ملاحظة
هذا الكتاب
نشر الكترونياً وأخرج فنِيّاً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي
وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً
قسم اللجنة العلميّة في الشبكة
(٢٦)
سورة الشعراء
مكيّة. وهي مائتان وسبع وعشرون آية.
أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح وكذّب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، وبعدد من كذّب بعيسى، وصدّق بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أعطيت السورة الّتي يذكر فيها البقرة من الذكر الأوّل، وأعطيت طه وطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة الّتي يذكر فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصّلة نافلة».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ الطواسين الثلاث في ليلة الجمعة كان من أولياء الله، وفي جواره وكنفه، ولم يصيبه في الدنيا بؤس أبدا، وأعطي في الآخرة من الأجر الجنّة حتّى يرضى، وفوق رضاه، وزوّجه الله مائة حوراء من الحور العين».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ذكر في مختتم سورة الفرقان تكذيبهم بالكتاب، ذكر في مفتتح هذه السورة وصف الكتاب، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم ) قد مرّ غير مرّة أنّه روي عن ابن عبّاس: أنّ الحروف المقطّعة في أوائل السور إشارة إلى مفاتيح أسماء الله تعالى. فهاهنا: الطاء إشارة إلى الطاهر، والسين إلى السّلام، والميم إلى نحو المالك. وقال القرطي: أقسم الله بطوْله، وسنائه، وملكه.
وروي عن محمّد بن الحنفيّة، عن عليٍّعليهالسلام ، عن النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا نزلت طسم قال: «الطاء طور سيناء، والسين الاسكندريّة، والميم مكّة».
وقيل: الطاء شجرة طوبى، والسين سِدرة المنتهى، والميم محمّد المصطفى.
وباقي الوجوه في الحروف المقطّعة مذكورة في صدر سورة البقرة.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالإمالة المحضة، ونافع بين بين، كراهة العود إلى الياء المهروب منها. وأظهر نونه حمزة، لأنّه في الأصل منفصل عمّا بعده.
( تِلْكَ ) إشارة إلى السورة، أو القرآن. وتأنيثه باعتبار الخبر.( آياتُ الْكِتابِ
الْمُبِينِ ) الظاهر إعجازه، وصحّة أنّه من عند الله، على ما سبق في أوّل البقرة.
( لَعَلَّكَ باخِعٌ ) أي: قاتل( نَفْسَكَ ) وأصل البخع أن يبلغ بالذبح الباخع، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى حدّ الذبح. و «لعلّ» للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة.( أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) لئلّا يؤمنوا، أو خيفة أن لا يؤمنوا. وإنّما قال ذلك سبحانه تسلية لنبيّه، وتخفيفا عنه بعض ما كان يصيبه من الاغتمام.
ثمّ قال:( إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً ) دلالة وعلامة يلجئهم إلى الإيمان، ويقسرهم عليه( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) منقادين. وأصله: فظلّوا لها خاضعين، فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الخبر على أصله، حيث لم يقل: خاضعة أو خاضعات.
وقيل: لـمّا وصفت الأعناق بالخضوع الّذي هو من صفات العقلاء أجريت مجراهم، كقوله:( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) (١) .
وقيل: المراد بها الرؤساء ومقدّموهم. وشبّهوا بالأعناق، كما قيل لهم: هم الرؤوس والنواصي والصدور.
وقيل: الجماعات. من قولهم: جاءنا عنق من الناس، لفوج منهم.
والجملة معطوفة على «ننزّل». ونظيره عطف «وأكن» على( فَأَصَّدَّقَ ) (٢) .
لأنّه لو قيل: أنزلنا بدله، لكان صحيحا.
عن ابن عبّاس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني اميّة. قال: ستكون لنا عليهم الدولة، فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة، ويلحقهم هوان بعد عزّة.
__________________
(١) يوسف: ٤.
(٢) المنافقون: ١٠.
( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ) موعظة، أو طائفة من القرآن( مِنَ الرَّحْمنِ ) بوحيه إلى نبيّه( مُحْدَثٍ ) مجدّد إنزاله، لتكرير التذكير، وتنويع التقرير. يعني: وما يجدّد لهم الله بوحيه من أنواع الموعظة والتذكير الّتي في القرآن( إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) إلّا جدّدوا إعراضا عنه، وإصرارا على ما كانوا عليه من الكفر.
( فَقَدْ كَذَّبُوا ) أي: بالذكر بعد إعراضهم، وأمعنوا في تكذيبه، بحيث أدّى إلى الاستهزاء به( فَسَيَأْتِيهِمْ ) إذا مسّهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة( أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) من أنّه كان حقّا أم باطلا، وكان حقيقا بأن يصدّق ويعظم قدره، أو يكذّب فيستخفّ أمره.
واعلم أنّه خولف بين الألفاظ، أعني: الإعراض والتكذيب والاستهزاء، لاختلاف الأغراض. كأنّه قيل: حين أعرضوا عن الذكر فقد كذّبوا به، وحين كذّبوا به فقد خفّ عندهم قدره، وصار عرضة للاستهزاء والسخريّة، لأنّ من كان قابلا للحقّ مقبلا عليه كان مصدّقا به لا محالة، ولم يظنّ به التكذيب، ومن كان مصدّقا به كان موقّرا له.
( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ ) أو لم ينظروا إلى عجائبها( كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) صنف( كَرِيمٍ ) محمود كثير المنفعة. وهو صفة لكلّ ما يحمد ويرضى. ومنه يقال: وجه كريم إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضيّ في معانيه وفوائده.
وها هنا وصف الزوج بالكريم يحتمل معنيين :
أحدهما: أنّ النبات على نوعين: نافع، وضارّ. فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع، وخلّى ذكر الضارّ.
والثاني: أن يعمّ جميع النبات، نافعه وضارّه، ويصفهما جميعا بالكرم، وينبّه على أنّه ما أنبت شيئا إلّا وفيه فائدة، لأنّ الحكيم لا يفعل فعلا إلّا لغرض صحيح ،
وحكمة بالغة، وإن غفل عنها الغافلون، ولم يتوصّل إلى معرفتها العاقلون.
وفائدة الجمع بين «كم» و «كلّ»: أنّ «كلّ» للدلالة على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كم» على أنّ هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة. فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبّه على كمال قدرته.
وعن الشعبي: الناس نبات الأرض، كما قال سبحانه:( وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ) (١) . فمن دخل الجنّة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي: في إنبات تلك الأصناف، أو في كلّ واحد من تلك الأزواج( لَآيَةً ) على أنّ منبتها تامّ القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة، مقتدر على إحياء الأموات( وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ ) في علم الله( مُؤْمِنِينَ ) بأمثال هذه الآيات العظام.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) الغالب القادر على الانتقام من الكفرة( الرَّحِيمُ ) حيث أمهلهم. أو العزيز في انتقامه ممّن كفر، الرحيم لمن تاب وآمن.
( وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) )
ثمّ ذكر سبحانه أقاصيص رسله تسلية للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتحريضا له على
__________________
(١) نوح: ١٧.
الصبر، ثقة بنزول النصر. وابتدأ بقصّة موسى وفرعون، لطولها وشهرتها بين معاصري نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم من اليهود، فقال:( وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ) مقدّر بـ: اذكر. أو ظرف لـما بعده.( أَنِ ائْتِ ) أي: ائت، أو بأن ائت( الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) بالكفر، واستعباد بني إسرائيل، وذبح أولادهم.
( قَوْمَ فِرْعَوْنَ ) بدل من الأوّل. أو عطف بيان له. ويجوز أن يكون الاقتصار على القوم للعلم بأنّ فرعون كان أولى بذلك.( أَلا يَتَّقُونَ ) ويصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. والتقوى مجانبة القبائح بفعل المحاسن. وهذا استئناف أتبعهعزوجل إرساله إليهم، للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيبا لموسىعليهالسلام من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه.
( قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) بالرسالة، ولا يقبلوها منّي. والخوف انزعاج النفس بتوقّع الضرّ. ونقيضه الأمن. وهو سكون النفس إلى خلوص النفع.
( وَيَضِيقُ صَدْرِي ) بتكذيبهم إيّاي. عطف على خبر «إنّ». وكذا قوله:( وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي ) بأن لا ينبعث بالكلام، للعقدة الّتي كانت في لسانه. وقد مرّ(١) بيانها.( فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ) ليعاونني، كما يقال: إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا إليك، أي: لتعيننا.
ومعنى الكلام: فأرسل إلى هارون جبرئيل، واجعله نبيّا، وآزرني(٢) به، واشدد به عضدي.
وهذا كلام مختصر، وقد بسطه في غير هذا الموضع. وقد أحسن في الاختصار حيث قال:( فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ) فجاء بما يتضمّن معنى الاستنباء.
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ٢٣٤ ذيل الآية (٢٧) من سورة طه.
(٢) آزره مؤازرة: عاونه.
وإنّما طلب المعاونة حرصا على القيام بالطاعة. ورتّب استدعاء ضمّ أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق القلب انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق، لأنّها إذا اجتمعت مسّت الحاجة إلى معين يقوّي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة، حتى لا تختلّ دعوته، ولا تنقطع حجّته، وليس ذلك تعلّلا منه وتوقّفا في تلقّي الأمر، بل طلبا لـما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه.
وقرأ يعقوب: ويضيق ولا ينطلق، بالنصب عطفا على «يكذّبون». والفرق بين القراءتين معنى: أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان. والنصب على أن خوفه متعلّق بهذه الثلاثة. وفيه: أنّ الخوف إنّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وعدم انطلاق اللسان كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ وأجيب: بأنّه قد علّق الخوف بتكذيبهم وبما يحصل له بسببه، من ضيق الصدر والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به.
( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) أي: تبعة ذنب. فحذف المضاف، أو سمّي باسمه. والمراد قتل القبطي. وهو خبّاز فرعون، واسمه فاتون، أي: لهم عليّ دعوى ذنب.( فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) به قبل أداء رسالتك. وهو أيضا ليس تعلّلا، وإنّما هو استدفاع للبليّة المتوقّعة، كما أنّ ذلك استمداد واستظهار في أمر الدعوة.
( قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) )
فأجاب الله تعالى هاتين الطلبتين بقوله:( قالَ كَلَّا ) ردعا عن الخوف.
والمعنى: فارتدع يا موسى عمّا تظنّ، لأنّهم لن يقتلوك به، فإنّي لا أسلّطهم عليك.
( فَاذْهَبا بِآياتِنا ) الخطاب على تغليب الحاضر. وهو معطوف على الفعل الّذي يدلّ عليه «كلّا». كأنّه قيل: ارتدع يا موسى عمّا تظنّ. فاذهب أنت والّذي طلبته، وهو هارون. يعني: ضممناه إليك في الإرسال.( إِنَّا مَعَكُمْ ) يعني: موسى وهارون وفرعون( مُسْتَمِعُونَ ) سامعون لـما يجري بينكما وبينه، فأظهر كما عليه. وهو خبر ثان. أو الخبر وحده، و «معكم» ظرف لغو.
قيل: مثّل الله سبحانه نفسه بمن حضر مجادلة قوم استماعا لـما يجري بينهم، وترقّبا لإمداد أوليائه منهم، مبالغة في الوعد بإعانته. ولذلك تجوّز بالاستماع الّذي هو بمعنى الإصغاء للسمع الّذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات، فإنّ الله سبحانه يوصف على الحقيقة بأنّه سمع وسامع لا مستمع، لانتفاء آلة السمع اللازم للإصغاء.
( فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أرسلنا الله إليك لندعوك إلى عبادته، وترك الإشراك به. وأفرد الرسول، لأنّه مصدر وصف به، فإنّه مشترك بين المرسل والرسالة. ولذلك ثنّى تارة، كما في قوله:( إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ) (١) ، وأفرد أخرى، كما هاهنا. أو لاتّحادهما، للأخوّة. أو لوحدة المرسل والمرسل به. أو لأنّه
__________________
(١) طه: ٤٧.
أراد كلّ واحد منّا.
( أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي: أرسل، لتضمّن الرسول معنى الإرسال المتضمّن معنى القول، كما في المناداة ونحوها. ومعنى هذا الإرسال التخلية والإطلاق، كما يقال: أرسل البازي. والمراد: أمرك الله بأن خلّهم وأرسلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين. وكانت مسكنهما.
روي: أنّهما انطلقا إلى باب فرعون، فلم يؤذن لهما سنة، حتّى قال البوّاب: إنّ هاهنا إنسانا يزعم أنّه رسول ربّ العالمين. فقال: ائذن له لعلّنا نضحك منه.
فأذنا، فدخلا فأدّيا إليه الرسالة. فعرف موسى.
( قالَ ) أي: فرعون لموسى بعد ما أتياه وقالا له ذلك( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا ) في منازلنا( وَلِيداً ) طفلا. سمّي به لقربه من الولادة. والتربية تنشئة الشيء حالا بعد حال.( وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) إنّما قال ذلك امتنانا عليه بإحسانه إليه.
عن ابن عبّاس: لبث فيهم ثماني عشرة سنة. وقيل: أربعين. وقيل: ثلاثين سنة. ثمّ خرج إلى مدين عشر سنين، ثمّ عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثمّ بقي بعد الغرق خمسين.
( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ) المراد بالفعلة قتل القبطي بوكزة واحدة. وبّخه به معظّما إيّاه، بعد ما عدّد عليه نعمته، من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال.( وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ) بنعمتي وحقّ تربيتي حتّى عمدت إلى قتل خواصّي. قيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وفرّ منهم على أثرها. والله أعلم بصحيح ذلك.
وعن السدّي والحسن: معناه: وأنت من الكافرين بإلهك، إذ كنت معنا على ديننا الّذي تعيب وتقول الآن: إنّه كفر. وقد افترى عليه، أو جهل أمره، لأنّه كان يعايشهم بالتقيّة، فإنّ اللهعزوجل عاصم من يريد أن يستنبئه من كلّ كبيرة وصغيرة، فما بال الكفر؟!
وهو حال من إحدى التاءين. ويجوز أن يكون حكما مبتدأ عليه، بأنّه من الكافرين بإلهيّته، أو بنعمته، لـمّا عاد عليه بالمخالفة. أو من الّذين كانوا يكفرون في دينهم.
( قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) أي: الذاهبين عن أنّ الوكزة تفضي إلى قتله، لأنّه قصد به التأديب، وقد يسمّى الذاهب عن الشيء أنّه ضالّ عليه. ويجوز أن يريد: أنّي ضللت عن فعل المندوب إليه من الكفّ عن القتل في تلك الحالة، فأفوز بمنزلة الثواب.
وقيل: معناه: الذاهبين عن طريق الصواب، لأنّي ما تعمّدته، وإنّما وقع منّي خطأ، كمن رمى طائرا فيصيب إنسانا.
وقيل: من الضالّين عن النبوّة، أي: لم يوح إليّ تحريم قتله.
وقيل: الناسين، من قوله:( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) (١) .
وبهذا القول كذّب موسى فرعون، ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، بأن وضع الضالّين موضع الكافرين.
( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ ) منك ومن ملئك المؤتمرين بقتلي( لَمَّا خِفْتُكُمْ ) أي: ذهبت من بينكم إلى مدين، حذرا على نفسي أن يقتلوني قودا عن القبطي( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً ) علما بما تدعو إليه الحكمة. وهو الّذي وهبه الله تعالى لموسى من التوراة، والعلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام. وقيل: نبوّة. وصرّح به بقوله:( وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .
ردّ بذلك ما وبّخه به قدحا في نبوّته. ثمّ أنكر امتنانه عليه بالتربية، وأبى أن يسمّي نعمته نعمة، بأن بيّن أنّ حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل، فقال:( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي: وتلك التربية نعمة تمنّها عليّ بها
__________________
(١) البقرة: ٢٨٢.
ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقصدك بذبح أبنائهم، فإنّه السبب في وقوعي إليك، وحصولي في تربيتك. ولو كنت لم تستعبد بني إسرائيل، ولم تقتل أبناءهم، لكانت امّي مستغنية عن قذفي في اليمّ. فكأنّك تمنّ عليّ بما كان بلاؤك سببا له. فعلى التحقيق امتنانك عليّ تعبيدك قومي، أي: اتّخاذك إيّاهم عبيدا، وتذليلك إيّاهم، فلا يكون حقيقة إنعامك وامتنانك عليّ.
ومحلّ «أن عبّدت» الرفع على أنّه خبر محذوف، أو بدل من «نعمة». أو الجرّ بإضمار الباء. أو النصب بحذفها.
وقيل: «تلك» إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، و «أن عبّدت» عطف بيانها.
والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنّها عليّ.
وإنّما وحّد الخطاب في «تمنّها» وجمع فيما قبله، لأنّ المنّة كانت منه وحده، والخوف والفرار منه ومن ملئه، كما فسّرنا به.
( قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) )
ولـمّا سمع فرعون جواب ما طعن به فيه شرع في الاعتراض على دعواه، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل، كما حكاه الله تعالى عن ذلك بقوله:( قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ) أيّ شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت
أجناسها.
( قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) منشئهما ومبدعهما( وَما بَيْنَهُمَا ) وما بين الجنسين من سائر الممكنات الجسمانيّة والعرضيّة. عرّفه ببيان أظهر خواصّه وآثاره، وأنّه ليس بشيء ممّا شوهد وعرف من الأجرام والأعراض، وإنّما هو شيء مخالف لجميع الأشياء، ليس كمثله شيء.
( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) الأشياء محقّقين لها، علمتم أنّ هذه الأجرام المحسوسة ممكنة، لتغيّر أحوالها، فلا بدّ لها من مبدئ واجب لذاته، وذلك المبدئ لا بدّ وأن يكون مبدئا لسائر الممكنات. ولا يمكن تعريفه إلّا بلوازمه الخارجيّة، لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه، لاستحالة التركيب في ذاته.
فلمّا أجاب موسى بما أجاب، تعجّب فرعون وقومه من جوابه، حيث نسب الربوبيّة إلى غيره( قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ ) من أشراف قومه. قيل: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور.( أَلا تَسْتَمِعُونَ ) جوابه؟ سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله. أو يزعم أنّه ربّ السماوات، وهي واجب التحرّك بذواتها، كما هو مذهب الدهريّة، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثّر.
( قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهّم فيه مثله، ويشكّ في افتقاره إلى مصوّر حكيم، ويكون أقرب إلى الناظر، وأوضح عند التأمّل.
( قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) أسأله عن شيء، ويجيبني عن آخر. وسمّاه رسولا على السخريّة.
( قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما ) تشاهدون كلّ يوم أنّه يأتي بالشمس من المشرق، ويحرّكها على مدار غير مدار اليوم الّذي قبله، حتّى يبلغها إلى المغرب، على وجه نافع ينتظم به أمور الكائنات( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك.
فعمّم موسى أوّلا في أفعاله تعالى. ثمّ خصّص من العامّ للبيان أنفسهم
وآباءهم، لأنّ أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال، من وقت ميلاده إلى وقت وفاته. ثمّ خصّص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر، على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو، من أظهر ما استدلّ به. ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان، فبهت الّذي كفر.
( قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) )
ولـمّا كان عادة المعاند المحجوج العدول عن المحاجّة إلى التهديد بعد الانقطاع والإلزام( قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) قيل: كان دهريّا اعتقد أنّ من ملك قطرا، أو تولّى أمره بقوّة طالعه، استحقّ العبادة من أهله.
واللام في «المسجونين» للعهد، أي: ممّن عرفت حالهم في سجوني، فإنّه كان يطرحهم في هوّة بعيدة العمق، لا يبصرون فيها ولا يسمعون، فكان ذلك أشدّ من القتل، ولذلك آثر هذا القول على: لأسجنّنك.
ولـمّا توعّده بالسجن( قالَ ) موسىعليهالسلام :( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ) الواو للحال، دخلت عليها همزة الاستفهام بعد حذف الفعل. والمعنى: أتفعل ذلك بي ولو جئت بشيء مبين؟ أي جائيا بشيء ظاهر أو مظهر يبين صدق دعواي. يعني: المعجزة، فإنّها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالة على صدق مدّعي نبوّته.
( قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في أنّ لك بيّنة. أو في دعواك أتيت به، فإنّ مدّعي النّبوة لا بدّ له من حجّة. فحذف الجزاء، لأن الأمر بالإتيان به يدلّ عليه.
( فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ) ظاهر ثعبانيّته. واشتقاق الثعبان من: ثعبت الماء فانثعب، إذا فجّرته فانفجر.
روي: أنّها انقلبت حيّة ارتفعت في السماء قدر ميل، ثمّ انحطّت مقبلة إلى فرعون، وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت، ويقول فرعون: أسألك بالّذي أرسلك إلّا أخذتها، فأخذها فعادت عصا.
وقيل: إنّ فرعون لـمّا رأى هذه الآية قال: فهل غيرها؟ قال موسى: نعم( وَنَزَعَ يَدَهُ ) وأخرج يده من كمّه أو جيبه( فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ ) بياضا مفرط اللمعان والشعاع كالشمس( لِلنَّاظِرِينَ ) إليها بحيث يكاد يغشي الأبصار، ويسدّ الأفق، لفرط أشعّته.
( قالَ لِلْمَلَإِ ) للأشراف من قومه مستقرّين( حَوْلَهُ ) فهو ظرف وقع موقع
الحال. فهو منصوب بنصبين: نصب في اللفظ، وهو ما يقدّر في الظرف. ونصب في المحلّ، وهو النصب على الحال.( إِنَّ هذا ) يعني: موسى( لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) فائق في علم السحر والحيل.
ولـمّا بهره سلطان المعجزة زلّ عنه ذكر دعوى الإلهيّة، وحطّ عن منكبيه كبرياء الربوبيّة، وارتعدت فرائضه، وانتفخ سحره(١) ، لفرط خوفه من استيلاء موسى على ملكه، وبلغت به الاستكانة لقومه الّذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم، أن طفق يؤامرهم ويعترف لهم بما حذر منه من غلبة موسى على ملكه وأرضه، فقال :
( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ) يتغلّب عليها( فَما ذا تَأْمُرُونَ ) في شأنه. من المؤامرة، وهي المشاورة. أو من الأمر الّذي هو ضدّ النهي. جعل العبيد آمرين وربّهم مأمورا، لـما استولى عليه من فرط الدهش والحيرة.
( قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ ) أخّر أمرهما. وقيل: احبسهما.( وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) شرطا(٢) يحشرون السحرة من جميع البلدان.
( يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ) يفضّلون عليه في فنّ السحر. أمالها ابن عامر والكسائي.
( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) لـما وقّت به من ساعات يوم معين.
وهو وقت الضحى من يوم الزينة. والميقات: ما حدّد من زمان أو مكان. ومنه: مواقيت الإحرام.
( وَقِيلَ لِلنَّاسِ ) أي: لأهل مصر( هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ) فيه استبطاء لهم في الاجتماع حثّا على مبادرتهم إليه، كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق؟ إذا أراد أن يحثّه على الانطلاق.
( لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ ) أي: نتّبعهم في دينهم( إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ) إن
__________________
(١) السحر: الرئة. يقال للجبان: قد انتفخ سحره، كأنّ الخوف ملأ جوفه فانتفخ سحره
(٢) الشرط: الحرس وأعوان الولاة وواحدها: شرطي.
غلبوا موسى، ولا نتّبع موسى في دينه. وليس غرضهم اتّباع السحرة، بل إنّما الغرض الكلّي أن لا يتّبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق الكناية، لأنّهم إذا اتّبعوهم لم يكونوا متّبعين لموسى.
( فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ ) حضروا بين يدي فرعون( قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ) لموسى وأخيه.
( قالَ نَعَمْ ) لكم على ذلك الأجر الجزيل( وَإِنَّكُمْ إِذاً ) مع ما لكم من الأجر( لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن غلبوا.
ولـمّا كان قوله:( أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً ) في معنى جزاء الشرط، لدلالته عليه، وكان قوله:( وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) معطوفا عليه، ومدخلا في حكمه، دخلت «إذا» قارّة في مكانها الّذي تقتضيه من الجواب والجزاء.
( قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) )
( قالَ لَهُمْ مُوسى ) بعد ما لقالوا له:( إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ) (١) ( أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) لم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة، توسّلا به إلى إظهار الحقّ.
( فَأَلْقَوْا ) فطرحوا( حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ) بعلوّ منزلته وفرط قوّته( إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ) أقسموا بعزّته على أنّ الغلبة لهم، لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر.
هذا من أقسام الجاهليّة. وفي الإسلام لا يصحّ الحلف إلّا بالله تعالى، أو ببعض أسمائه وصفاته. وفي الحديث: «لا تحلفوا إلّا بالله، ولا تحلفوا بالله إلّا وأنتم صادقون».
( فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ) تبتلع. وقرأ حفص: تلقف بالتخفيف.
( ما يَأْفِكُونَ ) ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بتمويههم وتزويرهم، فيخيّلون حبالهم وعصيّهم أنّها حيّات تسعى. أو إفكهم، تسمية للمأفوك به مبالغة.
( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) لـما بهرهم ما أظهره موسىعليهالسلام ، من قلب العصا حيّة، وتلقّفها جميع ما أتعبوا به نفوسهم فيه، وعلموا أنّ مثله لا يتأتّى بالسحر، ولا يقدر عليه أحد من البشر، بل من عند الله الخالق للقوى والقدر.
وفيه دليل على أنّ منتهى السحر تمويه وتزوير، يخيّل شيئا لا حقيقة له. وأن التبحّر في كلّ فنّ نافع.
وإنّما بدّل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدلّ على أنّهم لـمّا رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين، بل كأنّهم أخذوا فطرحوا على وجوههم. وفاعل الإلقاء هو اللهعزوجل بما خوّلهم من التوفيق، أو معاينة المعجزة الباهرة.
__________________
(١) الأعراف: ١١٥.
روي: أنّهم قالوا قبل إلقاء الحبال والعصيّ: إن يك ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا. فلمّا قذف عصاه، فتلقّفت ما أتوا به، علموا أنّه من الله.
( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) بدل من «ألقي» بدل الاشتمال. أو حال بإضمار «قد».( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ) عطف بيان لـ «ربّ العالمين». وإتيانهم به لدفع توهّم أنّ غرضهم بربّ العالمين فرعون، لأنّه لعنه الله كان يدّعي الربوبيّة، فأرادوا أن يعزلوه. وللإشعار على أنّ الموجب لإيمانهم ما أجراه على أيديهما. عن عكرمة: أصبحوا كفرة سحرة، وأمسوا مؤمنين شهداء.
( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) في تصديقه( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ) أستادكم( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) فعلّمكم شيئا دون شيء، فلذلك غلبكم. أو فواعدكم على ذلك، وتواطأتم عليه. أراد به التلبيس على قومه، كي لا يعتقدوا أنّهم آمنوا عن بصيرة وظهور حقّ. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وروح: أآمنتم بهمزتين.
( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) وبال ما فعلتم. ثمّ فسّر ذلك التهديد بقوله:( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ) قطع اليد من جانب والرجل من الجانب الآخر، كقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) مع ذلك على الجذوع، ولا أترك أحدا منكم لا تناله هذه العقوبة. قيل: إنّ أوّل من قطع الأيدي والأرجل فرعون.
( قالُوا ) في جوابه( لا ضَيْرَ ) أي: لا ضرر، فإنّ الضير والضور والضرّ والضرر واحد. أرادوا: لا ضرر علينا فيما تتوعّدنا به من القتل.( إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ) بالقتل، فإنّ الصبر عليه محّاء للذنوب، موجب للثواب والقرب من الله، أو بسبب من أسباب الموت، وقتلك أهونها وأرجاها، فإنّ ألمه ساعة عن قريب ينقضي، فنصل إلى جنّات النعيم مؤبّدين فيها. وعن الحسن: لم يصل فرعون إلى
قتل واحد منهم ولا قطعه.
( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا ) من السحر وغيره( أَنْ كُنَّا ) لأن كنّا( أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) من أتباع فرعون، لأنّ بني إسرائيل كانوا آمنوا به. أو أوّل من آمن من أهل هذا المشهد عند تلك المعجزة.
( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) )
( وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي ) وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحقّ، ويظهر لهم الآيات، فلم يزيدوا إلّا عتوّا وفسادا. وقرأ ابن كثير ونافع: أن أسر، بكسر النون ووصل الألف، من: سرى.( إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) يتّبعكم فرعون وجنوده. وهو علّة الأمر بالإسراء، أي: أسر بهم حتّى إذا اتّبعوكم مصبحين كنتم متقدّمين عليهم، بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حتّى تلجون في البحر، فيدخلون مدخلكم من طريق البحر، فأطبقه عليهم فأغرقهم.
روي: أنّه مات في تلك الليلة في كلّ بيت من بيوتهم ولد، فاشتغلوا بموتاهم، فأوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل، كلّ أربعة أبيات في بيت، ثمّ اذبحوا الجداء(١) واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإنّي سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط. واخبزوا خبزا فطيرا، فإنّه
__________________
(١) الجداء جمع الجدي، وهو ولد المعز في السنة الأولى.
أسرع لكم. ثمّ أسر عبادي حتّى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري.
( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ ) حين أخبر بسراهم( فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) العساكر ليتبعوهم. فاجتمع حين خرج من مصر في أثر بني إسرائيل ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر(١) . مع كلّ ملك ألف. وكانت مقدّمته سبعمائة ألف، كلّ رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة.
وعن ابن عبّاس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث. فلذلك استقلّ قوم موسى وقال:( إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) عددا. روي أنّهم كانوا ستّمائة وسبعين ألفا. وقلّتهم بالإضافة إلى جنود فرعون. والشرذمة: الطائفة القليلة.
ومنها: ثوب شراذم، لـما بلي وتقطّع قطعا. ذكرهم بالاسم الدالّ على القلّة، ثمّ جعلهم قليلا بالوصف، ثمّ جمع القليل، فجعل كلّ سبط منهم قليلا، واختار جمع السلامة الّذي هو للقلّة. ويجوز أن يريد بالقلّة الذلّة، ولا يريد قلّة العدد. والمعنى: أنّهم لا يبالى بهم، ولا يتوقّع غلبتهم وعلوّهم.
( وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ) لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا، لمخالفتهم إيّانا في الدين، وخروجهم من أرضنا على كره منّا، وذهابهم بالحليّ الّذي استعاروها، وخلوصهم من استعبادنا( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ) نحن قوم مجتمعون من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده. وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلّا يظنّ به ما يكسر من قهره وسلطانه.
وقرأ ابن عامر والكوفيّون: حاذرون. والأوّل(٢) للثبات، والثّاني للتجدّد.
وقيل: الحاذر: الكامل في السلاح. وهو أيضا من الحذر، لأنّ ذلك إنّما يفعل
__________________
(١) ملك مسوّر: مسوّد قدير.
(٢) أي: قراءة: حذرون.
حذرا.
( فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) )
ثمّ أخبر سبحانه عن كيفيّة إهلاكهم وإخراجهم من مساكنهم النفيسة بقوله:( فَأَخْرَجْناهُمْ ) بأن ألهمنا في قلوبهم داعية الخروج بهذا السبب، فحملتهم عليه( مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ) يعني: المنازل الحسنة والمجالس السنيّة.
وقيل: مجالس الأمراء. وعن الضحاك المنابر. وقيل: السرّ في الحجال(١) .
( كَذلِكَ ) نصب على المصدر، أي: أخرجناهم خروجا مثل ذلك الإخراج الّذي وصفنا. أو صفة «مقام» أي: مثل ذلك المقام الّذي كان لهم. أو الأمر كذلك، على أنّه خبر المحذوف.( وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ) وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى ردّ بني إسرائيل إلى مصر، بعد ما أغرق فرعون وقومه، وأعطاهم جميع ما كان
__________________
(١) السرّ: الجماع. والحجال جمع حجلة، وهي بيت يزيّن للعروس.
لفرعون وقومه من الأموال والعقار والمساكن والديار.
( فَأَتْبَعُوهُمْ ) يعني: قوم فرعون أدركوا موسى وأصحابه ولحقوهم( مُشْرِقِينَ ) داخلين وقت شروق الشمس. من: شرقت الشمس شروقا إذا طلعت.
( فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ ) تقاربا بحيث يرى كلّ منهما الآخر( قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) لملحقون. يعني: سيدركنا جمع فرعون، ولا طاقة لنا بهم.
( قالَ ) موسى: ثقة بنصر الله تعالى( كَلَّا ) لن يدركونا، ولا يكون ما تظنّون، فانتهوا عن هذا القول، فإنّ الله وعدكم الخلاص منهم( إِنَّ مَعِي رَبِّي ) بنصره وحفظه( سَيَهْدِينِ ) سيرشدني إلى طريق النجاة. وعن السدّي: سيكفيني.
روي: أنّ مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى، فقال: أين أمرت؟ فهذا البحر أمامك، وقد غشيك آل فرعون! فقال: أمرت بالبحر، ولعلّي أؤمر بما أصنع.
( فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ) وهو نهر النيل ما بين أيلة ومصر. وقيل: هو بحر قلزم ما بين اليمن ومكّة إلى مصر. فضربه موسى بعصاه.
( فَانْفَلَقَ ) فانشقّ البحر، وظهر فيه اثنا عشر فرقا، بأن قام الماء عن يمين الطريق ويساره كالجبل العظيم. وذلك قوله:( فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) كالجبل المنيف الثابت في مقرّه. فدخلوا في شعابها، كلّ سبط في شعب. والفرق: الجزء المتفرّق. والفرق المصدر.
روي: أنّ موسىعليهالسلام قال عند ذلك: يا من كان قبل كلّ شيء، والمكوّن لكلّ شيء، والكائن بعد كلّ شيء.
( وَأَزْلَفْنا ) وقرّبنا( ثَمَّ الْآخَرِينَ ) فرعون وقومه، حتّى دخلوا على أثرهم مداخلهم( وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ) بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) بإطباقه عليهم.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في فرق البحر، وإنجاء موسى وقومه، وإغراق فرعون
وجنوده( لَآيَةً ) وأيّة آية( وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) وما تنبّه عليها أكثرهم، إذ لم يؤمن بها أحد ممّن بقي في مصر من القبط. وبنو إسرائيل ـ إلّا حبيب النجّار وآسية امرأة فرعون ـ بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها، واتّخذوا العجل وقالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة. فلا تستوحش يا محمّد من قعود قومك عن الحقّ الّذي تأتيهم به وتدلّهم عليه، فقد جروا على عادة أسلافهم في إنكار الحقّ وقبول الباطل.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) المنتقم من أعدائه( الرَّحِيمُ ) بأوليائه.
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) )
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ ) على مشركي قريش( نَبَأَ إِبْراهِيمَ ) خبره، فإنّه شجرة الأنبياء، وبه افتخار العرب. وفيه تسلية لك، وعظة لقومك.
( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ) لعمّه الّذي بمنزلة أبيه في تربيته، أو جدّ أمّه( وَقَوْمِهِ ) على وجه الإنكار عليهم( ما تَعْبُدُونَ ) كان إبراهيم يعلم أنّهم عبدة أصنام، ولكنّه سألهم
ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحقّ العبادة في شيء، كما تقول للتاجر: ما مالك؟ وأنت تعلم أنّ ماله الرقيق، ثمّ تقول: الرقيق جمال وليس بمال.
( قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ) مقيمين على عبادتها. وحقّ الجواب أن يقتصروا على قولهم: «أصناما» فحسب، لأنّ «ما تعبدون» سؤال عن المعبود فقط، لكن أطالوا الجواب بشرح أحوالهم معه، إظهارا لـما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار. وإنّما قالوا: نظلّ، لأنّهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. وقيل: «نظلّ» بمعنى: ندوم.
( قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ) يسمعون دعاءكم؟ فحذف ذلك لدلالة قوله:( إِذْ تَدْعُونَ ) عليه. ومعناه: هل يستجيبون دعاءكم إذا دعوتموهم؟ ومجيئه مضارعا مع «إذ» على حكاية الحال الماضية استحضارا لها. ومعناه: استحضروا الأحوال الماضية الّتي كنتم تدعونها فيها، وقولوا: هل سمعوا؟ وهو أبلغ في التبكيت.
( أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ ) إذا عبدتموهم( أَوْ يَضُرُّونَ ) إن تركتم عبادتهم. وفي هذا بيان أنّ الدّين إنّما يثبت بالحجّة، ولو لا ذلك لم يحاجّهم إبراهيمعليهالسلام هذا الحجاج.
( قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) أضربوا عن أن يكون لهم سمع، أو يتوقّع منهم ضرّ أو نفع، والتجؤا إلى التقليد.
( قالَ ) إبراهيم منكرا عليهم التقليد( أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ ) الّذي كنتم( تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) فإنّ التقدّم والأوّليّة لا يكون برهانا على الصحّة، ولا ينقلب به الباطل حقّا. وإنّما دخل لفظ «كان» لأنّه جمع بين الحال والماضي.
( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) يريد أنّهم أعداء لعابديهم، من حيث إنّهم يتضرّرون من جهتهم فوق ما يتضرّر الرجل من جهة عدوّه. أو أنّ المغري بعبادتهم أعدى أعدائهم، وهو الشيطان. لكنّه صوّر الأمر في نفسه، على معنى: أنّي فكّرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ الّذي هو الشيطان، فاجتنبتها وآثرت عبادة
من الخير كلّه منه. وأراهم بهذا القول أنّه نصيحة نصح بها نفسه، تعريضا لهم، فإنّه أنفع في النصح من التصريح، وإشعارا بأنّها نصيحة بدأ بها نفسه، فيكون أدعى إلى القبول.
وإنّما جمع الأصنام جمع العقلاء، لـما وصفها بالعداوة التي لا تكون إلّا من العقلاء. أو المراد عبّاد الأصنام مع الأصنام عدوّ لي، لأنّه غلّب ما يعقل. وإفراد العدوّ لأنّه في الأصل مصدر.
( إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ) استثناء منقطع، كأنّه قال: لكن ربّ العالمين. أو متّصل على أنّ الضمير لكلّ معبود عبدوه، وكان من آبائهم من عبد الله.
( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) لأنّه يهدي كلّ مخلوق لـما خلق له من امور المعاش والمعاد، كما قال:( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) (١) هداية مدرّجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله، يتمكّن بها من جلب المنافع ودفع المضارّ. مبدؤها بالنسبة إلى الإنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم، وبعد الخروج إلى معرفة الثدي عند الولادة، وإلى كيفيّة الارتضاع، وغير ذلك من هدايات المعاش. ثمّ هداه بتوفيق في المعرفة والطاعة إلى طريق الجنّة والتنعّم بلذائذها.
والفاء للسببيّة إن جعل الموصول مبتدأ، وللعطف إن جعل صفة «ربّ العالمين». فيكون اختلاف النظم لتقدّم الخلق واستمرار الهداية.
وقوله:( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) على الأوّل مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة ما قبله عليه. وكذا اللّذان بعده. وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أنّ كلّ واحدة من الصلات مستقلّة باقتضاء أنّه هو المعبود دون ما سواه. والمعنى: هو يرزقني بما أتغذّى به.
( وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) عطف على( يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) لأنّه من
__________________
(١) الأعلى: ٣.
روادفهما، من حيث إنّ الصحّة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب.
وإنّما لم ينسب المرض إليه، بأن قال: أمرضني، لأنّ مقصوده تعديد النعم. ولا ينتقض بإسناد الإماتة إليه بعده، لأنّ الموت من حيث إنّه لا يحسّ به لا ضرر فيه، وإنّما الضرر في مقدّماته، وهي المرض. ثمّ إنّه لأهل الكمال وصلة إلى نيل الحياة الأبديّة والسعادة السرمديّة، الّتي تستحقر دونها الحياة الدنيويّة، وخلاص من أنواع المحن والبليّات. ولأنّ المرض في غالب الأمر إنّما يحدث بإفراط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه، ومن ثمّ قال الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم(١) . وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الحمية(٢) رأس كلّ دواء، والبطنة رأس كلّ داء».
أو لـما بين الأركان والأخلاط من التنافي والتنافر، والصحّة إنّما تحصل باستحفاظ اجتماعها والاعتدال المخصوص عليها قهرا، وذلك بقدرة العزيز الحكيم. والمعنى: فهو يفعل بي ما يصحّ عنده بدني.
( وَالَّذِي يُمِيتُنِي ) بعد أن كنت حيّا( ثُمَّ يُحْيِينِ ) يوم القيامة بعد أن أكون ميّتا.
( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) ذكر ذلك انقطاعا إلى الله، وهضما لنفسه، وتواضعا منه، وتعليما للامّة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، ويطلبوا المغفرة ممّا يفرط منهم، فإنّ الأنبياء صلّى الله عليهم معصومون منزّهون من الخطايا والآثام، لـما برهن في علم الكلام، وانعقد إجماع الطائفة الحقّة ـ وهم الإماميّة ـ عليه، ونقل عن أئمّتناعليهمالسلام . فاستغفارهم إنّما هو محمول على تواضعهم لربّهم، وهضمهم لأنفسهم، وتعليمهم لأمّتهم. وعلّق المغفرة بيوم الدين ،
__________________
(١) التخم جمع التخمة. وهي: الداء يصيب الإنسان من الطعام الوخيم.
(٢) الحمية: الاسم من: حمى المريض إذا منعه عمّا يضرّه. والبطنة: الامتلاء المفرط من الأكل.
لأنّ أثرها يتبيّن يومئذ، والآن خفيّ لا يعلم.
وقيل: أراد إبراهيمعليهالسلام أن يغفر الله لأجله خطيئة من يشفّعه فيه، فأضافه إلى نفسه، كقوله سبحانه لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ) (١) .
وإنّما حذف الياءات لأنّها رؤوس الآيات.
وهذا الكلام من إبراهيمعليهالسلام إنّما صدر على وجه الاحتجاج على قومه، والإخبار بأنّه لا يصلح للإلهيّة إلّا من فعل هذه الأفعال.
( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) )
ثمّ حكى الله سبحانه عن نبيّه أنّه سأله وقال:( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ) كمالا في العلم والعمل أستعدّ به لخلافة الحقّ ورئاسة الخلق. وقيل: نبوّة، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله.( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) أي: وفّقني للكمال في العمل، لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح، الّذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره. أو اجمع بيني وبينهم في الجنّة. وفي هذا دلالة على عظم شأن الصلاح، وهو الاستقامة على ما أمر الله به ودعاه إليه.
( وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) أي: ثناء حسنا في آخر الأمم، وذكرا
__________________
(١) الفتح: ٢.
جميلا، وحسن صيت، وقبولا عامّا في الّذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. فأجاب الله تعالى دعاءه، فما من أمّة من الأمم إلّا ويثنون عليه، ومحبّون له. والعرب تضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأنّ القول يكون بها، وكذلك يسمّون اللغة لسانا.
وقيل: معناه: واجعل لي ولد صدق في آخر الأمم من ذرّيّتي، يجدّد أصل ديني، ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه من التوحيد، وهو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) من الّذين يرثون الفردوس في الآخرة. وقد مرّ(١) معنى الوراثة فيها.
( وَاغْفِرْ لِأَبِي ) لوليّ نعمتي وتربيتي بالهداية( إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) الذاهبين عن الصواب في اعتقاده. ووصفه بأنّه ضالّ يدلّ على أنّه كان كافرا كفر جهل لا كفر عناد. وقد ذكرنا الوجه في استغفار إبراهيم لأبيه في سورة التوبة(٢) .
( وَلا تُخْزِنِي ) ولا تفضحني ولا تعيّرني بتقصيري في أوامرك. واشتقاقه إمّا من الخزي، وهو الهوان. أو من الخزاية، وهي الحياء.( يَوْمَ يُبْعَثُونَ ) الضمير للعباد، لأنّهم معلومون، أي: يوم يحشر الخلائق كلّهم. وهذا الدعاء كان منه أيضا على وجه الانقطاع إلى الله، لـما بيّنّا أنّ القبيح لا يجوز وقوعه من الأنبياء.
ثمّ فسّر ذلك اليوم بقوله:( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ) أي: لا ينفعان أحدا، إذ لا يتهيّأ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم بماله، ولا يتحمّل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه.
( إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) أي: لا ينفعان أحدا إلّا مخلصا سليم القلب عن الكفر وميل المعاصي. أو لا ينفعان إلّا مال من هذا شأنه وبنوه، حيث أنفق ماله في
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ١٩٤، ذيل الآية ٦٣ من سورة مريم.
(٢) راجع ج ٤ ص ١٤٤ و ١٧٣، ذيل الآية ٨٠ و ١١٣.
سبيل الخير، وأرشد بنيه إلى الحقّ، وحثّهم على البرّ، وقصد بهم أن يكونوا عبادا لله مطيعين، شفعاء له يوم الدين.
وقيل: الاستثناء من قبيل قوله: تحيّة بينهم ضرب وجيع(١) . وبيانه أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه. تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك.
وإن شئت حملت الكلام على المعنى، وجعلت المال والبنين في معنى الغنى.
كأنّه قيل: يوم لا ينفع غنى إلّا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأنّ غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أنّ غناه في دنياه بماله وبنيه.
ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا. والمعنى: أنّ المال والبنين لا ينفعان، ولكن سلامة القلب عن الكفر والمعاصي وسائر آفاته ينفع صاحبه.
وقيل: معناه: إلّا من أتى الله بقلب سليم من فتنة المال والبنين.
وقيل: القلب السليم الّذي سلم وسلّم وأسلم وسالم واستسلم.
وعن الصادقعليهالسلام : «هو القلب الّذي سلم من حبّ الدنيا».
وإنّما خصّ القلب بالسلامة، لأنّه إذا سلم سلمت سائر الجوارح من الفساد، من حيث إنّ الفساد بالجارحة لا يكون إلّا عن قصد بالقلب الفاسد.
وما أحسن ما رتّب إبراهيمعليهالسلام كلامه مع المشركين، حين سألهم أوّلا عمّا يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم. ثمّ أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها، بأنّها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، على تقليدهم آباءهم الأقدمين. فأخرجه من أن يكون شبهة، فضلا عن أن يكون حجّة.
ثمّ صوّر المسألة في نفسه دونهم، حتّى تخلّص منها إلى ذكر اللهعزوجل ، فعظّم شأنه، وعدّد نعمته من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة
__________________
(١) لعمرو بن معد يكرب. وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيل.
من رحمته.
ثمّ أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين. ثمّ وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الحسرة والندامة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي الكرّة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.
( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) )
( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) قرّبت من موقعهم بحيث يرونها من الموقف ،
فيغتبطون بمكانهم، ويتبجّحون(١) بأنّهم المحشورون إليها.
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ) أظهرت وكشفت للأشقياء، فيرونها مكشوفة، ويتحسّرون على أنّهم المسوقون إليها، فيجمع عليهم الغموم كلّها والحسرات. وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد.
( وَقِيلَ لَهُمْ ) في ذلك اليوم على وجه التوبيخ على إشراكهم( أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ ) أين آلهتكم الّذين تزعمون أنّهم شفعاؤكم؟( هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ) بدفع العذاب عنكم( أَوْ يَنْتَصِرُونَ ) بدفعه عن أنفسهم، لأنّهم وآلهتهم يدخلون النار، كما قال:( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ) أي: طرحت فيها الآلهة وعبدتهم. والكبكبة: تكرير الكبّ لتكرير معناه، كأنّ من ألقي في النار يكبّ مرّة بعد اخرى حتّى يستقرّ في قعرها.
( وَجُنُودُ إِبْلِيسَ ) وكبكب معهم متّبعوه من عصاة الثقلين أو شياطينه( أَجْمَعُونَ ) تأكيد للجنود، أو للضمير وما عطف عليه.
( قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ * تَاللهِ إِنْ كُنَّا ) مخفّفة عن الثقيلة، أي: إنّا كنّا( لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) على أنّ الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة. ويؤيّده الخطاب في قوله تعالى:( إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) أي: في استحقاق العبادة.
ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في «قالوا». والخطاب للمبالغة في التحسّر والندامة. والمعنى: أنّهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم، معترفون بانهماكهم في الضلالة، متحسّرون عليها.
( وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ) وهم رؤساؤهم وكبراؤهم الّذين اقتدوا بهم.
( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ) كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيّين. يعني: ما لنا شفيع من الأباعد.
__________________
(١) أي: يتفاخرون.
( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) ذي قرابة يهمّه أمرنا. كما نرى للمؤمنين أصدقاء من النبيّين والأوصياء، لأنّه لا يتصادق في الآخرة إلّا المؤمنون، وأمّا أهل النار فبينهم التعادي والتباغض. قال الله تعالى:( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) (١) . أو فما لنا من شافعين ولا صديق من الّذين كنّا نعدّهم شفعاء وأصدقاء. أو وقعنا في مهلكة لا يخلّصنا منها شافع ولا صديق.
وجمع الشافع ووحدة الصديق لكثرة الشفعاء وقلّة الصديق. أو لإطلاق الصديق على الجمع، لأنّه في الأصل مصدر، كالحنين والصهيل. والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام. وهو الّذي يهمّه ما يهمّك. أو من الحامّة بمعنى الخاصّة. وهو الصديق الخاصّ.
وعن الصادقعليهالسلام : «والله لنشفعنّ لشيعتنا ـ قالها ثلاثا ـ حتّى يقول عدوّنا: «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ».
وعن جابر بن عبد الله، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الرجل يقول في الجنّة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه إلى الجنّة. فيقول من بقي في النار:( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) .
وعن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: «إنّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته، فيشفع فيهم حتّى يبقى خادمه، فيقول ويرفع سبّابتيه: يا ربّ خويدمي كان يقيني الحرّ والبرد، فيشفع فيه».
وفي خبر آخر عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إنّ المؤمن ليشفع لجاره وماله حسنة، فيقول: يا ربّ جاري، كان يكفّ عنّي الأذى، فيشفع فيه. وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة يشفع لثلاثين إنسانا».
( فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً ) تمنّ للرجعة إلى الدنيا. وأقيم فيه «لو» مقام
__________________
(١) الزخرف: ٦٧.
«ليت» لتلاقيهما في معنى التقدير. أو شرط حذف جوابه.( فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) جواب التمنّي. أو عطف على «كرّة» أي: لو أنّ لنا أن نكرّ فنكون من المؤمنين لفعلنا كذا وكذا.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) فيما ذكر من قصّة إبراهيمعليهالسلام ( لَآيَةً ) لحجّة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر، فإنّها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير، يتفطّن المتأمّل فيها لغزارة علمه، لـما فيها من الإشارة إلى أصول العلوم الدينيّة، والتنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مخالقته معهم، وكمال إشفاقه عليهم.
وتصوّر الأمر في نفسه، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا وإيقاظا لهم، ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقبول.
( وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ ) أكثر قومه( مُؤْمِنِينَ ) به.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) القادر على تعجيل الانتقام( الرَّحِيمُ ) بالإمهال، لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذرّيّتهم.
( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا
نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) )
( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ) لأنّ من كذّب رسولا واحدا من رسل الله فقد كذّب الجماعة، لأنّ كلّ رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقال أبو جعفرعليهالسلام : «يعني بالمرسلين نوحا والأنبياء الّذين كانوا بينه وبين آدمعليهالسلام ». والقوم: مؤنّثة، ولذلك تصغّر على قويمة.
( إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ) لأنّه كان منهم. من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحدا منهم.( أَلا تَتَّقُونَ ) عذاب الله، فتتركوا عبادة غيره.
( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) مشهور بالأمانة فيكم( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ) فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله.
( وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ) على ما أنا عليه من الدعاء والنصح( مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ ) كرّره ليؤكّده عليهم، ويقدّره في نفوسهم، وينبّه على دلالة كلّ واحد من أمانته وحسم طمعه على وجوب طاعته فيما يدعوهم إليه، فكيف إذا اجتمعا؟!( قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ) الأقلّون مالا وجاها. جمع الأرذل على
الصحّة، وعلى التكسير في قوله:( الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا ) (١) . والرذالة: الخسّة والدّناءة.
وقرأ يعقوب: وأتباعك. وهو جمع تابع، كشاهد وأشهاد. أو تبع، كبطل وأبطال. والواو للحال.
وإنّما استرذلوهم لاتّضاع نسبهم، وقلّة نصيبهم من الدنيا. وقيل: كانوا من أهل الصناعات الدنيئة، كالحياكة والحجامة. وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وما زالت أتباع الأنبياء كذلك، حتّى صارت من سماتهم وأماراتهم. ألا ترى إلى هرقل ملك الروم حين سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله، فلمّا قال: ضعفاء الناس وأراذلهم، قال: ما زالت أتباع الأنبياء كذلك.
وكان من سخافة عقل الكفرة، وقصور رأيهم على الحطام الدنيويّة، أن جعلوا اتّباع المقلّين فيها مانعا عن اتّباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه، ودليلا على بطلانه.
وأشاروا بذلك إلى أنّ اتّباعهم ليس عن نظر وبصيرة، وإنّما هو لتوقّع مال ورفعة.
فلذلك( قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أنّهم عملوه خالصا، أو طمعا في طعمة.
وما عليّ إلّا اعتبار الظاهر، دون التفتيش عن أسرارهم، والشقّ عن قلوبهم.
( إِنْ حِسابُهُمْ ) ما حسابهم على بواطنهم( إِلَّا عَلى رَبِّي ) فإنّه المطّلع عليها.
وما أنا إلّا منذر، لا محاسب ولا مجاز.( لَوْ تَشْعُرُونَ ) لعلمتم ذلك. ولكنّكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون. قصد بذلك ردّ اعتقادهم، وإنكار أن يسمّى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإنّ الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى.
( وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ) جواب لـما أوهم قولهم من استدعاء طردهم.
والمعنى: ليس من شأني أن أتّبع شهواتكم، وأطيب نفوسكم، بطرد المؤمنين الّذين صحّ إيمانهم طمعا في إيمانكم.
__________________
(١) هود: ٢٧.
وقوله تعالى:( إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) كالعلّة له، أي: ما أنا إلّا رجل مبعوث لإنذار المكلّفين عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا أعزّاء أو أذلّاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟ أو ما عليّ إلّا إنذاركم إنذارا بيّنا بالبرهان الواضح، الّذي يتميّز به الحقّ من الباطل، فلا عليّ أن أطردهم لاسترضائكم.
( قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ) لئن لم ترجع عمّا تقول( يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) من المضروبين بالحجارة، أو من المشتومين.
( قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ) في وحيك ورسالتك. وهذا إظهار لـما يدعو عليهم لأجله، وهو تكذيب الحقّ، لا تخويفهم له واستخفافهم عليه.
( فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ) من الفتاحة، وهي الحكومة. والفتّاح: الحاكم، لأنّه يفتح المستغلق. كما سمّي فيصل، لأنّه يفصل بين الخصومات.( وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) من العذاب النازل على الكفرة، ومن شؤم عملهم.
( فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ) في السفينة( الْمَشْحُونِ ) المملوء. يقال: شحنت السفينة ملأتها. وشحنت البلد بالخيل ملأته. والفلك هنا واحد. وجمع في قوله تعالى:( وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ) (١) . فالواحد على وزن قفل، والجمع على وزن اسد.
( ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ ) إنجائه حينئذ ومن معه( الْباقِينَ ) الخارجين عن السفينة، الكافرين به.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ) شاعت وتواترت( وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) في إهلاك قوم نوح بالغرق( الرَّحِيمُ ) في إنجائه نوحا ومن معه في الفلك.
__________________
(١) النحل: ١٤.
( كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) )
( كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ) تأنيثه باعتبار القبيلة. وهو في الأصل اسم أبيهم.
( إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ ) في النسب( هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ) باجتناب معاصيه( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ) صدّرت القصص بها لتدلّ على أنّ البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة
الحقّ، والطاعة فيما يقرّب المدعوّ إلى ثوابه، ويبعّده عن عقابه. وكان الأنبياء متّفقين على مثل ذلك، مبرّئين عن المطامع الدينيّة والأغراض الدنيويّة.
( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) بكلّ مكان مرتفع. ومنه: ريع الأرض لارتفاعها.
( آيَةً ) علما للمارّة( تَعْبَثُونَ ) ببنائها، إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتّخذوا في طرقهم أعلاما طوالا لا يحتاجون إليها.
وقيل: كانوا يبنون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارّة، فيعبثوا بهم. وعن مجاهد: بنوا بكلّ ريع بروجا للحمام عبثا.
وقيل: كانوا يبنون أبنية لا يحتاجون إليها للسكنى. فجعل بناء ما يستغنون عنه عبثا. أو قصورا يفتخرون بها.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لكلّ بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة، إلّا ما لا بدّ منه».
( وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ ) مأخذا للماء تحت الأرض. وقيل: قصورا مشيّدة وحصونا.( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ترجون الخلود في الدنيا. أو تشبه حالكم حال من يخلد، فإنّ هذه الأبنية بناء من يطمع في الخلود.
( وَإِذا بَطَشْتُمْ ) أخذتم بسوط أو سيف( بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) متسلّطين، ظالمين، بلا رأفة ولا قصد تأديب. وقيل: قتّالين على الغضب بغير حقّ. وقال الحسن: مبادرين تعجيل العذاب، لا تتفكّرون في العواقب.
( فَاتَّقُوا اللهَ ) بترك هذه الأشياء( وَأَطِيعُونِ ) فيما أمركم الله.
( وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ) كرّر الاتّقاء مرتّبا على إمداد الله إيّاهم بما أعطاهم ما يعلمون من أنواع الخير، ويعرفونه من أنواع النعم، تعليلا وتنبيها على الوعد عليه بدوام الإمداد، والوعيد على تركه بالانقطاع. والإمداد في الأصل إتباع الثاني ما قبله شيئا بعد شيء على انتظام.
ثمّ فصّل بعض تلك النعم، كما فصّل بعض مساويهم المدلول عليها إجمالا بالإنكار في «ألا تتّقون» مبالغة في الإيقاظ والحثّ على التقوى، فقال :
( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ) قرنها بالبنين، لأنّهم الّذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها( وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) .
ثمّ أوعدهم فقال:( إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ ) إن عصيتموني( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) في الدنيا والآخرة، فإنّه كما قدر على الإنعام قدر على الانتقام. ووصف اليوم بالعظيم، لـما فيه من الأهوال العظيمة.
( قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ) أنهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا. والمعنى: لا نقبل ما تدعونا إليه على كلّ حال، وعظت أم سكتّ، فإنّ حصول الوعظ منك وارتفاعه مستويان عندنا. ولو علم أنّه قيل: أوعظت أم لم تعظ، لكان أخصر. لكن لم يكن فيه مبالغة، كما كانت في قوله:( أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ) لأنّ المعنى: سواء علينا أفعلت هذا الفعل الّذي هو الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه. فهو أبلغ في قلّة اعتدادهم بوعظه من قوله: أم لم تعظ.
( إِنْ هذا ) ما هذا الّذي جئتنا به( إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ) إلّا اختلاق الأوّلين، أي: كذبهم، كما قالوا: أساطير الأوّلين. أو ما خلقنا هذا إلّا خلق القرون الخالية، نحيا ونموت كما حيوا وماتوا، ولا بعث ولا حساب.
وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: خلق بضمّتين، بمعنى العادة، أي ما هذا الّذي جئت به إلّا عادة الأوّلين، كانوا يلفّقون مثله ويسطّرونه. أو ما هذا الّذي نحن عليه من الدّين إلّا خلق الأوّلين وعادتهم، ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الّذي نحن عليه من الحياة والموت إلّا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها في قديم الدهر.
( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) على ما نحن عليه( فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ ) بسبب التكذيب بريح صرصر( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) قد مرّ(١) تفسيره.
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩) )
__________________
(١) راجع ص ٤٠: ذيل الآية ١٢١ ـ ١٢٢.
( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ) قد سبق(١) تفسير ذلك أيضا.
( أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ ) إنكار لأن يتركوا مخلّدين في نعيمهم لا يزالون عنه. أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إيّاهم وما يتنعّمون. «فيما هاهنا» أي: الّذي استقرّ في هذا المكان من النعيم، حال كونهم مع أمن ودعة.
والمعنى: أتظنّون أنّكم تتركون فيما أعطاكم الله من الخير في هذه الدنيا، آمنين من الموت والعذاب؟! بل لا يبقى عليكم، وسيزول عنكم.
ثمّ فسّره بقوله:( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ ) لطيف ليّن، للطف التمر. أو لأنّ النخل أنثى، وطلع إناث النخل ألطف. وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ(٢) القنو. أو متدلّ(٣) منكسر من كثرة الحمل.
وقيل: الهضيم: الليّن النضيج. وقيل: هو الّذي إذا مسّ تفتّت. وقيل: هو الّذي ليس فيه نوى.
وإفراد النخل لفضله على سائر أشجار الجنّات. أو لأنّ المراد بالجنّات غير النخل من الأشجار، لأنّ اللفظ يصلح لذلك، ثمّ يعطف عليها النخل.
( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ ) بطرين، أو حاذقين. من الفراهة، وهي
__________________
(١) راجع ص ٤١: ذيل الآية ١٢٣ ـ ١٢٧.
(٢) شماريخ جمع شمراخ، وهو العذق ـ أي: الغصن له شعب ـ عليه بسر أو عنب. والقنو: من النخل كالعنقود من العنب.
(٣) عطف على قوله: «لطيف ليّن» قبل سطرين.
النشاط، فإنّ الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: فرهين. وهو أبلغ.
( فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) ثمّ وصفهم بالوصف الموضح لإسرافهم بقوله. واستعير طاعة الآمر المطاع لامتثال الأمر وارتسامه، أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي، والمراد الآمر.
ومنه قولهم: لك عليّ إمرة مطاعة، وقوله تعالى:( وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) (١) .
وحقيقة المعنى: أطيعوني فيما آمركم به، ولا تطيعوا رؤساءكم المتجاوزين عن الحقّ.
( الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) عطفه على «يفسدون» دلالة على خلوص فسادهم. يعني: أنّ حالهم ليس كحال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح، بل موصوفون بمحض الفساد والفساد المحض. وهم سبعة رهط من ثمود الّذين عقروا الناقة.
( قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) الّذين سحروا كثيرا مرّة بعد اخرى حتّى غلب على عقلهم، فصاروا لا يدرون ما يقولون. او من ذوي السّحر، وهو الرئة، أي: من الأناسيّ الّذين يحتاجون إلى الطعام والشراب. فيكون( ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) تأكيدا له.
( فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في دعوة النبوّة. روي: أنّهم قالوا: نريد ناقة عشراء(٢) ، تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا. فقعد صالح يتفكّر، فقال له جبرئيل: صلّ ركعتين، وسل ربّك الناقة. ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين
__________________
(١) طه: ٩٠.
(٢) العشراء: الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر. والسقب: الذكر من ولد الناقة.
أيديهم، ونتجت سقبا مثلها في العظم. وعن أبي موسى: رأيت مصدرها فإذا هو ستّون ذراعا.
( قالَ ) بعد خروج الناقة من الصخرة، كما اقترحوا المعجزة تدلّ على صدقة( هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ) نصيب من الماء، كالسقي وألقيت، للحظّ من السقي والقوت( وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) فاقتصروا على شربكم، ولا تزاحموها في شربها.
وعن قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كلّه، ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء.
وروي عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «أوّل عين نبعت في الأرض هي الّتي فجّرها الله لصالح، فقال:( لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) .
( وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ) كضرب وعقر، وغير ذلك( فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) عظم اليوم لعظم ما يحلّ فيه. وهو أبلغ من تعظيم العذاب، لأنّ الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشدّ.
( فَعَقَرُوها ) أسند العقر إلى كلّهم، لأنّ عاقرها إنّما عقرها برضاهم، ولذلك أخذوا جميعا.
روي: أنّ عاقرها قال: لا أعقرها حتّى ترضوا أجمعين. فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم. وكذا صبيانهم.
روي: أنّ مسطعا ألجأها إلى مضيق في شعب، فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت، ثمّ ضربها قدار.
( فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ) على عقرها خوفا من حلول العذاب، لا توبة، أو عند معاينة العذاب، ولذلك لم ينفعهم. قال الله تعالى:( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئاتِ ) (١) الآية.
( فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ ) اللام إشارة إلى عذاب يوم عظيم( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) مرّ تفسير هاتين الآيتين مرارا.
( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) )
__________________
(١) النساء: ١٨.
( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ ) أتصيبون الذكور( مِنَ الْعالَمِينَ ) من أولاد آدم، مع كثرتهم وغلبة إناثهم على ذكورهم. أو أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران، لا يشارككم فيه غيركم. يعني: أنّكم يا قوم لوط وحدكم مختصّون بهذه الفاحشة. فالمراد بالعالمين على الأوّل الناس، وعلى الثاني كلّ من ينكح.
( وَتَذَرُونَ ) وتتركون( ما خَلَقَ لَكُمْ ) لأجل استمتاعكم( رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ ) بيان لـ «ما» إن أريد به جنس الإناث. أو للتبعيض إن أريد به العضو المباح منهنّ. فيكون تعريضا بأنّهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضا.
( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ) متجاوزون عن حدّ الشهوة، حيث زادوا على سائر الناس، بل الحيوان. أو مفرطون في المعاصي، وهذا من جملة ذاك. أو أحقّاء بأن توصفوا بالعدوان، لارتكابكم هذه الجريمة العظيمة.
( قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ ) عن نهينا، أو تقبيح أفعالنا، أو عمّا تدّعيه، ولم تمتنع عن دعوتنا( لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. ولعلّهم كانوا يخرجون من أخرجوه على عنف وأسوأ حال.
( قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ ) من المبغضين غاية البغض، أقف عن الإنكار عليه بالإيعاد. من القلى بمعنى البغض الشديد. كأنّه بغض يقلي الفؤاد والكبد. وهو أبلغ من أن يقول: إنّي لعملكم قال، لدلالته على أنّه معدود في زمرتهم، مشهور بأنّه من جملتهم. كما تقول: فلان من العلماء. فيكون أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنّك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم
في العلم. وفي هذا دليل على عظم المعصية.
( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ) أي: من سوء عملهم ووخامة عاقبته من نزول العذاب.
( فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ) أهل بيته والمتّبعين له على دينه، عن العقاب الأليم، بإخراجهم من بينهم وقت حلول العذاب بهم.
( إِلَّا عَجُوزاً ) هي امرأة لوط( فِي الْغابِرِينَ ) أي: مقدّرة مفروضة في الباقين في العذاب، إذ أصابها حجر في الطريق فأهلكها، لأنّها كانت مائلة إلى القوم، راضية بفعلهم، دالّة أهل الفساد على أضيافه. وقيل: كائنة فيمن بقي في القرية، فإنّها لم تخرج مع لوط.
( ثُمَّ دَمَّرْنَا ) أهلكنا( الْآخَرِينَ ) بانقلاب بلادهم عليهم( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ) قيل: أمطر الله حجارة على قومه الّذين لم يكونوا في بلادهم، بل كانوا خارجين منها، غائبين عنها حين انقلبت البلاد على أهل بلده فأهلكتهم. وعن ابن زيد: لم يرض الله بانقلاب بلدهم حتّى أتبعه مطرا من حجارة.
( فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) بئس واشتدّ مطر الكافرين. ولا يجوز أن يكون اللام للعهد الدّال على قوم بأعيانهم، بل إنّما هو للجنس، ليصحّ وقوع المضاف إليه فاعل «ساء». والمخصوص بالذمّ محذوف، وهو: مطرهم.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا
الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) )
ثمّ أخبر عن قوم شعيب، فقال:( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) الأيكة: غيضة(١) تنبت ناعم الشجر. يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة، فبعث الله إليهم شعيبا، كما بعثه إلى مدين. وكان أجنبيّا منهم، فلذلك لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، كما في المواضع المتقدّمة، بل قال:( إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ) . وفي الحديث: «إنّ شعيبا أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة».
وقيل: الأيكة شجر ملتفّ. وكان شجرهم الدوم(٢) . وهو المقل.
__________________
(١) الغيضة: مجتمع الشجر في مغيض الماء ـ أي: مجتمعه ومدخله ـ الأجمة.
(٢) الدوم: جنس شجر من فصيلة النخليّات، يستخرج من ثماره نوع من الدبس. يعرف أيضا بشجرة المقل.
وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على اللام، على وزن ليلة. ونصب التاء على أنّها غير منصرفة، لأنّها اسم بلدتهم. وإنّما كتبت هاهنا وفي سورة ص(١) بغير ألف اتباعا لخطّ المصحف، فإنّها وجدت مكتوبة في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ.
( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ) وقد مرّ تفسيرها قبل.
وإنّما حكى الله سبحانه دعوة كلّ نبيّ بصيغة واحدة ولفظ واحد، إشعارا بأنّ الحقّ الّذي يأتي به الرسل ويدعون إليه واحد، من اتّقاء الله تعالى، واجتناب معاصيه، والإخلاص في عبادته وطاعة رسله. وأنّ الأنبياء لا يكونون إلّا أمناء الله في عباده، فإنّه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الأجرة على رسالته، لـما في ذلك من التنفير عن قبولهم.
ثمّ قال:( أَوْفُوا الْكَيْلَ ) أتمّوه وافيا غير ناقص( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ) الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.
( وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) بالميزان السويّ. قيل: هو عربيّ من القسط، وهو العدل، على وزن فعلاس، بزيادة الألف والسين، أو فعلاع بتكرير العين. أو على وزن فعلال من الرباعي. وقيل: هو روميّ، بمعنى العدل أيضا. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف.
( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) ولا تنقصوا شيئا من حقوقهم. من: بخسته إذا نقصته. والبخس عامّ في كلّ حقّ ثبت لأحد أن لا يهضم، وفي كلّ ملك أن لا يغصب عليه مالكه، ولا يتحيّف منه، ولا يتصرّف فيه إلّا بإذنه تصرّفا شرعيّا.
( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) بالقتل والغارة وقطع الطريق. وكانوا يفعلون
__________________
(١) ص: ١٣.
ذلك مع تولّيهم أنواع الفساد، فنهوا عن ذلك. والعثيّ بمعنى أشدّ الفساد. يقال: عثا في الأرض يعثو، وعثى يعثى، وعاث يعيث.
( وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ) وذوي الخليقة الأوّلين. يعني: من تقدّمهم من الخلائق. وهو كقولك: خلق الأوّلين.
( قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) أتوا بالواو للدلالة على أنّه جامع بين وصفين متنافيين للرسالة، وهما: التسحير والبشريّة، مبالغة في تكذيبه. يعني: أنّ الرسول لا يجوز أن يكون مسحّرا، ولا يجوز أن يكون بشرا.
( وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ) وإنّا نظنّك كاذبا في دعواك.
واعلم أنّ «إن» المخفّفة من الثقيلة ولامها تفرّقتا على فعل الظنّ وثاني مفعوليه، لأنّهما في الأصل يتفرّقان على المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيد لمنطلق.
فلمّا كان باب «كان» وباب «ظننت» من جنس باب المبتدأ والخبر، قالوا أيضا في البابين: إن كان زيد لنا عما،( وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ) .
( فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) أي: قطعا من السحاب. جمع الكسفة، نحو القطع جمع القطعة. وقرأ حفص بفتح السين.( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) في دعواك. وما كان طلبهم ذلك إلّا لتصميمهم على الجحود والتكذيب، ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لـما أخطروه ببالهم، فضلا أن يطلبوه. وذكر «إن» مشعر بإضمار الشرط. والمعنى: إن كنت صادقا أنّك نبيّ فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء.
( قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ) وبما تستوجبون عليه من العقاب. فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عذابا آخر فإليه الحكم والمشيئة.
( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) على نحو ما اقترحوا، بأن سلّط الله
عليهم الحرّ الشديد سبعة أيّام حتّى أخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظلّ ولا سرب(١) ، فاضطرّوا إلى أن خرجوا إلى البرّيّة، فأظلّتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا.
وروي: أنّ شعيبا بعث إلى أمّتين: أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة.
فأهلكت مدين بصيحة جبرئيل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلّة.
( إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) في نفي الإيمان عن أكثر كلّ أمّة من أمم الأنبياء السابقة، إيماء بأنّه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لـما أخذوا بالعذاب.
( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) )
__________________
(١) السرب: الحفير تحت الأرض.
واعلم أنّ هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار، تسلية لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتهديدا للمكذّبين به. ثمّ قرّر حقّية تلك القصص بقوله:( وَإِنَّهُ ) وإنّ هذا التنزيل. يعني: ما نزل من هذه القصص.( لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ) لمنزل( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ ) .
وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي، ونصب «الرّوح الأمين». وعلى القراءتين الباء للتعدية. فعلى القراءة الأولى معناه: نزل القرآن الروح الأمين. وعلى الثانية معناه: جعل الله الروح الأمين نازلا به على قلبك.
والروح الأمين جبرئيلعليهالسلام ، فإنّهعليهالسلام أمين الله على وحيه، ويحيي به الدين، أو يحيي به الأرواح بما ينزل من البركات. أو لأنّ جسمه روحانيّ.
والقلب إن أراد به الروح فذاك. وإن أراد به العضو، فتخيصه لأنّ المعاني الروحانيّة إنّما تنزل أوّلا على الروح، ثمّ تنتقل منه إلى القلب، لـما بينهما من التعلّق، ثمّ تتصعّد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيّلة.
والمعنى: حفّظك وفهّمك إيّاه، وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله تعالى:( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) (١) .
( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) عمّا يؤدّي إلى عذاب من فعل أو ترك. وفيه تنبيه على إعجاز القرآن ونبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ الإخبار عن هذه القصص ممّن لم يتعلّم لا يكون إلّا وحيا من اللهعزوجل .
( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) واضح المعنى. وهو إمّا متعلّق بالمنذرين. ومعناه: لتكوننّ ممّن أنذروا بلغة العرب. وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمّد صلّى الله عليهم. أو متعلّق بـ «نزل».
( وَإِنَّهُ ) وإنّ القرآن ـ يعني: ذكره، أو معناه ـ مثبت( لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ) لفي
__________________
(١) الأعلى: ٦.
الكتب المتقدّمة السماويّة.
وقيل: الضمير لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكذلك ضمير «يعلمه» في قوله:( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً ) على صحّة القرآن، أو نبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم.
وقرأ ابن عامر: تكن بالتاء، وآية بالرفع على أنّها الاسم، والخبر «لهم»، و «أن يعلمه» بدل. أو الفاعل، و «أن يعلمه» بدل، و «لهم» حال. وعلى قراءة غيره نصبت على أنّها خبر «يكن»، و «أن يعلمه» اسمه.
وعلماؤهم: عبد الله بن سلام وأصحابه، كما قال الله تعالى:( وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) (١) .
وعن عطيّة: هم خمسة: عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد.
وخطّ: علمؤا بالواو قبل الألف، على لغة من عدل الألف إلى الواو. وعلى هذه اللغة كتبت: الصلوة والزكوة والربوا.
( وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ) كما هو زيادة في إعجازه. أو بلغة الأعجمين. وهو جمع الأعجمي، وهو الّذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة. ولـمّا كان من يتكلّم بلسان غير لسانهم بحيث لا يفهمون كلامه، فشبّهوه بمن لا يفصح ولا يبين أصلا. وقالوا لكلّ ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها: أعجم.
( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) لفرط عنادهم واستكبارهم. أو لعدم فهمهم، واستنكافهم من اتّباع العجم.
( كَذلِكَ سَلَكْناهُ ) أي: كما أنزلنا القرآن عربيّا مبينا، أدخلناه وأوقعناه( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) الكافرين، بأن قرأه رسولنا عليهم، فعرفوا معانيه وإعجازه.
( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) عنادا وجحودا( حَتَّى يَرَوُا ) يعاينوا( الْعَذابَ الْأَلِيمَ )
__________________
(١) القصص: ٥٣.
فيلجئهم إلى الإيمان( فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ) فجأة في الدنيا والآخرة( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بإتيانه( فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ) تحسّرا وتأسّفا.
( أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) )
روي عن مقاتل: لـمّا أوعدهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالعذاب استعجلوه تكذيبا له، فقال سبحانه توبيخا لهم:( أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) أشرا وبطرا واستهزاء، واتّكالا على الأمل الطويل. فيقولون: أمطر علينا حجارة، فأتنا بما تعدنا، وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة. يعني: كيف يستعجل العذاب من هو معرّض لعذاب لإيجاب في دفعه، ولا ينظر ولا يمهل طرفة عين؟!( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ) أعمارا طوالا في سلامة وأمن( ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ) لم يغن عنهم تمتّعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه. يعني: هب أنّ الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معاشهم.
( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ) رسل أنذروا أهلها إلزاما للحجّة. وإنّما عزلت الواو عن الجملة بعد «إلّا»، ولم تعزل في قوله:( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) (١) . لأنّ الأصل عزل الواو، لأنّ الجملة صفة لـ «قرية». وإذا زيدت
__________________
(١) الحجر: ٤.
فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله:( سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) (١) .
( ذِكْرى ) تذكرة. ومحلّها النصب على العلّة أو المصدر، لأنّها في معنى الإنذار، كأنّه قيل: مذكّرون تذكرة. أو الرفع على أنّها صفة «منذرون» بإضمار: ذووا. أو جعلوا ذكرى، لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها. أو خبر محذوف، أي: هذه ذكرى. والجملة اعتراضيّة. ويجوز أن تكون «ذكرى» متعلّقة بـ «أهلكنا» مفعولا له. والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمة إلّا بعد ما ألزمناهم الحجّة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم.( وَما كُنَّا ظالِمِينَ ) فنهلك غير الظالمين، أو قبل الإنذار.
( وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) )
روي: أنّ الكفّار كانوا يقولون: إنّما يتنزّل على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم من جنس ما يتنزّل به الشياطين على الكهنة. فكذّبهم الله بقوله:( وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ ) بالقرآن
__________________
(١) الكهف: ٢٢.
( الشَّياطِينُ ) كما يزعمه بعض المشركين( وَما يَنْبَغِي لَهُمْ ) وما يصحّ للشياطين أن يتنزّلوا به( وَما يَسْتَطِيعُونَ ) ذلك، ولا يقدرون عليه، لأنّ الله تعالى يحرس المعجزة عن أن يموّه بها المبطل.
( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ ) لكلام الملائكة( لَمَعْزُولُونَ ) لمصروفون مرجومون بالشهب، لأنّه مشروط بمشاركة في صفاء الذات، وقبول فيضان الحقّ، والانتقاش بالصور الملكوتيّة، ونفوسهم خبيثة ظلمانيّة شرّيرة بالذات، لا تقبل ذلك. والقرآن مشتمل على حقائق ومغيّبات لا يمكن تلقّيها إلّا من الملائكة.
( فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) بسبب ذلك. قد علم عزّ اسمه أنّ ذلك لا يكون، ولكنّه أراد أن يحرّك نبيّه ويهيّجه، لازدياد الإخلاص والتقوى.
وفيه تنبيه لسائر المكلّفين، كما قال:( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ) (١) .( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ) (٢) .( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (٣) .
( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) رهطك الأدنين، بالإفصاح من غير تليين بالقول، الأقرب منهم فالأقرب. وإنّما خصّهم بالذكر تنبيها على أنّه ينذر غيرهم، وأنّه لا يداهنهم لأجل القرابة، ليقطع طمع الأجانب عن المداهنة في الدين.
وقيل: إنّهعليهالسلام أمر بأن يبدأ بهم في الإنذار والدعاء إلى الله، ثمّ بالّذين يلونهم، كما قال:( قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) (٤) . لأنّ ذلك هو الّذي يقتضيه حسن الترتيب.
وقيل: إنّما خصّهم لأنّه يمكنه أن يجمعهم ثمّ ينذرهم. وقد فعل ذلكصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
__________________
(١) الحاقّة: ٤٤.
(٢) يونس: ٩٤.
(٣) الزمر: ٦٥.
(٤) التوبة: ١٢٣.
واشتهرت القصّة بذلك عند الخاصّ والعامّ.
وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنّه قال: لـمّا نزلت هذه الآية جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بني عبد المطّلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنّة(١) ويشرب العسّ.(٢) فأمر عليّاعليهالسلام برجل شاة فأدمها(٣) ، ثمّ قال: ادنوا بسم الله. فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتّى صدروا(٤) . ثمّ دعا بعقب من لبن، فجرع منه جرعة، ثمّ قال لهم: اشربوا بسم الله. فشربوا حتّى رووا. فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكتصلىاللهعليهوآلهوسلم يومئذ ولم يتكلّم. ثمّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب.
ثمّ أنذرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا بني عبد المطّلب إنّي أنا النذير إليكم من اللهعزوجل والبشير، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا.
ثمّ قال: من يؤاخيني ويوازرني، ويكون وليّي ووصيّي بعدي وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني؟ فسكت القوم. فأعادها ثلاثا، كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول عليّعليهالسلام : أنا. فقال في المرّة الثالثة: أنت. فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمّر عليك. أورد ذلك كلّه الثعلبي في تفسيره.
وروي عن أبي رافع هذه القصّة، وأنّه جمعهم في الشعب، فصنع لهم رجل شاة، فأكلوا حتّى تضلّعوا(٥) ، وسقاهم عسّا فشربوا كلّهم حتى رووا.
ثمّ قال: إنّ الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم عشيرتي
__________________
(١) المسنّة: البقرة إذا دخلت في السنة الثالثة.
(٢) العسّ: القدح أو الإناء الكبير.
(٣) أي: خلطها بالإدام.
(٤) أي: رجعوا عنه. والقعب: القدح الضخم الغليظ.
(٥) تضلّع: امتلأ شبعا أو ريّا.
ورهطي، وإنّ الله لم يبعث نبيّا إلّا جعل له أخا ووزيرا ووارثا ووصيّا وخليفة في أهله، فأيّكم يقوم فيبايعني على أنّه أخي ووارثي ووزيري ووصيّي، ويكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟ فسكت القوم. فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليقومنّ قائمكم، أو ليكوننّ في غيركم ثمّ لتندمنّ.
ثمّ أعاد الكلام ثلاث مرّات. فقام عليّعليهالسلام فبايعه وأجابه. ثمّ قال: ادن منّي.
فدنا منه، ففتح فاه ومجّ(١) في فيه من ريقه، وتفل بين كتفيه وثدييه.
فقال أبو لهب: بئس ما حبوت به ابن عمّك أن أجابك، فملأت فاه ووجهه بزاقا.
فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ملأته حكمة وعلما.
وعن ابن عبّاس قال: لـمّا نزلت الآية صعد رسول الله على الصفا، فقال: يا صباحاه. فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ قال: أرأيتكم إن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم، ما كنتم تصدّقونني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبّا لك ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل اللهعزوجل ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ ) إلى آخر السورة.
وروي: أنّه لـمّا نزلت صعد الصفا وناداهم فخذا فخذا حتّى اجتمعوا إليه، فقال: «لو أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم. قال: فإنّي لكم نذير بين يدي عذاب شديد».
( وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ليّن جانبك لهم. وهذا مستعار من: خفض الطائر إذا أراد أن ينحطّ، فإنّ الطائر إذا أراد أن ينحطّ كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه. فجعل خفض جناحه عند
__________________
(١) أي: رمى وقذف.
الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب.
و «من» للتبيين، لأنّ من اتّبع أعمّ ممّن اتّبع لدين أو غيره. أو للتبعيض، على أنّ المراد من المؤمنين المشارفون للإيمان، أو المصدّقون باللسان، فإنّ المؤمنين المصدّقين بألسنتهم صنفان: صنف صدّق واتّبع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلّا التصديق فحسب، وهم المنافقون والفاسقون، وهما لا يخفض لهما الجناح.
( فَإِنْ عَصَوْكَ ) ولم يتّبعوك فيما تدعوهم إليه( فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) ممّا تعملونه. أو من أعمالكم القبيحة، من الشرك وغيره.
( وَتَوَكَّلْ ) وفوّض أمرك( عَلَى الْعَزِيزِ ) الّذي يقدر على قهر أعدائه( الرَّحِيمِ ) الّذي يقدر على نصر أوليائه، يكفك شرّ من يعصيك منهم ومن غيرهم. والتوكّل: عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضرّه.
وقرأ نافع وابن عامر: فتوكّل، على الإبدال من جواب الشرط.
( الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ) إلى التهجّد. أو إلى الصلاة بالناس جماعة. أو تقوم للإنذار وأداء الرسالة.( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) في المصلّين، وتردّدك في تصفّح أحوال المتهجّدين. كما روي: أنّه لـمّا نسخ فرض قيام الليل، طافصلىاللهعليهوآلهوسلم تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لـمّا سمع منها من دندنتهم(١) بذكر الله وتلاوة القرآن.
وقيل: معناه: تصرّفك فيما بين المصلّين بالقيام والركوع والسجود إذا أممتهم.
__________________
(١) دندن الرجل: نغّم ولم يفهم منه كلام.
أو تقلّبك في أصلاب الموحّدين، حتّى أخرجك نبيّا من صلب أبيك، من نكاح غير سفاح، من لدن آدمعليهالسلام . وهو المرويّ عن أئمّة الهدىعليهمالسلام .
قال النيشابوري: «قد احتجّ بالآية علماء الشيعة في مذهبهم أنّ آباء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يكونون كفّارا. قالوا: أراد: تقلّب روحه من ساجد إلى ساجد، كما في الحديث المعتمد عليه عندهم: «لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات». وناقشهم أهل السنّة في التأويل المذكور، وفي صحّة الحديث. والأصوب عندي أن لا نشتغل بمعنى أمثال هذه الدعوى، ونسرح إلى بقعة الإمكان. على أنّه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول»(١) . انتهى كلامه، وما أنصفه.( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لـما تقوله( الْعَلِيمُ ) بما تنويه.
( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) )
ولـمّا أخبر الله سبحانه أنّ القرآن ليس ممّا تتنزّل به الشياطين، وأنّه وحي من الله، عقّبه بذكر من تنزّل عليه الشياطين، فقال:( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ * تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) أي: يتنزّل على كلّ كذّاب فاجر، كثير الإثم، عامل بالمعاصي. وهم الكهنة. وقيل: طليحة ومسيلمة. وأنت لست بكذّاب ولا أثيم، فلا تتنزّل عليك الشياطين، بل تتنزّل عليك الملائكة.
وإنّما دخل حرف الجرّ على «من» المتضمّنة لمعنى الاستفهام، والاستفهام له
__________________
(١) تفسير غرائب القرآن ٥: ٢٨٨.
صدر الكلام، كقولك: أعلى زيد مررت؟ ولا تقول: على أزيد مررت؟ لأنّ «من» دالّ على معنيين معا: معنى الاسم، ومعنى الحرف. وأصله: أمن، فحذف حرف الاستفهام، واستمرّ الاستعمال على حذفه، كما حذف من «هل» والأصل: أهل. فإذا دخل حرف الجرّ على «من» فقدّر الهمزة قبل حرف الجرّ، كأنّك تقول: أعلى من تنزّل الشياطين؟ كما تقول: أعلى زيد مررت؟
( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) يلقي الشياطين ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى أوليائهم، وهم الكهنة والكذّابون، ويخلطون به كثيرا من الأكاذيب، ويوحونه إليهم( وَأَكْثَرُهُمْ ) وأكثر الشياطين الأفّاكين الآثمين يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقّون وحيهم إليهم( كاذِبُونَ ) فيما يلقون إلى الكهنة، لأنّهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، أي: لا على نحو ما تكلّمت به الملائكة، لشرارتهم، أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو أفهامهم. أو أكثر الأفّاكين كاذبون، يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم.
وفي الحديث: «الكلمة يتخطّفها الجنّي فيقرّها في أذن وليّه، فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة». والقرّ: الصبّ.
قال الحسن: هم الّذين يسترقون السمع من الملائكة فيلقون إلى الكهنة.
وهذا قبل أن يوحى إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبعد ذلك فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا.
وقيل: المراد بالأكثر الكلّ، لقوله:( كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) . والأظهر أنّ الأكثريّة باعتبار أقوالهم، على معنى أنّ هؤلاء قلّ من يصدق منهم فيما يحكي عن الجنّي.
والحاصل: أنّ الله سبحانه بيّن أنّ محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يصلح أن تتنزّل الشياطين عليه من وجهين :
أحدهما: أنّه إنّما يكون تنزّلهم على كلّ شرّير كذّاب كثير الإثم، فإنّ اتّصال الإنسان بالغائبات لـما بينهما من التناسب والتوادّ، وحال محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم
على خلاف ذلك.
وثانيهما: أنّ الأفّاكين يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقّون منهم ظنونا وأمارات، لنقصان علمهم، فيضمّون إليها على حسب تخيّلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها الواقع. ولا كذلك محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّه أخبر عن مغيّبات كثيرة لا تحصى، وقد طابق كلّها.
واعلم أنّ محلّ «يلقون» يجوز أن يكون نصبا على الحاليّة، أيّ: تنزّل ملقين السمع. أو جرّا صفة لـ «كلّ أفّاك» لأنّه في معنى الجمع. ويحتمل أن لا يكون له محلّ من الإعراب، بأن يكون كلاما مستأنفا، كأنّ قائلا قال: لم تنزّل على الأفّاكين؟ فقيل: يلقون السمع إلخ.
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) )
روي: أنّ شعراء المشركين من قريش، مثل عبد الله بن الزبعري السهمي، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف الجمحي، وأبو عزّة عمرو بن عبد الله، ومن ثقيف أميّة بن أبي الصلت، تكلّموا بالكذب والباطل، وقالوا: نحن نقول مثل ما قال محمّد. وكانوا يهجونه وأصحابه في الشعر. واجتمع إليهم غواة من قومهم، يستمعون أشعارهم، ويروون عنهم أهاجيهم، فنزلت :
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ ) على أباطيلهم، وأكاذيبهم، وفضول كلامهم، وما هم عليه من الهجاء. وقرأ نافع: يتبعهم بالتخفيف.( الْغاوُونَ ) السفهاء والشطّار(١) . وقيل: الشياطين. وأتباع محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ليسوا كذلك. وهذا استئناف يبطل كونه شاعرا.
وقرّره بقوله:( أَـ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ) في كلّ فنّ من الكذب يتكلّمون، وفي كلّ لغو يخوضون، فيمدحون ويذمّون بالباطل.
والمعنى: أنّهم لـما يغلب عليهم من الهوى كالهائم على وجهه في كلّ واد يعنّ له، فيخوضون في كلّ فنّ من الكلام والمعاني الّتي تعنّ لهم. فالوادي مثل لفنون كلامهم. وهيمانهم فيه قولهم على الجهل بما يقولون من لغو وباطل، وغلوّ في مدح وذمّ، فإنّ أكثر مقدّماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلامهم في النسيب(٢) بالحرم، والغزل والابتهار، وتمزيق الأعراض، والقدح في الأنساب، والوعد الكاذب، والافتخار بالباطل، ومدح من لا يستحقّه، والإطراء فيه، حتّى يفضّلوا أجبن الناس على أشجعهم، وأشحّهم على أسخاهم، ويبهتوا(٣) البريء، ويفسّقوا التقيّ. وإليه أشار بقوله:( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ) .
ولـمّا كان إعجاز القرآن من جهة المعنى واللفظ، وقد قدحوا في المعنى بأنّه ممّا تنزّلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنّه من جنس كلام الشعراء، تكلّم في القسمين، وبيّن منافاة القرآن لهما، ومضادّة حال الرسول لحال أربابهما.
روى العيّاشي بالإسناد عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «هم قوم تعلّموا وتفقّهوا بغير
__________________
(١) الشطّار جمع الشاطر، وهو المتّصف بالدهاء والخباثة.
(٢) نسب نسيبا الشاعر بالمرأة: شبّب بها في شعره وتغزّل. والحرم: النساء. والابتهار: القذف بالبهتان، ودعوى الشيء كذبا.
(٣) أي: يتّهموا.
علم، فضلّوا وأضلّوا».
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم: «إنّهم الّذين يغيّرون دين الله تعالى، ويخالفون أمره»(١) .
وقيل: هم القصّاص الّذين يكذبون في قصصهم، ويقولون ما يخطر ببالهم.
ثمّ استثنى الشعراء الصالحين المؤمنين منهم، الّذين يكثرون ذكر الله في الشعر، فقال:( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً ) أي: كانت أشعارهم في التوحيد والثناء على الله والرسول وآله، والحثّ على طاعته، والحكمة والموعظة والزهد، والآداب الحسنة، ومدح المؤمنين على طاعة الله.
( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) بأن هجوا الكفّار الهاجين مكافحة لهجائهم المسلمين، وردءا(٢) وانتصارا ممّا يهجونهم، من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب، لقوله تعالى:( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) (٣) .
قيل: المراد بالمستثنين: عبد الله بن رواحة، وحسّان بن ثابت، والكعبين: كعب بن مالك، وكعب بن زهير، والّذين كانوا ينافحون(٤) عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويكافحون عنه، ويكافحون هجاة قريش.
وعن كعب بن مالك: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال له: «اهجهم، فو الّذي نفسي بيده هو أشدّ عليهم من وقع النبل».
روى البخاري ومسلم في الصحيحين أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول لحسّان :
__________________
(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢: ١٢٥.
(٢) الردء: الناصر والعون.
(٣) البقرة: ١٩٤.
(٤) نافح عن فلان: دافع عنه.
«اهجهم وروح القدس معك»(١) .
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) أيّ منصرف ينصرفون، ومرجع يرجعون؟! لأنّ منصرفهم إلى النار. وفيه تهديد شديد بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب المتأمّلين، ولا أصدع لأكباد المتدبّرين. وذلك لـما في «سيعلم» من الوعيد البليغ، وفي «الّذين ظلموا» من الإطلاق والتعميم، وفي( أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) ـ أي: بعد الموت ـ من الإبهام والتهويل.
__________________
(١) صحيح البخاري ٨: ٤٥، صحيح مسلم ٤: ١٩٣٣ ح ١٥٣.
(٢٧)
سورة النمل
وهي ثلاث وتسعون آية.
عن أبيّ بن كعب قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بسليمان وكذّب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلّا الله».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) )
ولـمّا ختم الله سبحانه سورة الشعراء بذكر القرآن، افتتح هذه السورة بذكره أيضا، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * طس ) سبق(١) تفسيره، وقراءته بالتفخيم والإمالة( تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ ) إشارة إلى آي السورة( وَكِتابٍ مُبِينٍ ) إمّا اللوح. وإبانته من حيث إنّه خطّ فيه ما هو كائن، فهو يبيّنه للناظرين فيه. وتأخيره باعتبار تعلّق علمنا به. وتقديمه في الحجر(٢) باعتبار الوجود. وإمّا السورة أو القرآن. وإبانتهما لـما أودع فيهما من الحكم والأحكام، أو لوضوح إعجازهما. وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الاخرى. وتنكيره للتعظيم، كقوله:( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) (٣) .
وقرأ نافع: وكتاب بالرفع، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.( هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) حالان من الآيات، أي: هادية من الضلالة إلى الحقّ بالبيان الأتمّ والبرهان الأكمل، ومبشّرة لهم بالجنّة والثواب. أو بدلان من الآيات. أو خبران آخران، أي: جمعت أنّها آيات، وأنّها هدى وبشرى. أو خبران لمحذوف، أي: هي هدى وبشرى.
ثمّ وصف المؤمنين بقوله:( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) بحدودها وواجباتها، ويداومون على أوقاتها( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) ويخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم إلى من يستحقّها. وتخصيصهما بالذكر لمزيد شرفهما على سائر الأعمال البدنيّة والماليّة.
( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ ) أي: البعث والجزاء( هُمْ يُوقِنُونَ ) لا يشكّون فيه. أو من جملة الصلة، والواو للحال أو للعطف. وتغيير النظم للدلالة على قوّة يقينهم وثباته، وأنّهم الأوحدون فيه. أو جملة اعتراضيّة، كأنّه قيل: وهؤلاء الّذين يؤمنون
__________________
(١) في أوّل سورة الشعراء، راجع ص: ٦.
(٢) الحجر: ١.
(٣) القمر: ٥٥.
ويعلمون الصالحات هم الموقنون بالآخرة. ويدلّ عليه أنّه عقد جملة ابتدائيّة اسميّة، وكرّر فيها المبتدأ الّذي هو «هم»، فإنّهما يدلّان على الثبات والاختصاص.
والمعنى: وما يوقن بالآخرة حقّ الإيقان إلّا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، فإنّ تحمّل المشاقّ إنّما يكون لخوف العاقبة، والوثوق على المحاسبة.
ثمّ وصف من خالفهم، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) أي: أعمالهم القبيحة. والفرق بين إسناد هذا التزيين إلى الله تعالى، وإلى الشيطان في قوله تعالى:( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) (١) أنّ إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإلى الله مجاز. وله طريقان في علم البيان. أحدهما: أن يكون من المجاز الّذي يسمّى الاستعارة. والثاني: أن يكون من المجاز الحكمي.
فالطريق الأوّل: أنّه لـمّا متّعهم بطول العمر وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتّباع شهواتهم وبطرهم، وإيثارهم الروح والترفّه، ونفارهم عمّا يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة والمشاقّ المتعبة، فكأنّه زيّن لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة في قولهم:( وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ) (٢) .
والطريق الثاني: أنّ إمهاله الشيطان، وتخليته حتّى يزيّن لهم، ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه، لأنّ المجاز الحكمي يصحّحه بعض الملابسات.
وعن الحسن: أي أعمال الخير الّتي وجب عليهم أن يعملوها، زيّنّاها لهم بتعريض المثوبات عليها.
( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) عنها، لا يدركون ما يتبعها من ضرّ أو نفع. ويقرب منه قوله :
__________________
(١) العنكبوت: ٣٨.
(٢) الفرقان: ١٨.
( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) (١) . والعمه: التحيّر والتردّد، كما يكون حال الضالّ عن الطريق. وعن بعض الأعراب: أنّه دخل السوق وما أبصرها قطّ، فقال: رأيت الناس عمهين. أراد: متردّدين في أعمالهم وأشغالهم.
( أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ ) أي: شدّة العذاب وصعوبته، كالقتل والأسر يوم بدر( وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ) أشدّ الناس خسرانا، لفوات المثوبة، واستحقاق العقوبة.
( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ
__________________
(١) فصّلت: ١٧.
آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) )
( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ) لتؤتاه( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) أي: من عند أيّ حكيم وأيّ عليم. وهذا معنى مجيئهما نكرتين. والجمع بينهما ـ مع أنّ العلم داخل في الحكمة ـ لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل، والإشعار بأنّ علوم القرآن منها ما هي حكمة، كالعقائد والشرائع، ومنها ما ليس كذلك، كالقصص والإخبار عن المغيّبات.
وهذه الآية بساط وتمهيد لـما يريد أن يسوق بعدها من أقاصيص الأنبياء، وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه. ومن ذلك قصّة موسى، فإنّ فيها من الحكم العجيبة واللطائف الغريبة مزيّة فضل بالنسبة إلى أقاصيص اخرى، ولهذا قدّمها فقال:( إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً ) منصوب بمضمر، وهو: اذكر. كأنّه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه، واذكر قصّة موسى حين قال لأهله: إنّي أبصرت ورأيت نارا. ومنه اشتقاق الإنس، لأنّهم مرئيّون. وقيل: آنست أي: أحسست بالشيء من جهة يؤنس بها، وما أنست به فقد أحسست به مع سكون نفسك إليه. ويجوز أن ينصب بـ «عليم».
وروي: أنّه لم يكن مع موسىعليهالسلام غير امرأته، وقد كنّى الله عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع، لأنّها قائمة مقام جماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة الموحشة، فقال:( سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ) أي: ما يخبر به عن حال الطريق، لأنّه كان قد ضلّه.
وذكر السين للدلالة على بعد المسافة، والوعد بالإتيان وإن أبطأ.( أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ
قَبَسٍ ) أي: شعلة نار مقبوسة، فإنّ الشهاب شعلة نور كالعمود من النار، وكلّ نور يمتدّ مثل العمود يسمّى شهابا. وإضافته إلى القبس لأنّه قد يكون قبسا وغير قبس.
ونوّنه الكوفيّون ويعقوب على أنّ القبس بدل منه أو وصف له، لأنّه بمعنى المقبوس.
