) عطف على «صابرا» أي: ستجدني صابرا وغير عاص أو على «ستجدني».
وتعليق الوعد بالمشيئة إمّا للتيمّن، أو لعلمه بصعوبة الأمر، فإنّ مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد، خصوصا على الأنبياء.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «معضت من ذلك الأمر وامتعضت، إذا غضبت وشقّ عليك. منه غفر الله له».
( قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي ) فإن اقتفيت أثري( فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ) فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته منّي، ولم تعلم وجه صحّته( حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ) حتّى أبتدئك ببيانه. وقرأ نافع وابن عامر: فلا تسألنّي، بالنون الثقيلة. وهذا من أدب المتعلّم مع العالم، والمتبوع مع التابع.
( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣) )
( فَانْطَلَقا ) على الساحل يطلبان السفينة( حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ ) قال أهلها: هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج. فقال صاحب السفينة: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول(١) . فلمّا لججوا أخذ الخضر فأسا( خَرَقَها ) فخرق السفينة، بأن قلع لوحين من ألواحها ممّا يلي الماء، فجعل موسى يسدّ الخرق بثيابه.
( قالَ ) منكرا عليه( أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها ) فإنّ خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها. وقرأ حمزة والكسائي: «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل.
( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) أتيت أمرا عظيما، من: أمر الأمر إذا عظم.
( قالَ أَلَمْ أَقُلْ ) حين رغبت في اتّباعي( إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) تذكير لـما ذكره قبل، فتذكّر موسى ما بذل له من الشرط.
( قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ) بالّذي نسيته، أي: غفلته، من التسليم لك وترك
__________________
(١) أي: بغير أجرة وعطيّة. والنون: العطيّة.
الإنكار عليك. أو بشيء نسيته، يعني: وصيّته بأن لا يعترض عليه. أو بنسياني إيّاها.
وهو اعتذار بالنسيان، أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها، لأنّه لا مؤاخذة على الناسي.
وقيل: أراد بالنسيان الترك، أي: لا تؤاخذني بما تركت من وصيّتك أوّل مرّة، كما روي عن ابن عبّاس: بما تركت من وصيّتك وعهدك. وعلى هذا، فيكون النسيان بمعنى الترك، لا بمعنى الغفلة والسهو.
وقيل: إنّه من معاريض الكلام الّتي يتّقى بها الكذب مع التوصّل إلى الغرض، كقول إبراهيم: هذه أختي وإنّي سقيم. فمراده شيء آخر نسيه.
( وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) فلا تغشّني عسرا من أمري، وهو اتّباعه إيّاه.
يعني: ولا تعسّر عليّ متابعتك، ويسّرها عليّ بالإغضاء وترك المناقشة والمضايقة والمؤاخذة على المنسيّ. و «عسرا» مفعول ثان لـ: ترهق، فإنّه يقال: رهقه إذا غشيه وأرهقه إيّاه.
( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) )
( فَانْطَلَقا ) أي: بعد ما خرجا من السفينة انطلقا يمشيان في البرّ. ولم يذكر يوشع، لأنّه كان تابعا لموسى، أو كان قد تأخّر عنهما. وهو الأظهر، لاختصاص موسى بالنبوّة، واجتماعه مع الخضر في البحر.( حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ ) قيل: فتل عنقه، وكان يلعب
مع الصبيان. وعن سعيد بن جبير: كان من أحسن أولئك الغلمان وأصبحهم. وقيل: ضرب برأسه الحائط. وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكّين. والفاء للدلالة على أنّه لـمّا لقيه قتله من غير تروّ واستكشاف حال، ولذلك( قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً ) أي: طاهرة من الذنوب.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب: زاكية. والأوّل أبلغ. وقال أبو عمرو: الزاكية: الّتي لم تذنب قطّ، والزكيّة الّتي ثمّ غفرت. ولعلّه اختار زاكية لذلك، فإنّها كانت صغيرة لم تبلغ الحلم، أو أنّه لم يرها قد أذنبت ذنبا يقتضي قتلها.
( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بغير قتل نفس يوجب القود. يعني: لم تقتل نفسا فيقتصّ منها، بل قتلت نفسا تقاد بها. نبّه به على أنّ القتل إنّما يباح حدّا أو قصاصا، وكلا الأمرين منتف.
ولعلّ تغيير النظم، بأن جعل خرقها جزاء للشرط، واعتراض موسى مستأنفا في الأولى، وفي الثانية قتله من جملة الشرط، واعتراضه جزاء، لأنّ القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك فصّله بقوله:( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) أي: منكرا أشدّ من الإمر، فإنّ الخرق يمكن تداركه بالسدّ، وهذا لا سبيل إلى داركه.
وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر: نكرا بضمّتين.
( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) زاد فيه «لك» لزيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصيّة، والوسم بقلّة الثبات والصبر، لـمّا تكرّر منه الاشمئزاز والاستنكار، ولم يرعو بالتذكير أوّل مرّة، حتّى زاد في الاستنكار ثاني مرّة.
( قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها ) بعد هذه المرّة( فَلا تُصاحِبْنِي ) وإن سألت صحبتك. وعن يعقوب: فلا تصحبني، أي: فلا تكن صاحبي.( قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) قد وجدت عذرا من قبلي لـمّا خالفتك ثلاث مرّات. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب».
وقرأ نافع: لدني، بتحريك النون، والاكتفاء بها عن نون الدعامة. وأبو بكر: لدني، بتحريك النون وإسكان الدال، إسكان الضاد من عضد.
( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) )
( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) قرية أنطاكية. وقيل: أبلّة بصرة. وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «هي قرية على ساحل البحر يقال لها ناصرة، وبها سمّيت النصارى نصارى».
وقيل: باجروان أرمينية. وهي أبعد أرض الله من السماء.( اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) من: ضيّفه إذا أنزله وجعله ضيفه. وأصل التركيب للميل، يقال: ضاف السهم عن الغرض إذا مال.
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كانوا أهل قرية لئاما».
وقيل: شرّ القرى الّتي لا يضاف الضيف فيها، ولا يعرف لابن السبيل حقّه. وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «لم يضيّفوهما، ولا يضيّفون بعدهما أحدا إلى أن تقوم الساعة».
( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ ) تدانى أن يسقط، فاستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم وأمثال ذلك أيضا لذلك، كما يقال: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والإباء، والعزم والعزّة، والنطق والشكاية، والصدق والكذب، والسكوت والتمرّد والطواعية، وغير ذلك مستعارة للجماد ولسائر ما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ و «انقضّ» انفعل، مطاوع: قضضته إذا كسرته. ومنه انقضاض الطير والكوكب لهويّه. أو افعلّ من النقض.
( فَأَقامَهُ ) بعمارته أو بعمود عمده به. وقيل: مسحه بيده فقام. وقيل: نقضه وبناه. وقيل: كان طول الجدار في السماء مائة ذراع.
ولـمّا بخلوا عليهما بالطعام، وأقام الخضر جدارهم المشرف على الانهدام، عجب موسى من ذلك( قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) أي: طلبت على عملك جعلا، تحريضا على أخذ الجعل، لينتعشا به، وليسدا جوعتهما. أو تعريضا بأنّه فضول، لـما في «لو» من النفي، كأنّه لـمّا رأى الحرمان ومساس الحاجة، واشتغاله بما لا يعنيه، لم يتمالك نفسه.
و «اتّخذ» افتعل من: تخذ، كاتّبع من: تبع. وليس من الأخذ عند البصريّين. وقرأ ابن كثير والبصريّان: لتخذت، أي: لأخذت. وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال، وأدغمه الباقون.
( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) الإشارة إلى الفراق الموعود بقوله: فلا تصاحبني.
أو إلى الاعتراض الثالث. أو الوقت، أي: هذا الاعتراض سبب فراقنا، أو هذا الوقت وقته.
وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتّساع، وكرّر «بين» تأكيدا.
( سَأُنَبِّئُكَ ) سأخبرك( بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه، لكونه منكرا من حيث الظاهر.
( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لمحاويج لا شيء لهم يكفيهم( يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ) للتعيّش. وهو دليل على أنّ المسكين يطلق على من يملك شيئا إذا لم يكفه.
وقيل: سمّوا مساكين لعجزهم عن دفع الملك، أو لزمانتهم، فإنّها كانت لعشرة إخوة: خمسة زمنى، وخمسة يعملون في البحر.
( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ) أجعلها ذات عيب( وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ) قدّامهم، كقوله: من ورائهم برزخ، أو خلفهم. وكان رجوعهم عليه، واسمه جلندى بن كركر. وفيه لغة اخرى، وهي جلنداء ممدودة.( يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) من أصحابها.
وكان حقّ النظم أن يتأخّر قوله:( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ) عن قوله:( وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ) لأنّ إرادة التعييب مسبّب عن خوف الغصب، وإنّما قدّم للعناية. أو لأنّ السبب لـمّا كان مجموع الأمرين: خوف الغصب ومسكنة الملّاك، رتّبه على أقوى الجزأين وادّعاهما، وعقّبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم.
( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) وهو كافر. ويؤيّده ما روي عن أبيّ وابن عبّاس: أنّ الغلام كان كافرا، وأبواه مؤمنين. وروي أيضا عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «وأمّا الغلام الّذي قتله، فإنّما قتله لأنّه كان كافرا».
( فَخَشِينا ) فخفنا، لعلمنا من عند الله أنّه إن بقي( أَنْ يُرْهِقَهُما ) أي: يغشيهما( طُغْياناً ) عليهما( وَكُفْراً ) لنعمتهما، بعقوقه وسوء صنيعه، فيلحقهما شرّا وبلاء. أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه، فيرتدّا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حبّا له. وإنّما خشي ذلك لأنّ الله أعلمه بحاله، واطّلعه على سريرة أمره.
وعن ابن عبّاس: أنّ نجدة الحروري(١) كتب إليه: كيف قتله ـ أي: قتل الخضر الغلام ـ وقد نهى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه: إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل.
ويجوز أن يكون قوله: «فخشينا» حكاية قول اللهعزوجل . فمعنى «خشينا»: علمنا.
( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ ) أن يرزقهما بدله ولدا خيرا منه( زَكاةً ) طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة( وَأَقْرَبَ رُحْماً ) رحمة وعطوفة على والديه. قيل: ولدت لهما جارية، فتزوّجها نبيّ، فولدت له نبيّا هدى الله به أمّة من الأمم.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّهما أبدلا بالغلام المقتول جارية، فولدت سبعين نبيّا».
وقرأ نافع وأبو عمرو: يبدّلهما بالتشديد. وابن عامر ويعقوب وعاصم: رحما بالتخفيف. وانتصابه على التمييز، والعامل اسم التفضيل. وكذلك «زكوة».
وفي الآية دلالة على وجوب اللطف على ما نذهب إليه، لأنّ المفهوم من الآية أنّه تدبير من الله تعالى لم يكن يجوز خلافه، وأنّه إذا علم من حال الإنسان أنّه يفسد عند شيء، يجب عليه في الحكمة أن يذهب ذلك الشيء، حتّى لا يقع هذا الفساد.
( وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) قيل: اسمهما أصرم وصريم، واسم المقتول جيسور( وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما ) من ذهب وفضّة. روي ذلك مرفوعا.
والذمّ على كنز الذهب والفضّة في قوله:( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) (٢) لمن لا يؤدّي زكاتهما وما تعلّق بهما من الحقوق.
وقيل: صحف فيها علم، كما روي عن ابن عبّاس: ما كان ذلك الكنز إلّا علما.
وقيل: كان لوحا من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟! وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟!
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «الحرورا قرية الخوارج. منه».
(٢) التوبة: ٣٤.
وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟! لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله. والظاهر لإطلاقه أنّه مال.
( وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ) تنبيه على أنّ سعيه ذلك كان لصلاحه. وكان سيّاحا، واسمه كاشح.
وعن جعفر بن محمّدعليهالسلام : «كان بين الغلامين وبين الأب الّذي حفظا فيه سبعة آباء».
ومعنى «حفظا فيه»: حفظا في حقّه. يقال: أللّهمّ احفظنا في نبيّك، أي: في حقّه ولأجله. ويقال: أخ في الله، أي: من أجل الله. وقالعليهالسلام : «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله، لكرامته على الله تعالى».
( فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ) أي: الحلم وكمال الرأي( وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) مرحومين من ربّك. ويجوز أن يكون علّة أو مصدرا لـ «أراد»، فإنّ إرادة الخير رحمة. وقيل: متعلّق بمحذوف تقديره: فعلت ما فعلت رحمة من ربّك. ولعلّ إسناد الإرادة أوّلا إلى نفسه «لأنّه المباشر للتعييب، وثانيا إلى الله وإلى نفسه لأنّ التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله بدله، وثالثا إلى الله وحده لأنّه لا مدخل له في بلوغ الغلامين. أو لأنّ الأوّل في نفسه شرّ، والثالث خير، والثاني ممتزج.
( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) عن رأيي واجتهادي، وإنّما فعلته بأمر اللهعزوجل . ومبنى ذلك على أنّه متى تعارض ضرران يجب تحمّل أهونهما لدفع أعظمهما. وهو أصل ممهّد، غير أنّ الشرائع في تفاصيله مختلفة.( ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) أي: ما لم تستطع، فحذف التاء تخفيفا.
ومن فوائد هذه القصّة أن لا يعجب المرء بعلمه، ولا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعلّ فيه سرّا لا يعرفه، وأن يداوم على التعلّم، ويتذلّل للمعلّم، ويراعي الأدب في المقال، وأن ينبّه المجرم على جرمه، ويعفو عنه حتّى يتحقّق إصراره، ثمّ
يهاجر عنه.
واعلم أنّ المشهور بين الأمّة أنّ الخضرعليهالسلام موجود في زماننا. ولا ينافيه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا نبيّ بعدي» لأنّ الخضرعليهالسلام كان قبل نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم . وشرعه لو كان شرعا خاصّا، فإنّه منسوخ بشريعة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولو كان داعيا إلى شريعة من تقدّمه من الأنبياء، فإنّ شريعة نبيّنا ناسخة لها. فلا يرد ما قيل: لا يجوز أن يكون الخضر حيّا إلى وقتنا هذا، لأنّه لا نبيّ بعد نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا
يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) )
ثمّ بيّن سبحانه قصّة ذي القرنين، فقال:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ) يعني: إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل: ملك الدنيا مؤمنان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبختنصّر، وكان بعد نمرود.
قيل: إنّه كان عبدا صالحا ملّكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وسخّر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل: كان نبيّا. وقيل: ملكا من الملائكة.
وعن عليّعليهالسلام : «سخّر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء ـ وهذا معنى تمكّنه في الأرض ـ وسهّل عليه المسير فيها، وذلّل له طريقها وحزونها»(١) .
وسئل عنه فقال: «أحبّ الله فأحبّه».
__________________
(١) الحزون جمع الحزن، وهو ما غلظ من الأرض.
وسأله ابن الكوّا ما ذو القرنين، أملك أم نبيّ؟ فقال: «ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبدا صالحا، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثمّ بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمّي ذا القرنين، وفيكم مثله، أراد نفسه». قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه، فيحييه الله.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «سمّي ذا القرنين، لأنّه طاف قرني الدنيا ـ يعني: جانبيها ـ شرقها وغربها».
وقيل: له قرنان، أي: ضفيرتان(١) . وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس، وعن وهب: لأنّه ملك الروم وفارس. وروي: الروم والترك. وعنه: كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل: كان لتاجه قرنان. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز أنه لقّب بذلك لشجاعته، كما يسمّى الشجاع كبشا، كأنّه ينطح أقرانه. وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره.
وعن وهب: أنّه رأى في منامه أنّه دنا من الشمس حتّى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقصّ رؤياه على قومه، فسمّوه ذا القرنين.
وقيل: لأنّه كريم الطرفين، من أهل بيت الشرف من قبل أبيه وأمّه. والسائلون هم اليهود كما مرّ، سألوه امتحانا.
( قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ) خطاب للسائلين، والهاء لذي القرنين.
( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ) أي: مكّنّا له أمره من التصرّف فيها كيف شاء، فحذف المفعول( وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أراده وتوجّه إليه، من أغراضه ومقاصده في ملكه( سَبَباً ) طريقا موصلا إليه. والسّبب ما يتوصّل به إلى المطلوب، من العلم والقدرة والآلة.
فلمّا أراد بلوغ المغرب( فَأَتْبَعَ سَبَباً ) فأتبع سببا يوصل إليه( حَتَّى إِذا بَلَغَ
__________________
(١) الضفيرة: كل خصلة مما ضفر ـ أي: نسج ـ على حدتها من الشعر.
مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) موضع غروبها. يعني: نهاية العمارة من جانب المغرب، لا أنّه بلغ موضع الغروب، لأنّه لا يصل إليه أحد.( وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ذات حمأ، من: حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة(١) .
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر: حامية، أي: حارّة. ولا تنافي بينهما، لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين.
وعن أبي ذرّ: «كنت رديف رسول الله على جمل فرأى الشمس حين غابت، فقال: تدري يا أبا ذرّ أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّها تغرب في عين حامية».
ولعلّه بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذلك قال: وجدها تغرب، ولم يقل: كانت تغرب.
وقيل إنّ: ابن عبّاس سمع معاوية يقرأ: حامية، فقال: حمئة. فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة.
( وَوَجَدَ عِنْدَها ) عند تلك العين( قَوْماً ) قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظ البحر، وكانوا كفّارا، فخيّره الله بين أن يعذّبهم أو يدعوهم إلى الايمان، كما حكى بقوله:( قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ) بالقتل على كفرهم( وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) بالإرشاد وتعليم الشرائع.
وقيل: خيّره الله بين القتل والأسر. وسمّاه إحسانا في مقابلة القتل.
ويؤيّد الأوّل قوله:( قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ) أي: فاختار الدعوة وقال: أمّا من دعوته فظلم نفسه بالإصرار على كفره، أو استمرّ على ظلمه الّذي هو الشرك، فنعذّبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل، ويعذّبه الله في الآخرة عذابا منكرا لم يعهد مثله.
__________________
(١) الحمأة: الطين الأسود.
( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) وهو ما يقتضيه الإيمان( فَلَهُ ) في الدارين( جَزاءً الْحُسْنى ) الفعلة الحسنة. و «أمّا» للتقسيم دون التخيير، أي: ليكن شأنك معهم إمّا التعذيب وإمّا الإحسان، فالأوّل لمن أصرّ على الكفر، والثاني لمن تاب عنه.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص: جزاء، منوّنا منصوبا على الحال، أي: فله المثوبة الحسنى مجزيّا بها، أو على المصدر لفعله المقدّر حالا، أي: يجزى بها جزاء.
ونداء الله إيّاه إن كان نبيّا فبوحي، وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبيّ.
( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا ) ممّا نأمر به( يُسْراً ) سهلا ميسّرا غير شاقّ. وتقديره: ذا يسر. أي: لا نأمره بالصعب الشاقّ، بل بالسهل المتيسّر، من الزكاة والخراج وغير ذلك.
( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) ثمّ أتبع طريقا يوصله إلى المشرق( حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ) يعني: الموضع الّذي تطلع الشمس عليه أوّلا من معمورة الأرض( وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً ) من جنس اللباس والبناء، فإنّ أرضهم لا تمسك الأبنية. وعن أحدهماعليهماالسلام قال: «لم يعلموا صنعة البيوت».
وقيل: لأنّهم اتّخذوا الأسراب(١) بدل الأبنية، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم.
وعن بعض الثقات: خرجت حتّى جاوزت الصين، فسألت عن هؤلاء، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الاخرى، ومعي صاحب يعرف لسانهم. فقالوا له: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس؟ قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة(٢) ، فغشي عليّ، ثمّ أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلمّا طلعت الشمس على الماء إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت. فأدخلونا سربا لهم، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر، فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.
__________________
(١) السرب: الحفير تحت الأرض. وجمعه: أسراب.
(٢) صلصل الحليّ أو اللجام: صوّت.
( كَذلِكَ ) أي: أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك. أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار. ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لـ «وجد»، أو «نجعل» أو صفة «قوم» أي: على قوم مثل ذلك القبيل الّذين تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم.
( وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ ) أي: علمنا ما كان عند ذي القرنين من الجنود والآلات والعدد والأسباب( خُبْراً ) علما تعلّق بظواهره وخفاياه. والمراد: أنّ كثرة ذلك بلغت مبلغا لا يحيط به إلّا علم اللطيف الخبير.
( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ) يعني: طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب، أخذا من الجنوب إلى الشمال( حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) هما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما.
وهما جبلا أرمينية وأذربيجان. وقيل: جبلان في أواخر الشمال، في منقطع أرض الترك، من ورائهما يأجوج ومأجوج. وقيل: إنّ هذا السدّ وراء بحر الروم، على مؤخّرهما البحر المحيط.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر ويعقوب: بين السّدّين بالضمّ. وهما لغتان. وقيل: المضموم لـما خلقه الله بمعنى المفعول، والمفتوح لـما عمله الناس، لأنّه في الأصل مصدر سمّي به حدث يحدثه الناس. وقيل: بالعكس.
و «بين» هاهنا مفعول به، كما انجرّ على الإضافة، كقوله:( هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) (١) . وكما ارتفع في قوله:( لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ) (٢) لأنّه من الظروف الّتي تستعمل أسماء وظروفا.
( وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ) إلّا بجهد ومشقّة، من إشارة ونحوها كما يفهم البكم، لغرابة لغتهم، وقلّة فطنتهم.
__________________
(١) الكهف: ٧٨.
(٢) الأنعام: ٩٤.
وقرأ حمزة والكسائي: يفقهون، أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لتلعثمهم(١) فيه.
( قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ) أي: قال مترجمهم( إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) قبيلتان من ولد يافث بن نوح. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. وهما اسمان أعجميّان بدليل منع الصرف. وقيل: عربيّان، من: أجّ الظليم(٢) إذا أسرع. وأصلهما الهمز، كما قرأ عاصم. ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث.( مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) أي: في أرضنا، بالقتل والتخريب وإتلاف الزروع. قيل: كانوا يخرجون في الربيع، فلا يتركون أخضر إلّا أكلوه، ولا يابسا إلّا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون الناس والدوابّ.
ورد في الخبر عن حذيفة قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، لا يموت منهم أحد حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّ قد حمل السلاح. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز. قلت: يا رسول الله وما الأرز؟ قال: شجر بالشام طوال. وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء، وهؤلاء الّذين لا يقوم لهم خيل ولا حديد. وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، ولا يمرّون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلّا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدّمتهم بالشام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية».
وفي الكشّاف(٣) : «هم على صنفين: طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر».
( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ) جعلا نخرجه من أموالنا. وقرأ حمزة والكسائي: خراجا.
وكلاهما واحد، كالنول والنوال. وقيل: الخراج على الأرض والذمّة، والخرج المصدر.
__________________
(١) تلعثم في الأمر: توقّف فيه وتأنّى.
(٢) الظليم: الذكر من النعام.
(٣) الكشّاف ٢: ٧٤٦ ـ ٧٤٧.
( عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) يحجز دون خروجهم علينا. وقد ضمّه من ضمّ السدّين غير حمزة والكسائي.
( قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال والملك خير ممّا تبذلون لي من الخراج، ولا حاجة بي إليه، كما قال سليمانعليهالسلام :( فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ ) (١) . وقرأ ابن كثير: مكّنني على الأصل.
( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أي: بقوّة فعلة وصنّاع يحسنون البناء، أو بما أتقوّى به من الآلات( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) حاجزا حصينا موثقا هو أكبر من السدّ، من قولهم: ثوب مردّم إذا كان رقاعا فوق رقاع.
( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) قطعه. والزبرة القطعة الكبيرة. وهو لا ينافي ردّ الخراج والاقتصار على المعونة، لأنّ الإيتاء بمعنى المناولة. ويدلّ عليه قراءة أبي بكر: ردما ائتوني، بكسر التنوين موصولة الهمزة، على معنى: جيئوني بزبر الحديد. والباء محذوفة، حذفها في: أمرتك الخير. ولأن إعطاء الآلة من الإعانة بالقوّة، دون الخراج على العمل.
( حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) سوّى بين جانبي الجبلين، بأن أمر بتنضيدها.
وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريّان بضمّتين، وأبو بكر بضمّ الصاد وسكون الدال، من الصدف وهو الميل، لأنّ كلّا منهما منعزل عن الآخر، ومنه التصادف للتقابل.
( قالَ انْفُخُوا ) أي: قال للعملة: انفخوا في الأكوار(٢) والحديد( حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ) جعل المنفوخ فيه( ناراً ) كالنار بالإحماء( قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ) أي: آتوني قطرا ـ أي: نحاسا مذابا ـ أفرغ عليه قطرا، لينسدّ الثقب الّذي فيه، ويصير جدارا مصمتا. وكانت حجارته الحديد، وطينه النحاس الذائب. فحذف المفعول الأوّل لدلالة الثاني عليه. وبه تمسّك البصريّون على أنّ إعمال الثاني من العاملين المتوجّهين نحو
__________________
(١) النمل: ٣٦.
(٢) الكور: كور الحدّاد المبنيّ من الطين. وجمعه أكوار.
معمول واحد أولى، إذ لو كان «قطرا» مفعول «آتوني» لأضمر مفعول «أفرغ» حذرا من الالتباس. وقرأ حمزة وأبو بكر: قال ائتوني موصولة الألف.
وقيل: حفر للأساس حتّى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد بينها الحطب والفحم، حتّى سدّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتّى صارت كالنار، فصبّ النحاس المذاب على الحديد المحمى، فاختلط والتصق بعضه ببعض، وصار جبلا صلدا.
وقيل: بعد ما بين السدّين مائة فرسخ، ومقدار ارتفاع السدّ مائتا ذراع، وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعا.
قيل: بناه من الصخور مرتبطا بعضها ببعض، بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ رجلا أخبره به، فقال: كيف رأيته؟ قال: كالبرد المحبّر، طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته».
( فَمَا اسْطاعُوا ) بحذف التاء حذرا من تلاقي متقاربين. وقرأ حمزة بالإدغام، جامعا بين الساكنين على غير حدّه.( أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أن يعلوه بالصعود، لارتفاعه وانملاسه( وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ) لثخنه وصلابته.
( قالَ هذا ) هذا السدّ، أو الإقدار والتمكين على تسويته( رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) على عباده( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي ) فإذا دنا وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة، بأن شارف يوم القيامة( جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) مدكوكا مبسوطا مسوّى بالأرض. مصدر بمعنى المفعول. ومنه: جمل أدكّ لمنبسط السنام. وقرأ الكوفيّون: دكّاء بالمدّ، أي: أرضا مستوية.( وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) كائنا لا محالة. وإنّما يكون ذلك بعد قتل عيسى بن مريم الدجّال.
وجاء في الحديث: «أنّهم يدأبون في حفره نهارهم، حتّى إذا أمسوا وكادوا
يبصرون شعاع الشمس قالوا: نرجع غدا ونفتحه ونخرج، ولا يستثنون. فيعودون من الغد قد استوى كما كان، حتّى إذا جاء وعد الله قالوا: غدا نفتح ونخرج إن شاء الله، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه بالأمس، فيخرقونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصّن الناس في حصونهم منهم، فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع وفيها كهيئة الدماء، ويقولون: قد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فبعث الله عليهم نغفا(١) في أقفائهم، فيدخل آذانهم فيهلكون بها. فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : والّذي نفس محمد بيده إنّ دوابّ الأرض لتسمن وتسكر من لحومهم سكرا».
وفي تفسير الكلبي: إنّ الخضر واليسع يجتمعان كلّ ليلة على ذلك السدّ، يحجبان يأجوج ومأجوج عن الخروج».
( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) )
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «النغف: دود يكون في أنف الغنم. منه».
ثمّ أخبر سبحانه عن تلك الأمم، فقال:( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ ) وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون ممّا وراء السدّ( يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) يموجون في بعض مزدحمين في البلاد. أو يموج بعض الخلق في بعض، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجهنّم حيارى. ويؤيّده( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) لقيام الساعة.
واختلفوا في الصور، فعن ابن عبّاس: هو قرن ينفخ فيه. وعن الحسن: هو جمع صورة، وأنّ الله سبحانه يصوّر الخلق في القبور كما صوّرهم في الأرحام، ثمّ ينفخ فيهم الأرواح كما ينفخ في أرحام أمّهاتهم.
وقيل: إنّه ينفخ إسرافيل في الصور ثلاث نفخات. فالنفخة الأولى: نفخة الفزع.
والثانية: نفخة الصعق الّتي يصعق من في السماء والأرض بها فيموتون. والثالثة: نفخة القيام، فيحشرهم بها في قبورهم لربّ العالمين.
( فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ) للحساب والجزاء في صعيد واحد.
( وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ) وأبرزناها وأظهرناها لهم، فرأوها وشاهدوها مع ألوان عذابها قبل دخولها.
( الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ) أي: غفلوا عن آياتي الّتي ينظر إليها، فأذكر بالتوحيد والتعظيم، فأعرضوا عن التفكّر فيها( وَكانُوا ) فصاروا بمنزلة من يكون في عينه غطاء يمنعه من الإدراك( لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) أي: يثقل عليهم استماع ذكري وكلامي، لإفراط صممهم عن الحقّ، فإنّ الأصمّ قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنّهم أصمت مسامعهم بالكلّيّة، فلا استطاعة بهم للسمع.
( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أفظنّوا، والاستفهام للإنكار( أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي ) وهم
الملائكة والمسيح( مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ) معبودين نافعهم؟ أو لا أعذّبهم به؟ فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة، أو سدّ «أن يتّخذوا» مسدّ مفعوليه.( إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ) ما يقام للنزيل، وهو الضيف. وفيه تهكّم. ونحوه:( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (١) . وتنبيه على أنّ لهم وراءها من العذاب ما تستحقرونه.
( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً ) نصب على التمييز. وجمع لأنّه من أسماء الفاعلين، أو لتنوّع أعمالهم، أي: بأخسر الناس أعمالا.
( الَّذِينَ ضَلَ ) ضاع وبطل( سَعْيُهُمْ ) واجتهادهم( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) لكفرهم وعجبهم، كالرهابنة، فإنّهم خسروا دنياهم وأخراهم. ومحلّه الرفع على الخبر المحذوف، فإنّه جواب السؤال. أو الجرّ على البدل. أو النصب على الذمّ.( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) بعجبهم واعتقادهم أنّهم على الحقّ.
روى العيّاشي بإسناده قال: «قام ابن الكوّاء إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فسأله عن أهل هذه الآية. فقال: أولئك أهل الكتاب كفروا بربّهم، وابتدعوا في دينهم، فحبطت أعمالهم.
وأهل النهر منهم ليسوا ببعيد. يعني: الخوارج»(٢) .
وفي رواية أخرى قالعليهالسلام : «منهم أهل الحروراء»(٣) .
( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ) بالقرآن، أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوّة( وَلِقائِهِ ) بالبعث على ما هو عليه، أو لقاء عذابه( فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) ضاعت وبطلت بكفرهم، فلا يثابون عليها، لأنّهم أوقعوها على خلاف الوجه الّذي أمرهم الله به( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) فنزدري بهم، ولا نجعل لهم مقدارا واعتبارا. وقيل: لا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم، لانحباطها، لأن الميزان إنّما يوضع لأهل الحسنات والسيّئات من الموحّدين.
__________________
(١) الانشقاق: ٢٤. (٢، ٣) تفسير العيّاشي ٢: ٣٥٢ ح ٨٩، ٩٠.
وعن أبي سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا.
وروي في الصحيح أن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة».
( ذلِكَ ) أي: الأمر ذلك الّذي ذكرت، من حبوط أعمالهم وخسّة قدرهم. وقوله:( جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ) جملة مبيّنة له. ويجوز أن يكون «ذلك» مبتدأ، والجملة خبره، والعائد محذوف، أي: جزاؤهم به. أو «جزاؤهم» بدله، و «جهنّم» خبره. أو «جزاؤهم» خبره، و «جهنّم» عطف بيان للخبر.( بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً ) أي: بسبب ذلك.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) )
ولـمّا تقدّم ذكر حال الكافرين، عقّبه سبحانه بذكر حال المؤمنين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ) فيما سبق من حكم الله ووعده. والفردوس أعلى درجات الجنّة وأفضلها. وأصله البستان الّذي يجمع الكرم والنخيل.
روى عبادة بن الصامت عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنّة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس».
( خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ) تحوّلا، إذ لا يجدون أطيب منها حتّى تنازعهم إليه أنفسهم. ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود. وهذه غاية الوصف، لأنّ الإنسان في الدنيا في أيّ نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع منه.
( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) )
واعلم أنّه قد مرّ(١) في سورة بني إسرائيل أنّ اليهود قالوا: في كتابكم:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (٢) ثمّ تقرؤون:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (٣) ، فنزلت:( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ ) جنس البحر( مِداداً ) ما يكتب به. وهو اسم ما يمدّ به الشيء، كالحبر للدواة، والسليط(٤) للسراج.( لِكَلِماتِ رَبِّي ) لكلمات علمه وحكمته، ومقدوراته وعجائبه( لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) لنفد جنس البحر بأسره، لأنّ كلّ جسم متناه( قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ) فإنّها غير متناهية فلا تنفد( وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ ) بمثل البحر الموجود( مَدَداً ) زيادة ومعونة، لأنّ مجموع المتناهيين متناه، بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلّا متناهيا، للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة.
ونصبه للتمييز، كقولك: لي مثله رجلا. وهو مثل المدد معنى. والمعنى: أنّ الحكمة وإن كانت خيرا كثيرا في نفسه، لكنّه قطرة من بحر كلمات الله.
__________________
(١) راجع ص ٦٧ ـ ٦٨ ذيل الآية ٨٥ من سورة الإسراء.
(٢) البقرة: ٢٦٩.
(٣) الإسراء: ٨٥.
(٤) في هامش النسخة الخطّية: «دهن الزيت. منه».
( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) لا أدّعي الإحاطة على كلماته.
عن ابن عبّاس: علّم الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم التواضع لئلّا يزهى على خلقه، فأمره أن يقرّ على نفسه بأنّه آدميّ كغيره، إلّا أنّه أكرم بالوحي. وهو قوله:( يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) وإنّما ميّزت عنكم بذلك. يعني: لا فضل لي عليكم إلّا بالدين والنبوّة، ولا علم لي إلّا ما علّمنيه الله تعالى.
( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ ) يأمل حسن جزائه عند ربّه( فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ) خالصا لله، يتقرّب به إليه، بحيث يرتضيه( وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) من ملك أو بشر، أو حجر أو شجر. والأكثر أنّ معناه لا يرائيه.
وعن عطاء، عن ابن عبّاس: أنّ الله تعالى قال:( وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ولم يقل: ولا يشرك به، لأنّه أراد العمل الّذي يعمل لله، ويحبّ أن يحمد عليه.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اتّقوا الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء».
وروي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «قال اللهعزوجل : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء، فهو للّذي أشرك». رواه مسلم في الصحيح(١) .
وروي عن عبادة بن الصامت وشدّاد بن أوس قالا: سمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «من صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به فقد أشرك، ثمّ قرأ هذه الآية».
وروي أنّ جندب بن زهير قال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّي لأعمل العمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال: إنّ الله لا يقبل ما شورك فيه. فنزلت تصديقا له».
وروي: «أنّ أبا الحسن الرضاعليهالسلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضّأ للصلاة والغلام يصبّ على يده الماء، فقال: لا تشرك بعبادة ربّك أحدا. فصرف المأمون الغلام، وتولّى إتمام وضوئه بنفسه».
__________________
(١) صحيح مسلم ٤: ٢٢٨٩ ح ٤٦.
وقيل: معناه: ولا يطلب منه أجرا. ويؤيّده ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: «ما عبدتك طمعا لثوابك، وخوفا من نارك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك».
وقيل: هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأها ـ أي: هذه الآية ـ عند مضجعه كان له نورا في مضجعه يتلألأ إلى مكّة، حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتّى يقوم. فإن كان مضجعه بمكّة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك ملائكة يصلّون عليه حتّى يستيقظ».
ومثله ما روى الشيخ أبو جعفر بن بابويهرحمهالله بإسناده عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّعليهالسلام قال: «ما من عبد يقرأ «قل إنّما أنا بشر مثلكم» إلى آخر الآية، إلّا كان له نورا في مضجعه إلى بيت الله الحرام، فإن كان من أهل البيت الحرام كان له نورا إلى بيت المقدس».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «ما من أحد يقرأ آخر الكهف عند النوم إلّا يتيقّظ في الساعة الّتي يريدها».
قيل في وجه اتّصال( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ) بما قبلها: إنّه لـمّا تقدّم الأمر والنهي والوعد والوعيد، عقّب ذلك سبحانه ببيان أنّ مقدوراته لا تتناهى، وأنّه قادر على ما يشاء في أفعاله وأوامره على حسب المصالح، فمن الواجب على المكلّف أن يمتثل أمره ونهيه، ويثق بوعده، ويتّقي وعيده.
تمّت هذه المجلّدة بحمد الله وحسن توفيقه ،
والصّلاة على محمد وآله الطيّبين الطاهرين
(١٩)
سورة مريم
مكّيّة بالإجماع. وهي ثمان وتسعون آية. وفي حديث أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدّق بزكريّا وكذّب به، وبيحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا الله في الدنيا، وبعدد من لم يدع الله».
وقال الصادقعليهالسلام : «من أدمن قراءة سورة مريم لم يمت في الدنيا حتّى يصيب ما يغنيه في ماله وولده، وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم، وأعطي من الأجر في الآخرة ملك سليمان بن داود في الدنيا».
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة الكهف بذكر التوحيد والدعاء إليه، افتتح هذه السورة بذكر الأنبياء الّذين كانوا على تلك الطريقة، بعثا على الاقتداء بهم، وحثّا على الاهتداء بهديهم، فقال :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) )
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ) أمال أبو عمرو الهاء، لأنّ ألفات أسماء التهجّي عنده ياءات. وابن عامر وحمزة الياء. والكسائي وأبو بكر كليهما. ونافع بين بين.
ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال، والباقون يدغمونها.
وقد ذكرنا في أوّل سورة البقرة اختلاف العلماء في حروف المعجم الّتي في أوائل السور، وشرحنا أقوالهم هناك. وقيل هاهنا: إنّها اسم هذه السورة، أو اسم القرآن.
وحدّث عطاء بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ «كاف» من كريم، و «ها» من هاد، و «يا» من حكيم، و «عين» من عليم، و «صاد» من صادق.
وفي رواية عطاء والكلبي عنه: أنّ معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريّته، صادق بوعده، فإنّ كلّ واحدة من هذه الحروف تدلّ على صفة من صفات اللهعزوجل .
وعند بعضهم أنّ الياء إشارة إلى: يا من يجير ولا يجار عليه. وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال في دعائه: «أسألك يا كهيعص يا حمسق».
( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ) خبر ما قبله إن أوّل بالسورة أو القرآن، فإنّه مشتمل عليه. أو خبر محذوف، أي: هذا المتلوّ ذكر رحمة ربّك. أو مبتدأ حذف خبره، أي: فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربّك.( عَبْدَهُ ) مفعول الرحمة أو الذكر، على أنّ الرحمة فاعل الذكر على الاتّساع، كقولك: ذكرني جود زيد( زَكَرِيَّا ) بدل من «عبده»، أو عطف بيان له.
والمراد بالرحمة إجابته إيّاه حين دعاه وسأله الولد. وزكريّا اسم نبيّ من أنبياء بني
إسرائيل، كان من أولاد هارون بن عمران.
( إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ) دعا ربّه دعاء خفيّا. والإخفاء والجهر وإن كانا سيّان عند الله، لكن الإخفاء أشدّ إخباتا وأكثر إخلاصا. وفي الحديث: «خير الدعاء الخفيّ، وخير الرزق ما يكفي».
وقيل: قيّد النداء به لئلّا يهزؤا به على طلب الولد وقت الشيخوخة، فيقولوا: انظروا إلى الشيخ الهمّ يسأل الولد على الكبر. أو لئلّا يطّلع عليه مواليه الّذين خافهم. أو لأنّ ضعف الهرم أخفى صوته.
واختلف في سنّة حينئذ، فقيل: ستّون. وقيل: سبعون. وقيل: خمس وسبعون.
وقيل: خمس وثمانون. وقيل: تسع وتسعون.
ثمّ فسّر النداء بقوله:( قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) أي: ضعف. وتخصيص العظم لأنّه دعامة البدن وقوامه وأصل بنيانه، فإذا وهن تساقطت قوّته. ولأنّه أصلب ما فيه، فإذا ضعف كان ما وراءه أضعف. وتوحيده لأنّ الواحد هو الدالّ على معنى الجنس، وقصده إلى أنّ هذا الجنس الّذي هو العمود والقوام وأشدّ ما تركّب منه الجسد قد أصابه الوهن. ولو جمع لكان يفيد معنى آخر، وهو أنّه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلّها.
( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) أدغم أبو عمرو السين في الشين. شبّه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ(١) النار، وانتشاره وفشوّه في الشعر وأخذه منه كلّ مأخذ باشتعالها.
ثمّ أخرجه مخرج الاستعارة، وأسند الاشتعال إلى الرأس الّذي هو مكان الشيب ومنبته مبالغة. وجعله مميّزا إيضاحا للمقصود. واكتفى باللام عن الإضافة، للدلالة على أنّ علم المخاطب بتعيّن المراد يغني عن التقييد. ولهذا فصحت هذه الجملة، وشهد لها بالبلاغة.
( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِ ) بدعائي إيّاك فيما مضى( شَقِيًّا ) محروما، بل كلّما دعوتك استجبت لي. وهو توسّل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أنّ المدعوّ له
__________________
(١) الشواظ: لهب لا دخان فيه.
وإن لم يكن معتادا فإجابته معتادة، وأنّه تعالى عوّده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حقّ الكريم أن لا يخيب من أطمعه. والمعنى: أنّك ما خيّبتني فيما سألتك، ولا حرّمتني الاستجابة.
وعن بعضهم: أنّ محتاجا سأله وقال: أنا الّذي أحسنت إليّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسّل بنا إلينا، فقضى حاجته.
( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ) يعني: بني عمّه. وعن ابن عبّاس: هم الكلالة. وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف على الدين أن يغيّروه، ويبدّلوا على أمّته أحكام ملّته.( مِنْ وَرائِي ) من بعد موتي. وعن ابن كثير: بالمدّ والقصر(١) وفتح الياء. وهذا الظرف لا يتعلّق بـ «خفت»، لفساد المعنى، لأنّ بعد الموت لا يكون الخوف، ولكن بمحذوف، أو بمعنى الولاية في الموالي، أي: خفت فعل الموالي، وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي، أو خفت الّذين يلون الأمر من ورائي.
( وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ) لا تلد( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) من صلبي، يليني ويكون أولى بميراثي، فإنّ مثل هذه الهيئة لا يرجى إلّا من فضلك وكمال قدرتك، فإنّي وامرأتي لا نصلح للولادة.
( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) صفتان له. وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنّهما جواب الدعاء. والمراد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيمعليهمالسلام ، فإنّ زكريّا كان من ولد هارون، وهو من ولد لاوي بن يعقوب. وقيل: يعقوب أخو زكريّا، أو أخو عمران بن ماثان من نسل سليمان.
واختلف في معنى هذا الإرث، فقيل: معناه: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة. وقيل: يرثني نبوّتي ونبوّة آل يعقوب. وقيل: يرثني الحبورة، فإنّه كان حبرا، ويرث من آل يعقوب الملك.
__________________
(١) أي: وراي.
وأصحابنا رضوان الله عليهم استدلّوا بهذه الآية على أنّ الأنبياء يرثون المال، وأنّ المراد بالإرث فيها المال دون العلم والنبوّة، لأنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلّا على ما ينقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يستعمل في غير المال إلّا على طريق المجاز، ولا يجوز الانتقال من الحقيقة إلى المجاز بغير دليل.
وأيضا فإنّ زكريّاعليهالسلام قال في دعائه:( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) أي: اجعل يا ربّ ذلك الوليّ الّذي يرثني مرضيّا عندك قولا وفعلا، ممتثلا لأمرك. ومتى حملنا الإرث على النبوّة ـ كما زعم العامّة ـ لم يكن لذلك معنى، وكان لغوا. ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: أللّهمّ ابعث إلينا نبيّا واجعله مرضيّا في أخلاقه، لأنّه إذا كان نبيّا فقد دخل الرضا وما هو أعظم منه في النبوّة.
ويقوّي ما قلناه: أنّ زكريّاعليهالسلام صرّح بأنّه يخاف بني عمّه بعده بقوله:( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ) . وإنّما يطلب وارثا لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلّا بالمال دون النبوّة والعلم، لأنّه كان أعلم بالله من أن يخاف أن يبعث نبيّا من ليس بأهل للنبوّة، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل. ولأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس، فكيف يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في بعثته؟! فعلى هذا التحقيق: المراد بقوله:( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ) خفت تضييع الموالي مالي، وإنفاقهم إيّاه في معصية اللهعزوجل . فاستجاب الله دعاءه، وأوحى إليه وعدا بإجابة دعائه.
( يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) )
( يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى ) إنّا نخبرك على ألسنة الملائكة بخبر يرى السرور في وجهك، وهو أن يولد لك ابن اسمه يحيى( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) لم يسمّ أحد بيحيى قبله.
وقال الصادقعليهالسلام : «وكذلك الحسينعليهالسلام لم يكن له من قبل سمّي، ولم تبك السماء إلّا عليهما أربعين صباحا. قيل له: وما كان بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء، وكان قاتل الحسين ولد زنا، وقاتل يحيى ولد زنا».
وروى سفيان بن عيينة، عن عليّ بن زيد، عن عليّ بن الحسينعليهالسلام قال: «خرجنا مع الحسينعليهالسلام ، فما نزل منزلا ولا ارتحل منه إلّا ذكر يحيى بن زكريّا وقتله. وقال يوما: ومن هوان الدنيا على اللهعزوجل أنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل».
وفي الآية إشارة إلى أنّ التسمية بالأسامي النادرة الغريبة الّتي لم يسبق إليها أحد تنويه للمسمّى. ويحتمل أن يكون شرافته وفضله من حيث إنّ الله تولّى تسميته، ولم يكلها إلى الأبوين.
وهو منقول عن فعل، كـ: يعيش ويعمر ويزيد. وقيل: سمّي به لأنّه حيي به رحم أمّه، أو لأنّ دين الله يحيى بدعوته. والأظهر أنّه أعجميّ.
وقيل: «سميّا»: شبيها، كقوله:( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) (١) لأنّ كلّ متشاكلين يسمّى كلّ واحد منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكلّ واحد منهما سمّي لصاحبه.
وقالوا: لم يكن له مثل في أنّه لم يعص، ولم يهتمّ بمعصية قطّ. وأنّه ولد بين شيخ فإن وعجوز عاقر. وأنّه كان حصورا، أي: كان على صفة العقر.
( قالَ ) استعجابا لا استبعادا( رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) جساوة(٢) ويبسا في المفاصل والعظام. وأصله: عتوو، كقعود، فاستثقلوا توالي الضمّتين والواوين، فكسروا التاء، فانقلبت الواو الأولى ياء، ثمّ قلبت الثانية وأدغمت. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: عتيّا بالكسر.
قال الحسن: إنّما قال ذلك على جهة الاستخبار، أي: أتعيدنا شابّين أم ترزقنا الولد شيخين؟! وقيل: إنّما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر، اعترافا بأنّ المؤثّر فيه كمال قدرته، وأنّ الوسائط عند التحقيق ملغاة، ولذلك( قالَ ) أي: الله، أو الملك المبلّغ للبشارة، تصديقا له:( كَذلِكَ ) الأمر كذلك.
ويجوز أن تكون الكاف منصوبة بـ «قال» في( قالَ رَبُّكَ ) وذلك إشارة إلى مبهم يفسّره( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) فأردّ عليك قوّتك حتّى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد، ولا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب. ونحو ذلك قوله:( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) (٣) و( أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ ) مفسّر لذلك.
ويجوز أن يكون مفعول «قال» الثاني محذوفا، أي: أفعل ذلك هو عليّ هيّن.
( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) بل كنت معدوما صرفا، وإزالة عقر زوجتك
__________________
(١) مريم: ٦٥.
(٢) الجساوة: اليبس والصلابة.
(٣) الحجر: ٦٦.
وإزالة ما يمنع قبول الولد أيسر في الاعتبار من ابتداء الإنشاء. وروى الحكم بن عيينة عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إنّما ولد يحيى بعد البشارة له من الله بخمس سنين».
وفيه دليل على أنّ المعدوم ليس بشيء. وقرأ حمزة والكسائي: وقد خلقناك.
( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) علامة أعلم بها وقوع ما بشّرتني به( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) سويّ الخلق أي: علامتك أن تمنع الكلام، فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح صحيح البنية والآلات، ما بك من خرس ولا بكم. وإنّما ذكر الليالي هنا والأيّام في آل عمران(١) ، للدلالة على أنّه استمرّ عليه المنع من كلام الناس والتجرّد للذكر والشكر ثلاثة أيّام ولياليهنّ.
قال ابن عبّاس: اعتقل لسانه من غير علّة ومرض ثلاثة أيّام، فإنّه كان يقرأ الزبور ويدعو إلى الله سبحانه ويسبّحه، ولا يمكنه أن يكلّم الناس. وهذا أمر خارج عن العادة.
( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) )
( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ) من المصلّى. سمّي محرابا لأنّ المتوجّه إليه في صلاته كالمحارب للشيطان على صلاته. والأصل فيه مجلس الأشراف الّذي يحارب دونه ذبّا عن أهله.
__________________
(١) آل عمران: ٤١.
قالوا: وكان زكريّا قد أخبر قومه بما بشّر به، فلمّا خرج عليهم وامتنع من كلامهم علموا إجابة دعائه، فسرّوا به.
( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) بيده، لقوله:( إِلَّا رَمْزاً ) (١) . وعن ابن عبّاس: كتب لهم على الأرض.( أَنْ سَبِّحُوا ) صلّوا. وتسمّى الصلاة سبحة وتسبيحا، لـما فيها من التسبيح.
وقيل: أراد التسبيح بعينه كما هو الظاهر، أي: نزّهوا ربّكم.( بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) طرفي النهار. ولعلّه كان مأمورا بأن يسبّح ويأمر قومه بأن يوافقوه. و «أن» تحتمل أن تكون مصدريّة، وأن تكون مفسّرة.
قال ابن جريج: أشرف عليهم من فوق غرفة كان يصلّي فيها، لا يصعد إليها إلّا بسلّم، وكانوا يصلّون معه الفجر والعشاء، وكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه، فلمّا اعتقل لسانه خرج على عادته وأذن لهم بغير كلام، فعرفوا عند ذلك أنّه قد جاء وقت حمل امرأته بيحيى، فمكث ثلاثة أيّام لا يقدر على الكلام معهم، ويقدر على التسبيح والدعاء.
( يا يَحْيى ) فيه اختصار عجيب، تقديره: فوهبناك يحيى، وأعطينا له العقل والفهم، وقلنا له: يا يحيى( خُذِ الْكِتابَ ) التوراة( بِقُوَّةٍ ) بجدّ، وصحّة عزيمة، واستظهار بالتوفيق. أو بما قوّاك الله عليه وأيّدك.
( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) يعني: الحكمة. يقال: حكم حكما كحلم، أي: صار حكيما وحليما. وهو فهم التوراة، والفقه في الدين، والعمل به. وقيل: النبوّة وأنّ الله أحكم عقله في صباه واستنبأه.
قيل: دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبيّ فقال: ما للعب خلقنا. وعن ابن عبّاس: أنّه أوتي النبوّة وهو ابن ثلاث سنين. وروي ذلك عن أبي الحسن الرضا عليه الصلاة والسلام.
__________________
(١) آل عمران: ٤١.
وروي العيّاشي بإسناده عن عليّ بن أسباط قال: «قدمت المدينة وأنا أريد مصر، فدخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضاعليهالسلام ، وهو إذ ذاك خماسيّ، فجعلت أتأمّله لأصفه لأصحابنا بمصر، فنظر إليّ وقال يا عليّ: إنّ الله قد أخذ في الإمامة كما أخذ في النبوّة، فقال:( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) وقال:( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (١) .
( وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ) عطف على الحكم، أي: وآتيناه رحمة منّا عليه. أو رحمة وتعطّفا في قلبه على أبويه وغيرهما، فإنّ «حنّ» في معنى: ارتاح واشتاق، ثمّ استعمل في العطف والرأفة، وقيل لله: حنان، كما قيل: رحيم، على سبيل الاستعارة. ومنه: حنين الناقة، وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها.
( وَزَكاةً ) وطهارة من الذنوب، أو صدقة، أي: تصدّق الله به على أبويه، أو مكّنه ووفّقه على أن يتعطّف على الناس ويتصدّق عليهم( وَكانَ تَقِيًّا ) مطيعا، متجنّبا عن المعاصي.
( وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ) وبارّا بهما ومطيعا( وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ) متكبّرا متطاولا على الناس( عَصِيًّا ) عاقّا، أو عاصيا ربّه.
( وَسَلامٌ ) من الله( عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ) من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم( وَيَوْمَ يَمُوتُ ) من عذاب القبر( وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) من عذاب النار وهول القيامة. وإنّما قال: «حيّا» تأكيدا لقوله: «يبعث».
خصّه سبحانه بالكرامة والسلامة في هذه المواطن الثلاثة الّتي هي أوحش المواطن، فإنّ يوم الولادة يوم يرى الإنسان نفسه خارجا ممّا كان فيه، ويوم الموت يوم يرى أشياء ليس له بها عهد، ويوم البعث يوم يرى نفسه في محشر عظيم.
__________________
(١) القصص: ١٤.
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) )
ثمّ عطف قصّة مريم وعيسى على قصّة زكريّا ويحيىعليهماالسلام ، فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) في القرآن( مَرْيَمَ ) يعني: قصّتها العجيبة، من ولادتها عيسى بلا أب، وفرط صلاحها ليقتدي الناس بها، ولتكون معجزة لك( إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها ) إذ اعتزلت منهم وتخلّت للعبادة.
وهذا بدل من «مريم» بدل الاشتمال، لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها. وفيه: أنّ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا، لوقوع هذه القضيّة العجيبة فيه. أو بدل الكلّ، لأنّ المراد بمريم قصّتها، وبالظرف الأمر الواقع فيه، وهما ـ أعني: قصّة مريم، والأمر الواقع فيه ـ واحد. أو ظرف لمضاف مقدّر، أي: قصّة مريم إذ انتبذت.
وقيل: «إذ» بمعنى «أن» المصدريّة، كقولك: أكرمتك إذ لم تكرمني، فتكون بدلا لا محالة.
( مَكاناً شَرْقِيًّا ) في مكان ممّا يلي شرقيّ بيت المقدس، أو شرقيّ دارها، ولذلك اتّخذ النصارى المشرق قبلة. و «مكانا» ظرف كما فسّر، أو مفعول، لأنّ «انتبذت»
متضمّن معنى: أتت.
( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً ) سترا يستر خلفه( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا ) يعني: جبرئيل. سمّاه الله الروح وأضافه إلى نفسه، لأنّ دينه يحيا به وبوحيه، أو محبّة له وتقريبا وتشريفا، كما تقول لحبيبك: أنت روحي.( فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) فانتصب بين يديها في صورة آدميّ صحيح لم ينتقص من الصورة البشريّة شيء.
وقيل: قعدت في مشرفة(١) للاغتسال من الحيض في يوم شديد البرد، محتجبة بحائط أو بشيء يسترها، وكان موضعها المسجد، فإذا حاضت تحوّلت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي في مغتسلها أتاها جبرئيل متمثّلا بصورة شابّ أمرد، وضيء الوجه، جعد الشعر، سويّ الخلق، لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكيّة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، وكان تمثيله على تلك الصورة الحسنة ابتلاء لها وسبرا(٢) لعفّتها.
قيل: كانت في منزل زوج أختها زكريّا، ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريّاعليهالسلام إذا خرج أغلق عليها الباب، فتمنّت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي(٣) رأسها، فانشقّ السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل، فأتاها الملك.
وقيل: قام بين يديها في صورة ترب(٤) لها اسمه يوسف، من خدم بيت المقدس.
ودلّ على عفافها وورعها أنّها تعوّذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، بأن( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) أي: إن كان يرجى منك أن تتّقي الله
__________________
(١) أي: في موضع عال مطلّ على غيره. ومشارف الأرض: أعاليها. والواحدة: مشرفة.
(٢) سبر الأمر سبرا: جرّبه واختبره.
(٣) فلى يفلي رأسه أو ثوبه: نقّاهما من القمل.
(٤) الترب: من ولد معك، وكان على سنّك. وجمعه: أتراب.
وتحتفل بالاستعاذة. وعن عليّعليهالسلام أنّه قال: «علمت أنّ التقيّ ينهاه التقى عن المعصية».
وجواب الشرط محذوف بقرينة ما قبله، أي: فإنّي عائذة به منك. أو فتتّعظ بتعويذي، أو فلا تتعرّض بي. ويجوز أن يكون للمبالغة، أي: إن كنت تقيّا متورّعا فإنّي أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك؟! فلمّا سمع جبرئيل منها هذا القول( قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ) الّذي استعذت به( لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً ) لأكون سببا في هبته بوسيلة النفخ في الدرع. ويجوز أن يكون حكاية لقول الله تعالى. ويؤيّده قراءة أبي عمرو وابن كثير عن نافع ويعقوب بالياء.( زَكِيًّا ) طاهرا من الذنوب، أو ناميا على الخير، أي: مترقّيا من سنّ إلى سنّ على الخير والصلاح. وعن ابن عبّاس: يريد نبيّا.
( قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ) أي: ولد( وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ) ولم يباشرني رجل بالحلال، فإنّ المسّ كناية عنه، كقوله:( مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) (١) ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) (٢) . أمّا الزنا فإنّما يقال فيه: خبث بها وفجر، ونحو ذلك. ويعضده عطف قوله:( وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) عليه، أي: فاجرة تبغي الزنا.
وهو فعول من البغي، قلبت واوه ياء وأدغمت، ثمّ كسرت الغين اتباعا للياء، ولذلك لم تلحقه التاء. أو فعيل بمعنى فاعل، ولم تلحقه التاء، لأنّه للمبالغة، أو للنسب كطالق. والمعنى: أنّي لست بذات زوج وغير ذات الزوج لا تلد إلّا عن فجور، ولست فاجرة.
( قالَ كَذلِكِ ) أي: الأمر كما وصفت لك( قالَ رَبُّكِ هُوَ ) أي: إحداث الولد من غير زوج( عَلَيَّ هَيِّنٌ ) سهل لا يشقّ عليّ( وَلِنَجْعَلَهُ ) تعليل معلّله محذوف، أي: ونفعل ذلك لنجعله آية. أو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبيّن به قدرتنا ولنجعله آية.
__________________
(١) البقرة: ٢٣٧.
(٢) النساء: ٤٣.
أو عطف على «لأهب» على طريقة الالتفات.( آيَةً لِلنَّاسِ ) علامة لهم وبرهانا على كمال قدرتنا( وَرَحْمَةً مِنَّا ) على العباد يهتدون بإرشاده( وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ) كائنا محتوما تعلّق به قضاء الله في الأزل، وقدّر وسطر في اللوح. أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى ويفعل، لكونه آية ورحمة.
وفي هذه الآيات دلالة على جواز إظهار المعجزات لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنّ من المعلوم أنّ مريم ليست بنبيّة، وأنّ رؤية الملك على صورة البشر، وبشارة الملك إيّاها، وولادتها من غير وطء، إلى غير ذلك من الآيات الّتي أتاها الله بها، من أكبر المعجزات. ومن لم يجوّز إظهار المعجزات على غير الأنبياء، اختلفت أقوالهم في ذلك، فقال الجبائي وابنه: إنّها معجزات لزكريّا. وقال البلخي: إنّها معجزات لعيسى على وجه الإرهاص(١) والتأسيس لنبوّته.
( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) )
__________________
(١) أرهص الشيء: أسّسه وأثبته.
عن ابن عبّاس: لـمّا سمعت مريم قول جبرئيل اطمأنّت إلى قوله، فدنا منها فأخذ ردن(١) قميصها بإصبعيه، فنفخ فيه فدخلت النفخة في جوفها( فَحَمَلَتْهُ ) في ساعتها، ووجدت حسّ الحمل.
وروي عن الباقرعليهالسلام «أنّه تناول جيب مدرعتها(٢) فنفخ فيه نفخة، فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر، فخرجت من المستحمّ(٣) وهي حامل محج(٤) مثقل، فنظرت إليها خالتها فأنكرتها، ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريّا».
وقيل: كان مدّة حملها ستّة أشهر. وقيل: سبعة. وقيل: ثمانية. ولم يعش مولود
__________________
(١) الردن: أصل الكمّ. وجمعه أردان.
(٢) المدرعة: جبّة مشقوقة المقدّم، أو ثوب من كتّان كان يلبسه عظيم أحبار اليهود.
(٣) المستحمّ: موضع الاستحمام.
(٤) حجا يحجوا الأمر: ظنّه فادّعاه ظانّا ولم يستيقنه.
وضع لثمانية غيره. وقيل: ثلاث ساعات. وقيل: حملته في ساعة، وصوّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عبّاس: مدّة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : تسع ساعات. وسنّها يومئذ ثلاث عشرة سنة.
وقيل: عشر. وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا: ما من مولود إلّا يستهلّ(١) إلّا عيسىعليهالسلام .
( فَانْتَبَذَتْ بِهِ ) فاعتزلت وتنحّت وهو في بطنها. والجارّ والمجرور في موضع الحال. ونحوه قوله تعالى:( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) (٢) أي: تنبت ودهنها فيها.( مَكاناً قَصِيًّا ) بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل: أقصى الدار.
( فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ) فألجاها الطلق، وهو وجع الولادة. وهو في الأصل منقول من: جاء، إلّا أنّه قد خصّ بالإلجاء في الاستعمال، كـ: آتى في: أعطى. والمخاض مصدر: مخضت المرأة إذا تحرّك الولد في بطنها للخروج. ومنه: المخيض، لتقلقله في الظرف.
( إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. وهو ما بين العرق والغصن. وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء.
والتعريف إمّا للجنس، أي: جذوع هذه الشجرة خاصّة، أو للعهد، إذ لم يكن ثمّ غيرها، فكانت كالمتعالم عند الناس، فإذا قيل: جذع النخلة فهم منه ذاك دون غيره من جذوع النخل. وكأنّ الله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها، ويطعمها الرطب الّذي هو خرسة(٣) النفساء الموافقة لها.
( قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا ) استحياء من الناس، ومخافة لومهم. وروي عن الصادقعليهالسلام : «تمنّت الموت لأنّها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزّهها من السوء». وقرأ
__________________
(١) استهلّ الصبيّ: رفع صوته بالبكاء عند الولادة.
(٢) المؤمنون: ٢٠
(٣) الخرس: طعام الولادة. والخرسة: طعام النفساء نفسها.
أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر: متّ، من: مات يموت.
( وَكُنْتُ نَسْياً ) ما من شأنه أن ينسى ويطرح ولا يطلب، كخرقة الطامث.
ونظيره: الذبح اسم ما من شأنه أن يذبح. وقرأ حمزة وحفص: نسيا بالفتح. وهو لغة فيه، أو مصدر ـ كالحمل ـ سمّي به.( مَنْسِيًّا ) متروك الذكر بحيث لا يخطر ببالهم.
( فَناداها مِنْ تَحْتِها ) وهو عيسى. وقيل: جبرئيل، كان يقبل الولد كالقابلة. وقيل: «تحتها» أسفل من مكانها.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح: من تحتها بالكسر والجرّ، على أنّ في «نادى» ضمير أحدهما. وقيل: الضمير في «تحتها» للنخلة.
( أَلَّا تَحْزَنِي ) أي: لا تحزني، أو بأن لا تحزني( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) جدولا. هكذا روي مرفوعا. قيل: ضرب جبرئيل برجله، فظهر ماء عذب.
وعن أبي جعفرعليهالسلام : «ضرب عيسىعليهالسلام برجله فظهرت عين ماء تجري».
وقيل: السريّ: السيّد الشريف، من السرو، وهو عيسى. وعن الحسن: كان والله عبدا سريّا.
( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) وأميليه إليك. والباء مزيدة للتأكيد، كقوله:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (١) . أو المعنى: افعلي الهزّ والإمالة به، أو هزّي الثمرة بهزّه.
والهزّ تحريك بجذب ودفع.( تُساقِطْ عَلَيْكِ ) تتساقط، فأدغمت التاء الثانية في السين. وحذفها حمزة. وقرأ يعقوب بالياء. وحفص: تساقط، من: ساقطت، بمعنى: أسقطت.( رُطَباً جَنِيًّا ) نضيجا. تمييز أو مفعول على حسب القراءة.
روي أنّها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر، وكان الوقت شتاء، فهزّتها، فجعل الله لها رأسا وخوصا ورطبا في غير أو انه دفعة واحدة، فإنّ العادة أن يكون نورا أوّلا، ثمّ يصير بلحا، ثمّ بسرا في أوانه. وفيه: تسليتها بذلك، لـما فيه من المعجزات الدالّة على براءة ساحتها، فإنّ مثلها لا يتصوّر لمن يرتكب الفواحش، والمنبّهة لمن رآها على أنّ من
__________________
(١) البقرة: ١٩٥.
قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء، قدر أن يحبلها من غير فحل.
ولما كان في الرطب من الطعام والشراب رتّب عليه الأمرين، فقال:( فَكُلِي ) من الرطب( وَاشْرَبِي ) من عصير الرطب، أو من ماء السريّ( وَقَرِّي عَيْناً ) وطيبي نفسك، وارفضي عنها ما أحزنك. واشتقاقه من القرار، فإنّ العين إذا رأت ما تسرّ به النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره. أو من القرّ، فإنّ دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارّة، ولذلك قالوا: قرّة العين للمحبوب، وسخنتها للمكروه.
وعن الباقرعليهالسلام : «لم تستشف النفساء بمثل الرطب، لأنّ الله تعالى أطعمه مريم في نفاسها».
وقيل: إذا عسر ولادتها لم يكن لها خير من الرطب.
( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ) فإن تري آدميّا يسألك عن ولدك( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً ) صمتا، أي: إمساكا عن الكلام، أو صياما، وكانوا لا يتكلّمون في صيامهم. وقد نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن صوم الصمت، فنسخ هذا في شريعته.( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) بعد أن أخبرتكم بنذري، وإنّما أكلّم الملائكة وأناجي ربّي.
وقيل: أخبرتهم بنذرها بالإشارة. والأصحّ أنّه سوّغ لها ذلك بالنطق. وأمرها بذلك لكراهة المجادلة، وللاكتفاء بكلام عيسى، فإنّه كاف في قطع الطاعن.
( فَأَتَتْ بِهِ ) مع ولدها( قَوْمَها ) راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس( تَحْمِلُهُ ) حاملة إيّاه ملفّا بخرقة. حال من الضمير المرفوع في «فأتت»، أو من الهاء المجرور في «به»، أو منهما جميعا.
قيل: احتمل يوسف النجّار مريم وابنها إلى غار، فلبثوا فيه أربعين يوما حتّى سلمت من نفاسها، ثمّ جاءت تحمله، فكلّمها عيسى في الطريق، فقال: يا أمّاه أبشري فإنّي عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون تباكوا.
( قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ) بديعا منكرا، من فري الجلد. يقال: فريت.
الجلد إذا قطعته، وفريت الشيء، أي: حززته، أو من الافتراء، وهو الكذب.
( يا أُخْتَ هارُونَ ) يعنون هارون النبيّ، وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة
الإخوة، وبينها وبينه ألف سنة وأكثر.
وقيل: كانت من أولاد هارون. وإنّما قيل: أخت هارون، كما يقال: يا أخا همدان، أي: يا واحدا منهم.
وقيل: هو رجل صالح كان في زمانهم شبّهوها به، أي: كنت عندنا مثله في الصلاح، ولم ترد إخوة النسب. وهذا مرويّ عن ابن عبّاس وقتادة وكعب وابن زيد والمغيرة، يرفعه إلى النبيّ.
وقيل: إنّه لـمّا مات شيّعه أربعون ألفا كلّهم يسمّى هارون، تبرّكا به وباسمه. فقال قومها: كنّا نشبّهك بهارون هذا.
وقيل: كان هو رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والفساد، فنسبت إليه، وقيل لها: يا شبيهته في قبح فعله.
( ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) تقرير لقولهم: إنّ ما جاءت به فريّ، وتنبيه على أنّ الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.
( فَأَشارَتْ إِلَيْهِ ) إلى عيسى، أي: هو الّذي يجيبكم فكلّموه( قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) ولم نعهد صبيّا في المهد كلّمه عاقل. و «كان» زائدة. والظرف صلة «من». و «صبيّا» حال من المستكن فيه، أو تامّة، أو دائمة، كقوله تعالى:( وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً ) (١) . أو بمعنى: صار.
وفي الكشّاف: «كان» لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده. وهو هاهنا لقريبه خاصّة. والدليل عليه مبنى الكلام، وأنّه مسوق للتعجّب.
ووجه آخر: أن يكون «نكلّم» حكاية حال ماضية، أي: كيف عهد قبل عيسى أن يكلّم الناس صبيّا في المهد فيما سلف من الزمان حتّى نكلّم هذا؟!»(٢) .
وعن قتادة: معناه: صبيّا في الحجر رضيعا. وكان المهد حجر أمّه الّذي تربّيه، إذ لم
__________________
(١) النساء: ١٧.
(٢) الكشّاف ٣: ١٥.
تكن هيّأت له المهد.
وعن السدّي: لـمّا أشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريّتها بنا أشدّ علينا من زناها.
وروي: أنّه كان يرضع، فلمّا سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتّكأ على يساره، وأشار بسبّابته.
ثمّ( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ) أنطقه الله أوّلا لأنّه أوّل المقامات، وللردّ على من يزعم ربوبيّته من النصارى( آتانِيَ الْكِتابَ ) الإنجيل( وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) .
( وَجَعَلَنِي مُبارَكاً ) نفّاعا معلّما للخير. والتعبير بلفظ الماضي إمّا باعتبار ما سبق في قضائه، أو بجعل المحقّق وقوعه كالواقع. وعن ابن عبّاس وأكثر المفسّرين: أنّ الله أكمل عقله واستنبأه طفلا. وهو الظاهر.( أَيْنَ ما كُنْتُ ) حيث كنت( وَأَوْصانِي ) وأمرني( بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ) زكاة المال إن ملكته. أو المراد تطهير النفس عن الرذائل.( ما دُمْتُ حَيًّا ) مكلّفا.
( وَبَرًّا بِوالِدَتِي ) عطوفا عليها، مؤدّيا شكرها. عطف على «مباركا».( وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً ) متجبّرا متكبّرا( شَقِيًّا ) عند الله لفرط تكبّره. والمعنى: إنّي بلطفه وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي، متواضعا في نفسي، حتّى لم أكن من الجبابرة والأشقياء.
( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) كما هو على يحيى.
والتعريف للعهد، كقولك: جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا. فالمعنى: أنّ السلام الموجّه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجّه إليّ. والأظهر أنّه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإنّه لـمّا جعل جنس السلام على نفسه عرّض بأنّ ضدّه عليهم، كقوله تعالى :( وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) (١) فإنّه تعريض بأنّ العذاب على من كذّب وتولّى.
قيل: كلّم عيسى بذلك القول، ثمّ لم يتكلّم حتّى بلغ مبلغا يتكلّم فيه الصبيان.
( ذلِكَ ) أي: الّذي تقدّم نعته هو( عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) لا ما يصفه النصارى. وهو
__________________
(١) طه: ٤٧.
تكذيب لهم فيما يصفونه ـ من أنّه ابن الله وأنّه إله ـ على الوجه الأبلغ والطريق الأوضح، حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه.
( قَوْلَ الْحَقِ ) خبر محذوف، أي: هو قول الحقّ الّذي لا ريب فيه. والإضافة للبيان. والضمير للكلام السابق، أو لتمام القصّة. وقيل: صفة عيسى أو بدل، أو خبر ثان. ومعناه: كلمة الله.
وإنّما قيل لعيسى «كلمة الله» و «قول الحقّ» لأنّه لم يولد إلّا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: «كن» من غير واسطة أب، تسمية للمسبّب باسم السبب.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب: قول بالنصب، على أنّه المدح إن فسّر بكلمة الله، أو مصدر مؤكّد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك: هو عبد الله حقّا.
( الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) في أمره يشكّون، من المرية، وهي الشكّ. أو يتنازعون، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثالثة.
( ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) )
ثمّ كذّب الله النصارى، ونزّه ذاته عمّا بهتوه، فقال:( ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ ) يعني: ما كان ينبغي لله أن يتّخذه، أي: ما يصلح له ولا يستقيم، فإنّ من اتّخذ
ولدا فإنّما يتّخذه من جنسه، لأنّ الولد مجانس للوالد، والله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يكون له ولد، ولا يتّخذ ولدا.
ثمّ بكّتهم بالاستدلال على انتفاء الولد عنه بقوله:( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي: إذا أراد شيئا أوجده بـ «كن»، ومن كان كذلك كان منزّها عن شبه الخلق، أو الحاجة في اتّخاذ الولد بإحبال الإناث. وقرأ ابن عامر: فيكون بالنصب على الجواب.
والقول هاهنا مجاز. ومعناه: أنّ إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير توقّف، فشبّه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل.
( وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) طريق واضح فالزموه.
وقرأ الحجازيّان والبصريّان: وأنّ بالفتح، على: ولأنّ. وقيل: لأنّه معطوف على «الصلاة». وقرأ غيرهم بالكسر ليكون ابتداء كلامهم من الله.
( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) اليهود والنصارى. أو فرق النصارى. نسطوريّة قالوا: إنّه ابن الله. ويعقوبيّة قالوا: هو الله، هبط إلى الأرض ثمّ صعد إلى السماء. وملكانيّة قالوا: هو عبد الله ونبيّه.
( فَوَيْلٌ ) فشدّة عذاب( لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) من شهود يوم عظيم هوله وحسابه، وهو يوم القيامة. أو من وقت الشهود. أو من مكانه فيه. أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء، وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، بكفرهم وسوء أعمالهم. أو من وقت الشهادة. أو من مكانها. وقيل أمر: هو ما شهدوا به في عيسى وأمّه.
( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) تعجّب. ولـمّا كان الله سبحانه لا يوصف بالتعجّب، فالمراد أنّ أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجّب منهما.( يَوْمَ يَأْتُونَنا ) أي: يوم القيامة بعد ما كانوا صمّا عميا في الدنيا. والمراد أنّهم في الدنيا جاهلون، وفي الآخرة عارفون جدّا، حيث لا تنفعهم المعرفة.
وقيل: معناه: تهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ ممّا يسوءهم ويصدع قلوبهم.
وقيل: أمر بأن يسمعهم الرسول ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه.
والجارّ والمجرور على الأوّل في موضع الرفع، وعلى الثاني في محلّ النصب.
( لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أوقع الظالمين موقع الضمير إشعارا بأن لا ظلم أعظم من ظلمهم أنفسهم، حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم، وسجّل على إغفالهم بأنّه ضلال بيّن.
والمعنى: إنّ الكافرين في الدنيا آثروا الهوى على الهدى، ولم ينظروا إليه ولم يسمعوا به، فهم في ذهاب عن الدين وعدول عن الحقّ.
( وَأَنْذِرْهُمْ ) وخوّف يا محمّد كفّار مكّة( يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) يوم يتحسّر الناس، المسيء على إساءته، والمحسن على قلّة إحسانه. وقيل: الحسرة يومئذ مختصّة بمن يستحقّ العقاب، والمؤمن الصالح لا يتحسّر أصلا.
( إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ) فرغ من الحساب، وحكم بين الخلائق بالعدل، وتصادر الفريقان إلى الجنّة والنار. و «إذ» بدل من اليوم، أو ظرف للحسرة.
( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) حالان متعلّقان بقوله:( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، وما بينهما اعتراض. أو بـ «أنذرهم»، أي: أنذرهم غافلين غير مؤمنين. فيكونان حالين متضمّنين للتعليل.
روى مسلم في الصحيح بالإسناد عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، قيل: يا أهل الجنّة، فيسرعون وينظرون. وقيل: يا أهل النار، فيسرعون وينظرون. فيجاء بالموت وكأنّه كبش أملح(١) ، فيقال لهم: تعرفون الموت؟ فيقولون: هذا هذا. وكلّ قد عرفه. قال: فيقدّم فيذبح. ثمّ يقال: يا أهل الجنّة! خلود فلا موت. ويا أهل النار! خلود فلا موت. قال: وذلك قوله:( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) .
ورواه أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهالسلام . ثمّ جاء في آخره: «فيفرح أهل
__________________
(١) الكبش الأملح: إذا كان أسود يعلو شعره بياض.
الجنّة فرحا لو كان أحد يومئذ ميّتا لماتوا فرحا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميّتا لماتوا»(١) .
( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) )
__________________
(١) صحيح مسلم ٤: ٢١٨٨ ـ ٢١٨٩ ح ٤٠ ـ ٤١.
ثمّ أخبر سبحانه عن إفناء الدنيا وما عليها الّذي هو مقدّمة وقوع يوم الحسرة، فقال:( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها ) أي: نميت سكّانها، فلا يبقى فيها مالك ولا ملك. أو نتوفّى الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك، توفّي الوارث لإرثه.( وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) يردّون للجزاء بعد الموت، أي: إلى حيث لا يملك الأمر والنهي غيرنا.
ثمّ أخبر عن قصّة إبراهيم الّتي هي متضمّنة للتوحيد، الّذي هو منشأ الفلاح والفوز يوم الحسرة، فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ) ملازما للصدق، أو كثير التصديق، لكثرة ما صدّق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله. وهو من أبنية المبالغة. ونظيره: النطّيق.( نَبِيًّا ) رفيع الشأن برسالة الله تعالى.
( إِذْ قالَ ) بدل من «إبراهيم»، وما بينهما اعتراض. أو متعلّق بـ «كان» أو بـ «صدّيقا نبيّا».( لِأَبِيهِ ) أي: لعمّه الّذي هو بمنزلة أبيه في تربيته، أو لجدّه لأمّه، فإنّ أباه الّذي ولده كان اسمه تارخ، لإجماع الطائفة الحقّة على أنّ آباء الأنبياء كلّهم إلى آدم كانوا مسلمين موحّدين. وقد بيّنّا ذلك في سورة الأنعام(١) .
( يا أَبَتِ ) التاء معوّضة من ياء الإضافة، ولذلك لا يقال: يا أبتي، لئلّا يجمع بين العوض والمعوّض منه، ويقال: يا أبتا. وإنّما تذكر للاستعطاف، ولذلك كرّرها.
( لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ) فيعرف حالك، ويسمع ذكرك، ويرى خضوعك( وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) في جلب نفع أو دفع ضرّ.
دعاه إلى الهدى، وبيّن ضلاله، واحتجّ عليه أبلغ احتجاج وأرشقه، برفق وحسن أدب وخلق حسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربّه عزّ وعلا، كما روى أبو هريرة أنّه قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أوحى الله إلى إبراهيمعليهالسلام : إنّك خليلي، حسّن خلقك ولو مع الكفّار، تدخل مداخل الأبرار، فإنّ كلمتي سبقت لمن حسن خلقه: أظلّه تحت عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري».
__________________
(١) راجع ج ٢ ص ٤١٥ ذيل الآية ٧٤ من سورة الأنعام.
ولهذا لم يصرّح بضلالة أبيه، بل طلب العلّة الّتي تدعوه إلى عبادة ما يستخفّ به العقل الصريح، ويأبى الركون إليه، فضلا عن عبادته الّتي هي غاية التعظيم، ولا تحقّ إلّا لمن له الاستغناء التامّ والإنعام العامّ، وهو الخالق الرازق، المحيي المميت، المعاقب المثيب، الّذي منه أصول النعم وفروعها.
ونبّه على أنّ العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح. والشيء لو كان حيّا مميّزا سميعا بصيرا مقتدرا على النفع والضرّ ولكن كان ممكنا، لاستنكف العقل القويم عن عبادته، وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيّين، لـما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر؟! ثمّ ثنّى بدعوته إلى الحقّ مترّفقا به متلطّفا، ودعاه إلى أن يتّبعه ليهديه إلى الحقّ القويم والصراط المستقيم، لـمّا لم يكن محظوظا من العلم الإلهي، مستقلّا بالنظر السويّ، فقال:( يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ) بالله سبحانه( ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي ) على ذلك واقتد بي فيه( أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) أي: أوضح لك طريقا مستقيما. ولم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق، كأنّه قال: لا تستنكف وهب أنّي وإيّاك في مسير، وعندي مزيّة معرفة بالهداية دونك.
ثمّ ثلّث تثبيطه عمّا كان عليه، بأنّه مع خلوّه عن النفع مستلزم للضرّ، فإنّه في الحقيقة عبادة الشيطان، من حيث إنّه الآمر به، فقال:( يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ) لا تطعه فيما يدعوك إليه، فتكون بمنزلة من عبده، فإنّ الكافر لا يعبد الشيطان، ولكن يطيعه فيما أمره من الكفر والشرك.
ثمّ بيّن وجه الضرّ فيه، بأنّ الشيطان مستعص على ربّك المولي للنعم كلّها، بقوله:( إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ) شديد العصيان. ومعلوم أنّ المطاوع للعاصي عاص، وكلّ عاص حقيق بأن تستردّ منه النعم، وينتقم منه.
ثمّ ربّع بتخويفه سوء عاقبته وما يجرّ إليه من التبعة، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم يصرّح بأنّ العقاب لاحق له، وأنّ العذاب لاصق به، ولكنّه قال:( يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ) لإصرارك على الكفر. وذكر الخوف والمسّ وتنكير العذاب للمجاهلة.( فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) ثابتا في موالاته، قرينا في اللعن والعذاب، تليه ويليك. وهو أكبر من العذاب، كما أنّ رضوان الله أكبر من الثواب.
( قالَ أَراغِبٌ ) أمعرض( أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ) عن عبادتها( يا إِبْراهِيمُ ) قابل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل «يا أبت» بـ «يا بنيّ». وأخّره وقدّم الخبر على المبتدأ، وصدّره بالهمزة، لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجّب، كأنّها ممّا لا يرغب عنها عاقل.
ثمّ هدّده بقوله:( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ) عن مقالتك فيها، أو الرغبة عنها( لَأَرْجُمَنَّكَ ) لأرمينّك بلساني ـ يعني: الشتم والذمّ ـ أو بالحجارة حتّى تموت أو تبعد منّي( وَاهْجُرْنِي ) عطف على ما دلّ عليه «لأرجمنّك» أي: فاحذرني واهجرني، لأنّ «لأرجمنّك» تهديد وتقريع( مَلِيًّا ) زمانا طويلا من الملاوة. أو مليّا بالذهاب عنّي والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتّى لا تقدر أن تبرح. من قولهم: فلان مليّ بهذا الأمر إذا كان كاملا فيه مضطلعا به.
( قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ ) سلام توديع ومتاركة ومباعدة منه، كقوله تعالى:( لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ) (١) . وقوله:( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) (٢) . أو سلام إكرام ومقابلة للسيّئة بالحسنة، أي: لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك. ويجوز أن يكون دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنّه وعده الاستغفار وقال:( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) سأطلب لك التوفيق للإيمان، فإنّ
__________________
(١) القصص: ٥٥.
(٢) الفرقان: ٦٣.
حقيقة الاستغفار للكافر استدعاء التوفيق لـما يوجب مغفرته.
والأصحّ أنّ الاستغفار له كان مشروطا بالتوبة عن الكفر. ودلّ عليه قوله تعالى:( وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) (١) ، كما مرّ(٢) في سورة التوبة.
( إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ) بليغا في البرّ والألطاف. يقال: حفي به حفاوة، أشفق عليه وبالغ في إكرامه، وهو حفيّ.
( وَأَعْتَزِلُكُمْ ) وأتنحّى منكم جانبا( وَما تَدْعُونَ ) تعبدون. ومنه قولهعليهالسلام : «الدعاء هو العبادة».
( مِنْ دُونِ اللهِ ) بالمهاجرة بديني إلى الشام( وَأَدْعُوا رَبِّي ) أي: أعبده.
ثمّ عرّض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله:( عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام بـ «عسى» التواضع وهضم النفس، كقوله:( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (٣) مع تيقّنه بالغفران.
ويجوز أن يراد بالدعاء ما حكاه في سورة الشعراء حيث قال:( وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) (٤) .
( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ) فارقهم( وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) بالهجرة إلى الشام( وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ) ولده( وَيَعْقُوبَ ) ولد ولده، بدل من فارقهم من الكفرة. قيل: لأنّه لـمّا قصد الشام أتى أوّلا حرّان، وتزوّج بسارة، وولدت له إسحاق، وولد منه يعقوب.
ولعلّ تخصيصهما بالذكر لأنّهما شجرتا الأنبياء، أو لأنّه أراد أن يذكر فضل إسماعيل على الانفراد.( وَكُلًّا ) وكلّا منهما، أو منهم( جَعَلْنا نَبِيًّا ) .
__________________
(١) التوبة: ١١٤.
(٢) راجع ج ٣ ص ١٧٣. (٣، ٤) الشعراء: ٨٢ و ٨٦.
( وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا ) من نعمتنا النبوّة والأموال والأولاد، وكلّ خير دينيّ ودنيويّ( وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ ) ثناء وحسنا في الناس( عَلِيًّا ) مرتفعا سائرا بينهم، بحيث يفتخرون بهم ويثنون عليهم استجابة لدعوته، حيث قال:( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) (١) . فكلّ أهل الأديان يتولّونه وذرّيّته، ويدّعون أنّهم على دينهم.
وقيل: معناه: وأعلينا ذكرهم بأنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمّته يذكرونهم بالجميل إلى يوم القيامة.
وقيل: هو ما يقال في التشهّد: كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم.
وعبّر باللسان عمّا يوجد به، كما عبّر باليد عمّا يطلق بها، وهي العطيّة. ولسان العرب لغتهم وكلامهم. وإضافته إلى الصدق، وتوصيفه بالعلوّ، للدلالة على أنّهم أحقّاء بما يثنون عليهم، وأنّ محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتحوّل الدول وتبدّل الملل.
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) )
ثمّ ذكر سبحانه حديث موسىعليهالسلام فقال:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) في القرآن( مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً ) موحّدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عمّا سواه. وقرأ الكوفيّون بالفتح، على أنّ الله أخلصه.( وَكانَ رَسُولاً
__________________
(١) الشعراء: ٨٤.
نَبِيًّا ) أي: أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه، ولذلك قدّم «رسولا». قال في الجامع(١) والكشّاف(٢) ما حاصله: أنّ الرسول أخصّ وأعلى، من حيث إنّه صاحب شريعة وكتاب، بخلاف النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ) من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي الّتي تلي يمين موسى. أو من جانبه الميمون، من اليمن. وهو صفة للطور أو الجانب. والطور جبل في أرض الشام.
( وَقَرَّبْناهُ ) تقريب تشريف، لا تقريب مكان ومسافة. وشبّهه بمن قرّبه الملك لمناجاته، حيث كلّمه بغير واسطة ملك، بأن خلق الكلام في الشجر( نَجِيًّا ) مناجيا، حال من أحد الضميرين. وقيل: مرتفعا، من النجوة، وهو الارتفاع، لـما روي عن أبي العالية: أنّه رفع فوق السماوات حتّى سمع صرير القلم الّذي كتبت به التوراة.
( وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا ) من أجل رحمتنا( أَخاهُ ) معاضدة أخيه ومؤازرته، إجابة لدعوته:( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ) (٣) وهو مفعول أو بدل.( هارُونَ ) عطف بيان له( نَبِيًّا ) حال منه.
وعن ابن عبّاس: كان هارونعليهالسلام أسنّ من موسىعليهالسلام ، فوقعت الهبة على معاضدته ومؤازرته.
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) )
__________________
(١) جوامع الجامع ٢: ١٨.
(٢) الكشّاف ٣: ٢٢.
(٣) طه: ٢٩.
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ) إذا وعد بشيء وفى به ولم يخلف. ذكره بذلك لأنّه المشهور به، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء، فإنّه الموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره. وناهيك(١) أنّه وعد الصبر على الذبح، فقال:( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (٢) فوفى.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّه واعد رجلا أن ينتظره في مكان ونسي الرجل، فانتظره مدّة كثيرة حتى أتاه الرجل». وعن مقاتل: أقام أن ينتظره ثلاثة أيّام.
( وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) يدلّ هذا على أنّ الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإنّ أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.
( وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ) كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنّهم أولى من سائر الناس، فإنّ الرجل يقبل على نفسه ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل. قال الله تعالى:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (٣) .
( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ) (٤) و( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) (٥) . ألا ترى أنّهم أحقّ بالتصدّق عليهم، فالإحسان الديني أولى. وقيل: إنّه كان يأمر أهله بصلاة الليل وصدقة النهار.
وقيل: أهله أمّته كلّهم من القرابة وغيرهم، فإنّ الأنبياء آباء أممهم، وأممهم في عداد أهاليهم.
وفيه: أنّ من حقّ الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب، فضلا عن الأقارب
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «النهاية: الغاية. وفلان ناهيك ونهيك، كما تقول: كافيك وحسبك. وتأويله: أنه غاية تنهاك عن تطلّب غيره. والتطلّب: الطلب مرّة بعد مرّة. منه».
(٢) الصافّات: ١٠٢.
(٣) الشعراء: ٢١٤.
(٤) طه: ١٣٢.
(٥) التحريم: ٦.
والمتّصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينيّة، ولا يفرّط في شيء من ذلك.
( وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) لاستقامة أقواله وأفعاله كلّها.
روى أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «إنّ إسماعيل بن إبراهيم مات قبل أبيه إبراهيم، وإنّ هذا هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى قومه، فسلخوا جلدة وجهه وفروة رأسه، فخيّره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه، وفوّض أمرهم إلى الله في عفوه وعقابه. وقد أتاه ملك من ربّه يقرئه السلام ويقول: قد رأيت ما صنع بك، وقد أمرني بطاعتك، فمرني بما شئت. فقال: يكون لي بالحسينعليهالسلام قدوة».
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) )
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ ) وهو سبط شيث، وجدّ أبي نوح. واسمه أخنوخ.
واشتقاقه من الدرس يردّه منع صرفه. وكذلك إبليس أعجميّ، وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل من إسراءل، والأسر القوّة، والإل هو الله، كما زعم ابن السكّيت. ومن لم يحقّق ولم يتدرّب بالصناعة كثر منه أمثال هذه الهنات.
ولا يبعد أن يكون إدريس في تلك اللغة ملقّبا به لكثرة درسه، إذ روي أنّه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنّه أوّل من خطّ بالقلم، ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود.
( إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ) رفيعا شريفا عند الله في رفعة الدرجة ومزيّة القربة. وقيل: المراد الجنّة. وقيل: السماء السادسة أو الرابعة، فإنّه رفع إليها كما رفع عيسى وهو حيّ لم يمت. وروي عن أبي جعفرعليهالسلام «أنّه قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة».
واعلم أنّه يجوز أن يكون تقديم ذكر إبراهيم على موسى، وموسى على إسماعيل ،
وإسماعيل على إدريس، لأجل تقدّم شرف كلّ واحد منهم على الآخر، ومزيّة مرتبة بعضهم على بعض على الترتيب المذكور.
( أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) )
ولـمّا فصّل سبحانه ذكر النبيّين، ووصف كلّا منهم بصفة تخصّه، جمعهم في المدح والثناء، فقال:( أُولئِكَ ) أي: هؤلاء المذكورون في السورة من زكريّا إلى إدريس( الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) بأنواع النعم الدينيّة والدنيويّة( مِنَ النَّبِيِّينَ ) بيان للموصول( مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ) بدل منه بإعادة الجارّ. ويجوز أن تكون «من» فيه للتبعيض، لأنّ المنعم عليهم أعمّ من الأنبياء وأخصّ من الذرّيّة.
( وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) من ذرّيّة من حملنا خصوصا. وهم من عدا إدريس، فإنّ إبراهيم كان من ذرّيّة سام بن نوح.( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ ) الباقون( وَإِسْرائِيلَ ) عطف على «إبراهيم» أي: ومن ذرّيّة إسرائيل.
وإنّما فرّق سبحانه ذكر نسبهم، مع أنّ كلّهم كانوا من ذرّيّة آدم، لتبيان مراتبهم في شرف النسب، فإنّه كان لإدريس شرف القرب لآدم، لأنّه جدّ نوحعليهالسلام . وكان إبراهيم من ذرّيّة من حمل مع نوح، كما ذكر آنفا. وكان إسماعيل وإسحاق ويعقوب من ذرّيّة إبراهيم، فلمّا تباعدوا من آدم حصل لهم شرف إبراهيم. وكذلك كان موسى وهارون وزكريّا ويحيى وعيسى من ذرّيّة إسرائيل. وفيه دليل على أنّ أولاد البنات من الذرّيّة، فإنّ مريم من ذرّيّة إسرائيل.
( وَمِمَّنْ هَدَيْنا ) عطف على «من» الأولى أو الثانية، أي: هؤلاء من جملة من أرشدناه إلى الحقّ( وَاجْتَبَيْنا ) للنبوّة والكرامة( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ ) من كتبه السماويّة( خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ) خبر لـ «أولئك» إن جعل الموصول صفة، واستئناف إن جعل خبرا، لبيان أنّهم مع جلالة قدرهم وشرف نسبهم وكمال أنفسهم وزلفاهم من الله تعالى، كانوا يبكون عند ذكر آيات الله مخبتين خاشعين، وهؤلاء العصاة ساهون لاهون مع إحاطة السيّئات بهم.
والبكيّ جمع باك، كالسجود جمع ساجد. وقرأ حمزة والكسائي: بكيّا بكسر الباء.
روي عن عليّ بن الحسينعليهالسلام أنّه قال: «نحن عنينا بهذه الآية».
ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس: أنّ المراد من آيات الرحمن هاهنا القرآن. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا».
وعن صالح المرّي: قرأت القرآن على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المنام، فقال لي: يا صالح هذه القراءة، فأين البكاء؟!
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا».
وعن ابن عبّاس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتّى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه.
( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ) فعقّبهم وجاء بعدهم عقب سوء. يقال: خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون، كما قالوا: وعد في الخير، ووعيد في الشرّ.( أَضاعُوا الصَّلاةَ ) تركوها. وعن ابن مسعود: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن يتركوها أصلا. ويؤيّد الأوّل الاستثناء من بعده.( وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) أنفذوها فيما حرّم عليهم.
عن ابن عبّاس: هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلّوا نكاح الأخت من الأب، وانهمكوا في المعاصي.
وعن قتادة: هم من هذه الأمّة عند قيام الساعة.
وعن عليعليهالسلام في قوله:( وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) من بني الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور»(١) .
( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) شرّا، فإنّ كلّ شرّ عند العرب غيّ، كقوله :
فمن يلق خيرا تحمد النّاس أمره |
ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما |
أو جزاء غيّ، كقوله:( يَلْقَ أَثاماً ) (٢) أي: مجازاة أثام. أو غيّا عن طريق الجنّة.
وعن ابن مسعود: هو واد في جهنّم تستعيذ منه أوديتها.
( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) يدلّ على أنّ الآية في الكفرة( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول، من: أدخل.( وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) ولا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم. ويجوز أن ينتصب «شيئا» على المصدر، أي: ظلما حقيرا، فإنّ «شيئا» وقع موقعه. وفيه تنبيه على أنّ كفرهم السابق لا يضرّهم، ولا ينقص أجورهم.
__________________
(١) رواه الزمخشري في الكشّاف (٣: ٢٦) بهذا اللفظ. والشديد: الرفيع. ولعلّه إشارة إلى بناء القصور الرفيعة المشيّدة، وركوب الحيوان للخيلاء والتبختر، ولباس الشهرة.
(٢) الفرقان: ٦٨.
( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) بدل من الجنّة بدل البعض، لأنّ الجنّة قد اشتملت عليها. أو منصوب على المدح.
و «عدن» بمعنى الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به. أو هو علم لأرض الجنّة، لكونها مكان إقامة، ولولا ذلك لـما ساغ الإبدال، لأنّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلّا موصوفة، ولما ساغ وصفها بـ «الّتي» في قوله( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ ) أي: عباده المؤمنين( بِالْغَيْبِ ) أي: وعدها إيّاهم وهي غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها. أو وعدهم بإيمانهم بالغيب.
( إِنَّهُ ) إنّ الله( كانَ وَعْدُهُ ) الّذي هو الجنّة( مَأْتِيًّا ) يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة. وقيل: هو مأخوذ من: أتى إليه إحسانا، أي: باشره وصنع إليه. ومنه قوله تعالى:( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ) (١) أي: يباشرنها. والمعنى: وكان وعد الله مفعولا منجّزا.
وفي المجمع: «المفعول هنا بمعنى الفاعل، لأن ما أتيته فقد أتاك، وما أتاك فقد أتيته»(٢) .
( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ) فضول كلام وما لا طائل تحته. وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنّب اللغو واتّقائه، حيث نزّه الله عنه الدار الّتي لا تكليف فيها. وما أحسن ما قال:( وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ) (٣) ( وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ) (٤) نعوذ بالله من اللغو والجهل، والخوض فيما لا يعنينا.
( إِلَّا سَلاماً ) ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة. أو تسليم
__________________
(١) النساء: ١٥.
(٢) مجمع البيان ٦: ٥٢١.
(٣) الفرقان: ٧٢.
(٤) القصص: ٥٥.
الملائكة عليهم. أو تسليم بعضهم على بعض، على الاستثناء المنقطع. أو على معنى أنّ التسليم إن كان لغوا فلا يسمعون لغوا سواه، كقوله :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
أو على أنّ الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه، فهو من باب اللغو ظاهرا، وإنّما فائدته الإكرام.
ولـمّا كانت العرب تأكل الوجبة، وهي الأكلة الواحدة في اليوم، أخبر الله سبحانه بقوله:( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) على العادة المحمودة بين المتنعّمين، والتوسّط بين الوجبة الّتي هي طرف التفريط، وبين دوام الأكل كلّ الأوقات كما هو عادة المنهومين ولا يكون ثمّ ليل ولا نهار، ولا قمر وشمس، ليكون لهم بكرة وعشيّ. والمراد: أنّهم يؤتون برزقهم على ما يعرفونه من مقدار الغداء والعشاء.
وقيل: إنّهم يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ومقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
وقيل: المراد دوام الرزق ودروره، كما تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيّا، تريد الديمومة، ولا تقصد الوقتين المعلومين.
( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) )
قيل: إنّ العاص بن وائل السهمي لم يعط أجرة أجير استعمله، وقال: لو كان ما
يقوله محمد حقّا فنحن أولى بالجنّة ونعيمها! فحينئذ أوفّره أجره، فنزلت:( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم، كما يبقى على الوارث مال مورّثه. والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملّك والاستحقاق، من حيث إنّها لا تعقّب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل بردّ ولا إسقاط.
وقيل: أورثوا من الجنّة المساكن الّتي كانت لأهل النار لو أطاعوا، زيادة في كرامتهم. وعن يعقوب: نورّث بالتشديد. واعلم أنّه قد مرّ(١) في سورة الكهف أنّه سئل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قصّة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه، فأبطأ عليه خمسة عشر يوما، وقيل: أربعين، حتّى قال المشركون: ودّعه ربّه وقلاه، فشقّ ذلك عليه مشقّة شديدة. ثمّ نزل جبرئيل ببيان ذلك. فقال رسول الله: أبطأت وإنّي اشتقت إليك. قال: إنّي كنت أشوق، ولكنّي عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. فنزلت:( وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) فهو حكاية قول جبرئيل حين استبطأه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والتنزّل: النزول على مهل، لأنّه مطاوع: نزل. وقد يطلق بمعنى النزول مطلقا، كما يطلق «نزل» بمعنى: أنزل.
والمعنى: ما نتنزّل وقتا غبّ وقت إلّا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته.
( لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا ) ما قدّامنا( وَما خَلْفَنا ) من الجهات والأماكن( وَما بَيْنَ ذلِكَ ) وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) لأعمال العاملين وغيرها، فإنّه لا يجوز عليه الغفلة والنسيان.
والمعنى: ما كان عدم نزولنا إليك إلّا لعدم الأمر به، فأنّى لنا أن نتقلّب في ملكوته، ونتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة، ومكان إلى مكان، إلّا بأمر المليك ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكلّ حركة وسكون. وما يحدث ويتجدّد من الأحوال لا يجوز عليه الغفلة
__________________
(١) راجع ص ١٠٠ ذيل الآية ٢٤ من سورة الكهف.
والنسيان، فأنّى لنا أن نتقلّب في ملكوته إلّا إذا راى ذلك مصلحة وحكمة، وأطلق لنا الإذن فيه.
وقيل: معناه: وما كان ربّك تاركا لك، كقوله:( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ) (١) أي: احتباس الوحي لم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إيّاك كما زعمت الكفرة، وإنّما كان لحكمة رآها فيه.
وقيل: أوّل الآية حكاية قول المتّقين حين يدخلون الجنّة. والمعنى: وما ننزل الجنّة إلّا بأمر الله ولطفه، وهو مالك الأمور كلّها، السالفة والمترقّبة والحاضرة، فما وجدناه وما نجده من فضله ولطفه. وقوله:( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) تقرير من الله لقولهم: أي: وما كان ناسيا لأعمال العاملين، وما وعد لهم من الثواب عليها، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذي ملكوت السماوات والأرض وما بينهما؟! وقيل: ما سلف من أمر الدنيا، وما يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك ما بين النفختين، وهو أربعون سنة.
وقيل: ما مضى من أعمارنا، وما غبر منها، والحال الّتي نحن فيها.
وقيل: ما قبل وجودنا، وما بعد فنائنا، وحين حياتنا.
وقيل: الأرض الّتي بين أيدينا إذا نزلنا، والسّماء الّتي وراءنا، وما بين السماء والأرض.
وتوضيح المعنى: أنّه المحيط بكلّ شيء، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلّا صادرا عمّا توجبه حكمته، ويأمرنا به، ويأذن لنا فيه؟! وقوله:( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ) بيان لامتناع النسيان عليه. وهو خبر محذوف، أو بدل من «ربّك» أي: كيف يجوز النسيان والغفلة على من له ملك
__________________
(١) الضّحى: ٣.
السماوات والأرض وما بينهما؟! فحين عرفته بهذه الصفة( فَاعْبُدْهُ ) وحده( وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ ) أي: اصبر على تحمّل مشقّة عبادته، يثبك كما أثاب غيرك من المتّقين.
وهذا خطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مرتّب على ما قبله، أي: لـمّا عرفت ربّك بأنّه لا ينبغي له أن ينساك أو ينسى أعمال العمّال، فأقبل على عبادته، واصطبر عليها، ولا تتشوّش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة.
وإنّما عدّي باللام لتضمّنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاقّ، كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك، أي: اثبت للعبادة، ولا تهن، ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك(١) من أهل الكتاب إليك الأغاليط(٢) ، وعن احتباس الوحي عليك مدّة، وعن شماتة المشركين بك.
( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) مثلا وشبيها يستحقّ أن يسمّى إلها، أو أحدا سمّي الله؟! فإنّ المشركين وإن سمّوا الصنم إلها لم يسمّوه الله قطّ، وذلك لظهور أحديّته، وتعالى ذاته عن المماثلة، بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة. أو هل تعلم أحدا يسمّى خالقا رازقا، محييا مميتا، قادرا على الثواب والعقاب سواه حتّى تعبده؟ فإذا لم تعلم ذلك فالزم عبادته.
والاستفهام لتقرير الأمر، أي: إذا صحّ أن لا أحد مثله، ولا يستحقّ العبادة غيره، لم يكن بدّ من التسليم لأمره، والاشتغال بعبادته، والاصطبار على مشاقّها.
( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) )
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «العداة جمع عاد، وهو الظالم، كقضاة جمع قاض. منه».
(٢) في هامش النسخة الخطية: «الأغاليط جمع أغلوط وأغلوطة. وفي الحديث نهي عن المغلوطات والأغلوطات. وهي المبهمة من المسائل. منه».
روي: أنّ أبيّ بن خلف الجمحي ـ وبرواية ابن عبّاس: الوليد بن المغيرة ـ أخذ عظما باليا فجعل يفتّه بيده ويذريه في الريح، ويقول: زعم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ الله يبعثنا بعد أن نموت ونكون عظاما مثل هذا، إنّ هذا شيء لا يكون أبدا. فنزلت:( وَيَقُولُ الْإِنْسانُ ) .
قيل: المراد به الجنس بأسره، فإنّ المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلّهم، كقولك: بنو فلان قتلوا فلانا، والقاتل واحد منهم. أو المراد بعضهم المعهود، وهم الكفرة.
( أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ) من الأرض، أو من حال الموت. وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار، لأنّ المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة. وانتصابه بفعل دلّ عليه «اخرج» لابه، لأن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، ولهذا لا يقال: اليوم لزيد قائم.
و «ما» في «أإذا ما» للتأكيد. واللام هنا مخلصة للتوكيد، مجرّدة عن معنى الحال، فلهذا ساغ اقترانها بحرف الاستقبال، كما خلصت الهمزة واللام في «يا الله» للتعويض.
وروي عن ابن ذكوان: «إذا ما متّ» بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
( أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ ) عطف على «ويقول». وتوسيط همزة الإنكار بينه وبين العاطف، مع أنّ الأصل أن يتقدّمهما ويقال: أيقول ذلك ولا يتذكّر، للدلالة على أنّ المنكر بالذات هو المعطوف، وأنّ المعطوف عليه إنّما نشأ منه، فإنّه لو تذكّر وتأمّل( أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) بل كان عدما صرفا لم يقل ذلك، فإنّه أعجب وأغرب من جمع
الموادّ بعد التفريق، وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض، وأدلّ على قدرة الخالق، حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود. ثمّ أوقع التأليف مشحونا بضروب الحكم الّتي تحار فيها الفطن، من غير حذو على مثال، واقتداء بمؤلّف، ولكن اختراعا وإبداعا من عند قادر، جلّت قدرته، ودقّت حكمته.
وأمّا النشأة الثانية فقد تقدّمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه، وليس فيها إلّا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها، وردّها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق.
وقوله تعالى:( وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ) دليل على هذا المعنى. وكذلك قوله تعالى:( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (١) على أنّ ربّ العزّة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال، ولا استعانة بحكيم، ولا نظر في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعا في بحر معاندته، وكشفا عن صفحة جهله.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب: يذّكّر، من التذكّر الّذي يراد به التفكّر.
ثمّ أقسم سبحانه باسمه مبالغة وتأكيدا لوقوع الحشر، فقال:( فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ) أضاف اسمه إلى نبيّه تفخيما لشأن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقوله:( وَالشَّياطِينَ ) عطف على المفعول به، أو مفعول معه. وهذا أحسن، لـما روي أنّ الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الّذين أغووهم، كلّ كافر مع شيطانه في سلسلة. هذا إذا كان المراد بالإنسان الكفرة خاصّة. أمّا إذا أريد الأناسي على العموم، فالمعنى: أنّهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين، فقد صدق أنّهم حشروا جميعا معهم، كقوله:( وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ) (٢) ، وإن كان القمر في فلك واحد.
__________________
(١) الروم: ٢٧.
(٢) نوح: ١٦.
( ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ ) جميعا( حَوْلَ جَهَنَّمَ ) ليرى السعداء ما نجّاهم الله منه، فيزدادوا غبطة وسرورا، وليشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، فتزداد مساءتهم، وينال الأشقياء ما ادّخروا لمعادهم عدّة، فيزدادوا غيظا من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب، وشماتتهم عليهم.
( جِثِيًّا ) متجاثين(١) على ركبهم، لـما يدهمهم من هول المطّلع. أو لأنّه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، فإنّ أهل الموقف كلّهم جاثون، لقوله:( وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً ) (٢) على المعتاد في مواقف التقاول. وإن كان المراد بالإنسان الكفرة، فيجوز أن يساقوا جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنّم إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام، لـما عراهم من الشدّة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الجيم. وكذا في: عتيّا وصليّا.
( ثُمَّ لَنَنْزِعَنَ ) لنستخرجنّ( مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ ) فعلة بمعنى الطائفة التي شاعت، أي: تبعت. والمراد: من كلّ أمّة شاعت دينا.( أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ) من كان أعتى وأعصى منهم، فنطرحهم في جهنّم. والعتيّ مصدر، كالعتوّ، وهو التمرّد في العصيان.
وفي ذكر الأشدّ تنبيه على أنّه تعالى يعفو كثيرا من أهل العصيان. ولو خصّ بالكفرة، فالمراد أنّه يميّز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم، ويطرحهم في النار على الترتيب، أو يدخل كلّا طبقتها الّتي تليق به.
واختلفوا في «أيّهم»، فعند سيبويه أنّه مبنيّ على الضمّ، لأنّ حقّه أن يبنى كسائر الموصولات، لكنّه أعرب حملا على «كلّ» و «بعض» للزوم الإضافة، فإذا حذف صدر صلته زاد نقصه، فعاد إلى بنائه، لتأكّد شبه الحرف من جهة الاحتياج إلى أمر غير الصلة ،
__________________
(١) جثا جثوّا وجثيّا: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، فهو جاث، وجمعه: جثيّ وجثيّ.
(٢) الجاثية: ٢٨.
فإنّ جزء الصلة غير الصلة. وبنيت على الضمّ تشبيها لها بالغايات، لأنّه حذف منها بعض ما يوضحها، كما حذف من الغايات ما يبيّنها، أعني: المضاف إليه.
وهو منصوب المحلّ بـ «ننزعنّ». وعند الخليل مرفوع، إمّا بالابتداء على أنّه استفهاميّ، وخبره «أشدّ»، والجملة محكيّة. وتقدير الكلام: لننزعنّ من كلّ شيعة الّذين يقال فيهم: أيّهم أشدّ. أو الجملة معلّق عنها بـ «ننزعنّ»، لتضمّنه معنى التمييز اللازم للعلم. أو مستأنفة والفعل واقع على «من كلّ شيعة»، على زيادة «من»، كما تقول: أكلت من كلّ طعام. أو على معنى: لننزعنّ بعض كلّ شيعة. وإمّا بـ «شيعة» لأنّها بمعنى: تشيع، و «على» للبيان، أو متعلّق بـ «أفعل» أي: عتوّهم أشدّ على الرحمن.
وكذا الباء في قوله:( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ) أي: أولى بالصليّ، أو صليّهم أولى بالنار، وهم المنتزعون. ويجوز أن يراد بهم وبأشدّهم عتيّا رؤساء الشيع، فإنّ عذابهم مضاعف، لضلالهم وإضلالهم.
والمعنى: نحن أعلم بالّذين هم أولى بشدّة العذاب، وأحقّ بعظيم العقاب، وأجدر بلزوم النار.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: صليّا بكسر الصاد. وهو لازم من باب: علم، بمعنى الدخول في النار والحرق بها.
ثمّ التفت إلى الإنسان فقال خطابا لهم:( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) إلّا واصلها وحاضر عندها. وقيل: خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، أمّا المؤمن منهم فيمرّ بها وهي خامدة، وأمّا الكافر فتنهار به.
وعن جابر أنّه سئلعليهالسلام عنه، فقال: إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربّنا أن نرد النّار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة.
وعنه أيضا: أنّه سئل عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «الورود الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلّا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت
على إبراهيمعليهالسلام ، حتّى إنّ للنار ضجيجا من بردها».
وروي مرفوعا عن يعلى بن منبّه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي».
روي عنهعليهالسلام أيضا أنّه سئل عن معنى الآية فقال: «إنّ الله يجعل النار كالسمن الجامد، ويجمع عليها الخلق، ثمّ ينادي المنادي: أن خذي أصحابك وذري أصحابي. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : فو الّذي نفسي بيده لهي أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها».
وروي عن الحسن أنّه رأى رجلا يضحك، فقال: هل علمت أنّك وارد النار؟ قال: نعم. قال: وهل علمت أنّك خارج منها؟ قال: لا. قال: فبم هذا الضحك؟ فكان الحسن لم ير ضاحكا حتّى مات.
وأمّا قوله تعالى:( أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) (١) فالمراد عن عذابها، لا عن ورودها.
وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: معنى الورود الجواز على الصراط، فإنّه ممدود عليها.
وعن ابن عبّاس: قد يرد الشيء الشّيء ولم يدخله، كقوله:( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ ) (٢) ، ووردت القافلة البلد وإن لم تدخله ولكن قربت منه.
وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مسّ الحمّى جسده في الدنيا، لقولهعليهالسلام «الحمّى من فيح جهنّم».
وفي الحديث: «الحمّى حظّ كلّ مؤمن من النار».
( كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ) كان ورودهم واجبا أوجبه الله على نفسه وقضى به. وقيل: أقسم عليه. والحتم مصدر: حتم الأمر إذا أوجبه، فسمّي به الموجب، كقولهم: خلق الله، وضرب الأمير.
__________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) القصص: ٢٣.
( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) الشرك، فيساقون إلى الجنّة. وقرأ الكسائي ويعقوب: ننجي بالتخفيف.( وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) باركين على ركبهم، منها؟؟؟ رابهم كما كانوا.
ودلّ هذا على أنّ الورود بمعنى الجثوّ حواليها، وأنّ المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنّة بعد تجاثيهم، وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين.
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) )
ثمّ بيّن مقال أهل الكفر والطغيان عند العجز عن معارضة القرآن، فقال:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) مرتلات الألفاظ، مبيّنات المعاني، ملخّصات المقاصد، إمّا محكمات، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول. أو المراد: واضحات الإعجاز، قد تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حجبا وبراهين. وعلى هذا فالوجه أن تكون حالا مؤكّدة، كقوله:( وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً ) (١) لأنّ آيات الله لا تكون إلّا واضحة وحججا.
( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) جحدوا بآياتنا( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا ) (٢) أو معهم، أي: يواجهونهم به ويناطقونهم.( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ ) من المؤمنين بالآيات والكافرين الجاحدين لها( خَيْرٌ مَقاماً ) موضع قيام. وقرأ ابن كثير بالضمّ، أي: موضع إقامة ومنزل.( وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) مجلسا ومجتمعا للانتداء والتحديث.
والمعنى: أنّهم لـمّا سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها والدخل
__________________
(١) البقرة: ٩١.
(٢) الأحقاف: ١١.
عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال على أنّ زيادة حظّهم فيها يدلّ على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال، وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا.
( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) )
وقد روي أنّهم كانوا يرجّلون شعورهم ويدهنون ويتطيّبون ويتزيّنون بالزين الفاخرة، ثمّ يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنّهم أكرم على الله تعالى منهم. فردّ الله عليهم ذلك مع التهديد نقضا، فقال:( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) «كم» مفعول «أهلكنا»، و «من قرن» تبيين لإبهامها، أي: كثيرا من القرون أهلكنا. وإنّما سمّي أهل كلّ عصر قرنا، لأنّهم يتقدّمون من بعدهم.
( هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً ) في محلّ النصب صفة لـ «كم». ألا ترى أنّك لو تركت «هم» لم يكن لك بدّ من نصب «أحسن» على الوصفيّة. و «أثاثا» تمييز عن النسبة. وهو متاع البيت. وقيل: هو ما جدّ(١) من الفرش، غير مبتذل ولا ممتهن. والخرثي(٢) ما ليس منها ورثّ.
( وَرِءْياً ) وهو المنظر والهيئة. فعل بمعنى مفعول، من الرؤية لـما يرى، كالطحن والخبز. وقرأ قالون وابن ذكوان: ريّا على قلب الهمزة ياء وإدغامها، أو على أنّه من الريّ الّذي هو النعمة والترفّه، من قولهم: ريّان من النعيم. وأبو بكر: ريئا على القلب.
والمعنى: أنّا قد أهلكنا قبلهم أمما وجماعات كانوا أكثر أموالا وأحسن منظرا منهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا جمالهم، كذلك لا يغني عن هؤلاء.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطية: «من الجدة ضدّ الخلق. منه».
(٢) الخرثي: أردأ المتاع وسقطه، والعتيق من لوازم البيت وما رثّ ـ أي: بلي ـ منها.
( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) )
ثمّ بيّن أنّ تمتيعهم استدراج وليس بإكرام، وإنّما العيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة، فقال:( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ) فيمدّه ويمهله بطول العمر والتمتّع به.
وإنّما أخرجه على لفظ الأمر إيذانا بوجوب إمهاله، وأنّه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لأنّه تنقطع معاذير الضالّ، ويقال له يوم القيامة:( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) (١) .
أو المعنى: من كان في الضلالة فيمدّ له الرحمن، على معنى الدعاء عليه، بأن يمهله اللهعزوجل ، ويؤخّره في مدّة حياته خذلانا واستدراجا.
أو المعنى على التهديد، أي: فليعش ما شاء، فإنّه لا ينفعه طول عمره، بل يوجب مزيد عذابه ونكاله.
( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ ) غاية المدّ. وقيل: غاية قول الّذين كفروا للّذين آمنوا. والآيتان اعتراض بينهما، أي: لا يزالون يقولون هذا القول حتّى إذا رأوا ما يوعدون.
ثمّ فصّل الموعود بقوله:( إِمَّا الْعَذابَ ) في الدنيا. وهو غلبة المسلمين عليهم، وتعذيبهم إيّاهم قتلا وأسرا.( وَإِمَّا السَّاعَةَ ) وإمّا يوم القيامة، وما ينالهم فيه
__________________
(١) فاطر: ٣٧.
من الخزي والنكال.
( فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً ) من الفريقين، بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدّروه، وعاد ما متّعوا به خذلانا ووبالا عليهم. وهو جواب الشرط.( وَأَضْعَفُ جُنْداً ) أي: فئة وأنصارا وأعوانا. قابل به( خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) من حيث إنّ حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وأعوانهم، وظهور شوكتهم واستظهارهم.
( وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) )
ثمّ بيّن سبحانه حال المؤمنين، فقال:( وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً ) عطف على الشرطيّة المحكيّة بعد القول، كأنّه لـمّا بيّن أنّ إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبيّن أنّ قصور حظّ المؤمن منها ليس لنقصه، بل لأنّ اللهعزوجل أراد به ما هو خير له، وعوّضه منه.
وقيل: عطف على «فليمدد». والآية في معنى الخبر. كأنّه قيل: من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله بالخذلان والتخلية، ويزيد المقابل له هداية.
( وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) الطاعات الّتي تبقى عائدتها أبد الآباد في الآخرة.
ويدخل فيها ما قيل من الصلوات الخمس، والتسبيحات الأربع، أعني: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وغير ذلك، كما مرّ في سورة الكهف(١) .
( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً ) عائدة ممّا متّع به الكفرة، من النعم الناقصة الفانية الّتي يفتخرون بها، ومع ذلك مآل ذلك النعيم الأبدي، ومآل هذه الحسرة والعذاب الدائم، كما أشار إليه بقوله:( وَخَيْرٌ مَرَدًّا ) مرجعا وعاقبة. أو منفعة. من قولهم: ليس لهذا الأمر مردّ ،
__________________
(١) راجع ص ١١٦ ـ ١١٧ ذيل الآية ٤٦ من سورة الكهف.
أي: منفعة، وهو أردّ عليك، أي: أنفع. والخير هنا إمّا لمجرّد الزيادة، أو على طريقة قولهم: الصيف أحرّ من الشتاء، أي: أبلغ في حرّه منه في برده.
( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) )
روي أنّ الخباب بن الأرتّ كان له على العاص بن وائل مال، فتقاضاه.
فقال له: لا أقضيك حتّى تكفر بمحمّد.
فقال: لا والله لا أكفر بمحمّد حيّا ولا ميّتا، ولا حين تبعث.
قال: فإنّي إذا متّ بعثت؟
قال: نعم.
قال: فإذا بعثت جئني، وسيكون لي ثمّ مال وولد، فأعطيك. فنزلت:( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً ) لـمّا كانت رؤية الأشياء أشدّ طريقا إلى الإحاطة بها علما، وأقوى سندا للإخبار، استعملوا «أرأيت» بمعنى: أخبر، والفاء جاءت لإفادة معناها الّذي هو التعقيب، كأنّه قال: أخبر أيضا بقصّة هذا الكافر عقيب حديث أولئك.
وقرأ حمزة والكسائي: وولدا. وهو جمع ولد، كأسد وأسد، أو لغة فيه ،
كالعرب والعرب.
( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ) يقال: اطّلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه. فالمعنى: قد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الّذي توحّد به الواحد القهّار، حتّى ادّعى أن يؤتى في الآخرة مالا وولدا، وأقسم عليه.
( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) أو اتّخذ من عالم الغيوب عهدا بذلك، فإنّه لا يتوصّل إلى العلم به إلّا بأحد هذين الطريقين. وقيل: العهد كلمة الشهادة.
وعن قتادة: هل له عمل صالح قدّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول؟! فإنّ وعد الله بالثواب على الشهادة أو العمل الصالح كالعهد عليه.
( كَلَّا ) ردع وتنبيه على أنّه مخطئ فيما يصوّره لنفسه ويتمنّاه، فليرتدع عنه( سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ) ذكر سين التسويف، لأنّه بمعنى: سنظهر له أنّا كتبنا قوله. أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدوّ وحفظها عليه، فإنّ نفس الكتبة لا تتأخّر عن القول أبدا، لقوله تعالى:( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (١) .
( وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ) ونطوّل له من العذاب ما يستأهله. أو نزيد عذابه، ونضاعف له بعضا فوق بعض، لكفره وافترائه واستهزائه على الله. ولذلك أكّده بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه. يقال: مدّه وأمدّه بمعنى.
( وَنَرِثُهُ ) بموته( ما يَقُولُ ) يعني: المال والولد( وَيَأْتِينا ) يوم القيامة( فَرْداً ) لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا، فضلا أن يؤتى ثمّة زائدا، كقوله:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ) (٢) .
وقيل: معناه: إنّما يقوله ما دام حيّا، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضا لهذا القول، منفردا عنه، غير قائل له.
__________________
(١) ق: ١٨.
(٢) الأنعام: ٩٤.
( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) ليتعزّزوا بهم، حيث يكونون لهم وصلة إلى الله، وشفعاء عنده، وأنصارا ينقذونهم من العذاب.
( كَلَّا ) ردع وإنكار لتعزّزهم بها( سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ) ستجحد الآلهة عبادتهم، ويقولون: ما عبدتمونا وأنتم كاذبون، لقوله:( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) (١) .
أو سينكر الكفّار لسوء عاقبتهم أنّهم عبدوها، كقوله:( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ) (٢) .
وقوله:( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) يؤيّد الأوّل، إذا فسّر الضدّ بضدّ العزّ، أي: ويكونون عليهم ضدّا لـما قصدوه وأرادوه، كأنّه قيل: ويكونون عليهم ذلّا وهوانا، لا لهم عزّا.
أو بضدّهم بمعنى. عونهم، كما يقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. وسمّي العون ضدّا، لأنّه يضادّ عدوّك وينافيه بإعانته لك عليه، أي: أنّها تكون معونة عليهم في عذابهم، بأن توقد بها نيرانهم، فإنّهم وقود النار وحصب جهنّم، ولأنّهم عذّبوا بسبب عبادتها.
أو جعل الواو للكفرة، أي: يكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها. وتوحيده لوحدة المعنى الّذي به مضادّتهم، وهو اتّفاق كلمتهم، وفرط تضامّهم وتوافقهم، فهم كشيء واحد. ونظيره قولهعليهالسلام : «وهم يد على من سواهم».
( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) )
__________________
(١) البقرة: ١٦٦.
(٢) الأنعام: ٢٣.
ثمّ عجّب الله سبحانه رسوله من أقاويل العتاة المردة من الكفرة، وتماديهم في الغيّ، وتصميمهم على الكفر، واجتماعهم على دفع الحقّ بعد وضوحه وانتفاء الشكّ عنه، وانهماكهم في اتّباع الشياطين وما تسوّل لهم، فقال:( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ ) بأن خلينا بينهم وبينهم ولم نمنعهم، ولم نحل بينهم وبينهم، ولو شاء لمنعهم قسرا وإجبارا، لكنّه مناف للتكليف الّذي هو مناط الثواب والعقاب.
( تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) تهزّهم وتغريهم وتهيّجهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات. والأزّ والهزّ والاستفزاز أخوات. ومعناها: التهييج وشدّة الإزعاج.
( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ) بأن يهلكوا حتّى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم، وتطهر الأرض من فسادهم بقطع دابرهم( إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ ) أيّام آجالهم( عَدًّا ) أي: فلتطب نفسك يا محمّد ولا تستعجل بهلاكهم، فإنّه لم يبق لهم إلّا أيّام محصورة، وأنفاس معدودة، وما دخل تحت العدّ فكان قد نفد. وهذا استقصار لمددهم.
وعن ابن عبّاس: أنّه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، أي: روحك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك.
وعن ابن سماك: أنّه كان عند المأمون فقرأها، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.
( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) )
ثمّ بيّن حال المطيعين المتّقين، ومآل المتمرّدين العاصين في الآخرة، بقوله :
( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ ) إلى ربّهم الّذي غمرهم برحمته، وخصّهم برضوانه وكرامته. وذكر هذا الاسم الشريف في هذه السورة مكرّرا، لأن مساق الكلام فيها، لتعداد نعمه الجسام، وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها.( وَفْداً ) وافدين عليه، كما يفد الوفّاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم.
وعن عليّعليهالسلام : «ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكنّهم على نوق رحالها ذهب، وعلى نجائب سروجها ياقوت».
( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ ) بإهانة واستخفاف كما تساق البهائم( إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ) عطاشا، فإنّ من يرد الماء لا يرد إلّا لعطش. وحقيقة الورد المسير إلى الماء. يعني: كأنّهم نعم عطاش تساق إلى الماء.
( لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ ) الضمير فيه للعباد المدلول عليها بذكر القسمين. وهو الناصب لليوم. وقيل: نصب بمضمر، أي: يوم نجمعهم ونسوقهم نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. أو اذكر يوم نحشر.
( إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) إلّا من تحلّى بما يستعدّ به ويستأهل أن يشفع للعصاة، من الإيمان والعمل الصالح على ما وعد الله. أو إلّا من اتّخذ من الله إذنا فيها، كالأنبياء والأئمّة وخيار المؤمنين. فهو كقوله:( لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) (١) . من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا، إذا أمره به.
ومحلّه الرفع على البدل من الضمير. أو النصب على تقدير مضاف، أي: إلّا شفاعة من اتّخذ، أو على الاستثناء.
وقيل: الضمير للمجرمين. والمعنى: لا يملكون الشفاعة فيهم إلّا من اتّخذ عند الرحمن عهدا يستعدّ به أن يشفع له بالإسلام.
عن ابن مسعود: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لأصحابه ذات يوم: «أيعجز أحدكم أن يتّخذ
__________________
(١) طه: ١٠٩.
كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟
قالوا: وكيف ذلك؟
قال: يقول كلّ صباح ومساء: أللّهمّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إنّي أعهد إليك بأنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّدا عبدك ورسولك، وأنّك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ وتباعدني من الخير، وأنّي لا أثق إلّا برحمتك، فصلّ على محمّد وآل محمّد، واجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنّك لا تخلف الميعاد.
فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الّذين لهم عند الرحمن عهد؟ فيدخلون الجنّة».
وقال عليّ بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره: «حدّثني أبي، عن ابن محبوب، عن سليمان بن جعفر، عن أبيه، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيه، عن آبائهعليهمالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من لم يحسن وصيّته عند الموت كان نقصا في مروءته.
قيل: يا رسول الله وكيف يوصي الميّت؟
قال: إذا حضرته وفاته واجتمع الناس إليه قال: أللّهمّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إنّي أعهد إليك في دار الدنيا أنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمدا عبدك ورسولك، وأنّ الجنّة حقّ وأن النار حقّ، وأن البعث حقّ، والحساب حقّ، والقدر والميزان حقّ، وأنّ الدين كما وصفت، وأنّ الإسلام كما شرعت، وأنّ القول كما حدّثت، وأنّ القرآن كما أنزلت، وأنّك أنت الله الحقّ المبين.
جزى الله عنّا محمّدا خير الجزاء، وحيّا الله محمّدا وآله بالسلام.
اللهمّ يا عدّتي عند كربتي، ويا صاحبي عند شدّتي، ويا وليّي في نعمتي، يا إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإنّك إن تكلني إلى نفسي كنت أقرب من الشرّ وأبعد من الخير. وآنس في القبر وحشتي، واجعل لي عهدا يوم ألقاك منشورا.
ثمّ يوصي بحاجته.
وتصديق هذه الوصيّة في سورة مريم في قوله:( لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) . فهذا عهد الميّت. والوصيّة حقّ على كلّ مسلم، وحقّ عليه أن يحفظ هذه الوصيّة ويتعلّمها. وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : «علّمنيها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقال: علّمنيها جبرئيل»(١) .
( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) )
( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) )
( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ) الضمير يحتمل لمطلق الإنسان، لأنّ هذا لـمّا كان مقولا فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم. أو المراد الإخبار عن اليهود والنصارى ومشركي العرب، فإنّ اليهود قالوا: عزيز ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله.
ثمّ التفت إليهم للمبالغة في الذمّ، والتسجيل عليهم بالجرأة على الله، وقال خطابا لهم:( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ) شيئا منكرا عظيم النكارة شنيعا فظيعا، فإنّ الإدّ بالفتح
__________________
(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢: ٥٥ ـ ٥٦.
والكسر العظيم المنكر. والإدّة: الشدّة. وأدّني الأمر: أثقلني وعظم عليّ. وقيل: الإدّ: العجب.
ثمّ بيّن عظم نكارته، وقرّر شدّة فظاعته وفرط شناعته بقوله:( تَكادُ السَّماواتُ ) وقرأ نافع والكسائي بالياء( يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) يتشقّقن مرّة بعد أخرى.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب: ينفطرن. والأوّل أبلغ، لأنّ التفعّل مطاوع: فعل، والانفعال مطاوع: فعل. يقال: فطره فانفطر إذا شقّه، وفطّره فتفطّر إذا شقّقه. ولأنّ أصل التفعّل التكلّف.
( وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ) تهدّ هدّا، أو مهدودة، أو لأنّها تهدّ، أي: تكسر.
ومعنى انفطار السماوات وانشقاق الأرض وخرور الجبال عند قولهم:( اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ) من وجهين :
الأوّل: أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، وتصويرا لأثرها في الدين، وهدمها لأركانه وقواعده. فالمعنى: أنّ هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصوّرت بصورة محسوسة، لم تتحمّلها هذه الأجرام العظام، وتفتّتت من شدّتها.
والثاني: أنّ فظاعتها مجلبة لغضب الله، بحيث لولا حلمه لخرّب الدنيا وبدّد قوائمه، غضبا على من تفوّه بها، فإنّها تؤثّر في هدم أركان الدين وقواعد التوحيد، الّتي هي سبب بناء العالم وعلّة إيجاده وقوامه. فكأنّه قال سبحانه: كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة، غضبا منّي على من تقوّل بها لولا حلمي ووقاري، وأنّي لا أعجل بالعقوبة، كما قال:( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (١) .
( أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ) يحتمل النصب على العلّة لـ «تكاد»، أو لـ «هدّا» على
__________________
(١) فاطر: ٤١.
حذف اللام وإفضاء الفعل إليه. والجرّ بإضمار اللام، أو بالإبدال من الهاء في «منه».
والرفع على أنّه خبر محذوف، تقديره: الموجب لذلك أن دعوا، أو فاعل «هدّا» أي: هدّها دعاء الولد للرحمن.
وهو من: دعا، بمعنى: سمّى، المتعدّي إلى مفعولين. وإنّما اقتصر على المفعول الثاني ليحيط بكلّ ما دعي له ولدا. أو من: دعا، بمعنى: نسب، الّذي مطاوعه: ادّعى إلى فلان إذا انتسب إليه.
( وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ) «انبغى» مطاوع: بغى إذا طلب، أي: ما يتأتّى له اتّخاذ الولد، وما ينطلب له لو طلب مثلا، لأنّه محال غير داخل تحت الإمكان.
أمّا الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها. وأمّا التبنّي فلا يكون إلّا فيما هو من جنس المتبنّي، وليس للقديم سبحانه جنس، تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا.
ولعلّ ترتيب الحكم بصفة الرحمانيّة للإشعار بأنّ كلّ ما عداه نعمة ومنعم عليه، فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلّها ومولي أصولها وفروعها، فكيف يمكن أن يتّخذه ولدا؟! ثمّ صرّح به في قوله:( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: ما منهم( إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) إلّا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبوديّة والانقياد، فكيف يكون له ولد؟!( لَقَدْ أَحْصاهُمْ ) حصرهم وأحاط بهم بعلمه، بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه وقبضة قدرته( وَعَدَّهُمْ عَدًّا ) عدّ أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فإنّ كلّ شيء عنده بمقدار.
قال في الكشّاف: «الّذين اعتقدوا في الملائكة وعيسى وعزيرعليهمالسلام ، أنّهم أولاد الله، كانوا بين كفرين، أحدهما: القول بأنّ الرحمن يصحّ أن يكون والدا. والثاني: إشراك الّذين زعموهم لله أولادا في عبادته، كما يخدم الناس أبناء الملوك خدمتهم لآبائهم. فهدم الله الكفر الأوّل فيما تقدّم من الآيات، ثمّ عقّبه بهدم الكفر الآخر.
والمعنى: ما من معبود لهم في السماوات والأرض ـ من الملائكة ومن الناس ـ إلّا
وهو يأتي الرحمن، أي: يأوي إليه ويلتجئ إلى ربوبيّته، عبدا منقادا مطيعا خاشعا خاشيا راجيا، كما يفعل العبيد، وكما يجب عليهم، لا يدّعي لنفسه ما يدّعيه له هؤلاء الضلّال. ونحوه قوله تعالى:( أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) (١) وكلّهم متقلّبون في ملكوته، مقهورون بقهره، وهو مهيمن عليهم، محيط بهم، وبجمل أمورهم وتفاصيلها وكيفيّتهم وكمّيّتهم، لا يفوته شيء من أحوالهم»(٢) .
( وَكُلُّهُمْ ) وكلّ واحد منهم( آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ) منفردا عن الأتباع والأنصار، فلا يجانسه شيء من ذلك ليتّخذه ولدا، ولا يناسبه ليشرك به.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨) )
ثمّ ذكر سبحانه أحوال المؤمنين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) سيحدث لهم في القلوب مودّة، من غير تعرّض منهم لأسبابها، من صداقة أو قرابة أو اصطناع بمبرّة، أو غير ذلك، وإنّما هو اختراع منه ابتداء، كرامة لأوليائه، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة، إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم.
وذكر سين التسويف، لأنّ السورة مكّيّة، وكان المؤمنون ممقوتين حينئذ بين
__________________
(١) الإسراء: ٥٧.
(٢) الكشّاف ٣: ٤٦ ـ ٤٧.
الكفرة، فوعدهم ذلك إذا دجا(١) الإسلام. أو لأنّ الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد، فينزع ما في صدورهم من الغلّ.
ويؤيّد الأوّل ما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا أحبّ الله عبدا يقول لجبرائيل: أحببت فلانا فأحبّه، فيحبّه. ثمّ ينادي في أهل السماء: ألا إنّ الله قد أحبّ فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء. ثمّ يضع له المحبّة في الأرض».
وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى اللهعزوجل ، إلّا أقبل الله بقلوب العباد إليه.
وفي تفسير أبي حمزة الثمالي: «حدّثني أبو جعفرعليهالسلام أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعليّعليهالسلام : يا عليّ قل أللّهمّ اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في قلوب المؤمنين ودّا.
فقال ذلك عليّعليهالسلام ، فأنزل الله تعالى هذه الآية». ثمّ قال: «ما من مؤمن إلّا وفي قلبه محبّة لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ».
وهذه الرواية مرويّة أيضا عن جابر بن عبد الله. ويؤيّده ما صحّ عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني، وذلك أنّه قضي فانقضى على لسان النبيّ الأمّيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «لا يبغضك مؤمن، ولا يحبّك منافق».
( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ) متعلّق بمحذوف تقديره: بلّغ هذا المنزل، أو بشّر به وأنذر، فإنّما يسّرناه بلسانك، بأن أنزلناه بلغتك. والباء بمعنى «على». أو على أصله، لتضمّن «يسّرناه» معنى: أنزلناه بلغتك، وهو اللسان العربيّ المبين، وسهّلناه وفصّلناه( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ ) الصائرين إلى التقوى( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ) أشدّاء في الخصومة بالباطل، آخذين في كلّ لديد، أي: في كلّ شقّ من المراء والجدال، لفرط لجاجهم. وهو جمع الألدّ، بمعنى: شديد الخصومة. يريد أهل مكّة.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «دجا الإسلام، أي: قوي ووفر وكثر وألبس كلّ شيء. منه».
( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) تخويف للكفرة، وتجسير للرسول على إنذارهم( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) هل تشعر بأحد منهم وتراه؟ من: أحسّه إذا شعر به. ومنه: الحاسّة.( أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) صوتا خفيّا. وأصله: الخفاء. ومنه: ركز الرمح إذا غيّب طرفه في الأرض. والركاز: المال المدفون.
والمعنى: أنّهم ذهبوا فلا يرى لهم عين ولا أثر، ولا يسمع لهم صوت، وكانوا أكثر أموالا، وأعظم أجساما، وأشدّ خصاما من هؤلاء، فحكم هؤلاء حكم أولئك بالأولى.
(٢٠)
سورة طه
مكّيّة، وهي مائة وخمس وثلاثون آية. في خبر أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأها أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار».
وروى أبو هريرة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إنّ الله تعالى قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة نزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلّم بهذا».
وعن الحسن قال: قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يقرأ أهل الجنّة من القرآن إلّا طه ويس».
وروى إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «لا تدعوا قراءة طه، فإنّ الله تعالى يحبّها، ويحبّ من قرأها، وإن من قرأها أعطاه يوم القيامة كتابة بيمينه، ولم يحاسبه بما عمل في الإسلام، وأعطي من الأجر حتّى يرضى».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) )
ولـمّا ختم الله سورة مريم بذكر إنزال القرآن، وأنّه بشارة للمتّقين، وإنذار
للكافرين، افتتح هذه السورة بالقرآن، وأنّه أنزله لسعادته لا لشقاوته، فقال جلّ اسمه:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه ) فخّمها ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وقالون عن نافع ويعقوب على الأصل. وفخّم الطاء وحده أبو عمرو، لاستعلائه. وكذا ورش عن نافع. وأمالهما الباقون. وهما من أسماء الحروف.
وما قيل: إنّ طاها في لغة عكّ بن عدنان ـ أخي معدّ، أبي قبيلة من اليمن ـ بمعنى: يا رجل، فإن صحّ فلعلّ أصله: يا هذا، فتصرّف عكّ فيه بأن قلبوا الياء طاء، فقالوا: في «يا» «طا» واختصروا «هذا» على: ها. واستشهد بقوله :
إنّ السفاهة طاها في خلائقكم |
لا قدّس الله أخلاق الملاعين |
وضعّف بجواز أن يكون قسما، كقوله: حم لا ينصرون.
ويحتمل أن يكون أصل «طه»: طأها، أمر بالوطي، والألف مبدلة من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض، لـما روي عن الصادقعليهالسلام : «أنّ النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقوم في تهجّده على إحدى رجليه حتّى تورّمت، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معا».
لكن يردّ ذلك كتابتهما على صورة الحرف. وكذا التفسير بـ: «يا رجل. ويجوز أنّه اكتفي بشطري الكلمتين، وعبّر عنهما باسمهما. والله أعلم بصحّة هذين القولين. والأقوال الّتي قدّمتها في أوّل سورة البقرة هي التي يعوّل عليها الألبّاء المتقنون.
( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) خبر «طه» إن جعلته مبتدأ، على أنّه مأوّل بالسورة أو القرآن، والقرآن فيه واقع موقع العائد. وجواب إن جعلته مقسما به. ومنادى له إن جعلته نداء. واستئناف إن كانت جملة فعليّة أو اسميّة بتقدير مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكيّة.
والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسّفك على كفر قريش، إذ ما عليك إلّا أن تبلّغ وتذكّر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم تفرّط في أداء الرسالة
والموعظة الحسنة. أو بكثرة الرياضة، وكثرة التهجّد، والقيام على ساق.
قيل: إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي الليل كلّه، ويعلّق صدره بحبل حتّى لا يغلبه النوم، فأمره الله أن يخفّف على نفسه، وقال: ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة، وتذيقها المشقّة الفادحة، وما بعثت إلّا بالحنيفيّة السهلة السمحة.
والشقاء شائع بمعنى التعب، ومنه المثل: أشقى من رائض(١) المهر، وسيّد القوم أشقاهم.
وقيل: ردّ وتكذيب للكفرة، فإنّهم لـمّا رأوا كثرة عبادته قالوا: إنّك لتشقى بترك ديننا، وإنّ القرآن أنزل عليك لتشقى به.
( إِلَّا تَذْكِرَةً ) أي: لكن تذكيرا. وانتصابها على الاستثناء المنقطع. ولا يجوز أن يكون بدلا من محلّ «لتشقى» لاختلاف الجنسين، ولا مفعولا له لـ «أنزلنا» لأنّ الفعل الواحد لا يتعدّى إلى علّتين.
ويحتمل أن يكون المعنى: إنّا أنزلنا إليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ، ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاقّ وتكاليف النبوّة، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاقّ إلّا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون «تذكرة» حالا ومفعولا له، أي: إلّا تذكّرا أو للتذكير.
( لِمَنْ يَخْشى ) لمن في قلبه خشية ورقّة تتأثّر بالإنذار. أو لمن علم الله منه أنّه يخشى بالتخويف منه، فإنّه المنتفع به.
( تَنْزِيلاً ) نصب بإضمار فعله، أي: نزّل تنزيلا. أو بـ «يخشى» أي: لمن يخشى تنزيل الله. أو على المدح، أو البدل من «تذكرة» إن جعل حالا. وإن جعل مفعولا له فلا، لأنّ الشيء لا يعلّل بنفسه ولا بنوعه. وقيل: قوله: «أنزلنا إلخ» حكاية لكلام جبرئيل والملائكة النازلين معه.
( مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ) متعلّقه إمّا «تنزيلا» نفسه، فيقع صلة له.
__________________
(١) راض المهر: ذلّله وطوّعه وعلّمه السير، فهو رائض. والمهر: ولد الفرس.
وإمّا محذوف، فيقع صفة له، أي: تنزيلا حاصلا ممّن. ووجه الالتفات من المتكلّم إلى الغائب، إمّا عادة الافتنان في الكلام، وما يعطيه من الحسن والروعة. وإمّا أنّ هذه الصفات إنّما تسرّدت في القرآن مع لفظ الغيبة. وإمّا أنّه قال أوّلا: أنزلنا، ففخّم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع. ثمّ ثنّى بالنسبة إلى المختصّ بصفات العظمة والتمجيد، فضوعفت الفخامة من طريقين.
وهذه الصفات العظام والنعوت الفخام إلى قوله:( لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) تفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته على الترتيب الّذي هو عند العقل. فبدأ بخلق الأرض والسماوات الّتي هي أصول العالم، وقدّم الأرض لأنّها أقرب إلى الحسّ، وأظهر عند العقل من السماوات العلى. وفيه تنبيه على أنّ القرآن واجب الإيمان به والانقياد له، من حيث إنّه كلام من هذا شأنه.
والعلى جمع العليا، تأنيث الأعلى. وصفها بهذه الصفة للدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوّها وبعد مرتقاها، بحيث لا يصل رمي الفكر إلى هدفها.
( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) )
ثمّ أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها، بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير، حسبما اقتضته حكمته، وتعلّقت به مشيئته، فقال:( الرَّحْمنُ ) رفعه إمّا على المدح، تقديره: هو الرحمن. وإمّا أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق. وقوله:( عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) خبر آخر للمبتدأ، أو خبره الأوّل. ولـمّا كان الاستواء على العرش ـ وهو سرير الملك ـ ممّا يردف
الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون: أنّه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا. ومعنى الاستواء عليه وتحقيقه قد مرّ(١) غير مرّة.
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ) ما تحت سبع الأرضين، فإنّ الثرى آخر الطبقات الترابيّة من الأرض. وعن السدّي: هو الصخرة الّتي تحت الأرض السابعة. وهذا أيضا يدلّ على كمال قدرته وإرادته.
ولـمّا كانت القدرة تابعة للإرادة، ولا تنفكّ عن العلم، عقّب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليّات الأمور وخفيّاتها، فقال:( وَإِنْ تَجْهَرْ ) برفع صوتك( بِالْقَوْلِ ) بذكر الله ودعائه فاعلم أنّه غنيّ عن ذلك( فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ ) وهو ما أسررته إلى غيرك، أو ما أسررته في نفسك. وقيل: هذا نهي عن الجهر، كقوله:( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً ) (٢) . والمعنى: فلا تجهد نفسك برفع الصوت، فإنّك وإن لم تجهر علم الله السرّ.
( وَأَخْفى ) من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما ستسرّه فيها.
وعن الباقر والصادقعليهماالسلام : «إنّ السرّ ما أخفيته في نفسك، و «أخفى»: ما خطر ببالك ثمّ أنسيته».
وفيه تنبيه على أنّ شرع الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام الله، بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها، ومنعها عن الاشتغال بغيره، وهضمها بالتضرّع والجوار(٣) .
( اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) )
ثمّ إنّه لـمّا ظهر بذلك أنّه المستجمع لصفات الألوهيّة، بيّن أنّه المتفرّد بها والمتوحّد بمقتضاها، فقال:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) هو تأنيث الأحسن. وفضّل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن، لدلالتها على معان هي أشرف المعاني
__________________
(١) راجع ج ٢ ص ٥٣١.
(٢) الأعراف: ٢٠٥.
(٣) جأر يجأر جؤارا إلى الله: رفع صوته بالدعاء وتضرّع إليه.
وأفضلها، لأنّها دالّة على التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبيّة، والأفعال الّتي هي النهاية في الحسن.
روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إنّ لله سبحانه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنّة».
قال الزّجاج: «تأويله: من وحّد الله، وذكر هذه الأسماء الحسنى، يريد بها توحيد الله وإعظامه، دخل الجنّة». وقد جاء في الحديث: «من قال: لا إله إلّا الله مخلصا دخل الجنّة».
فهذا لمن ذكر الله موحّدا له به، فكيف بمن ذكر أسماءه كلّها، يريد بها توحيده والثناء عليه؟! وإنّما قال: «الحسنى» بلفظ التوحيد، ولم يقل: الأحاسن، لأنّ الأسماء مؤنّثة تقع عليها هذه كما تقع على الجماعة هذه، فيقال: الجماعة الحسنى، كأنّه اسم واحد للجمع. ومثل ذلك:( حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ) (١) و( مَآرِبُ أُخْرى ) (٢) .
( وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) )
__________________
(١) النمل: ٦٠.
(٢) طه: ١٨.
ثمّ قصّ سبحانه على نبيّه قصّة موسى، ليأتمّ به في تحمّل أعباء النبوّة وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، ويكون تسلية له ممّا ناله من أذى قومه، وتثبيتا له بالصبر على أمر ربّه في تأدية أحكامه، فإنّ هذه السورة من أوائل ما نزل، كما صبر موسىعليهالسلام في أذيّة بني إسرائيل بسبب تبليغه أحكام الله تعالى، فقال:( وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ) هذا ابتداء إخبار من الله تعالى على وجه التحقيق، إذ لم يبلغه حديث موسى، فهو كما يخبر الإنسان غيره بخبر على وجه التحقيق، فيقول: هل سمعت بخبر فلان؟ وقيل: إنّه استفهام تقرير بمعنى الخبر، أي: وقد أتاك حديث موسى.
( إِذْ رَأى ناراً ) ظرف للحديث، لأنّه حدث. أو لمضمر: أي: حين رأى نارا كان كيت وكيت. أو مفعول لـ: اذكر.
عن ابن عبّاس: لـمّا قضى موسى الأجل، واستأذن شعيباعليهالسلام في الخروج إلى أمّه، وأخرج أهله، وفارق مدين ومعه غنم له. وكان أهله على أتان، وعلى ظهرها جوالق فيها أثاث البيت، وكان رجلا غيورا لا يصحب الرفقة لئلّا ترى امرأته. فأضلّ الطريق في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وتفرّقت ماشيته، ولم ينقدح زنده(١) ، وامرأته في الطلق، فولد له منها ابن في الظلمة. فرأى نارا من بعيد كانت عند الله نورا، وعند موسى نارا( فَقالَ ) عند ذلك( لِأَهْلِهِ ) لزوجته، وهي بنت شعيب كان تزوّجها بمدين وخدمه( امْكُثُوا ) الزموا مكانكم. والفرق بين المكث والإقامة: أنّ الإقامة تدوم، والمكث لا يدوم.
وقرأ حمزة: لأهله امكثوا، هنا وفي القصص(٢) ، بضمّ الهاء في الوصل. والباقون بكسرها فيه.
__________________
(١) الزند: العود الذي يقتدح به النار. يقال: زند النار، أي: قدحها وأخرجها من الزند.
(٢) القصص: ٢٩.
( إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) أبصرتها إبصارا بيّنا لا شبهة فيه. ومنه إنسان العين، لأنّه يتبيّن به الشيء. والإنس، لظهورهم، كما قيل: الجنّ، لاستتار هم. وقيل: هو إبصار ما يؤنس به( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ ) بنار مقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما.( أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ) مصدر بمعنى الفاعل، أي: هاديا يدلّني على الطريق، أو ذوي هدى بحذف المضاف.
وعن مجاهد: هاديا يهديني أبواب الدين، فإنّ أفكار الأنبياء مغمورة بالهمّة الدينيّة في جميع أحوالهم، لا يشغلهم عنها شاغل.
ولـمّا كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقّبين متوقّعين، بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع، وقال: لعليّ، ولم يقطع فيقول: إنّي آتيكم، لئلّا يعد ما ليس بمستيقن الوفاء به، بخلاف الإيناس، فإنّه كان محقّقا، ولذلك حقّقه لهم بـ «إنّ» ليوطّن أنفسهم عليه.
ومعنى الاستعلاء في «على النار»: أنّ أهلها مشرفون عليها، فإنّ المصطلين بها والمستمتعين بها إذا اكتنفوها قياما وقعودا كانوا مشرفين عليها. أو مستعلون المكان القريب منها، كما قال سيبويه في مررت بزيد: إنّه لصوق بمكان يقرب منه.
( فَلَمَّا أَتاها ) أتى النار وجد نارا بيضاء تتّقد في شجرة خضراء( نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) فتحه ابن كثير وأبو عمرو، أي: بأنّي. وكسره الباقون بإضمار القول، أو إجراء النداء مجراه. وتكرير الضمير لتوكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة، وإماطة الشبهة.
روي: أنّه لـمّا نودي: يا موسى، قال: من المتكلّم؟ قال: إنّي أنا الله. فوسوس إليه إبليس: لعلّك تسمع كلام شيطان. فقال موسى: أنا عرفت أنّه كلام الله، بأنّي أسمعه من جميع الجهات وبجميع أعضائي.
وهو إشارة إلى أنّه تلقّى من ربّه كلامه تلقّيا روحانيّا، ثمّ تمثّل ذلك الكلام لبدنه، وانتقل إلى الحسّ المشترك، فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة.
وروي: أنّه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها، كأنّها نار بيضاء
تتّقد، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما، لم تكن الخضرة تطفئ النار، ولا النار تحرق الخضرة، فعلم أنّه لأمر عظيم، فخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة، ثمّ نودي.
وكانت الشجرة عوسجة.
وروي: كلّما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت.
وعن ابن إسحاق: لـمّا دنا استأخرت عنه، فلمّا رأى ذلك رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلمّا أراد الرجعة دنت منه.
قال وهب: نودي من الشجرة فقيل: يا موسى. فقال: إنّي أسمع صوتك، ولا ارى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك.
فعلم أنّ ذلك لا ينبغي إلّا لربّهعزوجل ، وأيقن به.
وقال ابن عبّاس: لـمّا توجّه نحو النار فإذا النار في شجرة عنّاب، فوقف متعجّبا من حسن ضوء تلك النار، وشدّة خضرة تلك الشجرة، فسمع النداء: يا موسى أنا ربّك.
( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) أمره بذلك لأنّ الحفوة تواضع وأدب، ولذلك طاف السلف بالكعبة حافين. وعن السدّي: أمر بخلع النعلين لأنّهما كانتا من جلد حمار ميّت غير مدبوغ. وقيل: كانت من جلد بقرة ذكيّة، ولكنّه أمر بخلعهما ليباشر الوادي بقدميه متبرّكا به. ومنهم من استعظم دخول الكعبة بنعليه، وكان إذا ندر منه الدخول متنعّلا تصدّق.
والقرآن يدلّ على أنّ ذلك احترام للبقعة، وتعظيم لها، وتشريف لقدسها، فإنّه قال مستأنفا:( إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ ) تعليلا للأمر باحترام البقعة. وروي أنّه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.
وقيل: معناه: فرّغ قلبك من الأهل والمال، ومن جميع ما سوى الله، لأنّك جئت بالبقعة المقدّسة المباركة.
( طُوىً ) عطف بيان للوادي. ونوّنه ابن عامر والكوفيّون بتأويل المكان. وقيل: هو كثنى(١) ، من الطيّ، مصدر لـ «نودي» أي: نودي نداءين. يقال: ناديته طوى، أي :
__________________
(١) الثنى: الأمر يعاد مرّتين.
مرّتين. أو لـ «المقدّس» أي: قدّس الوادي بالبركة كرّة بعد كرّة.
( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) اصطفيتك للنبوّة. وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك، بالجمع.
( فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ) للّذي يوحى إليك، أو للوحي. واللام تحتمل أن تتعلّق بكلّ من الفعلين.
( إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ) بدل ممّا يوحى، دالّ على أنّه مقصور على تقرير التوحيد الّذي هو منتهى العلم، والأمر بالعبادة الّتي هي كمال العمل.
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) خصّها بالذكر وأفردها بالأمر للعلّة الّتي أناط بها إقامتها، وهو تذكّر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره.
وقيل: معنى «لذكري»: لتذكرني، فإنّ ذكري أن اعبد ويصلّى لي. أو لتذكرني فيها، لاشتمال الصلاة على الأذكار. أو لأنّي ذكرتها في الكتب، وأمرت بها. أو لأن أذكرك بالثناء والمدح. أو لذكري خاصّة، لا ترائي بها، ولا تشوبها بذكر غيري، ولا تقصد بها غرضا آخر.
وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة، كقوله:( إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) (١) . فاللام فيه كما في قولك: جئتك لكذا، أي: لوقت كذا. وكذا: لستّ مضين. ومثله قوله:( قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) (٢) .
أو لذكر صلاتي بعد نسيانها، على حذف المضاف، أي: أقمها متى ذكرت، كنت في وقتها أو لم تكن. وروي ذلك عن الباقرعليهالسلام . ويعضده ما رواه أنس أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها».
وروي أيضا عنه أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها، إنّ الله تعالى يقول:( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) .
( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ) كائنة لا محالة( أَكادُ أُخْفِيها ) أريد أن أخفيها ـ أي: إخفاء وقتها ـ عن عبادي لئلّا تأتيهم إلّا بغتة. قال تغلب: هذا أجود الأقوال، وهو قول الأخفش
__________________
(١) النساء: ١٠٣.
(٢) الفجر: ٢٤.
وفائدة الإخفاء التهويل والتخويف، فإنّ الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة، كانوا على حذر منها كلّ وقت.
وقيل: معناه: أقرب أن أسترها، فلا أقول إنّها آتية، لفرط إرادتي إخفاءها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف وقطع الأعذار لـما أخبرت به.
قال أبو عبيدة: معناه: أكاد أظهرها، من: أخفاه إذا سلب خفاءه(١) .
وقال في المجمع: «يقال: أخفيت الشيء كتمته وأظهرته جميعا، وخفيته بلا ألف أظهرته لا غير»(٢) .
ويؤيّد المعنى الأخير قراءة سعيد بن جبير: أخفيها، بفتح الهمزة، من: خفاه إذا أظهره، أي: قرب إظهارها، كقوله:( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) (٣) .
( لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) بما تعمل من خير وشرّ. متعلّق بـ «آتية»، أو بـ «أخفيها» على المعنى الأخير.
( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ) فلا يصرفنّك عن تصديق الساعة، أو لا يمنعك عن الصلاة( مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها ) نهى الله الكافر أن يصدّ موسى عنها. والمراد نهيه أن يصدّ عنها.
وتحقيق ذلك: أنّ صدّ الكافر مسبّب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته، فذكر المسبّب ليدلّ على السبب، كقولهم: لا أرينّك هاهنا، فإنّ المراد نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته، وذلك سبب رؤيته إيّاه، فكان ذكر المسبّب دليلا على السبب، كأنّه قيل: فكن شديد الشكيمة، صليب النفس، راسخا في الدين، حتّى لا يطمع في صدّك عمّا أنت عليه من كفر بالبعث.
( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) ميل نفسه إلى اللذّات المحسوسة المخدجة(٤) ، فقصر نظره عن
__________________
(١) الخفاء: الغطاء. وجمعه: أخفية.
(٢) مجمع البيان ٧: ٤.
(٣) القمر: ١.
(٤) أي: الناقصة، من: خدج الشيء: نقص.
غيرها، ولم يتّبع البرهان والتدبّر في الحقّ( فَتَرْدى ) فتهلك بالانصداد بصدّه.
وفي هذا حثّ عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأنّ الهلاك والردى مع التقليد وأهله.
( وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) )
ثمّ بيّن سبحانه ما أعطى موسى من المعجزات، فقال:( وَما تِلْكَ ) استفهام
يتضمّن استيقاظا لـما يريه في عصاه من العجائب( بِيَمِينِكَ ) حال من معنى الإشارة، كقوله:( وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ) (١) . ويجوز أن تكون «تلك» اسما موصولا، و «بيمينك» صلته، أي: ما الّتي بيمينك( يا مُوسى ) تكريره لزيادة الاستئناس والتنبيه.
( قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا ) أعتمد( عَلَيْها ) إذا عييت، أو وقفت على رأس القطيع، وعند الطفرة( وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ) وأخبط(٢) الورق بها على رؤوس غنمي تأكله، من: هشّ الخبز يهشّ إذا انكسر لهشاشته(٣) .
( وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ) حاجات أخر، مثل إن كان إذا سار ألقاها على عاتقة، فعلّق بها أدواته، من القوس والكنانة(٤) والحلاب(٥) وغيرها، وعرض الزندين(٦) على شعبتيها، وألقى عليها الكساء واستظلّ به، وإذا قصر الرشاء وصله بها، وإذا تعرّضت السباع لغنمه قاتل بها.
وكأنّهعليهالسلام فهم أنّ المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها، وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة، ووجد منها خصائص اخرى خارقة للعادة، مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع، وتصير دلوا عند الاستقاء، وتطول بطول البئر، وإذا ظهر عدوّ حاربت عنه، وينبع الماء بركزها، وينضب(٧) بنزعها، وتورق وتثمر
__________________
(١) هود: ٧٢.
(٢) أي: أضرب، من: خبط الشيء: ضربه ضربا شديدا. وهشّ ورق الشجر: خبطه بعصا ليتحاتّ ويسقط.
(٣) أي: لرخاوته ولينه.
(٤) جعبة من جلد أو خشب تجعل فيها السهام.
(٥) الحلاب: الإناء يحلب فيه.
(٦) في هامش النسخة الخطّية: «الزند: العود الذي يقدح به النار، وهو الأعلى، والزندة السفلى فيها ثقب، وهي للأنثى، فإذا اجتمعا قيل: زندان، ولم يقل: زندتان. منه»
(٧) أي: يذهب ماؤه ويغور في الأرض.
إذا اشتهى ثمرة فركزها، وكانت تقيه الهوامّ، وتحدّثه وتؤنسه، علم أنّ ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة، أحدثها الله تعالى فيها لأجله، وليست من خواصّها. فذكر قبل ظهور هذه الأمور العجيبة منها حقيقتها ومنافعها مفصّلا ومجملا، على معنى أنّها من جنس العصا، تنفع منافع أمثالها، ليطابق جوابه الغرض الّذي فهمه من كلام ربّه.
وفي الكشّاف: «يجوز أن يريدعزوجل أن يعدّد المرافق الكثيرة الّتي علّقها بالعصا، ويستكثرها ويستعظمها، ثمّ يريه على عقب ذلك الآية العظيمة. كأنّه يقول له: أين أنت عن هذه المنفعة العظمى والمأربة الكبرى، المنسيّة عندها كلّ منفعة ومأربة كنت تعتدّ بها وتحتفل بشأنها؟ ونظير ذلك أن يريك الزرّاد(١) زبرة من حديد ويقول لك: ما هي؟
فتقول: زبرة حديد. ثمّ يريك بعد أيّام لبوسا مسردا فيقول لك: هي تلك الزبرة صيّرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة وأنيق السرد»(٢) .
وقيل: إنّما سأله ليبسط منه ويقلّل هيبته.
وقيل: إنّما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه.
وقيل: انقطع لسانه بالهيبة فأجمل.
( قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ) تمشي بسرعة وخفّة حركة.
روي أنّه لـمّا ألقاها انقلبت حيّة صفراء بغلظ العصا، ثمّ تورّمت وعظمت. فلذلك سمّاه جانّا تارة نظرا إلى المبدأ، وثعبانا مرّة باعتبار المنتهى، وحيّة اخرى باعتبار الاسم الّذي يعمّ الحالين.
وقيل: كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجانّ، ولذلك قال: كأنّها جانّ.
قيل: كان لها عرف كعرف الفرس. وكان بين لحييها أربعون ذراعا.
وعن ابن عبّاس: انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلمّا رآها حيّة تسرع
__________________
(١) الزرّاد: صانع الزرد، وهو الدرع. والسرد: الدرع.
(٢) الكشّاف ٣: ٥٧.
وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها.
( قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ) هيأتها وحالتها المتقدّمة. وهي فعلة من السير. يقال: سار فلان سيرة حسنة. ثمّ اتّسع فيها، فنقلت إلى الطريقة والهيئة.
وانتصابها على نزع الخافض، أي: سنعيدها في طريقتها الأولى، أي: في حال ما كانت عصا. أو على أن «أعاد» منقول من «عاده» بمعنى: عاد إليه. أو على تقدير فعلها، أي: سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى، فتنتفع بها ما كنت تنتفعه كما أنشأناها أوّلا.
قيل: لـمّا قال له ربّه ذلك اطمأنّت نفسه، حتّى أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.
( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ ) إلى جنبك تحت العضد. يقال لكلّ ناحيتين: جناحان، كجناحي العسكر. استعارة من جناحي الطائر. سمّيا جناحين، لأنّه يجنحهما ـ أي: يميلهما ـ عند الطيران.
( تَخْرُجْ بَيْضاءَ ) لها نور ساطع يضيء بالليل والنهار، كضوء القمر والشمس( مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) صلة بيضاء، أي: ابيضّت من غير سوء، أي: من غير عاهة وقبح. كنّي به عن البرص، كما كنّي بالسوءة عن العورة. والبرص أبغض شيء إلى طباع العرب، ولهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجّاجة(١) ، فكان جديرا بأن يكنّى عنه.
وروي: أنّهعليهالسلام كان آدم اللون، فأخرج يده من مدرعته(٢) بيضاء، لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر.
( آيَةً أُخْرى ) معجزة ثانية. وهي حال من ضمير «تخرج» كـ «بيضاء». أو من ضميرها. أو مفعول بإضمار: خذ أو دونك، حذف لدلالة الكلام عليه.
( لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ) بعض آياتنا. وهذا متعلّق بالمضمر، أو بما دلّ عليه «آية» أي: دلّلنا بها، أو فعلنا ذلك لنريك. و «الكبرى» صفة لـ «آياتنا». أو مفعول «نريك»
__________________
(١) أي: كارهة. يقال: هذا كلام تمجّه الأسماع، أي: تقذفه وتستكرهه.
(٢) المدرعة: ثوب من كتّان كان يلبسه عظيم أحبار اليهود. أو جبّة مشقوقة المقدّم.
و «من آياتنا» حال منها.
( اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ ) بهاتين الآيتين وادعه إلى عبادتي( إِنَّهُ طَغى ) عصى وتكبّر في كفره.
ولـمّا أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنّه كلّف أمرا عظيما وخطبا جسيما، يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلّا ذو قلب قويّ وصدر فسيح، فسأل ربّه أن يشرح صدره حتّى لا يضجر ولا يغتمّ، ويستقبل الشدائد بجميل الصبر، وأن يسهّل عليه أمره الّذي هو خلافة الله في أرضه، وما يصحبها من مقاساة الخطوب الجليلة.( قالَ رَبِّ اشْرَحْ ) أي: وسّع( لِي صَدْرِي ) حتّى لا أضجر، ولا أخاف، ولا أغتمّ.
( وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) وسهّل عليّ أداء ما كلّفتني من الرسالة، والدخول على الطاغي، ودعائه إلى الحقّ. وفائدة «لي» إبهام المشروح والميسّر أوّلا، ثمّ رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيدا ومبالغة، لأنّه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل.
( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) فإنّما يحسن التبليغ من البليغ. وكان في لسانه رتّة(١) من جمرة أدخلها فاه. وذلك إنّ فرعون حمله يوما فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله. فقالت آسية: إنّه صبيّ لا يفرّق بين الجمرة والدرّة. فأمر فرعون حتّى أحضرهما بين يديه. فأراد موسى أن يأخذ الدرّة، فصرف جبرئيل يده إلى الجمرة، فأخذها ووضعها في فيه فاحترق لسانه.
وقيل: احترقت يده، واجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ. ثمّ لـمّا دعاه قال: إلى أيّ ربّ تدعوني؟ قال: إلى الّذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه.
واختلف في زوال العقدة بكمالها. فمن قال به تمسّك بقوله:( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) (٢) . ومن لم يقل احتجّ بقوله:( هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ) (٣) وقوله :
__________________
(١) الرتة: العجمة والحكلة في اللسان. يقال: تكلم كلام الحكل، أي: كلاما لا يفهم.
(٢) طه: ٣٦.
(٣) القصص: ٣٤.
( وَلا يَكادُ يُبِينُ ) (١) . وأجاب عن الأوّل بأنّه لم يسأل حلّ عقدة لسانه مطلقا، بل عقدة تمنع الإفهام، ولذلك نكّرها، وجعل «يفقهوا» جواب الأمر. و «من لساني» يحتمل أن يكون صفة «عقدة». وأن يكون صلة «احلل».
( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي ) لأبي وأمّي، يعينني على ما كلّفتني به. واشتقاق الوزير إمّا من الوزر، لأنّه يحمل عن أميره أوزاره ومؤنة. أو من الوزر، وهو الملجأ، لأنّ الأمير يعتصم برأيه ويلتجئ إليه في أموره. ومنه: الموازرة، بمعنى المعاونة. وعن الأصمعي: أصله أزير، من الأزر بمعنى القوّة، فقلبت الهمزة إلى الواو.
ووجهه: أنّ فعيلا جاء بمعنى مفاعل، كقولهم: عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلمّا قلبت في موازر قلبت فيه. وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز.
ومفعولا «اجعل»: وزيرا وهارون. قدّم ثانيهما عناية بأمر الوزارة. و «لي» صلة، أو حال. أو مفعولاه «لي وزيرا»، و «هارون» عطف بيان للوزير. أو( وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ) و «لي» تبيين، كقوله:( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) . و «أخي» على الوجوه بدل من «هارون».
أو مبتدأ خبره( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) على لفظ الأمر. والأزر: القوّة. يقال: أزّره، أي: قوّاه. والمراد بالأمر الرسالة، أي: اجعله شريكي في الرسالة. وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر، على أنّهما جواب الأمر.
( كَيْ نُسَبِّحَكَ ) ننزّهك عمّا لا يليق بك( كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ ) ونحمدك ونثني عليك بما أوليت من نعمك( كَثِيراً ) أي: لنتعاون على عبادتك وذكرك، فإنّ التعاون يهيّج الرغبات، ويؤدّي إلى تكاثر الخيرات وتزايد المبرّات.
( إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) عالما بأحوالنا، وبأنّ التعاون والتعاضد ممّا يصلحنا، وأنّ هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به، فإنّه أكبر منّي سنّا، وأفصح لسانا، وأتمّ طولا، وأبيض جسما، وأكثر لحما.
__________________
(١) الزخرف: ٥٢.
( قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) )
( قالَ ) سبحانه إجابة له( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) أعطيت سؤلك. فعل بمعنى مفعول، كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول.
قال الصادقعليهالسلام : «حدّثني أبي، عن جدّي، عن أمير المؤمنين، قال: كن لـما لا ترجو أرجى منك لـما ترجو، فإنّ موسى بن عمران خرج يقتبس لأهله نارا، فكلّمه اللهعزوجل ، فرجع نبيّا. وخرجت ملكة سبأ لأمر، فأسلمت مع سليمان. وخرج سحرة فرعون يطلبون العزّة بفرعون، فرجعوا مؤمنين».
ولـمّا أخبر سبحانه موسى بأنّه آتاه طلبته وأعطاه سؤله، عدّد عقيبه ما تقدّم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه، فقال:( وَلَقَدْ مَنَنَّا ) أنعمنا( عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ) في وقت آخر، إنعاما متواليا من صغرك إلى الوقت الّذي أعطينا سؤلك فيه.
ثمّ بيّن سبحانه تلك النعمة بقوله:( إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ) بإلهام، كقوله:( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) (١) . أو في منام. أو على لسان نبيّ في وقتها، كقوله:( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) (٢) أو على لسان ملك لا على وجه النبوّة، كما أوحى إلى مريم( ما يُوحى ) أمرا لا يعلم إلّا بالوحي، أو ممّا ينبغي أن يوحى، لعظم شأنه، وفرط الاهتمام به، لأنّه يتضمّن مصلحة دينيّة، فوجب أن يوحى ولا يخلّ به.
ثمّ فسّر ذلك الإيحاء بقوله:( أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ) فإنّ «أن» هي المفسّرة والمعنى: اقذفيه، لأنّ الوحي بمعنى القول.( فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ ) والقذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع، كقوله:( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) (٣) . وكذلك الرمي، كقوله: غلام رماه الله بالحسن يافعا(٤) أي: حصل فيه ووضعه فيه حال كونه غير بالغ.
ولـمّا كان إلقاء اليمّ إيّاه إلى الساحل أمرا واجب الحصول، لتعلّق الإرادة به، جعل البحر كأنّه ذو تمييز مطيع أمره بالإلقاء، وأخرج الجواب مخرج الأمر، فقال:( فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ) الضمائر كلّها لموسىعليهالسلام ، لأنّ رجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة، لـما يؤدّي إليه من تنافر النظم القرآني، وإن كان المقذوف في البحر والملقى إلى الساحل التابوت بالذات وموسى بالعرض. والقانون الّذي وقع عليه التحدّي ومراعاته
__________________
(١) النحل: ٦٨.
(٢) المائدة: ١١١.
(٣) الأحزاب: ٢٦.
(٤) لأسيد بن عنقاء الفزاري. وتمام البيت: له سيمياء لا تشقّ على البصر
أهمّ ما يجب على المفسّر.
( يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ) جواب «فليلقه». وتكرير «عدوّ» للمبالغة أو لأنّ الأوّل باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقّع.
روي أنّها جعلت في التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه، وجصّصته وقيّرته، ثمّ ألقته في اليمّ. وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فدفعه الماء إليه، فأدّاه إلى بركة في البستان. وكان فرعون جالسا على رأس بركة مع آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج، ففتح فإذا صبيّ أصبح الناس وجها، فأحبّه حبّا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه، كما قال:( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) أي: محبّة كائنة منّي قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، فلذلك أحبّك فرعون.
وروي أنّه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه.
ويجوز أن يتعلّق «منّي» بـ «ألقيت» أي: أحببتك، ومن أحبّه الله أحبّته القلوب.
وظاهر اللفظ على أنّ البحر ألقاه بساحله ـ وهو شاطئه، لأنّ الماء يسحل(١) موسى ـ وقذف به ثمّة، فالتقط من الساحل، إلّا أنّه قد ألقاه اليمّ بموضع من الساحل فيه فوهة(٢) نهر فرعون، ثمّ أدّاه النهر إلى حيث البركة.
( وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ) ولتربّى بمرأى منّي، ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلّا تخالف به مرادي وبغيتي. والعطف على علّة مضمرة، مثل: ليتعطّف عليك. أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلّل، مثل: ولتصنع فعلت ذلك.
( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ) ظرف لـ «ألقيت» أو «لتصنع». أو بدل من «إذ أوحينا» على أنّ
__________________
(١) أي: يقشره.
(٢) الفوهة والفوّهة من الوادي والطريق: فمها.
المراد بها وقت متّسع، كما يصحّ ـ وإن اتّسع الوقت وتباعد طرفاه ـ أن يقول لك الرجل: لقيت فلانا سنة كذا، فتقول: وأنا لقيته في ذلك الوقت، وربّما لقيه هو في أوّلها وأنت في آخرها.
( فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ ) وذلك أنّ أخته ـ واسمها مريم ـ جاءت متعرّفة خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي امرأة. فقالت :هل أدلّكم على امرأة تربّيه وترضعه؟ فقالوا: نعم. فجاءت بالأمّ، فقبل ثديها. ويروى أنّ آسية استوهبته من فرعون وتبنّته، وهي الّتي أشفقت عليه وطلبت له المراضع.
( فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ ) وفاء بقولنا:( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ )( كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ) بلقائك( وَلا تَحْزَنَ ) هي بفراقك وخوف غرقك. أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها.
( وَقَتَلْتَ نَفْساً ) هي نفس القبطي الّذي استغاثه عليه الاسرائيلي، فقتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة( فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ ) من غمّ قتله خوفا من الاقتصاص، بأن نأمرك بالهجرة إلى مدين( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) مصدر على فعول، كالثبور والشكور والكفور، أي: ابتليناك ابتلاء. أو جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة.
والمعنى: فتنّاك أنواعا من الفتن، فخلّصناك مرّة بعد اخرى. وهو إجمال لـما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، ومفارقة الالّاف(١) ، والمشي راجلا على حذر، وفقد الزاد، وأجر نفسه، إلى غير ذلك.
روي أنّه سأل سعيد بن جبير ابن عبّاس فقال: خلّصناك من محنة بعد محنة، فإنّه ولد في عام كان يقتل فيه الولدان. فهذه فتنة يا ابن جبير. وألقته أمّه في البحر. وهمّ فرعون بقتله. وقتل قبطيّا. وأجر نفسه عشر سنين. وضلّ الطريق، وتفرّقت غنمه في ليلة مظلمة.
وكان ابن عبّاس يقول عند كلّ واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير. والفتنة: المحنة، وكلّ ما
__________________
(١) الالّاف جمع آلف، وهو الصديق والمؤانس.
يشقّ على الإنسان، وكلّ ما يبتلي اللهعزوجل عباده فتنة. قال:( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (١) .
( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين.
ومدين على ثماني مراحل من مصر. وعن وهب: أنّه لبث عند شعيب ثمانيا وعشرين سنة، منها مهر ابنته.
( ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ) قدّرته ذلك القدر، ووقّتّه في سبق قضائي وقدري، لأن أكلّمك وأستنبؤك غير مستقدم وقته المعيّن ولا مستأخر. أو على مقدار من السنّ يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة.( يا مُوسى ) كرّره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.
( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) اتّخذتك صنيعتي وخالصتي. أو اصطنعتك لمحبّتي، واختصصتك بكلامي. مثّله فيما خوّله من منزلة التكريم والتقريب والتكليم، بحال من يراه بعض الملوك ـ جوامع خصال فيه، ومزايا خصائص له ـ أهلا لئلّا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ألطف محلّا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، ولا يبصر ولا يسمع إلّا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سرّه إلّا ضميره.
( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي ) بمعجزاتي( وَلا تَنِيا ) ولا تفترا ولا تقصّرا، من الوني بمعنى الفتور( فِي ذِكْرِي ) أي: لا تنسياني حيثما تقلّبتما، واتّخذا ذكري جناحا تصيران به مستمدّين بذلك العون والتأييد منّي، معتقدين أنّ أمرا من الأمور لا يتمشّى لأحد إلّا بذكري.
وقيل: في تبليغ الرسالة والدعاء إليّ، فإنّ الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلّها وأعظمها، فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر.
( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ) جاوز الحدّ في الطغيان. خاطب موسى أوّلا
__________________
(١) الأنبياء: ٣٥.
بالأمر وحده، وهاهنا إيّاه وأخاه، فلا تكرير. قيل: أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقّى موسى. وقيل: سمع بإقباله فاستقبله.
( فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ) ارفقا به في الدعاء والقول، ولا تغلظا له في ذلك.
قيل: إنّ القول الليّن هو قوله:( هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ) (١) فإنّه دعوة في صورة مشورة، وعرض ما فيه الفوز العظيم، حذرا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما، أو احتراما لـما له من حقّ التربية عليك.
وقيل: كنّياه. وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العبّاس، وأبو الوليد، وأبو مرّة.
وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا ينزع منه إلّا بالموت، وأن تبقى له لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنّة جزاء لإيمانه.
فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا، فلمّا قدم هامان أخبره بالّذي دعاه إليه، وأنّه يريد أن يقبل منه. فقال هامان: قد كنت أرى أنّ لك عقلا، وأنّ لك رأيا بيّنا. أنت ربّ وتريد أن تكون مربوبا؟! وبينا أنت تعبد تريد أن تعبد؟! فقلّبه عن رأيه.
( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) متعلّق بـ «اذهبا» أو «قولا» أي: باشرا الأمر على رجائكما وطمعكما أنّه يثمر ولا يخيب سعيكما، فإنّ الراجي مجتهد، والآيس متكلّف والفائدة في إرسالهما، والمبالغة عليهما في الاجتهاد، مع علمه بأنّه لا يؤمن، إلزام الحجّة وقطع المعذرة، كما قال في موضع آخر:( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ) (٢) . وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات، والتذكّر للمتحقّق، والخشية للمتوهّم. ولذلك قدّم الأوّل، أي: إن لم يتحقّق صدقكما ولم يتذكّر، فلا أقلّ من أن يتوهّمه فيخشى.
__________________
(١) النازعات: ١٨ ـ ١٩.
(٢) طه: ١٣٤.
وفي قوله:( قَوْلاً لَيِّناً ) دلالة على وجوب الرفق في الدعاء إلى الله، وفي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليكون أسرع إلى القبول، وأبعد من النفور.
( قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) )
ولـمّا أمر الله تعالى موسى وهارون أن يمضيا إلى فرعون، ويدعواه إليه( قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ) أن يعجّل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة. من: فرط إذا تقدّم. ومنه: الفارط. وفرس فرط: يسبق الخيل.( أَوْ أَنْ يَطْغى ) أن يزداد طغيانا فيتخطّى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته وقساوته. وفي المجيء به هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز باب من حسن الأدب، وتحاش عن التفوّه بالعظيمة.
( قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما ) بالحفظ والنصرة، أي: إنّي ناصركما وحافظكما( أَسْمَعُ وَأَرى ) ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأحدث في كلّ حال ما يصرف
شرّه عنكما، ويوجب نصرتي لكما. وهذا مثل قوله:( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) (١) . ويجوز أن لا يقدّر المفعول، على معنى: إنّني حافظكما سامعا مبصرا. والحافظ إذا كان قادرا سميعا بصيرا تمّ الحفظ، وصحّت النصرة، وذهبت المبالاة بالعدوّ.
( فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ ) فأطلق( مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) وأعتقهم عن الاستعباد( وَلا تُعَذِّبْهُمْ ) بالتكاليف الصعبة، من الحفر والبناء ونقل الحجارة ونظائرها، وقتل الولدان، فإنّهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل، ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام. وتعقيب الإتيان بذلك دليل على أنّ تخليص المؤمنين من الكفرة أهمّ من دعوتهم إلى الإيمان. ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة.
( قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ ) بدلالة واضحة، ومعجزة لائحة( مِنْ رَبِّكَ ) تشهد لنا بالنبوّة.
وهذه جملة مقرّرة لـما تضمّنه الكلام السابق من دعوى الرسالة، فإنّ دعواها لا تثبت إلّا ببيّنتها. وإنّما وحّد الآية وكان معه آيتان، لأنّ المراد في هذا الموضع إثبات الدعوى ببرهانها، لا الإشارة إلى وحدة الحجّة، فكأنّه قال: قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجّة على ما ادّعيناه من الرسالة. وكذلك قوله:( قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) (٢) .( فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (٣) .( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ) (٤) .
( وَالسَّلامُ ) وسلام الملائكة الّذين هم خزنة الجنّة( عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) على المهتدين. أو السلامة في الدارين لهم.
ولـمّا كان التهديد في أوّل الأمر أهمّ وأنجع، وبالواقع أليق وأنفع، غيّر النظم وصرّح بالوعيد، وقال تأكيدا فيه:( إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ ) عذاب الدارين( عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) على المكذّبين للرسل، والمعرضين عنهم.
__________________
(١) القصص: ٣٥.
(٢) الأعراف: ١٠٥. (٣، ٤) الشعراء: ١٥٤ و ٣٠.
فلمّا أتياه وقالا له ما أمرا به( قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى ) خاطب موسى وهارون أوّلا، وخصّ موسى بالنداء ثانيا، لأنّه الأصل وهارون وزيره وتابعه. ويحتمل أن يحمله خبثه على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه، لـما عرف من فصاحة هارون ورتّة لسان موسى. ويدلّ عليه قوله:( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ ) (١) .
والمعنى: من أيّ جنس من الأجناس ربّكما حتّى أفهمه وأعرفه؟ فبيّن موسى أنّ الله تعالى ليس له جنس، وإنّما يعرف سبحانه بأفعاله.
( قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ ) من الأنواع( خَلْقَهُ ) صورته وشكله الّذي يطابق المنفعة المنوطة به وكماله الممكن له، كما أعطى العين الهيئة الّتي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الّذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان، كلّ واحد منها مطابق لـما علّق به من المنفعة. أو أعطى خليقته كلّ شيء يحتاجون إليه وينتفعون به. وقدّم المفعول الثاني لأنّه المقصود بيانه.
وقيل: أعطى كلّ حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا، كالناقة والبعير والرجل والمرأة وغير ذلك، ولم يزاوج منها شيئا غير جنسه.
( ثُمَّ هَدى ) ثمّ عرّفه كيف يرتفق بما أعطي؟ وكيف يتوصّل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا؟ ولله درّ هذا الجواب ما أخصره! وما أجمعه! وما أبينه! فإنّه مع نهاية وجازته وغاية اختصاره معرب عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودالّ على أنّ الغنيّ القادر بالذات المنعم على الإطلاق هو الله تعالى، وأنّ جميع ما عداه مفتقر إليه، منعم عليه في حدّ ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك بهت فرعون، وأفحم عن الدخل عليه، فلم ير إلّا صرف الكلام عنه إلى غيره.
( قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ) سأله عن حال من تقدّم وخلا من القرون الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود، ونظائرهم الّذين لا يعبدون الله، وعن شقاء من شقي منهم، وسعادة من سعد. والمعنى: فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة؟
__________________
(١) الزخرف: ٥٢.
( قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ) أجابه بأنّ هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر اللهعزوجل به لا يعلمه إلّا هو، وما أنا إلّا عبد مثلك، لا أعلم منه إلّا ما أخبرني به علّام الغيوب.
( فِي كِتابٍ ) أي: علم أحوال القرون وأعمالهم مثبت في اللوح المحفوظ. ويجوز أن يكون هذا تمثيلا لتمكّنه في علمه بما استحفظه العالم وقيّده بالكتبة. ويؤيّده( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ) والضلال أن تخطئ الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، كقولك: ضللت الطريق والمنزل. والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك. وهما محالان على العالم بالذات.
ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة الله بالأشياء كلّها، وتخصيصه أبعاضها بالصور والخواصّ المختلفة، بأنّ ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئيّاتها، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدّتهم وتباعد أطراف عددهم، كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون معنى الجواب: أنّ علمه تعالى محيط بذلك كلّه، وأنّه مثبت عنده، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيّها العبد الذليل والبشر الضئيل، أي: لا يضلّ كما تضلّ أنت، ولا ينسى كما تنسى يا مدّعي الربوبيّة بالجهل والوقاحة.
وعن ابن عبّاس: معناه: لا يترك من كفر به حتّى ينتقم منه، ولا يترك من وحّده حتّى يجازيه.
( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) )
ثمّ زاد في الإخبار عن الله تعالى، فقال:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ) مرفوع بأنّه صفة لـ «ربّي» أو خبر لمبتدأ محذوف. أو منصوب على المدح. والمهد مصدر سمّي به ما يمهّد للصبيّ. وقرأ به الكوفيّون هنا وفي الزخرف(١) ، أي: كالمهد تتمهّدونها. والباقون: مهادا. وهو اسم ما يمهّد، كالفراش، أو جمع مهد. ولم يختلفوا في الّذي في النبأ(٢) .
( وَسَلَكَ ) وحصّل( لَكُمْ فِيها سُبُلاً ) بين الجبال والأودية والبراري، تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها.
( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) مطرا( فَأَخْرَجْنا بِهِ ) التفت من لفظ الغيبة إلى صيغة التكلّم على الحكاية لكلام اللهعزوجل ، إيذانا بأنّه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، لا يمتنع شيء على إرادته. ومثله قوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ) (٣) .( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ) (٤) .( أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ) (٥) .
وفيه وجه تخصيص أيضا بأنّا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد.
( أَزْواجاً ) أصنافا. سمّيت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها مع بعض( مِنْ نَباتٍ ) بيان وصفة لـ «أزواجا». وكذلك( شَتَّى ) . ويحتمل أن يكون صفة للنبات، فإنّه من حيث إنّه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع. وهو جمع شتيت، كمريض ومرضى، أي: متفرّقات ومختلفات في الصور وسائر الأغراض، من الطعوم والألوان
__________________
(١) الزخرف: ١٠.
(٢) النبأ: ٦.
(٣) الأنعام: ٩٩.
(٤) فاطر: ٢٧.
(٥) النمل: ٦٠.
والروائح والمنافع، يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم. فلذلك قال:( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ ) وهو حال من ضمير «فأخرجنا» على إرادة القول، أي: أخرجنا أصناف النبات قائلين: كلوا وارعوا. والمعنى: آذنين في الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) لذوي العقول الناهية عن اتّباع الباطل وارتكاب القبائح. جمع نهية.
( مِنْها خَلَقْناكُمْ ) فإنّ التراب أصل خلقة أوّل آبائكم، وهو آدمعليهالسلام ، وأوّل موادّ أبدانكم. وقيل: إنّ الملك لينطلق فيأخذ من تربة المكان الّذي يدفن فيه، فيبدّدها على النطفة، فيخلق من التراب والنطفة معا.( وَفِيها نُعِيدُكُمْ ) بالموت وتفكيك الأجزاء( وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى ) بتأليف أجزائكم المتفتّتة المختلطة بالتراب على الصورة السابقة، وردّ الأرواح إليها.
والحاصل: أنّ موسىعليهالسلام عدّد عليهم في هذه الآيات ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها الله لهم فراشا ومهادا يتقلّبون عليها، وسوّى لهم فيها مسالك يتردّدون فيها كيف شاؤوا، وأنبت فيها أصناف؟؟ النبات الّتي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهي أصلهم الّذي منه تفرّعوا، وأمّهم الّتي منها ولدوا، ثمّ هي كفاتهم(١) إذا ماتوا، ومن ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «تمسّحوا بالأرض، فإنّها بكم برّة».
( وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) )
__________________
(١) كفات الأرض: ظهرها للأحياء، وبطنها للأموات.
( وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا ) بصّرناه إيّاها، أو عرّفناه صحّتها( كُلَّها ) تأكيد لشمول الأنواع، أو لشمول الأفراد، على أنّ المراد بـ «آياتنا» آيات معهودة، وهي الآيات التسع المختصّة بموسى: العصا، واليد، وفلق البحر، والجراد، والحجر، والقمّل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل.
وقيل: أرادعليهالسلام آياته وما أوتيه غيره من الأنبياء من المعجزات، فإنّه نبيّ صادق، فلا فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به.
( فَكَذَّبَ ) موسى من فرط عناده( وَأَبى ) الإيمان والطاعة لعتوّه، كقوله :( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) (١) .
( قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا ) أرض مصر( بِسِحْرِكَ يا مُوسى ) هذا تعلّل
__________________
(١) النمل: ١٤.
وتحيّر، ودليل على أنّه علم كونه محقّا حتّى خاف منه على ملكه، فإنّ الساحر لا يقدر أن يخرج ملكا مثله من أرضه، ويغلبه على ملكه بالسحر.
( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ) مثل سحرك( فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ) وعدا، لقوله:( لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ ) فإنّ الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان( مَكاناً سُوىً ) أي: منصفا(١) يكون النصف بيننا والنصف الآخر بينك، فتستوي مسافته إلينا وإليك. وهو من النعت. وعن مجاهد: هو من الاستواء، لأنّ المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها. وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالضّم.
وانتصابه بفعل دلّ عليه المصدر لا به، فإنّه موصوف. والتقدير: نعد مكانا. أو بأنّه بدل من «موعدا» على تقدير: مكان موعد. فيجعل الضمير في «نخلفه» للموعد، و «مكانا» بدل من المكان المحذوف.
وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله:( قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) من حيث المعنى، فإنّ يوم الزينة يدلّ على مكان بعينه مشتهر باجتماع الناس فيه، فبذكر الزمان علم المكان. أو بإضمار مثل: مكان موعدكم، أو وعدكم وعد يوم الزينة.
وقيل: هو يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم عيد كانوا يتّخذون فيه سوقا، ويتزيّنون ذلك اليوم.
( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ) عطف على اليوم أو الزينة. وإنّما واعدهم ذلك اليوم ليكون علوّ كلمة الله، وظهور دينه، وكبت الكافر، وزهوق الباطل، على رؤوس الأشهاد، وفي المجمع الغاصّ(٢) ، لتقوى رغبة من رغب في اتّباع الحقّ، ويكلّ حدّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدّث بذلك الأمر المشهور في كلّ بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطيّة: «المنصف: الموضع الذي ينتصف فيه المسافة. منه».
(٢) أي: المزدحم، من غصّ المكان بهم: امتلأ وضاق عليهم، فهو غاصّ.
وتخصيص الضحو من بين ساعات النهار، لأنّ ذلك الوقت أضوؤها وأبينها، فيرى الناس المعجزة الموسويّة وغلبتها على الشوكة الفرعونيّة على أوضح وجه، فيكون أبلغ في الحجّة، وأبعد في الشبهة.
( فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ ) انصرف وفارق موسى على هذا الوجه( فَجَمَعَ كَيْدَهُ ) ما يكاد به، يعني: السحرة وآلاتهم وأدواتهم( ثُمَّ أَتى ) أي: حضر الموعد.
( قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً ) بأن تدعوا آياته سحرا( فَيُسْحِتَكُمْ ) فيهلككم ويستأصلكم( بِعَذابٍ ) .
وقرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب برواية ورش بالضمّ، من الإسحات. وهو لغة نجد وبني تميم. والسحت لغة الحجاز. يقال. سحته الله وأسحته إذا استأصله وأهلكه.
( وَقَدْ خابَ ) خسر( مَنِ افْتَرى ) من كذب على الله ونسب إليه باطلا، كما خاب فرعون، فإنّه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه.
( فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) أي: تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه، فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة( وَأَسَرُّوا النَّجْوى ) بأنّ موسى إن غلبنا اتّبعناه. وعن قتادة: إن كان ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب: لـمّا قال: «ويلكم ...» الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر. وقيل: تنازعوا واختلفوا فيما يعارضون به موسى وتشاوروا في السرّ. وقيل: الضمير لفرعون وقومه. والمعنى: أنّهم تشاوروا في السرّ، وتجاذبوا أهداب(١) القول.
وقوله:( قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ) تفسير لـ( أَسَرُّوا النَّجْوى ) أي: كانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام خوفا من غلبتهما، وتثبيطا للناس عن اتّباعهما. وعلى الأوّل معناه: قال السحرة لفرعون: إن هذان لساحران، أو قاله بعضهم لبعض.
و «هذان» اسم «إن» على لغة بني حارث بن كعب، فإنّهم جعلوا الألف للتثنية ،
__________________
(١) أي: وجوه القول، استعارة من هدب الشجرة أي: طول أغصانها وتدلّيها، وجمعه: أهداب.
وأعربوا المثنّى تقديرا، نحو الأسماء الّتي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها في الجرّ والنصب.
وقيل: اسمها ضمير الشأن المحذوف، و «هذان لساحران» خبرها.
وقيل: «إن» بمعنى: نعم، وما بعدها مبتدأ وخبر. وفيهما: أنّ اللام لا تدخل خبر المبتدأ.
وقرأ أبو عمرو: إنّ هذين. وهو ظاهر. وابن كثير وحفص: إن هذان، على أنّها هي المخفّفة واللام هي الفارقة، أو النافية واللام بمعنى: إلّا. ويشدّد ابن كثير «هذان». وهي لغة.
( يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) بالاستيلاء عليها( بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ) بمذهبكم الّذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبهما، وإعلاء دينهما، لقوله:( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) (١) .
وقيل: أرادوا أهل طريقتكم الفضلى. وهم بنو إسرائيل، فإنّهم كانوا أرباب علم فيما بينهم، لقول موسى:( أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) (٢) .
وقيل: الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم، من حيث إنّهم قدوة لغيرهم. والمعنى: يريدان أن يصرفا وجوه الناس إليهما. يقال: هم طريقة قومهم، أي: قدوتهم. ويقال للواحد أيضا: هو طريقة قومه. والمثلى هم الجماعة الأفضلون، تأنيث الأمثل بمعنى الأفضل، كالفضلى في تأنيث الأفضل.
( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ) فأزمعوه واجعلوه مجمعا عليه لا يتخلّف عنه واحد منكم، كالمسألة المجمع عليها، أي: لا تدعوا من كيدكم شيئا إلّا جئتم به. وهذا قول فرعون للسحرة. والضمير في «قالوا» إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض. وقرأ أبو عمرو :
__________________
(١) غافر: ٢٦.
(٢) الشعراء: ١٧.
فاجمعوا. ويعضده قوله:( فَجَمَعَ كَيْدَهُ ) (١) .
( ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ) مصطفّين، لأنّه أهيب في صدر الرائين، وأنظم لأموركم.
روي: أنّهم كانوا سبعين ألفا، مع كلّ واحد منهم حبل وعصا، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة.( وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ ) فاز بالمطلوب( مَنِ اسْتَعْلى ) من علا وغلب. وهو اعتراض.
( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ
__________________
(١) طه: ٦٠
الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) )
وبعد ما أتوا الموعد مجتمعين( قالُوا ) مراعاة للأدب والتواضع وخفض الجناح( يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى ) «أن» بما بعده منصوب بفعل مضمر، أو مرفوع بخبريّة مبتدأ محذوف، أي: اختر إلقاءك أوّلا أو إلقاءنا، أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.
( قالَ بَلْ أَلْقُوا ) مقابلة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء، بذكرهم إيّاه أوّلا. وتغيير النظم ليكون على وجه أبلغ.
وقيل: ألهمهم ذلك وعلّم موسى اختيار إلقائهم، ليبرزوا ما معهم من مكائد السحر أقصى وسعهم، ثمّ يظهر الله سبحانه سلطانه فيقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه، ويسلّط المعجزة على السحر فتمحقه، وتكون آية نيّرة للناظرين، وعبرة بيّنة للمعتبرين.
فألقوا ما معهم من الحبال والعصيّ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) «إذا» للمفاجأة. والتحقيق: أنّها أيضا ظرفيّة تستدعي متعلّقا ينصبها، وجملة تضاف إليها، لكنّها خصّت بأن يكون ناصبها فعلا مخصوصا، وهو فعل المفاجأة، والجملة ابتدائيّة. فتقدير الآية: فألقوا ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيّهم
من سحرهم أنّها تعدو مثل عدو الحيّات. وذلك لأنّهم لطخوها بالزئبق، فلمّا حميت الشمس طلب الزئبق الصعود في أجوافها، فاضطربت واهتزّت، فخيّل أنّها تتحرّك.
وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح: تخيّل بالتاء، على إسناده إلى ضمير الحبال والعصيّ، وإبدال «أنّها تسعى» بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد كرمه.
( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ) إيجاس الخوف إضمار شيء منه. والمعنى: فأضمر فيها خوفا من مفاجأته، على ما هو مقتضى الجبلّة البشريّة عند رؤية أمر غريب وشيء عجيب في أوّل وهلة.
وقيل: خاف أن يخالج الناس شكّ، بأن يلتبس عليهم أمره، فيتوهّموا أنّهم فعلوا مثل ما فعله، فيشكّوا فعلا يتّبعوه.
( قُلْنا لا تَخَفْ ) ما توهّم( إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ) تعليل للنهي، وتقرير لغلبته، مؤكّدا بالاستئناف، وحرف التحقيق، وتكرير الضمير، وتعريف الخبر، ولفظ العلوّ الدالّ على الغلبة الظاهرة، وصيغة التفضيل.
( وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ ) أيهمه ولم يقل: ألق عصاك، تحقيرا لها، أي: لا تبال بكثرة حبالهم وعصيّهم، وألق العويد(١) الفرد الصغير الجرم الّذي في يمينك. أو تعظيما لها، أي: لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها، فإنّ في يمينك ما هو أعظم منها أثرا فألقه.
( تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ) تبتلع ما افتعلوا وزوّروا بقدرة الله، على وحدته وصغره وكثرة ما فعلوا وعظمه. وأصله: تتلقّف، فحذفت إحدى التاءين. وتاء المضارعة تحتمل التأنيث، والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبّب.
وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع، على الحال أو الاستئناف. وحفص بالجزم والتخفيف، على أنّه من: لقفته، بمعنى: تلقّفته. والبزّي بتشديد التاء.
( إِنَّما صَنَعُوا ) أي: الّذي افتعلوا( كَيْدُ ساحِرٍ ) قرأ حمزة والكسائي: سحر ،
__________________
(١) العويد: مصغّر العود.
بمعنى: ذي سحر. أو بتسمية الساحر سحرا على المبالغة. أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان، لأنّه يكون سحرا وغير سحر، كما تبيّن المائة بدرهم. ونحوه: علم فقه وعلم نحو.
وإنّما وحّد الساحر، لأنّ المراد به الجنس المطلق، لا معنى العدد، فلو جمع لخيّل أنّ المقصود هو العدد. ولذلك قال:( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ ) أي: هذا الجنس. وتنكير الأوّل لتنكير المضاف، لا من أجل تنكيره في نفسه، كقول العجاج :
يوم ترى النفوس ما أعدّت |
في سعي دنيا طالما قد مدّت(١) |
أي: في سعي دنيويّ. فكأنّه قيل: إن ما صنعوا كيد سحريّ.
( حَيْثُ أَتى ) حيث كان وحيث أقبل. وقيل: معناه: لا يفوز الساحر حيث أتى بسحره، لأنّ الحقّ يبطله.
روي: أنّه لـمّا ألقى موسى عصاه صارت حيّة وطافت حول الصفوف حتّى رآها الناس كلّهم، ثمّ قصدت الحبال والعصيّ فابتلعتها كلّها على كثرتها، ولم يبق منها شيء على وجه الأرض، ثمّ أخذها موسى فعادت عصاه كما كانت، فتحقّق عند السحرة أنّه ليس بسحر، وإنّما هو من آيات الله ومعجزة من معجزاته.
( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) فألقاهم ذلك على وجوههم( سُجَّداً ) ساجدين لله توبة عمّا صنعوا، وإعتابا(٢) لله، وتعظيما لـما رأوا.
( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ) قدّم هارون لكبر سنّه، أو لرؤوس الآي. أو لأنّ فرعون ربّى موسى في صغره، فلو اقتصر على موسى أو قدّم ذكره فربما توهّم أنّ المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع.
وفي الكشّاف: «سبحان الله ما أعجب أمرهم! قد ألقوا حبالهم وعصيّهم للكفر والجحود، ثمّ ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «أي: أمهلت، من: مدّه الله في الغيّ، أمهله. منه».
(٢) أي: إرضاء له. من: أعتبه، أزال عتبه، وترك ما كان يغضب عليه لأجله وأرضاه.
روي: أنّهم لم يرفعوا رؤوسهم حتّى رأوا الجنّة والنار، ورأوا ثواب أهلها. وعن عكرمة :لمّا خرّوا سجّدا أراهم الله في سجودهم منازلهم الّتي يصيرون إليها في الجنّة»(١) .
( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ ) لموسى. واللام لتضمّن الفعل معنى الاتّباع، أي: قال فرعون للسحرة: صدّقتم واتّبعتم لموسى. وقرأ حفص وقنبل: آمنتم له على الخبر. والباقون على الاستفهام.( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) في الإيمان له.
( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ) لعظيمكم في فنّكم، وأعلاكم وأعلمكم في صناعتكم. أو لمعلّمكم وأنتم تلامذته، وقد يعجز التلميذ عمّا يفعله الأستاذ. يقال: قال لي كبيري كذا، أي: معلّمي واستاذي.( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. وقيل: معناه: إنّه لرئيسكم ومتقدّمكم، وأنتم أشياعه وأتباعه، ما عجزتم عن معارضته، ولكنّكم تركتم معارضته احتشاما له واحتراما. وإنّما قال ذلك ليوهم العوام أنّ ما أتوا به إنّما هو لتواطئهم على ما فعلوا ليصرفوا وجوه الناس إليهم.
( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأنّ كلّ واحد من العضوين خالف الآخر، بأنّ هذا يمين وذاك شمال. و «من» ابتدائيّة، لأنّ القطع مبتدأ وناشئ من مخالفة العضو العضو. وهي مع المجرور بها في حيّز النصب على الحال، أي: لأقطّعنّها مختلفات.
( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) شبّه تمكّن المصلوب في الجذع بتمكّن المظروف بالظرف. وهو أوّل من صلب.
( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا ) يريد نفسه وموسى، لقوله: «آمنتم له» فإنّ اللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله، والباء معه لله، كقوله:( يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (٢) . وفيه
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٧٥ ـ ٧٦.
(٢) التوبة: ٦١.
صلف(١) واختيال باقتداره وقهره، وما ألفه وضرى(٢) به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى وهزء به، فإنّه لم يكن قطّ من التعذيب في شيء. وقيل: يريد ربّ موسى الّذي آمنوا به.( أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) وأدوم عقابا: أنا على إيمانكم، أو موسى وربّه على ترككم الإيمان به.
( قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ ) لن نختارك( عَلى ما جاءَنا ) موسى به. ويجوز أن يكون الضمير فيه لـ «ما».( مِنَ الْبَيِّناتِ ) من المعجزات الواضحات على صدق موسى وصحّة نبوّته( وَالَّذِي فَطَرَنا ) عطف على «ما جاءنا» أو قسم، أي: وعلى أنّه الّذي خلقنا، أو نقسم به على أنّا لا نختارك على ما جاء به موسى وما ظهر لنا من الحقّ.
( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ ) قاضيه، أي: صانعه على إتمام وإحكام، فإنّا لا نرجع عن الإيمان( إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ) إنّما تصنع ما تهواه، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا. وهو كالتعليل لـما قبله، والتمهيد لـما بعده.
( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا ) من الكفر والمعاصي( وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) من معارضة موسى.
روي أنّ السحرة ـ يعني: رؤوسهم ـ كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، وسائرهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكرههم على تعلّم السحر. وكذا الملوك السالفين كانوا يجبرون الرعايا على تعلّم السحر، لئلّا يخرج السحر من أيديهم.
روي أنّهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما. ففعل فوجدوه تحرسه عصاه. فقالوا: ما هذا بسحر الساحر، لأنّ الساحر إذا نام بطل سحره. فأبى فرعون إلّا أن يعارضوه، فذلك إكراههم.
__________________
(١) صلف صلفا: تمدّح بما ليس فيه، وادّعى فوق ذلك إعجابا وتكبّرا. والاختيال: التبختر والتكبّر.
(٢) ضرى بالشيء، أي: تعوّده وأولع به.
( وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ) جزاء. أو خير ثوابا للمؤمن، وأبقى عقابا للكافر. وهذا جواب لقوله:( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى ) .
( إِنَّهُ ) الشأن والأمر( مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً ) بأن يموت على كفره( فَإِنَّ لَهُ ) نار( جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ) فيستريح من العقاب( وَلا يَحْيى ) حياة مهنّأة فيها راحة.
( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ ) بأن أدّى الفرائض في الدنيا( فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ) جمع العليا، وهي تأنيث الأعلى، أي: المنازل الرفيعة في الجنّة، بعضها أعلى من بعض.
( جَنَّاتُ عَدْنٍ ) إقامة. بدل «الدرجات».( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) حال، والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار( وَذلِكَ ) الثواب الّذي ذكر( جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ) تطهّر من أدناس الكفر والمعاصي.
قيل في هذه الآيات الثلاث: هي حكاية قول السحرة. وقيل: ابتداء كلام من الله، لا على وجه الحكاية.
( وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حال بني إسرائيل، فقال:( وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ) أي: من مصر( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً ) أي: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له في ماله سهما. أو فاتّخذ، من: ضرب اللبن إذا عمله.( فِي الْبَحْرِ يَبَساً ) مصدر وصف به.
يقال: يبس يبسا ويبسا، كسقم سقما وسقما. ومن ثمّ وصف به المؤنّث فقيل: شاتنا يبس
وناقتنا يبس، إذا جفّ لبنها. والمعنى: اجعل أو اتّخذ لهم طريقا في البحر يابسا بضربك العصا لينفلق البحر.
( لا تَخافُ دَرَكاً ) حال من الضمير في «فاضرب». والدرك اسم من الإدراك، أي: حال كونك آمنا من أن يدرككم العدوّ. أو صفة ثانية، والعائد محذوف.
وقرأ حمزة: لا تخف، على أنّه جواب الأمر. وعلى هذا قوله:( وَلا تَخْشى ) استئناف، أي: وأنت لا تخشى. يعني: من شأنك أنّك آمن ولا تخشى من الغرق. أو عطف، والألف فيه للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله:( وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) (١) ( فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) (٢) . أو حال بالواو.
( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ) فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده، فحذف المفعول الثاني. وقيل: «فأتبعهم» بمعنى: فاتّبعهم، والباء للتعدية. وقيل: الباء مزيدة. والمعنى: فاتّبعهم جنوده.
روي: أن موسى خرج ببني إسرائيل أوّل الليل، فأخبر فرعون بذلك، فاتّبع أثرهم بجنوده، ولـمّا جاوز البحر موسى وقومه، ولج فرعون وجنوده فيه( فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) الضمير له ولجنوده، أي: لحقهم منه ما لحقهم، وجاءهم منه ما جاءهم. وهذا من باب الاختصار، ومن جوامع الكلم الّتي تستقلّ مع قلّتها بالمعاني الكثيرة، أي: غشيهم ما سمعتم قصّته وما لا يعرف كنهه إلّا الله.
( وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ) أي: أضلّهم في الدين، وما هداهم إلى الخير والرشد وطريق النجاة. وهو تهكّم به في قوله:( وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ) (٣) . أو أضلّهم في البحر وما نجا.
__________________
(١) الأحزاب: ١٠.
(٢) الأحزاب: ٦٧.
(٣) غافر: ٢٩.
( يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) )
ثمّ خاطب سبحانه بني إسرائيل بعد إنجائهم من البحر، وهلاك فرعون وقومه، وعدّد نعمه عليهم، فقال:( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) على إضمار القول، أي: قلنا لهم يا أولاد يعقوب. وقيل: الخطاب للّذين كانوا منهم في عهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، منّ الله عليهم بما فعل بآبائهم. والوجه هو الأوّل.
( قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ) فرعون وقومه( وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ ) بمناجاة موسى، وإنزال التوراة عليه. وإنّما عدّى المواعدة إليهم، وهي لموسى أو له وللسبعين المختارين، لأنّها لابستهم، واتّصلت بهم، حيث كانت لنبيّهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها الّتي قام بها دينهم وشرعهم.
( وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ) يعني: في التيه. وقد مرّ ذلك مفصّلا في سورة البقرة(١) .
( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) لذائذه المحلّلة. وقرأ حمزة والكسائي: أنجيتكم وواعدتكم وما رزقتكم، على التاء.( وَلا تَطْغَوْا فِيهِ ) فيما رزقناكم بالكفران، والإخلال بشكره، والتعدّي لـما حدّ الله لكم فيه، بأن تنتفعوا به في المعاصي، وتمنعوه من حقوق الفقراء فيه، وتسرفوا في إنفاقه، وتبطروا فيه وتتكبّروا.
__________________
(١) راجع ج ١ ص ١٥٣.
( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) فيجب عليكم عقوبتي، من: حلّ الدّين يحلّ إذا وجب أداؤه( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ) هلك. وأصله: أن يسقط من جبل فيهلك. أو سقط سقوطا لا نهوض بعده. وقيل: وقع في الهاوية. وقرأ الكسائي: فيحلّ ويحلل بالضمّ، من: حلّ يحلّ إذا نزل.
( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ) عن الشرك( وَآمَنَ ) بما يجب الإيمان به( وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) ثمّ استقام وثبت على الهدى حتّى يموت.
وعن الباقرعليهالسلام : «ثمّ اهتدى إلى ولا يتنا أهل البيتعليهمالسلام ، فو الله لو أنّ رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام، ثمّ مات ولم يجيء بولايتنا، لأكبّه الله في النار على وجهه».
رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني(١) بإسناده. وأورده العيّاشي(٢) في تفسيره من عدّة طرق.
وكلمة التراخي دلّت على تباين المنزلتين، دلالتها على تباين الوقتين في: جاءني زيد ثم عمرو. أعني: أنّ منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه، لأنّها أعلى منها وأفضل. ونحوه قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ) (٣) .
( وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
__________________
(١) شواهد التنزيل ١: ٤٩١ ح ٥١٨ ـ ٥١٩ ولم يذكر ذيل الحديث.
(٢) المطبوع من تفسير العيّاشي إلى آخر سورة الكهف، ولم يصل إلينا ويا للأسف بقيّة الكتاب.
(٣) فصّلت: ٣٠.
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) )
روي: أنّ الله سبحانه واعد موسى جانب الطور الأيمن، فتعجّل موسى من بينهم ـ وهم السبعون الّذين اختارهم موسى ـ شوقا إلى ربّه، وخلّفهم ليلحقوا به. فقال الله سبحانه له سائلا عن سبب العجلة:( وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ) أيّ شيء عجّل بك؟ وبأيّ سبب خلّفتهم وسبقتهم وجئت وحدك؟ فيه إنكار، من حيث إنّ العجلة نقيصة في نفسها، مع انضمام إغفال القوم إليها، وإيهام التعظّم عليهم، فلذلك أجاب موسى عن الأمرين.
وقدّم الجواب ببسط العذر. وتمهيد العلّة في نفس ما أنكر عليه، لأنّه أهمّ.
( قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ) من ورائي يدركونني عن قريب، ما تقدّمتهم إلّا بخطى يسيرة لا يعتدّ بها عادة، وليس بيني وبينهم إلّا مسافة قريبة يتقدّم بمثلها الوفد رأسهم ومقدّمهم. وعن أبي عمرو ويعقوب: إثري بالكسر. والإثر أفصح من الأثر. هكذا في الكشّاف(١) .
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٨٠.
ثمّ اعتذر للعجلة بقوله:( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) حرصا على تعجيل رضاك، أي: لأزداد رضا إلى رضاك، فإنّ المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مزيّة مرضاتك.
( قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ) أي: ابتليناهم وامتحنّاهم بعبادة العجل، وبما حدث فيهم من أمره، بأن شدّدنا عليهم التكليف، وألزمناهم عند ذلك النظر ليعلموا أنّه ليس بإله( مِنْ بَعْدِكَ ) من بعد انطلاقك( وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ ) أي: دعاهم إلى الضلال فقبلوا منه، وضلّوا عند دعائه. أضاف سبحانه الفتنة إلى نفسه والضلال إلى السامريّ، ليدلّ على أنّ الفتنة غير الإضلال كما فسّرنا.
وقيل: المعنى: عامله بهم معاملة المختبر المبتلي، ليظهر لغيرنا المخلص منهم من المنافق، فيوالي المخلص، ويعادي المنافق.
وأراد بالقوم المفتونين الّذين خلّفهم موسىعليهالسلام مع هارون. وكانوا ستّمائة ألف، ما نجا من عبادة العجل منهم إلّا اثنا عشر ألفا.
والسامريّ منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم. وقيل: كان من أهل باجرما(١) بالقصر، وهو موضع. وقيل: كان علجا(٢) من كرمان، واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر.
( فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ ) بعد ما استوفى الأربعين: ذا القعدة وعشر ذي الحجّة، وأخذ التوراة( غَضْبانَ ) عليهم( أَسِفاً ) حزينا، أو جزعا متلهّفا بما فعلوا. وفي الكشّاف: «الأسف: الشديد الغضب. ومنه قولهعليهالسلام في موت الفجأة: رحمة للمؤمن ،
__________________
(١) باجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقّة من أرض الجزيرة. معجم البلدان ١: ٣١٣.
(٢) العلج: الرجل الضخم القويّ من كفّار العجم. وبعضهم يطلقه على الكافر عموما.
وأخذة أسف للكافر»(١) .
( قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ) بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل. وروي أنّها كانت ألف سورة، كلّ سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا. وقيل: أربعون.
( أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) أي: الزمان. يعني: زمان مفارقته لهم. يقال: طال عهدي بك، أي: طال زماني بسبب مفارقتك.
( أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ ) يجب عليكم( غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) بعبادة ما هو مثل في الغباوة( فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ) وعدكم إيّاي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام على ما أمرتكم به.
( قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ) بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلّينا ورأينا، ولم يسأل لنا السامريّ، لـما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامريّ.
وقرأ نافع وعاصم: بملكنا بالفتح. وحمزة والكسائي بالضمّ. وتثليثها في الأصل لغات في مصدر: ملكت الشيء.
( وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً ) أحمالا( مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ ) من حليّ القبط الّتي استعرناها منهم حين قصدنا الخروج من مصر باسم العرس. وقيل: استعاروا لعيد كان لهم، ثمّ لم يردّوا عند الخروج مخافة أن يعلموا بخروجهم، فحملوها. وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه.
وقيل: سمّوها أوزارا، لأنّها آثام، فإنّ الغنائم لم تكن تحلّ بعد، أو لأنّهم كانوا مستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربيّ.
وقرأ ابن عامر وحفص ونافع وابن كثير: حمّلنا، بضمّ الحاء وكسر الميم والتشديد، على بناء المجهول من التحميل، أي: جعلنا أن نحمل. وقرأ أبو عمرو وحمزة
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٨٢.
والكسائي وأبو بكر وروح: حملنا بالفتح والتخفيف.
( فَقَذَفْناها ) ألقيناها في نار السامريّ الّتي أوقدها في الحفرة، وأمرنا أن نطرح فيها الحليّ( فَكَذلِكَ ) فمثل ما ألقينا
نحن من هذه الحليّ في النار( أَلْقَى السَّامِرِيُ ) ما كان معه من الحليّ. وعن الجبائي: ألقى السامريّ أيضا ليوهم أنّه منهم.
وفي الكشّاف: «أراهم أنّه يلقي حليّا في يده مثل ما ألقوا، وإنّما ألقى التربة الّتي أخذها من موطئ حيزوم(١) فرس جبرئيلعليهالسلام ، أوحى إليه وليّه الشيطان أنّها إذا خالطت مواتا صار حيوانا. وهذه كرامة آثر الله روح القدس بهذه الكرامة الخاصّة. ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير أب عند نفخه في الدرع»(٢) .
وقيل: إنّ هذا الكلام مبتدأ من الله، حكى عنهم أنّهم ألقوا، ثمّ قال: وكذلك ألقى السامريّ.
وروي: أنّهم لـمّا حسبوا أنّ العدّة قد كملت، لأنّهم حسبوا عشرين ليلة بأيّامها أربعين، قال لهم السامريّ: إنّما أخلف موسى ميقاتكم لـما معكم من حليّ القوم، وهو حرام عليكم، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجّر فيها نارا ونقذف كلّ ما معنا فيها، ففعلوا.
( فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً ) من تلك الحليّ المذابة في الحفرة( لَهُ خُوارٌ ) صوت العجل( فَقالُوا ) يعني: السامريّ ومن افتتن به أوّل ما رآه( هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ) أي: فنسيه موسى هاهنا، وذهب يطلبه عند الطور. وقيل: إنّه قول الله تعالى.
والمعنى: فنسي السامريّ، أي: ترك ما كان عليه من إظهار الإيمان.
( أَفَلا يَرَوْنَ ) يعلمون( أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً ) أنّه لا يرجع إليهم كلاما، ولا يردّ
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «حيزوم: علم لفرس جبرئيلعليهالسلام . وسبب منع الصرف التأنيث والعلميّة، لأن جبرئيلعليهالسلام نزل راكب الماذيانة. منه». والماذيانة معرّبة: ماديان الفارسيّة، وهي بمعنى: الأنثى.
(٢) الكشّاف ٣: ٨٢.
عليهم جوابا. ولا يجوز أن تكون «أن» ناصبة، لأنّها لا تقع بعد أفعال اليقين.( وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم، ومن كان بهذه الصفة فإنّه لا يصلح للعبادة.
روي عن مقاتل: لـمّا مضى من موعد موسى خمسة وثلاثون يوما، أمر السامريّ بني إسرائيل أن يجمعوا ما استعاروه من حليّ آل فرعون، وصاغه عجلا في السادس والثلاثين والسابع والثامن، ودعاهم إلى عبادته في التاسع، فأجابوه، وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين.
( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) )
( وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ ) قبل عود موسى إليهم، أو من قبل أن يقول لهم السامريّ ما قال. كأنّه أوّل ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهّم ذلك، وبادر تحذيرهم بقوله:( يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ) بالعجل. يعني: أنّ الله شدّد عليكم التعبّد، فلا تعبدوا العجل( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ ) لا غير( فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) في الثبات على الدين.
( قالُوا لَنْ نَبْرَحَ ) لا نزال( عَلَيْهِ ) على العجل وعبادته( عاكِفِينَ ) مقيمين
( حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) وهذا الجواب يؤيّد الوجه الأوّل.
فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا. فلمّا رجع موسى وهو ممتلئ غيظا منهم ومن عبادتهم العجل، وسمع الصياح، إذ كانوا يرقصون حول العجل ويضربون الدفوف والمزامير، فلمّا سمع موسى منهم ما سمع ألقى الألواح وأخذ يعاتب هارون( قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ) بعبادة العجل( أَلَّا تَتَّبِعَنِ ) أن تتّبعني في الغضب لله، وشدّة زجرهم عن الكفر، ومقاتلتهم. أو أن تأتي عقبي وتلحقني. و «لا» مزيدة، كما في قوله:( ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) (١) .
( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) بالصلابة في الدين، والمحاماة عليه، وإصلاحهم. يريد به قوله:( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (٢) .
هذا في صورة الاستفهام، والمراد به التقرير والفرض، لأنّ موسىعليهالسلام كان يعلم أنّ هارون نقيّ الجيب من الذنوب، بريء الساحة من العيوب، فلا يعصيه في أمره.
ولـمّا كان موسى رجلا حديدا، شديد الغضب لله ولدينه، مجبولا على الحدّة والخشونة والتصلّب في ذات الله، لم يتمالك حين رأى القوم يعبدون العجل ـ بعد رؤيتهم المعجزات والآيات ـ أن ألقى الألواح، لـما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، لفرط غضبه لله وحميّة لدينه، وعنّف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدوّ المجاهر بالعداوة، قابضا على شعر رأسه، إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه، ولذلك أخذ رأس أخيه يجرّه إليه، كما أنّ من صدر من قومه وأهله شيء قبيح مستهجن غاية القبح والاستهجان، فعل ذلك وإن كان صديقا محبّا له غاية الصداقة والمحبّة.
( قالَ يَا بْنَ أُمَ ) قال هارون لموسى: يا ابن أمّ. خصّ الأمّ ـ وإن كان من الأب والأمّ ـ استعطافا وترقيقا، ليسكن شدّة غضبه.( لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي ) أي: بشعر
__________________
(١) الأعراف: ١٢ و ١٤٢.
(٢) الأعراف: ١٢ و ١٤٢.
رأسي. يعني: لا تقبض عليهما، واسكن عن شدّة الغضب.
( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي: لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض لتفرّقوا فرقا. ففريق يلحقون بك معي، وفريق يقيمون مع السامريّ على عبادة العجل، وفريق يتوقّفون شاكّين في أمره. مع أنّي لم آمن إن تركتهم أن يصيروا بالخلاف إلى تسافك الدماء، وشدّة التصميم والثبات على اتّباع السامريّ، فتقول عتابا: فرّقت بينهم.
( وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) لم تعمل بوصيّتي ولم تحفظها حين قلت: اخلفني في قومي وأصلح، فإنّ الإصلاح كان في حفظ الدهماء وحقن الدماء والمداراة لهم إلى أن ترجع إليهم، فتتدارك الأمر برأيك.
وقال القاضي النيشابوري: للشيعة في هذا المقام مباحث مع الطائفة الضالّة بهذا الكلام «قال أهل السنّة هاهنا: إنّ الشيعة تمسّكوا بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى.
ثمّ إنّ هارون ما منعته التقيّة في مثل هذا الجمع، بل صعد المنبر وصرّح بالحقّ، ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمّة محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم على الخطأ لكان يجب على عليّ أن يفعل ما فعل هارون من غير تقيّة وخوف.
وللشيعة أن يقولوا: إنّ هارون صرّح بالحقّ، ثمّ خاف وسكت، ولهذا عاتبه موسى بما عاتب، فاعتذر بـ( إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (١) . وهكذا عليّعليهالسلام امتنع أوّلا من البيعة، فلمّا آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما سألوا»(٢) . انتهى كلامه.
وما أحسن إنصافه ومقاله، وإن ذيّله بقوله: وإنّما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصّب.
وتفصيل هذا المجمل ذكره ابن أبي الحديد، وهو أيضا من أعيان أهل السنّة في
__________________
(١) الأعراف: ١٥٠.
(٢) تفسير غرائب القرآن للنيسابوري ٤: ٥٦٧.
شرح نهج البلاغة، قائلا: «إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام لـمّا أخرج من بيته، وجاؤا به إلى أبي بكر، اخرج ملبّبا يرفض رفضا. فما مرّ على ملأ إلّا قالوا: اذهب وبايع.
فمرّ على مربض غنم فوجد شياها، فقال: لو أنّ لي بعدد هذه الشياه أنصارا لأزلت ابن آكلة الأكباد عن مكانه. فلمّا وافى المسجد وجد سيوف بني أميّة مشهورة.
فقال له عمر منتهرا: إلى كم تقيم في بيتك تنتظر نزول الوحي عليك؟ مدّ يدك فبايع، وادخل فيما دخل فيه الناس. قال: فإن لم أبايع؟ قال: تقتل صغارا لك وذلّا».(١)
( قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) )
ولـمّا سمع موسىعليهالسلام اعتذار هارون أقبل على السامريّ( قالَ ) منكرا( فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُ ) ما طلبك له؟ وما الّذي حملك عليه؟ وهو مصدر: خطب الشيء إذا طلبه.
( قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ) أي: علمت ما لم يعلم بنو إسرائيل، وفطنت لما
__________________
(١) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ٦: ٤٥. ففيه ما يقرب المتن هنا. والظاهر أن جملة «لو أنّ لي ـ إلى ـ ابن آكلة الأكباد عن مكانه» زائدة من زلّة القلم أو زيادات النسّاخ، إذ لم يكن لمعاوية حينذاك شأن يذكر حتى يخاطبهعليهالسلام بهذا الكلام.
لم يفطنوا له، وهو أنّ الرسول الّذي جاءك روحانيّ محض لا يمسّ أثره شيئا إلّا أحياه. أو رأيت ما لم تروه، وهو أنّ جبرئيل جاءك على فرس الحياة. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء، خطابا لموسى وبني إسرائيل.
وقيل: إنّما عرفه لأنّ أمّه ألقته حين ولدته خوفا من فرعون، فكان جبرئيل يغذوه حتى استقلّ.
( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) من تربة موطئه. والقبضة المرّة من القبض فأطلق على المقبوض، كضرب الأمير. والرسول جبرئيل. ولم يسمّه لأنّه أراد أن ينبّه على الوقت، وهو حين حلّ ميعاد الذهاب إلى الطور، فأرسل اللهعزوجل إلى موسى جبرئيل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامريّ فقال: إنّ لهذا شأنا. فقبض قبضة من تربة موطئه. فلمّا سأله موسى عن قصّته قال: قبضت من أثر فرس الرسول الذي جاء به إليك يوم حلول الميعاد. ولعلّه لم يعرف أنّه جبرئيلعليهالسلام .
( فَنَبَذْتُها ) في الحليّ المذاب، أو في جوف العجل حتّى حيي( وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) زيّنته وحسّنته إليّ.
قال الصادقعليهالسلام : «إنّ موسى قصد أن يقتل السامريّ، فأوحى الله تعالى إليه: لا تقتله يا موسى، فإنّه سخيّ».
فعند ذلك( قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ ) عقوبة على ما فعلته( أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ ) خوفا من أن يمسّك أحد فيأخذك الحمّى ومن مسّك. فصار السامريّ يهيم في البرّيّة مع الوحش والسباع، ولا يمسّ أحدا، ولا يمسّه أحد. يعني: عاقبه الله تعالى في الدنيا بعقوبة لا شيء أطمّ(١) منها وأوحش، فإنّه منع من مخالطة الناس منعا كلّيا، وحرّم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته، وكلّ ما يعايش به الناس بعضهم بعضا. وإذا اتّفق أن يماسّ أحدا ـ رجلا أو امرأة ـ حمّ الماسّ والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه.
__________________
(١) أي: أعظم وأدهى، من: طمّ الأمر، إذا عظم وتفاقم. ولذا قيل للقيامة: الطامّة الكبرى.
وكان يصيح: لا مساس. وصار في الناس أوحش من القاتل اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحشيّ النافر في البرّيّة. ويقال: إنّ قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم، إن مسّ واحد من غيرهم واحدا منهم حمّ كلاهما في الوقت.
( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً ) في الآخرة( لَنْ تُخْلَفَهُ ) لن يخلفك الله موعده الّذي وعدك على جزاء الشرك والفساد في الأرض، ينجّزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا. فأنت ممّن خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
وقرأ ابن كثير والبصريّان بكسر اللام، أي: لن تخلف الواعد إيّاه، وسيأتيك لا محالة. فحذف المفعول الأوّل، لأنّ المقصود هو الموعد. ويجوز أن يكون من: أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا.
( وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً ) ظللت على عبادته مقيما. فحذف اللام الأولى تخفيفا.( لَنُحَرِّقَنَّهُ ) أي: بالنار. وهذا يدلّ على أنّه كان حيوانا: لحما ودما.
أو لنبردنّه بالمبرد(١) ، من: حرق إذا برد. وهذا يدلّ على أنّه كان ذهبا وفضّة، ولم يصر حيوانا.( ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ) لنذرينّه رمادا أو مبرودا( فِي الْيَمِّ نَسْفاً ) ذريّا، فلا يبقى منه شيء. من: نسفت الريح إذا ذرت(٢) . وهذه عقوبة ثالثة. وهي إبطال ما افتتن(٣) به وفتن، وإهدار سعيه. والمقصود من ذلك زيادة عقوبته، وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.
ثمّ أقبل موسىعليهالسلام على قومه فقال:( إِنَّما إِلهُكُمُ ) المستحقّ لعبادتكم( اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً )
__________________
(١) المبرد: آلة البرد. وبرد الحديد: أخذ منه بالمبرد. وحرقه بالمبرد: برده.
(٢) ذرت الريح التراب: أطارته وفرّقته.
(٣) في هامش النسخة الخطّية: «افتتن الرجل: إذا اصابته فتنة، فذهب ماله أو عقله. وكذلك: فتن. منه».
تمييز. وهو في المعنى فاعل، أي: وسع علمه كلّ ما يصحّ أن يعلم، لا العجل الّذي يصاغ ويحرق، وإن كان حيّا في نفسه كان مثلا في الغباوة.
( كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) )
ثمّ قال لنبىّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( كَذلِكَ ) مثل ذلك الاقتصاص، ونحو ما اقتصصنا عليك من قصّة موسى وفرعون( نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ) من سائر أخبار الأمور الماضية، وأحوال الأمم السالفة، تبصرة لك، وزيادة في علمك، وتكثيرا لمعجزاتك، وتذكيرا للمستبصرين من أمّتك، وتأكيدا للحجّة على من عاندك وكابرك.
( وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ) التنكير للتعظيم، أي: كتابا عظيما، وقرآنا كريما مشتملا على ذكر هذه الأقاصيص والأخبار، حقيقا بالتفكّر والاعتبار. وقيل: ذكرا جميلا مرضيّا عظيما بين الناس، من أقبل عليه نجا وسعد في الدارين.
( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ) عن الذكر الجامع لوجوه السعادة والنجاة. وقيل: عن الله.
( فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً ) عقوبة ثقيلة على كفره ومعاصيه. سمّاها وزرا تشبيها في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الّذي يثقل الحامل وينقض ظهره، ويلقي عليه ضيق النفس. أو إثما عظيما، هو جزاء الوزر.
( خالِدِينَ فِيهِ ) في الوزر، أو في حمله. والجمع فيه والتوحيد في «أعرض» للحمل على المعنى واللفظ، فإنّ «من» مطلق متناول للواحد والكثير. ونحوه قوله تعالى:( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) (١) .
( وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً ) أي: بئس لهم. وفيه ضمير مبهم يفسّره «حملا».
والمخصوص بالذمّ محذوف، لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره: ساء حملا وزرهم، كما حذف في قوله تعالى:( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (٢) أي: نعم العبد أيّوب. ومنه قوله تعالى:( وَساءَتْ مَصِيراً ) (٣) أي: وساءت مصيرا جهنّم. واللام في «لهم» للبيان، كما في( هَيْتَ لَكَ ) (٤) .
ولا يجوز أن يكون في «ساء» ضمير شيء بعينه غير مبهم، وهو الوزر، والحال أنّ حكمه حكم «بئس». ولو نقل عن ظاهره، وحمل على معنى: أحزن، كما وقع في قوله تعالى:( سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٥) بمعنى: أهمّ وأحزن، وأرجع الضمير الّذي فيه للوزر. أشكل(٦) أمر اللام، ونصب «حملا»، ولم يفد مزيد معنى.
( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ) بدل من( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) وقرأ أبو عمرو بالنون، على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيما له، أو للنافخ، لأنّ الملائكة المقرّبين وإسرافيل منهم بالمنزلة الّتي هم مخصوصون بها من ربّ العزّة، فصحّ لكرامتهم عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولّونه إلى ذاته تعالى. والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل يوم القيامة لبعث الموتى.
( وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ ) أي: الكافرين( يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ) زرق العيون. ومعنى
__________________
(١) الجنّ: ٢٣.
(٢) ص: ٤٤.
(٣) النساء: ٩٧.
(٤) يوسف: ٢٣.
(٥) الملك: ٢٧.
(٦) جواب «ولو نقل» قبل سطرين.
الزرقة الخضرة في سواد العين، كعين السنّور. وصفوا بذلك لأنّ الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، لأنّ الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العيون. ولذلك قالوا في صفة العدوّ: أسود الكبد، أصهب(١) السبال، أزرق العين. وقيل: «زرقا» بمعنى: عميا، لأنّ حدقة من ذهب نور بصره تزراقّ. وقيل: عطاشا يظهر في عيونهم كالزرقة، مثل قوله:( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ) (٢) .
( يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ ) يخفضون أصواتهم مسارّة بينهم، لـما يملأ صدورهم من الرعب والهول. من الخفت، وهو خفض الصوت وإخفاؤه.( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ) ليال عشر. يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، إمّا لـما يعاينون من الشدائد الّتي تذكّرهم أيّام النعمة والسرور، فيتأسّفون عليها، ويصفونها بالقصر، لأنّ أيّام السرور قصار، كقوله :
تمتّع بأيّام السرور فإنّها |
قصار وأيّام الهموم طوال |
وإمّا لأنّها ذهبت عنهم وتقضّت، والذاهب وإن طالت مدّته قصير بالانتهاء. وإمّا لاستطالتهم مدّة الآخرة، وأنّها أبد سرمد، يستقصر إليها عمر الدنيا، ويستقلّ لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة.
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ) وهو مدّة لبثهم. ثمّ استرجح الله قول من يكون أشدّ رأيا وصوابا منهم في قوله تعالى:( إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ) أو فرهم عقلا، وأصوبهم رأيا. وقيل: أكثرهم سدادا عند نفسه.( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ) ونحوه قوله تعالى:( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ) (٣) . وقوله:( لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ) (٤) . وإنّما قال ذلك لأنّ اليوم الواحد والعشرة إذا قوبلا
__________________
(١) أي: أشقر الشوارب.
(٢) مريم: ٨٦.
(٣) المؤمنون: ١١٢ ـ ١١٣.
(٤) النازعات: ٤٦.
بيوم القيامة وما لهم من الإقامة في النار، كان اليوم الواحد أقرب إليه.
وقيل: إنّهم قالوا ذلك بعد انقطاع عذاب القبر عنهم، لأنّ الله يعذّبهم ثمّ يعيدهم.
وروي عن ابن عبّاس: يعني: من النفخة الأولى إلى الثانية، وذلك لأنّه يكفّ عنهم العذاب فيما بين النفختين، وهو أربعون سنة.
( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) )
روي: أنّ رجلا من ثقيف سأل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها، وما يكون حالها؟ فنزلت:( وَيَسْئَلُونَكَ ) أي: ويسألك منكروا البعث عند ذكر القيامة( عَنِ الْجِبالِ ) ما حالها؟( فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ) يقلعها من أماكنها، ثمّ
يجعلها كالرمل، ثمّ يرسل عليها الرياح فتفرّقها كما تذرى الحبوب.
( فَيَذَرُها ) فيذر مقارّها، أو الأرض. وإضمارها وإن لم يجر ذكرها لدلالة الجبال عليها، كقوله تعالى:( ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) (١) ( قاعِداً ) خالية ملساء( صَفْصَفاً ) أي: أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر، كأنّ أجزاءها على صفّ واحد. قال في الصحاح: «الصفصف: المستوي من الأرض»(٢) .( لا تَرى فِيها عِوَجاً ) اعوجاجا( وَلا أَمْتاً ) ولا نتوّا يسيرا.
واعلم أنّ هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الإعوجاج عنها على أبلغ ما يكون. وذلك أنّك لو عمدت إلى قطعة أرض فسوّيتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلّاحة(٣) ، واتّفقتم على أنّه لم يبق فيها اعوجاج قطّ، ثمّ استطلعت رأي المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسيّة، لعثر في مواضع كثيرة منها على عوج لا يدرك بحاسّة النظر أو البصر، ولكن بالقياس الهندسي. فنفى اللهعزوجل ذلك العوج الّذي دقّ ولطف عن الإدراك، أللّهمّ إلّا بالقياس الّذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة.
ولـمّا كان ذلك الاعوجاج لم يدرك إلّا بالقياس دون الإحساس ألحقه بالمعاني، فقال فيه: عوجا بالكسر، لأنّه يخصّ بالمعاني، لا العوج بالفتح، لأنّه يخصّ بالأعيان.
فالأحوال الثلاثة مترتّبة، لأنّ الأوّلين باعتبار الاحساس، والثالث باعتبار المقياس، كما ذكرنا.
وقال الحسن والمجاهد: العوج ما انخفض من الأرض، والأمت ما ارتفع من
__________________
(١) فاطر: ٤٥.
(٢) الصحاح ٤: ١٣٨٧.
(٣) في هامش النسخة الخطّية: «الفلّاحة كالنسّابة، صفة الجماعة. وأصل الفلح: الشقّ. منه». والفلّاحة جمع الفلّاح.
الروابي(١) . يعني: لا ترى فيها واديا ولا رابية. وقيل: «لا ترى» استئناف مبيّن للحالين.
( يَوْمَئِذٍ ) أي: يوم إذ نسفت، على إضافة اليوم إلى وقت النسف. ويجوز أن يكون بدلا ثانيا من( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) .( يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ) داعي الله إلى المحشر. قيل: هو إسرافيل يدعو الناس قائما على صخرة بيت المقدس، فيقبلون من كلّ أوب إلى صوبه.
( لا عِوَجَ لَهُ ) لا يعوّج له مدعوّ، ولا يعدل عن ندائه، ولا يلتفتون يمينا ولا شمالا، بل يستوون إليه من غير انحراف، متّبعين لصوته.
( وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ ) وخفضت الأصوات من شدّة الفزع لمهابته( فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً ) صوتا خفيّا. ومنه الحروف المهموسة. وقيل: هو من همس الإبل، وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: لا تسمع إلّا خفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر.
( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ) استثناء من الشفاعة بتقدير مضاف، أي: إلّا شفاعة من أذن. أو من أعمّ المفاعيل، أي: لا تنفع الشفاعة شخصا من الأشخاص إلّا من اذن في أن يشفع له، فإنّ الشفاعة تنفعه. فـ «من» على الأوّل مرفوع على البدليّة. وعلى الثاني منصوب على المفعوليّة. و «أذن» يحتمل أن يكون من الإذن، كقوله:( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (٢) . أو من الأذن بمعنى الاستماع.
( وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) أي: ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة، من الأنبياء والأولياء والصدّيقين والشهداء. أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه. أو قوله لأجله وفي شأنه.
( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) ما تقدّمهم من الأحوال( وَما خَلْفَهُمْ ) وما بعدهم ممّا لا يستقبلونه( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ولا يحيط علمهم بمعلوماته. وقيل: بذاته. وقيل: الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعهما، فإنّهم لم يعلموا جميع ذلك، ولا تفصيل ما
__________________
(١) الروابي جمع الرابية، وهي ما ارتفع من الأرض.
(٢) البقرة: ٢٥٥.
علموا منه.
( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) ذلّت وخضعت له في عبادته خضوع الأسير في يد الملك القهّار. وظاهرها يقتضي العموم.
وقيل: المراد بالوجوه الرؤساء والقادة والملوك، أي: يذلّون وينسلخون عن ملكهم وعزّهم.
ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين، فإنّهم إذا عاينوا ـ يوم القيامة ـ الخيبة والشقوة وسوء الحساب صارت وجوههم عانية، أي: ذليلة خاشعة مثل وجوه العناة، وهم الأسارى. ونحوه قوله تعالى:( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (١) .
( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ) (٢) . وعلى هذا يكون اللام بدل الاضافة. وإنّما أسند الفعل إلى الوجوه، لأنّ أثر الذلّ يظهر عليها. وحقيقة المعنى: خضع أرباب الوجوه، واستسلموا لحكم الّذي لم يمت ولا يموت.
ويؤيّد الأخير ذكر الوعيد عقيبه بقوله:( وَقَدْ خابَ ) عن ثواب الله( مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) شركا أو ظلما على العباد. وهذا استئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم، أو حال.
( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ) يعني: بعض الطاعات( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) إذ الإيمان شرط في صحّة الطاعات وقبول الخيرات( فَلا يَخافُ ظُلْماً ) منع ثواب مستحقّ بالوعد( وَلا هَضْماً ) ولا كسرا منه بنقصان، فإنّ الظلم أن تأخذ من صاحبك فوق حقّك، أو تمنع من حقّه، والهضم أن تكسر من حقّ أخيك فلا توفيه له.
وقيل: لا يخاف أن يؤخذ بذنب لم يعمله، ولا أن تبطل حسنة عملها.
وقيل: المراد جزاء ظلم وهضم، لأنّه لم يظلم غيره، ولم يهضم حقّه.
وقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي. والمعنى: فليأمن من الظلم والهضم.
__________________
(١) الملك: ٢٧.
(٢) القيامة: ٢٤.
( وَكَذلِكَ ) عطف على( كَذلِكَ نَقُصُ ) (١) أي: مثل إنزال هذه الآيات المتضمّنة للوعيد( أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) كلّه على هذه الوتيرة( وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ) كرّرنا فيه آيات الوعيد، وبيّنّاها على وجوه مختلفة وبألفاظ متفرّقة( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) المعاصي، فتصير التقوى لهم ملكة( أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ) عظة واعتبارا يذكّرهم عقاب الله للأمم فيثبّطهم عن النواهي. ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والإحداث إلى القرآن.
( فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) )
ولـمّا صرّف الله سبحانه آياته من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه على حسب أعمالهم، بيّن لهم عقيبها أمر ملكوته وكبرياء شأنه وجبروت سلطانه عليهم، فقال:( فَتَعالَى اللهُ ) في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين، لا يماثل كلامه كلامهم، كما لا تماثل ذاته ذاتهم( الْمَلِكُ ) النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده( الْحَقُ ) الثابت في ملكوته ويستحقّ الملك لذاته. أو الثابت في ذاته وصفاته.
ولـمّا ذكر القرآن وإنزاله، نهى على سبيل الاستطراد عن الاستعجال في تلقّي الوحي من جبرئيل، ومساوقته في القراءة حتّى يتمّ وحيه، فقال:( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ) مخافة نسيانه( مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) أي: إذا لقّنك جبرئيلعليهالسلام ما يوحي إليك من القرآن فلا تعجل في قراءته قبل تقضّيه، بل كن مستمعا غير متكلّم حين يسمعك ويفهمك، ثم أقبل عليه بالتحفّظ بعد ذلك.
وقيل: المراد النهي عن تبليغ ما كان مجملا قبل أن يأتيه بيانه. فمعناه: لا تقرأه لأصحابك حتّى يتبيّن لك ما كان منه مجملا.
__________________
(١) طه: ٩٩.
( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال، فإنّ ما أوحي إليك تناله لا محالة. قيل: ما أمر الله رسوله بطلب الزيادة في شيء إلّا في العلم.
روت عائشة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علما يقرّبني إلى الله، فلا بارك الله لي في طلوع شمسه».
( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) )
ولـمّا ذكر تصريف الآيات، وأمر عباده بالتذكّر بها، وأن لا يتركوها وينسوها، لئلّا يتورّطوا في المنهيّات، عقّبه بذكر قصّة آدم ونسيانه الّذي كان سببا في نقص حظّه، وفرط ندامته على فوت ما أمر به، تأكيدا أو مبالغة لهم في التزام المأمورات واجتناب المنهيّات، فقال عطفا على قوله: «وصرّفنا فيه»:( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) ولقد أمرناه. ويقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدّم الملك إلى فلان، وأوعز إليه، وعزم عليه، وعهد إليه، إذا أمره.
واللام جواب قسم محذوف، أي: وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم.
( مِنْ قَبْلُ ) من قبل وجودهم، ومن قبل أن نتوعّدهم، ووصّيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعّدناه بالدخول في الظالمين إن قربها( فَنَسِيَ ) العهد، ولم يهتمّ به، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتّى غفل عنه، وتولّد من ذلك النسيان. أو ترك ما وصّى به من الاحتراز عن الشجرة وأكل ثمرتها، فخالف إلى ما نهي عنه، وتوعّد في ارتكابه مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون إليه. كأنّه يقول: إنّ أساس
أمر بني آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه.
( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) عقدا لازما، وتصميم رأي، وثباتا على الأمر، إذ لو كان ذا عزيمة وتصلّب لم يزلّه الشيطان، ولم يستطع تغريره. ويحتمل أن يكون ذلك في بدء أمره، قبل أن يجرّب الأمور، ويذوق شريها وأريها(١) .
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه، وقد قال الله تعالى: «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ».
وقيل: عزما على الذنب، لأنّه أخطأ ولم يتعمّد. و «لم نجد» إن كان من الوجود الّذي بمعنى العلم فـ «له عزما» مفعولاه. وإن كان من الوجود المناقض للعدم ـ بمعنى: وعدمنا له عزما ـ فـ «له» حال من «عزما» أو متعلّق بـ «نجد».
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) مقدّر بـ: «اذكر، أي: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس، ووسوسته إليه، وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدّمت معه النصيحة والموعظة البليغة، والتحذير من كيده، حتّى يتبيّن لك أنّه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات.
( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ) وفي الكشّاف: «إن قلت: إبليس كان جنّيّا، بدليل قوله تعالى:( كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) (٢) . فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصّة؟
قلت: كان في صحبتهم، وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلمّا أمروا بالسجود لآدمعليهالسلام والتواضع له كرامة له، كان الجنّي الّذي معهم أجدر بأن يتواضع، كما لو قام لمقبل على المجلس علية(٣) أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في المنزلة
__________________
(١) الشري: الحنظل. والأري: العسل. والمعنى: أن ذلك قبل أن يجرّب الأمور، ويذوق مرّها وحلوها.
(٢) الكهف: ٥٠.
(٣) علية القوم: جلّتهم وأشرافهم. والسراة: السيّد الشريف.
أوجب، حتى إن لم يقم عنّف وقيل له: قد قام فلان وفلان فمن أنت حتّى تترفّع عن القيام؟
فإن قلت: فكيف صحّ استثناؤه وهو جنّي من الملائكة؟
قلت: عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج الاستثناء على ذلك، كقولك: خرجوا إلّا فلانة، لامرأة بين الرجال»(١) .
ومزيد تحقيق البحث في هذا المبحث قد سبق(٢) في سورة البقرة.
وقوله:( أَبى ) جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود، وهو الاستكبار، كأنّه جواب قائل قال: لم لم يسجد؟ والوجه أن لا يقدّر له مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله: «فسجدوا»، وأن يكون معناه: أظهر الإباء عن المطاوعة.
( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما ) فلا يكوننّ سببا.
لإخراجكما. والمراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يسبّب الشيطان إلى إخراجهما.( مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ) فتحرم من نعيمها. أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج، اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها، من حيث إنّه قيّم عليها، فإنّ الرجل قيّم أهله، لقوله تعالى:( الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ) (٣) . فشقاوتها وسعادتها في ضمن شقاوته وسعادته. مع المحافظة على الفواصل. أو لأنّ المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش والاكتساب، وذلك وظيفة الرجال.
وعن سعيد بن جبير: أنّه أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه، فذلك هو الشقاوة.
ويؤيّده قوله مستأنفا لتذكير ما له في الجنّة بلا تعب:( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ) في الجنّة( وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا ) لا تعطش( فِيها وَلا تَضْحى ) ولا يصيبك حرّ
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٩١.
(٢) راجع ج ١ ص ١٣٢.
(٣) النساء: ٣٤.
الشمس، فإنّه ليس فيها شمس، وإنّما فيها ضياء ونور وظلّ ممدود. يعني: أنّ لك أسباب الكفاية في الجنّة، والأقطاب الّتي يدور عليها كفاف الإنسان، من الشبع والريّ والكسوة والكنّ(١) . فذكر سبحانه استجماعها له في الجنّة، وأنّه مكفيّ لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب، كما أنّ أهل الدنيا يحتاجون إلى ذلك. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها الّتي هي الجوع والعرى والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة الّتي حذّره منها، حتّى يتحذّر عن السبب الموقع فيها كراهة لها.
والواو العاطفة وإن نابت عن «إنّ» لكنّها نابت من حيث إنّها نابت عن كلّ عامل، ولم يكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصّة. فدخولها على «أن» لا من حيث إنّها حرف تحقيق، فلا يمتنع اجتماعها مع «أن» كما امتنع اجتماع «إنّ» و «أن». فلا يرد أنّ «إنّ» لا تدخل على «أن»، فلا يقال: إنّ أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن «إنّ» وقائمة مقامها، فلم أدخلت عليها؟
وقرأ نافع وأبو بكر: وإنّك لا تظمأ، بكسر الهمزة. والباقون بفتحها.
( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) )
__________________
(١) الكنّ: البيت.
( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ) فأنهى إليه الوسوسة، فإنّ وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ووقوقة الدجاجة، في أنّها حكايات للأصوات، وحكمها حكم: صوّت وأجرس. فإذا قلت: وسوس له، فمعناه: لأجله. وإذا قلت: وسوس إليه، معناه: أنهى إليه الوسوسة، كقولك: حدّث إليه، وأسرّ إليه. وكذلك الولولة والوقوقة والوعوعة.
( قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) الشجرة الّتي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا. فأضافها إلى الخلد ـ وهو الخلود ـ لأنّها سببه بزعم الشيطان.( وَمُلْكٍ لا يَبْلى ) لا يزول ولا يضعف.
( فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) فظهرت لهما عوراتهما( وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستّر. وهو ورق التين.
وحكم «طفق» حكم «كاد» في وقوع الخبر فعلا مضارعا. وبينهما مسافة قصيرة، فإنّ «طفق» للشروع في أوّل الأمر، و «كاد» لمشارفته والدنوّ منه.
قيل: كان الورق مدوّرا، فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما. وقيل: كان لباسهما الظفر، فلمّا أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع.
( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ) بأكل الشجرة، أي: خالف ما أمره به ربّه. والمعصية مخالفة الأمر، سواء كان الأمر واجبا أو ندبا.( فَغَوى ) أي: خاب من الثواب الّذي كان يستحقّه على الفعل المأمور به. أو خاب ممّا كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود. أو عن المأمور به. أو عن الرشد، حيث اغترّ بقول العدوّ. وفي إسناد العصيان والغواية إليه، مع صغر زلّته الّتي هي ترك الأولى، تعظيم للزلّة، وزجر لأولاده عنها.
وعن ابن عبّاس: لا شبهة في أنّ آدمعليهالسلام لم يمتثل ما رسم الله له، وتخطّى فيه ساحة الطاعة ـ يعني: الطاعة المندوبة ـ وذلك هو العصيان.
ولـمّا عصى خرج فعله من أن يكون رشدا وخيرا، وكان غيّا لا محالة، لأنّ الغيّ خلاف الرشد، ولكن في قوله:( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) بهذا الإطلاق وبهذا التصريح ـ
حيث لم يقل: وزلّ آدم وأخطأ، وما أشبه ذلك ممّا يعبّر به عن الزلّات الّتي هي ارتكاب ما هو تركه أولى وأصوب ـ لطف بالمكلّفين، وزجر بليغ، وموعظة كافّة. وكأنّه قيل لهم: انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبيّ المعصوم حبيب اللهعزوجل وصفيّه، الّذي لا يجوز عليه اقتراف الكبيرة والصغيرة، وزجرته عن ترك الأولى بهذه الغلطة وبهذا اللفظ الشنيع؟! فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيّئات والصغائر، فضلا عن التجسّر على التورّط في الكبائر.
( ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ) اصطفاه وقرّبه إليه بالتوبة عمّا صدر منه من ترك الندب. من: جبى إليّ كذا فاجتبيته، مثل: جليت عليّ العروس فاجتليتها. وأصل الكلمة الجمع.
يقال: اجتبت الفرس نفسها، إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار.( فَتابَ عَلَيْهِ ) رجع إليه، وقبل توبته لـمّا تاب( وَهَدى ) إلى الثبات على التوبة، ووفّقه لحفظها، والتشبّث بأسباب التقوى. وقيل: هداه إلى الكلمات الّتي تلقّاها منه.
( قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ) الخطاب لآدم وحوّاء، أو له ولإبليس. ولـمّا كان آدم وحوّاء أصلي البشر، والسّببين اللّذين منهما نشؤا وتفرّعوا، جعلا كأنّهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل:( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) لأمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب. أو لاختلال حال كلّ من النوعين بواسطة الآخر. أو الخطاب لآدم وحوّاء وإبليس. ويؤيّد الأوّل قوله:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) كتاب ورسول( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُ ) في الدنيا عن طريق الدين( وَلا يَشْقى ) في الآخرة عن الثواب الدائم.
عن ابن عبّاس: ضمن الله لمن اتّبع القرآن أن لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ثمّ تلا قوله:( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) .
والمعنى: أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضلّ في الدنيا عن طريق الدين، فمن اتّبع كتاب اللهعزوجل ، وامتثل أوامره، وانتهى عن نواهيه، نجا من الضلال ومن عقابه.
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) )
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) عن الهدى الذاكر لي، والداعي إلى عبادتي( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ) ضيّقا. مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه المذكّر والمؤنّث. وذلك لأنّ المعرض عن الدين مجامع همّته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا، متهالكا مفرط الحرص على ازديادها، خائفا على انتقاصها، شحيحا على إنفاقها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، فإن مع الدين التسليم والقناعة والتوكّل على الله وعلى قسمته، فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح وسهولة، فيعيش عيشا رافها، كما قالعزوجل :( فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ) (١) . مع أنّه تعالى قد يضيّق بشؤم الكفر، ويوسّع ببركة الإيمان، كما قال:( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) (٢) . وقال:( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (٣) .( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) (٤) . وقال :
__________________
(١) النحل: ٩٧.
(٢) البقرة: ٦١.
(٣) المائدة: ٦٦.
(٤) الأعراف: ٩٦.
( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) (١) . وقال:( وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ) (٢) .
وعن بعض العلماء: لا يعرض أحد عن ذكر ربّه إلّا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. وعن الحسن: المعيشة الضنك هي طعام الضريع والزقّوم في النار. وعن أبي سعيد الخدري: هو عذاب القبر.
( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) أعمى البصر. وهذا مثل قوله:( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) (٣) .
روى معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبد اللهعليهالسلام عن رجل لم يحجّ وله مال؟قال: هو ممّن قال الله تعالى: ونحشره يوم القيمة أعمى فقلت: سبحان الله أعمى؟ قال: أعماه الله عن طريق الحقّ».
وعن مجاهد: أعمى عن الحجّة. يعني: أنّه لا حجّة له يهتدي إليها. والأوّل هو الوجه، لأنّه الظاهر، ولا مانع منه. ويدلّ عليه الآية المذكورة وقوله:( قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ) وقد أمالهما حمزة والكسائي، لأنّ الألف منقلبة من الياء. وفرّق أبو عمرو بأنّ الأوّل رأس الآية ومحلّ الوقف، فهو جدير بالتغيير.
( قالَ كَذلِكَ ) أي: مثل ذلك فعلت أنت. ثمّ فسّره فقال:( أَتَتْكَ آياتُنا ) واضحة نيّرة( فَنَسِيتَها ) فلم تنظر إليها بعين المعتبر، ولم تتبصّر، وتركتها وعميت عنها، فكأنّك نسيتها( وَكَذلِكَ ) ومثل تركك إيّاها( الْيَوْمَ تُنْسى ) أي: جعلناك في العمى والعذاب كالشيء المنسيّ. يعني: نتركك في العمى والعذاب، ولا نزيل الغطاء عن عينيك.
( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الجزاء( نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ) بالانهماك في الشهوات
__________________
(١) نوح: ١٠ ـ ١١.
(٢) الجنّ: ١٦.
(٣) الإسراء: ٩٧.
المنهيّة، من الشرك وفرط الإعراض عن الآيات الناهية( وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ ) ولم يصدّقها، بل كذّب بها وخالفها.
ولـمّا توعّد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في الآخرة، ختم آيات الوعيد بقوله:( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ ) وهو الحشر على العمى الّذي لا يزول ابدا، أو عذاب النار الدائمي، أو كلاهما( أَشَدُّ وَأَبْقى ) من ضنك العيش المنقضي.
أو: ولتركنا إيّاه في العمى أشدّ وأبقى من تركه لآياتنا.
( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) )
( أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) مسند إلى ما دلّ عليه قوله:( كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ) أي: إهلاكنا إيّاهم. أو إلى الجملة، أي ألم يهد لهم هذا الكلام؟ ونظيره قوله تعالى:( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) (١) أي: تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول. ويدلّ عليه قراءته بالنون.( يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ) يمرّون بمساكن عاد وثمود، ويشاهدون علامات هلاكهم حين يتّجرون إلى الشام.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في إهلاكنا إيّاهم( لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. وفيه تنبيه لهم وتخويف، أي: أفلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بهؤلاء؟!( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمّة إلى الآخرة
__________________
(١) الصافّات: ٧٨ ـ ٧٩.
( لَكانَ لِزاماً ) لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازما لهؤلاء الكفرة. وهو مصدر وصف به. أو فعال بمعنى مفعل، أي: ملزم. وهو اسم آلة سمّي به اللازم، لفرط لزومه.( وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) عطف على «كلمة» أي: ولولا العدة بتأخير العذاب، وأجل مسمّى لأعمارهم أو لعذابهم، وهو يوم القيامة أو يوم بدر، لكان العذاب لزاما. والفصل للدلالة على استقلال كلّ منهما بنفي لزوم العذاب. ويجوز عطفه على المستكن في «كان» أي: لكان الأخذ العاجل وأجل مسمّى لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد وثمود.
( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) )
ثمّ أمر سبحانه نبيّه بالصبر على أذاهم، فقال:( فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) من تكذيبك، وأذاهم إيّاك( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) وصلّ وأنت حامد لربّك على هدايته لك، وتوفيقك لأداء الصلاة، وإعانتك عليه. أو المراد التسبيح على ظاهره، أي: نزّهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامدا له على ما ميّزك بالهدى، معترفا بأنّه مولي النعم كلّها.
ويؤيّد الأوّل ظاهر قوله:( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) يعني: الفجر( وَقَبْلَ غُرُوبِها ) يعني: الظهر والعصر، لأنّهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس
وغروبها. أو العصر وحده.
( وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ) ومن ساعاته. جمع إنى بالكسر والقصر، أو أناء بالفتح والمدّ.
( فَسَبِّحْ ) فصلّ. يعني: المغرب والعشاء، فإنّ «من» للابتداء. والمعنى: إنّ أوّل الليل ابتداء وقت العشاءين. وعن ابن عبّاس رضى عنه الله: صلاة الليل. و «من» للتبعيض.
وإنّما قدّم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل، لأنّ القلب فيه أجمع، والنفس فيه أميل إلى الاستراحة، فالعبادة فيه على النفس أشقّ وأحمز، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل، كما قالعليهالسلام : «أفضل الأعمال أحمزها».
ولذلك قال الله تعالى:( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) (١) .
( وَأَطْرافَ النَّهارِ ) تكرير لصلاتي الصبح والمغرب، إرادة الاختصاص، كما اختصّت في قوله:( حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ) (٢) . ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس، كقوله تعالى:( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) (٣) . وقول الشاعر: ظهراهما مثل ظهور الترسين(٤) .
وفيه نظر، لأنّ طرفي الشيء منه لا خارج عنه. وصلاة المغرب يقع في الليل، فكيف يكون في النهار؟ أللّهمّ إلّا أن يكون إسناد الطرف إلى وقت المغرب على سبيل التجوّز، تسمية باسم مجاوره وملاصقه. أو يراد بالنهار من الصبح إلى ذهاب الحمرة
__________________
(١) المزّمّل: ٦.
(٢) البقرة: ٢٣٨.
(٣) التحريم: ٤.
(٤) لخطام المجاشعي، صدره:
ومهمهين قذفين مرتين |
ظهراهما مثل ظهور الترسين |
والمهمه: المفازة والصحراء. يقال: فلاة قذف أو قذف، أي: تتقاذف بمن سلكها.
والمرت: القفر والصحراء لا ماء فيه ولا نبات. والترس: حيوان ناتئ الظهر. ثنّى الشاعر «ظهراهما» على الأصل، وجمع فيما بعد لأمن اللبس.
المغربيّة، كما قال بعضهم.
وقيل: المراد منه الأمر بصلاة الظهر، فإنّه نهاية النصف الأوّل من النهار وبداية النصف الأخير. وجمعه باعتبار النصفين، أو لأنّ النهار جنس. أو المراد العصر، وإعادتها لأنّها الوسطى عند الأكثر. وعلى هذا جمعه باعتبار أنّها أوقات العصر في النصف الأخير من النهار، فيصدق على كلّ ساعة أنّها طرف. أو المراد التطوّع في أجزاء النهار. ومن حمل التسبيح على الظاهر، أراد المداومة على التسبيح والتحميد على عموم الأوقات.
( لَعَلَّكَ تَرْضى ) متعلّق بـ «سبّح» أي: سبّح في هذه الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك، من الشفاعة والدرجة الرفيعة والمرتبة العليّة. وقيل: بجميع ما وعدك الله به، من النصر وإعزاز الدين في الدنيا، والشفاعة وسموّ المرتبة في العقبى.
وقرأ أبو بكر والكسائي بالبناء للمفعول، أي: يرضيك ربّك.
روي عن أبي رافع: نزل برسول الله ضيف، فبعثني إلى يهوديّ، فقال: قل: إنّ رسول الله يقول: أقرضني كذا من الدقيق إلى هلال رجب. فأتيته فقلت له. فقال: والله لا أقرضه إلّا برهن. فأتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبرته. فقال: والله لو أسلفني لقضيته، وإنّي لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه. فأنزل الله تعالى على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم تسلية له عن حطام الدنيا:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) أي: نظر عينيك( إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ ) استحسانا له، وتمنّيا أن يكون لك مثله، فإنّ مدّ النظر هاهنا عبارة عن تطويله بحيث لا يكاد يردّه، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنّيا أن يكون له، كما فعل نظّارة قارون حين قالوا:( يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (١) حتّى واجههم أولوا العلم والإيمان بـ( وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) (٢) .
__________________
(١، ٢) القصص: ٧٩ ـ ٨٠.
وفيه: أنّ النظر غير الممدود معفوّ عنه، وذلك مثل نظر من باده(١) الشيء بالنظر ثمّ غضّ الطرف، ومنه: النظرة الأولى لك لا الثانية. ولـمّا كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأن من أبصر منها شيئا أحبّ أن يمدّ إليه نظره ويملأ منه عينيه، قيل:( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) أي: لا تفعل ما كان من عادة الطبيعة ومقتضاها.
( أَزْواجاً مِنْهُمْ ) أصنافا من الكفرة. ويجوز أن يكون حالا من الضمير في «به»، والمفعول «منهم». كأنّه قيل: إلى الّذي متّعنا به. وهو أصناف بعضهم، أو ناسا منهم.
( زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) منصوب بالذمّ، وهو من أنواع النصب على الاختصاص.
أو بالبدل من محلّ به، أو من أزواجا، بتقدير مضاف، أي: ذوي زهرة. أو مفعول ثان لـ «متّعنا» على تضمين معنى: أعطينا وخوّلنا. وهي الزينة والبهجة.
وقرأ يعقوب بفتح الهاء. وهي لغة، كالجهرة والجهرة. أو جمع زاهر، وصفا لهم بأنّهم زاهر وهذه الدنيا، لتنعّمهم، وبهاء زيّهم، وصفاء ألوانهم، وتهلّل(٢) وجوههم، وطراوة نظرهم ممّا يلهون ويتنعّمون، بخلاف ما عليه المؤمنون الزهّاد.
ولقد شدّد العلماء من أهل التقوى والزهّاد في وجوب غضّ البصر عن أبنية الظلمة، وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنّهم إنّما اتّخذوا هذه الأشياء لعيون النظّارة، فالناظر إليها محصّل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتّخاذها.
( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنبلوهم ونختبرهم فيه، أي: لنعاملهم معاملة المختبر، بشدّة التعبّد في أداء الحقوق، وصرفه في مصرفه المأمور به.
وقيل: معناه: لنشدّد عليهم التعبّد، بأن نكلّفهم متابعتك والطاعة لك، مع كثرة أموالهم وقلّة مالك، فيستوجبوا العذاب الأليم عند تمرّدهم واستكبارهم.
وقيل: معنى الفتنة: العذاب، أي: لنعذّبهم في الآخرة بسببه، لأنّ الله قد يوسّع
__________________
(١) باده الشيء: بغته وفاجأه.
(٢) تهلّل وجه فلان: تلألأ من السرور.
الرزق على بعض أهل الدنيا تعذيبا له، كما قال:( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) (١) .
( وَرِزْقُ رَبِّكَ ) وما ادّخر لك في الآخرة( خَيْرٌ ) ممّا منحهم في الدنيا( وَأَبْقى ) فإنّه لا ينقطع. أو ما رزقك من نعمة الإسلام والنبوّة خير منه وأدوم. أو ما رزقك من الحلال الطيّب خير من أموالهم المحرّمة الخبيثة، فإنّ الغالب عليها الغصب والسرقة والربا، وأبقى بركة.
ثمّ أمر سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأن يأمر أهل بيته بالصلاة، بعد ما أمره بها، ليتعاونوا على الاستعانة بها على فقرهم، ولا يهتمّوا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة، فقال:( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ ) أي: أهل بيتك. وقيل: التابعين من أمّتك.( وَاصْطَبِرْ عَلَيْها ) واصبر على فعلها، وداوم عليها.
( لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً ) أي: أن ترزق نفسك ولا أهلك( نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) وإيّاهم، فلا تهتمّ بأمر الرزق والمعيشة، وفرّغ بالك لأمر الآخرة( وَالْعاقِبَةُ ) المحمودة( لِلتَّقْوى ) لذوي التقوى.
ويؤيّد أنّ الآية نزلت في أهل بيتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما روي عن أبي سعيد الخدري: «لمّا نزلت هذه الآية كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يأتي باب فاطمة وعليّعليهماالسلام تسعة أشهر وقت كلّ صلاة، فيقول: الصلاة رحمكم الله( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) (٢) الآية».
وما روي عن أبي جعفرعليهالسلام : «أمر الله نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخصّ أهله دون الناس، ليعلم الناس أنّ لأهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامّة، ثمّ أمرهم خاصّة».
وروي أيضا أنّه إذا أصاب أهله فقرا أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.
__________________
(١) الأعراف: ١٨٢ ـ ١٨٣.
(٢) الأحزاب: ٣٣.
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كان إذا أصابت أهله خصاصة قال: قوموا فصلّوا، بهذا أمر الله رسوله، ثمّ يتلو هذه الآية.
وعن بعضهم: من دان(١) في عمل الله، كان الله في عمله.
وعن عروة بن الزبير: أنّه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) الآية، ثمّ ينادي الصلاة الصلاة.
( وَقالُوا لَوْلَا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥) )
ولـمّا اقترح الكفّار المعاندون على عادتهم في التعنّت آية على النبوّة، مع وضوحها عندهم بالمعجزات الباهرة، قال الله تعالى في عنادهم ولجاجهم:( وَقالُوا ) أي: كفّار قريش( لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) مقترحة، إنكارا لـما جاء به من الآيات، أو للاعتداد به تعنّتا وعنادا. فألزمهم الله بإتيانه بالقرآن الّذي هو أمّ المعجزات وأعظمها وأبقاها، فقال:( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ) من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماويّة، فإنّ اشتمال القرآن على زبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكلّيّة، مع أنّ الآتي بها أمّي لم يرها ولم يتعلّم ممّن علمها، إعجاز بيّن.
__________________
(١) أي: أطاع وذلّ.
وفيه إشعار بأنّه كما يدلّ على نبوّته، برهان لـما في سائر الكتب المنزلة، ودليل صحّته، لأنّه معجزة، وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى حجّة تشهد على صحّتها.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: أو لم تأتهم بالتاء. والباقون بالياء.
ولـمّا كان حقيقة المعجزة اختصاص مدّعي النبوّة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق للعادة، ولاخفاء على من له أدنى مسكة أنّ العلم أصل العمل، وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا، فالقرآن الّذي أعجزهم عن إتيان مثل آية منه، مع أنّهم أفصح فصحاء العرب وأبلغ بلغائهم، المشتمل على خلاصة العقائد الحقّة وقواعد الأحكام السنيّة التي في الكتب السالفة، مع أميّة الآتي به، أبين المعجزات وأمتن البيّنات.
وقيل: معناه: أو لم يأتهم في القرآن بيان ما في الكتب الأولى من أنباء الأمم الّتي أهلكناهم، لـمّا اقترحوا الآيات ثمّ كفروا بها، فما ذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك؟
( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل بعث محمد، أو البيّنة والتذكير، لأنّها في معنى البرهان. أو المراد بها نزول القرآن.( لَقالُوا ) يوم القيامة( رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ) يدعونا إلى طاعتك، ويرشدنا إلى دينك( فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ) فنعمل بما فيها( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ ) بالقتل والسبي في الدنيا( وَنَخْزى ) بدخول النار يوم القيامة. فقطعنا عذرهم بإرسال الرسل، فلم يبق لهم معذرة.
وفيه دلالة على وجوب اللطف، فإنّه إنّما بعث الرسول لكونه لطفا، ولو لم يبعثه لكان للخلق حجّة عليه سبحانه، فكان في البعثة قطع العذر وإزاحة العلّة.
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ كُلٌ ) أي: كلّ واحد منّا ومنكم( مُتَرَبِّصٌ ) منتظر لـما يؤول إليه أمرنا وأمركم. فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم، وأنتم تتربّصون بنا الدوائر.
( فَتَرَبَّصُوا ) أمر على وجه التهديد( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِ )
الدين المستقيم. والسويّ بمعنى الوسط، أي: الخيار والجيّد، أو المستوي.( وَمَنِ اهْتَدى ) من الضلالة. أو من اهتدى إلى طريق الجنّة، نحن أم أنتم.
و «من» في الموضعين للاستفهام. ومحلّها الرفع بالابتداء. ويجوز أن تكون الثانية موصولة، بخلاف الأولى، لعدم العائد. فتكون معطوفة على محلّ الجملة الاستفهاميّة المعلّق عنها الفعل، على أنّ العلم بمعنى المعرفة. أو على «أصحاب» أو على «الصراط» على أنّ المراد به النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(٢١)
سورة الأنبياء
مكّيّة كلّها. وهي مائة واثنتا عشرة آية. أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلّم عليه كلّ نبيّ ذكر اسمه في القرآن».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «من قرأ سورة الأنبياء حبّا لها كان ممّن رافق النبيّين أجمعين في جنّات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس حياة الدنيا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة طه بذكر الوعيد، افتتح هذه السورة بذكر القيامة، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) اقتربه بالإضافة إلى ما مضى، لأنّ ما بقي من الدنيا أقصر وأقلّ ممّا سلف منها، بدليل انبعاث خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «بعثت في نسم الساعة» أي: أوّلها. وقال أيضا: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار إلى إصبعيه. ومن خطبة أمير المؤمنينعليهالسلام : «ولّت الدنيا حذّاء، ولم تبق إلّا صبابة كصبابة الإناء»(١) .
وإذا كانت بقيّة الشيء ـ وإن كثرت في نفسها ـ قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليفة بأن توصف بالقلّة.
أو المراد اقترابه عند الله، لقوله تعالى:( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ) (٢) .
وقوله:( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (٣) . أو لأنّ كلّ ما هو آت قريب، وإنّما البعيد ما انقرض ومضى.
والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت فقد اقترب ما فيها من الحساب والثواب والعقاب، وغير ذلك. ونحوه:( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ ) (٤) .
واللام صلة لـ «اقترب». أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم. وأصله: اقترب حساب الناس، ثم اقترب للناس الحساب، ثمّ اقترب للناس حسابهم، كقولك: أزف(٥) للحيّ رحيلهم. الأصل: أزف رحيل الحيّ، ثمّ أزف للحيّ الرحيل، ثمّ أزف للحيّ رحيلهم.
ومنه قولهم: لا أبالك، لأنّ اللام مؤكّدة لمعنى الإضافة. وهذا الوجه أغرب من أن يكون للصلة.
__________________
(١) نهج البلاغة (محمد عبده) ٩٣. والحذّاء: الماضية السريعة.
(٢) المعارج: ٦ ـ ٧.
(٣) الحجّ: ٤٧.
(٤) الأنبياء: ٩٧.
(٥) أي: اقترب.
وعن ابن عبّاس: أنّ المراد بالناس المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه.
ووجه اختصاصهم بالكفّار تقييدهم بقوله:( وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) عن الحساب( مُعْرِضُونَ ) عن التفكّر في عاقبته، ولا يتفطّنون لـما ترجع إليه خاتمة أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنّه لا بدّ من جزاء المحسن والمسيء. وهما خبران للضمير. ويجوز أن يكون الظرف حالا من المستكن في «معرضون». وقد تضمّنت الآية الحثّ على الاستعداد ليوم القيامة.
( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ) ينبّههم عن سنة الغفلة والجهالة. وهو طائفة نازلة من القرآن.( مِنْ رَبِّهِمْ ) صفة لـ «ذكر» أو صلة لـ «يأتيهم»( مُحْدَثٍ ) يحدث الله لهم آية بعد آية، ويجدّد لهم سورة بعد سورة( إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) يستهزؤن به ويستسخرون منه، لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكّر في العواقب.
وعجز الآية حال من الواو. وكذلك( لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهّي والذهول عن التفكّر فيه. ويجوز أن يكون حالا من واو «يلعبون».
وتنقيح المعنى: أنّهم إذا نبّهوا عن سنة الغفلة، وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات والنذر، أعرضوا عن التفكّر، وسدّوا أسماعهم ونفروا. وقرّر إعراضهم عن تنبيه المنبّه وإيقاظ الموقظ، بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتا فوقتا، ويحدث لهم آية بعد آية، وسورة بعد سورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة، لعلّهم يتّعظون. فما يزيدهم استماع الآي والسور، وما فيها من فنون المواعظ والبصائر الّتي هي أحقّ الحقّ وأجدّ الجدّ، إلّا لعبا وتلهّيا واستهزاء واستسخارا.
( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) ذكر التناجي بعد الإسرار ـ وإن لم يكن إلّا إسرارا ـ للمبالغة. والمعنى: بالغوا في إخفائها، أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم، ولا
يعلم أنّهم متناجون.
( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بدل من واو «وأسرّوا» للإيماء بأنّهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به. أو فاعل له، والواو لعلامة الجمع على لغة من قال: أكلوني البراغيث. أو مبتدأ والجملة المتقدّمة خبره. وأصله: وهؤلاء أسرّوا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر، تسجيلا على فعلهم بأنّه ظلم. أو منصوب على الذمّ.
وقوله:( هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) في موضع النصب بدلا من النجوى، أو مفعولا لقول مقدّر. كأنّهم استدلّوا بكونه بشرا على كذبه في ادّعاء الرسالة، لاعتقادهم أنّ الرسول لا يكون إلّا ملكا، واستلزموا منه أنّ ما جاء به من الخوارق ـ كالقرآن ـ سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار:( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أي: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنّه سحر؟! وإنّما أسرّوا بهذا الحديث وبالغوا في إخفائه، تشاورا في استنباط ما يهدم أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويظهر فساده للناس عامّة، فينفّروهم عنه بشيئين: أحدهما: أنّه بشر. والآخر: أنّ ما أتى به سحر.
( قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) )
ثم أمر سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( قالَ ) يا محمّد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: قال، بالإخبار عن رسوله. يعني: قال محمّد لهؤلاء الكفرة المتشاورين سرّا:( رَبِّي يَعْلَمُ
الْقَوْلَ ) جهرا كان أو سرّا( فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) .
وإنّما لم يقل: يعلم السرّ، ليطابق قوله: وأسرّوا النجوى، لأنّ القول عامّ يشمل السرّ والجهر، فكان في العلم به العلم بالسرّ وزيادة. فكان آكد في بيان الاطّلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السرّ، كما أنّ قوله: يعلم السرّ، آكد من أن يقول: يعلم سرّهم.
فلذلك اختير القول هاهنا، وليطابق قوله:( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) في المبالغة.
ثمّ بيّن ذلك بقوله:( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالهم( الْعَلِيمُ ) بضمائرهم وأفعالهم، فلا يخفى عليه ما يسرّون ولا ما يضمرون.
( بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ ) إضراب لهم عن قولهم: هو سحر، إلى أنّه تخاليط أحلام خيّلت إليه في المنام. ثمّ إلى أنّه كلام اختلقه من تلقاء نفسه.
ثمّ إلى أنّه كلام شعريّ يخيّل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغّبه فيها. وهكذا المبطل متحيّر، رجّاع، غير ثابت على قول واحد.
والظاهر أنّ «بل» الأولى لتمام حكاية ما مضى والابتداء بأخرى. أو للإضراب عن تحاورهم في شأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما ظهر عليه من الآيات، إلى تقاولهم في أمر القرآن.
ويجوز أن يكون الكلّ من الله، تنزيلا لأقوالهم في درج الفساد، لأنّ كونه شعرا ابعد من كونه مفترى، لأنّه مشحون بالحقائق والحكم، وليس فيه ما يناسب قول الشعراء.
والمفترى أبعد من كونه أحلاما، لأنّه مشتمل على مغيّبات كثيرة طابقت الواقع، والمفترى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام. ولأنّهم جرّبوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نيّفا وأربعين سنة، وما سمعوا منه كذبا قطّ. وأضغاث الأحلام أبعد من كونه سحرا، لأنّه يجانسه من حيث إنّهما من الخوارق.
( فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) أي: كما أرسل به الأولون، مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى. وصحّة التشبيه من حيث إنّ الإرسال في معنى: كما
أتى الأوّلون بالآيات، لأنّ إرسال الرسل متضمّن للإتيان بالآيات. ألا ترى أنّه لا فرق بين أن تقول: أرسل محمّد، وبين قولك: أتى محمد بالمعجزة.
ثمّ بيّن علّة عدم إيتاء الآيات المقترحة بقوله:( ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ ) من أهل قرية( أَهْلَكْناها ) باقتراح الآيات لـمّا جاءتهم( أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) لو جئتهم بها وهم أعتى منهم.
وفيه تنبيه على أنّ عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم، إذ لو أتى به ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم، وقد حكم سبحانه في هذه الأمّة أن لا يعذّبهم عذاب الاستئصال.
ثمّ أجاب سبحانه عن قولهم:( هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) بقوله:( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً ) من بني آدم( نُوحِي إِلَيْهِمْ ) قرأ حفص: نوحي بالنون( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) أهل الكتاب، فإنّ الذكر التوراة والإنجيل. وقيل: هم أهل العلم بأخبار من مضى، سواء كانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .
أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر حال الرسل المتقدّمة، حتّى يعلموهم أنّ رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا، ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا. والإحالة عليهم إمّا للإلزام، فإنّ المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل يثقون بقولهم. وأمّا لأنّ إخبار الجمّ الغفير يوجب العلم، وإن كانوا كفّارا.
وعن ابن زيد: أن أهل الذكر هم أهل القرآن. يعني: العلماء بالقرآن الّذي بيّن فيه أحوال الأنبياء وأممهم السالفة.
وروي عن عليٍّعليهالسلام أنّه قال: نحن أهل الذكر. وروي ذلك عن أبي جعفرعليهالسلام .
( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) )
ثمّ نفى لـما اعتقدوا من أنّ الوحي والرسالة والنبوّة من خواصّ الملائكة الّذين لا يحتاجون إلى الطعام، ولا يليق بحالهم الموت، فقال:( وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ) أي: ما أخرجناهم عن حدّ البشريّة ولوازمها بالوحي وإعطاء النبوّة.
وقيل: هذا جواب لقولهم:( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) (١) و( ما كانُوا خالِدِينَ ) تأكيد وتقرير له، فإنّ التعيّش بالطعام من توابع التحليل المؤدّي إلى الفناء.
وتوحيد الجسد لإرادة الجنس. أو لأنّه مصدر في الأصل. أو على حذف المضاف، أي: ذوي جسد. وهو جسم ذو لون، ولذلك لا يطلق على الماء والهواء. ومنه: الجساد للزعفران. وقيل: جسم ذو تركيب، لأنّ أصله لجمع الشيء واشتداده.
( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ ) أي: في الوعد. مثل:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (٢) أي: من قومه. والمعنى: أنجزنا ما وعدناهم به من النصر والظهور على الأعداء.
( فَأَنْجَيْناهُمْ ) من كيد أعدائهم( وَمَنْ نَشاءُ ) وأنجينا المؤمنين بهم، ومن في إيقائه حكمة، كمن سيؤمن هو أو أحد من ذرّيّته. ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال.
( وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ) على أنفسهم، بتكذيبهم الأنبياء وسائر معاصيهم. وهذا تخويف لكفّار قريش.
( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) )
ثمّ ذكر نعمته على العباد بإنزال القران، فقال:( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ ) يا قريش( كِتاباً ) يعني: القرآن( فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) شرفكم وصيتكم، كما قال:( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) (٣) . أو فيه موعظتكم وما تحتاجون إليه من أمر دينكم ودنياكم. أو فيه مكارم
__________________
(١) الفرقان: ٧.
(٢) الأعراف: ١٥٥.
(٣) الزخرف: ٤٤.
الأخلاق الّتي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر، كحسن الجوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والسخاء، وما أشبه ذلك من الأخلاق السنيّة، والخلال المرضيّة، والخصال المحمودة.( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) فتؤمنون.
( وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) )
ثمّ بيّن سبحانه ما فعله بالمكذّبين، ليتخوّفوا ويجتنبوا من الكفر والمعاصي، فقال:( وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ ) هذا كلام وارد عن غضب شديد عظيم، لأنّ القصم أفظع الكسر، وهو الكسر الّذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم، فإنّه من غير أن يبين. وأراد بالقرية أهلها، ولذلك وصفهم بالظلم بقوله:( كانَتْ ظالِمَةً ) فإنّها صفة لأهلها حقيقة، وصفت بها لـمّا أقيمت مقامه. فالمعنى: أهلكنا قوما ظالمين.( وَأَنْشَأْنا بَعْدَها ) بعد إهلاك أهلها( قَوْماً آخَرِينَ ) مكانهم.
وعن ابن عبّاس: أنّه حضور. وهي وسحول قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب.
في الحديث: كفّن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ثوبين سحوليّين. وروي: حضوريّين.
قيل: إنّ الله تعالى بعث إلى الحضوريّين نبيّا فقتلوه، فسلّط الله عليهم بختنصّر، كما سلّطه على أهل بيت المقدس، فاستأصلهم. وروي أنّه لـمّا أخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا لثارات الأنبياء، ندموا واعترفوا بالخطإ، وذلك حين لم ينفعهم الندم.
وصدر الآية يدلّ على كثرة القرى. ولعلّ ابن عبّاس ذكر «حضور» بأنّها إحدى
القرى الّتي أرادها الله بهذه الآية.
ثمّ بيّن حالهم ومقالهم حين مشاهدة العذاب بقوله:( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا ) فلمّا أدرك أهل القرى شدّة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس. يعني: فلمّا علموا شدّة عذابنا وبطشتنا علم حسّ ومشاهدة، لم يشكّوا وأدركوا بحواسّهم.( إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ) يهربون مسرعين راكضين دوابّهم. أو مشبّهين بهم من فرط إسراعهم. والركض ضرب الدابّة بالرجل.
فقيل لهم استهزاء:( لا تَرْكُضُوا ) إمّا بلسان الحال، أي: إنّهم خلقاء(١) بأن يقال لهم ذلك. أو المقال، والقائل ملك أو من ثمّ من المؤمنين.( وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ) من التنعّم والتلذّذ. والإتراف: إبطار النعمة، وهي: الترفة.( وَمَساكِنِكُمْ ) الّتي كانت لكم( لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ) .
تهكّم بهم وتوبيخ، أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلّكم تسألون عن أموالكم، وعمّا جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، وتجتهدوا في دفع هذه البليّة والعقوبة عنكم. أو تعذّبون، فإنّ السؤال من مقدّمات العذاب.
أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم، وترتّبوا في مراتبكم، حتّى يسألكم عبيدكم وحشمكم، ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقولوا لكم: بم تأمرون كعادة المتنعّمين؟ أو يسألكم الناس في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في المهمّات والنوازل، ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم والطمّاع، ويستمطرون سحائب أكفّكم، ويمترون(٢) أخلاف معروفكم وأياديكم. وذلك إمّا لأنّهم كانوا أسخياء، ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء. أو كانوا بخلاء، فقيل لهم
__________________
(١) جمع خليق بمعنى: جدير، أي: جدراء.
(٢) أي: يستدرّون. والخلف: حلمة ضرع الناقة. وجمعه: أخلاف.
ذلك تهكّما إلى تهكّم، وتوبيخا إلى توبيخ.
ولـمّا رأوا العذاب، ولم يروا وجه النجاة، فلم ينفعهم الركض والانهزام( قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) لأنفسنا حيث كذّبنا رسل ربّنا. والمعنى: أنّهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب. والويل: الوقوع في الهلكة.
( فَما زالَتْ ) أي: كلمة «يا ويلنا»( تِلْكَ دَعْواهُمْ ) دعوتهم. وإنّما سمّيت دعوى، لأنّ المولول كأنّه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك. وكلّ من «تلك» و «دعواهم» يحتمل الاسميّة والخبريّة.
( حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً ) مثل الحصيد، وهو النبت المحصود، ولذلك لم يجمع.
فشبّههم في استئصالهم واقتطاعهم بالمحصود، كما تقول: جعلناهم رمادا، أي: مثل الرماد.( خامِدِينَ ) ميّتين. من: خمدت النار إذا انطفأت. وهو مع «حصيدا» بمنزلة المفعول الثاني، أي: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، كقولك: جعلته حلوا حامضا، أي: جامعا للطعمين. فلا يقال: كيف ينصب «جعل» ثلاثة مفاعيل؟ والحاصل: أنّ حكم الأخيرين حكم الواحد، فيكون «جعل» متعدّيا إلى مفعولين.
( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) )
ثمّ بيّن أنّ الغرض من خلق أصناف الممكنات المشحونة بضروب البدائع وعجائب الصنائع، أن يستدلّوا بها على وجود صانعها، ليتخلّصوا بها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ويتعرّجوا بها من كدورات الشكوك والأوهام إلى مدارج الإيقان، فقال :
( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) ما خلقنا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما من أصناف الخلائق، منطوية على البدائع الغريبة، مشحونة بالصنائع العجيبة، للهو واللعب، كما صنع الجبابرة سقوفهم المرفوعة وفرشهم الممهّدة للعب واللهو، بل إنّما خلقناهما تبصرة للناظرين، وتذكرة للمعتبرين، وتسبّبا لـما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد. فينبغي أن يتوسّلوا بها إلى تحصيل الكمال، ولا يغترّوا بزخارفها السريعة الزوال.
ثمّ بيّن أنّ السبب في ترك اتّخاذ اللهو واللعب في أفعاله هو أنّ الحكمة صارفة عنه، وإلّا فهو قادر على اتّخاذه، فقال:( لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ) ما يتلهّى به ويلعب( لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا ) من جهة قدرتنا، لأنّا على كلّ شيء قادرون، كقوله:( رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ) (١) أي: من جهة قدرتنا.
وقيل: معناه: لاتّخذناه من عندنا، ممّا يليق بحضرتنا من المجرّدات، لا من الأجسام المرفوعة، والأجرام السفليّة المبسوطة، كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها(٢) ، وتسوية الفرش وتزيينها.
وعن ابن عبّاس: اللهو الولد بلغة اليمن. وعن الحسن: الزوجة. والمعنى: لو اتّخذنا نساء وولدا لاتّخذناه من أهل السماء، ولم نتّخذه من أهل الأرض. يريد: لو كان ذلك جائزا عليه لم يتّخذه بحيث يظهر لهم، بل يسرّ ذلك بحيث لم يطّلعوا عليه. وهذا ردّ على النصارى واليهود في أنّ المسيح وعزيز ابنا الله.
وقوله:( إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ) محذوف الجواب، أي: إن كنّا فاعلين ذلك لاتّخذناه، فحذف لدلالة الجواب المتقدّم عليه.
وعن مجاهد وقتادة: معناه: ما كنّا فاعلين اللعب. فـ «إن» نافية، والجملة كالنتيجة
__________________
(١) القصص: ٥٧.
(٢) أي: تنقيشها.
للشرطيّة.