وهاتان العدتان على سبيل الظنّ، ولذلك عبّر عنهما بصيغة الترجّي في طه(١) والترديد هنا، للدلالة على أنّه إن لم يظفر بهما لم يعدم أحدهما: إمّا هداية الطريق، وإمّا اقتباس النار، ثقة بعادة الله تعالى أنّه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده.
( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) رجاء أن تستدفئوا بها. وذلك لأنّهم كانوا قد أصابهم البرد الشديد. والصلاء: النار العظيمة.
( فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ ) أي: بورك، فإنّ النداء فيه معنى القول، كأنّه قال: قيل له بورك. أو بأن بورك، على أنّها مصدريّة، أو مخفّفة من الثقيلة، والضمير ضمير الشأن. والتخفيف وإن اقتضى التعويض بـ «لا» أو «قد» أو السين أو سوف، لكنّه دعاء وهو يخالف غيره في أحكام كثيرة.
( مَنْ فِي النَّارِ ) من في مكان النار. وهو البقعة المباركة في قوله تعالى:( نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ ) (٢) .( وَمَنْ حَوْلَها ) ومن حول مكانها. والظاهر أنّه عامّ في كلّ من في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وحواليهما من ارض الشام الموسومة بالبركات، لكونها مبعث الأنبياء، وكفاتهم(٣) أحياء وأمواتا، وخصوصا تلك البقعة الّتي كلّم الله تعالى فيها موسىعليهالسلام .
__________________
(١) طه: ١٠.
(٢) القصص: ٣٠.
(٣) كفات الأرض: ظهرها للأحياء، وبطنها للأموات.
وقيل: المراد موسى والملائكة الحاضرون فيها، لهم زجل(١) بالتسبيح والتقديس.
وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنّه قد قضي له أمر عظيم فيها، وهو تكليم الله إيّاه، واستنباؤه له، وإظهار المعجزات عليه. وربّ خير يتجدّد في بعض البقاع، فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبثّ آثار يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الّذي جرى في تلك البقعة؟! عن وهب: أنّ موسى لـمّا رأى النار وقف قريبا منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة، لا تزداد النار إلّا اشتعالا، ولا تزداد الشجرة إلّا خضرة وحسنا، فلم تكن النار بحرارتها تحرق الشجرة، ولا الشجرة برطوبتها تطفئ النار. فعجب منها، وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها فتأخّر عنها، ثمّ لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن نودي:( أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها ) .
( وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) من تمام ما نودي به، تنزيها له عمّا لا يليق بصفاته، تعالى عن أن يكون جسما يحتاج إلى جهة، أو عرضا يحتاج إلى محلّ، أو ممّن يتكلّم بآلة، لئلّا يتوهّم من سماع كلامه تشبيها، ولتعجيب موسى من عظمة ذلك الأمر. أو تعجّب من موسى لـما دهاه من عظمته.
( يا مُوسى إِنَّهُ ) الضمير للشأن. وقوله:( أَنَا اللهُ ) جملة مفسّرة له. أو ضمير للمتكلّم، و «أنا» خبره، أي: من يكلّمك أنا، و «الله» بيان له.( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) صفتان لله ممهّدتان لـما أراد أن يظهره على يده من المعجزة. يريد: أنا القويّ القادر على ما يبعد من الأوهام، كقلب العصا حيّة، الفاعل كلّ ما أفعله بحكمة وتدبير.
__________________
(١) الزجل: الصوت.
( وَأَلْقِ عَصاكَ ) عطف على «بورك» أي: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك. فكلاهما تفسير لـ «نودي». والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك. ويدلّ عليه قوله:( وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ ) (١) بعد قوله:( أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ ) (٢) بتكرير «أن». كما تقول: كتبت إليه أن حجّ وأن اعتمر.
( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ ) فألقى موسى عصاه فصارت حيّة تتحرّك باضطراب( كَأَنَّها جَانٌ ) حيّة خفيفة سريعة( وَلَّى مُدْبِراً ) رجع إلى ورائه( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) ولم يرجع. من: عقّب المقاتل إذا كرّ بعد الفرّ.
قال المفسّرون: لم يلتفت ولم يقف. وإنّما رعب لظنّه أنّ ذلك لأمر أريد به، فسكّنه ونهاه عن الخوف، وقال:( يا مُوسى لا تَخَفْ ) ثقة برحمتي( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) أي: إنّك مرسل، والمرسل لا يخاف، لأنّه لا يفعل قبيحا، ولا يخلّ بواجب فيخاف العقاب على ذلك.
ولـمّا أطلق نفي الخوف عن الرسل، كان ذلك مظنّة لطروّ الشبهة، من نفي الخوف عن كلّهم مطلقا، فاستدرك بقوله:( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) لكن من نقص من ثوابه بترك الأولى، كالّذي صدر من آدم ويونس وداود وسليمان، ومن موسى بوكزة القبطي( ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً ) بالإنابة والانقطاع إلى الله( بَعْدَ سُوءٍ ) بعد ترك الأولى.( فَإِنِّي غَفُورٌ ) أستر ترك ندبه( رَحِيمٌ ) أعطيه ثواب فعل الندب وإن لم يفعله. وكأنّه أراد منه التعريض بما وجد من موسى من الوكزة. وهو من التعريضات الّتي يلطف مأخذها. وسمّاه ظلما كما قال موسى:( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) (٣) .
ويجوز أن يكون المعنى: لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح من غير المرسلين ـ لأنّ الأنبياء لا يقع منهم ظلم، لكونهم معصومين من الذنوب والقبائح ـ ثمّ بدّله
__________________
(١، ٢) القصص: ٣١ ـ ٣٠.
(٣) القصص: ١٦.
حسنا بالتوبة عن المعاصي، فإنّي غفور ساتر لذنبه، رحيم قابل لتوبته.
( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) لأنّه كان بمدرعة صوف لا كمّ لها. وقيل: الجيب القميص، لأنّه يجاب، أي: يقطع.( تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) من غير آفة، كبرص( فِي تِسْعِ آياتٍ ) كلام مستأنف. وحرف الجرّ فيه يتعلّق بمحذوف. والمعنى: اذهب في تسع آيات، وقوله:( إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) متعلّق به.
ويجوز أن يكون المعنى: وألق عصاك. وأدخل يدك في جملة تسع آيات وعدادهنّ، أو معها، على أنّ التسع هي: الفلق، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ولمن عدّ العصا واليد من التسع، أن يعدّ الأخيرين واحدا، ولا يعدّ الفلق، لأنّه لم يبعث به إلى فرعون. وعلى هذين الوجهين يتعلّق( إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) بنحو: مبعوثا أو مرسلا.
( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) خارجين عن طاعة الله إلى أقبح وجوه الكفر. وهذا تعليل للإرسال.
( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا ) بأن جاءهم موسى بها( مُبْصِرَةً ) بيّنة غاية التبيين.
فأطلق اسم الفاعل للمفعول، إشعارا بأنّها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت ممّا يبصر. أو ذات تبصّر، من حيث إنّها تهدي، والعمى لا تهتدي فضلا عن أن تهدي غيرها. ومنه قولهم: كلمة عيناء، وكلمة عوراء، لأنّ الكلمة الحسنة ترشد، والسيّئة تغوي. أو مبصرة كلّ من نظر إليها وتأمّل فيها. ومثل ذلك قوله:( وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ) (١) .( قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) واضح سحريّته.
( وَجَحَدُوا بِها ) أي: أنكروها وكذّبوها، ولم يقرّوا أنّها من عند الله( وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ) أي: وقد استيقنتها، لأنّ الواو للحال. والمعنى: جحدوها
__________________
(١) الإسراء: ٥٩.
بألسنتهم مستيقنين إيّاها، عارفين عالمين بقلوبهم أنّها صدق وحقّ من عند الله. والاستيقان أبلغ من الإيقان.
( ظُلْماً ) على أنفسهم، أو على بني إسرائيل( وَعُلُوًّا ) وترفّعا وتكبّرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى. وانتصابهما على العلّة. وأيّ ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنّها آيات بيّنة واضحة جاءت من عند الله، ثمّ كابر بتسميتها سحرا بيّنا مكشوفا لا شبهة فيه؟!( فَانْظُرْ ) يا محمّد، أو أيّها السامع( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) في الأرض بالمعاصي. وهو الإغراق في الدنيا، والإحراق في الآخرة.
( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) )
ثمّ عطف على قصّة موسى قصّة داود وسليمان، الّتي هي أخت قصّة موسى في مزيّة تضمّن العلم والحكمة والفضل من بين سائر الأقاصيص، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً ) طائفة من العلم. وهو علم الحكم والشرائع. أو علما أيّ علم. وهو العلم بالقضاء بين الخلق، وبكلام الطير والدوابّ، وبتدابير الملك، وإلانة الحديد، وتسخير الشياطين والجنّ والإنس.
( وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) عطفه بالواو دون الفاء ـ كما هو مقتضى الظاهر من المقام، لترتّب الحمد على النعمة ـ إشعارا بأنّ ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة. فكأنّه قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به، وعرفا حقّ النعمة فيه والفضيلة، وقالا: الحمد لله( الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) يعني: من لم يؤت علما، أو مثل علمهما.
وفيه دليل على فضل العلم، وشرف أهله، وإنافة محلّه، وتقدّم حملته، وأنّ نعمة العلم من أجلّ النعم، وأجزل القسم، حيث شكرا على العلم، وجعلاه أساس الفضل، ولم يعتبرا دونه ممّا أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما. وتحريض للعالم على أن يحمد الله على ما آتاه من فضله، وأن يتواضع ويعتقد أنّه وإن فضّل على كثير فقد فضّل عليه كثير.
( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) النبوّة، أو العلم، أو الملك، فإنّه قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر( وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) تشهيرا لنعمة الله، وتنويها بها، واعترافا بمكانها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة الّتي هي منطق الطير، وغير ذلك من عظائم ما أوتيه.
وإنّما قال: «علّمنا»، مع أنّ ظاهره من كلام المتكبّرين، لوجهين: أحدهما: أنّه يريد نفسه وأباه. والثاني: أنّ هذه النون يقال لها: نون الواحد المطاع، وكان ملكا مطاعا، فكلّم أهل طاعته على صفته وحاله الّتي كان عليها. وليس التكبّر من
لوازم ذلك، وقد يتعلّق بتجمّل الملك وتفخّمه وإظهار سياسته مصالح، فيعود تكلّف ذلك واجبا.
والنطق والمنطق في المتعارف: كلّ لفظ يعبّر به عمّا في الضمير، مفردا كان أو مركّبا، مفيدا أو غير مفيد. وقد يطلق لكلّ ما يصوّت به على التشبيه أو التبع، كقولهم: نطقت الحمامة. ومنه: الناطق والصامت للحيوان والجماد، فإنّ الأصوات الحيوانيّة من حيث إنّها تابعة للتخيّلات منزّلة منزلة العبارات، سيّما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض، بحيث يفهم ما هو من جنسه.
ولعلّ سليمانعليهالسلام مهما سمع صوت حيوان، علم بقوّته القدسيّة التخيّل الّذي صوّته، والغرض الّذي توخّاه به. ومن ذلك ما حكي أنّه مرّ على بلبل في شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم.
قال: يقول: أكلت نصف تمرة، فعلى الدنيا العفاء.
وصاحت فاختة، فأخبر أنّها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاووس، فقال: يقول: كلّ حيّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف، فقال: يقول: قدّموا خيرا تجدوه.
وصاحت رخمة، فقال: تقول: سبحان ربّي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ، فأخبر أنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى.
وقال: الحدأ يقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم.
والببّغاء تقول: ويل لمن الدّنيا همّه. والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس.
وأراد بقوله:( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) كثرة ما أوتي، كما تقول: فلان يقصده كلّ أحد، تريد كثرة قصّاده. وفلان يعلم كلّ شيء، تريد غزارة علمه واستكثاره منه. ومثله
قوله:( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (١) . والمراد: أوتينا من كلّ شيء يؤتى الأنبياء والملوك.
روى الواحدي بالإسناد عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، قال: اعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستّة أشهر.
ملك أهل الدنيا كلّهم، من الجنّ والإنس والشياطين، والدوابّ والطير والسباع.
واعطي علم كلّ شيء، ومنطق كلّ شيء. وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة الّتي سمع بها الناس، وذلك قوله:( عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) .
( إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) أي: فضل لا يخفى على أحد. وهذا قول صادر منه على سبيل الشكر والمحمدة، كما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» أي: أقول هذا القول شكرا، ولا أقوله فخرا. ويحتمل أن يكون من قول الله سبحانه، على وجه الإخبار بأنّ ما ذكره هو الفضل المبين.
( وَحُشِرَ ) وجمع( لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) يحبس أوّلهم على آخرهم، أي: توقف سلاف(٢) العسكر حتّى تلحقهم التوالي، فيكونوا مجتمعين لا يتخلّف منهم أحد. عن ابن عبّاس. ومعنى ذلك: أنّ كلّ صنف من جنوده وزعة(٣) ترد أوّلهم على آخرهم، ليتلاحقوا ولا يتفرّقوا.
روي: أنّ معسكرهعليهالسلام كان مائة فرسخ في مائة، خمسة وعشرون للجنّ، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش.
وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سريّة. وقد نسجت له الجنّ بساطا من ذهب وإبريسم، فرسخا في فرسخ. وكان
__________________
(١) النمل: ٢٣.
(٢) سلاف العسكر: مقدّمته.
(٣) الوزعة: أعوان الملك وشرطه، الولاة المانعون من محارم الله تعالى.
يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستّمائة ألف كرسي من ذهب وفضّة. فيقعد الأنبياء على كراسيّ الذهب، والعلماء على كراسيّ الفضّة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين. وتظلّه الطير بأجنحتها حتّى لا تقع عليه الشمس. وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الصباح.
ويروى أنّه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيّره. فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: أنّي قد زدت في ملك، لا يتكلّم أحد بشيء إلّا ألقته الريح في سمعك. فيحكى أنّه مرّ بحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما. فألقته الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحرّاث، وقال: إنّما مشيت إليك لئلّا تتمنّى ما لا تقدر عليه. ثمّ قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى، خير ممّا أوتي آل داود. فركب على الريح ورجع إلى معسكره، وأخذ في السير مع جنوده.
( حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ ) هو واد في الشام كثير النمل. وتعدية الفعل بـ «على» إمّا لأنّ إتيانهم من فوق، أو لأنّ المراد قطع الوادي وبلوغ آخره. من قولهم: أتى على الشيء، إذا أنفده وبلغ آخره. كأنّهم أرادوا أن ينزلوا منقطع الوادي.
( قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ) حين رأتهم متوجّهين إلى الوادي، أي: صاحتهم بصوت خلق الله لها. ولـمّا كان صوتها مفهوما لسليمان عبّر عنه بالقول. ولـمّا صاحت بهذه الصيحة نبّهت بها ما بحضرتها من النمال أيضا. وكانوا مقولا لهم كما في أولي العقل، فشبّه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم، وأجروا مجراهم في إسناد القول وضمير العقلاء. مع أنّه لا يمتنع أن خلق الله فيها العقل والنطق.
وقيل: كانت رئيسة النمل، اسمها طاخية، مأخوذة من ليلة طخياء، أي: سوداء. وقيل: اسمها منذرة. وروي: أنّها كانت عرجاء، تمشي على ثلاث قوائم ،
فأمرت رعاياها بالدخول إلى مساكنهم.
ثمّ ثبّت سبب الدخول بقولها:( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) لا يكسرنّكم( سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ) ظاهره نهي لهم عن الحطم، والمراد نهيها عن التوقّف بحيث يحطمونها، كقولهم: لا أرينّك هاهنا. فهو استئناف مبيّن للأمر، أو بدل منه لا جواب له، فإنّ النون لا تدخله في السعة.( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بأنّهم يحطمونكم، إذ لو شعروا لم يفعلوا. وقيل: استئناف، أي: فهم سليمان والقوم لا يشعرون.
وقال في المجمع: «وهذا يدلّ على أنّ سليمان وجنوده كانوا ركبانا ومشاة على الأرض، ولم تحملهم الريح، لأنّ الريح لو حملتهم بين السماء والأرض، لـما خافت النمل أن يطأها بأرجلهم. ولعلّ هذه القصّة كانت قبل تسخير الله الريح لسليمانعليهالسلام »(١) .
وقال في الكشّاف: «وروي أنّ النملة أحسّت بصوت الجنود ولا تعلم أنّهم في الهواء، فأمر سليمان الريح فوقفت بجنوده حتّى دخل النمل مساكنه»(٢) . انتهى كلامه.
إن قيل: كيف عرفت النملة سليمان وجنوده حتّى قالت ما قالت؟
قلنا: إذا كانت مأمورة بطاعته، فلا بدّ أن يخلق لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته. ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما يستدرك به ذلك. وقد علمنا أنّه تشقّ ما تجمع من الحبوب بنصفين، مخافة أن يصيبها الندى فتنبت. وتكسر الكزبرة أربع قطع، لعلمها أنّ الكزبرة إذا شقّت بنصفين تنبت. فمن هداها إلى هذا فإنّه يهديها إلى تمييز ما يحطمها ممّا لا يحطمها.
وروي: أنّ الريح ألقت في سمع سليمان هذه المقالة من ثلاثة أميال.
__________________
(١) مجمع البيان ٧: ٢١٥.
(٢) الكشّاف ٣: ٣٥٨.
( فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً ) شارعا في الضحك وآخذا فيه( مِنْ قَوْلِها ) يعني: أنّه قد تجاوز حدّ التبسّم إلى الضحك. وكذلك ضحك الأنبياء. وذلك لتعجّبه من حذرها، واهتدائها إلى مصالحها. أو لسروره بما خصّه تعالى به، من إدراكه همسها، وفهمه غرضها، وإحاطته بقصدها. ومن دلالة قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب العدل، حيث بلغ في الظهور مبلغا عرفته النملة، حيث قالت:( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) . يعني: أنّهم لو شعروا لم يفعلوا، ولذلك سأل توفيق شكره.
( وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي: أكفّه وأرتبطه لا ينفلت عنّي، بحيث لا أنفكّ عنه( الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ ) من تعليم منطق النمل وسائر الطيور. أدرج فيه ذكر ووالديه تكثيرا للنعمة أو تعميما لها، فإنّ النعمة على الوالدين نعمة على الولد، والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما، سيّما الدينيّة، لأنّه إذا كان تقيّا نفعهما بدعائه وشفاعته، وبدعاء المؤمنين لهما كلّما دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك وعن والديك.
( وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً ) أي: وفّقني لأن أعمل صالحا في المستقبل( تَرْضاهُ ) إتماما للشكر، واستدامة للنعمة( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) في عدادهم في الجنّة.
قال ابن عبّاس: يعني: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من النبيّين، أي: اثبت اسمي مع أسمائهم، واحشرني في زمرتهم.
روي: أنّ نمال سليمان كأمثال الذئاب والكلاب.
( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ
غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) )
ولـمّا بيّن قصّة النمل أخبر عن قصّة الهدهد، فقال:( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ) وتعرّفها فلم يجد فيها الهدهد( فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) «أم» منقطعة، فإنّه لـمّا نظر إلى مكان الهدهد فلم يره، ظنّ أنّه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره، فقال: مالي لا أراه. ثمّ احتاط فلاح له أنّه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟ كأنّه يسأل عن صحّة ما لاح له. ونحوه قولهم: إنّها لإبل أم شاء. والكلام من باب صنعة القلب. والأصل: ما للهدهد لا أراه؟ كقولهم: مالي أراك كئيبا؟ أي: مالك كئيبا؟
روي: أنّ سليمانعليهالسلام حين تمّ له بناء بيت المقدس تجهّز للحجّ بجنوده، فوافى الحرم وأقام به ما شاء. وكان يقرّب كلّ يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف بقرة، وعشرين ألف شاة. ثمّ عزم على السير إلى اليمن، فخرج من مكّة صباحا يؤمّ سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال ـ وذلك مسيرة شهر ـ فرأى أرضا حسناء أعجبته خضرتها، ليتغدّى ويصلّي، فلم يجدوا الماء. وكان الهدهد
قناقنه(١) ، أي: دليله العالم البصير بالماء تحت الأرض ليحفر القنى(٢) . والجمع القناقن بالفتح. وكان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فيجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب، ويستخرجون الماء.
روى العيّاشي بالإسناد قال: «قال أبو حنيفة لأبي عبد اللهعليهالسلام : كيف تفقّد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لأنّ الهدهد يرى الماء في بطن الأرض، كما يرى أحدكم الدهن في القارورة. فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه وضحك. قال أبو عبد اللهعليهالسلام : ما يضحكك؟ قال: ظفرت بك. قال: وكيف ذاك؟ قال: الّذي يرى الماء في بطن الأرض، لا يرى الفخّ في التراب حتّى يؤخذ بعنقه؟ قال أبو عبد اللهعليهالسلام : يا نعمان أما علمت أنّه إذا نزل القدر أغشي البصر؟».
فلمّا تفقّد سليمان الهدهد ولم يجده، أو عده على غيبته، فقال:( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً ) لأؤدّبنّه تأديبا بليغا ليعتبر به أبناء جنسه. وقيل: كان عذاب سليمان للطير أن ينتف ريشه ويشمّسه، أو يلقى للنمل تأكله، أو يودعه القفص، أو يفرّق بينه وبين إلفه، أو يلزمه صحبة الأضداد. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد. أو يلزمه خدمة أقرانه. على اختلاف الأقوال للمفسّرين والمؤرّخين.
( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) لأقطّعنّ حلقه عقوبة على عصيانه( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) بحجّة تبين عذره. والحلف في الحقيقة على أحد الأوّلين، لأنّهما فعله. وأمّا حلفه على فعل الهدهد الّذي هو غير متيقّن لسليمان، لأجل الإتيان بـ «أو» في الحكم، فكأنّه قال: ليكوننّ أحد الأمور الثلاثة. يعني: إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما. وليس في هذا ادّعاء دراية أنّ
__________________
(١) القناقن: المهندس الّذي يعرف وجود الماء تحت الأرض. والجمع: قناقن. وليس هذا بعربيّ الأصل.
(٢) القنى جمع القناة.
الهدهد يأتي بسلطان مبين وإيقان منه. على أنّه يجوز أن يتعقّب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنّه سيأتيه بسلطان مبين. فثلّث بقوله:( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) عن دراية وإيقان.
وقرأ ابن كثير: أو ليأتينّني بنونين، الأولى مفتوحة مشدّدة.
واعلم أنّ الله كان أباح له التعذيب لـما رأى فيه من المصلحة، كما أباح ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع. فإذا سخّر له الطير، ولم يتمّ ما سخّر له من أجله إلّا بالتأديب والسياسة، جاز أن يباح له ما يستصلح به.
( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) زمانا غير مديد، يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفا منه. وقرأ عاصم بفتح الكاف.
روي: أنّ سليمان حين نزل حلّق(١) الهدهد فرأى هدهدا واقعا، فانحطّ إليه فوصف له ملك سليمان وما سخّر له من كلّ شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأنّ تحت يدها اثني عشر ألف قائد، تحت كلّ قائد مائة ألف، وذهب معه لينظر، فما رجع إلّا بعد العصر.
وروي: أنّه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان، فنظر فإذا موضع الهدهد خال، فدعا عرّيف الطير وهو النسر، فسأله عنه، فلم يجد عنده علمه. ثمّ قال لسيّد الطير وهو العقاب: عليّ به. فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته.
فناشدها الله وقال: بحقّ الّذي قوّاك وأقدرك عليّ إلّا رحمتيني. فتركته وقالت: ثكلتك أمّك، إنّ نبيّ الله قد حلف ليعذّبنّك. قال: وما استثنى؟ قالت: بلى أو ليأتينّي بعذر مبين. فلمّا قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرّها على الأرض تواضعا له. فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه. فقال: يا نبيّ الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى. فارتعد سليمان وعفا عنه.
__________________
(١) حلّق الطائر: ارتفع في طيرانه واستدار كالحلقة.
ثمّ سأله عن غيبته( فَقالَ ) في جوابه( أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ) يعني: حال سبأ. ومعنى الإحاطة بالشيء علما: أن يعلم من جميع جهاته، بحيث لا يخفى منه معلوم، تشبيها بالسور المحيط.
وفي مخاطبته إيّاه بذلك تنبيه له على أنّ في أدنى خلق الله وأضعفه من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه، ويكون لطفا له في ترك الإعجاب الّذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة.
وفيه دليل على أنّه يجوز أن يكون في زمن الأنبياء من يعرف ما لا يعرفونه. ولا يقدح ذلك في النّبوة. وأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما هو أعلم من أمّته في علوم الشريعة. ومنه قول نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنتم أعلم بأمور دنياكم». وكذا الامام.
فما قال صاحب الكشّاف من أنّ «فيه دليلا على بطلان قول الرافضة: إنّ الامام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه»(١) . محض افتراء، وافتراء محض، صادر عن خبث الاعتقاد، وبيّن العناد على الإماميّة.
( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ ) قرأ ابن كثير برواية البزّي وأبو عمرو غير منصرف، على تأويل القبيلة أو البلدة. قال في الكشّاف: «إنّ سبأ في الأصل هو سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان. فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسما للحيّ أو الأب الأكبر صرف. ثمّ سمّيت مدينة مأرب بسبإ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيّام»(٢) .( بِنَبَإٍ يَقِينٍ ) بخبر محقّق.
ثمّ فسّر النبأ فقال:( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ) يعني: بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريّان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلّها، وقد ولده أربعون ملكا، ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك. والضمير لسبأ، أو لأهلها.
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٣٥٩.
(٢) الكشّاف ٣: ٣٥٩ ـ ٣٦٠.
( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يحتاج إليه الملوك( وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ) عظمه بالنسبة إلى حالها، أو إلى عروش أمثالها، لا إلى عرش سليمان. ويجوز أن لا يكون لسليمانعليهالسلام مثله، وإن عظمت مملكته في كلّ شيء، كما يكون لبعض أمراء الأطراف شيء لا يكون مثله للملك الّذي يملك عليهم أمرهم ويستخدمهم.
وعن ابن عبّاس: كان ثلاثين ذراعا في ثلاثين، عرضا وسمكا.
وفي الكشّاف(١) : ثمانين ذراعا في ثمانين من ذهب وفضّة، مكلّلا بالجواهر.
وكان سمكه من ياقوت أحمر وأخضر ودرّ وزمرّد، وعليه سبعة أبيات، على كلّ بيت باب مغلق.
وفي المجمع: «كان مقدّم عرشها من ذهب مرصّع بالياقوت الأحمر والزمرّد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر»(٢) .
وبون بعيد بين قوله:( وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (٣) في سليمان،( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) في بلقيس، لأنّ سليمان عطف قوله على ما هو معجزة من الله، وهو تعليم منطق الطير، فرجع أوّلا إلى ما اوتي من النبوّة والحكمة وأسباب الدين، ثمّ إلى الملك وأسباب الدنيا، وعطفه الهدهد على الملك، فلم يرد إلّا ما أوتيت من أسباب الدنيا اللائقة بحالها، فبين القولين كمال مباعدة.
وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس، كما قال:( وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ) أي: يعبدونها( مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) من عبادة الشمس وغيرها، من مقابح أحوالهم، وقبائح أفعالهم( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) حصرهم عن سبيل الحقّ والصواب( فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) .
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٣٦٠.
(٢) مجمع البيان ٧: ٢١٨.
(٣) النمل: ١٦.
واعلم أنّ خفاء حال بلقيس على سليمان، وكانت المسافة بين محطّه وبين بلدها قريبة، وهي مسيرة ثلاثة أيّام بين صنعاء ومأرب، لمصلحة أراد الله تعالى فيها، كما أخفى سبحانه مكان يوسف على يعقوب.
وتهدّي الهدهد إلى معرفة الله، وإلى وجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس، وإضافته إلى الشيطان وتزيينه، لـما ألهمه الله ذلك، كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة الّتي لا يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها. خصوصا في زمن نبيّ سخّرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك معجزة له.
( أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ ) أي: فصدّهم عن السبيل لأن لا يسجدوا، أو زيّن لهم لأن لا يسجدوا، بحذف الجارّ، على أنّه بدل من «أعمالهم». أو لا يهتدون إلى أن يسجدوا، بزيادة(١) «لا».
وقرأ الكسائي ويعقوب: ألا بالتخفيف، على أنّها للتنبيه، و «يا» للنداء، ومناداه محذوف، أي: ألا يا قوم اسجدوا. وعلى الأوّل يكون ذمّا على تركه. وعلى الثاني صحّ أن يكون استئنافا من الله أو من سليمان، والوقف على «لا يهتدون».
وكان أمرا بالسجود. وعلى الوجهين: السجدة عند قراءتها مستحبّة عندنا وعند الشافعيّة، وواجبة عند الحنفيّة.
( الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) مصدر بمعنى المفعول. وإظهاره إخراجه، أي: الّذي يظهر ما خفي.( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ) وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود، من التفرّد بكمال القدرة والعلم، حثّا على سجوده، وردّا على من يسجد لغيره.
وإخراج الخبء يعمّ إشراق الكواكب، وإنزال الأمطار، وإنبات النبات، بل الإنشاء، فإنّه إخراج ما في الشيء بالقوّة إلى الفعل، والإبداع، فإنّه إخراج ما في
__________________
(١) أي: على أن تكون «لا» زائدة.
الإمكان إلى الوجوب، وما في العدم إلى الوجود، ومعلوم أنّه يختصّ بالواجب لذاته.
وقرأ حفص والكسائي:( ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ) بالخطاب.
( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) الّذي هو أوّل الأجرام وأعظمها، والمحيط بجملتها. فبين العظيمين(١) بون عظيم.
( قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) )
ولـمّا سمع سليمانعليهالسلام ما اعتذر به الهدهد في تأخّره( قالَ ) عند ذلك
__________________
(١) أي: بين عرش بلقيس العظيم، وبين عرش الله تعالى العظيم.
( سَنَنْظُرُ ) سنتعرّف، من النظر بمعنى التأمّل( أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) أي: أم كذبت. والتغيير للمبالغة، لأنّه إذا كان معروفا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا، ولمحافظة الفواصل.
ثمّ كتب سليمان كتابا منطوقه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد، فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. وكانت كتب الأنبياء جملا لا يطيلون ولا يكثرون. وطبع الكتاب بالمسك، وختمه بخاتمه، ودفعه إليه فقال:( اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ) تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه( فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ) ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول؟
وإيراد لفظ الجمع لأجل أنّ الهدهد قال: وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فقال: فألقه إلى الّذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره.
روي: أنّ الهدهد وضع الكتاب في منقاره، ومضى به إلى سبأ، ودخل على بلقيس من كوّة بيتها مستقبلة للشمس، تقع الشمس عند ما تطلع فيها، فإذا نظرت إليها سجدت. فجاء الهدهد إلى هذه الكوّة فسدّها بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فقامت تنظر، فرمى الكتاب إليها.
وقيل: كانت راقدة في قصرها، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوّة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية، وقيل: نقرها فانتبهت فزعة.
وقيل: أتاها والقادة والجنود حواليها، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتّى رفعت رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، وكانت قارئة كاتبة عربيّة، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، فتوجّهت إلى قومها.
( قالَتْ ) لهم( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ) لكرم مضمونه أو
مرسله. أو لأنّه كان مختوما. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كرم الكتاب ختمه».
أو لغرابة شأنه، إذ كانت مستلقية في بيت مغلّقة الأبواب كما مرّ، فدخله من كوّة وألقاه على نحرها.
( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ ) استئناف، كأنّه قيل لها: ممّن هو؟ فقال: إنّه ـ اي: إنّ الكتاب، أو العنوان ـ من سليمان( وَإِنَّهُ ) أي: وإن المكتوب أو المضمون( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَ ) «أن» مفسّرة بمعنى «أي»، على ما قاله سيبويه في نحو قوله:( وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ) (١) أي: امشوا. أو مصدريّة، فتكون بصلتها خبر محذوف، أي: هو أو المقصود أن لا تعلوا. أو بدل من «كتاب».
والمعنى: لا ترفعوا ولا تتكبّروا عليّ( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) منقادين مطيعين لأمري، أو مؤمنين.
وهذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالّة على ذات الصانع وصفاته صريحا أو التزاما، والنهي عن الترفّع الّذي هو أمّ الرذائل، والأمر بالإسلام الجامع لأمّهات الفضائل. وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجّة على رسالته، حتّى يكون استدعاء للتقليد، فإنّ إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة.
روي: أنّ أوّل من استفتح بـ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) سليمان، ولا تعرفه هي ولا قومها.
ولـمّا وقفت بلقيس على كتاب سليمان( قالَتْ ) لأشراف قومها( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ) أجيبوني في أمري، وأشيروا عليّ بما تستصوبون فيه.
والفتيا والفتوى: الجواب في الحادثة، والحكم بما هو صواب. مشتقّتان على طريق الاستعارة من الفتى في السنّ. والمراد هاهنا: الإشارة عليها بما عندهم من الرأي
__________________
(١) ص: ٦.
والتدبير فيها.
( ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً ) ما أبتّ أمرا( حَتَّى تَشْهَدُونِ ) إلّا بمحضركم. استعطفتهم نفوسهم ليمالؤها على الإجابة.
قيل: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كلّ واحد على عشرة آلاف. ولهذا( قالُوا ) مائلين إلى القتال( نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ ) أي: أصحاب قدرة وأهل عدد( وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ) أي: أصحاب شجاعة شديدة، وأبناء حرب، لا أبناء رأي ومشورة، وأنت ذات الرأي والتدبير( وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ ) مفوّض إليك في القتال وتركه( فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ ) أي: ما الّذي تأمريننا به من المقاتلة والمصالحة، لنمتثلك فيه ونطيع رأيك.
( قالَتْ ) مجيبة لهم عن التعريض بالقتال( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً ) عنوة وقهرا( أَفْسَدُوها ) أهلكوها وخرّبوها. تزييف لـما أحسّت منهم من الميل إلى المقاتلة بادّعائهم القوى الذاتيّة والعرضيّة، وإشعار بأنّها ترى الصلح مخافة أن يتخطّى سليمان خططهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم. ثمّ إنّ الحرب سجال لا تدرى عاقبتها.
( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها ) كبراءها وأشرافها( أَذِلَّةً ) بنهب أموالهم، وتخريب ديارهم، إلى غير ذلك من الإهانة والأسر( وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) تأكيد لـما وصفت من حالهم، وتقرير بأنّ ذلك من عاداتهم الثابتة المستمرّة. أو تصديق لها من اللهعزوجل ، أي: وكما قالت هي.
ثمّ بيّنت ما ترى تقديمه في المصالحة، وقالت:( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ ) إلى سليمان وقومه( بِهَدِيَّةٍ ) أي: مرسلة رسلا بهديّة أصانعه(١) بها عن ملكي( فَناظِرَةٌ ) فمنتظرة( بِمَ ) بأيّ حال( يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) من قبول حتّى أعمل
__________________
(١) صانعه مصانعة: داهنه، وداراه، ورشاه.
بحسب ذلك، فإنّها عرفت عادة الملوك في حسن موقع الهدايا عندهم، وكان غرضها أن يتبيّن لها بذلك أنّه نبيّ أو ملك، فإن قبل الهديّة تبيّن أنّه ملك، وعندها ما يرضيه، وإن ردّها تبيّن أنّه نبيّ.
عن ابن عبّاس: أنّها أهدت إليه وصفاء(١) ووصائف، ألبستهم لباسا واحدا حتّى لا يعرف ذكر من أنثى.
وعن مجاهد: أهدت مائتي غلام، ومائتي جارية، ألبست الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري ألبسة الغلمان.
وعن ثابت البناني: أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجر بالذهب، ثمّ أمر به فألقي في الطريق. فلمّا جاؤا رأوه ملقى في الطريق في كلّ مكان، فلمّا رأوا ذلك صغر في أعينهم ما جاؤا به.
وقيل: إنّها عمدت إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الجواري الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم أقراطا مرصّعات بأنواع الجواهر. وحملت الجواري على خمسمائة رمكة(٢) ، والغلمان على خمسمائة برذون، على كلّ فرس لجام وسرج من ذهب مرصّع بالجواهر.
وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضّة، وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع. وعمدت إلى حقّة(٣) ، فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة جزعيّة(٤) مثقوبة، معوجّة الثقب.
__________________
(١) وصفاء جمع الوصيف، وهو الغلام دون المراهق. وتأنيثه: الوصيفة. وجمعها: الوصائف.
(٢) الرمكة: إناث الخيل، والفرس تتّخذ للنسل. والبرذون: دابّة الحمل الثقيلة.
(٣) الحقّة: الوعاء الصغير.
(٤) الجزعة: خرز فيه سواد وبياض.
ودعت رجلا من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو، وضمّت إليه رجالا من قومها، أصحاب رأي وعقل، وكتبت إليه كتابا بنسخة الهديّة، قالت فيها: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها، واثقب الدرّة ثقبا مستويا، وأدخل الخرزة خيطا من غير علاج إنس ولا جانّ.
وقالت للرسول: انظر إليه إن دخلت عليه، فإن نظر إليك نظرة غضب فاعلم أنّه ملك، فلا يهولنّك أمره، فإنّا أعزّ منه. وإن نظر إليك نظر لطف فاعلم أنّه نبيّ مرسل.
فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان، فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب، ولبنات الفضّة، ففعلوا ثمّ أمرهم أن يفرشوا من موضعه الّذي هو فيه سبعة فراسخ، ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضّة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفه(١) من الذهب والفضّة، ففعلوا. ثمّ أمر الجنّ أن يحضروا أحسن الدوابّ في البرّ والبحر، وربطوها عن يمين الميدان ويساره. وأمر بإحضار أولاد الجنّ، وهم خلق كثير، فأقيموا عن اليمين واليسار.
ثمّ قعد سليمان في مجلسه على سريره، فوضع له أربعة آلاف كرسيّ عن يمينه، ومثلها عن يساره. وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ. وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ عن يمينه، ومثلها عن يساره. وأمر الوحوش والسباع والهوامّ والطير، فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا دنا القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان بهتوا، ورأوا الدوابّ تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا.
__________________
(١) الشرفة من القصر: ما أشرف من بنائه. وجمعها: شرف.
( فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) )
( فَلَمَّا جاءَ ) رسول بلقيس ومن معه( سُلَيْمانَ ) وقفوا بين يدي سليمان ،
فنظر إليهم نظرا حسنا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤا له( قالَ أَتُمِدُّونَنِ ) أتزيدونني( بِمالٍ ) والاستفهام للإنكار، أي: لا أحتاج إلى أموالكم. وقرأ يعقوب وحمزة: تمدّونّي بالإدغام.( فَما آتانِيَ اللهُ ) من الملك العظيم الّذي لا مزيد عليه( خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ ) من الدنيا وأموالها( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) إذا أهدى بعضكم إلى بعض، لأنّكم لا تعلمون إلّا ظاهرا من الحياة الدنيا، فتفرحون بما يهدى إليكم، حبّا لزيادة أموالكم، أو بما تهدونه، افتخارا على أمثالكم.
والهديّة: اسم المهدى، كما أنّ العطيّة اسم المعطى. فتضاف إلى المهدي والمهدى إليه. تقول: هذه هديّة فلان، تريد: هي الّتي أهداها، أو أهديت إليه.
والمعنى: أنّ ما عندي خير ممّا عندكم، وذلك أنّ الله آتاني الدين الّذي فيه الحظّ الأوفر، والغنى الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمدّ بمال ويصانع به؟! والإضراب عن إنكار الإمداد بالمال عليه وتقليله إلى بيان ما حملهم عليه، هو قياس حاله على حالهم في قصور الهمّة بالدنيا والزيادة فيها.
فأعطاه الرسول كتاب الملكة. فنظر فيه وقال: أين الحقّة؟ فأتي بها فحرّكها، وجاءه جبرئيل فأخبره بما في الحقّة. فقال: إنّ فيها درّة يتيمة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب.
فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرّة، وأدخل الخيط في الخرزة.
فأرسل سليمان إلى الأرضة، فجاءت فأخذت شعرة في فيها، فنفذت فيها حتّى خرجت من الجانب الآخر. فجعل رزقها في الشجرة.
ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها الخيط؟ فقالت دودة بيضاء: أنالها يا رسول الله. فأخذت الدودة الخيط في فيها، ودخلت الثقب حتّى خرجت من الجانب
الآخر. فجعل رزقها في الفواكه.
ثمّ ميّز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم.
فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثمّ تجعله على اليد الاخرى، ثمّ تضرب به الوجه. والغلام كما يأخذ من الآنية يضرب به وجهه. وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد. وكانت الجارية تصبّ الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا. فميّز بينهما بذلك. هذا كلّه مرويّ عن وهب وغيره.
وقيل: إنّها أنفذت مع هداياها عصا كان يتوارثها ملوك حمير، وقالت: أريد أن تعرّفني رأسها من أسفلها. وبقدح ماء، وقالت: تملأها ماء رواء(١) ، ليس من الأرض، ولا من السماء. فأرسل سليمان العصا إلى الهواء، وقال: أيّ الرأسين سبق إلى الأرض فهو أسفلها. وأمر بالخيل فأجريت حتّى عرقت، وملأ القدح من عرقها، وقال: ليس هذا من ماء الأرض، ولا من ماء السماء.
ثمّ ردّ الهديّة، وقال للرسول:( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) إلى بلقيس وقومها. وقيل: الخطاب للهدهد محمّلا كتابا آخر.( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ ) لا طاقة لهم( بِها ) بمقاومتها، ولا قدرة لهم على مقابلتها، فإنّ حقيقة القبل: المقاومة والمقابلة، أي: لا يقدرون أن يقابلوهم( وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها ) من سبأ( أَذِلَّةً ) بذهاب ما كانوا فيه من العزّ( وَهُمْ صاغِرُونَ ) مهانون أسراء.
فلمّا ردّ سليمانعليهالسلام الهديّة، وميّز بين الغلمان والجواري إلى غير ذلك، ورجع الرسول إلى بلقيس، وقال ما شاهد، عرفت أنّه نبيّ مرسل، وأنّه ليس كالملوك الّذين يغترّون بالمال، وأنّها لا تقاومه. فتجهزّت للمسير إليه، وجعل عرشها في آخر سبعة أبيات، بعضها في بعض، في آخر قصر من قصور سبعة لها ،
__________________
(١) الرّواء: الماء الكثير العذب المروي.
وغلّقت الأبواب، ووكّلت به حرسا يحفظونه. فخرجت من اليمن مع جنودها مقبلة إليه، فأخبر جبرئيل باستيثاقها عرشها وتوجّهها إليه، فأراد أن يريها بعض ما خصّه الله من عجائب الأمور وغرائبها، لتوكيد تصديقها، ومزيد إيقانها بنبوّته، فـ( قالَ ) لأماثل جنده، وأشراف عسكره:( يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) منقادين لأمري، أو مؤمنين.
وعن قتادة: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم، لعلمه أنّها إذا أسلمت لم يحلّ له أخذ مالها.
( قالَ عِفْرِيتٌ ) خبيث مارد( مِنَ الْجِنِ ) من عفاريته. وهذا بيان له، لأنّه يطلق على الرجل الخبيث المنكر المعفر(١) أقرانه، وعلى الشيطان الخبيث المارد.
وكان اسمه ذكوان، أو صخرا.( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ ) مجلسك للحكومة. وكان يجلس إلى نصف النهار.( وَإِنِّي عَلَيْهِ ) على حمله( لَقَوِيٌ ) قادر على الإتيان به في هذه المدّة( أَمِينٌ ) آت به كما هو، لا أختزل(٢) منه شيئا ولا أبدّله.
فقال سليمان: أريد أسرع من ذلك. فعند ذلك( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ) وهو آصف بن برخيا. وكان وزير سليمان وكاتبه وابن أخته. وكان صدّيقا يعرف اسم الله الأعظم الّذي إذا دعي به أجاب.
وعن الحسن: أنّ ذلك الاسم الله والرحمن.
وعن مجاهد: هو يا حيّ يا قيّوم. وبالعبرانيّة: آهيا شراهيا. وقيل: هو يا ذا الجلال والإكرام.
وعن الزهري: أنّه قال: يا إلهنا وإله كلّ شيء، إلها واحدا لا إله إلّا أنت.
__________________
(١) أي: الذي يصرع أقرانه.
(٢) أي: لا اقتطع منه.
وعن مجاهد: إنّ الّذي عنده علم من الكتاب كان رجلا من الإنس، يعلم اسم الله الأعظم، اسمه بلخيا.
وعن قتادة: اسمه أسطوم. وقيل: هو الخضر.
وقيل: إنّ الّذي عنده علم من الكتاب جبرئيلعليهالسلام ، أذن الله له في طاعة سليمان، وأن يأتيه بالعرش الّذي طلبه.
وقيل: ملك أيّده الله به. وقيل: سليمان نفسه. فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم.
وروى الثعلبي(١) بإسناده مرفوعا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: إنّ الّذي أتى بعرش بلقيس كان عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وأمّا الكتاب المعرّف في الآية، فقيل: إنّه اللوح المحفوظ. وقيل: المراد به جنس كتب الله المنزلة على أنبيائه، أو علم الوحي والشرائع، وليس المراد به كتابا بعينه.
وعلى القول بأنّ قائل هذا القول سليمان يكون الخطاب في قوله:( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) للعفريت. كأنّه استبطأه فقال له ذلك. و «آتيك» في الموضعين صالح للفعليّة والاسميّة.
والطرف: تحريك الأجفان للنظر، فوضع موضع النظر. ولـمّا كان الناظر يوصف بإرسال الطرف، وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. والمعنى: أنّك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك. وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه.
وعن قتادة: معناه: قبل أن يصل إليك من كان منك على قدر مدّ البصر.
__________________
(١) لم يتيسّر لنا مراجعة تفسير الثعلبي. ولم ينقله الطبرسي عنه في المجمع، مع أنه ينقل عنه كثيرا.
وقيل: قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته ويرجع إليك.
قال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء، فما طرف حتّى جاء به فوضعه بين يديه. والمعنى: حتّى يعود إليك طرفك بعد مدّه إلى السماء.
وعن مجاهد: ارتداد الطرف إدامة النظر حتّى يرتدّ طرفه خاسئا. يعني: أنّ سليمان مدّ بصره إلى أقصاه وهو يديم النظر.
قال الكلبي: قد خرّ آصف ساجدا، ودعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض بمأرب، ثمّ نبغ(١) عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله سبحانه.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «أنّ الأرض طويت له، فخرج منها العرش بين يدي سليمان».
( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ) حاصلا بين يديه( قالَ ) تلقّيا للنعمة بالشكر على شاكلة أبناء جنسه، من أنبياء الله والمخلصين من عباده، الّذين يتلقّون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيّعون النعمة المودعة بجميل الصبر.
( هذا ) أي: هذا التمكّن من إحضار العرش في مدّة ارتداد الطرف من مسيرة شهرين( مِنْ فَضْلِ رَبِّي ) تفضّل به عليّ، وإحسانه لديّ، لأنّ تيسير ذلك وتسخيره ـ مع صعوبته وتعذّره ـ معجزة لهعليهالسلام ، ودلالة على علوّ قدره وجلالته، وشرف منزلته عند الله تعالى.
( لِيَبْلُوَنِي ) يختبرني( أَأَشْكُرُ ) بأن أراه فضلا من الله، بلا حول منّي ولا قوّة، وأقوم بحقّه( أَمْ أَكْفُرُ ) بأن أجد نفسي في البين، أو أقصّر في أداء مواجبه. ومحلّها النصب على البدل من الياء.
( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) لأنّه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها، ويحطّ عنها عبء الواجب، ويحفظها عن وصمة الكفران، وترتبط به النعمة ،
__________________
(١) أي: ظهر.
ويستمدّ المزيد. وقيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة.
( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌ ) عن شكره، غير محتاج إليه( كَرِيمٌ ) بالإنعام عليه ثانيا، فإنّه متفضّل على جميع عباده، شاكرهم وكافرهم، عاصيهم ومطيعهم، لا يمنعه كفرهم وعصيانهم من الإفضال عليهم، والإحسان إليهم.
روى العيّاشي في تفسيره بالإسناد، قال: «التقى موسى بن محمد بن عليّ بن موسى ويحيى بن أكثم، فسأله عن مسائل. قال: فدخلت على أخي عليّ بن محمّدعليهالسلام بعد أن دار بيني وبينه من المواعظ، حتّى انتهيت إلى طاعته، فقلت له: جعلت فداك إنّ ابن أكثم سألني عن مسائل افتيه فيها؟
فضحك ثمّ قال: فهل أفتيته فيها؟
قلت: لا.
قال: ولم؟
قلت: لم أعرفها.
قال: وما هي؟
قلت: قال: أخبرني عن سليمان أكان محتاجا إلى علم آصف بن برخيا؟! ثمّ ذكر المسائل الأخر.
قال: أكتب يا أخي: بسم الله الرّحمن الرّحيم، سألت عن قول الله في كتابه:( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ ) فهو آصف بن برخيا، ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف، لكنّهعليهالسلام أحبّ أن تعرف أمّته من الجنّ والإنس أنّه الحجّة من بعده، وذلك من علم سليمان، أودعه آصف بأمر الله، ففهّمه الله ذلك، لئلّا يختلف في إمامته ودلالته، كما فهّم سليمان في حياة داود، ليعرف إمامته ونبوّته من بعده، لتأكيد الحجّة على الخلق».
روي أنّ الجنّ خافوا أن يتزوّجها سليمان، فتفضي إليه بأسرارهم، لأنّها
كانت بنت جنّيّة.
وقيل: خافوا أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجنّ والإنس، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك من هو أشدّ وأفظع، فقالوا له: إنّها سخيفة العقل ضعيفة الرأي، وهي شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار. فاختبر سليمان أوّلا عقلها.
ولهذا( قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها ) اجعلوه متنكّرا بتغيير هيئته وشكله، كما يتنكّر الرجل للناس لئلّا يعرفوه.
قال ابن عبّاس: فنزع ما كان على العرش من الفصوص والجواهر.
وعن مجاهد: غيّر ما كان أحمر فجعله أخضر، وما كان أخضر فجعله أحمر.
وعن عكرمة: زيد فيه شيء، ونقص منه شيء. وروي: جعل مقدّمه مؤخّره، وأعلاه أسفله.
( نَنْظُرْ ) جواب الأمر( أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) إلى معرفته، أو إلى الجواب الصواب إذا سئلت عنه. وقيل: إلى الإيمان بالله ورسوله إذا رأت تلك المعجزة البيّنة، من تقدّم عرشها، وقد خلّفته وأغلقت عليه الأبواب، موكّلة عليها الحرّاس.
( فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا ) أمثل هذا( عَرْشُكِ ) أورد كاف التشبيه واسم الإشارة لئلّا يكون تلقينا، وليكون زيادة في امتحان عقلها( قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) لم تقل: هو هو، لاحتمال أن يكون مثله. وذلك من كمال عقلها، ورزانة رأيها، حيث لم تقع في المحتمل.
وعن عكرمة: كانت بلقيس حكيمة، قالت في نفسها: إن قلت: هو، خشيت أن اكذّب، وإن قلت: لا، خشيت أن أكذب، فقالت: كأنّه هو. فقيل لها: فإنّه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب!! فقالت:( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ ) بكمال قدرة الله وصحّة نبوّتك( مِنْ قَبْلِها ) من
قبل هذه الحالة، أو المعجزة، بما قد تقدّم من الآيات عند وفدة المنذر( وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) طائعين لأمر سليمان.
وقيل: هو من كلام سليمان وقومه، عطفوه على جوابها، لـما فيه من الدلالة على إيمانها بالله ورسوله، حيث جوّزت أن يكون ذلك عرشها تجويزا غالبا، وعلمت أن إحضاره من المعجزات الّتي لا يقدر عليها غير الله، ولا تظهر إلّا على يد الأنبياءعليهمالسلام ، أي: وأوتينا العلم بالله وقدرته، وصحّة ما جاء به من عند الله قبل مجيئها طائعة، أو قبل علمها بصحّة الإسلام، وكنّا مخلصين لله بالتوحيد، منقادين لحكمه، ولم نزل على دين الإسلام. ويكون غرضهم فيه التحدّث بما أنعم الله عليهم من التقدّم في ذلك، شكرا لله.
( وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي: ومنعها عبادتها الشمس عن التقدّم إلى الإسلام قبل ذلك. أو صدّها الله عن عبادتها بالتوفيق للإيمان، أو سليمان عمّا كانت تعبد، أي: عن عبادتها، بتقدير حذف الجارّ وإيصال الفعل. وعلى الأوّل مرفوع المحلّ بالفاعليّة.
ثمّ استأنف الكلام وقال:( إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ) من قوم يعبدون الشمس، قد نشأت فيما بينهم، فلم تعرف إلّا عبادة الشمس.
ولـمّا اختبر سليمان رزانة عقلها ورجاحة فطانتها، أراد أن يعرف ما قالت الجنّ من أنّها شعراء الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فأمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دوابّ البحر السمك وغيره، ليتعرّف ساقها ورجلها حين تكشف عنهما، إذ تدخل فيه ظنّا منها أنّه ماء. ولـمّا تمّ القصر على الطريق المذكور، أمر أن يوضع سريره في صدره، فجلس عليه، وعكف عليه الطير والجنّ والإنس.
ولـمّا جاءت بلقيس( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) القصر. وقيل: عرصة الدار.
( فَلَمَّا رَأَتْهُ ) رأت بلقيس الصرح( حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) وهي معظم الماء( وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها ) لدخول الماء.
وعن ابن كثير: سأقيها بالهمز، حملا على جمعيه: سئوق وأسؤق.
وقيل: إنّها لـمّا رأت الصرح قالت: ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلّا الغرق، وأنفت أن تجبن فلا تدخل، ولم يكن من عادتهم لبس الخفاف.
فلمّا كشفت عن ساقيها رأى سليمان رجلها، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقلما إلّا أنّها شعراء( قالَ ) لها( إِنَّهُ ) إنّ ما تظنّينه ماء( صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ) مملّس( مِنْ قَوارِيرَ ) من زجاج، وليس بماء.
ولـمّا رأت سرير سليمان والصرح( قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بالكفر الّذي كنت عليه، من عبادة الشمس.
وقيل: حسبت أنّ سليمان يغرقها في اللجّة، فقالت: ظلمت نفسي بسوء ظنّي بسليمان( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) فيما أمر به عباده، فحسن إسلامها.
قيل: إنّها جلست عند سليمان، فدعاها إلى الإسلام، وكانت قد رأت الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة، فأجابته وأسلمت.
وروي أن سليمان لـمّا رأى ساقها شعراء أساءه ذلك، فاستشار الجنّ فيه، فعملوا الحمّامات، وطبخوا له النورة والزرنيخ، وكان أوّل ما صنعت له النورة، فتزوّجها.
وقال بعض المؤرّخين: إنّه تزوّجها وأقرّها على ملكها، وأمر الجنّ فبنوا لها سيلحين(١) وغمدان، وكان يزورها في الشهر مرّة، فيقيم عندها ثلاثة أيّام، وولدت له.
__________________
(١) سيلحين أو سيلحون: قرية باليمن. وغمدان: قصر باليمن.
وقيل: بل زوّجها ذا تبّع(١) ملك همدان، وسلّطه على اليمن، وأمر زوبعة أمير جنّ اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع(٢) ، ولم يزل أميرا حتّى مات سليمان.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣) )
ولـمّا ذكر سبحانه قصّة سليمان، بيّن قصّة صالح بعد ذلك، فقال عطفا عليها :
__________________
(١) التبّع: لقب ملوك اليمن. وجمعه: التبابعة.
(٢) أي: الحصون.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ ) في النسب( صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ) بأن اعبدوه( فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ) ففاجؤا التفرّق والاختصام، فآمن فريق وكفر فريق، ويقول كلّ فريق: الحقّ معي. والواو لمجموع الفريقين.
( قالَ ) للفريق المكذّب( يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ ) بالعقوبة الّتي تسوء صاحبها، فتقولون: آتنا بما تعدنا من العذاب(١) ( قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) قبل التوبة، فتؤخّرونها إلى نزول العذاب، فإنّهم كانوا يقولون لجهلهم: إنّ العقوبة الّتي يعدها صالح، إن وقعت على زعمه وصدق إيعاده تبنا حينئذ واستغفرنا، زاعمين أنّ التوبة من الشرك مقبولة في ذلك الوقت، وإن لم تقع فنحن على ما نحن عليه.
فخاطبهم صالح على حسب قولهم واعتقادهم. ثمّ قال لهم:( لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ ) هلّا تطلبون مغفرته من الشرك، بأن تؤمنوا بالله وحده قبل نزول العذاب( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) بقبولها، فإنّها لا تقبل حين نزول العقوبة، فهذا تنبيه لهم على الخطأ فيما قالوه، وتجهيل فيما اعتقدوه.
روي: أنّ الرجل منهم كان يخرج مسافرا، فيمرّ بطائر فيزجره، فإن مرّ سانحا(٢) تيمّن، وإن مرّ بارحا تشاءم. ولهذا( قالُوا اطَّيَّرْنا ) أي: تشاء منا( بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ) إذ تتابعت علينا الشدائد من القحط وغير ذلك، أو وقع بيننا الافتراق مذ اخترعتم دينكم. فلمّا نسبوا الخير والشرّ إلى الطائر، استعير لـما كان سببهما من قدر الله وقسمته، أو من عمل العبد الّذي هو السبب في الرحمة والنقمة.
ولـمّا قالوا: اطّيّرنا بكم( قالَ ) صالح مطابقا لكلامهم:( طائِرُكُمْ ) أي: سببكم الّذي جاء منه شرّكم( عِنْدَ اللهِ ) وهو قدره. ومنه قول العرب: طائر الله لا طائرك، أي: قدر الله الغالب الّذي ينسب إليه الخير والشرّ، لا طائرك الّذي تتشاءم
__________________
(١) إشارة إلى الآية (٧٧) من سورة الأعراف:( وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .
(٢) السانح: الّذي يأتي من جانب اليمين، ويقابله البارح، وهو الّذي يأتي من جانب اليسار. والعرب تتيمّن بالسانح، وتتشاءم بالبارح.
به وتتيمّن. أو عملكم المكتوب عنده الّذي كان سبب نزول النقمة. ومنه قوله:( طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) (١) .( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) (٢) .
( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ) تختبرون بتعاقب السرّاء والضرّاء. والإضراب من بيان طائرهم الّذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه.
( وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ ) أي: تسعة أنفس. وإنّما وقع تمييزا للتسعة باعتبار المعنى. والفرق بينه وبين النفر: أنّه من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى التسعة.
وأسماؤهم على رواية ابن عبّاس: قدار بن سالف، ومصدع، ودهمي، ودهيم، ودعمي، ودعيم، وأسلم، وقتال، وصداف. وعلى رواية وهب: الهذيل بن عبد ربّ، وغنم بن غنم، ورباب بن مهرج، ومصدع بن مهرج، وعمير بن كردبة، وعاصم بن مخرمة، وسبيط بن صدقة، وسمعان بن صفي، وقدار بن سالف.
( يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) أي: شأنهم الإفساد الخالص عن شوب الصلاح. وهم الّذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم.
( قالُوا ) أي: قال بعضهم لبعض:( تَقاسَمُوا بِاللهِ ) أمر مقول، أو خبر وقع في محلّ الحال بإضمار «قد» أي: قالوا متقاسمين( لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) لنباغتنّ صالحا وأهله ليلا، من البيات، بمعنى مباغتة العدوّ ليلا. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء، على خطاب بعضهم لبعض.
( ثُمَّ لَنَقُولَنَ ) فيه القراءتان المذكورتان( لِوَلِيِّهِ ) لوليّ دمه( ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ ) فضلا أن تولّينا إهلاكهم. وهو يحتمل المصدر والمكان والزمان. وكذا «مهلك» في قراءة حفص، فإنّ مفعل قد جاء مصدرا، كمرجع. وقرأ أبو بكر بالفتح ،
__________________
(١) يس: ١٩.
(٢) الإسراء: ١٣.
فيكون مصدرا.
( وَإِنَّا لَصادِقُونَ ) ونحلف إنّا لصادقون. أو والحال إنّا لصادقون فيما ذكرنا، لأنّ الشاهد للشيء غير المباشر له عرفا. أو لأنّا ما شهدنا مهلكهم وحده، بل مهلكه ومهلكهم، كقولك: ما رأيت رجلا بل رجلين.
( وَمَكَرُوا مَكْراً ) بهذه المواضعة( وَمَكَرْنا مَكْراً ) بأن جعلناها سببا لهلاكهم جزاء مكرهم( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بمكر الله بهم، فإنّهم دخلوا على صالح شاهري سيوفهم ليقتلوه، فأنزل الله سبحانه الملائكة ملء دار صالح، فدمغوهم بالحجارة، يرون الحجارة ولا يرون راميا، فهلكوا، وسلم صالح من مكرهم، وهو ما أخفوه من تدبير الفتك به وأهله. ولـمّا كان مكر الله من حيث لا يشعرون، شبّه هلاكه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة.
روي: أنّه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلّي فيه، فقالوا: زعم صالح أنّه يفرغ منّا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلّي قتلناه، ثمّ رجعنا إلى أهله فقتلناهم. فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم، فطبّقت عليهم فم الشعب.
وقيل: إنّ الله سبحانه أمر صالحا بالخروج من بينهم، ثمّ استأصلهم بالعذاب.
وعن مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا صالحا، فخرّ عليهم الجبل فهلكوا ثمّة، وهلك الباقون في أماكنهم، كما أشار بقوله:( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ ) أهلكناهم بالعذاب المذكور( وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) بالصيحة.
و «كان» إن جعلت ناقصة فخبرها «كيف»، و «انّا دمّرناهم» استئناف. وإن جعلت تامّة فـ «كيف» حال. وقرأ الكوفيّون ويعقوب: أنّا بالفتح، على أنّه خبر محذوف، أو بدل من اسم «كان»، أو خبر له، و «كيف» حال.
( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ ) أي: فانظر إليها( خاوِيَةً ) خالية، من: خوى البطن إذا خلا. أو ساقطة منهدمة، من: خوى النجم إذا سقط. وهي حال عمل فيها معنى
الإشارة.( بِما ظَلَمُوا ) بسبب ظلمهم. وهو الشرك والإفساد في الأرض.( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في إهلاكهم( لَآيَةً ) لعبرة( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) فيتّعظون. وفي هذه الآية دلالة على أنّ الظلم يعقّب خراب الدور.
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: أجد في كتاب الله أنّ الظلم يخرّب البيوت، وتلا هذه الآية.
وقيل: إنّ هذه البيوت بوادي القرى، بين المدينة والشام.
( وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا ) صالحا ومن معه( وَكانُوا يَتَّقُونَ ) الكفر والمعاصي، ولذلك خصّوا بالنجاة. قالوا: إنّهم أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضر موت، ولـمّا دخلها حضره الموت فمات.
( وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) )
ثمّ ذكر سبحانه قصّة لوط، عاطفا بها على ما تقدّم، فقال:( وَلُوطاً ) أي: أرسلنا لوطا، لدلالة( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا ) (١) عليه. أو اذكر.( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ) ظرف على
__________________
(١) النمل: ٤٥.
الأوّل، وبدل على الثاني( أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) من بصر القلب، أي: تعلمون أنّها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأنّ الله إنّما خلق الأنثى للذكر، فهي مضادّة لله في حكمته وحكمه. وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم، وأدخل في القبح والسماجة، فيكون أفحش. أو تبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم، واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح. أو يبصرها بعضكم من بعض، لأنّهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معلنين بها.
( أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً ) بيان لإتيانهم الفاحشة. وتعليله بالشهوة للدلالة على قبحه، والتنبيه على أنّ الحكمة في المواقعة طلب النسل لا قضاء الوطر.( مِنْ دُونِ النِّساءِ ) اللّاتي خلقن لذلك( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) تفعلون فعل من يجهل قبحها مع علمكم بذلك. أو تجهلون العاقبة. أو أراد بالجهل أن يكون كمن كان سفيها لا يميّز بين الحسن والقبيح. والتاء فيه لكون الموصوف به في معنى المخاطب.
( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ ) كلّهم( مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) يتنزّهون عن إتيان الرجال في أدبارهم، أو عن الأقذار، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. أو يعدّون فعلنا قذرا. وعن ابن عبّاس: هو استهزاء منهم.
( فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها ) جعلناها( مِنَ الْغابِرِينَ ) قدّرنا كونها من الباقين في العذاب.
( وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ) وهو الحجارة( فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) الّذين أبلغهم لوط النذارة، وأعلمهم بموضع المخافة ليتّقوها فخالفوها.
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا قصّ قصص الأنبياء على رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الدالّة على كمال قدرته وعظم شأنه، وما خصّ به رسله من الآيات الكبرى، والانتصار من الأعداء، أمره بتحميده والسلام على المصطفين من عباده، شكرا على ما أنعم
عليهم، وعلى ما علّمه من أحوالهم، وعرّفه فضلهم، فقال:( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) شكرا على ما أنعم، بأن وفّقنا للإيمان والنصرة على الفجرة، وعلى هلاك الأمم الكفرة( وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ) اصطفاهم الله واجتباهم على بريّته. وهم الأنبياء.
وعن ابن عبّاس: هم أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وعن الحسن: هم أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ومعنى السلام عليهم أنّهم سلموا ممّا عذّب الله به الكفّار، وعن عليّ بن إبراهيم(١) : هم آل محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: هو خطاب بأن يحمده على هلاك كفرة قومه، ويسلّم على من اصطفاه بالعصمة عن الفواحش والنجاة من الهلاك.
وقيل: هو متّصل بما قبله، وأمر بالتحميد على الهالكين من كفّار الأمم، والصلاة على الأنبياء وأشياعهم الناجين.
وفيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمّن بالذكرين، والتبرّك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه.
ولقد توارث العلماء والخطباء والوعّاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا اللهعزوجل وصلّوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمام كلّ علم مفاد، وقبل كلّ عظة وتذكرة، وفي مفتتح كلّ خطبة. وتبعهم المترسّلون، فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث الّتي لها شأن.
ثمّ قال سبحانه مخاطبا للمشركين:( آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ) يا أهل مكّة! ءالله خير لمن عبده، أم الأصنام لعابديها؟! وهذا إلزام للحجّة على المشركين بعد ذكر هلاك الكفّار، وتهكّم بهم، وتسفيه لرأيهم، إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه أصلا، حتّى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كلّ خير ومالكه.
__________________
(١) تفسير عليّ بن إبراهيم ٢: ١٢٩.
والمعنى: أنّ الله تعالى نجّى من عبده من الهلاك، والأصنام لم تغن شيئا عن عابديها عند نزول العذاب. وإنّما قال ذلك لأنّهم توهّموا في عبادة الأصنام خيرا.
وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء. وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان إذا قرأها يقول: «بل الله خير وأبقى، وأجلّ وأكرم».
( أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ تَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤) )
ثمّ عدّد سبحانه نعمه الشاملة لعبيده، ومنافعه الّتي هي من آثار رحمته المخصوصة، الدالّة على وحدانيّته وفردانيّته، وقال:( أَمَّنْ خَلَقَ ) بل من خلق
( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) الّتي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع( وَأَنْزَلَ لَكُمْ ) لأجلكم( مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ) بساتين. من الإحداق، وهو الإحاطة.
عدل به عن الغيبة إلى التكلّم، لتأكيد اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنّ إنبات الحدائق البهيّة، المتباعدة الطباع، المختلفة الأنواع والألوان، والطعوم والروائح والأشكال، مع حسنها وبهجتها، بماء واحد، لا يقدر عليه إلّا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله:( ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ) .
( ذاتَ بَهْجَةٍ ) أي: ذات منظر حسن، لأنّ الناظر يبتهج به. ولم يقل: ذوات بهجة، لأنّه أراد جماعة حدائق ذات بهجة، كما قال: النساء ذهبت. ولو أريد تأنيث الأعيان لقال: ذوات.
( ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ) أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجر الحدائق( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) أغيره يقرن به، ويجعل له شريكا، وهو المنفرد بالخلق والتكوين؟!( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) عن الحقّ الّذي هو التوحيد.
( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً ) بدل من( أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ ) . وجعلها قرارا: بإبداء بعضها من الماء وتسويتها، بحيث يتأتّى استقرار الإنسان والدوابّ عليها.
( وَجَعَلَ خِلالَها ) وسطها( أَنْهاراً ) جارية، ينبت بها الزرع، ويحيا بها الخلق.
( وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ ) جبالا ثوابت، تتكوّن فيها المعادن، وتنبع من حضيضها المنابع.
( وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ ) العذب والمالح، أو خليجي فارس والروم( حاجِزاً ) مانعا من قدرته، بين العذب والملح، فلا يختلط أحدهما بالآخر.
( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) توحيد ربّهم وكمال قدرته وسلطانه، فيشركون به.
( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ) المضطرّ: هو الّذي أحوجته شدّة ما به إلى اللجأ إلى الله. من الاضطرار، وهو افتعال من الضرورة، وهي الحالة المحوجة إلى اللجأ. واللام فيه للجنس مطلقا، يصلح لكلّه ولبعضه، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كلّ مضطرّ، بل الّذي يكون إجابة دعائه مصلحة. وإنّما خصّ المضطرّ، وإن كان قد يجيب غير المضطرّ، لأنّ رغبته أقوى، وسؤاله أخضع.
( وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) ويدفع عن الإنسان ما يسوءه( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ ) أي: خلفاء في الأرض، بأن ورّثكم سكناها والتصرّف فيها قرنا بعد قرن، فيهلك قرنا، وينشئ قرنا. أو أراد بالخلافة الملك والتسلّط.
( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) الّذي أعطاكم هذه النعم العامّة والخاصّة؟!( قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ) أي: تذكّرون آلاءه تذكّرا قليلا. و «ما» مزيدة. والمراد بالقلّة العدم، فإنّها قد تستعمل في معنى النفي، أو الحقارة المزيحة للفائدة.
وقرأ أبو عمرو وروح بالياء. وحمزة والكسائي وحفص بالتاء وتخفيف الذال.
( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ ) بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض( فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) أي: ظلمات الليالي. وإضافتها إلى البرّ والبحر للملابسة. أو مشبّهات الطرق. يقال: طريقة ظلماء وعمياء للّتي لا منار بها.( وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) يعني: المطر.
( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) يقدر على مثل ذلك( تَعالَى اللهُ ) القادر الخالق( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) عن مشاركة العاجز المخلوق، كما يزعمه المشركون.
( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) وقد أزيح إنكار الكفرة للإعادة بالحجج الباهرة والبراهين عليها، فهم محجوجون بها، ولم يبق لهم عذر في الإنكار( وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ ) بإنزال الأمطار( وَالْأَرْضِ ) بإخراج النبات والثمار، أو بأسباب
سماويّة وأرضيّة.
( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) يقدر على مثل ذلك( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) حجّتكم على أنّ غيره يقدر على شيء من ذلك( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في إشراككم، فإنّ كمال القدرة من لوازم الألوهيّة، فإذا لم يقدروا على إقامة البرهان على ذلك فاعلموا أنّه لا إله معي، ولا يستحقّ العبادة سواي.
( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) )
ولـمّا بيّن اختصاصه بالقدرة التامّة الفائقة العامّة، أتبعه ما هو كاللازم له، وهو التفرّد بعلم الغيب، فقال:( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ ) الاستثناء منقطع. ورفع المستثنى على اللغة التميميّة.
وفي اختيار المذهب التميمي على الحجازي نكتة سريّة(١) ، حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: إلّا اليعافير، بعد قوله(٢) : ليس بها أنيس، ليئول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممّن في السماوات والأرض، ففيهما من يعلم الغيب، مبالغة في نفي العلم عنهم. يعني: أنّ علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم ،
__________________
(١) لعلّها بزنة فعيلة، فتكون بمعنى: شريفة، من: سرا سروا: كان سريّا، أي: صاحب مروءة وسخاء وشرف.
(٢) أي: في قول الشاعر :
وبلدة ليس بها أنيس |
إلّا اليعافير وإلّا العيس |
كما أنّ معنى ما في البيت: إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، بتّا للقول بخلوّها عن الأنيس.
أو متّصل(١) ، على أنّ المراد ممّن في السماوات والأرض من تعلّق علمه بهما، واطّلع عليهما اطّلاع الحاضر فيهما، فإنّه يعمّ الله تعالى وأولي العلم من خلقه. وهو موصول أو موصوف.
( وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) متى يحشرون؟ مركّبة من «أيّ» و «آن».
والضمير لـ «من». وقيل: للكفرة.
قيل: نزلت هذه الآية في المشركين، حين سألوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن وقت الساعة.
ولـمّا ذكر أنّ العباد لا يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الّذي يكون فيه، وكان هذا بيانا لعجزهم، ووصفا لقصور علمهم، وصل به الكلام الآخر، وهو قوله:( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) دلالة على أنّ عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنّهم يقولون للكائن الّذي لا بدّ أن يكون ـ وهو وقت جزاء أعمالهم ـ: لا يكون، مع أنّ عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به.
ويحتمل أن يكون وصفهم باستحكام العلم تهكّما بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك! على سبيل الهزؤ.
وقيل: «أدرك» بمعنى: انتهى واضمحلّ، من قولهم: أدركت الثمرة، لأن تلك غايتها الّتي عندها تعدم.
ثمّ أكّد عدم علمهم رأسا بالإضراب الثاني والثالث، وهو قوله:( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها ) كمن تحيّر في الأمر لا يجد عليه دليلا( بَلْ هُمْ مِنْها ) عن معرفتها( عَمُونَ ) من عمى القلب، لزعمهم التدبّر والتفكّر. يعني: أنّهم شكّوا وعموا عن
__________________
(١) عطف على قوله: الاستثناء منقطع، قبل سبعة أسطر.
إثباته الّذي الطريق إلى علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الّذي لا طريق إلى معرفته. وهذا وإن اختصّ بالمشركين ممّن في السماوات والأرض، نسب إلى جميعهم، كما يسند فعل البعض إلى الكلّ.
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص: بل ادّراك، بمعنى: تتابع حتّى استحكم، أو تتابع حتّى انقطع، من: تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك.
وأبو بكر: ادّرك. وأصلهما: تفاعل وافتعل.
والإضرابات الثلاث إنّما هي لتنزيل أحوالهم، فإنّه وصفهم أوّلا بأنّهم لا يشعرون وقت البعث، ثمّ بأنّهم لا يعلمون أنّ القيامة كائنة، ثمّ بأنّهم يخبطون في شكّ ومرية فلا يزيلونه، ثمّ بما هو أسوأ حالا، وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة، قد عكف همّه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقّا ولا باطلا، ولا يفكّر في عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذلك عدّاه بـ «من» دون «عن» لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الّذي جعلهم كالبهائم لا يتدبّرون ولا يتبصّرون.
وقيل: إنّ الآية إخبار عن ثلاث طوائف: طائفة أقرّت بالبعث، وطائفة شكّت فيه، وطائفة نفته، كما قال:( فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ) (١) .
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ
__________________
(١) ق: ٥.
كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) )
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بإنكارهم البعث( أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ ) هذا كالبيان لعمههم. والعامل في «إذا» ما دلّ عليه «أإنّا لمخرجون» وهو: نخرج، لا «مخرجون» لأنّ كلّا من الهمزة و «إن» واللام مانعة من العمل فيما قبلها، فكيف إذا اجتمعن؟ وتكرير الهمزة للمبالغة في الإنكار. والمراد بالإخراج الإخراج من الأجداث، أو من حال الفناء إلى حال الحياة.
وقرأ نافع: إذا كنّا، بهمزة واحدة مكسورة. وابن عامر والكسائي: إنّنا لمخرجون، بنونين على الخبر.
( لَقَدْ وُعِدْنا هذا ) أي: هذا البعث( نَحْنُ ) في ما مضى( وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ ) من قبل وعد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وتقديم «هذا» على «نحن» لأنّ المقصود بالذكر هو البعث، وحيث أخّر فالمقصود به المبعوث.( إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أحاديثهم وأكاذيبهم الّتي كتبوها.
ثمّ هدّدهم على التكذيب، وخوّفهم بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذّبين قبلهم، فقال:( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) أي: الكافرين. والتعبير عنهم بوصف الإجرام، ليكون لطفا بالمؤمنين في ترك الجرائم وتخوّف عاقبتها. ولم تلحق علامة التأنيث بفعل العاقبة، لأنّ تأنيثها غير حقيقيّ ،
ولأنّ المعنى: كيف كان آخر أمرهم؟ وهو أنّ الله أهلكهم، وخرّب ديارهم.
( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) على تكذيبهم وإعراضهم( وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ ) في حرج صدر. وقرأ ابن كثير بكسر الضاد. وهما لغتان. يقال: ضاق الشيء ضيقا وضيقا.( مِمَّا يَمْكُرُونَ ) من مكرهم وكيدهم لك، ولا تبال بذلك، فإنّ الله يعصمك من الناس.
( وَيَقُولُونَ ) استبعادا واستنكارا( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) العذاب الموعود( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) بأنّه يكون.
( قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) تبعكم ولحقكم. واللام مزيدة للتأكيد، كالباء في( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ ) (١) . أو الفعل مضمّن معنى فعل يتعدّى باللام، مثل: دنا لكم وأزف(٢) لكم( بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) حلوله، وهو عذاب يوم بدر.
و «عسى» و «لعلّ» و «سوف» في مواعيد الملوك كالجزم بها، وإنّما يطلقونه إظهارا لوقارهم، وأنّهم لا يعجّلون بالانتقام، وإشعارا بأنّ الرمز منهم كالتصريح من غيرهم، وتنبيها على وثوقهم بأن عدوّهم لا يفوتهم، وعليه جرى وعد الله ووعيده، فإنّه مالك الملوك.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بتأخير عقوبتهم على المعاصي، وعدم المعاجلة بها. والفضل والفاضلة: الإفضال، وجمعها فضول وفواضل.( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) لا يعرفون حقّ النعمة فيه، فلا يشكرونه، بل بجهلهم يستعجلون وقوع العذاب. وهم قريش.
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُ ) ما تخفيه( صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ) من عداوتك، فيجازيهم عليه.
__________________
(١) البقرة: ١٩٥.
(٢) أي: اقترب.
( وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) أي: خافية فيهما. وهما من الصفات الغالبة، والتاء فيهما للمبالغة، كما في الراوية، كأنّه قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء. أو اسمان لـما يغيب ويخفى، كالتاء في عاقبة وعافية ونظائرهما، كالنطيحة والذبيحة، في أنّها أسماء غير صفات.( إِلَّا ) ثبت( فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) بيّن، أو مبيّن ما فيه لمن يطالعه من الملائكة. والمراد اللوح، أو القضاء على الاستعارة.
( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) )
ثمّ ذكر سبحانه من الحجج ما يقوّي قلب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ
يَقُصُ ) يخبر( عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) كالتشبيه والتنزيه، وأحوال الجنّة والنار، وعزير والمسيح ومريم، والنبيّ المبشّر به في التوراة، حيث قال بعضهم: هو يوشع، وقال بعضهم: لا بل هو منتظر لم يأت بعد، وغير ذلك من الأحكام. وكان ذلك معجزة لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ كان لا يدرس كتبهم ولا يقرؤها، ثمّ أخبرهم بما فيها.
وقال:( وَإِنَّهُ ) وإنّ القرآن( لَهُدىً ) لدلالة على الحقّ( وَرَحْمَةٌ ) ونعمة( لِلْمُؤْمِنِينَ ) من بني إسرائيل ومن غيرهم، فإنّهم هم المنتفعون به.
( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) بين المختلفين من بني إسرائيل وغيرهم يوم القيامة( بِحُكْمِهِ ) بما يحكم به، وهو العدل، فإنّه لا يقضي إلّا به. فسمّى المحكوم به حكما. أو أراد بحكمته. وأشار بذلك إلى شيئين ؛ أحدهما: أنّ الحكم له، فلا ينفذ حكم غيره، فيوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه. والآخر: أنّه وعد المظلوم بالانتصاف من الظالم.
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) القادر الغالب على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيء، فلا يردّ قضاؤه( الْعَلِيمُ ) بالمحقّ والمبطل، فيجازي كلّا بحسب عمله.
وفي هذه الآية تسلية للمحقّين الّذين خولفوا في أمور الدين، وأنّ أمرهم يئول إلى أن يحكم بينهم ربّ العالمين.
ثمّ أمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتوكّل عليه، وقلّة المبالاة بأعداء الدين، فقال:( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) ولا تبال بمعاداتهم. ثمّ علّل التوكّل بأنّه على الحقّ الأبلج الّذي لا يتعلّق به الشكّ والظنّ( إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) وصاحب الحقّ حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصرته.
ثمّ بيّن علّة اخرى للأمر بالتوكّل، فقال:( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) فاقطع طمعك عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسا. وإنّما شبّهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع
ما يتلى عليهم، كما شبّهوا بالصمّ في قوله تعالى:( وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) فإنّ إسماعهم في هذه الحالة أبعد، فإنّ الأصمّ إذا تباعد عن الداعي ـ بأن يولّي عنه مدبرا ـ كان أبعد عن إدراك صوته. وقرأ ابن كثير: ولا يسمع الصّمّ.
( وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) حيث الهداية لا تحصل إلّا بالبصر.
فجعل سبحانه المصمّم على الجهل كالميّت تارة في أنّه لا يقبل الهدى، واخرى.
كالأصمّ في أنّه لا يسمع الدعاء، واخرى كالعمي في أنّه لا يبصر الحقّ.
( إِنْ تُسْمِعُ ) أي: ما يجدي إسماعك( إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ) إلّا الّذين علم الله أنّهم يؤمنون بآياته، أي: يصدّقون بها( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) من قوله:( بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) (١) يعني: جعله سالما لله خالصا له.
ثمّ هدّدهم بقوله:( وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) يعني: إذا دنا وقوع الساعة وظهور أشراطه، وهو ما وعدوا به من البعث والعذاب، وعند ذلك يرتفع التكليف، ولا تقبل التوبة( أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ ) وهي الجسّاسة.
وعن ابن عبّاس: أنّ طولها ستّون ذراعا، ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان، لا يفوتها هارب، ولا يدركها طالب.
وعن ابن جريج في وصفها: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أيّل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرّة، وذنب كبش، وخفّ بعير، وما بين مفصليها اثنا عشر ذراعا بذراع آدمعليهالسلام .
وروي: لا تخرج إلّا رأسها، ورأسها يبلغ أعنان السماء، أو يبلغ السحاب.
وعن أبي هريرة: فيها من كلّ لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وعن الحسن: لا يتمّ خروجها إلّا بعد ثلاثة أيّام.
وعن عليّعليهالسلام : أنّها تخرج ثلاثة أيّام، والناس ينظرون، فلا يخرج إلّا ثلثها.
__________________
(١) البقرة: ١١٢.
وروى محمّد بن كعب القرظي قال: سئل عليّعليهالسلام عن الدابّة، فقال: أما والله ما لها ذنب، وإنّ لها للحية. وفي هذا إشارة إلى أنّها من الإنس.
وعن وهب أنّه قال: وجهها وجه رجل، وسائر خلقها خلق الطير.
وروي أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل: من أين تخرج الدابّة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله، يعني: مسجد الحرام.
وروي: أنّها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثمّ تتكمّن، ثمّ تخرج بالبادية ثمّ تتكمّن دهرا طويلا، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله تعالى، فما يهولهم إلّا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم، عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون، وقوم يقفون نظّارة.
وقيل: تخرج من الصفا فـ( تُكَلِّمُهُمْ ) بالعربيّة بلسان ذلق(١) ، فتقول:( أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا ) وهي خروجها وسائر أحوالها، فإنّها من آيات الله تعالى.
وقيل: القرآن.( لا يُوقِنُونَ ) لا يتيقّنون. وهو حكاية معنى قولها. أو حكاية لقول الله. أو علّة خروجها، أو تكلّمها، على حذف الجارّ. وقرأ غير الكوفيّين: إنّ النّاس بالكسر، على الاستئناف.
عن السدّي: تكلّمهم ببطلان الأديان كلّها سوى دين الإسلام. وقيل: تقول: ألا لعنة الله على الظالمين.
وعن ابن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثمّ تستقبل المشرق، ثمّ الشام، ثمّ اليمن، فتفعل مثل ذلك.
وروي: بينا عيسىعليهالسلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم تحرّك القنديل، وينشقّ الصفا ممّا يلي المسعى، فتخرج الدابّة من الصفا، ومعها عصا موسى وخاتم سلمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه
__________________
(١) أي: طلق بليغ فصيح.
بعصا موسى، فتنكت نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة في وجهه حتّى يضيء لها وجهه، أو فتترك وجهه كأنّه كوكب درّيّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن. وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتّى يسودّ لها وجهه، وتكتب بين عينيه: كافر. حتّى يقال: يا مؤمن، يا كافر.
وروي: فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثمّ تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنّة، ويا فلان أنت من أهل النار.
( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً ) يعني: يوم القيامة( مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا ) بيان للفوج، أي: فوجا مكذّبين. و «من» الأولى للتبعيض، لأنّ أمّة كلّ نبيّ وأهل كلّ قرن شامل للمصدّقين والمكذّبين.( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) يحبس أوّلهم على آخرهم، ليتلاحقوا ويجتمعوا فيكبكبوا في النار. وهو عبارة عن كثرة عددهم وتباعد أطرافهم، كما وصفت جنود سليمانعليهالسلام بذلك. وكذلك قوله: «فوجا» فإنّ الفوج الجماعة الكثيرة.
وعن ابن عبّاس: أبو جهل، والوليد بن المغيرة، وشيبة بن ربيعة، يساقون بين يدي أهل مكّة. وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار.
( حَتَّى إِذا جاؤُ ) إلى المحشر( قالَ ) أي: قال الله تعالى( أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ) أي: المعجزات الدالّة على صحّة ديني( وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ) الواو للحال، أي: أكذّبتم بها بادئ الرأي، غير ناظرين فيها نظرا يؤدّي إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنّها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب؟ أو للعطف، أي: أجحدتموها، ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتحقّقها، فإنّ المكتوب إليه قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأه ويتفهّم مضامينه، ويحيط بمعانيه.
( أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: أم أيّ شيء كنتم تعملونه بعد ذلك؟ وهو للتبكيت، إذ لم يفعلوا غير التكذيب، فلا يقدرون أن يقولوا: فعلنا غير ذلك، لشهرة
أنّهم ما يفعلون غير التكذيب، ولا يشتغلون بغيره. ومثاله: أن تقول لراعيك ـ وقد عرفت أنّه يأكل نعمك ويفسدها ـ: أتأكل نعمي وتفسدها؟ مع علمك أنّه لا يعمل بها إلّا الأكل والإفساد، لتبهته وتعلمه علمك بأنّه لا يجيء منه إلّا أكلها وإفسادها، وأنّه لا يقدر أن يدّعي حفظها وإصلاحها، لـما شهر من خلاف ذلك.
والكفّار يخاطبون بهذا القول قبل كبّهم في النار، ثمّ يكبّون فيها. وذلك قوله:( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ ) ووجب عليهم، وحلّ بهم العذاب الموعود، وهو كبّهم في النار( بِما ظَلَمُوا ) بسبب ظلمهم، وهو التكذيب بآيات الله( فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ) باعتذار، لشغلهم بالعذاب، وعظم هول ما يشاهدونه. ومثل ذلك قوله:( هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ) (١) .
( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) )
__________________
(١) المرسلات: ٣٥.
ثمّ بيّن سبحانه قدرته على الإعادة والبعث بما احتجّ به على الكفّار، فقال:( أَلَمْ يَرَوْا ) ليتحقّق لهم التوحيد، ويرشدهم إلى تجويز الحشر وبعثة الرسل( أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ ) عن التعب والحركات( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) لتقلّبهم فيه في المكاسب، فإنّ تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص غير متعيّن بذاته، لا يكون إلّا بقدرة قاهرة. وأنّ من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادّة واحدة، قدر على إبدال الموت بالحياة في موادّ الأبدان. وأنّ من جعل النهار ليبصروا فيه سببا من أسباب معاشهم، لعلّه لا يخلّ بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم ومعادهم.
واعلم أنّ أصل الكلام في قوله:( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) : ليبصروا فيه، بقرينة التقابل، فبولغ فيه بجعل الإبصار حالا من أحواله المجعول عليها، بحيث لا ينفكّ عنها.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لدلالتها على أنّ من قدر على خلق الليل والنهار لانتفاع العباد، لقدر على إعادة الموتى وبعثهم يوم المعاد، لإثابتهم وتعذيبهم على وفق الأعمال.
( وَيَوْمَ يُنْفَخُ ) واذكر يوم ينفخ إسرافيل بأمر الله( فِي الصُّورِ ) وهو قرن ينفخ فيه شبه البوق. وعن الحسن وقتادة: المراد صور الخلق، جمع صورة، كصوفة وصوف، أي: يوم تنفخ الأرواح في الصور. والأوّل قد ورد في الحديث. وقيل: إنّه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق.
( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) من الهول. وعبّر عنه بالماضي لتحقّق وقوعه، فإنّ الفعل الماضي يدلّ على وجود الفعل، وكونه مقطوعا به، وأنّه كائن لا محالة.( إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ) أن لا يفزع، بأن يثبت الله قلبه، من الملائكة.
قيل: هم: جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، صلوات الله عليهم.
وقيل: الحور، والخزنة، وحملة العرش. وقيل: الشهداء. وعن جابر: منهم موسى، لأنّه صعق مرّة.
ومثله قوله تعالى:( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) (١) .
وقيل: هي ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع. والثانية: نفخة الصعق. والثالثة: نفخة القيام لربّ العالمين.
( وَكُلٌ ) من الأحياء الّذين ماتوا ثمّ أحيوا( أَتَوْهُ ) حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية. أو راجعون إلى أمره، منقادون له. وقرأ حمزة وحفص: أتوه على الفعل.( داخِرِينَ ) صاغرين أذلّاء.
( وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً ) ثابتة في مكانها. من: جمد في مكانه إذا لم يبرح. يعني: إذا نظر الناظر إليها حسبها واقفة في مكان واحد.( وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ) أي: يمرّ مرّا حثيثا كما يمرّ السحاب في السرعة. وذلك لأنّ الأجرام الكبار إذا تحرّكت في سمت واحد، فلا تكاد تتبيّن حركتها.
( صُنْعَ اللهِ ) من المصادر المؤكّدة لنفسها. وهو لمضمون الجملة المتقدّمة، كقوله:( وَعْدَ اللهِ ) (٢) . تقديره: صنع الله صنعا.( الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) خلق كلّ شيء على وجه الإتقان والإحكام والاتّساق والتسوية. ومن ذلك المجازاة على وفق الأعمال يوم المعاد على ما ينبغي.
( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ ) عالم بظواهر الأفعال وبواطنها، فيجازيكم عليها إثابة وعقابا. كما قال:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) إذ ثبت له الباقي بالفاني، وسبعمائة بواحدة.
__________________
(١) الزمر: ٦٨.
(٢) النساء: ١٢٢، وغيرها.
وعن ابن عبّاس: أي: فمنها يصل الخير إليه. والمعنى: فله من تلك الحسنة من جهتها خير يوم القيامة. وهو الثواب والأمان من العقاب. فـ «خير» هاهنا اسم، وليس بالّذي هو بمعنى الأفضل.
والمراد بالحسنة: كلّ فعل حسن في نظر الشرع، فلا يكون ذلك إلّا بعد تحقّق الإيمان.
وعن ابن عبّاس وقتادة: أنّها كلمة الشهادة، فإنّها أمّ الحسنات ورأسها.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام: يفعلون بالياء. والباقون بالتاء.
( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) يعني به خوف عذاب يوم القيامة. وقرأ الكوفيّون بالتنوين، لأنّ المراد فزع واحد من أفزاع ذلك اليوم. ونافع: يومئذ بفتح الميم مع الإضافة، لأنّه أضيف إلى غير متمكّن. والباقون بكسرها. و «آمن» يتعدّى بالجارّ وبنفسه، كقوله تعالى:( أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ ) (١) .
عن الكلبي: إذا أطبقت النار على أهلها فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها، وأهل الجنّة آمنون من ذلك الفزع.
وقال في الكشّاف: «الفرق بين الفزعين: أن الأوّل ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدّة تقع وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به، كما يدخل الرجل على الملك بصدر هيّاب(٢) وقلب وجّاب، وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية. وأمّا الثاني: فالخوف من العذاب»(٣) .
( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) قيل: بالشرك، فإنّه أمّ السيّئات ورأسها. كذا روي عن ابن عبّاس وأكثر المفسّرين. وعند غيرهم: المراد كلّ معصية كبيرة.( فَكُبَّتْ
__________________
(١) الأعراف: ٩٩.
(٢) هياب أي: خائف. وقلب وجاب: كثير الخفوق والاضطراب.
(٣) الكشاف ٣: ٣٨٨.
وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) أي: فكبّوا فيها على وجوههم منكوسين.
ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم، كما أريدت بالأيدي في قوله:( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ ) (١) . فعبّر عن الجملة بالوجه، كما عبّر عنها بالرأس والرقبة والأيدي.
( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) على الالتفات، أي: هذا جزاء فعلكم، وليس بظلم. أو بإضمار القول، أي: قيل لهم ذلك.
روى السيّد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن بن الفضل، قال: حدّثني جعفر بن الحسين، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني محمّد بن زيد عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفرعليهالسلام يقول: «دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقالعليهالسلام له: يا أبا عبد الله ألا أخبرك بقول الله تعالى:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) ـ إلى قوله ـ( تَعْمَلُونَ ) ؟ قال: بلى جعلت فداك. قال: الحسنة حبّنا أهل البيت، والسيّئة بغضنا»(٢) .
وحدّثنا السيّد أبو الحمد، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم، قال: أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمّد الحميري، قال: حدّثنا جدّي أحمد بن إسحاق الحميري، قال: حدّثنا جعفر بن سهل، قال: حدّثنا أبو زرعة وعثمان بن عبد الله القرشي، قالا: حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ، لو أنّ أمّتي صاموا حتّى صاروا كالأوتاد، وصلّوا حتّى صاروا كالحنايا(٣) ، ثمّ أبغضوك، لأكبّهم الله على مناخرهم في النار»(٤) .
__________________
(١) البقرة: ١٩٥.
(٢) شواهد التنزيل ١: ٥٤٨ ح ٥٨١.
(٣) الحنايا جمع الحنيّة. وهي: القوس، أو ما كان منحنيا مثله.
(٤) شواهد التنزيل ١: ٥٤٩ ح ٥٨٣.
( إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) )
ولـمّا بيّن المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة، أمر رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقول لهم:( إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ ) يعني: مكّة( الَّذِي حَرَّمَها ) إشعارا بأنّه قد أتمّ الدعوة، وقد كملت، وما عليه بعد إلّا الاشتغال بشأنه، والاستغراق في عبادة ربّه. وتخصيص مكّة بهذه الإضافة تشريف لها، وتعظيم لشأنها. ومعنى «حرّمها».
جعلها ممنوعا أن يقصد الظلمة إلى تخريبها. أو جعلها حرما آمنا، يحرم فيها ما يحلّ في غيرها، لا ينفر صيدها، ولا يختلى(١) خلاها، ولا يقتصّ فيها.
( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) خلقا وملكا( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) المنقادين، أو الثابتين على ملّة الإسلام.
( وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ ) وأن أواظب على تلاوته، لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا. أو أتّبعه.
( فَمَنِ اهْتَدى ) باتّباعه إيّاي فيما فيه( فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) فإنّ المنافع العاجلة والفوائد الآجلة عائدة إليه.
( وَمَنْ ضَلَ ) عنه بمخالفتي( فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) فلا عليّ من وبال ضلاله شيء، إذ ما على الرسول إلّا البلاغ، وقد بلّغت.
__________________
(١) اختلى العشب: جزّه وقطعه. والخلى: العشب والحشيش.
ثمّ أمره أن يحمد الله على ما خوّله من نعمة النبوّة الّتي لا توازيها نعمة، وأن يهدّد أعداءه بما سيريهم الله من آياته الّتي تلجئهم إلى المعرفة، فقال:( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على نعمة النبوّة. أو على ما علّمني ووفّقني للعمل به.
( سَيُرِيكُمْ آياتِهِ ) القاهرة في الدنيا، كوقعة بدر، وخروج دابّة الأرض. وعن الكلبي: هو الدخان وانشقاق القمر. أو في الآخرة. وقيل: هو كقوله:( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) (١) الآية.( فَتَعْرِفُونَها ) أنّها آيات الله، ولكن حين لا تنفعكم المعرفة.
( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) فلا تحسبوا أنّ تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم، لتنزّه ذاته المتعالي عنها، بل لمصلحة تقتضيه.
__________________
(١) فصّلت: ٥٣.
(٢٨)
سورة القصص
مكّيّة. وهي ثمان وثمانون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ طسم القصص كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السّماوات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا أنّ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (١) ».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦) )
__________________
(١) القصص: ٨٨.
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا أمر في خاتمة سورة النمل بتلاوة القرآن، بيّن في هذه السورة أنّ القرآن من طسم، وأنّه يتلو فيها عليهم من نبأ موسى وفرعون، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ) البيّن الظاهر. أو الّذي بيّن الرشد من الغيّ.
( نَتْلُوا عَلَيْكَ ) نقرأ بواسطة جبرئيل. ويجوز أن يكون بمعنى: ننزّله مجازا.
( مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ ) مفعول «نتلو». و «من» للتبعيض، أي: نتلو بعض نبئهما.
( بِالْحَقِ ) محقّين. أو ملتبسا بالصدق والحقيقة.( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لمن سبق في علمنا أنّه يؤمن، لأنّ التلاوة إنّما تنفع هؤلاء دون غيرهم.
ثمّ استأنف ما يبيّن ذلك البعض، فقال:( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا ) بغى وطغى ظلما( فِي الْأَرْضِ ) أرض مصر( وَجَعَلَ أَهْلَها ) من السبط والقبط( شِيَعاً ) فرقا يشيعونه ويطيعونه فيما يريد، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه عن حكمه. أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته. أو أصنافا في استخدامه، يتسخّر صنفا في الحرث، وصنفا في الحفر، وصنفا في البناء، وغير ذلك. أو فرقا مختلفة، قد أغرى بينهم العداوة كي لا يتّفقوا عليه.
( يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ ) وهم بنو إسرائيل. والجملة حال من فاعل «جعل». أو صفة لـ «شيعا». أو استئناف. وقوله:( يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ ) أي: يقتلهم
( وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) أي: يستبقيهنّ بدل(١) ، منها. وسبب ذبح الأبناء: أنّ كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. وذلك من غاية حمقه، فإنّه إن صدق الكاهن لم يندفع بالقتل، وإن كذب فما وجه القتل؟
وقال السدّي: رأى فرعون في منامه أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس حتّى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل. فسأل علماء قومه، فقالوا له: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك ملكك على يده.
( إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء والأولياء لتخيّل فاسد.
( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَ ) أن نتفضّل( عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) بإنقاذهم من شدّة عذابه ونقمته. وهذا حكاية حال ماضية، معطوفة على( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا ) من حيث إنّهما واقعان تفسيرا للنبأ. أو حال من «يستضعف» أي: يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن نمنّ عليهم. ولا يلزم من مقارنة الإرادة للاستضعاف مقارنة المراد له، لجواز أن يكون تعلّق الإرادة به تعلّقا استقباليّا. مع أنّ منّة الله بخلاصهم لـمّا كانت قريبة الوقوع منه، جاز أن تجري مجرى المقارن. فلا يرد منه أنّه كيف يجتمع استضعافهم، وإرادة الله المنّة عليهم؟ وإذا أراد الله شيئا كان، ولم يتوقّف إلى وقت آخر.
( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ) مقدّمين في أمر الدين والدنيا، يطأ الناس أعقابهم، ويقتفون آثارهم. وهذا التفسير جامع ما نقل عن ابن عبّاس: أنّ معناه: قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد: دعاة إلى الخير. وعن قتادة: ولاة، كقوله:( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) (٢) .
__________________
(١) خبر لقوله: وقوله، قبل سطر، أي: قوله تعالى: «يذبّح ...» بدل من جملة: «يستضعف ...».
(٢) المائدة: ٢٠.
( وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ) يرثون فرعون وقومه، ملكهم وكلّ ما كان لهم.
( وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ) أرض مصر والشام. وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكانا يتمكّن فيه ويقعد عليه أو يرقد، ثمّ استعير للتسليط وتنفيذ الأمر على الإطلاق.
( وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ ) وزيره الأعظم( وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ) من بني إسرائيل( ما كانُوا يَحْذَرُونَ ) من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على يد مولود منهم.
وقرأ حمزة والكسائي: ويرى بالياء، و( فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما ) بالرفع.
قال الضحّاك: عاش فرعون أربعمائة سنة. وكان قصيرا دميما(١) . وهو أوّل من خضب بالسواد. وعاش موسىعليهالسلام مائة وعشرين سنة.
وقد صحّت الرواية عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال: «والّذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها(٢) ، عطف الضروس على ولدها. وتلا عقيب ذلك:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) الآية».
وروى العيّاشي بالإسناد عن أبي الصبّاح الكناني، قال: «نظر أبو جعفرعليهالسلام إلى أبي عبد اللهعليهالسلام ، فقال: هذا والله من الّذين قال الله:( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ) الآية».
وقال سيّد العابدين عليّ بن الحسينعليهماالسلام : «والّذي بعث محمّدا بالحقّ بشيرا ونذيرا، إنّ الأبرار منّا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإنّ عدوّنا وأشياعه بمنزلة فرعون وأشياعه».
ثمّ بيّن سبحانه كيف دبّر في إهلاك فرعون وقومه، منبّها بذلك على كمال
__________________
(١) الدميم: الحقير القبيح المنظر.
(٢) شمس يشمس شماسا: امتنع وأبى، وأبدى عداوته. والناقة الضروس: السيّئة الخلق، تعضّ حالبها.
قدرته وحكمته، فقال :
( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) )
( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ) وألهمناها وقذفنا في قلبها. وعن الجبائي: كان هذا الوحي رؤيا منام.( أَنْ أَرْضِعِيهِ ) ما أمكنك إخفاؤه( فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ ) من أن يأخذه بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون في تطلّب الولدان ويقتلوه( فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ ) في البحر. يريد نيل مصر.
( وَلا تَخافِي ) عليه من ضياعه ووقوعه في يد بعض العيون( وَلا تَحْزَنِي ) أي: لفراقه، فإنّ الخوف غمّ يلحق الإنسان لمتوقّع، والحزن غمّ يلحقه لواقع، وهو الفراق هاهنا. فنهيت عنهما جميعا، وأومنت بالوحي إليها، ووعدت ما يسلّيها، ويطمئن قلبها، ويملؤها غبطة وسرورا بهذا القول.
( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) سالما عن قريب بحيث تأمنين عليه( وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .
وفي هذه الآية أمران ونهيان، وخبران وبشارتان. وحكي أنّ بعضهم سمع بدويّة تنشد أبياتا فقال لها: ما أفصحك! فقالت: الفصاحة لله تعالى، وذكرت هذه الآية وما فيها.
قيل: إنّه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
وروي: أنّها لـمّا ضربها الطلق دعت قابلة من الموكّلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها، فقالت لها: لينفعني حبّك اليوم، فعالجتها. فلمّا وقع موسى على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كلّ مفصل منها، ودخل حبّه في قلبها. ثمّ قالت: ما جئتك إلّا لأقبل مولودك، وأخبر فرعون، ولكنّي وجدت لابنك حبّا ما وجدت مثله، فاحفظيه.
فلمّا خرجت جاء عيون فرعون، فلفّته في خرقة ووضعته في تنّور مسجور، لأنّها لم تعلم ما تصنع، لـما طاش من عقلها. فطلبوا فلم يلقوا شيئا، ورأو أمّ موسى لم يتغيّر لها لون، ولم يظهر لها لبن، فخرجوا من عندها. وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنّور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما. فأرضعته ثلاثة أشهر، خيفة من الناس عليه.
ثمّ ألحّ فرعون في طلب المواليد، واجتهد العيون في تفحّصها. فخافت على ابنها، فانطلقت إلى نجّار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا: فقال النجّار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: إنّ لي ابنا أخبؤه(١) في التابوت. وكرهت الكذب.
فلمّا اشترت التابوت وحملته، انطلق النجّار إلى الذبّاحين ليخبرهم بأمر امّ موسى، فلم يطق الكلام. فرجع وأخذ في النجر، فانطلق لسانه. فرجع ثانيا، فلمّا انتهى إليهم اعتقل لسانه. هكذا ثلاث مرّات، فعلم أنّ ذلك أمر إلهيّ.
__________________
(١) خبأ الشيء: ستره وأخفاه.
ثمّ طليت امّ موسى داخل التابوت بالقار(١) ، فوضعت موسى فيه وألقته في النّيل، والنيل جاء بالتابوت إلى موضع فيه فرعون وامرأته على النيل.
( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ) أي: أصابوه وأخذوه من غير طلب( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) . وقرأ حمزة والكسائي: وحزنا. وهما لغتان، كالعدم والعدم. تعليل لالتقاطهم إيّاه بما هو عاقبته ومؤدّاه، تشبيها له بالغرض الحامل عليه. فمعنى التعليل فيها ورد على طريق المجاز دون الحقيقة، فإنّه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا وحزنا، ولكنّ المحبّة والتبنّي، إلّا أنّه لـمّا كان ذلك نتيجة التقاطهم وثمرته، شبّه بالداعي الّذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، كالإكرام الّذي هو نتيجة المجيء، والتأدّب الّذي هو ثمرة الضرب، في قولك: جئتك لتكرمني، وضربته ليتأدّب. وتحريره: أنّ هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لـما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد.
( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ) في كلّ شيء. فليس الخطأ ببدع منهم في أن قتلوا ألوفا لأجله، ثمّ أخذوه يربّونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون. والجملة معترضة لتأكيد خطئهم.
وقيل: المعنى: كانوا مذنبين، فعاقبهم الله تعالى بأن ربّى عدوّهم على أيديهم. فتكون الجملة لبيان الموجب لـما ابتلوا به.
روي: أنّهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه فلم يقدروا عليه، فعالجوا كسره فأعياهم. فدنت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، فرأت في جوف التابوت نورا، فعالجته ففتحته، فإذا بصبّي نوره بين عينيه، وهو يمصّ إبهامه لبنا، فألقى الله في قلبها محبّة موسى. وكانت لفرعون بنت برصاء من آسية، وقالت له الأطبّاء: لا تبرأ إلّا من قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان دواؤها ريقه. فلطخت البرصاء برصها
__________________
(١) القار والقير: مادّة سوداء تطلى بها السفن.
بريقه فبرئت. وقيل: لـمّا نظرت إلى وجهه برئت، فقالت: إنّ هذه لنسمة مباركة.
فهذا أحد ما عطفهم عليه. فقال الغواة من قومه: هو الصبيّ الّذي نحذر منه، فأذن لنا في قتله. فهمّ بذلك( وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ ) لفرعون بعد أن سمعت هذا القول من الغواة، وفهمت همّه بقتله( قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ) هو قرّة عين لنا، لـما شاهدنا منه، من نور بين عينيه، وارتضاعه من إبهامه لبنا، وبرء البرصاء بريقه.
وفي الحديث: «إنّ فرعون قال لامرأته عند هذا القول: لك لا لي. ولو قال: هو لي، كما قال: هو لك، لهداه الله كما هداها».
وكانت آسية امرأة من بني إسرائيل استنكحها فرعون. وهي من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء. وكانت امّا للمؤمنين، ترحمهم وتتصدّق عليهم، ويدخلون عليها.
وروي: أنّ فرعون لـمّا نظر إلى موسى غاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟ قالت آسية وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة، وإنّما أمرت أن يذبح الولد لهذه السنة.
( لا تَقْتُلُوهُ ) خطاب بلفظ الجمع للتعظيم. أو خطاب لفرعون والمأمورين بقتله.( عَسى أَنْ يَنْفَعَنا ) فإنّ فيه مخايل اليمن ودلائل النفع( أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) أو نتبنّاه، فإنّه أهل للتبنّي( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) حال من الملتقطين في قوله:( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ) . أو من القائلة والمقول له، أي: وهم لا يشعرون أنّهم على الخطأ في التقاطه، أو في طمع النفع منه والتبنّي له.
( وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً ) صفرا من العقل، لـما دهمها من فرط الخوف والجزع والدهش، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله:( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) (١) أي: خلاء لا عقول فيها. وذلك أنّ القلوب مراكز العقول، ألا ترى إلى
__________________
(١) إبراهيم: ٤٣.
قوله تعالى:( فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ) (١) .
وعن ابن عبّاس: معناه: خاليا من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى، أي: صار فارغا له.
وعن الحسن: فارغا من الوحي الّذي أوحي إليها بنسيانها، فإنّها نسيت ما وعدها الله تعالى به.
( إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) إنّها كادت لتظهر بموسى، أي: بأمره وقصّته من فرط الضجر، أو الفرح لتبنّيه( لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ) بإلهام الصبر والثبات، كما يربط على الشيء المنفلت ليقرّ ويطمئنّ. أو لولا أنّا طمأنّا قلبها، وسكّنّا قلقه الّذي حدث به من شدّة الفرح والابتهاج، كادت لتبدي بأنّه ولدها، لأنّها لم تملك نفسها فرحا وسرورا بما سمعت من تبنّي فرعون إيّاه. فحذف جواب «لولا» لدلالة ما قبله عليه.
وقوله:( لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) علّة الربط، أي: فعل ذلك ليكون من المصدّقين بوعد الله، وهو قوله:( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) . أو من الواثقين بحفظه، لا بتبنّي فرعون وتعطّفه.
( وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) )
__________________
(١) الحجّ: ٤٦.
ثمّ ذكر سبحانه لطف صنعه في تسخيره لفرعون، حتّى تولّى تربية موسىعليهالسلام ، فقال:( وَقالَتْ ) امّ موسى( لِأُخْتِهِ ) مريم. وعن الضحّاك: كلثمة.
( قُصِّيهِ ) اتّبعي اثره، وتتبّعي خبره. فذهبت فوجدت آل فرعون أخرجوا التابوت وأخرجوا موسى.( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ) عن جنابة، بمعنى: عن بعد( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أنّها تقصّ، أو أنّها أخته. وإنّما كرّر هذا القول، تنبيها على أنّ فرعون لو كان إلها لكان يشعر بهذه الأمور.
( وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ ) التحريم هنا استعارة للمنع، لأنّ من حرّم عليه الشيء فقد منعه. فالمعنى: ومنعناه أن يرتضع من ثدي المرضعات. جمع مرضع.
وهي المرأة الّتي ترضع. أو جمع مرضع. وهو الرضاع، أو موضعه، يعني: الثدي.( مِنْ قَبْلُ ) من قبل قصصها اثره.
( فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ) لأجلكم.( وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ) لا يقصّرون في إرضاعه وتربيته. والنصح إخلاص العمل من شائبة الفساد.
روي: أنّها لـمّا قالت:( وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ) قال هامان: إنّها لتعرفه وتعرف أهله، خذوها حتّى تخبر بحاله.
فقالت: إنّما أردت: وهم للملك ناصحون. فأمسكوا عنها.
فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله. فانطلقت إلى امّها فأخبرتها بأمرهم.
فأتت بها، وموسى على يد فرعون يبكي لطلب الرضاع، وهو يعلّله شفقة عليه.
فلمّا وجد ريح امّه استأنس والتقم ثديها.
فقال لها: من أنت منه، فقد أبى كلّ ثدي إلّا ثديك؟
فقالت: إنّي امرأة طيّبة الريح، طيّبة اللبن، لا أوتى بصبي إلّا قبلني.
فدفعه إليها، وأجرى عليها. فرجعت به إلى بيتها من يومها.
فأنجز الله وعده في الردّ. وهو قوله تعالى:( فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها )
بولدها( وَلا تَحْزَنَ ) بفراقه( وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ ) علم مشاهدة، فعند ذلك ثبت واستقرّ في علمها أن سيكون نبيّا( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أنّ وعد الله حقّ فيرتابون فيه. أو أنّ الغرض الأصلي من الردّ علمها بذلك، وما سواه ـ من قرّة العين، وذهاب الحزن ـ تبع له.
وفيه شبه تعريض بما فرط منها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، فجزعت وأصبح فؤادها فارغا.
( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) )
( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) مبلغه الّذي لا يزيد عليه نشؤه. وذلك من ثلاثين إلى أربعين سنة، فإنّ العقل يكمل حينئذ. وروي: أنّه لم يبعث نبيّ إلّا على رأس الأربعين.( وَاسْتَوى ) واعتدل قدّه، وتمّ استحكام عقله، بحيث لا يزاد عليه( آتَيْناهُ حُكْماً ) نبوّة( وَعِلْماً ) بالدين، من أحكام التوراة، وسنن الأنبياء وحكمهم. أو علم الحكماء والعلماء وسمتهم قبل استنبائه، فلا يقول ولا يفعل ما يستجهل فيه. وهذا أوفق لنظم القصّة، لأنّ استنباءه بعد الهجرة في المراجعة.
( وَكَذلِكَ ) مثل ذلك الّذي فعلنا بموسى وامّه( نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) على إحسانهم.
( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ) دخل مصرا آتيا من قصر فرعون. وقيل: مدينة منف(١) من أرض مصر. أو اسكندريّة. أو عين شمس من نواحيها.( عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها ) في وقت لا يعتاد دخولها، ولا يتوقّعونه فيه. وقيل: كان ذلك بين العشاءين. وقيل: وقت القيلولة. وقيل: يوم عيد لهم، وهم مشتغلون فيه بلهوهم.
وقيل: لـمّا شبّ وعقل أخذ يتكلّم بالحقّ وينكر عليهم، فأخافوه، فلا يدخل قرية إلّا على تغفّل.
وعن السدّي: أنّه كان موسى حين كبر يركب في مواكب فرعون، فلمّا جاء ذات يوم قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فلمّا كان وقت القائلة دخل المدينة ليقيل.
وعن ابن إسحاق: إنّ بني إسرائيل كانوا يجتمعون إلى موسى، ويسمعون كلامه، ولـمّا بلغ أشدّه خالف قوم فرعون، فاشتهر ذلك منه، فأخافوه، فكان لا يدخل مصر إلّا خائفا، فدخلها على حين غفلة.
__________________
(١) كذا في النسخة الخطّيّة، ولعلّها منوف. وفي معجم البلدان (٥ / ٢١٦): منوف: من قرى مصر القديمة.
وعن ابن زيد: إنّ فرعون أصرّ بإخراجه من البلد، فلم يدخل إلّا الآن.
( فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ ) يختصمان في أمر الدنيا. وعن الجبائي: في أمر الدين.( هذا مِنْ شِيعَتِهِ ) ممّن شايعه على دينه من بني إسرائيل. وقيل: هو السامريّ.( وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ) ممّن خالفه في الدين، من القبط. وهو فاتون. وكان يتسخّر الإسرائيليّ لحمل الحطب إلى مطبخ فرعون. والإشارة على سبيل الحكاية.
( فَاسْتَغاثَهُ ) استنصره( الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) فسأله أن يغيثه بالإعانة. ولذلك عدّي بـ «على».
روى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «ليهنئكم(١) الاسم. قال، قلت: وما الاسم؟ قال: الشيعة. أما سمعت الله سبحانه يقول:( فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ».
( فَوَكَزَهُ مُوسى ) فضرب القبطيّ في صدره بجمع كفّه، حين قبضها بأطراف الأصابع لتخليص من قصد إليه.
( فَقَضى عَلَيْهِ ) فقتله. وأصله: فأنهى حياته. من قوله تعالى:( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ ) (٢) أي: أنهيناه إليه، وأبلغناه ذلك. يقال: قضيت عليه وقضيته، إذا فرغت منه وأتممته. والمراد: أنّ تخليص السبطي من يد القبطي أدّى إلى قتل القبطي. ولا شبهة أنّ كلّ ألم يقع على الظالم على سبيل المدافعة، من غير أن يكون مقصودا لذاته، فهو حسن غير موصوف بالقبح.
( قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) أي: بسببه، حتّى هيّج غضبي، بحيث سلب عنّي اختياري، فضربته بالوكزة الشديدة فقتل.
وقيل: إنّ موسى لم يؤمر بقتل الكفّار يومئذ، لأنّ الحال كانت مقتضية للكفّ
__________________
(١) أي: ليسرّكم. والعرب تقول: ليهنئك الولد. ومعناه: ليسرّك.
(٢) الحجر: ٦٦.
عن القتال. وهو عند فرط الغضب لأجل العصبيّة الدينيّة ذهل عن هذا، فأسند ذهوله عنه إلى الشيطان.
وذكر علم الهدىقدسسره في توجيهه وجهين: «أحدهما: أنّه أراد أن تزيين قتلي له، وتركي لـما ندبت إليه من تأخيره، وتفويتي ما استحقّه عليه من الثواب، من عمل الشيطان.
والآخر: أنّه يريد أنّ عمل المقتول من عمل الشيطان. يبيّن موسىعليهالسلام بذلك أنّه مخالف لله، ومستحقّ للقتل»(١) .
ثمّ ذمّ الشيطان بقوله:( إِنَّهُ عَدُوٌّ ) لبني آدم( مُضِلٌّ مُبِينٌ ) ظاهر الإضلال والعداوة.
ثمّ حكى سبحانه أنّ موسى حين قتل القبطيّ ندم على ترك فعل الندب، فقال:( قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بقتله، فإنّهم لو علموا بذلك لقتلوني( فَاغْفِرْ لِي ) فاقبل منّي الانقطاع إليك، والقربة والطاعة إليك، ولا تحرمني عن الثواب الّذي يترتّب على فعل الندب. كما قال المرتضىقدسسره : «إنّما قاله على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه، أو من حيث إنّه حرّم نفسه الثواب المستحقّ بفعل الندب»(٢) . أو المعنى: فاسترني عن نظر أعدائي، كيلا يقتلوني لأجل إعانتي أولياءك، فإنّ الغفران بمعنى الستر.
( فَغَفَرَ لَهُ ) فقبل منه هذا الانقطاع، وأعطاه ثواب فعل الندب، أو صرف عنه كيد الأعداء( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ) لعباده( الرَّحِيمُ ) بهم، المنعم عليهم.
( قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَ ) قسم محذوف الجواب، أي: أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة وغيرها، لأتوبنّ عن ترك الندب( فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ) معينا
__________________
(١) تنزيه الأنبياء: ٦٨.
(٢) تنزيه الأنبياء: ٦٨.
ومظاهرا للمشركين. أو استعطاف، كأنّه قال: ربّ اعصمني عن الأعداء، أو قبل انقطاعي إليك، بحقّ ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين.
وقيل: معناه: بما أنعمت عليّ من القوّة، فلن استعملها إلّا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك، ولا أدع قبطيّا يغلب أحدا من بني إسرائيل.
وفي هذا دلالة على أنّ مظاهرة المجرمين جرم ومعصية، ومظاهرة المؤمنين طاعة. وإنّما ظاهر موسى من كان ظاهر الإيمان، وخالف ونازع من كان ظاهر الكفر.
وعن عطاء بن أبي رباح: أنّ رجلا قال له: إنّ أخي يكتب لفلان، ولا يزيد على كتبه دخله وخرجه، فإن أخذ منه
أجرا كان له غنى، وإن لم يأخذ اشتدّ فقره وفقر عياله. فقال عطاء: أما سمعت قول الرجل الصالح:( رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ) .
وفي الحديث: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة؟ حتّى من لاق لهم دواة، أو برى(١) لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى به في جهنّم».
( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ ) في اليوم الثاني( خائِفاً ) من قتل القبطي( يَتَرَقَّبُ ) يترصّد الاستقادة منه. وعن ابن عبّاس: ينتظر ما يقال فيه من قتل القبطي. يعني: أنّه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنّه هو الّذي قتل القبطي، فكان يتجسّس في شأنه.
( فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ) يستغيثه. مشتقّ من الصراخ. قال ابن عبّاس: لـمّا فشا أمر القتل قيل لفرعون: إنّ بني إسرائيل قتلوا منّا رجلا. قال :
__________________
(١) برى القلم: نحته.
أتعرفون قاتله؟ ومن يشهد عليه؟ قالوا: لا. فأمرهم بطلبه. فبينا هم يطوفون إذ مرّ موسى من الغد، وأتى ذلك الإسرائيلي يطلب نصرته ويستغيث به.
( قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) بيّن الغواية، لأنّك تسبّبت لقتل رجل وتقاتل آخر، فإنّ من خاصم آل فرعون مع كثرتهم فإنّه غويّ، أي: خائب فيما يطلبه، عادل عن الصواب فيما يقصده.
( فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ ) أن يأخذ بشدّة( بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ) لموسى والإسرائيلي. يعني: القبطي، فإنّه لم يكن على دينهما، ولأنّ القبط كانوا أعداء بني إسرائيل.( قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ) .
عن ابن عبّاس وأكثر المفسّرين: أنّ قائل هذا القول الاسرائيلي، لأنّه لـمّا سمّاه غويّا ظنّ أن يبطش به.
وعن الحسن: أنّه القبطي، لأنّه قد اشتهر أمر القتل بالأمس، وأنّه قتله بعض بني إسرائيل، فيؤدّي ذهنه إلى أنّه أراد أن يبطش به. أو اشتهر أنّ الّذي قتل القبطيّ بالأمس لهذا الإسرائيلي.
( إِنْ تُرِيدُ ) ما تريد( إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ ) تطاول على الناس، وتفعل ما تريد من الضرب والقتل ظلما وعدوانا، ولا تدفع بالّتي هي أحسن، ولا تنظر في العواقب. وقيل: المتعظّم الّذي لا يتواضع لأمر الله.
( وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) بين الناس، فتدفع التخاصم بالّتي هي أحسن.
( وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ
رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) )
ولـمّا قال هذا انتشر الحديث، وارتقى إلى فرعون وملئه، وهمّوا بقتله، فخرج مؤمن آل فرعون. وهو حزقيل ابن عمّ فرعون. وقيل: اسمه شمعون. وقيل: سمعان. فأتاه ليخبره كما قال:( وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) من آخر مصر( يَسْعى ) يسرع في المشي حتّى سبقهم إلى موسى. وهذا صفة لـ «رجل». أو حال منه، إذا جعل( مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) صفة له، لأنّ تخصيصه بها يلحقه بالمعارف. وإذا جعل صلة لـ «جاء» لم يجز إلّا الوصف.
( قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ ) الأشراف من آل فرعون( يَأْتَمِرُونَ بِكَ ) يتشاورون بسببك( لِيَقْتُلُوكَ ) وإنّما سمّى التشاور ائتمارا، لأنّ كلّا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر.( فَاخْرُجْ ) من أرض مصر( إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) في هذا. واللام للبيان. وليس صلة للناصحين، لأنّ معمول الصلة لا يتقدّم الموصول.
ثمّ بيّن سبحانه خروج موسى من مصر إلى مدين، فقال:( فَخَرَجَ مِنْها ) من مدينة فرعون( خائِفاً يَتَرَقَّبُ ) لحوق طالب في الطريق( قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) خلّصني منهم، واحفظني من لحوقهم.
روي: أنّ موسىعليهالسلام خرج بغير زاد ولا ماء ولا حذاء، وكان لا يأكل إلّا من حشيش الصحراء، فما وصل مدين حتّى سقط خفّ قدمه.
( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ ) صرف وجهه إلى جهتها. وهي قرية شعيبعليهالسلام . سمّيت باسم مدين بن إبراهيم، ولم تكن في سلطان فرعون. وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيّام.
وعن ابن عبّاس: خرج موسى متوجّها نحو مدين، وليس له علم بالطريق إلّا حسن ظنّه بربّه، ولهذا( قالَ ) توكّلا على الله( عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي ) يرشدني( سَواءَ السَّبِيلِ ) الطريق السويّ، أي: وسطه المؤدّي إلى مدين.
روي: أنّه عنّ له ثلاث طرق، فأخذ في أوسطها، فإنّ الأخذ يمينا وشمالا تباعد عن طريق الصواب. ولهذا قال: سواء الطريق. قيل: جاء الطلّاب عقيبه، فأخذوا في الآخرين.
وروي: أنّه جاء ملك على فرس بيده عنزة، فانطلق به إلى مدين.
( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ ) وصل إليه. وهو بئر كانوا يسقون منها.( وَجَدَ عَلَيْهِ ) وجد فوق شفيرها ومستقاها( أُمَّةً ) جماعة كثيرة( مِنَ النَّاسِ ) من أناس مختلفين( يَسْقُونَ ) مواشيهم( وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ ) في مكان أسفل من مكانهم( امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ ) تمنعان أغنامهما عن الماء، لئلّا تختلط بأغنامهم. أو لأنّ على الماء من هو أقوى منهما، فلا يتمكّنان من السقي، فينتظران خلوّ مكان السقي عنهم. أو لكراهتهما المزاحمة على الماء. أو تذودان عن وجوههما نظر الناظر، لتستّرهما.
( قالَ ما خَطْبُكُما ) ما شأنكما تذودان؟ وحقيقته: ما مخطوبكما؟ أي: مطلوبكما من الذياد. كما سمّي المشؤن شأنا في قولك: ما شأنك؟ يقال: شأنت شأنه، أي: قصدت قصده.
( قالَتا ) إنّا امرأتان ضعيفتان مستورتان، لا نقدر على مساجلة(١) الرجال ومزاحمتهم، وما لنا رجل يقوم بذلك، فلأجل ذلك( لا نَسْقِي ) أي: نؤخّر السقي( حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ ) تصرف الرعاة مواشيهم عن الماء. وحذف المفعول، لأنّ الغرض هو بيان ما يدلّ على عفّتهما، ويدعوه إلى السقي لهما. والرعاء: اسم جمع، كالرخال للأناثى من أولاد الضأن. والجمع الرعاء بالكسر. وقرأ أبو عمرو وابن عامر: يصدر، أي: ينصرف.
( وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) كبير السنّ، قد أضعفه الكبر، فلا يستطيع أن يخرج للسقي، فيرسلنا اضطرارا. وفيه تعريض للطلب من موسى أن يعينهما على السقي.
وقيل: إنّما قالتا ذلك اعتذارا إلى موسى في الخروج بغير محرم.
( فَسَقى لَهُما ) مواشيهما رحمة عليهما.
وروي: أنّ الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا، لا يقلّه إلّا سبعة رجال ـ وقيل: عشرة، وقيل: أربعون، وقيل: مائة ـ فأقلّه وحده، مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم.
وروي: أنّه سألهم دلوا من ماء، فأعطوه دلوهم وقالوا: استق بها لو أمكنك.
وكانت لا ينزعها إلّا أربعون. فاستقى بها، وصبّها في الحوض، ودعا بالبركة، وروّى غنمهما وأصدرهما. وروي: أنّه دفعهم عن الماء حتّى سقى لهما.
وقيل: كانت بئرا اخرى عليها الصخرة، فرفعها فاستقى منها. وإنّما فعل هذا رغبة في المعروف، وإغاثة للملهوف.( ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِ ) ظلّ شجرة، فجلس تحتها من شدّة الحرّ وهو جائع( فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما ) لأيّ شيء( أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
__________________
(١) السجل: الدلو إذا كان فيه ماء. وساجله مساجلة: باراه وفاخره وعارضه في قول أو عمل. والمعنى: لا نقدر على معارضة الرجال ومزاحمتهم.
قليل أو كثير( فَقِيرٌ ) محتاج. عدّي «فقير» بـ «إلى»، إلّا أنّه عدّي هاهنا باللام، لأنّه ضمّن معنى: سائل وطالب.
وقال أمير المؤمنينعليهالسلام : «والله ما سأله إلّا خبزا يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقلة ترى من شفيف(١) صفاق بطنه، لهزاله، وتشذّب لحمه».
وعن ابن عبّاس: ما سأل نبيّ الله إلّا خبزا يقيم به صلبه.
وقيل: معناه: إنّي فقير من الدنيا، لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدارين، وهو النجاة من الظالمين، لأنّه كان عند فرعون في ملك وثروة، فقال ذلك رضا بالبدل السنيّ، وفرحا به، وشكرا له. وكان الظلّ ظلّ شجرة.
وروي: أنّهما لـمّا رجعتا إلى أبيهما قبل الناس، وأغنامهما حفّل(٢) بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا. فقال :
( فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى
__________________
(١) الشفيف: ما رقّ فظهر ما وراءه. والصفاق: الجلد الأسفل الذي يمسك البطن. وتشذّب لحمه: تفرّق.
(٢) الحفّل جمع حافل. يقال: ضرع حافل، أي: ممتلئ لبنا. والبطان من: بطن يبطن بطنا، إذا عظم بطنه من الشبع.
ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما ) وهي كبراهما على رواية وهب. واسمها صفوراء أو صفراء. والأصحّ أنّها صغراهما، واسمها صفيراء.( تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ ) في موضع الحال، أي: مستحية متخفّرة، أي: شديدة الحياء. وقيل: قد استترت بكمّ درعها.
( قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ ) ليكافئك( أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا ) جزاء سقيك غنمنا.
وروي: أنّ موسى أجابها ليتبرّك برؤية الشيخ، ويستظهر بمعرفته، لا طمعا في الأجر، لـما نقل أنّه لـمّا جاءه وأخبره قصّته، وعرّفه أنّه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب، قدّم إليه طعاما فامتنع عنه، وقال: إنّا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا. قال شعيب: هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا، وأنّ من فعل معروفا وأهدي بشيء لم يحرم أخذه.
( فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ) هو مصدر كالعلل، سمّي به المقصوص. والمعنى: حدّث شعيبا ما حدث من قتل القبطي، وأنّهم يطلبونه ليقتلوه قصاصا.( قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يريد: فرعون وقومه. فلا سلطان له بأرضنا، ولسنا في مملكته.
( قالَتْ إِحْداهُما ) يعني: الّتي استدعته( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) اتّخذه أجيرا لرعي الغنم. ثمّ بيّنت علّة جامعة ودليلا واضحا على أنّه حقيق بالاستئجار، فقالت:( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُ ) في العمل( الْأَمِينُ ) فيما استودع. فجعل «خير» اسما، و «القويّ الأمين» خبرا، دون العكس، مبالغة وعناية. وذكر الفعل بلفظ الماضي، للدلالة على أنّه امرؤ مجرّب معروف.
روي: أنّ شعيبا قال لها: وما أعلمك بقوّته وأمانته؟ قالت: أمّا قوّته فلأنّه رفع الحجر العظيم الّذي لا يرفعه إلّا جماعة كثيرة. وأمّا أمانته فإنّه أطرق رأسه حتّى بلّغته رسالتك. وقال لي في الطريق: امشي خلفي فأنا أكره أن تصيب الريح ثيابك، فتصف لي عجزك.
ولـمّا ذكرت من حاله ما ذكرت، زاده ذلك رغبة فيه( قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ) من: أجرته إذا كنت له أجيرا، كقولك: أبوته إذا كنت له أبا، أي: تكون لي أجيرا( ثَمانِيَ حِجَجٍ ) في ثماني سنين. أو من: أجرته كذا إذا أثبته إيّاه. وحينئذ «ثماني حجج» كان مفعولا به على حذف مضاف، أي: على أن تثيبني رعية ثماني حجج. ومنه تعزية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «آجركم الله ورحمكم» أي: يثيبكم أجركم وجزاءكم. ومنه: المأجور بمعنى المثاب.
يعني: على أن تجعل جزائي وثوابي إيّاك، على أن أنكحك إحدى ابنتيّ، أن ترعى لي ثماني سنين. ولم يلزم منه أنه زوّجه إحدى ابنتيه من غير تعيين، كما هو المتبادر من الآية، لأنّ ذلك لم يكن عقدا للنكاح، بل مواعدة. ولو كان عقدا لقال: قد أنكحتك، ولم يقل: إنّي أريد أن أنكحك. فالمعنى: أنّ شعيبا بعد تلك المواعدة عيّن إحدى ابنتيه، وكانت هي الصغرى على الأصحّ، فزوّجها من موسى باستئجار المدّة المذكورة.
ولـمّا منع أبو حنيفة أن يتزوّج امرأة بأن يخدمها سنة مثلا، بل لا بدّ عنده من
تسليم ما هو مال، لم يجعل هذا الاستئجار مهرا، بل شرط ذلك في النكاح، وجعل المهر شيئا آخر ماليّا.
والأوّل أصحّ وأوفق لظاهر الآية، وموافق لمذهبنا ومذهب الشافعي. مع أنّه يمكن اختلاف الشرائع في ذلك.
( فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً ) عمل عشر حجج( فَمِنْ عِنْدِكَ ) فإتمامه من عندك تفضّلا، لا من عندي إلزاما عليك. يعني: لا ألزمكه، ولا أحتّمه عليك، ولكنّك إن فعلته فهو منك تفضّل وتبرّع، وإلّا فلا عليك. كما قال:( وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ) بإلزام إتمام الأجلين وإيجابه عليك. أو المناقشة في استيفاء الأعمال وإتمام العشرة.
وقيل: معناه: أن أكلّفك خدمة سوى رعي الغنم، لأنّه خارج عن الشرط.
واشتقاق المشقّة من الشقّ، فإنّ ما يصعب عليك يشقّ عليك اعتقادك في إطاقته، ورأيك في مزاولته باثنين، تقول تارة: أطيقه، وتارة لا أطيقه.
( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) في حسن المعاملة، ولين الجانب، والوفاء بالمعاهدة. والمراد باشتراط مشيئة الله فيما وعد من الصلاح: الاتّكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنّه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه.( قالَ ) أي: قال موسى لشعيب( ذلِكَ ) الّذي عاهدتني فيه( بَيْنِي وَبَيْنَكَ ) قائم بيننا لا نخرج عنه( أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ ) «ما» زائدة، أي: أيّ أجل من الأجلين :أطولهما الّذي هو العشر، أو أقصر هما الّذي هو الثمان( قَضَيْتُ ) وفيتك إيّاه، وأتممت وفرغت منه( فَلا عُدْوانَ عَلَيَ ) لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة عليه. ولـمّا كان المعنى: كما أنّي إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شكّ فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان. فلا يقال: تصوّر العدوان إنّما هو في أحد الأجلين الّذي هو الأقصر، وهو المطالبة بتتمّة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟
والحاصل: أنّ موسىعليهالسلام أراد بذلك تقرير الخيار، وأنّه ثابت مستقرّ، وأنّ الأجلين على السواء: إمّا هذا وإمّا هذا، من غير تفاوت بينهما في القضاء. وأمّا
التتمّة فموكولة إلى رأيي، إن شئت أتيت بها، وإلّا لم أجبر عليها.
وقيل: معناه: فلا أكون معتديا بترك الزيادة عليه، كقولك: لا إثم عليّ، ولا تبعة عليّ. وهو أبلغ في إثبات الخيرة.
روى الواحدي بالإسناد عن ابن عبّاس قال: «سئل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبطأهما»(١) .
وبالإسناد عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا سئلت أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرّهما، وإن سئلت أيّ المرأتين تزوّج؟ فقل: الصغرى منهما. وهي الّتي جاءت فقالت:( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) (٢) .
وكذلك روى الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «سئل أيّتها الّتي قالت: إنّ أبي يدعوك؟ قال: الّتي تزوّج بها. قال: فأيّ الأجلين قضى؟ قال: أوفاهما وأبعدهما عشر سنين. ثمّ قيل: فدخل بها قبل أن يمضي الشرط أو بعد انقضائه؟ قال: قبل أن ينقضي. قيل له: فالرجل يتزوّج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين، أيجوز له أن يدخل بها قبل انقضاء الشهر؟ قال: إنّ موسى علم أنّه سيتمّ له شرطه. قيل: كيف؟ قال: إنّه علم سيبقى حتّى يفي».
( وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ ) من المشارطة( وَكِيلٌ ) الّذي وكل إليه الأمر. ولـمّا استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت(٣) عدّي بـ «على». والمعنى: والله على ما نقول شاهد حفيظ.
روي: لـمّا زوّجها شعيب من موسى، أمر أن يعطى موسى عصا يدفع السباع عن غنمه بها، فأعطي العصا.
__________________
(١) تفسير الوسيط ٣: ٣٩٧، وفيه: أوفاهما وأطيبهما.
(٢) تفسير الوسيط ٣: ٣٩٧ ـ ٣٩٨.
(٣) المقيت: الحافظ للشيء، والشاهد له، والمقتدر، كالّذي يعطي كلّ أحد قوته. من: قات يقوت قوتا.
وقيل: إنّ شعيبا كانت عنده عصيّ الأنبياءعليهمالسلام ، فقال لموسىعليهالسلام بالليل: ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصيّ. فأخذ عصا هبط بها آدمعليهالسلام من الجنّة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتّى وقعت إلى شعيب، فمسّها وكان مكفوفا، فضنّ بها.
فقال: غيرها، أي: خذ غيرها. فما وقع في يده إلّا هي سبع مرّات، فعلم أنّ له شأنا.
وقيل: أخذها جبرئيل بعد موت آدم، فكانت معه حتّى لقي بها موسى ليلا.
وقيل: أودعها في يد شعيب ملك في صورة رجل، فدفعها إلى موسى. ثمّ ندم، لأنّها وديعة، فتبعه ليستردّها، فضنّا بها، ورضيا أن يحكم بينهما أوّل طالع. فأتاهما الملك فقال: ألقياها فمن رفعها فهي له. فعالجها الشيخ فلم يطقها، ورفعها موسى.
وعن الحسن: ما كانت إلّا عصا من شجر اعترضها اعتراضا. وعن الكلبي: من شجرة العوسج.
وروى عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللهعليهالسلام يقول: «كانت عصا موسى قضيب آس من الجنّة، أتاه به جبرئيل لـمّا توجّه تلقاء مدين».
وروي: أنّ شعيبا لـمّا أرسل موسى إلى المرعى مع الأغنام، قال له: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإنّ الكلأ وإن كان بها أكثر، إلّا أنّ فيها تنّينا، أخشاه عليك وعلى الغنم. فأخذت الغنم ذات اليمين، ولم يقدر على كفّها. فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام فإذا بالتنّين قد أقبل، فحاربته العصا حتّى قتلته وعادت إلى جنب موسى، فلمّا أبصرها دامية والتنّين مقتولا ارتاح لذلك. ولـمّا رجع إلى شعيب مسّ الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن. فأخبره موسى، ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأنا. وقال له: إنّي وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كلّ أدرع(١) ودرعا. فأوحي إليه في المنام: أن اضرب بعصاك
__________________
(١) درع الفرس وغيره: اسودّ رأسه، وابيضّ سائره. فهو أدرع. والأنثى: درعاء.
مستقى الغنم، ففعل. ثمّ سقى فما أخطأت واحدة إلّا وضعت أدرع ودرعاء. فوفى له بشرطه.
( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) )
( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ) وهو أقصى الأجلين، ومكث عند شعيب عشرا
أخر، ثمّ استأذنه في العود إلى مصر ليزور ووالديه وأخاه، فأذن له.
( وَسارَ بِأَهْلِهِ ) فأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها. فسار في البرّيّة غير عارف بالطريق، فألجأه المصير إلى جانب الطور الأيمن، في ليلة شديدة البرودة، وأخذ امرأته الطلق، وضلّ الطريق، وتفرّقت ماشيته، وأصابه المطر، فبقي لا يدري أين يتوجّه، فبينا هو كذلك( آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً ) أبصرها من الجهة الّتي تلي الطور.
( قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ ) بخبر الطريق( أَوْ جَذْوَةٍ ) عود غليظ، سواء كان في رأسه نار أو لم يكن. ولهذا بيّنه بقوله:( مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) تستدفئون بها. وقرأ عاصم بفتح الجيم، وحمزة بالضمّ، وغيرهما بالكسر. وكلّها لغات.
( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ ) أتاه النداء مبتدأ( مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ ) من الجانب الأيمن للوادي( فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ ) متّصل بالشاطئ، أو صلة لـ «نودي». وهي البقعة الّتي قال الله تعالى فيها لموسى:( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ) (١) .
وإنّما كانت مباركة، لأنّها معدن الوحي والرسالة وكلام الله تعالى. أو لكثرة الأشجار والأنهار والثمار والنعم بها. والأوّل أصحّ.
( مِنَ الشَّجَرَةِ ) بدل من «شاطئ» بدل الاشتمال، لأنّها كانت نابتة على الشاطئ.
( أَنْ يا مُوسى ) أي: يا موسى( إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) هذا وإن خالف ما في طه(٢) والنمل(٣) لفظا، فهو طبقه في المقصود، أي: موجد الكلام لك هو الله مالك
__________________
(١) طه: ١٢.
(٢) طه: ١١ ـ ١٢.
(٣) النمل: ٨ ـ ٩.
العالمين، وخالق الخلائق أجمعين، تعالى وتقدّس عن أن يحلّ في محلّ، أو يكون في مكان، لأنّه ليس بعرض ولا جسم.
( وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ ) فألقاها من يده، فصارت ثعبانا عظيما واهتزّت( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ ) في فرط السرعة مع عظم الجثّة، فاغرة فاها، ابتلعت كلّ ما أصابت من حجر وشجر( وَلَّى مُدْبِراً ) منهزما من الخوف( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) ولم يرجع إلى ذلك الموضع. فنودي( يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ) عن المخاوف، فإنّه لا يخاف لديّ المرسلون.
كرّر هذه القصّة في السور تقريرا للحجّة على أهل الكتاب، واستمالة بهم إلى الحقّ. ومن أحبّ شيئا أحبّ ذكره. والقوم كانوا يدّعون محبّة موسى، وكلّ من ادّعى اتّباع سيّده مال إلى من ذكره بالفضل. على أنّ كلّ موضع من مواضع التكرار لا تخلو من زيادة فائدة.
( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) أي: أدخلها فيه( تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أي: من غير عيب، كالبرص.
روي: أنّه لـمّا قلب الله العصا حيّة، فزع موسى واضطرب فاتّقاها ببسط يديه، كما يفعل الخائف من الشيء. فقيل له: إنّ اتّقاءك ببسط يدك فيه غضاضة(١) عند الأعداء، فإذا ألقيتها فتنقلب حيّة لا تفزع( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ ) يديك المبسوطتين تتّقي بهما الحيّة كالخائف الفزع، بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس.
( مِنَ الرَّهْبِ ) من أجل الرهب، أي: إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلّدا وضبطا لنفسك، فإنّك آمن من ضررها. أو بإدخالهما في الجيب. فيكون التكرير لاختلاف الغرضين. وذلك لأنّ الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء، وفي الثاني
__________________
(١) أى: ذلّة ومنقصة.
إخفاء الرهب وإظهار الجرأة على وجه العدوّ. وتسمية اليد بالجناح باعتبار أنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر.
ويجوز أن يراد بالضمّ التجلّد والثبات وضبط النفس عند انقلاب العصا حيّة، حتّى لا يضطرب ولا يرهب. استعارة من حال الطائر، فإنّه إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأنّ ضمّهما إليه.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر بضمّ الراء وسكون الهاء. وقرأ حفص بالفتح والسكون. وقرئ بضمّهما. والكلّ لغات.
( فَذانِكَ ) إشارة إلى العصا واليد. وشدّده ابن كثير وأبو عمرو ورويس.
( بُرْهانانِ ) حجّتان بيّنتان باهرتان. والبرهان فعلان، لقولهم: أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان. وبره الرجل، إذا ابيضّ. ويقال: برهان وبرهرهة، بتكرير العين واللام معا، للمرأة البيضاء. ونظيره تسميتهم إيّاها سلطانا، من السليط وهو الزيت، لإنارتها. وقيل: فعلان من قولهم: برهن.
( مِنْ رَبِّكَ ) على صدق نبوّتك ورسالتك( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) خارجين من طاعة الله إلى أعظم المعاصي، وهو الشرك. فكانوا أحقّاء بأن يرسل إليهم.
( قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) بتلك النفس.
( وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ) وإنّما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه.
وقد مضى(١) ذكر سببها وإزالتها بدعائه، والتوفيق بينه وبين هذا القول.
( فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً ) معينا على تبليغ رسالتك. يقال: ردأه إذا أعانه. وفي الأصل اسم مايعان به. فعل بمعنى مفعول، كالدفء. وقرأ نافع: ردا بالتخفيف.
( يُصَدِّقُنِي ) بتلخيص الحقّ، وتقرير الحجّة، وتزييف الشبهة. وقرأ عاصم
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ٢٣٥، ذيل الآية ٢٧ من سورة طه، وج ٥ ص ١٠، ذيل الآية ١٣ من سورة الشعراء.
وحمزة: يصدّقني(١) بالرفع، على أنّه صفة. وعلى التقديرين، ليس الغرض بتصديقه أن يقول له: صدقت، أو يقول للناس: صدق موسى، فإنّ سحبان وباقلا(٢) يستويان فيه، بل إنّما هو أن يلخّص بلسانه الحقّ، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفّار، فذلك جار مجرى التصديق المفيد، كما يصدّق القول بالبرهان. ألا ترى إلى قوله:( وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ) .
وقيل: المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه، ولكنّه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب. والدليل عليه قوله:( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) ولساني لا يطاوعني عند المحاجّة.
( قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) سنقوّيك به، فإنّ قوّة الشخص بشدّة اليد على مزاولة الأمور. ولذلك يعبّر عنها باليد، وشدّتها بشدّة العضد، فإنّ العضد قوام اليد، وبشدّتها تشتدّ اليد. ومن هاهنا يقال في دعاء الخير: شدّ الله عضدك، وفي ضدّه: فتّ(٣) الله في عضدك.
( وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ) غلبة وتسلّطا، أو حجّة واضحة( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) إلى الإضرار بكما باستيلاء أو حجاج( بِآياتِنا ) متعلّق بمحذوف، أي: اذهبا بآياتنا. أو بـ «نجعل» أي: نسلّطكما بها. أو بمعنى «لا يصلون»، أي: تمتنعون منهم بها. أو قسم جوابه «لا يصلون». أو بيان لـ «الغالبون» في قوله:( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ) . لا صلة، لامتناع تقدّم الصلة على الموصول. أو صلة له، على أنّ اللام فيه للتعريف، لا بمعنى الّذي. ولو تأخّر لم يكن إلّا صلة.
__________________
(١) وفي قراءة اخرى: يصدّقني، بالجزم جوابا لـ: فأرسله.
(٢) اسمان لرجلين يضرب بهما المثل، فسحبان مثل في الفصاحة، وباقل مثل في العيّ والبلاهة.
(٣) أي: كسر قوّتك، وفرّق عنك أعوانك.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) )
روي عن أبي جعفرعليهالسلام في حديث طويل قال: «فلمّا رجع موسىعليهالسلام إلى امرأته قالت: من أين جئت؟ قال: من عند ربّ تلك النار، أمرني أن أعود إلى فرعون، فتوجّه مع أهله إلى مصر.
ثمّ قالعليهالسلام : فو الله لكأنّي أنظر إليه طويل الباع، ذو شعر، آدم(١) ، عليه جبّة
__________________
(١) أدم أدما: اسمرّ. والآدم: الأسمر.
من صوف، عصاه في كفّه، مربوط حقوه بشريط(١) ، نعله من جلد حمار، شراكها من ليف.
فقيل لفرعون: إنّ على الباب فتى يزعم أنّه رسول ربّ العالمين.
فقال فرعون لصاحب الأسد: خلّ سلاسلها. وكان إذا غضب على رجل خلّاها فقطعته. فخلّاها. فقرع موسى الباب الأوّل، وكانت تسعة أبواب. فلمّا قرع الباب الأوّل انفتحت له الأبواب التسعة. فلمّا دخل جعلن يبصبصن(٢) تحت رجله، كأنّهنّ جراء.
فلمّا رآه فرعون بعيدا قال لجلسائه استهزاء وسخريّة: أرأيتم مثل هذا قطّ.
فلمّا قرب منه عرفه، فقال:( أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ) إلى قوله:( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) (٣) .
فقال فرعون لرجل من أصحابه: قم فخذ بيده. وقال للآخر: اضرب عنقه.
فضرب جبرئيل بالسيف حتّى قتل ستّة من أصحابه. فقال: خلّوا عنه.
قال: فأخرج يده فإذا هي بيضاء قد حال شعاعها بينه وبين وجهه. وألقى العصا فإذا هي حيّة، فالتقمت الإيوان(٤) بلحييها. فدعاه أن يا موسى أقلني إلى غد.
ثمّ كان من أمره ما كان، كما قال جلّت عزّته:( فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ ) بمعجزات ظاهرات الدلالة على صدق موسى( قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً ) تختلقه، لم يفعل قبله مثله. أو سحر تعمله
__________________
(١) الشريط: خوص مفتول يشدّ به السرير ونحوه.
(٢) بصبص الجرو: فتح عينيه. وبصبص الكلب: حرّك ذنبه. والجراء: أولاد السباع، كالكلب والأسد. والواحدة: جرو.
(٣) الشعراء: ١٨ ـ ٢٠.
(٤) الإيوان: المكان المتّسع من البيت يحيط به ثلاثة حيطان واللحيان: جانبا الفم.
أنت، ثمّ تفتريه على الله. أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر، وليس بمعجزة من عند الله.
( وَما سَمِعْنا بِهذا ) يعنون السحر( فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ) حال منصوبة عن «هذا»، أي: كائنا في أيّامهم.
يريدون: ما حدّثنا بكونه فيهم. ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا وعلموا بنحوه.
أو يريدوا أنّهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته. أو ما كان الكهّان يخبرون أنّه يظهر أحد بهذه الطريقة. وهذا دليل على أنّهم حجّوا وبهتوا.
أو يعنون ادّعاء النبوّة، مع اشتهار قصّة نوح وهود وصالح، وغيرهم من النبيّين الّذين دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته. وذلك لأحد أمرين: إمّا للفترة الّتي دخلت بين الوقتين والزمان الطويل. وإمّا لأنّ آباءهم ما صدّقوا بشيء من ذلك، ولا دانوا به. فيكون المعنى: ما سمعنا بآبائنا أنّهم صدّقوا الرسل فيما جاؤا به.
( وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ ) بحال من أهّله للفلاح الأعظم، حيث جعله نبيّا، وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى، يعني: نفسه. ولو كان كما تزعمون كاذبا ساحرا مفتريا، لـما أهلّه لذلك، لأنّه غنيّ حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبئ الساحرين، لأنّهم المبطلون الظالمون.
وقرأ ابن كثير: قال، بغير واو، لأنّه قال ما قاله جوابا لمقالهم. ووجه العطف: أنّ المراد حكاية القولين، ليوازن الناظر بينهما، فيميّز صحيحهما من الفاسد.
( وَمَنْ تَكُونُ ) وأعلم بمن تكون( لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ) العاقبة المحمودة، فإنّ المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصليّة هي الجنّة. والدليل عليه قولهعزوجل :( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) (١) . وقوله:( وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ) (٢) . فخلقت
__________________
(١، ٢) الرعد: ٢٢ ـ ٢٣ و ٢٤.
الدنيا مجازا إلى الآخرة. والمقصود منها بالذات هو الثواب، وأمّا العقاب فإنّما قصد بالعرض، لأنّ عاقبة الشرّ لا اعتداد بها عند الله، لأنّها من نتائج تحريف الفجّار الّذي هو خلاف ما وضع الله الآخرة له. فكان العاقبة الأصليّة إنّما هي عاقبة الخير، ولهذا اختصّت خاتمتها بالخير بهذه التسمية، دون خاتمتها بالشرّ.
وقرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء، لأنّ تأنيث العاقبة غير حقيقيّ.
( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى.
( وَقالَ فِرْعَوْنُ ) منكرا لـما أتى به موسى من آيات الله لـمّا أعياه الجواب، وعجز عن محاجّته( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ) يريد أشراف قومه( ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي ) نفى علمه بإله غيره، دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه. ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد إليه ويتطّلع على الحال، فقال:( فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ ) فأجّج النار( عَلَى الطِّينِ ) واتّخذ الآجرّ.
عن قتادة: أنّه أوّل من اتّخذ الآجرّ. ولذا لم يقل: اطبخ لي الآجرّ، بل أمره باتّخاذه على وجه يتضمّن تعليم الصنعة. وأمر هامان ـ وهو وزيره ورديفه ـ بالإيقاد على الطين، منادى باسمه بـ «يا» في وسط الكلام، دليل التعظّم والتجبّر.
( فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً ) قصرا وبناء عاليا( لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى ) أي: أصعد إليه، وأشرف عليه، وأقف على حاله. وهذا تلبيس من فرعون، وإيهام على العوام أنّ الّذي يدعو إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان والجهة. أو توهّم هو أنّه لو كان إله غيره لكان جسما في السماء، يمكن الترقّي إليه.
ثمّ قال:( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ) في ادّعائه إلها غيري، وأنّه رسوله.
ويجوز أن يكون مراده بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده. ومعناه: ما لكم من إله غيري، كما قال عزّ وعلا:( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي
الْأَرْضِ ) (١) فإنّ معناه: بما ليس فيهنّ. وذلك لأنّ العلم تابع للمعلوم، لا يتعلّق به إلّا على ما هو عليه، فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلّق به موجود. ومن ثمّ كان انتفاء العلم بوجوده، لا انتفاء وجوده. وعبّر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده.
وعلى هذا يكون «لأظنّه» بمعنى: لأعلمه. ويكون بناء الصرح مناقضة لـما ادّعاه من العلم واليقين، وقد خفيت على قومه، لغباوتهم وفرط جهلهم. أو لم تخف عليهم، لكن كلّ واحد كان يخاف على نفسه من سوطه وسيفه.
روي: أنّه لـمّا أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمّال حتّى اجتمع خمسون ألف بنّاء، سوى الأتباع والأجراء. وأمر بطبخ الآجرّ والجصّ، ونجر الخشب، وضرب المسامير. فشيّدوه حتّى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق. وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله جبرئيل عند غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطّعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عمّاله إلّا قد هلك.
ويروى في هذه القصّة: أنّ فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشّابة(٢) نحو السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم. فقال: قد قتلت إله موسى. فلأجل تلك الكلمة بعث الله جبرئيل لهدمه على الطريق المذكور.
( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ ) بغير استحقاق، فإنّ الاستكبار بالحقّ إنّما هو للهعزوجل ، وهو المتكبّر على الحقيقة، أي: المتبالغ في كبرياء الشأن. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما حكى عن ربّه: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار». وكلّ مستكبر سواه فاستكباره بغير الحقّ.
__________________
(١) يونس: ١٨.
(٢) النشّابة: السهم.
وملخّص المعنى: أنّ فرعون وجنوده رفعوا أنفسهم في الأرض فوق مقدارها بالباطل والظلم، وأنفوا وتعظّموا عن قبول الحقّ في اتّباع موسى.
( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ) بالنشور.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم.
( فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ ) فطرحناهم في البحر، كما مرّ بيانه.
وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ، واستحقار للمأخوذين. كأنّه أخذهم وإن كانوا الكثر الكثير والجمّ الغفير، وطرحهم في اليمّ، كما أخذ آخذ بحصيات في كفّه فطرحهنّ في البحر. ونظيره:( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) (١) . وما هي إلّا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وأنّ كلّ مقدور وإن عظم وجلّ فهو مستصغر إلى جنب قدرته.
( فَانْظُرْ ) يا محمّد، أي: تفكّر وتدبّر وانظر بعين قلبك( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) كيف أخرجناهم من ديارهم وأغرقناهم، وحذّر قومك عن مثلها.
( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً ) قدوة للضلال بالتخلية ومنع الألطاف الصارفة عنه، حتّى صمّموا على الكفر، وصاروا أئمّة فيه، دعاة إلى الكفر وسوء عاقبته. أو بالتسمية والدعوة، كقوله:( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) (٢) . والمعنى: دعوناهم أئمّة.
( يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) دعاة على وجه الاستمرار إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، كما يدعى خلفاء الحقّ أئمّة دعاة إلى الجنّة. ومن ذلك قولك: جعله بخيلا وفاسقا، إذا دعاه وقال: إنّه بخيل وفاسق.
( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) بدفع العذاب عنهم، كما ينصر الأئمّة الدعاة إلى الجنّة.
( وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ) طردا عن الرحمة. أو لعن اللاعنين، بأن
__________________
(١) الزمر: ٦٧.
(٢) الزخرف: ١٩.
يلعنهم الملائكة والمؤمنون.( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) من المطرودين، أو ممّن قبح وجوههم.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) )
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى ) أقوام نوح وهود وصالح ولوط( بَصائِرَ لِلنَّاسِ ) أنوارا لقلوبهم، أي: حججا ساطعة وبراهين نيّرة، تتبصّر بها الحقائق، وتميّز بين الحقّ والباطل. ونصبه على الحال. والبصيرة: نور القلب الّذي يستبصر به، كما أنّ البصر نور العين الّذي تبصر به.
( وَهُدىً ) وإرشادا إلى الشرائع الّتي هي سبل الله( وَرَحْمَةً ) لأنّهم لو عملوا بها نالوا رحمة الله( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ليكونوا على حال يرجى منهم التذكّر والاتّعاظ، أو إرادة أن يتذكّروا مشبّهين الإرادة بالترجّي، فاستعير لها.
عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ما أهلك الله قوما، ولا قرنا، ولا أمّة، ولا أهل قرية، بعذاب من السماء، منذ أنزل التوراة على وجه الأرض، غير أهل القرية الّذين مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله تعالى قال:( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى ) الآية».
( وَما كُنْتَ ) ما كنت حاضرا يا محمّد( بِجانِبِ الْغَرْبِيِ ) يريد الطور أو الوادي، فإنّه كان في شقّ الغرب. وهو المكان الّذي وقع فيه ميقات موسى، وكتب الله له في الألواح.( إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ ) إذ أوحينا إليه ـ الأمر، أو عهدنا إليه، وأحكمنا الأمر الّذي أردناه من الرسالة إلى فرعون وقومه.
( وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) للوحي إليه، أو على الوحي إليه وهم النقباء السبعون المختارون للميقات ـ حتّى تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسىعليهالسلام في ميقاته، وكتبة التوراة له في الألواح، وغير ذلك، فتخبر قومك به عن مشاهدة وعيان.
والمراد الدلالة على أنّ إخباره عن ذلك من قبيل الإخبار عن المغيّبات الّتي لا تعرف إلّا بالوحي، ولذلك استدرك عنه بقوله:( وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً ) أي: ولكنّا أوحينا إليك، لأنّا أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى( فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ ) على القرن
الّذي أنت فيهم( المر ) أمد انقطاع الوحي عنهم. فحرّمت الأخبار، وتغيّرت الشرائع، واندرست العلوم. فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وعلّمناك قصّة موسىعليهالسلام ، وغيرها من قصص الأنبياء. كأنّه قال: وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه، ولكنّا أوحيناه إليك. فذكر سبب الوحي ـ الّذي هو إطالة الفترة ـ وأقامه مقام مسبّبه، على عادة الله في اختصاراته.
( وَما كُنْتَ ثاوِياً ) مقيما( فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) وهم شعيب والمؤمنون به( تَتْلُوا عَلَيْهِمْ ) تقرأ عليهم تعلّما منهم. قال مقاتل: معناه: لم تشهد أهل مدين، فتقرأ على أهل مكّة( آياتِنا ) الّتي فيها قصّتهم( وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) ولكنّا أرسلناك، وأخبرناك بها، وعلّمناكها. فيدلّ ذلك على صحّة نبوّتك.
( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ) قيل: المراد به وقت ما أعطاه التوراة، وبالأوّل حينما استنبأه، لأنّهما المذكوران في القصّة. وقيل: بالعكس.
( وَلكِنْ ) علّمناك( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ) متعلّق بالفعل المحذوف( ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى. وهي خمسمائة وخمسون سنة. أو بينك وبين إسماعيل، على أنّ دعوة موسى وعيسى كانت مختصّة ببني إسرائيل وما حواليهم.( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) لكي يتّعظوا ويتفكّروا ويعتبروا، فيتنزّهوا عن المعاصي.
وفي هذا دلالة على وجوب فعل اللطف، فإنّ الإنذار والدعوة لطف من الله تعالى مقرّب منه.
( وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً ) «لولا» الأولى امتناعيّة، وجوابها محذوف، وهو: ما أرسلناك. والثانية تحضيضيّة. والفاء الأولى للعطف، والأخرى جواب «لولا»، لكونها في حكم الأمر، من قبل أنّ الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضّض من واد واحد.
والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: ربّنا هلّا أرسلت إلينا رسولا يبلّغنا آياتك( فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ) يعني: الرسول المصدّق بنوع من المعجزات( وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) من المصدّقين، لـمّا أرسلناك، أي: إنّما أرسلناك قطعا لعذرهم، وإلزاما للحجّة عليهم. وهو في معنى قوله:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (١) .
إن قيل: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول، لدخول حرف الامتناع عليها لا على القول؟
أجيب: أنّ القول هو المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل، لكن العقوبة لـمّا كانت هي السبب للقول، وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنّها سبب الإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها «لولا»، وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى السببيّة، المنبّهة على أنّ القول هو المقصود بأن يكون سببا، وأنّه لا يصدر عنهم حتّى تلجئهم العقوبة، فيؤول معناه إلى ما فسّرناه.
( فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ) وهو الرسول المصدّق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات، وقطعت معاذيرهم، وسدّ طريق احتجاجهم( قالُوا ) اقتراحا وتعنّتا( لَوْ لا أُوتِيَ ) هل أوتي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ) من نزول الكتاب جملة واحدة، واليد، والعصا، وفلق البحر، وغيرها من الآيات.
فاحتجّ عليهم بقوله:( أَوَلَمْ يَكْفُرُوا ) يعني: أبناء جنسهم، ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم. وهم الكفرة في زمن موسى.( بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ) من قبل وجودك ونزول القرآن.
( قالُوا سِحْرانِ ) أي: موسى وهارون. وعن ابن عبّاس: موسى
__________________
(١) النساء: ١٦٥.
ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .( تَظاهَرا ) تعاونا بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين.
وقرأ الكوفيّون: سحران، بمعنى ذوا سحر. أو جعلهما سحرين مبالغة في وصفهما. أو المراد التوراة والقرآن.
( وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍ ) أي: بكلّ منهما، أو بكلّ الأنبياء( كافِرُونَ ) .
( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما ) ممّا أنزل على موسى وعليّ.
وإضمارهما على قراءة «ساحران» لدلالة المعنى. وهو يؤيّد أنّ المراد بالساحرين موسى ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) إنّا ساحران مختلقان. وهذا من الشروط الّتي يراد بها الإلزام والتبكيت. والمجيء بحرف الشكّ للتهكّم بهم، فإنّ امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين، أمر معلوم متحقّق لا مجال فيه للشكّ.
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ) دعاءك إلى الإتيان بكتاب أهدى. فحذف المفعول للعلم به. ولأنّ فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدعاء، فيقال: استجاب الله دعاءه، وباللام إلى الداعي، فإذا عدّي إليه حذف الدعاء غالبا، فلا يكاد يقال: استجاب له دعاءه.
( فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ) أي: الزموا، ولم تبق لهم حجّة إلّا اتّباع الهوى، إذ لو اتّبعوا حجّة لأتوا بها.
ثمّ قال:( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ ) استفهام بمعنى النفي( بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ ) في موضع الحال للتأكيد أو التقييد، فإنّ هوى النفس قد يوافق الحقّ. والمعنى: مطبوعا على قلبه، ممنوع الألطاف.
( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الّذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتّباع الهوى، فخلّاهم وأنفسهم. وقيل: معناه: لا يحكم بهدايتهم، أو لا يهديهم إلى طريق الجنّة.
( وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) )
ثمّ بيّن سبحانه صفة القرآن، فقال:( وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ) أتبعنا في الإنزال بعضه بعضا متّصلا، وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا، ومواعظ ونصائح. أو في النظم، بأن أنزلنا عليهم إنزالا متّصلا بعضه في أثر بعض، تقريرا للدعوة بالحجّة، كقوله:( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) (١) .( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) إرادة أن يتذكّروا فيؤمنوا ويطيعوا.
( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) التوراة والإنجيل( مِنْ قَبْلِهِ ) قبل القرآن( هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) نزلت في مؤمني أهل الكتاب. وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم. وقيل: في أربعين من أهل الإنجيل، اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفررضياللهعنه من الحبشة، وثمانية من الشام.
__________________
(١) الشعراء: ٥.
( وَإِذا يُتْلى ) أي: القرآن( عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ ) أي: بأنّه كلام الله( إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ) استئناف تعليلا للإيمان به، لأنّ كونه حقّا من الله حقيق بأن يؤمن به.
( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل وجوده ونزوله( مُسْلِمِينَ ) كائنين على دين الإسلام. استئناف آخر بيانا لقوله: «آمنّا به»، لأنّه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده، فأخبروا أنّ إيمانهم به متقادم، لأنّ آباءهم القدماء ذكروه في الكتب المتقدّمة، وكونهم على دين الإسلام قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم.
( أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ) مرّة على إيمانهم بكتابهم، ومرّة على إيمانهم بالقرآن.( بِما صَبَرُوا ) بصبرهم وثباتهم على الإيمانين. أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده. أو على أذى المشركين وأهل الكتاب.
( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) ويدفعون بالطاعة المعصية المتقدّمة، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أتبع الحسنة السيّئة تمحها».
أو بالحسن من الكلام الكلام القبيح الّذي يسمعونه من الكفّار. ويؤيّد هذا القول ما روي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّ معناه: يدفعون بالحلم جهل الجهلاء، وبالمداراة مع الكفرة أذاهم عن أنفسهم.( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) في سبيل الخير.
( وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ ) السفه من الناس، والقبيح من القول( أَعْرَضُوا عَنْهُ ) تكرّما وتحلّما، ولم يقابلوه بمثله( وَقالُوا ) للّاغين( لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ ) لا نسأل نحن عن أعمالكم، ولا تسألون عن أعمالنا، بل كلّ منّا يجازى على عمله.( سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) متاركة لهم وتوديعا. أو دعاء لهم بالسلامة عمّا هم فيه.
والمعنى: أمان منّا لكم أن نقابل لغوكم بمثله. وهي كلمة حلم.( لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ) لا نطلب صحبتهم، ولا نريد مجالستهم، وإنّما نبتغي الحكماء والعلماء. وقيل: معناه: لا نريد أن نكون من أهل الجهل أو السفه.
ولـمّا تقدّم ذكر الرسول والقرآن، وأنّه أنزل هدى للخلق، بيّن سبحانه أنّه ليس عليه الاهتداء، وإنّما عليه البلاغ والأداء، فقال :
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) هدايته، أي: لا تقدر أن تدخل في الإسلام كلّ من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم، لأنّك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره. وهم الّذين لا تنفع الألطاف فيهم، لأنّهم رسخوا في الكفر، وصمّموا عليه عنادا ولجاجا، وإنكارا واستكبارا، مع أنّهم عارفون بحقيقة الإسلام. وقيل: من أحببته لقرابته.
والمراد بالهداية هنا اللطف الّذي يختار العبد عنده الإيمان، فإنّه لا يقدر عليه إلّا الله تعالى.
وقيل: المراد بها الإجبار على الاهتداء، أي: أنت لا تقدر على ذلك.
( وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) يدخل في الإسلام من يشاء. وهم الّذين علم أنّهم غير مطبوع على قلوبهم، وأنّ الألطاف تنفعهم، فيقرن بهم ألطافه حتّى تدعوهم إلى القبول. وهم الّذين استعدّوا له، واسترشدوا الحقّ. قيل: يهدي به من يشاء على وجه الإجبار.( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) بالمستعدّين لذلك.
واعلم أنّ أهل السنّة قالوا: إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحبّ إسلام أبي طالب، فنزلت هذه الآية. وكان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة، فنزل فيه( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ) (١) . فلم يسلم أبو طالب، وأسلم وحشي.
وهذا كلام ضعيف، وقول ركيك، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يجوز أن يخالف الله سبحانه في إرادته، كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره ونواهيه. وإذا كان الله تعالى
__________________
(١) الزمر: ٥٣.
على ما زعم القوم، لم يرد إيمان أبي طالب، بل أراد كفره، وأراد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إيمانه، فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي المرسل والمرسل.
فكأنّه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم: إنّك يا محمّد تريد إيمانه، ولا أريد إيمانه، ولا أخلق فيه الإيمان، مع تكفّله بنصرتك، وبذل مجهوده في إعانتك والذبّ عنك، ومحبّته لك، ونعمته عليك. وتكره أنت إيمان وحشي، لقتله عمّك حمزة، وأنا أريد إيمانه، وأخلق في قلبه الإيمان.
وأيضا قالوا: إنّ أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم وصدّقوه تفلحوا وترشدوا.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم، وتدعها لنفسك؟ قال: فما تريد يا ابن أخي؟
قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنّك في آخر يوم من أيّام الدنيا، أن تقول: لا إله إلّا الله، أشهد لك بها عند الله.
قال: يا ابن أخي قد علمت أنّك لصادق، ولكنّي أكره أن يقال: خرع(١) عند الموت. ولولا أن تكون عليك وعلى بني إسرائيل غضاضة ومسبّة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق، لـما أرى من شدّة وجدك ونصيحتك، ولكنّي سوف أموت على ملّة الأشياخ: عبد المطّلب وهاشم وعبد مناف.
ونحن ذكرنا في سورة الأنعام(٢) أنّ أهل البيتعليهمالسلام قد أجمعوا على أنّ أبا طالب مات مسلما، وتظاهرت الروايات بذلك عنهم. وأوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالّة على تصديقه للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وتوحيده، فإنّ استيفاء جميعه لا تتّسع له الطوامير.
__________________
(١) خرع الرجل: ضعف رأيه بعد قوّة.
(٢) راجع ج ٢ ص ٣٧٦.
( وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) )
روي: أنّ الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وأضرابه قالوا: نحن نعلم أنّك على الحقّ، ولكنّا نخاف إن اتّبعناك وخالفنا العرب بذلك ـ وإنّما نحن أكلة رأس، أي: قليلون ـ أن يتخطّفونا من أرضنا، فنزلت:( وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ ) نستلب( مِنْ أَرْضِنا ) ونخرج منها. يعنون أرض مكّة والحرم.
فردّ الله تعالى عليهم بقوله:( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ ) نجعل مكانهم( حَرَماً آمِناً ) ذا أمن بحرمة البيت الّذي فيه يتناحر العرب حوله، وهم آمنون في حرمهم. وإسناد أمن إلى أهل الحرم حقيقة، وإلى الحرم مجاز.
( يُجْبى إِلَيْهِ ) يحمل إليه ويجمع فيه. من: جبيت الماء في الحوض، أي: جمعته. وقرأ نافع ويعقوب في رواية بالتاء.( ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) من كلّ أوب.
ومعنى الكلّيّة: الكثرة، كقوله:( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (١) .( رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ) فإذا خوّلهم الله ما خوّلهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وهم كفرة، فكيف يعرّضهم للخوف والتخطّف، إذا ضمّوا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد؟!( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) جهلة لا يتفطّنون له، ولا يتفكّرون ليعلموا ذلك.
وقيل: إنّه متعلّق بقوله: «من لدنّا» أي: قليل منهم يتدبّرون، فيعلمون أنّ ذلك رزق من عند الله، إذ لو علموا لـما خافوا غيره.
وانتصاب «رزقا» على المصدر من معنى: يجبى. كأنّه قيل: ويرزق ثمرات كلّ شيء رزقا. أو حال من الثمرات، بمعنى مرزوقا، لتخصّصها بالإضافة، كما تنتصب عن النكرة المتخصّصة بالصفة. أو مفعول له.
ثمّ خوّفهم من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم، من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا(٢) النعمة، وقابلوها بالأشر والبطر، فقال:( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ) من أهل قرية( بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ) بأن أعرضوا عن الشكر وتكبّروا. يعني: أعطيناهم المعيشة الواسعة، فلم يعرفوا حقّ النعمة وكفروا، فأهلكناهم.
وانتصابها إمّا بحذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله تعالى:( وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ) (٣) . وإمّا على الظرف بنفسها، بدون حذف الجارّ، كقولك: زيد ظنّي مقيم(٤) .
__________________
(١) النمل: ٢٣.
(٢) غمط النعمة: لم يشكرها. والأشر والبطر: شدّة المرح، والاستخفاف بالنعمة، وصرفها إلى غير وجهها طغيانا.
(٣) الأعراف: ١٥٥.
(٤) أي: في ظنّي.
أو بتقدير حذف المضاف، أي: أيّام معيشتها. وإمّا بتضمين «بطرت» معنى: كفرت وغمطت. والبطر سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حقّ الله فيه.
( فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ ) إشارة إلى ما يعرفونه من ديار عاد وثمود وقوم لوط، أي: صارت مساكنهم خاوية خالية عن أهلها، وهي قريبة منكم، فإنّ ديار عاد إنّما كانت بالأحقاف، وهو موضع بين اليمن والشام، وديار ثمود بوادي(١) القرى، وديار قوم لوط بسدوم، وكانوا هم يمرّون بهذه المواضع في تجاراتهم.
( لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ ) من السكنى( إِلَّا قَلِيلاً ) زمانا قليلا، إذ لا يسكنها إلّا المارّة يوما أو بعض يوم. أو من شؤم معاصي المهلكين، لم يبق من سكنها من أعقابهم إلّا قليلا.( وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ) المالكين لتلك المساكن من ساكنيها، أي: تركناها على حال لا يسكنها أحد يتصرّف فيها.
( وَما كانَ رَبُّكَ ) وما كانت عادته( مُهْلِكَ الْقُرى ) في كلّ وقت( حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها ) في القرية الّتي هي أصلها، والقرى الّتي ما سواها من توابعها، لأنّ أهلها تكون أفطن وأنبل.( رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ) لإلزام الحجّة وقطع المعذرة، مع علمه أنّهم لا يؤمنون. أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه، أن يهلك القرى في الأرض حتّى يبعث في أمّ القرى ـ يعني: مكّة ـ رسولا، وهو محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ) لنفوسهم، بتكذيب الرسل، والعتوّ في الكفر.
وهذا بيان لعدله وتقدّسه عن الظلم، حيث أخبر بأنّه لا يهلكهم إلّا إذا استحقّوا الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلّا بعد تأكيد الحجّة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجّة عليهم. ونزّه ذاته أن يهلكهم
__________________
(١) وادي القرى: واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القرى. وسدوم: بلدة من أعمال حلب، ومن مدائن قوم لوط.
وهم غير ظالمين، كما قال:( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) (١) . فنصّ في قوله: «بظلم» أنّه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما منه، وأنّ حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دلّ على ذلك بحرف النفي مع لامه، كما قال:( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) (٢) .
( وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) )
__________________
(١) هود: ١١٧.
(٢) البقرة: ١٤٣.
ولـمّا كانت الرغبة المفرطة في الزخارف الدنيويّة الفانية، والتعلّق التامّ بها، مانعة عن التوجّه إلى الله، وإلى الأحكام الدينيّة، والتزوّد للآخرة، وموجبة للحرمان عن الوصول إلى الدرجات الباقية، والمراتب السرمديّة، رغّب الله تعالى عنها العباد بقوله:( وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) وأيّ شيء أصبتموه من أسباب الدنيا( فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها ) فإنّما هو تمتّع وزينة تتمتّعون وتتزيّنون به أيّاما قلائل، وهي مدّة الحياة المنقضية، ومع ذلك متضمّن للتبعيض وأنواع الكدورات.
( وَما عِنْدَ اللهِ ) وهو ثوابه الأبدي( خَيْرٌ ) في نفسه من ذلك، لأنّه خالص عن شوب التنغّص، وبهجة كاملة.( وَأَبْقى ) لأنّه أبديّ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) فتستبدلون الّذي هو أدنى بالّذي هو خير. وقرأ أبو عمرو بالياء. وهو أبلغ في الموعظة.
وعن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف: المؤمن، والمنافق، والكافر. فالمؤمن يتزوّد، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع.
ولـمّا كانت الآية الّتي تلي هذه الآية كالنتيجة لها رتّبت عليها بالفاء، فقال:( أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً ) أي: وعدا بالجنّة الّتي هي أحسن المحاسن وأنفع المنافع، فإنّ حسن الوعد بحسن الموعود( فَهُوَ لاقِيهِ ) فهو مدركه لا محالة، لامتناع الخلف في وعده. ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببيّة.
( كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) الّذي هو مشوب بالآلام، مكدّر بالمتاعب، مستعقب بالتحسّر على الانقطاع( ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) للحساب، أو العذاب. ونحوه:( لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) (١) .( فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) (٢) . و «ثمّ» للتراخي في الزمان أو الرتبة.
وقرأ نافع وابن عامر في رواية والكسائي: ثمّ هو بسكون الهاء، تشبيها
__________________
(١) الصافّات: ٥٧ و ١٢٧.
(٢) الصافّات: ٥٧ و ١٢٧.
للمنفصل بالمتّصل.
قيل: نزلت في رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي جهل. وعن السدّي: نزلت في عليّعليهالسلام وأبي جهل. وقيل: في عمّار بن ياسر والوليد بن المغيرة. والأولى أن يكون عامّا فيمن كان بهذه الصفة.
( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ) ينادي الله المشركين. عطف على( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) . أو منصوب بـ: اذكر.( فَيَقُولُ ) تقريعا وتبكيتا( أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أي: تزعمونهم شركائي. فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما. ويجوز حذف المفعولين في باب «ظننت»، ولا يصحّ الاقتصار على أحدهما.
( قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) بثبوت مقتضاه وحصول مؤدّاه. وهو قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) . وغيره من آيات الوعيد. وهم الشياطين، أو أئمّة الكفر ورؤوس الشرك.
( رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا ) الّذين أضللناهم عن الدين. فحذف الراجع إلى الموصول. يعنون: أتباعهم.( أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا ) أي: أغويناهم فغووا غيّا مثل ما غوينا. وهو استئناف للدلالة على أنّهم غووا باختيارهم، فإنّهم لم يفعلوا بهم إلّا وسوسة وتسويلا، لا قسرا وإلجاء. فلا فرق إذن بين غيّنا وغيّهم، وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع فيهم من أدلّة العقل، وما بعث إليهم وأنزل عليهم من الرسل والكتب المشحونة بالوعد والوعيد، والمواعظ والزواجر. وناهيك بذلك صارفا عن الكفر، وداعيا إلى الإيمان.
ويجوز أن يكون «الّذين» صفة لـ «هؤلاء»، و «أغويناهم» خبره، لأجل ما اتّصل به، فأفاده زيادة على الصفة. وهو وإن كان فضلة لكنّه صار من اللوازم.
( تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ) منهم وممّا اختاروه من الكفر هوى منهم. وهو تقرير للجملة
__________________
(١) هود: ١١٩.
المتقدّمة، ولذلك خلت عن العاطف. وكذا قوله:( ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ) أي: لم يكونوا يعبدوننا، وإنّما كانوا يعبدون أهواءهم. وقيل: «ما» مصدريّة متّصلة بـ «تبرّأنا» أي: تبرّأنا من عبادتهم إيّانا.
( وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ) ويقال للأتباع: أدعوا الّذين عبدتموهم من دون الله، وزعمتم أنّهم شركائي، لينصروكم ويدفعوا عنكم العذاب.
( فَدَعَوْهُمْ ) من فرط الحيرة( فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ) لعجزهم عن الإجابة والنصرة( وَرَأَوُا الْعَذابَ ) لازما بهم( لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ) لوجه من الحيل يدفعون به العذاب. أو إلى الحقّ ـ وهو الإيمان ـ لـمّا رأوا العذاب. وقيل: «لو» للتمنّي، أي: تمنّوا أنّهم كانوا مهتدين.
( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) عطف على الأوّل، فإنّه تعالى يسأل أوّلا عن إشراكهم به، ثمّ عن تكذيبهم الأنبياء. فإنّ الله سبحانه حكى أوّلا ما يوبّخهم به من اتّخاذهم له شركاء. ثمّ ما يقوله الشيطان أو أئمّتهم عند توبيخهم، لأنّهم إذا وبّخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأنّ الشياطين هم الّذين استغووهم وزيّنوا لهم عبادتها. ثمّ ما يشبه الشماتة بهم، من استغاثتهم آلهتهم، وخذلانهم لهم، وعجزهم عن نصرتهم. ثمّ ما يبكّتون به، من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.
( فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ ) فخفيت عليهم الأخبار عمّا أجابوا به رسلهم( يَوْمَئِذٍ ) يوم القيامة. فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا، لا تهتدي إليهم.
وأصل الكلام: فعموا عن الأنباء، أي: صاروا كالعمي، لانسداد طرق الأخبار عليهم، كما ينسدّ طرق الأرض على العمي، لكنّه عكس مبالغة. وتعدية الفعل بـ «على» لتضمّنه معنى الخفاء. وسمّيت حججهم أنباء، لأنّها أخبار يخبر بها، فهم لا يحتجّون ولا ينطقون بحجّة.
وإذا كانت الرسل يتتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول، ويفوّضون
إلى علم الله تعالى، كما قال الله سبحانه:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) (١) فما ظنّك بالضّلال من أممهم؟!( فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ) لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب، لفرط الدهشة. أو لعلمه بأنّه مثله في عدم علمه بالجواب.
ثمّ ذكر سبحانه أحوال التائبين منهم بقوله:( فَأَمَّا مَنْ تابَ ) من الشرك( وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) أي: جمع بين الإيمان والعمل الصالح( فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) عند الله. و «عسى» تحقيق على عادة الكرام، أو ترجّ من التائب، بمعنى: فليتوقّع أن يفلح.
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) )
ولـمّا كان المفلح مختار الله تعالى ذكر عقيبه: أنّ الاختيار إلى الله سبحانه، والخلق والحكم له، لكونه قادرا عالما على الكمال، فقال:( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ) لا موجب عليه، ولا مانع له( ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) أي: التخيّر، كالطيرة بمعنى التطيّر، أي: ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. فهذا بيان لقوله: «ويختار»، ولهذا خلا عن العاطف. والمعنى: أنّ الخيرة لله في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، فكيف يجوز لأحد أن يختار عليه.
وقيل: السبب فيه قول الوليد بن المغيرة:( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ
__________________
(١) المائدة: ١٠٩.
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (١) . يعني: لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم.
وقيل: «ما» موصولة مفعول لـ «يختار»، والراجع إليه محذوف. والمعنى: ويختار الّذي كان لهم فيه الخير والصلاح.
( سُبْحانَ اللهِ ) تنزيه لله أن ينازعه أحد، أو يزاحم اختياره اختيار( وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) عن إشراكهم، أو مشاركة ما يشركونه به.
ثمّ برهن على صحّة اختياره، وفساد اختيار غيره عليه، بقوله:( وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ ) أي: ما يخفونه وما يظهرونه، فإليه الاختيار، ولا اختيار لغيره عليه.
وقيل: معناه: يعلم ما تخفي صدورهم من عداوة رسول الله، وما يظهرون من الطعن فيه، كقولهم: هلّا اختير عليه غيره في النبوّة.
( وَهُوَ اللهُ ) المستحقّ للعبادة. ثمّ قرّر ذلك بقوله:( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) لا أحد يستحقّها إلّا هو. ومثل ذلك قولك: الكعبة القبلة، لا قبلة إلّا هي.
( لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ) لأنّه المولي للنعم كلّها، عاجلها وآجلها.
يحمده المؤمنون في الآخرة ابتهاجا بفضله، والتذاذا بحمده. وهو قولهم:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) (٢) .( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ ) (٣) . كما يحمدونه في الدنيا تكليفا وتأدية لأداء شكره.
( وَلَهُ الْحُكْمُ ) القضاء النافذ بين عباده، بما يميّز به الحقّ من الباطل. قال ابن عبّاس: يحكم لأهل طاعته بالمغفرة والفضل، ولأهل معصيته بالشقاء والويل.( وَإِلَيْهِ ) وإلى جزائه وحكمه( تُرْجَعُونَ ) يوم النشور.
__________________
(١) الزخرف: ٣١.
(٢) فاطر: ٣٤.
(٣) الزمر: ٧٤.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥) )
ثمّ بيّن سبحانه ما يدلّ على كمال قدرته الدالّ على توحيده، فقال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( قُلْ ) يا محمّد لأهل مكّة الّذين يعبدون آلهة غيري، تنبيها على خطئهم:( أَرَأَيْتُمْ ) أخبروني( إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً ) دائما لا يكون معه نهار. واشتقاقه من السرد، وهو المتابعة. والميم مزيدة، على وزن فعمل، كميم دلامص من الدلاص(١) .( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) بإسكان الشمس تحت الأرض، أو تحريكها حول الأفق الغائر.
( مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ) كضياء النهار تبصرون فيه. كان حقّه: هل إله، فذكر بـ «من» على زعمهم أنّ غيره آلهة. وعن ابن كثير: بضئاء بهمزتين.( أَفَلا تَسْمَعُونَ )
__________________
(١) الدلاص: اللين البراق.
ما يبيّنه الله تعالى من أدلّة توحيده، سماع تدبّر واستبصار.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) بإسكانها في وسط السماء، أو تحريكها على مدار فوق الأفق( مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) استراحة من متاعب الأشغال.
ولعلّه لم يصف الضياء بما يقابله ـ وهو: تتصرّفون فيه ـ لأنّ الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه، ولا كذلك اللّيل. ولأنّ منافع الضوء متكاثرة، ليس التصرّف في المعاش وحده، والظلّام ليس بتلك المنزلة. ولذلك قرن بالضياء( أَفَلا تَسْمَعُونَ ) وبالليل( أَفَلا تُبْصِرُونَ ) لأنّ استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر، فإنّ السمع يدرك ما لا يدرك البصر، من ذكر منافعه، ووصف فوائده.
( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) في الليل( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) في النهار بأنواع المكاسب( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها.
ولـمّا بيّن توحيده بالأدلّة المذكورة، كرّر النداء للمشركين بـ «أين شركائي» تقريعا بعد تقريع، وتبكيتا بعد تبكيت، للإشعار بأنّه لا شيء أجلب لغضب الله تعالى من الإشراك، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده، فقال :
( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) قيل: النداء الأوّل(١) لتقرير إقرارهم على أنفسهم بالغيّ الّذي كانوا عليه وفساد رأيهم. والثاني للتعجيز عن إقامة البرهان على ما طولبوا به بحضرة الأشهاد، وإنّما كان محض تشهّ وهوى.
( وَنَزَعْنا ) وأخرجنا( مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ) وهو نبيّهم يشهد عليهم، فإنّ أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه( فَقُلْنا ) للأمم( هاتُوا
__________________
(١) في الآية: ٦٢ من هذه السورة.
بُرْهانَكُمْ ) حجّتكم على صحّة ما كنتم تدينون به، من الشرك ومخالفة الرسول.
( فَعَلِمُوا ) حينئذ( أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ) في الألوهيّة، لا يشاركه فيها أحد، لا لهم ولشياطينهم. فلزمتهم الحجّة، لأنّ المشهود عليه إذا لم يأت بمخلص عن بيّنة الخصم، توجّهت القضيّة عليه ولزمه الحكم.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) من الباطل والكذب.
( إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) )
ولـمّا قال سبحانه:( وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى ) (١) أكّد ذلك بما أوتي قارون من النعم الفانية الّتي بها خسف في الأرض، وحرم من النعم الباقية، فقال :
__________________
(١) القصص: ٦٠.
( إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى ) فإنّه كان ابن عمّه يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وكان موسى بن عمران بن قاهث. وقيل: كان موسى ابن أخيه. فقارون كان عمّه. وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : هو ابن خالته.
وهذا منقول عن عطا، عن ابن عبّاس. وكان يسمّى المنوّر، لحسن صورته. وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنّه نافق كما نافق السامريّ.
( فَبَغى عَلَيْهِمْ ) فطلب الفضل عليهم، وأن يكونوا تحت أمره. أو تكبّر عليهم، أو ظلمهم.
قيل: وذلك حين ملّكه فرعون على بني إسرائيل، أو حسدهم، لـما روي أنّه قال لموسىعليهالسلام : لك الرّسالة، ولهارون الحبورة(١) ، وأنا في غير شيء، إلى متى أصبر؟ قال موسىعليهالسلام : هذا صنع الله. قال: والله لا أصدّقك حتّى تأتي بآية. فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كلّ واحد بعصاه، فحزمها(٢) وألقاها في القبّة الّتي كان الوحي ينزل عليه فيها. وكانوا يحرسون عصيّهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هارون تهتزّ، ولها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز. فقال قارون: ما هو بأعجب ممّا تصنع من السحر.
( وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ) من الأموال المدّخرة( ما ) أي: الّذي( إِنَّ مَفاتِحَهُ ) مفاتيح صناديقه، جمع مفتح بالكسر. وهو ما يفتح به الأبواب. وقيل: خزائنه.
وقياس واحدها: المفتح بالفتح.( لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) خبر «إنّ»، والجملة صلة «ما»، وهو ثاني مفعولي «آتى». و «تنوء» من: ناء به الحمل، إذا أثقله حتّى أماله. والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة. يقال: اعصوصبوا إذا اجتمعوا.
قيل: كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستّون بغلا، لكلّ خزانة مفتاح، ولا يزيد
__________________
(١) الحبورة: الإمامة. مأخوذة من الحبر، بمعنى: الرئيس في الدين.
(٢) أي: شدّها.
المفتاح على أصبع، وكانت من جلود. وقال أبو رزين: يكفي الكوفة مفتاح، أي: كنز واحد من كنوزه.
( إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ ) منصوب بـ «تنوء»( لا تَفْرَحْ ) لا تبطر ولا تمرح. والفرح بالدنيا مذموم مطلقا، لأنّه نتيجة حبّها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإنّ العلم بأنّ ما فيها من اللذّة مفارقة لا محالة يوجب الترح(١) ، كما قال(٢) :
أشدّ الغمّ عندي في سرور |
تيقّن عنه صاحبه انتقالا |
ولذلك قال سبحانه:( وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) (٣) .
ولـمّا كانت محبّة الدنيا وما فيها مانعة من محبّة الله تعالى قالعزوجل :( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) أي: بزخارف الدنيا.
( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ ) واطلب فيما أعطاك الله من الغنى( الدَّارَ الْآخِرَةَ ) بأن تصرفه فيما يوجبها لك من وجوه البرّ وسبيل الخير، فإنّ المقصود منه أن يكون وصلة إليها.
( وَلا تَنْسَ ) ولا تترك ترك المنسيّ( نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ) وهو أن تحصّل بها آخرتك، فإنّ حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا الّذي يعمل به للآخرة. وروي في معناه عن عليّعليهالسلام : «لا تنس قوّتك وشبابك ونشاطك وغناك أن تطلب بها الآخرة».
قيل: معناه خذ منها ما يكفيك ويصلحك. فإن كان قتورا شحيحا فقيل له: كل واشرب واستمتع بما آتاك الله من الوجه الّذي أباحه الله لك، فإنّ ذلك غير محظور عليك.
( وَأَحْسِنْ ) إلى عباد الله( كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ) فيما أنعم عليك. وقيل :
__________________
(١) التّرح: الحزن والهمّ.
(٢) لأبي الطيب. انظر ديوانه (طبعة دار صادر): ١٤٠.
(٣) الحديد: ٢٣.
أحسن بالشكر والطاعة، كما أحسن إليك بالإنعام.
( وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ ) نهي له عمّا كان عليه من الظلم والبغي( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) لسوء أفعالهم. قيل: إنّ القائل بذلك موسىعليهالسلام .
( قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ ) أعطيت هذا المال الكثير( عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) على استحقاق واستيجاب، لـما فيّ من العلم الّذي فضّلت به على الناس، واستوجبت به التفوّق عليهم بالجاه والمال.
و «على علم» في موضع الحال. و «عندي» صفة له، أو متعلّق بـ «أوتيته»، كقولك: الأمر عندي كذا، أي: في ظنّي واعتقادي. وهو علم التوراة، فإنّه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون ويوشع وكالبعليهمالسلام . وقيل: العلم بكنوز يوسفعليهالسلام .
وعن سعيد بن المسيّب: كان موسىعليهالسلام يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نون ثلثه، وكالب بن يوفنّا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتّى أضاف علمهما إلى علمه، فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا.
وقيل: علّم الله موسى الكيمياء، فعلّمه موسى أخته، فعلّمته أخته قارون.
وقيل: هو بصّره بأنواع التجارة والدهقنة، وسائر المكاسب.
ثمّ قال سبحانه على وجه التوبيخ:( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ) أي: قد قرأ قارون في التوراة، وسمع من موسى وحفّاظ التواريخ، أن الله تعالى قد أهلك القرون الخالية الّذين هم أقوى منه، وأغنى وأكثر جماعة وعددا، أو أكثر جمعا للمال، كقوم عاد وثمود وقوم لوط.
وقيل: هذا ردّ لعلمه بذلك، لأنّه لـمّا قال:( أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) فترفّع بالعلم وتعظّم به، قيل: أعنده مثل ذلك العلم الّذي ادّعاه، ورأى نفسه به مستوجبة لكلّ نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع، حتّى يقي به نفسه مصارع الهالكين؟
ولـمّا ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الّذين كانوا أقوى منه وأغنى، أكّد ذلك بقوله :
( وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) سؤال استعلام، فإنّه تعالى مطّلع عليها، فلا يحتاج إلى سؤالهم عنها. أو سؤال معاتبة، فإنّهم يعذّبون بها بغتة.
وملخّص المعنى: أنّ الله تعالى مطّلع على ذنوب المجرمين كلّهم، فيعاقبهم عليها لا محالة. وهذا كقوله:( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ ) (١) . وأمّا قوله:( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (٢) فإنّما هو سؤال توبيخ وتقريع.
( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) )
( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) روي: أنّه خرج على بغلة شهباء عليه
__________________
(١) الرحمن: ٣٩.
(٢) الحجر: ٩٢.
الأرجوان(١) ، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيّه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض، عليهنّ الحليّ والديباج. وقيل: في تسعين ألفا عليهم المعصفرات(٢) ، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر. وقال الحسن: خرج عليهم في الحمرة والصفرة.
( قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) على ما هو عادة الناس من الرغبة( يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ ) تمنّوا مثله الّذي يسمّى الغبطة، لا عينه، حذرا عن الحسد الّذي يتمنّى الرجل أن يكون نعمة صاحبه له دونه( إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ ) نصيب وافر من أمر الدنيا( عَظِيمٍ ) . والحظّ ـ لغة ـ: الجدّ. وهو البخت والدولة. وصفوه بأنّه مجدود مبخوت. يقال: فلان ذو حظّ، وحظيظ، ومحظوظ.
( وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) بأحوال الآخرة من المؤمنين المصدّقين بوعد الله للمتمنّين( وَيْلَكُمْ ) أصله الدعاء بالهلاك، ثمّ استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى، كما استعمل: لا أبالك، في الحثّ على الفعل. وأصله الدعاء على الرجل المتّهم في النسب من جانب الأب.( ثَوابُ اللهِ ) في الآخرة( خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) ممّا أوتي قارون، بل من الدنيا وما فيها.
( وَلا يُلَقَّاها ) الضمير فيه للكلمة الّتي تكلّم بها العلماء. أو للثواب، فإنّه بمعنى المثوبة أو الجنّة. أو للإيمان والعمل الصالح، فإنّهما في معنى السيرة والطريقة( إِلَّا الصَّابِرُونَ ) على الطاعات، وعن المعاصي.
روي: أنّ قارون كان يؤذي موسىعليهالسلام في كلّ وقت، وهو يداريه للقرابة الّتي بينهما، حتّى نزلت آية الزكاة، فصالحه عن كلّ ألف دينار على دينار، وعن كلّ ألف درهم على درهم. فحسبه فاستكثره، فشحّت به نفسه. فجمع بني إسرائيل وقال: إنّ
__________________
(١) الأرجوان: قطيفة حمراء. والأرجوان: صبغ أحمر. وهو معرّب: أرغوان الفارسيّة.
(٢) المعصفر: الثوب المصبوغ بالعصفر. وهو صبغ أصفر اللون.
موسى يريد أن يأخذ أموالكم.
فقالوا: أنت كبيرنا وسيّدنا، فمر بما شئت.
قال: نرشو فلانة البغيّ حتّى ترمي موسى بنفسها، فتفضحه بين يدي بني إسرائيل ليرفضوه. فجعل لها ألف دينار. وقيل: طشتا من ذهب مملوءة ذهبا. وقيل: حكّمها في ماله. وقيل: أعطاها خريطتين عليهما خاتمه.
وقالت: يا ويلتي قد عملت كلّ فاحشة، فما بقي إلّا أن افتري على نبيّ الله! فلمّا كان يوم عيد قام موسى خطيبا فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنا وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه.
فقال قارون: وإن كنت أنت؟
قال: وإن كنت أنا.
قال: فإنّ بني إسرائيل يزعمون أنّك فجرت بفلانة.
فأحضرت. فناشدها موسى بالّذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق.
فتداركها الله فقالت: كذبوا، بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي.
فخرّ موسى ساجدا يبكي، وقال: يا ربّ إن كنت رسولك فاغضب لي.
فأوحي إليه: أن مر الأرض بما شئت، فإنّها مطيعة لك.
فقال: يا بني إسرائيل إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل. فاعتزلوا جميعا غير رجلين. ثمّ قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب. ثمّ قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط. ثمّ قال: خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق. وقارون وأصحابه يتضرّعون إلى موسى، ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم، لشدّة غضبه. ثمّ قال: خذيهم، فانطبقت عليهم.
وأوحى الله إلى موسى: ما أفظّك! استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم. أما وعزّتي لو إيّاي دعوا مرّة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا.
فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم: إنّما دعا موسى على قارون ليستبدّ بداره وكنوزه. فدعا الله حتّى خسف بداره وأمواله، كما قال الله سبحانه:( فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ ) أعوان. مشتقّة من: فأوت رأسه، إذا ميّلته.( يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ ) فيدفعون عنه عذاب الله( وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ ) من المنتقمين من موسى. أو الممتنعين من عذاب الله. من قولهم: نصره من عدوّه فانتصر، إذا منعه منه فامتنع.
( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ ) منزلته من الدنيا( بِالْأَمْسِ ) منذ زمان قريب، حين خرج عليهم في زينته( يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ ) هذه كلمة تندّم وتنبّه على الخطأ.
مركّبة عند البصريّين من «وي» للتعجّب، و «كأنّ» للتشبيه، والضمير للشأن.
والمعنى: أنّ القوم تنبّهوا على خطئهم في تمنّيهم منزلة قارون وتندّموا، ثمّ قالوا: كأنّ الله، أي: ما أشبه الأمر أنّ الله( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ ) لمن يشاء منهم، أي: بمقتضى مشيئته وحكمته، لا لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض.
وعند الكوفيّين مشتقّة من «ويك» بمعنى: ويلك، وأنّ تقديره: ويك اعلم أنّ الله يبسط إلخ.
( لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا ) أنعم الله علينا بنعمه، فلم يعطنا مثل ما أعطى قارون( لَخَسَفَ بِنا ) لأجله. وقرأ حفص بفتح الخاء والسين.
( وَيْكَأَنَّهُ ) وما أشبه الحال بأنّه( لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) لا يفوز بثواب الله، ولا ينجو من عقابه، الجاحدون لنعمة الله. أو المكذّبون برسله، وبما وعدوا لهم من ثواب الآخرة.
( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) )
( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) إشارة تعظيم وتفخيم لشأنها، كأنّه قال: تلك الّتي سمعت خبرها وبلغك وصفها. والدار صفة، والخبر( نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ) غلبة وقهرا( وَلا فَساداً ) ظلما على الناس، كما أراد فرعون وقارون( وَالْعاقِبَةُ ) المحمودة( لِلْمُتَّقِينَ ) للّذين يجتنبون عمّا لا يرضاه الله. علّق الوعد بترك إرادة العلوّ والفساد، ولم يقل: لا تعلو ولا تفسدوا، كما علّق الوعيد بالركون في قوله:( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .
وروي عن عليّعليهالسلام : «أنّ الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها».
وعن الفضيل أنّه قرأها ثمّ قال: ذهبت الأماني هاهنا.