ثمّ أضرب عن اتّخاذ اللهو، ونزّه ذاته عن اللعب، وقال: سبحاننا أن نتّخذ اللهو واللعب( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ ) بل من شأننا وعادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن القبيح، أن نغلب الحقّ الّذي من جملته الجدّ على الباطل الّذي من عداده اللهو، بأن نورد الأدلّة القاهرة على الباطل( فَيَدْمَغُهُ ) فيمحقه.
استعار لذلك القذف، وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرميّ، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشقّ غشاءه المؤدّي إلى زهوق الروح، تصويرا لإبطاله به ومحقه، ومبالغة فيه، لأنّه جعل الحقّ كالجرم الصلب مثل الصخر، فقذف به على جرم رخو أجوف فدمغه.
ثمّ ذكر ترشيح المجاز بقوله:( فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ) هالك مضمحلّ. وإذا كان الله سبحانه يظهر الحقّ بأدلّته الواضحة وحججه النيّرة، ويبطل الباطل بهذه المثابة، فكيف يفعل الباطل واللعب؟!( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) ممّا تصفونه به ممّا لا يجوز عليه. وهو في موضع الحال. و «ما» مصدريّة أو موصولة أو موصوفة.
( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) )
ولـمّا ذكر سبحانه هلاك الكفّار، بيّن بعده أنّه ما يهلكهم إلّا بالاستحقاق، لأنّه ما خلق العباد وما لأجلهم من السماء والأرض وما بينهما إلّا للعبادة، فلمّا كفروا جازاهم بكفرهم، فقال:( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) خلقا وملكا وملكا( وَمَنْ عِنْدَهُ ) يعني: جنس الملائكة المكرّمين المنزّلين منه ـ لكرامتهم عليه وشرفهم ـ منزلة المقرّبين عند الملوك، على طريق التمثيل والبيان، لشرفهم وفضلهم. أو المراد به نوع من الملائكة
متعال عن التبوّء(١) في السماء والأرض.
وهو معطوف على( مَنْ فِي السَّماواتِ ) . وإفراده للتعظيم. أو مبتدأ خبره( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ) لا يأنفون ولا يتعظّمون عنها( وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ) ولا يعيون ولا يملّون منها.
وإنّما جيء بالاستحسار الّذي هو مبالغة في الحسور، مع أنّ الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور، تنبيها على أنّ عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون.
( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) ينزّهونه ويعظّمونه في جميع أوقاتهم عن جميع ما لا يليق به( لا يَفْتُرُونَ ) حال من الواو في «يسبّحون». وهو استئناف، أو حال من ضمير قبله(٢) .
( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) )
( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً ) بل اتّخذوا. والهمزة لإنكار اتّخاذهم، فإنّ «أم» المنقطعة الكائنة بمعنى «بل» والهمزة قد آذنت بالإضراب عمّا قبلها والإنكار لـما بعدها، وهو اتّخاذهم آلهة( مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ) صفة لـ «آلهة» كقولك: فلان من مكّة أو من
__________________
(١) أي: الإقامة.
(٢) أي: «يسبّحون» حال من الضمير فيما قبله من «يستحسرون» وغيره.
المدينة. تريد: مكّي أو مدنيّ.
ومعنى نسبتها إلى الأرض: الإيذان بأنّها الأصنام الّتي تعبد في الأرض، لأنّ الآلهة على ضربين: أرضيّة وسماويّة. ومن ذلك حديث الأمة الّتي قال لها رسول الله: «أين ربّك؟ فأشارت إلى السماء. فقال: إنّها مؤمنة».
لأنّه فهم منها أنّ مرادها نفي الآلهة الأرضيّة الّتي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانا للهعزوجل . ففائدة قوله: «من الأرض» التحقير دون التخصيص.
ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض، لأنّها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة، أو تعمل من بعض جواهر الأرض.
ثمّ دلّ سبحانه على توحيده، فقال:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ ) غير الله. وصفت بـ «إلّا» لـمّا تعذّر الاستثناء، لعدم الجزم بشمول ما قبلها لـما بعدها ليكون متّصلا، ولا بعدمه ليكون منفصلا. ولا يجوز الرفع على البدل، لأنّ «لو» بمنزلة «إن» في أنّ الكلام معه موجب، والبدل لا يسوغ إلّا في كلام غير موجب، كقوله تعالى:( وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ) (١) . وذلك لأنّ أعمّ العامّ يجوز نفيه، ولا يصحّ إيجابه، لأنّه يصحّ أن يقال: ما في الدار إلّا زيد، ولا يصحّ: في الدار جميع الأشياء إلّا زيد.
والمعنى: لو كان يتولّاهما ويدبّر أمرهما آلهة شتّى غير الواحد الّذي هو فاطرهما( لَفَسَدَتا ) لبطلتا، لـما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، فإن توافقت على المراد تطاردت عليه القدر، وإن تخالفت تعاوقت عنه.
وفيه دلالة على أمرين: أحدهما: وجوب أن لا يكون مدبّرهما إلّا واحدا. والثاني: أن لا يكون ذلك الواحد إلّا إيّاه وحده، لقوله: «إلّا الله». وذلك لعلمنا أنّ الرعيّة تفسد بتدبير الملكين، لـما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وهو ظاهر.
وفي هذا دليل التمانع الّذي بنى عليه المتكلّمون مسألة التوحيد.
__________________
(١) هود: ٨١.
وتقرير ذلك: أنّه لو كان مع الله سبحانه إله آخر لكانا قديمين، والقدم من أخصّ الصفات، فالاشتراك فيه يوجب التماثل، فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيّين. ومن حقّ كلّ قادرين أن يصحّ كون أحدهما مريدا لضدّ ما يريده الآخر، من إماتة وإحياء، أو تحريك وتسكين، أو إفقار وإغناء، ونحو ذلك. فإذا فرضنا ذلك فلا يخلو: إمّا أن يحصل مرادهما، وذلك محال، لاجتماع النقيضين. وإمّا أن لا يحصل مرادهما، فينتقض كونهما قادرين. وإمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر، فينتقض كون من لم يقع مراده قادرا. فإذا لا يجوز أن يكون الإله إلّا واحدا.
ولو قيل: إنّهما لا يتمانعان، لأنّ ما يريده أحدهما يكون حكمة، فيريده الآخر بعينه.
والجواب: أنّ كلامنا في صحّة التمانع، لا في وقوع التمانع. وصحّة التمانع يكفي في الدلالة، لأنّه يدلّ على أنّه لا بدّ من أن يكون أحدهما متناهي المقدور دون الآخر، فلا يجوز أن يكون إلها.
ثمّ نزّه سبحانه ذاته عن أن يكون معه إله، فقال:( فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ ) المحيط بجميع الأجسام، الّذي هو محلّ التدابير، ومنشأ التقادير. ولهذا خصّه بالذكر.
( عَمَّا يَصِفُونَ ) من اتّخاذ الشريك والصاحبة والولد.
( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) لعظمته، وقوّة سلطانه، وتفرّده بالألوهيّة والسلطنة الذاتيّة.
وإذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم، وعمّا يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيّبا وإجلالا، مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم، كان ملك الملوك وربّ الأرباب وخالقهم ورازقهم أولى بأن لا يسأل عن أفعاله، مع ما علم واستقرّ في العقول من أنّ ما يفعله كلّه مفعول بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح.
( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) لأنّهم مملوكون مستعبدون خطّاؤن. فما أخلقهم بأن يقال لهم :
لم فعلتم؟ في كلّ شيء فعلوه. ويحتمل أن يكون الضمير للآلهة.
( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) كرّره استعظاما لكفرهم، واستفظاعا لأمرهم، وتبكيتا لقولهم، وإظهارا لجهلهم، أو ضمّا لإنكار ما يكون لهم سندا من النقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلا من العقل. على معنى: أوجدوا آلهة ينشرون الموتى، فاتّخذوهم آلهة، لـما وجدوا فيهم من خواصّ الألوهيّة؟ أو وجدوا في الكتب الإلهيّة الأمر بإشراكهم، فاتّخذوهم متابعة للأمر؟ ويعضد ذلك أنّه رتّب على الأوّل ما يدلّ على فساده عقلا، وعلى الثاني ما يدلّ على فساده نقلا.
( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) على ما وصفتم اللهعزوجل بأنّ له شريكا، إمّا من العقل أو من النقل، فإنّه لا يصحّ القول بما لا دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلا ونقلا. وفي هذا دلالة على فساد التقليد، لأنّه طالبهم بالحجّة على صحّة قولهم، فإنّ البرهان هو الدليل المؤدّي إلى العلم.
( هذا ) أي: هذا الوحي الوارد عليّ. أو هذا الشيء الموجود في القرآن والكتب الثلاثة الّتي بين أظهركم، من معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه.( ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ ) عظة للّذين معي. يعني: أمّته.( وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ) وعظة للّذين قبلي. يعني: أمم الأنبياء.
فانظروا هل تجدون في الكتب السالفة إلّا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك؟ وإضافة الذكر إليهم لأنّه عظتهم.
فلمّا توجّهت الحجّة عليهم ذمّهم سبحانه على جهلهم، فقال:( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ ) ولا يميّزون بينه وبين الباطل( فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) عن التوحيد واتّباع الرسول تقليدا وعنادا. وإنّما خصّ الأكثر منهم لأنّ فيهم من آمن.
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
(٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) )
ثمّ قرّر ما سبق من آي التوحيد بقوله:( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ ) لا معبود على الحقيقة( إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) فوجّهوا العبادة إليّ دون غيري. وهذا تعميم بعد تخصيص، فإنّ ذكر «من قبلي» من حيث إنّه خبر لاسم الاشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم، وهو الكتب الثلاثة.
ثمّ ردّ قول خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فقال:( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ ) تنزيه له عن ذلك( بَلْ عِبادٌ ) بل هم عباد من حيث إنّهم مخلوقون، والمعبوديّة تنافي الولادة( مُكْرَمُونَ ) مقرّبون مفضّلون على سائر العباد، لـما هم عليه من أحوال وصفات ليست لغيرهم، فذلك هو الّذي غرّ منهم من زعم أنّهم أولاد الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ) لا يقولون شيئا حتّى يقوله، كما هو عادة العبيد المؤدّبين.
وأصله: لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليه وإليهم، وجعل القول محلّه وأداته، تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله. وأنيبت اللام مناب الإضافة اختصارا، واحترازا عن تكرير الضمير.
( وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) لا يعملون قطّ ما لم يأمرهم به. يعني: كما أنّ قولهم تابع لقوله، فعملهم أيضا كذلك مبنيّ على أمره.
( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) لا تخفى عليه خافية ممّا قدّموا وأخّروا. وهو كالعلّة لـما قبله، والتمهيد لـما بعده. كأنّه قال: لـمّا علمت الملائكة يقينا بأنّ جميع ما يأتون
ويذرون ممّا قدّموا وأخّروا بعين الله، وهو مجازيهم عليه، فيضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويحافظون أوقاتهم. ومن تحفّظهم أنّهم لا يجسرون أن يشفعوا، مع أنّهم أشرف الخلائق وأعلى مرتبة منهم، كما قال:( وَلا يَشْفَعُونَ ) مهابة منه( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) لمن ارتضاه الله أن يشفع له.
( وَهُمْ ) مع هذا كلّه( مِنْ خَشْيَتِهِ ) من خشيته ومهابته وعظمته( مُشْفِقُونَ ) خائفون وجلون مرتعدون من التقصير في عبادته.
وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خصّ بها العلماء. والإشفاق خوف مع اعتناء، فإن عدي بـ «من» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بـ «على» فبالعكس.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّه رأى جبرئيل ليلة المعراج ساقطا كالحلس(١) من خشية اللهعزوجل ».
وبعد أن وصف كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنيّة، والأعمال المرضيّة، عقّبها بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنّم من أشرك منهم، وإن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنّه لا يكون، قصدا بذلك تفظيع أمر الشرك، وتهديد أهله، وتعظيم شأن التوحيد وأهله، فقال:( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ) من الملائكة. أو منهم ومن سائر الخلائق.( إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) يريد به نفي البنوّة، ونفي ادّعاء ذلك عن الملائكة، وتهديد المشركين( كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) من ظلم بالإشراك وادّعاء الربوبيّة.
( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي
__________________
(١) الحلس: ما يوضع على ظهر الدابّة، أو يبسط في البيت على الأرض تحت الثياب والمتاع.
الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) )
ثمّ قال تقريعا للكفرة:( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أو لم يعلموا. وقرأ ابن كثير بغير واو.( أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً ) ذواتي رتق، أو مرتوقتين، وهو الضمّ والالتحام، أي: كانتا شيئا واحدا، وحقيقة متّحدة.( فَفَتَقْناهُما ) بالتنويع والتمييز، وجعلنا كلّا منهما سبع طبقات. أو كانت السماوات واحدة، ففتقت بالتحريكات المختلفة حتّى صارت أفلاكا. وكانت الأرضون واحدة، فجعلت باختلاف كيفيّاتها وأحوالها طبقات أو أقاليم.
وقيل: كانت السماء لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، ففرّج.
وقيل: كانتا رتقا لا تمطر ولا تنبت، ففتقناهما بالمطر والنبات. وهو المرويّ عنهمعليهمالسلام . فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا، كما نقل عن عكرمة وعطيّة وابن زيد. وجمعها باعتبار الآفاق. أو السماوات بأسرها، على أنّ لها مدخلا مّا في الأمطار.
والكفرة وإن لم يعلموا ذلك، فهم متمكّنون من العلم به نظرا، فإنّ تلاصق الأرض والسماء وتباينهما جائز في العقل، فلا بدّ للتباين دون التلاصق من مخصّص، وهو القديم سبحانه. وأيضا الفتق عارض مفتقر إلى مؤثّر واجب ابتداء أو بوسط. أو استفسارا من العلماء، أو مطالعة الكتب السالفة، أو القرآن الّذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئيّ المشاهد.
وإنّما قال: «كانتا» ولم يقل: «كنّ» لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض.
( وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ ) وخلقنا من الماء كلّ حيوان، كقوله:( وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ) (١) . وذلك لأنّه من أعظم موادّه، فكأنّما خلقناه من الماء، أو لفرط احتياجه إليه، وانتفاعه به بعينه، وقلّة صبره عنه. وإن كان جعل متعدّيا إلى مفعولين، فمعناه: وصيّرنا كلّ شيء حيّ كائنا بسبب من الماء لا يحيا دونه.
وقيل: معناه: وجعلنا من الماء حياة كلّ ذي روح ونماء كلّ نام، فيدخل فيه الحيوان والنبات والأشجار.
( أَفَلا يُؤْمِنُونَ ) مع ظهور الآيات.
ثمّ بيّن كمال قدرته وشمول نعمته، فقال:( وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ) جبالا راسيات ثابتات. من: رسا إذا ثبت.( أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) كراهة أن تميل بهم وتضطرب. أو لأن لا تميد، فحذف اللام للقياس، و «لا» لأمن الإلباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله:( لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ ) (٢) . وهذا مذهب الكوفيّين.
( وَجَعَلْنا فِيها ) في الأرض، أو الرواسي( فِجاجاً سُبُلاً ) مسالك واسعة، فإنّ الفجّ هو الطريق الواسع. وإنّما قدّم «فجاجا» وهو وصف له، كما في قوله:( لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ) (٣) ليصير حالا، فيدلّ على أنّه حين خلقها خلقها على تلك الصفة. أو ليبدل منها «سبلا» فيدلّ ضمنا على أنّه خلقها ووسّعها للسابلة، مع ما يكون فيه من التأكيد.( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) إلى مصالحهم.
( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً ) وخلقناها رفيعا فوق الخلق كالسقف( مَحْفُوظاً ) عن الوقوع على الأرض بقدرته، كما قال:( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ) (٤)
__________________
(١) النور: ٤٥.
(٢) الحديد: ٢٩.
(٣) نوح: ٢٠.
(٤) فاطر: ٤١.
الآية. أو عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم. أو البلى والانهدام على طول الدهر. أو عن تسمع الشياطين على سكّانه من الملائكة بالشهب الثواقب، كما قال:( وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) (١) .
( وَهُمْ عَنْ آياتِها ) عمّا وضع اللهعزوجل فيها من الأحوال العجيبة، وعبرها الغريبة، وسائر الحالات الحادثة فيها، من الشمس والقمر وسائر النيّرات، ومسايرها طلوعا وغروبا، على النهج البديع، والترتيب العجيب، الدالّ على وجود صانعها القديم، ووجوب وجوده، وكمال علمه وقدرته، وتناهي حكمته، الّتي يحسّ ببعضها، ويبحث عن بعضها في علم الهيئة.
( مُعْرِضُونَ ) غير متفكّرين. وأيّ جهل أعظم من جهل من أعرض عنها، ولم يذهب به وهمه إلى تدبّرها، والاعتبار بها، والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن العدم، ودبّرها، ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها ممّا لا يعرف كنهه إلّا هو عزّت قدرته، ولطف علمه، وجلّت حكمته.
( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) اللّتان هما بعض الآيات السّماويّة( كُلٌّ فِي فَلَكٍ ) كلّ واحد منهما. والتنوين بدل من المضاف إليه. والمراد بالفلك الجنس، كقولهم: كساهم الأمير حلّة وقلّدهم سيفا، أي: كساهم وقلّدهم هذين الجنسين.( يَسْبَحُونَ ) يسرعون على سطح الفلك إسراع السابع على سطح الماء.
وهو خبر «كلّ». والجملة حال من «الشمس والقمر». وجاز انفرادهما بها عن الليل والنهار، لعدم الإلباس، كما تقول: رأيت زيدا وهندا متبرّجة، ونحو ذلك إذا جئت بصفة يختصّ بها بعض ما تعلّق به العامل، ومنه قوله تعالى في هذه السورة:( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً ) (٢) . فضمير «يسبحون» لهما. والجمع باعتبار كثرة المطالع. وإنّما
__________________
(١) الحجر: ١٧.
(٢) الأنبياء: ٧٢.
جعل الضمير واو العقلاء لوصفهما بفعلهم، وهو السباحة، كما قال:( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (١) .
( وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) )
روي أنّ المشركين مع وضوح تلك الآيات الدالّة على وجوب صانعها ووحدانيّتها عندهم، توغّلوا في العناد والمكابرة، ولم يصدّقوا الرسول في ذلك، وكانوا يقدّرون أنّه سيموت، ويقولون: نتربّص به ريب المنون، فيشمتون بموته، فنفى الله عنه الشماتة بقوله:( وَما جَعَلْنا ) وما قضينا( لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ) دوام البقاء في الدنيا. فلا أنت ولا هم إلّا عرضة للموت، فإذا كان الأمر كذلك( أَفَإِنْ مِتَ ) على ما يتوقّعونه وينتظرونه( فَهُمُ الْخالِدُونَ ) يخلدون بعدك؟ وفي معناه قول القائل :
فقل للشامتين بنا أفيقوا |
سيلقى الشامتون كما لقينا |
والمعنى: لئن متّ فإنّهم أيضا يموتون، فأيّة فائدة لهم في تمنّي موتك. والفاء الداخلة على «إن» الشرطيّة لتعلّق الشرط بما قبله. والهمزة لإنكاره بعد ما تقرّر ذلك.
ثم برهن عليه بقوله:( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) ذائقة مرارة مفارقتها جسدها( وَنَبْلُوكُمْ ) ونختبركم( بِالشَّرِّ ) بما يجب فيه الصبر من البلايا( وَالْخَيْرِ ) وبما يجب فيه الشكر من النعم( فِتْنَةً ) ابتلاء واختبارا. مصدر من غير لفظه( وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) وإلى حكمنا تردّون، فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. وإنّما سمّى ذلك ابتلاء، وهو عالم بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم، لأنّه في صورة الاختبار.
__________________
(١) يوسف: ٤.
والمعنى: نعاملكم معاملة المختبر بالفقر والغنى، وبالشدّة والرخاء، ليظهر على العالمين صبركم على ما تكرهون الله، وشكركم فيما تحبّون.
وفيه إيماء بأنّ المقصود من هذه الحياة الابتلاء، والتعريض للثواب والعقاب، تقريرا لـما سبق.
روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام مرض فعاده إخوانه، فقالوا: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: بشّر. قالوا: ما هذا كلام مثلك. فقالعليهالسلام : إنّ الله تعالى يقول: «ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة». فالخير الصحّة والغناء، والشرّ المرض والفقر».
( وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) )
وقال بعض الزهّاد: الشرّ غلبة الهوى على النفس، والخير العصمة عن المعاصي».
روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرّ يوما على جماعة من صناديد قريش، منهم أبو جهل، فضحك أبو جهل عليه، وقال لقرنائه على سبيل الاستهزاء به: هو نبيّ بني عبد مناف.
فنزلت:( وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) ما يتّخذونك إلّا مهزوءا به، ويقولون:( أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) أي: بسوء، ويقول: إنّها جمادات لا تنفع ولا تضرّ.
وإنّما أطلقه لدلالة الحال، فإنّ ذكر العدوّ لا يكون إلّا بسوء، وإن كان مطلقا، كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوّا فذمّ.
ومنه قولهم في إبراهيم:( سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ) (١) . وقولهم:( أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) .
( وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ ) بالتوحيد. أو بإرشاد الخلق، ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم. أو بالقرآن.( هُمْ كافِرُونَ ) منكرون.
__________________
(١) الأنبياء: ٦٠.
والمعنى: أنّهم عاكفون بهممهم على ذكر آلهتهم، وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم شفعاء وشهداء، ويسوؤهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأمّا ذكر اللهعزوجل ، وما يجب أن يذكر به من الوحدانيّة، فهم به كافرون، لا يصدّقون به أصلا. فهم أحقّ بأن يتّخذوا هزوا منك، فإنّك محقّ وهم مبطلون.
وتكرير الضمير للتأكيد والتخصيص، ولحيلولة الصلة بين الضمير وبين الخبر.
والجملة في موضع الحال، أي: يتّخذونك هزوا وهم على حال هي أصل الهزء والسخريّة.
وهي الكفر بالله.
وقيل: يعني «بذكر الرحمن» قولهم: ما نعرف الرحمن إلّا مسيلمة. وقولهم:( وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ) (١) .
( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) )
روي عن عطاء: أنّ النضر بن الحرث وأضرابه استعجلوا العذاب عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إنكارا واستهزاء، ويقولون: متى هذا الوعد؟ فأراد الله سبحانه زجرهم ونهيهم عن الاستعجال، فقدّم أوّلا ذمّ الإنسان على إفراط العجلة، وأنّ لزومها له على وجه كأنّه مطبوع عليها، فقال :
__________________
(١) الفرقان: ٦٠.
( خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ) كأنّه قيل: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا العذاب، فإنّ إفراط العجلة من الإنسان، وقلّة تأنّيه في الأمور، على وجه كأنّه خلق منه. وهذا كقولك: خلق زيد من الكرم، فجعل ما لا ينفكّ عنه إلّا نادرا بمنزلة المطبوع منه، مبالغة في لزومه. ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد.
( سَأُرِيكُمْ آياتِي ) نقماتي في الدنيا، كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النار( فَلا تَسْتَعْجِلُونِ ) بالإتيان بها.
وعلى ما فسّرنا ؛ لا يرد أنّ ذلك من باب تكليف ما لا يطاق، لأنّ النهي متعلّق بما هو مخلوق ومجبول في الإنسان. سلّمنا أنّه مجبول ومطبوع، لكن ذلك لا يستلزم التكليف بالمحال، لأنّه من قبيل أنّه سبحانه ركّب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها. ولا شبهة أنّه لا يستلزم التكليف بالمحال، لأنّه أعطاه القدرة الّتي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة.
وعن ابن عبّاس: أنّه أراد بالإنسان آدم، وأنّه حين بلغ الروح شراسيف(١) صدره، أراد أن يقوم فلم يتمكّن منه.
وروي: أنّه لـمّا دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنّة، ولـمّا دخل جوفه اشتهى الطعام.
وقيل: خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة، قبل غروب الشمس. فأسرع في خلقه قبل مغيبها.
وقيل: العجل الطين، بلغة حمير. وقال شاعرهم: والنخل ينبت بين الماء والعجل(٢) . فالمعنى: خلق آدم من طين.
( وَيَقُولُونَ ) إنكارا واستبعادا( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) وقت وعد العذاب، أو القيامة
__________________
(١) شراسيف جمع شرسوف، وهو طرف الضلع المشرف على البطن.
(٢) صدره: النبع في الصخرة الصمّاء منبته
( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يعنون: النبيّ وأصحابه.
( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ ) لا يدفعون( عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ ) يعني: أنّ النار تحيط بهم من جميع جوانبهم( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) جواب «لو» محذوف، و «حين» مفعول لـ «يعلم» أي: لو يعلمون الوقت الّذي يستعجلون منه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو وقت صعب شديد، تحيط بهم النار من ورائهم وقدّامهم، بحيث لا يقدرون على دفعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لـمّا كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الّذي هوّنه عندهم.
ويجوز أن يترك مفعول «يعلم». والمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لـما كانوا مستعجلين. و «حين» منصوب بمضمر، أي: حين لا يكفّون عن وجوههم النار يعلمون أنّهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم.
وإنّما وضع الظاهر فيه موضع الضمير، للدلالة على أنّ ما أوجب لهم ذلك هو الكفر.
( بَلْ تَأْتِيهِمْ ) العدة، أو النار، أو الساعة( بَغْتَةً ) فجأة. مصدر أو حال.
( فَتَبْهَتُهُمْ ) فتغلبهم. يقال للمغلوب في المحاجّة: مبهوت. ومنه:( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) (١) أي: غلب إبراهيمعليهالسلام الكافر. أو فتحيّرهم.
( فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ) أي: ردّ الوعد، فإنّه بمعنى النار أو العدة. أو ردّ الحين، فإنّه بمعنى الساعة، ويجوز أن يكون للنار أو للبغتة.( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) يمهلون. وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.
( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ
__________________
(١) البقرة: ٢٥٨.
رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) )
ثمّ سلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن استهزائهم به بقوله:( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ) كما استهزأ هؤلاء بك، فلك بالأنبياء أسوة( فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) فحلّ بهم جزاء استهزائهم. وفيه وعد له بأنّ ما يفعلون به ـ يعني: جزاءه ـ يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء.
( قُلْ ) يا محمد للمستهزئين( مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ) يحفظكم( بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ ) من بأسه وعذابه إن أراد بكم. والاستفهام في معنى النفي، تقديره: قل لا حافظ لكم من الرحمن. وفي لفظ «الرحمن» تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامّة، وأنّ اندفاعه بمهلته.
( بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ) لا يخطرونه ببالهم، ولا يتفكّرون فيه، فضلا أن يخافوا بأسه، حتّى إذا رزقوا الكلاءة منه عرفوا من الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه. والمراد أنّه أمر رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسؤالهم عن الكالئ.
ثمّ بيّن أنّهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. ثمّ أضرب عن ذلك بما في «أم» من معنى «بل»، وقال توبيخا وتقريعا:( أَمْ لَهُمْ ) أي: بل ألهم( آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ ) من العذاب( مِنْ دُونِنا ) تتجاوز منعنا وحفظنا. أو من عذاب يكون من عندنا. والإضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب، فإنّه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد، وعن المعتقد لنقيضه أبعد.
ثمّ استأنف إبطال ما اعتقدوه بقوله:( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ) ومنعها عن
العذاب. ولا يقدرون على دفع ما ينزل بهم عن نفوسهم.( وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ) ولا يصحبهم النصر والتأييد من الله. ومن لا يقدر على نصر نفسه، ولا يصحبه نصر من الله، فكيف يمنع غيره وينصره؟! ثمّ أضرب عمّا توهّموا، ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم، وهو الاستدراج والتمتيع بما قدّر لهم من الأعمار. أو أضرب عن الدلالة على بطلانه، ببيان ما أوهمهم ذلك، فقال:( بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ ) أمهلناهم( حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ) أي: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنّما هو بتمتيعنا إيّاهم بالحياة الدنيا وإمهالنا، كما متّعنا غيرهم من الكفّار، وأمهلناهم حتّى طال عليهم الأمد، وامتدّت بهم أيّام الروح والطمأنينة، فحسبوا أن لا يزالوا كذلك، لا يغلبون، ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم، وذلك طمع فارغ، وأمل كاذب.
ثمّ عقّبه بما يدلّ على أنّه أمل كاذب، فقال:( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ) أي: يأتي أمرنا أرض الكفرة( نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ) بتسليط المسلمين عليها، وإظهارهم على أهلها، وردّها إلى دار الإسلام. أسند سبحانه الإتيان والنقص إلى ذاته تعالى، تصويرا لـما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأنّ عساكرهم وسراياهم كانت تغزوا أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها، أرضا فأرضا، وقوما فقوما، فيأخذون قراهم وأرضهم.
( أَفَهُمُ الْغالِبُونَ ) رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين. الهمزة للإنكار، أي: ليسوا بغالبين، ولكنّهم المغلوبون، ورسول الله وناصروه هم الغالبون.
( قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
(٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) )
( قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ) بما أوحي إليّ( وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ ) وقرأ ابن عامر: ولا تسمع، على خطاب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . واللام في «الصمّ» إشارة إلى هؤلاء المنذرين، فهي للعهد لا للجنس. والأصل: ولا يسمعون، فوضع الظاهر موضع ضميرهم.
وسمّاهم الصمّ للدلالة على تصامّهم، وسدّهم أسماعهم إذا انذروا، وعدم انتفاعهم بما يسمعون، فهم في ذلك بمنزلة الأصمّ الّذي لا يسمع.
( إِذا ما يُنْذَرُونَ ) منصوب بـ «يسمع» أو بالدعاء. والتقييد به، لأنّ الكلام في الإنذار، أو للمبالغة في تصامّهم وتجاسرهم، أي: هم على صفة التصامّ وصدّ الأسماع من آيات الإنذار جرأة وجسارة.
( وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ) أدنى شيء. وفيه مبالغات ثلاث: ذكر المسّ، وما في النفحة من معنى القلّة، فإنّ أصل النفخ هبوب رائحة الشيء، والبناء الدالّ على المرّة.
( مِنْ عَذابِ رَبِّكَ ) من الّذي ينذرون به( لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) لدعوا على أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم، حتّى تصامّوا وأعرضوا.
ثمّ قال:( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ) العدل توزن بها الأعمال. وهو ميزان له كفّتان ولسان.
يروى: «أنّ داودعليهالسلام سأل ربّه أن يريه الميزان، فلمّا رآه غشي عليه ثمّ أفاق، فقال: يا إلهي من الّذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات؟ فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة».
وفي وزن الأعمال مع أنّها أعراض قولان: أحدهما: توزن صحائف الأعمال.
والثاني: أن تجعل في كفّة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفّة السيّئات جواهر سود
مظلمة.
وإفراد القسط لأنّه مصدر وصف به للمبالغة، كأنّها في نفسها قسط، أو على حذف المضاف، أي: ذوات القسط.
وقيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السويّ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرّة. فمثّل ذلك بوضع الموازين لتوزن بها الموزونات. ومصداقه قول قتادة: إنّ معناه: نضع العدل في المجازاة بالحقّ لكلّ أحد على قدر استحقاقه، فلا يبخس المثاب بعض ما يستحقّه، ولا يفعل بالمعاقب فوق ما يستحقّه.
( لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) لجزاء يوم القيامة. أو لأهله، أي: لأجلهم. أو فيه، كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر.
( فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) أي: لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزيد في إساءة مسيء( وَإِنْ كانَ ) العمل أو الظلم( مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) . ورفع نافع «مثقال» على «كان» التامّة، كقوله:( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ ) (١) .( أَتَيْنا بِها ) أحضرنا المثقال. وتأنيثه لإضافته إلى الحبّة، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه.( وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) )
__________________
(١) البقرة: ٢٨٠.
ولـمّا تقدّم ذكر الوحي بيّن عقيبه أنّ إنزال القرآن على نبيّه ليس ببدع، فقد أنزل على موسى وهارون التوراة، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ) أي: أعطيناهما الكتاب الجامع، لكونه فارقا بين الحقّ والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتّعظ به المتّقون. أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع. أو ذكر الشرف.
وعن ابن عبّاس: الفرقان: الفتح والنصر، كقوله:( يَوْمَ الْفُرْقانِ ) (١) . وعن الضحّاك: فلق البحر. وعن محمّد بن كعب: المخرج من الشبهات.
( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) صفة للمتّقين. أو مدح لهم منصوب أو مرفوع.( بِالْغَيْبِ ) حال من الفاعل، أو المفعول( وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ ) من القيامة وأهوالها( مُشْفِقُونَ ) خائفون. وفي تصدير الضمير، وبناء الحكم عليه، مبالغة وتعريض.
ولـمّا وصف التوراة أتبعه ذكر القرآن الّذي آتاه نبيّنا، فقال:( وَهذا ذِكْرٌ ) يعني: القرآن( مُبارَكٌ ) كثير خيره، وغزير منفعته، من المواعظ والزواجر، والأمثال الداعية إلى مكارم الأخلاق والأفعال( أَنْزَلْناهُ ) على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) استفهام توبيخ، أي: فلما ذا تنكرونه وتجحدونه مع كونه معجزا؟!
( وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) )
ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم من قصّة موسى وهارون بقصّة إبراهيمعليهالسلام ، الّذي
__________________
(١) الأنفال: ٤١.
هو من أجداد نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والعرب كانوا يفتخرون به، لانتهاء أنسابهم إليه، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ ) الاهتداء لوجوه الصلاح. وقيل: هو الحجج الموصلة إلى التوحيد. وقيل: النبوّة. وإضافته إليه ليدلّ على أنّه رشد مثله، وأنّ له شأنا.
( مِنْ قَبْلُ ) من قبل موسى وهارون، أو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: من قبل استنبائه، أو بلوغه حيث قال: إنّي وجّهت.
( وَكُنَّا بِهِ ) أي: بأنّه أهل لـما آتيناه من الخلّة والنبوّة( عالِمِينَ ) يعني: علمنا منه أحوالا بديعة، وأسرارا عجيبة، وصفات قد رضينا بها ونحمدها، حتّى أهّلناه لخلّتنا ومخالصتنا. وهذا كقولك في خيّر من الناس: أنا عالم بفلان. فكلامك هذا دالّ على علمك بمحاسن أوصافه ومكارم خصاله. وفيه إشارة إلى أنّ فعله تعالى باختيار وحكمة، وأنّه عالم بالجزئيّات.
( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ) لعمّه الّذي بمنزلة أبيه في تربيته بعد موت أبيه. والظرف متعلّق بـ «آتينا» أو بـ «رشده» أو بمحذوف، أي: اذكر من أوقات رشده وقت قوله لأبيه( وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ ) فيه تحقير لشأن آلهتهم المصوّرة بصور أجسام ذوات أرواح، وتوبيخ لإجلالهم لها، فإنّ التمثال صورة لا روح فيها، فلا يضرّ ولا ينفع.
وأصله الشيء المصنوع مشبّها بخلق من خلق الله. من: مثّلت الشيء بالشيء إذا شبّهته به. واسم ذلك الممثّل تمثال، وجمعه تماثيل. وقيل: إنّهم جعلوها أمثلة للأجسام العلويّة.
واللام للاختصاص، لا للتعدية، فإنّ تعدية العكوف بـ «على». والمعنى: وأنتم فاعلون العكوف لها، أو واقفون لها. فلو قصد تعدية العكوف لعدّاه بصلته الّتي هي «على»، كقوله:( يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ) (١) . أو يضمّن العكوف معنى العبادة.
روى العيّاشي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال: «إنّ أمير المؤمنينعليهالسلام مرّ بقوم
__________________
(١) الأعراف: ١٣٨.
يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل الّتي أنتم لها عاكفون؟ لقد عصيتم الله ورسوله».
ولـمّا كان الاستفهام مستلزما لسؤاله إيّاهم عمّا اقتضى عبادتها وحملهم عليها( قالُوا ) في جواب إبراهيم حين لم يجدوا حجّة في عبادتها:( وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ ) فقلّدناهم.
( قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أراد أنّ المقلّدين والمقلّدين جميعا منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، لعدم استناد الفريقين إلى دليل، بل إلى هوى متّبع، وشيطان مطاع. والتقليد إن جاز فإنّما يجوز لمن علم في الجملة أنّه على حقّ، كتقليد المقلّد المجتهد في فروع الإسلام لا في أصوله. وما أعظم كيد الشيطان للمقلّدين حين استدرجهم إلى أن قلّدوا آباءهم في عبادة التماثيل، وعفّروا لها جباههم، وهم معتقدون أنّهم على شيء، وجادّون في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحقّ عن باطلهم. وكفى أهل التقليد عارا وسبّة(١) أن عبدة الأصنام منهم.
و «أنتم» من التأكيد الّذي لا يصحّ الكلام مع الإخلال به، لأنّ العطف على ضمير مستتر هو في حكم بعض الفعل ممتنع. ونحوه:( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) (٢) .
( قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) )
__________________
(١) السبّة: العار، ومن يكثر الناس سبّه.
(٢) البقرة: ٣٥.
ولـمّا استبعدوا أن يكون ما هم عليهم ضلالا، بقوا متعجّبين من تضليله إيّاهم، وحسبوا أنّ ما قاله إنّما قاله على وجه المزاح والمداعبة، لا على طريق الجدّ( قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) أجادّ أنت فيما تقول محقّ عند نفسك، أم لاعب مازح؟
( قالَ ) إضرابا عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادّعاه:( بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ ) الضمير للسّماوات والأرض، أو للتماثيل. وهو أدخل في تضليلهم، وإلزام الحجّة عليهم.
( وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ ) المذكور من التوحيد( مِنَ الشَّاهِدِينَ ) المتحقّقين له، والمبرهنين عليه، فإنّ الشاهد من تحقّق الشيء عنده وحقّقه. فشهادته على ذلك احتجاجه عليه، وتصحيحه بالحجّة، كما تصحّح الدعوى بالشهادة. كأنّه قال: وأنا أبيّن ذلك وأبرهن عليه، كما تبيّن الدعاوي بالبيّنات، لأنّي لست مثلكم فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجّة، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا على أنّكم وجدتم عليه آباءكم.
( وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ) لأجتهدنّ في كسرها( بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا ) عنها( مُدْبِرِينَ ) إلى عيدكم. وإيثار التاء على الباء ـ مع أنّ الباء هي الأصل، فإنّ التاء بدل من الواو المبدلة منها ـ لـما في التاء من زيادة معنى، وهو التعجّب. وذكر الكيد لتوقّفه على نوع من الحيل، فكأنّه تعجّب من تسهّل الكيد على يده وتأتّيه، لأنّ ذلك كان أمرا مقنوطا منه، لصعوبته وتعذّره. ولعمري أنّ مثله صعب متعذّر في كلّ زمان، خصوصا في زمن نمرود، مع عتوّه واستكباره وقوّة سلطانه، وحرصه على نصرة دينه، ولكن: إذا الله سنّى(١) عقد شيء تيسّرا(٢) .
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «سنّى الأمر: إذا سهّله. وسنّى العقدة إذا حلّها. منه».
(٢) تمام البيت :
عن قتادة ومجاهد: إنّما قال ذلك سرّا من قومه، ولم يسمع ذلك إلّا رجل منهم فأفشاه.
( فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً ) قطاعا. فعال بمعنى مفعول، كالحطام. من: الجذّ، وهو القطع.
وقرأ الكسائي بالكسر. وهو لغة، أو جمع جذيذ، كخفاف وخفيف.( إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ ) للأصنام. يعني: كسر غيره واستبقاه.
روي أنّ آزر خرج بإبراهيم في يوم عيد لهم، فبدءوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها، ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم، وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا. فذهبوا وبقي إبراهيم، فنظر إلى الأصنام، وكانت سبعين صنما مصطفّة، وثمّ صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب، وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلّها بفأس في يده، حتّى لم يبق إلّا الكبير، فعلّق الفأس في عنقه.
( لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ) لأنّهعليهالسلام غلب على ظنّه أنّهم لا يرجعون إلّا إليه، لتفرّده واشتهاره بينهم بعداوة آلهتهم، فيحاجّهم بقوله:( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ ) فيحجّهم.
وعن الكلبي: الضمير للكبير، أي: لعلّهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها، إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حلّ العقد، فيبكّتهم بذلك إذا تبيّن لهم أنّه عاجز لا ينفع ولا يضرّ، وظهر أنّهم في عبادته على جهل عظيم. أو إلى الله، أي: يرجعون إلى توحيده عند تحقّقهم عجز آلهتهم.
( قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
__________________
وأعلم علما ليس بالظنّ أنّه |
إذا الله |
أي: إذا سهّل الله صعوبة شيء وأزالها سهل تحصيله أو دفعه.
يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) )
( قالُوا ) حين رجعوا إلى معبدهم ورأوا ما رأوا( مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) لشديد الظلم، معدود في الظلمة بجرأته على الآلهة الحقيقة بالإعظام، أو إفراطه في حطمها، وتماديه في الاستهانة بها، أو بتوريط نفسه للهلاك. و «من» يحتمل الاستفهام والموصول.
( قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ) يعيبهم فلعلّه فعله. و «يذكر» صفة «فتى» مصحّحة لأن يتعلّق به السمع. وهو أبلغ في نسبة الذكر إليه.( يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ) هو إبراهيم.
ويجوز رفعه بالفعل، لأنّ المراد به الاسم لا المسمّى. وهذا أيضا صفة «فتى»، إلّا أنّه لا يحتاج السمع إليه في تعلّقه، بخلاف الأوّل.
( قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ ) في محلّ الحال، بمعنى: معاينا مشاهدا، أي: بمرأى منهم ومنظر. و «على» وارد على طريق التشبيه، أي: يثبت إتيانه في الأعين، وتتمكّن صورته فيها تمكّن الراكب على المركوب.( لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ) عليه بفعله، أو يحضرون عقوبتنا له.
روي: أنّ الخبر بلغ نمرود وأشراف قومه، فأمروا بإحضاره، فلمّا حضر( قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) هذا من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع، لا يتغلغل فيها إلّا أذهان
الراضة(١) من علماء المعاني.
وتنقيح الكلام فيه: أنّ قصد إبراهيمعليهالسلام لم يكن إلى أن ينسب العقل الصادر عنه إلى الصنم، وإنّما قصد تقريره لنفسه، وإثباته لها على أسلوب تعريضيّ يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجّة وتبكيتهم. وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخطّ رشيق ـ وأنت شهير بحسن الخطّ ـ: أأنت كتبت هذا، وصاحبك أمّي لا يحسن الخطّ، ولا يقدر إلّا على خرمشة(٢) فاسدة؟ فقلت له: بل كتبته أنت. كأنّ قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمّي أو المخرمش، لأنّ إثباته ـ والأمر دائر بينكما للعاجز منكما ـ استهزاء به وإثبات للقادر.
ولقائل أن يقول: غاضته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفّة مرتّبة، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشدّ، لـما رأى من زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعل إليه، لأنّه هو الّذي تسبّب لاستهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره يسند إلى الحامل عليه.
ويجوز أن يكون حكاية لـما يقود إلى تجويزه مذهبهم إلزاما لهم. كأنّه قال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم؟ فإنّ من حقّ من يعبد ويدعى إلها أن يقدر على هذا وأشدّ منه.
ويحكى أنّه قال: فعله كبيرهم هذا حين غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها.
وقيل: إنّه في المعنى متعلّق بقوله:( إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) وما بينهما اعتراض. فعلّق الكلام بشرط لا يوجد، فلا يكون كذبا، كقول القائل: فلان صادق فيما يقول إن لم يكن فوقنا سماء.
وقيل: الضمير لـ «فتى» أو إبراهيم، ولذلك وقف على «فعله»، ويبتدأ فيقرأ:( كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ ) .
__________________
(١) أي: المهرة الخبراء في تذليل صعاب المسائل وتطويعها. جمع رائض.
(٢) في هامش النسخة الخطّية: «قال الأزهري: الخرمشة إفساد الكتاب والعمل ونحوه. منه». انظر تهذيب اللغة للأزهري ٧: ٦٤٦.
فلمّا ألقمهم الحجر، وأخذ بمخانقهم، وحاروا عن جوابه( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ) وراجعوا عقولهم( فَقالُوا ) فقال بعضهم لبعض( إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) على الحقيقة بهذا السؤال، أو بعبادة من لا ينطق ولا يضرّ ولا ينفع، لا من ظلمتموه بقولكم: من فعل بهذا بآلهتنا إنّه لمن الظالمين.
( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ ) النكس: القلب. تقول: نكسته أي: قلبته، فجعلت أسفله أعلاه. وانتكس: انقلب.
والمعنى: استقاموا اوّلا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة، ثمّ انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة، فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة. فشبّه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه. فقالوا جدالا:( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) فكيف تأمر بسؤالها؟! أو قلبوا على رؤوسهم حقيقة، لفرط إطراقهم خجلا وانكسارا وانخزالا(١) ممّا بهتهم به إبراهيمعليهالسلام . فما أحاروا جوابا إلّا ما هو حجّة عليهم، لأنّهم نفوا عن آلهتهم القدرة على النطق، واعترفوا بأنّها ـ مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق ـ آلهة معبودة.
( قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً
__________________
(١) أي: انقطاعا.
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) )
( قالَ ) إنكارا لعبادتهم لها، بعد اعترافهم بأنّها جمادات( أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ) لا تنفع ولا تضرّ، بعيدة جدّا عن رتبة الألوهيّة، وتضجّرا ممّا رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وبعد وضوح الحقّ وزهوق الباطل.
( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) «أفّ» صوت إذا صوّت به علم أنّ صاحبه متضجّر. واللام لبيان المتأفّف به، أي: لكم ولآلهتكم هذا التأفّف.( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) قبح صنيعكم.
ولـمّا عجزوا عن المحاجّة وغلبوا، أجمعوا رأيهم بإهلاكه( قالُوا حَرِّقُوهُ ) فإنّ النار أهول ما يعاقب به( وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ) بالانتقام لها( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) ناصرين لها نصرا مؤزّرا، فاختاروا له أهول المعاقبات، وهي الإحراق بالنار، وإلّا فرّطتم في نصرتها. ولهذا عظّموا النار، وتكلّفوا في تشهير أمرها، وتفخيم شأنها، ولم يألوا جهدا في ذلك. وهكذا حال المبطل إذا قرعت شبهته بالحجّة وافتضح، لم يكن أحد أبغض إليه من المحقّ، ولم يبق له مفزع إلّا مناصبته، كما فعلت قريش برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين عجزوا عن المعارضة.
والقائل بالتحريق فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون، خسف به الأرض، فهو يتجلجل(١) فيها إلى يوم القيامة. وقيل: نمروذ.
__________________
(١) تجلجل في الأرض أي: ساخ فيها ودخل.
روي أنّهم حين همّوا بإحراقه حبسوه، ثمّ بنوا بيتا كالحظيرة بكوثى(١) ، وجمعوا شهرا أصناف الخشب الصلاب، حتّى إن كانت المرأة لتمرض فتقول: إن عوفيت لأجمعنّ حطبا لإبراهيم. ثمّ أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجوّ من وهجها(٢) . ولـمّا أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار لم يدروا كيف يلقونه، فجاء إبليس فدلّهم على المنجنيق، وهو أوّل منجنيق صنعت، فوضعوه فيها مقيّدا مغلولا، فرموا به فيها.
فناداه جبرئيل حين أشرف على النار: يا إبراهيم هل لك حاجة؟
فقال: أمّا إليك فلا.
فقال: فسل ربّك.
قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
فببركة هذا القول( قُلْنا ) بواسطة جبرئيل( يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ) ذات برد وسلام( عَلى إِبْراهِيمَ ) أي: ابردي بردا غير ضارّ.
وفيه مبالغات: جعل النار المسجّرة مسخّرة لقدرته، مأمورة مطيعة له، وإقامة: كوني ذات برد، مقام: ابردي، ثمّ حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
وعن ابن عبّاس: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها.
وقيل: نصب «سلاما» بفعله، أي: وسلّمنا سلاما عليه.
وعن ابن عبّاس: إنّما نجا إبراهيم بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل.
وعن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «يا الله، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فحسرت النار عنه».
روي: أنّه لـما أُدني إبراهيمعليهالسلام إلى حظيرة النار، جعلها الله روضة لم يحترق منه إلّا وثاقه(٣) .
__________________
(١) كوثى: محلّة بالعراق، ومحلّة بمكّة لبني عبد الدار. القاموس ١: ١٧٣.
(٢) وهج النار: اتّقادها، أو حرّها من بعيد.
(٣) الوثاق: ما يشدّ به من قيد وحبل ونحوهما.
وروى الواحدي بالإسناد مرفوعا إلى أنس بن مالك، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ نمروذ الجبّار لـمّا ألقى إبراهيم في النار، أتى إليه جبرئيل بقميص من الجنّة، وطنفسة(١) من الجنّة، فألبسه القميص، وأقعده على الطنفسة، وقعد معه يحدّثه»(٢) .
روي: أنّ نمرود اطّلع عليه من الصرح فإذا هو في روضة خضراء، ومعه جليس له من الملائكة، فقال: عظيم ربّك يا إبراهيم، إنّي مقرّب إلى إلهك، فذبح أربعة آلاف بقرة، وكفّ عن إبراهيم. وكان إبراهيم إذ ذاك ابن ستّ عشرة سنة.
وانقلاب النار هواء طيّبا ليس ببدع، غير أنّه هكذا على خلاف المعتاد، فهو إذن من معجزاته.
وقيل: كانت النار بحالها، لكنّه تعالى نزع عنها طبعها الّذي طبعها عليه من الحرّ والإحراق، وأبقاها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت، والله على كلّ شيء قدير. ويجوز أن يدفع الله تعالى بقدرته عن جسم إبراهيم أذى حرّها، ويذيقه فيها عكس ذلك، كما يفعل بخزنة جهنّم، وكما ترى في السمندر.
( وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً ) مكرا في إضراره( فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) أخسر من كلّ خاسر، لـمّا عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنّهم على الباطل وإبراهيم على الحقّ، وموجبا لمزيد درجته واستحقاقهم أشدّ العذاب.
قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى سلّط على نمروذ وخيله البعوض، حتّى أخذت لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في دماغه حتّى أهلكته، وذلك معنى قوله:( فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ) .
( وَنَجَّيْناهُ ) من نمروذ وكيده( وَلُوطاً ) وهو ابن أخيه( إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ) بأن أمرناهما أن يذهبا من العراق إلى الشام. وبركاته الواصلة إلى
__________________
(١) الطنفسة: البساط والحصير.
(٢) تفسير الوسيط ٣: ٢٤٤.
العالمين: أنّ أكثر الأنبياء بعثوا فيه، فانتشرت في العالمين شرائعهم الّتي هي مبادئ الكمالات والخيرات الدينيّة والدنيويّة.
وقيل: بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر والثمر، والخصب الغالب، وطيب عيش الغنيّ والفقير.
وعن سفيان: أنّه خرج إلى الشام، فقيل له: إلى أيّ موضع؟ فقال: إلى بلد يملأ فيه الجراب(١) بدرهم.
وقيل: ما من ماء عذب إلّا وينبع أصله من تحت الصخرة الّتي ببيت المقدس.
وروي: أنّه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة.
وعن ابن عبّاس: نجّاهما إلى مكّة، كما قال:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ) (٢) .
( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً ) عطيّة محض تفضّل منّا زائدة. فهي حال منهما. أو أعطيناه يعقوب هبة زائدة، فإنّه سألنا ولدا حين قال:( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) (٣) . ونحن وهبناه ولدا وولد ولد. فعلى هذا الحال تختصّ بيعقوب. ولا بأس به، للقرينة.
( وَكُلًّا ) يعني: الأربعة( جَعَلْنا صالِحِينَ ) للنبوّة. أو وفّقناهم للصلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين.
( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً ) يقتدى بهم( يَهْدُونَ ) الناس إلى طريق الحقّ( بِأَمْرِنا ) لهم بذلك، وإرسالنا إيّاهم، حتّى صاروا مكمّلين عبادنا.
وفيه إشارة إلى أنّ من صلح ليكون قدوة في دين اللهعزوجل ، فالهداية محتومة عليه ،
__________________
(١) الجراب: وعاء من جلد. وجمعه أجربة.
(٢) آل عمران: ٩٦.
(٣) الصافّات: ١٠٠.
مأمور هو بها من جهة الله، ليس له أن يخلّ بها، ويتثاقل عنها. وأوّل ذلك أن يهتدي بنفسه، لأنّ الانتفاع بهداية المهتدي أعمّ، والنفوس إلى الاقتداء بالمهديّ أميل.
ولهذا قالعزوجل :( وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ) ليحثّوهم عليه، فيتمّ كمالهم بانضمام العمل إلى العلم. وعن ابن عبّاس: هي شرائع النبوّة. وأصله: أن تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات، ثمّ فعل الخيرات. وكذلك قوله:( وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ ) . وهو من عطف الخاصّ على العامّ، للتفضيل. وحذفت تاء الإقامة المعوّضة من إحدى الألفين، لقيام المضاف إليه مقامها.
( وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ) موحّدين مخلصين في العبادة. ولذلك قدّم الصلة.
( وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) )
( وَلُوطاً ) منصوب بفعل يفسّره قوله:( آتَيْناهُ حُكْماً ) حكمة، أو نبوّة، أو فصلا بين الخصوم( وَعِلْماً ) بما ينبغي علمه للأنبياء.
( وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ ) قرية سدوم، من أعظم القرى بالمؤتفكة( الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ) يعني: اللواط، والتضارط في أنديتهم، وقطع الطريق، وغير ذلك من القبائح. وأراد بالقرية أهلها، فوصفها بصفة أهلها، أو أسندها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه. ويدلّ عليه قوله:( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ ) خارجين عن طاعة الله تعالى. وهو كالتعليل لقوله:( تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ) .
( وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا ) في أهل رحمتنا ونعمتنا. أو في جنّتنا. ومنه الحديث :
«هذه ـ يعني: الجنّة ـ رحمتي أرحم بها من أشاء».
( إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الّذين سبقت لهم منّا الحسنى، أي: بسبب أنّه من الصالحين الّذين أصلحوا أفعالهم، فعملوا بما هو الحسن منها دون القبيح. وقيل: أراد أنّه من النبيّين.
( وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) )
ثمّ عطف سبحانه قصّة نوح وداود على قصّة إبراهيم، لـما بينهما من الشبه في تحمّل المشاقّ العظيمة والأذى الكثيرة من الأمّة، فقال:( وَنُوحاً إِذْ نادى ) إذ دعى الله على قومه فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) (١) ( مِنْ قَبْلُ ) من قبل هؤلاء المذكورين( فَاسْتَجَبْنا لَهُ ) دعاءه( فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) الغمّ الشديد الّذي يصل حرّه إلى القلب ويقلقه. وهو الطوفان، أو أذى قومه.
( وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) من: نصرته فانتصر، بمعنى: منعته فامتنع. فهو من النصر الّذي يطاوعه الانتصار، لا من النصر الذي بمعنى الإعانة، لأنّ «من» آبية عنه. يقال: أللّهمّ انصرني منه، أي: اجعلني منتصرا منه. فالمعنى: جعلناه منتصرا منهم. وعن أبي عبيدة: «من» بمعنى «على». فعلى هذا يكون المعنى: أعنّاه عليهم، بأن نغلبه ونسلّطه عليهم بعد أن كان مغلوبا في أيديهم.
( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ) لاجتماع الأمرين: تكذيب الحقّ، والانهماك في الشرّ فيهم، فإنّهما لم يجتمعا في قوم إلّا وأهلكهم الله.
__________________
(١) نوح: ٢٦.
( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢) )
ثمّ عطف على قصّة نوحعليهالسلام ، قصّة داود وسليمان. ووجه تخصيصهما بالذكر بعد قصّته: مزيّة علوّ رتبتهما دينا ودنيا على أنبياء بني إسرائيل، وتنبيه نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم على أنّهما مع كونهما ملكين عظيمين، لا يمنع ملكهما وحشمتهما عن تبليغ الأحكام الشرعيّة وسائر وظائف العبوديّة، فينبغي أن يكون اهتمامك في أداء وظائف العبادة وتبليغ الرسالة أبلغ منهما، لقلّة سعيك بالأمور الدينيّة، فقال:( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ ) أي: اذكرهما( إِذْ يَحْكُمانِ ) وهو بدل منهما، أي: واذكر حين يحكم داود وسليمان( فِي الْحَرْثِ ) في الزرع. وقيل: في كرم تدلّت عناقيده.( إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ ) حين رعته ليلا. يقال: نفشت الغنم والإبل، تنفش نفشا، إذا رعت ليلا بلا راع، فلا يكون النفش إلّا بالليل.( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ ) لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما( شاهِدِينَ ) عالمين، لم يغب عنّا منه شيء.
( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ) الضمير للحكومة أو الفتوى.
روي أنّ داود حكم بالغنم لصاحب الحرث. فقال سليمان ـ وهو ابن إحدى عشرة سنة ـ: غير هذا يا نبيّ الله أرفق بالفريقين.
قال: وما ذاك؟
قال: تدفع الغنم إلى صاحب الزرع، فينتفع بألبانها وأولادها وأشعارها، والحرث إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتّى يعود كهيئة يوم أفسد، ثمّ يترادّان.
فقال داود: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك.
والصحيح أنّهما جميعا حكما بالوحي، إلّا أنّ حكومة سليمان نسخت حكومة داود، لأنّ الأنبياء لا يجوز أن يحكموا بالظنّ والاجتهاد ولهم طريق إلى العلم.
وفي قوله:( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً ) دليل على أنّ كليهما كانا مصيبين، ويبطل قول البلخي وأضرابه من العامّة أنّه يجوز أن يكون ذلك الحكم عن اجتهاد.
وتنقيح المبحث: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا كان يوحى إليه، وله طريق إلى العلم بالحكم، فلا يجوز أن يحكم بالظنّ. على أنّ الحكم بالظنّ والاجتهاد والقياس، قد بيّن أصحابنا في كتبهم أنّه لم يتعبّد بها في الشرع إلّا في مواضع مخصوصة. ولأنّه لو جاز للنبيّ أن يجتهد، لجاز لغيره أن يخالفه، كما يجوز للمجتهدين أن يختلفا، ومخالفة الأنبياءعليهمالسلام تكون كفرا.
هذا وقد قال الله سبحانه:( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) (١) . فأخبر سبحانه أنّه إنّما ينطق عن جهة الوحي.
إن قلت: لم لا يجوز الاجتهاد للنبيّ إذا حضرت الواقعة وفقد الوحي، وكان تأخير الحكم ضررا؟ وحينئذ لا يلزم العمل بالظنّ مع إمكان العلم، إذ الفرض عدمه.
قلت: إنّ الحكم حينئذ ليس باجتهاد، لدلالة الوحي على نفي الضرر، فيكون حكما بالنصّ النوعي.
__________________
(١) النجم: ٣ ـ ٤.
واعلم أنّ حكم هذه المسألة في شرعنا ضمان مالك الماشية مع التفريط لا بدونه، تمسّكا بالروايات المأثورة عن أئمّتناعليهمالسلام .
وقال بعض أصحابنا والشافعي، يضمن ليلا لا نهارا، تمسّكا بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين دخلت ناقة البراء حائطا فأفسدته: «على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل».
وعند أبي حنيفة: لا ضمان إلّا أن يكون معها حافظ، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «جرح العجماء جبار(١) ».
( وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ ) يقدّسن الله معه، بأن يخلق الله فيها الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلّم موسى. وهو حال بمعنى مسبّحات. أو استئناف لبيان وجه التسخير، كأنّ قائلا يقول: كيف سخّرهنّ؟ فقال: يسبّحن. و «مع» متعلّقة به، أو بـ «سخّرنا».
وقيل: معنى التسبيح السير، يعني: يسرن معه حيث شاء. من السباحة.
وقيل: معناه: يسبّح من رآها تسير بتسيير اللهعزوجل . فلمّا حملت على التسبيح وصفت به.
( وَالطَّيْرَ ) عطف على الجبال، أو مفعول معه. وقدّم الجبال على الطير، لأنّ تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدلّ على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنّها جماد، والطير حيوان، إلّا أنّه غير ناطق.
وروي: أنّه كان يمرّ بالجبال مسبّحا وهي تجاوبه. وكذلك الطير يسبّح معه بالغداة والعشيّ معجزة له.
( وَكُنَّا فاعِلِينَ ) لأمثاله، فليس ببدع منّا، وإن كان عجبا عندكم.
( وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ ) عمل الدرع. وهو في الأصل اللباس. قال :
__________________
(١) العجماء: البهيمة. والجبار: الهدر. أي: جرح البهيمة هدر، لأنّها لا تقاصّ بما فعلت.
البس لكلّ حالة لبوسها |
إمّا نعيمها وإمّا بوسها |
قال قتادة: أوّل من صنع الدروع داود، وإنّما كانت صفائح، جعل الله سبحانه الحديد في يده كالعجين، فهو أوّل من سردها(١) وحلقها، فجمعت الخفّة والتحصين.
( لَكُمْ ) متعلّق بـ «علّم». أو صفة للبوس.( لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ) ليحرزكم ويمنعكم من وقع السلاح. وقيل للسلاح: بأسكم. وقيل: معناه: من حربكم، أي: في حالة الحرب والقتال، فإنّ البأس في اللغة هو شدّة القتال. وهذا بدل من «لكم» بدل الاشتمال، بإعادة الجارّ. والضمير لداود، أو للبوس.
وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء للصنعة، أو للبوس على تأويل الدرع. وفي قراءة أبي بكر ورويس بالنون للهعزوجل .
( فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ) ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.
روي: أنّ سبب إلانة الحديد لداودعليهالسلام أنّه كان نبيّا ملكا، وكان يطوف في ولايته متنكّرا يتعرّف أحوال عمّاله ومتصرّفيه، ليدفع المنكر إن صدر منهم. فاستقبله جبرئيلعليهالسلام ذات يوم على صورة آدميّ، فسلّم عليه. فردّ السلام، وقال: ما سيرة داود؟
فقال: نعمت السيرة لولا خصلة فيه.
قال: وما هي؟
فقال: إنّه يأكل من بيت مال المسلمين.
فتنكّره وأثنى عليه، وقال: لقد أقسم داود إنّه لا يأكل من بيت مال المسلمين.
فعلم الله سبحانه صدقه، فألان له الحديد، كما قال:( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) (٢) .
وروي: أنّ لقمان الحكيم حضره فرآه يفعل ذلك، فصبر ولم يسأله حتّى فرغ من ذلك، فقام ولبس وقال: نعمت الجنّة للحرب. فقال لقمان: الصمت حكمة، وقليل فاعله.
__________________
(١) سرد الدرع: نسجها. ويقال لصانع الدرع: سرّاد.
(٢) سبأ: ١٠.
( وَلِسُلَيْمانَ ) عطف على( مَعَ داوُدَ الْجِبالَ ) . ويحتمل أن يكون اللام فيه دون الأوّل، لأنّ الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، وفي الأوّل أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإضافة إليه( الرِّيحَ عاصِفَةً ) شديدة الهبوب، من حيث إنّها مرّت بكرسيّه وأبعدت به في مدّة يسيرة، كما قال تعالى:( غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ) (١) . فكانت عاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان، رخاء في نفسها، طيّبة كالنسيم.
وقال ابن عبّاس: كانت رخاء في وقت، وعاصفة في وقت آخر، حسب إرادته.
وذلك قوله:( رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ) (٢) .
( تَجْرِي بِأَمْرِهِ ) بمشيئته. حال ثانية، أو بدل من الأولى، أو حال من ضميرها.
( إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ) إلى الشام رواحا بعد ما سارت به منه بكرة( وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ) فنجري الأشياء كلّها على ما تقتضيه حكمتنا وعلمنا. فإنّما أعطيناه ما أعطيناه، لـما علمناه من المصلحة.
قال وهب: وكان سليمان يخرج إلى مجلسه، فتعكف عليه الطير، ويقوم له الإنس والجنّ، حتّى يجلس على سريره، ويجتمع معه جنوده، ثمّ تحمله الريح إلى حيث أراد.
( وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ) في البحار، ويستخرجون جواهرها النفيسة. والغوص هو النزول إلى تحت الماء. و «من» عطف على الريح. أو مبتدأ خبره ما قبله. وهي نكرة موصوفة.
( وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ ) سواه، أي: يتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر، كبناء المدن والقصور، واختراع الصنائع الغريبة، كقوله:( يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ
__________________
(١) سبأ: ١٢.
(٢) ص: ٣٦.
وَتَماثِيلَ ) (١) .
( وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ) أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا فيما هم مسخّرون فيه، على ما هو مقتضى جبلّتهم، أو يهربوا منه ويمتنعوا عليه.
( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) )
ثمّ عطف قصّة أيّوب على القصص السابقة، وبيّن فيها شدّة ابتلائه، تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في احتمال شدّة المتاعب، فقال:( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ ) أي: اذكر يا محمّد أيّوب حين دعا ربّه لـمّا امتدّت المحنة به( أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ) بأنّي نالني الضرّ، وأصابني الجهد. والضرّ بالضمّ خاصّ بما في النفس، كمرض وهزال، وبالفتح شائع في كلّ ضرر.
( وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) أي: ولا أحد أرحم منك. وصف ربّه بغاية الرحمة، بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها. واكتفى بذلك التعريض عن التصريح بالمطلوب ـ الّذي هو إزالة ما به من البلاء ـ لطفا في السؤال.
وكان روميّا من ولد عيص بن إسحاق بن يعقوب، استنباه الله، وكثر أهله وماله.
وكان له سبعة بنين، وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمسمائة فدان(٢) ، يتبعها خمسمائة عبد، لكلّ عبد امرأة وولد ونخيل. فابتلاه الله بهلاك أولاده، بأن انهدم عليهم البيت فهلكوا، وبذهاب أمواله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة. وعن قتادة: ثلاث
__________________
(١) سبأ: ١٣.
(٢) في هامش النسخة الخطّية: «الفدان: البقر مع آلاته للحرث. والفدادين جمعه. منه».
عشرة سنة. وعن مقاتل: سبعا وسبعة أشهر وسبع ساعات.
وروي: أنّ امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت افرائيم بن يوسف، قالت له يوما: لو دعوت الله؟ فقال لها: كم كانت مدّة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه، وما بلغت مدّة بلائي مدّة رخائي.
( فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ ) أزلنا ما به من الأوجاع والأمراض، ونشفيه منها، لينقطعوا إلينا، ويتوكّلوا علينا في حالة الشدّة( وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) بأن ولد له ضعف ما كان. وروي: أنّ الله تعالى أحيا ولده، ورزقه مثلهم، ونوافل منهم. وروي: أنّ امرأته ولدت بعد ذلك ستّة وعشرين ابنا.
وعن ابن عبّاس وابن مسعود: ردّ الله سبحانه أهله بأعيانهم وأشخاصهم، وأعطاه مثلهم معهم. وكذلك ردّ الله عليه أمواله ومواشيه بأعيانها، وأعطاه مثلها معها. وبه قال الحسن وقتادة. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
( رَحْمَةً ) على أيّوب( مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ) وتذكرة له ولغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أثيب في الدارين. أو لرحمتنا للعابدين، وذكرنا إيّاهم بالإحسان.
( وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) )
ثمّ ذكر غيرهم من الأنبياء الصابرين على مشاقّ التكاليف وحسن عواقبهم ببركة صبرهم، فقال:( وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ) يعني: إلياس. وقيل: يوشع بن نون. رواه ابن بابويه عن الرضاعليهالسلام في كتاب عيون أخبار الرضاعليهالسلام . وقيل: زكريّا.
سمّي به لأنّه كان ذا حظّ من الله. وقيل: كفل مائة نبيّا، أي: ضمّهم إلى نفسه حتّى نجّاهم من القتل، أو تكفّل مريم. وقيل: لأنّه كان له ضعف عمل أنبياء زمانه، وضعف
ثوابهم. والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف.
وروي: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمّد وأحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقيل: إنّ ذا الكفل نبيّ كان بعد سليمان، وكان يقضي بين الناس كقضاء داود، ولم يغضب قطّ إلّا للهعزوجل .
وقيل: هو اليسع بن خطوب الّذي كان مع إلياس، تكفّل لملك جبّار إن هو تاب دخل الجنّة، ودفع إليه كتابا بذلك. فتاب الملك، وكان اسمه كنعان، فسمّي ذا الكفل.
وعن مجاهد: أوحى الله إلى اليسع أنّي أريد قبض روحك، فأعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن يكفل لك أن يصلّي بالليل ولا يفتر، ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه، ففعل ذلك. فقام شابّ فقال: أنا أتكفّل لك هذا، فتكفّل ووفى به. فشكر الله ذلك له وأثنى عليه. ولذلك سمّي ذا الكفل. والعلم عند الله.
( كُلٌ ) أي: كلّ هؤلاء( مِنَ الصَّابِرِينَ ) على التكاليف الشاقّة والنوائب الشديدة.
( وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا ) أي: غمرناهم بالرحمة. وهي نعمة الآخرة. فلو قال: رحمناهم لـما أفاد ذلك، بل أفاد أنّه فعل بهم الرحمة. وقيل: المراد بالرحمة النبوّة.( إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الكاملين في الصلاح. وهم الأنبياء، فإنّ صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) )
وبعد ذكر الأنبياء الصابرين على البلاء، بيّن قصّة يونس، وترك ندبه الّذي هو عدم ثباته على الصبر، تنبيها للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم على الإقدام بفعل الذنب، لئلّا يعاتب كما عوتب يونس، فقال: ى( وَذَا النُّونِ ) واذكر يا محمّد صاحب الحوت يونس بن متّى( إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً ) لقومه، لـمّا برم(١) بقومه، لطول ما ذكّرهم فلم يذكروا، لفرط عنادهم، وشدّة شكيمتهم، فهاجر عنهم قبل أن يؤمر.
وقيل: وعدهم بالعذاب، فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم، ولم يعرف الحال، فظنّ أنّه كذبهم، وغضب من ذلك. والمغاضبة من بناء المغالبة للمبالغة، أو لأنّه أغضبهم بالمهاجرة، لخوفهم لحوق العذاب عندها.
( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) لن نضيّق عليه، من القدر بسكون الدال. أو لن نقضي عليه بالابتلاء، من القدر بمعنى القضاء. أو لن نعمل فيه قدرتنا.
وقيل: هو من باب التمثيل. بمعنى: كانت حاله ممثّلة بحال من ظنّ أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمرنا. وذلك لحسبانه أنّ ذلك يسوغ له، حيث لم يفعله إلّا غضبا لله، وأنفة لدينه، وبغضا للكفر وأهله. ولكن كان الأولى به أن يصابر، وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت.
ومن قال: إنّه خرج مغاضبا لربّه، وأنّه ظنّ أن لن يقدر الله على أخذه، بمعنى أنّه يعجز عنه، فقد أسند الكفر إلى الأنبياء والعياذ بالله، فإنّ مغاضبة الله كفر أو كبيرة عظيمة، وتجويز العجز على الله سبحانه أيضا كذلك. تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا، وتبرّأ أنبياؤه عن هذه المظنّة الفاسدة.
وعن ابن عبّاس: أنّه دخل على معاوية، فقال له: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلّا بك. قال: وما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه
__________________
(١) أي: سئم وضجر.
الآية. وقال: أيظنّ نبيّ الله أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر، لا من القدرة. يعني: أن لن نضيّق عليه، كما في قوله:( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ) (١) .
وروي: أنّه أتى ببحر الروم، وإذا سفينة محشوّة، فركب فيها حتّى إذا توسّطت الماء ركدت لا تتقدّم ولا تتأخّر. فقال أهل السفينة: إنّ لسفينتنا شأنا.
قال يونس: قد عرفت شأنها.
قالوا له: وما شأنها؟
قال: ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة.
قالوا: ومن هو؟
قال: لأنا، فاقذفوني من سفينتكم في البحر.
قالوا: ما نطرحك من بيننا حتّى نعذر في شأنك.
فقال لهم: فاستهموا حتّى تنظروا إلى من يقع عليه السهم.
فاقترعوا، فادحض(٢) سهم يونس. ففعلوا ذلك مرارا، وخرجت القرعة عليه في كلّ مرّة. فألقى نفسه في البحر، فإذا حوت فاغر فاه(٣) فالتقمه.
( فَنادى فِي الظُّلُماتِ ) في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت. وقيل: ظلمات ثلاث: بطن الحوت، والبحر، والليل. كذا قاله ابن عبّاس. وقيل: ابتلع حوته حوت آخر أكبر منه، فحصل في ظلمتي بطني الحوتين.
( أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ) بأنّه لا إله إلّا أنت. أو بمعنى «أي» التفسيريّة.( سُبْحانَكَ ) أن يعجزك شيء( إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة قبل أن تأذن لي.
__________________
(١) الطلاق: ٧.
(٢) أي: أزلق، من: أدحض الرجل: أزلقها.
(٣) أي: فاتح.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلّا استجيب له، لقوله تعالى عقيب ذلك:( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ ) بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه. وقيل: ثلاثة أيّام. وقيل: أربعين يوما. وبقاؤه في بطن الحوت في هذه المدّة معجزة له. والغمّ غمّ الالتقام. وقيل: غمّ ترك الندب.
( وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) من الغموم إذا دعونا بالإخلاص، كما أنجينا ذا النون.
( وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) )
ثمّ قصّ على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قصّة زكريّا، وانقطاعه إلى الله عمّا سواه، فقال:( وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً ) وحيدا بلا ولد يرثني( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ) أي: إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنّك خير وارث.
( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ ) أي: أصلحناها للولادة بعد عقرها. أو لزكريّا بتحسين خلقها، وكانت سيّئة الخلق.
( إِنَّهُمْ ) يعني: الأنبياء المذكورين( كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) يبادرون إلى أبواب الخير( وَيَدْعُونَنا رَغَباً ) ذوي رغب. أو راغبين في الثواب، راجين للإجابة.
أو في الطاعة. أو يرغبون رغبا.( وَرَهَباً ) ذوي رهب. أو راهبين. أو يرهبون رهبا من العقاب أو المعصية.
( وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ) ذللا لأمر الله. وعن ابن عبّاس: متواضعين. وعن مجاهد: الخشوع: الخوف الدائم في القلب. يعني: دائمي الوجل. ومعنى الآية: إنّهم نالوا
من الله ما نالوا بهذه الخصال.
وفي الآية دلالة على أنّ المسارعة إلى كلّ طاعة مرغّب فيها، وعلى أن الصلاة في أوّل الوقت أفضل.
( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) )
ولـمّا كان عيسى وأمّه متأخّرين عن الأنبياء السابقة بالزمان، قال بعد ذكر قصصهم:( وَالَّتِي ) أي: اذكرها. وهي مريم بنت عمران.( أَحْصَنَتْ فَرْجَها ) إحصانا كلّيّا من الحلال والحرام جميعا، كما قالت:( وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) (١) .
( فَنَفَخْنا فِيها ) أي: نفخنا الروح في عيسى فيها، أي: أحييناه في جوفها. ونحو ذلك أن يقول الزمّار: نفخت في بيت فلان، أي: نفخت في المزمار في بيته. فالنفخ بمعنى الإحياء، كما في قوله:( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) (٢) أي: أحييته. أو معناه: فعلنا النفخ فيها.
( مِنْ رُوحِنا ) أي: أجرينا فيها روح المسيح، كما يجري الهواء بالنفخ. وإضافة الروح إلى نفسه على وجه الملك، أي: من الروح الّذي هو بأمرنا. أو المعنى: من جهة روحنا، وهو جبرئيل، يعني: أمرنا جبرئيل فنفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها.
( وَجَعَلْناها وَابْنَها ) أي: قصّتهما. أو حالهما. ولذلك وحّد قوله:( آيَةً لِلْعالَمِينَ ) . وهي ولادتها إيّاه من غير فحل، وتكلّمه في المهد بما يوجب براءة ساحتها من العيب، فإنّ من تأمّل حالهما تحقّق كمال قدرة الصانع تعالى.
__________________
(١) مريم: ٢٠.
(٢) الحجر: ٢٩.
( إِنَّ هذِهِ ) أي: ملّة الإسلام الّتي جميع الأنبياء المذكورين عليها( أُمَّتُكُمْ ) أي: ملّتكم الّتي يجب عليكم أن تكونوا عليها. والخطاب للناس كافّة.( أُمَّةً واحِدَةً ) ملّة واحدة، غير مختلفة فيما بين الأنبياء، ولا مشاركة لغيرها في صحّة الاتّباع. وأصل الأمّة الجماعة الّتي على مقصد واحد. فجعلت الشريعة أمّة لاجتماعهم بها على مقصد واحد.
( وَأَنَا رَبُّكُمْ ) الّذي خلقكم، لا إله لكم غيري( فَاعْبُدُونِ ) لا غير.
( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤) )
ثمّ ذكر حال اليهود والنصارى بالاختلاف، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة لينعى عليهم تفرّقهم في دينهم إلى المؤمنين، ويقبّح عندهم فعلهم، فقال:( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) أي: جعلوا أمر دينهم قطعا موزّعة بقبيح فعلهم.
والمعنى: ألا ترون أيّها المؤمنون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، وهو أنّهم جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتوزّع الجماعة الشيء ويقسّمونه، فيصير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتّى، متبرّأ بعضهم من بعض، بالشيء المتوزّع.
ثم توعّدهم بقوله:( كُلٌ ) من الفرق المتحزّبة( إِلَيْنا ) الى حكمنا في وقت لا يقدر على الحكم سوانا( راجِعُونَ ) فنجازيهم بأعمالهم.
( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ ) شيئا، مثل صلة الرحم، ومعونة الضعيف، ونصر المظلوم، والتنفيس عن المكروب، وغير ذلك من أنواع الطاعات( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) بالله ورسله، لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله، فهذا لقطع طمع الكفّار الثواب لهذه المذكورات( فَلا كُفْرانَ ) فلا تضييع( لِسَعْيِهِ ) استعير الكفران لمنع الثواب، كما استعير الشكر لإعطائه إذا قيل: إنّ الله شكور. ونفى نفي الجنس ليكون أبلغ
من أن يقول: فلا نكفر سعيه.( وَإِنَّا لَهُ ) لسعيه( كاتِبُونَ ) مثبتون في صحيفة عمله، بأن نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك ويثبتوه، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع، ويثاب عليه صاحبه.
( وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) )
ثم هدّد كفّار مكّة بأنّهم إن عذّبوا وأهلكوا، لم يرجعوا إلى الدنيا لجبران ما فات منهم من الإيمان والعمل الصالح، كغيرهم من الأمم المهلكة السابقة، فقال:( وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ) أي: ممتنع على أهلها غير متصوّر منهم. فاستعير الحرام للممتنع وجوده.
ومنه قولهعزوجل :( إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ) .(١) أي: منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: وحرم، بكسر الحاء وسكون الراء. وهما لغتان، كحلال وحلّ.
( أَهْلَكْناها ) حكمنا بإهلاكها، أو وجدناها هالكة بالعقوبة( أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) «لا» مؤكّدة لمعنى الامتناع، والجملة الاسميّة مرفوع المحلّ بالابتداء، و «حرام» خبره، أو بأنّه فاعل له سادّ مسدّ خبره. والمعنى: ممتنع عليهم البتّة رجوعهم إلى الدنيا للتوبة عن الكفر والمعاصي، وكسب الايمان والعمل الصالح.
__________________
(١) الأعراف: ٥٠.
روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام أنّه قال: «كلّ قرية أهلكهم الله بعذاب فإنّهم لا يرجعون».
يعني: أنّ قوما عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة، فحينئذ يبعثون ويقولون:( يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ) (١) .
وقيل: «لا» غير مزيدة. والمعنى: ممتنع عليهم أنّهم لا يرجعون إلى الجزاء في الآخرة. ويجوز أن يكون التقدير: وحرام عليها ذلك المذكور في الآية المتقدّمة من السعي المشكور غير المكفور، لأنّهم لا يرجعون عن الكفر. وحينئذ «حرام» مسند بضميره، و «أنّهم» مقدّر بحرف الجرّ لتعليل الحرام.
وقوله:( حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ) متعلّق بـ «حرام». أو بمحذوف دلّ عليه الكلام. أو بـ «لا يرجعون» أي: يستمرّ الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى أن فتحت يأجوج ومأجوج، أي: سدّهما بحذف المضاف. يعني: إلى ظهور أمارة قيام الساعة، وهو فتح سدّهما. وهما قبيلتان من الإنس. روي: أنّ الناس عشرة أجزاء: تسعة منها يأجوج ومأجوج. و «حتّى» هي التي يحكى الكلام بعدها، والمحكيّ هي الجملة الشرطيّة. وقرأ ابن عامر ويعقوب: فتّحت بالتشديد.
( وَهُمْ ) يعني: يأجوج ومأجوج( مِنْ كُلِّ حَدَبٍ ) مكان مرتفع من الأرض( يَنْسِلُونَ ) يسرعون. من نسلان(٢) الذئب. يعني: أنّهم يتفرّقون في الأرض، فلا ترى أمكنة إلّا وقوم منهم يصعدون منها مسرعين. وعن مجاهد: الضمير للناس كلّهم. يعني: يخرجون كلّهم من قبورهم إلى الحشر.
( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ ) وهو القيامة( فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) جواب الشرط. و «إذا» للمفاجأة، تسدّ مسدّ الفاء الجزائيّة، كقوله تعالى :
__________________
(١) الأنبياء: ٩٧.
(٢) نسل في مشيه نسلانا: أسرع.
( إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ) (١) . فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط، فيتأكّد. ولو قيل: إذا هي شاخصة، أو فهي شاخصة، كان سديدا. والضمير للقصّة، أو مبهم يفسّره الأبصار.
( يا وَيْلَنا ) أي: يقولون هذه الكلمة. وهو واقع موقع الحال من الموصول، تقديره: قائلين يا ويلنا.( قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا ) أي: غفلنا عن هذا اليوم وصحّة وقوعه، لاشتغالنا بأمور الدّنيا( بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ) لأنفسنا بالإخلال بالنظر والتفكّر فيه.
( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) )
ثمّ هدّد سبحانه مشركي مكّة، فقال خاطبا لهم:( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) يعني: الأوثان( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) ما يحصب به، أي: ما يرمى به إليها وتهيج به. من: حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء.
ويحتمل أن يراد بقوله:( مِنْ دُونِ اللهِ ) الأصنام وإبليس وأعوانه، لأنّهم بطاعتهم لهم واتّباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ويصدّقه ما روي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، فجلس إليهم، فعرض لهصلىاللهعليهوآلهوسلم النظر بن الحارث، فكلّمه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى أسكته، ثمّ تلا عليهم( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) الآية.
فأقبل عبد الله بن الزبعرى فرآهم يتسارّون. فقال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن
__________________
(١) الروم: ٣٦.
المغيرة بقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته. فدعوهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال له ابن الزّبعرى: أأنت قلت ذلك؟
قال: نعم.
قال: قد خصمتك وربّ الكعبة. أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح عبدوا الملائكة؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : هم عبدوا الشياطين الّتي أمرتهم بذلك، فأنزل الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ ) (١) الآية.
وروي أنّ ابن الزبعرى قال بعد نزول هذه الآية: هذا شيء لآلهتنا خاصّة أو لكلّ من عبد من دون الله؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لكلّ من عبد من دون الله».
فيكون قوله:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) بيانا للتجوّز أو التخصيص تأخّر عن الخطاب.
والفائدة في مقارنتهم بآلهتهم أنّهم قدّروا أنّهم يشفعون لهم عند الله، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدّروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. ولأنّهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غمّ وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم، والنظر إلى وجه العدوّ باب من العذاب.
وقوله:( أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ) استئناف، أو بدل من «حصب». واللّام معوّضة من «على» للاختصاص. والمعنى: أنتم أيّها المشركون مع آلهتكم مخصوصون بدخول جهنّم( لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ) كما تزعمون( ما وَرَدُوها ) ما دخلوا النار، لأنّ المؤاخذ المعذّب لا يكون إلها( وَكُلٌ ) من العابد والمعبود( فِيها خالِدُونَ ) لا خلاص لهم عنها.
( لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ ) صوت كصوت الحمير. وهو أنينهم، وشدّة تنفّسهم. وهو من إضافة فعل البعض إلى الكلّ للتغليب، إن أريد بـ «ما تعبدون» الأصنام، فإنّه إذا كانوا هم وأصنامهم في قرن(٢) واحد جاز أن يقال: لهم زفير، وإن لم يكن الزافرين إلّا هم دون
__________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) القرن: حبل يقرن به البعيران.
الأصنام، للتغليب، ولعدم الإلباس.
( وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ) لشدّة الهول والعذاب. وقيل: لا يسمعون ما يسرّهم ويتنعّمون به، وإنّما يسمعون صوت المعذّبين، وصوت الملائكة الّذين يعذّبونهم. وقيل: يجعلون في توابيت من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أنّ في النار أحدا يعذّب غيره. ويجوز أن يصمّهم الله كما يعميهم.
( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) )
ثمّ قال الله تعالى ردّا لقول ابن الزبعرى:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) الخصلة المفضّلة في الحسن، تأنيث الأحسن. وهي السعادة، أي: علمنا بسعادتهم، أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالجنّة. يعني: عزيرا وعيسى والملائكة.( أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ) لأنّهم يرفعون إلى أعلى علّيّين. وقيل: الآية عامّة في كلّ من سبقت له السعادة.
( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ) صوتها الّذي يحسّ. وهو بدل من «مبعدون»، أو حال من ضميره، سيق للمبالغة في إبعادهم عنها.( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ ) من نعيم
الجنّة( خالِدُونَ ) دائمون في غاية التنعّم. وتقديم الظرف للاختصاص، أو الاهتمام به. والشهوة طلب النفس اللذّة.
( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ) الخوف الأعظم. وهو النفخة الأخيرة، لقوله:( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) (١) . وعن الحسن: الانصراف إلى النار. وعن الضحّاك: هو عذاب النار حين تطبق على أهلها. وقيل: هو أن يذبح الموت على صورة كبش أملح، وينادى: يا أهل الجنّة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت.
وروى أبو سعيد الخدري عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ثلاثة على كثبان من مسك، لا يحزنهم الفزع الأكبر، ولا يكترثون للحساب: رجل قرأ القرآن محتسبا، ثمّ أمّ به قوما محتسبا، ورجل أذّن محتسبا، ومملوك أدّى حقّ اللهعزوجل وحقّ مواليه».
( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) أي: تستقبلهم مهنّئين لهم على أبواب الجنّة، ويقولون:( هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) به في الدّنيا.
( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ) مقدّر بـ: اذكر. أو ظرف لـ «لا يحزنهم» أو «تتلقّاهم». أو حال مقدّرة من العائد المحذوف من «توعدون» أعني: توعدونه. والطيّ ضدّ النشر.
يعني: أنّ السماء نشرت مظلّة لبني آدم، فإذا انتقلوا قوّضت عنهم وطويت.( كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) أي: طيّا كطيّ الصحيفة. وهي الطومار المجعول للكتابة، أي: ليكتب، أو لـما يكتب فيه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: للكتب، على الجمع، بمعنى المكتوبات، أي: المعاني الكثيرة المكتوبة فيه.
وقيل: السجلّ ملك يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه. وفي رواية عن ابن عبّاس: كاتب كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وعلى هذا، فالكتاب اسم الصحيفة المكتوب فيها.
( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) «ما» كافّة، أو مصدريّة. و «أوّل» مفعول «نعيد» الّذي يفسّره «نعيده»، والكاف متعلّق به. والمعنى: نعيد أوّل الخلق مثل ما بدأنا، أو مثل
__________________
(١) النمل: ٨٧.
بدئنا إيّاه. شبّه الإعادة بالإبداء في كونهما إيجادا عن العدم. والمقصود بيان صحّة الإعادة بالقياس المنصوص العلّة على الإبداء، لشمول الإمكان الذاتي المصحّح للمقدوريّة، وتناول القدرة القديمة لهما على السواء.
ويجوز أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسّره «نعيده» و «ما» موصولة، أي: نعيد مثل الّذي بدأناه. و «أوّل خلق» ظرف لـ «بدأنا» أي: أوّل ما خلق. أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى.
و «أوّل خلق» بمعنى أوّل الخلائق، كقولك: زيد أوّل رجل جاءني، تريد أوّل الرجال، ولكنّك نكّرته ووحّدته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا.
والمراد بأوّله إيجاده عن العدم، فكما أوجده أوّلا عن عدم، يعيده ثانيا عن عدم.
وروي مرفوعا: أنّ معناه: كما بدأناهم في بطون أمّهاتهم حفاة عراق غرلا(١) ، كذلك نعيدهم.
( وَعْداً ) مقدّر بفعله تأكيدا لـ «نعيده» أي: وعدناكم ذلك وعدا. أو منتصب به، لأنّه عدة بالإعادة.( عَلَيْنا ) أي: علينا إنجازه( إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) ذلك لا محالة.
( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ ) في كتاب داود( مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) أي: التوراة. وقيل: المراد بالزبور جنس الكتب المنزلة، وبالذكر اللوح المحفوظ.( أَنَّ الْأَرْضَ ) أرض الجنّة. وقيل: الأرض المقدّسة.( يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) يعني: عامّة المؤمنين المطيعين.
وقيل: أمّة موسىعليهالسلام ، لقوله تعالى:( الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ) (٢) ؟ وقوله:( قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (٣) .
وقيل: المراد جميع أرض الدنيا يرثها أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بالفتوح بعد إجلاء الكفّار ،
__________________
(١) غرلا جمع أغرل، وهو الصبيّ الذي لم يختن. (٢، ٣) الأعراف: ١٣٧ و ١٢٨.
كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «زويت(١) لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها».
وقال أبو جعفرعليهالسلام : «هم أصحاب المهديّعليهالسلام في آخر الزمان».
ويدلّ على ذلك ما رواه الخاصّ والعامّ عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد، لطوّل الله تعالى ذلك اليوم، حتّى يبعث رجلا صالحا من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا».
وقد أورد أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب البعث والنشور أخبارا كثيرة في هذا المعنى. وكذا ورد من طرقنا أحاديث كثيرة في ذلك، ومن أراد الاطّلاع عليها فليرجع إلى كتب أصحابنا، مثل كتاب الغيبة، وكشف الغمّة، وغيرهما من الكتب المطوّلة في هذا الباب.
( إِنَّ فِي هذا ) فيما ذكر من الأخبار، والمواعيد الزاجرة، والمواعظ البالغة( لَبَلاغاً ) لكفاية موصلة إلى البغية( لِقَوْمٍ عابِدِينَ ) لله مخلصين له. قال كعب: هم أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذين يصلّون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان.
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) )
__________________
(١) زوى الشيء: جمعه وقبضه.
( وَما أَرْسَلْناكَ ) يا محمّد( إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) لأنّ ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم. فمن تبعك فإنّه فائز سعيد في الدارين، ومن لم يتّبع فإنّه شقيّ محروم حيث ضيّع نصيبه. ومثاله: أن يفجّر الله عينا غزيرة وسيعة، فيسقى ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرّطون عن السقي فيضيعوا. فالعين المفجّرة في نفسها نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكنّ الكسلان أوقع المحنة العظيمة على نفسه، حيث حرّمها من الرحمة الجليلة.
عن ابن عبّاس: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة للبرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، ورحمة للكافر بأن عوفي ممّا أصاب الأمم من الخسف والمسخ.
وروي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لجبرئيل لـمّا نزلت هذه الآية: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لـمّا أثنى الله عليّ بقوله:( ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) (١) . وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّما أنا رحمة مهداة».
( قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) أي: ما يوحى إليّ إلّا أنّه لا إله لكم إلّا إله واحد.
واعلم أنّ «إنّما» لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، كقولك: إنّما زيد قائم، أي: لا يفعل سوى القيام، وإنّما يقوم زيد، أي: يقوم زيد لا غير. وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأنّ( إِنَّما يُوحى إِلَيَّ ) مع فاعله بمنزلة: إنّما يقوم زيد، و( أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) بمنزلة: إنّما زيد قائم. وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أنّ المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد، وأنّ الوحي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مقصور على استئثار الله بالوحدانيّة.
ويجوز أن يكون المعنى: أن الّذي يوحى إليّ. فتكون «ما» موصولة. وفي الآية
__________________
(١) التكوير: ٢٠.
دلالة على أنّ صفة الوحدانيّة يصحّ أن تكون طريقها السمع.
( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) مخلصون العبادة لله على مقتضى الوحي المصدّق بالحجّة.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) عن التوحيد( فَقُلْ آذَنْتُكُمْ ) أعلمتكم ما أمرت به، أو حربي لكم.
منقول من: أذن إذا علم، ولكنّه كثر استعماله فيما يجري مجرى الإنذار. ومنه قوله تعالى:( فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) (١) .
( عَلى سَواءٍ ) مستوين في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، بل أكشفه لكم كلّكم. أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به، أو في المعاداة. أو إيذانا على سواء، لم ابيّن الحقّ لقوم دون قوم. وقيل: أعلمتكم أنّي على سواء، أي: عدل واستقامة رأي بالبرهان النيّر.
( وَإِنْ أَدْرِي ) ما أدري( أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ) من غلبة المسلمين، أو الحشر، ولكنّه كائن لا محالة.
( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ) ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام( وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ) من الإحن والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.
( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ ) وما أدري لعلّ تأخير هذا الموعد استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم، لينظر كيف تعملون( وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ) وتمتيع إلى أجل مقدّر تقتضيه مشيئته، ليكون ذلك حجّة عليكم، وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة.
قل قرأ حفص: قال، على حكاية قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ ) اقض بيننا وبين أهل مكّة بالعدل، المقتضي لاستعجال العذاب، والتشديد عليهم. وهذا كدعائه عليهم بقوله: «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعل سنيّهم كسنيّ يوسف». فماتوا بجدب حتّى أكلوا العلهز(٢) .
__________________
(١) البقرة: ٢٧٩.
(٢) العلهز: طعام من الدم والوبر كان يتّخذ في المجاعة. القاموس ٢: ١٨٤.
( وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ ) كثير الرّحمة على خلقه( الْمُسْتَعانُ ) المطلوب منه المعونة( عَلى ما تَصِفُونَ ) من أنّ الشوكة لكم، وأنّ راية الإسلام تخفق أيّاما ثمّ تسكن، وأنّ الموعد به لو كان حقّا لنزل بالمسلمين. فأجاب الله دعوة رسوله، وخيّب أمانيّهم، ونصر رسوله عليهم وخذلهم، فعذّبوا ببدر.
(٢٢)
سورة الحجّ
مدنيّة، وهي ثمان وسبعون آية.
في حديث أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة الحجّ أعطي من الأجر كحجّة حجّها، وعمرة اعتمرها، بعدد من حجّ واعتمر فيما مضى وفيما بقي».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «من قرأها في كلّ ثلاثة أيّام، لم يخرج من سنته حتّى يخرج إلى بيت الله الحرام، وإن مات في سفره أدخل الجنّة».
ولـمّا ختم سبحانه سورة الأنبياء بالتوحيد، والإعلام بأنّ نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة للعالمين، افتتح هذه السورة بخطاب المكلّفين، ليتّقوا الشرك ومخالفة دين الإسلام، فقال :
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) )
( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) المراد المكلّفون، لأنّ غيرهم خارجون عن دائرة الخطاب.
فكأنّه قال: يا أيّها العقلاء البالغون.( اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) عذاب ربّكم باجتنابكم المعصية، كما يقال: احذر الأسد، والمراد: احذر افتراسه لا عينه.
ثمّ علّل أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة، ليتصوّروها بعقولهم، ويعلموا أنّه لا يؤمنهم سوى التدرّع بلباس التقوى، فقال:( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ) أي: شدّة تحريكها للأشياء، بحيث انزعج جميع الأشياء عن مقارّها ومراكزها. والإسناد مجازيّ. أو تحريك الأشياء فيها. فأضيفت إليها إضافة معنويّة، بتقدير «في». أو إضافة المصدر إلى الظرف على طريقة الاتّساع في الظرف، وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى:( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) (١) أي: مكرهم فيهما. وقيل: هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها. وأضافها إلى الساعة لأنّها من أشراطها وآيات مجيئها.( شَيْءٌ عَظِيمٌ ) هائل لا يطاق.