ثمّ أكّد ذلك بقوله:( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) ذاتا وقدرا ووصفا( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ) وضع فيه الظاهر موضع الضمير، تهجينا لحالهم، وزيادة تبغيض للسيّئة إلى قلوب السامعين( إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: إلّا مثل ما كانوا يعملون. فحذف المثل، وأقيم( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) مقامه، مبالغة في المماثلة.
وهذا من فضله العظيم، وكرمه الواسع، أن لا يجزي السيّئة إلّا بمثلها ،
__________________
(١) هود: ١١٣.
ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة. وهو معنى قوله:( فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ) .
( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) )
ولـمّا حكم بأنّ العاقبة الحسنى للمتّقين، وأكّد ذلك بوعد المحسنين ووعيد المسيئين، وعد رسوله بالعاقبة المحمودة، فقال:( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) أوجب عليك تلاوته، وتبليغه، والعمل بما فيه( لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ) أيّ معاد، أي: معاد ليس لغيرك من البشر. وتنكير المعاد لذلك.
وهو المقام المحمود الّذي وعدك أن يبعثك فيه.
وقيل: المراد به مكّة، فإنّ الله سبحانه ردّه إليها يوم الفتح. ووجه تنكيره: أنّها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن، ومرجعا له اعتداد، لغلبة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليها، وقهره لأهلها، ولظهور عزّ الإسلام وأهله، وذلّ الشرك وحزبه. ولـمّا كانت السورة مكّيّة، فكأنّ الله وعده وهو بمكّة في أذى من أهلها: أنّه يجعله مهاجرا منها، ثمّ يعيده إليها ظاهرا ظافرا.
وروي: أنّه لـمّا بلغ جحفة في مهاجره اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرمهم.
فنزل جبرئيل فقال له: أتشتاق إلى مكّة؟ قال: نعم. فأوحي هذه الآية إليه.
ولـمّا وعد الله رسوله الردّ إلى معاد، قال تقريرا لهذا الوعد:( قُلْ ) للمشركين:( رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى ) وما يستحقّه من الثواب والنصر في معاده. يعني: به نفسه. و «من» منتصب بفعل يفسّره «أعلم».( وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وما يستحقّه من العذاب والإضلال. يعني به المشركين.
وقرّر الوعد إلى معاد بقوله:( وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ ) أي: سيردّك إلى معادك، كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) ولكن ألقاه رحمة منه. ويجوز أن يكون استثناء متّصلا محمولا على المعنى. كأنّه قال: وما ألقي إليك الكتاب إلّا رحمة.
( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ) بمداراتهم، والتحمّل عنهم، والإجابة إلى طلبتهم.
( وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ ) عن قراءتها والعمل بها( بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ) بعد وقت إنزاله إليك( وَادْعُ ) أمّتك( إِلى رَبِّكَ ) إلى عبادته وتوحيده( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) بمساعدتهم.
وهذا للتهييج وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم. وكذا قوله:( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) إلّا ذاته، فإنّ ما عداه ممكن هالك في حدّ ذاته، زائل معدوم( لَهُ الْحُكْمُ ) القضاء النافذ في الخلق( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) للجزاء بالحقّ.
(٢٩)
سورة العنكبوت
وهي تسع وستّون آية بالإجماع. عن أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ المؤمنين والمنافقين».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين، فهو والله يا أبا محمّد من أهل الجنّة، لا أستثني فيه أبدا، ولا أخاف أن يكتب الله عليّ في يميني إثما، وإنّ لهاتين السورتين من الله مكانا».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ختم سورة القصص بذكر الوعد والوعيد، افتتح هذه السورة بذكر تكليف العبيد، فقال:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم أَحَسِبَ النَّاسُ ) الهمزة للإنكار والتوبيخ. ولا يتعلّق بمعاني المفردات، بل بمضامين الجمل، للدلالة على جهة ثبوتها، ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين، أو ما يسدّ مسدّهما، كقوله تعالى:( أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) فإنّ معناه: أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنّا. فالترك أوّل مفعولي «حسب». و «لقولهم آمنا» المفعول الثاني. وأمّا «غير مفتونين» فمن تتمّة الترك الّذي بمعنى التصيير، كقوله(١) : فتركته جزر السباع ينشنه.
ألا ترى أنّك قبل المجيء بالحسبان تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنّا، على تقدير: حاصل ومستقرّ قبل اللام. كما تقول: خروجه لمخافة الشرّ، وضربه للتأديب. وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشرّ وضربته تأديبا، تعليلين. وتقول أيضا: حسبت خروجه لمخافة الشرّ، وظننت ضربه للتأديب. فتجعلهما مفعولين، كما جعلتهما مبتدأ وخبرا.
والفتنة: الامتحان بمشاقّ التكاليف، كالمهاجرة، ومجاهدة الأعداء، ورفض الشهوات، وو وظائف الطاعات، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، ليتميّز المخلص من المنافق، والثابت في الدين من المضطرب فيه، ولينالوا بالصبر عليها إلى الدرجات، فإنّ مجرّد الإيمان وإن كان عن خلوص، لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب.
ومعنى الآية: أحسب الّذين أجروا كلمتي الشهادتين على ألسنتهم، وأظهروا القول بالإيمان، أنّهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم الله بضروب المحن
__________________
(١) لعنترة بن شدّاد، وعجزه: يقضمن حسن بنانه والمعصم، انظر ديوانه (طبعة دار بيروت): ٢٦.
في الأنفس والأموال، حتّى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحّة عقائدهم، ونصوح نيّاتهم، ليتميّز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكّن من العابد على حرف، كما قال تعالى:( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (١) .
وروي: أنّها نزلت في ناس من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد جزعوا من أذى المشركين.
وقيل: في عمّار بن ياسر. وكان يعذّب في الله.
وقيل: في ناس أسلموا بمكّة، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتّى تهاجروا. فخرجوا، فتبعهم المشركون فردّوهم. فلمّا نزلت كتبوا بها إليهم، فخرجوا فأتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا.
ثمّ سلّى المؤمنين ليتحمّلوا صنوف المصائب وفنون النوائب، بقوله:( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) متّصل بـ «أحسب» كقولك: ألا يمتحن فلان وقد امتحن من هو خير منه. أو بـ «لا يفتنون». والمعنى: أنّ أتباع الأنبياء قبلي قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم، أو ما هو أشدّ منه، فصبروا، كما قال:( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا ) (٢) الآية. ولـمّا كان ذلك سنّة قديمة جارية في الأمم كلّها، فلا يتوقّع خلافه.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرّق فرقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه».
__________________
(١) آل عمران: ١٨٦.
(٢) آل عمران: ١٤٦.
( فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) فليتعلّقنّ علمه تعالى بالامتحان تعلّقا حاليّا، يتميّز به الّذين صدقوا في الإيمان والّذين كذبوا فيه، وينوط به ثوابهم وعقابهم. ولذلك قيل: المعنى: وليميّزنّ أو ليجازينّ.
( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) الكفر والمعاصي، فإنّ العمل يعمّ أفعال القلوب والجوارح( أَنْ يَسْبِقُونا ) أن يفوتونا فوت السابق لغيره، ويعجزونا، فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم. يعني: أنّ الجزاء يلحقهم لا محالة، وهم لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدّثوا به نفوسهم، ولكنّهم لغفلتهم، وقلّة فكرهم في العاقبة، وإصرارهم على المعاصي، في صورة من يقدر ذلك، ويطمع فيه. ونظيره:( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ) (١) .( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ) (٢) .
واعلم أنّ «أن يسبقونا» سادّ مسدّ مفعولي «حسب»، لاشتمال صلة «أن» على مسند ومسند إليه، كقوله:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) (٣) .
ويجوز أن يضمنّ «حسب» معنى قدّر، و «أم» منقطعة. ومعنى الإضراب فيها: أنّ هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأوّل، لأنّ ذلك يقدّر أنّه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظنّ أنّه لا يجازى بمساويه. ولهذا عقّبه بقوله:( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) أي: بئس الّذي يحكمونه حكمهم هذا. أو بئس حكما يحكمونه حكمهم هذا. فحذف المخصوص بالذمّ.
( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ ) الوصول إلى العاقبة، من الموت والبعث والحساب والجزاء. على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيّده بعد زمان مديد، وقد اطّلع السيّد على ما يأتي ويذر، فإمّا أن يلقاه ببشر وترحيب لـما رضي من أفعاله، أو
__________________
(١) العنكبوت: ٢٢.
(٢) الأنفال: ٥٩.
(٣) البقرة: ٢١٤.
بسخط لـما سخط منها.
وتحرير المعنى: من كان يأمل أن يلقى الكرامة من الله والبشرى( فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ ) فإنّ الموت الّذي هو الوقت المضروب للقائه( لَآتٍ ) لجاء لا محالة. وهذا كقوله: من كان يرجو لقاء الملك، فإنّ يوم الجمعة قريب، إذا علم أنّه يقعد للناس يوم الجمعة. وإذا كان وقت اللقاء آتيا كان اللقاء كائنا لا محالة، فليبادر ما يحقّق أمله، ويصدّق رجاءه، وما يستوجب القربة والرضا.
( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لأقوال العباد( الْعَلِيمُ ) بأفعالهم. فهو حقيق بالتقوى والخشية.
( وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) )
ولـمّا رغّب سبحانه في تحقيق الرجاء بفعل الطاعة، عقّبه بالترغيب في المجاهدة الّتي هي أشقّ الطاعات وأحمز العبادات، فقال:( وَمَنْ جاهَدَ ) نفسه الّتي هي أعدى أعدائه بالصبر على مضض الطاعة، والكفّ عن الشهوات المنهيّة، والشيطان وأعوانه، بدفع وساوسهم، وجاهد أعداء الدين لإحيائه( فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ) لأنّ منفعته لها( إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) فلا حاجة به إلى طاعتهم، وإنّما كلّف عباده رحمة عليهم، ومراعاة لصلاحهم.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) الّتي اقترفوها قبل ذلك، بأن يسقط عذاب ما تقدّم لهم من الكفر والمعاصي، ببركة الإيمان وما يتبعه
من الطاعات( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: أحسن جزاء أعمالهم الّتي عملوها في الإسلام.
( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) )
ولـمّا أمر سبحانه بمجاهدة النفس والشياطين، وكفرة الإنس الّذين هم أعداء الدين، بيّن حال الأبوين في ذلك، فقال :
( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً ) بإيتاء والديه فعلا ذا حسن. أو فعلا كأنّ في ذاته عين الحسن، لفرط حسنه، كقوله:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ) (١) .
وقيل: «حسنا» منتصب بفعل مضمر، على تقدير قول مفسّر للتوصية، أي: قلنا: أولهما، أو افعل بهما معروفا، لأنّ التوصية بهما دالّة عليه.
ووصّى يجري مجرى: أمر، معنى وتصرّفا. يقال: وصيّت زيدا بأن يفعل خيرا، كما تقول: أمرته بأن يفعل. ومنه قوله تعالى:( وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ ) (٢) ، أي: أمرهم بكلمة التوحيد.
( وَإِنْ جاهَداكَ ) وإن نازعاك أبواك أيّها الإنسان( لِتُشْرِكَ بِي ) في العبادة( ما لَيْسَ لَكَ بِهِ ) بإلهيّته( عِلْمٌ ) عبّر عن نفيها بنفي العلم بها، إشعارا بأنّ ما لا يعلم صحّته لا يجوز اتّباعه، وإن لم يعلم بطلانه، فضلا عمّا علم بطلانه( فَلا تُطِعْهُما ) في ذلك، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولا بدّ من إضمار القول إن لم يضمر قبل.
( إِلَيَ ) إلى جزائي( مَرْجِعُكُمْ ) مرجع من آمن منكم ومن أشرك، ومن برّ
__________________
(١) البقرة: ٨٣ و ١٣٢.
(٢) البقرة: ٨٣ و ١٣٢.
بوالديه ومن عقّ، فأجازيكم حقّ جزائكم( فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بالجزاء عليه.
روي: أنّ سعد بن أبي وقّاص الزهري حين أسلم قالت أمّه ـ وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أميّة بن عبد الشمس ـ: يا سعد بلغني أنّك قد صبأت، فوالله لا يظلّني سقف بيت من الضحّ(١) والريح، وإنّ الطعام والشراب عليّ حرام حتّى تكفر بمحمّد، وكان أحبّ ولدها إليها. فأبى سعد، وبقيت ثلاثة أيّام كذلك. فجاء سعد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وشكا إليه. فنزلت هذه الآية، والّتي في لقمان(٢) ، والّتي في الأحقاف(٣) . فأمره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يداريها ويرضيها بالإحسان.
روي عن بهر بن أبي حكيم، عن أبيه، عن جدّه قال: قلت للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أمّك. ثمّ قلت: ثمّ من؟ قال: ثمّ أمّك. قلت: ثمّ من؟ قال: ثمّ أمّك. قلت: ثمّ من؟ قال: أباك، ثمّ الأقرب فالأقرب».
وعن أنس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «الجنّة تحت أقدام الأمّهات».
قال الكلبي: نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وذلك أنّه أسلم، فخاف أهل بيته، فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . فحلفت أمّه أسماء بنت مخزومة بن أبي جندل التميمي: أن لا تأكل، ولا تشرب، ولا تغسل رأسها، ولا تدخل كنّا(٤) ، حتّى يرجع إليها.
فلمّا رأى ابناها أبو جهل والحرث ابنا هشام ـ وهما أخوا عياش لأمّه ـ جزعها ركبا في طلبه حتّى أتيا المدينة، فلقياه وذكرا له القصّة، فلم يزالا به حتّى
__________________
(١) الضحّ: الشمس.
(٢) لقمان: ١٥.
(٣) الأحقاف: ١٥.
(٤) الكنّ: البيت.
أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه، وتبعهما. وقد كانت أمّه صبرت ثلاثة أيّام، ثمّ أكلت وشربت. فلمّا خرجوا من المدينة أخذاه وأوثقاه، وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة حتّى برىء من دين محمد جزعا من الضرب، وقال ما لا ينبغي. فنزلت الآية.
وكان الحرث أشدّهما عليه، فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربنّ عنقه. فلمّا رجعوا إلى مكّة مكثوا حينا، ثمّ هاجر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنون إلى المدينة. وهاجر عياش، وحسن إسلامه. وأسلم الحرث بن هشام، وهاجر إلى المدينة، وبايع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يحضر عياش. فلقيه عياش يوما بظهر قبا، ولم يشعر بإسلامه، فضرب عنقه. فقيل له: إنّ الرجل قد أسلم. فاسترجع عياش وبكى. ثمّ أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره بذلك، فنزل:( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ) (١) .
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) )
ثمّ حكى الله عن حال المؤمنين، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ) في جملتهم. والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومتمنّى أنبياء الله المرسلين. وقد قال في إبراهيمعليهالسلام :( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (٢) . أو في مدخلهم. وهو الجنّة.
وهذا نحو قوله:( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) الآية.
__________________
(١) النساء: ٩٢.
(٢) البقرة: ١٣٠.
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) )
ثمّ حكى عن حال المنافقين، فقال:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ ) بمجرّد اللسان( فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ ) بأن عذّبهم الكفرة على الإيمان( جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ ) ما يصيبهم من أذيّتهم في الصرف عن الإيمان( كَعَذابِ اللهِ ) في الصرف عن الكفر، أي: إذا أوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس، كما ينبغي أن يترك الكافر دينه مخافة عذاب الله، فيسوّي بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب باق دائم، لقلّة تمييزه. وسمّي أذيّة الناس فتنة، لـما في احتمالها من المشقّة.
( وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ ) فتح وغنيمة( لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) في الدين، فأشركونا في المغنم. والمراد: المنافقون. وقيل: هم قوم ضعف إيمانهم، فارتدّوا من أذى المشركين. ويؤيّد الأوّل قوله:( أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ ) من الإخلاص والنفاق.
ثمّ وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، فقال:( وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بقلوبهم( وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ) فيجازي الفريقين.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) )
وبعد ذكر أحوال المؤمنين والمنافقين، بيّن أحوال الكافرين، فقال:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ) طريقتنا الّتي كنّا عليها( وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) آثامكم عنكم، إن قلتم: إنّ لكم في اتّباع ديننا إثما. يعنون بذلك أنّه لا إثم عليكم في اتّباع ديننا، ولا يكون بعث ولا نشور، فلا يلزمنا شيء ممّا ضمنّا. ومثل هذا ما يصدر من ضعفة العامّة فيقول لصاحبه: افعل هذا وإثمه في عنقي.
فردّ الله عليهم وكذّبهم بقوله:( وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) «من» الأولى للتبيين، والثانية مزيدة. والتقدير: وما هم بحاملين شيئا من خطاياهم.( إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) فيما ضمنوا من حمل خطاياهم.
إن قيل: كيف سمّاهم كاذبين، وإنّما ضمنوا شيئا علم الله أنّهم لا يقدرون على الوفاء به، وضامن ما لا يعلم اقتداره على الوفاء به لا يسمّى كاذبا، لا حين ضمن ولا حين عجز، لأنّه في الحالين لا يدخل تحت حدّ الكاذب، وهو المخبر عن الشيء لا على ما هو عليه؟
أجيب: إنّ الله سبحانه شبّه حالهم ـ حيث علم أنّ ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن يفوا به، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون ـ بالكاذبين الّذين خبرهم لا على ما عليه المخبر عنه. ويجوز أن يريد أنّهم كاذبون، لأنّهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الّذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نيّة الخلف.
ولـمّا ذكر كذبهم بحمل خطايا المؤمنين، بيّن ما حملوا بحسب الواقع يوم القيامة، فقال :
( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ) أثقال ما اقترفته أنفسهم( وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ ) وأثقالا أخر معها غير الخطايا الّتي ضمنوا للمؤمنين حملها. وهي أثقال الإضلال، من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء. وهذا كقولهعليهالسلام : «من سنّ سنّة سيّئة» الخبر.
وبهذا المعنى قوله تعالى:( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (١) .
( وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) سؤال تقريع وتبكيت( عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ) من الأباطيل الّتي أضلّوا بها.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) )
ولـمّا ذكر سبحانه حال المجاهد الصابر على أذيّة الكفرة، وحال من كان بخلافه، ذكر قصّة نوحعليهالسلام وصبره على أذى قومه، وتكذيبهم إيّاه في المدّة الطويلة المتمادية، ثمّ عقّب ذلك بذكر غيره من الأنبياء، فقال :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ) بعد البعث، إذ روي أنّه بعث على رأس أربعين، ودعا قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستّين. وعن وهب: أنّه عاش ألفا وأربعمائة عام.
ولعلّ اختيار هذه العبارة على تسعمائة وخمسين، لأنّ هذا قد يطلق على ما يقرب منه. فكأنّه قيل: تسعمائة وخمسين سنة كاملة وافية العدد.
__________________
(١) النحل: ٢٥.
وفيه نكتة اخرى: وهي أنّ القصّة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح من أمّته، وما كابده من طول المصابرة، تسلية لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتثبيتا له، فكان ذكر رأس العدد الّذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض الّذي هو استطالة السامع مدّة صبره.
وذكر المميّز أوّلا بالسنة، وثانيا بالعام، لبشاعة تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد في البلاغة، إلّا إذا وقع ذلك لأجل غرض، من تفخيم أو تهويل أو نحو ذلك.
( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ ) طوفان الماء. وهو ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة، من سيل أو ظلام ليل أو نحوهما.( وَهُمْ ظالِمُونَ ) بالكفر.
( فَأَنْجَيْناهُ ) أي: نوحاعليهالسلام ( وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ ) ومن أركب معه من أولاده وأتباعه. وكانوا ثمانين. وقيل: ثمانية وسبعين، منهم أولاد نوحعليهالسلام : سام، وحام، ويافث، ونساؤهم. وقيل: عشرة، نصفهم ذكور، ونصفهم إناث.( وَجَعَلْناها ) أي: السفينة، أو الحادثة والقصّة( آيَةً لِلْعالَمِينَ ) يتّعظون، ويستدلّون بها على صدق نوح وكفر قومه.
( وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) )
( وَإِبْراهِيمَ ) عطف على «نوحا». أو منصوب بإضمار: اذكر.( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ
اعْبُدُوا اللهَ ) ظرف لـ «أرسلنا» أي: أرسلناه حين كمل عقله وتمّ نظره، بحيث عرف الحقّ وأمر الناس به. أو بدل الاشتمال إن قدّر بـ: اذكر، فإنّ الأحيان تشتمل على ما فيها.( وَاتَّقُوهُ ) عن معاصيه( ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ) ممّا أنتم عليه( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الخير والشرّ، وتميّزون ما هو خير ممّا هو شرّ. أو إن كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل، علمتم أنّه خير لكم.
( إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً ) «ما» كافّة. والمعنى: إنّكم تعبدون أصناما من حجارة لا تضرّ ولا تنفع.( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) كذبا في تسميتها آلهة، وادّعاء شفاعتها عند الله. أو تعلمونها وتنحتونها للإفك. وهو استدلال على شرارة ما هم عليه، من حيث إنّه زور وباطل، للإفك.
( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ) هذا دليل ثان على شرارة ذلك، من حيث إنّه لا يجدي بطائل. و «رزقا» يحتمل المصدر، بمعنى: لا يستطيعون أن يرزقوكم رزقا. وأن يراد المرزوق. وتنكيره للتعميم، أي: لا يملكون لكم شيئا من الرزق.
( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ ) كلّه، فإنّه هو الرزّاق وحده لا يرزق غيره، لأنّه المالك له دون غيره( وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) متوسّلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيّدين لـما حفّكم من النعم بشكره. أو مستعدّين للقائه بعبادته، والشكر له على نعمه، فإنّه( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) إلى حكمه تصيرون يوم القيامة، فيجازيكم على قدر أعمالكم.
( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ
يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) وَإِنْ تُكَذِّبُوا ) وإن تكذّبوني( فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) من قبلي رسلهم، كقوم شعيب وإدريس ونوح وغيرهم، فلم يضرّهم تكذيبهم، وإنّما ضرّوا أنفسهم، حيث حلّ بهم ما حلّ من العذاب بسبب تكذيب الرسل. فكذا تكذيبكم.( وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) الّذي يزال معه الشكّ. وهو اقترانه بآيات الله ومعجزاته.
أو وإن كنت مكذّبا فيما بينكم، فلي في سائر الأنبياء أسوة وسلوة حيث كذّبوا، وعلى الرسول أن يبلّغ، وما عليه أن يصدّق ولا يكذّب.
وهذه الآية وما بعدها إلى قوله تعالى:( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ) (١) من جملة قصّة إبراهيمعليهالسلام . ويحتمل أن تكون اعتراضا بذكر شأن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقريش، وهدم مذهبهم، والوعيد على سوء صنيعهم، توسّط بين طرفي قصّة إبراهيم، من حيث إنّ مساقها لتسلية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتنفيس عنه، بأنّ أباه خليل اللهعليهماالسلام كان ممتحنا بنحو ما امتحن به، من أذيّة قومه الّذين كانوا عبدة الأصنام كقومه، فلأجل تشبيه
__________________
(١) الآية ٢٤ من هذه السورة.
حاله فيهم بحال أبيه إبراهيم، وقعت هذه الجملة معترضة بين قصّته.
( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ) من مادّة وغيرها. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء، على تقدير القول.( ثُمَّ يُعِيدُهُ ) إخبار بالإعادة بعد الموت.
معطوف على «او لم يروا» لا على «يبدئ»، فإنّ الرؤية غير واقعة عليه. ويجوز أن تؤوّل الإعادة، بأن ينشئ في كلّ سنة مثل ما كان في السنة السابقة، من النبات والثمار ونحوهما. فحينئذ تعطف على «يبدئ».
( إِنَّ ذلِكَ ) الإشارة إلى الإعادة، أو إلى ما ذكر من الأمرين( عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء.
( قُلْ ) يا إبراهيم، أو يا محمّد( سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) على اختلاف الأجناس والصفات( ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) بعد النشأة الّتي هي الإبداء، فإنّ الإبداء والإعادة نشأتان، من حيث إنّ كلّ واحد منهما اختراع وإخراج من العدم.
والإفصاح باسم الله، مع إيقاعه مبتدأ بعد إضماره في «بدأ»، والقياس عكسه، للدلالة على أنّ المقصود بيان الإعادة، لأنّ الكفّار ينكرونها.
والمعنى: أنّهم لـمّا أقرّوا بالإبداء لزمهم أن يقرّوا بالإعادة، فإنّها مثل الإبداء، فإنّ من عرف بالقدرة على الإبداء، ينبغي أن يحكم له بالقدرة على الإعادة، لأنّها أهون، فيقدر على النشأة الآخرة، كما قدر على النشأة الأولى. فللدلالة على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ. والكلام في هذا العطف ما مرّ(١) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: النّشاءة، كالرآفة.
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) لأنّ قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كلّ الممكنات على السواء، فيقدر على النشأة الاخرى، كما قدر على النشأة الأولى.
__________________
(١) في ذيل قوله تعالى:( أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) .
ثمّ رتّب على منكر الإعادة ومصدّقها الوعيد والوعد، بقوله:( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) تعذيبه ممّن هو مستحقّه، من الكفّار ومنكري الإعادة( وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ ) رحمته ممّن هو أهل لها، من المؤمن المصدّق( وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) وإلى حكمه وجزائه تردّون وترجعون.
( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) ربّكم، أي: لا تفوتونه إن هربتم من حكمه، ولستم بفائتين عنه إن فررتم من قضائه بالتواري( فِي الْأَرْضِ ) أو الهبوط في مهاويها وأعماقها( وَلا فِي السَّماءِ ) ولا بالتحصّن في السماء الّتي هي أفسح منها وأبسط، كقوله:( إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ) (١) . أو ولا بالاعتلاء في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، كقوله:( وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) (٢) . أو لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجري عليكم البلاء.
وقيل: معناه: ولا من في السماء بمعجزين. فحذف «من» لدلالة الكلام عليه، كما قال حسّان(٣) :
أمن يهجو رسول الله منكم |
ويمدحه وينصره سواء |
فكأنّه قال: ومن يمدحه وينصره سواء.
( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض، أو ينزل من السماء، ويدفعه عنكم.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ) بدلائل وحدانيّته، أو بكتبه( وَلِقائِهِ ) بالبعث( أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ) أي: ييأسون منها يوم القيامة، كقوله:( وَيَوْمَ تَقُومُ
__________________
(١) الرحمن: ٣٣.
(٢) النساء: ٧٨.
(٣) ديوان حسان (طبعة دار صادر): ٩. وفيه: فمن يهجو
السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) (١) . فعبّر عنه بالماضي للتحقيق والمبالغة. أو يئسوا في الدنيا لإنكار البعث والجزاء.( وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) بكفرهم.
( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) )
ثمّ عاد سبحانه إلى قصّة إبراهيم، فقال:( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ ) قوم إبراهيمعليهالسلام ، حين دعاهم إلى الله تعالى، ونهاهم عن عبادة الأصنام( إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ) لنتخلّص منه. وكان ذلك قول بعضهم لبعض. وقيل: قاله واحد منهم، وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في حكم القائلين.
( فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ ) أي: فقذفوه في النار، فأنجاه منها، بأن أذهب حرّها وجعلها عليه بردا وسلاما( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في إنجائه منها( لَآياتٍ ) علامات واضحة. وهي حفظه من أذى النار، وإخمادها ـ مع عظمها ـ في زمان يسير ،
__________________
(١) الروم: ١٢.
وإنشاء روض مكانها.( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لأنّهم المنتفعون بالتفحّص عنها، والتأمّل فيها.
( وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً ) معبودات منحوتات من حجر أو خشب( مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي: لتتوادّوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم واتّفاقكم على عبادتها، فيكون ذلك سبب تحابّهم وتصادقهم. وثاني مفعولي «اتّخذتم» محذوف. ويجوز أن تكون «مودّة» المفعول الثاني بتقدير مضاف، أو بتأويلها بالمودودة، أي: اتّخذتم أوثانا سبب المودّة، أو مودودة بينكم.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر: منوّنة ناصبة «بينكم». وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس: مرفوعة مضافة، على أنّها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي مودّة، أو سبب مودّة بينكم. والجملة صفة «أوثانا». أو خبران على أنّ «ما» مصدريّة أو موصولة، والعائد محذوف، وهو المفعول الأوّل. والمعنى: إنّما تتوادّون عليها، أو تودّونها في الحياة الدنيا.
( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) أي: يقوم التناكر والتباغض والتعادي بينكم، بأن يتبرّأ القادة من الأتباع، ويلعن الأتباع القادة، لأنّهم زيّنوا لهم الكفر. ويقع التلاعن بينكم وبين الأوثان، على تغليب المخاطبين، كقوله تعالى:( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) (١) .
وعن قتادة: كلّ خلّة تنقلب يوم القيامة عداوة إلّا خلّة المتّقين، قال سبحانه:( الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) (٢) .
( وَمَأْواكُمُ ) ومستقرّكم( النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) يخلّصونكم منها.
( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) هو ابن أخته، وأوّل من آمن به. وقيل: آمن به حين رأى النار لم تحرقه.( وَقالَ ) يعني: إبراهيم( إِنِّي مُهاجِرٌ ) من قومي( إِلى رَبِّي ) إلى
__________________
(١) مريم: ٨٢.
(٢) الزخرف: ٦٧.
حيث أمرني ربّي( إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ ) الّذي يمنعني من أعدائي( الْحَكِيمُ ) الّذي لا يأمرني إلّا بما فيه صلاحي.
روي: أنّه هاجر من كوثى ـ وهي من سواد الكوفة ـ مع لوط وامرأته سارة ابنة عمّه إلى حرّان، ثمّ منها إلى الشام، فنزل فلسطين، ونزل لوط سدوم. ومن ثمّ قالوا: لكلّ نبيّ هجرة، ولإبراهيم هجرتان. وله حينئذ خمس وسبعون سنة.
( وَوَهَبْنا لَهُ ) من بعد إسماعيل( إِسْحاقَ ) ولدا( وَيَعْقُوبَ ) نافلة، حين أيس من الولادة، ولذلك لم يذكر إسماعيل.
( وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ ) فكثر منهم الأنبياء( وَالْكِتابَ ) يريد به الجنس، ليتناول الكتب الأربعة.
( وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ ) على هجرته إلينا( فِي الدُّنْيا ) بإعطاء الولد في غير أوانه، والذرّيّة الطيّبة، واستمرار النبوّة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر. وفي هذا دلالة على أنّه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب.
( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) لفي عداد الكاملين في الصلاح، مثل آدم ونوح.
( وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) )
( وَلُوطاً ) عطف على إبراهيم، أو على ما عطف عليه( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ) الفعلة البالغة في القبح( ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) جملة مستأنفة، مقرّرة لفحاشة تلك الفعلة. كأنّ قائلا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل له: لأنّ أحدا قبلهم لم يقدم عليها، اشمئزازا منها في طباعهم، لإفراط قبحها، حتّى أقدم عليها قوم لوط، لخبث طينتهم، وقذر طباعهم.
( أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ) وتتعرّضون للسابلة بالقتل وأخذ الأموال، أو بالفاحشة، حتّى انقطعت الطرق. أو تقطعون سبيل النسل بالإعراض عن النساء.
( وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) في مجالسكم الغاصّة بأهلها. ولا يقال: النادي إلّا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يبق ناديا. والمنكر هو: اللواط، والتضارط، وكشف العورات، وحلّ الإزار من الأقبية(١) ، والخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، والسباب، والفحش في المزاح، والسخريّة بمن مرّ بهم، وضرب الدفوف والمزامير، وغير ذلك من أنواع القبائح.
( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فيما تعدنا من نزول العذاب. أو في استقباح ذلك. أو في دعوى النبوّة المفهومة من التوبيخ.
( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي ) بإنزال العذاب( عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) الّذين يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من الفواحش وأنواع المعاصي طوعا وكرها.
ولأنّهم ابتدعوا الفاحشة، وسنّوها فيمن بعدهم. وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب، وإشعارا بأنّهم أحقّاء بأن يعجّل لهم العذاب.
__________________
(١) الأقبية جمع القباء. وهو ثوب يلبس فوق الثياب. والخذف بالحصاة: الرمي بها من بين سبّابتيه. وفرقع الأصابع فرقعة: أنقضها.
( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه استجاب دعاء لوط، وبعث جبرئيل ومعه الملائكة لتعذيب قومه، فقال :
( وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى ) بالبشارة بالولد والنافلة( قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ ) قرية سدوم. والإضافة لفظيّة، لأنّ المعنى على الاستقبال. وإنّما قالوا هذا، لأنّ قريتهم كانت قريبة من قرية قوم إبراهيم.
ثمّ علّلوا إهلاكهم بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم الّذي هو الكفر وأنواع المعاصي، فقالوا:( إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ) أي: الظلم قد استمرّ منهم في الأيّام السالفة، وهم مصرّون عليه.
ولـمّا علّلوا إهلاك أهلها بظلمهم( قالَ ) إبراهيم:( إِنَّ فِيها لُوطاً ) فكيف تهلكونها؟ وليس هذا إخبارا لهم بكونه فيها، وإنّما هو جدال في شأنه. والمعنى: أنّ إبراهيم لـمّا سمع تعليلهم بإهلاك أهلها بسبب كفرهم، اعترض عليهم بأنّ فيها من
هو بريء من الظلم. وأراد بالجدال إظهار الشفقة عليه، وما يجب للمؤمن من التحزّن لأخيه، والتشمرّ في نصرته، والخوف من أن يمسّه أذى وضرر.
( قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) نحن أعلم منك وأخبر بحال لوط وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البيّن، وأنّه لا يستأهل ما يستأهلون، فهوّن على نفسك الخطب، فإنّا نخلّصه بإخراجه وأهله منها، ثمّ نهلك قومه. فهذا تسليم لقوله، مع ادّعائهم مزيد العلم منهم بلوط، وأنّهم ما كانوا غافلين عن حاله. وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه وأهله. وقرأ أهل الكوفة غير عاصم ويعقوب: لننجينّه، خفيفة الجيم، ساكنة النون.( إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) الباقين في العذاب لا تنجو منه، أو في القرية.
( وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ) جاءته المساءة والغمّ بسببهم، مخافة أن يقصدهم قومه بسوء، أي: ساء مجيئهم لـمّا رآهم في أحسن صورة، لـما كان يعلمه من خبث فعل قومه. و «أن» مزيدة لتأكيد الفعلين واتّصالهما.
( وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ) وضاق لوط بشأن الملائكة وتدبير أمرهم ذرعه، أي: طاقته. يعني: فقدت طاقته في صيانتهم عن قومه، فإنّ ضيق الذرع عبارة عن فقد الطاقة. ومثل ذلك قولهم: ضاقت يده. وبإزائه: رحب ذرعه بكذا، إذا كان مطيقا له.
والأصل فيه: أنّ الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع، فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة.
ولـمّا رأى الملائكة حزنه وضجرته، وضيق ذرعه في دفع القوم عنهم( وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ ) على تمكّنهم منك ومنّا( إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ ) من العذاب( إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) الباقين في العذاب. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: منجوك بالتخفيف. ووافقهم أبو بكر فيه. وموضع الكاف الجرّ على المختار. ونصب «أهلك» بإضمار فعل، أو بالعطف على محلّها باعتبار الأصل.
( إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً ) أي: عذابا( مِنَ السَّماءِ ) سمّي
العذاب رجزا، لأنّه يقلق المعذّب. من قولهم: ارتجز وارتجس إذا اضطرب. وقرأ ابن عامر: منزّلون بالتشديد.( بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) بسبب فسقهم، وخروجهم عن طاعة الله.
( وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها ) من القرية( آيَةً بَيِّنَةً ) عبرة واضحة، ودلالة ظاهرة على قدرتنا. وهي الحكاية الشائعة، أو آثار ديارهم الخربة. وقيل: بقيّة الحجارة الممطورة، فإنّها كانت باقية بعد. وقيل: بقيّة أنهارها المسودّة على وجه الأرض.
( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار. وهذا متعلّق بـ «تركنا» أو «بيّنة».
( وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) )
ثمّ عطف سبحانه قصّة شعيب وقومه على ما تقدّم، فقال:( وَإِلى مَدْيَنَ ) أي: وأرسلنا إلى قبيلة مدين( أَخاهُمْ ) في النسب( شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ ) وافعلوا ما ترجون به ثوابه، من فعل الطاعات وتجنّب السيّئات. فأقيم المسبّب مقام السبب. وقيل: إنّه من الرجاء بمعنى الخوف.( وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) مرّ معناه.
( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) الزلزلة الشديدة. وعن الضحّاك: هي صيحة جبرئيل، لأنّ القلوب ترجف لها.( فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ ) بلدهم، أو دورهم. ولم يجمع لأمن اللبس.( جاثِمِينَ ) باركين على ركبهم ميّتين.
( وَعاداً وَثَمُودَ ) منصوبان بإضمار: اذكر، أو بفعل دلّ عليه ما قبله، مثل: أهلكنا. وقرأ حمزة وحفص ويعقوب: وثمود غير منصرف، على تأويل القبيلة.
( وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ ) أي: بعض مساكنهم. أو إهلاكهم من جهة مساكنهم، إذا نظرتم إليها عند مروركم بها. وكان أهل مكّة يمرّون عليها في أسفارهم فيبصرونها.
( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) من الكفر والمعاصي.( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) السويّ الّذي بيّنه الرسلعليهمالسلام ( وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) عقلاء متمكّنين من النظر والاستبصار، ولكنّهم لم يفعلوا. أو متبيّنين أنّ العذاب لا حق بهم بإخبار الرسل لهم، ولكنّهم لجّوا حتّى هلكوا.
( وَقارُونَ ) عطف على «عادا». وتقديمه على قوله:( وَفِرْعَوْنَ ) لشرف نسبه.( وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) بالحجج الواضحات، من قلب العصا حيّة، واليد البيضاء، وفلق البحر، وغيرها( فَاسْتَكْبَرُوا ) فطلبوا التجبّر، ولم ينقادوا للحقّ( فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ ) فائتين، بل أدركهم أمر الله تعالى، فلم يفوتوه. من: سبق طالبه إذا فاته.
( فَكُلًّا ) من المذكورين( أَخَذْنا ) عاقبنا( بِذَنْبِهِ ) بتكذيبهم الرسل( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً ) وهم قوم لوط. وقيل: عاد. وهي ريح عاصف فيها حصباء. وقيل: ملك كان يرميهم.( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) صيحة جبرئيل. وهم ثمود وقوم شعيب.( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ ) كقارون( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ) وهم قوم نوح وفرعون وقومه.
( وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم بغير جرم، إذ هو قادح في العدالة الواجبة عليه( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) بما يوجب العذاب، من الكفر وتكذيبهم الرسل.
( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) )
ثمّ شبّه سبحانه ما اتّخذوه من دون الله متّكلا في دينهم، ومعوّلا عليهم، بما هو مثل عند الناس في الوهن والوهي(١) والضعف، وهو نسج العنكبوت، فقال :
( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ ) من الأصنام وغيرها( كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ) فكما أنّ بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئا، لكونه في غاية الوهن والضعف، ولا يجدي نفعا، كذلك الأصنام لا تملك لهم خيرا وشرّا ،
__________________
(١) الوهي: الضعف والاسترخاء.
ونفعا وضرّا.
والوليّ: هو المتولّي للنصرة. وهو أبلغ من الناصر، لأنّ الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة، والوليّ هو الّذي يتولّى النصرة بنفسه.
والعنكبوت: يقع على الواحد والجمع، والمذكّر والمؤنّث. والتاء فيه كتاء طاغوت. ويجمع على: عناكب، وعناكيب، وعكاب، وعكبة، وأعكب.
( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ ) أضعفها( لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ) لا بيت أوهن وأقلّ وقاية للحرّ والبرد منه( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) يرجعون إلى علم لعلموا أنّ هذا مثلهم، وأنّ دينهم أوهن من ذلك. ويجوز أن يخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز، بأن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم، سمّاه به تحقيقا للتمثيل. فكأنّه قال: وإنّ أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان.
وقل لهم:( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) وقرأ البصريّان ويعقوب بالياء، حملا على ما قبله.
و «ما» استفهاميّة منصوبة بـ «يدعون». و «يعلم» معلّقة عنها، و «من» للتبيين.
وهذا ما ذهب إليه سيبويه والخليل. أو نافية، و «من» مزيدة، و «شيء» مفعول «يدعون». وعلى التقديرين ؛ هذا الكلام تجهيل لهم، حيث عبدوا ما ليس بشيء، لأنّه جماد ليس معه مصحّح العلم والقدرة، وتوكيد للمثل المذكور. أو «ما» مصدريّة، و «شيء» مصدر، أو موصولة مفعول لـ «يعلم». ومفعول «يدعون» عائدها المحذوف. وعلى هذين التقديرين وعيد لهم.
ثمّ علّل على ذلك بقوله:( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) والمعنى: إنّ من فرط الغباوة إشراك ما لا يعدّ شيئا بمن هذا شأنه. وإنّ الجماد بالإضافة إلى القادر القاهر على كلّ شيء، البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية، كالمعدوم. وإنّ من هذا صفته قادر على مجازاتهم.
روي: أنّ السفهاء من قريش كانوا يقولون: إنّ ربّ محمّد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فردّ الله تعالى ذلك عليهم بقوله :
( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ ) يعني: هذا المثل ونظائره( نَضْرِبُها ) نذكرها ونبيّنها( لِلنَّاسِ ) تقريبا لـما بعد من أفهامهم، من حسن المعرفة والتوحيد، وقبح ما هم فيه من عبادة الأصنام( وَما يَعْقِلُها ) وما يعقل حسنها وصحّتها وفائدتها( إِلَّا الْعالِمُونَ ) الّذين يتدبّرون الأشياء على ما ينبغي. فهم بالتدبّر الكامل يفهمون أنّ الأمثال والتشبيهات هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار، حتّى تبرزها وتكشف عنها وتصوّرها للأفهام، كما صوّر هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحّد.
وروى الواحدي بالإسناد عن جابر قال: «إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لـمّا تلا هذه الآية قال: «العالم من عقل عن الله تعالى، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه»(١) .
( خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) ) ثمّ بيّن سبحانه ما يدلّ على إلهيّته واستحقاقه العبادة، فقال:( خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أخرجهما من العدم إلى الوجود( بِالْحَقِ ) ملتبسا بالغرض الصحيح الّذي هو حقّ لا باطل، فإنّ المقصود بالذات من خلقهما أن تكونا مساكن عباده، ومواضع إفاضة الخير، ودلائل على ذاته وصفاته، كما
__________________
(١) تفسير الوسيط ٣: ٤٢٠.
أشار إليه بقوله:( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) لأنّهم المنتفعون بها.
ثمّ خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) اقرأ القرآن مرّة بعد اخرى على المكلّفين تقرّبا إلى الله بقراءته، وتحفّظا لألفاظه، واستكشافا لمعانيه، فإنّ القارئ المتأمّل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أوّل ما قرع سمعه.
( وَأَقِمِ الصَّلاةَ ) الّتي هي المستحقّ بها الثواب عند الله، وهي الّتي تكون مؤدّاة مع مراعاة شرائطها المعتبرة فيها، ومحافظة أركانها وسائر واجباتها( إِنَّ الصَّلاةَ ) المنعوتة( تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها، من حيث إنّها تذكّر لله تعالى، وتورث النفس خشية منه.
روي عن أنس: أنّ فتى من الأنصار كان يصلّي مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الصلوات الخمس، ولا يدع شيئا من الفواحش إلّا ركبه، فوصف له، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الصّلاة ستنهاه يوما». فلم يلبث أن تاب.
وعن جابر: قال: قيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّ فلانا يصلّي بالنهار، يسرق بالليل. فقال: «إنّ صلاته لتردعه».
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن ينتهي عن الفحشاء والمنكر».
ومعنى ذلك: أنّ الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي، فمن أقامها ثمّ لم ينته عن المعاصي، لم تكن صلاته بالصفة الّتي وصفها الله تعالى بها. فإن تاب من بعد ذلك وترك المعاصي، فقد تبيّن أنّ صلاته كانت نافعة له ناهية، وإن لم ينته إلّا بعد زمان.
وروى أصحابنا عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من أحبّ أن يعلم أقبلت صلاته أم
لم تقبل؟ فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر، فبقدر ما منعته قبلت منه».
وعن ابن عبّاس: من لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلّا بعدا.
وعن الحسن: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته بصلاة، وهي وبال عليه.
وفي الآية دلالة على أنّ فعل الصلاة لطف للمكلّف في ترك القبيح والمعاصي الّتي ينكرها العقل والشرع.
( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) وللصلاة أكبر من سائر الطاعات. وإنّما عبّر عنها بالذكر، للتعليل بأنّ اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضّلة على الحسنات، ناهية عن السيّئات، كأنّه قال: وللصلاة أكبر، لأنّها ذكر الله.
وعن ابن عبّاس: معناه: ولذكر الله تعالى إيّاكم برحمته، أكبر من ذكركم إيّاه بطاعته.
وروي عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال: قال ابن عبّاس: أرأيت قول الله تعالى:( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) ؟ قال: قلت: ذكر الله بالقرآن حسن، وذكره بالصلاة حسن، وبالتسبيح والتكبير حسن، وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربّه عند المعصية فينحجز(١) عنها. فقال ابن عبّاس: لقد قلت قولا عجبا، وهو كما قلت، ولكن معنى الآية: ذكر الله إيّاكم أكبر من ذكركم إيّاه.
وقيل: معناه: ذكر العبد لربّه من التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد وغيرها، أكبر ممّا سواه، وأفضل من جميع أفعاله.
روي عن ثابت البناني قال: إنّ رجلا أعتق أربع رقاب، فقال رجل آخر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر. ثمّ دخل المسجد، فأتى حبيب بن
__________________
(١) أي: فيمتنع.
أوفى السلمي وأصحابه، فقال: ما تقولون في رجل أعتق أربع رقاب، وإنّي أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، فأيّهما أفضل؟ فنظروا هنيهة، فقالوا: ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله.
وعن معاذ بن جبل قال: ما عمل آدميّ عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر اللهعزوجل . قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد. قال: إنّ اللهعزوجل يقول:( وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) .
وعنه قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللهعزوجل ».
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة، فليكثر ذكر اللهعزوجل ».
( وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ) منه ومن سائر الطاعات، فيجازيكم به أحسن المجازاة.
( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا
نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) )
ولـمّا تقدّم الأمر بالدعاء إلى الله سبحانه، بيّن عقيبه كيف يدعونهم إلى الله؟ وكيف يجادلونهم؟ فقال :
( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي ) بالخصلة الّتي( هِيَ أَحْسَنُ ) كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، كما قال:( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (١) .
وفيه دلالة على وجوب الدعاء إلى الله تعالى على أحسن الوجوه وألطفها، واستعمال القول الجميل في التنبيه على آيات الله وحججه.
وقيل: هو منسوخ بآية السيف(٢) ، وإذ لا مجادلة أشدّ منه. وجوابه: أنّه آخر الدواء. وقيل: المراد به ذوو العهد منهم.
( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) بالإفراط في الاعتداء والعناد، أو بإثبات الولد، وقولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) (٣) . أو بنبذ العهد ومنع الجزية. فلم يقبلوا النصح، ولم ينفع فيهم الرفق، فاستعملوا معهم الغلظة.
وقيل: معناه: إلّا الّذين آذوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكتموا صفاته بعد العلم به.
( وَقُولُوا ) لهم في المجادلة، وفي الدعوة إلى الدين( آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) أي: بالكتاب الّذي أنزل إلينا، وبالكتاب الّذي أنزل إليكم. وهو من جنس المجادلة بالّتي هي أحسن.
__________________
(١) المؤمنون: ٩٦.
(٢) التوبة: ٥ و ٢٩.
(٣) المائدة: ٦٤.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله تعالى وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدّقوهم، وإن قالوا حقّا لم تكذّبوهم».
( وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ ) لا شريك له( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) مطيعون له خاصّة. وفيه تعريض باتّخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله.
( وَكَذلِكَ ) ومثل إنزال الكتاب على موسى وعيسى( أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ) القرآن، وحيا مصدّقا لسائر الكتب الإلهيّة. وهو تحقيق لقوله تعالى:( فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) أي: علم الكتاب، بحذف المضاف( يُؤْمِنُونَ بِهِ ) وهم عبد الله بن سلام وأضرابه، أو من تقدّم عهد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهل الكتاب( وَمِنْ هؤُلاءِ ) ومن العرب. أو أهل مكّة. أو ممّن في عهد الرسول من أهل الكتابين.( مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) بالقرآن.
( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ) مع ظهورها، وقيام الحجّة عليها، وزوال الشبهة عنها( إِلَّا الْكافِرُونَ ) إلّا المتوغّلون في الكفر، المصمّمون عليه، ككعب بن الأشرف وأضرابه، فإنّ توغّلهم في الكفر وتصميمهم عليه يمنعهم عن التأمّل فيما يفيد لهم صدقها، لكونها معجزة بالإضافة إلى الرسول، كما أشار إليه بقوله:( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ) قبل أن يوحى إليك القرآن( وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) فإنّ ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة، على أمّي لم يعرف بالقراءة والتعلّم، خارق للعادة. وذكر اليمين زيادة تصوير لـما نفى عنه من كونه كاتبا، ونفي للتجوّز في الإسناد.
( إِذاً ) أي: لو كنت ممّن يخطّ ويقرأ( لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) لوجد المبطلون طريقا إلى اكتساب الشكّ في أمرك، وإلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوّتك. ولقالوا: إنّما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأوّلين وزبر الأقدمين، فلمّا ساويتهم في المولد والمنشأ، ثمّ أتيت بما عجزوا عنه، وجب أن يعلموا أنّه من عند الله وليس من
عندك، إذ لم تجر العادة أن ينشأ الإنسان بين قوم يشاهدون أحواله من عند صغره إلى كبره، ويرونه في حضره وسفره، لا يتعلّم شيئا من غيره، ثمّ يأتي من عنده بشيء يعجز الكلّ عنه وعن بعضه، ويقرأ عليهم أقاصيص الأوّلين.
وإنّما سمّاهم مبطلين، لأنّهم كفروا به وهو أمّيّ بعيد من الريب. فكأنّه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به.
وأيضا لـمّا كان الأنبياء لم يكونوا أمّيّين، ووجب الإيمان بهم وبما جاؤا به، لكونهم مصدّقين من جهة الحكيم بالمعجز، فهب أنّه قارئ كاتب، فما لهم لم يؤمنوا به من الوجه الّذي آمنوا منه بموسى وعيسى؟ على أنّ المنزلين ليسا بمعجزين، وهذا المنزل معجز. فإذا هم مبطلون حيث لا يؤمنون به وهو أمّيّ.
قال الشريف الأجلّ المرتضى علم الهدىقدسسره : «هذه الآية تدلّ على أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة. فأمّا بعدها فالّذي نعتقده في ذلك التجويز، لكونه عالما بالقراءة والكتابة بعد ذلك، لأنّ ظاهر الآية يقتضي أن النفي قد تعلّق بما قبل النبوّة، دون ما بعدها. ولأنّ التعليل في الآية يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة، لأنّ المبطلين إنّما يرتابون في نبوّته لو كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، فأمّا بعد النبوّة فلا تعلّق له بالريبة والتهمة، فيجوز أن يكون قد تعلّمها من جبرئيلعليهالسلام بعد النبوّة»(١) .
ثمّ قال سبحانه:( بَلْ هُوَ ) أي: القرآن( آياتٌ بَيِّناتٌ ) دلالات واضحات( فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) في صدور العلماء به وحفّاظه. وهم النبيّ والمؤمنون به، لأنّهم حفظوه، فلا يقدر أحد على تحريفه. وعن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام : «الأئمّة من آل محمّد صلّى الله عليهم أجمعين».
قال قتادة: أعطي هذه الأمّة الحفظ، ومن كان قبلها لا يقرءون الكتاب إلّا نظرا.
__________________
(١) رسائل الشريف المرتضى ١: ١٠٧.
( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) أي: المتوغّلون في الظلم بالمكابرة، بعد وضوح دلائل إعجازها.
( وَقالُوا ) أي: كفّار مكّة( لَوْ لا ) هلّا( أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ ) أي: آية مقترحة منه، مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسىعليهالسلام . وقرأ نافع وابن عامر والبصريّان وحفص: آيات.
( قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ ) ينزّلها كما يشاء على وفق مصالح عباده، في كلّ عصر من أعصار أنبيائه، ولست أملكها فآتيكم بما تقترحونه( وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ليس من شأني إلّا الإنذار، وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أتخيّر على الله آياته، فأقول: أنزل عليّ آية كذا دون آية كذا، مع علمي أنّ الغرض من آياته ثبوت الدلالة، والآيات كلّها في حكم آية واحدة في ذلك.
ثمّ قال:( أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ ) آية مغنية عمّا اقترحوه( أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ) تدوم تلاوته في كلّ مكان وزمان عليهم متحدّين به، فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحلّ، كما تزول كلّ آية بعد كونها. أو تكون في مكان دون مكان. أو أو لم يكف اليهود أنّا أنزلنا الكتاب يتلى عليهم، بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) الكتاب الّذي هو آية مستمرّة وحجّة مبيّنة( لَرَحْمَةً ) لنعمة عظيمة لا يطاق شكرها، لأنّ من تبعه وعمل به نال الثواب وفاز بالجنّة( وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) وتذكرة لمن همّه الإيمان دون التعنّت.
وقيل: إنّ ناسا من المسلمين أتوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكتف قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود، فلمّا أن نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها ضلالة قوم أن يرغبوا عمّا جاءهم به نبيّهم إلى ما جاء به غير نبيّهم. فنزلت.
وفي هذه الآية دلالة على أنّ القرآن كاف في المعجز، وأنّه في أعلى درجات
الإعجاز، لأنّه جعله كافيا عن جميع المعجزات.
( قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) )
روي: أنّ كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا تعنّتا: يا محمّد من يشهد أنّك رسول الله؟ فنزلت:( قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً ) بصدقي، فإنّه صدّقني بالمعجزات. أو بتبليغي ما أرسلت به إليكم ونصحي، ومقابلتكم إيّاي بالتكذيب والتعنّت.( يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فهو مطّلع على أمري وأمركم، وعالم بحقّي وباطلكم.
( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ ) وهو ما تعبدون من دون الله تعالى( وَكَفَرُوا بِاللهِ ) وبآياته منكم( أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) المغبونون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر بالإيمان.
( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ) استهزاء منهم وتكذيبا. ومنهم النضر بن الحارث قال: أللّهمّ أمطر علينا حجارة من السماء، كما قال أصحاب الأيكة: فأسقط علينا كسفا من السماء.
( وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى ) قد سمّاه الله وبيّنه في اللوح لعذابهم، وأوجبت الحكمة
تأخيره إلى الأجل المسمّى( لَجاءَهُمُ الْعَذابُ ) عاجلا( وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً ) فجأة.
والمراد به الآخرة، لـما روي أنّ اللهعزوجل وعد رسول الله أنّ قومه لا يستأصلهم، وأن يؤخّر عذابهم إلى يوم القيامة( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) بإتيانه.
ثمّ ذكر أنّ موعد عذابهم النار، فقال:( يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ) ستحيط بهم يوم يغشاهم العذاب. أو هي كالمحيطة بهم في الدنيا، لأنّ الكفر والمعاصي الّتي توجبها محيطة بهم. أو لأنّها مآلهم ومرجعهم لا محالة، فكأنّها الساعة محيطة بهم. واللام للعهد، على وضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على موجب الإحاطة. أو للجنس فيكون استدلالا بحكم الجنس على حكمهم.
( يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ ) ظرف «لمحيطة». أو مقدّر بمثل: كان كيت وكيت.
( مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) أي: من جميع جوانبهم، كقوله:( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) (١) . وقوله:( لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ ) (٢) . لا أنّه يصل إلى موضع منهم دون موضع، فلا يبقى جزء منهم إلّا وهو معذّب في النّار.
( وَيَقُولُ ) اللهعزوجل ، أو بعض ملائكته بأمره. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريّون بالنون.( ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: جزاءه.
( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
__________________
(١) الزمر: ١٦.
(٢) الأعراف: ٤١.
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) )
ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا عذر لعباده في ترك طاعته، فقال:( يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) أي: إذا لم يتسهّل لكم العبادة في بلدة، ولم يتيسّر لكم إظهار دينكم، فهاجروا عنها إلى بلد تقدّرون فيه أنّكم فيه أسلم قلبا، وأصحّ دينا، وأكثر عبادة، وأحسن خشوعا، واطرد للشيطان، وأبعد من الفتن، وأضبط للأمر الديني.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا استوجب الجنّة، وكان رفيق إبراهيم ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقيل: نزلت في المستضعفين بمكّة. والفاء جواب شرط محذوف. وتقديم المفعول للاختصاص. والمعنى: إنّ ارضي واسعة، فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها.
وعن أبي عبد اللهعليهالسلام معناه: «إذا عصي الله في أرض أنت فيها، فاخرج منها إلى غيرها».
ثمّ خوّفهم بالموت ليهوّن عليهم الهجرة، فقال:( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) واجدة مرارة الموت، كما يجد الذائق طعم المذوق. والمراد: تناله الموت لا محالة.
( ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) للجزاء. ومن كانت هذه عاقبته لم يكن له بدّ من التزوّد لها، والاستعداد بجهده. وقرأ أبو بكر بالياء.
ثمّ ذكر ثواب من هاجر، فقال:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ )
لننزلنّهم( مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً ) علالي(١) عاليات. وقرأ حمزة والكسائي: لنثوينّهم، أي: لنقيمنّهم. من الثواء، وهو النزول للإقامة. يقال: ثوى في المنزل، وأثوى غيره، فثوى غير متعدّ. وإذا تعدّى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولا واحدا، نحو: ذهبت وأذهبت. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف، إمّا إجراؤه مجرى: لننزلنّهم. أو حذف الجارّ وإيصال الفعل. أو تشبيه الظرف الموقّت بالمبهم.
عن ابن عبّاس: لنسكننّهم غرف الدرّ والزبرجد والياقوت.
( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ) يبقون فيها ببقاء الله( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) والمخصوص بالمدح محذوف، دلّ عليه ما قبله، أي: نعم أجر العاملين الغرف وجري الماء من تحتها على سبيل الخلود والتأبيد.
( الَّذِينَ صَبَرُوا ) على أذيّة المشركين، ومفارقة الأوطان والهجرة، وغيرها من أنواع المحن والمشاقّ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) تقديم الظرف للحصر، أي: لا يتوكّلون إلّا على الله في مهمّات أمورهم ومهاجرة دورهم.
قيل: إنّهم لـمّا أمروا بالهجرة، قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت:( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ) وكم نفس دبّت على وجه الأرض( لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) لا تطيق حمل رزقها، لضعفها عنه. أو لا تدّخره، وإنّما تصبح ولا معيشة عندها.
عن ابن عبّاس: إنّ الحيوان أجمع، من البهائم والطيور وغيرهما ممّا يدبّ على وجه الأرض، لا تدّخر القوت لغدها، إلّا ابن آدم والنملة والفأرة، بل تأكل منه قدر كفايتها فقط.
( اللهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ ) أي: إنّها مع ضعفها وتوكّلها، وإنّكم مع قوّتكم واجتهادكم، سواء في أنّه لا يرزقها وإيّاكم إلّا الله، لأنّ رزق الكلّ بأسباب، هو
__________________
(١) علالي جمع العلّيّة. وهي: بيت منفصل عن الأرض ببيت ونحوه.
المسبّب لها وحده، فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة( وَهُوَ السَّمِيعُ ) لقولكم: نخشى الفقر( الْعَلِيمُ ) بما في ضمائركم.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) )
ثمّ عجّب سبحانه رسوله والمؤمنين من إيمان المشركين بالباطل، مع اعترافهم بأنّ الله هو خالق كلّ شيء، فقال:( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) سألت أهل مكّة( مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) ومن ذلّلهما وسيّرهما في دورانهما على طريقة واحدة لا تختلف( لَيَقُولُنَّ اللهُ ) في جواب ذلك، لـما تقرّر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) فكيف يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك؟!( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) يوسّعه( لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) يحتمل أن يكون الموسّع له والمضيّق عليه واحدا، على أنّ البسط والقبض على التعاقب
حسب المصلحة. وأن يريد ويقدّر لمن يشاء. فوضع الضمير موضع من يشاء، لأنّ من يشاء منهم غير معيّن، فكان الضمير مبهما مثله.( إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يعلم مصالحهم ومفاسدهم.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ ) معترفين بأنّه الموجد للممكنات بأسرها، أصولها وفروعها، ثمّ إنّهم يشركون به بعض مخلوقاته الّذي لا يقدر على شيء من ذلك.
( قُلِ ) يا محمّد عند ذلك( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على ما عصمك من مثل هذه الضلالة. أو على تصديقك وإظهار حجّتك.( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) فيتناقضون، حيث يقرّون بأنّه المبدئ لكلّ ما عداه، ثمّ إنّهم يشركون به الأصنام. وقيل: لا يعقلون ما تريد بقولك: الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم؟! ولـمّا كانت الدنيا وما فيها ـ مع عظم سعتها ـ لا تزن عند الله جناح بعوضة، أشار إليها تحقيرا وإزراء بقوله:( وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) ما هي ـ لسرعة زوالها عن أهلها ـ إلّا كما يلعب ويلهى به الصبيان، يجتمعون عليه، ويبتهجون به ساعة، ثمّ يتفرّقون متعبين.
( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ ) يعني: الجنّة( لَهِيَ الْحَيَوانُ ) لهي دار الحياة، أو ذات الحياة الحقيقيّة، لامتناع طريان الموت عليها. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو جعلت في ذاتها حياة للمبالغة.
والحيوان مصدر: حيي. سمّي به ذو الحياة. وقياسه: حييان، فقلبت الياء الثانية واوا. وهو أبلغ من الحياة، لـما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة، كما أنّ الموت سكون، ولذلك اختير عليها هاهنا.
( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) لم يؤثروا عليها الدنيا الّتي أصلها عدم الحياة، والحياة فيها عارضة سريعة الزوال.
( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) )
( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ) متّصل بما دلّ عليه ما وصفهم به وشرح من أمرهم، أي: هم على ما وصفوا به من الشرك، فإذا ركبوا في السفن في البحر، وهاجت به الرياح، وتلاطمت به الأمواج، وخافوا الهلاك( دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلّا الله، ولا يدعون معه إلها آخر، لعلمهم بأنّه لا يكشف الشدائد إلّا هو، فلم يطلبوا من شركائهم إنجاءهم. وفي تسميتهم مخلصين ضرب من التهكّم.
( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ) وأمنوا من الهلاك( إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) فاجئوا المعاودة إلى الشرك.
( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ) اللام فيه لام «كي» أي: يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة( وَلِيَتَمَتَّعُوا ) وليكونوا قاصدين التمتّع بها والتلذّذ لا غير، ومجتمعين على عبادة الأصنام وتوادّهم، على خلاف ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة، إذا أنجاهم الله أن يشكروا نعمة الله في إنجائهم، ويجعلوا
نعمة النجاة ذريعة إلى ازدياد طاعة الله بالإخلاص، لا إلى التمتّع والتلذّذ.
أو لام الأمر على التهديد. ونحوه قوله تعالى:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (١) . ويؤيّده قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي، وقالون عن نافع: وليتمتّعوا بالسكون.
( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) عاقبة ذلك حين يعاقبون.
( أَوَلَمْ يَرَوْا ) يعني: أهل مكّة( أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ) أي: جعلنا بلدهم آمنا أهله عن القتل والسبي، مصونا عن النهب والتعدّي( وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ ) ويختلسون قتلا وسبيا( مِنْ حَوْلِهِمْ ) إذ كانت العرب حول مكّة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون ويتناهبون، وأهل مكّة قارّون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم، مع قلّتهم وكثرة العرب. فذكّرهم الله هذه النعمة الخاصّة عليهم، ليذعنوا له بالطاعة، وينزجروا عن عبادة غيره.
( أَفَبِالْباطِلِ ) أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها ممّا لا يقدر عليه إلّا الله بالصنم أو بالشيطان( يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ ) حيث أشركوا به غيره. وتقديم الصلتين للاهتمام، أو الاختصاص على طريق المبالغة.
ثمّ وبّخهم بقوله:( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) بأن زعم أنّ له شريكا( أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ ) يعني: الرسول، أو الكتاب. وفي «لمّا» تسفيه لهم بأن لم يتوقّفوا ولم يتأمّلوا قطّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أوّل ما سمعوه.
( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ) تقرير لثوائهم. وحقيقته أنّ الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى: ألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله تعالى، وكذّبوا بالحقّ مثل هذا التكذيب؟! أو تقرير
__________________
(١) فصّلت: ٤٠.
لاجترائهم، أي: ألم يعلموا أنّ في جهنّم مثوى للكافرين، حتّى اجترءوا مثل هذه الجرأة؟!( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا ) في حقّنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا. وأطلق المجاهدة ولم يقيّدها بمفعول، ليعمّ جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه. فكأنّه قال: والّذين جاهدوا الكفّار ابتغاء مرضاتنا وطاعة لنا، وجاهدوا أنفسهم في هواها خوفا منّا.
( لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ) سبل السير إلينا، والوصول إلى غاية التقرّب لنا. أو لنزيدنّهم هداية إلى سبيل الخير، وتوفيقا لسلوكها، كقوله:( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ) (١) . وفي الحديث: «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لا يعلم».
وعن بعضهم: إنّ الّذي نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنّما هو من تقصيرنا فيما نعلم.( وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) بالنصر والإعانة.
__________________
(١) محمّد: ١٧.
(٣٠)
سورة الروم
مكّيّة. وهي ستّون آية. عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ ملك سبّح لله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيّع في يومه وليلته».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) )
ولـمّا أجمل في آخر العنكبوت ذكر المجاهدين، فصّله في هذه السورة، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ) أقرب أرض العرب منهم، لأنّ الأرض المعهودة عندهم أرضهم. وهي أطراف الشام. أو في أدنى أرضهم من العرب، على إنابة اللام مناب المضاف إليه. وقال مجاهد: هي أرض الجزيرة. وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. وعن ابن عبّاس: الأردن وفلسطين.
( وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ ) من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: من بعد غلبة فارس إيّاهم( سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) وهو ما بين ثلاث إلى العشر.
روي: أنّه احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم.
فبلغ الخبر مكّة، فشقّ على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمين، لأنّ فارس مجوس لا كتاب لهم، والروم أهل الكتاب. وفرح المشركون وشمتوا، وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أمّيّون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، فسنظهرنّ نحن عليكم كما ظهرت فارس على الروم.
فقال لهم أبو بكر: لا يقرّنّ الله أعينكم، فو الله لتظهرنّ الروم على فارس بعد بضع سنين.
فقال له أبيّ بن خلف: كذبت اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه. والمناحبة: المراهنة. وهي غير محرّمة في مبدأ الإسلام.
فناحبه على عشر قلائص(١) من كلّ واحد منهما. وجعلا الأجل ثلاث سنين.
فأخبر أبو بكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال البضع: ما بين الثلاث إلى العشر. فزايده في الخطر، ومادّه في الأجل ـ والخطر هو السبق الّذي بين المتراهنين ـ فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.
ومات أبيّ من جرح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم احد. وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين.
فأخذ أبو بكر الخطر من ذريّة أبيّ، وجاء
__________________
(١) القلائص جمع القلوص، وهي الأنثى الشابّة من الإبل.
به إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: تصدّق به.
وهذه الآية من الآيات البيّنة الشاهدة على صحّة النبوّة، وأنّ القرآن من عند الله، لأنّها إنباء عمّا سيكون، وهو الغيب الّذي لا يعلمه إلّا الله.
( لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ) من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين( وَمِنْ بَعْدُ ) ومن بعد كونهم مغلوبين، وهو وقت كونهم غالبين، أي: له الأمر حين غلبوا وحين يغلبون، ليس شيء منهما إلّا بقضائه، وتلك الأيّام نداولها بين الناس.
وعن أبي سعيد الخدري قال: التقينا مع رسول الله ومشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب، ونصر الروم على المجوس، ففرحنا بنصر الله إيّانا على المشركين، ونصر أهل الكتاب على المجوس. فذلك قوله:( وَيَوْمَئِذٍ ) ويوم تغلب الروم على فارس( يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ ) إيّاهم، ومن له كتاب على من لا كتاب له، لـما فيه من انقلاب التفاؤل، وظهور صدقهم فيما أخبروا به المشركين، وغلبتهم في رهانهم، وازدياد يقينهم وثباتهم في دينهم، ولأنّهم مقدّمة لنصرهم على المشركين.
وقيل: بنصر الله المؤمنين بإظهار صدقهم فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم. أو بأنّه ولّى بعض الظالمين بعضا، وفرّق بين كلمتهم، حتّى تفانوا وتناقصوا، وفلّ(١) هؤلاء شوكة هؤلاء، وفي ذلك قوّة للإسلام.
وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدر، وفي هذا اليوم نصر المؤمنون.
( يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ ) فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء اخرى( وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة، ويتفضّل عليهم بنصرهم اخرى.
( وَعْدَ اللهِ ) مصدر مؤكّد لنفسه، أي: وعد الله ذلك وعدا، لأنّ ما قبله في معنى الوعد، كقولك: له عليّ ألف درهم اعترافا( لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ ) بظهور الروم
__________________
(١) أي: كسر.
على فارس، لامتناع الكذب عليه( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) أكثر أهل مكّة، وهم كفّارهم( لا يَعْلَمُونَ ) وعده، ولا صحّة وعده، لجهلهم، وعدم تفكّرهم.
ثمّ ذمّهم الله تعالى بأنّهم بصراء بأمور الدنيا، يعلمون منافعها ومضارّها على الوجه الأتمّ، وبله(١) في أمر الدين، فقال:( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) ما يشاهدونه منها، فيبلغون في التجارات وأنواع المكاسب أبلغ المراتب، فيتمتّعون بزخارفها وملاذّها. وعن الحسن: بلغ من علم أحدهم بدنياه أنّه يقلّب الدرهم على ظهره، فيخبرك بوزنه، وينقره(٢) بإصبعه، فيعلم أردئ هو أم جيّد؟ وما يحسن أن يصلّي.
( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ ) الّتي هي غايتها والمقصود منها( هُمْ غافِلُونَ ) لا تخطر ببالهم. و «هم» الثانية تكرير للأولى. أو مبتدأ، و «غافلون» خبره، والجملة خبر «هم» الأولى. وهو على الوجهين مناد على تمكّن غفلتهم عن الآخرة، المحقّقة لمقتضى الجملة المتقدّمة المبدلة من قوله: «لا يعلمون» تقريرا لجهالتهم، وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها، فإنّ من العلم بظاهرها معرفة حقائقها وصفاتها وخصائصها وأفعالها وأسبابها، وكيفيّة صدورها منها، وكيفيّة التصرّف فيها. ولذا قال «ظاهرا» بالتنكير. وأمّا باطنها، فإنّها مجاز إلى الآخرة، ووصلة إلى نيلها، وأنموذج لأحوالها. وإشعارا بأنّه لا فرق بين عدم العلم، والعلم الّذي يختصّ بظاهر الدنيا.
( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ
__________________
(١) بله بلها: ضعف عقله وعجز رأيه. فهو أبله. وجمعه: بله.
(٢) أي: يضربه.
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) )
ثمّ حثّ سبحانه على التفكّر والتدبّر فيما يدلّ على توحيده، من خلق السماوات والأرض، ثمّ أحوال القرون الخالية والأمم الماضية، فقال:( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ) أو لم يحدثوا التفكّر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة من الفكر. فالجارّ والمجرور ظرف للفعل. ويحتمل أن يكون صلة له. ومعناه: أو لم يتفكّروا في خلق أنفسهم، فإنّها أقرب إليهم من غيرها ومرآة يجتلى فيها للمستبصر ما يجتلى له في الممكنات بأسرها، ليتحقّق لهم قدرة مبدعها على إعادتها، كقدرته على إبدائها.
وقوله:( ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ ) متعلّق بقول أو علم محذوف يدلّ عليه الكلام. تقديره: أو لم يتفكّروا فيقولوا أو فيعلموا هذا القول.
والمعنى: ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح وحكمة بالغة، بل إنّما خلقها مقرونة بالحقّ، مصحوبة بالحكمة.
( وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) وبتقدير أجل مقرّر مقدّر لا بدّ لها من أن تنتهي إليه، ولا تبقى بعده. وهو وقت قيام الساعة.
( وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ) بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمّى، أو قيام الساعة( لَكافِرُونَ ) جاحدون، يحسبون أنّ الدنيا أبديّة، وأنّ
الآخرة لا تكون.
ثمّ نبّههم سبحانه دفعة اخرى، فقال:( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) تقرير لسيرهم في أقطار الأرض، ونظرهم في آثار المدمّرين من قبلهم.( كانُوا ) هم( أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) كعاد وثمود، لأنّهم كانوا أطول أعمارا، وأكثر عددا وعددا.
( وَأَثارُوا الْأَرْضَ ) وقلّبوا وجهها، لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وزرع البزور، وغيرها. وسمّي الثور ثورا لإثارته الأرض، وبقرة لبقرها، وهو الشقّ.
( وَعَمَرُوها ) وعمروا الأرض( أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ) من عمارة أهل مكّة إيّاها، فإنّهم حفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، وبنوا الدور، وشيّدوا القصور، ثمّ تركوها وصاروا إلى الهلاك والقبور. وأهل مكّة هم أهل واد غير ذي زرع، لا تبسّط لهم في غيرها.
وفيه تهكّم بهم، من حيث إنّهم مغترّون بالدنيا، مفتخرون بها. وهم أضعف حالا فيها، إذ مدار أمرها على التبسّط في البلاد، والتسلّط على العباد، والتصرّف في أقطار الأرض بأنواع العمارة، وهم ضعفاء ملجئون إلى واد لا نفع لها.
( وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات، أو الآيات الواضحات( فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) ليفعل بهم ما يفعله الظلمة، فيدمّرهم من غير جرم ولا تذكير( وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم، من الإشراك بالله وجحد الرسل.
وهذه الآية ناطقة بما ذهب إليه الإماميّة، من وقوع الأعمال من العباد بمشيئتهم وإرادتهم.
وفسّر النيشابوريّ الظلم الواقع في هذه الآية الكريمة، بوضع الأنفس
الشريفة في موضع خسيس، وهو عبادة الأصنام. ثمّ ذكر توجيه أهل البدعة والضلالة لهذه الآية المتقنة، قائلا: «قال أهل السنّة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته، لكنّه صدر عنهم، فأضيف إليهم»(١) انتهى كلامه.
وحاصله: أنّهم حملوا الإسناد على المجاز دون الحقيقة. ومرادهم أنّه سبحانه أراد الظلم وعبادة الأوثان من بعض البريّة.
ولا يخفى فساده على من له أدنى مسكة ودرية، ولكن لا حيلة لمن حاد(٢) عن الجادّة النبويّة إلّا القول بنحو هذه التأويلات الرديّة، وإثبات دينه بمشتبهات السنّة. فسحقا لهم ؛ تأوّلوا الآية المحكمة لإثبات الظلم للحضرة المقدّسة. وأيم الله هم العادلون عن الكتاب والسنّة، المتابعون للأهواء المضلّة، الظالمون الّذين أشار سبحانه إلى عاقبتهم بقوله :
( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى ) أي: عاقبتهم العقوبة أو الخصلة السوأى. فوضع الظاهر موضع الضمير، للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم، وأنّهم جاءوا بمثل أفعالهم. والسّوأى تأنيث الأسوأ، بمعنى الأقبح، كالحسنى. أو مصدر، كالبشرى، نعت به.
والمعنى: أنّهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثمّ كانت عاقبتهم العقوبة الّتي هي أسوأ العقوبات وأقبحها في الآخرة، وهي جهنّم الّتي أعدّت للكافرين.
( أَنْ كَذَّبُوا ) لأن كذّبوا( بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ) فـ «أن» منصوب المحلّ على العلّة. ويجوز أن يكون بدلا أو عطف بيان للسوأى. أو خبر «كان» و «السوأى» مصدر: أساؤا، أو مفعوله، بمعنى: ثمّ كان عاقبة الّذين اقترفوا الخطيئة أن طبع الله على قلوبهم حتّى كذّبوا الآيات واستهزؤا بها. أو تكون «السوأى» صلة
__________________
(١) تفسير غرائب القرآن ٥: ٤٠٤.
(٢) أي: مال وعدل.
الفعل، و «أن كذّبوا» تابعها، والخبر محذوف للإبهام والتهويل. وأن تكون «أن» مفسّرة، بمعنى: أي، لأنّه إذا كان تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء، كانت في معنى القول، نحو: نادى وكتب، وما أشبه ذلك.
وقرأ ابن عامر والكوفيّون: عاقبة بالنصب، على أنّ الاسم «السوأى»، و «أن كذّبوا» يكون على الوجوه المذكورة.
( اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) )
ثمّ ذكر سبحانه قدرته على الإعادة فقال:( اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ) ينشئهم( ثُمَّ يُعِيدُهُ ) يبعثهم بعد الموت أحياء كما كانوا( ثُمَّ إِلَيْهِ ) إلى ثوابه وعقابه( تُرْجَعُونَ ) والعدول إلى الخطاب للمبالغة في المقصود. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وروح بالياء على الأصل.
( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) يسكتون متحيّرين آيسين. يقال: ناظرته فأبلس، إذا سكت وأيس من أن يحتجّ. ومنه: الناقة المبلاس الّتي لا ترغو(١) .
__________________
(١) أي: لا تصوّت ولا تضجّ. من: رغا البعير، إذا صوّت وضجّ.
( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ ) ممّن أشركوهم بالله( شُفَعاءُ ) يجيرونهم من عذاب الله، كما زعموا أنّا نعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى. ومجيئه بلفظ الماضي لتحقّقه.
( وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ) يكفرون بآلهتهم، ويجحدونها، ويتبرّءون منها حين يئسوا منهم. وقيل: كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.
وكتب في المصحف: شفعواء، وعلماء بني إسرائيل، بالواو قبل الألف.
وكذلك كتب السوأى بالألف قبل الياء، إثباتا للهمزة على صورة الحرف الّذي منه حركتها.
( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ) أي: يتفرّق المؤمنون والكافرون، لقوله:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ ) أرض ذات أزهار وأنهار. والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه.( يُحْبَرُونَ ) يسرّون سرورا تهلّلت له وجوههم. يقال: حبره إذا سرّه سرورا ظهر أثره في الوجه. قال ابن عبّاس: يحبرون بمعنى: يكرمون. وقيل: يلذّذون بالسماع.
عن أبي امامة الباهلي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ما من عبد يدخل الجنّة إلّا ويجلس عند رأسه ثنتان من الحور العين، تغنّيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجنّ، وليس بمزمار الشيطان، ولكن بتمجيد الله وتقديسه».
وعن أبي الدرداء قال: «كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يذكر الناس، فذكر الجنّة وما فيها من الأزواج والنعيم، وفي آخر القوم أعرابيّ، فجثا لركبتيه وقال: يا رسول الله هل في الجنّة من سماع؟
قال: نعم يا أعرابي، إنّ في الجنّة لنهرا حافّتاه الأبكار من كلّ بيضاء خوصانيّة، يتغنّين بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها قطّ، فذلك أفضل نعيم الجنّة».
والخوصانيّة: المرهفة(١) الأعلى، الضخمة الأسفل. قال الراوي: سألت أبا الدرداء بم يتغنّين؟ قال: بالتسبيح.
وعن إبراهيم: إنّ في الجنّة لأشجارا عليها أجراس من فضّة، فإذا أراد أهل الجنّة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرّك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا.
ثمّ أخبر عن حال الكافرين، فقال:( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ) مدخلون لا يغيبون عنه. ولفظ الإحضار لا يستعمل إلّا فيما يكرهه الإنسان. يقال: أحضر فلان مجلس القضاء، إذا جيء به لـما لا يؤثره.
( فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) )
__________________
(١) أي: دقيقة الأعلى ضامرته.
ولـمّا ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من الوعيد، فقال :
( فَسُبْحانَ اللهِ ) إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه. والمعنى: سبّحوه ونزّهوه عمّا لا يليق به، أو ينافي تعظيمه من صفات النقص، بأن تصفوه بما يليق به من الصفات والأسماء.( حِينَ تُمْسُونَ ) حين تدخلون في المساء، وهو مجيء ظلام الليل( وَحِينَ تُصْبِحُونَ ) حين تدخلون في الصباح.
( وَلَهُ الْحَمْدُ ) وله الثناء والحمد( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: هو المستحقّ لحمد أهلهما لإنعامه عليهما( وَعَشِيًّا ) وفي وقت العشيّ. وهو آخر النهار. من: عشي العين، إذا نقص نورها. وكأنّه لعدم مجيء الفعل من العشيّ ترك «حين» في «عشيّا».( وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) وحين تدخلون في الظهيرة، وهي نصف النهار.
وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح، لأنّ آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر.
وتخصيص الحمد بالعشيّ الّذي هو بقيّة النهار، والظهيرة الّتي هي وسطه، لأنّ تجدّد النعم فيهما أكثر. ويجوز أن يكون «عشيّا» معطوفا على «حين تمسون»، وقوله:( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ ) اعتراضا.
وعن ابن عبّاس ومجاهد: إنّ الآية جامعة للصلوات الخمس. «تمسون» صلاة المغرب والعشاء. و «تصبحون» صلاة الفجر. و «عشيّا» صلاة العصر.
و «تظهرون» صلاة الظهر. ولذلك زعم الحسن أنّها مدنيّة، لأنّه كان يقول: كان الواجب بمكّة ركعتين في أيّ وقت اتّفقتا، وإنّما فرضت الخمس بالمدينة. والأكثر على أنّها فرضت بمكّة.
( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة( وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ) كالنطفة والبيضة. أو يعقّب الحياة الموت، وبالعكس. وعن مجاهد: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.( وَيُحْيِ الْأَرْضَ ) بالنبات
( بَعْدَ مَوْتِها ) يبسها( وَكَذلِكَ ) ومثل ذلك الإخراج( تُخْرَجُونَ ) من قبوركم، فإنّه أيضا تعقيب للحياة الموت. وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء. والباقون بضمّها وفتح الراء.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى، فليقل:( فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) الآية».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قال حين يصبح:( فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ) ـ إلى قوله ـ( تُخْرَجُونَ ) أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته».
( وَمِنْ آياتِهِ ) الدالّة على وحدانيّته وكمال قدرته( أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) أي :في أصل الإنشاء، لأنّه خلق أصلهم منه، وهو أبوهم آدم( ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) ثمّ فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض، متصرّفين على ظهرها، متفرّقين في أطرافها، كقوله تعالى:( وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً ) (١) .
( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) لأنّ حوّاء خلقت من ضلع آدم، وسائر النساء خلقن من نطف الرجال. أو لأنّهنّ من جنسهم لا من جنس آخر.
( لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ) لتطمئنّوا وتميلوا إليها، وتألفوا بها، ويستأنس بعضكم ببعض.
يقال: سكن إليه إذا مال إليه. ولا شكّ أنّ الجنسيّة علّة للضمّ، والاختلاف سبب للتنافر.
( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ ) أي: بين الرجال والنساء، أو بين أفراد الجنس( مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) بواسطة الزواج حال الشبق وغيرها، بعد أن لم تكن بينكم سابقة معرفة، ولا لقاء، ولا سبب يوجب التحابّ والتعاطف، من قرابة أو رحم. أو بأنّ تعيّش الإنسان متوقّف على التعارف والتعاون، المحوج إلى التوادّ والتراحم.
وعن الحسن: المودّة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد، كما قال :
__________________
(١) النساء: ١.
( وَرَحْمَةً مِنَّا ) (١) . وقال:( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ) (٢) .
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في خلق الأزواج مشاكلة للرجال( لَآياتٍ ) لدلالات واضحات( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) فيعلمون ما في ذلك من الحكم.
( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) )
ثمّ نبّه على آية اخرى فقال:( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وما فيهما من عجائب خلقه، وبدائع صنعه، من النجوم والشمس والقمر، وجريها في مجاريها على غاية الاتّساق والنظام، وأنواع الجمادات والنباتات والحيوانات المخلوقة على
__________________
(١) مريم: ٢١ و ٢.
(٢) مريم: ٢١ و ٢.
وجه الإحكام.
( وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) لغاتكم، بأن علّم كلّ صنف لغته، أو ألهمه وضعها، وأقدره عليها. أو أجناس نطقكم وأشكاله، فإنّك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفيّة.
( وَأَلْوانِكُمْ ) أي: اختلافها، من بياض الجلد وسواده، وحمرته وصفرته وسمرته. أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها، ليقع التمايز والتعارف، حتّى إنّ التوأمين مع توافق موادّهما وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق، يختلفان في شيء من ذلك لا محالة. وما ذلك إلّا للتراكيب البديعة، واللطائف العجيبة، الدالّة على كمال قدرته وحكمته. ولو اتّفقت الألوان، وتشاكلت التخطيطات، بحيث كانت ضربا واحدا، لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطّلت مصالح كثيرة.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) لأدلّة واضحة( لِلْعالِمِينَ ) لا تكاد تخفى على عاقل، من ملك أو إنس أو جنّ. وقرأ حفص: للعالمين بكسر اللام. ويؤيّده قوله:( وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) (١) .
( وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) هذا من باب اللفّ والنشر. وترتيبه: ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار. إلّا أنّه ضمّ بين الزمانين والفعلين بعاطفين، إشعارا بأنّ كلّا من الزمانين ـ مع أنّه مختصّ بأحدهما عرفا ـ صالح للآخر عند مسّ الحاجة إليه.
ويجوز أن يكون المعنى: ومن آياته منامكم في الزمانين، لاستراحة القوى النفسانيّة، وقوّة القوى الطبيعيّة، وطلب معاشكم فيهما.
ويؤيّد الأوّل سائر الآيات الواردة فيه. وأسدّ المعاني ما دلّ عليه القرآن.
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) سماع تفهّم فانّ الانتفاع منها إنّما يظهر
__________________
(١) العنكبوت: ٤٣.
في التفهّم والاستبصار.
( وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ) مقدّر بـ «أن» المصدريّة. أو الفعل فيه منزّل منزلة المصدر، كقولهم: تسمع بالمعيدي(١) خير من أن تراه. أو صفة لمحذوف، تقديره: آية يريكم بها البرق.( خَوْفاً ) من الصاعقة، أو من أن يخلف فلا يمطر( وَطَمَعاً ) في الغيث. وقيل: خوفا للمسافر، وطمعا للحاضر.
ونصبهما على العلّة لفعل يلزم المذكور، فإنّ إراءتهم تستلزم رؤيتهم. أو الفعل المذكور على تقدير مضاف، نحو إرادة خوف وطمع. أو تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع. فلا يرد: أنّ من حقّ المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلّل، والخوف والطمع ليسا كذلك. ويجوز أن يكونا حالين، أي: خائفين وطائعين، مثل: كلّمته شفاها.
( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ ) بالنبات( بَعْدَ مَوْتِها ) يبسها( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها، وكيفيّة تكوّنها، ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته.
( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ) أي: قيام السماوات والأرضين واستمساكهما بغير عمد لهما بأمره لهما بالقيام، بأن قال لهما: كونا قائمتين، لقوله:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (٢) .
وقيل «بأمره» أي: بفعله وإمساكه. والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة، والغنى عن الآلة، لأنّه أبلغ في الاقتدار، فإنّ قول القائل: أمر فكان، أبلغ في الدلالة على الاقتدار من أن يقول: فعل فكان. ومعنى القيام الثبات والدوام، كما يقال :
__________________
(١) في هامش النسخة الخطّية: «معيدي تصغير معدّيّ، فاجتمع التشديدان فخفّف. منه». انظر الصحاح ٢: ٥٠٦.
(٢) النحل: ٤٠.
السوق قائمة.
وقوله:( ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ ) أي: من القبر( إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) عطف على «أن تقوم» على تأويل مفرد. كأنّه قيل: ومن آياته قيام السماوات والأرض بأمره، ثمّ خروجكم من القبور إذا دعاكم دعوة واحدة، فيقول: أيّها الموتى اخرجوا. والمراد تشبيه سرعة ترتّب حصول ذلك على تعلّق إرادته، بلا توقّف واحتياج إلى تجشّم عمل بسرعة ترتّب إجابة الداعي المطاع على دعائه.
و «ثم» إمّا لتراخي زمانه، أو لعظم ما فيه، واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور قوموا، فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلّا قامت تنظر، كما قالعزوجل :( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ) (١) .
و «من» متعلّق بـ «دعا». تقول: دعوت زيدا من أعلى الجبل فنزل عليّ، ودعوته من أسفل الجبل فطلع إليّ. لا بـ «دعوة» لأنّ الفعل أقوى في العمل. ولا يجوز أن يتعلّق بـ «تخرجون» لأنّ ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها. و «إذا» الثانية للمفاجأة، ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى.
( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) من العقلاء، يملكهم ويملك التصرّف فيهم.
وإنّما خصّ العقلاء لأنّ ما عداهم في حكم التبع لهم.
ثمّ أخبر عن جميعهم، فقال:( كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ) منقادون لفعله فيهم، من الحياة والبقاء والموت والبعث وغيرها، لا يمتنعون عليه في شيء ممّا أراد.
( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ) يخترعه ابتداء( ثُمَّ يُعِيدُهُ ) بعد إفنائه. جعل سبحانه ما ظهر من ابتداء خلقه دليلا على ما خفي من إعادته، استدلالا بالشاهد على الغائب.
ثمّ أكّد ذلك بقوله:( وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) أي: أسهل عليه من الأصل بالإضافة
__________________
(١) الزمر: ٦٨.
إلى قدركم، والقياس على أصولكم، واقتضاء عقولكم، لأنّ من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، وإلّا فهما سواء عليه سبحانه. ولذلك قيل: الهاء للخلق بمعنى المخلوق، أي: والإعادة على المخلوق أهون من النشأة الأولى، لأنّه إنّما يقال له في الإعادة: كن فيكون، وفي النشأة الأولى كان نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظاما، ثمّ كسيت العظام لحما، ثمّ نفخ فيه الروح. فتكوينه في حدّ الاستحكام والتمام، أهون عليه وأقلّ تعبا من أن يتنقّل في أحوال، ويندرج فيها إلى أن يبلغ ذلك الحدّ.
وقيل: «أهون» بمعنى هيّن، كقول الشاعر: لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل(١) ، أي: لوجل.
( وَلَهُ الْمَثَلُ ) الوصف العجيب الشأن، كالقدرة العامّة، والحكمة التامّة. ومن فسّره بقول لا إله إلّا الله أراد به الوصف بالوحدانيّة.( الْأَعْلى ) الّذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) يصفه به ما فيهما دلالة ونطقا( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) القادر الّذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته( الْحَكِيمُ ) الّذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته.
( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) )
__________________
(١) وعجزه: على أيّنا تغدو المنيّة أوّل.
ثمّ احتجّ سبحانه على عبدة الأوثان، فقال:( ضَرَبَ ) بيّن( لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) أي: مثلا منتزعا من أحوالها الّتي هي أقرب الأمور إليكم، فإنّ «من» هنا للابتداء.
ثمّ بيّنه بقوله:( هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) «من» للتبعيض، أي: بعض مماليككم( مِنْ شُرَكاءَ ) مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي( فِي ما رَزَقْناكُمْ ) من الأموال وغيرها( فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ) فتكونون أنتم وهم فيه على السويّة، من غير تفضيل بين حرّ وعبد، فيتصرّفون فيه كتصرّفكم( تَخافُونَهُمْ ) أن يستبدّوا بالتصرّف فيه دونكم( كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) كما يخاف الأحرار بعضهم بعضا، فإنّ الرجل الحرّ يخاف شريكه الحرّ في المال يكون بينهما أن يتفرّد دونه فيه بأمر يخاف من شريكه. فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف ترضون لربّ الأرباب ومالك الأحرار والعبيد، أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟!( كَذلِكَ ) مثل ذلك التفصيل( نُفَصِّلُ الْآياتِ ) نبيّنها، فإنّ التمثيل ممّا يكشف المعاني ويوضحها، لأنّه بمنزلة التصوير والتشكيل لها.( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) يستعملون عقولهم في تدبّر الأمثال.
( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) بالإشراك( أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) جاهلين لا يكفّهم شيء، فإنّ العالم إذا اتّبع هواه ربما ردعه علمه.
( فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ ) فمن يقدر على هداية من خذله، ولم يلطف به، لعلمه أنّه ممّن لا يؤثّر اللطف فيه؟ أو فمن يهدي إلى الثواب والخير من أضلّه الله عن ذلك؟ والأشاعرة حملوا الإضلال على خلق الضلال في المكلّف. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
( وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) يخلّصونهم من الضلالة، ويحفظونهم عن آفاتها. أو ينصرونهم ويدفعون عنهم عذاب الله إذا حلّ بهم.
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) )
ثمّ خاطب نبيّه فقال:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ) فقوّمه وعدّله، غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا. وهذا تمثيل للإقبال والاستقامة على الدين، والاهتمام به، فإنّ من اهتمّ بالشيء عقد عليه طرفه، وسدّد إليه نظره، وقوّم له وجهه، مقبلا به عليه بكلّه.
( حَنِيفاً ) حال من المأمور، أي: مائلا إليه، ثابتا عليه، مستقيما فيه، لا ترجع عنه إلى غيره. ويجوز أن يكون حالا من الدين.
( فِطْرَتَ اللهِ ) خلقته. نصب على الإغراء، أي: الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة الله. أو على المصدر لـما دلّ عليه قوله:( الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ) خلقهم عليها. وهي قبولهم للحقّ، وتمكّنهم من إدراكه. أو ملّة الإسلام، فإنّهم لو خلّوا وما خلقوا عليه أدّى بهم إليها، لكونه مساوقا للنظر الصحيح، مجاوبا للعقل، ومن غوى فبإغواء شياطين الإنس والجنّ. ومنه الحديث القدسي: «كلّ عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم(١) الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري».
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم «كلّ مولود يولد على الفطرة، حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه».
وقيل: «فطرة الله»: العهد المأخوذ من آدم وذرّيّته.
__________________
(١) اجتال القوم: حوّلهم عن قصدهم.
( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) لا يقدر أحد أن يغيّره. أو ما ينبغي أن يغيّر.( ذلِكَ ) إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له( الدِّينُ الْقَيِّمُ ) المستقيم الّذي لا عوج فيه( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) استقامته، لعدم تدبّرهم، وعدولهم عن النظر فيه.
( مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) راجعين إليه، أي: إلى كلّ ما أمر به. من: أناب إذا رجع مرّة بعد اخرى. وهو حال من الضمير في الناصب المقدّر لفطرة الله، أعني: الزموا أو عليكم. أو من مفعول: فطر، أي: خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير ناءين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل، كما مرّ آنفا. أو في «أقم» لأنّ المراد من خطاب الرسول جميع أمّته، لقوله:( وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) غير أنّها صدرت بخطاب الرسول تعظيما له.
( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ) بدل من المشركين. والمعنى: ولا تكونوا من الّذين جعلوا دينهم أديانا مختلفة، لاختلاف أهوائهم الباطلة. وقرأ حمزة والكسائي: فارقوا، بمعنى: تركوا دينهم الّذي أمروا به.( وَكانُوا شِيَعاً ) فرقا، كلّ واحدة تشايع إمامها الّذي أضلّ دينها( كُلُّ حِزْبٍ ) منهم( بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) مسرورون بمذهبهم، ظنّا بأنّه الحقّ. ويجوز أن يجعل «فرحون» صفة «كلّ» على أنّ الخبر( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا ) .
( وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا
هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ ) شدّة، من مرض أو قحط، أو غير ذلك( دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) راجعين إليه من دعاء غيره( ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً ) بأن يعافيهم من المرض، أو يغنيهم من الفقر( إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) فاجأ فريق منهم بالإشراك بربّهم الّذي عافاهم.
( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ) من النعم. واللام فيه للعاقبة. وقيل: للأمر بمعنى التهديد، لقوله:( فَتَمَتَّعُوا ) غير أنّه التفت فيه مبالغة. ونظيره في التهديد قوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) (١) . وقوله:( فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (٢) .
والمعنى: انتفعوا بنعيم هذه الدنيا الفانية كيف شئتم( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عاقبة تمتّعكم.
( أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً ) حجّة يتسلّطون بذلك على ما ذهبوا إليه. وقيل: ذا سلطان، أي: ملكا معه برهان.( فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ) تكلّم دلالة، كقوله:( هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ ) (٣) . وكما تقول: هذا ممّا نطق به القرآن. ومعناه: الدلالة والشهادة. أو تكلّم نطق( بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) أي: بصحّة كونهم بالله يشركون.
__________________
(١) فصّلت: ٤٠.
(٢) الكهف: ٢٩.
(٣) الجاثية: ٢٩.
ويجوز أن تكون «ما» موصولة، ويرجع الضمير إليها. ومعناه: فهو يتكلّم بالأمر الّذي بسببه يشركون. والهمزة للإنكار. والمعنى: أنّهم لا يقدرون على تصحيح ذلك، ولا يمكنهم ادّعاء برهان وحجّة عليه.
( وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ) نعمة من صحّة وسعة( فَرِحُوا بِها ) بطروا بسببها( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) شدّة تسوؤهم، من سقم وفقر( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) بشؤم المعاصي الصادرة منهم. وإسنادها إلى أيديهم بناء على التغليب، فإنّ أكثر العمل لليدين.( إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ) فاجئوا القنوط واليأس من رحمته.
ثمّ أنكر عليهم بأنّهم قد علموا أنّه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من رحمته؟ فقال :
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) فما لهم لم يشكروا ولم يرجعوا إليه، تائبين من المعاصي الّتي عوقبوا بالشدّة من أجلها، حتّى يعيد إليهم رحمته.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) في بسط الرزق لقوم، وتضييقه لآخرين( لَآياتٍ ) لدلالات( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) فيستدلّون بها على كمال القدرة والحكمة.
ولـمّا ذكر أنّ السيّئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم، أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك، فقال :
( فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ) وأعط ذوي قرباك يا محمّد حقوقهم الّتي جعلها الله لهم من الأخماس.
وروى أبو سعيد الخدري وغيره أنّه لـمّا نزلت هذه الآية على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أعطى فاطمةعليهاالسلام فدكا وسلّمه إليها. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام .
وقيل: الخطاب لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولغيره. والمراد بالقربى قرابة الرجل. وهو أمر بصلة الرحم.
( وَالْمِسْكِينَ ) ما وظّف الله له من الخمس والزكاة( وَابْنَ السَّبِيلِ ) والمسافر المحتاج ما فرض الله له في مالك.
( ذلِكَ ) أي: إعطاء الحقوق مستحقّيها( خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ ) ذاته، أو جهته لا جهة اخرى، أي: يقصدون بمعروفهم إيّاه خالصا من الرياء والسمعة( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الفائزون بما بسط لهم من النعيم المقيم.
( وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) )
( وَما آتَيْتُمْ ) أعطيتم( مِنْ رِباً ) من زيادة مال. وقرأ ابن كثير: أتيتم بالقصر، بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا.( لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ ) ليزيد ويزكو في أموالهم( فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ ) فلا يزكو عنده. وقرأ نافع ويعقوب: لتربوا بالخطاب، أي: لتزيدوا، أو لتصيروا ذوي ربا.
قيل: نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. ومعناه: وما أوتيتم من زيادة محرّمة في المعاملة، كقوله:( يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ ) (١) .
وقيل: المراد: وما أوتيتم من عطيّة يتوقّع بها مزيد مكافأة. وذلك بأن يهب رجل رجلا أو يهدي له ليعوّضه أكثر ممّا وهب أو أهدى، فليست تلك الزيادة
__________________
(١) البقرة: ٢٧٦.
بحرام، ولكنّ المعوّض لا يثاب على تلك الزيادة.
وهذا القول منقول عن ابن عبّاس وطاووس. وهو المرويّ عن أبي جعفرعليهالسلام .
وقالوا: الربا ربوان. فالحرام كلّ قرض يؤخذ فيه أكثر منه أو يجرّ منفعة.