( يَوْمَ تَرَوْنَها ) ترون الزلزلة أو الساعة. والظرف متعلّق بقوله:( تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ) . والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة. وفيه دلالة على أنّ الزلزلة تكون في الدنيا، فإنّ الإرضاع إنّما يتصوّر في الدنيا. وعن الأكثر أنّ ذلك يوم القيامة. فيكون تصويرا لهولها، وتفخيما لـما يكون من الشدائد، أي: لو كانت ثمّ مرضعة لذهلت.
و «ما» موصولة، أي: عن الّذي أرضعته. وهو الطفل. أو مصدريّة، أي: إرضاعها الولد.
وذكر مرضعة دون مرضع، لأنّ المرضعة هي الّتي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبيّ، والمرضع الّتي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به.
فقيل: مرضعة، ليدلّ على أنّ ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لـما يلحقها من الدهشة.
__________________
(١) سبأ: ٣٣.
( وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ) جنينها لشدّة هولها.( وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ) على التشبيه، أي: كأنّهم سكارى من شدّة الخوف وفرط الفزع( وَما هُمْ بِسُكارى ) على الحقيقة، بل يضطربون اضطراب السكران( وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ) فأرهقهم هوله بحيث طيّر عقولهم، وأذهب تمييزهم.
وقرأ حمزة والكسائي: سكرى، كعطشى وجوعى في عطشان وجوعان، إجراء للسكرى مجرى العلل.
وذكر الرؤية أوّلا على صيغة الجمع وثانيا على الإفراد، لأنّها أوّلا علّقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلّقة أخيرا بكون الناس على حال السكر، فلا بدّ أن يرى أثره كلّ أحد غيره.
روي عن عمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري: نزلت هاتان الآيتان ليلا في غزوة بني المصطلق، وهم حيّ من خزاعة، والناس يسيرون، فنادى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فحثّوا المطيّ حتّى كانوا حول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقرأهما عليهم، فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة.
فلمّا أصبحوا لم يحطّوا السرج عن الدوابّ، ولم يضربوا الخيام، والناس من بين باك وجالس حزين متفكّر. فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أتدرون أيّ يوم ذاك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم: ابعث إلى النار من ولدك. فيقول آدم: من كم وكم؟ فيقولعزوجل : من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنّة.
فكبر ذلك على المسلمين وبكوا، وقالوا: فمن ينجو يا رسول الله؟
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبشروا فإنّ معكم خليقتين يأجوج ومأجوج، ما كانتا في شيء إلّا كثّرتاه. ما أنتم في الناس إلّا كشعرة بيضاء في الثور الأسود، أو كرقم في ذراع البكر(١) ، أو كشامة(٢) في جنب البعير.
__________________
(١) البكر: الفتيّ من الإبل.
(٢) الشامة: الخال، وهو أثر السواد في البدن.
ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا أربع أهل الجنّة. فكبّروا. ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنّة. فكبّروا. ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنّة، وإنّ أهل الجنّة مائة وعشرون صفّا، ثمانون منها أمّتي. ثمّ قال: ويدخل من أمّتي سبعون ألفا الجنّة بغير حساب.
وفي بعض الروايات أنّ عمر بن الخطّاب قال: يا رسول الله سبعون ألفا؟
قال: نعم، ومع كلّ واحد سبعون ألفا.
فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال: أللّهمّ اجعله منهم.
فقام رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم.
فقال: سبقك بها عكاشة.
قال ابن عبّاس: كان الأنصاري منافقا، فلذلك لم يدع له.
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) )
روي أنّ النضر بن الحرث كان جدلا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأوّلين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار ترابا. فنزلت فيه وأضرابه:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ ) فيما يجوز عليه وما لا يجوز من الصفات والأفعال( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بلا دليل يرجع إليه، بل محض جهل وتقليد. فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحقّ والباطل.
( وَيَتَّبِعُ ) في المجادلة، أو في عامّة أحواله( كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ) خطوات كلّ شيطان عات(١) متجرّد عن جميع الخير، متمحّض للشرّ والفساد. وأصله: العري.
__________________
(١) أي: مستكبر قاسي القلب غير ليّن.
( كُتِبَ عَلَيْهِ ) على الشيطان في اللوح المحفوظ. وقيل: الضمير للمجادل.
فالمعنى: كتب على هذا المجادل الجاهل.( أَنَّهُ ) الضمير للشأن( مَنْ تَوَلَّاهُ ) جعله وليّا وتبعه( فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) خبر لـ «من» إن كانت موصولة، أو جواب لها إن كانت شرطيّة، على تقدير: فشأنه إضلاله.
وقيل: الكتبة عليه تمثيل، أي: كأنّما كتب إضلال من يتولّاه عليه ورقم به، لظهور ذلك في حاله، فإنّ ثمرة ولايته إنّما هي أن يضلّ من تبعه عن طريق الجنّة.( وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) بالحمل على ما يؤدّي إليه.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) )
ثمّ بيّن صحّة البعث بالبرهان الباهر، فقال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ
الْبَعْثِ ) من إمكانه، وكونه مقدورا لله تعالى. والريب أقبح الشكّ.( فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ ) أي: فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، فإنّا خلقناكم( مِنْ تُرابٍ ) بخلق آدم منه، أو الأغذية الّتي يتكوّن منها المنّي( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) من منيّ. من النطف، وهو الصبّ.( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) قطعة من الدم جامدة( ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ) قطعة صغيرة من اللحم. وهي في الأصل قدر ما يمضغ.( مُخَلَّقَةٍ ) مسوّاة ملساء لا نقص فيها ولا عيب، أو تامّة، أو مصوّرة( وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) وغير مسوّاة، أو ساقطة، أو غير مصوّرة. يقال: خلق العود إذا سوّاه وملّسه. وصخرة خلقاء: إذا كانت ملساء.
وقيل: إنّ الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة: منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم، وطولهم وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم.
وإنّما نقلناكم من خلقة إلى خلقة ومن حال إلى حال( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأنّ ما قبل التغيّر والفساد والتكوّن مرّة قبلها اخرى. وأنّ من قدر على خلق البشر من تراب أوّلا، ثمّ من نطفة ثانيا، ولا تناسب بين الماء والتراب، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، وبينهما تباين ظاهر، ثمّ يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، مع عدم التناسب بين كلّ منهما، قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا ادخل في القدرة من تلك، وأهون في القياس.
وحذف المفعول إيماء إلى أنّ أفعاله هذه يتبيّن بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر والبيان، ولا يكتنهه الوصف.
( وَنُقِرُّ ) ونبقي( فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ ) أن نقرّه ونبقيه( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) هو وقت الوضع( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) نصبه على الحال. ووحّده لأنّه في الأصل مصدر، كقولهم: رجل عدل ورجال عدل. أو لدلالته على الجنس. أو على تأويل كلّ واحد.
( ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) أي: حال اجتماع كمال العقل والقوّة والتمييز، وتمام
الخلق. جمع شدّة، كالأنعم جمع نعمة، كأنّها شدّة في الأمور. وقيل: هو من ألفاظ الجموع الّتي لم يستعمل لها واحد، كالأسدّة بمعنى العيوب، والقتود بمعنى خشب الرجل، وغير ذلك.
( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ) أي: يتوفّاه الله عند بلوغ الأشدّ أو قبله( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) أسوأ العمر وأحقره وأهونه. وهي حال الهرم والخرف.( لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ) ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفوليّة، من ضعف البنية وسخافة العقل وقلّة الفهم، أي: يصير نسّاء بحيث إذا كسب علما في شيء زلّ عنه من ساعته، ونسي ما علمه، وأنكر ما عرفه، فلا يستفيد علما. قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة.
بيّن سبحانه أنّه كما قدر على أن يرقّيه في درجات الزيادة حتّى يبلغه حدّ التمام، فهو قادر على أن يجعله حتّى ينتهي به إلى الحالة السفلى. وفيه استدلال ثان على إمكان البعث، بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادّة، فإنّ من قدر على ذلك قدر على نظائره.
ثمّ ذكر سبحانه دلالة ثالثة على صحّة البعث، فقال:( وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ) ميّتة يابسة. من: همدت النار إذا صارت رمادا.( فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ ) هو المطر( اهْتَزَّتْ ) تحرّكت بالنبات. والاهتزاز شدّة الحركة في الجهات.( وَرَبَتْ ) وانتفخت( وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) صنف( بَهِيجٍ ) حسن رائق سارّ للناظر إليه. ولظهور هذه الدلالة على البعث، وكونها مشاهدة معاينة، كرّرها الله تعالى في كتابه.
( ذلِكَ ) إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة، وتحويله على أحوال متضادّة، وإحياء الأرض بعد موتها، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحكم البديعة، وأنواع اللطائف العجيبة. وهو مبتدأ خبره( بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ ) أي: بسبب أنّه الثابت الوجود في نفسه، الّذي به تتحقّق الأشياء( وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ) وإلّا لـما أحيا النطفة والأرض الميّتة( وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) إيجادا وإفناء، لأنّ قدرته لذاته الّذي
نسبته إلى الكلّ على سواء، فلمّا دلّت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره على إحياء كلّها.
( وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ) فإن التغيّر من مقدّمات الانصرام وطلائعه( وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) بمقتضى وعده الّذي لا يقبل الخلف، فلا بدّ من أن يفي به.
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) )
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) كرّره للتأكيد، كسائر الأقاصيص، ولما نيط به من الدلالة بقوله:( وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ) على أنّه لا سند له من استدلال أو وحي، فإنّ المراد بالعلم هو العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر الّذي يهدي إلى المعرفة، وبالكتاب المنير الوحي، أي: يجادل بظنّ وتخمين، لا بأحد هذه الثلاثة.
وقيل: الآية الأولى(١) في المقلّدين، والثانية في المقلّدين. وعن ابن عبّاس: أنّه أبو جهل بن هشام.
وفي الآية دلالة على أنّ الجدال بالعلم صواب، وبغير العلم خطأ، لأنّ الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحقّ، وبغير العلم يدعو إلى اعتقاد الباطل.
__________________
(١) أي: قوله تعالى:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ) . الحجّ: ٣.
( ثانِيَ عِطْفِهِ ) أي: متكبّرا، فإنّ ثني العطف(١) كناية عن الكبر والخيلاء، كليّ الجيد وتصعير الخدّ. يقال: ثنى فلان عطفه، إذا أمال جانبيه إلى اليمين والشمال. أو كناية عن الإعراض عن الحقّ. فالمعنى: معرضا عن الحقّ استخفافا به.( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) علّة للجدال.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء، على أنّ إعراضه عن الهدى المتمكّن منه ـ بالإقبال على الجدال الباطل ـ خروج من الهدى إلى الضلال، ولـمّا كان جداله مؤدّيا إلى الضلال، جعل كأنّه غرضه. ولـمّا كان الهدى معرضا له، فتركه وأعرض عنه، وأقبل على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال.
فعلى هذا التأويل ؛ لا يرد: ما كان غرضه من جداله الضلال عن سبيل الله، فكيف علّل به؟ وما كان أيضا مهتديا حتّى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال.
( لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) وهو ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل( وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ) المحرق. وهو النار.
( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ) على الالتفات. أو إرادة القول، أي: يقال له يوم القيامة ذلك الخزي والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي.( وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) في تعذيبهم، لأنّ الله لا يعاقب ابتداء، ولا يزيد على الجزاء، بل على طريق العدالة. أو لأنّ عدله في معاقبته الفجّار، وإثابته الأبرار. والمبالغة لكثرة العبيد.
روي عن ابن عبّاس: أنّ من الأعاريب قدموا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة، فكان أحدهم إذا صحّ جسمه، ونتجت فرسه مهرا(٢) سريّا، وولدت امرأته غلاما سويّا، وكثر ماله وماشيته، قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلّا خيرا، واطمأنّ به. وإن كان
__________________
(١) العطف: جانب كلّ شيء. والجيد: العنق. وصعّر خدّه: أماله عن النظر إلى الناس. يقال: مرّ ثاني عطفه، أي: لاويا عنقه، ومائلا بخدّه عن النظر إلى الناس، متكبّرا معرضا.
(٢) المهر: ولد الفرس. والسريّ: الجيّد من كلّ شيء.
الأمر بخلافه قال: ما أصبت في هذا الدين إلّا شرّا. فنزلت :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) )
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ ) على طرف من الدين، لا في وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة وثبات فيه، كالّذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحسّ بظفر اطمأنّ وقرّ، وإلّا انهزم وفرّ.
( فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ ) عافية وخصب وكثرة مال( اطْمَأَنَ ) على عبادته( بِهِ ) بذلك الخير( وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ ) اختبار بسقم وقلّة مال وجدب( انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ) انصرف إلى وجهه الّذي توجّه منه. يعني: رجع عن دينه إلى الكفر.
وعن أبي سعيد الخدري: أنّ يهوديّا أسلم فأصابته مصائب، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أقلني. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الإسلام لا يقال». فنزلت هذه الآية.
( خَسِرَ الدُّنْيا ) بذهاب عصمته، وإباحة قتله وأخذ أمواله بارتداده( وَالْآخِرَةَ ) بحبوط عمله ودخوله في النار أبدا. وقيل: خسر في الدنيا العزّ والغنيمة، وفي الآخرة الثواب والجنّة.( ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) إذ لا خسران مثله.
( يَدْعُوا ) هذا المرتدّ( مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ) أي: يعبد جمادا
لا يضرّ بنفسه ولا ينفع( ذلِكَ ) الّذي فعل( هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) عن المقصد. مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضالّا.
( يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ ) بكونه معبودا يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة( أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ) الّذي يتوقّع من عبادته. وهو الشفاعة والتوسّل بها إلى الله. واللام معلّقة لـ «يدعو» من حيث إنّه بمعنى يزعم، والزعم قول مع اعتقاد. أو اللام داخلة على الجملة الواقعة مقولا، إجراء له مجرى: يقول، أي: يقول الكافر ذلك بدعاء وصراخ حين يرى استضراره به، وذلك بعد دخوله النار بعبادة الأصنام، واليأس من شفاعتهنّ. أو مستأنفة على أن «يدعو» تكرير للأول. كأنّه قال: يدعو من دون الله ويدعو. ثم قال: لمن ضرّه إلخ. وحينئذ «من» مبتدأ خبره( لَبِئْسَ الْمَوْلى ) الناصر( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) الصاحب المعاشر المخالط. يعني: الصنم، كقوله:( فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) (١) .
( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) )
ولـمّا ذكر الشاكّ في الدّين بالخسران، ذكر ثواب المؤمنين على الإيمان، فقال:( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) من إثابة الموحّد الصّالح، وعقاب المشرك الطالح، لا يدفعه دافع، ولا
__________________
(١) الزخرف: ٣٨.
يمنعه مانع.
ثم قال:( مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ) أي: لن ينصر رسوله( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) وهذا كلام فيه اختصار. والمعنى: إن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظنّ من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك، ويتوقّع ذلك، ويغيظه أنّه يظفر بمطلوبه( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ) أي: فليستقص وسعه، وليستفرغ مجهوده في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كلّ ما يفعله الممتلئ غيضا أو المبالغ جزعا، حتّى يمدّ حبلا إلى سماء بيته، أي: سقفه( ثُمَّ لْيَقْطَعْ ) ليختنق. من: قطع إذا اختنق، فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. ومنه قيل للبهر: القطع. وهو العلّة الّتي تمنع التنفّس. أو فليمدد حبلا إلى السماء الدنيا، ثمّ ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانها، فيجتهد في دفع نصره. أو ليصعد إلى السماء، فليقطع الوحي أن ينزل على الرسول. وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر: ليقطع بكسر اللام على أصله.
( فَلْيَنْظُرْ ) فليتصوّر في نفسه أنّه إن فعل ذلك( هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ) فعله ذلك.
وسمّاه كيدا لأنّه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، فهو منتهى ما يقدر عليه.
أو على سبيل الاستهزاء، لأنّه لم يكد به محسوده، بل إنّما كاد به نفسه. والمراد: ليس في يده إلّا ما ليس بمذهب.( ما يَغِيظُ ) غيظه، أو الّذي يغيظه. والمعنى: لا يتهيّأ له إزالة ما يغيظ من أمر الرسول ونصره على أعدائه، وإن سعى به غاية سعيه ونهاية جهده.
قيل: نزلت في قوم من المسلمين استبطئوا نصر الله، لاستعجالهم وشدّة غيظهم على المشركين.
وقيل: المراد بالنصر الرزق، والضمير لـ «من». والمعنى: أنّ الأرزاق بيد الله، لا تنال إلّا بمشيئته، ولا بدّ للعبد من الرضا بقسمته. فمن ظنّ أنّ اللهعزوجل غير رازقه، وليس به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع، وهو الاختناق، فإنّ ذلك لا يقلب القسمة، ولا يردّه مرزوقا.
( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه نزّل الآيات حجّة على الخلق، فقال:( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الإنزال( أَنْزَلْناهُ ) أنزلنا القرآن كلّه( آياتٍ بَيِّناتٍ ) واضحات الدلالة على التوحيد وسائر أحكام الشرائع( وَأَنَّ اللهَ ) ولأنّ الله( يَهْدِي ) بالقرآن( مَنْ يُرِيدُ ) من الّذين يعلم أنّهم يؤمنون. أو يثبت الّذين آمنوا ويزيدهم هدى.
وقيل: عطف على مفعول «أنزلنا». ومعناه: أنزلنا إليك أنّ الله يهدي إلى الدين من يريد. أو إلى النبوّة. أو إلى الثواب.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) يقضي بين المؤمنين والكافرين بأنواعهم( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) بإظهار المحقّ منهم على المبطل. أو بالجزاء، فيجازي كلّا ما يليق به، ويدخله المحلّ المعدّ له. فعلى هذا، الفصل بينهم في الأحوال والأماكن. وإنّما أدخلت «إنّ» على كلّ واحد من جزئي الجملة لمزيد التأكيد.( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) عليم به، مراقب لأحواله.
( أَلَمْ تَرَ ) ألم تعلم؟ الخطاب للرسول، والمراد أمّته. أو الخطاب إلى كلّ واحد من المكلّفين.( أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ ) يتسخّر لقدرته، لا يتأنّى عن تدبيره( مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) أو يدلّ بذلّته على عظمة مدبّره. و «من» يجوز أن يعمّ أولي العقل وغيرهم على التغليب. فيكون قوله:( وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ ) إفرادا لها بالذكر، لشهرتها، واستبعاد ذلك منها. سمّيت مطاوعتها وذلّتها له فيما يحدث فيها من أفعاله، ويجريها عليه من تدبيره، وتسخيره لها: سجودا له، تشبيها لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلّف في باب الطاعة والانقياد، وهو السجود الّذي كلّ خضوع دونه.
( وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) عطف على «يسجد» بتقدير فعل مضمر يدلّ عليه المعطوف عليه، أي: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة. ولا يجوز أن يكون «يسجد» الأوّل عامله، لأنّه قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجنّ أوّلا، فإسناده إلى كثير منهم آخرا مناقضة. وأيضا تخصيص الكثير يدلّ على خصوص المعنى المسند إليهم، وما هو إلّا سجود الطاعة والعبادة. ولا يفسّر بمعنى الطاعة والعبادة في حقّ هؤلاء، وفي حقّ غيرهم بمعنى الانقياد والمطاوعة، لأنّ اللفظ الواحد لا يصحّ استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين.
ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، وخبره محذوف دلّ عليه خبر قسيمه، نحو: حقّ له الثواب.
( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ) بكفره وإبائه عن الطاعة. ويجوز أن يجعل «وكثير» تكريرا للأوّل، مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف «كثير» على «كثير» ثمّ يخبر عنهم بقوله:( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ ) . كأنّه قيل: وكثير وكثير من الناس حقّ عليهم العذاب.
( وَمَنْ يُهِنِ اللهُ ) بأن يحكم بشقاوته، ويدخله النار لأجل عناده وعتوّه( فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ) يكرمه بالسعادة وبإدخال الجنّة، لأنّه لا يملك العقوبة والمثوبة سواه( إِنَّ اللهَ
يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) من الإكرام والإنعام، والإهانة والانتقام، بالفريقين من المؤمنين والكافرين.
( هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) )
روي: أنّ اليهود والمؤمنين تخاصموا، فقال اليهود: نحن أحقّ بالله، وأقدم منكم كتابا ونبيّا. وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنّا بمحمد ونبيّكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبيّنا، ثمّ كفرتم به حسدا. فنزلت بعد الآيات السابقة بيانا لـما أعدّه لكلّ من الفريقين:( هذانِ ) إشارة إلى فرقة المؤمنين وفرقة الكافرين( خَصْمانِ ) أي: فوجان، أو فريقان مختصمان. والخصم مصدر وصف به.( اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) في دينه، أو في ذاته وصفاته. والتثنية باعتبار اللفظ، والجمع باعتبار المعنى، كقوله تعالى:( وَمِنْهُمْ
مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) (١) . ولو عكس وقيل: هؤلاء خصمان، لكان جائزا أيضا.
قيل: نزلت في ستّة نفر من المؤمنين والكافرين، تبارزوا يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلّب قتل عتبة بن ربيعة، وعليّعليهالسلام قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحرث بن عبد المطّلب قتل شيبة بن ربيعة. رواه أبو ذرّ الغفاري وعطاء. وكان أبو ذرّ يقسم بالله تعالى إنّها نزلت فيهم. ورواه أيضا البخاري في الصحيح(٢) .
( فَالَّذِينَ كَفَرُوا ) فصل لخصومتهم. وهو المعنيّ بقوله تعالى:( إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) (٣) .( قُطِّعَتْ لَهُمْ ) قدّرت لهم على مقادير جثثهم( ثِيابٌ مِنْ نارٍ ) نيران تحيط بهم وتشتمل عليهم، كما تقطع الثياب الملبوسة. ويجوز أن تظاهر على كلّ واحد منهم تلك النيران، كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض.
ونحوه:( سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ ) (٤) . ويؤيّده ما روي عن ابن عبّاس: أنّهم حين صاروا إلى جهنّم البسوا مقطّعات النيران. وهي: الثياب القصار. وعن سعيد بن جبير: يجعل لهم ثياب نحاس من نار. وهي أشدّ ما يكون حرّا.
( يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ) حال من الضمير في «لهم». أو خبر ثان. والحميم: الماء الحارّ.
( يُصْهَرُ بِهِ ) يذاب به. من الصهر، وهو إذابة الشيء.( ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) أي: يؤثّر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم. عن ابن عبّاس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا
__________________
(١) محمّد: ١٦.
(٢) صحيح البخاري ٦: ١٢٣ ـ ١٢٤.
(٣) الحجّ: ١٧.
(٤) إبراهيم: ٥٠.
لأذابتها. والجملة حال من «الحميم» أو من ضمير «هم».
( وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) سياط منه يجلدون بها. جمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به، أي: يكفّ بعنف. وفي الحديث: «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلّوها من الأرض»
أي: ما رفعوها، كأنّهم استقلّوا قواهم لرفعها من الأرض.
وعن الحسن: أنّ النار ترميهم بلهبها فترفعهم، حتّى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرّون ساعة. فذلك قوله:( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها ) من النار( مِنْ غَمٍ ) من غمومها.
بدل من الهاء بإعادة الجارّ.( أُعِيدُوا فِيها ) أي: فخرجوا أعيدوا، لأنّ الإعادة لا تكون إلّا بعد الخروج( وَذُوقُوا ) أي: وقيل لهم: ذوقوا( عَذابَ الْحَرِيقِ ) أي: النار البالغة في الإحراق. هذا لأحد الخصمين.
ثمّ قال في الخصم الّذين هم المؤمنون:( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) غيّر الأسلوب فيه، وأسند الإدخال إلى الله تعالى، وأكّده بـ «إنّ»، إحمادا لحال المؤمنين، وتعظيما لشأنهم.
( يُحَلَّوْنَ فِيها ) من: حليت المرأة، فهي حال، إذا لبست الحليّ( مِنْ أَساوِرَ ) صفة مفعول محذوف. وهي حليّ اليد. جمع أسورة، وهي جمع سوار.( مِنْ ذَهَبٍ ) بيان له( وَلُؤْلُؤاً ) عطف عليها، لا على ذهب، لأنّه لم يعهد السوار منه، إلّا أن يراد المرصّعة به. ونصبه نافع وعاصم عطفا على محلّها، أو إضمار الناصب، مثل: ويؤتون. وروي عن حفص بهمزتين. وترك أبو بكر والسوسي عن أبي عمرو الهمزة الأولى.
( وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ) غيّر أسلوب الكلام فيه، للدلالة على أنّ الحرير ثيابهم المعتادة، أو للمحافظة على هيئة الفواصل. ولـمّا حرّم الله سبحانه لبس الحرير على الرجال في الدنيا، شوّقهم إليه في الآخرة، فأخبر أنّ لباسهم في الجنّة حرير.
( وَهُدُوا ) أرشدوا في الجنّة( إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ) إلى التحيّات الحسنة ،
يحيّي بعضهم بعضا، ويحيّيهم الله وملائكته بها. وقيل: معناه: أرشدوا إلى كلمة لا إله إلّا الله والحمد لله. وعن ابن عبّاس: هداهم الله وألهمهم أن يقولوا: الحمد لله الّذي صدقنا وعده. وقيل: إلى القول الّذي يلتذّونه ويشتهونه، أو تطيب به نفوسهم. وقيل: إلى ذكر الله، فهم به يتنعّمون.
( وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ ) المحمود نفسه، أو عاقبته، وهو الجنّة. أو صراط المستحقّ لذاته الحمد، وهو الله تعالى.
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) )
ثمّ بيّن سبحانه الأفعال القبيحة الصادرة عن الكفرة، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن طاعة الله. لا يريد به الحال والاستقبال، وإنّما يريد استمرار الصدّ منهم، كقولهم: فلان يحسن إلى الفقراء، أي: يستمرّ وجود الإحسان في جميع أزمنته، ولذلك حسن عطفه على الماضي.
وقيل: هو حال من فاعل «كفروا» وخبر «إنّ» محذوف دلّ عليه آخر الآية، أي: معذّبون.
( وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) عطف على «سَبِيلِ اللهِ »( الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ ) المقيم( فِيهِ وَالْبادِ ) الطارئ أي: الّذي وقع عليه اسم الناس، من غير فرق بين مقيم وطارىء، ومكّيّ وآفاقي. و «سواء» خبر مقدّم، والجملة مفعول ثان لـ «جعلناه» إن جعل «للناس» حالا من الهاء، وإلّا فحال من المستكن فيه. ونصبه حفص على أنّه
المفعول أو الحال، و «العاكف» مرتفع به، أي: جعلناه للناس مستويا العاكف فيه والبادي.
وخبر «إنّ» محذوف، لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إنّ الّذين كفروا ويصدّون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم.
واعلم أنّه خلاف بين علماء الأمّة أنّ المراد بالمسجد الحرام نفسه، كما هو الظاهر.
والمعنى: جعلناه للناس قبلة لصلاتهم، ومنسكا لحجّهم، والعاكف والباد سواء في حكم النسك. وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف به، ويدّعون أنّهم أربابه وولاته.
أو المراد(١) الحرم، كما قال:( أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) (٢) فإنّه كان الإسراء من مكّة، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في بيت خديجة بنت خويلد. وقيل: في الشعب، أو في بيت أم هانئ.
والأوّل مرويّ عن الحسن ومجاهد والجبائي. وبه قال الشافعي، وبعض أصحابنا.
ويتفرّع عليه جواز بيع مكّة وإجارتها، وعدم جواز سكنى الحاجّ في بيوتها مع عدم رضا أهلها.
والثاني عن ابن عبّاس وابن جبير وقتادة. وبه قال أبو حنيفة، وبعض أصحابنا.
ويتفرّع على هذا تحريم بيع بيوت مكّة، وجواز سكنى الحاجّ فيها وإن لم يرض أهلها.
ويضعّف الثاني ـ على تقدير صحّة النقل ـ بأن التسمية مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة. ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنّه اشترى فيها دارا. وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما ترك لنا عقيل من دار».
وشراء عمر دارا يسجن فيها من غير نكير.
( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ ) ترك مفعوله ليتناول كلّ متناول. كأنّه قال: ومن يرد فيه مرادا مّا.
( بِإِلْحادٍ ) بعدول عن القصد( بِظُلْمٍ ) بغير حقّ. وهما صفتان للمفعول المحذوف أقيمتا
__________________
(١) عطف على قوله: أن المراد بالمسجد الحرام نفسه ...، قبل ثلاثة أسطر.
(٢) الإسراء: ١.
مقامه. أو حالان مترادفان، أي: ملحدا عن القصد ظالما. أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجارّ، أي: ومن يرد فيه مطلوبا ظالما. أو صلة له، أي: ملحدا بسبب الظلم، كالإشراك واقتراف الآثام.( نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) في الدنيا والآخرة. وهو جواب لـ «من».
يعني: أنّ الجواب على من كان فيه أن يضبط نفسه، ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.
وقيل: الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته. وعن سعيد بن جبير: الاحتكار.
وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة: لا والله، وبلى والله.
وعن عبد الله بن عمر: أنّه كان له فسطاطان، أحدهما في الحلّ والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ. فقيل له: فقال: كنّا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: لا والله، وبلى والله.
وقيل: هو كلّ شيء نهي عنه، حتّى شتم الخادم، لأنّ الذنوب هناك أعظم. وهذا أولى.
وقيل: نزلت الآية في الّذين صدّوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن مكّة عام الحديبيّة.
وقيل: الإلحاد هو الميل عن قانون الأدب، كالبزاق وعمل الصنائع وغيرهما.
والظلم: ما يتجاوز فيه قواعد الشرع. والحاصل من هذا القول أنّ الإلحاد فعل المكروهات، والظّلم فعل المحرّمات. وهو بناء على أنّ المراد بالمسجد نفسه.
( وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) )
( وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ) واذكر إذ جعلناه له مباءة، أي: مرجعا يرجع إليه. وقيل: اللام زائدة، «ومكان» ظرف، أي: وإذ أنزلناه فيه.
قيل: رفع البيت إلى السماء أيّام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال لها: الخجوج(١) ، فكنست ما حوله، فبناه على أسّه القديم.
( أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ) «أن» مفسّرة لـ «بوّأنا» من حيث إنّه تضمّن معنى: تعبّدنا ،
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «الخجوج: الريح الشديدة الحرّ. منه».
لأنّ التبوئة من أجل العبادة، فكأنّه قيل: تعبّدنا إبراهيم بأن قلنا له: لا تشرك بي شيئا.
( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) من الأوثان والأقذار. وقرأ نافع وحفص وهشام: بيتي بفتح الياء.
( لِلطَّائِفِينَ ) لمن يطوفون به( وَالْقائِمِينَ ) ويقيمون حوله( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ولمن يصلّون فيه. سمّى الصلاة بهما تسمية للشيء باسم أشرف أجزائه، فإنّهما أعظم أركانها.
( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ ) ناد فيهم( بِالْحَجِ ) بدعوة الحجّ والأمر به.
روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم صعد أبا قبيس، ووضع إصبعيه في أذنيه، فقال: «يا أيها الناس حجوا بيت ربكم» فأسمعه الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء، فيما بين المشرق والمغرب، ممّن سبق في علمه أن يحجّ، كما أسمع سليمان، مع ارتفاع منزلته وكثرة جنوده حوله، صوت النملة مع خفضه. وأوّل من أجابه أهل اليمن.
وعن الحسن: الخطاب للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمر بذلك في حجّة الوداع.
وروي عن الصادقعليهالسلام : «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجّ، فلمّا نزلت هذه الآية أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مناديه أن يؤذّن في الناس بالحجّ، فاجتمع بالمدينة خلق كثير من الأعراب وغيرهم، وأكثر أهل الأموال من أهل المدينة، وخرجصلىاللهعليهوآلهوسلم لأربع بقين من ذي القعدة، فلمّا انتهى إلى مسجد الشجرة، وكان وقت الزوال، اغتسل ونوى حجّ القرآن بعد أن صلّى الظهرين». والقول الأوّل مرويّ عن عليّعليهالسلام وابن عبّاس.
( يَأْتُوكَ رِجالاً ) مشاة. جمع راجل، كقائم وقيام.( وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ) أي: وركبانا على كلّ بعير مهزول، أتعبه بعد السفر فهزله.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنّه قال لبنيه: يا بنيّ حجّوا من مكّة مشاة حتّى ترجعوا إليها مشاة، فإنّي سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «للحاجّ الراكب بكلّ خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة، وللحاجّ الماشي بكلّ خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة».
وكان الحسن بن عليّعليهالسلام يمشي في الحجّ والبدن تساق بين يديه. والحقّ أنّ
المشي إذا لم يضعف عن العبادة فهو أفضل.
( يَأْتِينَ ) صفة لـ «كلّ ضامر» محمولة على معناه، فإنّه في معنى الجمع( مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) طريق بعيد. يقال: بئر بعيدة إذا بعد قعرها.
وروي مرفوعا عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: «إنّ الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي شعثا غبرا، أقبلوا يفدون إليّ من كلّ فجّ عميق، فأشهدكم أنّي قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألوني غير التبعات الّتي بينهم. فإذا أفاض القوم إلى جمع، وقفوا وعادوا في الرغبة والطلب إلى الله، يقول: يا ملائكتي عبادي وقفوا وعادوا من الرغبة والطلب، فأشهدكم أنّي قد أجبت دعاءهم، وشفعت رغبتهم، ووهبت مسيئهم لمحسنهم، وأعطيت محسنهم جميع ما سألني، وكفلت عنهم بالتبعات الّتي بينهم».
( لِيَشْهَدُوا ) ليحضروا( مَنافِعَ لَهُمْ ) دينيّة ودنيويّة. وتنكيرها لأنّ المراد بها نوع من المنافع مخصوص بهذه العبادة. وقيل: هو منافع الآخرة، من العفو والمغفرة. وهو المرويّ عن الصادقعليهالسلام .
وقيل: التجارات، ترغيبا فيها، لكون مكّة واديا غير ذي زرع، ولولا الترغيب لتضرّر سكّانها. ولذلك قال إبراهيم:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (١) . ولو حمل على منفعتي الدنيا والآخرة ما كان بعيدا عن الصواب. وتنكيرها دالّ عليه، كما فسّرنا أوّلا.
( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ) عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها. وقيل: كنّى بالذكر عن النحر، لأنّ ذبح المسلمين لا ينفكّ عنه، تنبيها على أنّه المقصود ممّا يتقرّب به إلى الله.
( فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ) معدودات، هي عشر ذي الحجّة. سمّيت معلومات للحرص على علمها من أجل وقت الحجّ. وبه قال أبو حنيفة.
__________________
(١) إبراهيم: ٣٧.
وقيل: إنّها يوم النحر والثلاثة بعده أيّام التشريق، والأيّام المعدودات عشر ذي الحجّة. وهو المرويّ عن الباقرعليهالسلام ، والمأثور عن ابن عبّاس، واختاره الزجّاج. قال: لأنّ الذكر هنا يدلّ على التسمية على ما يذبح وينحر، وهذه الأيّام تختصّ بذلك.
وعن الصادقعليهالسلام : «هو التكبير عقيب خمس عشرة صلاة، أوّلها صلاة الظهر من يوم النحر، يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا. والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام» وفق قوله:( عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) . علّق الفعل بالمرزوق، وبيّنه بالبهيمة، تحريضا على التقرّب، وتنبيها على مقتضى الذكر.
والبهيمة من الإبهام، بمعنى المبهمة من كلّ ذات أربع في البرّ والبحر. وإنّما سمّيت بالبهيمة، لأنّها لا تفصح كما يفصح الحيوان الناطق. وأصل الأنعام في الإبل. واشتقاقها من النعمة، وهي اللين. سمّيت بذلك للين خفافها. وقد يجتمع معها البقر والغنم، فيسمّى الجميع أنعاما اتّساعا. وإن انفردا لم يسمّيا أنعاما. وإضافة البهيمة للبيان.
( فَكُلُوا مِنْها ) من لحومها. أمر بذلك إباحة وإزاحة لـما عليه أهل الجاهليّة من التحرّج فيه، أو ندبا إلى مواساة الفقراء ومساواتهم. وهذا في المتطوّع به دون الواجب.
( وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ ) الّذي أصابه بؤس، أي: شدّة( الْفَقِيرَ ) المحتاج الّذي أضعفه الإعسار. مشتقّ من فقار الظهر، كأنّه كسر فقاره، لفرط احتياجه. والأمر في الإطعام للندب إن كان الذبح بغير الهدي، وإلّا فالأمران للوجوب.
( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) ثمّ ليزيلوا وسخهم بقصّ الشارب والأظفار، ونتف الإبط وحلق العانة عند الإحلال، فإنّ التفث بمعنى الوسخ. وعن الزجّاج: التفث كناية عن الخروج من الإحرام إلى الإحلال.
وقيل: المراد به بقيّة أعمال الحجّ بعد الذبح، من الحلق والرمي وغيرهما من المناسك. وعلى هذا يكون عطف الطواف من باب عطف: جبرئيل وميكائيل، وفاكهة
ونخل ورمّان.
( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ) وليتمّوا ما ينذرون من البرّ في حجّهم. وقيل: مواجب الحجّ. وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء.
( وَلْيَطَّوَّفُوا ) طواف الإفاضة الّذي به تمام التحلّل. وهو طواف الزيارة الّذي هو من أركان الحجّ، ويقع به تمام التحلّل. وقيل: طواف الصدر. وهو طواف الوداع. وروى أصحابنا أنّه طواف النساء الّذي يستباح به وطء النساء، وذلك بعد طواف الزيارة الّذي يحلّ له كلّ شيء إلّا النساء. وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيها.( بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) القديم، لأنّه أوّل بيت وضع للناس. أو المعتق من تسلّط الجبابرة، فكم من جبّار سار إليه ليهدمه فمنعه الله.
وأمّا الحجّاج فقيل: إنّما قصد بنقضه إخراج ابن الزبير منه، ولم يقصد التسلّط عليه، ولهذا لـمّا قبضه بناه. ولـمّا قصد أبرهة التسلّط عليه فعل به ما فعل. وليس بشيء، لأنّ إقدامه على تلك الفعلة قبيح، ومخالف لقوله تعالى:( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) (١) .
بل الأولى في الجواب: أنّه إنّما لم يهلكه لبركة سيّدنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ هذه الأمّة معصومة من عذاب الاستئصال.
وقيل: معناه: لم يملك قطّ. وقيل: أعتق من الغرق. وقيل: بيت كريم، من قولهم: عتاق الخيل والطير.
( ذلِكَ ) خبر محذوف، أي: الأمر أو الشأن ذلك. وهو وأمثاله يطلق للفصل بين كلامين.( وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ ) أحكامه وسائر ما لا يحلّ هتكه. أو الحرم وما يتعلّق بالحجّ من التكاليف. أو الكعبة والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرّم، فإنّ الحرمة ما لا يحلّ هتكه، فيشمل جميع ما كلّفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحجّ وغيرها. ومعنى تعظيمها: العلم بأنّها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها. يعني: من
__________________
(١) آل عمران: ٩٧.
يراعي ما يجب القيام به من أحكام الله تعالى، وامتثل به.
( فَهُوَ ) فالتعظيم الّذي هو القيام بأوامر الله ونهيه( خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ثوابا.
ولـمّا حثّ على تعظيم الحرمات، ردّ على الكفرة ما كانوا عليه، فقال:( وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) إلّا المتلوّ عليكم تحريمه. وذلك قوله في سورة المائدة:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (١) . والمعنى: إنّ الله قد أحلّ لكم الأنعام كلّها إلّا ما استثناه في كتابه، فحافظوا على حدوده، وإيّاكم أن تحرّموا ممّا أحلّ شيئا، كتحريم البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلّوا ممّا حرّم الله، كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك.
( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ) أي: الرجس الّذي هو الأوثان، كما تجتنب الأنجاس. وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها، والتنفير عن عبادتها.
( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) قول الكذب. تعميم بعد تخصيص، فإنّ عبادة الأوثان رأس الزور، لأنّ المشرك زاعم أنّ الوثن تحقّ له العبادة، وهو محض الكذب.
وقيل: المراد شهادة الزور، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، وتلا هذه الآية».
والزّور من الزّور، وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من الإفك، وهو الصرف، فإنّ الكذب مصروف عن الواقع.
وقيل: قول الزور قول أهل الجاهليّة: لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك.
( حُنَفاءَ لِلَّهِ ) مخلصين له( غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ) وهما حالان من الواو، أي: اجتنبوا الأوثان وقول الزور، مستقيمي الطريقة على أمر الله، مائلين عن سائر الأديان.
( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ) لأنّه سقط من أوج سماء الإيمان إلى
__________________
(١) المائدة: ٣.
حضيض شقاوة الكفر( فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ) فإنّ الأهواء المردية توزّع أفكاره. وقرأ نافع وحده: فتخطّفه، بفتح الخاء وتشديد الطاء. أصله: تختطفه.( أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ) تسقطه( فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ) بعيد مفرط في البعد، فإنّ الشيطان قد طوّح(١) به في الضلالة البعيدة.
وهذا التشبيه يكون من التشبيهات المفردة، لأنّه شبّه الإيمان في علوّه بالسماء، والّذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء الّتي تتوزّع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الّذي يطوّح به في وادي الضلالة بالريح الّتي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المهلكة.
ويجوز أن يكون من التشبيهات المركّبة. فيكون المعنى: ومن أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا يشبه بصورة حال من خرّ من السماء، فاختطفته الطير، فتفرّق مزعا(٢) في حواصلها، أو عصفت به الريح حتّى هوت به في بعض المطاوح(٣) البعيدة.
و «أو» للتخيير، كما في قوله:( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ) (٤) . أو للتنويع، فإنّ من المشركين من لا خلاص له أصلا، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة ولكن على بعد.
( ذلِكَ ) أي: الأمر ذلك الّذي ذكرناه( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ ) معالم دين الله، والأعلام الّتي نصبها لطاعته. وتعظيمها التزامها. وقيل: هي مناسك الحجّ كلّها. وعن ابن عبّاس ومجاهد: هي الهدايا، لأنّها من معالم الحجّ. جمع شعيرة. وهي البدن إذا أشعرت، أي: أعلمت عليها، بأن يشقّ سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنّها هدي. وهذا هو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام .
وذهب إليه الشافعي. وهو أوفق لظاهر ما بعده.
وتعظيمها أن يختارها عظام الأجرام حسانا سمانا غالية الأثمان، ويترك
__________________
(١) طوّح: رمى وقذف. والمطاوح: المهالك. والواحدة: مطاحة.
(٢) في هامش النسخة الخطّية: «المزعة: قطعة من اللحم. منه» وجمعها: مزع ومزع.
(٣) طوّح: رمى وقذف. والمطاوح: المهالك. والواحدة: مطاحة.
(٤) البقرة: ١٩.
المكاس(١) في شرائها.
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أهدى مائة بدنة، فيها جمل في أنفه برّة(٢) من ذهب.
وكان ابن عمر يسوق البدن مجلّلة بالقباطي(٣) ، فيتصدّق بلحومها وبجلالها(٤) .
( فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) فإنّ تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب. فحذفت هذه المضافات. ولا يستقيم المعنى إلّا بتقديرها، لأنّه لا بدّ من عائد من الجزاء إلى «من» ليرتبط به. وذكر القلوب لأنّها مراكز التقوى الّتي إذا ثبت فيها وتمكّنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء، فإنّها منشأ التقوى والفجور، والآمرة بهما.
( لَكُمْ فِيها ) في الهدايا( مَنافِعُ ) من درّها ونسلها وصوفها وظهرها( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إلى أن تنحر، ويتصدّق بلحومها، ويؤكل منها( ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) ثمّ وقت نحرها منتهية إلى البيت من الحرم، فإنّ المراد نحرها في الحرم الّذي هو في حكم البيت، لأنّ الحرم هو حريم البيت. ومثل هذا في الاتّساع قولك: بلغنا البلد. وإنّما شارفتموه، واتّصل مسيركم بحدوده.
و «ثمّ» تحتمل التراخي في الوقت، والتراخي في الرتبة، أي: لكم فيها منافع دنيويّة إلى وقت النحر، وبعده منافع دينيّة أعظم منها. وهو على القولين الأولين إمّا متّصل بحديث الأنعام، والضمير فيه لها. أو المراد على الأول: لكم فيها منافع دينيّة تنتفعون بها إلى أجل مسمّى هو الموت، ثم محلّها منتهية إلى البيت العتيق الّذي ترفع إليه الأعمال، أو يكون فيه ثوابها، وهو البيت المعمور أو الجنّة. وعلى الثّاني: لكم فيها منافع التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة، ثمّ وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة. ولا يخفى أنّ المعنى الأوّل أظهر وأنسب كما قلنا ،
__________________
(١) المكاس: استحطاط الثمن واستنقاصه في البيع.
(٢) أي: حلقة.
(٣) القباطيّ: ثياب من كتّان، منسوبة إلى القبط. والواحدة: القبطيّة.
(٤) الجلال: للدابّة كالثوب للإنسان تصان به. والواحدة: الجلّ.
فيكون المراد بشعائر الله الهدايا.
واعلم أنّ عند أصحابنا إن كان الهدي للحجّ فمحلّه منى، وإن كان للعمرة المفردة فمحلّه مكّة قبالة الكعبة بالحزورة(١) . وهذا القول ثابت بالروايات المأثورة عن أئمّتناعليهمالسلام .
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) )
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ) ولكلّ أهل دين( جَعَلْنا مَنْسَكاً ) شرعنا أن ينسكوا، أي: يتعبّدوا، أو يذبحوا لوجه الله. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر، أي: موضع نسك.( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ) على النسائك دون غيره، ويجعلوا نسيكتهم لوجه الله. وتعليل الجعل به للتنبيه على أنّ المقصود من المناسك تذكّر المعبود.( عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) أي: عند ذبحها. وفيه تنبيه على أنّ القربان يجب أن يكون نعما.
( فَإِلهُكُمْ ) فمعبودكم الّذي توجّهون إليه العبادة( إِلهٌ واحِدٌ ) لا شريك له( فَلَهُ أَسْلِمُوا ) أخلصوا له الذكر، ولا تشوبوه بالإشراك( وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) المتواضعين، أو المخلصين، فإنّ الإخبات صفتهم. وهو من الخبت، وهو المطمئنّ من الأرض. وقيل: هم الّذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
__________________
(١) الحزورة: كانت سوق مكّة، وقد دخلت في المسجد لـمّا زيد فيه. معجم البلدان ٢: ٢٥٥.
وفي الآية دلالة على أنّ الذبائح غير مختصّة بهذه الأمّة، وأنّ التسمية على الذبح كانت مشروعة قبلنا.
ثمّ وصف المخبتين بقوله:( الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ ) إذا خوّفوا بالله( وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) هيبة منه، لإشراق اشعّة جلاله على قلوبهم( وَالصَّابِرِينَ ) وبشّرهم( عَلى ما أَصابَهُمْ ) من التكاليف في طاعة الله، وسائر المصائب والنوائب( وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ ) في أوقاتها، كما أمر الله تعالى بها( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) في وجوه الخير.
( وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) )
ثمّ عاد إلى ذكر الشعائر بقوله:( وَالْبُدْنَ ) جمع بدنة، كخشب وخشبة. وأصله الضمّ من: بدن بدانة. سمّيت بها الإبل، لعظم بدنها. وانتصابه بفعل يفسّره( جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ ) من أعلام الشريعة الّتي شرعها الله تعالى. وإضافته إلى اسمه تعظيم لها.
و «من» متعلّقة بفعل محذوف، أي: جعلنا لكم وجعلناها من شعائر الله.
( لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ) أي: منافع دينيّة ودنيويّة، كقوله تعالى:( لَكُمْ فِيها مَنافِعُ ) (١) ( فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها ) أي: في حال نحرها. قال ابن عبّاس: بأن تقول عند ذبحها: الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر، أللّهمّ منك وإليك.( صَوافَ ) قائمات قد صففن ايديهنّ وأرجلهنّ، وربطت اليدان من كلّ واحد منها ما بين الرسغ(٢) إلى الركبة.
__________________
(١) الحجّ: ٣٣.
(٢) الرسغ: الموضع المستدقّ بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والمفصل ما بين الساعد والكفّ أو الساق والقدم. ومثل ذلك من الدابّة.
( فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها ) سقطت على الأرض. من: وجب الحائط وجبة إذا سقط.
ووجبت الشمس وجبة: غربت. ووجوب الجنوب فيها كناية عن تمام خروج الروح منها.
( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ ) الراضي بما عنده، وبما يعطي من غير مسألة( وَالْمُعْتَرَّ ) والمتعرّض للسؤال. وعن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «القانع: الّذي يسأل فيرضى بما أعطي، والمعتر: الّذي يعتري ولا يسأل».
والأمر في الثلاثة للوجوب في حجّ التمتّع عندنا، لقول الصادقعليهالسلام : «إذا ذبحت ونحرت فكل وأطعم، كما قال الله تعالى:( فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ) ».
( كَذلِكَ ) مثل ما وصفناه من نحرها قياما( سَخَّرْناها لَكُمْ ) مع عظمها وقوّتها، حتّى تأخذوها منقادة، فتعقلوها وتحبسوها صافّة قوائمها، ثمّ تطعنون في لبّاتها(١) .
ولو لا تسخير الله لم تطق، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش الّتي هي أصغر منها جرما وأقلّ قوّة.( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) إنعامنا عليكم بالتقرّب والإخلاص.
( لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) )
قيل: كان أهل الجاهليّة إذا ذبحوا القرابين لطخوا الكعبة بدمائها للتقرّب، فهمّ به المسلمون، فنزلت:( لَنْ يَنالَ اللهَ ) لن يصيب رضاه، ولن يقع منه موقع القبول( لُحُومُها ) المتصدّق بها( وَلا دِماؤُها ) المهراقة بالنحر من حيث إنّها لحوم ودماء( وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ) ولكن يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم الّتي تدعوكم إلى تعظيم أمر الله، والتقرّب إليه والإخلاص له.
وتنقيح المعنى: لن يرضي المضحّون والمقرّبون ربّهم بهذه الأعمال إلّا بمراعاة نيّة
__________________
(١) اللّبّة: المنحر وموضع القلادة من الصدر. وجمعها: لبّات.
الإخلاص، وقصد الاحتفاظ بشرط التقوى في حلّ ما قرّب به، وهي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، وإخراج ملك البدن من مال طيّب لا شبهة فيه، عن سخاء نفس، فإنّ الطبيعة شحيحة، ومخالفتها من التقوى، فإذا لم يراعوا ذلك لم تغن عنهم التضحية.
( كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ) كرّره تذكيرا للنعمة، وتعليلا له بقوله:( لِتُكَبِّرُوا اللهَ ) أي: لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحّدوه بالكبرياء. وقيل: هو التكبير عند الإحلال أو الذبح.( عَلى ما هَداكُمْ ) أرشدكم إلى طريق تسخيرها، وكيفيّة التقرّب بها. و «ما» تحتمل المصدريّة والخبريّة. و «على» متعلّقة بـ «تكبّروا» لتضمّنه معنى الشكر.( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ) المخلصين فيما يأتونه ويذرونه.
( إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) )
ثمّ بيّن سبحانه دفع غائلة المشركين عن المؤمنين، بشارة لهم بالنصر، فقال:( إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) يمنعهم عن شرور الكفّار وأذيّاتهم، وينصرهم عليهم. وقرأ نافع وابن عامر والكوفيّون: يدافع، أي: يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه، لأنّ فعل المغالب أقوى وأبلغ.
ثمّ جعل العلّة في اختصاص المؤمنين بدفعه عنهم، ونصرته لهم، بالجملة
المستأنفة، وهي قوله:( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ ) كأنّه قيل: لم خصّ المؤمنين بالنصرة والدفع. فأجيب: إنّ الله لا يحبّ كلّ خوّان ـ أي: كثير الخيانة ـ في أمانة الله.( كَفُورٍ ) كثير الكفران لنعمه. وهم الكفرة الّذين يخونون الله بالإشراك، والرسول بالإنكار والجحود والكفران، ويتقرّبون إلى الأصنام بذبيحتهم ويعظّمونها، ويكفرون نعم الله، فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم.
ثمّ بيّن إذنه لهم في قتال الكفّار بعد تقدّم بشارتهم بالدفع عنهم، فقال:( أُذِنَ ) أي: رخّص. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل، أي: أذن الله.
( لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ) المشركين. حذف المأذون فيه ـ وهو القتال ـ لدلالة «يقاتلون» عليه.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء، أي: للّذين يقاتلهم المشركون.( بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) بسبب كونهم مظلومين.
وهم أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . كان المشركون يؤذونهم، ولا يزال يجيء مشجوج ومضروب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويتظلّم إليه، فيقول لهم: اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال حتّى هاجر، فأنزلت.
وفي أوّل آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيّف(١) وسبعين آية.
ثمّ صرّح بالوعد لهم بالنصر، كما وعد بدفع أذى الكفّار عنهم، فقال:( وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) سيغلبهم ويقهرهم على أعدائهم.
ثمّ بيّن علّة إذن القتال، فقال:( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) يعني: مكّة( بِغَيْرِ حَقٍ ) بغير موجب استحقّوه به. وعن أبي جعفرعليهالسلام : «نزلت في المهاجرين، وجرت في آل محمّد الّذين أخرجوا من ديارهم وأخيفوا».
( إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ ) في محلّ الجرّ على الإبدال من «حقّ» أي: بغير موجب سوى التوحيد الّذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين، لا موجب الإخراج.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «النيّف مثقّل، في قولهم: مائة ونيّف. قال أبو زيد: كلّ ما بين عقدين نيّف. منه».
والتسيير ومثله:( هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ ) (١) . وهذا استثناء متّصل على طريقة قول النابغة(٢) :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم |
بهنّ فلول من قراع الكتائب |
وقيل: منقطع.
( وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ ) قرأ نافع: دفاع الله( النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين بالمجاهدة( لَهُدِّمَتْ ) لخرّبت باستيلاء المشركين على أهل الملل. وقرأ نافع وابن كثير: لهدمت بالتخفيف.( صَوامِعُ ) صوامع الرهبان( وَبِيَعٌ ) وبيع النصارى( وَصَلَواتٌ ) وكنائس اليهود. سمّيت بها لأنّها يصلّى فيها. وقيل: هي كلمة معرّبة، أصلها بالعبرانيّة: صلوتا.( وَمَساجِدُ ) ومساجد المسلمين( يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً ) صفة للأربع، أو لـ «مساجد» خصّت بها تفضيلا.
والمعنى: لولا دفع الله ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبّداتهم فهدّموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون في أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم على المسلمين، وعلى أهل الكتاب الّذين في ذمّتهم، وهدّموا متعبّدات الفريقين.
( وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) من ينصر دينه وأولياءه. وهو إخبار من اللهعزوجل بظهر الغيب عمّا سيكون. وقد أنجز وعده، بأن سلّط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكابر أكاسرة العجم وقياصرتهم، وأورثهم أرضهم وديارهم.( إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ ) على نصرهم( عَزِيزٌ ) لا يمانعه شيء.
__________________
(١) المائدة: ٥٩.
(٢) ديوان النابغة (طبعة دار صادر): ١١.
( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) )
ثمّ وصف المهاجرين المخرجين من ديارهم بقوله:( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ) لو أعطيناهم في الدنيا كمال المكنة والاقتدار، والتسلّط في القيام بأمور الدين( أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ) أي: ولأقدموا على أنواع طاعتنا البدنيّة والماليّة، وأمروا عبادنا بأوامرنا، ونهوهم عمّا نهينا عنه. قيل: الموصول مع الصلة منصوب بدل من «من ينصره». والظاهر أنّه مجرور تابع لـ «الّذين أخرجوا». وعن الباقرعليهالسلام : «نحن هم والله».
ثمّ أكّد ما وعده من إظهار أوليائه، وإعلاء كلمتهم، بقوله:( وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ) فإنّ مرجعها إلى حكمه.
( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) )
ثمّ خوّف مكذّبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذكر من كذّبوا أنبياءهم فأهلكوا، فقال:( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ ) رسلهم وفيه أيضا تسلية لرسوله، كأنّه قال: إنّ قومك إن كذّبوك فأنت ليس بأوحديّ في التكذيب، فإنّ هؤلاء قد كذّبوا رسلهم قبل قومك، فكفاك بهم أسوة.
( وَكُذِّبَ مُوسى ) غيّر فيه النظم، وبنى الفعل للمفعول، لأنّ قومه بنو إسرائيل ولم يكذّبوه، وإنّما كذّبه القبط. ولأنّ تكذيبه كان اشنع، لأنّ آياته كانت أعظم وأشيع.
( فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ) فأمهلتهم حتّى انصرمت آجالهم المقدّرة. يقال: أملى الله لفلان في العمر، إذا أخّر عنه أجله.( ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة، والحياة هلاكا، والعمارة خرابا. والاستفهام للتقرير.
ثمّ بيّن كيفيّة تعذيب المكذّبين بقوله:( فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) بإهلاك أهلها( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) أي: أهلها. في محلّ النصب على الحال.( فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ) ساقطة، من: خوى النجم إذا سقط. أو الخالي، من: خوى المنزل إذا خلا من أهله. وخوى بطن الحامل. والعرش: كلّ ما أظلّك من سقف بيت أو خيمة أو ظلّة أو كرم.
والجملة معطوفة على «أهلكناها». و «على» إمّا متعلّق بـ «خاوية». فيكون المعنى: أنّها ساقطة حيطانها على سقوفها، بأن تعطّل بنيانها فخرّت سقوفها ثم انهدمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف. أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها. فـ «على» تكون بمعنى مع، وإما خبر بعد خبر، كأنّه قيل: هي خالية وهي على عروشها، أي: مطلّة على عروشها، بأن سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها.
ولا يجوز أن تكون الجملة معطوفة على( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) ، لأنّها حال، والإهلاك ليس حال خوائها. فلا محلّ لها إن نصبت «كأيّن» بمقدّر يفسّره أهلكناها، وإن رفعته بالابتداء فمحلّها الرفع.
( وَبِئْرٍ ) عطف على قرية، أي: وكم من بئر عامرة في البوادي، فيها الماء الغزير، ومعها آلات الاستقاء( مُعَطَّلَةٍ ) عطّلت وتركت لا يستقى منها، لهلاك أهلها( وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ) مجصّص، من الشيد بمعنى الجصّ. أو مرفوع البنيان، من: شاد بمعنى: ارتفع.
والمعنى: كم من قرية أهلكناها؟ وكم بئر عطّلنا عن سقاتها؟ وكم قصر مشيد أخليناه عن
ساكنيه؟ فترك ذلك لدلالة «معطّلة» عليه.
وروي: أنّ هذه بئر نزل عليها صالحعليهالسلام مع أربعة آلاف نفر ممّن آمن به، ونجّاهم الله من العذاب. وهي بحضرموت. وإنّما سمّيت بذلك، لأنّ صالحا حين حضرها مات.
وقيل: بئر في سفح جبل بحضرموت، وقصر مشرف على قلّته.
وقيل: بلدة عند البئر اسمها: حاضوراء، بناها قوم صالح، وأمّروا عليهم جلهس بن جلّاس، وأقاموا بها زمانا، ثمّ كفروا وعبدوا صنما، وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبيّا فقتلوه، فأهلكهم الله، وعطّل بئرهم، وخرّب قصورهم.
وقيل: أصحاب الآبار ملوك البدو، وأصحاب القصور ملوك الحضر.
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) )
ثمّ حثّ سبحانه على الاعتبار بمصارع من أهلكهم الله من الكفّار الّذين كذّبوا رسلهم، فقال:( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) أفلم يسافروا فيها ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا؟ وهم وإن كانوا سافروا، لكن لم يسافروا على وجه الاعتبار والتأمّل. ويحتمل أنّهم لم يسافروا، فحثّوا على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا.
( فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ) ما يجب أن يعقل من التوحيد، بما حصل لهم من الاستبصار، والاستدلال بما نزل على من أشرك قبلهم( أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ) ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم.
( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ) الضمير للقصّة. أو مبهم يفسّره «الأبصار». وفي «تعمى» راجع إليه. والمعنى: فإنّ إبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها.( وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) عن الاعتبار، أي: ليس الخلل في مشاعرهم، وإنّما إيفت عقولهم باتّباع الهوى، والانهماك في التقليد. وذكر الصدور للتأكيد، ونفي التجوّز، كقوله :
( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ) (١) ، وقوله:( يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ) (٢) . وفضل التنبيه على أنّ العمى الحقيقي مكانه القلب، لا المتعارف الّذي هو البصر.
وتوضيحه: أنّ الّذي قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلوب استعارة ومثل. فلمّا أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أن مكان العمى حقيقة هو القلوب في الصدور لا الإبصار، كما تقول: ليس المضاء للسيف، ولكنّه للسانك الّذي بين فكّيك.
فقولك: «الّذي بين فكّيك» تقرير لـما ادّعيته للسانه وتثبيت، لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير.
روي: أنّه لـمّا نزلت:( وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ) (٣) ، قال ابن أمّ مكتوم: يا رسول الله إنّما أنا في الدنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت:( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) .
( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) )
ثمّ أنكر استعجالهم بالعذاب المتوعّد به عاجلا أو آجلا، فقال:( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ) المتوعّد به( وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ ) لامتناع الخلف في خبره، فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين، لكنّه صبور حليم لا يعجل بالعقوبة.
ثمّ بيّن تناهي صبره، وتأنّيه في أموره، فقال استقصارا للمدد الطوال:( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) يعني: من حلمه ووقاره، واستقصاره المدد الطوال، أنّ
__________________
(١) آل عمران: ١٦٧.
(٢) الأنعام: ٣٨.
(٣) الإسراء: ٧٢.
يوما واحدا عنده كألف سنة عندكم.
وقيل: معناه: كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيّام عذابه في طول ألف سنة من سنّيكم؟ من حيث إنّ اليوم الواحد لشدّة عذابه كألف سنة من سنيّ العذاب. وقرأ ابن كثير والكسائي وحمزة بالياء.
( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) )
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ الإملاء والإهمال لا يمنعهم من العذاب، كما لا يمنع الأمم السالفة منه، فقال:( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ ) وكم من أهل قرية. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب ورجع الضمائر والأحكام، مبالغة في التعميم والتهويل.
وإنّما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو، لأنّ الأولى بدل من قوله:( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) ، وهذه حكمها حكم ما تقدّمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني: قوله:( وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ ) وإنّ يوما عند ربّك كألف سنة لبيان أن المتوعّد به يحيق بهم لا محالة، وأنّ تأخيره لعادته تعالى. والمعنى: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين.
( أَمْلَيْتُ لَها ) أنظرتهم حينا كما أمهلتكم( وَهِيَ ظالِمَةٌ ) وهم ظالمون مثلكم( ثُمَّ أَخَذْتُها ) أخذتهم بالعذاب( وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ) وإلى حكمي مرجع الجميع.
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) )
ثمّ خاطب سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( قُلْ ) لهم( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي: أوضح لكم ما أنذركم به. والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب ـ الّذي
يقتضي أن يقال: إنّما أنا لكم بشير ونذير، لذكر الفريقين بعده ـ لأنّ صدر الكلام ومساقه للمشركين، وإنّما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم.
( فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) من السيّئات( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) هي الجنّة، فإنّها أكرم نعيم. والكريم من كلّ نوع ما يجمع فضائله.
( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا ) أي: بذلوا الجهد في إبطال آياتنا وردّها. وأصل السعي الإسراع في المشي.( مُعاجِزِينَ ) مسابقين. من: عاجزه إذا سابقه، لأنّ كلّ واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه. والمعنى: سعوا في معناها بالفساد، من الطعن فيها حيث سمّوها سحرا وشعرا وأساطير الأوّلين، ومن تثبيط الناس عنها سابقين أو مسابقين في زعمهم، وتقديرهم طامعين أنّ كيدهم للإسلام يتمّ لهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: معجزين.
( أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ) النار الموقدة. وقيل: اسم دركة.
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) )
روي عن ابن عبّاس وغيره: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا تلا سورة والنجم وبلغ إلى قوله:( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ) (١) ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق(٢) العلى، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى. فسرّ بذلك المشركون. فلمّا انتهى إلى السجدة سجد المسلمون، وسجد أيضا المشركون لـمّا سمعوا من ذكر آلهتهم بما أعجبهم.
فهذا الخبر إن صحّ فمحمول على أنّه كان يتلو القرآن، فلمّا بلغ هذا الموضع، وذكر أسماء آلهتهم، وقد علموا من عادته أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعيبها، قال بعض الحاضرين من الكافرين: تلك الغرانيق العلى، وألقى ذلك في تلاوته يوهم أنّ ذلك من القرآن، فأضافه سبحانه إلى الشيطان، لأنّه إنّما حصل بإغوائه ووسوسته.
وهذا أورده المرتضى قدّس روحه في كتاب التنزيه(٣) . وهو قول الناصر للحقّ من أئمّة الزيديّة. وهو وجه حسن في التأويل.
فأنزل الله سبحانه في ذلك:( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ ) الرسول: من بعثه الله بشريعة مجدّدة يدعو الناس إليها. والنبيّ يعمّه ومن بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الّذين كانوا بين موسى وعيسىعليهالسلام . ولذلك شبّه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم علماء أمّته بهم، وقال: «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل».
فالنبيّ أعمّ من الرسول. ويدلّ عليه أيضا أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن الأنبياء، فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جمّا غفيرا».
وقيل: الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه. والنبيّ من لا كتاب له.
وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي. والنبيّ يقال له ولمن يوحى إليه في المنام.
__________________
(١) النجم: ١٩ ـ ٢٠.
(٢) الغرنوق: الشابّ الأبيض الجميل. وجمعه: غرانيق.
(٣) تنزيه الأنبياء: ١٠٨.
( إِلَّا إِذا تَمَنَّى ) إذا تلا ما يؤدّيه إلى قومه، فإنّ التمنّي بمعنى التلاوة، كما قال حسّان بن ثابت :
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة |
وآخره لاقى حمام المقادر |
وفي رواية أخرى :
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة |
تمنّي داود الزبور على رسل |
( أَلْقَى الشَّيْطانُ ) أي: زاد عليه بعض المشركين ـ الّذين هم بمنزلة الشيطان ـ الكلمات الباطلة والأقوال المضلّة( فِي أُمْنِيَّتِهِ ) في تلاوته ليوهموا أنها من جملة الوحي. ولـمّا وقع ذلك منهم بغرور الشيطان أسند إليه( فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ) فيزيله ويدحضه بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان وترك استماع غروره. وخرج هذا على وجه التسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا كذب المشركون عليه، وأضافوا إلى تلاوته من مدح آلهتهم ما لم يكن فيها.
وعن مجاهد: كان النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا تأخّر عنه الوحي تمنّى أن ينزل عليه، فيلقي الشيطان في أمنيّته بأنّ الوحي يمكن أن ينقطع.
وعلى هذا، فالمعنى: إذا تمنّى بقلبه ما يتمنّاه من الأمور، وسوس إليه الشيطان ويدعوه إلى الباطل.
وقال صاحب المجمع بعد نقل الرواية المذكورة عن ابن عبّاس: «وقد جاء في بعض الأحاديث أنّه صدر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «تلك الغرانيق العلى، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى» وأراد بذلك الملائكة، فتوهّم المشركون أنّه يريد آلهتهم.
وقيل: إنّ ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة، فلمّا ظنّ المشركون أنّ المراد به آلهتهم، نسخت تلاوته.
وقال البلخي: يجوز أن يكون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما، فلمّا قرأها ألقاها الشيطان في ذكره، فكاد أن يجريهما على لسانه، فعصمه الله ونبّهه، ونسخ وسواس الشيطان وأحكم آياته، بأن قرأها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم محكمة سليمة ممّا أراد الشيطان.
ويجوز أن يكون النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا انتهى إلى ذكر اللّات والعزّى، قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعا بهما صوته، فألقاهما في تلاوته في مجمع الناس، فظنّ الجهّال أنّ ذلك من قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسجدوا عند ذلك»(١) .
وهذا الوجه مردود بأنّه يخلّ بالوثوق على القرآن. ولا يندفع بقوله:( فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ) .
( ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) لأنّه أيضا يحتمله.
والغرانيق: جمع غرنوق، وهو الحسن الجميل. يقال: شابّ غرنوق، إذا كان ممتلئا ريّا.
ويدلّ على أنّ الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ والمبطل، لا محض الوسوسة، قوله:( لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً ) . ابتلاء وامتحانا، أي: تشديدا في التعبّد( لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) شكّ، ونفاق( وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) المشركين. يعني: ليشدّد التكليف على الّذين في قلوبهم شكّ، وعلى الّذين قست قلوبهم من الكفّار، فيلزمهم التمييز بين ما يحكمه الله، وبين ما يلقيه الشيطان، بالأدلّة المستنبطة عن دقائق الفكر ولطائف التأمّل.
( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ ) يعني: هؤلاء المنافقين والمشركين. فوضع الظاهر موضع ضمير «هم» قضاء عليهم بالظلم.( لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) عن الحقّ، أو عن الرسول والمؤمنين.
( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) بالله وبتوحيده وبحكمته( أَنَّهُ الْحَقُ ) أنّ القرآن هو الحقّ( مِنْ رَبِّكَ ) النازل من عند الله، ولا يجوز عليه التبديل والتغيير. أو تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحقّ من ربّك والحكمة.
( فَيُؤْمِنُوا بِهِ ) فيصدّقوا به، أو يثبتوا على إيمانهم به( فَتُخْبِتَ ) فتطمئنّ( لَهُ قُلُوبُهُمْ ) بالانقياد والخشية( وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا ) فيما أشكل
__________________
(١) مجمع البيان ٧: ٩١ ـ ٩٢.
( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) إلى أن يتأوّلوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة بوسيلة النظر الصحيح، ويطلبوا لـما أشكل منه المحمل الّذي تقتضيه الأصول المحكمة والقوانين الممهّدة، لئلّا تعتريهم شبهة، ولا تخالجهم مرية، ولا تزلّ أقدامهم.
( وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ ) في شكّ( مِنْهُ ) من القرآن، أو الرسول، أو ممّا ألقى الشيطان في أمنيّته. يقولون: ما باله ذكرها بخير ثمّ ارتدّ عنها؟( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) القيامة، أو أشراطها، أو القيامة الصغرى، وهي الموت( بَغْتَةً ) فجأة( أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ) يوم حرب، كيوم بدر. سمّي به، لأنّ أولاد النساء يقتلون فيه، فيصرن كأنّهنّ لم يلدن. أو لأنّ المقاتلين أبناء الحرب، فإذا قتلوا صارت عقيما، فوصف اليوم بوصفها تجوّزا. أو لأنّه لا خير لهم فيه. ومنه: الريح العقيم لـما لم تنشئ مطرا ولم تلقح شجرا. أو لأنّه لا مثل له في عظم أمره، لقتال الملائكة فيه. أو يوم القيامة، على أنّ المراد بالساعة الموت أو أشراطها. أو على وضعه موضع ضميرها للتهويل. كأنّه قيل: تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها.
( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) )
ولـمّا تقدّم ذكر القيامة بيّن صفتها، فقال:( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) التنوين فيه ينوب عن الجملة الّتي دلّت عليها الغاية، أي: الملك يوم تزول مريتهم لا يملك أحد سواه شيئا ،
بخلاف ظاهر الحياة الدنيا( يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) يفصل بين المؤمنين والكافرين.
ثمّ بيّن تفصيل حكمه فيها بقوله:( فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) يتنعّمون فيها( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) يهينهم ويذلّهم. أدخل الفاء في الخبر الثاني دون الأوّل، لينبّه على أنّه يثيب المؤمنين زيادة على قدر عملهم بمراتب تفضّلا منه، وأنّ عقاب الكفّار مسبّب عن أعمالهم وعلى وفقها لا أزيد. ولذلك قال: «لهم عذاب» ولم يقل: هم في عذاب.
روي: أنّ بعض الصحابة حين رأوا الّذين استشهدوا في سبيل الله قالوا: يا رسول الله هؤلاء الّذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير في جنّات النعيم، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا؟ فنزلت:( وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا ) في الجهاد( أَوْ ماتُوا ) في الغربة حتف أنفهم( لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً ) الجنّة ونعيمها.
فسوّى بين من قتل في الجهاد، وبين من مات حتف أنفه في الوعد، لاستوائهما في القصد وأصل العمل. والرزق الحسن: ما إذا رآه لا تمتدّ عينه إلى غيره. وهذا لا يقدر عليه غير الله تعالى، ولذلك قال:( وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) فإنّه يرزق بغير حساب.
( لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ) هو الجنّة، فيها ما يحبّونه، فإنّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين. والمدخل يجوز أن يكون بمعنى المكان، وبمعنى المصدر.
( وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ ) بدرجات العاملين، أو بأحوالهم وأحوال معادهم ومراتب استحقاقهم( حَلِيمٌ ) لا يعاجل بعقوبة أعدائهم.
( ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) )
( ذلِكَ ) الأمر ذلك الّذي قصصنا عليك. روي: أنّ جماعة من مشركي مكّة لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، فقالوا: إنّ أصحاب محمّد لا يقاتلون في هذا الشهر، فحملوا عليهم. فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبوا، فأظهر الله المسلمين عليهم، فنزلت:( وَمَنْ عاقَبَ ) أي: جازى الظالم( بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ) بمثل ما ظلمه، ولم يزد في الاقتصاص. وإنّما سمّى الابتداء بالعقاب ـ الّذي هو الجزاء ـ للمزاوجة، أو لملابسته له، من حيث إنّه سبب وذاك مسبّب عنه، كما يحملون النظير على النظير، والنقيض على النقيض للملابسة.
( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ ) على المجازي بمعاودة الظالم على عقوبته( لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ ) لينصرنّ المظلوم الّذي بغي عليه لا محالة( إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) للمنتصر حيث اتّبع هواه في الانتقام، وحرّم نفسه عمّا يوجبه العفو من المدح عند الله، وأعرض عمّا ندب إليه بقوله:( وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (١) . ولم ينظر إلى قوله:( فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) (٢) .( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) (٣) .
وفيه تعريض بالحثّ على العفو والمغفرة، فإنّه تعالى مع كمال قدرته وعلوّ شأنه لـمّا كان يعفو ويغفر، فغيره بذلك أولى. وتنبيه على أنّه قادر على العقوبة، إذ لا يوصف بالعفو إلّا القادر على ضدّه.
__________________
(١، ٢) الشورى: ٤٣ و ٤٠.
(٣) البقرة: ٢٣٧.
( ذلِكَ ) أي: ذلك النصر( بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) بسبب أنّ الله قادر على تغليب الأمور بعضها على بعض، جار عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة على وفق حكمته. ومن ذلك إيلاج أحد الملوين(١) في الآخر، بأن يزيد فيه ما ينقص منه، أو بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضوء النهار بتغييب الشمس، وعكس ذلك باطلاعها. أو بسبب أنّه خالق الليل والنهار ومصرّفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشرّ والبغي والإنصاف، فيجازيهم وفق أعمالهم.( وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) لـما يقولون( بَصِيرٌ ) بما يفعلون.
( ذلِكَ ) أي: ذلك الوصف بكمال القدرة والعلم. أو الوصف بخلق الليل والنهار، والإحاطة بما يجري فيهما، وإدراك كلّ قول وفعل.( بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ ) الثابت في نفسه، الواجب لذاته وحده، فإنّ وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكلّ ما يوجد سواه، عالما بذاته وبما عداه، قادرا على كلّ ما يشاء. أو الثابت الالهيّة بالذات، ولا يصلح لها إلّا من كان قادرا عالما بالذات.
( وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) إلها. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر بالتاء، على مخاطبة المشركين.( هُوَ الْباطِلُ ) هو المعدوم في حدّ ذاته، أو باطل الألوهيّة( وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُ ) على الأشياء( الْكَبِيرُ ) عن أن يكون له شريك، ولا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) )
__________________
(١) الملوان: الليل والنهار. والواحد: ملا.
ثمّ بيّن قدرته بالدلالة الواضحة، فقال:( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ) استفهام تقرير، ولذا رفع قوله:( فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) عطفا على «أنزل»، إذ لو نصب جوابا لدلّ على نفي الاخضرار، والمقصود إثباته بالنبات لا نفيه، كما تقول لصاحبك: ألم تر أنّي أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وإنّما عدل عن صيغة الماضي، للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول: أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكرا له. فلو قلت: فرحت وغدوت، لم يقع ذلك الموقع.
( إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ ) يصل علمه أو لطفه إلى كلّ ما جلّ ودقّ( خَبِيرٌ ) بالتدابير الظاهرة والمصالح الباطنة.
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) له التصرّف في جميع ذلك خلقا وملكا( وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُ ) في ذاته عن كلّ شيء( الْحَمِيدُ ) المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ) من الحيوانات والجمادات، وجعلها معدّة لمنافعكم( وَالْفُلْكَ ) عطف على «ما» أو على اسم «أنّ»( تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) حال منها أو خبر.
( وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ ) من أن تقع، أو كراهة أن تقع( عَلَى الْأَرْضِ ) بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) إلّا بمشيئته. وذلك يوم القيامة.
وفيه ردّ لاستمساكها بذاتها، فإنّها مساوية لسائر الأجسام في الجسميّة، فتكون قابلة للميل الهابط كقبول غيرها.
( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) حيث هيّأ لهم أسباب الاستدلال، وفتح عليهم أبواب المنافع، ودفع عنهم أنواع المضارّ.
( وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ) بعد أن كنتم جمادا عناصر ونطفا وعلقا ومضغا( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) عند انتهاء آجالكم( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) في الآخرة للجزاء. وفيه بيان أنّ من قدر على ابتداء الإحياء، قدر على إعادتهم.( إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ) لجحود لـما أفاض عليه من ضروب النعم مع ظهورها.
( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠) )
ثمّ نهى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أن يلتفت إلى قول الكفّار الجاحدين المعاندين، وتمكينهم من أن ينازعوه، فقال:( لِكُلِّ أُمَّةٍ ) أهل دين( جَعَلْنا مَنْسَكاً ) متعبّدا، أو شريعة تعبّدوا بها. وقيل: هو موضع قربان.( هُمْ ناسِكُوهُ ) ينسكونه ويتعبّدون به.( فَلا
يُنازِعُنَّكَ ) سائر أرباب الملل( فِي الْأَمْرِ ) في أمر الدين، أو النسائك. يعني: لا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكّنهم من أن يناظروك، لأنّ مناظرتهم مؤدّية إلى نزاعهم، فإنّها إنّما تنفع طالب الحقّ، وهؤلاء أهل مراء وعناد وجهالة. وهذا كقولك: لا يضاربنّك زيد، أي: لا تضاربه. وهذا إنّما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم.
وقيل: هذا زجر عن التعريض لرسول الله بالمنازعة في الدين، لأنّهم جهّال وأهل عناد، أو لأنّ أمر الإسلام أظهر من أن يقبل النزاع. وترك واو العطف في صدر الآية، وذكرها في نظيرها، وهو قوله:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ) (١) لأنّ نظيرها وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك، فعطفت على أخواتها، بخلاف هذه الآية.
وقيل: نزلت في بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيّين وغيرهما، فإنّهم قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعنون الميتة.
وقيل: معنى الآية: أنّه ليس لهم أن ينازعوك في شريعتهم، لأنّها قد نسخت شريعتك الشرائع المتقدّمة.
وفيها زيادة التثبيت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما يهيّج حميّته الدينيّة، ويلهب غضبه لله ولدينه. ومنه قوله تعالى:( وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (٢) .( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ) (٣) . وهيهات هيهات أن ترتع همّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حول ذلك الحمى، ولكنّه وارد على إرادة التهييج.
( وَادْعُ إِلى رَبِّكَ ) إلى توحيده وعبادته( إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ) طريق سويّ إلى الحقّ.
( وَإِنْ جادَلُوكَ ) خاصموك في أمر الذبيحة وغيرها من أمور الدين على سبيل
__________________
(١) الحجّ: ٣٤.
(٢، ٣) القصص: ٨٧، ٨٦.
المراء والتعنّت، بعد ظهور الحقّ بالحجج البيّنة والأدلّة الباهرة، فلا تجادلهم على هذا الوجه( فَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ) من المجادلة الباطلة وغيرها، فيجازيكم عليها. وهو وعيد وإنذار لكن برفق ولين.
( اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ) يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب والعقاب( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) كما فصّل في الدنيا بالحجج والآيات( فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) من أمر الدين.
( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) من قليل وكثير، أي: كيف تخفى عليه أعمالهم، وقد علمت بالدليل الواضح أنّه سبحانه يعلم كلّ ما يحدث في السماء والأرض، ولا يخفى عليه شيء منهما؟!( إِنَّ ذلِكَ ) ثبت( فِي كِتابٍ ) هو اللوح، أي: كتبه فيه قبل حدوثه، فلا يهمنّك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له.
( إِنَّ ذلِكَ ) إنّ الإحاطة به وإثباته في اللوح، أو الحكم بينكم( عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) لأنّ علمه مقتضى ذاته المتعلّق بكلّ المعلومات على سواء.
( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) )
ثمّ بيّن تقليد عبدة الأوثان بقوله:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ) ما لم يتمسّكوا في صحّة عبادته ببرهان سماويّ من جهة الوحي والسمع( وَما
لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ) ولا ألجأهم إلى عبادته علم ضروريّ، ولا حملهم عليها دليل عقلي( وَما لِلظَّالِمِينَ ) وما للذّين ارتكبوا مثل هذا الظلم( مِنْ نَصِيرٍ ) ناصر ينصرهم ويصوّب مذهبهم، أو يدفع عنهم العذاب.
ثمّ أخبر عن شدّة عناد هؤلاء المقلّدين، فقال:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا ) من القرآن( بَيِّناتٍ ) واضحات الدلالة على العقائد الأصوليّة الحقّة، والأحكام الفرعيّة الإلهيّة( تَعْرِفُ ) يا محمّد( فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ) الفظيع من التهجّم والعبوس. أو الإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام، لفرط نكيرهم وغيظهم، لأباطيل أخذوها تقليدا. وهذا منتهى الجهالة، وللإشعار بذلك وضع «الّذين كفروا» موضع الضمير.
( يَكادُونَ يَسْطُونَ ) يثبون من شدّة الغيظ وفرط الحقد، ويبطشون( بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا ) يقال: سطا عليه وسطا به، إذا تناوله بالبطش.
( قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ ) من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم. أو ممّا أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم.
ثمّ فسّر ذلك بقوله:( النَّارُ ) أي: هو النار. كأنّه جواب سائل قال: ما هو؟ فقيل: النار، أي: هو النار. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره( وَعَدَهَا اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) النار. وعلى الأوّل استئناف كلام.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) )
ثمّ بيّن عجز الأصنام، فقال خطابا لجميع المكلّفين:( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ) للأصنام وعبدتها، أي: بيّن لكم حال مستغربة أو قصّة رائعة، ولذلك سمّاها مثلا( فَاسْتَمِعُوا لَهُ ) للمثل استماع تدبّر وتفكّر.
( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) يعني: الأصنام. وكانت ثلاثمائة وستّين صنما حول الكعبة. وقرأ يعقوب وأبو عمرو وحفص وحمزة بالياء. والرّاجع إلى الموصول محذوف.
( لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ) لا يقدرون على خلقه مع صغره، لأنّ «لن» بما فيها من تأكيد النفي دالّة على أنّ خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم. كأنّه قال: محال أن يخلقوا الذباب. وهو من الذبّ، لأنّه يذبّ. وجمعه أذبّة وذبّان.
( وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) هذا بجوابه المقدّر في موضع الحال جيء به للمبالغة، أي: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟! هذا من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أنّ الشيطان قد خزمهم(١) بخزائمه، حيث وصفوا بالإلهيّة ـ الّتي تقتضي الاقتدار على المقدورات كلّها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها ـ صورا وتماثيل يستحيل منها أن تقدر على أقلّ ما خلقه اللهعزوجل ، وأذلّه وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا.
( وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً ) أي: وأدلّ من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم، أنّ الذباب الّذي هو الخلق الأقلّ الأذلّ، لو اختطف منهم شيئا، فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه( لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ) لا يقدرون على استنقاذه واستخلاصه منه.
قيل: كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيختلسه ويأكله.
__________________
(١) يقال: خزم أنف فلان، أي: أذلّه وتسخّره. والخزامة: حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشدّ فيها الزمام. وجمعها: خزائم.
( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) ضعف الذباب الّذي يطلب ما يسلب عن الصنم من العسل والطيب، وضعف الصنم الّذي يطلب الذباب منه السلب. أو ضعف الصنم أن يطلب الذباب ليستنقذ منه ما سلبه. ولو حقّقت وجدت الطالب أضعف بدرجات، لأنّ الذباب حيوان، وهو جماد، وهو غالب، وذاك مغلوب.
وقيل: معناه: ضعف عابد الصنم الّذي يطلب إليه التقرّب، ومعبوده الّذي هو المطلوب إليه.
( ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ما عرفوه حقّ معرفته. أو ما عظّموه حقّ عظمته. أو ما وصفوه حقّ صفته، حيث أشركوا به، وسمّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة.
( إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ ) قادر على خلق الممكنات بأسرها( عَزِيزٌ ) لا يغلبه شيء.
وآلهتهم الّتي يعبدونها عاجزة عن أقلّها، مقهورة من أذلّها، فكيف يتّخذونها آلهة شبيهة به؟!
( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) )
ولـمّا قرّر وحدانيّته في الألوهيّة، ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها، بيّن أنّ له عبادا مصطفين للرسالة يتوسّل بإجابتهم، والاقتداء بهم إلى عبادة الله سبحانه، تقريرا للنبوّة، وردّا لإنكار هم أن يكون الرسول من البشر، وتزييفا لقولهم:( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) (١) . والملائكة بنات الله تعالى، ونحو ذلك. فقال:( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) يتوسّطون بينه وبين الأنبياء بالوحي( وَمِنَ النَّاسِ ) يعني: الأنبياء، يدعون سائرهم إلى الحقّ، ويبلّغون إليهم ما نزل عليهم
__________________
(١) الزمر: ٣.
( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) مدرك للأشياء كلّها من المسموعات والمبصرات.
ثمّ ذكر الله سبحانه أنّه عالم بأحوال المكلّفين من مضى منهم ومن غبر، فقال:( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) عالم بواقعها ومترقّبها، لا يخفى عليه خافية( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) كلّها، لأنّه مالكها بالذات، لا يسال عمّا يفعل من الاصطفاء وغيره، وهم يسألون. فليس لأحد أن يعترض عليه في حكمه وتدابيره، واختيار رسله.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) )
وبعد إبطال الشرك وإثبات التوحيد بالأدلّة الواضحة والحجج الباهرة، دعا المؤمنين أوّلا إلى الصلاة الّتي هي أجلّ الطاعات وأفضلها، ثمّ بغيرها من العبادات، كالصوم والحجّ والزكاة، ثمّ عمّ بالحثّ على سائر الخيرات، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ) في صلاتكم. أمرهم بهما لأنّهم ما كانوا يفعلونهما أوّل الإسلام. وعبّر عن الصلاة بهما لأنّهما أعظم أركانها. قيل: المراد: اخضعوا لله وخرّوا له سجّدا.
( وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ) بسائر ما تعبّدكم به( وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ) وتحرّوا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون، كنوافل الطاعات، وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، وإغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي: افعلوا هذه كلّها وأنتم راجون الفلاح، غير متيقّنين له، واثقين على. أعمالكم.
والسجدة في موضعين من هذه السورة مندوبة بإجماع الإماميّة، أحدهما: في هذه الآية. والآخر: في قوله:( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) (١) الآية.
وأمّا ما روي عن عقبة بن عامر قال: «قلت: يا رسول الله في سورة الحجّ سجدتان؟ قال: نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما».
وفي رواية اخرى: «فضّلت سورة الحجّ بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها».
فمحمول على تأكّد الاستحباب. وعند الشافعي أيضا مندوبة بالرواية.
وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون فيها إلّا سجدة واحدة، لأنّهم يقولون: قرن السجود هاهنا بالركوع، فدلّ ذلك على أنّها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة. والحقّ الأوّل، لإجماع الطائفة الحقّة.
( وَجاهِدُوا فِي اللهِ ) ومن أجله أعداء دينه الظاهرة، كأهل الكفر والزيغ، والباطنة كالهوى والنفس. وعنه أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجع من غزوة تبوك فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
( حَقَّ جِهادِهِ ) أي: جاهدوا جهادا في الله حقّا خالصا لوجهه.
فعكس وأضيف الحقّ إلى الجهاد مبالغة، كما يقال: هو حقّ عالم وجدّ عالم، أي: عالم حقّا وجدّا. وأضيف الجهاد إلى الضمير، مع أنّ القياس أن يقال: حقّ الجهاد فيه، أو حقّ جهادكم فيه، كما قال:( وَجاهِدُوا فِي اللهِ ) لأنّ الجهاد كان مختصّا بالله من حيث إنّه مفعول لوجه الله ومن أجله. أو للاتّساع، فإنّه يجوز أن يتّسع في الظرف.
__________________
(١) الحجّ: ١٨.
ثمّ نبّه على مقتضى الجهاد والداعي إليه بقوله:( هُوَ اجْتَباكُمْ ) اختاركم لدينه ولنصرته( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) أي: ضيق بتكليف ما يشتدّ القيام به عليكم. وفيه إشارة إلى أنّ التكليف بالجهاد حيث شقّ عليهم لا مانع لهم عنه، ولا عذر لهم في تركه أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».
وقيل: عدم الحرج بأن جعل الله تعالى لهم من كلّ ذنب مخرجا، بأن رخّص لهم عند الضرورات، كالتيمّم والقصر وأكل الميتة وغير ذلك، وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفّارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العباد. ونحوه قوله تعالى:( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (١) . وفي الحديث: «إنّ أمّتي أمّة مرحومة».
والحاصل: أنّ الله لم يضيّق عليكم أمر الدين، فلن يكلّفكم ما لا تطيقون، بل كلّف دون الوسع، فلا عذر لأحد منكم في ترك الاستعداد للآخرة.
وقوله:( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) منصوب على المصدر بفعل مقدّر دلّ عليه مضمون ما قبله بحذف المضاف، أي: وسّع دينكم توسعة ملّة أبيكم إبراهيم، ثمّ حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو على الإغراء والاختصاص، أي: أعني بالدين ملّة أبيكم، كقولك: الحمد لله الحميد.
وإنّما جعله أباهم لأنّه أبو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو كالأب لأمّته، من حيث إنّه سبب لحياتهم الأبديّة، ووجودهم على الوجه المعتدّ به في الآخرة أو لأنّ أكثر العرب كانوا من ذرّيّة إسماعيل، وأكثر العجم من ولد إسحاق، فغلّبوا على غيرهم.
( هُوَ ) أي: الله سبحانه( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ) من قبل القرآن في الكتب المتقدّمة( وَفِي هذا ) وفي القرآن، أي: سمّاكم بهذا الاسم الأكرم في جميع كتبه المنزلة.
__________________
(١) البقرة: ١٨٥.
أو الضمير لإبراهيم. وتسميتهم بمسلمين في القرآن وإن لم تكن منه، لكن كانت بسبب تسميته من قبل في قوله:( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) (١) . وقيل: معناه: وفي هذا بيان تسميته إيّاكم مسلمين.
( لِيَكُونَ الرَّسُولُ ) متعلّق بـ «سمّاكم» أي: سمّاكم المسلمين وفضّلكم ليكون رسولناصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة( شَهِيداً عَلَيْكُمْ ) بأنّه بلّغكم، وقبلتم تبليغه مسلمين منقادين له، فتقبل شهادته لنفسه اعتمادا على عصمته. أو بطاعة من أطاع، وعصيان من عصى.
( وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) بتبليغ الرسل إليهم. ومثله قوله تعالى:( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) (٢) .
وقيل: معناه: لتكونوا شهداء على الّذين بعدكم، بأن تبلّغوا إليهم ما بلّغه الرسول إليكم، إذ خصّكم بهذه الكرامة والفضل والشرف.
( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ) فتقرّبوا إلى الله بأنواع الطاعات البدنيّة والماليّة، وتمسّكوا بدينه( وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ ) وثقوا به في مجامع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصرة إلّا منه( هُوَ مَوْلاكُمْ ) ناصركم ومتولّي أموركم( فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) هو، إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة.
وقيل: فنعم المولى إذ لم يمنعكم الرزق حين عصيتموه، ونعم النصير إذ أعانكم لـمّا أطعتموه.
__________________
(١) البقرة: ١٢٨.
(٢) البقرة: ١٤٣.
(٢٣)
سورة المؤمنون
مكّيّة، وهي مائة وثماني عشرة آية. عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة المؤمنين بشّرته الملائكة يوم القيامة بالروح والريحان، وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنّة، ثمّ قرأ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) حتّى ختم العشر».
وروي: «أنّ أوّلها وآخرها من كنوز الجنّة، من عمل بثلاث آيات من أوّلها، واتّعظ بأربع من آخرها، فقد نجا وأفلح».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «من قرأ سورة المؤمنين ختم الله له بالسعادة، إذا كان يدمن قراءتها في كلّ جمعة، وكان منزله في الفردوس الأعلى مع النبيّين والمرسلين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الحجّ بأمر المكلّفين بالعبادة وأفعال الخير على طريق
الإجمال، افتتح هذه السورة بتفصيل تلك الجملة وبيان تلك الأفعال، ولـمّا كان المؤمنون متوقّعين من فضل الله، صدّر هذه السورة ببشارتهم، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) «قد» تثبت المتوقّع، كما أنّ «لمّا» تنفيه، وتدلّ على ثباته إذا دخلت على الماضي، ولذلك تقّربه من الحال. والفلاح الظفر بالمراد. وقيل: البقاء في الخير. ويقال: أفلح إذا دخل في الفلاح، كأبشر إذا دخل في البشارة. والمؤمن لغة: المصدّق. وشرعا: الّذي صدّق بوحدانيّته وبرسله وبجميع ما جاؤا به.
( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) خائفون من الله خاضعون، متذلّلون له، ملزمون أبصارهم مساجدهم.
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي رافعا بصره إلى السماء، فلمّا نزلت رمى ببصره نحو مسجده. وأنّه رأى رجلا يبعث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا الرجل لخشعت جوارحه».
وفي هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب وبالجوارح. أمّا بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها، فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود. وأمّا الجوارح فهو أن يلتزم كلّ جارحة بما أمر به في الصلاة، ويستعمل الآداب، فيتوقّى من العبث بجسده وثيابه، والالتفات، والتمطّي، والتثاؤب، والتغميض، والفرقعة، والتشبيك، وتقليب الحصى، وغير ذلك.
ونظر الحسن البصري إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: أللّهمّ زوّجني من الحور العين. فقال: بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث.
وأضيفت الصلاة إليهم لأنّهم المنتفعون بها فقط، وهي عدّتهم وذخيرتهم، وأمّا المصلّى له فغنيّ متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها.
وعن ابن عبّاس: الخاشع في الصلاة هو الّذي لا يعرف من على يمينه، ولا من على يساره.
( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) )
ولـمّا وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقّين على الأنفس، اللّذين هما قاعدتا بناء التكليف، فقال:( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ ) عمّا لا يعنيهم من قول أو فعل، كالهزل واللعب( مُعْرِضُونَ ) لـما بهم من الجدّ في الطاعات ما شغلهم عنه.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «هو أن يتقوّل الرجل عليك بالباطل، أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله». وفي رواية أخرى: «أنّه الغناء والملاهي».
وإيثاره على: الّذين لا يلهون، لأنّه أبلغ منه من وجوه، وهي: جعل الجملة اسميّة، وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة عليه، وإقامة الإعراض مقام الترك ليدلّ على بعدهم عنه رأسا، مباشرة وتسبّبا، وميلا وحضورا، فإنّ الإعراض أبلغ من الترك لغة وعرفا.
وكذلك قوله:( وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ) وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة، ليدلّ على أنّهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنيّة والماليّة، والتجنّب
عن المحرّمات، وسائر ما توجب المروءة اجتنابه. والزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى.