والّذي ليس بحرام أن يستدعي بهبته أو بهديّته أكثر منها.
( وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ ) تبتغون به وجهه خالصا، ولا تطلبون بها مكافأة ولا رئاء ولا سمعة( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ) ذوو الأضعاف من الثواب. ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوّة واليسار. أو الّذين ضعّفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة. وتغييره عن سنن المقابلة عبارة ونظما للمبالغة. والالتفات فيه للتعظيم، كأنّه خاطب به الملائكة وخواصّ الخلق تعريفا لحالهم، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون. أو للتعميم، كأنّه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون. والراجع إلى «ما» محذوف، تقديره: المضعفون به، أو فمؤتوه أولئك هم المضعفون.
( اللهُ ) مبتدأ، وخبره( الَّذِي خَلَقَكُمْ ) أوجدكم( ثُمَّ رَزَقَكُمْ ) أعطاكم أنواع النعم( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) ليصحّ إيصالكم إلى ما عرّضكم له من الثواب الدائم( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) ليجازيكم على أفعالكم. والمعنى: إنّما الله فاعل هذه الأفعال الّتي لا يقدر على شيء منها أحد غيره.
ثمّ أثبت لذاته لوازم الألوهيّة، ونفاها رأسا عمّا اتّخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها، مؤكّدا بالإنكار على ما دلّ عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق، بقوله :
( هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ ) الّتي عبدتموها من دونه( مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) وذكر الاستفهام لتأكيد إنكار دلالة البرهان والعيان.
ثمّ استنتج من ذلك تقدّسه عن أن يكون له شركاء، فقال:( سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ويجوز أن يكون الموصول صفة، والخبر «هل من شركائكم» والرابط «من ذلكم» لأنّه بمعنى: من أفعاله. و «من» الأولى والثانية تفيدان شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم المنفيّ. وكلّ منها مستقلّة بالتأكيد، لتعجيز الشركاء، وتجهيل عبدتهم. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء.
( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) )
ثمّ ذكر سبحانه ما أصاب الخلق بسبب ترك التوحيد، فقال:( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) كالجدب والموتان، وكثرة الحرق والغرق، ومحق البركات، وكثرة المضارّ والظلم. وعن ابن عبّاس: معناه: أجدبت الأرض. وانقطعت مادّة البحر.
وقالوا: إذا انقطع القطر عميت دوابّ البحر. وعن الحسن المراد بالبحر قرى السواحل.
وأصل البرّ من البرّ، لأنّه يبرّ بصلاح المقام فيه. وكذلك البرّ، لأنّه يبرّ بصلاح الغذاء أتمّ صلاح. وأصل البحر الشقّ، لأنّه شقّ في الأرض، ثمّ اتّسع استعماله، فسمّي الماء الملح بحرا وإن قلّ.
وقيل: فساد البرّ ما يحصل فيه من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون ذلك بخذلان الله أهله، والعقاب به. وفساد البحر اضطراب أمره، حتّى لا يكون للعباد متصرّف فيه.
( بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) بشؤم كسب معاصيهم. وعن مجاهد: ظهر الفساد في البرّ بقتل ابن آدم أخاه، وفي البحر بأنّ جلندى(١) كان يأخذ كلّ سفينة غصبا.
( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ) بعض جزائه، فإنّ تمامه في الآخرة. واللام للعلّة، أو للعاقبة. وعن ابن كثير ويعقوب: لنذيقهم بالنون.( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) عمّا هم عليه.
ثمّ أكّد تسبّب المعاصي لغضب الله ونكاله، حيث أمرهم بأن يسيروا في الأرض فينظروا آثار تدميرهم، فقال :
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ) كيف أهلك الله الأمم، وأذاقهم سوء العاقبة لمعاصيهم، بأن جعل قصورهم قبورهم، ومحاضرهم مقابرهم، لتشاهدوا مصداق ذلك، وتتحقّقوا صدقه. و( كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ) استئناف للدلالة على أنّ سوء عاقبتهم كان لفشوّ الشرك وغلبته فيهم. أو على أنّ الشرك وحده لم يكن سبب تدميرهم، وأنّ ما دونه من المعاصي يكون أيضا سببا له.
__________________
(١) اسم ملك عمان.
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ) البليغ الاستقامة، الّذي لا يتأتّى فيه عوج أصلا.
والمعنى: لا تعدل عنه يمينا ولا شمالا، فإنّك متى فعلت ذلك أدّاك إلى طريق مستقيم إلى الجنّة.
( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ ) لا يقدر أن يردّه أحد. وهو يوم القيامة. وقوله:( مِنَ اللهِ ) متعلّق بـ «يأتي» أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يردّه أحد. ويجوز أن يتعلّق بـ «مردّ» لأنّه مصدر على معنى: لا يردّه الله، لتعلّق إرادته القديمة بمجيئه.
( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) يتصدّعون، أي: يتفرّقون، فريق في الجنّة، وفريق في السعير. كما قال:( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) أي: وباله. وهو النار المؤبّدة.( وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) يسوّون ويوطّئون لأنفسهم في الجنّة ما يسوّيه لنفسه الّذي يمهّد فراشه ويوطّئه، لئلّا يصيبه في مضجعه ما ينغّص عليه مرقده، من نتوء(١) وسائر ما يؤذي الراقد. يقال: مهّدت لنفسي خيرا، أي: هيّأته ووطّأته.
روى منصور بن حازم عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «إنّ العمل الصالح ليسبق صاحبه إلى الجنّة، فيمهّد له كما يمهّد لأحدكم خادمه فراشه».
وتقديم الظرف في الموضعين، للدلالة على أنّ ضرر الكفر لا يعود إلّا على الكافر لا يتعدّاه، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه.
( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) علّة لـ «يمهدون» أو لـ «يصّدّعون». والاقتصار على جزاء المؤمنين، للإشعار بأنّه المقصود بالذات.( مِنْ فَضْلِهِ ) متعلّق بفعل الجزاء، أي ليجزيهم ممّا يتفضّل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب. وهذا يشبه الكناية، لأنّ الفضل تبع للثواب، فلا يكون إلّا بعد حصول ما هو تبع له. أو أراد: من عطائه، وهو ثوابه، لأنّ الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب.
__________________
(١) أي: ارتفاع.
وقيل: معناه: بسبب فضله، لأنّه خلقهم وهداهم ومكّنهم وأزاح علّتهم، حتّى استحقّوا الثواب.
وتكرير( الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) وترك الضمير إلى الصريح، لتقرير أنّه لا يفلح عنده إلّا المؤمن لصالح.
وقوله:( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ) يدلّ بمنطوقه على إثبات البغض لهم، كما يدلّ بمفهومه على إثبات المحبّة للمؤمنين.
( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ ) الشمال والصبا والجنوب، فإنّها رياح الرحمة، وأمّا الدبور فريح العذاب. ومنه قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أللّهمّ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا». وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: الريح، على إرادة الجنس.
( مُبَشِّراتٍ ) بالمطر، فكأنّها ناطقات بالبشارة، لـما فيها من الدلالة عليه.
وإرسالها تحريكها وإجراؤها في الجهات المختلفة، تارة شمالا، وتارة جنوبا، وتارة صبا، على حسب ما يعلم الله في ذلك من المصلحة.
( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) يعني: المنافع التابعة لها. وهي: نزول المطر، والخصب التابع لنزول المطر المسبّب عنها، والروح الّذي مع هبوبها، وزكاء الأرض. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض». والمؤتفكات: هي الرياح الّتي تختلف مهابّها. وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك.
والعطف على علّة محذوفة دلّ عليها «مبشّرات». كأنّه قيل: ليبشّركم وليذيقكم. أو عليها باعتبار المعنى، فإنّها في معنى: ليبشّركم. ويجوز أن يتعلّق بمحذوف، تقديره: ليكون كذا وكذا أرسلناها وليذيقكم.
( وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ) عند هبوبها. وإنّما قال: «بأمره» لأنّ الريح قد تهبّ ولا تكون مؤاتية، فلا بدّ من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما عصفت
فأغرقتها.( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) يعني: تجارة البحر( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ولتشكروا نعمة الله فيها.
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) )
وبعد ذكر أدلّة التوحيد والقدرة الكاملة، خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم تسلية له في تكذيب قومه إيّاه، فقال :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) المعجزات الباهرات، فكذّبوهم وجحدوا بآياتنا، فاستحقّوا العذاب( فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) بالتدمير. وقوله:( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) إشعار بأنّ الانتقام تعظيم لهم، ورفع لشأنهم، حيث جعلهم مستحقّين على الله أن ينصرهم.
وجاءت الرواية عن أمّ الدرداء أنّها قالت: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه، إلّا كان حقّا على الله أن يردّ عنه نار جهنّم
يوم القيامة». ثمّ تلا قوله:( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وقد يوقف على «حقّا» على أنّه متعلّق بالانتقام. والمعنى: وكان الانتقام منهم حقّا، ثمّ يبتدأ:( عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
ثمّ قال تفسيرا لـما أجمله في الآية المتقدّمة:( اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً ) فتهيّجه وتزعجه( فَيَبْسُطُهُ ) متّصلا تارة( فِي السَّماءِ ) في سمتها، كقوله:( وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ) (١) ( كَيْفَ يَشاءُ ) سائرا أو واقفا، مطبقا وغير مطبق، من جانب دون آخر، إلى غير ذلك.
( وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ) أي: قطعا متفرّقة تارة اخرى. وقيل: متراكبا بعضه على بعض حتّى يغلظ. وقرأ ابن عامر بالسكون على أنّه مخفّف، أو جمع كسفة، أو مصدر وصف به.
( فَتَرَى الْوَدْقَ ) أي: القطر( يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) في التارتين جميعا( فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) يعني: بلادهم وأراضيهم( إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) يفرحون لمجيء الخصب، أو يبشّر بعضهم بعضا به.
( وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ ) المطر( مِنْ قَبْلِهِ ) تكرير للتأكيد، كقوله:( فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها ) (٢) ( لَمُبْلِسِينَ ) لآيسين.
ومعنى التأكيد فيه: الدلالة على أنّ عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم(٣) . وقيل: الضمير للسحاب، أو إرسال السحاب.
( فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ ) أي: أثر الغيث، من النبات والأشجار وأنواع الثمار. ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص.( كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ )
__________________
(١) إبراهيم: ٢٤.
(٢) الحشر: ١٧.
(٣) الإبلاس: اليأس من الخير، وقلّة الخير، والانكسار غمّا وحزنا.
بإنبات الخضراوات( بَعْدَ مَوْتِها ) بعد أن كانت مواتا يابسة. جعل سبحانه اليبس والجدوبة بمنزلة الموت، وظهور النبات فيها بمنزلة الحياة توسّعا.
( إِنَّ ذلِكَ ) يعني: الّذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها( لَمُحْيِ الْمَوْتى ) لقادر على إحيائهم، فإنّه إحداث لمثل ما كان في موادّ أبدانهم من القوى الحيوانيّة، كما أنّ إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتيّة( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من المقدورات( قَدِيرٌ ) لأنّ نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء.
( وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) )
ثمّ عاب سبحانه كافر النعمة بقوله:( وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً ) مؤذنة بالهلاك.
وهي الريح الباردة.( فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا ) فرأوا الأثر أو الزرع، فإنّه مدلول عليه بما تقدّم. وقيل: السحاب، لأنّه إذا كان مصفرّا لم يمطر. واللام موطّئة للقسم، دخلت على حرف الشرط. وقوله:( لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ) جواب القسم سدّ مسدّ الجزاء. ولذلك فسّر بالاستقبال، أي: ليظللن.
ذمّهم الله سبحانه في هذه الآية بأنّه إذا حبس عنهم القطر قنطوا من رحمته، وضربوا أذقانهم على صدورهم مبلسين، وكان عليهم أن يتوكّلوا على الله وفضله.
وإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا وابتهجوا، وكان عليهم أن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، فلم يزيدوا على الفرح. وإذا أرسل ريحا فضرب زروعهم
بالصفار(١) ضجّوا وكفروا بنعمته، وكان عليهم أن يصبروا على بلائه ولم يكفروا. فهم في جميع هذه الأحوال على الصفات المذمومة.
ولـمّا كان هكذا حالهم في عدم التدبّر فيما ينفعهم في خاتمتهم، قال سبحانه لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) أي: هم مثل الموتى، لـمّا سدّوا عن الحقّ مشاعرهم( وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) إذا أعرضوا عن أدلّتنا، ذاهبين إلى الضلال والفساد، غير سالكين سبيل الرشاد. قيّد الحكم به، ليكون أشدّ استحالة، فإنّ الأصمّ المقبل وإن لم يسمع الكلام، يفطن منه بواسطة الحركات شيئا.
( وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) يعني: أنّهم كالعمي لا يهتدون بالأدلّة، ولا تقدر على ردّهم عن العمى، إذ لم يطلبوا الاستبصار. فسمّاهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الإبصار، أو لعمى قلوبهم.
( إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا ) يصدّق بآياتنا وأدلّتنا، فإنّ إيمانهم يدعوهم إلى تلقّي اللفظ وتدبّر المعنى. ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإيمان.( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) منقادون لـما يأمرهم.
( اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ
__________________
(١) أي: الصفرة: والصفارة: ماذوي من النبات وذبل.
الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر الأدلّة، فقال:( اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) أي: ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف أساس أمركم، وما عليه جبلّتكم وبنيتكم، كقوله:( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) (١) . وذلك حال الطفوليّة، لا تقدرون على البطش والمشي وسائر التصرّفات. أو خلقكم من أصل ضعيف، وهو النطفة، كقوله:( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) (٢) .
( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ) وذلك إذا بلغتم الحلم، أو تعلّق بأبدانكم الروح( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ) إذا طعنتم في السنّ.
وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها. والضمّ أقوى، لقول ابن عمر: قرأتها على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من ضعف» فأقرأني: «من ضعف». وهما لغتان، كالفقر والفقر. والتنكير مع التكرير، لأنّ المتأخّر ليس عين المتقدّم.
( يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) من ضعف وقوّة وشيبة( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) فإنّ الترديد
__________________
(١) النساء: ٢٨.
(٢) السجدة: ٨.
في الأحوال المختلفة، والتغيير من هيئة، إلى هيئة، وصفة إلى صفة، مع إمكان غيره، أظهر دليل وأعدل شاهد على الصانع العليم القدير.
ثمّ بيّن سبحانه حال البعث، فقال:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) القيامة. سمّيت بها، لأنّها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنّها تقع بغتة. وصارت علما لها بالغلبة، كالكوكب للزهرة والنجم للثريّا.
( يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا ) أي: يحلفون ما مكثوا في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث. وفي الحديث: «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون». قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة، أم أربعون ألف سنة، أم أيّام، أم ساعات؟ وذلك وقت يفنون فيه.( غَيْرَ ساعَةٍ ) استقلّوا مدّة لبثهم إضافة إلى مدّة عذابهم في الآخرة، أو نسيانا.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق، وقولهم على التخمين( كانُوا يُؤْفَكُونَ ) يصرفون في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحقّ.
ثمّ أخبر عن علماء المؤمنين من الملائكة والإنس في ذلك اليوم، فقال:( وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ ) في علم الله، أو قضائه، أو فيما كتبه لكم، أي: أوجبه بحكمته، أو في اللوح، أو القرآن. وهو قوله:( وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ ) (١) .( إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ) .
ردّوا بذلك ما قاله الكفّار وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة. ثمّ وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم:( فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ ) الّذي أنكرتموه( وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) أنّه حقّ، لتفريطكم في طلب الحقّ واتّباعه. والفاء لجواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه، أي: فقد تبيّن بطلان إنكاركم.
__________________
(١) المؤمنون: ١٠٠.
( فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أنفسهم بالكفر( مَعْذِرَتُهُمْ ) أي: لا يمكّنون من الاعتذار، ولو اعتذروا لم يقبل عذرهم. وقرأ الكوفيّون بالياء، لأنّ المعذرة بمعنى العذر، أو لأنّ تأنيثها غير حقيقيّ، وقد فصل بينهما.( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) لا يطلبون إلى ما يقتضي إعتابهم، أي: إزالة عتبهم، من التوبة والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا. من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته.
( وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) ولقد وصفنا لهم فيه بأنواع الصفات الّتي هي في غرابتها كالأمثال، مثل صفة المبعوثين يوم القيامة، وما يقال لهم وما يقولون، وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب. أو بيّنّا لهم من كلّ مثل يدعوهم إلى التوحيد والبعث وصدق الرسول.
ثمّ أخبر عن عناد القوم وتكذيبهم بالإيمان، فقال:( وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ ) من آيات القرآن، أو معجزة باهرة ممّا اقترحوها منك( لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من فرط عنادهم، وقساوة قلوبهم( إِنْ أَنْتُمْ ) يعنون الرسول والمؤمنين( إِلَّا مُبْطِلُونَ ) مزوّرون.
( كَذلِكَ ) مثل ذلك الطبع( يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) لا يطلبون العلم، ويصرّون على خرافات اعتقدوها، فإنّ الجهل المركّب يمنع إدراك الحقّ، ويوجب تكذيب المحقّ. ومعنى طبع الله: منع الألطاف الّتي ينشرح لها الصدور حتّى تقبل الحقّ. وإنّما يمنعها من علم أنّها لا تجدي عليه، ولا تغني عنه كما يمنع الواعظ الموعظة من يتبيّن له أنّ الموعظة تلغو ولا تنجع فيه. فوقع ذلك كناية عن قسوة قلوبهم، وركوب الصدأ والرين إيّاها. فكأنّه قال: كذلك تقسو وتصدأ قلوب الجهلة، حتّى يسمّوا المحقّين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك الصفة.
( فَاصْبِرْ ) على أذاهم وعداوتهم، وإصرارهم على الكفر( إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بنصرتك، وإظهار دينك على الدين كلّه( حَقٌ ) لا بدّ من إنجازه والوفاء به( وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) ولا يحملنّك على الخفّة والقلق، جزعا ممّا يقولون ويفعلون، من التكذيب والإيذاء، ولشدّة الغضب عليهم، فإنّهم ضالّون شاكّون، لا يستبدع منهم ذلك. وعن يعقوب بتخفيف النون.
(٣١)
سورة لقمان
مكّيّة. وهي أربع وثلاثون آية. عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من قرأ سورة لقمان كان لقمان له رفيقا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرا، بعدد من عمل بالمعروف وعمل بالمنكر». وفي رواية اخرى: ونهى عن المنكر.
وروى محمّد بن جبير العزرمي، عن أبيه، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «من قرأ سورة لقمان في كلّ ليلة، وكلّ الله به في ليلته ثلاثين ملكا يحفظونه من إبليس وجنوده حتّى يصبح، فإن قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من إبليس وجنوده حتّى يمسي».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ
عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة الروم بذكر الآيات الدالّة على صحّة نبوّته، افتتح هذه السورة بذكر آيات القرآن، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) ذي الحكمة. أو وصف بصفة اللهعزوجل على الإسناد المجازي. ويجوز أن يكون تقديره في الأصل: الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعا بعد الجرّ استكن في الصفة المشبّهة.
( هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) بيانا ودلالة ونعمة للمطيعين الّذين يحسنون العمل. وهما حالان من الآيات، والعامل فيهما معنى الإشارة. ورفعهما حمزة على الخبر بعد الخبر، أو الخبر لمحذوف.
ثمّ بيّن إحسانهم بقوله:( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) تخصيص هذه الثلاثة الّتي هي من شعب الإحسان، لفضل الاعتداد بها. وتكرير الضمير للتأكيد والاختصاص.
( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) لاستجماعهم العقيدة الحقّة والعمل الصالح.
ثمّ وصف الّذين حالهم يخالف حال هؤلاء، فقال:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) كالأحاديث الّتي لا أصل لها، والأساطير الّتي لا اعتبار بها، والتحدّث بالمضاحيك وفضول الكلام. ونحو الغناء، وتعلّم الموسيقى، وما أشبه ذلك.
والإضافة بمعنى «من». وهي تبيينيّة إن أراد بالحديث المنكر. والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث. وتبعيضيّة إن أراد به الأعمّ منه. والمعنى: من يشتري بعض
الحديث الّذي اللهو منه.
والاشتراء إمّا من قوله:( اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ ) (١) أي: استبدلوه منه واختاروه عليه. وعن قتادة: اشتراؤه استحبابه، واختياره حديث الباطل على حديث الحقّ.
وإمّا من الشراء، على ما روي أنّها نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتّجر إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم فيحدّث بها قريشا، ويقول: إن كان محمّد يحدّثكم بحديث عاد وثمود، فأنا أحدّثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستحسنون حديثه، ويتركون استماع القرآن.
وروي: كان يشتري المغنّيات، فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلّا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه وغنّيه. ويقول: هذا خير ممّا يدعوك إليه محمّد من الصلاة والصيام والمقاتلة بين يديه.
ويصحّح هذه الرواية ما روى عن أبي امامة أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لا يحلّ تعليم المغنيّات، ولا بيعهنّ، وأثمانهنّ حرام. وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي ) الآية. والّذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته(٢) يتغنّى إلّا ارتدفه شيطانان، يضربان أرجلهما على ظهره وصدره حتّى يسكت».
وأكثر المفسّرين على هذا القول. وهو منقول عن ابن عبّاس وابن مسعود وغيرهما. ومرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن الرضاعليهمالسلام .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيّين يوم القيامة. قيل: وما الروحانيّون يا رسول الله؟ قال: قرّاء أهل الجنّة».
__________________
(١) آل عمران: ١٧٧.
(٢) العقيرة: صوت المغنّي والباكي والقارئ. يقال: رفع عقيرته، أي: صوته.
وقيل: الغناء منفدة للمال، مسخطة للربّ، مفسدة للقلب.
( لِيُضِلَ ) غيره( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) عن دينه، أو قراءة كتابه، ومن أضلّ غيره فقد ضلّ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، بمعنى: ليثبت على ضلاله الّذي كان عليه، ولا يصرف عنه، بل يزيد فيه.( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بحال ما يشتريه، أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن.
( وَيَتَّخِذَها هُزُواً ) عطف على «يشتري» أي: ويتّخذ السبيل سخريّة، فإن السبيل مؤنّثة، كقوله:( وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً ) (١) . وقد نصبه حمزة والكسائي ويعقوب وحفص عطفا على «ليضلّ».
( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) مذلّ يهينهم الله به، لإهانتهم الحقّ باستئثار الباطل عليه.
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ) وإذا قرئ عليه القرآن( وَلَّى مُسْتَكْبِراً ) أعرض عن سماعه، رافعا نفسه فوق مقدارها، فلا يعبأ بها.( كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها ) مشابها حاله حال من لم يسمعها. وهو حال من المستكن في «ولّى» أو في «مستكبرا». والأصل في «كأن» المخفّفة «كأنّه». والضمير ضمير الشأن.
( كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) مشابها بحال من في أذنيه ثقل، لا يقدر أن يسمع.
وهذا بدل من الحال الأولى، أو حال من المستكن في «لم يسمعها». ويجوز أن يكونا استئنافين. وقرأ نافع بسكون الذال.( فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) أعلمه بأنّ العذاب يحيق به لا محالة. وذكر البشارة على التهكّم.
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) )
__________________
(١) الأعراف: ٨٦.
ثمّ أخبر سبحانه عن صفة المؤمنين المصدّقين، فقال:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) أي: لهم نعيم الجنّات، فعكس للمبالغة.
( خالِدِينَ فِيها ) حال من الضمير في «لهم» أو من( جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) . والعامل ما تعلّق به اللام.( وَعْدَ اللهِ حَقًّا ) مصدران مؤكّدان. الأوّل مؤكّد لنفسه. والثاني مؤكّد لغيره، لأنّ قوله:( لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) في معنى: وعدهم الله جنّات النعيم، فأكعد معنى الوعد بالوعد، وليس كلّ وعد حقّا.
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الّذي لا يغلبه شيء، فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده( الْحَكِيمُ ) الّذي لا يفعل إلّا ما يوجبه حكمته وعدله.
( خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) )
ثمّ أخبر سبحانه عن أفعاله الدالّة على عزّته الّتي هي كمال القدرة، وحكمته الّتي هي كمال العلم، فقال:( خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) جملة مستأنفة. أو في محلّ الجرّ، على أنّه صفة للعمد، أي: بغير عمد مرئيّة. يعني: أنّه عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته.
( وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ) جبالا شوامخ ثوابت( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) كراهة أن تميل بكم، فإنّ تشابه أجزائها يقتضي تبدّل أحيازها وأوضاعها، لامتناع اختصاص
كلّ منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيّز ووضع معيّنين.
( وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ) وفرّق فيها بعضا من الدوابّ، تدبّ على وجهها من أنواع الحيوانات.
( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً ) مطرا( فَأَنْبَتْنا فِيها ) بذلك الماء( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) من كلّ صنف كثير المنفعة، حسن النبتة، طيّب الثمرة.
مهّد بذلك قاعدة التوحيد، وقرّرها بقوله:( هذا ) أي: هذا الّذي ذكر من الأشياء العظيمة، المتضمّنة بدائع الحكم، وغرائب المصالح( خَلْقُ اللهِ ) أي: مخلوقه، فإنّ الخلق جاء بمعنى المخلوق( فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) ماذا خلق آلهتكم حتّى استحقّوا عندكم مشاركته؟ وفيه تبكيت لهم. و «ماذا» نصب بـ «خلق». أو «ما» مرتفع بالابتداء، وخبره «ذا» بصلته، و «فأروني» معلّق عنه.
ثمّ أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الّذي لا يخفى على ناظر، فقال:( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أنّهم ظالمون بإشراكهم في العبادة.
( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) )
ولـمّا ذمّ سبحانه الشرك، وذكر الأدلّة الدالّة على توحيده وقدرته وحكمته، بيّن عقيب ذلك قصّة لقمان، ووصيّته لولده بالتوحيد واجتناب الشرك، وأنّه أعطاه الحكمة، فقال:( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) وهو لقمان بن باعورا، من أولاد آزر ابن أخت أيّوب، أو ابن خالته. وعاش ألف سنة، وأدرك داود، وأخذ منه العلم. وكان يفتي قبل مبعث داود، فلمّا بعث قطع الفتوى، فقيل له؟ فقال: ألا أكتفي إذا كفيت؟ والجمهور على أنّه كان حكيما ولم يكن نبيّا. والحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الانسانيّة باقتباس العلوم النظريّة، واكتساب الملكة التامّة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها.
وعن ابن عبّاس: لقمان لم يكن نبيّا ولا ملكا، ولكن كان عبدا راعيا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيّته، فقصّ أمره في القرآن لتمسكوا بوصيّته.
وقال عكرمة والشعبي: كان نبيّا. وكانا يفسّران الحكمة بالنبوّة. وقيل: خيّر بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة.
وروي عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «حقّا أقول: لم يكن لقمان نبيّا، ولكن كان عبدا كثير التفكّر، حسن اليقين، أحبّ الله فأحبّه، ومنّ عليه بالحكمة. وكان نائما نصف النهار، إذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحقّ؟ فأجاب الصوت: إن خيّرني ربّي قبلت العافية ولم أقبل البلاء. وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة، فإنّي أعلم أنّه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني.
فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟
قال: لأنّ الحكم أشدّ المنازل وآكدها، يغشاه الظلم من كلّ مكان، إن وقي فبالحريّ أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة. ومن يكن في الدنيا ذليلا وفي الآخرة شريفا، خير من أن يكون في الدنيا شريفا وفي الآخرة ذليلا. ومن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة.
فتعجّبت الملائكة من حسن منطقه. فنام نومة فاعطي الحكمة، فانتبه يتكلّم بها.
ثمّ كان يؤازر داود بحكمته. فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! أعطيت الحكمة، وصرفت عنك البلوى.
وعن ابن المسيّب: كان أسود من سودان مصر خيّاطا. وعن مجاهد: كان عبدا أسود، غليظ الشفتين، متشقّق القدمين. قيل له: ما أقبح وجهك؟ قال: تعتب على النقش، أو على فاعل النقش؟
وقيل: كان نجّارا. وقيل: راعيا كما مرّ. وقيل: كان يحتطب لمولاه كلّ يوم حزمة. وعنه أنّه قال لرجل ينظر إليه: إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنّه يخرج من بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.
وروي: أنّ رجلا وقف عليه في مجلسه فقال: ألست الّذي ترعى معي في مكان كذا؟ قال: بلى. قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عمّا لا يعنيني.
وروي: أنّه دخل على داود وهو يسرد الدرع، وقد ليّن الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلمّا أتمّها لبسها. وقال: نعم لبوس الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود: بحقّ ما سمّيت حكيما.
وروي: أنّ داود قال له يوما: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت في يد غيري.
فتفكّر داود فيه فصعق صعقة.
وروي: أنّ مولاه أمره بذبح شاة وأن يأتي بأطيب مضغتين منها، فأتى باللسان والقلب. ثمّ أمره بمثل ذلك بعد أيّام وأن يأتي بأخبث مضغتين منها، فأتى باللسان والقلب. فسأله عن ذلك؟ فقال: هما أطيب شيء إذا طابا، وأخبث شيء إذا خبثا.
وقيل: إنّ مولاه دخل المخرج، فأطال فيه الجلوس. فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة يفجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعّد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هونا، وقم هونا. قال: فكتب حكمته على باب الحشّ(١) .
قال عبد الله بن دينار: قدم لقمان من سفر، فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟
قال: مات.
قال: ملكت أمري.
فقال: ما فعلت زوجتي؟
قال: ماتت.
قال: جدّد فراشي.
قال: ما فعلت أختي؟
قال: ماتت.
قال: سترت عورتي.
قال: ما فعل أخي؟
قال: مات.
قال: انقطع ظهري.
__________________
(١) الحشّ: موضع قضاء الحاجة.
وقيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ قال: الّذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: «قال لقمان لابنه: يا بنيّ! إنّ الدنيا بحر عميق، وقد هلك فيها عالم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، واجعل شراعها التوكّل على الله، واجعل زادك فيها تقوى اللهعزوجل ، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك»(١) .
وروى سليمان بن داود المنقريّ، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «في وصيّة لقمان لابنه: يا بنيّ سافر بسيفك وخفّك وعمامتك وخبائك وسقائك وخيوطك ومخرزك(٢) . وتزوّد معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك. وكن لأصحابك موافقا إلّا في معصية اللهعزوجل .
يا بنيّ! إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأكثر التبسّم في وجوههم، وكن كريما على زادك بينهم. فإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم. واستعمل طول الصمت، وكثرة الصلاة، وسخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد.
وإذا استشهدوك على الحقّ فاشهد لهم، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك، لا تعزم حتّى تثبّت وتنظر. ولا تجب في مشورة حتّى تقوم فيها وتقعد، وتنام وتأكل وتصلّي، وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورته، فإنّ من لم يمحّض النصيحة لمن استشاره سلبه الله رأيه، ونزع عنه الأمانة.
وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم.
واسمع لمن هو أكبر منك سنّا. وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئا فقل: نعم، ولا تقل :
__________________
(١) من لا يحضره الفقيه ٢: ١٨٥ ح ٨٣٣.
(٢) المخرز: ما يخرز به ويثقب، كالإبرة.
لا، فإنّ «لا» عيّ(١) ولؤم.
وإذا تحيّرتم في الطريق فانزلوا. وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا. وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم، ولا تسترشدوه، فإنّ الشخص الواحد في الفلاة مريب، لعلّه يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطان الّذي حيّركم.
واحذروا الشخصين أيضا، إلّا أن تروا مالا أرى، فإنّ العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحقّ منه، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
يا بنيّ! إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخّرها لشيء، صلّها واسترح منها، فإنّها دين. وصلّ في جماعة ولو على رأس زجّ(٢) .
ولا تنامنّ على دابّتك، فإنّ ذلك سريع في دبرها(٣) . وليس ذلك من فعل الحكماء، إلّا أن تكون في محمل يمكنك التمدّد لاسترخاء المفاصل.
وإذا قربت من المنزل فانزل عن دابّتك، وابدأ بعلفها قبل نفسك، فإنّها نفسك(٤) .
وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا، وألينها تربة، وأكثرها عشبا. وإذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس.
وإذا أردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الأرض. وإذا ارتحلت فصلّ ركعتين، ثمّ ودّع الأرض الّتي حللت بها، وسلّم على أهلها، فإنّ لكلّ بقعة أهلا من الملائكة. وإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتّى تبتدئ فتصدّق منه فافعل.
وعليك بقراءة كتاب الله ما دمت راكبا. وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا.
__________________
(١) العيّ: العجز والجهل.
(٢) الزجّ: الحديدة التي في أسفل الرمح.
(٣) دبر البعير دبرا: أصابته الدبرة. وهي قرحة الدابّة تحدث من الرّحل ونحوه.
(٤) لعلّ الكلمة محرّكة، أي: نفسك، من النفس بمعنى السعة والعيش والفسحة.
وعليك بالدعاء ما دمت خاليا. وإيّاك والسير في أوّل الليل إلى آخره. وإيّاك ورفع الصوت في مسيرك».
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «والله ما أوتي لقمان الحكمة لحسب، ولا مال، ولا بسط في جسم، ولا جمال، ولكنّه كان رجلا قويّا في أمر الله، متورّعا في الله، ساكنا سكينا، عميق النظر، طويل التفكّر، حديد البصر. لم ينم نهارا قطّ. ولم يتّكئ في مجلس قوم قطّ. ولم يتفل في مجلس قطّ. ولم يضحك من شيء قطّ.
ولم يعبث بشيء قطّ. ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط، ولا على اغتسال، لشدّة تستّره وتحفّظه في أمره. ولم يغضب قطّ مخافة الإثم في دينه. ولم يمازح إنسانا قطّ. ولم يفرح بشيء أوتيه من الدنيا، ولا حزن منها على شيء قطّ.
وقد نكح من النساء، وولد له الأولاد الكثيرة. وقدّم أكثرهم أفراطا(١) ، فما بكى على موت أحد منهم. ولم يمرّ بين رجلين يقتتلان أو يختصمان إلّا أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتّى تحاجزا. ولم يسمع قولا استحسنه من أحد قطّ إلّا سأله عن تفسيره، وعمّن أخذه.
وكان يكثر مجالسة الفقهاء والعلماء. وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين. فيرثي(٢) للقضاة بما ابتلوا به. ويرحم الملوك والسلاطين، لعزّتهم بالله، وطمأنينتهم في ذلك. ويتعلّم ما يغلب به نفسه، ويجاهد هواه، ويحترز من السلطان.
وكان يداوي نفسه بالتفكّر والعبر. وكان لا يظعن(٣) إلّا فيما ينفعه، ولا ينظر إلّا فيما يعنيه. فلذلك أوتي الحكمة، كما قال سبحانه:( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) .
__________________
(١) الأفراط والفرط: الولد يموت صغيرا. يقال: سبقه فرط كثير، أي: ولد ماتوا ولم يدركوا.
(٢) أي: يرقّ لهم ويرحمهم.
(٣) أي: لا يسير ولا يرحل.
( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) لأن اشكر، أو أي اشكر، فإنّ إيتاء الحكمة متضمّن معنى القول، كأنّه قال: ولقد قلنا للقمان أن اشكر لله. فقد نبّه الله سبحانه على أنّ الحكمة الأصليّة والعلم الحقيقي هو العمل بهما، وعبادة الله والشكر له، حيث فسّر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر.
( وَمَنْ يَشْكُرْ ) على نعمة الله ونعمة من أنعم عليه( فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) لأنّ نفعه عائد إليها. وهو دوام النعمة، واستحقاق مزيدها، واستيجاب ثوابه في الآخرة.
( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ ) لا يحتاج إلى الشكر( حَمِيدٌ ) حقيق بالحمد وإن لم يحمده أحد. أو محمود، إذ نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.
( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ) وهو أنعم. وقال الكلبي: هو أشكم. وقيل: ماثان.
( وَهُوَ يَعِظُهُ ) في حال ما يؤدّبه ويذكّره( يا بُنَيَ ) تصغير إشفاق( لا تُشْرِكْ بِاللهِ ) قيل: كان كافرا فلم يزل به حتّى أسلم. ومن وقف على «لا تشرك» جعل «بالله» قسما.( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لأنّ التسوية بين من لا نعمة إلّا منه، ومن لا نعمة منه البتّة ولا يتصوّر أن تكون منه، ظلم لا يكتنه عظمه. وقيل: إنّه ظلم نفسه ظلما عظيما، بأن أوبقها.
( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ ) أي: بالإحسان إليهما. ثمّ بيّنعزوجل زيادة نعمة الأمّ على الولد بالنسبة إلى الأب بقوله:( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً ) ذات وهن، أو تهن وهنا( عَلى وَهْنٍ ) أي: تضعف ضعفا فوق ضعف، بأن يتزايد ضعفها ويتضاعف، لأنّ الحمل كلّما ازداد وعظم ازدادت ثقلا وضعفا. وعلى التقديرين «وهنا» في موضع الحال.
( وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) أي: فطامه في انقضاء عامين، وكانت ترضعه في تلك المدّة. ويدلّ عليه قولهعزوجل :( وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ
يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ) (١) . وذكر الفصال هاهنا لـما تلحق الأمّ من المشقّة به أيضا، فليكن الاهتمام بالإحسان والبرّ في حقّها أكثر من حقّ الأب. ومن ثمّ قالعليهالسلام ـ لمن قال له: من أبرّ؟ ـ: أمّك، ثمّ أمّك، ثمّ أمّك. ثمّ قال بعد ذلك: ثمّ أباك.
( أَنِ اشْكُرْ لِي ) على نعمائي بالحمد والطاعة( وَلِوالِدَيْكَ ) بالبرّ والصلة.
و «أن» تفسير لـ «وصّينا»، أو علّة له، أو بدل من «والديه» بدل الاشتمال.( إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) فأحاسبك على شكرك وكفرك.
( وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) باستحقاقه الإشراك تقليدا لهما. وقيل: أراد بنفي العلم به نفيه، أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء. يريد الأصنام، كقوله:( ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ) (٢) .( فَلا تُطِعْهُما ) في ذلك( وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ) صحابا معروفا حسنا، يرتضيه الشرع، ويقتضيه الكرم والمروءة، من خلق جميل وحلم واحتمال مكروه وبرّ وصلة، وغير ذلك.
( وَاتَّبِعْ ) في الدين( سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ ) بالتوحيد والإخلاص في الطاعة.
وهو النبيّ ومتابعيه من المؤمنين. ولا تتّبع سبيلهما في الكفر، وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا مراعاة لحقّ الأبوّة والأمومة، وتعظيما لهما، وما لهما من المواجب الّتي لا يسوغ الإخلال بها.
ثمّ بيّن حكمهما في الآخرة فقال:( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) مرجعك ومرجعهما( فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بأن أجازيك على إيمانك، وأجازيهما على كفرهما.
والآيتان معترضتان في تضاعيف وصيّة لقمان، تأكيدا لـما فيهما من النهي عن الشرك، كأنّه قال: وقد وصّينا بمثل ما وصّى به. وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، فإنّهما مع أنّهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة، لا يجوز أن يستحقّاه في
__________________
(١) البقرة: ٢٣٣.
(٢) العنكبوت: ٤٢.
الإشراك، فما ظنّك بغيرهما؟
روي: أنّها نزلت في سعد بن أبي وقّاص وأمّه. وفي الخبر: أنّها مكثت ثلاثا لا تطعم ولا تشرب، لإسلام ابنها، حتّى فتحوا فاها بعود ليطعموها شيئا.
( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) )
ثمّ عاد سبحانه إلى الإخبار عن لقمان في وصيّته لابنه، وأنّه قال له:( يا بُنَيَّ إِنَّها ) أي: الخصلة أو الفعلة من الإسارة أو الإحسان( إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) أي: إن كانت مثلا في الصغر، كحبّة الخردل. ورفع نافع «مثقال» على أنّ الهاء ضمير القصّة، و «كان» تامّة. وتانيثها لإضافة المثقال إلى الحبّة، أو لأنّ المراد به الحسنة أو السيّئة.
( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ) في أخفى مكان وأحرزه كجوف صخرة، أو أعلاه كمحدّب السماوات، أو أسفله كمقعّر الأرض( يَأْتِ بِهَا اللهُ ) يحضرها يوم القيامة، فيحاسب بها عاملها.
قال الزجّاج: يروى أنّ ابن لقمان قال له: أرأيت الحبّة تكون في مقل البحر ـ أي: مغاصه ـ يعلمها الله؟ فقال: إنّ الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة، لأنّ الحبّة في الصخرة أخفى منها في الماء.
وقيل: الصخرة هي الّتي تحت الأرض. وهي السجّين يكتب فيها أعمال الكفّار.
روى العيّاشي بالإسناد عن ابن مسكان، عن أبي عبد اللهعليهالسلام ، قال: «اتّقوا المحقّرات من الذنوب، فإنّ لها طالبا، لا يقولنّ أحدكم: أذنب واستغفر الله، إنّ الله تعالى يقول:( إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) الآية».
( إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ ) يصل علمه إلى كلّ خفيّ( خَبِيرٌ ) عالم بكنهه. وعن قتادة: لطيف باستخراجها، خبير بمستقرّها».
( يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) تكميلا لنفسك( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ) وهو كلّ ما حسن فعله عقلا وشرعا.( وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وهو كلّ ما قبح فعله عقلا وشرعا. وكلاهما لتكميل الغير.( وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ) من الشدائد خصوصا في باب الحسبة.
( إِنَّ ذلِكَ ) الإشارة إلى الصبر، أو إلى كلّ ما أمر به( مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) ممّا عزمه الله تعالى من الأمور، قطعه قطع إيجاب وإلزام. ومنه: عزمات الملوك، وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزمت عليك إلّا فعلت كذا. وإذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بدّ من فعله، ولا مندوحة في تركه. وحقيقته: أنّه من تسمية المفعول بالمصدر. وأصله من معزومات الأمور، أي: من مقطوعاتها ومفروضاتها. ويجوز أن يكون مصدرا بمعنى الفاعل، أي: من عازمات الأمور، من قوله: فإذا عزم الأمر أي: جدّ.
وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه الطاعات، وأنّها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأنّ الصلاة لم تزل عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في
الأديان كلّها.
( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) لا تمله عن الناس، ولا تولّهم صفحة وجهك تكبّرا منك واستخفافا لهم، كما يفعله المتكبّرون، بل أقبل عليهم بوجهك تواضعا.
من الصعر، وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ولا تصاعر، بمعناه.
( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ) أي: فرحا. مصدر وقع موقع الحال، أي: تمرح مرحا. أو لأجل المرح. وهو البطر والأشر.( إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ) علّة للنهي. وتأخير الفخور، وهو مقابل للمصعّر خدّه، والمختال مقابل للماشي مرحا، لتوافق رؤوس الآي.
( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) أي: توسّط في المشي بين الدبيب والإسراع، فلا تدبّ دبيب(١) المتماوتين، ولا تثب وثيب الشطّار. وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن».
( وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) وانقص من الصوت واقصر. من قولك: فلان يغضّ من فلان، إذا قصر به ووضع منه.( إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ ) أوحشها. من قولك: شيء نكر، إذا أنكرته النفوس واستوحشت منه ونفرت.( لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) أوّله زفير، وآخره شهيق. والحمار مثل في الذمّ البليغ، سيّما نهاقه. ولذلك عدّ في مساوئ الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولي المروءة، فيكنّى عنه فيقال: الطويل الأذنين، كما يكنّى عن الأشياء المستقذرة، لاستفحاشهم لذكرها. ففي تمثيل الصوت المرتفع بصوته، ثمّ إخراجه مخرج الاستعارة، مبالغة شديدة في الذمّ.
__________________
(١) دبّ يدبّ دبيبا: مشى كالحيّة، أو على اليدين والرجلين كالطفل. وثب يثب وثيبا: نهض وقام، وقفز وطفر. والشطّار جمع الشاطر، وهو المتّصف بالدهاء والخباثة.
وتوحيد الصوت لأنّه ليس المراد أن يذكر صوت كلّ واحد من آحاد هذا الجنس حتّى يجمع، وإنّما المراد أنّ كلّ جنس من الحيوان له صوت، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. أو لأنّه مصدر في الأصل.
( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) )
ثمّ ذكر سبحانه نعمه على خلقه، ونبّههم على معرفتها، فقال:( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ ) من الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وغير ذلك ،
بأن جعله أسبابا محصّلة لمنافعكم( وَما فِي الْأَرْضِ ) من البحار والأنهار والمعادن والدوابّ وغيرها، بأن مكّنكم من الانتفاع بها، بوسط أو بغير وسط.
( وَأَسْبَغَ ) وأوسع وأتمّ( عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ) هي: كلّ نفع قصد به الإحسان( ظاهِرَةً وَباطِنَةً ) محسوسة ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه. وقد مرّ شرح النعمة وتفصيلها في الفاتحة.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: نعمه بالجمع والإضافة.
وقال صاحب المجمع: «الظاهرة ما لا يمكنكم جحده، من خلقكم وإحيائكم وإقداركم، وخلق الشهوة فيكم، وغيرها من ضروب النعم. والباطنة: ما لا يعرفها إلّا من أمعن النظر فيها»(١) .
وعن ابن عبّاس: الباطنة مصالح الدين والدنيا، ممّا يعلمه الله وغاب عن العباد علمه.
وفي رواية الضحّاك عنه قال: «سألت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عنهما، فقال: يا ابن عبّاس! أمّا ما ظهر فالإسلام، وما سوّى الله من خلقك، وما أفاض عليك من الرزق. وأمّا ما بطن فستر مساوئ عملك، ولم يفضحك به. يا ابن عبّاس! إنّ الله تعالى يقول: ثلاثة جعلتهنّ للمؤمن، ولم تكن له: صلاة المؤمنين عليه من بعد انقطاع عمله. وجعلت له ثلث ماله، أكفّر به عنه خطاياه. والثالثة: سترت مساوئ عمله، فلم أفضحه بشيء منه، ولو أبديتها عليه لنبذه أهله فمن سواهم».
وعن الربيع: الظاهرة: نعم الجوارح، والباطنة: نعم القلب. وعن عطاء: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة.
وقيل: الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: نعم الآخرة. وعن مجاهد: الظاهرة: ظهور الإسلام، والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة.
__________________
(١) مجمع البيان ٨: ٣٢٠.
وعن الضحّاك: الظاهرة حسن الصورة، وامتداد القامة، وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقيل: الظاهرة: القرآن، والباطنة: تأويله ومعانيه.
وقال الباقرعليهالسلام : «النعمة الظاهرة: النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما جاء به من معرفة اللهعزوجل وتوحيده. وأمّا النعمة الباطنة: ولا يتنا أهل البيت، وعقد مودّتنا».
ولا منافاة بين هذه الأقوال، بل كلّها نعم الله ؛ الباطنة والظاهرة. والأولى حمل الآية على الجميع.
ويروى في دعاء موسىعليهالسلام : إلهي دلّني على أخفى نعمتك على عبادك. فقال: أخفى نعمتي عليهم النفس. ويروى: أن أيسر ما يعذّب به أهل النار الأخذ بالأنفاس.
ثمّ بيّن من كفر نعمه بقوله:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ ) يخاصم في توحيده وصفاته( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) مستفاد من دليل( وَلا هُدىً ) راجع إلى رسول( وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ) أنزله الله، بل بالتقليد، كما قال:( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ ) على محمّد، من القرآن وسائر شرائع الأحكام.( قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ) وهو منع صريح من التقليد في الأصول.
( أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ ) يحتمل أن يكون الضمير لهم ولآبائهم( إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) إلى ما يؤول إليه، من التقليد أو الإشراك. وجواب «لو» محذوف، مثل: لاتّبعوه. والاستفهام للإنكار والتعجّب.
والمعنى: أنّ الشيطان يدعوهم إلى تقليد آبائهم، وترك اتّباع ما جاءت به الرسل، وذلك موجب لهم عذاب النار، فهو في الحقيقة يدعوهم إلى النار.
ثمّ قال( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ ) بأن فوّض أمره إلى الله، وأقبل بشراشره عليه. من: أسلمت المتاع إلى الرجل، إذا دفعت إليه. وحيث عدّي باللام فلتضمّن معنى الإخلاص.( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) في عمله على موجب العلم ومقتضى الشرع
( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) فقد تعلّق بأوثق ما يتعلّق به. والوثقى تأنيث الأوثق. وهو تمثيل للمتوكّل المشتغل بالطاعة، بمن أراد أن يترقّى إلى شاهق جبل، فتمسّك بأوثق عروة من حبل متين.
( وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ) إذ الكلّ صائر إليه، على وجه لا يكون لأحد التصرّف فيها بالأمر والنهي.
( وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ ) فلا يهمّك( كُفْرُهُ ) وكيده للإسلام، فإنّه لا يضرّك في الدنيا والآخرة( إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ) في الدارين( فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا ) بالإهلاك والتعذيب( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بما تضمره الصدور، ولا يخفى عليه شيء منه، فمجاز عليه على حسبه، فضلا عمّا في الظاهر.
( نُمَتِّعُهُمْ ) تمتيعا، أو زمانا( قَلِيلاً ) وهو زمان الدنيا، فإنّ ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ ) ثمّ نصيّرهم مكرهين( إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ) يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ. فشبّه إلزامهم التعذيب باضطرار المضطرّ إلى الشيء الّذي لا يقدر على الانفكاك منه. والغلظ: مستعار من الأجرام الغليظة.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) خلقهما، لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره، بحيث اضطرّوا إلى إذعانه.
( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان اعتقادهم( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أنّ ذلك يلزمهم.
ثمّ أكّد سبحانه ما تقدّم من خلقه السماوات والأرض بقوله :
( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) له جميع ذلك خلقا وملكا، يتصرّف فيه كما يريده، وليس لأحد الاعتراض عليه في ذلك، فلا يستحقّ العبادة فيهما غيره.
( إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُ ) عن حمد الحامدين، وعن كلّ شيء( الْحَمِيدُ ) المستحقّ للحمد، وإن لم يحمدوه.
( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) )
عن ابن عبّاس: أنّ اليهود سألوا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله تعالى:( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (١) . وقد أنزلت التوراة وفيها علم كلّ شيء، فنزلت:( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) ولو ثبت كون الأشجار أقلاما.
وتوحيد «شجرة» لأنّ المراد تفصيل الآحاد.( وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ) مقتضى الكلام أن يقال: ولو أنّ الشجر أقلام، والبحر مداد. ويكون المعنى: البحر المحيط بسعته مدادا ممدودا بسبعة أبحر. لكن أغنى عن ذكر المداد قوله: «يمدّه» لأنّه من: مدّ الدواة وأمدّها، بجعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصبّ فيه مدادها أبدا صبّا لا ينقطع.
ورفع «البحر» للعطف على محلّ «أنّ» ومعمولها، و «يمدّه» حال. والمعنى: ولو ثبت كون الأشجار أقلاما في حال كون البحر ممدودا بسبعة أبحر. أو على الابتداء على أنّه مستأنف، والواو للحال. ونصبه البصريّان بالعطف على اسم «أنّ»، أو إضمار فعل يفسّره «يمدّه». وفي الكلام حذف، تقديره: ولو أنّ أشجار الأرض أقلام، والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد مقدورات الله ومعلوماته.
( ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ ) بكتابتها بتلك الأقلام، وبذلك المداد، لأنّ ذلك مع كثرته متناه، ومعلومات الله ومقدوراته غير متناهية. وإيثار جمع القلّة ـ أعني :
__________________
(١) الإسراء: ٨٥.
الكلمات ـ والموضع موضع التكثير ـ أعني: الكلم ـ لا التقليل، للإشعار بأنّ ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير؟! فعلمكم في جنب هذا العلم في نهاية القلّة.
( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ) لا يعجزه شيء( حَكِيمٌ ) لا يخرج عن علمه وحكمته أمر.
( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) )
قال مقاتل: إنّ كفّار قريش قالوا: إنّ الله خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، لحما. فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فنزلت :
( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) إلّا كخلقها وبعثها، أي: سواء في قدرته الواحد والجمع، والقليل والكثير. وذلك أنه إنّما كانت تتفاوت النفس الواحدة والنفوس الكثيرة العدد، أن لو شغله شأن عن شأن وفعل عن فعل، وقد تعالى عن
ذلك علوّا كبيرا. فيكفي لوجود الكلّ تعلّق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتيّة، كما قال:( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (١) .
( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ ) يسمع كلّ مسموع( بَصِيرٌ ) يبصر كلّ مبصر في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن بعض، فكذلك الخلق والبعث. أو يسمع ما يقوله القائلون في ذلك، بصير بما يضمرونه.
ثمّ نبّه على قدرته على ذلك بقوله:( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ) كلّ من النيّرين يجري في فلكه( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) معلوم، الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر. وقيل: إلى يوم القيامة، لأنّه لا ينقطع جريهما إلّا حينئذ. والفرق بينه وبين قوله: «لأجل مسمّى»: أنّ الأجل هاهنا منتهى الجري، وثمّ غرضه الحاصل في الغايات.
( وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) عالم بكنهه. فدلّ سبحانه بالليل والنهار، وتعاقبهما، وزيادتهما، ونقصانهما، وجري النيّرين في فلكيهما، أنّ كلّ ذلك على تقدير وحساب، وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وحكمته.
( ذلِكَ ) إشارة إلى الّذي ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، وغرائب الحكمة الّتي يعجز عنها الأحياء القادرون العالمون، فكيف بالجماد الّذي تدعونه من دونه( بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ ) بسبب أنّه الثابت في ذاته، الواجب من جميع جهاته. أو الثابت إلهيّته.
( وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ ) المعدوم في حدّ ذاته، لا يوجد ولا يتّصف إلّا بجعله. أو الباطل إلهيّته. وقرأ البصريّون والكوفيّون غير أبي بكر بالياء.
__________________
(١) النحل: ٤٠.
( وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) مترفّع على كلّ شيء، ومتسلّط عليه. أو مترفّع عن أن يشرك به.
ثمّ استشهد بأمر آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول أنعامه، فقال :
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ ) بإحسانه في تهيئة أسبابه.
والباء للصلة، أو الحال.( لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ ) من دلائله الدالّة على وحدانيّته، وكمال قدرته وعلمه. ووجه الدلالة: أنّ الله تعالى يجري السفن بالرياح الّتي يرسلها في الوجوه الّتي تريدون المسير فيها، ولو اجتمع جميع الخلائق ليجروا الفلك في بعض الجهات المخالفة لجهة الرياح لـما قدروا عليه، وفي ذلك أعظم دلالة على أنّ المجري لها بالرياح هو القادر الّذي لا يعجزه شيء، وذلك بعض الأدلّة الدالّة عليه، فلذلك قال: «من آياته».
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ ) على المشاقّ، فيتعب نفسه بالتفكّر في الآفاق والأنفس( شَكُورٍ ) يعرف النعم، ويتعرّف مانحها. أو للمؤمنين، فإنّ الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر.
( وَإِذا غَشِيَهُمْ ) علاهم وغطّاهم( مَوْجٌ ) متراكم بعضه على بعض( كَالظُّلَلِ ) كما يظلّ من جبل أو سحاب أو غيرهما، ويغطّي ما تحته( دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد، لعروض الخوف الشديد والدهشة العظيمة( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) مقيم على طريق القصد الّذي هو التوحيد. أو متوسّط في الكفر، خافض عن غلوائه، فانزجر بعض الانزجار.
( وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ ) غدّار أسوأ الغدر وأقبحه، فإنّه نقض العهد الفطري( كَفُورٍ ) لنعم الله.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٣٣) )
ولـمّا بيّن الأدلّة الدالّة على كمال قدرته وعلمه وتوحيده، خاطب جميع المكلّفين، فقال :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ) لا يقضي عنه( وَلا مَوْلُودٌ ) مبتدأ خبره( هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً ) وتغيير النظم إلى الجملة الاسميّة الّتي هي آكد من الفعليّة، للدلالة على أنّ المولود أولى بأن لا يجزي، ولقطع طمع من توقّع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة. وفي ذكر لفظ المولود دون الولد، دلالة على أنّ الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الّذي ولد منه لم يقبل شفاعته، فضلا أن يشفع لمن فوقه من أجداده، لأنّ الولد يقع على الولد وولد الولد، بخلاف المولود، فإنّه لمن ولد منك.
( إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بالثواب والعقاب( حَقٌ ) لا يمكن خلفه( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) الإمهال عن الانتقام، والآمال والأموال عن الإسلام. والمعنى: لا تغترّوا بطول السلامة وكثرة النعمة، فإنّهما عن قريب إلى زوال وانتقال.( وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ) الشيطان، بأن يرجيكم التوبة والمغفرة، فيجسركم على المعاصي.
عن سعيد بن جبير: الغرّة بالله أن يتمادى الرجل في المعصية، ويتمنّى على الله المغفرة. وقيل: ذكرك لحسناتك، ونسيانك لسيّئاتك غرّة.
عن أبي عبيدة: كلّ شيء غرّك حتّى تعصي الله، وتترك ما أمرك الله به، فهو
غرور، شيطانا كان أو غيره.
وفي الحديث: «الكيّس من دان نفسه، وعمل لها بعد الموت. والعاجز من اتّبع نفسه هواها، وتمنّى على الله».
( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) )
روي: أنّ الحرث بن عمرو بن حارثة أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله ؛ أخبرني عن الساعة متى قيامها؟ وإنّي قد ألقيت حبّاتي في الأرض، وقد أبطأت عنّا السماء، فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي فقد اشتملت ما في بطنها، أذكر أم أنثى؟ وإنّي علمت ما عملت أمس، فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته، فأين أموت؟ فنزلت :
( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) وقت قيامها. واستأثر سبحانه به، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يعلم وقت قيامها سواه.( وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) في إبّانه المقدّر له، والمحلّ المعيّن له في علمه. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد.( وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ ) أذكر أم أنثى؟ أتامّ أو ناقص؟
( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً ) ماذا تعمل في المستقبل، من خير أو شرّ. وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه. ولا شيء أخصّ بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن له طريق إلى معرفتها، كان من معرفة ما عداهما أبعد.
( وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) كما لا تدري في أيّ وقت تموت. وربما
أقامت بأرض وضربت أوتادها، وقالت: لا أبرحها أو أقبر فيها، فترمي به مرامي القدر حتّى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدّثتها به ظنونها.
وروي: أنّ ملك الموتعليهالسلام مرّ على سليمانعليهالسلام ، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه. فقال الرجل: من هذا؟ قال: ملك الموت. فقال: كأنّه يريدني. وسأل سليمان أن يحمله على الريح، ويلقيه ببلاد الهند، ففعل. ثمّ قال ملك الموت لسليمان: كان دوام نظري تعجّبا منه، لأنّي أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : مفاتح الغيب خمس. وتلا هذه الآية.
وعن ابن عبّاس: من ادّعى علم هذه الخمسة فقد كذب. وإيّاكم والكهانة، فإنّ الكهانة تدعو إلى الشرك، والشرك وأهله في النار.
وأيضا عن أئمّة الهدىعليهمالسلام : أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى.
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ ) يعلم الأشياء كلّها( خَبِيرٌ ) يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها.
(٣٢)
سورة السجدة
سمّيت أيضا سجدة لقمان، لئلّا تلتبس بحم السجدة، تسمية للشيء باسم مجاوره.
وهي مكّيّة ما خلا ثلاث آيات منها، فإنّها نزلت بالمدينة ؛( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ) (١) إلى تمام الآيات. وهي ثلاثون آية.
أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ ألم تنزيل، وتبارك الّذي بيده الملك، فكأنّما أحيا ليلة القدر».
وأيضا: «من قرأ ألم تنزيل في بيته، لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيّام».
وروى ليث بن أبي الزبير عن جابر، قال: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا ينام حتّى يقرأ ألم تنزيل، وتبارك الّذي بيده الملك. قال ليث: فذكرت ذلك لطاوس، فقال: فضّلتا على كلّ سورة في القرآن. ومن قرأهما كتب له ستّون حسنة، ومحي عنه ستّون سيّئة، ورفع له ستّون درجة.
وروى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة السجدة في كلّ ليلة جمعة، أعطاه الله كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام ».
__________________
(١) السجدة: ١٨.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) )
واعلم أنّه سبحانه لـمّا ختم سورة لقمان بدلائل الربوبيّة، افتتح هذه السورة أيضا بها، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم ) مبتدأ إن جعل اسما للسورة أو القرآن، خبره( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) على أنّ التنزيل بمعنى المنزل. وإن جعل تعديدا للحروف، كان «تنزيل» خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره( لا رَيْبَ فِيهِ ) أي: لا مدخل للريب في أنّه تنزيل الله، لإعجازه. وحينئذ( مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) يكون حالا من الضمير في «فيه» لأنّ المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر.
ويجوز أن يكون خبرا ثانيا، و( لا رَيْبَ فِيهِ ) حال من الكتاب أو اعتراض، والضمير في «فيه» لمضمون الجملة. كأنّه قيل: لا ريب في كونه منزلا من ربّ العالمين.
ويؤيّده قوله:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ) فإنّه إنكار لكونه من ربّ العالمين. وهذا إمّا قول متعنّت، مع علمه أنّه من الله، لظهور الإعجاز له. أو جاهل يقوله قبل التأمّل والنظر. وقوله:( بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) فإنّه تقرير أنّه منزل من الله.
وهذا أسلوب صحيح، ونظر جميل غاية الحسن، فإنّه أشار إلى إعجازه، ثمّ أثبت أنّ تنزيله من ربّ العالمين، ثمّ قرّر ذلك بنفي الريب عنه، ثمّ أضرب عن ذلك
إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكارا له وتعجيبا منه، فإنّ «أم» هي المنقطعة.
ثمّ أضرب عنه إلى إثبات أنّه الحقّ المنزل من الله، وبيّن المقصود من تنزيله، فقال:( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ) إذ كانوا أهل الفترة( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) بإنذارك إيّاهم. وفيه وجهان: أن يكون على الترجّي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما كان:( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) (١) على الترجّي من موسى وهارون. وأن يستعار لفظ الترجّي للإرادة.
واعلم أنّه لا يلزم من عدم إتيان نذير قبل زمان البعثة عدم الحجّة عليهم، لأنّ أدلّة العقل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده معهم في كلّ زمان. نعم، لم يقم عليهم قيام الحجّة بالشرائع الّتي لا يدرك علمها إلّا بالرسل.
( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) )
ثمّ دلّ سبحانه على وحدانيّته بقوله:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) مرّ بيانه في الأعراف(٢) ( ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ) ما لكم إذا جاوزتم رضا الله أحد ينصركم ويشفع لكم. أو ما لكم سواه وليّ يتولّى مصالحكم ويشفعكم، أي: ينصركم، على سبيل المجاز، لأنّ
__________________
(١) طه: ٤٤.
(٢) راجع ج ٢ ص ٥٣٢، ذيل الآية ٥٤ من سورة الأعراف.
الشفيع ينصر المشفوع له، فإذا خذلكم لم يبق لكم وليّ ولا ناصر. فهو كقوله:( وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) (١) .
( أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) تتفكّرون فيما قلناه، وتعتبرون به، فتعلموا صحّة ما بيّنّاه لكم.
( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ) يدبّر أمر الدنيا بأسباب سماويّة، كالملائكة وغيرها، نازلة آثارها إلى الأرض( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) ثمّ يصعد إليه ويثبت في علمه موجودا( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) لو ساره غير الملك( مِمَّا تَعُدُّونَ ) ممّا يعدّه البشر، أي: في برهة من الزمان متطاولة. يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع.
وقيل: يدبّر الأمر بإظهاره في اللوح، فينزل به الملك، ثمّ يعرج إليه في زمان هو كألف سنة، لأنّ مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة، فإنّ ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة لابن آدم.
وقيل: يقضي أمر الدنيا كلّها من السماء إلى الأرض، لكلّ يوم من أيّام الله، وهو ألف سنة، فينزل به الملك، ثمّ يعرج بعد الألف لألف آخر.
وقيل: يدبّر المأمور به من الطاعات منزلا من السماء إلى الأرض بالوحي، ثمّ لا يعمل به ولا يعرج إليه ذلك المأمور به خالصا كما يرتضيه إلّا في مدّة متطاولة، لقلّة المخلصين، وقلّة الأعمال الخلّص الصاعدة، لأنّه لا يوصف بالصعود إلّا الخالص. ودلّ عليه قوله على أثره:( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) (٢) .
وقيل: يدبّر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثمّ يعرج إليه ذلك الأمر كلّه ـ أي: يصير إليه ـ ليحكم في يوم كان مقداره ألف سنة ،
__________________
(١) البقرة: ١٠٧.
(٢) السجدة: ٩.
وهو يوم القيامة.
وأمّا قوله:( فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) (١) فإنّه أراد سبحانه على الكافر، فجعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، فإنّ المقامات في يوم القيامة مختلفة.
( ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩) وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) )
ثمّ أكّد سبحانه ما تقدّم من دلائل وحدانيّته وأعلام ربوبيّته، فقال:( ذلِكَ ) أي: الّذي يفعل ذلك ويقدر عليه( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ) هو العالم بما يشاهد وما لا يشاهد، فيدبّر أمرهما على وفق الحكمة( الْعَزِيزُ ) على أمره، المنيع في ملكه( الرَّحِيمُ ) على العباد في تدبيره.
( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) أي: حسّن خلقه، لأنّه ما من شيء خلقه إلّا وهو مرتّب على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة. فجميع المخلوقات حسنة ،
__________________
(١) المعارج: ٤.
وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن، كما قال:( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (١) .
وقيل: علم كيف يخلقه قبل أن خلقه، من غير أن يعلمه أحد. من قولهم: قيمة المرء ما يحسنه. وحقيقته: يحسن معرفته، أي: يعرف معرفة حسنة بتحقيق وإيقان. و «خلقه» مفعول ثان.
وقرأ نافع والكوفيّون بفتح اللام على الوصف. فالشيء على الأوّل مخصوص بمنفصل، أي: حسّن كلّ شيء خلقه خلقه. وعلى الثاني بمتّصل.
( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ ) يعني: آدم( مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ) ذرّيّته. سمّيت به لأنّها تنسل منه، أي: تنفصل منه وتخرج من صلبه.( مِنْ سُلالَةٍ ) أي: الصفوة الّتي تنسل من غيرها. ويسمّى ماء الإنسان سلالة، لانسلاله من صلبه.( مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) ممتهن ضعيف. «من» الأولى ابتدائيّة، والثانية بيانيّة. أشار سبحانه إلى أنّه من شيء حقير لا قيمة له، وإنّما يصير ذا قيمة بالعمل.
( ثُمَّ سَوَّاهُ ) قوّمه بتسوية أعضائه على ما ينبغي، كقوله:( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (٢) .
( وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) أضافه إلى ذاته، تشريفا له، وإشعارا بأنّه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلّا هو، كقوله:( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) (٣) الآية. كأنّه قال: ونفخ فيه من الشيء الّذي اختصّ هو به وبمعرفته، إيذانا بأنّ له شأنا له مناسبة مّا إلى الحضرة الربوبيّة، ولأجله قال أمير المؤمنينعليهالسلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربّه».
ثمّ قال سبحانه مخاطبا لذرّيّته:( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ ) لتسمعوا المسموعات
__________________
(١) التين: ٤.
(٢) التين: ٤.
(٣) الإسراء: ٨٥.
( وَالْأَبْصارَ ) لتبصروا المبصرات( وَالْأَفْئِدَةَ ) لتعقلوا بها( قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ) «ما» مزيدة للمبالغة في القلّة، أي: تشكرون شكرا قليلا غاية القلّة.
( وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ) أي: صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميّز منه، كما يضلّ الماء في اللبن. أو غبنا في الأرض بالدفن فيها.
وقرأ ابن عامر: إذا، على الخبر، والعامل فيه ما دلّ عليه قوله:( أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وهو نبعث، أو يجدّد خلقنا.
وقرأ نافع والكسائي ويعقوب: إنّا، على الخبر. والقائل أبيّ بن خلف.
وإسناده إلى جميعهم لرضاهم به. والمعنى: كيف نخلق جديدا، ونعاد بعد أن هلكنا، وتفرّقت أجسامنا؟
( بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ ) بالبعث، أو بتلقّي ملك الموت، وما بعده من الثواب والعقاب( كافِرُونَ ) أي: جاحدون، فلذلك قالوا هذا القول.
( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ ) يستوفي نفوسكم، لا يترك منها شيئا. أو يقبضكم واحدا واحدا حتّى لا يبقى أحد منكم. من قولك: توفّيت حقّي من فلان واستوفيته، إذا أخذته وافيا كملا من غير نقصان. والتفعّل والاستفعال يلتقيان كثيرا، كتقصّيته واستقصيته، وتعجّلته واستعجلته. فالتوفّي: استيفاء النفس، وهي الروح. قال الله تعالى:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) (١) . وهو أن يقبض كلّها.
( مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) بقبض أرواحكم، وإحصاء آجالكم.
وعن مجاهد: حويت لملك الموت الأرض، وجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث شاء.
وعن ابن عبّاس: جعلت الدنيا بين يدي ملك الموت مثل جام يأخذ منها ما شاء، إذا قضي عليه الموت، من غير عناء. وخطوته ما بين المشرق والمغرب.
__________________
(١) الزمر: ٤٢.
وعن قتادة: يتوفّاهم ومعه أعوان من الملائكة.
وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثمّ يأمر أعوانه بقبضها.
( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ ) أي: جزاء ربّكم، من الثواب والعقاب( تُرْجَعُونَ ) تردّون.
وجعل ذلك رجوعا إليه تفخيما للأمر، وتعظيما للحال.
روى عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «الأمراض والأوجاع كلّها بريد الموت، ورسل الموت، فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه فقال: يا أيّها العبد! كم خبر بعد خبر، وكم رسول بعد رسول، وكم بريد بعد بريد. أنا الخبر الّذي ليس بعدي خبر، وأنا الرسول الّذي ليس بعدي رسول، وأنا البريد الّذي ليس بعدي بريد، أجب ربّك طائعا أو مكرها.
فإذا قبض روحه، وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون؟ وعلى من تبكون؟ فوالله ما ظلمت له أجلا، ولا أكلت له رزقا، بل دعاه ربّه. فليبك الباكي على نفسه، فإنّ لي فيكم عودات وعودات، حتّى لا أبقي منكم أحدا».
( وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حالهم في القيامة وعند الحساب، فقال خطابا للرسول ،
أو لكلّ واحد من العقلاء :
( وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ ) من الحياء والخزي والذلّ والندم( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: عند ما يتولّى الله حساب خلقه، وهو يوم القيامة، قائلين:( رَبَّنا أَبْصَرْنا ) ما وعدتنا( وَسَمِعْنا ) منك تصديق رسلك( فَارْجِعْنا ) إلى الدنيا( نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) إذ لم يبق لنا شكّ بما شاهدنا، فلا يغاثون.
وجواب «لو» محذوف، تقديره: لرأيت أمرا فظيعا. ويجوز أن تكون «لو» للتمنّي. كأنّه قال: وليتك ترى. هذا على تقدير كونه خطابا للرسول، لأنّه تجرّع منهم الغصص، ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمنّي أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الخزي ليشمت بهم.
والمضيّ في «لو» و «إذ» لأنّ الثابت في علم الله بمنزلة الواقع الموجود المقطوع به في تحقّقه. ولا يقدّر لـ «ترى» مفعول، لأنّ المعنى: لو يكون منك رؤية في هذا الوقت. أو يقدّر ما دلّ عليه صلة «إذ»، و «إذ» ظرف له.
ثمّ قال سبحانه:( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) ما تهتدي به إلى الحقّ، على طريق الإلجاء والقسر، بأن نفعل بهم أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد.
( وَلكِنْ ) بنينا الأمر على الاختيار، دون الإجبار الّذي ينافي غرض التكليف، لأنّ استحقاق الثواب لا يكون إلّا بالاختيار. فاختاروا العمى على الهدى، فلأجل ذلك( حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ) ثبت قضائي، وسبق وعيدي.
والقول من الله سبحانه بمنزلة القسم، فلذلك أتى بجواب القسم، فقال:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) أي: من كلا الصنفين الّذين اختاروا الكفر والجحود على الايمان والطاعة. ألا ترى إلى ما عقّبه به من قوله:( فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم، من نسيان العاقبة، وقلّة
الفكر فيها، وترك الاستعداد لها. والمراد بالنسيان: خلاف التذكّر. يعني: أنّ الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكّر العاقبة، وسلّط عليكم نسيانها.
ثمّ قال على سبيل المقابلة والمزاوجة:( إِنَّا نَسِيناكُمْ ) أي: جازيناكم جزاء نسيانكم، وتركناكم من الرحمة. أو تركناكم في العذاب ترك المنسيّ. وفي استئنافه وبناء الفعل على «إنّ» واسمها تشديد في الانتقام منهم.
( وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) كرّر الأمر للتأكيد، ولما نيط به من التصريح بمفعوله، وتعليله بأفعالهم السيّئة، من التكذيب والمعاصي، كما علّله بتركهم تدبّر أمر العاقبة والتفكّر فيها، دلالة على أنّ كلّا منهما يقتضي ذلك.
والمعنى: فذوقوا هذا ـ أي: ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي ـ بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلّد في جهنّم، بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة.
( إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ
يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) )
ثمّ أخبر سبحانه عن حال المؤمنين بقوله:( إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا ) أي: يصدّق بالقرآن وسائر حججنا( الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها ) وعظوا بها( خَرُّوا سُجَّداً ) خوفا من عذاب الله، وتواضعا وخشوعا وامتثالا له( وَسَبَّحُوا ) ونزّهوه عمّا لا يليق به، كالعجز عن البعث( بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) حامدين له، شكرا على ما وفّقهم للإسلام، وآتاهم الهدى( وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) عن الإيمان، ولا يستنكفون عن طاعته، كما يفعل من يصرّ مستكبرا كأن لم يسمعها. ومثله قوله:( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا ) (١) .
ثمّ وصف سبحانه المؤمنين المذكورين، فقال:( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ) ترتفع وتتنحّى( عَنِ الْمَضاجِعِ ) الفرش ومواضع النوم( يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) داعين إيّاه، أو عابدين( خَوْفاً ) لأجل خوفهم من سخطه( وَطَمَعاً ) ولأجل طمعهم في رحمته. وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في تفسيرها: قيام العبد من الليل.
وروى الواحدي بالإسناد عن معاذ بن جبل قال: بينا نحن مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في غزوة تبوك، وقد أصابنا الحرّ، فتفرّق القوم، فإذا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقربهم منّي، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله أنبئني بعمل يدخلني الجنّة ،
__________________
(١) الإسراء: ١٠٧ ـ ١٠٨.
ويباعدني من النار.
فقال: سألت عن عظيم، وإنّه ليسير على من يسّره الله عليه ؛ تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم شهر رمضان.
قال: وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير.
قال: قلت: أجل يا رسول الله.
قال: الصوم جنّة. والصدقة تكفّر الخطيئة. وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله. ثمّ قرأ هذه الآية:( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) (١) .
وبالإسناد عن بلال قال: «قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عليكم بقيام الليل، فإنّه دأب الصالحين قبلكم، وإنّ قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، ويكفّر عن السيّئات، ويطرد الداء عن الجسد».
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلّهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثمّ يرجع فينادي: ليقم الّذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع. فيقومون وهم قليل. ثمّ يرجع فينادي: ليقم الّذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضرّاء. فيقومون وهم قليل. فيسرحون جميعا إلى الجنّة، ثمّ يحاسب سائر الناس.
وقيل: كان ناس من الصحابة يصلّون من المغرب إلى العشاء، فنزلت فيهم.
وقيل: هم الّذين يصلّون صلاة العتمة، ولا ينامون عنها.
وعن قتادة: هم الّذين يصلّون ما بين المغرب والعشاء الآخرة. وهي صلاة الأوّابين.
( وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) في وجوه الخير.
__________________
(١) تفسير الوسيط ٣: ٤٥٢ ـ ٤٥٣.
ولـمّا كان هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالصلاة والدعاء عن طيب المضجع، لانقطاعهم إلى الله تعالى، فآمالهم مصروفة إليه، واتّكالهم في كلّ الأمور عليه، بيّن سبحانه مثوبتهم العظمى، ومرتبتهم العليا عنده الّتي لا يعلم أحد كنهها إلّا هو، فقال :
( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ) لا ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل( مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) ممّا تقرّ به عيونهم، ومن الثواب العظيم الّذي ادّخره الله لأولئك، وأخفاه الله من جميع خلائقه، لا يعلمه إلّا هو. وقرأ حمزة ويعقوب: أخفي، على أنّه مضارع: أخفيت.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله(١) ما أطلعتهم عليه، اقرؤا إن شئتم:( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) .
والعلم بمعنى المعرفة. و «ما» موصولة، أو استفهاميّة معلّق عنها الفعل.
( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: جزوا جزاء. أو أخفى للجزاء، فإنّ إخفاءه لعلوّ شأنه. وقيل: هذا لقوم أخفوا أعمالهم، فأخفى الله ثوابهم.
( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً ) خارجا عن الإيمان( لا يَسْتَوُونَ ) في الشرف والمثوبة. تأكيد وتصريح. والجمع للحمل على المعنى، كما أنّ ضمير الإفراد في «كان» محمول على اللفظ. ونحوه قوله تعالى:( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ) (٢) .
ثمّ فسّر عدم الاستواء بقوله:( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى ) يأوون إليها، فإنّها المأوى الحقيقي، والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة.
__________________
(١) بله اسم فعل مبنيّ على الفتح، مثل: كيف. ومعناه: دع واترك. ويقال: معناه: سوى.
(٢) محمّد: ١٦.
وقيل: المأوى نوع من الجنان. قال الله تعالى:( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) (١) . سمّيت بذلك، لـما روي عن ابن عبّاس أنّه قال: تأوي إليها أرواح الشهداء. وقيل: هي عن يمين العرش.
( نُزُلاً ) عطاء( بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) بسبب أعمالهم، أو على أعمالهم.
والنزل في الأصل عطاء النازل، ثمّ صار عامّا. وقد سبق مزيّة تفسيره في سورة آل عمران(٢) .
( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ ) أي: ملجؤهم ومنزلهم. ويجوز أن يراد: فجنّة مأواهم النار، أي: النار لهم، مكان جنّة المأوى للمؤمنين، كقوله:( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) (٣) .
( كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها ) عبارة عن خلودهم فيها. وقد مرّ بيانه في سورة الحجّ(٤) .( وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا ) مع ذلك( عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) إهانة لهم، وزيادة في غيظهم.
وفي هذا دلالة على أنّ المراد بالفاسق هنا الكافر. قال ابن أبي ليلى: نزل قوله:( أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً ) الآيات، في عليّ بن أبي طالب ورجل من قريش.
وقال غيره(٥) : نزلت في عليّ بن أبي طالب، والوليد بن عقبة. فالمؤمن: عليّ، والفاسق: الوليد. وذلك أنّه شجر بين عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت! فإنّك صبيّ، وأنا أشبّ منك شبابا ،
__________________
(١) النجم: ١٣ ـ ١٥.
(٢) راجع ج ١ ص ٦٢٥، ذيل الآية ١٩٨ من سورة آل عمران.
(٣) الانشقاق: ٢٤.
(٤) راجع ج ٤ ص ٣٨٠، ذيل الآية ٢٢ من سورة الحجّ.
(٥) راجع الكشّاف ٣: ٥١٤.
وأجلد منك جلدا، وأذرب منك لسانا، وأحدّ منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة، أي: أبدن. فقال له عليّعليهالسلام : اسكت! فإنّك فاسق. فنزلت عامّة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكلّ من كان في مثل حالهما.
وعن الحسن بن عليّعليهالسلام : قال للوليد: كيف تشتم عليّا، وقد سمّاه الله مؤمنا في عشر آيات، وسمّاك فاسقا؟
قال قتادة: لا والله ما استووا، لا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة.
( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى ) عذاب الدنيا، من أنواع المصائب والمحن في الأنفس والأموال. وعن ابن مسعود: هو القتل يوم بدر بالسيف. وعن مقاتل: هو ما ابتلوا به من الجوع سبع سنين بمكّة، حتّى أكلوا الجيف والكلاب: وعن عكرمة: هو الحدود. وعن مجاهد: عذاب القبر. وهو مرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
( دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ) عذاب الآخرة. والمعنى: نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.( لَعَلَّهُمْ ) لعلّ من بقي منهم( يَرْجِعُونَ ) يتوبون عن الكفر.
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ) أي: لا أحد أظلم لنفسه ممّن نبّه على حجج الله الموصلة إلى معرفته( ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ) فلم يتفكّر فيها. و «ثمّ» لاستبعاد الإعراض عنها. والمعنى: أنّ الإعراض عن مثل آيات الله، في فرط وضوحها وإنارتها، وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها، مستبعد جدّا في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثمّ لم تنتهزها، استبعادا لتركه الانتهاز.
( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ) فكيف ممّن كان أظلم من كلّ ظالم؟! وتحرير المعنى: أنّه لـمّا جعل المعرض عن الآيات الواضحة مع علمه بها أظلم الناس، ثمّ توعّد المجرمين عامّة بالانتقام منهم، فقد دلّ على إصابة الأظلم النصيب الأوفر من الانتقام. فلإفادة هذا المعنى لم يقل: إنّا منه منتقمون، لأنّه لم يفد هذا المعنى.
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) )
ولـمّا أعرضوا عن آيات القرآن مع ظهور إعجازه، ووضوح صدقه، سلّى نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله :
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ) كما آتيناك الكتاب، ولقّيناه مثل ما لقّيناك من الوحي، فأعرضوا عن أحكام كتابه، كما أعرضوا عن أحكام كتابك( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ ) في شكّ( مِنْ لِقائِهِ ) من لقائك الكتاب، أي: من أنّك لقيت مثله، ولا تلتفت إلى إعراض المعاندين. ونظيره قوله:( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) (١) . وقوله:( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) (٢) . فإرجاع الضمير إلى الكتاب باعتبار الجنسيّة.
وملخّص المعنى: إنّا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه، فليس ذلك ببدع حتّى ترتاب فيه، أو من لقائك موسى.
وعنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رأيت ليلة أسري بي موسىعليهالسلام ، رجلا آدم طوالا جعدا(٣) ، كأنّه
__________________
(١) يونس: ٩٤.
(٢) النمل: ٦.
(٣) الجعد من الشعر: خلاف المسترسل. والسبط ضدّ الجعد، وهو المسترسل منه. وشنوءة قبيلة من اليمن. والمربوع: المتوسّط القامة.
من رجال شنوءة. ورأيت عيسى بن مريم، رجلا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس».
فعلى هذا فقد وعدصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه سيلقى موسىعليهالسلام قبل أن يموت.
( وَجَعَلْناهُ ) أي: الكتاب المنزل على موسى( هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ ) الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام( بِأَمْرِنا ) إيّاهم به، أو بتوفيقنا له( لَمَّا صَبَرُوا ) على نصرة الدين وثبتوا عليه. وقرأ حمزة والكسائي ورويس: لـما صبروا، أي: لصبرهم على الطاعة، أو عن الدنيا.( وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ) لإمعانهم فيها النظر. وكذلك لنجعلنّ الكتاب المنزل إليك هدى ونورا، ولنجعلنّ من أمّتك أئمّة يهدون مثل تلك الهداية.
( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) يقضي بينهم، فيميّز الحقّ من الباطل، بتمييز المحقّ من المبطل( يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من أمر الدين.
( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) )
( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ) الواو للعطف على معطوف عليه منويّ من جنس المعطوف.
والضمير لأهل مكّة. والفاعل ضمير ما دلّ عليه( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ ) لأنّ «كم» لا تقع فاعلة، فلا يقال: جاءني كم رجل. تقديره: أو لم يهد لهم كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية. أو ضمير الله، بدليل القراءة بالنون.
( يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ) يعني: أهل مكّة يمرّون في متاجرهم على ديار
القرون السالفة، كعاد وثمود وقوم لوط، ويرون آثارهم( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ ) لدلالات واضحات على الحقّ( أَفَلا يَسْمَعُونَ ) سماع تدبّر واتّعاظ.
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ ) بالمطر والثلج. وقيل: بالأنهار والعيون.( إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ ) الّتي جرز نباتها، أي: قطع وأزيل، إمّا لعدم الماء، وإمّا لأنّه رعي وأزيل. ولا يقال للّتي لا تنبت أصلا كالسباخ: جرز. ويدلّ عليه قوله:( فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ) وعن ابن عبّاس: نسوق الماء بالسيول إليها، لأنّها مواضع عالية. وهي قرى بين اليمن والشام.( تَأْكُلُ مِنْهُ ) من الزرع( أَنْعامُهُمْ ) كالتبن والورق( وَأَنْفُسُهُمْ ) كالحبّ والثمر( أَفَلا يُبْصِرُونَ ) فيستدلّون به على كمال قدرته وفضله.
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) )
روي: أنّ المسلمين كانوا يقولون: إنّ الله سيفتح لنا على المشركين. فقالوا على وجه الإنكار والاستبعاد: متى هذا الفتح؟ فنزلت :
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ ) أي: في أيّ وقت يكون النصر؟ أو الفصل بالحكومة، من قوله:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا ) (١) .( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في أنّه كائن.
( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) لا يؤخّر العذاب عنهم يومئذ. وهو يوم القيامة، فإنّه يوم نصر المسلمين، والفصل بينهم وبين أعدائهم. ولـمّا كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالا منهم على وجه
__________________
(١) الأعراف: ٨٩.
التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم، فقيل لهم: لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأنّي بكم قد حضرتم في ذلك اليوم، وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا.
وقيل: المراد يوم بدر. وعن مجاهد والحسن: يوم فتح مكّة. فالمراد بالّذين كفروا المقتولون منهم، فإنّه لا ينفعهم إيمانهم، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند إدراك الغرق. فعلى هذا المعنى ينطبق هذا الكلام جوابا على سؤالهم عن وقت الفتح. فلا يقال: من فسّره بيوم بدر أو فتح مكّة، كيف يستقيم على تفسيره أن لا ينفعهم الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكّة، وناسا يوم بدر.
( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) يا محمد، فإنّه لا ينجع فيهم الدعاء والوعظ، ولا تبال بتكذيبهم. وقيل: هو منسوخ بآية السيف(١) .( وَانْتَظِرْ ) النصرة عليهم( إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) الغلبة عليك وهلاككم، كقوله:( فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) (٢) .
__________________
(١) التوبة: ٥ و ٢٩.
(٢) التوبة: ٥٢.
(٣٣)
سورة الأحزاب
مدنيّة وهي ثلاث وسبعون آية. أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الأحزاب وعلّمها أهله، وما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب القبر».
وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب، كان يوم القيامة في جوار محمّد وآله وأزواجه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا أمر رسوله في مختتم سورة حم السجدة بانتظار أمره، بيّن في مفتتح هذه السورة أن يكون في انتظاره متّقيا، ونهاه عن طاعة الكفّار، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ ) ناداه بالنبيّ، وترك نداءه باسمه، كما قال: يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود، وأمره بالتقوى، تعظيما له ،
وتنويها بفضله، وتشريفا بمحلّه، وتفخيما لشأن التقوى.
والمراد به الأمر بالثبات عليه، ليكون مانعا له عمّا نهى عنه بقوله:( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ) كأنّه قال: واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه.
ولا تطع الّذين يظهرون الكفر ويبطنونه، والّذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فيما يعود بوهن في الدين. ولا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة، وجانبهم، فإنّهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، فلا يريدون إلّا المضارّة والمضادّة.
وروي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وآله لـمّا هاجر إلى المدينة، وكان يحبّ إسلام اليهود ؛ قريظة والنضير وبني قينقاع، وقد بايعه ناس منهم على النفاق، فكان يلين لهم جانبه، ويكرم صغيرهم وكبيرهم، وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه، وكان يسمع منهم، فنهاه الله سبحانه عن ذلك بإنزال هذه السورة.
وقيل: إنّ أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي، قدموا عليه في الموادعة الّتي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبيّ ومعتب بن قشير والجدّ بن قيس. فقالوا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إنّها تشفع وتنفع، ندعك وربّك. فشقّ ذلك على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلى المؤمنين، وهمّوا بقتلهم، فنزلت. أي: اتّق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكّة، والمنافقين من أهل المدينة، فيما طلبوا إليك.
وروي أيضا: أنّ أهل مكّة دعوا رسول الله إلى أن يرجع عن دينه، ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوّجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوّفه منافقوا المدينة أنّهم يقتلونه إن لم يرجع، فنزلت.
( إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً ) بالصواب من الخطأ، والمصلحة من المفسدة( حَكِيماً ) لا يفعل شيئا ولا يحكم به إلّا بما تقتضيه الحكمة.
ولـمّا نهاه عن متابعة الكفّار وأهل النفاق، أمره باتّباع أوامره ونواهيه على
الإطلاق، فقال :
( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك( إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) فموح إليك ما تصلح به أعمالك، فلا حاجة إلى الاستماع إلى الكفرة.
وقرأ أبو عمرو بالياء، على أنّ الواو ضمير الكفرة والمنافقين، أي: إنّ الله خبير بمكايدهم، فيدفعها عنك.
( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) وكل أمرك إلى تدبيره( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) موكولا إليه الأمور كلّها.
( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) )
روي: أنّ العرب كانوا يزعمون أنّ اللبيب الأريب له قلبان. ولذلك قيل لأبي معمر: ذو القلبين، لأنّه رجل من أحفظ العرب وأرواهم. وقيل لجميل بن أسد الفهري: ذو القلبين. وكان يقول: إنّ لي قلبين، أفهم بأحدهما أكثر ما يفهم محمّد.
وأنّ(١) الزوجة المظاهر عنها كالامّ، ودعيّ الرجل ابنه. ولذلك كانوا يقولون لزيد بن
__________________
(١) عطف على قوله: «أنّ اللبيب ...» في صدر العبارة.
حارثة بن شراحيل الكلبي، من بني عبدودّ، عتيق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ابن محمّد. فردّ الله عليهم بقوله :
( ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) أي: ما جمع قلبين في جوف، لأنّ القلب معدن الروح الحيواني المتعلّق بالنفس الإنساني أوّلا، ومنبع القوى بأسرها ثانيا، وهو يمنع التعدّد. ولأنّ صاحب القلبين لا يخلو: إمّا أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فضلة غير محتاج إليها. وإمّا أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدّي إلى اتّصاف الجملة بكونه مريدا كارها، عالما ظانّا، موقنا شاكّا، في حالة واحدة، وهو محال.
وروي: أنّ جميل بن أسد انهزم يوم بدر، فمرّ بأبي سفيان وهو معلّق إحدى نعليه بيده والاخرى في رجله، فقال له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب. فقال له: ما بال إحدى نعليك في رجلك والاخرى في يدك؟ فقال: ما ظننت إلّا أنّهما في رجليّ. فأكذب الله قوله وقولهم.
وعن ابن عبّاس: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان. ينسبونه إلى الدهاء، فأكذبهم الله.
وعن الحسن: نزلت في رجل كان يقول: لي نفس تأمرني، ونفس تنهاني.
وقيل: هو ردّ على المنافقين. والمعنى: ليس لأحد قلبان، يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، وإنّما هو قلب واحد، فإمّا أن يؤمن، وإمّا أن يكفر.
وقيل: هذه الآية متّصلة بما قبلها. والمعنى: أنّه لا يمكن الجمع بين اتّباعين متضادّين: اتّباع الوحي والقرآن، واتّباع أهل الكفر والطغيان. فكنّى عن ذلك بذكر القلبين، لأنّ الاتّباع يصدر عن الاعتقاد، والاعتقاد من أفعال القلوب، فكما لا يجتمع قلبان في جوف واحد، لا يجتمع اعتقادان متضادّان في قلب واحد.
وقال أبو عبد اللهعليهالسلام : «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، يحبّ بهذا
قوما، ويحبّ بهذا أعداءهم».
والتنكير في رجل، وإدخال «من» الاستغراقيّة على «قلبين» تأكيدان لـما قصد من المعنى. كأنّه قال: ما جعل الله لأمّة الرجال، ولا لواحد منهم، قلبين البتّة في جوفه.
وفائدة ذكر الجوف كالفائدة في قوله:( الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (١) . وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر والتجلّي للمدلول عليه، لأنّه إذا سمع به صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار.
( وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ) وما جعل الزوجيّة والامومة في امرأة.
وقرأ أبو عمرو: اللّاي بالياء وحدها ساكنة، على أنّ أصله: اللّاء بهمزة فخفّفت. وعن الحجازيّين مثله. وعنهما ويعقوب بالهمزة وحدها.
وأصل «تظّهّرون»: تتظهّرون، فأدغمت التاء الثانية في الظاء. وقرأ ابن عامر: تظّاهرون بالإدغام. وحمزة والكسائي بالحذف. وعاصم: تظاهرون، من: ظاهر.
ومعنى الظهار: أن يقول الرجل للزوجة: أنت عليّ كظهر أمّي. مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ، كالتلبية من: لبّيك. وتعديته بـ «من» لتضمّنه معنى التجنّب، لأنّه كان طلاقا في الجاهليّة. وهو في أوّل الإسلام يقتضي الطلاق، أو الحرمة إلى أداء الكفّارة.
وإنّما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر، لأنّه عمود البطن، فذكره يقارب ذكر الفرج. أو للتغليظ في التحريم، فإنّهم كانوا يحرّمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء. وسنذكر إن شاء الله تحقيق الظهار في سورة المجادلة.
__________________
(١) الحجّ: ٤٦.
( وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) وما جعل الدعوة والبنوّة في رجل. والأدعياء جمع دعيّ، فعيل بمعنى مفعول. وهو الّذي تبنّاه الإنسان. وجمع على أفعلاء شذوذا، لأنّ قياس باب أفعلاء لا يكون إلّا ما كان منه بمعنى فاعل، كتقيّ وأتقياء، وشقيّ وأشقياء، فشبّه بفعيل بمعنى فاعل.
وتحرير المعنى: أنّ الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أمّا لرجل زوجا له، لأنّ الامّ مخدومة مخفوض لها جناح الذلّ، والزوجة مستخدمة متصرّف فيها بالاستفراش وغيره، كالمملوكة، وهما حالتان متنافيتان. وأن يكون الرجل الواحد دعيّا لرجل وابنا له، لأنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلا غير أصيل.
وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة، سبي صغيرا، وكانت العرب في جاهليّتها يتغاورون ويتسابون، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة، فلمّا تزوّجها رسول الله وهبته له. ولـمّا نبّئ صلوات الله عليه وآله دعاه إلى الإسلام فأسلم. فقدم أبوه حارثة مكّة، وأتى أبا طالب، وقال: سل ابن أخيك، فإمّا أن يبيعه، وإمّا أن يعتقه. فلمّا قال ذلك أبو طالب لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: هو حرّ فليذهب حيث شاء.
فأبى زيد أن يفارق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقال حارثة: يا معشر قريش! اشهدوا أنّه ليس ابني. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اشهدوا أنّه ابني. يعني: زيدا. فكان يدعى زيد بن محمّد. فلمّا تزوّج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قال اليهود والمنافقون: تزوّج محمّد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها. فقال الله تعالى:( ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ) .
( ذلِكُمْ ) إشارة إلى كلّ ما ذكر، أو إلى الأخير.( قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ) لا حقيقة له في الأعيان( وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَ ) ما له حقيقة عينيّة مطابقة له( وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) سبيل الحقّ. وهو قوله:( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ) انسبوهم إليهم. فهذا إفراد للمقصود من أقواله الحقّة. وقوله:( هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ) تعليل له. والضمير لمصدر «ادعوا». وأقسط أفعل التفضيل، قصد به الزيادة مطلقا. من القسط بمعنى العدل. ومعناه: البالغ في الصدق.
روى سالم عن ابن عمر، قال: ما كنّا ندعو زيد بن حارثة إلّا زيد بن محمّد، حتّى نزل القرآن:( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ ) .
( فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ ) فتنسبوهم إليهم( فَإِخْوانُكُمْ ) فهم إخوانكم( فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ ) وأولياؤكم فيه. فقولوا: هذا أخي ومولاي، ويا أخي، ويا مولاي. يعني: الاخوّة في الدين، والولاية فيه.
( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) أي: ولا إثم عليكم( فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) فيما فعلتموه من ذلك مخطئين، قبل النهي أو بعده، على النسيان، أو سبق اللسان. أو ظننتم أنّه أبوه، ولم تعلموا أنّه ليس بابن له، فلا يؤاخذكم الله به.
( وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) في محلّ الجرّ عطفا على( فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) أي: ولكنّ الجناح فيما تعمّدت قلوبكم وقصدتموه، من دعائهم إلى غير آبائهم. أو مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: ولكن ما تعمّدت قلوبكم فيه الجناح والمؤاخذة.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) لعفوه عن الخاطئ، وعن العمد إذا تاب العامد.
وفي هذه الآية دلالة على أنّه لا يجوز الانتساب إلى غير الأب. وقد وردت السنّة بتغليظ الأمر فيه.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «من انتسب إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله».
( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) )
روي: أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد غزوة تبوك، فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمّهاتنا، فنزلت :
( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) في كلّ شيء من امور الدين والدنيا.
ولهذا أطلق ولم يقيّد، فإنّه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلّا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، بخلاف النفس. فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ عليهم من أمرها، وشفقتهم عليه أتمّ من شفقتهم عليها.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم: النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم».
وعن مجاهد: كلّ نبيّ أب لأمّته، ولذلك صار المؤمنون إخوة، لأنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أبوهم في الدين.
( وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ) منزّلات منزلتهنّ، في وجوب تعظيمهنّ واحترامهنّ، وتحريم نكاحهنّ. قال الله تعالى:( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (١) . وفيما عدا ذلك فكالأجنبيّات.
قال الكلبي: آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الثاني منهما دون أهله، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتّى نسخ
__________________
(١) الأحزاب: ٥٣.
ذلك بقوله:( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) وذوو القرابات( بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) في التوارث( فِي كِتابِ اللهِ ) في اللوح. أو فيما أوحى الله إلى نبيّه. وهو هذه الآية، أو آية(١) المواريث. أو فيما فرض الله.
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ ) بيان لأولي الأرحام، أي: الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب. أو لابتداء الغاية، أي: وأولوا الأرحام بحقّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقّ الدين، ومن المهاجرين بحقّ الهجرة.
فهذا نسخ لـما كان في صدر الإسلام من التواريث بالهجرة، والموالاة في الدين، لا بالقرابات.
( إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً ) استثناء من أعمّ ما يقدّر الأولويّة فيه من أنواع النفع، أي: القريب أولى من الأجنبيّ في كلّ نفع، من ميراث وهبة وهديّة وصدقة وغير ذلك، إلّا في الوصيّة. أو منقطع، أي: لكن إن فعلتم إلى أوليائكم المؤمنين وخلفائكم، ما يعرف حسنه وصوابه، فهو حسن. قال السدّي: عنى بذلك وصيّة الرجل لإخوانه في الدين.
( كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ) مكتوبا. والمراد بالكتاب اللوح، أو القرآن.
وقيل: في التوراة. والجملة مستأنفة كالخاتمة لـما ذكر من الأحكام.
واعلم أنّ الآية متّصلة بقوله:( وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ») فإنّه سبحانه لـمّا بيّن أنّ التبنّي على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يجوز، عقّبه أنّه مع ذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من حيث إنّه ولّاه الله أمرهم، فيلزمهم طاعته والانقياد له. وأصل الولاية لله تعالى، فلا حظّ فيها لأحد إلّا لمن ولّاه سبحانه. وإلى هذا المعنى أشار النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير، في قوله: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» فلمّا قالوا: بلى، قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».
__________________
(١) النساء: ١١ ـ ١٢ و ١٧٦.
( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) )
ثمّ عاد سبحانه في تأكيد نبوّة نبيّنا، بذكر أخذ الميثاق منه كما أخذ من النبيّين، فقال :
( وَإِذْ أَخَذْنا ) مقدّر بـ: اذكر، أي: اذكر حين أخذنا( مِنَ النَّبِيِّينَ ) جميعا( مِيثاقَهُمْ ) عهودهم، بتبليغ الرسالة، والدعاء إلى الدين القويم( وَمِنْكَ ) خصوصا( وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) خصّهم بالذكر، لأنّهم مشاهير أرباب الشرائع. وقدّم نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم تعظيما له. وقدّم عليه نوح في قوله تعالى:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) (١) لأنّ مورد هذه الآية على طريقة خلاف تلك، وذلك أنّ الله تعالى إنّما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة. فكأنّه قال: شرع لكم الدين الأصيل الّذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم النبيّين في العهد الحديث، وبعث عليه من توسّط بينهما من الأنبياء المشاهير.
( وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) عظيم الشأن، فإنّ الغلظ استعارة من وصف الأجرام. والمراد عظم الميثاق، وجلالة شأنه في بابه. وقيل: الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. وتكرير الميثاق لبيان هذا الوصف.
وإنّما فعلنا ذلك( لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) عمّا قالوه لقومهم.
__________________
(١) الشورى: ١٣.
أو تصديقهم إيّاهم تبكيتا لهم، كقوله تعالى:( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) . أو ليسأل المصدّقين للأنبياء عن تصديقهم، فإنّ مصدّق الصادق صادق. أو المؤمنين الّذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنّهم صدقوا عهدهم وشهادتهم.
( وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ) عطف على «أخذنا» لأنّ المعنى: أنّ الله أكّد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين. أو على ما دلّ عليه «ليسأل». كأنّه قال: فأثاب المؤمنين، وأعدّ للكافرين عذابا أليما.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) )
ولـمّا بيّن سبحانه تأكيد نبوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم بذكر ما أخذ على النبيّين من الميثاق، عقّب ذلك ببيان آياته ومعجزاته يوم الأحزاب، وذكر ما أنعم عليه وعلى المؤمنين من النصر، مع ما أعدّ لهم من الثواب، وما فعل بالكفرة من التذليل والإخزاء، مع ما أوعدهم من العذاب، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق( إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ) وهم: قريش، وغطفان، ويهود قريظة والنظير. وكانوا زهاء اثني عشر ألفا.( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً ) الصبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم(٢) ، وسفّت التراب في وجوههم، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(١) المائدة: ١١٦.
(٢) فأخصرتهم أي: أوقعتهم في الخصر، وهو البرد. وسفّت التراب أي: طيّرته.
«نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور».
( وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) هم الملائكة، وكانوا ألفا. بعث الله عليهم ريحا باردة، فقلعت أوتادهم، وقطعت أطنابهم، ونزعت فساطيطهم، وأطفأت نيرانهم، وكبّت(١) قدورهم، فماجت الخيل بعضها في بعض، وكبّرت الملائكة في جوانب العسكر. فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أمّا محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء(٢) النجاء. فانهزموا من غير قتال.
( وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ ) من حفر الخندق. وقرأ البصريّان بالياء، أي: بما يعمل المشركون، من التحزّب والمحاربة.( بَصِيراً ) رائيا، فيجازي كلّهم على وفق أعمالهم.
وتفصيل هذه القصّة برواية محمد بن كعب القرظي، وغيره من أصحاب السير والتواريخ: أنّ نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحييّ بن أخطب، في جماعة من بني النضير الّذين أجلاهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، خرجوا حتّى قدموا على قريش بمكّة، فدعوهم إلى حرب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليهم حتّى نستأصلهم.
فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود! إنّكم أهل الكتاب الأوّل، فديننا خير أم دين محمّد؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، فأنتم أولى بالحقّ منه. فهم الّذين أنزل الله فيهم:( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) إلى قوله:( وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (٣) . فسرّ قريشا ما قالوا، ونشطوا لـمّا دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك واستعدّوا
__________________
(١) كبّ الإناء: قلبه على رأسه ليصبّ ما فيه.
(٢) النجاء: الخلاص. يقال: النجاء النجاء أي: أسرع أسرع.
(٣) النساء: ٥١ ـ ٥٥.
له.
ثمّ خرج أولئك النفر من اليهود، حتّى جاءوا غطفان، فدعوهم إلى حرب رسول الله وأخبروهم أنّهم سيكونون عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك.
فأجابوهم. فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب. وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف في بني مرّة، ومسعر بن جبلّة الأشجعي. وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل طليحة في من اتّبعه من بني أسد. وأسد وغطفان حليفان. وكتب قريش إلى رجال من بني سليم، فأقبل أبو الأعور فيمن اتّبعه من بني سليم مددا لقريش.
فلمّا علم بذلك رسول الله ضرب الخندق على المدينة. وكان الّذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي. وكان أوّل مشهد شهده سلمان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يومئذ حرّ. قال: يا رسول الله إنّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. فعمل فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمسلمون حتّى أحكموه.
فممّا ظهر من دلائل النبوّة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: خطّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الخندق عام الأحزاب أربعين ذراعا بين عشرة. فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويّا. فقال الأنصار: سلمان منّا. وقال المهاجرون: سلمان منّا. فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «سلمان منّا أهل البيت».
قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستّة من الأنصار، نقطع أربعين ذراعا، فحفرنا حتّى بلغنا من بطن الخندق صخرة بيضاء مدوّرة، فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره عن الصخرة، فإمّا أن نعدل عنها، فإنّ المعدل قريب، وإمّا أن يأمرنا فيه بأمره، فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّه.
فرقى سلمان حتّى أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مضروب عليه قبّة، فقال: يا رسول الله! خرجت صخرة بيضاء من الخندق، فكسرت حديدنا، وشقّت علينا حتّى ما يحكّ(١) فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك.
فهبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع سلمان في الخندق، وأخذ المعول(٢) ، فضرب به ضربة، فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها(٣) يعني: لابتي المدينة، حتّى لكأنّ مصباحا في جوف الليل مظلم. فكبّر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تكبيرة فتح، فكبّر المسلمون. ثمّ ضرب ضربة اخرى، فلمعت برقة اخرى. ثمّ ضرب به الثالثة، فلمعت برقة اخرى.
فقال سلمان: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ما هذا الّذي رأيت؟
فقال: أمّا الأولى، فإنّ اللهعزوجل فتح عليّ بها اليمن. وأمّا الثانية، فإنّ الله تعالى فتح عليّ بها الشام والمغرب. وأمّا الثالثة، فإنّ اللهعزوجل فتح عليّ بها المشرق.
فاستبشر المسلمون بذلك، وقالوا: الحمد لله على موعود صادق.
قال: وطلعت الأحزاب، فقال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله. وقال المنافقون: ألا تعجبون! يحدّثكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنّه يبصر في يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنّها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا.
وممّا ظهر فيه أيضا من آيات النبوّة، ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن ايمن المخزومي، قال: حدّثني أيمن المخزومي، قال: حدّثني جابر
__________________
(١) أي: لا يعمل ولا يؤثّر فيها.
(٢) المعول: أداة لحفر الأرض.
(٣) اللابة: الحرّة. وهي الأرض ذات الحجارة السود.
بن عبد الله، قال: كنّا يوم الخندق نحفر الخندق، فعرضت فيه كدية(١) ، وهي الجبل، فقلنا: يا رسول الله! إن كدية عرضت فيه؟
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : رشّوا عليها ماء. ثمّ قام فأتاها وبطنه معصوب بحجر من الجوع، فأخذ المعول أو المسحاة، فسمّى ثلاثا، ثمّ ضرب فعادت كثيبا(٢) أهيل.
فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل؟ ففعل. فقلت للمرأة: هل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق(٣) . فطحنت الشعير وعجنته، وذبحت العناق وسلختها. وخلّيت بين المرأة وبين ذلك، ثمّ أتيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجلست عنده ساعة، ثمّ قلت: ائذن لي يا رسول الله، ففعل. فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا. فرجعت إلى رسول الله فقلت: إنّ عندنا طعيما لنا، فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك.
فقال: وكم هو؟
قلت: صاع من شعير وعناق.
فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر. فقاموا. فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلّا الله. فقلت: جاء بالخلق على صاع شعير وعناق. فدخلت على المرأة وقلت: قد افتضحت جاءك رسول الله بالخلق أجمعين.
فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟
قلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرناه ما عندنا.
قلت: فكشفت عنّي غمّا شديدا.
__________________
(١) الكدية: الأرض الصلبة الغليظة.
(٢) الكثيب: التلّ من الرمل. والأهيل: المنهال المنصبّ.
(٣) العناق: الأنثى من أولاد المعز قبل استكمالها السنة.
فدخل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: خذي ودعيني من اللحم. فلمّا جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع أصحابه، جعل يثرد ويفرّق اللحم، ثمّ يحمّ(١) هذا ويحمّ هذا، فما زال يقرّب إلى الناس حتّى شبعوا أجمعين، ويعود التنّور والقدر أملأ ما كانا. ثمّ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كلي واهدي. فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع. أورده البخاري(٢) في الصحيح.
وعن أبي الوليد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قالوا: ولـمّا فرغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الخندق، أقبلت قريش حتّى نزلت بين الجرف(٣) والغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان. وخرج غطفان في ألف، ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم عيينة بن حصين. وعامر بن الطفيل في هوازن. وضامّتهم اليهود من قريظة والنضير، حتّى نزلوا إلى جانب أحد. وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مع ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب في سلع(٤) عسكره، والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام(٥) .
وخرج عدوّ الله حييّ بن أخطب النضيري حتّى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة، وكان قد وادع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على قومه، وعاهده على ذلك.
فلمّا سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه. فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له.
__________________
(١) حمّ الشيء: قرب. ويستعمل الرباعيّ متعدّيا. يقال: أحمّ الشيء أي: قرّبه.
(٢) صحيح البخاري ٥: ١٣٨.
(٣) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
(٤) السلع: الشقّ.
(٥) الأطم: القصر والحصن المبنيّ بالحجارة، وكلّ بناء مرتفع. وجمعه: آطام.
فناداه: يا كعب! افتح لي.
فقال: ويحك يا حييّ! إنّك رجل مشؤوم، إنّي قد عاهدت محمّدا، ولست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلّا وفاء وصدقا.
قال: ويحك! افتح لي اكلّمك.
قال: ما أنا بفاعل.
قال: إن أغلقت إلّا على حشيشة تكره أن آكل منها معك. ففتح له.
فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر وببحر طام(١) ، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على سادتها وقادتها. عاهدوني أن لا يبرحوا حتّى يستأصلوا محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن معه.
فقال كعب: جئتني والله بذلّ الدهر، بجهام(٢) قد هراق ماؤه، يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فدعني ومحمّدا وما أنا عليه، فلم أرمن محمّد إلّا صدقا ووفاء.
فلم يزل حييّ يكلّمه ليليّنه في نقض العهد. فنقض عهده، وبرىء ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فلمّا علم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غدره في العهد، ونقضه في الميعاد، قال: الله أكبر.
وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف على أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وأتاهم عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتّى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ، وظهر النفاق من بعض المنافقين.
فأقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة، لم يكن بينهم قتال إلّا الرمي بالنبل. إلّا أنّ فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبدودّ، أخو بني عامر بن لؤيّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطّاب، وهبيرة بن أبي
__________________
(١) أي: ممتلئ.
(٢) الجهام: السحاب لا ماء فيه.
وهب، ونوفل بن عبد الله، قد تلبّسوا للقتال، وخرجوا على خيولهم، حتّى مرّوا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيّأوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان.
ثمّ أقبلوا بهم حتّى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثمّ تيمّموا مكانا ضيّقا من الخندق، فضربوا خيولهم فاقتحموا، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع.
وخرج عليّ بن أبي طالبعليهالسلام في نفر من المسلمين، حتّى أخذ عليهم الثغرة الّتي منها اقتحموا. وأقبلت الفرسان نحوهم. وكان عمرو بن عبدودّ فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتّى أثبته(١) الجراح. فلمّا كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده، وكان يعدّ بألف فارس. وكان يسمّى فارس يليل، لأنّه أقبل في ركب من قريش حتّى إذا كانوا بيليل، وهو واد قريب من بدر، عرضت لهم بنو بكر في عدد. فقال لأصحابه: امضوا، فمضوا. فقام في وجوه بني بكر حتّى منعهم من أن يصلوا إليه، فعرف بذلك. وكان اسم الموضع الّذي حفر فيه الخندق المذاد.
وذكر ابن إسحاق: أنّ عمرو بن عبدودّ كان ينادي: من يبارز؟ فقام عليّعليهالسلام وهو مقنّع في الحديد، فقال: أنا له يا نبيّ الله. فقال: إنّه عمرو، اجلس. ونادى عمرو: ألا رجل! وهو يؤنّبهم ويقول: أين جنّتكم الّتي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها؟ فقام عليّعليهالسلام فقال: أنا له يا رسول الله. ثمّ نادى الثالثة فقال :
ولقد بححت(٢)
من النداء |
بجمعكم هل من مبارز |
|
ووقفت إذ جبن المسجّع |
موقف البطل المناجز |
__________________
(١) أي: أوهنه الجراح وضعف حتّى لا يقدر على الحراك.
(٢) البحّة: خشونة وغلظ في الصوت. من: بحّ يبحّ.
إنّ السماحة والشجاعة |
في الفتى خير الغرائز |
فقام عليعليهالسلام فقال: يا رسول الله أنا. فقال: إنّه عمرو. فقال: وإن كان عمرا. فأذن له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيما رواه السيّد أبو الحمد الحسيني القايني، عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جدّه، عن حذيفة قال: «فألبسه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم درعه ذات الفضول، وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعمّمه عمامته السحاب على رأسه تسعة أكوار، ثمّ قال له: تقدّم. فقال لـمّا ولّى: أللّهمّ احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه»(١) .
قال ابن إسحاق: فمشى إليه وهو يقول
لا تعجلنّ فقد أتاك |
مجيب صوتك غير عاجز |
|
ذو نيّة وبصيرة |
والصدق منجي كلّ فائز |
|
إنّي لأرجو أن أقيم |
عليك نائحة الجنائز |
|
من ضربة نجلاء(٢)
يبقى |
ذكرها عند الهزاهز |
قال له عمر: من أنت؟
قال: أنا عليٌّ.
قال: ابن عبد مناف؟
فقال أنا: عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف.
فقال: غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسنّ منك، فإنّي أكره أن أهريق دمك.
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ١١ ح ٦٣٤.
(٢) أي: واسعة.
فقال عليٌّعليهالسلام : ولكنّي والله ما أكره أنْ أهريق دمك.
فغضب ونزل، وسلّ سيفه كأنّه شعلة نار، ثمّ أقبل نحو عليٍّعليهالسلام مغضبا، فاستقبله عليٌّ بدرقته(١) ، فضربه عمرو بالدرقة فقدّها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه. وضربه عليٌّ على حبل(٢) العاتق فسقط.
وفي رواية حذيفة: وتسيّف عليّ رجليه بالسيف من أسفل، فوقع على قفاه، وثارت بينهما عجاجة. فسمع عليٌّعليهالسلام يكبّر، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قتله والّذي نفسي بيده. فكان أوّل من ابتدر العجاج عمر بن الخطّاب، فإذا عليٌّعليهالسلام يمسح سيفه بدرع عمرو، فكبّر عمر بن الخطّاب، وقال: يا رسول الله قتله. فحزّ عليٌّ رأسه، وأقبل نحو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجهه يتهلّل. فقال عمر بن الخطّاب: هلّا استلبته درعه، فإنّه ليس للعرب درع خيرا منها. فقال: ضربته فاتّقاني بسوأته، فاستحييت ابن عمّي أن استلبه.
قال حذيفة: فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أبشر يا عليُّ، فلو وزن اليوم عملك بعمل أمّة محمّد، لرجح عملك بعملهم. وذلك أنّه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلّا وقد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلّا وقد دخله عزّ بقتل عمرو بن عبد ودّ.
فخرج أصحابه منهزمين حتّى طفرت خيولهم الخندق. وتبادر المسلمون، فوجدوا نوفل بن عبد العزّى جوف الخندق، فجعلوا يرمونه بالحجارة. وذكر ابن إسحاق: أنّ عليّاعليهالسلام طعنه في ترقوته حتّى أخرجها من مراقّه(٣) ، فمات في الخندق. وبعث المشركون إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف. فقال
__________________
(١) الدرقة: الترس من جلود ليس فيه خشب ولا عقب.
(٢) الحبل: العرق في البدن، نحو: حبل الوريد. والعاتق: ما بين المنكب والعنق.
(٣) مراقّ البطن: مارقّ منه ولان.
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى.
وروى عمرو بن عبيد عن الحسن البصري، قال: إنّ عليّاعليهالسلام لـمّا قتل عمرو بن عبد ودّ، حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس عليّعليهالسلام .
وروي عن أبي بكر بن عيّاش: أنّه قال: ضرب عليّ ضربة ما كان في الإسلام ضربة أعزّ منها، يعني: ضربة عمرو بن عبد ودّ، وضرب عليٌّ ضربة ما كان أشأم منها، يعني: ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله.
ثمّ أوقع الله الخلاف بين الأحزاب، فشتّت شملهم، وتفرّقت آراؤهم. وعند ذلك بعث الله عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، حتّى لا يستمسك لهم بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا تطمئنّ لهم قدر، فانصرفوا راهبين.
( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) )
وحكى الله سبحانه هذه القصّة إجمالا بقوله:( إِذْ جاؤُكُمْ ) بدل من «إِذْ جاءَتْكُمْ »( مِنْ فَوْقِكُمْ ) من أعلى الوادي، من قبل المشرق. وهم بنو غطفان وقريظة والنضير.( وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) من أسفل الوادي، من قبل المغرب، من ناحية مكّة. وهم قريش. وكانوا متحزّبين، وقالوا: سنكون جملة واحدة حتّى نستأصل محمّدا.
( وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ ) مالت عن مستوى نظرها ومقرّها، حيرة وشخوصا ودهشة. وقيل: عدلت عن كلّ شيء، فلم تلتفت إلّا إلى عدوّها، لشدّة الروع.
( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ) رعبا، فإنّ الرئة تنتفخ من شدّة الروع والفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد، فتربو ويرتفع القلب بارتفاعه إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم، وهو مدخل الطعام والشراب. ومن ثمّ قيل للجبان: انتفخ سحره، أي: رئته. ويجوز أن يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب ووجيبها(١) وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة.
قال أبو سعيد الخدري: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قولوا: أللّهمّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا. قال: فقلناها، فضرب وجوه أعداء الله بالريح، فهزموا.
( وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا ) الأنواع من الظنّ. فظنّ المخلصون الثبّت القلوب والأقدام، أنّ الله منجز وعده في إعلاء دينه، أو ممتحنهم. فخافوا الزلل وضعف الاحتمال. وظنّ الضعاف القلوب والمنافقون أن يستأصل المسلمون، على ما حكى الله عنهم.
والألف مزيدة في الوقف، زادوها في الفاصلة تشبيها للفواصل بالقوافي. وقد أجرى نافع وابن عامر وأبو بكر فيها الوصل مجرى الوقف. ولم يزدها أبو عمرو
__________________
(١) وجب القلب وجيبا: رجف وخفق.
وحمزة ويعقوب مطلقا. وهو القياس.
( هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ) اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المتزلزل( وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ) فحرّكوا لفرط الخوف تحريكا شديدا، وأزعجوا إزعاجا عظيما من شدّة الفزع، فإنّ الخائف يكون قلقا مضطربا، لا يستقرّ على مكانه.
( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) ضعف اعتقاد( ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ) من الظفر وإعلاء الدين( إِلَّا غُرُوراً ) وعدا باطلا. قيل: قائله معتب بن قشير، قال: يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرّز(١) فرقا، ما هذا إلّا وعد غرور.
( وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ ) يعني: أوس بن قيظي وأتباعه. وعن السدّي: عبد الله بن أبيّ وأصحابه.( يا أَهْلَ يَثْرِبَ ) أهل المدينة. وقيل: هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها.( لا مُقامَ لَكُمْ ) لا موضع قيام لكم هنا. وقرأ حفص بالضمّ، على أنّه اسم مكان أو مصدر من: أقام، أي: لا مكان تقيمون فيه. أو لا إقامة لكم.
( فَارْجِعُوا ) إلى منازلكم، هاربين من عسكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: المعنى: لا مقام لكم على دين محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فارجعوا إلى الشرك، وأسلموه لتسلموا. أو لا مقام لكم بيثرب، فارجعوا كفّارا ليمكنكم المقام بها.
( وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ ) في الرجوع. وهم بنو سلمة وبنو حارثة.( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ ) غير حصينة. وأصلها: الخلل. يقال: عور المكان عورا، إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدوّ والسارق. ويجوز أن تكون العورة تخفيف: العورة، بمعنى ذات العورة. اعتذروا بأن بيوتهم معرّضة للعدوّ، ممكّنة للسرّاق، لأنّها غير محرزة ولا محصّنة، فاستأذنوه ليحصّنوها ثمّ يرجعوا إليه. فأكذبهم الله بقوله :
__________________
(١) تبرز: خرج لقضاء الحاجة. والفرق مصدر فرق أي: فزع وخاف.
( وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ) بل هي حصينة، رفيعة السمك( إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ) من القتال.
( وَلَوْ دُخِلَتْ ) المدينة، أو بيوتهم( عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ) جوانبها. يعني: لو دخلت العساكر المتحزّبة الّتي يفرّون خوفا منها، مدينتهم أو بيوتهم من نواحيها كلّها، وانثالت(١) على أهاليهم وأولادهم ناهبين سأبين. وحذف الفاعل للإيماء بأنّ دخول هؤلاء المتحزّبين عليهم، ودخول غيرهم من العساكر، سيّان في اقتضاء الحكم المرتّب عليه.
( ثُمَّ سُئِلُوا ) عند ذلك الفزع وتلك الرجفة( الْفِتْنَةَ ) الردّة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين( لَآتَوْها ) لأعطوها. وقرأ الحجازيّان بالقصر، بمعنى: لجاؤها وفعلوها.( وَما تَلَبَّثُوا بِها ) بالفتنة، أو بإعطائها( إِلَّا يَسِيراً ) ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقّف. وقيل: ما لبثوا بالمدينة بعد الارتداد إلّا يسيرا، فإنّ الله يهلكهم.
وتحرير المعنى: أنّهم يتعلّلون بإعوار بيوتهم، ويتمحّلون ليفرّوا عن نصرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين، وعن مصافّة الأحزاب الّذين ملؤهم هولا ورعبا.
وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا(٢) عليهم أرضهم وديارهم، وعرض عليهم الكفر، وقيل لهم: كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه، وما تعلّلوا بشيء، وما ذلك إلّا لمقتهم الإسلام، وشدّة بغضهم لأهله، وحبّهم الكفر وتهالكهم على حزبه.
( وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا
__________________
(١) انثال عليه الناس من كلّ وجه: انصبّوا عليه.
(٢) كبسوا دار فلان: أغاروا عليها فجأة.
تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠) )
ثمّ ذكّر هم الله سبحانه عهدهم مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالثبات في المواطن، فقال :
( وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ ) عاهد بنو حارثة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مِنْ قَبْلُ ) قبل الخندق، في يوم أحد، حين فشلوا( لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ) لا يرجعون عن مقاتلة العدوّ، ولا ينهزمون. وعن ابن عبّاس: عاهدوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليلة العقبة، أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم. وقيل: هم قوم غابوا عن بدر، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ.( وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً ) عن الوفاء به، مجازى عليه. وإنّما جاء بلفظ الماضي تأكيدا.
( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ ) من حتف الأنف( أَوِ الْقَتْلِ ) في وقت معيّن سبق به القضاء، وجرى عليه القلم( وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً ) أي: إن نفعكم الفرار مثلا في هذا الوقت، فمتّعتم بالتأخير، لم يكن ذلك التمتيع إلّا تمتيعا أو زمانا قليلا.
( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً ) أي: أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة. فاختصر الكلام، كما في قوله: متقلّدا سيفا ورمحا(١) . أو حمل الثاني على الأوّل، لـما في العصمة من معنى المنع. فلا يقال: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة، ولا عصمة إلّا من السوء؟( وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا ) ينفعهم( وَلا نَصِيراً ) يدفع الضرّ عنهم.
( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ ) المثبّطين غيرهم عن الجهاد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهم المنافقون.( وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ ) من ساكني المدينة، من المنافقين أو ضعفة المسلمين أو اليهود: ما محمّد وأصحابه إلّا أكلة(٢) رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه( هَلُمَّ إِلَيْنا ) قرّبوا أنفسكم إلينا، ودعوا محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وهو لغة أهل الحجاز، يسوّون فيه بين الواحد والجماعة. وأمّا تميم فيقولون: هلمّ يا رجل، وهلمّوا يا رجال. وهو صوت سمّي به فعل متعدّ مثل: احضر وقرّب. وقد ذكر مثل ذلك في الأنعام(٣) .
( وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ ) ولا يحضرون القتال( إِلَّا قَلِيلاً ) إلّا إتيانا قليلا ،
__________________
(١) وصدره: ورأيت زوجك في الوغى والوغى: الحرب. ورمحا منصوب بمحذوف يناسبه، أي: متقلّدا سيفا وحاملا رمحا.
(٢) أي: قليلون يشبعهم رأس واحد. وهو جمع آكل. والالتهام: الابتلاع.
(٣) راجع ج ٢ ص ٤٧٧، ذيل الآية ١٥٠ من سورة الأنعام.
يخرجون مع المؤمنين، يوهمون أنّهم معهم. أو زمانا قليلا، أو بأسا قليلا، فإنّهم يعتذرون ويثبّطون ما أمكن لهم. أو يخرجون مع المؤمنين، ولكن لا يقاتلون إلّا شيئا قليلا، كقوله:( ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً ) (١) .
وقيل: إنّه من تتمّة كلامهم. ومعناه: ولا يأتي أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم حرب الأحزاب، ولا يقاومونهم إلّا قليلا.
( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) بخلاء عليكم بالقتال معكم، أو بالنفقة في سبيل الله، أو الظفر، أو الغنيمة. جمع شحيح. ونصبها على الحال من فاعل «يأتون» أو «المعوّقين». أو على الذمّ.
ثمّ أخبر عن جبنهم بقوله:( فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ) خوفا ولو إذا بك( تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ) في أحداقهم( كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ ) كنظر المغشيّ عليه، أو كدوران عينيه، أو مشبّهين به، أو مشبّهة أعينهم بعينه( مِنَ الْمَوْتِ ) من معالجة سكرات الموت.
( فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ ) والفزع، وجاء الأمن والغنيمة، وحيزت الغنائم، ووقعت القسمة( سَلَقُوكُمْ ) آذوكم( بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ) سليطة ذربة(٢) ، يطلبون الغنيمة.
والسلق: البسط بقهر، باليد أو باللّسان. وعن قتادة: معناه: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا، فلستم أحقّ بها منّا.
ثمّ قال: فأمّا عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحقّ، وأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم. وهو قوله:( أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) بخلاء بالغنيمة، يشاحّون المؤمنين عند القسمة. ونصبه على الحال أو الذمّ. وليس بتكرير، لأنّ كلّ واحد منهما مقيّد من وجه.
__________________
(١) الأحزاب: ٢٠. وسيأتي تفسيرها عن قريب.
(٢) لسان ذرب أي: حديد حادّ.
( أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ) إخلاصا، وإلّا لـما فعلوا ذلك( فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ ) أي: فأظهر بطلانها، إذا لم تثبت لهم أعمال فتبطل. أو أبطل تصنّعهم ونفاقهم.
( وَكانَ ذلِكَ ) الإحباط( عَلَى اللهِ يَسِيراً ) هيّنا، لتعلّق الإرادة به، وعدم ما يمنعه عنه.
ثمّ وصف فرط جبنهم بقوله:( يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ) أي: لجبنهم يظنّون أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا ففرّوا من الخندق إلى داخل المدينة( وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ ) كرّة ثانية( يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ ) تمنّوا أنّهم خارجون إلى البدو، حاصلون بين الأعراب، حذرا من القتل، وتربّصا للدوائر.
( يَسْئَلُونَ ) كلّ قادم من جانب المدينة( عَنْ أَنْبائِكُمْ ) عمّا جرى عليكم( وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ) هذه الكرّة، ولم يرجعوا إلى المدينة، وكانوا في صفّ القتال معكم( ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً ) رياء وخوفا عن التعيير.
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً (٢١) )
ولـمّا بيّن سبحانه حال المنافقين، حثّ المؤمنين المخلصين على الجهاد والصبر عليه، فقال :
( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) خصلة حسنة، من حقّها أن يؤتسى بها، كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد. أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسّي به، كقولك في البيضة: عشرون منّا حديدا، أي: هي في نفسها هذا القدر من الحديد. وقرأ عاصم بضمّ الهمزة(١) . وهو لغة.
__________________
(١) والقراءة الاخرى: إسوة، بكسر الهمزة.
( لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) أي: أيّام الله واليوم الآخر خصوصا. أو المعنى: يرجوا ما عند الله في الآخرة من الثواب الأبدي والنعيم السرمدي. وهذا كقولك: رجوت زيدا وفضله، أي: رجوت فضل زيد. والرجاء يحتمل أن يكون بمعنى الأمل أو الخوف. و «لمن كان» صلة لـ «حسنة» أو صفة لها. أو بدل من «لكم»، كقوله:( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) (١) . يعني: أنّ الاسوة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّما تكون لمن كان يرجو الله واليوم الآخر.
( وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة، والتوفّر على الأعمال الصالحة، لأنّ المؤتسي بالرسول من كان كذلك.
( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر الأحزاب، فقال:( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ) الجماعة الّتي تحزّبت على قتال النبيّ مع كثرتهم( قالُوا هذا ) أي: هذا الّذي رأينا. أو هذا الخطب، أو البلاء.( ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) وعدهم الله أن يزلزلوا حتّى يستغيثوه ويستنصروه، في قوله:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ) (٢) . الآية. وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «سيشتدّ الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم». وقال: «إنّهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر». فلمّا جاء الأحزاب وشخص بهم، واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد،( قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ ») .
__________________
(١) الأعراف: ٧٥.
(٢) البقرة: ٢١٤.
( وَما زادَهُمْ ) ما رأوا، أو الخطب، أو البلاء( إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ) لأوامره ومقاديره.
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) )
روي: أنّ جماعة من الصحابة نذروا إذا لقوا حربا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثبتوا وقاتلوا، حتّى يستشهدوا أو يفتح الله على رسوله، فنزلت في شأنهم :
( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ) من الثبات مع الرسول، والمقاتلة لإعلاء الدّين. من: صدقني وكذبني، إذا قال لك الصدق والكذب، فإنّ المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه.
( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ) نذره، بأن قاتل حتّى استشهد، كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. والنحب: النذر. واستعير للموت، لأنّه كنذر لازم في رقبة كلّ حيوان، فإن مات فقد قضى نحبه، أي: نذره.( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الشهادة.
وهم سواهم من خلّص المؤمنين.( وَما بَدَّلُوا ) العهد، ولا غيّروه( تَبْدِيلاً ) شيئا من التبديل. وفيه تعريض بمن بدّلوا من أهل النفاق ومرضى القلب.
وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عليّعليهالسلام قال: «فينا نزلت:( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ ) . فأنا والله المنتظر، وما بدّلت تبديلا»(١) .
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٥ ح ٦٢٧.
( لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ) في العهود( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ ) بنقض عهودهم( إِنْ شاءَ ) إذا لم يتوبوا( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) إن تابوا. هذا تعليل للمنطوق والمعرّض به في قوله:( وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) . فكأنّ المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد الصادقون المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، فإنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنّهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما.( إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) لمن تاب.
( وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) )
ثمّ عاد سبحانه إلى تعداد نعمه على المؤمنين، فقال:( وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني: الأحزاب( بِغَيْظِهِمْ ) متغيّظين، كقوله:( تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ) (١) ( لَمْ يَنالُوا خَيْراً ) غير ظافرين على المؤمنين. وهما حالان بتداخل أو تعاقب. ويجوز أن تكون الثانية بيانا للأولى أو استئنافا.
( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) بالريح والملائكة والرعب( وَكانَ اللهُ قَوِيًّا ) على إحداث ما يريده( عَزِيزاً ) غالبا على كلّ شيء.
وعن ابن مسعود: وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ بن أبي طالب، وقتله عمرو بن عبد ودّ، فإنّه كان سبب هزيمة القوم. وهو المرويّ عن أبي عبد اللهعليهالسلام .
وروي: أنّ جبرئيلعليهالسلام أتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ صبيحة الليلة الّتي انهزم فيها الأحزاب، ورجع المسلمون إلى المدينة، ووضعوا سلاحهم ـ على فرسه الحيزوم، والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال: يا رسول الله أتنزع لامتك والملائكة
__________________
(١) المؤمنون: ٢٠.
لم يضعوا السلاح؟ إنّ الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة، وأنا عامد إليهم، فإنّ الله تعالى داقّهم دقّ البيض على الصفا(١) ، وإنّهم لكم طعمة، فأذّن في الناس: أنّ من كان سامعا مطيعا فلا يصلّي العصر إلّا في بني قريظة.
فبعث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّ بن أبي طالب على المقدّمة، ودفع إليه اللواء، وأمره أن ينطلق حتّى يقف بالأصحاب على حصن بني قريظة، ففعل.
وخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على آثارهم، فمرّ على مجلس من الأنصار في بني غنم، ينتظرون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فزعموا أنّه قال: مرّ بكم الفارس آنفا؟
فقالوا: مرّ بنا دحية الكلبي على بغلة شهباء، تحته قطيفة ديباج.
فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : ليس ذلك بدحية، ولكنّه جبرئيلعليهالسلام أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم، ويقذف في قلوبهم الرعب.
قالوا: وسار عليّعليهالسلام حتّى إذا دنا من الحصن، سمع منهم مقالة قبيحة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فرجع حتّى لقي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله! لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث.
قال: أظنّك سمعت لي منهم أذى؟
فقال: نعم يا رسول الله.
فقال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلمّا دنا رسول الله من حصونهم، قال: يا إخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟
فقالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا.
فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتّى أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وكان حييّ بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش
__________________
(١) الصفا جمع الصفاة. وهي: الحجر الضخم.
وغطفان. فلمّا أيقنوا أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيّها شئتم.
قالوا: ما هنّ؟
قال: نبايع هذا الرجل ونصدّقه. فو الله لقد تبيّن لكم أنّه نبيّ مرسل، وأنّه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.
فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره.
قال: فإذا أبيتم عليّ هذا، فهلمّوا لنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد رجالا مصلتين(١) بالسيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا يهمّنا، حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد. فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يهمّنا. وإن نظهر لنجدنّ النساء والأبناء.
فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين، فما خير في العيش بعدهم.
قال: فإذا أبيتم عليّ هذا، فإنّ الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا فلعلّنا نصيب منهم غرّة(٢) .
فقالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيها ما أحدث من كان قبلنا، فأصابهم ما قد علمت من المسخ.
فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمّه ليلة واحدة من الدهر حازما.
قال الزهري: وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين سألوه أن يحكّم فيهم رجلا: اختاروا من شئتم من أصحابي. فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك. فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، ورضوا به.
__________________
(١) أصلت السيف: جرّده من غمده.
(٢) الغرّة: الغفلة.
فقال سعد: حكمت بقتل مقاتليهم، وسبي ذراريهم ونسائهم.
فكبّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة(١) . ثمّ استنزلهم، وخندق في سوق المدينة خندقا، وقدّمهم فضرب أعناقهم، وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة. وقيل: كانوا ستّمائة مقاتل، وسبعمائة أسير.
وقد روي: أنّه أتي بحييّ بن أخطب عدوّ الله، مجموعة يداه إلى عنقه، وعليه حلّة فاختيّة، قد شقّها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة، لئلّا يسلبها. فلمّا بصر برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: أمّا والله ما لمت نفسي على عداوتك، ولكنّه من يخذله الله يخذل. ثمّ قال: أيّها الناس! لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، ملحمة كتبت على بني إسرائيل. ثمّ جلس فضرب عنقه. ثمّ قسّم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نساءهم وأموالهم على المسلمين.
( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) )
ثمّ ذكر سبحانه ما فعل بهم، امتنانا على المؤمنين، فقال:( وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ ) عاونوا الأحزاب( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) يعني: قريظة( مِنْ صَياصِيهِمْ ) من حصونهم. جمع صيصية، وهي ما يتحصّن به. ولذلك يقال لقرن الثور والظبي وشوكة الديك ـ أي: مخلبه الّتي في ساقه يتحصّن بها ـ: صيصية.
( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) وألقى الله في قلوبهم الخوف من النبيّ وأصحابه
__________________
(١) جمع رقيع. وهي السماء عموما، أو سماء الدنيا.
المؤمنين( فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) يعني: الرجال منهم( وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ) يعني: الذراري والنساء منهم.
وروي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار. فقال الأنصار في ذلك. فقال: إنّكم في منازلكم. وقال عمر: أما تخمّس كما خمّست يوم بدر؟ قال: إنّما جعلت لي هذه طعمة دون الناس. قال: رضينا بما صنع الله ورسوله.
وحكى الله تعالى عن ذلك بقوله:( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ) وأعطاكم مزارعهم( وَدِيارَهُمْ ) حصونهم( وَأَمْوالَهُمْ ) ومواشيهم وأثاثهم ونقودهم( وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها ) بأقدامكم بعد، وسيفتحها الله عليكم. وهي خيبر، فتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وعن الحسن: هي فارس والروم. وقيل: مكّة. وقيل: كلّ أرض يفتح إلى يوم القيامة.( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) فيقدر على ذلك.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً
مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) )
روي: أنّ أزواج النبيّ حين رأين الفتح والنصرة في الغزوات، وكثرة الغنائم، سألنه شيئا منها، وطلبن منه ثياب الزينة وزيادة النفقة، وبالغن في ذلك، وقد تأذّى منه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واغتمّ، فنزلت :
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ) وكنّ يومئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي اميّة. فهؤلاء من قريش.
وصفيّة بنت حييّ الخيبريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة.
( إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) أي: سعة العيش في الدنيا والتنعّم فيها( وَزِينَتَها ) وزخارفها( فَتَعالَيْنَ ) وأصل «تعال» أن يقول من في المكان المرتفع لمن في المكان المنخفض، ثمّ كثر حتّى استوت في استعماله الأمكنة جميعا.
( أُمَتِّعْكُنَ ) أعطكنّ متعة الطلاق، أي: كمتعة المطلّقة الّتي لم يسمّ مهرها، ولم يكن مدخولا بها. فإن كانت مدخولا بها ومفروضا لها فالتمتيع سنّة. وقد مرّ تفصيل ذلك في سورة البقرة(١) . وقيل: أمتّعكنّ بتوفير المهر.
( وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً ) واطلّقكنّ طلاقا من غير ضرر، فإنّ السراح
__________________
(١) راجع ج ١ ص ٣٦٤ ـ ٣٦٩ ذيل الآية ٢٢٩ ـ ٢٣١ من سورة البقرة.
الجميل الطلاق من غير خصومة، ولا مشاجرة بين الزوجين.
وبعد نزول هذه الآية خيّرهنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاخترنه. فشكر لهنّ الله ذلك.
فأنزل( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ) (١) الآية. وتقديم التمتيع على التسريح المسبّب عنه، من الكرم وحسن الخلق.
( وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) أي: طاعة الله وطاعة رسوله( وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ) وثوابها، والصبر على ضيق العيش في الدنيا( فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ) يستحقر دونه الدنيا وزينتها.
واختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال :
أحدها: أنّ الرجل إذا خيّر امرأته فاختارت زواجها، فلا شيء. وإن اختارت نفسها، تقع تطليقة واحدة. وهو قول ابن مسعود. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.
وثانيها: أنّه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات. وإن اختارت زوجها تقع واحدة. وهو قول زيد بن ثابت. وإليه ذهب مالك.
وثالثها: أنّه إن نوى الطلاق كان طلاقا، وإلّا فلا. وهو مذهب الشافعي.
ورابعها: أنّه لا يقع بالتخيير طلاق. وإنّما كان للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم خاصّة. فلو اخترن أنفسهن لـمّا خيرهنّ لبنّ منه. فأمّا غيره فلا يجوز له ذلك. وهو المرويّ عن أئمّتناعليهمالسلام .
ثمّ خاطب سبحانه نساء النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ ) بسيّئة بليغة في القبح. وهي الكبيرة.( مُبَيِّنَةٍ ) ظاهر فحشها. وقيل: هي عصيانهنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو ما يضيق به ذرعه، ويغتمّ لأجله. ومن قال: الزنا، فقد أخطأ أفحش الخطأ، لأنّه سبحانه عاصم ورسوله من ذلك في حديث
__________________
(١) الأحزاب: ٥٢.
الإفك، كما مرّ بيانه(١) .
( يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ) ضعفي عذاب غيرهنّ، أي: مثليه، لأنّ الذنب منهنّ أقبح من سائر النساء، لمكان النبيّ، ونزول الوحي في بيوتهنّ، فإنّ زيادة القبح تتبع زيادة فضل المذنب، وزيادة النعمة عليه. فمن زاد قبحا ازداد عقابه شدّة. ولذلك كان ذمّ العقلاء للعاصي العالم، أشدّ منه للعاصي الجاهل. وجعل حدّ الحرّ ضعفي حدّ العبد. وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم.
وقرأ البصريّان: يضعّف. وابن كثير وابن عامر: نضعّف، بالنون، وبناء الفاعل، ونصب «العذاب».
( وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً ) لا يمنعه عن التضعيف كونهنّ نساء النبيّ. وكيف وهو سببه، فكان داعيا إلى تشديد الأمر عليهنّ.
( وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَ ) ومن يدم ويواظب على الطاعة( لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ) فإنّ القنوت الطاعة. ومنه القنوت في الصلاة. وهو المداومة على الدعاء. ولعلّ ذكر الله للتعظيم، أو لقوله:( وَتَعْمَلْ صالِحاً ) فيما بينها وبين ربّها( نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ) مرّة على الطاعة، ومرّة على طلبهنّ رضا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقناعة وحسن الخلق وطيب المعاشرة.
وقرأ حمزة والكسائي: ويعمل بالياء، حملا على لفظ «من». و «يؤتها» بالياء أيضا، على أنّ فيه ضمير اسم الله.
( وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً ) في الجنّة زيادة على أجرها.
روى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن عليّعليهماالسلام أنّه قال: إنّي لأرجو للمحسن منّا أجرين، وأخاف على المسيء منّا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
(١) راجع ج ٤ ص ٤٨٣، ذيل الآية ١١ من سورة النور.
وروى محمد بن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن عليّ بن عبد الله بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام ، أنّه قال له رجل: إنّكم أهل بيت مغفور لكم. قال: فغضب وقال: «نحن أحرى أن يجرى فينا ما أجرى الله في أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، من أن نكون كما تقول. إنّا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثمّ قرأ الآيتين».
ثمّ أظهر سبحانه فضيلتهنّ على سائر النسوان بقوله:( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ ) أصل أحد وحد، بمعنى الواحد، ثمّ وضع في النفي العامّ، مستويا فيه المذكّر والمؤنّث، والواحد والكثير.
والمعنى: لستنّ كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل، أي: إذا تقصّيت أمّة النساء جماعة جماعة، لم توجد منهنّ جماعة واحدة تساويكنّ في الفضل والسابقة. كما قال ابن عبّاس: معناه: ليس قدركنّ عندي كقدر غيركنّ من النساء الصالحات، أنتنّ أكرم عليّ، وأنا بكنّ أرحم، وثوابكنّ أعظم، لمكانكنّ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .( إِنِ اتَّقَيْتُنَ ) عن مخالفة حكم الله ورضا رسوله( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) فلا تجئن بقولكنّ خاضعا ليّنا، أي: لا ترقّقن القول، ولا تلنّ الكلام للرجال، ولا تخاطبن الأجانب مخاطبة تؤدّي إلى طمعهم، فتكنّ كما تفعل المرأة الّتي تظهر الرغبة في الرجال( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) ريبة وفجور( وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ) حسنا بعيدا عن الريبة، بريئا من التهمة، بجدّ وخشونة من غير لينة.
( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ ) من: وقر يقر وقارا، أو من: قرّ يقرّ. حذفت الأولى من راءي «اقررن»، ونقلت كسرتها إلى القاف، فاستغني به عن همزة الوصل، كما تقول: ظلن. ويؤيّده قراءة نافع وعاصم بالفتح، من: اقررن. وهو لغة فيه، كقولك: ظلن. ويحتمل أن يكون من: قارّ يقارّ إذا اجتمع. ومنه: القارّة لاجتماعها.
( وَلا تَبَرَّجْنَ ) لا تخرجن( تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى ) تبرّجا مثل تبرّج النساء
في أيّام الجاهليّة القديمة الّتي يقال لها: الجاهليّة الجهلاء. وهي الزمان الّذي ولد فيه إبراهيمعليهالسلام . كانت المرأة تلبس درعا من اللؤلؤ، فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقيل: ما بين آدم ونوح. وقيل: ما بين إدريس ونوح. وقيل: زمن داود وسليمان. والجاهليّة الاخرى ما بين عيسى ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقيل: الجاهليّة الاولى جاهليّة الكفر قبل الإسلام، والجاهليّة الاخرى جاهليّة الفسوق في الإسلام. والمعنى: لا تظهرن زينتكنّ كما كنّ يظهرن ذلك.
وقيل: التبرّج التبختر والتكبّر في المشي. وقيل: هو أن تلقي الخمار على رأسها، ولا تشدّه، فتواري قلائدها وقرطيها(١) ، فيبدو ذلك منها.
( وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في سائر ما أمر كنّ به ونهاكنّ عنه. أمرهنّ أمرا خاصّا بالصلاة والزكاة، ثمّ جاء به عامّا في جميع الطاعات، لأنّ هاتين الطاعتين ـ البدنيّة والماليّة ـ هما أصل الطاعات، من اعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما.
ثمّ قال سبحانه:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ ) الذنب المدنّس لعرضكم( أَهْلَ الْبَيْتِ ) نصب على النداء أو المدح. وتعريف البيت لأنّ المراد به بيت النبوّة والرسالة. والعرب تسمّي ما يلتجأ إليه بيتا. ولهذا سمّوا الأنساب بيوتا، وقالوا: بيوتات العرب، يريدون النسب. وبيت النبوّة والرسالة كبيت النسب.( وَيُطَهِّرَكُمْ ) عن المعاصي( تَطْهِيراً ) .
استعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر، لأنّ عرض المقترف للمقبّحات يتلوّث بها ويتدنّس، كما يتلوّث بدنه بالأرجاس. وأمّا المحسّنات فالعرض معها نقيّ مصون، كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفّر أولي الألباب عمّا كرهه الله تعالى لعباده ونهاهم عنه، ويرغبّهم فيما رضيه لهم وأمرهم به.
__________________
(١) القرط: ما يعلّق في شحمة الأذن من درّة ونحوها.
واعلم أنّ الامّة اتّفقوا بأجمعهم على أنّ المراد بأهل البيت في هذه الآية أهل بيت نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم . ثمّ اختلفوا، فقال عكرمة: أراد أزواج النبيّ، لأنّ أوّل الآية متوجّه إليهنّ. وقال أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعائشة، وامّ سلمة: إنّ الآية مختصّة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسينعليهمالسلام .
وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره: حدّثني شهر بن حوشب، عن امّ سلمة، قالت: «جاءت فاطمة إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم تحمل حريرة(١) لها. فقال: ادعي زوجك وابنيك. فجاءت بهم فطعموا، ثمّ ألقى عليهم كساء له خيبريّا، وقال: أللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. فقلت: يا رسول الله وأنا معهم؟ قال: أنت إلى خير».
وروى الثعلبي في تفسيره أيضا بالإسناد عن امّ سلمة: «أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في بيتها، فأتته فاطمةعليهاالسلام ببرمة(٢) فيها حريرة. فقال لها: أدعي زوجك وابنيك.
فذكرت الحديث نحو ذلك. ثمّ قالت: فأنزل الله تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ ) الآية. قالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به، ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثمّ قال: أللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. فأدخلت رأسي البيت وقلت: أنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير».
وبإسناده قال مجمع: دخلت مع امّي على عائشة، فسألتها امّي: أرأيت خروجك يوم الجمل؟ قالت: إنّه كان قدرا من الله. فسألتها عن عليّ. فقالت: تسأليني عن أحبّ الناس كان إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله. لقد رأيت عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا، وجمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بثوب
__________________
(١) الحريرة: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم.
(٢) البرمة: القدر من الحجر.
عليهم، ثمّ قال: « أللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا». قالت: فقلت: يا رسول الله! أنا من أهلك؟ قال: «تنحّي فإنّك إلى خير».
وبإسناده عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ، وفي عليّ، وحسن، وحسين، وفاطمة».
وروى السيّد أبو الحمد، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني، قال: حدّثونا عن أبي بكر السبيعي، قال: حدّثنا أبو عروة الحرّاني، قال: حدّثنا ابن مصغي، قال: حدّثنا عبد الرحيم بن واقد، عن أيّوب بن يسار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: نزلت هذه الآية على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس في البيت إلّا فاطمة والحسن والحسين وعليّ،( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) . فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أللّهمّ هؤلاء أهلي»(١) .
وحدّثنا السيّد أبو الحمد، قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم، بإسناده عن زاذان، عن الحسن بن عليّعليهماالسلام ، قال: «لمّا نزلت آية التطهير جمعنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإيّاه في كساء لامّ سلمة خيبريّ، ثمّ قال: أللّهمّ هؤلاء أهل بيتي وعترتي»(٢) .
والروايات في هذا كثيرة من طريق العامّة والخاصّة، لو قصدنا إلى إيرادها لطال الكتاب، وفيما أوردناه كفاية.
واستدلّت الشيعة على اختصاص الآية بهؤلاء الخمسةعليهمالسلام ، بأن قالوا: إنّ لفظة «إنّما» محقّقة لـما أثبت بعدها، نافية لـما لم يثبت. فإن قول القائل: إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي أنّه ليس عنده سوى الدرهم، وليس في الدار سوى زيد.
إذا تقرّر ذلك، فلا تخلو الإرادة في الآية: أن تكون هي الإرادة المحضة، أو
__________________
(١) شواهد التنزيل ٢: ٢٩ ح ٦٤٨.
(٢) شواهد التنزيل ٢: ٣٠ ح ٦٤٩.
الإرادة الّتي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس. ولا يجوز الوجه الأوّل، لأنّ الله سبحانه قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة. فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق. ولأنّ هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شكّ ولا شبهة، ولا مدح في الإرادة المجرّدة. فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيّين بالآية من جميع القبائح. وقد علمنا أنّ من عدا من ذكرناه من أهل البيت غير مقطوع على عصمته، فثبت أنّ الآية مختصّة بهم، لبطلان تعلّقها بغيرهم.
إن قلت: إنّ صدر الآية وما بعدها في الأزواج.
قلت: إنّ هذا لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم، فإنّهم يذهبون من خطاب إلى غيره ويعودون إليه. والقرآن من ذلك مملوء. وكذلك كلام العرب وأشعارهم. وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما قال البيضاويّ في تفسيره: «وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعليّ وابنيهما، لـما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج ذات غدوة، وعليه مرط(١) مرحّل من شعر أسود، فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه، ثمّ جاء عليّ فأدخله فيه، ثمّ جاء الحسن والحسين فأدخلهما فيه. ثمّ قال:( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) . والاحتجاج بذلك على عصمتهم، وكون إجماعهم حجّة، ضعيف، لأنّ التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنّهم أهل البيت، لا أنّه ليس غيرهم»(٢) .
كلام(٣) صادر من غير رويّة وبصيرة، بل محض مكابرة، وعين عناد. أللّهمّ
__________________
(١) المرط: كساء من صوف ونحوه يؤتزر به. والمرحّل من الثياب: ما أشبهت نقوشه رحال الإبل.
(٢) أنوار التنزيل ٤: ١٦٣.
(٣) خبر «أنّ» في قوله في بداية الفقرة السابقة: أنّ ما قال البيضاوي.
ثبّتنا على ولاء أهل بيت نبيّك، وأعذنا من زلّة أقدامنا على جادّة محبّتهم ومودّتهم، الّتي هي الصراط المستقيم، والمنهج القويم، واعصمنا من نزغات الشيطان المؤدّية إلى الهلاك الأبدي، والخسران السرمدي في يوم الدين، بحقّ محمّد خاتم النبيّين، وأهل بيته المعصومين.
ثمّ عاد إلى ذكر أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ) من الكتاب الجامع بين الأمرين، أي: انّه آيات بيّنات تدلّ على صدق النبوّة، لأنّه معجزة بنظمه، وحكمة وعلوم وشرائع. وفيه تذكير بما أنعم الله عليهنّ، حيث جعل بيوتهنّ مهابط الوحي، وما شاهدن من آثار الوحي ممّا يوجب قوّة الإيمان، والحرص على الطاعة، حثّا على الانتهاء والائتمار فيما كلّفن به.
( إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً ) في تدبير ما يصلح في الدين( خَبِيراً ) عليما بأفعال العباد. أو لطيفا بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه.
( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) )
قال مقاتل بن حيّان: لـمّا رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالت: هل نزل فينا شيء
من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت: يا رسول الله إنّ النساء لفي خيبة وخسار. فقال: وممّ ذلك؟ فقالت: لأنّهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فنخاف أن لا يقبل منّا طاعة. فنزلت :
( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ) الداخلين في السلم، المنقادين لحكم الله. والداخلات فيه، والمنقادات له.( وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) المصدّقين بما يجب أن يصدّق به من الرجال والنساء( وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ ) المداومين على الطاعات منهما( وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ ) في النيّة، والقول، والعمل( وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ ) على الطاعة، وعن المعاصي( وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ ) المتواضعين والمتواضعات لله، بقلوبهم وجوارحهم. وقيل: الّذين إذا صلّوا لم يعرفوا من عن يمينهم وشمالهم، لفرط خشيتهم لله.( وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ ) المخرجين الصدقات بما وجب في أموالهم من الزكاة وغيرها( وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ ) الصوم المفروض( وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ ) فروجهنّ عن الحرام. حذف لدلالة الكلام عليه. وكذلك قوله:( وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ ) بقلوبهم وألسنتهم.
روى أبو سعيد الخدري عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فتوضّئا وصلّيا، كتبا من الذّاكرين الله كثيرا والذاكرات».
وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا، حتّى يذكر الله قائما، وقاعدا ومضطجعا.
وروي عن أبي عبد اللهعليهالسلام أنّه قال: «من بات على تسبيح فاطمةعليهاالسلام ، كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات».
( أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً ) لـما اقترفوا من الصغائر، لأنّهنّ مكفّرات( وَأَجْراً عَظِيماً ) على طاعتهم. والآية وعدلهنّ ولأمثالهنّ على الطاعة والتدرّع بهذه الخصال.
وقيل: لـمّا نزل في أزواج النبيّ ما نزل، قالت نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلت هذه الآية.
واعلم أنّ الفرق بين عطف الإناث على الذكور، وعطف الزوجين على الزوجين: أنّ الأوّل نحو قوله:( ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ) (١) . في أنّهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بدّ من توسيط العاطف بينهما. والثاني من عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات. وفي الأخير العطف غير واجب، ولذلك ترك في قوله:( مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ ) (٢) .
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ
__________________
(١) التحريم: ٥.
(٢) التحريم: ٥.
اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) )
روي: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطب زينب بنت جحش الأسديّة بنت عمّته اميمة بنت عبد المطّلب لمولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله. فنزلت.
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ) ما صحّ له ولا لها( إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ) إن أوجبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وألزمه. وذكر «الله» لتعظيم أمره، والإشعار بأنّ قضاءه قضاء الله.( أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله. والخيرة ما يتخيّر. وجمع الضمير الأوّل لعموم «مؤمن ومؤمنة» من حيث إنّهما في سياق النفي. وجمع الثاني للتعظيم. وقرأ الكوفيّون: يكون بالياء.
( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فيما يختاران له( فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ) بيّن الانحراف عن الصواب.
ولـمّا نزلت هذه الآية قال عبد الله وزينب: رضينا يا رسول الله. فأنكحها إيّاه، وساق عنه إليها عشرة دنانير، وستّين درهما مهرا، وخمارا، وملحفة، ودرعا، وإزارا، وخمسين مدّا من طعام، وثلاثين صاعا من تمر.
وقيل: إنّ هذه الآية نزلت في امّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. وهي أوّل من هاجر من النساء، ووهبت نفسها للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال: قد قبلت، وزوّجها زيدا. فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنّما أردنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فزوّجنا عبده.
وذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره: «أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان شديد الحبّ
لزيد، وكان إذا أبطأ عليه زيد أتى منزله فيسأل عنه. فأبطأ عليه يوما، فأتى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منزله، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها، تسحق طيبا بفهر(١) لها، فدفع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الباب، فلمّا نظر إليها قال: سبحان خالق النور، تبارك الله أحسن الخالقين، ورجع.
فجاء زيد، وأخبرته زينب بما كان، وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . فقال لها: لعلّك وقعت في قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهل لك أن أطلّقك حتّى يتزوّجك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
فقالت: أخشى أن تطلّقني ولا يتزوّجني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فجاء زيد إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقال: يا رسول الله إنّي أريد أن أفارق صاحبتي.
فقال: ما لك أرابك منها شيء؟
قال: لا والله ما رأيت منها إلّا خيرا، ولكنّها لشرفها تتعظّم عليّ وتؤذيني.
فقال له: أمسك عليك زوجك، واتّق الله. ثمّ طلّقها بعد. فنزلت:( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ )
بتوفيقه للإسلام الّذي هو أجلّ النعم، وتوفيقك لعتقه واختصاصه ومحبّته( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) بما وفّقك الله بإعتاقه. فهو متقلّب في نعمة الله ونعمة رسوله. وهو زيد بن حارثة.( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) يعني: زينب بنت جحش( وَاتَّقِ اللهَ ) في أمرها، فلا تطلّقها ضرارا أو تعلّلا بتكبّرها. قصدصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك نهي تنزيه لا تحريم، لأنّ الأولى أن لا يطلّق. وقيل: أراد: اتّق الله فلا تذمّها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج.
( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ ) وهو نكاحها إن طلّقها، أو إرادة طلاقها( وَتَخْشَى النَّاسَ ) تعييرهم إيّاك به، بأن يقولوا: أمره بطلاقها ثمّ تزوّجها
__________________
(١) الفهر: حجر رقيق تسحاق به الأدوية.
( وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ) إن كان فيه ما يخشى. والواو للحال. وليست المعاتبة على الإخفاء وحده، فإنّه حسن، بل على الإخفاء مخافة ما قاله الناس، وإظهار ما ينافي إضماره، فإنّ الأولى في أمثال ذلك أن يصمت أو يفوّض أمره إلى الله، ولا يقول: أمسك عليك زوجك مخافة الناس.
روي عن عليّ بن الحسينعليهالسلام : إنّ الّذي أخفاه في نفسه هو أنّ الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه. فقال: لم قلت أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك».
وهذا التأويل مطابق للآية. وذلك أنّه سبحانه أعلم أنّه يبدي ما أخفاه، ولم يظهر غير التزويج، فقال:( زَوَّجْناكَها ) . فلو كان الّذي أضمره محبّتها أو إرادة طلاقها لأظهر الله تعالى ذلك، مع وعده بأنّه يبديه. فدلّ ذلك على أنّه إنّما عوتب على قوله:( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) مع علمه بأنّها ستكون زوجته، وكتمانه ما أعلمه الله به، حيث استحيا أن يقول لزيد: إنّ الّتي تحتك ستكون امرأتي.
وقال البلخي: ويجوز أن يكون أيضا على ما يقولونه: إنّ النبيّ استحسنها، فتمنّى أن يفارقها زيد فيتزوّجها. وكتم ذلك، لأنّ هذا التمنّي قد طبع عليه البشر، ولا حرج على أحد في أن يتمنّى شيئا استحسنه.
ولم يرد بقوله:( وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ) خشية التقوى، لأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتّقي الله حقّ تقاته، ويخشاه فيما يجب أن يخشى فيه. ولكنّه أراد خشية الاستحياء، لأنّ الحياء كان غالبا على شيمته الكريمة، كما قال:( إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ. ) (١) ( فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ) حاجة، وتقاصرت عنها همّته، وطابت عن مفارقتها، ولم يبق في قلبه ميل إليها، ووحشة من فراقها، فإنّ معنى القضاء هو
__________________
(١) الأحزاب: ٥٣.
الفراغ من الشيء بالتمام، فطلّقها وانقضت عدّتها. وقيل: قضاء الوطر كناية عن الطلاق، مثل: لا حاجة لي فيك.( زَوَّجْناكَها ) أي: أذنّا لك في تزويجها.
ثمّ علّل التزويج بقوله:( لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ) أي: إنّما فعلنا ذلك توسعة على المؤمنين، حتّى لا يكون عليهم إثم في أن يتزوّجوا أزواج أدعيائهم الّذين تبنّوهم، إذا قضى الأدعياء منهنّ حاجتهم وفارقوهنّ. فبيّن سبحانه أنّ الغرض في ذلك أن لا يجري المتبنّى في تحريم امرأته إذا طلّقها على المتبنّي، مجرى الابن من النسب والرضاع، في تحريم امرأته إذا طلّقها على الأب. وهذا دليل على أنّ حكمه وحكم الأمّة واحد، إلّا ما خصّه الدليل.
( وَكانَ أَمْرُ اللهِ ) أمره الّذي يريده( مَفْعُولاً ) يكون لا محالة، كما كان من تزويج زينب، ومن نفي الحرج عن المؤمنين في عدم إجراء أزواج المتبنّين في تحريمهنّ عليهم، بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهنّ.
روى ثابت عن أنس بن مالك قال: لـمّا انقضت عدّة زينب، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لزيد: ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، اخطب عليّ زينب. قال زيد: فانطلقت، فقلت: يا زينب! أبشري أرسلني نبيّ الله يذكرك. ونزل القرآن، وجاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فدخل عليها بغير إذن، لقوله تعالى:( زَوَّجْناكَها ) .
وفي رواية اخرى: قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمّر عجينها. فلمّا رأيتها عظمت في نفسي، حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين علمت أنّ رسول الله ذكرها، فولّيتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري! إن رسول الله يخطبك. ففرحت بذلك، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي. فقامت إلى مسجدها، ونزل: «زوّجناكها». فتزوّجها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ودخل بها. وما أولم على امرأة من نسائه ما أو لم عليها، ذبح شاة، وأطعم الناس الخبز واللحم حتّى امتدّ النهار.
وعن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّي لأدلّ(١) عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدلّ بهنّ: جدّي وجدّك واحد، وإنّي أنكحنيك الله في السماء، وإنّ السفير لي جبرئيلعليهالسلام . فكانت تفتخر على سائر نساء النبيّ وتقول: زوّجني الله من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنتنّ إنّما زوّجكنّ أولياؤكن.
( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ ) من إثم وضيق( فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ ) قسّم له وقدّر. من قولهم: فرض له في الديوان. ومنه: فروض العسكر لأرزاقهم، أي: فيما أحلّ الله له، بل أوجب الله عليه.( سُنَّةَ اللهِ ) اسم وضع موضع المصدر. وكأنّه قيل: سنّ الله ذلك سنّة.( فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) من الأنبياء الماضين. وهو أن لا يحرّج عليهم في الإقدام على ما أباح لهم، ووسّع عليهم في باب النكاح وغيره. وقد كانت تحتهم المهائر(٢) والسراري. وكان لداود مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة، وسبعمائة سرّيّة.( وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) قضاء مقضيّا، وحكما مبتوتا.
( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ) صفة لـ( الَّذِينَ خَلَوْا ) أو مدح لهم، منصوب أو مرفوع. والمعنى: الّذين يؤدّون أحكام الله إلى من بعثوا إليهم، ولا يكتمونها.
( وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ ) فيما يتعلّق بالأداء والتبليغ. وهذا تعريض بعد تصريح. وفي ذلك دلالة على أنّ الأنبياء لا يجوز عليهم التقيّة في تبليغ الرسالة.
فإن قلت: فكيف قال لنبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم :( وَتَخْشَى النَّاسَ ) .
قلت: لم يكن ذلك فيما يتعلّق بالتبليغ، وإنّما خشيعليهالسلام المقالة القبيحة فيه. والعاقل كما يتحرّز عن المضارّ يتحرّز من إساءة الظنون به. والقول السيّء فيه، ولا يتعلّق شيء من ذلك بالتكليف.
__________________
(١) لأدلّ من الدلال بمعنى: التدلّل والتلطّف والافتخار.
(٢) جمع المهيرة، وهي الحرّة الغالية المهر. والسراري جمع السّريّة، وهي الأمة الّتي تقام في بيت.
( وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً ) كافيا للمخاوف، أو محاسبا فينبغي أن لا يخشى إلّا منه.
روي: أنّهعليهالسلام لـمّا تزوّج زينب بنت جحش، قال الناس: إنّ محمّدا تزوّج امرأة ابنه، فقال سبحانه ردّا عليهم:( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ ) على الحقيقة، فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد والولد من حرمة المصاهرة. ولـمّا لم يكنصلىاللهعليهوآلهوسلم أبا زيد في الحقيقة، فلا يحرم عليه زوجته. ولا ينتقض عمومه بكونه أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم، لأنّهم لم يبلغوا مبلغ الرجال. ولا بقوله في شأن الحسن والحسين: «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا».
لأنّ المراد بالأب في الآية أب الرجل بلا واسطة، كما هو المتبادر، وهما لم يبلغا حدّ الرجال، وكانا ولد ولده.
( وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ ) وكلّ رسول أبو أمّته، لا مطلقا، بل من حيث إنّه شفيق ناصح لهم، واجب التوقير والطاعة عليهم. وزيد منهم، وليس بينه وبينه ولادة. أو ولكن رسول الله، فلا يترك ما أباحه الله بقول الجهّال.
( وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ) وآخرهم الّذي ختمهم، أو ختموا به، على قراءة عاصم بالفتح. ولو كان له ابن بالغ لاق بمنصبه أن يكون نبيّا، كما قالصلىاللهعليهوآلهوسلم في إبراهيم حين توفّي: «لو عاش لكان نبيّا».
ولا يقدح نزول عيسى بعده، لأنّ معنى كونه آخر الأنبياء أنّه لا ينبّأ أحد بعده، وعيسى ممّن نبّئ قبله، وحين ينزل يكون على دينه، مصلّيا إلى قبلته، فكان بعض أمّته.
( وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) فيعلم من يليق بأن يختم به النبوّة، وكيف ينبغي شأنه. وقد صحّ الحديث عن جابر بن عبد الله عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إنّما مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وحسّنها إلّا موضع لبنة، فكان من دخل فيها فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلّا موضع هذه اللبنة. قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : فأنا موضع اللبنة، ختم
بي الأنبياء». أورده البخاري(١) ومسلم(٢) في صحيحهما.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) )
ولـمّا أعطى الله العباد أفضل نعمه، وهو إرسال خاتم النّبيين عليهم، أمرهم بأنواع ذكره، من التحميد والتسبيح والتهليل والتكبير، شكرا على أن جعلهم من أمّة خاتم النبيينصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً ) أثنوا عليه بضروب الثناء، من التقديس والتحميد والتهليل والتمجيد، وسائر ما هو أهله في جميع الأوقات.
روي عن ابن عبّاس عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من عجز عن الليل أن يكابده، وجبن عن العدوّ أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فليكثر ذكر اللهعزوجل ».
( وَسَبِّحُوهُ ) ونزّهوه عن جميع ما لا يليق به( بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) أوّل النهار وآخره خصوصا. وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات، لكونهما مشهودين، كتخصيص جبرئيل وميكائيل بين الملائكة ليبيّن فضلهما عليهم، وكإفراد التسبيح من جملة الأذكار، لأنّه العمدة فيها، فإنّ معناه تنزيه ذاته عمّا لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وتبرئته من القبائح.
__________________
(١) صحيح البخاري ٤: ٢٢٦.
(٢) صحيح مسلم ٤: ١٧٩١ ح ٢٣.
وقيل: الفعلان موجّهان إليهما، كقولك: صم وصلّ يوم الجمعة. وقيل: المراد بالتسبيح صلاة الفجر والعشاءين، لأنّ أداءها أشقّ، ومراعاتها أشدّ، ولأنّ ملائكة الليل والنهار يجتمعون فيهما.
وقال الكلبي: أمّا «بكرة» فصلاة الفجر، وأمّا «أصيلا» فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وسمّي تسبيحا لـما فيه من التسبيح والتنزيه.
وعن قتادة: معناه قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
وعن مجاهد: هذه الكلمة يقولها الطاهر والجنب.
وروي عن أئمّتناعليهمالسلام أنّهم قالوا: من قالها ثلاثين مرّة فقد ذكر الله كثيرا.
وعن زرارة وحمران بن أعين عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من سبّح تسبيح فاطمةعليهاالسلام فقد ذكر الله ذكرا كثيرا».
وروى الواحدي بإسناده عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس قال: «جاء جبرئيل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا محمّد! قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم، عدد ما علم، وزنة ما علم، وملء ما علم. فإنّ من قالها كتب الله له بها ستّ خصال: كتب من الذاكرين ذكرا كثيرا، وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار، وكنّ له غرسا في الجنّة، وتحاتّت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة، وينظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه.
ثمّ حثّ الله عباده على إكثار أنواع ذكره، فأخبرهم أنّه عزّ شأنه مع غناه عنكم يذكركم، فأنتم أولى بأن تذكروه، وتقبلوا إليه، مع احتياجكم إليه، فقال :
( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ) بالرحمة والمغفرة( وَمَلائِكَتُهُ ) بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم. والمراد بالصلاة المشترك بين الرحمة والاستغفار وهو العناية بصلاح أمرهم، وظهور شرفهم. ولا شبهة أنّ استغفار الملائكة، ودعاءهم
للمؤمنين، ترحّم عليهم، سيّما وهو سبب الرحمة، من حيث إنّهم مجابو الدعوة.
وقيل: لـمّا كان من شأن المصلّي أن ينعطف في ركوعه وسجوده، استعير لمن ينعطف على غيره حنوّا عليه وترؤّفا، كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثمّ كثر حتّى استعمل في الرحمة والترؤّف. ومنه قولهم: صلّى الله عليك، أي: ترحّم عليك وترأّف. فالمراد بالصلاة هاهنا الرحم والانعطاف المعنويّ، كما أنّ الصلاة المشتملة على الركوع والسجود هي والانعطاف الصوري.
( لِيُخْرِجَكُمْ ) بالتوفيق واللطف( مِنَ الظُّلُماتِ ) ظلمات الكفر والمعصية( إِلَى النُّورِ ) نور الإيمان والطاعة( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ) حيث اعتنى بصلاح أمرهم وإنافة قدرهم.
( تَحِيَّتُهُمْ ) من إضافة المصدر إلى المفعول، أي يحيّون( يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ ) يوم لقاء ثوابه عند الموت، أو الخروج من القبر، أو دخول الجنّة. كما قال:( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ ) (١) ( سَلامٌ ) بالسلامة عن كلّ مكروه وآفة، بأن يقال لهم: السلامة لكم عن جميع الآفات.
روي عن البراء بن عازب أنّه قال: يوم يلقون ملك الموت، لا يقبض روح مؤمن إلّا سلّم عليه أوّلا. فعلى هذا يكون المعنى: تحيّة المؤمنين من ملك الموت، يوم يلقونه، أن يسلّم عليهم.
( وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ) ثوابا جزيلا، هي الجنّة. ولعلّ اختلاف النظم لمحافظة الفواصل، والمبالغة فيما هو أهمّ.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨) )
__________________
(١) الرعد: ٢٣ ـ ٢٤.
ثمّ بيّن جلالة قدر نبيّه الّذي جعله خاتم النبيّين، وأرسله إلى كافّة الخلائق أجمعين، وأعلمهم علوّ قدره عنده، ليزيد عباده الشكر على رفعة منزلته بينهم، فقال :
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ) على من بعثت إليهم، بتصديقهم وتكذيبهم، ونجاتهم وضلالتهم، أي: شاهدا مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم، كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم، فيجازيهم بحسب شهادتهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وهو حال مقدّرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي: مقدّرا به الصيد غدا. فلا يقال: كيف كان شاهدا وقت الإرسال، وإنّما يكون شاهدا عند تحمّل الشهادة أو عند أدائها؟
( وَمُبَشِّراً ) لمن أطاعني وأطاعك بالجنّة( وَنَذِيراً ) لمن عصاني وعصاك بالنار.
( وَداعِياً إِلَى اللهِ ) إلى الإقرار به وبتوحيده، وبما يجب الإيمان به من صفاته( بِإِذْنِهِ ) بتيسيره وتسهيله. قيّد الدعوة بالإذن، إيذانا بأنّ دعوة أهل الشرك والجاهليّة إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة، لا يتأتّى إلّا بمعونة من جناب قدسه.
( وَسِراجاً مُنِيراً ) يستضاء به عن ظلمات الجهالة، ويقتبس من نوره أنوار البصائر. يعني: كما يجلّى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به، جلّى به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالّون، وكما يمدّ بنور السراج نور الأبصار، أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر.
وعن الزجّاج: تقديره: ذا سراج، والسراج: القرآن، فحذف المضاف.
ووصفه بالإنارة، لأنّ من السراج ما لا يضيء إذا قلّ سليطه(١) ودقّت فتيلته.
وفي كلام بعضهم: ثلاثة تصني(٢) : رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء.
( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً ) على سائر الأمم، لأنّ أمّته يكونون شهداء على الأمم السابقة جميعا، أو على جزاء أعمالهم. والفضل ما يتفضّل به عليهم زيادة على الثواب. وإذا كان المتفضّل به كبيرا فما ظنّك بالثواب.
ويجوز أن يريد بالفضل: الثواب، من قولهم للعطايا: فضول، وفواضل. ولعلّ ذلك معطوف على محذوف، مثل: فراقب أحوال أمّتك.
ثمّ هيّجه سبحانه على ما هو عليه من مخالفة الكفر وأهل النفاق بقوله:( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ ) أي: دم على ما كنت عليه من عدم إطاعتهما( وَدَعْ أَذاهُمْ ) إيذاءهم إيّاك، ولا تحتفل به. أو إيذاءك إيّاهم مجازاة أو مؤاخذة على كفرهم. ولذلك نقل عن ابن عبّاس: أنّه منسوخ. وعن الكلبي: معناه: كفّ عن إيذائهم وقتالهم قبل أن تؤمر بالقتال.( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) وأسند أمرك إلى الله بنصرك عليهم، فإنّه يكفيكهم( وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً ) موكولا إليه الأمور في الأحوال كلّها.
واعلم أنّه سبحانه وصف رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بخمس صفات، قابل كلّا منها بخطاب يناسبه، فحذف مقابل الشاهد، وهو الأمر بالمراقبة، لأنّ ما بعده كالتفصيل له.
وقابل المبشّر بالأمر ببشارة المؤمنين. والنذير بالنهي عن مراقبة الكفّار والمبالاة بأذاهم. والداعي إلى الله بتيسيره بالأمر بالتوكّل عليه. والسراج المنير بالاكتفاء به ،
__________________
(١) السليط: الزيت الجيّد، وكلّ دهن عصر من حبّ.
(٢) أي: تثقل.
فإنّ من أناره الله برهانا على جميع خلقه، كان حقيقا بأن يكتفى به عن غيره.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر النساء، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِناتِ ) المراد بالنكاح العقد، وإن كان في الأصل بمعنى الوطء. وتسمية العقد به لملابسته له، من حيث إنّه طريق إليه. ونظيره تسمية الخمر إثما، لأنّها سبب في اقتراف الإثم.
ويؤيّد أنّ النكاح هاهنا بمعنى العقد قوله:( ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ ) أن تجامعوهنّ( فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ ) أي: أيّام معدودة يتربّصن فيها بأنفسهنّ( تَعْتَدُّونَها ) تستوفون عددها بالأقراء أو الأشهر. من: عدّدت الدراهم فاعتدّها، كقولك: كلته فاكتاله، ووزنته فاتّزن. فأسقط الله سبحانه العدّة من المطلّقة قبل المسيس، لبراءة رحمها، فإن شاءت تزوّجت من يومها. والإسناد إلى الرجال، للدلالة على أنّ العدّة حقّ واجب على النساء للرجال، كما أشعر به «فما لكم».
وعن ابن كثير: تعتدونها مخفّفا، على إبدال إحدى الدالين بالياء، أو على أنّه من الاعتداء، بمعنى: تعتدون فيها، كقوله:( وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) (١) .
وظاهره يقتضي عدم وجوب العدّة بمجرّد الخلوة، فلا يكون حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، خلافا للحنفيّة.
وتخصيص المؤمنات والحكم عامّ، للتنبيه على أنّ من شأن المؤمن أن لا ينكح إلّا مؤمنة تخيّرا لنطفته.
وفائدة «ثمّ» إزاحة ما عسى يتوهّم أنّ تراخي الطلاق كما يؤثّر في النسب يؤثّر في العدّة، فلا يتفاوت الحكم بين أن يطلّقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ويتراخى بها المدّة في حبالة الزواج ثمّ يطلّقها. ويمكن أن يكون ذكر «ثمّ» للبون البعيد بين العقد والطلاق.
( فَمَتِّعُوهُنَ ) أي: إن لم يكن مفروضا لها، فإنّ الواجب للمفروض لها نصف المفروض، دون المتعة. ويجوز أن يؤوّل التمتيع بما يعمّهما. أو يكون الأمر مشتركا
__________________
(١) البقرة: ٢٣١.
بين الوجوب والندب، فإنّ المتعة سنّة للمفروض لها.( وَسَرِّحُوهُنَ ) أخرجوهنّ من منازلكم، إذ ليس لكم عليهنّ عدّة( سَراحاً جَمِيلاً ) من غير ضرار ولا منع حقّ.
ثمّ خاطب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ ) مهورهنّ، لأنّ المهر أجر على البضع. والإيتاء قد يكون بالأداء، وقد يكون بالالتزام، أي: بفرض المهور، وتسميتها في العقد. وعلى التقديرين ؛ تقييد الإحلال به بإعطائها معجّلة أو بالالتزام، لا لتوقّف الحلّ عليه، بل لإيثار الأفضل له.
وذلك أنّ تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، فإنّه جاز وقوع العقد والمماسّة بدون التسمية. وسوق المهر عاجلا أفضل من أن يسمّيه ويؤجّله.
وكذا تقييد إحلال المملوكة بكونها مسبيّة بقوله:( وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ ) لإيثار الأفضل. فإنّ المشتراة لا يتحقّق بدء أمرها وما جرى عليها، فإنّ السبي على ضربين: سبي طيبة، وسبي خبثة. فسبي الطيبة: ما سبي من أهل الحرب. وأمّا من كان له عهد فالمسبيّ منهم سبي خبثة. وفيء الله ـ سواء كان من الغنائم أو الأنفال ـ لا يطلق إلّا على الطيّب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام. وكانت من الغنائم مارية القبطيّة أمّ ابنه إبراهيم. ومن الأنفال صفيّة وجويرية، أعتقهما وتزوّجهما.
وتقييد القرايب بكونها مهاجرات معه في قوله:( وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ ) يحتمل تقييد الحلّ بذلك في حقّه خاصّة. ويعضده قول امّ هانئ بنت أبي طالب: خطبني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاعتذرت إليه فأعذرني، ثم أنزل الله هذه الآيات، فلم أحلّ له، لأنّي لم أهاجر معه، وكنت من الطلقاء.
وقال صاحب المجمع: «هذا إنّما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثمّ نسخ
شرط الهجرة في التحليل»(١) .
( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً ) أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة( إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ ) نصب بفعل يفسّره ما قبله. أو عطف على ما سبق. ولا يدفعه التقييد بأن «الّتي» للاستقبال، فإنّ المعنيّ بالإحلال الإعلام بالحلّ، أي أعلمناك حلّ امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا، إن اتّفق، ولذلك نكّرها. واختلف في اتّفاق ذلك. فقال ابن عبّاس: لم يكن عند رسول الله أحد منهنّ بالهبة. وقيل: الموهوبات أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصاريّة، وامّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم.
( إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها ) شرط للشرط الأوّل في الإحلال في استيجاب الحلّ. كأنّه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، فإنّ هبتها نفسها منه لا توجب له حلّها إلّا بإرادته نكاحها، فإنّها جارية مجرى القبول.
وتكرير «النبيّ» تفخيم له. والعدول إلى الغيبة بلفظ النبيّ مكرّرا، ثمّ الرجوع إليه في قوله:( خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) إيذان بأنّه ممّا خصّ به، لشرف نبوّته، وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجل نبوّته.
قيل: إنّ امرأة لـمّا وهبت نفسها للنبيّ، قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهنّ بلا مهر؟ فنزلت الآية. فقالت عائشة ما أرى الله تعالى إلّا يسارع هواك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم «وإنّك إن أطعت الله سارع في هواك».
واحتجّ به أصحابنا على أنّ النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، لأنّ اللفظ تابع للمعنى، وقد خصّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمعنى، فيختصّ باللفظ. والمدّعي للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى الدليل.
__________________
(١) مجمع البيان ٨: ٣٦٤.
ومعنى الاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه. و «خالصة» مصدر مؤكّد، كوعد الله وصبغة الله، أي: إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلص لك خلوصا، فإنّ الفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والكاذبة والعافية. أو حال من الضمير في «وهبت». أو صفة مصدر محذوف، أي: هبة خالصة.
( قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ ) من اعتبار العقد بألفاظ مخصوصة، ووجوب المهر، والحصر بعدد محصور، والقسم، وغير ذلك ممّا وضعنا عنك تخفيفا( وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) من توسيع الأمر فيها. والجملة اعتراض بين قوله:( لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ) وبين متعلّق اللام، وهي «خالصة»، للدلالة على أنّ الفرق بينه وبين المؤمنين في نحو ذلك، ليس لمجرّد قصد التوسيع عليه وارتفاع الحرج عنه، بل لمصالح وحكم تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة، وبالعكس اخرى.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) للواقع في الحرج إذا تاب وعدا وعدلا، ولم يتب تفضّلا( رَحِيماً ) بالتوسعة عليك، ورفع الحرج عنك.
روي: أنّ أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة، وغظن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، هجرهنّ شهرا، ونزل التخيير، فأشفقن أن يطلّقهنّ، فقلن: يا رسول الله افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. فنزلت:( تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ ) تؤخّرها، وتترك مضاجعتها( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ) وتضمّ إليك، وتضاجعها. أو تطلّق من تشاء، وتمسك من تشاء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ترجئ بالهمزة. والمعنى واحد.( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ ) طلبت وأردت أن تؤوي إليك امرأة( مِمَّنْ عَزَلْتَ ) أرجيت( فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ) ولا لوم ولا عقاب، ولا إثم في ابتغائها.
( ذلِكَ أَدْنى) ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى( أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا
يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَ) أي: إلى قرّة عيونهنّ، وقلّة حزنهنّ، ورضاهنّ جميعا، لأنّ حكم كلّهنّ فيه سواء. يعني: إذا سوّيت بينهنّ في الإيواء والإرجاء، والعزل والابتغاء، وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهنّ ممّا تريد وممّا لا تريد إلّا مثل ما للأخرى، أو رجّحت بعضهنّ، وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله وبحكمه، اطمأنّت نفوسهنّ، وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا، وقرّت العيون، وسكنت القلوب. و «كلّهنّ» تأكيد لنون «يرضين».
( وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ ) فاجتهدوا في إحسانه. وفيه وعيد لمن لم ترض منهنّ بما دبّر الله من ذلك، وفوّض إلى مشيئة رسوله. وبعث على تواطئ قلوبهنّ، والتصافي بينهنّ، والتوافق على طلب رضا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما فيه طيب نفسه.
( وَكانَ اللهُ عَلِيماً ) بذات الصدور( حَلِيماً ) لا يعاجل بالعقوبة. فهو حقيق بأن يتّقى ويحذر.
روي: أنّه أرجأ منهنّ خمسا: سودة، وجويرية، وصفيّة، وميمونة، وامّ حبيبة. وآوى إليه منهنّ أربعا: أمّ سلمة، وزينب، وعائشة، وحفصة.
( لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ ) بالياء، لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقيّ. وقرأ البصريّان بالتاء.( مِنْ بَعْدُ ) من بعد التسع المذكورات. وهنّ في حقّه نصاب، كما أنّ الأربع في حقّنا نصاب، فلا يحلّ له أن يتجاوز النصاب. أو من بعد اليوم، حتّى لو ماتت واحدة لم يحلّ نكاح اخرى.
( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ) فتطلّق واحدة وتنكح مكانها اخرى. و «من» مزيدة لتأكيد استغراق جنس الأزواج بالتحريم.( وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ ) حسن الأزواج المستبدلة. قيل: إنّ الّتي أعجبته صلوات الله عليه حسنها أسماء بنت عميس الخثعميّة، بعد قتل جعفر بن أبي طالب عنها. وهو حال من فاعل «تبدّل» ،
دون مفعوله، وهو «من أزواج» لتوغّله في التنكير. وتقديره: مفروضا إعجابك بهنّ.
واختلف في أنّ الآية محكمة أو منسوخة بقوله:( تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ) على المعنى الثاني، فإنّه وإن تقدّمها قراءة، فهو مسبوق بها نزولا. وعن عائشة: ما مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى أحلّ له النساء.
وقيل: المعنى: لا يحلّ لك النساء من بعد الأجناس الأربعة اللّاتي نصّ على إحلالهنّ لك، ولا أن تبدّل بهنّ أزواجا من أجناس أخر.
( إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) استثناء من النساء، لأنّه يتناول الأزواج والإماء. وقيل: منقطع.( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً ) حافظا مهيمنا. فتحفّظوا أمركم، ولا تتخطّوا ما حدّ لكم.
روي: أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بنى بزينب بنت جحش وأولم عليها. قال أنس: أولم عليها بتمر وسويق، وذبح شاة، فأمرني رسول الله أن أدعو أصحابه إلى الطعام.
فدعوتهم، فترادفوا أفواجا، يأكل فوج فيخرج، ثمّ يدخل فوج، إلى أن قلت: يا رسول الله دعوت حتّى ما أجد أحدا أدعوه. فقال: ارفعوا طعامكم. فرفعوا، وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث، فقامصلىاللهعليهوآلهوسلم وقمت معه لكي يخرجوا. فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم أهل البيت. فقالوا: عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات، فسلّم عليهنّ، ودعون له. ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون. وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم شديد الحياء، فتولّى، فلمّا رأوه متولّيا خرجوا. وربّما كان قوم من الأصحاب يتحيّنون(١) طعام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقعدون ويستطيلون المجلس منتظرين لإدراكه مرّة بعد اخرى.
__________________
(١) أي: يترصّدون ويرقبون.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) )
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: كان رسول الله يريد أن يخلو له المنزل، لأنّه كان حديث عهد بعرس، وكان محبّا لزينب، وكان يكره أذى المؤمنين في إخراجهم عن المنزل. فنزلت :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ ) أي: لا تدخلوا أيّها المتحيّنون( إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) إلّا وقت الإذن( إِلى طَعامٍ ) تعلّق بـ «يؤذن» لأنّه متضمّن معنى: يدعى، للإشعار بأنّه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن. كما أشعر به قوله:( غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ) غير منتظرين وقته، أو إدراكه. وهو حال من فاعل «لا تدخلوا» أو المجرور في «لكم». وقد أمال حمزة والكسائي: إناه، لأنّه مصدر: أنى الطعام، إذا أدرك.
وهذا الحكم مخصوص بهؤلاء المتحيّنين وأمثالهم، وإلّا لـما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام.
( وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ) تفرّقوا ولا تمكثوا( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) بعضكم بعضا. عطف على «ناظرين». أو مقدّر بفعل محذوف، أي: ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين.
( إِنَّ ذلِكُمْ ) اللبث( كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ ) لتضيّق المنزل عليه وعلى أهله، واشتغاله فيما لا يعنيه( فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ) من إخراجكم، على تقدير المضاف( وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ ) يعني: أنّ إخراجكم حقّ، ما ينبغي أن يستحيا منه.
ولـمّا كان الحياء انقباض النفس عن صدور القبيح، وهذا المعنى ممتنع على الله تعالى، فالحياء بمعنى الترك. وتسميته بالحياء هنا من باب المزاوجة. والمعنى: لا يترك إبانة الحقّ ترك الحيّي. وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء.
روي: أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره ذلك. فنزلت آية الحجاب.
وهي هذه :( وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ ) إذا سألتم أزواج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ( مَتاعاً ) شيئا ينتفع به( فَسْئَلُوهُنَ ) المتاع( مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) ستر( ذلِكُمْ ) أي: سؤالكم إيّاهنّ المتاع من وراء الحجاب( أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ ) من الخواطر الشيطانيّة، والهواجس النفسانيّة الّتي تدعو إلى ميل الرجال إلى النساء، والنساء إلى الرجال.
وعن عائشة قالت: كنت آكل مع النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حيسا(١) في قعب، فمرّ بنا عمر، فدعاه فأكل، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: «حسّ(٢) لو أطاع فيكنّ ما رأتكنّ عين». فنزل الحجاب.
وعن مقاتل: إنّ طلحة بن عبيد الله قال: لئن قبض رسول الله لأنكحنّ عائشة.
وعن أبي حمزة الثمالي: إنّ رجلين قالا: أينكح محمّد نساءنا، ولا ننكح
__________________
(١) الحيس: طعام مركّب من تمر وسمن وسويق. والقعب: القدح الضخم الغليظ.
(٢) حسّ: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة، كالجمرة والضربة. النهاية لابن الأثير ١: ٣٨٥.
نساءه؟ والله لئن مات لنكحنا نساءه! وكان أحدهما يريد عائشة، والآخر يريد امّ سلمة.
وذكر أنّ بعضهم قال: أننهى أن نتكلّم بنات عمّنا إلّا من وراء حجاب؟ لئن مات محمّد لأتزوّجنّ عائشة. فنزلت:( وَما كانَ ) وما صحّ( لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ) أن تفعلوا ما يكرهه( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد وفاته، أو فراقه( أَبَداً ) قيل: خصّ هذا الحكم بالّتي دخل بها، لـما روي: أنّ الأشعث بن قيس تزوّج امرأته غير المدخول بها في أيّام عمر، فهمّ برجمها، فأخبر بأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فارقها قبل أن يمسّها، فتركها من غير نكير.
( إِنَّ ذلِكُمْ ) يعني: إيذاءه، ونكاح نسائه( كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً ) ذنبا عظيم الموقع عند الله.
وفيه تعظيم من الله لرسوله، وإيجاب لحرمته حيّا وميّتا. ولذلك بالغ في الوعيد عليه، فقال:( إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً ) ممّا نهيتم عنه، كنكاحهنّ على ألسنتكم( أَوْ تُخْفُوهُ ) في صدوركم( فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) فيعلم ذلك، فيجازيكم به.
وفي التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد.
( لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥) )
روي: أنّه لـمّا نزلت آية الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب يا رسول الله أنكلّمهنّ أيضا من وراء حجاب؟ فاستثنى الله من لا يجب الاحتجاب عنهم، فقال :
( لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَ ) إنّما لم يذكر العمّ والخال، لأنّهما بمنزلة الوالدين. ولذلك سمّى العمّ أبا في قوله:( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ) (١) . وهو عمّه على المذهب الصحيح. وقوله:( آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) (٢) . وإسماعيل عمّ يعقوب. أو لأنّه كره ترك الاحتجاب عنهما، مخافة أن يصفا لأبنائهما.
( وَلا نِسائِهِنَ ) يعني: النساء المؤمنات، فإنّ نساء اليهود والنصارى لم يكنّ مواضع الأمانة، فيصفن نساء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وغيره لأزواجهنّ إن رأينهنّ. وقيل: يريد جميع النساء. وقد سبق ما هو الحقّ من القولين في سورة النور(٣) .
( وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ ) من الإماء. وقيل: من العبيد والإماء. وقد مرّ تحقيقه أيضا في سورة النور.
ثمّ نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، لمزيد تشديد ومبالغة، فقال:( وَاتَّقِينَ اللهَ ) اسلكن طريق التقوى في حفظ ما أمركنّ الله به، من الاحتجاب وغير ذلك من المنهيّات والمأمورات( إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من السرّ والعلن( شَهِيداً ) لا يخفى عليه خافية، ولا يتفاوت في علمه الأحوال من الظاهر والباطن.
( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) )
ولـمّا صدّر سبحانه هذه السورة بذكر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقرّر في أثنائها ذكر
__________________
(١) الأنعام: ٧٤.
(٢) البقرة: ١٣٣.
(٣) راجع ج ٤ ص ٤٩٨، ذيل الآية ٣١ من سورة النور.
تعظيمه، ختم ذلك بالتعظيم الّذي ليس يقاربه تعظيم ولا يدانيه، فقال:( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ ) أي: إنّ الله يثني على النبيّ بالثناء الجميل، ويبجّله بأعظم التبجيل، وملائكته يثنون عليه بأحسن الثناء، ويدعون له بأزكى الدعاء، اعتناء بإظهار شرفه وتعظيم شأنه.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ) اعتنوا أنتم أيضا بذلك، فإنّكم أولى بذلك( وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) أي: قولوا: أللّهمّ صلّ على محمّد وسلّم.
وقيل: معنى «وسلّموا»: وانقادوا لأوامره. ويؤيّده ما رواه أبو بصير، قال: «سألت أبا عبد اللهعليهالسلام : قد عرفت صلاتنا عليه، فكيف التسليم؟ فقال: هو التسليم له في الأمور».
يعني به الانقياد لأوامره، وبذل الجهد في طاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويعضد الأوّل ما قاله الزمخشري(١) والقاضي(٢) ، وذكره الشيخ في التبيان(٣) : إنّ المعنى: قول السلام عليك أيّها النبيّ.
قال أبو حمزة الثمالي: حدّثني السدّي وحميد بن سعد الأنصاري وبريد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجزة، قال: لـمّا نزلت هذه الآية قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا: أللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد. وبارك على محمّد وآل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد».
وعن عبد الله بن مسعود قال: إذا صلّيتم على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنّكم لا تدرون. قالوا: فعلّمنا. قال: قولوا: أللّهمّ اجعل صلاتك ورحمتك
__________________
(١) الكشّاف ٣: ٥٥٧.
(٢) أنوار التنزيل ٤: ١٦٧.
(٣) التبيان ٨: ٣٢٦ ـ ٣٢٧.
وبركاتك على سيّد المرسلين، وإمام المتّقين، وخاتم النبيّين، محمّد عبدك ورسولك، إمام الدين، وقائد الخير، ورسول الرحمة. أللّهمّ ابعثه مقاما محمودا يغبط به الأوّلون والآخرون. أللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.
وعن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال: دخلت على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم أره أشدّ استبشارا منه، ولا أطيب نفسا. قلت: يا رسول الله! ما رأيتك قطّ أطيب نفسا، ولا أشدّ استبشارا منك اليوم؟ فقال: «وما يمنعني وقد خرج آنفا جبرئيل من عندي قال: قال الله تعالى: من صلّى عليك صلاة صلّيت بها عليه عشر صلوات، ومحوت عنه عشر سيّئات، وكتبت له عشر حسنات».
والآية تدلّ على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة. وقيل: تجب الصلاة عليه كلّما جرى ذكره، لقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ».
وقوله: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فدخل النار فأبعده الله».
ويروى أنّه قيل: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى:( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ) ؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «هذا من العلم المكنون، ولو لا أنّكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به. إنّ الله وكلّ بي ملكين، فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلّي عليّ إلّا قال ذانك الملكان: غفر الله لك. وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين. ولا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلّي عليّ إلّا قال ذانك الملكان: لا غفر الله لك. وقال الله وملائكته لذينك الملكين: آمين».
ومنهم من قال: تجب في كلّ مجلس مرّة، وإن تكرّر ذكره. والأصحّ أنّ الصلاة عليه وآله لا تجب إلّا في الصلاة، والروايات المذكورة لتأكيد الاستحباب.
واعلم أنّ حديث كعب المذكور دلّ على مشروعيّة الصلاة على الآل تبعا لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعليه إجماع المسلمين. وهل يجوز الصلاة عليهم لا تبعا بل إفرادا ،
كقولنا: أللّهمّ صلّ على آل محمّد، بل الواحد منهم لا غير، أم لا؟ قال أصحابنا بجواز ذلك. وقال الجمهور بكراهيته، لأنّ الصلاة على النبيّ صارت شعارا له، فلا تطلق على غيره، ولإيهامه الرفض.
والحقّ ما قاله الأصحاب لوجوه :
الأوّل: قوله تعالى مخاطبا للمؤمنين كافّة:( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ) (١) . وهو نصّ في الباب.
الثاني: قوله:( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) (٢) . ولا ريب أنّ أهل البيت أصيبوا بأعظم المصائب، الّتي من جملتها غصب مقام إمامتهم منهم.
والثالث: أنّه لـمّا أتى أبو أوفى زكاته، قال النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : أللّهمّ صلّ على أبي أوفى وآل أبي أوفى.
فيجوز على أهل البيت بطريق أولى.
الرابع: إنّ الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ويجوز الرحمة عليهم إجماعا، فيجوز مرادفها، لـما تقرّر في الأصول أنّه يجوز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر.
الخامس: قولهم: إنّها صارت شعارا للرسول، فلا تطلق على غيره. فاسد، لأنّها كما دلّت على الاعتناء برفع شأنه، كذلك تدلّ على الاعتناء برفع شأن أهله القائمين مقامه. ويكون الفرق بينهم وبينه: وجوبها في حقّه كلّما ذكر كما قيل، أو تأكيد استحباب في قول آخر.
السادس: إنّ قولهم: إنّ ذلك يوهم الرفض، محض تعصّب وعناد. نظير قولهم: من السنّة تسطيح القبور، لكن لـمّا اتّخذته الرفضة شعارا لقبورهم عدلنا عنه إلى التسنيم. فعلى هذا كان يجب عليهم أنّ كلّ مسألة قالت بها الإماميّة أن يفتوا
__________________
(١) الأحزاب: ٤٣.
(٢) البقرة: ١٥٦ ـ ١٥٧.
بخلافها. وما ذلك إلّا محض العناد وكمال التعصّب. نعوذ بالله من الأهواء المضلّة، والآراء الفاسدة.
( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) )
ولـمّا أمر الله سبحانه العباد بالصلاة والسلام على نبيّه، هدّدهم إن آذوه بالألسن والأيدي، فقال :
( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) يرتكبون ما يكرهانه ولا يرضيان به، من الكفر والمعاصي، قولا وفعلا. أو يؤذون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بكسر رباعيته، وقولهم: شاعر مجنون.
وقيل: ذكر الله للتعظيم له. فجعل أذى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أذى له، تشريفا له وتكريما. فكأنّه يقول: لو جاز أن يناله أذى من شيء لكان ينالني من هذا.
وقيل: أذى الله هو قول اليهود والنصارى والمشركين: يد الله مغلولة، وثالث ثلاثة، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.
وقيل: قول الّذين يلحدون في أسمائه وصفاته.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما حكى عن ربّه: «شتمني ابن آدم، ولم ينبغ له أن يشتمني. وآذاني، ولم ينبغ له أن يؤذيني. فأمّا شتمه إيّاي فقوله: إنّي اتّخذت ولدا. وأمّا أذاه فقوله: إنّ الله لا يعيدني بعد أن بدأني».
وروي عن الخاصّة والعامّة أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال في حقّ فاطمةعليهاالسلام :
«فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله».
روى السيّد أبو الحمد قال: حدّثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني، أنّه قال: حدّثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن دارم الحافظ، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد العجليّ، قال: حدّثنا عبّاد بن يعقوب، قال: حدّثنا أرطاة بن حبيب، قال: حدّثنا أبو الخالد الواسطي وهو آخذ بشعره، قال: حدّثني زيد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام وهو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن الحسينعليهالسلام وهو آخذ بشعره، قال: حدّثني الحسين بن عليّعليهالسلام وهو آخذ بشعره، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالبعليهالسلام وهو آخذ بشعره، قال: حدّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو آخذ بشعره، فقال: «من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله». كما قال جلّ اسمه:( لَعَنَهُمُ اللهُ ) أبعدهم من رحمته( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً ) يهينهم مع الإيلام.
( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) بغير جناية استحقّوا بها الإيذاء. ترك هذا القيد في أذى الله ورسوله، لأنّ أذاهما لا يكون إلّا غير حقّ أبدا.( فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً ) أي: احتملوا مثل عقوبة البهتان الّذي هو من أعظم العقوبات. وقيل: يعني بذلك اذيّة اللسان الّتي هي مظنّة البهتان.( وَإِثْماً مُبِيناً ) ظاهرا. روي أنّها نزلت في منافقين كانوا يؤذون عليّاعليهالسلام . وقيل: في أهل الإفك على عائشة. وقيل: في زناة كانوا يتّبعون النساء وهنّ كارهات.
( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) لَئِنْ
لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢) )
ثمّ رجع إلى حكم آخر لنسائهصلىاللهعليهوآله ، فقال:( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ ) يغطّين وجوههنّ وأبدانهنّ بملاحفهنّ إذا برزن لحاجة. والجلباب: ثوب واسع، أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها، وتبقي منه ما ترسله على صدرها. و «من» للتبعيض، فإنّ المرأة ترخي بعض جلبابها، وتتلفّع(١) ببعض، حتّى تتميّز من الأمة.
وروي: أنّ النساء كنّ في أوّل الإسلام يبرزن في درع وخمار، بلا فرق بين الحرّة والأمة. وكان الفسّاق يتعرّضون للإماء إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهنّ في النخيل والغيطان(٢) ، وربّما تعرّضوا للحرّة بعلّة الأمة، يقولون: حسبناها أمة. فأمرن أن يخالفن بزيّهنّ عن زيّ الإماء، بلبس الأردية والملاحف، وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهنّ طامع، بخلاف الإماء اللّاتي يخرجن مكشّفات الرؤوس والجباه.
وذلك قوله:( ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ ) أقرب إلى أن يعرفن بزيّهنّ أنّهنّ حرائر ولسن بإماء. وعن الجبائي: معناه: ذلك أقرب إلى أن يعرفن بالستر والصلاح فلا يتعرّض لهنّ، لأنّ الفاسق إذا عرف امرأة بالستر والصلاح لم يتعرّض لها.( فَلا يُؤْذَيْنَ ) فلا يؤذيهنّ أهل الريبة بالتعرّض لهنّ( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) لـما سلف
__________________
(١) تلفّعت المرأة بالثوب: اشتملت به وتغطّت.
(٢) الغيطان جمع الغوطة، وهي المكان المطمئنّ والمنخفض من الأرض.
( رَحِيماً ) بعباده، حيث يراعي مصالحهم حتّى الجزئيّات منها.
ثمّ أوعد سبحانه هؤلاء الفسّاق بقوله:( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ ) عن نفاقهم( وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) ضعف إيمان وقلّة ثبات عليه. أو فجور صادر عن تزلزلهم في الدين، من قوله تعالى:( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (١) .
( وَالْمُرْجِفُونَ ) الّذين كانوا يرجفون( فِي الْمَدِينَةِ ) بأخبار السوء عن سرايا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. وأصل الإرجاف: التحريك، من الرجفة، وهي الزلزلة. سمّي به الإخبار الكاذب لكونه متزلزلا غير ثابت.
وفي الكلام حذف، تقديره: إن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدهم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عمّا يؤلّفون من أخبار السوء.( لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ) لنأمرنّك بقتالهم. وقد حصل الإغراء لهم بقوله:( جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) (٢) .
وبإجلائهم، وبما يضطرّهم إلى طلب الجلاء.( ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها ) لا يساكنونك في المدينة. عطف على «لنغرينّك». و «ثمّ» للدلالة على أنّ الجلاء ومفارقة جوار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أعظم ما يصيبهم، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه.( إِلَّا قَلِيلاً ) زمانا أو جوارا قليلا.
( مَلْعُونِينَ ) نصب على الشتم، أو الحال. والاستثناء شامل له أيضا، كقوله:( إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ ) (٣) . أي: لا يجاورونك إلّا ملعونين مبعدين عن الرحمة. وقيل: ملعونين على ألسنة المؤمنين. ولا يجوز أن ينتصب عن «أخذوا» في قوله:( أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. والمعنى: أينما وجدوا وظفر بهم أخذوا وقتّلوا أبلغ القتل.
__________________
(١) الأحزاب: ٣٢.
(٢) التوبة: ٧٣.
(٣) الأحزاب: ٥٣.
( سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) مصدر مؤكّد، أي: سنّ الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الّذين نافقوا الأنبياء، وسعوا في وهنهم بالإرجاف ونحوه حيثما ثقفوا. والسنّة: الطريقة في تدبير الحكم. وسنّة رسول الله: طريقته الّتي أجراها بأمر الله تعالى، فأضيفت إليه. ولا يقال: سنّته إذا فعلها مرّة أو مرّتين، لأنّ السنّة الطريقة الجارية المستمرّة.( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً ) لأنّه لا يبدّلها، ولا يقدر أحد أن يبدّلها.
( يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) )
روي: أنّ المشركين كانوا يسألون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن وقت قيام الساعة استعجالا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا، لأنّ الله تعالى عمّى وقتها في التوراة وفي كلّ كتاب، فأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يجيبهم بأنّه علم قد استأثره الله لنفسه، لم يعلّمه أحدا، فقال :
( يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ) عن وقت قيامها، استهزاء وتعنّتا، أو امتحانا( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ ) لم يطلع عليه ملكا ولا نبيّا.
ثمّ بيّن لرسوله أنّها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للممتحنين، فقال:( وَما يُدْرِيكَ ) أيّ شيء يعلمك من أمر الساعة ومتى قيامها، أي: أنت لا تعرفها( لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) أي: شيئا قريبا مجيئها. ويجوز أن يكون التذكير لأنّ الساعة في معنى اليوم.
( إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ) نارا شديدة الاتّقاد والالتهاب( خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا ) يحفظهم( وَلا نَصِيراً ) يدفع العذاب عنهم.
( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) تصرف من جهة إلى جهة، كاللحم الّذي يدور في القدر إذا غلت، فترامى به الغليان من جهة إلى اخرى. أو تغيّر من حال إلى حال، وهيئة إلى هيئة، فتسودّ وتصفرّ، وتصير كالحة بعد أن لم تكن. أو تطرح في النار مقلوبين منكوسين. وخصّت الوجوه بالذكر، لأنّ الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده. ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة.
وناصب الظرف( يَقُولُونَ ) . أو محذوف، هو: اذكر. وإذا نصب بالمحذوف كان «يقولون» حالا، أي: قائلين( يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ ) فيما أمرنا به ونهانا عنه( وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ) فيما دعانا إليه، فلا نبتلى بهذا العذاب.
( وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا ) فيما فعلناه( سادَتَنا وَكُبَراءَنا ) يعنون قادتهم الّذين لقّنوهم الكفر وزيّنوه لهم. وقرأ ابن عامر ويعقوب: ساداتنا على جمع الجمع، للدلالة على الكثرة.( فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) بما زيّنوا لنا. يقال: ضلّ السبيل، وأضلّه إيّاه. والألف لإطلاق الصوت، جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر. وفائدتها الوقف، والدلالة على أنّ الكلام قد انقطع، وأنّ ما بعده مستأنف. وقد مرّ اختلاف القرّاء فيه.
( رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ ) مثلي ما آتيتنا منه، ضعفا لضلالهم، وضعفا لإضلالهم، فإنّهم ضلّوا وأضلّوا( وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) كثير العدد. وقرأ عاصم بالباء(١) ، أي: لعنا هو أشدّ اللعن وأعظمه.
__________________
(١) أي: كبيرا، والقراءة الاخرى: كثيرا.
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) )
ثمّ خاطب سبحانه المظهرين للإيمان، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ) أي: لا تؤذوا محمّدا كما آذى بنو إسرائيل موسى، فإنّ حقّ النبيّ أن يعظّم ويبجّل، لا أن يؤذى( فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا ) فأظهر براءته من قولهم، أي: من مقولهم، يعني: مؤدّاه ومضمونه، وهو الأمر المورث للعيب.
فلا يقال: إنّ لفظة «ما» إمّا مصدريّة أو موصولة، وأيّهما كان فكيف تصحّ البراءة منه؟
واختلفوا فيما أوذي به موسىعليهالسلام . فعند بعضهم أنّ قارون حرّض امرأة على قذفه بنفسها، فعصمه الله، كما مرّ في القصص(١) .
__________________
(١) راجع ص ١٩٨، ذيل الآية ٨١ من سورة القصص.
وعن عليّعليهالسلام وابن عبّاس: أنّ بني إسرائيل اتّهموه بقتله هارون حين صعد الجبل، ومات هارون هناك، فحملته الملائكة، ومرّوا به عليهم ميّتا، وتكلّمت الملائكة بموته، حتّى عرفوا أنّه قد مات حتف أنفه.
وعن أبي هريرة مرفوعا: أنّ الله سبحانه أحياه، فأخبرهم ببراءة موسى.
وعن أبي العالية: أنّهم قذفوه بعيب في بدنه من برص أو ادرة(١) . وذلك أنّ موسىعليهالسلام كان حييّا ستيرا يغتسل وحده، فقالوا: ما يتستّر منّا إلّا لعيب بجلده، إمّا برص أو ادرة. فذهب مرّة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، فمرّ الحجر بثوبه، فطلبه موسى، فرآه بنو إسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا، فبرّأه الله ممّا قالوا.
وعن أبي مسلم: أنّهم آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والجنون والكذب، بعد ما رأوا العذاب.
( وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً ) ذا جاه ومنزلة ورفعة عنده. يقال: وجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر. ولوجاهته وعظم قدره يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه، لئلّا يلحقه وصم، ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة.
قيل: نزلت في شأن زيد وزينب، وما سمع فيه من مقالة بعض الناس.
ثمّ أمر سبحانه أهل الايمان والتوحيد بالتقوى والقول السديد، فقال:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ) في ارتكاب ما يؤذي رسوله، وغيره من أنواع المعاصي( وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) قاصدا إلى الحقّ، فإنّ السداد القصد إلى الحقّ، والقول بالعدل. يقال: سدّد السهم نحو الرمية، إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا: سهم
__________________
(١) الادرة: نفخة في الخصية.
قاصد. والمراد: سداد القصد واللسان في كلّ باب، ومن ذلك حفظ اللسان عمّا خاضوا فيه من حديث زينب، من غير قصد وعدل في القول، لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كلّه.
والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنّكم إن فعلتم ذلك( يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) يوفّقكم للأعمال الصالحة. أو يصلحها بالقبول والإثابة عليها.( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) ويجعلها مكفّرة باستقامتكم في القول والعمل( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ ) في الأوامر والنواهي( فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ) يعيش في الدنيا حميدا، وفي الآخرة سعيدا.
ثمّ قرّر الوعد السابق بتعظيم أمر الطاعة وتفخيم شأنها بقوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ ) أي: الطاعة. سمّاها أمانة من حيث إنّها واجبة الأداء، كالأمانة.( عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ ) أي: الطاعة، لعظم شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذات شعور وإدراك( فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ) من أن يؤدّين حقّها، حتّى يزول عن ذمّتهنّ. من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد: أنّه لا يؤدّيها إلى صاحبها، حتّى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها، فإنّ الأمانة كأنّها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها. ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حقّ، فإذا أدّاها لم تبق راكبة، ولا هو حاملا لها.( وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ) مع ضعف بنيته، ورخاوة قوّته( إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً ) حيث لم يف ولم يراع حقّها( جَهُولاً ) بكنه عاقبتها. وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب.
واعلم أنّ الممثّل به في الآية مفروض، والمفروضات تتخيّل في الذهن كالمحقّقات. فمثّلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله، بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها. ونحو
هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلّا على طرقهم وأساليبهم.
ومن ذلك قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب؟ لقال: أسوّي العوج. وكم لهم من هذه الأمثال على ألسنة البهائم والجمادات. وتصوّر مقاولة الشحم وإن كان محالا، ولكنّ الغرض منه أنّ السمن في الحيوان ممّا يحسّن قبيحه، كما أنّ العجف(١) ممّا يقبّح حسنه. فصوّر أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. فقد علمت من ذلك أنّ تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها، بما في الآية، لأجل تقريبه إلى الفهم.
وقيل: الآية على معناها الحقيقي، لـما روي أنّ الله سبحانه لـمّا خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما، وقال لها: إنّي فرضت فريضة، وخلقت جنّة لمن أطاعني فيها، ونارا لمن عصاني. فقلن: نحن مسخّرات على ما خلقتنا، لا نحتمل فريضة، ولا نبتغي ثوابا ولا عقابا. ولـمّا خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله، وكان ظلوما لنفسه بتحمّله ما يشقّ عليها، جهولا بوخامة عاقبته.
ولعلّ المراد بالأمانة: العقل أو التكليف. وبعرضها عليهنّ اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهنّ. وبإبائهنّ الإباء الطبيعي الّذي هو عدم القابليّة والاستعداد. وبحمل الإنسان قابليّته واستعداده لها. وكونه ظلوما جهولا لـما غلب عليه من القوّة الغضبيّة والشهويّة. وعلى هذا يحسن أن يكون علّة للحمل عليه، فإنّ من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوّتين، حافظا لهما عن التعدّي ومجاوزة الحدّ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما.
وقيل: المراد بالأمانة أمانات الناس والوفاء بالعهود.
__________________
(١) العجف: الضعف والهزال.
واللام في قوله:( لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) للتعليل على طريق المجاز، لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أنّ التأديب في: ضربته للتأديب، نتيجة الضرب. وذكر التوبة في الوعد إشعارا بأنّ المؤمنين ـ مع كونهم مطيعين ـ لا يخلون عن فرطات صادرة عن مقتضى جبلّتهم.
( وَكانَ اللهُ غَفُوراً ) حيث تاب عن فرطاتهم( رَحِيماً ) حيث أثاب بالفوز على طاعاتهم.
(٣٤)
سورة سبأ
مكّيّة. وهي أربع وخمسون آية.
عن أبيّ بن كعب، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة سبأ، لم يبق نبيّ ولا رسول إلّا كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا».
وروي عن ابن أذينة، عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «من قرأ الحمدين جميعا: سبأ وفاطر، في ليلة، لم يزل ليلته في حفظ الله وكلاءته، فإن قرأهما في نهاره، لم يصبه في نهاره مكروه، وأعطي من خير الدنيا وخير الآخرة، ما لم يخطر على قلبه، ولم يبلغ مناه».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) )
واعلم أنّ الله سبحانه لـمّا ختم سورة الأحزاب ببيان الغرض في التكليف، وأنّه سبحانه يجزي المحسنين بإعطائهم مثوبة الآخرة، الّتي هي أجلّ النعم التي
توجب الحمد والشكر عليها، افتتح هذه السورة بالحمد له على نعمته وكمال قدرته، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) خلقا ونعمة. فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته، وعلى تمام نعمته( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ) لأنّ ما في الآخرة أيضا كذلك. وليس هذا من عطف المقيّد على المطلق، لأنّ وصف ذاته بعد الحمد الأوّل بما يدلّ على أنّه المحمود بالنعم الدنيويّة قيّد الحمد بها.
وقال في الكشّاف: «لمّا قال:( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) ثمّ وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيويّة، كان معناه: أنّه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول: احمد أخاك الّذي كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه. ولـمّا قال:( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ) علم أنّه المحمود على نعم الآخرة، وهو الثواب الدائمي»(١) .
وتقديم الصلة في الثاني للاختصاص، فإنّ النعم الدنيويّة قد تكون بواسطة من يستحقّ الحمد لأجلها، ولا كذلك نعم الآخرة.
واعلم أنّ الحمد في الدنيا واجب، لأنّه على نعمة متفضّل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة. والحمد في الآخرة ليس بواجب، لأنّه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقّها، فإنّما هو تتمّة سرور المؤمنين، وتكملة اغتباطهم، يلتذّون به كما يلتذّ من به العطش الشديد بالماء البارد.
( وَهُوَ الْحَكِيمُ ) الّذي أحكم أمور الدارين، ودبّرها بحكمته( الْخَبِيرُ ) ببواطن الأشياء.
ثمّ ذكر ممّا يحيط به علما بقوله:( يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ) ما يدخل فيها، كالغيث ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات( وَما يَخْرُجُ مِنْها )
__________________
(١) الكشاف ٣: ٥٦٦.
كالحيوان، والنبات، والفلزّات، وماء العيون( وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ) كالملائكة، والكتب، وأنواع البركات، والمقادير، والأمطار، والصواعق، والأرزاق.
كقوله:( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) (١) .( وَما يَعْرُجُ فِيها ) كالملائكة، وأعمال العباد، والأبخرة. وهو سبحانه يجري جميع ذلك على تقدير تقتضيه الحكمة، وتدبير توجبه المصلحة.
( وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها. أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفانية للحصر. أو الرحيم بعباده مع علمه بما يعملون من المعاصي، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويمهلهم للتوبة. الغفور: الساتر عليهم ذنوبهم في الدنيا، المتجاوز عنها في العقبى.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) )
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ) إنكار لمجيئها، أو استبطاء، استهزاء بالوعد به( قُلْ بَلى ) ردّ لكلامهم، وإثبات لـما نفوه( وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) تكرير
__________________
(١) الذاريات: ٢٢.
لإيجابه، مؤكّدا بالقسم.
ثمّ وصف المقسم به بصفات تقرّر إمكان مجيئها، وتنفي استبعاده، بقوله:( عالِمِ الْغَيْبِ ) وقرأ حمزة والكسائي: علّام الغيب، للمبالغة. ونافع وابن عامر ورويس: عالم الغيب بالرفع، على أنّه خبر محذوف، أو مبتدأ خبره( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) أي: لا يبعد عنه. من العزوب، وهو البعد.
يقال: روض عزيب: بعيد من الناس. وقرأ الكسائي: لا يعزب، بالكسر.( وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) جملة مؤكّدة لنفي العزوب. ورفعهما بالابتداء. ويؤيّده القراءة بالفتح على نفي الجنس.
ولا يجوز عطف المرفوع على «مثقال» والمفتوح على «ذرّة» بأنّه فتح في موضع الجرّ، لامتناع الصرف، لأنّ الاستثناء يمنعه. أللّهمّ إلا إذا جعل الضمير في «عنه» للغيب، وجعل المثبت في اللوح خارجا عنه، لظهوره على المطالعين له.
فيكون المعنى: لا ينفصل عن الغيب شيء إلّا مسطورا في اللوح.
وتنقيح المبحث: أنّ قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، فحين أقسم باسمه سبحانه على إثبات قيام الساعة، وأنّه كائن لا محالة، ثمّ وصف بأنّه عالم الغيب، وأنّه لا يفوت علمه شيء من الخفيّات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة، فلأجل هذه الفائدة اختار لذاته هذه الصفة، ولم يورد صفات اخرى مقامها.
وقوله:( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) علّة لقوله: «لتأتينّكم» وبيان لـما يقتضي إتيانها( أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) هنيء لا تنغيص فيه ولا تكدير، ولا تعب فيه، ولا منّ عليه.
ولـمّا لم يقتصر على اليمين، بل أتبعها الحجّة القاطعة، والبيّنة الساطعة، وهي قوله: «ليجزي» علّة لمجيء الساعة، فقد وضع الله في العقول، وركّب في الغرائز
وجوب الجزاء، وأنّ المحسن لا بدّ له من ثواب، والمسيء لا بدّ له من عقاب.
فلا يقال: الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه. فهب أنّه حلف لهم بأغلظ الأيمان، وأقسم عليهم جهد القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبا، كيف تكون مصحّحة لـما أنكروه؟
( وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا ) بالإبطال وتزهيد الناس عن قبولها( مُعاجِزِينَ ) مسابقين كي يفوتونا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: معجزين، أي: مثبّطين عن الإيمان من أراده( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ ) من سيّء العذاب( أَلِيمٌ ) مؤلم. ورفعه ابن كثير ويعقوب وحفص.
( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) )
ثمّ ذكر سبحانه المؤمنين، واعترافهم بما جحده من تقدّم ذكرهم من الكافرين، فقال :
( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ويعلم أولوا العلم بالنظر والاستدلال من أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن شايعهم من الأمّة، أو من مسلمي أهل الكتاب، مثل كعب الأحبار وعبد الله بن سلام. وقيل: هم كلّ من أوتي العلم بالدين. وهذا أولى، لعمومه.
( الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) يعني: القرآن. والموصول مع صلته المفعول الأوّل لـ «يرى». وقوله:( هُوَ الْحَقَ ) المفعول الثاني. والضمير للفصل. ومن قرأ بالرفع جعله مبتدأ، و «الحقّ» خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، و «يرى» مع مفعوله مرفوع مستأنف، للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات.
وقيل: «يرى» في موضع النصب، معطوف على «ليجزي» أي: ليعلم أولوا
العلم عند مجيء الساعة أنّه الحقّ عيانا، كما علموه حقّا برهانا.
( وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ ) القادر الّذي لا يغالب( الْحَمِيدِ ) المحمود على جميع أفعاله. وصراطه: التوحيد، والتدرّع بلباس التقوى.
وفي هذه الآية دلالة على فضيلة العلم، وشرف العلماء، وعظم أقدارهم.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) )
ثمّ عاد سبحانه إلى الحكاية عن الكفّار، فقال:( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال بعضهم لبعض، أو القادة للأتباع، استبعادا وتعجّبا( هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ ) يعنون محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإن كان مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعا عندهم، لكن هنا نكّروه قصدا منهم إلى الطنز والسخريّة، فأخرجوه مخرج التحلّي ببعض الحكايات الّتي يحاكى بها للضحك والتلهّي، متجاهلين به وبأمره.
( يُنَبِّئُكُمْ ) يحدّثكم بأعجب الأعاجيب( إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) أي: يمزّق أجسادكم البلى كلّ ممزّق( إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي: إنّكم تنشؤن خلقا جديدا، بعد أن تمزّق أجسادكم كلّ تمزيق ـ أي: تبدّدت أجزاؤكم كلّ تبديد ـ وتفرّق كلّ تفريق، بحيث تصير ترابا ورفاتا.
وتقديم الظرف للدلالة على البعد والمبالغة فيه. وعامله محذوف، دلّ عليه ما بعده، فإنّ ما قبله لم يقارنه، وما بعده مضاف إليه، أو محجوب بينه وبينه بـ «إنّ».
و «ممزّق» يحتمل أن يكون مكانا، بمعنى: إذا مزّقتم، وذهب بكم السيول كلّ مذهب، وطرحتكم الرياح كلّ مطرح.
و «جديد» عند البصريّين بمعنى فاعل، من: جدّ فهو جديد، كحديد من: حدّ، وقليل من: قلّ. وعند الكوفيّين بمعنى مفعول، من: جدّ النسّاج الثوب إذا قطعه.
( أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ) حيث زعم أنّا نبعث بعد الموت. وهو استفهام تعجّب وإنكار.( أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ) جنون يوهمه ذلك، ويلقيه على لسانه، ولا يعلم ما يقول.
وإسقاط همزة الوصل في «افترى» وإثباتها في نحو: آلسحر، خوف التباس الاستفهام بالخبر في الثاني، لكون همزته مفتوحة كهمزة الاستفهام، بخلاف الأوّل، فإنّ همزة الوصل فيه مكسورة، تقديره: أافترى.
واستدلال من جعل بين الصدق والكذب واسطة، بجعلهم إيّاه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه، على أنّ بين الصدق والكذب واسطة، وهو كلّ خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه. ضعيف بيّن الضعف، لأنّ الافتراء أخصّ من الكذب، لأنّه كذب عن عمد، ولا عمد للمجنون، فلا يكون الثاني قسيما للكذب مطلقا، بل لـما هو أخصّ منه، أعني: الافتراء. فيكون حصرا للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه، أعني: الكذب عن عمد، والكذب لا عن عمد.
ثمّ ردّ الله عليهم ترديدهم، وأثبت لهم ما هو أفظع من القسمين، وهو الضلال البعيد عن الصواب، بحيث لا يرجى الخلاص منه، وما هو مؤدّاه من العذاب، فقال :
( بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ) جعل العذاب
رسيلا(١) له في الوقوع، ومقدّما عليه في اللفظ، للمبالغة في استحقاقهم له.
و «البعيد» في الأصل صفة الضالّ. يقال: ضلّ فلان، إذا بعد عن الجادّة. ووصف الضلال به على الإسناد المجازي.
ثمّ ذكّرهم بما يعاينونه ممّا يدلّ على كمال قدرة الله، وما يحتمل فيه، إزاحة لاستحالتهم الإحياء، حتّى جعلوه افتراء وتهديدا عليها، فقال :
( أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) ا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض، ولم يتفكّروا أهم أشدّ خلقا أم هما؟( إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ) لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البيّنات، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة.
وقرأ حمزة والكسائي: يشأ، و «يخسف» و «يسقط» بالياء، لقوله:( أَفْتَرى عَلَى اللهِ ) . وحفص: كسفا بالتحريك.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) النظر إلى السماء والأرض، والتفكّر فيهما، وما يدلّان عليه من قدرة الله( لَآيَةً ) لدلالة( لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) وهو الراجع إلى ربّه المطيع له، فإنّ المنيب يكون كثير التأمّل في أمره، فهو الّذي ينظر ويتفكّر في آيات الله، على أنّه قادر على كلّ شيء، من البعث ومن عقاب من يكفر به، وإثابة من يؤمن به.
( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) )
__________________
(١) الرسيل: الموافق لك في النضال ونحوه.
ولـمّا تقدّم ذكر عباد الله المنيبين إليه، وصله سبحانه بذكر داود وسليمان، فإنّهما لإنابتهما إلى الله سبحانه فضّلهما على العالمين بالنبوّة والملك، وأعطاهما ما أعطاهما من الأمور الدينيّة والسياسة الدنيويّة، فقال :
( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً ) أي: على سائر الأنبياء بما ذكر بعد. أو على سائر الناس، فيندرج فيه النبوّة، والحكومة، والكتاب، والملك، والصوت الحسن، وفصل الخطاب، وغير ذلك من معجزاته.
( يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ ) رجّعي معه التسبيح. من: آب إذا رجع. وذلك بأنّ الله يخلق فيها تسبيحا، كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبّح، معجزة لداود.
وقيل: كان ينوح على ترك ندبه بترجيع وتحزين. وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها(١) .
وقيل: معناه: سيري معه حيث سار. وهو بدل من «فضلا» أو من «آتينا» بإضمار: قولنا، أو قلنا.
( وَالطَّيْرَ ) عطف على محلّ الجبال. ويؤيّده قراءة يعقوب بالرفع عطفا على لفظها، تشبيها للحركة البنائيّة العارضة بحركة الإعراب. أو على «فضلا» بمعنى: وسخّرنا له الطّير. ويجوز أن يكون مفعولا معه لـ «أوّبي». وكان أصل النظم: ولقد آتينا داود منّا فضلا، تأويب الجبال والطير. فبدّل بهذا النظم. وكم فرق بين النظمين، من الفخامة الّتي لا يخفى، من الدلالة على عزّة الربوبيّة وكبرياء الإلهيّة، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الّذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعارا بأنّه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلّا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته، بخلاف الأخير.
__________________
(١) الأصداء جمع الصدى، وهو ما يردّه الجبل أو غيره إلى المصوّت مثل صوته.
( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) جعلناه في يده كالشمع والعجين، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير إحماء وطرق بالآلة. وقيل: لان الحديد في يده لـما أوتي من شدّة القوّة.
( أَنِ اعْمَلْ ) أمرناه أن اعمل. و «أن» مفسّرة، أو مصدريّة.( سابِغاتٍ ) دروعا واسعات( وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) وعدّل في نسجها، بحيث يتناسب حلقها. ومن قال: إنّ معناه: قدّر مساميرها، فلا تجعلها دقاقا فتقلق(١) ، ولا غلاظا فتنخرق. لا يخلو كلامه من ضعف، لأنّ دروعه لم تكن مسمّرة. ويؤيّده قوله:( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) .
وهوعليهالسلام أوّل من اتّخذ الدروع، وكانت قبل صفائح.
وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف، فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء.
وقيل: كان يخرج من البيت وهو ملك بني إسرائيل متنكّرا، فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه. فقيّض الله له ملكا في صورة آدميّ، فسأله على عادته، فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه. فريع(٢) داود، فسأله؟
فقال: لولا أنّه يطعم ويطعم عياله من بيت المال. فحزن لذلك، فعلّمه الله صنعة الدروع.
وعن الصادقعليهالسلام : «أنّ الله تعالى أوحى إلى داود: نعم العبد أنت لولا أنّك تأكل من بيت المال! فبكى داود أربعين صباحا، فألان الله له الحديد. وكان يعمل كلّ يوم درعا، فيبيعها بألف درهم. فعمل ثلاثمائة وستّين درعا، فباعها بثلاثمائة وستّين ألفا، فاستغنى عن بيت المال».
( وَاعْمَلُوا صالِحاً ) الضمير لداود وأهله، أي: اعمل أنت وأهلك الأعمال الصالحة، شكرا لله على عظيم نعمه( إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فأجازيكم عليه.
__________________
(١) أي: تتحرّك وتضطرب.
(٢) أي: فزع. يقال: ريع فلان: فزع. من: راع يروع روعا.
( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤) )
ثمّ ذكر سبحانه ما آتى سليمان من الفضل والكرامة، فقال:( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ ) أي: وسخّرنا له الريح( غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ ) أي: جريها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشيّ كذلك. والمعنى: أنّها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين.
وعن الحسن: كان يغدو فيقيل بإصطخر، ثمّ يروح من إصطخر فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر، تحمله الريح مع جنوده.
( وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) النحاس المذاب. أساله له من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سمّاه عين القطر. وكان ذلك باليمن. وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيّام بلياليهنّ.
( وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ ) عطف على الريح. والجارّ والمجرور حال متقدّمة، أو جملة «من» مبتدأ وخبر( بَيْنَ يَدَيْهِ ) بحضرته وأمام عينه، ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الآدمي بين يدي الآدمي.( بِإِذْنِ رَبِّهِ ) بأمره. وعن ابن عبّاس: سخّرهم الله لسليمان، وأمرهم بطاعته فيما يأمر ويمنع. فكان يكلّفهم الأعمال
الشاقّة، مثل عمل الطين وغيره. وفي هذا دلالة على أنّه قد كان من الجنّ من هو غير مسخّر له.
( وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ ) ومن يعدل منهم( عَنْ أَمْرِنا ) عمّا أمرناه من طاعة سليمان( نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ) وعن السدّي: كان معه ملك بيده سوط من نار، كلّما استعصى عليه ضربه ضربة من حيث لا يراه الجنّي. وفيه دلالة على أنّهم كانوا مكلّفين.
( يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ ) قصورا حصينة، ومساكن شريفة.
سمّيت بها لأنّها يذبّ عنها، ويحارب ويحامى عليها. وعن قتادة: هي المساجد يتعبّد فيها.
وكان ممّا عملوه بيت المقدس، وقد كان الله عزّ اسمه سلّط على بني إسرائيل الطاعون، فهلك خلق كثير في يوم واحد. فأمرهم داود ليغتسلوا ويبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، ويتضرّعوا إلى الله تعالى لعلّه يرحمهم.
وذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد. وارتفع داود فوق الصخرة، فخرّ ساجدا يبتهل إلى الله تعالى، وسجدوا معه، فلم يرفعوا رؤوسهم حتّى كشف الله عنهم الطاعون.
فلمّا أن شفّع الله تعالى داود في بني إسرائيل، جمعهم داود بعد ثلاث وقال لهم: إنّ الله تعالى قد منّ عليكم ورحمكم، فجدّدوا له شكرا، بأن تتّخذوا من هذا الصعيد الّذي رحمكم فيه مسجدا. ففعلوا، وأخذوا في بناء بيت المقدس، وكان داود ينقل الحجارة لهم على عاتقه، وكذلك خيار بني إسرائيل، حتّى رفعوه قامة، ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة. فأوحى الله تعالى إلى داود: أنّ تمام بنائه يكون على يدي ابنه سليمان.
فلمّا صار داود ابن أربعين ومائة سنة توفّاه الله تعالى، واستخلف سليمان ،
فأحبّ إتمام بيت المقدس، فجمع الجنّ والشياطين، وقسّم عليهم الأعمال، يخصّ كلّ طائفة منهم بعمل. فأرسل الجنّ والشياطين في تحصيل الرخام والمها(١) الأبيض الصافي من معادنه. وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفّاح(٢) ، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل كلّ ربض منها سبطا من الأسباط.
ولـمّا فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فوجّه الشياطين فرقا، فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها، وفرقة يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب، وفرقة يأتونه بالدرّ من البحار. فأتي من ذلك بشيء لا يحصيه إلّا الله تعالى. ثمّ أحضر الصنّاع، وأمرهم بنحت تلك الأحجار حتّى صيّروها ألواحا، وبمعالجة تلك الجواهر واللآلئ.
وبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمده(٣) بأساطين المها الصافي، وسقّفه بألواح الجواهر، وفضّض(٤) سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت والجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج. فلم يكن في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.
قال سعيد بن المسيّب: لـمّا فرغ سليمان من بناء بيت المقدّس، تغلّقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلّا فتحت
__________________
(١) المها جمع المهاة: البلّورة.
(٢) الصفّاح: الحجارة العريضة الرقيقة. والربض: سور المدينة، وكلّ ما يؤوى ويستراح إليه من أهل وقريب ومال وبيت ونحو ذلك، أو ما حول المدينة من بيوت ومساكن.
(٣) عمد السقف: أقامه بعماد ودعمه.
(٤) فضّض الشيء: موّهه أو رصّعه بالفضّة.
الأبواب، ففتحت. ففرّغ له سليمان عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلّا ويعبد الله فيها.
( وَتَماثِيلَ ) وصور الملائكة والأنبياء، من نحاس وصفر وزجاج ورخام.
وعن ابن عبّاس: كانوا يعملون صور الأنبياء والعبّاد في المساجد، ليرى الناس فيقتدوا بهم، ويعبدوا نحو عبادتهم.
وقيل: كانت صور الحيوانات. وقيل: كانوا يعملون صور السباع والبهائم، ليكون أهيب له. ولم تكن يومئذ التصاوير محرّمة. وهي محظورة في شريعة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم . وقد بيّن الله سبحانه أنّ المسيح كان يصوّر بأمر الله من الطين كهيئة الطير.
وروي: أنّهم صوّروا أسدين في أسفل كرسيّه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظلّه النسران بأجنحتهما.
( وَجِفانٍ كَالْجَوابِ ) وصحاف كالحياض الكبار الّتي يجبى فيها الماء، أي: يجمع. جمع جابية، من الجباية. وهي من الصفات الغالبة، كالدابّة. وكان سليمان يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان، فإنّه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع(١) الناس لكثرتهم. وقيل: إنّه كان يقعد على كلّ جفنة ألف رجل يأكلون بين يديه.
( وَقُدُورٍ راسِياتٍ ) ثابتات على الأثافيّ(٢) لا يزلن عن أمكنتهنّ لعظمهنّ.
ثمّ نادى سبحانه آل داود، وأمرهم بالشكر على ما أنعم به عليهم من هذه النعمة العجيبة، لأنّ نعمته على سليمان نعمة عليهم، فقال :
( اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً ) نصب على العلّة، أي: اعملوا له واعبدوه، لأجل
__________________
(١) قصاع جمع قصعة، وهي الصحفة. والجفنة: القصعة الكبيرة.
(٢) الأثافيّ جمع الاثفيّة: الحجر توضع عليه القدر.
شكركم لله على ما آتاكم من النعم. أو على المصدر، لأنّ العمل له شكر، كأنّه قيل: اشكروا شكرا. أو الوصف له، أي: اعملوا عملا شكرا. أو الحال، بمعنى: شاكرين. أو المفعول به، أي: افعلوا شكرا.
( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) المتوفّر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه، في أكثر أوقاته. ومع ذلك لا يوفّي حقّه، لأنّ توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية. ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.
والفرق بين الشكور والشاكر: أنّ الشكور من تكرّر منه الشكر، والشاكر من وقع منه الشكر.
قيل: جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلّا وإنسان من آل داود قائم يصلّي.
وروي: أنّ عمر سمع رجلا يقول: أللّهمّ اجعلني من القليل. فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: إنّي سمعت الله تعالى يقول:( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل. فقال عمر: كلّ الناس أعلم من عمر.
( فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) أي: على سليمان( ما دَلَّهُمْ ) ما دلّ الجنّ.
وقيل: آله.( عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ ) أي: إلّا الأرضة. أضيفت إلى فعلها. يقال: أرضت الخشبة أرضا، إذا أكلتها الأرضة.( تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) عصاه. من: نسأت البعير إذا طردته، لأنّها تطرد بها.
( فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُ ) ظهرت الجنّ. من: تبيّن الشيء إذا ظهر وتجلّى.
و «أن» مع صلتها بدل من «الجنّ» بدل الاشتمال، كقولك: تبيّن زيد جهله. أو علمت الجنّ علما بيّنا بعد التباس الأمر عليهم.( أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ) كما يزعمون لعلموا موته. فلأجل ذلك( ما لَبِثُوا ) بعده حولا( فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ) الّذي هو عمل البناء، وحمل الصخر العظيم، وغير ذلك من الأعمال الشاقّة إلى أن خرّ.
وفيه تهكّم بالجنّ، كما تتهكّم بمدّعي الباطل إذا دحضت حجّته وظهر إبطاله، بقولك: هل تبيّنت أنّك مبطل، وأنت تعلم أنّه لم يزل كذلك متبيّنا؟
روي: أنّ داود أسّس بيت المقدس في موضع فسطاط موسىعليهالسلام ، فمات داودعليهالسلام قبل تمامه كما مرّ، فوصّى به إلى سليمان، فاستعمل الجنّ فيه، فلم يتمّ بعد إذ دنا أجله.
وروي: أنّه كان من عادة سليمانعليهالسلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس سنة وسنتين، وشهرا وشهرين، وأقلّ وأكثر، يدخل فيه طعامه وشرابه. فلمّا دنا أجله لم يصبح إلّا راى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى، فيسألها لأيّ شيء أنت؟ فتخبر عن اسمها ونفعها وضرّها. حتّى أصبح ذات يوم، فرأى الخرّوبة(١) فسألها. فقالت: نبتّ لخراب هذا المسجد. فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ. أنت الّتي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط.
وقال: أللّهمّ عمّ(٢) على الجنّ موتي، ليتمّوا بناء بيت المقدس، وليعلم الناس أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب، لأنّهم كانوا يسترقون السمع، ويموّهون على الإنس أنّهم يعلمون الغيب.
وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني.
فقال: أمرت بك، وقد بقيت من عمرك ساعة.
فدعا الشياطين، فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلّي متّكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متّكئ عليها. وكان الجنّ يحسبونه حيّا، لـما كانوا
__________________
(١) الخرّوبة والخرنوبة: شجر مثمر من فصيلة القرنيّات، دائم الورق، منابته منطقة شرقيّ المتوسّط، ثماره تستعمل لعلف الحيوان، ويستخرج منه نوع من الدبس.
(٢) فعل أمر من: عمّى المعنى، أي: أخفاه.
يشاهدونه من طول قيامه قبل ذلك، فيعملون البناء خشية منه، حتّى يتمّ بيت المقدس.
وروي: أنّ الشياطين كانوا يجتمعون حول محرابه أينما صلّى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلّا احترق. فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، ثمّ رجع فلم يسمع صوته، فنظر فإذا سليمان قد خرّ ميّتا. ففتحوا عنه، فإذا العصا قد أكلتها الأرضة. ثمّ أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوما وليلة مقدارا، فحسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة.
وذكر أهل التاريخ: أنّ عمره كان ثلاثا وخمسين سنة. وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. ولم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتّى غزا بختنصّر بني إسرائيل، فخرّب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضّة والدرّ واليواقيت وسائر الجواهر، فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق.
وقال في المجمع: «إنّ في إماتته قائما وبقائه كذلك أغراضا، منها: إتمام البناء. ومنها: أن يعلم الإنس أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب، وأنّهم في ادّعاء ذلك كاذبون. ومنها: أن يعلم أنّ من حضر أجله فلا يتأخّر، إذ لم يؤخّر سليمان مع جلالته»(١) .
وروي: أنّه أطلعه الله على حضور وفاته، فاغتسل وتحنّط وتكفّن، والجنّ في عملهم.
وروى أبو بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إنّ سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبّة من قوارير، فبينا هو قائم متّكئ على عصاه في القبّة، ينظر إلى الجنّ كيف
__________________
(١) مجمع البيان ٨: ٣٨٣ ـ ٣٨٤.
يعملون، وهم ينظرون إليه ولا يصلون إليه، إذا رجل معه في القبّة، فقال: من أنت؟ قال: أنا الّذي لا أقبل الرشا، ولا أهاب الملوك! فقبضه وهو قائم متّكئ على عصاه في القبّة. فمكثوا سنة يعملون له، حتّى بعث الله الأرضة، فأكلت منسأته».
وفي حديث آخر عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «فكان آصف يدبّر أمره حتّى دبّت الأرضة».
والوجه في عمل الجنّ تلك الأعمال العظيمة، هو أنّ الله تعالى زاد في أجسامهم وقوّتهم، وغيّر خلقهم عن خلق الجنّ الّذي لا يرون، للطافتهم ورقّة أجسامهم، على سبيل الإعجاز الدالّ على نبوّة سليمان. فكانوا بمنزلة الأسراء في يده. وكان يتهيّأ لهم الأعمال الّتي كان يكلّفها إيّاهم. ثمّ لـمّا ماتعليهالسلام جعل الله خلقهم على ما كانوا عليه، فلا يتهيّأ لهم في هذا الزمان شيء من ذلك.
( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ
صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) )
ثمّ أخبر سبحانه عن قصّة سبأ بما دلّ على حسن عاقبة الشكور، وسوء عاقبة الكفور، فقال :
( لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ) لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو، لأنّه صار اسم القبيلة. وعن ابن كثير: قلب همزته ألفا.
وهو أبو عرب اليمن كلّها. وقد يسمّى به القبيلة.
وفي الحديث عن فروة بن مسيك أنّه قال: سألت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن سبأ أرجل أم امرأة؟ فقال: «هو رجل من العرب، ولد عشرة، تيامن(١) منهم ستّة، وتشاءم منهم أربعة. فأمّا الّذين تيامنوا: فالأزد، وكندة، ومذحج، والأشعرون، وأنمار، وحمير. فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الّذين منهم خثعم وبجيلة.
وأمّا الّذين تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم، وغسّان».
فالمعنى: لقد كان لقبيلة سبأ( فِي مَسْكَنِهِمْ ) في مواضع سكناهم. وهي باليمن، يقال لها: مأرب، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. وقرأ حمزة وحفص بالإفراد والفتح(٢) . والكسائي بالكسر، حملا على ما شذّ من القياس، كالمطلع
__________________
(١) تيامن: ذهب ذات اليمين، أو أخذ ناحية اليمين، أو أتى اليمن. وتشاءم وتشأّم: أخذ نحو شماله، أو أتى الشام.
(٢) أي: فتح الكاف من: مسكنهم.
والمسجد.( آيَةٌ ) علامة دالّة على وجود الصانع، وأنّه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة، مجاز للمحسن والمسيء، معاضدة للبرهان السابق، كما في قصّتي داود وسليمان.
( جَنَّتانِ ) بدل من «آية». أو خبر محذوف. تقديره: الآية جنّتان، أي: العلامة الدالّة على الله وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره جنّتان. أو المراد أنّه سبحانه جعل أهلهما لـمّا أعرضوا عن شكره سبحانه عليهما، فأبدلهما بالخمط(١) والأثل آية وعبرة لهم ليعتبروا، فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط(٢) النعم. والمراد بـ «جنّتان» جماعتان من البساتين.
( عَنْ يَمِينٍ ) جماعة عن يمين بلدهم( وَشِمالٍ ) وجماعة عن شماله. كلّ واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامّها، كأنّها جنّة واحدة. أو بستانا كلّ رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله. كما قال:( جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ ) (٣) .
( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ) قيل: هذا حكاية لـما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم. أو لـما قال لهم لسان الحال، أو هم كانوا أحقّاء بأن يقال لهم ذلك.
ثمّ دلّ على موجب الشكر بجملة مستأنفة، هي «بلدة طيّبة»، أي: هذه البلدة الّتي فيها رزقكم( بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) وربّكم الّذي رزقكم، وطلب شكركم، ربّ غفور فرطات من يشكره.
وعن ابن عبّاس: كانت أخصب البلاد وأطيبها، ليست سبخة، ولم يكن لها
__________________
(١) الخمط: كلّ شجر ذي شوك، أو شجر الأراك، أو كلّ نبت أخذ طعما من مرارة. والأثل: شجر من فصيلة الطرفائيّات، يكثر قرب المياه في الأراضي الرمليّة.
(٢) أي: لم يشكرها.
(٣) الكهف: ٣٢.
عاهة ولا هامّة، من البعوض والذباب والبراغيث والعقارب والحيّات.
وعن ابن زيد: كان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمّل ودوابّ ماتت. وكانت تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل، فتعمل بيديها، وتسير بين تلك الشجر، ويمتلئ المكتل بما يتساقط فيه من الثمر، من غير أن تمسّ بيدها شيئا.
وقيل: إنّما كانت ثلاث عشرة قرية، في كلّ قرية نبيّ يدعوهم إلى الله سبحانه، يقول لهم:( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ ) الآية.
( فَأَعْرَضُوا ) عن الحقّ، ولم يشكروا الله سبحانه، ولم يقبلوا ممّن دعاهم إلى الله من الأنبياء( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) سيل الأمر العرم، أي: الصعب. من: عرم الرجل فهو عارم وعرم، إذا شرس(١) خلقه وصعب. أو المطر الشديد. أو الجرذ(٢) الّذي نقب عليهم السكر. فأضاف إليه السيل من قبيل إضافة الشيء إلى سببه.
روي: أنّ بلقيس ضربت لهم بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فمنعت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقا على مقدار ما يحتاجون إليه من سقيهم. فلمّا طغوا وكذّبوا رسلهم، سلّط الله على سدّهم الجرذ، فنقبه من أسفله فغرّقهم. أو المسنّاة الّتي عقدت سكرا، على أنّه جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة(٣) .
وقيل: اسم واد جاء السيل من قبله، وكان ذلك بين عيسى ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ ) اللّتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات والبركات( جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ) صاحبتي ثمر مرّ بشع، فإنّ الخمط كلّ نبت أخذ طعما من مرارة، حتّى لا يمكن أكله. وقيل: الأراك، أو كلّ شجرة ذات شوك. وعلى
__________________
(١) أي: ساء خلقه.
(٢) الجرذ: نوع من الفار. والسكر: ما سدّ به النهر.
(٣) أي: المتراكمة بعضها فوق بعض.
التقادير ؛ المضاف مقدّر، تقديره: أكل أكل خمط، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، في كونه بدلا أو عطف بيان.
وقرأ أبو عمرو: أكل خمط، مضافا غير منوّن. وقرأ الحرميّان بتخفيف أكل.
( وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) معطوفا على «أكل» لا على «خمط» فإنّ الأثل شجر يشبه الطرفاء، أعظم منه، وأجود عودا. وقيل: الطرفاء نفسه، ولا ثمر له. ووصف السدر بالقلّة، لأنّ جناه هو النبق ممّا يطيب أكله، ولذلك يغرس في البساتين. وتسمية البدل جنّتين للمشاكلة والتهكّم.
( ذلِكَ ) أي: ما فعلنا بهم( جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا ) بكفرانهم النعمة، أو بكفرهم بالرسل، إذ بعث إليهم ثلاثة عشر نبيّا فكذّبوهم. وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص.( وَهَلْ نُجازِي ) بمثل ما فعلنا بهم( إِلَّا الْكَفُورَ ) أي: مثل هذا الجزاء لا يستحقّه إلّا البليغ في الكفران أو الكفر. وهو العقاب العاجل.
وقيل: إنّ معناه: هل نجازي بجميع سيّئاته إلّا الكافر، لأنّه يحبط عمله، فيجازى بجميع ما يفعله من السوء.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص: نجازي بالنون، و «الكفور» بالنصب.
( وَجَعَلْنا ) أي: وقد كان من قصصهم أنّا جعلنا( بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها ) بالتوسعة على أهلها. وهي قرى الشام، فإنّ متجرهم من أرض اليمن إلى الشام( قُرىً ظاهِرَةً ) متواصلة يظهر بعضها من بعض، لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين. أو راكبة متن الطريق، ظاهرة لأبناء السبيل، لم تبعد عن مسالكهم حتّى تخفى عليهم.
( وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ ) بحيث يقيل الغادي في قرية، ويبيت الرائح في قرية، إلى أن يبلغ الشام( سِيرُوا فِيها ) على إرادة القول بلسان المقال أو الحال كما مرّ
( لَيالِيَ وَأَيَّاماً ) متى شئتم من ليل أو نهار( آمِنِينَ ) لا يختلف إلّا من فيها باختلاف الأوقات. أو سيروا فيها آمنين، وإن طالت مدّة سفركم فيها، وامتدّت أيّاما وليالي. أو سيروا ليالي أعماركم وأيّامها، لا تلقون فيها إلّا الأمن. وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمهعليهمالسلام في السفر، كما أنّه كذلك في الحضر.
ثمّ أخبر سبحانه أنّهم بطروا وأشروا النعمة وبغوا، وما عرفوا قدر العافية، كبني إسرائيل سألوا البصل والثوم، فقال :
( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ) سألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز وفلوات، ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزوّد الأزواد، فعجّل الله لهم الإجابة بتخريب القرى المتوسّطة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بعّد. ويعقوب «ربّنا» بالرفع، و «باعد» بلفظ الخبر، على أنّه شكوى منهم لبعد سفرهم، إفراطا في الترفّه، وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه.
( وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) حيث بطروا النعمة، ولم يعتدوا بها( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ ) يتحدّث الناس بهم تعجّبا.
وسبب التفريق على رواية الكلبي، عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر أنّ سدّ مأرب سيخرب، وأنّه سيأتي سيل العرم، فيخرب الجنّتين. وعرفت ذلك في كهانتها. فباع عمرو أمواله، وسار هو وقومه حتّى انتهوا إلى مكّة، فأقاموا بها وما حولها، فأصابتهم الحمّى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمّى. فدعوا طريفة، فشكوا إليها الّذي أصابهم.
فقالت لهم: قد أصابني الّذي تشكون، وهو مفرّق بيننا.
قالوا: فما ذا تأمرين؟
قالت: من كان منكم ذا همّ بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر
عمان المشيد. وكانت الأزد.
ثمّ قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر، وصبر على أزمات الدهر، فعليه بالأراك من بطن مرّ. وكانت خزاعة.
ثمّ قالت: من كان منكم يريد الراسيات(١) في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. وكانت الأوس والخزرج.
ثمّ قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، وملابس التاج والحرير، فليلحق ببصرى وغوير. وهما من أرض الشام. وكان الّذي سكنوها آل جفنة بن غسّان.
ثمّ قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق. وكان الّذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة وآل محرّق.
( وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) وفرّقناهم غاية التفريق، حتّى لحق غسّان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان.
( إِنَّ فِي ذلِكَ ) فيما ذكر( لَآياتٍ ) وعبر( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) عن المعاصي( شَكُورٍ ) على النعم.
( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ) أي: صدق في ظنّه. أو صدق يظنّ ظنّه، مثل: فعلته جهدك. ويجوز أن يعدّى الفعل إليه بنفسه، كما في: صدق وعده، لأنّه نوع من القول. وشدّد الكوفيّون، بمعنى: حقّق ظنّه، أو وجده صادقا.
وذلك إمّا ظنّه بأهل سبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات. أو ببني آدم حين وجد آدم ضعيف العزم، وقد أصغى إلى وسوسته، فقال: إنّ ذرّيّته أضعف عزما منه، فظنّ بهم اتّباعه فقال: لأضلّنّهم ولأغوينّهم. وقيل: ظنّ ذلك عند إخبار الله
__________________
(١) أي: النخل، من: رسا رسوّا: ثبت ورسخ. والمحل: الشدّة والجدب والجوع الشديد.
الملائكة أنّه يجعل فيها من يفسد فيها.
( فَاتَّبَعُوهُ ) الضمير إمّا لأهل سبأ، أو لبني آدم( إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) إلّا فريقا هم المؤمنون لم يتّبعوه. وتقليلهم بالإضافة إلى الكفّار، كما قال:( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ) (١) .( وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) (٢) . أو إلّا فريقا من فرق المؤمنين لم يتّبعوه في العصيان. وهم المخلصون.
( وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ ) على المتّبعين( مِنْ سُلْطانٍ ) تسلّط واستيلاء بوسوسته واستغوائه، لا بإجباره إيّاهم على الغيّ والضلال، لقوله تعالى:( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) (٣) .
( إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ ) إلّا ليتعلّق علمنا بذلك تعلّقا يترتّب عليه الجزاء. أو ليتميّز المؤمن من الشاكّ، فنعذّب من تابعه، ونثيب من خالفه. فعبّر عن التمييز بين الفريقين بالعلم. وهذا التمييز متجدّد، لأنّه لا يكون إلّا بعد وقوع ما يستحقّون به ذلك، وأمّا العلم فبخلاف ذلك، لأنّه سبحانه كان عالما بأحوالهم، وبما يكون منهم فيما لم يزل. فعلّل التسلّط بالعلم، والمراد ما تعلّق به العلم.
( وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) محافظ عليه، لا يفوته شيء من أحوالهم. وفعيل ومفاعل متآخيان.
( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ
__________________
(١) الإسراء: ٦٢.
(٢) الأعراف: ١٧.
(٣) إبراهيم: ٢٢.
(٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) )
( قُلِ ) للمشركين توبيخا وتهكّما واستخفافا( ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي: زعمتموهم آلهة. وهما مفعولا «زعم». حذف الأوّل لطول الموصول بصلته. والثاني لقيام صفته مقامه. ولا يجوز أن يكون هو مفعوله الثاني، لأنّه لا يلتئم مع الضمير كلاما. ولا «لا يملكون» لأنّهم لا يزعمونه، وكيف يتكلّمون بما هو حجّة عليهم؟! والمعنى: ادعوهم فيما يهمّكم من جلب نفع أو دفع ضرّ، ليستجيبوا لكم في ذلك، إن صحّ دعواكم. ولـمّا دعوتموهم فلم يستجيبوا لكم، فكيف يصحّ أن يدعى كما يدعى الله، ويرجى كما يرجى.
ثمّ أجاب عنهم إشعارا بتعيّن الجواب، وأنّه لا يقبل المكابرة، فقال :
( لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) زنة ذرّة من خير أو شرّ( فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ) أي: في أمرهما. وذكرهما للعموم العرفي. أو لأنّ آلهتهم بعضها سماويّة كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضيّة كالأصنام. أو لأنّ الأسباب القريبة للشرّ
والخير سماويّة أو أرضيّة. والجملة استئناف لبيان حالهم.
( وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ ) من شركة، لا خلقا ولا ملكا( وَما لَهُ ) ليس لله سبحانه( مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) معاون على خلق السماوات والأرض وتدبيرهما، ولا على شيء من الأشياء السماويّة والأرضيّة.
( وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ ) فلا تنفعهم الشفاعة أيضا كما يزعمون، إذ لا تنفع الشفاعة عند الله( إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) أي: أذن له أن يشفع. واللام كاللام في قولك: الكرم لزيد، على معنى أنّه الشافع، وأنّه الكريم. أو أذن أنّه المشفوع له، لعلوّ شأنه عنده. كأنّه قيل: إلّا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله. فاللام كاللام في: جئتك لزيد، أي: لأجل زيد. وهذا تكذيب لقولهم:( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ ) (١) . وقولهم:( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) (٢) .
وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي على البناء للمفعول(٣) .
وقوله:( حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ) غاية لـما يفهم من هذا الكلام، من أنّ ثمّ توقّفا وانتظارا للإذن، أي: يتربّصون الشفاعة فزعين، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟ حتّى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإذن.
وقرأ ابن عامر ويعقوب: فزع، على البناء للفاعل، وهو الله تعالى.
( قالُوا ) قال بعضهم لبعض( ما ذا قالَ رَبُّكُمْ ) في الشفاعة( قالُوا الْحَقَ ) قالوا: قال القول الحقّ وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. وهم المؤمنون.( وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ذو العلوّ والكبرياء، ليس لملك ولا نبيّ أن يتكلّم ذلك اليوم إلّا بإذنه. ثمّ قال تقريرا لقوله: «لا يملكون»:( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ
__________________
(١) يونس: ١٨.
(٢) الزمر: ٣.
(٣) أي: أذن.
وَالْأَرْضِ ) .
ثمّ أمره بأن يتولّى الاجابة والإقرار عنهم، فقال:( قُلِ اللهُ ) أي: قل في الجواب: يرزقكم الله، إذ لا جواب سواه.
وفيه إشعار بأنّهم إن سكتوا عنادا، أو تلعثموا(١) في الجواب مخافة الإلزام، فهم مقرّون به بقلوبهم. يعني: أنّهم مع علمهم بصحّة ذلك قد أبوا أن يتكلّموا به، لأنّ الّذي تمكّن في صدورهم من العناد وحبّ الشرك، قد ألجم أفواهم عن النطق بالحقّ. ولأنّهم إن تفوّهوا بأنّ الله رازقهم، لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم، وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟! فكأنّهم كانوا يقرّون بألسنتهم مرّة، ومرّة كانوا يتلعثمون عنادا، وحذرا من إلزام الحجّة.
( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ ) وإنّ أحد الفريقين، من الموحّدين المتوحّد بالرزق والقدرة الذاتيّة بالعباد، والمشركين به الجماد النازل في أدنى المراتب الإمكانيّة( لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) لعلى أحد الأمرين، من الهدى والضلال الواضح. وهو بعد ما تقدّم من التقرير البليغ الدالّ على من هو على الهدى، ومن هو في الضلال، أبلغ من التصريح، لأنّ هذا في صورة كلام المنصف المسكت للخصم المشاغب. ونحوه قول الرجل لصاحبه: قد علم الله الصادق منّي ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ومنه بيت حسّان(٢) :
أتهجوه ولست له بكفء |
فشرّكما لخيركما الفداء |
وقيل: إنّه على اللفّ والنشر. وفيه نظر.
واختلاف الحرفين، لأنّ صاحب الحقّ كأنّه مستعل على فرس جواد يركضه حيث يشاء، أو صاعد على منار ينظر الأشياء ويتطّلع عليها. والضالّ كأنّه منغمس
__________________
(١) تلعثم في الجواب: توقّف فيه وتأنّى.
(٢) ديوان حسّان (طبعة دار صادر): ٩.
في ظلام مرتبك(١) فيه، لا يدري أين يتوجّه، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصّى(٢) منها.
( قُلْ ) يا محمّد إذا لم ينقادوا للحجّة( لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) بل كلّ إنسان يسأل عمّا يفعله، ويجازى على فعله، دون فعل غيره. وهذا أدخل في الإنصاف، وأبلغ في الإخبات(٣) من الأوّل، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، والعمل إلى المخاطبين. وفيه دلالة على أنّ أحدا لا يجوز أن يؤخذ بذنب غيره.
ثمّ أمر سبحانه أن يحاكمهم إلى الله، لإعراضهم عن الحجّة، فقال :
( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ) يوم القيامة( ثُمَّ يَفْتَحُ ) يحكم ويفصل( بَيْنَنا بِالْحَقِ ) بأن يدخل المحقّين الجنّة، والمبطلين النار( وَهُوَ الْفَتَّاحُ ) الحاكم الفصل في القضايا المغلقة( الْعَلِيمُ ) بما ينبغي أن يقضي به.
ثمّ استفسر عن شبهتهم، بعد إلزام الحجّة عليهم، زيادة في تبكيتهم، فقال :
( قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ ) لأرى بأيّ صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة. أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم، ليطلعهم على إحالة القياس إليه، والإشراك به.
( كَلَّا ) ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة، كما قال إبراهيم:( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) (٤) ، بعد ما حجّهم.
__________________
(١) ارتبك في الأمر: وقع فيه، ولم يكد يتخلّص منه.
(٢) أي: يتخلّص.
(٣) أي: في التخشّع والاطمينان.
(٤) الأنبياء: ٦٧.
ثمّ نبّه على تفاحش غلطهم، وإن لم يقدّروا الله حقّ قدره، بقوله:( بَلْ هُوَ ) بل الله، أو الشأن( اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) الموصوف بالغلبة، وكمال القدرة والحكمة.
وهؤلاء الملحقون به متّسمون بالذلّة، متأبيّة عن قبول العلم والقدرة رأسا. فأين الّذين ألحقتم به شركاء من تلك الصفات الجليلة والسمات العليّة؟
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) )
ثمّ بيّن سبحانه بنوّة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم على وجه العموم بقوله:( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) إلّا إرسالة عامّة لهم كلّهم، العرب والعجم، وسائر الأمم، محيطة بهم إلى يوم القيامة. من الكفّ، فإنّها إذا عمّتهم وشملتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد منهم.
ويؤيّده الحديث المرويّ عن ابن عبّاس، عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أعطيت خمسا، ولا أقول فخرا: بعثت إلى الأحمر والأسود. وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا.
وأحلّ لي المغنم، ولم يحلّ لأحد قبلي. ونصرت بالرعب، فهو يسير أمامي مسيرة شهر. وأعطيت الشفاعة، فادّخرتها لأمّتي يوم القيامة».
أو إلّا جامعا لهم في الإبلاغ. فجعله حالا من الكاف. والتاء للمبالغة، كالراوية والعلّامة. ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار، لأنّ تقدّم حال المجرور عليه في الإحالة، بمنزلة تقدّم المجرور على الجارّ.
وعن ابن مسلم أنّ معناه: مانعا لهم عمّاهم عليه من الكفر والمعاصي، بالأمر والنهي، والوعد والوعيد.
( بَشِيراً ) للمطيعين بالجنّة( وَنَذِيراً ) للعاصين بالنّار( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) رسالتك العامّة، لإعراضهم عن النظر في معجزتك، لفرط عنادهم ولجاجهم، فيحملهم جهلهم على مخالفتك.
( وَيَقُولُونَ ) من فرط جهلهم وعنادهم( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) يعنون المبشّر به والمنذر عنه. أو الموعود بقوله:( يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ) .( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) يخاطبون به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمؤمنين.
( قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ ) وعد يوم، أو زمان وعد. وإضافته إلى اليوم للتبيين، كما تقول: سحق(١) ثوب، وبعير سانية.( لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ) أي: ليوم يفاجئكم، فلا تستطيعون تأخّرا عنه ولا تقدّما عليه. وهو جواب تهديد جاء مطابقا لـما قصدوه بسؤالهم، من التعنّت والإنكار، لا الاسترشاد.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا
__________________
(١) السحق: الثوب البالي. والسانية: الناقة يستقى عليها من البئر.
الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) )
ثمّ بيّن سبحانه حالهم في القيامة، فقال حكاية عنهم :
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) ولا بما تقدّمه من الكتب الدالّة على النعت. وقيل: «الّذي بين يديه» يوم القيامة.
روي: أنّ كفّار مكّة سألوا أهل الكتاب عن الرسول، فأخبروهم أنّهم يجدون نعته في كتبهم. فأغضبهم ذلك، وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدّمه من كتب الله في الكفر. فبهذه الآية أخبر الله عن ذلك.
والمعنى: أنّهم جحدوا أن يكون القرآن من الله، أو أن تكون لـما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة.
ثمّ أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة، فقال لرسوله أو لمن شأنه التخاطب :
( وَلَوْ تَرى ) في الآخرة( إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ ) محبوسون( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي: في موضع المحاسبة( يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) يتحاورون ويتراجعون القول، لرأيت العجيب. فحذف الجواب.
ثمّ فصّل محاورتهم بقوله:( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) يقول الأتباع( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) للرؤساء( لَوْ لا أَنْتُمْ ) لولا إضلالكم وصدّكم إيّانا عن الإيمان( لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) باتّباع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ) أنكروا أنّهم كانوا صادّين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنّهم هم الّذين صدّوا بأنفسهم عنه، حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد عليه من
قبل اختيارهم. ولهذا بنوا الإنكار على الاسم، أعني: «نحن». كأنّهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكّنين مختارين، بعد أن هممتم على الدخول في الإيمان، وصحّت نيّاتكم في اختياره؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظّها، وآثرتم الضلال على الهدى، وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهى، فكنتم مجرمين كافرين لاختياركم، لا لقولنا وتسويلنا.
واعلم أنّ قوله:( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) إلى هنا، لـمّا كان جيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، فجيء بكلام آخر للمستضعفين، وعطف على كلامهم الأوّل، فقال :
( وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) إضراب عن إضرابهم. وإضافة المكر إلى الظرف على الاتّساع. والمعنى: ما كان الإجرام الصادّ عن الإيمان من جهتنا، بل من جهة مكركم ليلا ونهارا، حتّى غلبتم على رأينا.
( إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً ) دعوتموننا دائما إلى أن نجعل له شركاء في العبادة، ونجحد وحدانيّته.
( وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ) أي: أضمر الفريقان الندامة على الضلال والإضلال، وأخفاها كلّ عن صاحبه مخافة التعيير. أو أظهروها، فإنّه من الأضداد، إذ الهمزة تصلح للإثبات والسلب.
( وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: في أعناقهم. فجاء بالظاهر تنويها بذمّهم، وإشعارا بموجب أغلالهم. وعن ابن عبّاس: غلوّا بها في النيران.( هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: لا يفعل بهم ما يفعل إلّا جزاء على أعمالهم. وتعدية «يجزى» إمّا لتضمين معنى: يقضى، أو بنزع الخافض.
( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) )
ثمّ سلّى نبيّه ممّا مني(١) به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة بالدنيا وزخارفها، والتكبّر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، فقال :
( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ) من نبيّ مخوّف بالله( إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ) جبابرتها المتنعّمون بزخارف الدنيا، والانهماك في الشهوات، استهانة بمن لم يحظ منها.
__________________
(١) أي: ابتلي به.
ولأجل توغّلهم في لذائذ النعمة، والانهماك في الشهوات النفسانيّة، ضمّوا التهكّم والتفاخر إلى التكذيب، فقالوا:( إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) .
ثمّ صرّح بهذا المعنى، فقال:( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً ) فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) لأنّه أكرمنا بذلك، فلا يهيننا بالعذاب.
فقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنّهم لو لم يكرموا على الله تعالى لـما رزقهم، ولو لا أن المؤمنين هانوا عليه لـما حرمهم.
فأبطل الله حسبانهم، بأنّ الرزق فضل من الله، يقسّمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح والحكم، فقال :
( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) ويضيّق لمن يشاء، فربما وسّع على العاصي وضيّق على المطيع، وربما عكس، وربما وسّع عليهما وضيّق عليهما، فلا يقاس عليه أمر الثواب الّذي مبناه على الاستحقاق.
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) فيظنّون أنّ كثرة الأموال والأولاد لشرفهم وكرامتهم عند الله، وكثيرا ما يكون للاستدراج، كما قال:( وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ) قربة، فإنّه اسم للمصدر. وذكر «الّتي» دون «اللائي» إمّا لأنّ المراد: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم. أو لأنّها صفة محذوف، كالخصلة.
( إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) استثناء من مفعول «تقرّبكم» أي: الأموال والأولاد لا تقرّب أحدا إلّا المؤمن الصالح الّذي ينفق ماله في سبيل الله، ويفقّه ولده في الدين، ويعلّمه الخير.
( فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ ) هذه الإضافة إضافة المصدر إلى المفعول. وأصله: لهم أن يجاوزا الضعف إلى عشر فما فوقه، فإنّ الضعف اسم جنس يدلّ على القليل والكثير.
وعن يعقوب: جزاء، بالنصب على التمييز، أو المصدر لفعله الّذي دلّ عليه «لهم». و «الضّعف» بالرفع على أنّه خبر.
( بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ ) غرفات الجنّة. وهي البيوت فوق الأبنية.( آمِنُونَ ) من المكاره.
( وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ ) يجتهدون( فِي آياتِنا ) بالردّ والطعن فيها( مُعاجِزِينَ ) مسابقين لأنبيائنا، أو ظانّين أنّهم يفوتوننا( أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ) .
( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ) يوسّع عليه تارة، ويضيّق عليه اخرى. فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين، فلا تكرير.
( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) وما أخرجتم من أموالكم في وجوه البرّ( فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) عوضا، إمّا عاجلا بالمال، أو آجلا بالثواب الّذي هو أفضل كلّ خلف( وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) فإنّ غيره وسط في إيصال رزقه، لا حقيقة لرازقيّته.
روى أبو هريرة عن النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ينادي مناد كلّ ليلة: لدوا للموت.
وينادي مناد: ابنوا للخراب. وينادي مناد: أللّهمّ هب للمنفق خلفا. وينادي مناد: أللّهمّ هب للممسك تلفا. وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا. وينادي مناد: ليتهم إذ خلقوا فكّروا فيما له خلقوا».
وعن جابر، عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا، إلّا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية».
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ
بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) )
( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ) المستكبرين والمستضعفين( ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ) تقريعا للمشركين، وتبكيتا لهم، وإقناطا لهم عمّا يتوقّعون من شفاعتهم، فإنّ ظاهر الكلام خطاب للملائكة، والمراد به تقريع الكفّار، وارد على المثل السائر: إيّاك أعني واسمعي يا جارة. ونحوه قوله تعالى:( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) (١) . وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزّهين، برآء ممّا وجّه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير. والغرض منه أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا، ليكون تقريعهم أشدّ، وتعييرهم أبلغ، وخجلهم أعظم، وهوانهم ألزم. ويكون اقتصاص ذلك لطفا لمن سمعه، وزاجرا لمن اقتصّ عليه.
وتخصيص الملائكة، لأنّهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم.
ولأنّ عبادتهم مبدأ الشرك وأصله. وقرأ حفص بالياء فيهما(٢) .
( قالُوا سُبْحانَكَ ) تنزيها لك عن أن يعبد سواك، ويتّخذ معك معبود غيرك( أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ ) أنت الّذي نواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. فبيّنوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفّار، براءتهم من الرضا بعبادتهم.
ثمّ أضربوا عن ذلك، ونفوا أنّهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم:( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ ) أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، وصوّرت لهم
__________________
(١) المائدة: ١١٦.
(٢) أي: يحشرهم يقول.
الشياطين صور قوم من الجنّ، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. وقيل: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت، فيعبدون بعبادتها.
( أَكْثَرُهُمْ ) أكثر الناس، أو أكثر المشركين. والأكثر بمعنى الكلّ.( بِهِمْ ) بالجنّ( مُؤْمِنُونَ ) .
ثمّ يقول سبحانه:( فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ) يعني: العابدين والمعبودين( نَفْعاً ) بالشفاعة( وَلا ضَرًّا ) بالتعذيب، إذ الأمر فيه كلّه له، لأنّ الدار دار الجزاء، وهو المجازي وحده.
ثمّ ذكر معاقبة الظالمين، فقال عطفا على «لا يملك، مبينا»، للمقصود من تمهيده:( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) .
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) )
ثمّ عاد سبحانه إلى الحكاية عن حال الكفّار، فقال:( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا ) يعنون محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ ) يمنعكم( عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ) فيستنبعكم بما يستبدعه( وَقالُوا ما هذا ) يعنون القرآن( إِلَّا إِفْكٌ ) كذب، لعدم مطابقة ما فيه الواقع( مُفْتَرىً ) يفتريه على الله سبحانه.
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ) لأمر النبوّة كلّه، أو للقرآن. والأوّل باعتبار معناه، وهذا باعتبار لفظه وإعجازه.( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ظاهر سحريّته.
وفي تكرير الفعل، والتصريح بذكر الكفرة، وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في «لمّا» من المبادهة(١) إلى البتّ بهذا القول، إنكار عظيم، وتعجيب بليغ منه. كأنّه قال: أولئك الكفرة المتمرّدون بجرئتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحقّ النيّر، ما هذا إلّا سحر بيّن، ظاهر على كلّ عاقل.
ثمّ أخبر سبحانه أنّهم لم يقولوا ذلك عن بيّنة، فقال:( وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها ) فيها برهان على صحّة الإشراك( وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) يدعوهم إليه، وينذرهم على تركه، كما قالعزوجل :( أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) (٢) . فقد بان أن لا وجه لهم في الإشراك، فمن أين حكموا بصحّته؟ وهذا في غاية التجهيل لهم، والتسفيه لرأيهم.
ثمّ هدّدهم على تكذيبهم، فقال:( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) كما كذّبوا( وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ) وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوّة وطول العمر وكثرة المال. أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البيّنات والهدى. والمعشار بمعنى العشر، كالمرباع بمعنى الربع.
( فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) فحين كذّبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون، فكيف كان نكيري لهم؟ فليحذر هؤلاء من مثله. ولا تكرير في «كذّب»، لأنّ الأوّل للتكثير، والثاني للتكذيب. أو الأوّل مطلق، والثاني مقيّد. ولذلك عطف عليها بالفاء. ونظيره أن يقول القائل: فلان أقدم على الكفر فكفر بمحمد.
__________________
(١) المبادهة: المفاجأة والمباغتة.
(٢) الروم: ٣٥.
( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) )
( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ ) أرشدكم وأنصح لكم( بِواحِدَةٍ ) بخصلة واحدة. وهي ما فسّرها بقوله:( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ) أي: القيام من مجلس رسول الله وتفرّقهم عن مجتمعهم عنده. وليس المراد القيام على القدمين، ولكن الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمّة، خالصا لوجه الله، معرضا عن المراء والتقليد. ومحلّه الجرّ
على البدل أو البيان، أو الرفع بإضمار: هو، أو النصب بإضمار: أعني.
( مَثْنى وَفُرادى ) متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، فإنّ الازدحام ممّا يشوّش الخاطر، ويخلّط القول، ويثير عجاج التعصّب.( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) في أمر محمّد وما جاء به.
أمّا الاثنان: فيتفكّران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتّباع هوى، ولا ينبض لهما عرق عصبيّة، حتّى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادّة الحقّ وسننه.
وأمّا المتفرّد فيفكّر في نفسه بعدل ونصفة، من غير أن يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم.
فعند ذلك تعلموا( ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) ما به من جنون يحمله على ذلك، بل تعلموا عند تفكّركم في أمره أنّه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم(١) حلما، وأثقبهم ذهنا، وأصدقهم قولا، وأنزههم نفسا. كيف وقد انضمّ إليه معجزات كثيرة.
ويجوز أن يكون هذا كلاما مستأنفا، تنبيها من الله على طريقة النظر في أمر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: «ما» استفهاميّة. والمعنى: ثمّ تتفكّروا أيّ شيء به من آثار الجنون.
( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) قدّامه، لأنّه مبعوث في نسم الساعة، حيث
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «بعثت في نسم(٢) الساعة».
( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ) أيّ شيء سألتكم من أجر الرسالة( فَهُوَ لَكُمْ ) .
__________________
(١) أي: أوقرهم. من: رزن رزانة: وقر.
(٢) نسم الريح: أوّلها حين تقبل بلين قبل أن تشتدّ. و «بعثت في نسم الساعة» أي: حين ابتدأت وأقبلت أوائلها.
والمراد نفي السؤال عنه، فإنّه جعل التنبيء مستلزما لأحد الأمرين: إمّا الجنون، وإمّا توقّع نفع دنيويّ عليه، لأنّه إمّا أن يكون لغرض. أو لغيره، وأيّا ما كان يلزم أحدهما. ثمّ نفى كلّا منهما.
وقيل: «ما» موصولة. وأراد ما سألهم بقوله:( ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (١) ( لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (٢) .
واتّخاذ السبيل ومودّة أهل البيت ينفعان لهم، فلا ينافي قوله: «فهو لكم».
( إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) مطّلع، يعلم صدقي وخلوص نيّتي، في أنّي لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلّا منه، ولا أطمع منكم في شيء.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر بإسكان الياء.
( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ ) أصل القذف: تزجية(٣) السهم ونحوه بدفع واعتماد، ثمّ يستعار لمعنى الإلقاء بقوّة. ومنه( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) (٤) .( أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ ) (٥) . والمعنى: ربّي يلقيه وينزّله على من يجتبيه من عباده. أو يرمي به الباطل فيدمغه. أو يرمي به إلى أقطار الآفاق. فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه.
( عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) صفة محمولة على محلّ «إنّ» واسمها. أو بدل من المستكن في «يقذف». أو خبر ثان. أو خبر محذوف، أي: هو علّام جميع
__________________
(١) الفرقان: ٥٧.
(٢) الشورى: ٢٣.
(٣) زجّى تزجية الشيء: دفعه برفق.
(٤) الأحزاب: ٢٦.
(٥) طه: ٣٩.
الخفيّات، وما غاب من خلقه في الأرضين والسماوات.
( قُلْ جاءَ الْحَقُ ) أي: الإسلام. وعن ابن مسعود: الجهاد بالسيف.( وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ) وهلك الباطل، وهو الشرك، بحيث لم يبق له أثر. وهذا مثل لهلاك الشيء، فإنّه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة.
وقيل: الباطل إبليس أو الصنم. والمعنى: لا ينشئ خلقا ولا يعيده. أو لا يبدئ خيرا لأهله ولا يعيده، أي: لا ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وقيل: «ما» استفهاميّة منتصبة بما بعدها. والمعنى: أيّ شيء يبدئ إبليس أو الصنم، وأيّ شيء يعيد؟!
عن ابن مسعود: دخل النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما، فجعل يطعنها بعود نبعة(١) في يده ويقول:( جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) (٢) .( جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ) .
( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ ) عن الحقّ كما تدعون( فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ) أي: فإنّما يرجع وبال ضلالي عليها، فإنّه بسببها، وهي الجاهلة بالذات، والأمّارة بالسوء، بخلاف ما لها ممّا ينفعها، فإنّه بهداية ربّها وتوفيقه. وبهذا الاعتبار قابل الشرطيّة بقوله:( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ ) إلى الحقّ( فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) أي: فبهدايته وتوفيقه، حيث أوحى إليّ، فله المنّة بذلك عليّ.
فلا يقال: أين التقابل بين قوله:( فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي ) وقوله:( فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) . وإنّما كان يستقيم أن يقال: فإنّما أضلّ على نفسي، وإن اهتديت فإنّما اهتدي لها. كقوله تعالى:( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) (٣) ( مَنِ
__________________
(١) النبعة: شجرة تتخذ منها السهام والقسي.
(٢) الإسراء: ٨١.
(٣) فصلت: ٤٦.
اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ) (١) . أو يقال: فإنّما أضلّ بنفسي.
( إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) يدرك قول كلّ ضالّ ومهتد، وفعله وإن أخفاه.
وإنّما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه، لأنّ الرسول إذا دخل تحته، مع جلالة محلّه وسداد طريقته، كان غيره أولى به.
( وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا ) عند الموت، إذا عاينوا ملائكة العذاب لقبض أرواحهم. أو عند البعث حين يشاهدون العذاب. أو يوم بدر حين ضربت أعناقهم، فلم يستطيعوا فرارا من العذاب.
وجواب «لو» محذوف، يدلّ الكلام عليه. والتقدير: لرأيت أمرا فظيعا، أو حالا هائلة.
و «لو» و «إذ» والأفعال الّتي هي «فزعوا» و «أخذوا» و( حِيلَ بَيْنَهُمْ ) (٢) كلّها للمضيّ، والمراد بها الاستقبال، لأنّ ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد، لتحقّقه. فكأنّه قال: وإذ ترى حين يفزعون.
( فَلا فَوْتَ ) فلا يفوتون الله بهرب أو تحصّن.
وعن ابن عبّاس: نزلت في خسف البيداء. وذلك أنّ ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم.
وهذا مرويّ عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ بن الحسين، والحسن بن الحسن بن عليّعليهالسلام .
( وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) من ظهر الأرض إلى بطنها. وقيل: من الموقف إلى
__________________
(١) الإسراء: ١٥.
(٢) سبأ: ٥٤.
النار. وقيل: من صحراء بدر إلى القليب(١) . أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم.
والعطف على «فزعوا»، أي: فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم. أو على «لا فوت» على معنى: إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا.
( وَقالُوا آمَنَّا بِهِ ) أي: بمحمّد، لمرور ذكره في قوله:( ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) (٢) .( وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ ) أي: ومن أين لهم أن يتناولوا الإيمان تناولا سهلا؟ فإنّ التناول والتناوش أخوان، إلّا أنّ التناوش تناول سهل لشيء قريب.
( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) فإنّه في حيّز التكليف، وقد بعد عنهم حين مشاهدة العذاب، لأنّها وقت ارتفاع التكليف الاختياري.
وهذا تمثيل لحالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم أو انه وبعد عنهم، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة(٣) كما يتناوله من ذراع، في الاستحالة.
وقرأ أبو عمرو والكوفيّون غير حفص بالهمز(٤) ، على قلب الواو، لضمّتها. أو لأنّه من: نأشت الشيء إذا طلبته. أو من: نأشت إذا تأخّرت. فيكون بمعنى التناول من بعد.
( وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ ) بمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو بالعذاب( مِنْ قَبْلُ ) من قبل ذلك أوان التكليف( وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ ) ويرجمون بالظنّ، ويتكلّمون بما لم يظهر لهم في الرسول من المطاعن، من أنّه ساحر شاعر كذّاب، لأنّهم لم يشاهدوا منه سحرا، ولا شعرا، ولا كذبا. أو في العذاب، من البتّ على نفيه. يقولون:( هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما
__________________
(١) القليب: البئر. وقيل: البئر القديمة.
(٢) سبأ: ٤٦.
(٣) الغلوة: الغاية. وهي رمية سهم أبعد ما تقدر عليه.
(٤) أي: التناؤش.
تُوعَدُونَ ) (١) ( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) (٢) .
وقد أتوا بهذا الغيب( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) من جانب بعيد من أمره، كالشيء يرمى من موضع بعيد المرمى. والعطف على «كفروا» على حكاية الحال الماضية.
يعني: وكانوا يتكلّمون بالغيب ويأتون به من مكان بعيد. أو على «قالوا»، فيكون تمثيلا لحالهم في تحصيل ما ضيّعوه من الإيمان في الدنيا، بحال القاذف الّذي يرمي شيئا لا يراه من مكان بعيد، لا يكون مجال للظنّ في لحوقه.
( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) وفرّق بينهم وبين مشتهياتهم، من نفع الإيمان، والنجاة به من النيران( كَما فُعِلَ ) مثل ذلك( بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ) بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة.
( إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍ ) من البعث( مُرِيبٍ ) موقع في الريبة. أو ذي ريبة.
من: أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة. فهو منقول من المشكّك، فكأنّه قال: في شكّ مشكّك. أو من: أراب الرجل، إذا صار ذا ريبة، ودخل فيها. منقول من صاحب الشكّ إلى الشكّ، أي: شكّ شاكّ، كما تقول: شعر شاعر، وعجب عجيب. وكلا التقديرين مجاز.
__________________
(١) المؤمنون: ٣٦.
(٢) سبأ: ٣٥.
(٣٥)
سورة فاطر
مكّيّة. وهي خمس وأربعون آية. أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: «من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثلاثة أبواب من الجنّة، أن أدخل من أيّ الأبواب شئت».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) )
ولـمّا ختم الله سبحانه السورة المتقدّمة بالردّ على أهل الشرك والشكّ والعنود، افتتح هذه السورة بذكر كمال قدرته، ووحدانيّته، ودلائل التوحيد، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) مبتدئهما ومبتدئهما. من الفطر بمعنى الشقّ، كأنّه شقّ العدم بإخراجهما منه. عن مجاهد، عن
ابن عبّاس: ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتّى اختصم إليّ أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها وشققتها. والإضافة معنويّة، لأنّه بمعنى الماضي.
( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) وسائط بين الله تعالى وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلّغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة. أو بينه وبين خلقه، يوصلون إليهم آثار صنعه.
( أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ) أي: ذوي أجنحة متعدّدة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها ويعرجون. أو يسرعون بها نحو ما وكلّهم الله عليه، فيتصرّفون فيه على ما أمرهم به. ولم يرد به خصوصيّة الأعداد، ونفي ما زاد عليها. وفي رواية: أنّ صنفا من الملائكة لهم ستّة أجنحة، فجناحان يلفّون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في أمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّه رأى جبرئيل ليلة المعراج، وله ستّمائة جناح».
وروي: «أنّه سأل جبرئيلعليهالسلام أن يتراءى له في صورته. فقال له: إنّك لن تطيق ذلك. قال: إنّي قد أحبّ أن تفعل. فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في ليلة مقمرة، فأتاه جبرئيل في صورته، فغشى على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ أفاق وجبرئيل مسنده، وإحدى يديه على صدره، والاخرى بين كتفيه. فقال: سبحان الله ما كنت أرى أنّ شيئا من الخلق هكذا. فقال جبرئيل: فكيف لو رأيت إسرافيل؟ له اثنا عشر جناحا، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإنّ العرش على كاهله(١) ، وإنّه ليتضاءل الأحانين لعظمة الله، حتّى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير».
( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) استئناف للدلالة على أنّ تفاوتهم في ذلك
__________________
(١) الكاهل: أعلى الظهر ممّا يلي العنق.
بمقتضى مشيئته، ومؤدّى حكمته، لا أمر تستدعيه ذواتهم، لأنّ اختلاف الأصناف والأنواع بالخواصّ والفصول، إن كان لذواتهم المشتركة، لزم تنافي لوازم الأمور المتّفقة، وهو محال.
والآية متناولة زيادات الصور والمعاني، كملاحة الوجه، وحسن الصوت، وحصافة(١) العقل، وسماحة النفس، وقوّة البطش، وجزالة الرأي، وجرأة القلب، وذلاقة(٢) اللسان، وما أشبه ذلك ممّا لا يحيط به الوصف.
وروي عنهعليهالسلام في قوله:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) : «الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن».
وقيل: الخطّ الحسن. وعن قتادة: هو الملاحة في العينين. والأولى التعميم.
( إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنّما هو من جهة الإرادة.
( ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ ) ما يطلق لهم ويرسل. وهو تجوّز من باب إطلاق السبب على المسبّب.( مِنْ رَحْمَةٍ ) رزق، وأمن، وصحّة، وعلم، ونبوّة، وغير ذلك من صنوف نعمائه الّتي لا يحاط بعددها. وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنّه قال: من أيّة رحمة كانت، سماويّة أو أرضيّة.( فَلا مُمْسِكَ لَها ) فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها.
( وَما يُمْسِكْ ) وأيّ شيء يمسك الله( فَلا مُرْسِلَ لَهُ ) فلا أحد يقدر على إطلاقه. ويدلّ على أنّ الفتح مستعار للإطلاق والإرسال أنّه قال: فلا مرسل له من بعده، مكان: لا فاتح له. واختلاف الضميرين، لأنّ الموصول الأوّل مفسّر بالرحمة، فحسن اتّباع الضمير التفسير، والثاني مطلق يتناولها والغضب، فترك على أصل
__________________
(١) حصف حصافة: كان جيّد الرأي محكم العقل.
(٢) لسان ذلق: طلق ذو حدّة.
التذكير. وإنّما فسّر الأوّل دون الثاني، للدلالة على أنّ رحمته سبقت غضبه.( مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد إرساله.
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الغالب على ما يشاء من الإرسال والإمساك، وليس لأحد أن ينازعه فيه( الْحَكِيمُ ) لا يفعل الإمساك والإرسال إلّا بما تقتضي الحكمة.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) )
ولـمّا بيّن أنّه الموجد للملك والملكوت، والمتصرّف فيهما على الإطلاق، أمر الناس بشكر إنعامه، فقال :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ ) الظاهرة والباطنة، الّتي من جملتها أنّه خلقكم وأحياكم وأقدركم، وخلق لكم أنواع الملاذّ والمنافع. وليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالاعتراف بها، وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أيادّي عندك. يريد حفظها وشكرها، والعمل على موجبها. فالمعنى: احفظوها بمعرفة حقّها، والاعتراف بها، وطاعة معطيها.
والخطاب عامّ للجميع، لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله.
وعن ابن عبّاس يريد: يا أهل مكّة اذكروا نعمة الله عليكم، حيث أسكنكم حرمه، ومتّعكم من جميع العالم، والناس يتخطّفون من حولكم. وعنه: نعمة الله: العافية.
ثمّ أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل، فيستحقّ أن يشرك به، فقال :
( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ ) بالمطر( وَالْأَرْضِ ) بالنبات ولذلك عقّبه بقوله:( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) فمن أيّ وجه تصرفون عن التوحيد إلى الكفر وإشراك غيره به؟ يعني به قريش.
ورفع «غير» للحمل على محلّ «من خالق» بأنّه وصف أو بدل، والاستفهام بمعنى النفي. أو أنّه فاعل «خالق». وجرّه حمزة والكسائي حملا على لفظه.
و «يرزقكم» صفة لـ «خالق» أو استئناف مفسّر له، أو كلام مبتدأ. وعلى الأخير لا يطلق «الخالق» على غير الله تعالى. وأمّا على الوجهين الآخرين ـ أعني: الوصف والتفسير ـ فقد تقيّد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق.
و «لا إله إلّا هو» جملة مفصولة لا محلّ لها. ولو وصلتها كما وصلت «يرزقكم» لم يساعد عليه المعنى، لأنّ قولك: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلّا ذلك الخالق، غير مستقيم، لأنّ قولك: هل من خالق سوى الله إثبات لله، فلو ذهبت تقول ذلك، كنت مناقضا بالنفي بعد الإثبات.
( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) )
ثمّ نعى الله سبحانه على قريش سوء تلقّيهم لآيات الله، وتكذيبهم بها، وسلّى رسوله بأنّ له في الأنبياء أسوة حسنة. ثمّ جاء بما يشتمل على الوعد والوعيد، من رجوع الأمور إلى حكمه، ومجازاة المكذّب والمكذّب بما يستحقّانه، فقال :
( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) أي: فتأسّ بهم في الصبر على تكذيبهم. فوضع «فقد كذّبت» موضعه، استغناء بالسبب عن المسبّب، أعني: بالتكذيب عن التأسّي.
وتنكير «رسل» للتعظيم المقتضي زيادة التسلية، والحثّ على المصابرة. كأنّه قال: فقد كذّبت رسل، أي: رسل ذو عدد كثير، وأولو آيات ونذر، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم، وما أشبه ذلك. فهذا أسلى له، وأحثّ على المصابرة.
( وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) فيجازيك وإيّاهم على الصبر والتكذيب.
ثمّ خاطب العباد فقال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) بالحشر، والجزاء بالثواب والعقاب( حَقٌ ) لا خلف فيه( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) فلا يخدعنّكم الدنيا، ولا يذهلنّكم التمتّع بها، والتلذّذ بمنافعها عن العمل للآخرة، وطلب ما عند الله والسعي لها.
( وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ ) الشيطان الّذي عادته أن يغرّكم، بأن يمنّيكم المغفرة، مع الإصرار على المعصية، فيقول لكم: إنّ الله غفور، يغفر كلّ كبير وصغير، ويعفو عن كلّ خطيئة، فإنّها وإن أمكنت، لكنّ الذنب بهذا التوقّع كتناول السمّ اعتمادا على دفع الطبيعة.
ثمّ حذّرهم عن الشيطان بقوله:( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) عداوة قديمة عامّة( فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) في عقائدكم وأفعالكم، وونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم( إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ) .
ثمّ وعد لمن أجاب دعاءه، ووعّد لمن خالفه، فقال:( الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ
شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) .
ثمّ كشف الغطاء، وقشر اللحاء، ليقطع الأطماع الفارغة والأماني الكاذبة، فبنى الأمر كلّه على الإيمان والعمل وتركهما، بعد أن ذكر الفريقين: الّذين كفروا والّذين آمنوا، فقال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) بأن غلب وهمه وهواه على عقله، حتّى انتكس رأيه( فَرَآهُ حَسَناً ) فرأى الباطل حقّا، والقبيح حسنا، كمن لم يزيّن له، بل وفّق بعد استرشاده واستصوابه، حتّى عرف الحقّ، واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه. فحذف الجواب، لأنّه دلّ عليه قوله:( فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) .
ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدي عليه المصالح، من الإنكار والجحود واللجاج، بعد ظهور الحقّ عليه، حتّى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى وتخليته وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال، ويطلق آمر النّهى(١) ، ويعتنق طاعة الهوى، حتّى يرى القبيح حسنا والحسن قبيحا، كأنّما غلب على عقله، وسلب تمييزه.
وقيل: تقديره: أفمن زيّن له سوء عمله، ذهبت نفسك عليهم حسرات؟ فحذف الجواب لدلالة( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ) عليه. ومعناه: فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيّهم وإصرارهم على التكذيب.
والفاءات الثلاث للسببيّة، غير أنّ الأوليين دخلتا على السبب، والثالثة دخلت على المسبّب.
وجمع الحسرات للدلالة على تضاعف اغتمامه على أحوالهم، أو على كثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسّف.
__________________
(١) النّهي: العقل. سمّي به لأنّه ينهى عن القبيح وعن كلّ ما ينافي العقل.
و «عليهم» ليست صلة لها، لأنّ صلة المصدر لا تتقدّمه، بل صلة «تذهب»، أو بيان للمتحسّر عليه.
( إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) فيجازيهم عليه. وهذا وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم.
( وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر أدلّة التوحيد، فقال:( وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ) وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: الريح.( فَتُثِيرُ سَحاباً ) على حكاية الحال الماضية، استحضارا لتلك الصورة البديعة، الدالّة على كمال القدرة الربّانيّة، والحكمة البالغة الإلهيّة. ولأنّ المراد بيان إحداثها بهذه الخاصّيّة، ولذلك أسنده إليها.
( فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ) جدب لم يمطر فيمطر على ذلك البلد( فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ ) بالمطر النازل منه. أو بالسحاب، فإنّه سبب السبب.( بَعْدَ مَوْتِها ) بعد يبسها. والعدول فيهما من الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه، لـما فيهما من مزيد الصنع.
( كَذلِكَ النُّشُورُ ) الكاف في محلّ الرفع، أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات، في صحّة المقدوريّة، إذ ليس بينهما إلّا احتمال اختلاف المادّة في المقيس والمقيس عليه، وذلك لا مدخل له فيها.
وروي: أنّه قيل لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال: هل مررت بوادي أهلك محلا(١) ، ثمّ مررت به يهتزّ خضرا؟ قال: نعم.
__________________
(١) واد محل أي: جدب. والمحل: الجدب، وانقطاع المطر، ويبس الأرض.
قال: فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه».
وقيل في كيفيّة الإحياء: إنّه تعالى يرسل ماء من تحت العرش كمنيّ الرجال، فتنبت منه أجساد الخلق.
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) )
روي: أنّ الكفّار كانوا يتعزّزون بالأصنام، كما قالعزوجل :( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ) (١) . والّذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعزّزون بالمشركين، كما قال تعالى:( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) (٢) . فبيّن أن لا عزّة إلّا لله ولأوليائه. وقال:( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (٣) .
وهاهنا قال:( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ) الشرف والمنعة( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) أي: فليطلبها من عنده، فإنّ العزّة في الدنيا والآخرة كلّها مختصّة به. فوضع قوله:( فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ) موضعه، استغناء به عنه، لدلالته عليه، لأنّ الشيء لا يطلب إلّا عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك: من أراد النصيحة فهي عند الأبرار. تريد: فليطلبها عندهم، إلّا أنّك أقمت ما يدلّ عليه مقامه.
__________________
(١) مريم: ٨١.
(٢) النساء: ١٣٩.
(٣) المنافقون: ٨.
والمعنى: من أراد العزّة فليتعزّز بطاعة الله، فإنّ الله تعالى يعزّه.
عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ ربّكم يقول كلّ يوم: أنا العزيز، فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز».
ثمّ عرّف أنّ ما تطلب به العزّة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) وهو كلمة التوحيد( وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) الضمير المستكن للكلم، فإنّ العمل الصالح لا يقبل إلّا بالتوحيد. وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إيّاهما، فإنّ كلّ ما يتقبّله الله سبحانه من الطاعات، يكتبه الملائكة إلى حيث شاء الله.
وقيل: الكلم الطيّب يتناول جميع أقسام الذكر، من التكبير، والتسبيح والتهليل والتحميد، وغيرها، من قراءة القرآن والدعاء والاستغفار.
وعنهعليهالسلام : «هو: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر. إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء، فحيّا بها وجه الرحمن. وإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه».
وفي الحديث: «لا يقبل الله قولا إلّا بعمل، ولا يقبل قولا ولا عملا إلّا بنيّة، ولا يقبل قولا وعملا ونيّة إلّا بإصابة السنّة».
وكذا نقل عن ابن عبّاس أنّ معنى الآية: إنّ هذه الكلم لا تقبل، ولا تصعد إلى السماء، فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قالعزوجل :( إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) (١) إلّا إذا اقترن بها العمل الصالح الّذي يحقّقها ويصدّقها، فرفعها وأصعدها. وعن ابن المقفّع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر.
( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ ) أي: المكرات السيّئات. فالسيّئات صفة للمصدر، لا أنّه مفعول به، لأنّ المكر غير متعدّ، فلا يقال: مكر فلان عمله. وعنى
__________________
(١) المطفّفين: ١٨.
بها مكرات قريش للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في دار الندوة، وتداوروا الرأي في إحدى ثلاث مكرات: حبسه، وقتله، وإجلائه، كما قال الله تعالى:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) (١) .
( لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ) لا يؤبه دونه بما يمكرون به( وَمَكْرُ أُولئِكَ ) الّذين مكروا المكرات الثلاث( هُوَ يَبُورُ ) يكسد ولا ينفد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكّة وقتلهم، وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعا، وحقّق عليهم قوله:( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) (٢) وقوله:( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) (٣) .
( وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ
__________________
(١) الأنفال: ٣٠.
(٢) الأنفال: ٣٠.
(٣) فاطر: ٤٣.
مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) )
ثمّ نسق سبحانه على ما تقدّم من دلائل التوحيد، فقال:( وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ) بخلق آدم منه( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) بخلق ذرّيّته منها( ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ) ذكرانا وإناثا. وعن قتادة: زوّج بعضكم بعضا.
( وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ) إلّا معلومة له. والجارّ والمجرور في موضع الحال.
( وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ ) أي: وما يعمّر من أحد. فسمّاه معمّرا بما هو صائر إليه، كأنّه قال: وما يمدّ في عمر من مصيره إلى الكبر.
( وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ) من عمر المعمّر لغيره، بأن يعطى له عمر ناقص من عمره. أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره، بجعله ناقصا. والضمير له وإن لم يذكر، لدلالة مقابله عليه. أو للمعمّر على التسامح فيه، ثقة بأفهام السامعين، واتّكالا على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنّه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد. وعليه كلام العرب العرباء يقولون: لا يثيب الله عبدا ولا يعاقبه إلّا بحقّ.
فعلى هذا التوجيه لا يرد: أنّ الإنسان إمّا معمّر ـ أي: طويل العمر ـ أو منقوص العمر، أي: قصيره. فإمّا أن يتعاقب عليه التعمير، وخلافه محال. فكيف يصحّ قوله:( وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ ) ؟
وقيل: الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة، أثبتت في اللوح. مثل أن يكون فيه: إن حجّ زيد فعمره ستّون سنة، وإلّا فأربعون. فقد نقص من عمره الّذي هو الغاية، وهو الستّون. وإليه أشار رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله: «إنّ
الصدقة والصلة تعمران الديار، وتزيدان في الأعمار».
وعن سعيد بن جبير: يكتب في الصحيفة: عمره كذا وكذا سنة. ثمّ يكتب في أسفل ذلك: ذهب يوم، ذهب يومان، حتّى يأتي على آخر عمره.
وعن قتادة: المعمّر من بلغ ستّين، والمنقوص من عمره من يموت قبله.