فالعين: القدر الّذي يخرجه المزكّي من النصاب إلى الفقير. والمعنى: فعل المزكّي الّذي هو التزكية، فإنّه هو الّذي أراده اللهعزوجل ، لأنّ الفاعل فاعل الحدث، لا المحلّ الّذي هو موقعه. أو المراد الأوّل على تقدير مضاف، أي: لأداء الزكاة فاعلون.
( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ) لا يبذلونها( إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ ) زوجاتهم( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) سريّاتهم. و «على» صلة لـ «حافظون». من قولك: احفظ عليّ عنان فرسي. على تضمينه معنى النفي، كما ضمّن قولهم: نشدتك بالله إلّا فعلت، معنى: ما طلبت منك إلّا فعلك.
أو حال، أي: إلّا والين على أزواجهم، أو قوّامين عليهنّ. من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها فخلّف عليها فلان. ومنه قولهم: فلانة تحت فلان. ومن ثمّ سمّيت المرأة فراشا. والمعنى: أنّهم لفروجهم حافظون في كافّة الأحوال، إلّا في حال التزوّج أو التسرّي.
أو تعلّق «على» بمحذوف يدلّ عليه «غير ملومين». كأنّه قيل: يلامون إلّا على أزواجهم، أي: يلامون على كلّ مباشر إلّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم.
وإنّما قال: «ما» وهنّ من جنس العقلاء، إجراء للمماليك مجرى غير العقلاء، إذ الملك أصل شائع فيه. وإفراد ذلك بعد تعميم قوله:( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) لأنّ المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطرا.
( فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) الضمير لـ «حافظون». أو لمن دلّ عليه الاستثناء، أي: فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم، فإنّهم غير ملومين على ذلك.
وإنّما أطلق سبحانه إباحة وطء الأزواج والإماء، وإن كانت لهنّ أحوال يحرم وطؤهنّ فيها، كحال الحيض والعدّة للجارية من زوج لها، وما أشبه ذلك، لأنّ الغرض بالآية بيان جنس من يحلّ وطؤها، دون الأحوال الّتي لا يحلّ فيها الوطء.
( فَمَنِ ابْتَغى ) طلب( وَراءَ ذلِكَ ) الحدّ المستثنى مع فسحته واتّساعه. وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شاء.( فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) الكاملون في العدوان، المتناهون فيه.
( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ ) لـما يؤتمنون عليه وما يعاهدون، من جهة الحقّ، من العهود في أداء الطاعات وترك المنكرات والمواثيق، أو الخلق، من الأمانات وعهودهم. ومثله:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ ) (١) .( وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) (٢) .( راعُونَ ) قائمون بحفظها وإصلاحها، كراعي الغنم وراعي الرعيّة.
وقرأ ابن كثير: لأمانتهم على الإفراد، لأمن الإلباس، أو لأنّها في الأصل مصدر.
( وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ) يواظبون عليها، ويؤدّونها في أوقاتها.
والإتيان بلفظ الفعل هاهنا لـما في الصّلاة من التجدّد والتكرّر، ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي. وليس ذلك تكريرا لـما وصفهم به أوّلا، لأنّ الخشوع في الصّلاة غير المحافظة عليها. وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصّلاة تعظيم لشأنها.
( أُولئِكَ ) الجامعون لهذه الصفات( هُمُ الْوارِثُونَ ) الأحقّاء بأن يسمّوا ورّاثا دون غيرهم.
ثمّ بيّن الوارثين بقوله:( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ) وفي التبيين بعد الإجمال تفخيم لوراثتهم لا يخفى على المتأمّل. وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس لأجل أعمالهم، مبالغة فيه.
وقيل: إنّهم يرثون من الكفّار منازلهم فيها حيث فوّتوها على أنفسهم، لأنّه تعالى خلق لكلّ إنسان منزلا في الجنّة ومنزلا في النار، لـما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «ما منكم من أحد إلّا له منزلان: منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث
__________________
(١) النساء: ٥٨.
(٢) الأنفال: ٢٧.
أهل الجنّة منزله».
وقال الجبائي: معنى الوراثة هاهنا أنّ الجنّة ونعيمها يؤول إليهم من غير اكتساب، كما يؤول المال إلى الوارث من غير اكتساب. والفردوس: هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمار.
( هُمْ فِيها ) في الفردوس( خالِدُونَ ) أنّث الضمير لأنّه اسم للجنّة، أو لطبقتها العليا.
روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ اللهعزوجل بنى جنّة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وجعل خلالها المسك الأذفر»(١) .
وفي رواية: «ولبنة من مسك مذرّى(٢) ، وغرس فيها من جيّد الفاكهة».
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) )
ثمّ استدلّ على قدرته على إعادة الإيجاد بقدرته على الإبداء، فقال:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ ) أي: من خلاصة، لأنّها سلّت من بين الكدر. والفعالة بناء
__________________
(١) أي: الشديد الرائحة.
(٢) أي: مفرّق، من: ذرّت الريح التراب: فرّقته.
لقلّة، كالقلامة والقمامة.( مِنْ طِينٍ ) متعلّق بمحذوف، لأنّه صفة لـ «سلالة». أو «من» بيانيّة. أو بمعنى سلالة، لأنّها في معنى: مسلولة، فتكون «من» ابتدائيّة كالأولى.
والمراد بالإنسان آدمعليهالسلام ، خلق من صفوة سلّت من الطين. أو الجنس، فإنّهم خلقوا من سلالات جعلت نطفا بعد أدوار. قيل: المراد بالطين آدم، لأنّه خلق منه، والسلالة: نطفته.
( ثُمَّ جَعَلْناهُ ) أي: جعلنا نسله، فحذف المضاف( نُطْفَةً ) بأن خلقناه منها.
يعني: خلقنا جوهر الإنسان أوّلا طينا، ثمّ جعلنا جوهره بعد ذلك نطفة، أو ثمّ جعلنا السلالة نطفة. وتذكير الضمير على تأويل الجوهر، أو المسلول، أو الماء.( فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) مستقرّ حصين. يعني: الرحم. وصفت بالمكانة الّتي هي صفة المستقرّ فيها مبالغة، مثل: طريق سائر، ونهر جار، وميزاب سائل.
( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء( فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ) فصيّرناها قطعة لحم( فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ) بأن صلّبناها( فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ) أي: فأنبتنا اللحم عليها كاللباس ممّا بقي من المضغة، أو ممّا أنبتنا عليها ممّا يصل إليها من المائيّة. واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات. وجمع العظام لاختلافها في الهيئة والصلابة. وقرأ ابن عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما، اكتفاء باسم الجنس عن الجمع.
( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) خلقا مباينا للخلق الأوّل مباينة ما أبعدها، حيث نفخنا فيه الروح، وجعلناه حيوانا ناطقا سميعا بصيرا، بعد أن كان جمادا أبكم أصمّ أكمه.
والمراد مجموع صورة البدن والرّوح والقوى، وسائر ما أودع فيه من عجائب فطرة وغرائب حكمة، لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح. وإيراد «ثمّ» لـما بين الخلقين من التفاوت.
( فَتَبارَكَ اللهُ ) فتعالى شأنه في قدرته وحكمته، ودام خيره( أَحْسَنُ الْخالِقِينَ )
المقدّرين تقديرا. فحذف المميّز لدلالة «الخالقين» عليه.
روي: أنّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اكتب هكذا نزلت».
وعلى رواية اخرى: فلمّا بلغ إلى قوله: «خلقا آخر» خطر بباله: فتبارك الله أحسن الخالقين، فلمّا أملاها رسول الله كذلك قال عبد الله: إن كان محمّد نبيّا يوحى إليه فأنا نبيّ يوحى إليّ. فلحق بمكّة كافرا، ثمّ أسلم يوم الفتح.
( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ ) بعد ما ذكرنا من تمام الخلق( لَمَيِّتُونَ ) لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الّذي للثبوت دون اسم الفاعل.
( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ) للمحاسبة والمجازاة. أخبر سبحانه بذلك أنّ هذه البنية العجيبة، المبنيّة على أحسن إتقان وإحكام، تنقض بالموت لغرض صحيح، وهو البعث والإعادة. وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة الّتي هي حياة القبر، فإنّ إثبات البعث يوم القيامة لا يدلّ على نفي ما عداه، كما لو ذكرت ثلثي ما عندك وطويت ذكر ثلثه، لم يكن دليلا على أنّ الثلث ليس عندك. وأيضا الغرض ذكر هذه الأجناس الثلاثة: الإنشاء والإماتة والإعادة، والمطويّ ذكرها من جنس الإعادة.
( وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي
بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) )
ثمّ ذكر قدرته على وجوه أخر ليستدلّ بها على قدرته على البعث، فقال:( وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ ) أي: سبع سماوات، لأنّها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل، وكلّ ما فوقه مثله فهو طريقة. أو لأنّها طرق الملائكة ومتقلّباتهم، أو طرق الكواكب في السماوات ومسايرها.
( وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ ) عن ذلك المخلوق الّذي هو السماوات( غافِلِينَ ) مهملين أمرها، بل نحفظها عن الزوال والاختلال بقدرتنا، حتّى تبلغ منتهى ما قدّر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلّقت به المشيئة. أو ما كنّا عن خلق الناس وسائر المخلوقات غافلين، وإنّما خلقنا السماوات السّبع فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق والبركات منها، وينفعهم بأنواع منافعها.
( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ ) بتقدير يصلون إلى المنفعة العظيمة، ويسلمون معه من المضرّة. أو بمقدار ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم.( فَأَسْكَنَّاهُ ) فجعلناه ثابتا مستقرّا( فِي الْأَرْضِ ) بأن جعلنا له الأرض مسكنا جمعناه فيه لينتفع به. يريد ما يبقى من المستنقعات والآبار والدّحلان(١) ، فإنّ الله أقرّ الماء فيها لينتفع الناس بها في الصيف عند انقطاع المطر.
وروى مقاتل عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ الله تعالى أنزل من الجنّة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة
__________________
(١) الدّحلان جمع الدّحل، وهو النقب الضيّق الأعلى والواسع الأسفل، أو البئر الواسعة الجوانب الضيّقة الرأس.
والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر. أنزلها الله من عين واحدة، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم، فذلك قوله:( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ) .
( وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ) على إزالته بالإفساد، أو التصعيد، أو التعميق، بحيث يتعذّر استنباطه( لَقادِرُونَ ) كما كنّا قادرين على إنزاله. وفي تنكير الذهاب إيماء إلى كثرة طرق الذهاب، وكمال اقتدار مذهبه، ومبالغة في الإيعاد به. ولذلك جعل أبلغ من قوله:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ) (١) . فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء، ويقيّدوها بالشكر الدائم، ويخافوا نفارها إذا لم تشكر.
وفي الحديث: «النعم وحشيّة فقيّدوها بالشكر».
وقال بعض العلماء: الشكر للنعمة الحاضرة قيد، وللمترقّبة صيد، فإذا شكرت قرّت، وإذا لم تشكر فرّت.
( فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ ) بالماء( جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها ) في الجنّات( فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ) تتفكّهون بها( وَمِنْها ) ومن الجنّات ثمارها وزروعها( تَأْكُلُونَ ) تغذّيا. أو ترتزقون وتحصّلون معايشكم. من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن ضيعة يغتلّها، ومن تجارة يتربّح بها. يعنون: أنّها طعمته وجهته الّتي منها يحصّل رزقه.
كأنّه قال: وهذه الجنّات وجوه أرزاقكم ومعايشكم، منها ترتزقون وتتعيّشون.
ويجوز أن يكون الضميران للنخيل والأعناب، أي: لكم في ثمراتها. فوصفهما بأنّ ثمرهما جامع بين أمرين: فاكهة يتفكّه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، وعنبا وتمرا وزبيبا.
( وَشَجَرَةً ) عطف على «جنّات». وهي الزيتون.( تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ ) جبل موسى بين مصر وأيلة. وقيل: بفلسطين. وقد يقال له: طور سينين.
ولا يخلو إمّا أن يكون الطور اسم الجبل، وسيناء اسم بقعة، فأضيف إليها. وإمّا أن
__________________
(١) الملك: ٣٠.
يكون المركّب منهما علما له، كامرئ القيس وبعلبك.
ومنع صرفه للتعريف والعجمة، أو التأنيث على تأويل البقعة، لا للألف، لأنّه فيعال كد يماس، من السناء بالمدّ وهو الرفعة، أو بالقصر وهو النور، أو ملحق بفعلال ـ كعلباء ـ من السين، ولا يجيء فعلاء بألف التأنيث. بخلاف «سيناء» على قراءة الكوفيّين والشامي ويعقوب، فإنّه فيعال ككيسان، أو فعلاء كصحراء، لا فعلال، إذ ليس في كلامهم.
وتخصيص هذه الأنواع الثلاثة لأنّها أكرم الشجر وأفضلها، وأجمعها للمنافع.
( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) أي: تنبت ملتبسة بالدهن ومستصحبة له. ويجوز أن يكون الباء صلة معدّية لـ «تنبت»، كما في قولك: ذهبت بزيد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية: تنبت. وهو إمّا من: أنبت بمعنى: نبت، كقول زهير :
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم |
قطينا لهم حتّى إذا أنبت البقل |
أي: نبت. أو تنبت زيتونها ملتبسا بالدهن.
( وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ) معطوف على الدهن، جار على إعرابه، وعطف أحد وصفي الشيء على الآخر، أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه، وكونه إداما يصبغ فيه الخبز، أي: يغمس فيه للائتدام. قيل: هي أوّل شجرة تنبت بعد الطوفان، ووصفها اللهعزوجل بالبركة في قوله:( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) (١) . وقد روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «الزيت شجرة مباركة، فأتدموا به وادّهنوا».
( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ) تعتبرون بحالها، وتستدلّون بها على كمال قدرته( نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها ) من الألبان أو من العلف، فإنّ اللبن يتكوّن منه. فـ «من»
__________________
(١) النور: ٣٥.
للتبعيض أو للابتداء. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: نسقيكم بفتح النون. ومن قرأ بضمّ النون أراد: إنّا جعلنا ما في ضروعها من اللبن سقيا لكم. ومن فتح النون جعل ذلك مختصّا بالسقاة.( وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) فتنتفعون بأعيانها من اللحوم والشحوم.
( وَعَلَيْها ) وعلى الأنعام، فإنّ منها ما يحمل عليه كالإبل والبقر. وقيل: المراد الإبل، لأنّها هي المحمول عليها عندهم، أو للمناسبة للفلك، كأنّها سفائن البرّ.( وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) في البرّ والبحر. وعلى الوجه الأخير فالضمير في «عليها» كالضمير في( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ ) (١) .
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ
__________________
(١) البقرة: ٢٢٨.
مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) )
ولـمّا عدّد النعم المذكورة على الكفّار، خوّفهم على كفرانها، بذكر قوم نوح وغيرهم من أمم الأنبياء، وما حاق بهم من زوال النعم بسبب كفرانها، فقال:( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ) الّذي هو ربّكم وخالقكم ورازقكم، وشكر نعمته الّتي لا تحصونها واجب عليكم( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) استئناف يجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة( أَفَلا تَتَّقُونَ ) أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه، فيهلككم ويعذّبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره، وكفرانكم نعمه الّتي لا تحصوها؟
( فَقالَ الْمَلَأُ ) الأشراف( الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ) لعوامهم( ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) أي: يطلب الفضل عليكم ويسودكم( وَلَوْ شاءَ اللهُ ) أن يرسل رسولا( لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ) رسلا ولم يرسل بشرا آدميّا( ما سَمِعْنا بِهذا ) إشارة إلى نوحعليهالسلام ، أو إلى ما كلّمهم به من الحثّ على عبادة الله وحده، أي: ما سمعنا بأنّه نبيّ، أو بالّذي يدعونا إليه من عبادة الله ونفي إله غيره( فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ) وذلك إمّا لفرط عنادهم، أو لأنّهم كانوا في فترة متطاولة.
وما أعجب شأنهم! إنّهم لم يرضوا للنبوّة ببشر وقد رضوا به للإلهيّة، بل بأدون من البشر، وهو الجمادات، لانهماكهم في الغيّ، وتشمّرهم أن يدفعوا الحقّ بما أمكنهم. ألا تراهم كيف جنّنوه وقد علموا أنّه أرجح الناس عقلا وأوزنهم قولا! فقالوا:( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) أي: به جنون، أو به جنّ يخبّلونه، ولأجله يقول: إنّي رسول الله( فَتَرَبَّصُوا بِهِ ) انتظروا واصبروا عليه( حَتَّى حِينٍ ) حتّى يتجلّى أمره بأن يفيق من
جنونه، وإلّا اقتلوه أو انتظروا موته فتستريحوا منه.
( قالَ ) بعد ما يئس من إيمانهم( رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ) بسبب تكذيبهم إيّاي، أو انصرني بدل ما كذّبوني، كما يقال: هذا بذاك، أي: بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلني من غمّ تكذيبهم بي سلوة النصرة عليهم. أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذّبوه فيه حين قال لهم:( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) (١) .
( فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ) بمرأى منّا وبحفظنا تحفظ. وذكر الجمع للمبالغة في الحفظ، كأنّ معه من الله حفّاظا يكلؤونه بعيونهم، لئلّا يتعرّض له، ولا يفسد عليه مفسد عمله، أو لا تخطئ فيه. ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة.( وَوَحْيِنا ) وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع. روي أنّه أوحى إليه أن يصنعها على مثال جؤجؤ(٢) الطائر، فصنعها كما أمر.
( فَإِذا جاءَ أَمْرُنا ) بالركوب، أو بنزول العذاب( وَفارَ التَّنُّورُ ) أصله: ونوّر، قلبت الواو تاء، كما في تراث وتولج(٣) وتيقور وتخمة وتكلة( فَاسْلُكْ فِيها ) فأدخل فيها. يقال: سلك فيه وسلك غيره. ومنه قوله تعالى:( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) (٤) .( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ ) من كلّ أمّتي زوجين. وهما: أمّة الذكر وأمّة الأنثى، كالجمال والنوق، والحصن والرّماك(٥) .( اثْنَيْنِ ) واحدين مزدوجين، كالجمل والناقة، والحصان والرمكة. وقرأ حفص: من كلّ بالتنوين، أي: من كلّ نوع زوجين، و «اثنين» تأكيد
__________________
(١) الشعراء: ١٣٥.
(٢) الجؤجؤ من الطائر والسفينة: الصدر.
(٣) التولج: كناس الوحش أي: بيته. وأصله: الوولج. والتيقور: الوقار. وأصله ويقور، قلبت الواو ياء. والتخمة: الداء يصيب الإنسان من الطعام الوخيم. وأصلها: الوخمة. والتكلة: العاجز الذي يكل أمره إلى غيره ويتّكل عليه.
(٤) المدّثّر: ٤٢.
(٥) الرماك جمع الرمكة، وهي الفرس تتّخذ للنسل.
وزيادة بيان. وروي أنّه لم يحمل إلّا ما يلد ويبيض.( وَأَهْلَكَ ) وأهل بيتك، أو من آمن معك.
وقيل: إنّه قيل لنوح: إذا فار الماء من التنّور اركب أنت ومن معك، فلمّا نبع الماء منه أخبرته امرأته، فركب هو ومن معه.
وعن الشعبي: محلّ التنّور في مسجد الكوفة عن يمين الداخل ممّا يلي باب كندة، وكان نوحعليهالسلام عمل السفينة وسط المسجد. وقيل: عين وردة بالشام. وقيل: بالهند. وعن ابن عبّاس: التنّور وجه الأرض. وعن قتادة: أشرف موضع في الأرض، أي: أعلاه. وعن عليّعليهالسلام : فار التنّور: طلع الفجر.
وقيل: معناه: أن فوران التنّور كان عند تنوير الفجر. والقول الأوّل أشهر.
( إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ) أي: القول من الله بإهلاكه لكفره. وإنّما جيء بـ «على» لأنّ السابق ضارّ، كما جيء باللام حيث كان نافعا، كما في قوله:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) (١) ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) (٢) .
( وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بالدعاء لهم بالإنجاء( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) لا محالة، لظلمهم بالإشراك، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه. ولهذا أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بعد النهي عن الدعاء لهم بالإنجاء، فقال:( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) كقوله:( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) (٣) .
ثمّ أمره أن يدعوه بدعاء هو أهمّ وأنفع له، فقال:( وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي ) في السفينة، أو في الأرض عند خروجه منها( مُنْزَلاً مُبارَكاً ) إنزالا مباركا، أو موضع إنزال يبارك له
__________________
(١) الأنبياء: ١٠١.
(٢) الصافّات: ١٧١.
(٣) الأنعام: ٤٥.
فيه، ويعطيه فيه مزيد الخير في الدارين. وقرأ عاصم برواية أبي بكر: منزلا بفتح الميم وكسر الزاي، بمعنى: نزولا مباركا، أو موضع نزول.( وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ) ثناء مطابق لدعائه. أمره بأن يشفع الدعاء بالثناء عليه مبالغة فيه، وتوسّلا به إلى الإجابة.
وإنّما آثر( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ ) لأنّه في معنى: فإذا استويتم، لأنّه نبيّهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبيّة، وأنّ رتبة تلك المخاطبة لا يترقّى إليها إلّا ملك أو نبيّ.
روي عن الحسن: كان في السفينة سبعة أنفس من المؤمنين ونوح ثامنهم. وقيل: ثمانون.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في ما فعل بنوح وقومه( لَآياتٍ ) يستدلّ بها ويعتبر أولوا الاستبصار والاعتبار( وَإِنْ ) وإن الشأن والقصّة( كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو مختبرين عبادنا بهذه الآيات لننظر من يعتبر ويذّكّر، كقوله تعالى:( وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (١) . و «إن» هي المخفّفة، واللام هي الفارقة.
( ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً
__________________
(١) القمر: ١٥.
أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) هم عاد قوم هود، لأنّ صالحا مبعوث بعد نوح. وقيل: ثمود، لأنّهم أهلكوا بالصيحة.
( فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ) هو هود أو صالح. وإنّما جعل القرن وإلزامه موضع الإرسال، وحقّه أن يعدّى بـ «إلى» كأخواته الّتي هي: وجّه وأنفذ وبعث، ليدلّ على أنّه لم يأتهم من مكان غير مكانهم، وإنّما أوحي إليه وهو بين أظهرهم. ومثل ذلك قوله:( وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ) (١) .( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ) «أن» مفسّرة لـ «أرسلنا» أي: قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ) عذاب الله.
( وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ذكر الواو هنا، والفاء في قوم نوح(٢) ، لأنّ كلامهم لم يتّصل بكلام الرسول، بخلاف قول قوم نوح، وما صدر في مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو، حيث قال:( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ
__________________
(١) الفرقان: ٥١.
(٢) المؤمنون: ٢٤.
إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ) (١) ( قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ ) (٢) ، وها هنا مع الواو، لأنّ الّذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال قومه؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، والّذي مع الواو فهو عطف لـما قالوه على ما قاله. ومعناه: أنّه اجتمع في الحصول هذا الحقّ وهذا الباطل، وشتّان ما بينهما.
( وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ ) بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب، أو بمعادهم إلى الحياة الثابتة بالبعث( وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) ونعّمناهم بضروب الملاذّ، من كثرة الأموال النفيسة والأولاد الرشيدة( ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) في الصفة والحالة. ثمّ بيّنوا المثليّة بقولهم:( يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ) فليس هو أولى بالرسالة منّا. والعائد إليه محذوف، أي: من الّذي تشربونه، أو تشربون منه.
وهذا الكلام منهم لإنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر. ولتقريرهم أنّه لا بدّ أن يكون من المماثلة قالوا تأكيدا لإنكارهم:( وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ ) فيما يأمركم به( إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) حيث أذللتم أنفسكم وغبنتم في آرائكم. و «إذا» جزاء للشرط، وجواب للّذين قاولوهم من قومه.
ثمّ أنكروا ما قال لهم من وقوع البعث، فقالوا:( أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً ) مجرّدة عن اللحوم والأعصاب( أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ) من القبور، أو من العدم تارة اخرى إلى الوجود. و «أنّكم» تكرير للأوّل للتأكيد، لـمّا طال الفصل بينه وبين خبره. أو «أنّكم مخرجون» مبتدأ، وخبره الظرف المقدّم.
( هَيْهاتَ هَيْهاتَ ) اسم فعل بمعنى: بعد. وتكريره للتأكيد. ومن حقّه أن يرتفع اسم بعده ليكون فاعلا له، كما ارتفع في قوله(٣) : فهيهات هيهات العقيق وأهله. ولا يجوز
__________________
(١) الأعراف: ٦٦.
(٢) هود: ٥٣.
(٣) لجرير. وعجزه: وهيهات خلّ بالعقيق نواصله
أن يكون قوله:( لِما تُوعَدُونَ ) فاعله، لمكان اللام. ففاعله مقدّر، تقديره: بعد جدّا الإخراج من الأجداث. أو «ما توعدون»، والجارّ والمجرور لبيان المستبعد.
( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) هذا الضمير لا يعلم ما يعنى به إلّا بما يتلوه من بيانه. وأصله: إن الحياة إلّا حياتنا الدنيا. فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها، حذرا عن التكرّر، وإشعارا بأن تعيّنها مغن عن التصريح بها. ومنه: هي النفس ما حمّلتها تتحمّل. فمعناه: لا حياة إلّا هذه الحياة الدنيا. لأنّ «إن» نافية دخلت على «هي» الّتي في معنى الحياة الدالّة على الجنس، فكانت مثل «لا» الّتي تنفي ما بعدها نفي الجنس.
( نَمُوتُ وَنَحْيا ) يموت بعضنا ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتي قرن آخر، وهكذا( وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) بعد الموت.
ثمّ قالوا عنادا:( إِنْ هُوَ ) ما هو( إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) فيما يدّعيه من إرساله له، وفيما يعدنا من البعث( وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) بمصدّقين فيما يقول.
( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ) عليهم، وانتقم لي منهم( بِما كَذَّبُونِ ) بسبب تكذيبهم إيّاي.
( قالَ عَمَّا قَلِيلٍ ) أي: عن زمان قليل. فـ «قليل» صفة لزمان، كقديم وحديث في قولك: ما رأيته قديما ولا حديثا، وعن قريب. و «ما» زائدة لتوكيد قلّة المدّة. ويجوز أن تكون نكرة موصوفة.( لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) على التكذيب.
( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) صيحة جبرئيل، صاح عليهم صيحة هائلة تصدّعت منها قلوبهم فماتوا( بِالْحَقِ ) بالوجه الثابت الواجب الّذي لا دافع له، لأنّهم قد استوجبوا الهلاك. أو بالعدل من الله، كقولك: فلان يقضي بالحقّ، إذا كان عادلا في قضاياه. أو بالوعد الصدق.( فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً ) هلكى. شبّههم في دمارهم بالغثاء، وهو حميل السيل ممّا بلي واسودّ من الأوراق والعيدان، كقولهم: سال به الوادي لمن هلك.
( فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يحتمل الإخبار والدعاء. و «بعدا» مصدر: بعد إذا هلك. يقال: بعد بعدا وبعدا، نحو: رشد رشدا ورشدا. وهو من المصادر الّتي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها. واللام لبيان من دعي عليه بالبعد، نحو:( هَيْتَ لَكَ ) (١) . و «لما توعدون». ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل.
( ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) )
( ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ ) بعد قوم هود، أو صالح( قُرُوناً آخَرِينَ ) يعني: قوم صالح على الأوّل، ولوط وشعيب وغيرهم. وعن ابن عبّاس: بني إسرائيل.
( ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها ) الوقت الّذي حدّ لهلاكها. و «من» مزيدة للاستغراق،( وَما يَسْتَأْخِرُونَ ) الأجل.
( ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا ) متواترين واحدا بعد واحد. من الوتر، وهو الفرد.
والتاء بدل من الواو، كتولج وتيقور(٢) . والألف للتأنيث، على وزن فعلى، لأنّ الرسل جماعة. وقرأ أبو عمرو بالتنوين، على أنّه مصدر بمعنى المتواترة، وقع حالا.
( كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ ) إضافة الرسول مع الإرسال إلى المرسل، ومع المجيء إلى المرسل إليهم، لأنّ الإرسال الّذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الّذي هو منتهاه إليهم.
__________________
(١) يوسف: ٢٣.
(٢) انظر الهامش (٣) في ص: ٤٣٦
( فَأَتْبَعْنا ) الأمم والقرون( بَعْضَهُمْ بَعْضاً ) في الإهلاك( وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ) أي: لم نبق منهم إلّا أحاديث يسمر بها ويتعجّب منها. وهو اسم جمع للحديث.
ومنه أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . أو جمع أحدوثة، وهي ما يتحدّث به تلهّيا وتعجّبا، مثل الألعوبة والأعجوبة والأضحوكة.( فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) مرّ آنفا.
( ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) )
( ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا ) بالآيات التسع( وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ) وحجّة واضحة ملزمة للخصم. ويجوز أن يراد به العصا. وإفرادها لأنّها أوّل المعجزات وأمّها، حيث تعلّقت بها معجزات شتّى، كانقلابها حيّة، وتلقّفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وحراستها، ومصيرها شمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ورشاء ودلوا. وجعلت كأنّها ليست من جنس آيات أخر، لـما استبدّت به من مزيّة الفضل، فلذلك عطفت عليها، كقوله تعالى:( وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) (١) .
ويجوز أن يراد به المعجزات، وبالآيات الحجج. وأن يراد بهما المعجزات، فإنّها آيات النبوّة، وحجّة بيّنة على ما يدّعيه موسى.
( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) خصّ الملأ ـ وهم الأشراف ـ بالذكر، لأنّ الآخرون كانوا
__________________
(١) البقرة: ٩٧.
أتباعا لهم( فَاسْتَكْبَرُوا ) تجبّروا وتعظّموا عن الإيمان والمتابعة( وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ) متكبّرين، كقوله:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ ) (١) . أو متطاولين على الناس، قاهرين بالبغي والظلم.
( فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ) ثنّى البشر، لأنّه يطلق للواحد، كقوله:( بَشَراً سَوِيًّا ) (٢) ، كما يطلق للجمع، كقوله:( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ) (٣) . ولم يثنّ المثل، لأنّه في حكم المصدر. وكذا يوصف به الجمع، والمذكّر، والمؤنّث. ومنه قوله تعالى:( إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ) (٤) .( وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ ) (٥) . ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله. ومنه قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) (٦) .
واعلم أنّ هذه القصص ـ كما ترى ـ تشهد بأنّ قصارى شبه المنكرين للنبوّة قياس حال الأنبياء على أحوالهم، لـما بينهم من المماثلة في الحقيقة. وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمّل، فإنّ النفوس البشريّة وإن تشاركت في أصل القوى والإدراك، لكنّها متباينة الأقدام جدّا فيهما قوّة وضعفا، فكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا ينفعهم التفكّر في تحصيل شيء، ترى في طرف الكمال أغنياء عن التعلّم والتفكّر في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم، ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم.
( وَقَوْمُهُما ) يعني: بني إسرائيل( لَنا عابِدُونَ ) خادمون منقادون متذلّلون، على وجه كأنّهم يعبدوننا. أو لأنّ فرعون كان يدّعي الألوهيّة، فادّعى للناس عبادتهم إيّاه، وأنّ طاعتهم له عبادة على الحقيقة.
__________________
(١) القصص: ٤. (٢، ٣) مريم: ١٧ و ٢٦.
(٤) النساء: ١٤٠.
(٥) الطلاق: ١٢.
(٦) الأعراف: ١٩٤.
( فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ) بالغرق في بحر قلزم.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) التوراة( لَعَلَّهُمْ ) لعلّ بني إسرائيل( يَهْتَدُونَ ) إلى المعارف الإلهيّة، والأحكام الشرعيّة، والمواعظ السنيّة، والحكم الزاجرة. ولا يجوز عود الضمير إلى فرعون وقومه، لأنّ التوراة نزلت بعد إغراقهم، كما قال الله تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى ) (١) .
( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) )
ولـمّا كان موسى صاحب شريعة مستمرّة إلى زمن عيسى، وشريعة عيسى ناسخة لشريعته، قال بعد قصّة موسى:( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) على كمال قدرتنا، بولادتها إيّاه من غير مسيس. فالآية أمر واحد مضاف إليهما، لأنّ عيسى خلق من غير ذكر، ومريم من غير فحل. أو جعلنا ابن مريم آية، بأن تكلّم في المهد، وظهرت منه معجزات أخر، وأمّه آية اخرى، بأن ولدت من غير مسيس، فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
( وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ) أرض مرتفعة. وعن كعب: أنّها أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وهي أرض بيت المقدس، أو دمشق، أو رملة فلسطين. وعن أبي هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنّها الربوة الّتي ذكرها اللهعزوجل . وقيل: مصر، فإنّ قراها على الربى. وقيل: حيرة الكوفة وسوادها. وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء. وهما لغتان.
( ذاتِ قَرارٍ ) مستقرّ من الأرض، منبسطة مستوية. وعن قتادة: ذات ثمار وزروع وماء. يعني: أنّه لأجل الثمار يستقرّ فيها ساكنوها.( وَمَعِينٍ ) وماء ظاهر جار
__________________
(١) القصص: ٤٣.
على وجه الأرض. فعيل من: معن الماء إذا جرى. وأصله: الإبعاد في الشيء. أو من الماعون، وهو المنفعة، لأنّه نفّاع. أو مفعول من: عانه إذا أدركه بعينه، لأنّه لظهوره مدرك بالعيون. وصف ماءها بذلك، لأنّه الجامع لأسباب التنزّه وطيب المكان.
وعن الباقر والصادقعليهماالسلام : «القرار مسجد الكوفة، والمعين الفرات».
( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) )
ولـمّا أخبر سبحانه عن إيتائه الكتاب للاهتداء، ثمّ عمّا أولاه من سابغ النعماء، خاطب الرسل بعد ذلك، فقال:( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ) خصّ الرسل بهذا النداء، مع أنّ غيرهم أيضا مأمورون بهذا الأمر، لأنّ أممهم أتباع لهم، ومقتفون بهم في الأعمال، فيدخلون تحت هذا النداء. ولم يخاطبوا بذلك دفعة، لأنّهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على معنى أنّ كلّا منهم خوطب به في زمانه، وليعتقد السامع أنّ أمرا نودي له جميع الرسل ووصّوا به، حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه.
وفيه دلالة على أنّ إباحة الطيّبات للأنبياء شرع قديم، واحتجاج على الرهبانيّة في رفض الطيّبات. وفي اتّصال هذا الكلام بقصّة عيسى تنبيه على أنّ تهيئة أسباب التنعّم لم تكن خاصّة له. وقيل: النداء لعيسى، ولفظ الجمع للتعظيم.
وعن الحسن ومجاهد وقتادة والكلبي: أنّه سبحانه أراد بهذا النداء من الطيّبات محمّداصلىاللهعليهوآله سلم، على مذهب العرب في مخاطبة الواحد مخاطبة الجمع.
والطيّبات ما يستطاب ويستلذّ به من المآكل والفواكه. ويشهد له مجيئه عقيب قوله:( وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ) .
وقيل: طيّبات الرزق: حلال، وصاف، وقوام. فالحلال: ما لا يعصى الله فيه.
والصافي: ما لا ينسى الله فيه. والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، فإنّه أمر به المرسلين، فقال:( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ) ».
وعن الحسن: أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنّه قال: انتهوا إلى الحلال من الأكل.
( وَاعْمَلُوا صالِحاً ) فإنّه المقصود منكم. والنافع عند ربّكم( إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) فأجازيكم عليه. هذا هو السبب الداعي إلى إصلاح العمل، فإنّ العاقل إذا عمل لمن يعلم عمله، ويجازيه على حسب ما عمل، فقد أصلح العمل.
( وَإِنَّ هذِهِ ) أي: ولأنّ هذه. والمعلّل به «فاتّقون». أو واعلموا أنّ هذه. وقيل: إنّه معطوف على «ما تعملون». وقرأ ابن عامر بالتخفيف. والكوفيّون بالكسر على الاستئناف.( أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) ملّتكم ملّة واحدة، أي: متّحدة في العقائد واصول الشرائع. ومثل ذلك قوله تعالى:( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ) (١) ، أي: على ملّة ودين. أو هذه جماعتكم جماعة واحدة متّفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة.
ونصب «أمّة» على الحال.( وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) عن المعصية ومخالفة الكلمة، أي: فلأجل هذا فاتّقون.
( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ) أمر دينهم( بَيْنَهُمْ ) أي: جعلوه أديانا مختلفة. أو فتفرّقوا وتحزّبوا. و «أمرهم» منصوب بنزع الخافض أو التمييز. والضمير لـما دلّ عليه الأمّة من أربابها، أولها.( زُبُراً ) قطعا. جمع الزبور الّذي بمعنى الفرقة. وهو حال من «أمرهم» أو
__________________
(١) الزّخرف: ٢٣.
من الواو، أو مفعول ثان لـ «تقطّعوا» فإنّه متضمّن معنى: جعل. وقيل: كتبا، من: زبرت الكتاب. فيكون مفعولا ثانيا، أو حالا من «أمرهم» على تقدير مثل: كتبا مختلفة.
( كُلُّ حِزْبٍ ) من هؤلاء المتحزّبين المتقطّعين دينهم( بِما لَدَيْهِمْ ) من الدين( فَرِحُونَ ) راضون بما عندهم من الأديان الباطلة، معتقدون أنّهم على الحقّ.
( فَذَرْهُمْ ) يا محمّد( فِي غَمْرَتِهِمْ ) في جهالتهم. شبّهها بالماء الّذي يغمر القامة، لأنّهم مغمورون فيها. أو شبّهوا باللاعبين في غمرة الماء، لـما هم عليه من الباطل، كقوله: كأنّني ضارب في غمرة لعب(١) ( حَتَّى حِينٍ ) إلى أن يقتلوا أو يموتوا فيجازوا.
( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) )
ثمّ سلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ونهاه عن الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره، فقال:( أَيَحْسَبُونَ ) هؤلاء الكفرة( أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ ) أنّ ما نجعله مددا لهم، بأن نعطيهم
__________________
(١) لذي الرمّة. وتمامه :
ليالي اللهو يعطبيني فأتبعه |
كأنّني ضارب |
أي: اللهو يدعوني في ليال كثيرة فأتبعه، كأنّني سابح في لجّة من الماء تغمر القامة، لعب فيها.
مستمرّا( مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ) بيان لـ «ما». وليس خبرا له، فإنّه غير معاتب عليه، وإنّما المعاتب عليه اعتقادهم أنّ ذلك خير لهم. فخبره قوله:( نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ) والراجع محذوف، كما في قولهم: السمن منوان بدرهم، أي: يحسبون أنّ الّذي نمدّهم به نسارع به لهم فيها فيه خيرهم وإكرامهم. والهمزة للإنكار عمّا يحسبون.
والمعنى: أنّ هذا الإمداد ليس إلّا استدراجا لهم إلى المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته.
( بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) استدراك لقوله: «أيحسبون». يعني: بل هم كالبهائم، لا فطنة لهم ولا شعور، ليتأمّلوا أنّ ذلك استدراج لا مسارعة في الخير.
روى السكوني عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، عن أبيه، عن آبائهعليهمالسلام قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ الله تعالى يقول: يحزن عبدي المؤمن إذا اقترت عليه شيئا من الدنيا، وذلك أقرب له منّي، ويفرح إذا بسطت له الدنيا، وذلك أبعد له منّي. ثمّ تلا هذه الآية إلى قوله: «بل لا يشعرون». ثمّ قال: إنّ ذلك فتنة لهم».
ثمّ بيّن حال الأخيار الأبرار بعد بيان أحوال الكفّار الفجّار، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ ) من خوف عذابه( مُشْفِقُونَ ) حذرون، فيفعلون ما أمرهم به، وينتهون عمّا نهاهم عنه.
( وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ ) المنصوبة والمنزلة( يُؤْمِنُونَ ) بتصديق مدلولها.
( وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ) شركا جليّا ولا خفيّا.
( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ) يعطون ما أعطوه من الصدقات المفروضة والمندوبة.
وقيل: أعمال البرّ كلّها.( وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ) خائفة أن لا يقبل منهم، وأن لا يقع على الوجه اللائق، فيؤاخذوا به( أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ) أي: لإيقانهم بأنّهم. أو لأنّهم راجعون إلى الله وجلت قلوبهم.
( أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ) أي: يرغبون في الطاعات أشدّ الرغبة فيبادرونها. أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيويّة الموعودة على الأعمال الصالحة بالمبادرة إليها، كقوله:( فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ ) (١) .( وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (٢) . وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدّمة، لأنّ فيه إثبات ما نفي عن الكفّار للمؤمنين.
عن الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافع جمع إساءة وأمنا.
( وَهُمْ لَها سابِقُونَ ) لأجلها فاعلون السبق. أو لأجلها سابقون الناس إلى الطاعة، أو الثواب والجنّة. أو إيّاها سابقون، أي: ينالونها قبل الآخرة، حيث عجّلت لهم في الدنيا، كقوله:( هُمْ لَها عامِلُونَ ) (٣) .
( وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ
__________________
(١) آل عمران: ١٤٨.
(٢) العنكبوت: ٢٧.
(٣) المؤمنون: ٦٣.
(٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا يكلّف أحدا إلّا دون الطاقة، بعد أن أخبر عن حال الكافرين والمؤمنين، فقال:( وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) قدر طاقتها يعني: أنّ هذا الّذي وصف به الصالحين غير خارج عن حدّ الوسع والطاقة، وكذلك كلّ ما كلّفه عباده.
( وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ ) بالصدق. لا يقرؤن منه يوم القيامة إلّا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان، ولا يوجد فيه ما يخالف الواقع.
( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) لا ينقص من ثوابهم، ولا يزاد في عقابهم، ولا يؤاخذون بذنب غيرهم. فما عملوه من الأعمال غير ضائع عندنا، بل كلّ ما كلّفنا عبادنا في الدنيا مثبت في اللوح أو صحف أعمالهم، ونجازيهم على وفقه.
( بَلْ ) ردّ لـما سبق من الكلام المشتمل على الوعد والوعيد في القرآن( قُلُوبُهُمْ ) قلوب الكفّار( فِي غَمْرَةٍ ) في غفلة غامرة لها( مِنْ هذا ) من الّذي وصف به هؤلاء المؤمنون. أو من كتاب الحفظة.( وَلَهُمْ أَعْمالٌ ) خبيثة( مِنْ دُونِ ذلِكَ ) متجاوزة لـما وصف به المؤمنون. أو متخطّية عمّاهم عليه من الشرك.( هُمْ لَها عامِلُونَ ) معتادون فعلها، وصارت الأعمال القبيحة والأفعال الخبيثة دأبهم.
( حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ) متنعّميهم( بِالْعَذابِ ) يعني: القتل يوم بدر، أو الجوع حين دعا عليهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف». فابتلاهم الله بالقحط، حتّى أكلوا الجيف والكلاب والعظام
المحترقة والقدّ(١) والأولاد.أو المراد عذاب الآخرة.
( إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ) يضجّون ويجزعون، ويصرخون باستغاثة، لشدّة العذاب.
والجؤار: الصراخ باستغاثة. و «إذا» للمفاجأة، أي: فاجئوا الصراخ بالاستغاثة. وهو جواب الشرط. و «حتّى» هذه هي الّتي يبتدأ بعدها الكلام. ويجوز أن يكون الجواب( لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ) فإنّه مقدّر بالقول، أي: قيل لهم: لا تجأروا.
ثمّ علّل للنهي عن الجؤار بقوله:( إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ) أي: لا تجأروا، فإنّ الجواب غير نافع لكم، إذ لا تغاثون ولا تمنعون منّا، أو من جهتنا لا يلحقكم نصر ولا معونة. وهذا إيئاس لهم من دفع العذاب عنهم.
ثمّ بيّن علّة الإيئاس بقوله:( قَدْ كانَتْ آياتِي ) يعني: القرآن( تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ) تتأخّرون وتعرضون، مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها. والنكوص: الرجوع قهقرى.
( مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ) الضمير للبيت العتيق. أو للحرم، فإنّهم كانوا يقولون: لا يغلب علينا أحد، لأنّا أهل الحرم. واستكبارهم بالبيت، وافتخارهم بأنّهم ولاته وقوّامه، مشهور معروف. فبهذا أغنى عن سبق ذكر مرجعه. ويجوز أن يرجع إلى آياتي، فإنّها بمعنى كتابي.
والباء متعلّقة بالمستكبرين. ومعنى استكبارهم بالقرآن تكذيبهم به استكبارا.
ضمّن «مستكبرين» معنى: مكذّبين، فعدّي تعديته. أو المعنى: مستكبرين بسببه، فإنّه يحدث لهم استماعه استكبارا وعتوّا منهم، فهم كانوا يستكبرون على المسلمين بسببه.
ويجوز أنّ تكون متعلّقة بقوله:( سامِراً ) . وهو في الأصل مصدر بمعنى السمر، وهو التحديث في الليل، جاء على لفظ الفاعل كالعاقبة، ولهذا يطلق على الجمع.
فالسامر هم القوم الّذين يسمرون. والمعنى: يتحدّثون في الليل بذكر القرآن والطعن فيه.
__________________
(١) القدّ: جلد السخلة. والقدّ: السير يقدّ ـ أي: يقطع ـ من الجلد غير المدبوغ.
( تَهْجُرُونَ ) من الهجر بالفتح، إمّا بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي: تعرضون عن القرآن، أو تهذون في شأنه. أو الهجر بالضمّ، أي: الفحش. ويؤيّد الثاني قراءة نافع: تهجرون، من: أهجر في منطقه إذا أفحش.
روي: أنّهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكانت عامّة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحرا وشعرا، وسبّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ قال سبحانه ردّا عليهم:( أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ) أي: أفلم يتدبّروا القرآن ليعلموا أنّه الحقّ من ربّهم، بإعجاز لفظه ومتانة معناه ووضوح مدلوله، فيصدّقوا به، أو ليخافوا عند تدبّر آياته( أَمْ جاءَهُمْ ) بل أجاءهم( ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) من الرسول والكتاب، فلذلك أنكروه واستبدعوه. أو من الأمن من عذاب الله، فلذلك لم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون، وهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان، فآمنوا به وكتبه ورسله وأطاعوه.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تسبّوا مضر ولا ربيعة، فإنّهما كانا مسلمين. ولا تسبّوا قسّا، فإنّه كان مسلما. ولا تسبّوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرّ، فإنّهم كانوا على الإسلام. وما شككتم فيه من شيء فلا تشكّوا في أنّ تبّعا كان مسلما».
( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ) محمّدا بأمانته، وصدقه، وحسن خلقه، وكمال علمه، ووفور فضله، مع عدم تعلّمه، واتّسامه بينهم بأنّه خير فتيان قريش، إلى غير ذلك ممّا هو صفة الأنبياء( فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) دعواه لأحد هذه الوجوه، إذ لا وجه له غيرها، فإنّ إنكار الشيء قطعا أو ظنّا إنّما يتمّ إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص، أو بحث عمّا يدلّ عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد.
( أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ) جنون، فلا يبالون بقوله، وقد كانوا يعلمون أنّه أرجحهم عقلا، وأدقّهم نظرا. وفي هذا دلالة على جهلهم، حيث أقرّوا له بمتانة العقل ورزانة الرأي، ثمّ نسبوه إلى الجنون.
( بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ ) الدين القويم والطريق المستقيم. وهو وحدانيّته تعالى عن الشرك والندّ.( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) لأنّه يخالف شهواتهم وأهواءهم، ولم يوافق ما ألفوه ونشأوا عليه، وخلط بلحومهم ودمائهم من اتّباع الباطل، ولم يمكنهم دفعه، لأنّه الحقّ الأبلج والصراط المستقيم، فمالوا إلى البهت، وعوّلوا على كذبهم من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر.
وإنّما قيّد الحكم بالأكثر، لأنّه كان من الصناديد والرؤساء من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه، بأن يقولوا: ترك دين آبائه وتديّن بالدين المستحدث، لا كراهة للحقّ.
( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) )
ثمّ دلّ سبحانه على عظم شأن الحقّ بأنّ السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهنّ إلّا بالحقّ، فقال:( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ ) بأن كان في الواقع آلهة شتّى( لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ ) كما سبق تقريره في قوله:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) (١) .
وقيل: لو اتّبع الحقّ أهواءهم وانقلب باطلا، لذهب ما قام به العالم، فلا يبقى له
__________________
(١) راجع ص ٣١٠ ذيل الآية (٢٢) من سورة الأنبياء.
بعده قوام. أو لو اتّبع الحقّ الّذي جاء به محمّد ـ وهو الإسلام ـ أهواءهم، وانقلب شركا، لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم، ولم يؤخّرها من فرط غضبه.
وعن قتادة: الحقّ هو الله. ومعناه: لو كان الله إلها يتّبع أهواءهم، بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي، لخرج عن الألوهيّة، ولما قدر أنّ يمسك السماوات والأرض.
( بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ ) بالكتاب الّذي هو ذكرهم، أي: وعظهم. أوصيتهم وشرفهم وفخرهم. أو الذكر الّذي تمنّوه بقولهم: لو أنّ عندنا ذكرا من الأوّلين لكنّا عباد الله المخلصين.( فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ) لا يلتفتون إليه، وراضون بالباطل أو بالذلّ.
( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ) أجرا على أداء الرسالة( فَخَراجُ رَبِّكَ ) رزقه في الدنيا، أو ثوابه في العقبى( خَيْرٌ ) لسعته ودوامه، ففيه مندوحة لك عن عطائهم. والخرج بإزاء الدخل، يقال لكلّ ما تخرجه إلى غيرك. والخراج غالب في الضريبة على الأرض. وهي ما تخرجه إلى الإمام، أو إلى كلّ عامل، من زكاة الأرض وأجرتها وجعلها. ففيه إشعار بالكثرة واللزوم، فيكون ابلغ من الخرج، فإنّ زيادة اللفظ لزيادة المعنى.
والمعنى: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق؟ فإنّ الكثير من عطاء الخالق خير لوسعته.
وقرأ ابن عامر: خرجا فخرج ربّك. وحمزة والكسائي: خراجا فخراج ربّك، للمزاوجة.
( وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) تقرير لخيريّة خراجه.
( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) تشهد العقول السليمة على استقامته، لا عوج فيه يوجب اتّهامهم له.
واعلم أنّه سبحانه ألزمهم الحجّة في هذه الآيات، وقطع معاذيرهم وعللهم، بأنّ الّذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله
للرسالة من بين ظهرانيّهم. وأنّه لم يعرض له حاجة حتّى يدّعي مثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلّما إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم، ولم يدعهم إلّا إلى دين الإسلام الّذي هو الصراط المستقيم. وهم لفرط شغفهم بدين آبائهم الضلّال من غير برهان، وتوغّلهم في العتوّ والاستكبار، تعلّلوا بأنّه مجنون، بعد ظهور الحقّ وثبات التصديق من الله، بالمعجزات الباهرة والآيات النيّرة، وأعرضوا عمّا فيه حظّهم من الذكر والشرف، ومزيّة المرتبة في الدارين.
ولـمّا كان خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحقّ وسلوك طريقة، قال:( وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ ) عن الصراط السويّ والطريق القويم( لَناكِبُونَ ) لعادلون عنه.
( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) )
روي: أنّه لـمّا أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة، ومنع الميرة من أهل مكّة، وأخذهم الله بالسنين إجابة لدعوة رسوله، حتّى أكلوا العلهز(١) ، فجاء أبو سفيان إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنّك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال :بلى. فقال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. فنزلت:( وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ ) يعني: القحط( لَلَجُّوا ) لتمادوا عنادا( فِي طُغْيانِهِمْ ) إفراطهم في الكفر، والاستكبار عن الحقّ، وعداوة الرسول والمؤمنين
__________________
(١) العلهز: طعام كانوا يتّخذونه من الدم ووبر البعير في سنّي المجاعة.
( يَعْمَهُونَ ) عن الهدى.
ثمّ استشهد على هذا القول بقوله:( وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ ) يعني: قتل صناديدهم وأسرهم يوم بدر( فَمَا اسْتَكانُوا ) فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة( لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ ) وما يقيمون على التضرّع، بل أقاموا على عتوّهم واستكبارهم. والاستكان استفعال من الكون، بمعنى الانتقال من كون إلى كون، كالاستحالة بمعنى الانتقال من حال إلى حال، فإنّ المفتقر انتقل من كون إلى كون. أو افتعال من السكون، أشبعت فتحته. ولم يقل: وما تضرّعوا، أو فما يستكينون، لأنّ المعنى: محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا أو يتضرّعوا.
( حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ ) يعني: الجوع، فإنّه أشدّ من الأسر والقتل( إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) آيسون من كلّ خير، حتّى جاءك أعتاهم يستعطفك. أو محنّاهم بكلّ محنة من القتل والجوع، فما رؤي منهم لين مقادة، وهم كذلك حتّى إذا عذّبوا بنار جهنّم فحينئذ يبلسون، كقوله:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) (١) .( لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) (٢) .
( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) )
__________________
(١) الروم: ١٢.
(٢) الزّخرف: ٧٥.
ثمّ بيّن سبحانه أنّه المنعم على ما خلقه بأنواع النعم، ليتدبّروا فيها ويمتثلوا أوامره، فقال:( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ) لتحسّوا بها ما نصب من الآيات( وَالْأَفْئِدَةَ ) لتتفكّروا فيها، وتستدلّوا بها، إلى غير ذلك من المنافع الدينيّة والدنيويّة ما لا يتعلّق بغيرها، فإنّ الدلائل كلّها مبنيّة عليها، ولهذا خصّت بالذكر( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) تشكرونها شكرا قليلا، لأنّ العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، والإذعان لـما نحها من غير إشراك، ومن لم يعملها فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها. و «ما» زائدة للتأكيد.
( وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) خلقكم وبثّكم فيها بالتناسل( وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم.
( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ) يحييكم في أرحام أمّهاتكم( وَيُمِيتُ ) ويميتكم عند انقضاء آجالكم( وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) مختصّ به تعاقبهما، ولا يقدر غيره على تصريفهما. أو لأمره وقضائه تعاقبهما، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر.( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) بالنظر والتأمّل أنّ الكلّ منّا، وأنّ قدرتنا تعمّ الممكنات كلّها، وأنّ البعث من جملتها.
( بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) )
ثمّ أخبر سبحانه عن الكفّار المكذّبين بالبعث، فقال:( بَلْ قالُوا ) أي: كفّار مكّة( مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ) آباؤهم ومن دان بدينهم.
( قالُوا ) استبعادا:( أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) ولم يتأمّلوا أنّهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا فخلقوا.
( لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) إلّا أكاذيبهم الّتي كتبه الأوّلون ممّا لا حقيقة له. جمع أسطورة، لأنّه يستعمل فيما يتلهّى به، كالأعاجيب والأضاحيك. وقيل: جمع أسطار جمع سطر.
( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) )
ثمّ احتجّ على هؤلاء المنكرين للبعث والنشور، فقال:( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) إن كنتم من أهل العلم، أو من العالمين بذلك، أي: أجيبوني عمّا استعلمتكم منه إن كان عندكم فيه علم. فيكون استهانة بهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتّى جهلوا مثل هذا الجليّ الواضح، وإلزاما بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنّكاره. ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا، فقال:( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) لأنّ العقل الصريح قد اضطرّهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنّه خالقها.
( قُلْ ) بعد ما قالوه( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) فتعلموا أنّ من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قدر على إيجادها ثانيا، فإن بدء الخلق ليس أهون من إعادته.
ثمّ زاد في الحجّة فقال:( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) من مالكها والمتصرّف فيها. والعرش أعظم من السماوات السبع.
( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ) إيراد اللام على المعنى، لأنّ قولك: من ربّه، ولمن هو، في معنى واحد. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده، على ما يقتضيه ظاهر لفظ السؤال.
( قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) أي: أفلا تخافون عقابه، فلا تشركوا بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على جميع الممكنات، ولا تعصوا رسله؟( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) هو من صفات المبالغة في الملك، كالجبروت والرهبوت. وقال مجاهد: ملكوت كلّ شيء خزائن كلّ شيء.
( وَهُوَ يُجِيرُ ) يغيث من يشاء على من يشاء، ويحرسه عنه( وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ) ولا يغاث ولا يمنع منه أحد، أي: ولا يغيث أحد أحدا، ولا يمنعه منه. يقال: أجرت فلانا على فلان، إذا أغثته ومنعته من المكروهات. وتعديته بـ «على» لتضمين معنى النصرة.
( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ذلك فأجيبوا.
( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) فمن أين تخدعون عن توحيده وطاعته، ويموّه عليكم، فتصرفون عن الرشد، مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلّة؟ قال امرئ القيس(١) : ونسحر بالطعام وبالشراب أي: نخدع. والخادع هو الشيطان والهوى.( بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِ ) من التوحيد والوعد بالنشور( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) حيث أنكروا ذلك، وادّعوا له ولدا، ومعه شريكا.
( مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) )
__________________
(١) ديوان امرئ القيس (طبعة دار بيروت): ٧٢. وصدره: أرانا موضعين لأمر غيب.
ثمّ أكّد سبحانه ما قدّمه من أدلّة التوحيد، فقال:( مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ ) لتقدّسه عن مماثلة أحد( وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ ) يساهمه في الألوهيّة( إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ) جزاء شرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، أي: لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كلّ واحد منهم بما خلقه، أي: لانفرد كلّ واحد من الآلهة بخلقه الّذي خلقه واستبدّ به، ولرأيتم ملك كلّ واحد منهم متميّزا عن ملك الآخرين.
( وَلَعَلا ) ولغلب( بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) ووقع بينهم التجاذب والتحارب، وظهر التغالب، كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، فلم يكن بيده وحده ملكوت كلّ شيء. واللازم باطل بالإجماع والاستقراء، وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد، فما كان معه من إله.( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) من الولد والشريك، لـما سبق من الدليل على فساده.
( عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم ما غاب وما حضر، فلا يخفى عليه شيء. وقد جرّ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص على الصفة. وهو دليل آخر على نفي الشريك، بناء على توافقهم في أنّه المنفرد بذلك. ولهذا رتّب عليه قوله:( فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) بالفاء.
روي: أنّه سبحانه أخبر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن له في أمّته نقمة، ولم يخبره أفي حياته أم بعد وفاته، فأمرصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله:( قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ) «ما» والنون مؤكّدتان، أي: إن كان لا بدّ من أن ترينّي( ما يُوعَدُونَ ) من العذاب في الدنيا والآخرة.
( رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) قرينا لهم في العذاب، فأخرجني من بينهم إذا أردت إحلال العذاب بهم. وهوصلىاللهعليهوآلهوسلم وإن كان معصوما من نزول العذاب عاجلا وآجلا، لكن صدور هذا القول منه لأنّه يجوز أن يسأل العبد ربّه ما علم أن يفعله، وأن يستعيذ به ممّا علم أنّه لا يفعله، هضما لنفسه، وإظهارا للعبوديّة، وتواضعا لربّه، وإخباتا له. ومنه استغفاره إذا قام من مجلسه سبعين مرّة أو مائة مرّة. وقول إبراهيمعليهالسلام :( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ) (١) .
وتكرير النداء، وتصدير كلّ واحد من الشرط والجزاء، حثّ على فضل تضرّع وجؤار(٢) .
( وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ) لكنّا نؤخّره، علما بأنّ بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون. أو لأنّا لا نعذّبهم وأنت فيهم. قيل: ردّ لإنكار هم الموعود، واستعجالهم له استهزاء به. وقيل: قد أراه، وهو قتل بدر أو فتح مكّة.
روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في حجّة الوداع وهو بمعنى: «ولا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنّي في كتيبة يضاربونكم. قال: فغمز من خلفه منكبه الأيسر، فالتفت فقال: أو عليّ. فنزلت الآيات المذكورة»(٣) .
( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) )
__________________
(١) الشعراء: ٨٧.
(٢) جأر يجأر جؤارا إلى الله: رفع صوته بالدعاء وتضرّع.
(٣) شواهد التنزيل ١: ٥٢٦ ح ٥٥٩.
ثمّ أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب للعذاب، فقال:( ادْفَعْ بِالَّتِي ) بالخصلة أو الفعلة الّتي( هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) وهي الصفح عن إساءة المسيء، والإحسان في مقابلتها.
قيل: هي منسوخة بآية السيف(١) . وقيل: محكمة، لأنّ المداراة محثوث عليها، لكن بحيث لم يؤدّ إلى وهن في الدين.
وقيل: ادفع باطلهم ببيان الحجج على ألطف الوجوه وأوضحها، وأقربها إلى الإجابة والقبول.
وعن ابن عبّاس: هي كلمة التوحيد، والسيّئة الشرك. وقيل: هو الأمر بالمعروف، والسيّئة المنكر. وهو أبلغ من: ادفع بالحسنة السيّئة، لـما فيه من التنصيص على التفصيل.
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ) أي: بما يصفونك به. أو بوصفهم إيّاك على خلاف حالك، وأقدر على جزائهم، فكل إلينا أمرهم.
( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ) ونزعاتهم ووساوسهم. وأصل الهمز: النخس. ومنه: مهماز(٢) الرائض. شبّه حثّهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدوابّ
__________________
(١) التوبة: ٥ و ٢٩.
(٢) المهماز: عصا في رأسها حديدة تنخس بها الدابّة. والرائض: معلّم الدوابّ وسائسها.
حثّا لها على المشي. ونحو الهمز الأزّ في قوله:( تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) (١) . والجمع للمرّات، أو لتنوّع الوساوس، أو لتعدّد المضاف إليه.
( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) يحوموا حولي في شيء من الأحوال. وقيل: حال الصلاة. وعن ابن عبّاس: عند قراءة القرآن. وعن عكرمة: عند حلول الأجل. ووجه التخصيص أنّها أقوى الأحوال بأن يخاف عليه.
( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) متعلّق بـ «يصفون» أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت. وما بينهما اعتراض، لتأكيد الإغضاء عنهم بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزلّه عن الحلم، ويغريه على الانتقام منهم. أو بقوله:( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) (٢) .
( قالَ ) تحسّرا عند الموت على ما فرّط فيه من الإيمان والطاعة لـمّا اطّلع على حقيقة الأمر( رَبِّ ارْجِعُونِ ) ردّوني إلى الدنيا. والواو لتعظيم المخاطب، كقوله: فإن شئت حرّمت النساء سواكم(٣) وقوله: ألا فارحموني يا إله محمّد(٤) وكما قال:( قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ ) (٥) .
( لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) في الإيمان الّذي تركته، أي: لعلّي آتي بالإيمان وأعمل فيه، كما تقول: لعلّي أبني على أسّ. وقيل: فيما تركت من المال، أو في الدنيا. وقال الصادقعليهالسلام : «إنّه في مانع الزكاة، يسأل الرجعة عند الموت».
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: أنرجعك إلى الدنيا؟ فيقول :
__________________
(١) مريم: ٨٣.
(٢) المؤمنون: ٩٠.
(٣) للعرجي. وعجزه: وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا. والنقاخ: الماء العذب البارد. والبرد :النوم.
(٤) وعجزه: فإن لم أكن أهلا فأنت له أهل.
(٥) القصص: ٩.
إلى دار الهموم والأحزان! بل قدوما إلى الله. وأمّا الكافر فيقول: ربّ ارجعون».
( كَلَّا ) ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد لها( إِنَّها كَلِمَةٌ ) يعني قوله:( رَبِّ ارْجِعُونِ ) إلى آخره. والكلمة: الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض.( هُوَ قائِلُها ) لا محالة، لا يسكت عنها، لتسلّط الحسرة عليه، واستيلاء الندم، ولا فائدة له في ذلك.
( وَمِنْ وَرائِهِمْ ) أمامهم. والضمير للجماعة.( بَرْزَخٌ ) حائل بينهم وبين الرجعة. وهو الزمان الّذي يكون بين الموت والبعث، فمن مات فقد وقع في البرزخ.( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) يوم القيامة. وهو إقناط كلّي عن الرجوع إلى الدنيا، لـما علم أنّه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنّما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.
وفي الآية دلالة على أنّ أحدا لا يموت حتّى يعرف منزلته عند الله تعالى، وأنّه من أهل الثواب أو العذاب.
( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) )
ثمّ بيّن سبحانه حال الفريقين يوم البعث، فقال:( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ ) لقيام الساعة بالصوت الهائل العظيم. وهو شبه قرن لنفخة إسرافيلعليهالسلام . وفي الحديث: «كيف أنعم وصاحب الصور التقم الصور، أو التقمه».
وقيل: هي جمع الصورة. والمعنى: إذا أعيدت الأرواح إلى الأبدان.( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ) ينفعهم، لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث يفرّ المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. أو يفتخرون بها.( يَوْمَئِذٍ ) كما ينتفعون اليوم بها. ويحتمل أن تقاطع الأنساب يقع بينهم حيث يتفرّقون معاقبين ومثابين، فتلغوا الأنساب وتبطل.
( وَلا يَتَساءَلُونَ ) ولا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وخبره، لاشتغاله بنفسه. وهو لا يناقض قوله:( يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ) (١) .( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) (٢) . لأنّه عند النفخة، وذلك بعد المحاسبة، فإنّ يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال مختلفة، يتساءلون ويتعارفون في بعضها، وفي بعضها لا يفطنون لذلك، لشدّة الهول والفزع. أو التناكر يكون عند النفخة الأولى، فإذا كانت الثانية قاموا من القبور فتعارفوا وتساءلوا. أو عدم التساؤل يكون في القيامة، والتساؤل بعد دخول أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار.
( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) جمع موزون. وهي الموزونات من عقائده وأعماله.
يعني: من كانت له عقائد صحيحة وأعمال صالحة، يكون لها وزن وقدر عند الله. أو جمع ميزان، كمواعيد جمع ميعاد. وهو القرسطون(٣) الّذي توزن به الأعمال.( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بالنجاة والدرجات.
__________________
(١) يونس: ٤٥.
(٢) الصافّات: ٢٧.
(٣) القرسطون معرّب: كرستون. فارسيّة بمعنى الميزان الكبير، فرهنگ فارسى للدكتور معين ٣: ٢٩٤١.
( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ) أي: ومن لم يكن له ما يكون له وزن. وهم الكفّار، لقوله تعالى:( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) (١) .( فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) غبنوها، حيث ضيّعوا زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) بدل من «خسروا أنفسهم». أو خبر ثان لـ «أولئك». أو خبر مبتدأ محذوف.
( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) تحرقها. واللفح كالنفح، إلّا أنّ اللفح أشدّ تأثيرا.( وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ) من شدّة الاحتراق. والكلوح تقلّص الشفتين عن الأسنان، كما ترى الرؤوس المشويّة.
عن مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنّه مرّ في السوق برأس أخرج من التنّور، فغشي عليه ثلاثة أيّام ولياليهنّ.
وروي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «تشويه النار فتقلّص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتّى تبلغ سرّته».
( أَلَمْ تَكُنْ ) أي: يقال لهم: ألم تكن( آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) تأنيب وتذكير لهم بما استحقّوا هذا العذاب لأجله.
( قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ) استعلت علينا سيّئاتنا الّتي أوجبت لنا الشقاوة. وهي: سوء العاقبة والمضرّة اللاحقة. وقرأ حمزة والكسائي: شقاوتنا بالفتح، كالسعادة( وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ) عن الحقّ. ولـمّا كانت سيّئاتهم الّتي شقوا بها سبب شقاوتهم سمّيت شقاوة توسّعا. ومن أكبر الشقاء أن يترك عبادة الله إلى عبادة غيره، ويترك الأدلّة ويتّبع الهوى.
( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها ) من النار( فَإِنْ عُدْنا ) إلى التكذيب( فَإِنَّا ظالِمُونَ ) لأنفسنا.
( قالَ اخْسَؤُا ) اسكتوا سكوت هوان( فِيها ) في النار، فإنّها ليست مقام سؤال.
__________________
(١) الكهف: ١٠٥.
يعني: ذلّوا فيها وانزجروا، كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. من: خسأت الكلب إذا زجرته، فخسأ بنفسه. لازم ومتعدّ، فإن أصل هذه اللفظة زجر الكلاب، وإذا قيل ذلك للإنسان يكون للإهانة المستحقّة للعقوبة.( وَلا تُكَلِّمُونِ ) في رفع العذاب، فإنّه لا يرفع ولا يخفّف أبدا. أو لا تكلّمون رأسا.
وعن ابن عبّاس: إنّ لهم ستّ دعوات: إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة:( رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا ) (١) .
فيجابون:( حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ) (٢) .
فينادون ألفا:( رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) (٣) .
فيجابون:( ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) (٤) .
فينادون ألفا:( يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ) (٥) .
فيجابون:( إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ) (٦) .
فينادون ألفا:( رَبَّنا أَخِّرْنا ) (٧) فيجابون:( أَوَلَمْ تَكُونُوا ) (٨) .
فينادون ألفا:( رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً ) (٩) .
فيجابون:( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ) (١٠) .
فينادون ألفا:( رَبِّ ارْجِعُونِ ) (١١) .
__________________
(١) السجدة: ١٢ ـ ١٣.
(٢) السجدة: ١٢ ـ ١٣.
(٣، ٤) غافر: ١١ ـ ١٢.
(٥، ٦) الزخرف: ٧٧.
(٧، ٨) إبراهيم: ٤٤.
(٩، ١٠) فاطر: ٣٧.
(١١) المؤمنون: ٩٩.
فيجابون:( اخْسَؤُا فِيها ) .
وهو آخر كلام يتكلّمون به، ثمّ لا كلام بعد ذلك إلّا الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب، لا يفهمون ولا يفهمون.
( إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) )
ثمّ بيّن علّة استحقاقهم الهوان الشديد والعذاب الأليم بقوله:( إِنَّهُ ) إنّ الشأن( كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي ) يعني: المؤمنين. وقيل: هم أهل الصفّة خاصّة.( يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) يعني: يدعون بهذه الدعوات في الدنيا
طلبا لـما عندي من الثواب.
( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ) هزؤا. وقرأ نافع وحمزة والكسائي بالضمّ. وهما مصدر سخر كالسخر، إلّا أن في ياء النسبة زيادة قوّة في الفعل ومبالغة، كما قيل: الخصوصيّة في الخصوص. وعند الكوفيّين المكسور بمعنى الهزء، والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبوديّة، أي: تسخّروهم واستعبدوهم.( حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي ) من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم على تلك الصفة، أي: تركتم أن تذكروني لاشتغالكم بالسخريّة منهم.
فنسب الإنساء إلى عبادة المؤمنين وإن لم يفعلوا، لـمّا كانوا السبب في ذلك.( وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ) استهزاء بهم.
( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ ) يعني: يوم الجزاء( بِما صَبَرُوا ) على أذاكم( أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ) أي: فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به. وهو ثاني مفعولي «جزيتهم».
وقرأ حمزة والكسائي بالكسر استئنافا، أي: قد فازوا حيث صبروا، فجزوا بصبرهم أحسن الجزاء( قالَ ) أي: الله، أو الملك المأمور بسؤالهم، توبيخا وتبكيتا لمنكري البعث. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: قل، على الأمر للملك، أو لبعض رؤساء أهل النار.( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) أحياء أو أمواتا في القبور( عَدَدَ سِنِينَ ) تمييز لـ «كم».
( قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) استقصارا لمدّة لبثهم في الدنيا أو القبور بالنسبة إلى خلودهم في النار. أو لأنّها كانت أيّام سرورهم، وأيّام السرور قصار، كما أنّ أيّام المحنة مستطيلة. أو لأنّها منقضية، والمنقضي في حكم المعدوم.
( فَسْئَلِ الْعادِّينَ ) الحسّاب الّذين يتمكّنون من عدّ أيّامها إن أردت تحقيقها، فإنّا لـما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكّرها وإحصائها، إلّا أنّا نستقلّها ونحسبها يوما أو بعض يوم. أو الملائكة الّذين يعدّون أعمار الناس، ويحصون أعمالهم.
ويدلّ على أنّ المراد مدّة لبثهم في القبور، ما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: أنساهم
ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين.
فصدّقهم الله في تقالهم(١) لسني لبثهم في الدنيا، ووبّخهم على غفلتهم الّتي كانوا عليها، فقال:( قالَ ) أي: الله أو الملك. وقرأ الكوفيّون: قل( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً ) لأنّ مكثكم في الدنيا أو في القبور وإن طال، فإنّه متناه قليل بالإضافة إلى طول مكثكم في عذاب جهنّم( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) صحّة ما أخبرناكم به. أو قصر أعماركم في الدنيا، وطول مكثكم في الآخرة في العذاب، لـمّا اشتغلتم بالكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي.
ثمّ وبّخهم على تغافلهم بقوله:( أَفَحَسِبْتُمْ ) معاشر الجاحدين للبعث والنشور، الظانّين دوام الدنيا( أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) حال أو مفعول له، أي: عابثين أو للعبث، أي: لم يدعنا إلى خلقكم إلّا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبّدكم ونكلّفكم المشاقّ، من الطاعات وترك المعاصي، ثمّ نرجعكم من دار التكليف إلى دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء. وهو كالدليل على البعث. ومثل ذلك قوله:( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (٢) .
( وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) معطوف على( أَنَّما خَلَقْناكُمْ ) أو «عبثا». وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم.
( فَتَعالَى اللهُ ) عمّا يصفه به الجهّال من الشريك والولد والصاحبة. أو من أن يعمل عبثا.( الْمَلِكُ الْحَقُ ) الّذي يحقّ له الملك مطلقا، لأنّ ما عداه مملوك بالذات مالك بالعرض، ومن وجه دون وجه، وفي حال دون حال، ولأنّ كلّ شيء منه وإليه. أو الثابت الّذي لا يزول هو بنفسه، ولا يزول ملكه.
( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) فإنّ ما عداه عبيد له( رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) الّذي يحيط بجميع
__________________
(١) تقالّ الشيء: عدّه قليلا.
(٢) الذاريات: ٥٦.
الأجرام، وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام. ولذلك وصفه بالكرم، وهو كثرة الخير. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) أي: يعبده( لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ) صفة اخرى لـ «إلها» لازمة له، نحو قوله:( يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ) (١) . وبناء الحكم عليه، تنبيها على أنّ التديّن بما لا دليل عليه ممنوع، فضلا عمّا دلّ الدليل على خلافه. ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء لذلك، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحقّ بالإحسان منه، فالله مثيبه.
( فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) فهو مجاز له مقدار ما يستحقّه( إِنَّهُ ) إن الشأن( لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) وضع «الكافرون» موضع الضمير، لأنّ «من يدع» في معنى الجمع. وكذلك «حسابه».
واعلم أنّه سبحانه بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين، وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين، فشتّان ما بين الفاتحة والخاتمة.
ولـمّا حكى الله سبحانه أحوال الكفّار أمر رسوله بأن يتبرّأ منهم، وأن ينقطع إليه عمّا سواه ويسترحمه، فقال:( وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ ) ذنوب عبادك( وَارْحَمْ ) وأنعم على خلقك( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) أفضل المنعمين، وأكثرهم نعمة، وأوسعهم فضلا.
__________________
(١) الأنعام: ٣٨.
(٢٤)
سورة النور
وهي أربع وستّون آية.
عن أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ مؤمن ومؤمنة، فيما مضى وفيما بقي».
وروى الحاكم أبو عبد الله في الصحيح بالإسناد عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تنزلوهنّ الغرف، ولا تعلّموهنّ الكتابة، وعلّموهنّ المغزل وسورة النور»(١) . يعني: النساء.
وروى عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «حصّنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النور، وحصّنوا بها نساءكم، فإنّ من أدمن قراءتها في كلّ يوم أو في كلّ ليلة، لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتّى يموت، فإذا مات شيعه إلى قبره سبعون ألف ملك، يدعون ويستغفرون الله له حتّى يدخل إلى قبره».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) )
__________________
(١) مستدرك الحاكم ٢: ٣٩٦.
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة المؤمنين بأنّه لم يخلق الخلق للعبث، بل للأمر والنهي، ابتدأ هذه السورة بذكر الأوامر والنواهي وبيان الشرائع، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ ) أي: هذه سورة. أو فيما أوحينا إليك سورة.( أَنْزَلْناها ) صفتها، أي: أنزلها جبرئيل بأمرنا( وَفَرَضْناها ) وفرضنا ما فيها من الأحكام. وأصل الفرض القطع، أي :جعلناها واجبة مقطوعا بها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء، لكثرة فرائضها، أو المفروض عليهم، أو للمبالغة في إيجابها.
( وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ) واضحات الدلالة على وحدانيّتنا وكمال قدرتنا، أو حدودنا وأحكامنا الّتي شرعنا فيها( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) لكي تتّعظوا وتتّقوا بما فيها.
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) )
ثمّ شرع في بيان الأحكام، وابتدأ بحكم الزنا الّذي هو أفحش الفواحش، فقال:( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) مرفوعان بالابتداء، وخبرهما محذوف عند الخليل وسيبويه، أي: ممّا فرضنا أو أنزلنا حكمه حكم الزانية والزاني، وهو الجلد. ويجوز أن يرفعا بالابتداء، والخبر قوله:( فَاجْلِدُوا ) أيّها الحكّام( كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) . وعلى الأوّل جملة اخرى معطوفة على الأولى. والثاني قول المبرّد.
وعلى هذا لـمّا كان المبتدأ متضمّنا معنى الشرط، لأنّ اللام بمعنى اسم الموصول، كما تقول: من زنى فاجلدوه، أتى بالفاء، أي: الّتي زنت والّذي زنى فاجلدوهما.
وإنّما قدّم الزانية، لأنّ الزنا في الأغلب يكون بتعرّضها للرجل وعرض نفسها عليه، ولأنّ مفسدته تتحقّق بالإضافة إليها. والجلد ضرب الجلد بحيث لا يتجاوز ألمه إلى اللحم، فلا يجوز التبريح(١) .
وهذا الحكم مخصّص بالسنّة والكتاب. أمّا السنّة فبالزيادة تارة، كما في حقّ البكر الذكر، فإنّه يزاد التغريب سنة، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام».
ومنعه أبو حنيفة. والخبر يبطل قوله. وكذا عمل الصحابة. وقوله: إنّ الآية ناسخة، ضعيف، لأنّ عدم ذكر التغريب ليس ذكرا لعدمه، لتكون ناسخة له. وفعل الصحابة متأخّر عن الآية، فكيف يكون التغريب منسوخا؟! وبالرجم تارة، كما في حقّ المحصن والمحصنة، فإنّ حدّهما الرجم. هذا إن قلنا بعدم ضمّ الجلد إلى الرجم، وإلّا فهو أيضا زيادة، وقيل: الضمّ في حقّ الشيخين خاصّة.
وقيل: عامّ. وهو الحقّ، لأنّ عليّاعليهالسلام جلد سراقة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: «جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وكانت سراقة شابّة، وفعلهعليهالسلام حجّة.
والمراد بالمحصن من له فرج مملوك، بالعقد الدائم أو بملك اليمين، يغدو عليه ويروح. وبالمحصنة من لها فرج بالعقد الدائم، تغدو عليه وتروح. والبكر قيل: هو ما عدا المحصن. وقيل: من أملك ولم يدخل. والطلاق رجعيّا لا ينافي الإحصان مع بقاء العدّة، بخلاف البائن.
وعندنا لا جزّ على المرأة ولا تغريب. وأمّا الكتاب فينصّف الجلد في حقّ الأمة، لقوله تعالى:( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ) (٢) . واختلف في العبد، فقيل: كالحرّ. وقيل: كالأمة. وهو الأقوى، للرواية المأثورة عن الأئمةعليهمالسلام .
__________________
(١) التبريح: الشدّة والأذى. وبرّح به: أتعبه وجهده وآذاه أذى شديدا.
(٢) النساء: ٢٥.
( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ ) رحمة وشفقة( فِي دِينِ اللهِ ) في طاعته وإقامة حدّه وحفظه، فتعطّلوه أو تسامحوا فيه. وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة(١) .( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) فإنّ الإيمان بالمبدأ والمعاد يقتضي الجدّ في طاعة الله، والاجتهاد في إقامة أحكامه وحدوده. وهو من باب التّهييج في إجراء الحكم، والتشديد في أمر الزنا وحسم مادّته، لينحفظ النسب، وتجري الأحكام الشرعيّة المترتّبة على أصولها. ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا معشر الناس اتّقوا الزنا، فإنّ فيه ستّ خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة. فأمّا اللّاتي في الدنيا: فإنّه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأمّا اللّاتي في الآخرة: فإنّه يوجب السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار».
وفي الآية دلالة على أنّه يضرب أتمّ الضرب، فلا ينقص من الحدّ شيء. ولا تجوز الشفاعة في إسقاطه. وفي الحديث عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «يؤتى بوال نقص من الحدّ سوطا، فيقول: رحمة لعبادك. فيقول الله له: أأنت أرحم بهم منّي، فيؤمر به إلى النار.
ويؤتى بمن زاد سوطا، فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيؤمر به إلى النار».
( وَلْيَشْهَدْ ) وليحضر( عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) زيادة في التنكيل، فإنّ التفضيح قد ينكل أكثر ما ينكل التعذيب. وفي تسمية الحدّ العذاب دليل على أنّه عقوبة.
ويجوز أن يسمّى عذابا، لأنّه يمنع المعاودة، كما سمّي نكالا. وقيّد الطائفة بالمؤمنين، لئلّا يكون إقامة الحدّ مانعة للكفّار من الإسلام. ولذلك كره إقامته في أرض العدوّ.
والطائفة: الفرقة الحافّة حول الشيء. واختلف في كمّيتها.
فعن الباقرعليهالسلام وابن عبّاس والحسن وغيرهم: أقلّها واحد.
وبه قال مجاهد. وقال عكرمة: اثنان. والزهري: ثلاثة. وفي رواية اخرى عن ابن عبّاس: أربعة. لأنّ بهذا العدد يثبت هذا الحدّ. وهو قريب، لكن قول الباقرعليهالسلام أقوى. ويؤيّده أنّ الفرقة جمع أقلّه ثلاثة، والطائفة بعضها، فيكون واحدا. فمعنى الطائفة: النفس الّتي من شأنها أن تكون حافّة حول الشيء. ويدلّ
__________________
(١) أي: همزة: رأفة.
عليه أيضا قوله تعالى:( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) (١) فإنّ هذا الحكم يثبت للواحد كما يثبت للجمع.
( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) إذ الغالب أنّ المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء، فإنّ المشاكلة علّة للألفة والتضامّ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق.
وكان حقّ المقابلة أن يقال: والزانية لا تنكح إلّا من هو زان أو مشرك، لكنّ المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهنّ، لأنّ الآية نزلت في ضعفة المهاجرين، لـمّا همّوا أن يتزوّجوا بغايا يكرين أنفسهنّ، لينفقن عليهم من أكسابهنّ على عادة الجاهليّة، ولذلك قدّم الزاني.
ومعنى الجملة الاولى: وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف، بل في الزواني. ومعنى الثانية: وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفّاء، بل للزناة. وبينهما فرق.
وقال في الجامع: «وإنّما قدّمت الزانية على الزاني في الأولى، لأنّ الآية مسوقة لعقوبتهما على جنايتهما، والمرأة منها منشأ الجناية، وهي الأصل والمادّة في ذلك. ثمّ قدّم الزاني عليها في الثاني، لأنّ الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه والمخاطب، ومنه مبدأ الطلب»(٢) .
وعن ابن عبّاس وابن عمر ومجاهد وقتادة والزهري: أنّ رجلا من المسلمين استأذن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في أن يتزوّج أمّ مهزول، وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها تعرف بها، فنزلت هذه الآية.
والمراد بها النهي وإن كان ظاهرها الخبر، ويؤيّده ما روي عن أبي جعفر وأبي
__________________
(١) الحجرات: ٩.
(٢) جوامع الجامع ٢: ١٣٦.
عبد اللهعليهماالسلام أنّهما قالا: «هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مشهورين بالزنا، فنهى الله عن أولئك الرجال والنساء، والناس اليوم على تلك المنزلة، فمن شهر بشيء من ذلك، وأقيم عليه الحدّ، فلا تزوّجوه حتّى تعرف توبته».
ولا يجوز أن تحمل الآية على ظاهر الخبر، لأنّا نجد الزاني يتزوّج غير الزانية.
( وَحُرِّمَ ذلِكَ ) نكاح المشهورات بالزنا( عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) لأنّه تشبّه بالفسّاق، وتعرّض للتهمة، وتسبّب لسوء المقالة والطعن في النسب، وغير ذلك من المفاسد، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم مبالغة.
وقيل: الحرمة على ظاهرها. وقيل: الحكم مخصوص بالسبب الّذي ورد فيه.
وقيل: منسوخ بقوله:( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) (١) فإنّه يتناول المسافحات. ويؤيّده
أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل عن ذلك، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أوّله سفاح، وآخره نكاح، والحرام لا يحرّم الحلال».
وقيل: المراد بالنكاح الوطء. وقوله: «ذلك» إشارة إلى الزنا.
( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) )
ولـمّا تقدّم ذكر حدّ الزنا عقّبه سبحانه بذكر حدّ القاذف بالزنا، فقال:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ) يقذفون العفائف من النساء بالزنا والفجور( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ) على صحّة ما رموهنّ به من الزنا( بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) عدول يشهدون في مجلس واحد غير متفرّقين ومتّفقين على أنّهم شاهدوهنّ يفعلن ذلك كالميل في المكحلة
__________________
(١) النور: ٣٢.
( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) سواء كانوا أحرارا أو عبيدا، رجالا أو نساء، لعموم اللفظ. والتنصيف في العبد إنّما جاز في الزنا للنصوص.
( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً ) ما لم يتب، لدلالة الاستثناء عليه بعد( وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) نهى سبحانه عن قبول شهادة القاذف على التأبيد، وحكم عليهم بالفسق.
واعلم أنّ نظم هذه الآية يقتضي أن تكون هذه الجمل الثلاث بأجمعها جزاء للشرط. فيكون التقدير: من قذف المحصنات فاجلدوهم وردّوا شهادتهم وفسّقوهم، أي: فاجمعوا لهم الجلد وردّ الشهادة والتفسيق. ثمّ استثنى من ذلك بقوله:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) عن القذف( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا ) أعمالهم، بأن استمرّوا على التوبة. وفي هذا دلالة على أنّ بمجرّد التوبة لا تقبل الشهادة، بل لا بدّ وأن يحصل للتائب ملكة راسخة في النفس.
( فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) علّة للاستثناء، أي: يغفر لهم فلا يجلدون، ولا تردّ شهادتهم ولا يفسّقون. والأبد اسم لزمان طويل انتهى أو لم ينته. فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، سواء حدّ أو لم يحدّ، عند أئمّة الهدىعليهمالسلام وابن عبّاس. وهو مذهب الشافعي.
واعلم أنّ حدّ القذف حقّ لازم يتوقّف إقامته على المطالبة، ولا يسقط بالتوبة، إلّا مع العفو من المقذوف قبل الثبوت لا بعده، ورضاه جزء من التوبة. وحدّها إكذاب نفسه إن كان كاذبا، والتخطئة إن كان صادقا، فلا تقبل شهادته بدون ذلك.
( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ
كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) )
روي: أنّه لـمّا نزلت آية القذف قام عاصم بن عديّ الأنصاري وقال: يا رسول الله إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى، جلد ثمانين جلدة وردّت شهادته وفسّق، وإن ضربه بالسيف قتل به، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى. قال: كذلك أنزلت يا عاصم. فخرج فلم يصل إلى منزله حتّى استقبله هلال بن أميّة يسترجع. فقال: ما وراءك؟ فقال: شرّ وجدت على بطن امرأتي خولة شريك بن سحماء. فقال: هذا والله سؤالي، فرجعا. فأخبر عاصم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فبعث إليها. فقال: ما يقول زوجك؟ فقالت: لا أدري ألغيرة أدركته، أم بخلا على الطعام؟ وكان شريك نزيلهم. فنزلت:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ ) بالزنا( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ ) يشهدون لهم على صحّة ما قالوا( إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ) هذا بدل من «شهداء» أو صفة لهم على أن «إلّا» بمعنى: غير( فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ ) أي: فالواجب شهادة أحدهم، أو فعليهم شهادة أحدهم( أَرْبَعُ شَهاداتٍ ) نصب على المصدر بتقدير: يشهد. ولا يجوز انتصابه بـ «شهادة أحدهم» لأنّ المصدر لا ينصب مصدرا. وقد رفعه حمزة والكسائي وحفص على أنّه خبر «شهادة».
( بِاللهِ ) متعلّق بـ «شهادات» لأنّها أقرب. وقيل: بـ «شهادة» لتقدّمها.( إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) أي: فيما رماها به من الزنا. وأصله: على أنّه، فحذف الجارّ وكسرت «إنّ»، وعلّق العامل عنه باللام تأكيدا.
( وَالْخامِسَةُ ) أي: الشهادة الخامسة( أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) في الرمي. وقرأ يعقوب ونافع بالتخفيف في «أن» ورفع اللعنة.
وتوضيح المعنى: أنّ الرجل يقول أربع مرّات مرّة بعد اخرى: أشهد بالله أنّي لمن
الصادقين فيما رميتها به من الفجور. ثمّ يقول في المرّة الخامسة: لعنة الله عليّ إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا.
وهذا لعان الرجل، وبه سقط حدّ القذف عنه، وحصلت الفرقة بينهما ـ فرقة فسخ عندنا وعند الشافعي، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا»، وبتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ـ ونفي الولد عنه. وثبت حدّ الزنا على المرأة إلّا بالشهادة، لقوله:( وَيَدْرَؤُا ) ويسقط( عَنْهَا الْعَذابَ ) أي: حدّ الزنا( أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ) بأن تقول أربع مرّات مرّة بعد اخرى: أشهد بالله أنّه لمن الكاذبين فيما رماني به.
( وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في ذلك. ورفع الخامسة بالابتداء، وما بعدها الخبر. أو بالعطف على «أن تشهد». ونصبها حفص عطفا على «أربع».
وقرأ نافع: أن غضب الله، بتخفيف النون، وكسر الضاد، وفتح الباء، ورفع الهاء من اسم الله تعالى. والباقون: بتشديد النون، ونصب الباء، وفتح الضاد، وجرّ الهاء.
وتخصيص الملاعنة بغضب الله للتغليظ عليها، لأنّها هي أصل الفجور بإطماعها الرجل، ولذلك كانت مقدّمة في آية الجلد كما مرّ.
وإذا وقع اللعان بينهما على النهج المذكور فرّق الحاكم بينهما، ولا تحلّ له أبدا، وكان عليها العدّة من وقت اللعان.
روي أن بعد نزول آية اللعان أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هلالا وخولة باللعان، فلاعنها، ففرّق بينهما.
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) جواب «لو لا» محذوف، أي: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة. وتركه دالّ على أمر عظيم بحيث لا يكتنه. وشرائط اللعان والأحكام المتفرّعة عليه مذكورة في كتب الفقه.
( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) )
روى الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيّب وغيرهما: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها. فأقرع بينهنّ في غزوة بني المصطلق، فخرج فيها سهم عائشة، فخرجت مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولـمّا نزلوا منزلا من منازلهم خرجت عائشة لقضاء حاجة ثمّ عادت إلى الرحل، فلمست صدرها
فإذا عقد من جزع(١) ظفار قد انقطع، فرجعت، وحمل هودجها على بعيرها ظنّا منهم أنّها فيه، فلمّا عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا، فجلست كي يرجع إليها أحد. وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فلمّا وصل إلى ذلك الموضع وجدهم قد رحلوا وعرفها، فأناخ بعيره حتّى ركبته وهو يقوده حتّى أتى الجيش، وقد نزلوا في وقت الظهيرة، فاتّهمت به. فنزلت:( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ )
بأبلغ ما يكون من الكذب. وأصله الإفك، وهو الصرف، لأنّه قول مأفوك عن وجهه. والمعنى: بالكذب العظيم الّذي قلب فيه الأمر عن وجهه. والمراد ما أفك به على عائشة.( عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) جماعة منكم. وهي من العشرة إلى الأربعين. وكذلك العصابة. يقال: اعصوصبوا، أي: اجتمعوا. وهم: عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وزيد بن رفاعة، وحسّان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وهي خبر «إنّ».
وقوله:( لا تَحْسَبُوهُ ) مستأنف، أي: لا تحسبوا غمّ الإفك( شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) لاكتسابكم به الثواب العظيم، وظهور كرامتكم على الله بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم وتعظيم شأنكم، وتهويل الوعيد لمن تكلّم في ذلك وسمع به فلم تمجّه أذناه، والثناء على من ظنّ بكم خيرا. وتضمّنت كلّ واحدة منها مسألة وفائدة بيّنة، وحكما شرعيّا، مستقلّة بما هو تعظيم شأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتسلية له، وتنزيه لعائشة، وتطهير ذيلها. والخطاب لعائشة وصفوان، لأنّهما المقصودان بالإفك، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ) لكلّ جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصّا به.
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «الجزع بالفتح الخرز اليماني، الواحدة جزعة. ظفار بوزن قطام، هي اسم مدينة. منه».
( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) تحمّل معظمه. وقرأ يعقوب بالضمّ(١) . وهو لغة فيه.
( مِنْهُمْ ) من الخائضين. وهو ابن أبيّ، لأنّ معظم الشرّ كان منه، فإنّه الّذي كان يشيع ذلك بين الناس، لـما روي: أنّ صفوان مرّ بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه، فقال: من هذه؟ فقالوا: عائشة. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. ثمّ قال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتّى أصبحت، ثمّ جاء يقودها. وقيل: هو وحسّان ومسطح، فإنّهما شايعاه بالتصريح به.
وعلى هذا «الّذي» بمعنى: الّذين.
( لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ) في الآخرة أو في الدنيا، بأن جلدوا، وصار ابن أبيّ مطرودا مشهورا بالنفاق، وحسّان أعمى وأشلّ اليدين، ومسطح مكفوف البصر.
( لَوْ لا ) هلّا( إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ) حين سمعتم هذا الإفك من القائلين له( ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ ) أي: بالّذين هم كأنفسهم من المؤمنين والمؤمنات( خَيْراً ) فإنّ المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم محنة فكأنّها جرت على جماعتهم. وهذا كقوله:( فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ ) (٢) ،( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٣) .
وإنّما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر، مبالغة في التوبيخ، وإشعارا بأنّ الإيمان يقتضي ظنّ الخير بالمؤمنين، والكفّ عن الطعن فيهم وذبّ الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم.
وإنّما جاز الفصل بين «لو لا» وفعله بالظرف لأنّه منزّل منزلته، من حيث إنّه لا ينفكّ عنه، ولذلك يتّسع فيه ما لا يتّسع في غيره. وفائدة تقديمه على الفعل هنا، بيان أنّه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أوّل ما سمعوا بالإفك عن التكلّم به، فلمّا كان ذكر
__________________
(١) أي: كبره.
(٢) النور: ٦١.
(٣) الحجرات: ١١.
الوقت أهمّ وجب التقديم.
( وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ) أي: هلّا قالوا: هذا القول كذب ظاهر، تصريحا ببراءة ساحة إخوانهم المؤمنين منهم، وتكذيبا لقاذفيهم، كما يقول المستيقن المطّلع على الحال. والخطاب لمن سمعه فسكت ولم يصدّق ولم يكذّب.
وقيل: هو خطاب لمن أشاعه. والمعنى: هلّا إذا سمعتم هذا الحديث ظننتم بها ما تظنّون بأنفسكم لو خلوتم بها. وذلك لأنّها كانت أمّ المؤمنين، ومن خلا بأمّه فإنّه لا يطمع فيها وهي لا تطمع فيه. وهذا من الأدب الحسن الّذي قلّ القائم به والحافظ له.
و «لو لا» هذه للتحضيض. وكذا في قوله:( لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ ) أي: هلّا جاؤا على ما قالوه من القذف( بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) يشهدون بما قالوه( فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ) فحين لم يأتوا بالشهداء( فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ ) أي: في حكمه( هُمُ الْكاذِبُونَ ) . هذا الكلام التحضيضي أيضا من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا، فإنّ ما لا حجّة عليه مكذّب في حكم الله، ولذلك رتّب الحدّ عليه.
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) «لو لا» هذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى: لولا أنّي قضيت أن أتفضّل عليكم في الدنيا بأنواع النعم الّتي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدّرين لكم( لَمَسَّكُمْ ) عاجلا( فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ ) خضتم من حديث الإفك. يقال: أفاض في الحديث واندفع وهضب(١) وخاض.( عَذابٌ عَظِيمٌ ) شديد لا انقطاع له، بحيث يستحقر دونه اللوم والجلد.
ثمّ ذكر الوقت الّذي كان يصيبهم العذاب فيه لولا فضله، فقال:( إِذْ ) ظرف لـ «مسّكم» أو «أفضتم»( تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ) يأخذه ويرويه بعضكم عن بعض بالسؤال
__________________
(١) هضب القوم في الحديث: أفاضوا فيه، وارتفعت أصواتهم.
عنه. يقال: تلقّى القول وتلقّفه وتلقّنه.
( وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ) أي: وتقولون كلاما مختصّا بالأفواه، بلا مساعدة من القلوب( ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ) لأنّه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم، كقوله:( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) (١) .
( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ) سهلا لا تبعة له( وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ) في الوزر واستجرار العذاب. وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام مترتّبة، وعلّق بها مسّ العذاب العظيم: تلقّي الإفك بألسنتهم، والتحدّث بما لا علم لهم به، واستصغار هم لذلك وهو عند الله عظيم.
ثمّ زاد سبحانه في الإنكار عليهم، فقال:( وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ) هلّا قلتم حين سمعتم ذلك الحديث( ما يَكُونُ لَنا ) ما ينبغي وما يصحّ لنا( أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا ) بهذا القول المخصوص أو نوعه، فإنّ قذف آحاد الناس محرّم شرعا، فضلا عن تعرّض زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحرمة الحريمة.
( سُبْحانَكَ ) ربّنا، تعجّب ممّن يقول ذلك. وأصله أن يذكر عند كلّ متعجّب تنزيها لله تعالى من أن يصعب عليه مثله، ثمّ كثر استعماله لكلّ متعجّب. أو تنزيه لله من أن تكون حرمة نبيّه فاجرة، فإنّ فجورها ينفّر الناس عنه، وهذا مخلّ بالبعثة والتبليغ، بخلاف كفرها، فإنّ الأنبياء بعثوا ليدعوهم، وهم يعظّمونهم وينقادون لـما أرسلوا له، ويميلون إليهم، ويقبلون عليهم بالقلب، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفّرهم عنهم، ولم يكن الكفر عندهم ممّا ينفرّهم، وأمّا الكشخنة(٢) ـ والعياذ بالله ـ فمن أعظم المنفّرات.
والسبحلة تكون تقريرا لـما قبلها، وتمهيدا لقوله:( هذا ) الّذي قالوه( بُهْتانٌ ) كذب وزور( عَظِيمٌ ) عقابه، لعظمة المبهوت عليه، فإنّ حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلّقاتها.
__________________
(١) آل عمران: ١٦٧.
(٢) الكشخنة: الدياثة. والكشخان: الّذي امرأته فاجرة.
( يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) )
ثمّ وعظ سبحانه الّذين خاضوا في الإفك، فقال:( يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ ) كراهة أن تعودوا، أو في أن تعودوا، من قولك: وعظت فلانا في كذا فتركه( أَبَداً ) ما دمتم أحياء مكلّفين( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فإنّ الإيمان يمنع عنه. وفيه تهييج لهم، وتذكير بما يوجب ترك العود، ويصرف عن القبيح.
( وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ ) الأوامر والنواهي الدالّة على الشرائع الجميلة، والآداب الحسنة، والمواعظ الشافية، كي تتّعظوا وتتأدّبوا( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بدواعي الحكم في الأحوال كلّها( حَكِيمٌ ) في تدابيره، فلا يجوّز الكشخنة على نبيّه، ولا يقرّره عليها.
ثمّ هدّد القاذفين فقال:( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ ) أن تنتشر، أي: يشيعونها عن قصد وإرادة ومحبّة لها( فِي الَّذِينَ آمَنُوا ) بأن ينسبوها إليهم، ويقذفوهم بها( لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا ) بإقامة الحدّ عليهم( وَالْآخِرَةِ ) بعذاب السعير( وَاللهُ يَعْلَمُ ) ما في القلوب من الأسرار والضمائر( وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ذلك. يعني: أنّه قد علم محبّة من أحبّ الإشاعة، وما يستحقّ عليه من شدّة العقاب.
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ضرب عبد الله بن أبيّ وحسّانا ومسطحا. وقعد صفوان لحسّان فضربه ضربة بالسيف، وكفّ بصره.
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) كرّر المنّة بترك المعاجلة بالعقاب الدالّة على
عظم الجريمة، وعطف قوله:( وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) على حصول فضله ورحمته عليهم، وحذف الجواب ـ أعني: لعاجلكم بالعقوبة ـ للمبالغة العظيمة في ذلك.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) )
ولـمّا بيّن سبحانه أحكام قذف المحصنات وعظم أمره، وعقّب ذلك بأحكام قذف الزوجات، ثمّ عظّم بعد ذلك قذف أزواج النبيّ اللاتي هنّ أمّهات المؤمنين، نهى عن متابعة الشيطان المستلزمة لارتكاب صنوف الفحشاء وأنواع المنكرات، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) آثاره وطرقه الّتي تؤدّي إلى مرضاته، ومن جملتها إشاعة الفاحشة وغيرها. وقرأ نافع والبزّي وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة بسكونها(١) .
( وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) هذا بيان لعلّة النهي عن اتّباعه. والفاحشة والفحشاء: ما أفرط قبحه. والمنكر: ما أنكره الشرع. أو ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه.
( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) بتوفيق التوبة الماحية للذنوب، وشرع الحدود المكفّرة لها( ما زَكى ) ما طهر من دنسها( مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ) آخر الدهر( وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي ) يطهّر( مَنْ يَشاءُ ) من الذنوب، بحمله على التوبة وقبولها( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لمقالهم( عَلِيمٌ ) بنيّاتهم وإخلاصهم.
__________________
(١) أي: بسكون طاء: خطوات.
وفي الآية دلالة على أنّ الله سبحانه يريد من خلقه خلاف ما يريده الشيطان، لأنّه إذا ذمّ سبحانه الأمر بالفحشاء والمنكر، فخالقهما ومريدهما أولى بالذمّ، تعالى وتقدّس عن ذلك، وفيها دلالة على أنّ أحدا لا يصلح إلّا بلطفه.
( وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) )
روي: أنّ مسطحا كان ابن خالة أبي بكر، وكان فقيرا من فقراء المهاجرين ومن جملة البدريّين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلمّا خاض في الإفك الى أن لا ينفق عليه بعد، فنزلت:( وَلا يَأْتَلِ ) افتعال من الأليّة بمعنى القسم، أي: لا يحلف. وقيل: من الألو.
يقال: ما ألوت جهدا، إذا لم تقصّر. فالمعنى: لا يقصّر.( أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ) أولوا التفضّل والإحسان( وَالسَّعَةِ ) في المال( أَنْ يُؤْتُوا ) على أن لا يؤتوا، أو في أن يأتوا( أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ ) صفات لموصوف واحد، أي: ناسا جامعين لها، لأنّ الكلام فيمن كان كذلك، وهو مسطح. أو لموصوفات أقيمت مقامها، فيكون أعمّ.
( وَلْيَعْفُوا ) ما فرط منهم( وَلْيَصْفَحُوا ) بالإغماض عنه( أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ ) معاصيكم جزاء على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم. وقد أجمعت الأمّة على أنّ المغفرة إنّما تكون متفرّعة على الإيمان المستمرّ إلى حين الموت.
( وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) مع كمال قدرته، فتخلّقوا بأخلاقه.
وروي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قرأها على أبي بكر، فقال أبو بكر: بلى أحبّ أن يغفر لي، ورجع إلى مسطح بالإنفاق.
وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة حلفوا أن لا يتصدّقوا على من تكلّم بشيء من الإفك، ولا يواسوهم.
( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) )
ثمّ أكّد النهي عن قذف المحصنات بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ) العفائف( الْغافِلاتِ ) عمّا قذفن به( الْمُؤْمِناتِ ) بالله وبرسوله، استباحة لعرضهنّ، وطعنا في الرسول والمؤمنين، كابن أبيّ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) ابعدوا من رحمة الله في الدارين. وقيل: عذّبوا في الدنيا بالجلد وردّ الشهادة، وفي الآخرة بعذاب النار.
( وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) لعظم ذنوبهم.
وقيل: هو حكم كلّ قاذف ما لم يتب. وقيل: مخصوص بمن قذف أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولذلك قال ابن عبّاس: لا توبة له. ولو فتّشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ
ممّا نزل في إفك عائشة.
( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ) ظرف لـما في «لهم» من معنى الاستقرار، لا للعذاب، لأنّه موصوف. وقرأ حمزة والكسائي بالياء، للتقدّم والفصل.( أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) يعترفون بها بإنطاق الله إيّاها بغير اختيارهم، أو بظهور آثاره عليها.
وفي ذلك مزيد تهويل للعذاب. وأمّا قوله:( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ) (١) فإنّه يجوز أن تخرج الألسنة ويختم على الأفواه. أو يكون الختم على الأفواه في حال شهادة الأيدي والأرجل. أو يكون الختم في وقت والإنطاق في وقت آخر، فإنّ أوقات الساعة متطاولة.
( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَ ) جزاءهم الواجب الّذي مستحقّوه وأهله( وَيَعْلَمُونَ ) لمعاينتهم الأمر( أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) الثابت بذاته الظاهر ألوهيّته، لا يشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه. أو ذو الحقّ البيّن، أي: العادل الظاهر عدله، ومن كان هذا شأنه لا ظلم في حكمه، وينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة.
ثمّ دلّ على تبرئة أهل بيت الرسالة من الإفك بقوله:( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) النساء الخبيثات للرجال الخبيثين( وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ ) والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات( وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ) والنساء الطيّبات للرجال الطيّبين( وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) والرجال الطيّبون للنساء الطيّبات، فإنّ الخبائث يتزوّجن الخباث، وبالعكس للجنسيّة. وكذلك أهل الطيّب.
وقيل: المراد الأقوال الخبيثات والأقوال الطيّبات. فالمعنى: الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلم، والطيّبات من الكلم للطيّبين من الرجال، والطيّبون من الرجال للطيّبات من الكلم.
__________________
(١) يس: ٦٥.
والقول الأوّل مرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام . قالا: «هي مثل قوله:( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) (١) . إنّ أناسا همّوا أن يتزوّجوا منهنّ، فنهاهم الله عن ذلك، وكره ذلك لهم».
( أُولئِكَ ) يعني: أهل بيت النبيّ، أو الرسول وعائشة وصفوان( مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ ) يقول الآفكون فيهم، إذ لو صدق لم تكن زوجتهعليهالسلام ، ولم يقرّر عليها. وقيل: «أولئك» إشارة إلى الطيّبين، والضمير في «يقولون» للخبيثين، أي: الطيّبون مبرّؤن ممّا يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.( لَهُمْ ) لهؤلاء الطيّبين من الرجال والنساء( مَغْفِرَةٌ ) من الله لذنوبهم( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) عطيّة من الله كريمة، يعني: الجنّة.
وفي الآيات مبالغات كثيرة في أمر الإفك، فإنّه سبحانه أوجز في ذلك وأشبع، وفصّل وأجمل، وأكّد وكرّر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلّا ما هو دونه في الفظاعة.
وعن ابن عبّاس: أنّه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، حتّى سئل عن هذه الآيات، فقال: من أذنب ذنبا ثمّ تاب منه قبلت توبته، إلّا من خاض في أمر عائشة.
وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برّأ الله أربعة بأربعة: برّأ يوسفعليهالسلام بلسان الشاهد:( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ) (٢) . وبرّأ موسىعليهالسلام من قول اليهود بالحجر الّذي ذهب بثوبه. وبرّأ مريمعليهماالسلام بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها:( إِنِّي عَبْدُ اللهِ ) (٣) .
وبرّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات.
__________________
(١) النور: ٣.
(٢) يوسف: ٢٦.
(٣) مريم: ٣٠.
فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلّا لإظهار علوّ منزلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتنبيه على إنافة محلّ سيّد ولد آدم، وخيرة الأوّلين والآخرين، وحجّة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقّق عظمة شأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتقدّم قدمه، وإحرازه لقصب السبق دون كلّ سابق، فليتلقّ ذلك من آيات الإفك، وليتأمّل كيف غضب الله له في حرمته؟! وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه؟!
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) )
ولـمّا كان النظر جاسوس الفواحش ومقدّمتها، نهى الله تعالى العباد عن الدخول في البيوت من غير إذن أهلها، لئلّا ينظروا إلى سواكنها، وتميل قلوبهم إليهنّ، فقال عقيب آيات الإفك:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ) الّتي لا تسكنونها، فإنّ الآجر والمعير أيضا لا يدخلان إلّا بإذن( حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) من الاستئناس بمعنى الاستعلام، أي: حتّى تستعلموا وتستكشفوا الحال. من: آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، فإنّ المستأذن مستعلم للحال، مستكشف أنّه هل يراد دخوله أو يؤذن له؟ ومنه قولهم: استأنست فلم أر أحدا، أي: استعلمت وتعرّفت. أو من الاستئناس الّذي هو خلاف
الاستيحاش، فإنّ المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له، فإذا أذن له استأنس.
ويجوز أن يكون معناه: حتّى تتعرّفوا هل ثمّ إنسان؟ من الإنس.
عن أبي أيّوب الأنصاري: قلنا: «يا رسول الله ما الاستئناس؟ قال: يتكلّم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح، يؤذن أهل البيت».
( وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ) بأن تقولوا: السلام عليكم أأدخل؟ وعنهعليهالسلام : «التسليم أن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثلاث مرّات، فإن أذن له دخل وإلّا رجع».
روي: أنّ رجلا استأذن على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتنحنح، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم لامرأة يقال لها روضة: «قومي إلى هذا فعلّميه، وقولي له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقال ذلك. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : أدخل».
ولا يخفى أنّ الاستئذان للدخول واجب، والتسليم مستحبّ إجماعا منّا.
( ذلِكُمْ ) أي: الاستئذان، أو التسليم( خَيْرٌ لَكُمْ ) من أن تدخلوا بغتة. أو من تحيّة الجاهليّة، فإنّه كان الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته قال: حيّيتم صباحا أو حيّيتم مساء ودخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف.
وروي: أنّ رجلا قال للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أأستأذن على أمّي؟ قال: نعم. قال: لا خادم لها غيري أأستأذن عليها كلّما دخلت؟ قالعليهالسلام : أتحبّ أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن».
( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) متعلّق بمحذوف، أي: أنزل عليكم هذا أو قيل لكم هذا، إرادة أن تذكروا وتتّعظوا وتعملوا بما هو أصلح لكم.
( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً ) يأذن لكم( فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ) حتّى يأتي من يأذن لكم، فإنّ المانع من الدخول ليس الاطّلاع على العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة عن غيرهم، مع أنّ التصرّف في ملك الغير بغير إذنه حرام.
( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) فانصرفوا ولا تلحّوا، لـما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة. واستثني من ذلك ما إذا عرض في دار حريق، أو هجوم سارق ،
أو ظهور منكر يجب إنكاره.( هُوَ ) أي: الرجوع( أَزْكى لَكُمْ ) من الإلحاح والوقوف على الباب منتظرين، لأنّ هذا ممّا يجلب الكراهة. أو أنفع لدينكم ودنياكم. وإذا نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن كلّ ما يؤدّي إليها، من قرع الباب بعنف، والتصحيح بصاحب الدار، وأمثال ذلك.
ثمّ أوعد المخاطبين بدخول بيت الغير بغير إذنه، فقال:( وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) فيعلم ما تأتون وما تذرون ممّا خوطبتم به، فيجازيكم عليه.
ثمّ استثنى من البيوت الّتي يجب على داخلها الاستئذان ما ليس بمسكون منها، فقال:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ) كالربط والخانات، وحوانيت البيّاعين، والأرحية والحمّامات( فِيها مَتاعٌ ) استمتاع( لَكُمْ ) كالاستكنان من الحرّ والبرد، وإيواء الرحال والأمتعة، والجلوس للمعاملة( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ) هذا وعيد لمن دخل مدخلا لفساد، أو تطلّع على عورات.
( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ
يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) )
ثمّ بيّن سبحانه ما يحلّ من النظر وما لا يحلّ منه، فقال:( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ) عمّا لا يحلّ لهم النظر إليه( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) إلّا على أزواجهم، أو ما ملكت أيمانهم. ولـمّا كان المستثنى منه كالشاذّ النادر ـ بخلاف الغضّ ـ لأنّ أطلقه، وقيّد الغضّ بحرف التبعيض، دلالة على أنّ أمر النظر أوسع من حفظ الفرج، لأنّ المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهنّ وصدورهنّ وأعضادهنّ وثديهنّ وأسوقهنّ وأقدامهنّ، وغير ذلك ما عدا فروجهنّ، وأمّا أمر الفروج فمضيّق على الأزواج أو ما ملكت أيمانهم.
وعن ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو الزنا إلّا هذا، فإنّه أراد به الاستتار.
وأيضا عن الصادقعليهالسلام أنّه قال: «حفظ الفروج عبارة عن التحفّظ من الزنا في جميع القرآن إلّا هنا، فإنّ المراد به الستر حتّى لا ينظر إليها أحد، فلا يحلّ للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها».
وإنّما قدّم الغضّ على حفظ الفرج لكونه داعيا إلى الجماع.
( ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ ) أنفع لهم أو أطهر، لـما فيه من البعد عن الريبة، والقرب إلى التقوى( إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ) لا يخفى عليه إجالة أبصارهم، واستعمال حواسّهم، وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها، وحفظ فروجهم، وغضّ أبصارهم، فليكونوا على حذر منه في كلّ حركة وسكون.
ثمّ أمر النساء بذلك كما أمر الرجال، فقال:( وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ ) فلا ينظرن إلى ما لا يحلّ لهنّ النظر إليه من الرجال والنساء.
عن أمّ سلمة قالت: «كنت عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أمّ مكتوم ـ
وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب ـ فدخل علينا، فقال: احتجبا. فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟».
( وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ ) بالتستّر. وقيل: بالتحفّظ عن الزنا. وإنّما قدّم الغضّ على حفظ الفرج، لأنّ النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه وأشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه.
( وَلا يُبْدِينَ ) ولا يظهرن( زِينَتَهُنَ ) أي: الباطنة، كالخلخال والسوار(١) والقرط، وجميع ما هو مباشر للبدن، فضلا عن مواضعها الّتي هي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن. فنهى عن إبداء الزين نفسها، ليعلم أنّ النظر إذا لم يحلّ إليها لملابستها تلك المواضع، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكّنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، لمن لا يحلّ أن تبدي له.( إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ) عند مزاولة الأشياء كالثياب، فإنّ في سترها حرجا.
وقيل: المراد بالزينة مواقعها على حذف المضاف. والأصحّ أنّ المراد نفس الزينة، إذ لو أبيح النظر إليها لكان وسيلة إلى النظر إلى مواضعها.
وقيل: المستثنى هو الوجه والكفّان، لأنّها ليست بعورة. والصحيح أنّ هذا في الصلاة لا في النظر، فإنّ بدن الحرّة عورة لا يحلّ لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلّا لضرورة، كالمعالجة وتحمّل الشهادة.
( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ ) أي: وليسدلن أقناعهنّ(٢) على أعناقهنّ وصدورهنّ، لتسترا عن نظر الأجانب.
قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وهشام بضمّ الجيم على الأصل، فإنّ كسرها لأجل مناسبة الياء.
__________________
(١) السوار: حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها أو معصمها. والقرط: ما يعلّق في شحمة الأذن من درّة ونحوها.
(٢) جمع القناع، وهو ما تغطّي به المرأة رأسها
( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ ) كرّره لبيان من يحلّ له الإبداء ومن لا يحلّ له.( إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ ) فإنّهم المقصودون بالزينة، لأنّ ذلك يحرّك شهواتهم، ويدعو إلى المباشرة المقصودة، ولهذا لهم أن ينظروا إلى جميع البدن حتّى الفرج.
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن السلتاء من النساء والمرهاء. فالسلتاء: هي الّتي لا تختضب.
والمرهاء: هي الّتي لا تكتحل. ولعن المسوّفة والمفسّلة. فالمسوّفة: هي الّتي إذا دعاها زوجها إلى المباشرة قالت: سوف أفعل. والمفسّلة: هي الّتي إذا دعاها قالت: أنا حائض، وهي غير حائض.
( أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَ ) وهم الّذين يحرم عليهم نكاحهنّ. ويدخل أجداد البعولة فيه وإن علوا، وأحفادهم وإن سفلوا. وإنّما يجوز إبداء الزينة الباطنة لهم لكثرة مداخلتهم عليهنّ، واحتياجهنّ إلى مداخلتهم، وقلّة توقّع الفتنة من قبلهم، لـما في الطباع من النفرة عن مماسّة القرائب. ولهم أن ينظروا منهنّ ما يبدو عند المهنة والخدمة.
وإنّما لم يذكر الأعمام والأخوال، لأنّهم في معنى الإخوان. وسئل عن الشعبي لم لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قال: لئلّا يصفوهنّ لأبنائهم. وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهنّ في التستّر.
( أَوْ نِسائِهِنَ ) يعني: المؤمنات، فإنّ الكافرات لا يتحرّجن عن وصفهنّ للرجال. فيكون الوصف كالنظر، إلّا إذا كنّ إماء، لعموم قوله:( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ ) أي: من الإماء خاصّة. فلا يجوز أن ينظر العبد إلى مولاته. وهو قول أكثر أصحابنا، وعليه الفتوى. وبه قال أبو حنيفة. حتّى إنّه قال: لا يحلّ إمساك الخصيان ولا استخدامهم وبيعهم وشراؤهم. وينبغي أن يحمل ذلك على بيعهم لأجل إدخالهم على النساء، لأنّ ما كان لأجل المحرّم فهو محرّم، كبيع العنب ليعمل خمرا.
( أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ) أي: غير أولي الحاجة إلى النساء.
وهم الشيوخ الهمّ(١) الّذين ليس لهم حاجة إلى النساء. وهو مرويّ عن الكاظمعليهالسلام .
وقيل: هم البله الّذين يتّبعون الناس لفضل طعامهم، ولا يعرفون شيئا من أمور النساء. وهو مرويّ عن الصادقعليهالسلام وابن عبّاس.
وقيل: منهم الممسوحون والمجبوبون والخصيان. والأصحّ أنّهم كالرجال الأجانب، للرواية.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر: غير بالنصب على الحال.
( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ) لعدم تمييزهم. من الظهور بمعنى الاطّلاع. أو لعدم بلوغهم حدّ الشهوة. من الظهور بمعنى الغلبة. فإذا بلغوا مبلغ الشهوة فحكمهم حكم الرجال. والطفل جنس وضع موضع الجمع، اكتفاء بدلالة الوصف.
روي عن قتادة: أنّ في الجاهليّة كانت المرأة تضرب برجلها لتسمع قعقعة(٢) الخلخال فيها، فنهاهنّ عن ذلك بقوله تعالى:( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ ) ليتقعقع خلخالها فيعلم أنّها ذات خلخال، فإنّ ذلك يورث ميلا إلى الرجال.
وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة، وأدلّ على المنع من رفع الصوت.
( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ) إذ لا يكاد يخلو أحد منكم من تفريط، سيّما في الكفّ عن الشهوات. والخطاب للمؤمنين والمؤمنات، فغلّب التذكير.
وقيل: توبوا ممّا كنتم تفعلونه في الجاهليّة، فإنّه وإن جبّ بالإسلام، لكن يجب الندم عليه والعزم على الكفّ عنه كلّما يتذكّر.
( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) تفوزون بسعادة الدارين. وقرأ ابن عامر: «أيّه المؤمنون» وفي الزخرف:( يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ) (٣) وفي الرحمن:( أَيُّهَ الثَّقَلانِ ) (٤) بضمّ الهاء في الوصل
__________________
(١) الهمّ: الشيخ الفاني.
(٢) أي: صوته.
(٣) الزخرف: ٤٩.
(٤) الرحمن: ٣١.
في الثلاثة. ووجهه: أنّها كانت مفتوحة، لوقوعها قبل الألف، فلمّا سقطت الألف لالتقاء الساكنين، اتبعت حركتها حركة ما قبلها. والباقون بفتحها. ووقف أبو عمرو الكسائي عليهنّ بالألف. ووقف الباقون بغير الألف.
وفي الحديث أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «أيّها الناس توبوا إلى ربّكم، فإنّي أتوب إلى الله في كلّ يوم مائة مرّة». أورده مسلم في الصحيح(١) . والمراد بتوبتهصلىاللهعليهوآلهوسلم الانقطاع إلى الله تعالى.
( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) )
ولـمّا نهى سبحانه عمّا عسى أن يفضي إلى السفاح المخلّ بالنصب، المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة، المؤدّية إلى بقاء النوع، بعد الزجر عنه مبالغة فيه، عقّبه بأمر النكاح الحافظ له، فقال خطابا للأولياء والسادة:( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) جمع الأيّم. مقلوب أيايم، كيتامى ويتايم. وهو العزب، ذكرا كان أو أنثى. يقال: آم وآمت وتأيّما إذا لم يتزوّجا، بكرين كانا أو ثيّبين. فالمعنى: زوّجوا من تأيّم منكم.
( وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ) أي: زوّجوا المستورين من عبيدكم وجواريكم. خصّص الصالحين لأنّ إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهمّ. وقيل: المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه. ولا يخفى أنّ هذين التفسيرين يوجبان التخصيص.
والأولى أنّه ترغيب في الصلاح، لأنّهم إذا علموا ذلك رغبوا في الصلاح. أو من باب
__________________
(١) صحيح مسلم ٤: ٢٠٧٥ ح ٤٢.
تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، فإنّ الفاسق إذا زوّج استغنى بالحلال عن الحرام.
وهذا الأمر للندب عندنا، للروايات المأثورة عن أئمّتناعليهمالسلام . وقد يكون للوجوب، خوفا من العنت. وفيه فضل كثير، وثواب جزيل. وورد فيه أخبار كثيرة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام . منها: «من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي، وهي النكاح».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من كان له ما يتزوّج فلم يتزوّج، فليس منّا».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا تزوّج أحدكم عجّ(١) شيطانه: يا ويله عصم ابن آدم منّي ثلثي دينه».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا عياض لا تزوّجنّ عجوزا ولا عاقرا، فإنّي مكاثر بكم».
وقالعليهالسلام : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنّه له وجاء»(٢) .
وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: لقيني ابن عبّاس في حجّة حجّها، فقال هل تزوّجت؟ قلت لا. قال: فتزوّج. قال: ولقيني في العام المقبل فقال: هل تزوّجت؟ قلت: لا. فقال: اذهب فتزوّج، فإنّ خير هذه الأمّة كان أكثرها نساء. يعني: النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن أبي هريرة قال: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد للقيت الله بزوجة، سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «شراركم عزّابكم».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما يمنع المرء أن يتّخذ أهلا؟ لعلّ الله يرزقه نسمة يثقل الأرض بـ: لا إله إلّا الله».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما بني في الإسلام أحبّ إلى اللهعزوجل من التزويج. ولركعتان يصلّيهما
__________________
(١) أي: صاح ورفع صوته.
(٢) الوجاء: رضّ البيضتين ودقّها، فهو كالخصاء. شبّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الصوم بوجاء البيضتين، لأنّه يكسر الشهوة.
متزوّج أفضل من رجل عزب يقوم ليله ويصوم نهاره».
وعن أبي امامة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «أربع لعنهم الله من فوق عرشه، وأمّنت عليه ملائكته: الّذي يحصر نفسه ولا يتزوّج ولا يتسرّى، لئلّا يولد له. والرجل يتشبّه بالنساء، وقد خلقه الله ذكرا. والمرأة تتشبّه بالرجال، وقد خلقها الله أنثى. ومضلّل الناس. يريد: الّذي يهزأ بهم. يقول للمسكين: هلمّ أعطك، فإذا جاء يقول: ليس معي شيء. ويقول للمكفوف: اتّق الدابّة، وليس بين يديه شيء. والرجل يسأل عن دار القوم، فيضلّله».
وعن الصادقعليهالسلام : «من ترك التزوّج مخافة العيلة فقد أساء الظنّ بربّهعزوجل ».
لقوله تعالى:( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ ) لا سعة لهم للتزويج( يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ردّ لـما عسى أن يمنع من النكاح، أي: لا يمنعنّ فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة، فإنّ في فضل الله غنية عن المال، فإنّه غاد ورائح.
أو وعد من الله تعالى بالإغناء عند التزويج، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «اطلبوا الغنى في هذه الآية».
لكنّه مشروط بالمشيئة، كقوله تعالى:( وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ) (١) . ويؤيّد هذا الشرط أنّ هذه قضيّة مهملة في قوّة الجزئيّة، أي: قد يكون إذا كانوا فقراء يغنهم الله، لا كلّما كانوا فقراء يغنهم الله. فلا يرد: كان فلان غنيّا فأفقره النكاح.
( وَاللهُ واسِعٌ ) ذو سعة، لا تنفد نعمته، إذ لا تنتهي قدرته( عَلِيمٌ ) يبسط الرزق ويقدر، على ما تقتضيه الحكمة.
( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) )
__________________
(١) التوبة: ٢٨.
ثمّ بيّن حكم من لا يجد أسباب النكاح من المهر والنفقة، فقال:( وَلْيَسْتَعْفِفِ ) وليجتهد في العفّة ومنع النفس، كأنّ المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه( الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً ) أسبابه. ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال، أو بالوجدان التمكّن منه.( حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) فيجدوا ما يتزوّجون به.
وفيه ترجية للمستعفّين، وتقدمة وعد بالتفضّل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم.
ولا يرد: لزوم التناقض بين هذه الآية والّتي قبلها، فإنّه أمر في الأولى بالتزويج مع الفقر، وفي الثانية أمر بالصبر عنه مع الفقر.
لأنّا نقول: إنّ الأولى وردت للنهي عن ردّ المؤمن لأجل فقره، وترك تزويج المرأة لأجل فقرها. والثانية وردت لأمر الفقير بالصبر على ترك النكاح حذرا من تعبه حالة الزواج. فلا تناقض حينئذ. على أنّا نقول: إنّهما مهملتان فلا تتناقضان.
وما أحسن ما رتّب هذه الأوامر! حيث أمر أوّلا بما يعصم من الفتنة، ويبعّد من مواقعة المعصية، وهو غضّ البصر. ثمّ بالنكاح الّذي يحصّن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام. ثمّ بالحمل على النفس الأمّارة بالسوء. ثمّ تزهيدها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه.
ثمّ أمر الموالي بكتابة عبادهم وإمائهم، الّتي يوجب الاستقلال بالزواج والاستبداد بالنكاح، فقال:( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ ) يطلبون المكاتبة، كالعتاب والمعاتبة. وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا إلى كذا. وإن قال: فإن عجزت فأنت رقّ، فهي مشروطة. وحكم الأولى أنّه يتحرّر منه بقدر ما يؤدّي. وحكم الثانية أنّه رقّ ما بقي عليه شيء واشتقاقه من الكتاب، لأنّ السيّد كتب على نفسه عتقه إذا أدّى، فإنّ معنى «كاتبتك» كتبت لك على نفسي أن تعتق منّي إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت عليّ العتق. أو لأنّه ممّا يكتب لتأجيله.
أو من الكتب بمعنى الجمع، لأنّ العوض فيه يكون منجّما بنجوم يضمّ بعضها إلى بعض غالبا.
( مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) عبدا كان أو أمة. والموصول بصلته مبتدأ خبره( فَكاتِبُوهُمْ ) كقولك: زيد فاضربه، أي: زيد مقول في حقّه: اضربه. أو منصوب بفعل يفسّره «فكاتبوهم». كقولك: زيدا فاضربه. ودخلت الفاء لتضمّن معنى الشرط. والأمر للندب عندنا وعند العامّة.( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) أمانة وقدرة على أداء مال الكتابة بالاكتساب. وقد روي مثله(١) مرفوعا. ولو لم يكن العبد أمينا ولا كسبوا فهي مباحة.
روي: أنّ عبد سلمان قال له: كاتبني؟ قال: ألك مال؟ قال: لا. قال: تطعمني أوساخ الناس، فأبى عليه.
وقيل: صلاحا في الدين، إذ الكافر لا خير فيه، ولأنّه يعطى من الزكاة، والكافر لا يعطى منها. ولا يرد: المؤلّف قلبه، إذ إعطاؤه لغرض التقوّي به على الجهاد. والمراد بالعلم هنا الظنّ المتاخم للعلم.
( وَآتُوهُمْ ) أيّها الموالي( مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ ) مال الزكاة الّذي فرض الله
__________________
(١) أي: ورد تفسير الخبر بالأمانة والقدرة على الأداء في خبر مرفوع.
عليكم، أو غيره، فإنّه يستحبّ للمولى إعانة المولّى عليه من مال نفسه وقيل: المراد: ضعوا عنهم شيئا من نجومهم. فقيل: الربع. وقيل: الثلث. وقيل: ليس بمقدّر.
وقال الفقهاء: السيّد إن وجب عليه الزكاة وجب عليه إعانته. وهذا قول أكثر أصحابنا. وقال بعضهم: يجب الإيتاء مطلقا. وبه قال الشافعي. وقيل: يستحبّ مطلقا. وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: هذا الأمر غير مختصّ بالموالي، بل عامّ لكافّة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة.
ومنشأ الأقوال من أصلين :
الأوّل: هل الأمر للوجوب أو الاستحباب؟ قيل: بالأوّل، لأنّه حقيقة فيه، كما قرّر في الأصول، وبه قال الأكثر. وقيل: بالثاني، لأصالة البراءة، ولأنّ أصل الكتابة ليس بواجب، فلا يجب تابعه.
الثاني: هل المراد بمال الله هو الزكاة، لأنّه المتبادر إلى الفهم، أو المال مطلقا، لأنّ الله تعالى هو المالك لجميع الأشياء، ونحن المنفقون؟ قيل: بالأوّل. وقيل: بالثاني.
واعلم أنّ من قال بوجوب الإعانة مطلقا قال: إنّ الأمر هنا للوجوب، وإنّ المال ليس هو الزكاة. ومن قال بالاستحباب مطلقا قال: إنّ الأمر للندب، والمال ليس هو الزكاة. ومن قال: إنّ المال هو الزكاة والأمر للوجوب، فذلك ظاهر. ومن قال: إنّ المال هو الزكاة وإنّ الأمر للندب، جعل تخصيص المكاتبة أولى، لأنّه إعانة له على فكّ رقبته.
والحقّ أنّ الأمر حقيقة في الوجوب، فيكون مشروطا بوجوب حصول المال، وهو الزكاة، لأنّ شرط الوجوب واجب. وأمّا إذا لم تجب الزكاة بوجه استحبّ الإعطاء، لأنّه تعاون على البرّ، فيدخل تحت قوله:( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ) (١) . ولأنّه فكّ
__________________
(١) المائدة: ٢.
رقبة، فيدخل تحت قوله:( فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) (١) .
وقيل: المراد أنّه يستحبّ للموالي الإنفاق على المكاتبين بعد أن يؤدّوا ويعتقوا.
وروي: أنّه كان لعبد الله بن أبيّ ستّ جوار: معاذة، ومسيكة، واميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، يكرههنّ على الزنا، وضرب عليهنّ الضرائب، فشكت معاذة ومسيكة إلى رسول الله، فنزلت:( وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ ) لا تجبروا إماءكم. جمع الفتاة، وهي الأمة.( عَلَى الْبِغاءِ ) على الزنا. وهو مصدر البغيّ.( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) تعفّفا.
واعلم أنّه لـمّا كان الإكراه على الزنا لا يمكن إلّا مع إرادة التحصّن، كان آمر الطيّعة المواتية للبغاء لا يسمّى مكرها، ولا أمره إكراها، فقيّد الأمر بالإكراه بإرادة التحصّن. فلا يرد: أن الشرطيّة منافية للمعنى المقصود، وهو النهي عن الإكراه على الزنا مطلقا.
وفي إيثار «إن» على «إذا» فائدة جليلة، وهي الإشارة إلى أنّهنّ راغبات في الزنا مائلات إلى البغاء. فكأنّه قيل لتوبيخهنّ وردعهنّ وتعييرهنّ: هؤلاء الفتيات مائلات إلى الفجور، راغبات إلى الفواحش، فإن كان في بعضهنّ إرادة التحصّن ـ وذلك نادر شاذّ ـ فلا تكرهوهنّ على البغاء.
( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَ ) ومن يجبرهنّ على الزنا من سادتهنّ( فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ ) لهنّ لا للمكره، لأنّ الوزر عليه لا عليهنّ( رَحِيمٌ ) بهنّ، فإنّ الإكراه رافع للإثم، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رفع عن أمّتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
وفي ذكر المغفرة هاهنا، وهي في الأصل تكون فرعا على وجود الذنب، مبالغة في تعظيم حوب(٢) البغاء، حتّى كان المكرهات أيضا لا تخلو عن التبعات. ويجوز أن يكون الإكراه دون ما اعتبرته الشريعة، من الإكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب
__________________
(١) البلد: ١٣ ـ ١٤.
(٢) الحوب والحوب: الإثم.
العضو، من ضرب عنيف أو غيره، حتّى يسلمن من الإثم، فربما قصرن عن الحدّ الّذي يعذرن، فيكنّ آثمات.
وقيل: المراد إنّ الله غفور للمكرهين إنّ تابوا، وإلّا على وجه التفضّل. والأوّل أوفق للظاهر.
( وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ) يعني: الآيات الّتي بيّنت في هذه السورة، وأوضحت فيها الأحكام والحدود. وقرأ ابن عامر وحفص هنا وفي الطلاق(١) بالكسر، من: بيّن بمعنى: تبيّن، لأنّها واضحات تصدّقها الكتب المتقدّمة والعقول السليمة. أو من: بيّن المتعدّي، لأنّها بيّنت الأحكام والحدود. جعل الفعل لها على المجاز.
( وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) ومثلا من أمثال من قبلكم، أي: قصّة عجيبة مثل قصصهم. وهي قصّة عائشة، فإنّها كقصّة يوسف ومريم.
( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) وما وعظ به في تلك الآيات لأهل التقوى، من قوله:( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ ) (٢) .( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ) (٣) .( يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً ) (٤) . وتخصيص المتّقين لأنّهم المنتفعون بها.
وقيل: المراد بالآيات القرآن، والصفات المذكورة صفاته.
( اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ
__________________
(١) الطلاق: ١١.
(٢) النور: ٢، ١٢، ١٧.
(٣) النور: ٢، ١٢، ١٧.
(٤) النور: ٢، ١٢، ١٧.
اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) ) ولـمّا بيّن تعالى وجوه المنافع والمصالح وعلم الشرائع فيما سبق، بيّن بعده أنّ منافع أهل السماوات والأرض منه، فقال:( اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: ذو نورهما. أو منوّرهما لوجوه انتفاع العباد بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، أو بالملائكة والأنبياء، فإنّ النور في الأصل كيفيّة تدركها الباصرة أوّلا، وبواسطتها سائر المبصرات، كالكيفيّة الفائضة من النيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما. وهو بهذا المعنى لا يصحّ إطلاقه على الله تعالى إلّا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم وجود. أو على تجوّز، إمّا بمعنى: منوّر السموات والأرض. أو مدبّرهما. من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، لأنّهم يهتدون به في الأمور. أو موجدهما، فإنّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره. وأصل الظهور هو الوجود، كما أنّ أصل الخفاء هو العدم. والله سبحانه موجود بذاته موجد لـما عداه.
أو الّذي به تدرك أو يدرك أهل السماوات والأرض، من حيث إنّه يطلق على الباصرة، لتعلّقها به، أو لمشاركتها له في توقّف الإدراك عليه، ثمّ على البصيرة، لأنّها أقوى إدراكا، فإنّها تدرك نفسها وغيرها من الكلّيّات والجزئيّات، الموجودات
والمعدومات، وتغوص في بواطنها، وتتصرّف فيها بالتركيب والتحليل. وهذه الإدراكات ليست لذاتها، وإلّا لـما فارقتها، فهي إذن من سبب يفيضها عليها، وهو الله سبحانه ابتداء، أو بتوسّط من الملائكة والأنبياء، ولذلك سمّوا أنوارا.
ويقرب منه قول ابن عبّاس: معناه: هادي من فيها إلى ما فيه مصالحهم، كالنور الّذي به يهتدى إلى المطلوب، فهم بنوره يهتدون. وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه، أو لاشتمالهما على الأنوار الحسّيّة والعقليّة.
وقيل: الله مزيّن السماوات بالملائكة، ومزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أن معناه: «إنّ الله سبحانه نشر الحقّ في السماوات والأرض حتى يستضيئا بنور الحقّ، فأضاءت بنوره، أو نوّر قلوب أهلها به».
وقال صاحب التبيان(١) : معناه: الله مدلول السماوات والأرض، فإنّ كلّ شيء من بدائعه وصنائعه يدلّ دلالة واضحة على وجوب وجوده وعلمه وحكمته.
ففي كلّ شيء له آية |
تدلّ على أنّه واحد |
وإضافة النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين: إمّا لأنّ المراد أهلهما، وأنّهم يستضيئون بنوره. وإمّا للدلالة على عموم إضاءته، وشيوع إشراقه.
( مَثَلُ نُورِهِ ) صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والإشراق، وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أنّ إطلاق النور عليه لم يكن على ظاهره.
( كَمِشْكاةٍ ) كصفة مشكاة. وهي الكوّة في الجدار غير النافذة. وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإمالة.( فِيها مِصْباحٌ ) سراج ضخم ثاقب. وقيل: المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل. والمصباح: الفتيلة المشتعلة.
( الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) في قنديل من الزجاج. وفائدة اختصاص الزجاجة بالذكر أنّه أصفى الجواهر، فالمصباح فيه أضوأ.
__________________
(١) لم نجده فيه.
( الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ ) مضيء متلألئ، كالزهرة والمشتري والمرّيخ وسهيل ـ ونحوها من الكواكب المشهورة ـ في مزيد صفائه وزهرته. منسوب إلى الدرّ، لفرط ابيضاضه ونوره ونقائه. أو فعيل، كمريق(١) ، من الدرء، فإنّه يدفع الظلام بضوئه ولمعانه، إلّا أنّه قلبت همزته ياء. ويدلّ عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل. وقرأ أبو عمرو والكسائي: درّيء، كشرّيب.
( يُوقَدُ ) هذا المصباح( مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) أي: ابتداء توقّد المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه، بأن رويت ذبالته(٢) بزيتها. وفي إيهام الشجرة، ووصفها بالبركة، ثمّ إبدال الزيتونة عنها، تفخيم لشأنها. وقيل: بارك فيها سبعون نبيّا منهم إبراهيمعليهالسلام . وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون، فتداووا به، فإنّه مصحّة من الباسور»(٣) .
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: توقد بالتأنيث، على أنّ الفاعل الزجاجة أو المشكاة. والباقون بالتذكير على حذف المضاف، إلّا أنّ أبا عمرو وابن كثير قرءا: توقّد على وزن تفعّل، والفاعل المصباح على القراءتين.
( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) أي: ليست من شجرة تطلع عليها الشمس في وقت شروقها وغروبها فقط، بل تقع عليها طول النهار، كالّتي تكون على قلّة أو صحراء واسعة، فإنّ ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى. أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها، بل في وسطها وهو الشام، فإنّ زيتونه أجود الزيتون. أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها، أو في مفيأة(٤) تغيب عنها دائما فتتركها نيئا، بل الظلّ والشمس يتناوبان
__________________
(١) المريق: العصفر. وهع صبغ أصفر اللون.
(٢) الذبالة: الفتيلة.
(٣) الباسور: علّة في المقعدة يسبّبها تمدّد عروق المقعدة، ويحدث فيها نزف دم. وجمعه بواسير.
(٤) المفيأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس.
عليها، وذلك أجود لكمامها، وأصفى لدهنها. وفي الحديث: «لا خير في شجرة ولا نبات في مفيأة، ولا خير فيهما في مضحى».
( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ) تصبه أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار، لتلألئه وفرط وبيصه(١) ( نُورٌ عَلى نُورٍ ) نور متضاعف، فإنّ نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعّته، فتناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتّى لم تبق ممّا يقوّي النور ويزيده إشراقا ويمدّه بإضاءة بقيّة. وذلك أنّ المصباح إذا كان في مكان متضائق كالمشكاة، كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع، فإنّ الضوء ينبثّ فيه وينتشر، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه.
وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه :الأوّل: أنّه تمثيل للهدى الّذي دلّ عليه الآيات المبيّنات، في جلاء مدلولها وظهور ما تضمّنته من الهدى، بالمشكاة المنعوتة.
والثاني: تشبيه للهدى، من حيث إنّه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم، بالمصباح. وإنّما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه.
والثالث: تمثيل لـما نوّر الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبثّ فيها من مصباحها. ويؤيّده قراءة أبيّ: مثل نور المؤمن.
يعني: النور مثل ضربه الله للمؤمن. فالمشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح الإيمان، والقرآن في قلبه يوقد من شجرة مباركة، هي الإخلاص لله وحده لا شريك له.
فهي خضراء ناعمة، كشجرة التفّ بها الشجر، فلا يصيبها إحراق الشمس وآفتها وأذيّتها على أيّ حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت. وكذلك المؤمن قد احترز من أن يصيبه شيء من الفتر(٢) . فهو بين أربع خلل: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم
__________________
(١) الوبيص: البريق واللمعان.
(٢) الفتر: الضعف والفتور.
عدل، وإن قال صدق. فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ يمشي بين القبور. نور على نور، كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى الجنّة نور إلى يوم القيامة.
والرابع: أنّه مثّل القرآن في قلب المؤمن. فكما أنّ هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ويعمل به. فالمصباح هو القرآن، والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي:( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ) يكاد حجج القرآن تتّضح وإن لم تقرأ. وقيل: يكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن تفكّر فيها وتدبّرها ولو لم ينزل القرآن.( نُورٌ عَلى نُورٍ ) يعني: أنّ القرآن نور مع سائر الأدلّة قبله، فازدادوا به نورا على نور.
والخامس: أنّه تمثيل للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته، لـما روي عن الرضاعليهالسلام أنّه قال: «نحن المشكاة فيها، والمصباح محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يهدي الله لولايتنا من أحبّ».
وفي كتاب التوحيد لأبي جعفر بن بابويه بالإسناد عن عيسى بن راشد، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام في قوله:( كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ) قال: «نور العلم إلى صدر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .( الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ) الزجاجة صدر عليّعليهالسلام صار علم النبيّ إلى صدر عليّعليهالسلام ، علّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّا.( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) قال: نور العلم.( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: لا يهوديّة ولا نصرانيّة.( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ) قال: يكاد العالم من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم يتكلّم بالعلم قبل أن يسأل.( نُورٌ عَلى نُورٍ ) إمام مؤيّد بنور العلم والحكمة في أثر إمام من آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة»(١) .
فهؤلاء الأوصياء الّذين جعلهم الله خلفاء في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخلو
__________________
(١) التوحيد: ١٥٨.
الأرض في كلّ عصر من واحد منهم.
وتحقيق هذه الجملة يقتضي أنّ الشجرة المباركة المذكورة هي دوحة التقى والرضوان، وعترة الهدى والإيمان، شجرة أصلها النبوّة، وفرعها الإمامة، وأغصانها التنزيل، وأوراقها التأويل، وخدمها جبرائيل وميكائيل.
والسادس: أنّ عند أكثر المفسّرين أنّ النور الّذي أضافه الله سبحانه إلى نفسه وما شبّهه به نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم . فكأنّه قال: الله منوّر السماوات والأرض بنور وجود محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبدنه الأطهر كالمشكاة، وقلبه المصباح، والزجاجة صدره، ثمّ شبّهه بالكوكب الدرّيّ.
ثمّ رجع إلى قلبه المشبّه بالمصباح، فقال: يوقد هذا المصباح من شجرة مباركة يعني: إبراهيمعليهالسلام ، لأنّ أكثر الأنبياءعليهمالسلام من صلبه. وشجرة الوحي لا شرقيّة ولا غربيّة، أي: لا نصرانيّة ولا يهوديّة، لأنّ النصارى تصلّي إلى الشرق، واليهود إلى الغرب. يكاد أعلام نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم تتبيّن للناس قبل أن يتكلّم وترى معجزته، كما أنّ ذلك الزيت يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
السابع: أنّ المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما سمّي سراجا منيرا في موضع آخر(١) .( مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) إبراهيم، لأنّ أكثر الأنبياء من صلبه.( يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ) أي: يكاد محاسن محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم تظهر قبل أن يوحى إليه.( نُورٌ عَلى نُورٍ ) أي: نبيّ من نسل نبيّ.
والثامن: أنّ المشكاة عبد المطلّب، والزجاجة عبد الله، والمصباح هو النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) بل مكّيّة، لأنّ مكّة وسط الدنيا.( نُورٌ عَلى نُورٍ ) مبالغة في كثرة الأشعّة والأنوار الإلهيّة في ذاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والتاسع: تمثيل لـما منح الله تعالى به عباده من القوى الدرّاكة الخمس المترتبّة ،
__________________
(١) الأحزاب: ٤٦.
الّتي منوط بها المعاش والمعاد. وهي: الحسّاسة الّتي تدرك بها المحسوسات بالحواسّ الخمس. والخياليّة الّتي تحفظ صور تلك المحسوسات، لتعرضها على القوّة العقليّة متى شاءت. والعاقلة الّتي تدرك الحقائق الكلّيّة. والمفكّرة الّتي تؤلّف المعقولات لتستنتج منها ما لم تعلم. والقوّة القدسيّة الّتي تتجلّى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، المختصّة بالأنبياء والأولياء، المعنيّة بقوله:( وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) (١) .
بالأشياء(٢) الخمسة المذكورة في الآية، وهي: المشكاة، والزجاجة، والمصباح، والشجرة، والزيت. فإنّ الحاسّة كالمشكاة، لأنّ محلّها كالكوى، ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها، وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات. والخياليّة كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب، وضبطها للأنوار العقليّة، وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات. والعاقلة كالمصباح، لإضاءتها بالإدراكات الكلّيّة، والمعارف الإلهيّة.
والمفكّرة كالشجرة المباركة، لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها، الزيتونة المثمرة بالزيت الّذي هو مادّة المصابيح، الّتي لا تكون شرقيّة ولا غربيّة، لتجرّدها عن اللواحق الجسمانيّة، أو لوقوعها بين الصور والمعاني، متصرّفة في القبيلين، منتفعة من الجانبين.
والقوّة القدسيّة كالزيت، فإنّها لصفائها وشدّة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكّر ولا تعلّم.
والعاشر: تمثيل للقوّة العقليّة في مراتبها بذلك، فإنّها في بدء أمرها خالية عن العلوم، مستعدّة لقبولها كالمشكاة. ثمّ تنتقش بالعلوم الضروريّة بتوسّط إحساس الجزئيّات، بحيث تتمكّن من تحصيل النظريّات، فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها
__________________
(١) الشورى: ٥٢.
(٢) متعلّق بقوله: تمثيل لـما منح ...، في أوّل الفقرة السابقة. وضعناه في فقرة مستقلّة، لتسهيل الأمر على المطالع.
قابلة للأنوار. وذلك التمكّن إن كان بفكر واجتهاد فهو كالشجرة الزيتونة. وإن كان بالحدس فكالزيت. وإن كان بقوّة قدسيّة فكالّتي يكاد زيتها يضيء، لأنّها تكاد تعلم، ولو لم تتّصل بملك الوحي والإلهام الّذي مثله النار، من حيث إنّ العقول تشتعل عنه. ثمّ إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكّن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح، فإذا استحضرتها كانت نورا على نور.
( يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ ) يوفّق لهذا النور الثاقب الباهر الغالب( مَنْ يَشاءُ ) من الّذين يتدبّرون فيه، وينظرون بعيون عقولهم، وينصفون من أنفسهم، ولم يذهبوا عن الجادّة الموصلة إليه يمينا وشمالا، لا الّذين لم يتدبّروا فيه، بل يعاندونه، فإنّهم لا يستحقّون التوفيق واللطف، بل يستوجبون الخذلان والتخلية، فإنّهم كالعمي الّذين سواء عليهم جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس.
( وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ ) تقريبا للمعقول من المحسوس، توضيحا وبيانا( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) معقولا كان أو محسوسا، ظاهرا كان أو خفيّا. وفيه وعد ووعيد لمن تدبّرها، ولمن لم يكترث بها.
( فِي بُيُوتٍ ) متعلّق بما قبله، أي: كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بعض بيوت. فيكون تقييدا للممثّل به بما يكون تحبيرا(١) ومبالغة فيه، فإنّ قناديل المساجد تكون أعظم.
والبيوت هي المساجد، لأنّ الصفة الآتية تلائمها. وقيل: المساجد الثلاثة(٢) .
والتنكير للتعظيم. ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة، إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة وكثرة.
__________________
(١) تحبير الكلام: تحسينه وتزيينه.
(٢) هي: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: المراد بيوت الأنبياء. وروي ذلك مرفوعا. وهو أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا قرأ هذه الآية سئل أيّ بيوت هذه؟ «فقال: بيوت الأنبياء. فقال أبو بكر: يا رسول الله هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت عليّعليهالسلام وفاطمة. فقال: نعم منها وأفضلها».
أو متعلّق بما بعده، وهو «يسبّح». وفيها تكرير، كما يقال: زيد في الدار جالس فيها. ولا يجوز أن يكون «في بيوت» معمول «يذكر» لأنّ ما بعد «أن» لا يعمل فيما قبله. أو بمحذوف، مثل: سبّحوا في بيوت.
( أَذِنَ اللهُ ) أي: أمر الله( أَنْ تُرْفَعَ ) بالبناء، كقوله:( رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ) (١) .
وقوله:( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ ) (٢) فإنّ الرفع هنا بمعنى البناء. وعن ابن عبّاس: هي المساجد، أمر الله أن تبنى. أو المراد تعظيمها، والرفع من قدرها، كما روي عن الحسن: ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم. وقوله:( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) أوفق له. وهو عامّ في كلّ ما يتضمّن ذكره، حتّى المذاكرة في أفعاله، والمباحثة في أحكامه. وعن ابن عبّاس: معناه أن يتلى فيها كتابه.
( يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ* رِجالٌ ) ينزّهونه، أي: يصلّون له فيها بالغدوات والعشيّات. والغدوّ مصدر أطلق للوقت، ولهذا حسن اقترانه بالآصال. وهو جمع أصيل، وهو العشيّ. وقرأ أبو بكر وابن عامر: يسبّح بالفتح، على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: له، فيها، بالغدوّ. ورفع رجال بما يدلّ عليه «يسبّح». كأنّه قيل: من يسبّح؟ فقيل: رجال، أي: يسبّح له رجال.
( لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ) لا تشغلهم معاملة رابحة( وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) مبالغة بالتعميم بعد التخصيص، إن أريد به مطلق المعاوضة، أو بإفراد ما هو الأهمّ من قسمي التجارة، فإنّ الربح يتحقّق بالبيع ويتوقّع بالشراء. وقيل: المراد بالتجارة الشراء، فإنّه
__________________
(١) النازعات: ٢٨.
(٢) البقرة: ١٢٧.
أصلها ومبدؤها. وقيل: الجلب، لأنّه الغالب فيها، ومنه يقال: تجر في كذا إذا جلبه. وفيه إيماء بأنّهم تجّار.
( وَإِقامِ الصَّلاةِ ) عوّض فيه الإضافة من التاء، المعوّضة عن العين، الساقطة بالإعلال( وَإِيتاءِ الزَّكاةِ ) ما يجب إخراجه من المال للمستحقّين.
( يَخافُونَ يَوْماً ) يعني: يوم القيامة مع ما هم عليه من الذكر والطاعة( تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ) تضطرب وتتغيّر من الهول والفزع وتشخص، كقوله:( وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ) (١) . أو تتقلّب أحوالها، فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصر. أو تتقلّب القلوب من توقّع النجاة وخوف الهلاك، والأبصار من أيّ ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم. وقيل: تتقلّب القلوب ببلوغها الحناجر، والأبصار بالعمى بعد الإبصار.
( لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ ) متعلّق بـ «يسبّح» أو «لا تلهيهم» أو «يخافون»( أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنّة( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم، ولم تخطر ببالهم.
ثمّ قرّر الزيادة، ونبّه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان، فقال:( وَاللهُ يَرْزُقُ ) يعطي( مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) بغير مجازاة على عمل، بل تفضّلا منه سبحانه، فإنّ الثواب لا يكون إلّا بحساب، لكونه على حسب الاستحقاق، والتفضّل يكون بغير حساب.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) )
__________________
(١) الأحزاب: ١٠.
وبعد ذكر حال المؤمنين الأبرار، بيّن حال الكافرين الفجّار، فقال:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ) أي: والّذين كفروا حالهم على ضدّ حال الّذين آمنوا، فإنّ أعمالهم الّتي يحسبونها صالحة نافعة عند الله منجية لهم، يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب، وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة، فيظنّ أنّه ماء يسرب، أي: يجري. والقيعة بمعنى القاع. وهو الأرض المستوية. وقيل: جمع القاع، كجار وجيرة.
( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ) أي: العطشان. وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدّة الخيبة عند الحاجة إليه.( حَتَّى إِذا جاءَهُ ) إذا انتهى إلى ما توهّمه ماء أو موضعه( لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ) ممّا يظنّه ويرتجيه( وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ) عند عمله فجازاه على كفره. أو وجد زبانيته يأخذونه، فيعتلونه(١) إلى جهنّم، فيسقونه الحميم والغسّاق. وهم الّذين قال الله فيهم:( عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ) (٢) .( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) (٣) .( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) (٤) .
( فَوَفَّاهُ ) الله( حِسابَهُ ) استعراضا أو مجازاة( وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ) لا
__________________
(١) عتله أي: جذبه وجرّه عنيفا. يقال: عتله إلى السجن، أي: دفعه بعنف.
(٢) الغاشية: ٣.
(٣) الكهف: ١٠٤.
(٤) الفرقان: ٢٣.
يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الجميع على أفعالهم في حالة واحدة. وسئل أمير المؤمنينعليهالسلام : كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ فقال: «كما يرزقهم في حالة واحدة».
ثمّ ذكر مثلا آخر لأعمال الكفّار، فقال عطفا على «كسراب»:( أَوْ كَظُلُماتٍ ) و «أو» للتخيير، فإنّ أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحقّ كالظلمات المتراكمة( فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ ) عميق كثير الماء. منسوب إلى اللجّ، وهو معظم ماء البحر.
( يَغْشاهُ ) يغشى البحر. يعني: يعلو ذلك البحر.( مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ) أي: أمواج مترادفة متراكمة( مِنْ فَوْقِهِ ) من فوق الموج الثاني( سَحابٌ ) غطّى النجوم وحجب أنوارها. والجملة صفة اخرى للبحر. فالظلمات: ظلمة من لجّ البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب.
ويحتمل أن تكون «أو» للتنويع، فإنّ أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات. أو للتقسيم باعتبار وقتين، فإنّها كالظلمات في الدنيا، وكالسراب في الآخرة.
( ظُلُماتٌ ) أي: هذه ظلمات( بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ) . وقرأ ابن كثير: ظلمات بالجرّ، على إبدالها من الأولى، أو بإضافة السحاب إليها في رواية البزّيّ.
( إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ ) الّتي هي أقرب ما يرى إليه. والضمير للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره، لدلالة المعنى عليه. وكذا الضميران في قوله:( لَمْ يَكَدْ يَراها ) أي: لم يقرب أن يراها، فضلا أن يراها. وهذا مبالغة في عدم رؤية اليد، كقوله(١) :
إذا غيّر النأي المحبّين لم يكد |
رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح |
__________________
(١) لذي الرمّة. وميّة اسم محبوبته. والنأي: البعد. والمعنى: إن العشّاق إذا ابتعدوا عن محبوبهم زالت محبّته عنهم، وأما أنا فلا يزول حبّها عن قلبي. ورسيس الحبّ والهوى: بقيّته وأثره.
وخلاصة المعنى: أنّ الكافر كمن في هذه الظلمات، لأنّه من عمله وكلامه واعتقاده متقلّب في ظلمات متراكمة.
وروي عن أبيّ أنّه قال: الكافر يتقلّب في خمس ظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى ظلمة، وهي النار.
ثمّ قال:( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً ) ومن لم يولّه نور توفيقه وعصمته ولطفه.
يعني: لم يوفّقه لأسباب الهداية في ظلمة الباطل، لفرط عناده، وتوغّله في عتوّه وتمرّده.
( فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ) بخلاف الموفّق الّذي له نور على نور.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) )
ثمّ ذكر سبحانه الآيات الّتي جعلها نورا للعقلاء العارفين بالله وصفاته، فقال:( أَلَمْ تَرَ ) الخطاب للنبيّ، والمراد به جميع المكلّفين. و «رأى» بمعنى: علم، أي: ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال( أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ ) ينزّه ذاته عن كلّ نقص وآفة( مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: أهلهما. وإيراد «من» لتغليب العقلاء. أو المراد الملائكة والثقلان بما يدلّ عليه من المقال أو دلالة حال.
( وَالطَّيْرُ ) عطف على «من». تخصيص لـما فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر، ولذلك قيّدها بقوله:( صَافَّاتٍ ) فإنّ إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجوّ صافّة ـ أي: باسطة ـ أجنحتها بما فيها من القبض والبسط، حجّة قاطعة على كمال قدرة الصانع ولطف تدبيره.
( كُلٌ ) كلّ واحد ممّا ذكر، أو من الطير( قَدْ عَلِمَ ) أي: علم الله( صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) دعاءه وتنزيهه اختيارا أو طبعا، لقوله:( وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ) أو علم كلّ دعاء نفسه وصلاة نفسه، على تشبيه حاله في الدلالة على الحقّ والميل إلى النفع، على وجه يخصّه، بحال من علم ذلك. مع أنّه لا يبعد أن يلهم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحا، كما ألهمها علوما دقيقة في أسباب تعيّشها، لا يكاد يهتدي إليها العقلاء.
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فإنّه الخالق لهما، ولما فيهما من الذوات والصفات والأفعال، من حيث إنّها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب( وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) مرجع الجميع.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ) يسوقه سوقا رفيقا إلى حيث يريد. ومنه البضاعة المزجاة الّتي يزجيها كلّ أحد لا يرضاها. والسحاب يكون واحدا كالعماء، وجمعا ،
كالرباب جمع ربابة، بمعنى السحاب الأبيض.( ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ) بأن يكون قطعا رقيقة فيضمّ بعضها إلى بعض، فيجعل القطع المتفرّقة منه قطعة واحدة. وبهذا الاعتبار صحّ «بينه» وهو واحد، إذ المعنى: بين أجزائه. وقرأ نافع برواية ورش: يولّف غير مهموز.
( ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً ) متراكما متراكبا بعضه فوق بعض( فَتَرَى الْوَدْقَ ) المطر( يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) من فتوقه ومخارجه. جمع خلل، كجبال جمع جبل.
( وَيُنَزِّلُ ) مبتدأ( مِنَ السَّماءِ ) أي: من الغمام، فإنّ كلّ ما علاك فهو سماء( مِنْ جِبالٍ فِيها ) بعضها من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها، كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب( مِنْ بَرَدٍ ) بيان للجبال. الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة للتبيين.
ويجوز أن تكون الأوليان للابتداء، والأخيرة للتبعيض، واقعة موقع المفعول.
وعلى الأوّل مفعول «ينزّل»: «من جبال». وعلى الثاني محذوف، أي: ينزّل البرد مبتدأ من السماء من جبال فيها من برد.
وقيل: المراد أنّ الله يخلق في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر، فينزّلها بقدر ما يشاء.
والمشهور بين أرباب العلوم العقليّة أنّ الأبخرة إذا تصاعدت، ولم تحلّلها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابا. فإن لم يشتدّ البرد تقاطر مطرا. وإن اشتدّ، فإن وصل إلى الأجزاء البخاريّة قبل اجتماعها نزل ثلجا، وإلّا نزل بردا. وقد يبرد الهواء بردا مفرطا، فينقبض وينعقد سحابا، وينزل منه المطر أو الثلج. وكلّ ذلك لا بدّ وأن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم، لقيام الدليل على أنّها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالّها وأوقاتها. وإليه أشار بقوله:( فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ ) فيهلك زرعه وماله( وَيَصْرِفُهُ ) ويصرف ضرره( عَنْ مَنْ يَشاءُ ) فيكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة.
( يَكادُ سَنا بَرْقِهِ ) يقرب ضوء برقه( يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ) بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة وشدّة اللمعان. وذلك أقوى دليل على كمال قدرته، من حيث إنّه توليد للضدّ من الضدّ.
( يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) يصرفهما بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحرّ والبرد والظلمة والنور، أو بما يعمّ ذلك.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) فيما تقدّم ذكره من تسبيح من في السماوات والأرض، وكلّ ما يطير بين السماء والأرض، ودعائهم له، وابتهالهم إليه. وأنّه سخّر السحاب التسخير الّذي وصفه، وما يحدث فيه من أفعاله، حتّى ينزل المطر منه. وأنّه يقسّم رحمته بين خلقه، ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته. ويريهم البرق في السحاب الّذي يكاد يخطف أبصارهم ليحذروا، وليتنبّهوا ويمتثلوا أمره. وأنّه يعاقب بين الليل والنهار، ويخالف بينهما بالطول والقصر.
( لَعِبْرَةً ) لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، ونفاذ مشيئته، وتنزّهه عن الحاجة وما يفضي إليها( لِأُولِي الْأَبْصارِ ) لذوي البصائر والعقول، أي: لمن يرجع إلى بصيرة، فنظر وفكّر، وتبصّر وتدبّر.
( وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ ) حيوان يدبّ على الأرض. وقرأ حمزة والكسائي: خالق كلّ دابّة، بالإضافة.( مِنْ ماءٍ ) هو جزء مادّته. أو ماء مخصوص هو النطفة، فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكلّ، إذ من الحيوانات ما يتولّد لا عن النطفة.
وقيل: «من ماء» متعلّق بـ «دابّة» وليس صلة لـ «خلق».
وتنكير الماء ليدلّ على أنّه خلق كلّ دابّة من نوع من الماء مختصّ بتلك الدابّة. أو خلقها من ماء مخصوص، وهو النطفة. ولـمّا كان اسم الدابّة موقعا على المميّز وغير المميّز، غلّب المميّز، فأعطى ما وراءه حكمه، كأنّ الدوابّ كلّهم مميّزون.
( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ) كالحيّة والدود. فذكر «من» وذكّر الضمير
للتغليب. وكذا سمّي الزحف مشيا على الاستعارة، كما يقال: فلان لا يتمشّى أمره. أو للمشاكلة، لأنّه ذكر مع الماشين.
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ) كالإنس والطير( وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ) كالنعم والوحش. ويندرج فيه ماله أكثر من أربع، كالعناكب، فإنّ اعتمادها إذا مشت على أربع. وذكر الأجناس الثلاثة على الترتيب المذكور، لتقديم ما هو أعرف في القدرة.
( يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ ) ممّا ذكر وممّا لم يذكر، من الحيوان وغيره، بسيطا ومركّبا، على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال، مع اتّحاد العنصر بمقتضى مشيئته( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فيفعل ما يشاء.
( لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ ) للحقائق بأنواع الدلائل( وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) بالتوفيق للنظر فيها، والتدبّر لمعانيها( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) هو دين الإسلام، الموصل إلى درك الحقّ والفوز بالجنّة.
( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) )
روي: أنّ بشر المنافق خاصم يهوديّا في أرض، فجعل اليهوديّ يجرّه إلى رسول
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمنافق يدعوه إلى كعب بن الأشرف ويقول: إنّ محمّدا يحيف علينا.
وحكى البلخي أنّه كانت بين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وعثمان منازعة في أرض اشتراها من عليّعليهالسلام ، فخرجت فيها أحجار، وأراد ردّها بالعيب فلم يأخذها. فقال: بيني وبينك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمّه حكم له، فلا تحاكمه إليه. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام .
وفي رواية اخرى: أنّ المغيرة بن وائل كان بينه وبين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام خصومة في ماء وأرض، فقال المغيرة: أمّا محمّد فلست آتية، ولا أحاكم إليه، فإنّه يبغضني، وأنا أخاف أن يحيف عليّ. فنزلت :( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ )
صدّقنا بتوحيد الله( وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ) فيما حكما( ثُمَّ يَتَوَلَّى ) يعرض عن طاعتهما بالامتناع عن قبول حكمه( فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) بعد قولهم: آمنّا( وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) إشارة إلى جميع القائلين. فيكون إعلاما من الله بأنّ جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم يؤمنوا بقلوبهم، لا الفريق المتولّي وحده.
أو إلى الفريق منهم. وسلب الإيمان عنهم لتولّيهم.
والتعريف فيه للدلالة على أنّهم ليسوا بالمؤمنين الّذين عرفتهم. وهم المخلصون في الإيمان، الثابتون عليه، الموصوفون في قوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ) (١) .
وفي هذا إشارة إلى أنّ القول المجرّة لا يكون إيمانا، إذ لو كان كذلك لـما صحّ النفي بعد الإثبات.
( وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ) أي: ليحكم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد: أعجبني كرم زيد، فإنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحاكم ظاهرا والمدعوّ إليه.
وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه في الحقيقة حكم الله.
__________________
(١) الحجرات: ١٥.
( إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ) فاجأه فريق منهم الإعراض عمّا يدعون إليه، إذا كان الحقّ عليهم، لعلمهم بأنّك لا تحكم لهم. وهو بيان للتولّي، ومبالغة فيه.
( وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُ ) أي: الحكم، لا عليهم( يَأْتُوا إِلَيْهِ ) إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مُذْعِنِينَ ) . و «إليه» إمّا صلة لـ «يأتوا» لأنّ «أتى» و «جاء» قد جاءا معدّيين بـ «إلى». أو يتّصل بـ «مذعنين» لأنّه في معنى: مسرعين في الطاعة. وهذا أحسن، لتقدّم صلته ودلالته على الاختصاص.
والمعنى: أنّهم لمعرفتهم أنّه ليس معك إلّا الحقّ المرّ والعدل البحت، يزورّون(١) عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحقّ، لئلّا تنتزع الحقّ من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم. وإن ثبت لهم حقّ على خصم أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلّا بحكومتك، لتأخذ لهم ما كان لهم في ذمّة الخصم.
ثمّ قسّم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحقّ عليهم، بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوّته، أو خائفين الحيف في قضائه، فقال:( أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) كفر، أو ميل إلى الظلم؟( أَمِ ارْتابُوا ) بأن رأوا منك تهمة، فزالت ثقتهم ويقينهم بك؟( أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ) في الحكومة؟
ثمّ أبطل ارتيابهم وخوفهم حيفه، فقال إضرابا عن هذين القسمين لتحقيق القسم الأوّل:( بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) أي: لا يخافون أن يحيف عليهم، لمعرفتهم بحاله.
وإنّما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحقّ عليهم، ويتمّ لهم جحوده، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فمن ثمّ يأبون المحاكمة إليه.
ووجه التقسيم في الآية: أنّ امتناعهم إمّا لخلل فيهم، أو في الحاكم. والثاني إمّا أن يكون محقّقا عندهم، أو متوقّعا. وكلاهما باطل، لأنّ منصب نبوّته وفرط أمانته يمنعه، فتعيّن الأوّل. وظلمهم يعمّ خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل، لنفي ذلك
__________________
(١) ازورّ عنه: عدل وانحرف.
عن غيرهم، سيّما المدعوّ إلى حكمه.
( إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) )
ولـمّا كان من عادة الله أن يتبع ذكر المحقّ المبطل، وأن ينبّه على ما ينبغي بعد إنكاره لـما لا ينبغي، مدح المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وذمّ الكافرين الراسخين في كفرهم، فقال:( إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا ) قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( وَأَطَعْنا ) أمره، وإن كان فيما يضرّهم. وعن أبي جعفرعليهالسلام : «أنّ المعنيّ بالآية أمير المؤمنين عليّعليهالسلام ».( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فيما يأمر. وعن ابن عبّاس: من يطع الله في فرائضه، ورسوله في سننه.( وَيَخْشَ اللهَ ) على ما صدر عنه من الذنوب( وَيَتَّقْهِ ) فيما بقي من عمره.
وقرأ يعقوب وقالون عن نافع بلا ياء. وأبو عمرو وأبو بكر بسكون الهاء. وحفص بسكون القاف. فشبّه «تقه» بكتف فخفّف. والهاء في الوقف ساكنة بالاتّفاق. وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وخلّاد بخلاف عنه: ويتّقه بإسكان الهاء. وقالون باختلاس كسرتها. والباقون بصلتها.
( فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ ) بالنعيم المقيم. قد جمع الله سبحانه في هذه الآية أسباب الفوز. وعن بعض الملوك أنّه سأل عن آية كافية، فتليت له هذه الآية.
( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) )
ولـمّا بيّن سبحانه كراهة الكفّار والمنافقين لحكمه، قال المنافقون للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : والله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا وأموالنا لفعلنا، فقال الله سبحانه:( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ ) إنكار للامتناع عن حكمه( جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) مستعار من: جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، لأنّهم أقسموا يجهدون أيمانهم جهدا. فحذف الفعل، وقدّم
المصدر، فوضع موضعه مضافا إلى المفعول. كقوله:( فَضَرْبَ الرِّقابِ ) (١) . وهذا المنصوب في حكم الحال، كأنّه قال: جاهدين أيمانهم.
( لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ) بالخروج عن ديارهم وأموالهم( لَيَخْرُجُنَ ) جواب لـ «أقسموا» على الحكاية.
( قُلْ لا تُقْسِمُوا ) على الكذب( طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) أي مطلوب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشكّ فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلّص من المؤمنين الّذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا اليمين على الطاعة النفاقيّة المنكرة. أو طاعتكم طاعة معروفة. أو طاعة معروفة أمثل وأولى لكم من الإيمان الكاذبة. أو لتكن طاعة معروفة.
( إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) فلا يخفى عليه سرائركم، وأنّه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم.
ثمّ أمر الله رسوله بتبليغ ما خاطبهم به، مبالغة في تبكيتهم، فقال:( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ ) فيما أمركم به( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) فيما آتاكم به، واحذروا المخالفة( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أصله: تتولّوا فحذف أحد التاءين، أي: فإن تعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله( فَإِنَّما عَلَيْهِ ) على محمّد( ما حُمِّلَ ) من التبليغ( وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ ) من الامتثال.
( وَإِنْ تُطِيعُوهُ ) في حكمه( تَهْتَدُوا ) إلى الحقّ( وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) التبليغ الموضح لـما كلّفتم به وقد أدّى، وإنّما بقي عليكم ما حمّلتم، فإن لم تفعلوا وتولّيتم فقد عرّضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى.
ثمّ خاطب الرسول والأئمّة، أو الرسول ومن معه، فقال:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) أي: وعد الله المؤمنين المطيعين لله ورسوله( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) ليجعلنّهم خلفاء متصرّفين في الأرض تصرّف الملوك. وهو جواب قسم
__________________
(١) محمّد: ٤.
مضمر، تقديره: وعدهم الله وأقسم ليستخلفنّهم. أو الوعد في تحقّقه منزّل منزلة القسم، فتلقّي بما يتلقّى به القسم.
( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يعني: بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة، وأورثهم أرضهم وأموالهم.
وقرأ أبو بكر بضمّ التاء وكسر اللام، وإذا ابتدأ ضمّ الألف. والباقون بفتحهما. وإذا ابتدءوا كسروا الألف.
( وَلَيُمَكِّنَنَ ) ليثبتنّ( لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ) دينهم الّذي أمرهم أن يتديّنوا به ـ وهو الإسلام ـ بالتقوية والتثبيت، وإظهاره على الدّين كلّه، كما قالعليهالسلام : «زويت(١) لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها».
وروى المقداد عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر، إلّا أدخله الله كلمة الإسلام، بعزّ عزيز أو ذلّ ذليل. إمّا أن يعزّهم الله فيجعلهم من أهلها، وإمّا أن يذلّهم فيدينون بها».
( وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ ) من الأعداء. وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف.( أَمْناً ) منهم. وذلك أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه مكثوا بمكّة عشر سنين خائفين، ولـمّا هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتّى قال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا تغبرون(٢) إلّا يسيرا حتّى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا(٣) ليس فيه حديدة. فأنجز الله وعده، وأظهر هم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب، ومزّقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا.
__________________
(١) أي: جمعت وقبضت.
(٢) أي: لا تبقون.
(٣) أي: مشتملا بثوب ونحوه.
وفيه دليل على صحّة نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، للإخبار عن الغيب على ما هو به.
وقيل: المراد الخوف من العذاب، والأمن منه في الآخرة.
( يَعْبُدُونَنِي ) حال من «الّذين» لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد. أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن. كأنّ قائلا قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال:( لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ) حال من الواو في «يعبدونني» أي: غير مشركين.
روي عن عليّ بن الحسينعليهالسلام أنّه قال: «هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منّا. وهو مهديّ هذه الأمّة. وهو الّذي قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما». وروي ذلك عن الباقر والصادقعليهماالسلام .
قال النيشابوريّ في تفسيره: «قال أهل السنّة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين، لأنّ قوله: «منكم» للتبعيض، وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب. ومعلوم أنّ الأئمّة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصّالح، وكانوا حاضرين وقتئذ، وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فيجب أن يكونوا مرادين من الآية. واعترض بأن قوله: «منكم» لم لا يجوز أن يكون للبيان؟ ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرّف والتوطّن فيها، كما في حقّ بني إسرائيل؟
سلّمنا، لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة عليّعليهالسلام ، والجمع للتعظيم؟ أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟»(١) .
( وَمَنْ كَفَرَ ) ومن ارتدّ، أو كفر هذه النعم( بَعْدَ ذلِكَ ) بعد الوعد، أو حصول الخلافة( فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) الكاملون في فسقهم، حيث ارتدّوا بعد وضوح مثل
__________________
(١) تفسير غرائب القرآن ٥: ٢٠٩.
هذه الآيات، أو كفروا تلك النعمة الجليلة.
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) في سائر ما أمركم به. وهذا معطوف على( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) . وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال، لأنّ حقّ المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وكرّرت طاعة الرسول تأكيدا لوجوبها. وعلّقت الرحمة بها بقوله:( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) كما علّق به الهدى.
( لا تَحْسَبَنَ ) يا محمّد( الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ ) معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم( فِي الْأَرْضِ ) صلة «معجزين». وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء. وفاعله ضمير راجع إلى الرسول. أو فاعله الموصول بعده، فيكون( مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) مفعوليه. أو ولا يحسبونهم، فحذف المفعول الأوّل، لأنّ الفاعل والمفعولين لشيء واحد، فاكتفي بذكر اثنين عن الثالث.
( وَمَأْواهُمُ النَّارُ ) عطف عليه من حيث المعنى. كأنّه قيل: الّذين كفروا ليسوا بمعجزين، ومأواهم النار، لأنّ المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإعجاز( وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) المأوى الّذي يصيرون إليه. وإنّما وصفها بذلك، وإن كانت حكمة وصوابا من فعل الله، لـما ينال الصائر إليها من الشدائد والآلام.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ
آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠))
ثمّ تمّم الأحكام السالفة بعد الفراغ عن الآيات الدالّة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها، والوعد عليها، والوعيد على الإعراض عنها، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ) قال القاضي(١) : هذا الخطاب للرجال ظاهرا، ولكنّه من باب التغليب، فيدخل فيه النساء. وقال الرازي: «الحكم يثبت للنساء بقياس جليّ، لأنّهنّ في الحفظ أشدّ حالا من الرجال»(٢) .
( الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) أي: عبيدكم وإماؤكم، غلّب فيه العبيد. قيل: أراد العبيد خاصّة. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وروي: أنّ غلام أسماء بنت أبي مرشد دخل عليها في وقت كرهت دخوله، فأتت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت: إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها. فنزلت.
وقيل: أرسل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدلج بن عمرو الأنصاري ـ وكان غلاما ـ وقت الظهيرة ليدعوا عمر، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه. فقال عمر: لوددت أنّ اللهعزوجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا، أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلّا بإذن. ثمّ انطلق معه إلى النبيّ، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية.
__________________
(١) أنوار التنزيل ٤: ٨٦.
(٢) التفسير الكبير ٢٤: ٢٨.
( وَالَّذِينَ ) والصبيان الّذين( لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ) من الأحرار. فعبّر عن البلوغ بالاحتلام، لأنّه أقوى دلائله وأكثرها.
( ثَلاثَ مَرَّاتٍ ) في اليوم والليلة. مرّة( مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ ) لأنّه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة. ومحلّه النصب بدلا من «ثلاث مرّات». أو الرفع خبرا لمحذوف، أي: هي من قبل صلاة الفجر.( وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ ) أي: ثيابكم لليقظة، للقيلولة( مِنَ الظَّهِيرَةِ ) بيان للحين( وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ) لأنّه وقت التجرّد عن لباس اليقظة والالتحاف باللحاف.
( ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ) أي: هي ثلاث أوقات يختلّ فيها تستّركم وتحفّظكم. وأصل العورة: الخلل. ومنها: أعور المكان، أي: اختلّ مكانه. ورجل أعور: إذا اختلّت عينه.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: ثلاث بالنصب، بدلا من «ثلاث مرّات».
ثمّ عذّرهم في ترك الاستئذان وراء هذه الأوقات، فقال:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَ ) بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان.
ثمّ استأنف الكلام لبيان وجه العذر، فقال:( طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) أي: هم طوّافون.
يعني: أنّ بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة. ولـمّا لم يكن الطواف مخصوصا بأحد الفريقين، بل هو شامل لهما، لم يكتف بقوله: «طوّافون» فقال بدلا منه:( بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ ) بعضكم طائف على بعض، أو بعضكم يطوف على بعض. فحذف لدلالة «طوّافون» عليه.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك التبيين( يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ ) أي: الأحكام( وَاللهُ عَلِيمٌ ) بأحوالكم( حَكِيمٌ ) فيما شرع لكم.
واعلم أنّ الآية في الصبيان والمماليك الداخلين على أهل بيتهم ومواليهم. ثمّ قال في الأحرار البالغين:( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) أي: من الأحرار( فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) الأحرار الّذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلّها.
والمعنى: أنّه يجوز دخول الأطفال على آبائهم وأمّهاتهم بدون الاستئذان، إلّا في الأحوال الثلاث، فإذا خرجوا من حدّ الطفوليّة فليستأذنوا في جميع الأوقات كالرجال الكبار.
وقال في كنز العرفان: «إنّ المراد الأطفال الأحرار، لأنّ بلوغ الأحرار يوجب رفع الحكم المذكور في تخصيص الاستئذان بالأوقات الثلاثة. وأمّا بلوغ الأرقّاء، فالحكم باق كما كان في التخصيص، لأجل بقاء السبب المذكور»(١) .
( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) كرّره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان.
واعلم أنّ بعضهم ظنّ أنّ الآية منسوخة. وليست كذلك. قال ابن جبير: يقولون هي منسوخة، لا والله ما هي منسوخة، لكنّ الناس تهاونوا بها. وقيل: للشعبي: إنّ الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان.
وأنا أقول: يمكن أن يقال: إنّ ثبوت هذا الحكم في الأوقات الثلاثة المذكورة ـ كما دلّ عليه سبب نزول الآية ـ إنّما هو بسبب مظنّة انكشاف العورة، وإذا انعدم سببه ـ كما يكون في أكثر بلادنا ـ فينتفي هذا الحكم، لانتفاء المسبّب بانتفاء سببه.
ثمّ بيّن حكما آخر من هذا الباب، فقال:( وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ) العجائز اللّاتي قعدن عن الحيض والحمل( اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) لا يطمعن فيه لكبرهنّ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ ) أي: الثياب الظاهرة، كالملحفة والجلباب الّذي فوق الخمار. والفاء فيه لأنّ اللام في القواعد بمعنى اللّاتي، أو لوصفها بها.
( غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) غير مظهرات زينة ممّا أمرن بإخفائه في قوله تعالى:( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ ) (٢) بل قاصدات به التخفيف عن أنفسهنّ. وأصل
__________________
(١) كنز العرفان ٢: ٢٢٥ ـ ٢٢٦.
(٢) النور: ٣١.
التبرّج التكلّف في إظهار ما يجب إخفاؤه، من قولهم: سفينة بارجة لا غطاء عليها.
والبرج: سعة العين، بحيث يرى بياضها محيطا بسوادها كلّه لا يغيب منه شيء، إلّا أنّه خصّ بكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال.
ولـمّا ذكر رفع الحظر الّذي يستلزم الجواز، عقّبه باستحباب التستّر بالثياب عليهنّ، بعثا منه على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، فقال:( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ ) وأن يطلبن العفّة من وضع الثياب( خَيْرٌ لَهُنَ ) من الوضع، لأنّه أبعد من التهمة( وَاللهُ سَمِيعٌ ) لمقالتهنّ للرجال( عَلِيمٌ ) بمقصودهنّ.
( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) )
روي: أنّ المؤمنين كانوا يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم، وإلى بيوت أقربائهم وأصدقائهم، فيطعمونهم منها، فخافوا أن يلحقهم فيه حرج، فنزلت :
( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) من البيوت الّتي فيها أزواجكم وأولادكم، فإنّ بيت الولد كبيته، لقولهعليهالسلام : «أنت ومالك لأبيك».
وقوله: «إنّ أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإنّ ولده من كسبه».
( أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرّفكم، من ضيعة أو ماشية، وكالة أو حفظا.
وقيل: بيوت المماليك. وليس بشيء، لأنّ العبد لا يملك، فماله مال السيّد. والمفاتح جمع مفتح، وهو ما يفتح به.
( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) أو بيوت صديقكم. وهو يقع على الواحد والجمع، كالخليط.
قيل: إنّ ذوي العاهات كانوا يتحرّجون عن مؤاكلة الأصحّاء حذرا من استقذارهم، وقوم آخرون لا يأكلون من بيت من يدفع إليهم المفتاح، فنفى الله الحرج عنهم بهذه الآية.
وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلّفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرّجون، فبهذه الآية رفع التحرّج.
وهذا كلّه إنّما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن، أو قرينة مقاليّة أو حاليّة، أو عدم ظهور كراهية منه، ولذلك خصّص هؤلاء، فإنّه يعتاد التبسّط بينهم. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه». وهو مرويّ أيضا عن أئمّتناعليهمالسلام .
وروي: أنّ الرجل من الصحابة كان يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ منه ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك.
وروي عن الصادقعليهالسلام : «أيدخل أحدكم يده إلى كم صاحبه أو جيبه فيأخذ منه؟
قالوا: لا. قال: فلستم بأصدقاء».
والأصل أنّه إذا تأكّدت الصداقة علم الرضا بالأكل، فيقوم العلم مقام الإذن.
وعن ابن عبّاس: أنّ الصداقة أقوى من النسب، فإنّ أهل النار لا يستغيثون بالآباء والأمّهات، بل بالأصدقاء، فيقولون:( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (١) .
قيل: إذا كان شرط الإباحة عدم كراهة المالك، فأيّ فرق بين بيوت المذكورين وبين بيوت غيرهم؟
أجيب: الفرق أنّ في بيوت غير المذكورين يشترط العلم بالرضا، وأمّا بيوت الأقارب المذكورين فيكفي عدم العلم بالكراهة. وما روي عن أئمّتناعليهمالسلام أنّهم قالوا: لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف، مشروط بالشرط المذكور.
وقيل: إنّهم كانوا يتحرّجون من المؤاكلة مع ذوي العاهات، ويقولون: إنّ الأعمى لا يبصر، فنأكل جيّد الطعام دونه، والأعرج لا يتمكّن من الجلوس، والمريض يضعف عن الأكل. فنزلت:( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً ) مجتمعين أو متفرّقين.
قيل: نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرّجون أن يأكل الرجل وحده. أو في قوم من الأنصار، إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلّا معه. أو في قوم تحرّجوا عن الاجتماع على الطعام والمؤاكلة، لـما عسى أن يؤدّي إلى الكراهة من قبلهم. وقيل: كان ذلك في أوّل الإسلام فنسخ.
( فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً ) من هذه البيوت( فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ ) على أهلها الّذين هم منكم دينا وقرابة( تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ ) ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه. وانتصابها بالمصدر، لأنّها بمعنى التسليم، كما تقول: حمدت شكرا.( مُبارَكَةً ) لأنّها دعوة مؤمن
__________________
(١) الشعراء: ١٠٠ ـ ١٠١.
لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير والثواب وطيب الرزق( طَيِّبَةً ) تطيب بها نفس المستمع.
وعن أنس أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «متى لقيت من أمّتي أحدا فسلّم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلّم عليهم يكثر خير بيتك».
( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ ) كرّره ثلاثا لمزيد التأكيد، وتفخيم الأحكام المختتمة به. وفصّل الأوّلين(١) بما هو المقتضي لذلك، وهذا بما هو المقصود منه، فقال:( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) الحقّ والخير في الأمور.
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) )
ولـمّا تقدّم ذكر المعاشرة مع الأقرباء والمسلمين، بيّن سبحانه كيفيّة المعاشرة مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي: ليس الكاملون في الإيمان إلّا( الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) من صميم قلوبهم.
( وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ ) أي: أمر يجمع له الناس، ويقتضي اجتماعهم عليه، كالحروب والمشاورة في الأمور المهامّ، وغير ذلك. ووصف الأمر بالجامع على سبيل المجاز مبالغة.( لَمْ يَذْهَبُوا ) لم ينصرفوا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
(١) النور: ٥٨ ـ ٥٩.
( حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) يستأذنوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيأذن لهم، فإنّ ذلك كالمصداق لصحّة كمال الإيمان، والمميّز للمخلص فيه عن المنافق، فإنّ عادتهم التسلّل والفرار.
وفيه تعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بغير إذنه. ولذلك جعل ترك ذهابهم حتّى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب(١) له والبساط لذكره، مع تصدير الجملة بـ «إنّما»، وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر المؤمنين.
ثمّ عقّبه بما يزيده توكيدا وتشديدا، حيث أعاده على أسلوب آخر أبلغ من الأوّل بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) فإنّه يفيد أنّ المستأذن مؤمن لا محالة، وأنّ الذاهب بغير إذن ليس كذلك.
( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ) لـما يعرض لهم من المهامّ( فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) وفيه أيضا مبالغة وتضييق للأمر، حيث فوّض الأمر إلى رسوله، ولم يأمره بالإذن.
( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ ) بعد الإذن، فإنّ الاستئذان ولو لعذر قصور، لأنّه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) لفرطات العباد( رَحِيمٌ ) بالتيسير عليهم.
واعلم أنّ الأمر الجامع لـمّا كان خطبا جليلا، لا بدّ للرسول فيه من ذوي رأي وقوّة، يظاهرونه عليه ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته. فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال ممّا يشقّ على قلبه، ويشتّت عليه رأيه. فمن ثمّ غلّظ عليهم، وضيّق عليهم الأمر في الاستئذان، مع العذر المبسوط، ومساس الحاجة إليه، وأكّد زيادة تأكيد في النهي عن الذهاب، حيث جعل عدم الذهاب ثالث الإيمانين كما ذكر. ثمّ لم يأمره بالإذن، بل جعله مخيّرا بين المعذورين. ثمّ أمر رسوله بالاستغفار، وذكر المغفرة للمعذورين الذاهبين، الدالّ على أنّهم مع الاستئذان بالذهاب كأنّهم مذنبون. وهذا الحكم
__________________
(١) أي: الابتداء به. من: شبّ الكتاب: ابتدأ به.
ثابت لمن قام مقامه من الأئمّة الهادين صلّى الله عليهم أجمعين.
( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) )
ثمّ عظّم ووقّر رسوله بين عباده، ولينتهوا عن رجوعهم عن الأمر الجامع بغير إذنه، فقال:( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) أي: إذا احتاج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم، فلا تفرّقوا عنه إلّا بإذنه. ولا تقيسوا دعاءه إيّاكم على دعاء بعضكم بعضا، وفي جواز الإعراض، والمساهلة في الإجابة، والرجوع عن المجمع بغير إذنه، فإنّ المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرّمة.
وقيل: معناه: لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظّم له، مثل: يا نبيّ الله ويا رسول الله، مع قصد التوقير والتواضع، وخفض الصوت. أو لا تجعلوا دعاءه ربّه كدعاء صغير كم كبير كم، يجيبه مرّة ويردّه اخرى، فإنّ دعاءه مستجاب. أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فلا تبالوا بسخطه، فإنّ دعاءه عليكم موجب السخط والغضب.
( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ ) أي: ينسلون ويخرجون قليلا قليلا من الجماعة. ونظيره: تدرّج وتدخّل.( لِواذاً ) ملاوذة. وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا.
يعني: ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض حتّى يخرج. أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه، كأنّه تابعه. وانتصابه على الحال، أي: ملاوذين.
قيل: نزلت في حفر الخندق، وكان قوم يتسلّلون بغير إذن. وقيل: كانوا يتسلّلون عن الجهاد ويرجعون عنه. وقيل: عن خطبة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الجمعة.
ثمّ حذّرهم عن مخالفة أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) أي: يخالفون أمره بترك مقتضاه، ويذهبون سمتا خلاف سمته. وهم المنافقون.
و «عن» لتضمّنه معنى الإعراض. أو يصدّون المؤمنين عن أمره. من: خالفه عن الأمر إذا صدّ عنه. والأصل: يخالفون المؤمنين صادّين عن أمره. وحذف المفعول، لأنّ المقصود بيان المخالف والمخالف عنه. والضمير لله، فإنّ الأمر له في الحقيقة، أو للرسول، فإنّه المقصود بالذكر.
( أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) محنة وبليّة في الدنيا( أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة. عن ابن عبّاس: الفتنة القتل. وعن عطاء: هي زلازل وأهوال. وعن الصادقعليهالسلام : «يسلّط عليهم سلطان جائر».
واستدلّ به على أنّ الأمر للوجوب، فإنّه يدلّ على أنّ ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين، فإنّ الأمر بالحذر عنه يدلّ على خشية المشروط بقيام المقتضي له، وذلك يستلزم الوجوب.
( أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) أيّها المكلّفون من المخالفة والموافقة، والنفاق والإخلاص، وذكر «قد» ليؤكّد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق. ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. وذلك أنّ «قد» إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «ربما» فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير.
والمعنى: أنّ جميع ما في السماوات والأرض مختصّ به خلقا وملكا وعلما ،
فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين، وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها؟!( وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ) يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء. ويجوز أن يكون الخطاب أيضا مخصوصا بهم على طريق الالتفات. وقرأ يعقوب بفتح الياء وكسر الجيم.
( فَيُنَبِّئُهُمْ ) يوم القيامة( بِما عَمِلُوا ) بما أبطنوا من سوء أعمالهم، بالتوبيخ والمجازاة عليه( وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) لا تخفى عليه خافية.
(٢٥)
سورة الفرقان
مكّيّة. وهي سبع وسبعون آية بلا خلاف.
في حديث أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ سورة الفرقان بعث يوم القيامة وهو مؤمن بأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، ودخل الجنّة بغير حساب».
وروى إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال: «يا ابن عمّار لا تدع قراءة( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ) فإنّ من قرأها كلّ ليلة لم يعذّبه الله أبدا ولم يحاسبه، وكان منزلته في الفردوس الأعلى».
واعلم أنّ هذه السورة متّصلة بسورة النور اتّصال النظير بالنظير، فإن مختتم تلك السورة تضمّن أنّ لله ما في السماوات والأرض، وأنّه بكلّ شيء عليم، ومفتتح هذه السورة أنّ له ملك السماوات والأرض.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) )
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ) تكاثر خيره.
من البركة، وهي كثرة الخير. ومنها: تبارك الله، أي: عظمت خيراته وكثرت. أو تزايد على كلّ شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإنّ البركة تتضمّن معنى الزيادة. وترتيبه على إنزاله الفرقان، لـما فيه من كثرة الخير وتزايده، أو لدلالته على تعاليه. وقيل: دام وثبت.
من بروك الطير على الماء. ومنه: البركة، لدوام الماء فيها. وهو لا يتصرّف فيه، ولا يستعمل إلّا لله.
والفرقان مصدر: فرق بين الشيئين، إذا فصل بينهما. سمّي به القرآن، لفصله بين الحقّ والباطل بتقريره، أو المحقّ والمبطل بإعجازه. أو لكونه مفروقا، مفصولا بعضه عن بعض في الإنزال، كقوله:( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ) (١) .
( لِيَكُونَ ) العبد، أو الفرقان( لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) للجنّ والإنس منذرا. أو إنذارا، كالنكير بمعنى الإنكار.
قال النيشابوري: «قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكلّ لم يكن الرسول نذيرا للكلّ. وعورض بنحو قوله:( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ) »(٢) .(٣) انتهى كلامه.
أقول: إنّما تتمّ المعارضة إذا كانت اللام للتعليل، ولم لا يجوز أن تكون للمال؟ كقوله:( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) (٤) . وهذا البحث ممّا سنح للطبيعة، وسمحت به القريحة أو ان الكتابة، وأرجو أن يكون صوابا إن شاء الله العزيز.
__________________
(١) الإسراء: ١٠٦.
(٢) الأعراف: ١٧٩.
(٣) تفسير غرائب القرآن ٥: ٢٢١.
(٤) القصص: ٨.
( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) بدل من الأوّل. وإبدال التعليل للمبدل منه لا يستلزم الفصل بينه وبين بدله، لأنّه من تمام المبدل منه، فلا يكون كلاما أجنبيّا قادحا، لإيراد البدل بعده من معلّله. أو مدح مرفوع أو منصوب.
( وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ) كزعم النصارى( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) كقول الثنويّة.
ولـمّا أثبت لذاته الملك مطلقا، ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه، نبّه على ما يدلّ عليه، فقال:( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) أحداثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته، كخلقة الإنسان من موادّ مخصوصة، وصور وأشكال معيّنة( فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) فهيّأه لـما يصلح له ويراد منه من الخصائص والأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم، والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع المتنوّعة، ومزاولة الأعمال المختلفة، إلى غير ذلك. وكذلك كلّ حيوان وجماد جاء به على الجبلّة المستوية المقدّرة بأمثله الحكمة والتدبير، فقدّره لأمر مّا ومصلحة، مطابقا لـما قدّر له، غير متجاف عنه.
أو فقدّره للبقاء إلى أجل مسمّى. وقد يطلق الخلق لمجرّد الإيجاد والإحداث، من غير نظر إلى معنى التقدير. فيكون المعنى: وأوجد كلّ شيء فقدّره في إيجاده حتّى لا يكون متفاوتا.
وتفسير الخلق والتقدير بهذه الوجوه جواب من قال: إنّ الخلق في معنى التقدير، فيصير المعنى: قدّر كلّ شيء فقدّره.
( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) وَقالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) )
ولـمّا تضمّن الكلام إثبات التوحيد والنبوّة، أخذ في الرّد على المخالفين فيهما، فقال:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) من الأوثان( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) لأنّ عبدتهم ينحتونهم ويصوّرونهم( وَلا يَمْلِكُونَ ) ولا يستطيعون( لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا ) دفع ضرّ عنها( وَلا نَفْعاً ) ولا جلب نفع( وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً ) أي: لا يقدرون على إماتة أحد وإحيائه أوّلا، ولا بعثه ثانيا.
والحاصل: أنّهم آثروا على عبادة الله عبادة آلهة، لا عجز أبين من عجزهم، فإنّهم لا يقدرون على شيء من أفعال العباد، فضلا عن أفعال الله سبحانه. ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهيّة، لعرائه عن لوازمها، واتّصافه بما ينافيها. فكيف يعبدون من لا يقدر على شيء من ذلك، ويتركون عبادة ربّهم الّذي يملك ذلك كلّه؟! ثمّ أخبر عن تكذيبهم بالقرآن، فقال:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا ) هذا القرآن( إِلَّا إِفْكٌ ) كذب مصروف عن وجهه( افْتَراهُ ) اختلقه( وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) أي: اليهود، فإنّهم يلقون إليه أخبار الأمم، وهو يعبّر عنها بعبارته. وقيل: جبر مولى عامر، ويسار غلام العلاء بن الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزّى، قاله النضر بن الحارث بن عبد الدار. وقيل: أبو فكيهة الرومي. وقد سبق ذلك في قوله تعالى:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) (١) .
__________________
(١) النحل: ١٠٣.
( فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً ) قولا متجاوزا عن الحقّ، بجعل الكلام الّذي أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، إفكا مختلقا متلقّفا من اليهود أو الروميّ العجمي.( وَزُوراً ) بنسبة ما هو بريء منه إليه. و «أتى» و «جاء» يستعملان في معنى: فعل، فيعدّيان تعديته.
ولـمّا تقدّم التحدّي وعجزهم عن الإتيان بمثله، اكتفى الله سبحانه ها هنا بهذا القدر تنبيها على ذلك.
( وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) ما سطره المتقدّمون، من نحو أحاديث رستم وإسفنديار. جمع أسطار، أو أسطورة كأحدوثة.( اكْتَتَبَها ) كتبها لنفسه وأخذها، فإنّ «افتعل» قد يكون للاتّخاذ، نحو: اشترى. ومثله: استكبّ الماء واصطبّه، إذا سكبه وصبّه لنفسه وأخذه. أو استكتبها.( فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ ) ليحفظها، فإنّه أمّي لا يقدر أن يكتب( بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) طرفي النهار، أي: دائما. أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم.
( قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) لأنّه أعجزكم عن آخر كم بفصاحته، وتضمّنه إخبارا عن مغيّبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلّا من هو يعلم ما تسرّونه أنتم من الكيد لرسوله، مع علمكم أنّ ما تقولونه باطل وزور. وكذلك يعلم باطن أمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبراءته ممّا تبهتونه به. وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه.
( إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون، مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصبّ عليكم العذاب صبّا، لإسنادكم كلامه الفائق على كلّ كلام لفظا ومعنى إلى أساطير الأوّلين.
( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) )
( وَقالُوا ) وقال النضر بن الحارث وعبد الله بن أبيّ ونوفل بن خويلد ومن تابعهم استهانة وتهكّما واستهزاء:( ما لِهذَا الرَّسُولِ ) الّذي يزعم الرسالة( يَأْكُلُ الطَّعامَ ) كما نأكل( وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) لطلب المعاش كما نمشي، أي: إن صحّ دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا؟ يعنون أنّه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيّش.
وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات، فإنّ تميّز الرسول عمّا عداه ليس بأمور جسمانيّة، وإنّما هو بأحوال نفسانيّة، كما أشار إليه بقوله:( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ) (١) .
ثمّ تحوّلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، فقالوا:( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) حتّى يتساندا في الإنذار والتخويف، ولنعلم صدقه بتصديق الملك.
ثمّ تنزّلوا عنه فقالوا:( أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ) أي: إن لم يكن مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء فيستظهر به، ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش.
ثمّ تنزّلوا عنه أيضا فقالوا:( أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ) أي: إن لم يلق إليه كنز فلا أقلّ من أن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق من ريعه، فيستغني عن طلب المعيشة، كما للدهاقين. وقرأ حمزة والكسائي بالنون، والضمير للكفّار، أي: نأكل معه من ذلك البستان، فننتفع به في دنيانا ومعاشنا.
( وَقالَ الظَّالِمُونَ ) وضع «الظّالمون» موضع ضمير هم تسجيلا عليهم بالظلم فيما
__________________
(١) الكهف: ١١٠.
قالوه( إِنْ تَتَّبِعُونَ ) ما تتّبعون( إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً ) سحر فغلب على عقله. وقيل: ذا سحر، وهو الرّئة، أي: بشرا لا ملكا، لأنّ الرئة مختصّة بجنس البشر، أي: الحيوان.
( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ) أي: قالوا فيك تلك الأقوال الشاذّة، واخترعوا لك الأحوال النادرة، من نبوّة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السّماء، وغير ذلك( فَضَلُّوا ) عن الطريق الموصل إلى معرفة خواصّ النبيّ، والمائز بينه وبين المتنبّئ، فبقوا متحيّرين لا يجدون قولا يستقرّون عليه( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) إلى القدح في نبوّتك أو إلى الرشد والهدى.
( تَبارَكَ الَّذِي ) تكاثر خير الّذي( إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ ) وهب لك في الدنيا( خَيْراً مِنْ ذلِكَ ) ممّا قالوا، وإنّما أخّره إلى الآخرة لأنّه خير وأبقى( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) بدل من «خيرا»( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ) عطف على محلّ الجزاء.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بالرفع، لأنّ الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع. ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له في الآخرة.
( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) )
( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ) عطف على ما حكى عنهم، أي: بل أتوا بأعجب من ذلك كلّه، وهو تكذيبهم بالساعة، فلا تعجب من تكذيبهم إيّاك. ويجوز أن يتّصل بما يليه، كأنّه قال: بل كذّبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب؟ وكيف يصدّقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة؟ أو لأجل تكذيبهم الساعة قصرت أنظارهم على الحطام الدنيويّة، وظنّوا أنّ الكرامة إنّما هي بالمال، فطعنوا فيك لفقرك. أو فلذلك كذّبوك، لا لـما تمحّلوا من المطاعن الفاسدة.
( وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ) نارا شديدة الاستعار. وقيل: هو اسم لجهنّم. فيكون صرفه باعتبار المكان.
ثمّ وصف ذلك السعير فقال:( إِذا رَأَتْهُمْ ) إذ كانت السعير بمرأى منهم، كقولهم: دورهم تترى، أي: تتناظر. وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تراءى نارهما» أي: لا تتقارب نار المسلمين والكافرين بحيث تكون إحداهما بمرأى من الاخرى، على المجاز. والتأنيث لأنّه بمعنى النار أو جهنّم.
( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) هو أقصى ما يمكن أن يرى منه.
قال أبو عبد اللهعليهالسلام : «من مسيرة سنة».
وقال السدّي والكلبي: من مسيرة مائة سنة. وحقيقة المعنى: أنّهم يرونها من أقصى مكان. والمعنى المجازي أبلغ، فإنّ معناه أنّها كأنّها تراهم رؤية الغضبان، كما قال:( سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً ) صوت تغيّظ وغليان. شبّه صوت غليانها بصوت المغتاظ.
( وَزَفِيراً ) وصوت زفير. وهو صوت يسمع من جوفه. روي: أنّ جهنّم لتزفر زفرة لا يبقى نبيّ ولا ملك إلّا خرّ لوجهه. ولا يبعد من قدرة الله تعالى أن يخلق في النار حياة فترى وتتغيّظ وتزفر.
وقيل: إنّ ذلك لزبانيتها، فنسب إليها على حذف المضاف. والمعنى: إذا رأتهم زبانيتها تغيّظوا وزفروا على الكفّار للانتقام منهم.
( وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ) أي: في مكان. و «منها» بيان له تقدّم عليه فصار حالا.
( ضَيِّقاً ) لزيادة العذاب، فإنّ الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة. ولذلك وصف الله الجنّة بأنّ عرضها كعرض السماوات والأرض. وقرأ ابن كثير والكسائي بسكون الياء.
وفي الحديث: «إن لكلّ مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا».
ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيّق يتراصّون(١) فيه تراصّا. كما روي عن ابن عبّاس في تفسيره: أنّه يضيّق عليهم كما يضيّق الزجّ(٢) في الرمح.
( مُقَرَّنِينَ ) قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل. وعن الجبائي: ويقرن مع كلّ كافر شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد(٣) .
( دَعَوْا هُنالِكَ ) في ذلك المكان( ثُبُوراً ) هلاكا. أي: يتمنّون هلاكا وينادونه، فيقولون: يا ثبوراه تعال فهذا أوانك.
فيقال لهم:( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً ) إنّهم أحقّاء بأن يقال لهم ذلك، وإن لم يكن ثمّ قول( وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ) لأنّ عذابكم أنواع كثيرة، كلّ نوع منها ثبور، لشدّته وفضاعته، كلّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها، فلا غاية لهلاكهم، فهم في كلّ وقت في ثبور.
( قُلْ أَذلِكَ ) أي: ذلك العذاب، أو الّذي اقترحتموه من الكنز والجنّة( خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) الاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع والتهكّم. والراجع إلى الموصول محذوف، أي: وعدها المتّقون. وإضافة الجنّة إلى الخلد للمدح، أو للدلالة على خلودها، أو التمييز عن جنّات الدنيا.
( كانَتْ لَهُمْ ) في علم الله، أو اللوح قبل أن يريهم. أو لأنّ ما وعده الله في تحقّقه كالواقع.( جَزاءً ) على أعمالهم بالوعد( وَمَصِيراً ) مرجعا ومستقرّا ينقلبون إليه. وهذا
__________________
(١) أي: يتلاصقون. من: تراصّ القوم إذا تضامّوا وتلاصقوا.
(٢) الزجّ: الحديدة التي في أسفل الرمح.
(٣) الأصفاد جمع الصفد. وهو الوثاق، وما يوثق به الأسير من قيد أو غلّ.
كقوله:( نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً ) (١) فإنّه مدح الثواب ومكانه، كما قال:( بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) (٢) . فذمّ العقاب ومكانه، لأنّ النعيم لا يتمّ للمتنعّم إلّا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد، وكذلك العقاب يتضاعف يضيق الموضع وظلمته، وجمعه لأسباب الكراهة. ولذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء.
( لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ) ما يشاؤنه من النعيم. وفي تقديم الظرف تنبيه على أن كلّ المرادات لا تحصل إلّا في الجنّة.( خالِدِينَ ) حال من أحد الضمائر( كانَ ) الضمير لـ «ما يشاءون»، أي: كان ذلك( عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ) موعودا حقيقا بأن يسأل ويطلب. أو مسئولا سأله الناس في دعائهم:( رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ) (٣) . أو الملائكة يقولون:( رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) (٤) . و «على» يتضمّن معنى الوجوب، أي: واجبا على ربّك إنجازه، لامتناع الخلف في وعده.
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) )
__________________
(١) الكهف: ٣١ و ٢٩.
(٢) الكهف: ٣١ و ٢٩.
(٣) آل عمران: ١٩٤.
(٤) غافر: ٨.
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ) نجمعهم للجزاء. وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالياء( وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) يعمّ كلّ معبود سواه. واستعمال «ما» إمّا لأنّ وضعه أعمّ، ولذلك يطلق لكلّ شبح يرى ولا يعرف. أو لأنّه أريد به الوصف، كأنّه قيل: ومعبودهم.
كما تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد: ما زيد؟ تعني: أطويل أم قصير؟ أفقيه أم طبيب؟ أو لتغليب الأصنام تحقيرا، أو اعتبارا لغلبة عبّادها. أو يخصّ الملائكة وعزيزا والمسيح بقرينة السؤال والجواب. وذكر «ما» لإرادة وصف المعبوديّة كما عرفت. أو الأصنام ينطقها الله تعالى، أو تتكلّم بلسان الحال، كما قيل في كلام الأيدي والأرجل.
( فَيَقُولُ ) أي: للمعبودين. وهو على تلوين الخطاب. وقرأ ابن عامر بالنون.
( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ) ضلّوا عن سبيل الحقّ، لإخلالهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن المرشد النصيح. وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة.
والفائدة في ذكر «أنتم» و «هم» وإيلائهما حرف الاستفهام، أن يعلم أنّ السؤال ليس عن الفعل، وإنّما هو عن متولّيه، فلا بدّ من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام، حتّى يعلم أنّه المقصود بالسؤال عنه. وتركت صلة الضلالة للمبالغة.
( قالُوا سُبْحانَكَ ) تعجّبا ممّا قيل لهم، لأنّهم إمّا ملائكة، أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء. أو إشعارا بأنّهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ أو تنزيها لله عن الأنداد.
ثمّ قالوا:( ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ) ما يصحّ لنا( أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ ) للعصمة. فكيف يصحّ لنا أن ندعو غيرنا أن يتولّى أحدا دونك؟ والأخذ هنا متعدّ إلى مفعول واحد، وهو «من أولياء». والأصل: أن نتّخذ أولياء، فزيدت «من» لتأكيد معنى النفي.
( وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ ) بأنواع النعم، فاستغرقوا في الشهوات( حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ) حتّى غفلوا عن ذكرك. أو التذكّر لآلائك، والتدبّر في آيات كتابك.( وَكانُوا
قَوْماً بُوراً ) هالكين فاسدين. مصدر وصف به، ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع. أو جمع بائر، كعائذ وعوذ.
واعلم أنّ في هذه الآية دلالة على بطلان قول من يزعم أنّ الله سبحانه يضلّ عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه: أأنتم أضللتم أم هم ضلّوا بأنفسهم؟ فيتبرّءون من إضلالهم، ويستعيذون به أن يكونوا مضلّين. ويقولون: بل أنت تفضّلت على هؤلاء وآبائهم، فجعلوا النعمة الّتي هي سبب الشكر سببا للكفر ونسيان الذكر، فكان ذلك سبب هلاكهم. فبرّءوا أنفسهم من الإضلال، ونزّهوه سبحانه أيضا منه، حيث أضافوا إليه التمتيع بالنعمة، وأضافوا نسيان الذكر الّذي هو سبب البوار إليهم. فشرحوا الإضلال المجازيّ الّذي نسبة الله إلى ذاته في قوله:( يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ) (١) . ولو كان هو المضلّ على الحقيقة لكان الجواب أن يقولوا: بل أنت أضللتهم بما يقولون.
ثمّ التفت إلى العبدة احتجاجا وإلزاما، فقال:( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ) أي: فقد كذّبكم المعبودون أيّها المشركون( بِما تَقُولُونَ ) في قولكم: إنّهم آلهة، أو هؤلاء أضلّونا. والباء بمعنى «في». أو مع المجرور بدل من الضمير، كأنّه قيل: فقد كذّبوا بما يقولون. وعن ابن كثير بالياء، أي: كذّبوكم بقولهم:( سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ ) .
( فَما تَسْتَطِيعُونَ ) أي: المعبودون. وقرأ حفص بالتاء على الخطاب للعابدين.
( صَرْفاً ) دفعا للعذاب عنكم. وقيل: لصرف التوبة. وقيل: حيلة. من قولهم: إنّه ليتصرّف، أي: يحتال.( وَلا نَصْراً ) فيعينكم عليه.
( وَمَنْ يَظْلِمْ ) على نفسه بالشرك والمعاصي( مِنْكُمْ ) أيّها المكلّفون( نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ) شديدا عظيما، وهو النار. والشرط وإن عمّ كلّ من كفر وفسق، لقوله :
__________________
(١) الرعد: ٢٧، وغيرها.
( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (١) ، ولقوله:( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (٢) . لكنّه في اقتضاء الجزاء مقيّد بعدم المزاحم وفاقا، وهو التوبة إجماعا، وعفو المؤمن الفاسق عندنا.
( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) )
ثمّ رجع سبحانه إلى مخاطبة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال جوابا لقولهم:( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) :( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ) أي: إلّا رسلا إنّهم فحذف الموصوف لدلالة «المرسلين» عليه، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله تعالى:( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) (٣) .
على معنى: وما منّا أحد. ويجوز أن تكون حالا اكتفي فيها بالضمير.
( وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ ) أيّها الناس( لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) ابتلاء. ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم، ومناصبتهم لهم العداوة، وإيذاؤهم لهم أنواع الأذى. وهو تسلية لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما استبدعوه من أكله الطعام، ومشيه في الأسواق، بعد ما احتجّ عليهم بسائر الرسل، أو ما عيّروه من الفقر حين قالوا:( أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ) (٤) .
( أَتَصْبِرُونَ ) علّة للجعل. والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيّكم يصبر. ونظيره قوله:( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (٥) . أو حثّ على الصبر على ما
__________________
(١) لقمان: ١٣.
(٢) الحجرات: ١١.
(٣) الصافّات: ١٦٤.
(٤) الفرقان: ٨.
(٥) الملك: ٢.
افتتنوا به.( وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ) بمن يصبر، أو بالصواب فيما يبتلي به وغيره، فلا يضيقنّ صدرك، ولا يستخفّنّك أقاويلهم، فإنّ في صبرك عليها سعادتك وفوزك في الدارين.
وقيل: معناه: جعلناك فتنة لهم، لأنّك لو كنت غنيّا صاحب كنوز وجنان، لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، أو ممزوجة بها، فبعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا، من غير طمع وغرض دنيويّ.
وقيل: كان أبو جهل وأضرابه يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمّار وصهيب وبلال وفلان وفلان، وسائر موالينا ورذالنا، ترفّعوا علينا إذلالا بالسابقة، فهو افتتان بعضهم ببعض. فقال الله لهؤلاء: أتصبرون على الأذى والاستهزاء لتفوزوا بسعادة الدارين، فإنّ ربّكم عالم بأحوالكم، ومجاز لأعمالكم؟
( وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) )
( وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ ) لا يأملون( لِقاءَنا ) لقاء جزائنا بالخير، لكفرهم بالبعث. أو لا يخافون لقاء جزائنا بالشرّ على لغة تهامة، فإنّ الرجاء في لغتهم بمعنى الخوف، وبه فسّر قوله تعالى:( لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ) (١) . وأصل اللقاء الوصول إلى
__________________
(١) نوح: ١٣.
الشيء. وفيه دلالة على أنّهم كانوا مجسّمة، فلذلك جوّزوا الرؤية على الله.
( لَوْ لا ) هلّا( أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ ) فيخبرنا بصدق محمد. وقيل: فيكونوا رسلا إلينا.( أَوْ نَرى رَبَّنا ) جهرة فيأمرنا بتصديقه واتّباعه.
ثمّ أقسم اللهعزوجل فقال:( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ) بهذا القول( فِي أَنْفُسِهِمْ ) أي: أضمروا الاستكبار عن الحقّ ـ وهو الكفر والعناد ـ في قلوبهم واعتقدوه( وَعَتَوْا ) وتجاوزوا الحدّ في الظلم( عُتُوًّا كَبِيراً ) بالغا أقصى مراتبه. يعني: أنّهم لم يجسروا على هذا القول العظيم، إلّا لأنّهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتوّ، حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة غيرها، كما فعل قوم موسى حين قالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) (١) .
واللام جواب قسم محذوف. وفي الاستئناف بالجملة إشعار بالتعجّب من استكبار هم وعتوّهم من غير لفظ التعجّب. ألا ترى أنّ المعنى: ما أشدّ استكبارهم! وما أكبر عتوّهم! ثمّ أعلم سبحانه أنّ الوقت الّذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة، وأنّ الله تعالى قد حرّمهم البشرى في ذلك اليوم، فقال:( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) يعني: يوم القيامة. والمراد ملائكة الموت، أو ملائكة العذاب. و «يوم» نصب بـ: اذكر، أو بما دلّ عليه قوله:( لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) فإنّه بمعنى: يمنعون البشرى، أو يعدمونها. و «يومئذ» تكرير، أو خبر. و «للمجرمين» تبيين.
أو خبر ثان. أو ظرف لـما يتعلّق به اللام، أو لـ «بشرى» إن قدّرت منوّنة غير مبنيّة مع «لا» فإنّها لا تعمل.
و «للمجرمين» إمّا عامّ شامل لكلّ مجرم، كافرا كان أو مؤمنا. ولا يلزم من نفي البشرى لعامّة المجرمين حينئذ، نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر. وإمّا خاصّ
__________________
(١) البقرة: ٥٥.
وضع موضع ضميرهم، تسجيلا على جرمهم، وإشعارا بما هو المانع للبشرى، والموجب لـما يقابلها.
( وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ) عطف على المدلول، أي: ويقول الكفرة حينئذ هذه الكلمة، استعاذة وطلبا من الله أن يمنع لقاء هم العذاب. وهي ممّا كانوا يقولون عند لقاء عدوّ أو هجوم نازلة. يعني: كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل ويفزعون: حجرا محجورا دماؤنا، قالوا تلك الكلمة عند مشاهدة العذاب.
وقال الخليل: كان الرجل يرى الرجل الّذي يخاف منه القتل في الجاهليّة في الأشهر الحرام فيقول: حجرا محجورا، أي: حرام عليك حرمتي في هذا الشهر أن تبدأ بشرّ، فإذا كان يوم القيامة رأوا الملائكة، فقالوا ذلك ظنّا منهم أنّه ينفعهم.
وقيل: هي من قول الملائكة. ومعناه حينئد: حراما عليكم الجنّة والبشرى، أي: جعل الله ذلك حراما عليكم.
قال سيبويه في باب المصادر غير المتصرّفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، نحو: معاذ الله، وعمرك، وحجرا محجورا. يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرا. وهي من: حجره إذا منعه، لأنّ المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه، فلا يلحقه. فكان المعنى: أسأل الله أن يحجر ذلك حجرا، أي: يمنعه منعا. ووصفه محجورا للتأكيد، كقولهم: موت مائت.
( وَقَدِمْنا ) وعمدنا وقصدنا( إِلى ما عَمِلُوا ) في كفرهم( مِنْ عَمَلٍ ) من المكارم والمحاسن، كقرى الضيف، وصلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وفداء الأسير، وغير ذلك( فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) فأحبطناه، لفقد ما هو شرط اعتباره، وهو الإيمان.
وليس هنا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولكن مثّلت حال هؤلاء وأعمالهم الّتي عملوا في كفرهم من محاسنهم، بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم، فمزّقها كلّ ممزّق، وأبطلها ولم يبق لها أثرا.
والهباء ما يخرج من الكوّة مع شعاع الشمس، شبيه بالغبار. من الهبوة، وهي الغبار. وفي أمثالهم: أقلّ من الهباء و «منثورا» صفة للهباء. شبّه أوّلا عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه. ثمّ بالمنثور منه في انتثاره بحيث لا يمكن نظمه، بل ذهب كلّ مذهب. ونحوه قوله:( كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) (١) ، فإنّه لم يكف أن شبّههم بالعصف حتّى جعله مؤوفا بالأكال. أو مفعول ثالث لـ «جعلناه» أي: فجعلناه جامعا لحقارة الهباء والتناثر، كقوله:( كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) (٢) . أي: جامعين للمسخ والخسء(٣) .
( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩) )
ثمّ ذكر سبحانه فضل أهل الجنّة على أهل النار، فقال:( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ
__________________
(١) الفيل: ٥.
(٢) البقرة: ٦٥.
(٣) خسأ يخسأ خسأ: طرد وأبعد.
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) مكانا يستقرّون فيه في أكثر أوقاتهم للتجالس والتحادث( وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) مكانا يأوون إليه للاسترواح بأزواجهم والتمتّع بهنّ. تجوّزا له من مكان القيلولة، على التشبيه بالمترفين في الدنيا يعيشون على ذلك الترتيب، إذا لا نوم في الجنّة. وإنّما سمّي مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه. وفي لفظ الأحسن رمز إلى ما يتزيّن به مقيلهم، من حسن الوجوه وملاحة الصور، إلى غير ذلك من التحاسين والزين.
ويحتمل أن يراد بهما المصدر أو الزمان، إشارة إلى أنّ مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيّل من الأمكنة والأزمنة. والتفضيل إمّا لإرادة الزيادة مطلقا، أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدنيا.
وقال ابن عبّاس وابن مسعود: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتّى يقيل أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النار في النار. وفي معناه قولهعزوجل :( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ ) (١) .
( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ ) أصله: تتشقّق، فحذفت التاء. وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب.( بِالْغَمامِ ) بسبب طلوع الغمام منها. وهو الغمام المذكور في قوله تعالى:( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) (٢) . والمعنى: أنّ السماء تنفتح بغمام يخرج منها. وقيل: هو غمام أبيض دقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلّا لبني إسرائيل في تيههم.
( وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ) في ذلك الغمام إلى الأرض بصحائف أعمال العباد. وقرأ ابن كثير: وننزل الملائكة.
قال ابن عبّاس: تتشقّق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممّن في الأرض من
__________________
(١) يس: ٥٥
(٢) البقرة: ٢١٠.
الجنّ والإنس. ثمّ تتشقّق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر ممّن في السماء الدنيا، ومن الجنّ والإنس. ثمّ كذلك حتّى تتشقّق السماء السابعة. وأهل كلّ سماء يزيدون على أهل السماء الّتي قبلها.
( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ) يوم القيامة( الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ) الثابت له، لأنّ كلّ ملك يبطل يومئذ، ولا يبقى إلّا ملكه. فهو خبر الملك، و «للرحمن» صلته، و «يومئذ» معمول «الملك» لا «الحقّ» لأنّه متأخّر. أو صفته، والخبر «يومئذ» أو «للرحمن».
( وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ) شديدا. ويهون على المؤمنين، كأدنى صلاة صلّوها في دار الدنيا. وفي هذا بشارة للمؤمنين، حيث خصّ تشدّد ذلك اليوم بالكافرين.
( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ) من فرط الحسرة. وعضّ اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الأسنان ونحوها، كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنّها من روادفها، فيذكر الرادفة ويدلّ بها على المردوف، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند لفظ المكنّي عنه. والمراد بالظالم الجنس.
وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط بن أميّة بن عبد شمس، كان يكثر مجالسة النبيّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقدم من سفره ذات يوم، فصنع طعاما ودعا الناس إلى ضيافته، فدعا إليها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فأبى أن يأكل طعامه حتّى ينطق بالشهادتين، ففعل.
وكان أبيّ بن خلف صديقه فعاتبه، فقال: صبأت يا عقبة؟
فقال: لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي.
فقال: لا أرضى منك إلّا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ألقاك خارجا من مكّة إلّا علوت رأسك بالسيف. فأسر يوم بدر ،
فأمر عليّاعليهالسلام بقتله. وطعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أبيّا بأحد في المبارزة، فرجع إلى مكّة ومات.
قال الضحّاك: لـمّا بزق عقبة في وجه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عاد بزاقه في وجهه، فأحرق خدّيه، وكان أثر ذلك فيه حتّى قتل.
( يَقُولُ ) يوم البعث( يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ) أي: تمنّى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقا واحدا، وهو طريق الحقّ الموصل إلى النجاة، ولم يتشعّب به طرق الضلالة والهوى.
( يا وَيْلَتى ) أي: ينادي ويلته ـ وهي هلكته ـ ويقول لها: تعالي فهذا أوانك( لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ) يعني: من أضلّه. وفلان كناية عن الأعلام، كما أن ألهن كناية عن الأجناس.
( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ) عن ذكر الله، أو كتابه، أو موعظة الرسول، أو كلمة الشهادة( بَعْدَ إِذْ جاءَنِي ) وتمكّنت منه( وَكانَ الشَّيْطانُ ) يعني: الخليل المضلّ. سمّاه شيطانا لأنّه أضلّه كما يضلّ الشيطان، ثمّ خذله ولم ينفعه في العاقبة. أو أراد إبليس، لأنّه حمله على مخالّته ومخالفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . أو كلّ من تشيطن من جنّ وإنس.
( لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ) يواليه حتّى يؤدّيه إلى الهلاك، ثمّ يتركه مخذولا ولا ينفعه. فعول من الخذلان.
وهذه الجملة الفعليّة يحتمل أن تكون حكاية كلام الظالم، وأن تكون كلام الله.
( وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) )
( وَقالَ الرَّسُولُ ) محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ، أو في الدنيا بثّا إلى الله( يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي ) قريشا( اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) بأن تركوه وصدّوا عنه وعن الإيمان.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من تعلّم القرآن وعلّق مصحفه، ولم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلّقا به، يقول: يا ربّ العالمين عبدك هذا اتّخذني مهجورا، اقض بيني وبينه».
وقيل: هو من: هجر إذا هذى، أي: جعلوه مهجورا فيه، فحذف الجارّ.
وهو على وجهين :
أحدهما: زعمهم أنّه هذيان وباطل وأساطير الأوّلين.
والثاني: أنّهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله:( لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) (١) .
ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر، كالمعقول. والمعنى: اتّخذوه هجرا.
وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية، وتخويف لقومه، لأنّ الأنبياء صلّى الله عليهم إذا شكوا إلى الله قومهم عجّل لهم العذاب ولم ينظروا.
ثمّ سلّى سبحانه رسوله، ووعده النصرة عليهم، فقال:( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) كما جعلناه لك، فاصبر كما صبروا. والعدوّ يحتمل الواحد والجمع، كقوله:( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) (٢) .
وملخّص المعنى: أنّ الله سبحانه أمر الأنبياء أن يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى، وترك ما ألفوه من دينهم ودين آبائهم، وإلى ترك عبادة الأصنام وذمّها، وكانت هذه أسبابا داعية إلى العداوة، فإذا أمرهم بها فقد جعلهم عدوّا لهم.
( وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً ) إلى طريق قهرهم والانتصار منهم( وَنَصِيراً ) لك عليهم.
__________________
(١) فصّلت: ٢٦.
(٢) الشعراء: ٧٧.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤) )
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ) أي: أنزل، كخبّر بمعنى: أخبر، لئلّا يناقض قوله:( جُمْلَةً واحِدَةً ) دفعة واحدة، كالكتب الثلاثة.
وهذا أيضا من اعتراضاتهم واقتراحاتهم على شرادهم عن الحقّ، وتجافيهم عن اتّباعه. ولا طائل تحته، لأنّ الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرّقا. وهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدّوا بسورة واحدة من أصغر السّور، فأبرزوا صفحة عجزهم حين لاذوا بالمناصبة والمنازعة، وفزعوا إلى المحاربة. فاقتراحهم إنزاله جملة واحدة محض شراد وعناد.
مع أنّ للتفريق فوائد. منها: ما أشار إليه بقوله:( كَذلِكَ ) صفة مصدر محذوف.
والإشارة إلى ما فهم من قولهم، فإنّ قولهم: لولا أنزل عليه جملة، معناه: لم أنزل مفرّقا؟ فيكون المعنى: كذلك أنزلناه إنزالا كذلك، أي: أنزلناه على التفريق.
( لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ) لنقوّي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لأنّ حالهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخالف حال عيسى وموسى وداودعليهمالسلام ، حيث كان أمّيّا وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه جملة لدهش بحفظه، فلم يكن له بدّ من التلقّن والتحفّظ على وجه النجوم. ولأنّ فيه مزيد بصيرة وغوص في المعنى. ولأنّ نزوله على حسب الوقائع وجوابات السائلين. ولأنّه إذا نزّل منجّما وهو يتحدّى بكلّ نجم، فيعجزون عن معارضته، وزاد ذلك قوّة قلبه. ولأنّه إذا نزّل به جبرائيل حالا بعد حال يثبت به فؤاده. ولأنّ فيه معرفة الناسخ والمنسوخ. وغير ذلك من الفوائد.
( وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ) معطوف على الفعل الّذي تعلّق به «كذلك». كأنّه قال: كذلك فرقناه ورتّلناه ترتيلا، أي: قرأناه عليك شيئا فشيئا على تؤده وتمهّل، في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة. وأصله: الترتيل في الأسنان، وهو تفليجها(١) . يقال: ثغر مرتّل ورتل.
روي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «يا ابن عبّاس إذا قرأت القرآن فرتّله ترتيلا. قال: وما الترتيل؟ قال: بيّنه تبيينا، ولا تنثره نثر الدقل(٢) ، ولا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكوننّ همّ أحدكم آخر السورة».
( وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ) بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة ـ كأنّه مثل في البطلان ـ يريدون به القدح في نبوّتك( إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ ) أتيناك نحن بالجواب الحقّ الّذي لا محيد لهم عنه، الدافع لسؤالهم( وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ) وبما هو أحسن معنى من سؤالهم.
ولـمّا كان التفسير هو التكشيف عمّا يدلّ عليه الكلام، وضع موضع: معناه، فقالوا: تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل: معناه كذا وكذا.
أو لا يأتونك بحال عجيبة يقولون: هلّا كانت هذه صفتك وحالك، من مقارنة ملك بك ينذر معك، وإلقاء كنز إليك، أو كون الجنّة لك، أو إنزال القرآن عليك جملة، إلّا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحقّ لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما هو أحسن تكشيفا لـما بعثت عليه. ولهذا ينزّل عليك القرآن منجّما، لأنّ تنزيله مفرّقا، وتحدّيهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلّما نزل شيء منها، أدخل في الإعجاز، وأنور للحجّة من أن ينزّل كلّه جملة.
( الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ ) أي: مقلوبين، أو مسحوبين عليها.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف على الدوابّ، وصنف على الأقدام، وصنف على الوجوه».
وهو ذمّ مرفوع أو منصوب. أو مبتدأ خبره( أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً )
__________________
(١) المفلّجة من الأسنان: المنفرجة.
(٢) الدقل: أردأ التمر. والهذّ: سرعة القراءة.
والمفضّل عليه هو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم على طريقة قوله تعالى:( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ) (١) . كأنّه قيل: إنّما يحملهم على هذه السؤالات أنّهم يضلّلون سبيله، ويحتقرون مكانه ومنزلته، وإذا سحبوا على وجوههم إلى جهنّم علموا أنّ مكانهم شرّ من مكانه، وسبيلهم أضلّ من سبيله.
وقيل: إنّه متّصل بقوله:( أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) (٢) . ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة.
أورد البخاري في الصحيح عن أنس: «أنّ رجلا قال: يا نبيّ الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: إن الّذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»(٣) .
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) )
ثمّ ذكر حديث الأنبياء وأممهم تسلية للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى
__________________
(١) المائدة: ٦٠.
(٢) الفرقان: ٢٤.
(٣) صحيح البخاري ٦: ١٣٧.
الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ) يوازره، أي: معينا يعينه في الدعوة وإعلاء الكلمة. والوزارة لا تنافي النبوّة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا.
( فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ) يعني: فرعون وقومه( بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ) أي: فذهبا إليهم فكذّبوهما فدمّرناهم، أي: فأهلكناهم إهلاكا بأمر فيه أعجوبة.
فاقتصر على حاشيتي القصّة اكتفاء بما هو المقصود منها، وهو إلزام الحجّة ببعثة الرّسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. ومثله قوله تعالى:( اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) (١) أي: فضرب فانفلق.
( وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ) كذّبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو نوحا وحده، ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الجميع. أو كذّبوا بعثة الرسل مطلقا، كالبراهمة.( أَغْرَقْناهُمْ ) بالطوفان( وَجَعَلْناهُمْ ) وجعلنا إغراقهم، أو قصّتهم( لِلنَّاسِ آيَةً ) عبرة( وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ) أي: لجميع الظلمة من أمم الأنبياء. أو لجميع قوم نوح، فيكون وضعا للظاهر موضع المضمر، تظليما لهم.
( وَعاداً وَثَمُودَ ) عطف على «هم» في «جعلناهم»( وَأَصْحابَ الرَّسِ ) قوم كانوا عبدة الأصنام، وأصحاب آبار ومواش، ولهم بئر غير مطويّة يسكنون عليها، ويعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم وفي إبذائه، فانهارت البئر، فخسف بهم وبديارهم.
وقيل: الرّسّ قرية بفلج اليمامة، كان فيها بقايا ثمود، فبعث إليهم نبيّ فقتلوه فهلكوا.
وعن الصادقعليهالسلام : «إنّ نساءهم كنّ سحّاقات».
وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبيّ، ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من
__________________
(١) الشعراء: ٦٣.
كلّ لون، وسمّوها عنقاء لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الّذي يقال له: فتح أو دمح، وتنقضّ على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سمّيت مغربا. فدعا عليها حنظلة، فأصابتها الصاعقة. ثمّ إنّهم قتلوا حنظلة فأهلكوا.
وقيل: هم أصحاب الأخدود. والرسّ: هو الأخدود(١) . وقيل: الرسّ بأنطاكية، قتلوا فيها حبيبا النجّار. وقيل: قوم كذّبوا نبيّهم، ورسّوه في بئر، أي: دسّوه فيها.
( وَقُرُوناً ) وأهل أعصار. وقيل: القرن أربعون سنة. وقيل: سبعون. وقيل: مائة وعشرون.( بَيْنَ ذلِكَ ) إشارة إلى ما ذكر، فإنّه قد يذكر الذاكر أشياء مختلفة، ثمّ يشير إليها بذلك، أي: ذلك المذكور. وكذا يحسب الحاسب أعدادا متكاثرة، ثمّ يقول: فذلك كيت وكيت. على معنى: فذلك المحسوب أو المعدود.( كَثِيراً ) لا يعلمها إلّا الله.
( وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ ) بيّنّا له القصص العجيبة من قصص الأوّلين، ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء إنذارا وإعذارا، فلمّا أصرّوا أهلكوا، كما قال عزّ اسمه:( وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً ) فتتناه تفتيتا. ومنه: التبر لفتات الذهب والفضّة والزجاج.
و «كلّا» الأوّل منصوب بما دلّ عليه «ضربنا»، وهو: أنذرنا. والثاني بـ «تبّرنا» لأنّه فارغ له، بخلاف الأوّل.
( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) )
__________________
(١) الأخدود: الحفرة المستطيلة.
( وَلَقَدْ أَتَوْا ) يعني: قريشا مرّوا مرارا في متاجرهم إلى الشام( عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) يعني: سدوم عظمى قرى قوم لوط. وكانت خمسا، أهلك الله أربعا بأهلها، وبقيت واحدة أمطرت عليها الحجارة.
( أَفَلَمْ يَكُونُوا ) في مرار مرورهم( يَرَوْنَها ) ينظرون إليها، فيتّعظون بما يشاهدون فيها من آثار عذاب الله( بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ) بل كانوا كفرة لا يتوقّعون نشورا ولا عاقبة، فلذلك لم ينظروا ولم يتّعظوا، فمرّوا بها كما مرّت ركابهم. أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون طمعا في الثواب. أو لا يخافونه، على اللغة التهاميّة.
( وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) ما يتّخذونك إلّا موضع هزؤ، أو مهزوءا به.
يعني: يستهزؤن بك.( أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً ) محكيّ بعد قول مضمر، أي: يقولون: أهذا. والهمزة والاشارة للإنكار والاستحقار. وإخراج بعث الله رسولا في معرض التسليم والإقرار، وهم على غاية الإنكار، تهكّم واستهزاء. ولو لاه لقالوا: هذا الّذي زعم أنّه بعثه الله رسولا.
( إِنْ كادَ ) إنّه كاد( لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ) ليصرفنا عن عبادتها، بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يوردها ممّا يسبق إلى الذهن بأنّها حجج ومعجزات( لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ) ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها لأزالنا عن ذلك.
وحذف الجواب لدلالة الكلام السابق عليه. فـ «لو لا» جار من حيث المعنى ـ لا من حيث اللفظ ـ مجرى التقييد للحكم المطلق، لأنّ صناعة النحو تقتضي أنّ كلمات الشرط تأتي بعدها جملتان: شرط وجزاء. وقد يأتي في بعض المواضع الّذي يراد به تقييد الجملة المتقدّمة محذوفا جوابها، فيقيّد بها الجملة المذكورة قبلها، ويكون جوابها محذوفا. وكما تكون كلمات الشرط بهذه الحيثيّة، فكذلك «لو لا»، فإنّ حكمها حكم كلمات الشرط في اقتضاء الجملتين، وتقدير الربط بينهما.
روي: أنّ هذا من قول أبي جهل لعنه الله. فقال سبحانه متوعّدا عليه:( وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) من أخطأ طريقا عن الهدى، أنتم أم المؤمنون؟ وهو كالجواب لقولهم:( إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا ) ، فإنّه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له. وفيه وعيد ودلالة على أنّه لا يهملهم وإن أمهلهم.
( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤) )
روي: أنّ الرجل من المشركين كان يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى به وأخذ يعبد الآخر، ومنهم الحرث بن قيس السهمي، فعجّب الله سبحانه نبيّه من نهاية جهلهم، فقال:( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) بأن أطاعه وبنى عليه دينه، ويتّبعه في كلّ ما يأتي ويذر، لا يسمع حجّة، ولا يتبصّر دليلا، ولا يصغي إلى برهان. وإنّما قدّم المفعول الثاني للعناية به، كما تقول: علمت منطلقا زيدا، لفرط عنايتك بالمنطلق.
( أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ) حفيظا قادرا على أن تمنعه عن الشرك والمعاصي.
والاستفهام الأوّل للتقرير والتعجيب. والثاني للإنكار، أي: كيف تستطيع أن تدعو من لا يرى معبوده إلّا الهوى إلى الهدى، وتجبره على الإسلام؟ وتسمية الحفيظ بالوكيل، لأنّ الوكيل هو الكافي للشيء، ولا يكون كذلك إلّا وهو قادر عليه.
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( أَمْ تَحْسَبُ ) بل تظنّ( أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ) ما تقوله سماع طالب للإفهام( أَوْ يَعْقِلُونَ ) ما تقوله لهم، وتقرأه عليهم، فتجدي لهم الآيات أو الحجج، فتهتمّ بشأنهم، وتطمع في إيمانهم. وهذا أشدّ ندامة ممّا قبله، حتّى حقّ بالإضراب عنه إليه. وتخصيص الأكثر لأنّه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحقّ وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة.
ثمّ شبّههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم، وعدم تدبّرهم فيما
شاهدوا من الدلائل والمعجزات، فقال:( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ) أي: ما هم إلّا كالبهائم الّتي تسمع النداء ولا تعقل.
ثمّ جعلهم أضلّ منها، فقال:( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) من الأنعام، لأنّها تنقاد لمن يتعهّدها، وتميّز من يحسن إليها ممّن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتتجنّب ما يضرّها. وهم لا ينقادون لربّهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان الّذي هو أعدى أعدائهم، ولا يطلبون الثواب الّذي هو أعظم المنافع، ولا يتّقون العقاب الّذي هو أشدّ المضارّ والمهالك. ولأنّها إن لم تعتقد حقّا، ولم تكتسب خيرا، لم تعتقد باطلا، ولم تكتسب شرّا، بخلاف هؤلاء. ولأنّ جهالتها لا تضرّ بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدّي إلى هيج الفتن، وصدّ الناس عن الحقّ. ولأنّها غير متمكّنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها ولا ذمّ. وهؤلاء مقصّرون ومستحقّون أعظم العقاب على تقصير هم، فبينهما بون بعيد.
( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) )
ثمّ نبّه سبحانه على النظر فيما يدلّ على وحدانيّته وكمال قدرته بطريق آخر، ليستوفي الإلزام عليهم، فقال:( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ ) ألم تنظر إلى صنعه وقدرته( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ ) كيف جعله منبسطا ممتدّا لينتفع به الناس؟ أو ألم تنظر إلى الظلّ كيف مدّه ربّك؟ فغيّر النظم إشعارا بأنّه المعقول من هذا الكلام، لوضوح برهانه، وهو دلالة حدوثه وتصرّفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة، على أنّ ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي، فكيف بالمحسوس منه. أو ألم ينته علمك إلى أنّ ربّك كيف مدّ الظلّ؟ وهو ظلّ الأجرام، من نحو الجبال والحيطان والأشجار.
وعن ابن عبّاس والضحّاك وسعيد بن جبير: المراد الظلّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وهو أطيب الأحوال، فإنّ الظلمة الخالصة تنفّر الطبع وتسدّ النظر، وشعاع الشمس يسخن الجوّ ويبهر البصر. ولذلك وصف به الجنّة فقال:( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) (١) .
( وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ) ثابتا، من السكنى، أي: لاصقا بأصل كلّ مظلّ، من جبل وبناء وشجرة، غير منبسط، فلم ينتفع به أحد. سمّي انبساط الظلّ وامتداده تحرّكا، وعدم ذلك سكونا، تجوّزا. أو جعله غير متقلّص، من السكون، بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد.
( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ) فإنّه لا يظهر للحسّ حتّى تطلع، فيقع ضوءها على بعض الأجرام. أو لا يوجد ولا يتفاوت إلّا بسبب حركتها. يعني: أنّ الناس يستدلّون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظلّ، من كونه ثابتا في مكان وزائلا، ومتّسعا ومتقلّصا. ولولا الشمس لـما عرف الظلّ، ولولا النور لـما عرفت الظلمة. فيبنون حاجتهم إلى الظلّ على حسب ذلك.
ولـمّا عبّر عن إحداثه بالمدّ بمعنى التسيير، عبّر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الّذي
__________________
(١) الواقعة: ٣٠.
هو في معنى الكفّ، فقال:( ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا ) أي: أنزلناه بإيقاع الشمس موقعه( قَبْضاً يَسِيراً ) قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس، لينتظم بذلك مصالح الكون، ويتحصّل به ما لا يحصى من منافع الخلق. ولو قبض دفعة واحدة لتعطّلت مرافق الناس بالظلّ والشمس جميعا.
و «ثمّ» في الموضعين لبيان تفاضل الأمور الثلاثة، فإنّ الثاني أعظم من الأوّل، والثالث أعظم منهما، تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت.
وقيل: حدّ الظلّ حين بنى السماء كالقبّة المضروبة بلا نيّر، ودحا الأرض تحتها، فألقت القبّة ظلّها على الأرض، ولو شاء لجعله ساكنا ثابتا على تلك الحالة. ثمّ خلق الشمس عليه دليلا، أي: سلّطها عليه ونصبها دليلا مستتبعا إيّاه، كما يستتبع الدليل المدلول، فهو يزيد بها وينقص، ويمتدّ ويتقلّص. ثمّ نسخه بها، فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير، إلى أن تنتهي غاية نقصانه. أو يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام الّتي تبقي الظلّ. فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه. وفي قوله: «قبضناه إلينا» دلالة عليه. وكذلك في قوله: «يسيرا»، كقوله:( ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ) (١) .
( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً ) شبّه ظلامه باللباس في ستره، أي: غطاء ساترا للأشياء بالظلام، كاللباس الّذي يشتمل على لابسه.
( وَالنَّوْمَ سُباتاً ) راحة للأبدان بقطع المشاغل. وأصل السبت القطع. أو موتا، كقوله:( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) (٢) لأنّه قطع الحياة. ومنه: المسبوت للميّت.
( وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ) ذا نشور، أي: انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أو
__________________
(١) ق: ٤٤.
(٢) الأنعام: ٦٠.
تنتشر الأرواح في اليقظة. أو بعث من النوم بعث الأموات. فيكون إشارة إلى أنّ النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان: «يا بنيّ كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر».
( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ) وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس( بُشْراً ) ناشرات للسحاب. جمع نشور(١) . وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف. وحمزة والكسائي به وبفتح النون، على أنّه مصدر وصف به. وعاصم: بشرا، تخفيف بشر جمع بشور، بمعنى المبشّر.
( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) يعني: قدّام المطر( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) بليغا في طهارته. بمعنى: طاهرا في نفسه مطهّرا لغيره، مزيلا للأحداث والأخباث. ويعضده قوله تعالى:( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ ) (٢) .
وقيل: هو اسم لمال يتطهّر به، كالوضوء والوقود والسحور، بمعنى ما يتوضّأ به ويتوقّد به ويتسحّر به. أو بمعنى الطهارة، كقولهعليهالسلام : «لا صلاة إلّا بطهور».
واستدلّوا بالنقل والاستعمال.
أمّا الأوّل فلما ذكره اليزيدي من أنّ الطهور بالفتح من الأسماء المتعدّية، بمعنى المطهّر غيره. وهو أحد أئمّة اللغة، ومن القرّاء السبعة.
وأمّا الثاني فلأنّه مراد في الاستعمال، فيكون حقيقة. أمّا إرادته ىفلقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا».
ولو أراد الطاهر لم يكن له مزيّة. ولأنّهم يقولون: ماء طهور، ولا يقولون: ثوب طهور، فلا بدّ من فائدة تختصّ بالماء، ولا تظهر الفائدة إلّا مع إفادة التطهير لغيره، فهو من الوضع الثاني.
__________________
(١) النشور من الرياح: الّتي تنشر السحاب. وجمعها: نشر. وقرئ: نشرا، نشرا، بشرا. والأخيرة هي القراءة المتّبعة في المصحف الشريف.
(٢) الأنفال: ١١.
وقال بعض الحنفيّة: إنّ طهورا فعول يفيد المبالغة في فائدة فاعل، كما يقال: ضروب وأكول لزيادة الضرب والأكل، ولا يفيد شيئا مغايرا له. فعلى هذا لا يكون بمعنى المطهّر، لأنّ كونه مطهّرا مغاير لمعنى الطاهر، فلا تتناوله المبالغة. ولأنّه قد يستعمل فيما لا يفيد التطهير، كقوله تعالى:( وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) (١) . وقول الشاعر: عذب الثنايا ريقهنّ طهور.
والحقّ أنّ التعدّي في الحقيقة لمطهّر، وألحقوا طهورا به توقيفا. وتوصيف الماء به إشعار بالنعمة، وتتميم للمنّة فيما بعده، فإنّ الماء الطهور أهنأ وأنفع ممّا خالطه ما يزيل طهوريّته، وتنبيه على أنّ ظواهرهم لـمّا كانت ممّا ينبغي أن يطهّروها، فبواطنهم بذلك أولى.
( لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً ) بالنبات. وتذكير «ميتا» لأنّ البلدة في معنى البلد. ولأنّه غير جار على الفعل، كفعول ومفعال ومفعيل، وغيرها من أبنية المبالغة، فأجري مجرى الجامد.
( وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ) يعني: أهل البوادي الّذين يعيشون بالمطر، ولذلك نكّر الأنعام والأناسيّ. وهو جمع إنسيّ أو إنسان. ونحوه ظرابي في ظربان. وهو دويبّة منتنة الريح. فقلبت النون ياء حين جمع.
ووصف بالكثرة، لأنّ كثيرا منهم لا يعيشون إلّا بما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه. كأنّه قال: لنحيي به بعض البلاد الميتة، ونسقيه بعض الأنعام والأناسيّ، وذلك البعض كثير.
وأمّا تخصيص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب، لأنّ الطير والوحش تبعد في طلب الماء، فلا يعوزها الشرب، بخلاف الأنعام.
__________________
(١) الإنسان: ٢١.
وقدّم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسيّ، لأنّ حياة الأناسيّ بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدّم ما هو سبب حياتهم وتعيّشهم على سقيهم. ولأنّهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا سقياهم.
واعلم أنّ مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة، فهو أيضا لتعداد أنواع النعمة.
( وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ ) صرّفنا هذا القول بين الناس في القرآن، وسائر الكتب والصحف الّتي أنزلت على الرسل. وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر.
وقيل: معناه: صرّفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة، من وابل(١) وطلّ وديمة، وأمثالها في القوّة والضعف.
وعن ابن عبّاس: ما عام أمطر من عام، ولكنّ الله قسّم ذلك بين عباده على ما شاء.
وتلا هذه الآية.
وروي: أنّ الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كلّ عام. أو صرّفنا المطر في الأنهار والمنافع(٢) على سعة قدرتنا.
( لِيَذَّكَّرُوا ) ليتفكّروا ويعرفوا كمال القدرة وحقّ النعمة في ذلك، ويقوموا بشكره. أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم. وقرأ حمزة والكسائي بسكون الذال وضمّ الكاف مخفّفة.
( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) إلّا كفران النعمة وقلّة الاكتراث لها. أو جحودها، بأن يقولوا: مطرنا بنوء(٣) كذا، ولا يذكروا صنع الله ورحمته. ومن لا يرى الأمطار إلّا من
__________________
(١) الوابل: المطر الشديد. والطلّ: المطر الضعيف. والديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد ولا برق.
(٢) المنافع جمع المنقع. وهو البحر، أو الموضع يستنقع فيه الماء.
(٣) النوء: النجم، المطر. كانت العرب في الجاهليّة إذا سقط من الأنواء نجم وطلع آخر قالوا :
الأنواء كافر، بخلاف من يرى أنّها من خلق الله بوسائط، يجعلها الله دلائل وأمارات عليها، فإنّه لم يكفر بهذا الاعتقاد.
( وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) )
ثمّ وقّر الله رسوله وعظّمه وكرّمه بقوله:( وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ) نبيّا ينذر أهلها، فيخفّ عليك أعباء النبوّة. لكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، وتفضيلا لك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالثبات والتشدّد، والتصبّر والاجتهاد، في صدوع الدعوة وإظهار الحقّ.
( فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ) فيما يريدونك عليه. وهو تهييج لهصلىاللهعليهوآلهوسلم وللمؤمنين.
( وَجاهِدْهُمْ بِهِ ) بالقرآن. أو بترك طاعتهم الّذي يدلّ عليه «فلا تطع».
والمعنى: أنّهم يجتهدون في توهين أمرك وإبطال حقّك، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم.
( جِهاداً كَبِيراً ) لأنّ مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر وأشقّ من مجاهدة الأعداء بالسيف.
ويحتمل أن يكون ضمير «به» يرجع إلى ما دلّ عليه( وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ) من كونه نذير كافّة القرى. فالمعنى: لو بعثنا في كلّ قرية نذيرا لوجبت على كلّ نذير مجاهدة قريته، فاجتمعت عليك تلك المجاهدات كلّها، فكبر جهادك من أجل ذلك وعظم.
__________________
لا بدّ من أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كلّ غيث يكون عند ذلك إلى النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريّا أو بنوء الدبران.
( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) )
ثمّ بيّن قدرة اخرى من أقداره الكاملة، فقال:( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) خلّاهما وأرسلهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان. من: مرج دابّته إذا خلّاها.
( هذا عَذْبٌ ) طيّب ذو حلاوة( فُراتٌ ) قامع للعطش من فرط عذوبته، فإنّ أصله القمع( وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ) بليغ الملوحة.
( وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً ) حاجزا من قدرته، كقوله تعالى:( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) (١) وهو قدرته( وَحِجْراً مَحْجُوراً ) وتنافرا بعيدا، كأنّ كلّا منهما يقوله للآخر ما يقوله المتعوّذ للمتعوّذ عنه. وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز، كما قال:( لا يَبْغِيانِ ) (٢) أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة. فانتفاء البغي ثمّة كالتعوّذ هاهنا. فجعل كلّ واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوّذ منه. وهي من أحسن الاستعارات، وأشهدها على البلاغة.
وقيل: معناه: حدّا محدودا. وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقّه، فتجري في خلاله فراسخ لا يتغيّر طعمها.
وقيل: المراد بالبحر العذاب النهر العظيم مثل النيل، وبالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض، فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة، مع أنّ
__________________
(١) الرعد: ٢.
(٢) الرحمن: ٢٠.
مقتضى طبيعة أجزاء كلّ عنصر أن تضامّت وتلاصقت وتشابهت في الكيفيّة.
( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً ) يعني: الماء الّذي خمّر به طينة آدم. أو جعله جزءا من مادّة البشر، لتجتمع وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة. أو النطفة.
( فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ) أي: قسّمه قسمين: ذوي نسب، أي: ذكورا ينسب إليهم. وذوات صهر، أي: إناثا يصاهر بهنّ، ويحصل منهنّ الختونة(١) ، كقوله تعالى:( فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ) (٢) .
وقيل: النسب: الّذي لا يحلّ نكاحه. والصهر: النسب الّذي يحل نكاحه، كبنات العمّ والخال.
وقال ابن سيرين: نزلت في النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، زوّج فاطمةعليهاالسلام عليّاعليهالسلام ، فهو ابن عمّه وزوج ابنته، فكان نسبا وصهرا.
( وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) على ما أراد، حيث خلق من مادّة ـ أي: نطفة ـ واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وجعله قسمين متقابلين، وربّما يخلق من نطفة واحدة توأمين مختلفين.
( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) )
__________________
(١) الختونة مصدر: ختنه، أي: تزوّج إليه وصاهره. والختن: زوج الابنة.
(٢) القيامة: ٣٩.
وبعد ذكر كمال قدرته وأنواع نعمه، أخبر عن الكفّار الّذين ـ مع ظهور قدرته الكاملة، وصنوف نعمه المتكاثرة عندهم ـ يشركون به، ويرتكبون أنواع المعاصي، فقال:( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ ) من الأصنام، أو كلّ ما عبد من دون الله تعالى، إذ ما من مخلوق يستقلّ بالنفع والضرّ( وَكانَ الْكافِرُ ) جنس الكافر.
وقيل: أبو جهل.( عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ) مظاهرا للشيطان بالعداوة والشرك. أو مظاهرا لأبناء جنسه في إطفاء نور دين الله.
وفي الكشّاف: «الظهير والمظاهر، كالعوين والمعاون. وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز. ومثله: الصديق والخليط. ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة، كقوله:( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) (١) . وقيل. هيّنا مهينا لا وقع له عنده، كالمطرح المتروك. من قولهم: ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك لا تلتفت إليه، فيكون كقوله:( وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ) (٢) . ومنه:( وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا ) (٣) »(٤) .
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً ) للمؤمنين( وَنَذِيراً ) للكافرين( قُلْ ) لهؤلاء الكفرة( ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) على تبليغ الرسالة الّذي يدلّ عليه «إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً »( مِنْ أَجْرٍ ) تعطونيه( إِلَّا مَنْ شاءَ ) إلّا فعل من شاء( أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) أن يتقرّب به إليه، أي: يطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة البدنيّة والماليّة. فصوّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنّه مقصود فعله. واستثناه منه قلعا لشبهة الطمع، وإظهارا لغاية الشفقة، حيث اعتدّ بإنفاعك ـ بالتعرّض للثواب، والتخلّص عن العقاب ـ أجرا وافيا مرضيّا به مقصورا عليه.
__________________
(١) التحريم: ٤.
(٢) آل عمران: ٧٧.
(٣) هود: ٩٢.
(٤) الكشّاف ٣: ٢٨٧.
وقيل: الاستثناء منقطع. ومعناه: لكن من شاء أن يتّخذ إلى ربّه سبيلا فليفعل.
ثمّ أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأن يثق به، ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم، مع التمسّك بقاعدة التوكّل وأساس الالتجاء، وهو طاعته وعبادته وتنزيهه وتحميده، فقال:( وَتَوَكَّلْ ) وفوّض أمورك( عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) لأنّه الحقيق بأن يتوكّل عليه، دون الأحياء الّذين يموتون، فإنّهم إذا ماتوا ضاع من توكّل عليهم. وعن بعض السلف أنّه قرأها فقال: لا يصحّ لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق.
( وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) ونزّهه عن صفات النقصان، مثنيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه.
ثمّ أراه أن ليس إليه من أمره عباده شيء، آمنوا أم كفروا، فقال:( وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ ) ما ظهر منها وما بطن( خَبِيراً ) بأحوالهم، كافيا في جزاء أعمالهم، فلا عليك إن آمنوا أو كفروا.
( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) )
ثمّ ذكر أوصافه الحاثّة على التوكّل عليه بقوله:( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) يعني: في مدّة مقدارها هذه المدّة، لأنّه لم يكن حينئذ نهار ولا ليل. وقيل: ستّة أيّام من أيّام الآخرة. وكلّ يوم ألف سنة. والظاهر أنّها من أيّام الدنيا.
وعن مجاهد: أوّلها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ووجهه أن يسمّي الله تعالى لملائكته تلك الأيّام المقدّرة بهذه الأسماء، فلمّا خلق الشمس وأدارها وترتّب أمر العالم على ما
هو عليه، جرت التسمية على هذه الأيّام.
وأمّا الداعي إلى هذا العدد ـ أعني: الستّة ـ دون سائر الأعداد، فلا نشكّ أنّه داعي حكمة، لعلمنا أنّه لا يقدّر تقديرا إلّا بداعي حكمة، وإن كنّا لا نطّلع عليه، ولا نهتدي إلى معرفته، فإنّ خفاء الحكمة علينا لا يقتضي نفيها، ومن ذلك تقدير الملائكة الّذين هم أصحاب النار تسعة عشر، وحملة العرش ثمانية، والشهور اثني عشر، والسماوات سبعا، وغير ذلك. والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله، وبأنّ ما قدّره حقّ وصواب وحكمة، هو الإيمان. وقد نصّ عليه في قوله:( وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً ) (١) . وهو الجواب أيضا في أنّه لم يخلقها لحظة، وهو قادر على ذلك.
وعن سعيد بن جبير: إنّما خلقها في ستّة أيّام، وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبّت.
وقيل: اجتمع خلقها يوم الجمعة، فجعله الله عيدا للمسلمين.
( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) قد سبق(٢) معنى الاستواء على العرش غير مرّة( الرَّحْمنُ ) خبر «الّذي» إن جعلته مبتدأ. أو بدل من المستكن في «استوى»( فَسْئَلْ بِهِ ) بسؤال ما ذكر. أو الباء بمعنى «عن». يعني: فاسأل عمّا ذكر من الخلق والاستواء( خَبِيراً ) عالما يخبرك بحقيقة، وهو الله تعالى، أو جبرئيل، أو من وجده في الكتب المتقدّمة، ليصدّقك فيه.
وقيل: الضمير للرحمن. والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى، فاسأل عنه من
__________________
(١) المدّثّر: ٣١.
(٢) راجع ج ٢ ص ٥٣١ ذيل الآية ٥٤ من سورة الأعراف، وج ٣ ص ١٨٨ ذيل الآية ٣ من سورة يونس، وص ٤٢٥ ذيل الآية ٢ من سورة الرعد، وج ٤ ص ٢٢٢ ذيل الآية ٥ من سورة طه.
يخبرك من أهل الكتاب، ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم.
وعلى هذا، يجوز أن يكون «الرحمن» مبتدأ، والخبر ما بعده. والسؤال كما يعدّى بـ «عن» لتضمّنه معنى التفتيش، يعدّى بالباء، لتضمّنه معنى الاعتناء والاهتمام.
وقيل: إنّه صلة «خبيرا» أي: فاسأل رجلا خبيرا به.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ ) لأنّهم ما كانوا يطلقونه على الله. أو لأنّهم ظنّوا أنّه أراد به غيره، فإنّهم كانوا يقولون: ما نعرف الرّحمن إلّا الّذي باليمامة، يعنون مسيلمة. ولذلك قالوا:( أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ) أي: للّذي تأمرناه. يعني: تأمرنا بسجوده. أو لأمرك لنا من غير عرفان، على أنّها مصدريّة. وقيل: لأنّه كان معربا لم يسمعوه. وقرأ حمزة والكسائي: يأمرنا بالياء، على أنّه قول بعضهم لبعض.( وَزادَهُمْ نُفُوراً ) عن الإيمان.
( تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) )
ثمّ مدح الله سبحانه نفسه بصفات الكمال ونعوت الجلال الدالّة على رحمانيّته، فقال:( تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً ) يعني: منازل الكواكب السبعة السيّارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. سمّيت بالبروج الّتي هي القصور العالية، لأنّها لهذه الكواكب كالمنازل لسكّانها. واشتقاق البرج من التبرّج، لظهوره.
( وَجَعَلَ فِيها سِراجاً ) يعني: الشمس، لقوله تعالى:( وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ) (١) . وقرأ حمزة والكسائي: سرجا. وهي: الشمس والكواكب الكبار معها.
__________________
(١) نوح: ١٦.
( وَقَمَراً مُنِيراً ) مضيئا بالليل.
( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً ) أي: ذوي خلفة يخلف كلّ منهما الآخر، بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، أي: ذوي عقبة، بأن يعقب هذا ذاك وذاك هذا.
ومنه قوله تعالى:( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) (١) والفعلة للحالة، كالركبة والجلسة.
والمعنى: جعلهما للحالة الّتي يخلف عليها كلّ واحد منهما الآخر.
( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ) أي: يتذكّر آلاء الله، ويتفكّر في صنعه، بأن ينظر في اختلافهما، فيعلم أن لا بدّ لانتقالهما من حال إلى حال وتغيّرهما من ناقل ومغيّر، ويستدلّ بذلك على وجود صانع حكيم، واجب بالذات، رحيم على العباد( أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) أن يشكر الله على ما فيه من النعم. أو ليكونا وقتين للمتذكّرين والشاكرين، من فاته ورده من العبادة في أحدهما تداركه في الآخر. كما نقل عن الحسن: من فاته عمله من التذكّر والشكر بالنهار، كان له في الليل مستعقب، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعقب.
وروي ذلك عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، حيث قال: «تقضى صلاة النهار بالليل، وصلاة الليل بالنهار».
وقرأ حمزة: أن يذكر، من: ذكر، بمعنى: تذكّر، وكذلك: ليذكّروا. ووافقه الكسائي فيه.
( وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) )
__________________
(١) البقرة: ١٦٤.
( وَعِبادُ الرَّحْمنِ ) مبتدأ خبره( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ) (١) وما بينهما صفات لهم. ويجوز أن يكون خبره قوله:( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ ) وإضافتهم إلى الرحمان للتخصيص والتفضيل، فيريد أفاضل عباده. وهذا كما يقال: ابني من يطيعني، أي: ابني الّذي أنا عنه راض، ويكون توبيخا لأولاده الّذين لا يطيعونه. أو لأنّهم الراسخون في عبادته، على أنّ عباد جمع عابد، كتاجر وتجار.
( هَوْناً ) حال، أي: هيّنين. أو صفة للمشي، أي: مشيا هيّنا. وعلى التقديرين مصدر وصف به. والهون: الرفق واللين. والمعنى: أنّهم يمشون بسكينة وتواضع، لا يضربون بأقدامهم أشرا وبطرا. ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، لقوله:( وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ) (٢) .
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «هو الرجل يمشي بسجيّته الّتي جبل عليها، لا يتكلّف ولا يتبختر».
( وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ) تسلّما منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لكم، لا خير بيننا ولا شرّ، أي: نتسلّم منكم تسلّما. فأقيم السلام مقام التسلّم.
وقيل: معناه: قالوا سدادا من القول، يسلمون فيه من الإيذاء والإثم. ويؤيّده قوله :
__________________
(١) وهي الآية ٧٥ في آخر هذه السورة.
(٢) الفرقان: ٢٠.
( وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) (١) .
والمراد بالجهل السفه وقلّة الأدب. وليس ما قال أبو العالية: من أنّها نسخت بآية(٢) القتال، بشيء، لأنّ المراد هو الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام، وهو لا ينافيها.
( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ) في الصلاة. وتخصيص البيتوتة، لأنّ العبادة بالليل أحمز، وأبعد عن الرياء. وتأخير القيام للرويّ. وهو جمع قائم، أو مصدر أجري مجراه.
قيل: من قرأ شيئا من القرآن في الصلاة وإن قلّ فقد بات ساجدا وقائما.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب، والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنّه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره. يقال: فلان يظلّ صائما، ويبيت قائما.
ثمّ أشعر بأنّهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق نهارا، واجتهادهم في عبادة الحقّ ليلا، وجلون من العذاب، متضرّعون إلى الله في استدفاعه عنهم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ووثوقهم على استمرار أحوالهم، فقال:( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ) لازما دائما غير مفارق. ومنه: الغريم، لملازمته وعدم مفارقته.
( إِنَّها ساءَتْ ) إنّ جهنّم بئست( مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ) . وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسّره «مستقرّا». والمخصوص بالذمّ ضمير محذوف، به ترتبط الجملة باسم «إنّ» أي: بئست جهنّم موضع قرار وإقامة هي. ويجوز أن يكون «ساءت» بمعنى: أحزنت، وفيها ضمير اسم «إنّ»، و «مستقرّا» حال أو تمييز. والجملة تعليل للعلّة الأولى، أو تعليل ثان.
__________________
(١) القصص: ٥٥.
(٢) التوبة: ٥ و ٢٩.
وكلاهما يحتملان حكاية لقولهم، وابتداء من الله.
( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ) لم يجاوزوا حدّ الكرم( وَلَمْ يَقْتُرُوا ) ولم يضيّقوا تضييق الشحيح.
وقيل: الإسراف هو الإنفاق في المحارم، وأمّا في القرب فلا إسراف. وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير. والتقتير منع الواجب.
وروي عن معاذ أنّه قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك، فقال: «من أعطي في غير حقّ فقد أسرف، ومن منع عن حقّ فقد قتر».
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء. ونافع وابن عامر: ولم يقتروا، من: أقتر بمعنى: قتر.
( وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) وسطا عدلا. سمّي به لاستقامة الطرفين واعتدالهما، كما سمّي سواء لاستوائهما. والقوام من العيش ما أقامك وأغناك. وهو خبر ثان، أو حال مؤكّدة. ويجوز أن يكون خبرا، و «بين ذلك» ظرف لغو. وأجاز الفرّاء أن يكون «بين ذلك» اسم «كان» لكنّه مبنيّ، لإضافته إلى غير متمكّن. وهو ضعيف، لأنّه بمعنى القوام، فيكون كالإخبار بالشيء عن نفسه.
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أربعة لا يستجاب لهم دعوة: رجل فاتح فاه جالس في بيته يقول: يا ربّ ارزقني. فيقول له: ألم آمرك بالطلب؟ ورجل كانت له امرأة يدعو عليها، يقول: يا ربّ أرحني منها. فيقول: ألم أجعل أمرها بيدك؟ ورجل كان له مال فأفسده، فيقول: يا ربّ ارزقني. فيقول: ألم آمرك بالاقتصاد؟ ورجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة. فيقول: ألم آمرك بالشهادة؟».
( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ
الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتاباً (٧١) )
عن ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت: ثمّ أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثمّ أيّ؟ قال: إن تزاني حليلة جارك».
فصدّقه الله بذلك فقال:( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) لا يجعلون لله سبحانه شريكا، بل إنّما يوجّهون عبادتهم إليه وحده( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ ) أي: حرّمها، بمعنى حرّم قتلها( إِلَّا بِالْحَقِ ) متعلّق بهذا القتل المحذوف، أو بـ «لا يقتلون».( وَلا يَزْنُونَ ) .
نفى هذه المقبّحات العظام ـ الّتي هي أمّ المعاصي ـ عن الموصوفين بأصول الطاعات، الّتي هي الخلال العظيمة في الدين، إظهارا لكمال إيمانهم، وإشعارا بأنّ الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضا للكفرة بأضداده. ولذلك عقّبه بالوعيد تهديدا لهم، فقال:( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ) أي: جزاء إثم، على حذف المضاف، بوزن الوبال والنكال ومعناهما. عن مجاهد وعكرمة: أنّ أثاما اسم واد في جهنّم.
( يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) بدل من «يلق» لأنّه في معناه. وقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال. وكذلك( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) ويدوم في العذاب مستحقّا به.
وقرأ ابن كثير ويعقوب: يضعّف بالتشديد والجزم. وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد.
وتضعيف العذاب لارتكابهم الشرك والمعاصي، فيعذّبون على الشرك وعلى
المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. وملخّص المعنى: أنّهم يستحقّون على كلّ معصية منها عقوبة، فيضاعف عليه العذاب.
( إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ) بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، أو بدونها تفضّلا، ويثبت مكانها الحسنات: الإيمان، والطاعة، والتقوى. أو يبدّل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل: بأن يوفّقه لأضداد ما سلف منه. أو بأن يثبت له بدل كلّ عقاب ثوابا.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) ساترا لمعاصي عباده( رَحِيماً ) منعما عليهم بالرحمة والفضل، فلذلك يعفو عن السيّئات، ويثيب على الحسنات.
( وَمَنْ تابَ ) عن المعاصي، بأن يتركها ويندم عليها( وَعَمِلَ صالِحاً ) بأن يتلافى به ما فرط. أو خرج عن المعاصي، ودخل في الطاعة.( فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ ) يرجع إلى امتثال أمره بذلك( مَتاباً ) رجوعا مرضيّا عند الله، ماحيا للعقاب، محصّلا للثواب. أو فإنّه يرجع بالتوبة إلى ثواب الله مرجعا حسنا، وأيّ مرجع. وهذا تعميم بعد تخصيص.
( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) )
ثمّ عاد سبحانه إلى وصف عباده المخلصين، فقال:( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) أي: لا يحضرون محاضر الكذب والفسق، ولا يقربونها تنزّها عن مخالطة الشرّ وأهله، وصيانة لدينهم عمّا يثلمه، لأنّ مشاهدة الباطل في حكم الشركة فيه. ولذلك قيل في
النظّارة إلى كلّ ما لم يسوّغه الشرع: هم شركاء فاعليه في الإثم، لأنّ حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب الزيادة فيه، لأنّ استحسان النظّارة ورغبتهم في النظر إليه يبعث مزيّة رغبة الفاعل فيه. وفي مواعظ عيسى بن مريمعليهالسلام : «إيّاكم ومجالسة الخطّائين».
وروي عن الصادقينعليهماالسلام : «الزور هو الغناء».
وقيل: الشرك. وعن الزجّاج: الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله. وقيل: الزور أعياد أهل الذمّة. وقيل: المراد شهادة الزور، على حذف المضاف. وأصل الزور تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ.
( وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ) بأهل اللغو والمشتغلين به. وهو ما يجب أن يلغى ويطرح.
( مَرُّوا كِراماً ) مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، معرضين عنه. ومن ذلك: الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عمّا يستهجن التصريح به.
كما روي عن أبي جعفرعليهالسلام أنّ المعنى: إذا أرادوا ذكر الفرج كنّوا عنه. وأصل اللغو هو الفعل الّذي لا فائدة فيه.
( وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ) بالوعظ أو القراءة( لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ) لم يقعوا عليها غير واعين لها، ولا متبصّرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبّوا عليها، حرصا على استماعها، وأقبلوا على المذكّر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية. فالمراد من النفي: نفي الحال دون الفعل، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلّما، فإنّ المراد هو نفي السلام لا اللقاء. وقيل: الهاء للمعاصي المدلول عليها باللغو. عن الحسن: كم من قارئ يقرؤها فخرّ عليها أصمّ وأعمى.
( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) ما تقرّبه عيوننا بتوفيقك إيّاهم للطاعة وحيازة الفضائل والفواضل، فإنّ المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سرّ بهم قلبه، وقرّت بهم عينه، لـما يرى من مساعدتهم له في الدين، وتوقّع لحوقهم به في الجنّة.
و «من» ابتدائيّة، أي: هب لنا من جهتهم. أو بيانيّة، كقولك: رأيت منك أسدا، أي: أنت أسد. كأنّه قيل: هب لنا قرّة أعين، ثمّ بيّنت القرّة بقوله:( مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا ) .
وقرأ ابن عامر والحرميّان وحفص ويعقوب: وذرّيّاتنا، وهم الأزواج والأعقاب.
وتنكير الأعين لإرادة تنكير القرّة تعظيما، كأنّه قال: هب لنا منهم سرورا عظيما وفرحا كثيرا. وإنّما قال: أعين، دون عيون، لتقليلها، لأنّ المراد أعين المتّقين، وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم. قال الله تعالى:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) (١) .
( وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ) أي: أئمّة يقتدون بنا في أمر الدين، بإفاضة العلم والتوفيق للعمل. وتوحيده للدلالة على الجنس، وعدم اللبس، كقوله:( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) (٢) . أو لأنّه مصدر في أصله. أو لأنّ المراد: واجعل كلّ واحد منّا. أو لأنّهم كنفس واحدة، لاتّحاد طريقتهم واتّفاق كلمتهم. وفيه تنبيه على استحباب طلب الرئاسة في الدين، والرغبة فيها. وقيل: جمع آمّ. كصائم وصيام. والمراد: قاصدين لهم، مقتدين بهم.
عن الصادقعليهالسلام في قوله:( وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ) : إيّانا عنى. وروي عنه أيضا أنّه قال: «هذه فينا».
( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) )
__________________
(١) سبأ: ١٣.
(٢) الحجّ: ٥.
ولـمّا وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، أثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الترفّع من درجاتهم في الجنّة والخلود فيها، فقال:( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ) أعلى مواضع الجنّة. وهي اسم جنس أريد به الجمع، كقوله تعالى:( وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ) (١) . وقيل: هي من أسماء الجنّة.( بِما صَبَرُوا ) بصبرهم على المشاقّ من مضض(٢) الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمّل المجاهدات، من أذى الكفّار، ومقاساة الفقر، وسائر مشاقّ الدين. وإطلاقه لأجل الشياع في كلّ مصبور عليه.
( وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ) دعاء بالتعمير وبالسلامة، أي: يحيّيهم الملائكة ويسلّمون عليهم. أو يحيّي بعضهم بعضا ويسلّم. أو يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عن كلّ آفة. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: ويلقون، من: لقي.
( خالِدِينَ فِيها ) لا يموتون فيها ولا يخرجون( حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ) موضع استقرار وموضع إقامة. وهذا مقابل( ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ) معنى، ومثله إعرابا.
( قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي ) ما يصنع بكم. من: عبأت الجيش إذا هيّأته. أو لا يعتدّ بكم.( لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) لولا عبادتكم، فإنّ شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلّا فهو وسائر الحيوانات سواء. وقيل: معناه: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة.
و «ما» إن جعلت استفهاميّة فمحلّها النصب على المصدر. كأنّه قيل: أيّ عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم؟ يعني: أنّكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم لولا عبادتكم. وفيه دلالة على أنّ من لا يعبد الله ولا يطيعه فلا وزن له عند الله.
وقيل: معناه: لولا دعاؤكم له إذا مسّكم ضرّ أو أصابكم سوء، رغبة إليه وخضوعا له.
__________________
(١) سبأ: ٣٧.
(٢) المضض: الألم والوجع.
روى العيّاشي بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : «كثرة القراءة أفضل أم كثرة الدعاء؟ فقال: كثرة الدعاء أفضل. وقرأ هذه الآية».
( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) بما أخبرتكم به حيث خالفتموه. وقيل: فقد قصّرتم في العبادة. من قولهم: كذّب القتال إذا لم يبالغ فيه.( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ) يكون جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة. أو العذاب لازما بكم حين تكبّون في النار. وإنّما أضمر اسم «كان» غير منطوق به، بعد ما علم أنّه ممّا توعّد به من غير ذكر، للتهويل، والتنبيه على أنّه ممّا لا يكتنهه الوصف. وقيل: المراد قتل يوم بدر، وأنّه لوزم بين القتلى لزاما.
فهرس الموضوعات
سورة الإسراء (١٧)
الآية: ١ ٥
الآية: ٢ ـ ٣ ٩
الآية: ٤ ـ ٨ ١١
الآية: ٩ ـ ١١ ١٤
الآية: ١٢ ١٥
الآية: ١٣ ـ ١٥ ١٦
الآية: ١٦ ١٨
الآية: ١٧ ١٩
الآية: ١٨ ـ ٢٢ ٢٠
الآية: ٢٣ ـ ٢٥ ٢٢
الآية: ٢٦ ـ ٢٨ ٢٦
الآية: ٢٩ ـ ٣١ ٢٨
الآية: ٣٢ ـ ٣٣ ٣٠
الآية: ٣٤ ـ ٣٥ ٣١
الآية: ٣٦ ٣٢
الآية: ٣٧ ـ ٣٩ ٣٤
الآية: ٤٠ ـ ٤١ ٣٦
الآية: ٤٢ ـ ٤٤ ٣٧
الآية: ٤٥ ـ ٤٧ ٣٩
الآية: ٤٨ ـ ٥٢ ٤١
الآية: ٥٣ ـ ٥٤ ٤٣
الآية: ٥٥ ـ ٥٧ ٤٥
الآية: ٥٨ ـ ٥٩ ٤٦
الآية: ٦٠ ٤٨
الآية: ٦١ ـ ٦٥ ٥١
الآية: ٦٦ ـ ٦٩ ٥٣
الآية: ٧٠ ـ ٧٢ ٥٥
الآية: ٧٣ ـ ٧٥ ٥٨
الآية: ٧٦ ـ ٧٧ ٦٠
الآية: ٧٨ ـ ٨١ ٦١
الآية: ٨٢ ـ ٨٤ ٦٥
الآية: ٨٥ ٦٦
الآية: ٨٦ ـ ٨٧ ٦٨
الآية: ٨٨ ـ ٨٩ ٦٩
الآية: ٩٠ ـ ٩٣ ٧٠
الآية: ٩٤ ـ ١٠٠ ٧٢
الآية: ١٠١ ـ ١٠٤ ٧٥
الآية: ١٠٥ ـ ١٠٩ ٧٧
الآية: ١١٠ ـ ١١١ ٧٩
سورة الكهف (١٨)
الآية: ١ ـ ٦ ٨٤
الآية: ٧ ـ ٩ ٨٦
الآية: ١٠ ـ ١٦ ٨٩
الآية: ١٧ ـ ٢١ ٩٢
الآية: ٢٢ ٩٧
الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٩٩
الآية: ٢٥ ـ ٢٦ ١٠٢
الآية: ٢٧ ١٠٣
الآية: ٢٨ ـ ٢٩ ١٠٤
الآية: ٣٠ ـ ٣١ ١٠٦
الآية: ٣٢ ـ ٤٤ ١٠٩
الآية: ٤٥ ـ ٤٦ ١١٥
الآية: ٤٧ ـ ٤٩ ١١٧
الآية: ٥٠ ـ ٥١ ١٢٠
الآية: ٥٢ ـ ٥٥ ١٢٢
الآية: ٥٦ ـ ٥٩ ١٢٤
الآية: ٦٠ ـ ٦٢ ١٢٦
الآية: ٦٣ ـ ٧٠ ١٣٠
الآية: ٧١ ـ ٧٣ ١٣٣
الآية: ٧٤ ـ ٧٦ ١٣٤
الآية: ٧٧ ـ ٨٢ ١٣٦
الآية: ٨٣ ـ ٩٨ ١٤٢
الآية: ٩٩ ـ ١٠٦ ١٥١
الآية: ١٠٧ ـ ١٠٨ ١٥٣
الآية: ١٠٩ ـ ١١٠ ١٥٤
سورة مريم (١٩)
الآية: ١ ـ ٦ ١٥٨
الآية: ٧ ـ ١٠ ١٦٢
الآية: ١١ ـ ١٥ ١٦٤
الآية: ١٦ ـ ٢١ ١٦٧
الآية: ٢٢ ـ ٣٤ ١٧١
الآية: ٣٥ ـ ٣٩ ١٧٧
الآية: ٤٠ ـ ٥٠ ١٨٠
الآية: ٥١ ـ ٥٣ ١٨٥
الآية: ٥٤ ـ ٥٥ ١٨٦
الآية: ٥٦ ـ ٥٧ ١٨٨
الآية: ٥٨ ـ ٦٢ ١٨٩
الآية: ٦٣ ـ ٦٥ ١٩٣
الآية: ٦٦ ـ ٧٢ ١٩٧
الآية: ٧٣ ٢٠٢
الآية: ٧٤ ٢٠٣
الآية: ٧٥ ٢٠٤
الآية: ٧٦ ٢٠٥
الآية: ٧٧ ـ ٨٢ ٢٠٦
الآية: ٨٣ ـ ٨٤ ٢٠٨
الآية: ٨٥ ـ ٨٧ ٢٠٩
الآية: ٨٨ ـ ٩٥ ٢١٢
الآية: ٩٦ ـ ٩٨ ٢١٥
سورة طه (٢٠)
الآية: ١ ـ ٤ ٢١٩
الآية: ٥ ـ ٧ ٢٢٢
الآية: ٨ ٢٢٣
الآية: ٩ ـ ١٦ ٢٢٤
الآية: ١٧ ـ ٣٥ ٢٣٠
الآية: ٣٦ ـ ٤٤ ٢٣٦
الآية: ٤٥ ـ ٥٢ ٢٤٢
الآية: ٥٣ ـ ٥٥ ٢٤٥
الآية: ٥٦ ـ ٦٤ ٢٤٨
الآية: ٦٥ ـ ٧٦ ٢٥٣
الآية: ٧٧ ـ ٧٩ ٢٥٨
الآية: ٨٠ ـ ٨٢ ٢٦٠
الآية: ٨٣ ـ ٨٩ ٢٦٢
الآية: ٩٠ ـ ٩٤ ٢٦٦
الآية: ٩٥ ـ ٩٨ ٢٦٩
الآية: ٩٩ ـ ١٠٤ ٢٧٢
الآية: ١٠٥ ـ ١١٣ ٢٧٥
الآية: ١١٤ ٢٧٩
الآية: ١١٥ ـ ١١٩ ٢٨٠
الآية: ١٢٠ ـ ١٢٣ ٢٨٣
الآية: ١٢٤ ـ ١٢٧ ٢٨٦
الآية: ١٢٨ ـ ١٢٩ ٢٨٨
الآية: ١٣٠ ـ ١٣٢ ٢٨٩
الآية: ١٣٣ ـ ١٣٥ ٢٩٤
سورة الأنبياء (٢١)
الآية: ١ ـ ٣ ٢٩٧
الآية: ٤ ـ ٧ ٣٠٠
الآية: ٨ ـ ٩ ٣٠٢
الآية: ١٠ ٣٠٣
الآية: ١١ ـ ١٥ ٣٠٤
الآية: ١٦ ـ ١٨ ٣٠٦
الآية: ١٩ ـ ٢٠ ٣٠٨
الآية: ٢١ ـ ٢٤ ٣٠٩
الآية: ٢٥ ـ ٢٩ ٣١٣
الآية: ٣٠ ـ ٣٤ ٣١٥
الآية: ٣٤ ـ ٣٥ ٣١٨
الآية: ٣٦ ٣١٩
الآية: ٣٧ ـ ٤٠ ٣٢٠
الآية: ٤١ ـ ٤٤ ٣٢٣
الآية: ٤٥ ـ ٤٧ ٣٢٥
الآية: ٤٨ ـ ٥٠ ٣٢٦
الآية: ٥١ ـ ٥٤ ٣٢٧
الآية: ٥٥ ـ ٥٨ ٣٢٩
الآية: ٥٩ ـ ٦٥ ٣٣٢
الآية: ٦٦ ـ ٧٣ ٣٣٥
الآية: ٧٤ ـ ٧٥ ٣٣٩
الآية: ٧٦ ـ ٧٧ ٣٤٠
الآية: ٧٨ ـ ٨٢ ٣٤١
الآية: ٨٣ ـ ٨٤ ٣٤٦
الآية: ٨٥ ـ ٨٦ ٣٤٧
الآية: ٨٧ ـ ٨٨ ٣٤٨
الآية: ٨٩ ـ ٩٠ ٣٥١
الآية: ٩١ ـ ٩٢ ٣٥٢
الآية: ٩٣ ـ ٩٤ ٣٥٣
الآية: ٩٥ ـ ٩٧ ٣٥٤
الآية: ٩٨ ـ ١٠٠ ٣٥٦
الآية: ١٠١ ـ ١٠٦ ٣٥٨
الآية: ١٠٧ ـ ١١٢ ٣٦١
سورة الحج (٢٢)
الآية: ١ ـ ٢ ٣٦٥
الآية: ٤ ـ ٣ ٣٦٨
الآية: ٥ ـ ٧ ٣٦٩
الآية: ٨ ـ ١٠ ٣٧٢
الآية: ١١ ـ ١٣ ٣٧٤
الآية: ١٤ ـ ١٥ ٣٧٥
الآية: ١٦ ـ ١٨ ٣٧٧
الآية: ١٩ ـ ٢٤ ٣٧٩
الآية: ٢٥ ٣٨٢
الآية: ٢٦ ـ ٣٣ ٣٨٥
الآية: ٣٤ ـ ٣٥ ٣٩٣
الآية: ٣٦ ٣٩٤
الآية: ٣٧ ٣٩٥
الآية: ٣٨ ـ ٤٠ ٣٩٦
الآية: ٤١ ـ ٤٥ ٣٩٩
الآية: ٤٦ ٤٠١
الآية: ٤٧ ٤٠٢
الآية: ٤٨ ـ ٥١ ٤٠٣
الآية: ٥٢ ـ ٥٥ ٤٠٤
الآية: ٥٦ ـ ٥٩ ٤٠٨
الآية: ٦٠ ـ ٦٢ ٤١٠
الآية: ٦٣ ـ ٦٦ ٤١٢
الآية: ٦٧ ـ ٧٠ ٤١٣
الآية: ٧١ ـ ٧٢ ٤١٥
الآية: ٧٣ ـ ٧٤ ٤١٦
الآية: ٧٥ ـ ٧٦ ٤١٨
الآية: ٧٧ ـ ٧٨ ٤١٩
سورة المؤمنون (٢٣)
الآية: ١ ـ ٢ ٤٢٣
الآية: ٣ ـ ١١ ٤٢٥
الآية: ١٢ ـ ١٦ ٤٢٨
الآية: ١٧ ـ ٢٢ ٤٣١
الآية: ٢٣ ـ ٣٠ ٤٣٥
الآية: ٣١ ـ ٤١ ٤٣٩
الآية: ٤٢ ـ ٤٤ ٤٤٢
الآية: ٤٥ ـ ٤٩ ٤٤٣
الآية: ٥٠ ٤٤٥
الآية: ٥١ ـ ٥٤ ٤٤٦
الآية: ٥٥ ـ ٦١ ٤٤٨
الآية: ٦٢ ـ ٧٠ ٤٥١
الآية: ٧١ ـ ٧٤ ٤٥٤
الآية: ٧٥ ـ ٧٧ ٤٥٦
الآية: ٧٨ ـ ٨٠ ٤٥٧
الآية: ٨١ ـ ٨٣ ٤٥٨
الآية: ٨٤ ـ ٩٠ ٤٥٩
الآية: ٩١ ـ ٩٥ ٤٦١
الآية: ٩٦ ـ ١٠٠ ٤٦٣
الآية: ١٠١ ـ ١٠٨ ٤٦٦
الآية: ١٠٩ ـ ١١٨ ٤٦٩
سورة النور (٢٤)
الآية: ١ ٤٧٣
الآية: ٢ ـ ٣ ٤٧٤
الآية: ٤ ـ ٥ ٤٧٨
الآية: ٦ ـ ١٠ ٤٨٠
الآية: ١١ ـ ١٦ ٤٨٢
الآية: ١٧ ـ ٢٠ ٤٨٧
الآية: ٢١ ٤٨٨
الآية: ٢٢ ٤٨٩
الآية: ٢٣ ـ ٢٦ ٤٩٠
الآية: ٢٧ ـ ٢٩ ٤٩٣
الآية: ٣٠ ـ ٣١ ٤٩٦
الآية: ٣٢ ٥٠٠
الآية: ٣٣ ـ ٣٤ ٥٠٣
الآية: ٣٥ ـ ٣٨ ٥٠٨
الآية: ٣٩ ـ ٤٠ ٥١٨
الآية: ٤١ ـ ٤٦ ٥٢١
الآية: ٤٧ ـ ٥٠ ٥٢٤
الآية: ٥١ ـ ٥٢ ٥٢٧
الآية: ٥٣ ـ ٥٧ ٥٢٨
الآية: ٥٨ ـ ٦٠ ٥٣٣
الآية: ٦١ ٥٣٦
الآية: ٦٢ ٥٣٩
الآية: ٦٣ ـ ٦٤ ٥٤١
سورة الفرقان (٢٥)
الآية: ١ ـ ٢ ٥٤٥
الآية: ٣ ـ ٦ ٥٤٨
الآية: ٧ ـ ١٠ ٥٥٠
الآية: ١١ ـ ١٦ ٥٥١
الآية: ١٧ ـ ١٩ ٥٥٤
الآية: ٢٠ ٥٥٧
الآية: ٢١ ـ ٢٣ ٥٥٨
الآية: ٢٤ ـ ٢٩ ٥٦١
الآية: ٣٠ ـ ٣١ ٥٦٤
الآية: ٣٢ ـ ٣٤ ٥٦٦
الآية: ٣٥ ـ ٣٩ ٥٦٨
الآية: ٤٠ ـ ٤٢ ٥٧٠
الآية: ٤٣ ـ ٤٤ ٥٧٢
الآية: ٤٥ ـ ٥٠ ٥٧٣
الآية: ٥١ ـ ٥٢ ٥٧٩
الآية: ٥٣ ـ ٥٤ ٥٨٠
الآية: ٥٥ ـ ٥٨ ٥٨١
الآية: ٥٩ ـ ٦٠ ٥٨٣
الآية: ٦١ ـ ٦٢ ٥٨٥
الآية: ٦٣ ـ ٦٧ ٥٨٧
الآية: ٦٨ ـ ٧١ ٥٩٠
الآية: ٧٢ ـ ٧٤ ٥٩١
الآية: ٧٥ ـ ٧٧ ٥٩٣
الفهرس
سورة الإسراء ٥
سورة الكهف ٨٣
سورة مريم ١٥٧
سورة طه ٢١٩
سورة الأنبياء ٢٩٧
سورة الحجّ ٣٦٥
سورة المؤمنون ٤٢٣
سورة النور ٤٧٣
سورة الفرقان ٥٤٥
فهرس الموضوعات ٥٩٧