وقيل: المراد بالنقصان ما يمرّ من عمره وينقص، فإنّه يكتب في صحيفة عمره يوما فيوما. فالنقصان على ثلاثة أوجه: إمّا أن يكون من عمر المعمّر، أو من عمر معمّر آخر، أو يكون بشرط.
وعن يعقوب: ولا ينقص، على بناء الفاعل، أي: ولا ينقص الله من عمره.
( إِلَّا فِي كِتابٍ ) في علم الله، أو اللوح، أو صحيفة الإنسان( إِنَّ ذلِكَ ) إشارة إلى الحفظ، أو الزيادة، أو النقص( عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) سهل، غير متعذّر ولا متعسّر.
ثمّ ضرب البحرين ـ العذب والمالح ـ مثلين للمؤمن والكافر، فقال :
( وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ ) وهو الّذي يكسر العطش( سائِغٌ شَرابُهُ ) وهو الّذي يسهل انحداره لعذوبته( وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ) وهو الّذي يحرق بشدّة ملوحته.
ثمّ قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين، وما فيهما من النعم العظيمة :
( وَمِنْ كُلٍ ) ومن كلّ واحد منهما( تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا ) وهو السمك( وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) وهي اللؤلؤ والمرجان.
ويحتمل أن يحمل هذا على غير طريقة الاستطراد، بأن يجعل من تتمّة التمثيل، فيشبّه الجنسين بالبحرين، ثمّ يفضّل البحر الأجاج على الكافر، بأنّه قد شارك العذب في منافع، من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه، والكافر خلو من النفع. فهو في طريقة قوله تعالى:( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ») . ثم قال:( «وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ
مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) (١) .
( وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ ) في كلّ من البحرين( مَواخِرَ ) شواقّ للماء بجريها.
يقال: مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب: نبات مخر، لأنّها تمخر الهواء. وقريب من المخر السفن، الّذي اشتقّت منه السفينة، لأنّها تسفن الماء، كأنّها تقشره كما تمخره.
( لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) من فضل الله بالنقلة فيها، وإن لم يجر له ذكر في الآية، لكن يدلّ سوق الكلام عليه. واللام متعلّقة بـ «مواخر». ويجوز أن تتعلّق بما دلّ عليه الأفعال المذكورة.
( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) على ذلك. وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة. ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل، كأنّما قيل: لتبتغوا ولتشكروا.
( يُولِجُ اللَّيْلَ ) يدخله( فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) هي مدّة دوره، أو منتهاه، أو يوم القيامة( ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ) الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء. وفيها إشعار بأنّ فاعليّته لها موجبة لثبوت هذه الأخبار المترادفة.
ويحتمل أن يكون «له الملك» كلاما مبتدأ واقعا في قرآن قوله:( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ) للدلالة على تفرّده بالألوهيّة. و «القطمير» لفّافة النواة. وهي القشرة الرقيقة الملتفّة عليها.
( إِنْ تَدْعُوهُمْ ) إن تدعوا الأوثان لكشف الضرّ( لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ) لأنّهم جماد( وَلَوْ سَمِعُوا ) على سبيل الفرض( مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ) لعدم قدرتهم على الإنفاع، أو لتبرّئهم منكم وممّا تدّعون لهم( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) بإشراككم لهم، وعبادتكم إيّاهم، يقرّون ببطلانه. أو يقولون:( ما كُنْتُمْ إِيَّانا
__________________
(١) البقرة: ٧٤.
تَعْبُدُونَ ) (١) .
( وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) ولا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير عالم به أخبرك. وهو الله تعالى، فإنّه هو الخبير به على الحقيقة، دون سائر المخبرين. والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم، ونفي ما يدّعون لهم. كأنّه قال: إنّ هذا الّذي أخبرتكم من حال الأوثان هو الحقّ، لأنّي خبير بما أخبرت به.
( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧) )
( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ ) في أنفسكم ومايعن لكم. وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنّهم لشدّة افتقارهم إليه وكثرة احتياجهم هم الفقراء، وأنّ افتقار سائر الخلائق بالنسبة إلى فقرهم غير معتدّ به، لأنّ الفقر ممّا يتبع الضعف، فكلّما كان أضعف كان أفقر، وقد شهد سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله:( وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ) (٢) . وقال:( اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) (٣) . ولو نكّر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء، وفات هذا المعنى المقصود.
ولـمّا أثبت فقرهم إليه، وغناه عنهم، وليس كلّ غنيّ نافعا بغناه إلّا إذا كان الغنيّ جوادا منعما، فإذا جاد وأنعم استحقّ عليهم الحمد، وحمده المنعم عليهم، ذكر الحميد ليدلّ به على أنّه الغنيّ النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم، المستحقّ بإنعامه عليهم أن يحمدوه، الحميد على ألسنة مؤمنيهم، فقال :
__________________
(١) يونس: ٢٨.
(٢) النساء: ٢٨.
(٣) الروم: ٥٤.
( وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) المستغني على الإطلاق، المنعم على سائر الموجودات، حتّى استحقّ عليهم الحمد.
ثمّ دلّ على كمال قدرته بقوله:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) يغنكم( وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) بقوم آخرين أطوع منكم. أو بعالم آخر غير ما تعرفونه.( وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ) بمتعذّر أو متعسّر.
( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨) )
ثمّ أخبر عن عدله في حكمه، فقال:( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ولا تحمل نفس حاملة الإثم حمل إثم نفس اخرى. والوزر: الوقر. والمعنى: أنّ كلّ نفس يوم القيامة لا تحمل إلّا وزرها الّذي اقترفته. فلا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا الوليّ بالوليّ، والجار بالجار.
وأمّا قوله:( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ ) (١) ففي الضالّين المضلّين، فإنّهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكلّ ذلك أوزارهم، ليس فيها شيء من أوزار غيرهم. ألا ترى كيف كذّبهم في قولهم:( اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ) (٢) بقوله:( وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) (٣) . ففي أنّه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، دلالة على عدل الله في حكمه.
ثمّ بيّن أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، فقال:( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ) نفس أثقلها
__________________
(١) العنكبوت: ١٢ ـ ١٣.
(٢) العنكبوت: ١٢ ـ ١٣.
(٣) العنكبوت: ١٢ ـ ١٣.
الأوزار غيرها( إِلى حِمْلِها ) إلى أن يتحمّل عنها بعض أوزارها( لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ) لم تجب لحمل شيء منه، ولم تغث، فلم يحمل غيرها شيئا من ذلك الحمل( وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ) ولو كان المدعوّ ذا قرابتها، من أب أو ولد أو أخ. فأضمر المدعوّ لدلالة «إن تدع» عليه.
ولـمّا غضب الله تعالى عليهم في قوله:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، فقال :
( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) غائبين عن عذابه، أو عن الناس في خلواتهم. أو يخشون عذابه غائبا عنهم، أي: إنّ إنذارك لا ينفع إلّا الّذين يخشون ربّهم بالغيب.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) أي: أداموها وقاموا بشرائطها، فإنّهم المنتفعون بالإنذار لا غير. وإنّما عطف الماضي على المستقبل، إشعارا باختلاف المعنى، لأنّ الخشية لازمة في كلّ وقت، والصلاة لها أوقات مخصوصة.
( وَمَنْ تَزَكَّى ) ومن تطهّر بفعل الطاعات من دنس المعاصي( فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) إذ نفعه لها. وهو اعتراض مؤكّد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة، لأنّهما من جملة التزكّي.( وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) فيجازيهم على تزكّيهم.
( وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ
يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) )
ثمّ ضرب للكافر والمؤمن مثلا آخر، كما ضرب لهما البحرين مثلا، فقال :
( وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ) قيل: هما مثلان للصنم ولله تعالى( وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ) ولا الباطل ولا الحقّ( وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ) ولا الثواب ولا العقاب. و «لا» لتأكيد نفي الاستواء. وتكريرها على الشّقين لمزيد التأكيد. والحرور فعول من الحرّ، غلّب على السموم. وقيل: السموم ما تهبّ نهارا، والحرور ما تهبّ ليلا.
ثمّ مثّل تمثيلا آخر للمؤمنين والكافرين، أبلغ من الأوّل والثاني، فقال:( وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ) قيل: هذا تمثيل للعلماء والجهلاء.( إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ ) أي: إنّه قد علم من يدخل في الإسلام ممّن لا يدخل فيه، فيهدي الّذي قد علم أنّ الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنّها لا تنفع فيه( وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ترشيح لتمثيل المصرّين على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم.
والمعنى: يا محمّد قد خفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص وتتهالك على إسلام قوم من المخذولين. ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، وذلك ما لا سبيل إليه.
( إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) فما عليك إلّا الإنذار، وأمّا الإسماع فلا إليك، ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم.
( إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ ) حال من أحد الضميرين، أي: محقّين، أو محقّا. أو صفة للمصدر، أي: إرسالا مصحوبا بالحقّ. ويجوز أن يكون صلة لقوله:( بَشِيراً وَنَذِيراً ) أي: بشيرا بالوعد الحقّ، ونذيرا بالوعيد الحقّ.
( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ ) من جماعة كثيرة من أهل كلّ عصر، فإنّ كلّ عصر أمّة( إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) مضى فيها نبيّ، أو عالم ينذرهم عنه سبحانه. فإذا اندرست آثار
النذارة من العالم، وجب على الله بعث نبيّ آخر، كما في زمان الفترة بين عيسى ومحمّد فما دامت آثار النذارة فيه باقية بنحو نبيّ أو عالم لم يحتج إلى إرسال نبيّ، ولـمّا اندرست بعث الله محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم . والاكتفاء بذكر النذير للعلم بأنّ النذارة مقرونة بالبشارة ومشفوعة بها، وقد قرن به من قبل. أو لأنّ الإنذار هو المقصود الأهمّ من البعثة.
( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) بالمعجزات الشاهدة على نبوّتهم( وَبِالزُّبُرِ ) كصحف إبراهيم( وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ) الواضح البيّن، كالتوراة والإنجيل. ولـمّا كانت هذه الأشياء في جنسهم، أسند المجيء بها إليهم إسنادا مطلقا، وإن كان بعضها في جميعهم، وهي البيّنات، وبعضها في بعضهم، وهي الزبر والكتاب. وفيه مسلاة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويجوز أن يراد بالزبر والكتاب المنير التوراة والإنجيل. والعطف لتغاير الوصفين، فإنّ الزبور أثبت في الكتاب من الكتاب، لأنّه يكون منقرا منقشا فيه، كالنقر في الحجر. هكذا قال صاحب المجمع(١) .( ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) أي: إنكاري بالعقوبة، وإنزالي العقاب بهم.
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) )
__________________
(١) مجمع البيان ٨: ٤٠٦.
ثمّ بيّن قدرته التّامّة بقوله:( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها ) أجناسها، من الرمّان والتفّاح والتين والعنب، وغيرها ممّا لا يحصى. أو أصنافها، على أنّ كلّا منها ذو أصناف مختلفة. أو هيئاتها، من الصفرة والخضرة ونحوهما.
( وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ) ذو جدد، أي: خطط وطرائق. يقال: جدّة الحمار للخطّة السوداء على ظهره. وقد يكون للظبي جدّتان مستكنتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه.( بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها ) بالشدّة والضعف.
( وَغَرابِيبُ سُودٌ ) عطف على «بيض» أو على «جدد». كأنّه قيل: ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون، ومنها غرابيب
متّحدة اللون. وهو تأكيد مضمر يفسّره ما بعده، فإنّ الغربيب تأكيد للأسود، ومن حقّ التأكيد أن يتبع المؤكّد. وفي مثله مزيد تأكيد، لـما فيه من التكرير باعتبار الإضمار والإظهار جميعا. ونظير ذلك قول النابغة :
والمؤمن العائذات الطير يمسحها |
ركبان مكّة بين الغيل والسلم |
( وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِ ) الّتي تدبّ على وجه الأرض( وَالْأَنْعامِ ) كالإبل والبقرة والغنم( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ ) أي: كاختلاف الثمار والجبال.
ولـمّا قال: «ألم تر» بمعنى: ألم تعلم أنّ الله أنزل من السماء ماء، وعدّد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدلّ به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك قوله:( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) كأنّه قال: إنّما يخشاه مثلك، ومن كان على صفتك ممّن عرفه حقّ معرفته، وعلمه كنه علمه، إذ شرط الخشية معرفة المخشيّ، والعلم بصفاته وأفعاله. فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ومن كان علمه أقلّ كان آمن.
وفي الحديث: «أعلمكم بالله أشدّكم له خشية». ولذلك قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّي
أخشاكم لله، وأتقاكم له».
وعن مسروق: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه.
وعن الصادقعليهالسلام : «يعني بالعلماء من صدّق قوله فعله، ومن لم يصدّق قوله فعله فليس بعالم».
وعن ابن عبّاس قال: يريد: إنّما يخافني من خلقي، من علم جبروتي وعزّتي وسلطاني.
إن قلت: قد نرى من العلماء من لا يخاف الله، ويرتكب المعاصي.
فالجواب: أنّه لا بدّ من أن يخافه مع العلم به، وإن كان ربما يؤثر المعصية عند غلبة الشهوة لعاجل اللذّة.
وتقديم المفعول لأنّ المقصود حصر الفاعليّة، ولو أخّر انعكس الأمر.
ثمّ علّل وجوب الخشية بقوله:( إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) لدلالته على عقوبة العصاة وقهرهم، وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب حقّه أن يخشى.
( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) )
ثمّ وصف سبحانه العلماء، فقال على سبيل الاستئناف:( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ ) يداومون على قراءته، أو متابعة ما فيه، حتّى صارت عادة لهم. والمراد بكتاب الله القرآن. وقيل: جنس كتب الله. فيكون ثناء على المصدّقين من الأمم ،
بعد اقتصاص حال المكذّبين.
( وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) كيف اتّفق من غير قصد إليهما. وقيل: السرّ في السنّة المسنونة، والعلانية في المفروضة.
عن عبد الله بن عبيد بن عمر الليثي قال: «قام رجل إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله! مالي لا أحبّ الموت؟ قال: ألك مال؟ قال: نعم. قال: فقدّمه. قال: لا أستطيع. قال: فإنّ قلب الرجل مع ماله، إن قدّمه أحبّ أن يلحق به، وإن أخّره أحبّ أن يتأخّر معه».
( يَرْجُونَ تِجارَةً ) تحصيل ثواب الطاعة. وهو خبر «إنّ».( لَنْ تَبُورَ ) لن تكسر ولن تهلك بالخسران. صفة للتجارة.
وقوله:( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ) متعلّق بـ «لن تبور» أي: ينتفي عنها الكساد، وتنفق(١) عند الله، ليوفّيهم بنفاقها عنده أجور أعمالهم، وهي ما استحقّوه من الثواب( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) على ما يقابل أعمالهم.
روى ابن مسعود عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال في قوله:( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) : «هو الشفاعة لمن وجبت له النار، ممّن صنع إليه معروفا في الدنيا».
( إِنَّهُ غَفُورٌ ) لفرطاتهم( شَكُورٌ ) لطاعتهم، أي: مجازيهم. وهو علّة للتوفية والزيادة. أو خبر «إنّ»، و «يرجون» حال من واو «وأنفقوا» أي: راجين بذلك تجارة لن تكسد ولن تفسد.
( وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا
__________________
(١) نفقت التجارة: راجت.
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) ) ثمّ خاطب سبحانه نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال:( وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) يعني: القرآن، و «من» للتبيين. أو الجنس، و «من» للتبعيض.( هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) لـما تقدّمه من الكتب السماويّة. حال مؤكّدة، لأنّ الحقّ لا ينفكّ عن هذا التصديق، أي: حقّيّته تستلزم موافقته إيّاه في العقائد وأصول الأحكام.
( إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) عالم بالبواطن والظواهر. فخبّرك وبصّر أحوالك، فرآك أهلا لأن يوحي إليك. فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوّة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز، الّذي هو عيار على سائر الكتب. وتقديم «الخبير» للدلالة على أنّ العمدة في ذلك الأمور الروحانيّة.
( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ ) أي: إنّا أوحينا إليك الكتاب، أي: القرآن، ثمّ حكمنا بتوريثه منك. أو نورّثه، فعبّر عنه بالماضي لتحقّقه. أو المعنى: أورثناه من الأمم السالفة. ومعنى الإرث: انتهاء الحكم إليهم، ومصيره لهم، كما قال:( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
الَّتِي أُورِثْتُمُوها ) (١) . والعطف على( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ ) . و( الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) اعتراض لبيان كيفيّة التوريث.
( الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ) يعني: علماء الأمّة، من أهل البيت، وسائر الصحابة، ومن بعدهم. أو الأمّة بأسرهم، فإنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، كقوله :
( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ) (٢) . واختصّهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الّذي هو أفضل الكتب.
وقيل: هم الأنبياء، اختارهم الله برسالته وكتبه.
وقيل: هم المصطفون الداخلون في قوله:( إِنَّ اللهَ اصْطَفى ) إلى قوله:( وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ ) (٣) .
والمرويّ عن الباقر والصادقعليهماالسلام أنّهما قالا: «هي لنا خاصّة، وإيّانا عنى».
وهذا أقرب الأقوال، لأنّهم أحقّ الناس بوصف الاختصاص والاجتباء، وإيراث علم الأنبياء. وهم الّذين كانوا متعبّدين بحفظ القرآن وبيان حقائقه، العارفين بجلائله ودقائقه.
( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) بالتقصير في العمل به( وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) يعمل به في أغلب الأوقات( وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ ) بضمّ التعليم والإرشاد إلى العمل.
وقيل: الظالم: الجاهل. والمقتصد: المتعلّم. والسابق: العالم.
وقيل: الظالم: المجرم. والمقتصد: الّذي خلط الصالح بالسيّء. والسابق: الّذي ترجّحت حسناته، بحيث صارت سيّئاته مكفّرة. وهو معنى قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أمّا الّذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب. وأمّا الّذين اقتصدوا
__________________
(١) الزخرف: ٧٢.
(٢) البقرة: ١٤٣.
(٣) آل عمران: ٣٣.
فأولئك يحاسبون حسابا يسيرا. وأمّا الّذين ظلموا أنفسهم، فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثمّ يتلقّاهم الله برحمته».
وقيل: الظالم: الكافر، على أنّ الضمير للعباد. وعند أكثر المفسّرين الضمير يعود إلى المصطفين من العباد. ثمّ اختلف في أحوال الفرق الثلاث على قولين: أحدهما: أنّ جميعهم ناج.
ويؤيّد ذلك ما ورد في الحديث عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في الآية: «أمّا السابق فيدخل الجنّة بغير حساب. وأمّا المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا. وأمّا الظالم لنفسه، فيحبس في المقام، ثمّ يدخل الجنّة. فهم الّذين قالوا:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) (١) ».
وعن عائشة: أنّها قالت: كلّهم في الجنّة. أمّا السابق: فمن مضى على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشهد له رسول الله بالجنّة. وأمّا المقتصد: فمن اتّبع أثره من أصحابه حتّى لحق به. وأمّا الظّالم: فمثلي ومثلكم.
وروي عنها أيضا قالت: السابق: الّذي أسلم قبل الهجرة. والمقتصد: الّذي أسلم بعد الهجرة. والظالم: نحن.
وقيل: إنّ الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه. والمقتصد: الّذي أسلم بعد الهجرة. والظالم: نحن.
وقيل: إنّ الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه. والمقتصد: الّذي يستوي ظاهره وباطنه. والسابق: الّذي باطنه خير من ظاهره.
وقيل: منهم ظالم لنفسه بالصغائر، ومنهم مقتصد في الطاعات في الدرجات الوسطى، ومنهم سابق بالخيرات في الدرجة العليا.
وروى أصحابنا عن ميسر بن عبد العزيز، عن جعفر الصادقعليهالسلام أنّه قال: «الظالم لنفسه منّا من لا يعرف حقّ الإمام. والمقتصد منّا العارف بحقّ الإمام.
والسابق بالخيرات هو الامام. وهؤلاء كلّهم مغفور لهم».
__________________
(١) فاطر: ٣٤.
وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفرعليهالسلام : «أمّا الظالم لنفسه منّا فمن عمل عملا صالحا وآخر سيّئا. وأمّا المقتصد فهو المتعبّد المجتهد. وأمّا السابق بالخيرات فعليّ والحسن والحسين، ومن قتل من آل محمّد شهيدا».
وعن قتادة: الظالم لنفسه أصحاب المشأمة. والمقتصد أصحاب الميمنة.
والسابق هم السابقون المقرّبون من الناس كلّهم. كما قال سبحانه:( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ) (١) .
وقال عكرمة، عن ابن عبّاس: إنّ الظالم هو المنافق. والمقتصد والسابق من جميع الناس.
وروي أيضا: أنّ الفرقة الظالم لنفسها غير ناجية.
وتقديم الظالم لكثرة الظالمين، وقلّة المقتصدين بالإضافة إليهم. والسابقين أقلّ القليل.
وقيل: إنّما قدّم الظالم لئلّا ييأس من رحمته، وأخّر السابق لئلّا يعجب بعلمه.
ولأنّ الظلم متضمّن الجهل والركون إلى الهوى، وهو مقتضى الجبلّة، والاقتصاد والسبق عارضان.
وقيل: إنّما رتّبهم هذا الرتيب على مقامات الناس، لأنّ أحوال العباد ثلاث: معصية وغفلة، ثمّ التوبة، ثمّ القربة. فإذا عصى فهو ظالم. وإذا تاب فهو مقتصد. وإذا صحّت توبته، وكثرت مجاهدته، اتّصل بالله، وصار من جملة السابقين.
( بِإِذْنِ اللهِ ) بأمره وتوفيقه ولطفه( ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) إشارة إلى التوريث، أو الاصطفاء، أو السبق.
ثمّ فسّر الفضل، فقال على وجه الاستئناف:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ) كأنّه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: هي جنّات عدن. أو «جنّات» مبتدأ، خبره
__________________
(١) الواقعة: ٧.
«يدخلونها». ويجوز أن يكون بدلا منه. وذلك لأنّه لـمّا كان السبب في نيل الثواب، نزّل منزلة المسبّب، كأنّه هو الثواب، ففسّرت أو أبدلت عنه «جنّات عدن». وضمير الجمع باعتبار أنّ السابق للجنس.
وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم، والسكوت عن الآخرين، ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وليملك الظالم لنفسه حذرا، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله.
وقيل: الضمير للفرق الثلاث. والظالم والمقتصد إنّما يدخلانها بفضل الله، أو بالشفاعة.
وقرأ أبو عمرو: يدخلونها، على بناء المفعول.
( يُحَلَّوْنَ فِيها ) خبر ثان، أو حال مقدّرة( مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ) «من» الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين( وَلُؤْلُؤاً ) عطف على «ذهب» أي: من ذهب مرصّع باللؤلؤ. أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ. ونصبه نافع وعاصم عطفا على محلّ «من أساور».( وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ) وهو الاسم المحض.
( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) اعترافا منهم بنعمته، لا على وجه التكليف( الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) همّهم من خوف زوال النعم. أو من أجل المعاش وآفاته. أو من وسوسة إبليس وغيرها.
وقيل: إنّهم كانوا يخافون دخول النار، وكانوا مستحقّين لذلك، فإذا تفضّل الله عليهم بإسقاط عقابهم، وأدخلهم الجنّة، حمدوه على ذلك وشكروه.
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «ليس على أهل لا إله إلّا الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، ولا في مسيرهم. وكأنّي بأهل لا إله إلّا الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن وجوههم، ويقولون: «الحمد لله الّذي اذهب عنّا الحزن».
( إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ ) للمذنبين( شَكُورٌ ) يقبل محاسن المطيعين، فإنّ شكره
سبحانه هو مكافاته لهم على الشكر له والقيام بطاعته.
( الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ ) دار الإقامة. يقال: أقمت إقامة ومقاما ومقامة.
والمراد دار الخلود، فيقيمون فيها أبدا، لا يموتون ولا يتحوّلون عنها.( مِنْ فَضْلِهِ ) من عطائه وإفضاله. من قولهم: لفلان فضول على قومه وفواضل. وليس من الفضل الّذي هو التفضّل، لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحقّ، والتفضّل كالتبرّع.
( لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ) تعب( وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) كلال، إذ لا تكليف فيها ولا كدّ. والفرق بين النصب واللغوب: أنّ النصب التعب والمشقّة الّتي تصيب المنتصب للأمر المزاول له. وأمّا اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب.
فالنصب نفس المشقّة، واللغوب نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة. فأتبع نفي النصب نفي ما يتبعه مبالغة.
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠))
ولـمّا قدّم سبحانه ذكر ما أعدّه لأهل الجنّة من أنواع الثواب، عقّبه بذكر ما أعدّه للكفّار من أليم العقاب، فقال :
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ) لا يحكم عليهم بموت ثان( فَيَمُوتُوا ) فيستريحوا. ونصبه بإضمار «أن».( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها ) ولا يسهل عليهم عذاب النار، بل كلّما خبت زيد إسعارها( كَذلِكَ ) مثل ذلك الجزاء( نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) مبالغ في الكفر، أو الكفران.
وقرأ أبو عمرو: يجزى، على بناء المفعول. وإسناده إلى «كلّ».
( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها ) يستغيثون. يفتعلون من الصراخ، وهو الصياح.
استعمل في الاستغاثة، لجهر المستغيث صوته.( رَبَّنا أَخْرِجْنا ) من عذاب النار( نَعْمَلْ صالِحاً ) نؤمن بدل الكفر، ونطيع بدل المعصية، أي: ردّنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات الّتي تأمرنا بها( غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) من المعاصي. وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسّر على ما عملوه من غير الصالح، والاعتراف به، والإشعار بأنّ استخراجهم لتلافيه، وأنّهم كانوا يحسبون أنّه صالح، والآن تحقّق لهم خلافه.
فوبّخهم الله تعالى فقال:( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) أو لم نعطكم من العمر مقدار ما يمكن أن تتفكّروا وتتذكّروا. و( ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ ) متناول كلّ عمر يمكن المكلّف فيه من التفكّر والتذكّر والعمل الصالح.
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : «العمر الّذي أعذر الله فيه ابن آدم ستّون سنة». ومصداقه ما روي عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مرفوعا أنّه قال: «من عمّره الله ستّين سنة فقد أعذر إليه».
وعن ابن عبّاس: هو أربعون سنة. وقيل: هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة.
وروي ذلك عن الصادقعليهالسلام ، ومأثور عن وهب وقتادة. وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستّين.
( وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ ) عطف على معنى( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ) فإنّه للتقرير. كأنّه قيل: عمّرناكم وجاءكم النذير. وهو النبيّ، أو الكتاب. وقيل: الشيب، أو موت الأقارب.
( فَذُوقُوا ) فذوقوا العذاب وحسرة الندم( فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) يدفع العذاب عنهم.
( إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) لا يخفى عليه شيء ممّا يغيب عن الخلائق علمه، فلا تخفى عليه أحوالهم( إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) بما فيها من المضمرات. وهذا تعليل له، لأنّه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى ما يكون، كان أعلم بغيرها. والذات تأنيث «ذو». وهو موضوع لمعنى الصحبة. والمعنى: مضمرات تصحب الصدور.
( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ ) أي: جعلكم معاشر الكفّار، أمّة بعد أمّة، وقرنا بعد قرن( فِي الْأَرْضِ ) بأن أحدثكم بعدهم فيها، وأورثكم ما كان لهم، فملّككم مقاليد التصرّف، وسلّطكم على ما فيها، وأباح لكم منافعها، لتشكروه بالتوحيد والطاعة. يقال للمستخلف: خليفة وخليف. والخليفة تجمع: خلائف، والخليف :خلفاء.
( فَمَنْ كَفَرَ ) وغمط مثل هذه النعمة السّنيّة( فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) فواقع عليه جزاء كفره.
ثمّ بيّن جزاءه بقوله:( وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً ) وهو أشدّ البغض، بحيث لا يكون وراءه خزي وصغار. ومنه قيل لمن ينكح امرأة أبيه: مقتي، لكونه ممقوتا في كلّ قلب.
( وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً ) أي: خسار الآخرة وهلاكها. والتكرير للدلالة على أنّ اقتضاء الكفر لكلّ واحد من الأمرين، مستقلّ باقتضاء قبحه ووجوب التجنّب عنه.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) يعني: آلهتهم. والإضافة إليهم لأنّهم جعلوهم شركاء لله، أو لأنفسهم فيما يملكونه.( أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ) بدل من «أرأيتم» بدل الاشتمال، لأنّه بمعنى: أخبروني. كأنّه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، وعمّا استحقّوا به الإلهيّة والشركة، أروني أيّ جزء من الأرض استبدّوا بخلقه دون الله؟
( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) أم لهم شركة مع الله في خلق السّماوات، فاستحقّوا بذلك شركة في الألوهيّة ذاتيّة؟( أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً ) ينطق على أنّا اتّخذناهم شركاء( فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ ) على حجّة واضحة من ذلك الكتاب، بأنّ لهم استحقاق شركة لنا. وجميع ذلك محال، لا يمكنهم إقامة حجّة ولا شبهة على شيء منه.
وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر: بيّنات. فيكون إيماء إلى أنّ الشرك خطير لا بدّ فيه من تعاضد الدلائل.
ولـمّا قرّر نفي أنواع الحجج في ذلك، أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه بقوله:( بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً ) يعني: ما حملهم على اتّخاذ الشركاء إلّا تغرير الأسلاف الأخلاف، أو الرؤساء الأتباع، بأنّهم شفعاء عند الله يشفعون لهم بالتقرّب إليه، حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) )
ثمّ بيّن سبحانه عظيم قدرته المغنية عن اعتضاد شريك، وسعة مملكته المتقنة الدالّة على كمال غنائه عمّا سواه، فقال :
( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) بمحض القدرة التامّة، من غير علاقة فوقها، ولا عماد تحتها.
عن ابن عبّاس أنّه قال لرجل مقبل من الشام: من لقيت به؟ قال: كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إنّ السماوات على منكب ملك. قال: كذب كعب، أما ترك يهوديّته بعد؟! ثمّ قرأ:( إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) .
( أَنْ تَزُولا ) كراهة أن تزولا، فإنّ الممكن حال بقائه لا بدّ له من حافظ. أو يمنعهما أن تزولا، لأنّ الإمساك منع.
( وَلَئِنْ زالَتا ) وإن قدّر أن تزولا عن مراكزهما( إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ) من بعد الله، أو من بعد الزوال. والجملة سادّة مسدّ جواب القسم وجواب الشرط. و «من» الأولى زائدة. والثانية للابتداء.
( إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ) غير معاجل بالعقوبة، حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدّا، لعظم كلمة الشرك، كما قال:( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ) (١) .
( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ
__________________
(١) مريم: ٩٠.
وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) )
روي: أنّ قريشا لـمّا بلغهم أنّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم، قالوا: لعن الله اليهود والنصارى، لو أتانا رسول لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم، أي: اليهود والنصارى وغيرهم. فلمّا بعث رسول الله كذّبوه، فحكى الله سبحانه من قولهم وفعلهم بقوله :
( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) يعني: كفّار مكّة حلفوا بالله قبل أن يأتيهم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بأيمان غلاظ، غاية وسعهم وطاقتهم( لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ ) من جهة الله( لَيَكُونُنَّ أَهْدى ) إلى قبول قوله واتّباعه( مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ) أي: من واحدة منهم.
أو من الأمّة الّتي يقال لها: هي إحدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة.
( فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ) يعني: محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم ( ما زادَهُمْ ) أي: النذير. أو مجيئه، على الإسناد المجازي تسبّبا، لأنّه هو السبب، كقوله:( فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) (١) ( إِلَّا نُفُوراً ) تباعدا عن الحقّ، وهربا منه.
( اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ ) عتوّا على الله، وأنفة من أن يكونوا تبعا لغيرهم.
وهذا بدل من «نفورا». أو مفعول له، أي: لاستكبارهم في الأرض. أو حال، بمعنى: مستكبرين. وكذا قوله:( وَمَكْرَ السَّيِّئِ ) أصله: وأن مكروا المكر السيّئ برسول الله وأصحابه. فحذف الموصوف استغناء بوصفه بدل «أن»، مع الفصل بالمصدر، ثمّ أضيف. والدليل عليه قوله:( وَلا يَحِيقُ ) ولا يحيط( الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ) وهو الماكر. وقد حاق بهم يوم بدر.
وعن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : «لا تمكروا، ولا تعينوا ماكرا، فإنّ الله يقول: «ولا يحيق المكر السّيّئ إلّا بأهله» ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا، لقوله تعالى :
__________________
(١) التوبة: ١٢٥.
( إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) (١) .
وعن كعب أنّه قال لابن عبّاس: قرأت في التوراة: من حفر مغواة(٢) وقع فيها. قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله تعالى. وقرأ هذه الآية.
وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبّا، وقع فيه منكبّا.
( فَهَلْ يَنْظُرُونَ ) ينتظرون( إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ) سنّة الله وعادته في الأمم الماضية، بأن يهلكهم إذا كذّبوا رسله، وينزل بهم العذاب.
( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً ) إذ لا يبدّل عادته، من عقوبة من كفر نعمته وجحد ربوبيّته، بأن يجعل غير التعذيب تعذيبا( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً ) ولا يحوّلها، بأن ينقله من المكذّبين إلى غيرهم. فالتبديل: تصيير الشيء مكان غيره.
والتحويل: تصيير الشيء في غير المكان الّذي كان فيه. وأمّا التغيير: تصيير الشيء على خلاف ما كان.
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) )
__________________
(١) يونس: ٢٣.
(٢) المغواة: المضلّة. يقال: حفر لأخيه مغواة، أي: ورّطه.
ثمّ استشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق، من آثار الماضين، وعلامات هلاكهم ودمارهم، بقوله :
( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام واليمن( فَيَنْظُرُوا ) في علامات الهلاك( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) مثل عاد وثمود وقوم لوط، فيعتبروا بهم( وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ) ليسبقه ويفوته( فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً ) بالأشياء كلّها( قَدِيراً ) عليها.
ثمّ منّ الله سبحانه على خلقه بتأخيره العقاب عنهم، فقال :
( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ) من الشرك والمعاصي( ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ) ظهر الأرض( مِنْ دَابَّةٍ ) من نسمة تدبّ عليها بشؤم معاصيهم.
وعن ابن مسعود: كاد الجعل يعذّب في جحره بذنب ابن آدم. ثمّ تلا هذه الآية.
وعن أنس: إنّ الضبّ ليموت في جحره بذنب بني آدم.
وقيل: يحبس المطر، فيهلك كلّ شيء.
وقيل: المراد بالدابّة الإنس وحده، لقوله:( وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) هو يوم القيامة( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ) فيجازيهم على أعمالهم. وهذا وعيد بالجزاء.
(٣٦)
سورة يس
مكّيّة وهي ثلاث وثمانون آية. أبيّ بن كعب عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة يس يريد بها اللهعزوجل ، غفر الله له، واعطي من الأجر كأنّما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرّة. وفي رواية اخرى: اثنتين وعشرين مرّة. وأيّما مريض قرئت عنده سورة يس، نزل عليه بعدد كلّ حرف منها عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتّبعون جنازته، ويصلّون عليه، ويشهدون دفنه.
وأيّما مريض قرأها وهو في سكرات الموت، أو قرئت عنده، جاءه رضوان خازن الجنّة بشربة من شراب الجنّة، فسقاه إيّاها وهو على فراشه، فيشرب فيموت، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريّان، ويمكث في القبر وهو ريّان، ويبعث ريّان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتّى يدخل الجنّة وهو ريّان».
وقالعليهالسلام : «إنّ في القرآن سورة يشفّع قائلها، ويستغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس».
أبو بكر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «سورة يس تدعى في التوراة المعمّة. قيل: وما المعمّة؟ قال: تعمّ صاحبها خير الدنيا والآخرة، وتكابد عنه بلوى الدنيا، وتدفع عنه أهاويل الآخرة. وتدعى المدافعة والقاضية، تدفع عن صاحبها كلّ شرّ، وتقضي له كلّ حاجة. ومن قرأها عدلت له عشرين حجّة. ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله. ومن كتبها ثمّ شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة، وألف رحمة. ونزعت عنه كلّ داء وغلّة».
أنس بن مالك عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «إنّ لكلّ شيء قلبا، وقلب القرآن يس».
وعنه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من دخل المقابر فقرأ سورة يس، خفّف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات».
وروى أبو بصير عن أبي عبد اللهعليهالسلام : «إنّ لكلّ شيء قلبا، وقلب القرآن يس.
فمن قرأها في نهاره قبل أن يمسي، كان في نهاره من المحفوظين والمرزوقين حتّى يمسي.
ومن قرأها في ليله قبل أن ينام، وكلّ به ألف ملك كلّهم يستغفرون له، ويشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له.
فإذا أدخل لحده كانوا في جوف قبره يعبدون الله، وثواب عبادتهم له. وفسح له في قبره مدّ بصره، وأمن من ضغطة القبر. ولم يزل له في قبره نور ساطع إلى أعنان السماء، إلى أن يخرجه الله من قبره.
فإذا أخرجه لم تزل ملائكة الله معه يشيّعونه ويحدّثونه، ويضحكون في وجهه، ويبشّرونه بكلّ خير، حتّى يجوزوا به الصّراط والميزان، ويوقفوه من الله موقفا لا يكون عند الله خلق أقرب منه، إلّا ملائكة الله المقرّبون وأنبياؤه المرسلون.
وهو مع النّبيين واقف بين يدي الله، لا يحزن مع من يحزن، ولا يهتمّ مع من يهتمّ، ولا يجزع مع من يجزع.
ثمّ يقول له الربّ تعالى: اشفع عبدي أشفّعك في جميع ما تشفع. وسلني عبدي أعطك جميع ما تسأل. فيسأل فيعطى. ويشفع فيشفّع. ولا يحاسب فيمن يحاسب. ولا يذلّ مع من يذلّ. ولا يبكّت بخطيئة، ولا بشيء من سوء عمله، ويعطى كتابا منشورا. فيقول الناس بأجمعهم: سبحان الله ما كان لهذا العبد خطيئة واحدة! ويكون من رفقاء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليهالسلام قال: «إنّ لرسول الله اثني عشر اسما، خمسة منها في القرآن: محمّد، وأحمد، وعبد الله، ويس، ونون».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) )
واعلم أنّه لـمّا ذكر سبحانه في آخر سورة فاطر، أنّهم أقسموا بالله ليؤمننّ إن جاءهم نذير، افتتح هذه السورة بأنّهم لم يؤمنوا وقد جاءهم النذير، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يس ) قد مضى الكلام في الحروف المقطّعة عند مفتتح السور في أوّل سورة البقرة، واختلاف الأقوال فيها.
وعن ابن عبّاس وأكثر المفسّرين: أنّ معنى «يس»: يا إنسان في لغة طيّ.
على أنّ أصله: يا أنيسين، فاقتصر على شطره، لكثرة النداء به، كما قيل في القسم
في «أيمن الله»: من الله.
وقيل: معناه: يا سيّد الأوّلين والآخرين. وهذا ما روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام وأبي جعفر الباقرعليهالسلام .
وقيل: معناه: يا رجل.
وأمال الياء حمزة والكسائي وحفص وروح. وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر وورش ويعقوب النون في الواو.
( وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) أي: ذو الحكمة. أو إنّه دليل ناطق بالحكمة، كالحيّ. أو إنّه كلام حكيم يوصف بوصف المتكلّم. والواو واو القسم، أو العطف إن جعل «يس» مقسما به.
( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) لمن الّذين أرسلوا على صراط مستقيم. وهو التوحيد والاستقامة في الأمور. ويجوز أن يكون «على صراط» خبرا ثانيا، أو حالا من المستكن في الجارّ والمجرور. وفائدته: وصف الشرع بالاستقامة صريحا، وإن دلّ عليه «لمن المرسلين» التزاما.
( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) خبر مبتدأ محذوف. والمصدر بمعنى المفعول.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالنصب، بإضمار: أعني، أو بفعله المقدّر، أعني: ننزّله.
( لِتُنْذِرَ قَوْماً ) متعلّق بـ «تنزيل»، أو بمعنى «لمن المرسلين». والمعنى: إرسالك لتنذر قوما.( ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ) قوما لم يأت آباءهم من ينذرهم بالكتاب ـ يعني: آباءهم الأقربين ـ لتطاول مدّة الفترة بين عيسى ومحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . فيكون صفة مبيّنة لشدّة حاجتهم إلى إرساله. أو الّذي أنذر به. أو شيئا أنذره به آباؤهم الأبعدون.
فيكون مفعولا ثانيا لـ «تنذر». وعلى هذا «ما» موصولة، أو موصوفة. ويجوز أن تكون مصدريّة، أي: لتنذر إنذار آبائهم.
( فَهُمْ غافِلُونَ ) متعلّق بالنفي على الأوّل، أي: لم ينذروا فبقوا غافلين. يعني: عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. أو بقوله:( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) على الوجوه الآخر، أي: أرسلناك إليهم لتنذرهم، فإنّهم غافلون عمّا أنذر الله من نزول العذاب.
ثمّ أقسم سبحانه مرّة اخرى فقال:( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ ) أي: وجب وثبت قولنا( عَلى أَكْثَرِهِمْ ) يعني قوله:( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (١) ( فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) لأنّهم ممّن علم أنّهم لا يؤمنون لفرط عنادهم وتوغّلهم في الجحود.
ثمّ قرّر تصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم، بحيث لا يغني عنهم الآيات والنذر، بتمثيلهم بالّذين غلّت أعناقهم، فقال :
( إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ ) أي: فالأغلال واصلة( إِلَى الْأَذْقانِ ) إلى أذقانهم، فلا تخلّيهم يطأطئون رؤوسهم له( فَهُمْ مُقْمَحُونَ ) رافعون رؤوسهم، غاضّون أبصارهم. يقال: قمح البعير فهو قامح، إذا روى فرفع رأسه، فغضّ بصره ترفّها. والمعنى: أنّهم لا يلتفتون لفت الحقّ، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، بل كانوا رافعين رؤوسهم، لاوين أعناقهم، شامخين بأنوفهم، لا ينظرون إلى الأرض، فصاروا كأنّما جعلت الأغلال في أعناقهم.
ثمّ بتمثيلهم بالّذين أحاط بهم سدّان، فغطّى أبصارهم بحيث لا يبصرون ما قدّامهم ووراءهم، فقال :
( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ ) فأغشينا أبصارهم( فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ) يعني: أنّهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، لتسليمهم أنفسهم إلى الوساوس الشيطانيّة، والهواجس النفسانيّة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص: سدّا بالفتح. وهو لغة فيه. وقيل: ما كان بفعل
__________________
(١) هود: ١١٩.
الناس فبالفتح، وما كان بخلق الله فبالضمّ.
وإنّما أضاف ذلك إلى نفسه، لأنّ عند تلاوة القرآن عليهم، ودعوته إيّاهم، صاروا بهذه الصفة، فكأنّه سبحانه فاعل ذلك. أو لأنّ ذلك عبارة عن خذلان الله إيّاهم لـمّا كفروا عنادا. فكأنّه قال: تركناهم مخذولين، فصاروا مثل من جعلنا في عنقه غلّا، ومن بين يديه سدّا، وخلفه سدّا، وأغشينا بصره، فلا يقدر أن ينظر إلى الأرض ويبصر شيئا.
وقيل: الآيتان في بني مخزوم. وذلك أنّ أبا جهل حلف إن رأى محمدا يصلّي ليرضخنّ(١) رأسه. فأتاه وهو يصلّي، ومعه حجر ليدمغه، فلمّا رفع يده انثنت ولويت يده إلى عنقه، ولزق الحجر بيده، حتّى فكّوه عنها بجهد. فرجع إلى قومه فأخبرهم. فقال مخزوميّ: أنا أقتله بهذا الحجر. فذهب فأعماه الله. فجعل يسمع صوته ولا يراه. فرجع إلى أصحابه فلم يرهم، حتّى نادوه ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته، وحال بيني وبينه كهيئة الفعل يخطر بذنبه، ولو دنوت منه لأكلني.
وروى أبو حمزة الثمالي، عن عمّار بن عاصم، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود: أنّ قريشا اجتمعوا بباب النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرج إليهم، فطرح التراب على رؤوسهم وهم لا يبصرونه. قال عبد الله: هم الّذين سحبوا في قليب بدر.
وروى أبو حمزة عن مجاهد، عن ابن عبّاس: أنّ قريشا اجتمعوا فقالوا: لئن دخل محمد لنقومنّ إليه. فدخل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجعل الله من بين أيديهم سدّا، ومن خلفهم سدّا، فلم يبصروه. فصلّى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ أتاهم، فجعل ينثر على رؤوسهم التراب وهم لا يرونه، فلمّا خلّى عنهم رأوا التراب، وقالوا: هذا ما سحركم ابن أبي كبشة.
__________________
(١) أي: ليكسرنّ.
وعلى هذه الروايات كان ذلك صفة القوم الّذين همّوا بقتل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإضافة ذلك إلى الله سبحانه كان على الحقيقة. والمعنى: جعلنا أيديهم إلى أعناقهم، فلا يستطيعون أن يبسطوا إليه يدا. وجعلنا من بين أيدي أولئك الكفّار منعا، ومن خلفهم منعا، حتّى لم يبصروا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقيل: المراد به وصف حالهم يوم القيامة. فهو مثل قوله:( إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) (١) . وإنّما ذكر بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه.
( وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) سبق تفسيره في البقرة(٢) .
ولـمّا أخبر سبحانه عن أولئك الكفّار أنّهم لا يؤمنون، وأنّه سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار، عقّبه بذكر حال من ينتفع بالإنذار، فقال :
( إِنَّما تُنْذِرُ ) إنذارا يترتّب عليه البغية المرومة، لا الإنذار المطلق، لأنّه قد حصل للجميع( مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ ) أي: القرآن، بالتأمّل فيه والعمل به( وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ) وخاف عقابه قبل حلول ما غاب عنه ومعاينة أهواله. أو في سريرته. ولا يغترّ برحمته، فإنّه كما هو رحمان منتقم قهّار.( فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ ) من الله لذنوبه( وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) وثواب خالص من شوائب النقص.
( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى ) الأموات بالبعث. وقيل: الجهّال بالهداية.( وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا ) ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة( وَآثارَهُمْ ) الحسنة، كعلم علّموه، أو كتاب صنّفوه، أو حبيس وقفوه، كبناء مسجد أو رباط أو قنطرة، أو نحو ذلك. أو سنّة حسنة بعدهم يقتدى فيها بهم. أو آثارهم السيّئة، كوظيفة وظّفها بعض الظلّام على المسلمين، أو شيء صادّ عن ذكر الله، وإشاعة باطل، وتأسيس ظلم.
وقيل: معناه: ونكتب خطاهم إلى المساجد، لـما رواه أبو سعيد الخدري: أنّ
__________________
(١) غافر: ٧١.
(٢) راجع ج ١ ص ٥٥، ذيل الآية (٦) من سورة البقرة.
بني سلمة كانوا في ناحية من المدينة، فشكوا إلى رسول الله بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه، فنزلت.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما(١) عن أبي موسى قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم».
( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ ) وعدّدنا كلّ شيء من الحوادث( فِي إِمامٍ مُبِينٍ ) يعني: اللوح المحفوظ. والوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به، إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور. ويكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل.
وقيل: أراد به صحائف الأعمال. وسمّي مبينا، لأنّه لا يدرس أثره.
( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) )
ثمّ هدّد المعاندين من قريش بذكر عاقبة أهل أنطاكية واستئصالهم، لأجل عنادهم ومكابرتهم ولجاجهم، مع وضوح طريق الحقّ وصدق رسلهم
__________________
(١) صحيح مسلم ١: ٤٦٠ ح ٢٧٧، صحيح البخاري ١: ١٦٦.
عندهم، فقال :
( وَاضْرِبْ لَهُمْ ) ومثّل لهم. من قولهم: هذه الأشياء على ضرب واحد، أي: مثال واحد. وعندي من هذا الضرب كذا، أي: هذا المثال. وهو يتعدّى إلى مفعولين، لتضمّنه معنى الجعل. وهما:( مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ ) على حذف المضاف، أي: اجعل لهم مثلا مثل أصحاب القرية، أي: قصّة عجيبة قصّة أصحاب القرية. ويجوز أن يقتصر على واحد، ويجعل المقدّر بدلا من الملفوظ، أو بيانا له. والقرية: أنطاكية.
( إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ) بدل من «أصحاب القرية». والمرسلون رسل عيسىعليهالسلام إلى أهلها. وإسناده إلى نفسه في قوله:( إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ) لأنّه فعل رسوله وخليفته. وهما يحيى ويونس. وقيل: غيرهما.
( فَكَذَّبُوهُما ) ضربوهما، وسجنوهما( فَعَزَّزْنا ) فقوّينا. يقال: المطر يعزّز الأرض، إذا لبّدها(١) وشدّها. وتعزّز لحم الناقة، إذا اشتدّ وتصلّب. وقرأ أبو بكر مخفّفا، من: عزه إذا غلبه. وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه. ولأنّ المقصود ذكر المعزّز به، وهو قوله:( بِثالِثٍ ) برسول ثالث. وهو شمعون. وعن شعبة: اسم المرسلين: شمعون، ويوحنّا، واسم الثالث بولس. وعن ابن عبّاس وكعب: صادق، وصدوق، والثالث سلوم. والأوّل قول الأكثر.
( فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) من عند عيسى، لندعوكم إلى التوحيد، وننهاكم عن عبادة الأوثان.
( قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ) لا مزيّة لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدّعون، فلا تصلحون للرسالة، كما لا نصلح نحن لها. وإنّما رفع «بشر» هنا ونصب
__________________
(١) لبّد المطر الأرض: رشّها.
في قوله:( ما هذا بَشَراً ) (١) لأنّ «إلّا» ينقض النفي، فلا يبقى لـ «ما» المشبّهة بـ «ليس» شبه، فلا يبقى له عمل.
( وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ ) من وحي ورسالة( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ) في دعوى إرساله إيّاكم، فإنّهم اعتقدوا أنّ من كان مثلهم في البشريّة لا يصلح أن يكون رسولا، وذهب عليهم أنّ الله سبحانه يختار من يشاء لرسالته، وأنّه علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة وتحمّل أعبائها.
( قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) استشهدوا بعلم الله. وهو يجري مجرى القسم. وزادوا اللام المؤكّدة هاهنا، لأنّه جواب عن إنكارهم، بخلاف الأوّل، فإنّه ابتداء إخبار، فلا يناسبه اللام المؤكّدة.
( وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) الظاهر البيّن بالآيات الشاهدة لصحّته. وهو المحسن للاستشهاد، فإنّه لو قال المدّعي: والله إنّي لصادق فيما أدّعي، ولم يبيّنه بدليل واضح، لكان قبيحا، فلا يحسن الدعوى إلّا ببيّنة.
( قالُوا ) في جواب الرسل حين عجزوا عن إيراد شبهة، وعدلوا عن النظر في المعجزة( إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ ) تشاء منا بكم. وذلك لاستغرابهم ما ادّعوه، واستقباحهم له، وتنفّرهم عنه، فإنّ من عادة الجهّال أن يتيمّنوا بكلّ شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه. فإن أصابهم نعمة أو بلاء، قالوا: ببركة هذا وبشؤم هذا. كما حكاه الله تعالى عن القبط:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ) (٢) . وعن مشركي مكّة:( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ) (٣) . وقيل: حبس عنهم القطر فقالوا ذلك.
__________________
(١) يوسف: ٣١.
(٢) الأعراف: ١٣١.
(٣) النساء: ٧٨.
( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا ) عمّا تدّعونه من الرسالة( لَنَرْجُمَنَّكُمْ ) بالحجارة. وقيل: لنشتمنّكم.( وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ) .
( قالُوا ) يعني: الرسل( طائِرُكُمْ مَعَكُمْ ) سبب شؤمكم معكم. وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم. فأمّا الدعاء إلى التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده، ففيه غاية البركة والخير واليمن، وليس فيه شائبة الشؤم أصلا.( أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ ) وعظتم.
وجواب الشرط محذوف، مثل: تطيّرتم، أو توعّدتم بالرجم والتعذيب. وقرأ ورش وأبو عمرو: آئن بالمدّ والتسهيل. وقالون وابن كثير: أئن بالتسهيل بلا مدّ.( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فمن ثمّ جاءكم الشؤم. أو في الضلال، ولذلك توعّدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يكرّم ويتبرّك به.
وتفصيل هذه القصّة: أنّ أهل أنطاكية كانوا عبدة أصنام، فأرسل إليهم عيسى اثنين، فلمّا قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجّار صاحب يس، فسلّما عليه.
فقال الشيخ لهما: من أنتما؟
قالا: رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمان.
فقال: أمعكما آية؟
قالا: نعم، نشفي المريض، ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله.
فقال الشيخ: إنّ لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين.
قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلّع حاله.
فذهب بهما، فمسحا ابنه، فقام في الوقت بإذن الله صحيحا. فآمن حبيب، وفشى الخبر، فشفى الله على أيديهما خلقا. وبلغ
حديثهما إلى الملك، فدعاهما وقال: من أنتما؟
قالا: رسولا عيسى، جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة
من يسمع ويبصر.
فقال الملك: ولكما إله سوى آلهتنا؟
قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك.
فقال: قوما حتّى أنظر في أمركما. فحبسهما.
وعن وهب بن منبّه: بعث عيسى هذين الرسولين إلى أنطاكية، فأتياها ولم يصلا إلى ملكها، وطالت مدّة مقامهما. فخرج الملك ذات يوم، فكبّرا وذكرا الله.
فغضب الملك وأمر بحبسهما، وجلد كلّ واحد منهما مائة جلدة.
فلمّا كذّب الرسولان وضربا، بعث عيسى شمعون الصفا ـ رأس الحواريّين ـ على أثرهما لينصرهما. فدخل شمعون البلدة متنكّرا، فجعل يعاشر حاشية الملك، حتّى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه ورضي عشرته، وأنس به وأكرمه.
ثمّ قال له ذات يوم: أيّها الملك بلغني أنّك حبست رجلين في السجن، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل سمعت قولهما؟
قال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك.
قال: فإن راى الملك دعاهما حتّى نتطّلع ما عندهما.
فدعاهما الملك. فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟
قالا: الله الّذي خلق كلّ شيء، وليس له شريك.
فقال: صفا وأوجزا.
قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
قال: وما آيتكما؟
قالا: ما يتمنّى الملك.
فدعا بغلام مطموس(١) العين، وموضع عينيه كالجبهة. فدعوا الله حتّى انشقّ
__________________
(١) المطموس: الذاهب البصر.
له موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين، فوضعاهما في حدقتيه، فصارتا مقلتين(١) ينظر بهما. فتعجّب الملك. فقال له شمعون: أرايت لو سألت إلهك حتّى يصنع مثل هذا، فيكون لك ولإلهك شرفا؟
فقال: ليس لي عنك سرّ، إنّ آلهتنا لا تسمع، ولا تبصر، ولا تضرّ، ولا تنفع.
وكان شمعون يدخل معهم على آلهتهم، فيصلّي ويتضرّع، ويحسبون أنّه منهم.
ثمّ قال: إن قدر إلهكما على إحياء ميّت آمنّا به وبكما.
فقال الملك: إنّ هنا ميّتا مات منذ سبعة أيّام، لم ندفنه حتّى يرجع أبوه، وكان غائبا. فجاءوا بالميّت، وقد تغيّر وأروح(٢) . فجعلا يدعوان ربّهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربّه سرّا. فقام الميّت وقال لهم: إنّي قد متّ منذ سبعة أيّام، وأدخلت في سبعة أو دية من النار، أنا أحذّركم ما أنتم عليه، فآمنوا.
وقال: فتحت أبواب السماء، فرأيت شابّا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة.
قال: ومن هم؟
قال: شمعون وهذان. فتعجّب الملك. فلمّا رأى شمعون أنّ قوله قد أثّر فيه نصحه في جمع، فآمن هو ومن أهل مملكته قوم، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبرئيل فهلكوا.
وقد روى مثل ذلك العيّاشي بإسناده عن الثمالي وغيره، عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهمالسلام .
وفي بعض الروايات: أنّ الميّت الّذي أحياه الله بدعائهما كان ابن الملك، وأنّه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه. فقال: يا بنيّ ما حالك؟
قال: كنت ميّتا، فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله أن يحييني.
__________________
(١) المقلة: شحمة العين، أو هي السواد والبياض منها.
(٢) أروح الماء: أنتن وفسد ووجد ريحه.
قال: يا بنيّ فتعرفهما إذا رأيتهما؟
قال: نعم.
فأخرج الناس إلى الصحراء، فكان يمرّ عليه رجل بعد رجل. فمرّ أحدهما بعد جمع كثير، فقال: هذا أحدهما، ثمّ مرّ الآخر، فعرفهما، وأشار بيده إليهما. فآمن الملك وأهل مملكته.
( وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) )
وقال ابن إسحاق: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ
ذلك حبيبا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم، يذكّرهم ويدعوهم إلى طاعة الرسول، كما حكاه الله تعالى بقوله:( وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ) يعني: حبيب النجّار. كان ينحت أصنامهم. وهو ممّن آمن بمحمّد، وبينهما ستّمائة سنة.
وقيل: كان في غار يعبد الله، فلمّا بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة.
( قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ) على النصح وتبليغ الرسالة( وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) وهذا كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، وتربحون صحّة دينكم، فينتظم لكم خير الدارين.
ثمّ أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، ليتلطّف بهم في الإرشاد، ويداريهم، ولأنّه أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه، فقال :
( وَما لِيَ ) بفتح الياء، على قراءة غير حمزة، فإنّه يسكن الياء في وصله بقوله:( لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ) مراده منه تقريعهم على إشراكهم في عبادة خالقهم عبادة غيره. ولذلك قال:( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) مبالغة في التهديد. ولو لا أنّه قصد ذلك لقال: الّذي فطرني وإليه أرجع.
ثمّ عاد إلى المساق الأوّل فقال:( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً ) لا تنفعني شفاعتهم. والمعنى: لا شفاعة لهم فتغني.
( وَلا يُنْقِذُونِ ) من ذلك الضرر بالنصر والمظاهرة بوجه من الوجوه.
( إِنِّي إِذاً ) أي: حين أوثر ما لا ينفع ولا يدفع ضرّا بوجه ما، على الخالق المقتدر على النفع والضرّ وإشراكه به( لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) لا يخفى على عاقل. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء. وكذلك في قوله:( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ ) الّذي خلقكم
( فَاسْمَعُونِ ) فاسمعوا قولي وأطيعوني.
وعن ابن مسعود: الخطاب للرسل، فإنّه لـمّا نصح قومه أخذوا يرجمونه، فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال: إنّي آمنت بربّكم أيّها الرسل، فاسمعوا إيماني تشهدوا لي به.
( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) قيل له ذلك لـمّا قتلوه بشرى له بأنّه من أهل الجنّة، أو إكراما وإذنا في دخولها كسائر الشهداء.
وعن الحسن: لـمّا همّوا بقتله رفعه الله إلى الجنّة، وهو فيها حيّ يرزق. فأراد به قوله:( بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (١) . وإنّما لم يقل: له، لأنّ الغرض بيان المقول وعظمه، دون المقول له، فإنّه معلوم.
والكلام استئناف في حيّز الجواب عن السؤال عن حاله عند لقاء ربّه. كأنّ قائلا قال: كيف كانت حاله بعد تصلّبه في نصر دينه؟ فقيل: قيل ادخل الجنّة.
ولذلك( قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) فإنّه مرتّب على تقدير سؤال سائل سأل بحاله، ليحملهم على اكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان والطاعة المفضيين بأهلهما إلى الجنّة، على دأب الأولياء في كظم الغيظ، والترحّم على الأعداء. أو ليعلموا أنّهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنّه كان على الحقّ.
و «ما» موصولة أو مصدريّة. والباء صلة «يعلمون». ويحتمل أن تكون استفهاميّة جاءت على الأصل، والباء صلة «غفر لي». يريد به المهاجرة عن دينهم، والمصابرة على أذيّتهم حتّى قتل. والمعنى: بأيّ شيء غفر لي ربّي؟ إلّا أنّ حذف الألف من لفظة «ما» حينئذ أجود من إثباته.
وفي تفسير الثعلبي بالإسناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(١) آل عمران: ١٦٩ ـ ١٧٠.
«سبّاق الأمّة ثلاثة، لم يكفروا طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون. فهم الصدّيقون، وعليّعليهالسلام أفضلهم».
ثمّ حكى سبحانه ما أنزله بقومه من العذاب والاستئصال، فقال استحقارا لإهلاكهم، وإيماء بتعظيم رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ ) أي: من بعد قتله، أو رفعه( مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ ) من جنود السماء لإهلاكهم( وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ) وما صحّ في حكمتنا أن ننزّل جندا لإهلاك قومه، كما أرسلنا وأنزلنا منها جنودا لم تروها يوم بدر والخندق، حيث قال:( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (١) ( بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) (٢) ( بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) (٣) . وما كان ذلك إلّا تعظيما لرسوله وفضله وأمّته على سائر الأنبياء وأممهم. فكأنّه أشار بقوله: «وَما أَنْزَلْنا » «وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ » إلى أنّ إنزال الجنود من عظائم الأمور الّتي لا يؤهّل لها إلّا مثلك، وما كنّا نفعله بغيرك.
وقيل: «ما» موصولة معطوفة على «جند» أي: وممّا كنّا منزلين على من قبلهم، من حجارة وريح وأمطار شديدة.
ثمّ بيّن سبحانه بأيّ شيء كان هلاكهم، فقال:( إِنْ كانَتْ ) ما كانت الأخذة أو العقوبة( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) صاح بها جبرئيل. وقرأ أبو جعفر بالرفع على «كان» التامّة، أي: وما وقعت إلّا صيحة. والقياس والاستعمال على تذكير الفعل، لأنّ المعنى: ما وقع شيء إلّا صيحة، ولكنّه نظر إلى ظاهر اللفظ، وأنّ الصيحة في حكم فاعل الفعل.( فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ) ميّتون. شبّهوا بالنار، رمزا إلى أنّ الحيّ كالنار الساطعة والميّت كرمادها، كما قال لبيد :
__________________
(١) الأنفال: ٩.
(٢) آل عمران: ١٢٤ ـ ١٢٥.
(٣) آل عمران: ١٢٤ ـ ١٢٥.
وما المرء إلّا كالشهاب وضوئه |
يحور(١)
رمادا بعد إذ هو ساطع |
روي: أنّهم لـمّا قتلوا حبيب النجّار غضب الله عليهم، فبعث جبرئيل حتّى أخذ بعضادتي باب المدينة، ثمّ صاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، لا يسمع لهم حسّ، كالنار إذا طفئت.
واعلم أنّ الله سبحانه أجرى هلاك كلّ قوم على بعض الوجوه، بناء على ما اقتضته الحكمة، وأوجبته المصلحة. ألا ترى إلى قوله:( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ) (٢) .
ثمّ نادى الحسرة عليهم بقوله:( يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ) كأنّه قيل للحسرة: تعالي فهذه الحالة من الأحوال الّتي من حقّها أن تحضري فيها. وهي ما دلّ عليها قوله:( ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) فإنّ المستهزئين بالناصحين المخلصين ـ المنوط بنصحهم خير الدارين ـ أحقّاء بأن يتحسّر عليهم المتحسّرون، ويتلهّف على حالهم المتلهّفون. أو هم متحسّر عليهم من جهة الملائكة. ويجوز أن يكون تحسّرا من الله عليهم على سبيل الاستعارة، لتعظيم ما جنوه على أنفسهم.
( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
__________________
(١) أي: ينقص فيرجع رمادا.
(٢) العنكبوت: ٤٠.
أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) )
ثمّ خوّف سبحانه كفّار مكّة بقوله:( أَلَمْ يَرَوْا ) ألم يعلموا. وهو معلّق عن العمل في قوله:( كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ) لأنّ «كم» لا يعمل فيها ما قبلها، وإن كانت خبريّة، لأنّ أصلها الاستفهام. ويسمّى كلّ عصر قرنا، لاقترانهم في الوجود.
( أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) بدل من «كم» على المعنى، أي: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم في الدنيا، فيعتبروا بهم أنّهم سيصيرون إلى مثل حالهم، فينظروا لأنفسهم، ويحذروا أن يأتيهم الهلاك، وهم في غفلة وغرّة كما أتاهم.
( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ) يوم القيامة للجزاء. و «إن» مخفّفة من الثقيلة. واللام هي اللام الفارقة. و «ما» مزيدة للتأكيد. وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم «لمّا» بالتشديد، بمعنى: إلّا فتكون «إن» نافية. والتنوين في «كلّ» هو الّذي يقع عوضا عن المضاف إليه، كقولك: مررت بكلّ قائما. و «جميع» فعيل بمعنى مفعول. و «لدينا» ظرف له، أو لـ «محضرون». والمعنى: إن كلّهم ـ من الماضين والباقين ـ مجموعون محشورون للحساب والجزاء على وفق أعمالهم.
ثمّ نبّه على بعثهم بقوله:( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ) أي: دلالة واضحة، وحجّة قاطعة لهم على قدرتنا على بعث الأرض القحطة المجدبة الّتي لا تنبت. وقرأ نافع بالتشديد.( أَحْيَيْناها ) خبر للأرض. والجملة خبر «آية» أو صفة لها، إذ لم يرد بها معيّنة، فعوملت معاملة النكرات. ونحوه: ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني.
و «الأرض» خبر أو مبتدأ، والآية خبرها، أو استئناف لبيان( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ) .
( وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا ) جنس الحبّ، من الشعير والحنطة والأرز وغيرها
( فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) قدّم الصلة، للدلالة على أنّ الحبّ معظم ما يؤكل ويعاش به، ومنه صلاح الإنس، وإذا قلّ جاء القحط ووقع الضرّ، وإذا فقد جاء الهلاك.
( وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ ) بساتين( مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) من أنواع النخل والعنب، ولذلك جمعهما دون الحبّ، فإنّ الدالّ على الجنس مشعر بالاختلاف، ولا كذلك الدالّ على الأنواع. وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحبّ. وجمع الأعناب لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع.
( وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ) أي: شيئا من العيون. فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. أو العيون، و «من» مزيدة عند الأخفش.
( لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) ثمر ما ذكر. وهو الجنّات. وقيل: الضمير لله على طريقة الالتفات. والإضافة إليه، لأنّ الثمر بخلقه وفعله. فالمعنى: ليأكلوا ممّا خلقه الله من الثمر. وقرأ حمزة والكسائي بضمّتين(١) . وهو لغة فيه، أو جمع ثمر.
( وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) عطف على الثمر. والمراد: ما يتّخذ منه، كالعصير والدبس، وغير ذلك من الأعمال. يعني: أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كدّ بني آدم. وقيل: «ما» نافية. والمعنى: أنّ الثمر بخلق الله لا بفعلهم. ويؤيّد الأوّل قراءة الكوفيّين غير حفص بلا هاء، فإنّ حذفه من الصلة أحسن من غيرها.( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) أمر بالشكر من حيث إنّه إنكار لتركه.
ثمّ نزّه سبحانه نفسه وعظّمها، دالّا بذلك على أنّه هو الّذي يستحقّ منتهى الحمد وغاية الشكر، فقال :
( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها ) أي: تنزيها وتعظيما وبراءة عن السوء، للّذي خلق جميع الأنواع والأصناف( مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ) من سائر النبات والشجر( وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الذكر والأنثى( وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) وأزواجا ممّا لم يطلعهم الله
__________________
(١) أي: ثمره.
عليه، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته. ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به، لأنّه لا حاجة بهم في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم، وفي الإعلام بكثرة ما خلق ـ ممّا علموه وممّا جهلوه ـ ما يدلّ على عظم قدرته واتّساع ملكه.
( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) )
( وَآيَةٌ ) ودلالة اخرى( لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ) نكشفه عن مكانه.
يعني: ننزع ونخرج منه ضوء الشمس، فيبقى الهواء مظلما كما كان، لأنّ الله سبحانه يضيء الهواء بضياء الشمس، فإذا انسلخ منه الضياء ـ أي: كشط وأزيل ـ يبقى مظلما. مستعار من: سلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأزاله. والكلام في إعرابه ما سبق.
( فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ) داخلون في الظلام، لا ضياء لهم فيه. فجعل سبحانه الليل كالجسم المظلم، والنهار كالقشر. أو جعل النهار لأنّه عارض كالكسوة، والليل لأنّه أصل كالجسم.
( وَالشَّمْسُ تَجْرِي ) في فلكها إلى آخر السنة( لِمُسْتَقَرٍّ لَها ) لحدّ معيّن ينتهي إليه دورها. فشبّه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره. أو لمنتهى لها مقدّر لكلّ يوم من المشارق والمغارب، فإنّ لها في دورها ثلاثمائة وستّين مشرقا ومغربا ،
تطلع كلّ يوم من مطلع وتغرب من مغرب، حتّى تبلغ أقصاها، ثمّ لا تعود إليهما إلى العام القابل، فذلك حدّها ومستقرّها. أو لمنقطع جريها عند خراب العالم. أو لاستقرار لها على نهج مخصوص، لا تعدوه ولا تختلف. أو لكبد السماء، فإنّ حركتها فيه يوجد فيها إبطاء، بحيث يظنّ أنّ لها هناك وقفة.
( ذلِكَ ) الجري على هذا التقدير المتضمّن للحكم الّتي تكلّ الفطن عن إحصائها( تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ) الغالب بقدرته على كلّ مقدور( الْعَلِيمِ ) المحيط علمه بكلّ معلوم.
( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ ) مرفوع بالابتداء، أو بعطفه على الليل. وقرأ الكوفيّون وابن عامر بنصب الراء بفعل يفسّره «قدّرناه». وعلى التقديرين، معناه: قدّرنا مسيره.( مَنازِلَ ) أو قدّرنا سيره في منازل.
وهي ثمانية وعشرون: الشرطين، البطين، الثريّا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بالع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدّم، فرغ الدلو المؤخّر، الرشاء، وهو بطن الحوت. ينزل كلّ ليلة في واحد منها، لا يتخطّاه ولا يتقاصر عنه، بل يكون على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها كلّ ليلة من المستهلّ إلى الثامنة والعشرين، ثمّ يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر.
وهذه المنازل هي مواقع النجوم الّتي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة.
وإذا كان القمر في آخر منازله دقّ واستقوس.
( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ ) كالشمراخ المعوّج. «فعلون» من الانعراج، وهو الاعوجاج.( الْقَدِيمِ ) العتيق. قيل: إنّ العرجون يصير معوّجا في كلّ ستّة أشهر.
روى عليّ بن إبراهيم بإسناده قال: «دخل أبو سعيد المكاري ـ وكان واقفيّا ـ على أبي الحسن الرضاعليهالسلام فقال له: أبلغ من قدرك أنّك تدّعي ما ادّعاه أبوك؟
فقال له أبو الحسنعليهالسلام : مالك أطفأ الله نورك، وأدخل الفقر بيتك، أما علمت أنّ اللهعزوجل أوحى إلى عمران: أنّي واهب لك ذكرا يبرئ الأكمه والأبرص. فوهب له مريم، ووهب لمريم عيسى. فعيسى من مريم، ومريم من عيسى، وعيسى ومريم شيء واحد. وأنا من أبي، وأبي منّي، وأنا وأبي شيء واحد.
فقال له أبو سعيد: فأسألك عن مسألة؟
قال سل، ولا تقبل منّي، ولست من غنمي، ولكن هلمّها.
قال: ما تقول في رجل قال عند موته: كلّ مملوك لي قديم، فهو حرّ لوجه الله تعالى؟
فقال أبو الحسنعليهالسلام : ما ملكه لستّة أشهر فهو قديم، وهو حرّ.
قال: وكيف صار كذلك؟
قال: لأنّ الله تعالى يقول:( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) . سمّاه قديما، ويعود كذلك لستّة أشهر.
قال: فخرج أبو سعيد من عنده، وذهب بصره، وكان يسأل على الأبواب حتّى مات».
( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ) لا يصحّ لها ولا يتسهّل ويستقيم( أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) في سرعة سيره، لأنّ الشمس أبطأ سيرا من القمر، فإنّها تقطع منازلها في سنة، والقمر يقطعها في شهر. والله سبحانه يجريهما إجراء التدوير، وباين بين فلكيهما ومجاريهما، فلا يمكن أن يدرك أحدهما الآخر ما داما على هذه الصفة. وإن كان سيرهما مساويا في السرعة والبطء، يخلّ بتكوّن النبات وتعيّش الحيوان. أو في آثاره ومنافعه. أو مكانه، بالنزول إلى محلّه، فإنّ القمر في السماء الدنيا، والشمس في الرابعة. أو سلطانه، فتطمس نوره. وإيلاء حرف النفي «الشمس» للدلالة على أنّها مسخّرة، لا يتيسّر لها إلّا ما أريد بها.
( وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) يسبقه فيفوته، ولكن يعاقبه. وقيل: المراد بهما
آيتاهما، وهما النّيران، وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس. فيكون عكسا للأوّل. وتبديل الإدراك بالسبق لأنّه الملائم لسرعة سيره.
( وَكُلٌ ) التنوين فيه عوض عن المضاف إليه. والمعنى: وكلّهم. والضمير للشموس والأقمار.( فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يسيرون فيه بانبساط. وكلّ ما انبسط في شيء فقد سبح فيه. ومنه السباحة في الماء. ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبّر في ذلك، وينقض ما ألّف، فيجمع بين الشمس والقمر، ويطلع الشمس من مغربها.
وإنّما قال: «يسبحون» بالواو والنون، لأنّه وصفها بصفة من يعقل.
وقال ابن عبّاس: يسبحون، أي: يجري كلّ واحد منها في فلكه، كما يدور المغزل في الفلكة.
( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) )
ثمّ امتنّ سبحانه على خلقه بذكر فنون نعمه الأخر، دالّا بذلك على وحدانيّته، وكمال قدرته وعلمه، فقال :
( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ) أولادهم الّذين يبعثونهم إلى تجاراتهم، أو صبيانهم ونساءهم الّذين يستصحبونهم، فإنّ الذرّيّة تقع عليهنّ، لأنّهنّ مزارعها.
وفي الحديث: أنّه نهى عن قتل الذراري، يعني: النساء. وتخصيصهم بالحمل في الفلك لضعفهم، ولأنّه لا قوّة لهم على السفر كقوّة الرجال. فتمكّنهم في السفن أشقّ، وتماسكهم فيها أعجب. وقرأ نافع وابن عامر: ذرّيّاتهم.
( فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) المملوء. وقيل: المراد فلك نوح. وحمل الله ذرّيّاتهم فيها، أنّه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم ذرّيّاتهم. وتخصيص الذرّيّة، لأنّه أبلغ في الامتنان، وأدخل في التعجّب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح.
وعن الضحّاك وقتادة وجماعة من المفسّرين: أنّ المراد من ذرّيّتهم آباؤهم وأجدادهم الّذين هؤلاء من نسلهم، في سفينة نوح المملوءة من النّاس، وما يحتاج إليه من فيها، فسلموا من الغرق، فانتشر منهم بشر كثير. وسمّي الآباء ذرّيّة من: ذرأ الخلق، لأنّ الأولاد خلقوا منهم. ويسمّى الأولاد ذرّيّة، لأنّهم خلقوا من الآباء.
( وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ) من مثل الفلك( ما يَرْكَبُونَ ) من الإبل، فإنّها سفائن البرّ. أو من مثل سفينة نوح من السفن والزوارق.
( وَإِنْ نَشَأْ ) إذا حملناهم في السفن( نُغْرِقْهُمْ ) بتهييج الرياح والأمواج( فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ) فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق( وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ) ينجون من الموت به( إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً ) إلّا لرحمة ولتمتيع بالحياة( إِلى حِينٍ ) زمان قدّر لآجالهم.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ) من الوقائع الّتي خلت في الأمم المكذّبة
بأنبيائهم( وَما خَلْفَكُمْ ) من العذاب المعدّ في الآخرة. أو من نوازل السماء ونوائب الأرض، كقوله:( أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) (١) . أو من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة، أو عكسه. أو ما تقدّم من الذنوب وما تأخّر.
وروى الحلبي عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «معناه: اتّقوا ما بين أيديكم من الذنوب وما خلفكم من العقوبة»( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) لتكونوا راجين رحمة الله.
وجواب «إذا» محذوف دلّ عليه قوله:( وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) كأنّه قال: وإذا قيل لهم اتّقوا العذاب أعرضوا. ثمّ قال: ودأبهم الإعراض عند كلّ آية وموعظة، واعتادوه وتمرّنوا عليه.
( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ) في طاعته( مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) على محاويجكم، أي: أخرجوا ما أوجب عليكم في أموالكم( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالصانع. يعني: المعطّلة من أهل مكّة الّذين كانوا منكرين أن يكون الغنا والعفو من الله.( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) تهكّما بهم من إقرارهم به، وتعليقهم الأمور بمشيئته( أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ ) على زعمكم، أي: احتجّوا في منع الحقوق، بأن قالوا: كيف نطعم من يقدر الله على إطعامه، ولو شاء أطعمه، فإذا لم يطعم دلّ على أنّه لم يشأ إطعامه. وذهب عنهم أنّ الله سبحانه إنّما تعبّدهم بذلك لـما لهم فيه من المصلحة، فأمر الغنيّ بالإنفاق على الفقير ليكسب به الأجر والثواب.
قيل: قاله مشركو قريش، حين استطعمهم فقراء المؤمنين، إيهاما بأنّ الله لـمّا كان قادرا أن يطعمهم ولم يطعمهم، فنحن أحقّ بذلك. وهذا من فرط جهالتهم، فإنّ الله يطعم بأسباب، منها حثّ الأغنياء على إطعام الفقراء.
( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله. ويجوز أن يكون جوابا من الله لهم، أو حكاية لجواب المؤمنين لهم.
__________________
(١) سبأ: ٩.
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) )
( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ ) يعنون وعد البعث( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) وهذا استهزاء منهم بخبر النبيّ والمؤمنين بوقوع البعث.
فقال في جوابهم:( ما يَنْظُرُونَ ) ما ينتظرون( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) هي النفخة الأولى( تَأْخُذُهُمْ ) أو القيامة تأتيهم بغتة( وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم، لا يخطر ببالهم أمرها، كقوله:( أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) (١) .
وفي الحديث: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتّى تقوم. والرجل يرفع أكلته إلى فيه، فما تصل إلى فيه حتّى تقوم. والرجل يليط(٢) حوضه ليسقي ماشيته، فما يسقيها حتّى تقوم».
__________________
(١) يوسف: ١٠٧.
(٢) لاط الحوض: طيّنه لئلّا ينشف الماء.
وقيل: وهم يختصمون هل ينزل بهم العذاب أم لا؟
وأصل «يخصّمون» يختصمون، فأسكنت التاء وأدغمت، ثمّ كسرت الخاء، لالتقاء الساكنين.
وروي عن أبي بكر بكسر الياء، للإتباع. وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء، على إلقاء حركة التاء إليه. وأبو عمرو وقالون به مع الاختلاس(١) . وعن نافع الفتح فيه والإسكان والتشديد. وكأنّه جوّز الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مدغما. وقرأ حمزة: يخصمون، من: خصمه إذا جادله.
( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ) في شيء من أمورهم( وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم، فيروا أحوالهم، بل يموتون حيث تفاجئهم الصيحة.
( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) أي: مرّة ثانية. وقد سبق تفسيره في سورة المؤمنين(٢) .
( فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ ) من القبور. جمع جدث.( إِلى رَبِّهِمْ ) إلى الموضع الّذي يحكم الله فيه، لا حكم لغيره هناك( يَنْسِلُونَ ) يسرعون.
فلمّا رأوا أهوال القيامة( قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ) من منامنا الّذي كنّا فيه. وفيه ترشيح ورمز وإشعار بأنّهم لاختلاط عقولهم يظنّون أنّهم كانوا نياما.
وقيل: إنّهم لـمّا عاينوا أهوال القيامة، عدّوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى تلك الأهوال رقادا. وسكت حفص على «مرقدنا» سكتة لطيفة. ووقف غيره عليه.
( هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ ) مبتدأ وخبر. و «ما» مصدريّة. أو موصولة محذوفة الراجع، أي: هذا الّذي وعده الرحمن والّذي صدّقه المرسلون صدقوا فيه. من
__________________
(١) اختلس القارئ الحركة: لم يبلّغها. ويقابله الإشباع. وهو: تبليغ الحركة حتّى تصير حرف مدّ.
(٢) راجع ج ٤ ص ٤٦٦، ذيل الآية (١٠١) من سورة المؤمنون.
قولهم: صدقوهم الحديث. او «هذا» صفة لـ «مرقدنا». و «ما وعد» خبر محذوف. أو مبتدأ خبره محذوف، أي: ما وعد الرحمن( وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) حقّ. وهو من كلامهم، يتذكّرون ما سمعوه من الرسل، فيجيبون به أنفسهم، أو بعضهم بعضا.
وقيل: جواب للملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم، تذكيرا لكفرهم، وتقريعا لهم عليه، وتنبيها بأنّ الّذي يهمّهم هو السؤال عن البعث دون الباعث. فكأنّه قيل لهم: ليس الأمر كما تظنّون، فإنّه ليس البعث الّذي عرفتموه هو بعث النائم من مرقده، فيهمّكم السؤال عن الباعث، إنّ هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال الشديدة، والأفزاع العظيمة.
( إِنْ كانَتْ ) ما كانت الفعلة( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) هي النفخة الأخبرة( فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ ) مجموعون في عرصات القيامة( لَدَيْنا ) عند محاسبتنا إيّاهم( مُحْضَرُونَ ) بمجرّد تلك الصيحة. وفي كلّ ذلك تهوين أمر البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسباب الّتي ينوطان بها، فيما يشاهده الأوّلون والآخرون.
ثمّ حكى سبحانه ما يقوله في ذلك اليوم للخلائق، تمكينا له في نفوسهم، وزيادة لتصوير الموعود، وترغيبا في الحرص عليه، فقال :
( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ) لا ينقص من له حقّ شيئا من حقّه من الثواب أو العوض، ولا يفعل به ما لا يستحقّه من العقاب، بل الأمور جارية على مقتضى العدل. وذلك قوله:( وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) )
ثمّ ذكر حال أوليائه بقوله:( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ) متلذّذون فرحون في النعمة. من الفكاهة. وفي تنكير «شغل» وإبهامه تعظيم لـما هم فيه من البهجة التامّة والتلذّذ الكامل، وتنبيه على أنّه أعلى ما تحيط به الأفهام، ويفسّر عن كنه الكلام، فلا يهتمّون بأهل النار ونكالهم، وإن كانوا أقاربهم.
وعن ابن مسعود وابن عبّاس: أنّهم شغلوا بافتضاض الأبكار. وهو المرويّ عن الصادقعليهالسلام .
وقيل: باستماع الألحان.
وقيل: شغلهم في الجنّة سبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاء. فثواب الرجل بقوله:( ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ ) (١) . وثواب اليد( يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً ) (٢) . وثواب الفرج( وَحُورٌ عِينٌ ) (٣) . وثواب البطن( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً ) (٤) وثواب اللسان( وَآخِرُ دَعْواهُمْ ) (٥) الآية. وثواب الأذن( لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً ) (٦) .
وثواب العين( وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) (٧) .
وقرأ ابن كثير ونافع: في شغل بالسكون. ويعقوب في رواية: فكهون، للمبالغة. وهما خبران لـ «إنّ». ويجوز أن يكون «في شغل» صلة لـ «فاكهون».
( هُمْ وَأَزْواجُهُمْ ) وحلائلهم في الدنيا ممّن وافقهم على إيمانهم. أو أزواجهم اللّاتي زوّجهم الله تعالى من الحور العين.( فِي ظِلالٍ ) جمع ظلّ، كالشعاب جمع الشعب. أو ظلّة، كقلال وقلّة. ويؤيّده قراءة حمزة والكسائي: في ظلل.( عَلَى
__________________
(١) الحجر: ٤٦.
(٢) الطور: ٢٣.
(٣) الواقعة: ٢٢.
(٤) الطور: ١٩.
(٥) يونس: ١٠.
(٦) مريم: ٦٢.
(٧) الزخرف: ٧١.
الْأَرائِكِ ) على السرر المزيّنة. جمع الأريكة. وهي السرير في الحجلة.( مُتَّكِؤُنَ ) جالسون جلوس الملوك.
و «هم» مبتدأ، خبره «في ضلال». و «على الأرائك» جملة مستأنفة، أو خبر ثان. أو «متّكؤن»، والجارّان صلتان له. أو «هم» تأكيد للضمير في «شغل»، أو في «فاكهون». و «على الأرائك متّكئون» خبر آخر. و «أزواجهم» عطف على «هم» لأنّهم يشاركنهم في الأحكام الثلاثة، أعني: الفكاهة والظلال والاتّكاء. و «في ظلال» حال من المعطوف ـ وهو: أزواجهم ـ والمعطوف عليه، وهو ضمير «هم».
( لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ ) ما يدّعون به لأنفسهم. يفتعلون من الدعاء، كاشتوى إذا شوى لنفسه. أو ما يتداعونه، كقولك: ارتموه، بمعنى: تراموه. أو يتمنّون، من قولهم: ادّع عليّ ما شئت، بمعنى: تمنّه عليّ. أو ما يدعونه في الدنيا من الجنّة ودرجاتها.
و «ما» موصولة، أو موصوفة، مرتفعة بالابتداء، و «لهم» خبرها. وقوله:( سَلامٌ ) بدل منها، أو صفة اخرى.
وقيل: «ما يدّعون» مبتدأ، وخبره «سلام» بمعنى: ولهم ما يدّعون خالص لا شوب فيه. أو خبر محذوف. أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: القول بينهم سلام.
( قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) أي: يقول الله. أو يقال لهم قولا كائنا من جهته.
والمعنى: أنّ الله يسلّم عليهم بواسطة الملائكة تعظيما لهم، وذلك مطلوبهم ومتمنّاهم.
وعن ابن عبّاس: الملائكة يدخلون عليهم بالتحيّة من ربّ العالمين، فيقولون: سلام عليكم من ربّكم الرحيم. ويحتمل نصبه على الاختصاص.
( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ
مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) )
ثمّ ذكر سبحانه أهل النار، فقال:( وَامْتازُوا الْيَوْمَ ) وانفردوا اليوم عن المؤمنين( أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) معاشر العصاة. وذلك حين يسار بهم إلى الجنّة. ونحوه قوله:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ) (١) .
وقيل: اعتزلوا من كلّ خير. أو تفرّقوا في النار، فإنّ لكلّ كافر بيتا ينفرد به، لا يرى ولا يرى.
ثمّ خصّهم سبحانه بالتوبيخ، فقال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) تقريعا لهم، وإلزاما للحجّة. وعهده إليهم ما نصب لهم من الحجج العقليّة والسمعيّة، الآمرة بعبادته، الزاجرة عن عبادة غيره. وجعلها عبادة الشيطان لأنّه الآمر بها والمزيّن لها( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) ظاهر عداوته، فإنّه يدعوكم إلى ما فيه هلاكك.
__________________
(١) الروم: ١٤.
( وَأَنِ اعْبُدُونِي ) عطف على «أَنْ لا تَعْبُدُوا »( هذا ) إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادة الله( صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) إلى الجنّة. والجملة استئناف لبيان المقتضي للعهد بشقّيه، أو بالشقّ الآخر. والتنكير للمبالغة والتعظيم، أي: صراط بليغ في استقامته، جامع لكلّ شرط يجب أن يكون عليه. أو للتبعيض، فإنّ التوحيد سلوك بعض الطريق المستقيم.
ثمّ رجع إلى بيان معاداة الشيطان بقوله:( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً ) خلقا كثيرا، بأن دعاهم إلى الإغواء والإضلال. وقرأ يعقوب بضمّتين(١) . وابن كثير وحمزة والكسائي بهما مع تخفيف اللام. وابن عامر وأبو عمرو بضمّة وسكون مع التخفيف. والكلّ لغات.( أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) فإنّه وضح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي. وفي هذا بطلان مذهب أهل الجبر في أنّ الله سبحانه أراد إضلالهم.
( هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) بها في دار التكليف، حاضرة لكم تشاهدونها( اصْلَوْهَا الْيَوْمَ ) الزموا العذاب بها، وذوقوا حرّها. وأصل الصلاء: اللزوم. ومنه المصلّي الّذي يجيء في أثر السابق، للزومه أثره.( بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) بكفركم في الدنيا.
( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ ) نمنعها عن الكلام، فلا يقدرون على التكلّم( وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ ) بما عملوا( وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) بظهور آثار المعاصي عليها، ودلالتها على أفعالها. فسمّي ذلك شهادة منها، كما تقول: عيناك تشهدان بسهرك، أو بإنطاق الله إيّاها. وفي الحديث: أنّهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله.
ثمّ أخبر سبحانه عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفّار الّذين جحدوا وحدانيّته، فقال تهديدا لهم :
__________________
(١) أي: جبلّا.
( وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ ) لمسحنا أعينهم، حتّى تصير ممسوحة ممحوّا أثرها( فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ) فاستبقوا إلى الطريق الّذي اعتادوا سلوكه.
وانتصابه بنزع الخافض. أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار. أو جعل المسبوق إليه مسبوقا على الاتّساع. أو بالظرف.( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) الطريق وجهة السلوك، فضلا عن غيره؟
وعن ابن عبّاس: معنى الآية: ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، فطلبوا طريق الحقّ وقد عموا عنه، فكيف يبصرون؟
( وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ ) بتغيير صورهم، وإبطال قواهم، كالحجارة( عَلى مَكانَتِهِمْ ) أي: مكانهم الّذي هم فيه قعود. والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. وقرأ أبو بكر: مكاناتهم.( فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ) ذهابا( وَلا يَرْجِعُونَ ) ولا رجوعا. فوضع الفعل موضعه للفواصل. وقيل: ولا يرجعون عن تكذيبهم.
والمعنى: أنّهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقّاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرحمة لهم، واقتضاء الحكمة إهمالهم.
وعن ابن عبّاس: معناه: لمسخناهم قردة وخنازير.
وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم وأزمنّاهم(١) .
( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ) ومن نطل عمره( نُنَكِّسْهُ ) نقلّبه( فِي الْخَلْقِ ) فلا يزال يتزايد ضعفه، وانتقاض بنيته وقواه، عكس ما كان عليه بدء أمره. وابن كثير يشبع ضمّة الهاء على أصله. وقرأ عاصم وحمزة: ننكّسه، من التنكيس. وهو أبلغ. والنكس أشهر.
والملخّص: إنّا نقلّبه فنخلقه على عكس ما خلقناه قبلا، بأن خلقناه على ضعف في جسده، وخلوّ من عقل وعلم، ثمّ جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى
__________________
(١) أزمن الله فلانا: ابتلاه بالزمانة.
حال، ويرتقي من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشدّه، ويستكمل قوّته، ويعلم ماله وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبيّ، في ضعف جسده وقلّة عقله وخلوّه من العلم، كما ينكس السهم، فيجعل أعلاه أسفله. ومثل ذلك قوله تعالى:( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) (١) .( ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ) (٢) .
( أَفَلا يَعْقِلُونَ ) أنّ من قدر على أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم، ومن القوّة إلى الضعف، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلّة التمييز، ومن العلم إلى الجهل، قادر على أن يطمس على أعينهم، ويمسخهم على مكانتهم، ويفعل بهم ما شاء وأراد. فلم لا يتدبّرون في أنّ الله تعالى يقدر على الإعادة كما قدر على ذلك؟
( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) )
ولـمّا ذكر أدّلة وحدانيّته وكمال قدرته، شرع في بيان رسالة رسوله، ردّا لقولهم: إنّ محمدا شاعر ليس برسول، فقال تأكيدا لقوله:( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (٣) :( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ) بتعليم القرآن، فإنّه غير مقفّى ولا موزون، ولا يكون نظمه كنظمه، ولا أسلوبه كأسلوبه، وليس معناه ممّا يتوخّاه الشعراء من التخيّلات المرغّبة والمنفّرة، فأين هو عن الشعر؟
( وَما يَنْبَغِي لَهُ ) وما يصحّ له الشعر، ولا يتطلّب لو طلبه، أي: جعلناه
__________________
(١) النحل: ٧٠.
(٢) التين: ٥.
(٣) يس: ٣.
بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأتّ له ولم يتسهّل، كما جعلناه أمّيّا لا يتهدّى للخطّ ولا يحسنه، لتكون الحجّة أثبت، والشبهة أدحض.
وعن الخليل: كان الشعر أحبّ إلى رسول الله من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتّى له وما كان يتّزن له بيت شعر، حتّى إذا تمثّل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا. كما روي عن الحسن: أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتمثّل بهذا البيت: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا. فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا. أشهد أنّك رسول الله، وما علّمك الشعر، وما ينبغي لك.
وعن عائشة أنّها قالت: كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتمثّل ببيت أخي بني قيس :
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا |
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد |
فجعل يقول: من لم تزوّد بالأخبار. فيقول أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله. فيقول: إنّي لست بشاعر، وما ينبغي لي.
وأمّا قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أنا النبيّ لا كذب |
أنا ابن عبد المطّلب |
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حين اصابه حجر فعثر فدميت إصبعه :
هل أنت إلّا إصبع دميت |
وفي سبيل الله ما لقيت |
اتّفاقيّ من غير تكلّف وقصد منه إلى ذلك. وقد يقع كثيرا في تضاعيف المنثورات ـ من الخطب والرسائل والمحاورات ـ أشياء موزونة لا يسمّيها أحد شعرا، ولا يخطر ببال المتكلّم ولا السامع أنّه شعر. على أنّ الخليل ما أعدّ المشطور من الرجز شعرا. هذا وقد روي: أنّه حرّك الباءين(١) وكسر التاء الأولى بلا إشباع، وسكّن الثانية.
__________________
(١) أي: الباءين من: كذب، عبد المطّلب. والتاء من: دميت، لقيت.
وقيل: الضمير للقرآن، أي: وما يصحّ للقرآن أن يكون شعرا.
( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) عظة وإرشاد من الله( وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ) وكتاب سماويّ يتلى في المعابد، ظاهر أنّه ليس كلام البشر، لـما فيه من الإعجاز.
( لِيُنْذِرَ ) القرآن أو الرسول من معاصي الله. ويؤيّده قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء.( مَنْ كانَ حَيًّا ) عاقلا متأمّلا، فإنّ الغافل كالميّت. أو مؤمنا في علم الله، فإنّ الحياة الأبديّة بالإيمان. وتخصيص الإنذار بمن كان حيّا، لأنّه المنتفع به.
( وَيَحِقَّ الْقَوْلُ ) وتجب كلمة العذاب( عَلَى الْكافِرِينَ ) المصرّين على الكفر.
وجعلهم في مقابلة من كان حيّا، إشعار بأنّهم لكفرهم وعدم تأمّلهم أموات في الحقيقة.
( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) )
ثمّ عاد الكلام إلى ذكر الأدّلة على التوحيد، فقال:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا ) ممّا تولّينا إحداثه، ولم يقدر على إحداثه غيرنا. وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها، استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص والتفرّد بالإحداث، كقول الواحد منّا: عملت هذا بيدي، أي: انفردت فيه من غير إعانة معين.
( أَنْعاماً ) خصّها بالذكر، لـما فيه من بدائع الفطرة وكثرة المنافع( فَهُمْ لَها مالِكُونَ ) متملّكون بتمليكنا إيّاها. أو متمكّنون من ضبطها، متصرّفون فيها تصرّف الملّاك بتسخيرنا إيّاها لهم، كقوله :
أصبحت لا أحمل السلاح ولا |
أملك رأس البعير إن نفرا |
أي: لا أضبطه.
( وَذَلَّلْناها لَهُمْ ) صيّرناها منقادة لهم( فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ) مركوبهم( وَمِنْها يَأْكُلُونَ ) أي: ما يأكلون لحمه( وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ ) من الجلود والأصواف والأوبار وغير ذلك( وَمَشارِبُ ) من اللبن. جمع مشرب، بمعنى موضع الشرب، أو المصدر.
ذكرها مجملة، وقد فصّلها في قوله:( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً ) (١) الآية.
وأمال الشين ابن عامر وحده برواية هشام.( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) نعم الله في ذلك، إذ لولا خلقه لها وتذليله إيّاها، كيف أمكن التوسّل إلى تحصيل هذه المنافع المهمّة؟
ثمّ ذكر سبحانه جهلهم فقال:( وَاتَّخَذُوا ) وعبدوا( مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً ) أي: أشركوها به في العبادة بعد ما رأوا منه تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة، وعلموا أنّه المتفرّد بها( لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ) رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم(٢) من الأمور، والأمر على عكس ما قدّروا، لأنّهم( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ) ودفع الحزن عنهم( وَهُمْ لَهُمْ ) لآلهتهم( جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ) معدّون، يخدمونهم ويذبّون عنهم. أو اتّخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهّموا، حيث هم محضرون إثرهم في النار، فإنّ كلّ حزب مع ما عبدوه من الأوثان في النار، فلا الجند يدفعون عنها الإحراق، ولا هي تدفع عنهم العذاب. وهذا كما قال سبحانه :
__________________
(١) النحل: ٨٠.
(٢) أي: أصابهم واشتدّ عليهم.
( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) (١) .
( فَلا يَحْزُنْكَ ) فلا يهمّنّك( قَوْلُهُمْ ) في الله بالإلحاد والشرك. أو فيك بالتكذيب والتهجين.( إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ) فنجازيهم عليه، وكفى ذلك أن تتسلّى به. وهو تعليل للنهي على الاستئناف، فلذلك لو قرئ: أنّا بالفتح، على حذف لام التعليل، جاز.
( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) )
روي: أنّ أبا لهب أو العاص بن وائل، جاء بعظم بال يفتّته بيده، وقال: يا محمّد أتزعم أنّ الله يحيي هذا بعد ما رمّ؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم نعم، ويبعثك ويدخلك في النار، فنزلت :( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ ) ثمّ نقلناه من النطفة إلى العلقة، ومنها
__________________
(١) الأنبياء: ٩٨.
إلى المضغة، ومنها إلى العظم، ومنه إلى أن جعلناه خلقا سويّا. ثمّ جعلنا فيه الروح، وأخرجناه من بطن أمّه، ثمّ نقلناه من حال إلى حال، حتّى كمل عقله، وصار متكلّما خصيما. وذلك قوله:( فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) أي: مخاصم ذو بيان. فمن قدر على جميع ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة، وهي أسهل من الإنشاء والابتداء؟
وهذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر. وفيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث عجّب الله منه، وجعله إفراطا في الخصومة بيّنا. ومنافاة لجحود القدرة على ما هو أهون ممّا عمله في بدء خلقه. ومقابلة النعمة الّتي لا مزيد عليها ـ وهي خلقه من أخسّ شيء وأمهنه شريفا مكرّما ـ بالعقوق والتكذيب.
وقيل: معناه: فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا، رجل مميّز منطيق قادر على الخصام، معرب عمّا في نفسه، فصيح.
ثمّ أكّد سبحانه الإنكار عليه، فقال:( وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً ) أمرا عجيبا. وهو إنكار قدرتنا على إحياء الموتى. أو تشبيهنا بخلقنا، لوصفنا بالعجز عمّا عجزوا عنه.( وَنَسِيَ خَلْقَهُ ) خلقنا إيّاه.
ثمّ بيّن ذلك المثل بقوله:( قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) منكرا إيّاه، مستبعدا له. والرميم ما بلي من العظام. ولعلّه فعيل بمعنى فاعل، من: رمّ الشيء.
صار اسما بالغلبة، ولذلك لم يؤنّث. أو بمعنى مفعول، من: رممته. والمراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضّة رطبة في بدن حيّ حسّاس، لا بمعنى أنّ العظم ذو حياة، فيؤثّر فيه الموت كسائر الأعضاء. ولهذا عندنا وعند أبي حنيفة طاهر. وكذلك الشعر والوبر والصوف، وسائر ما لا تحلّه الحياة. والشافعي يقول: إنّ العظم ذو حياة، فيؤثّر فيه الموت. ولذلك عنده عظام الميتة نجسة.
( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) لأنّ من قدر على اختراع ما يبقى فهو
على إعادته قادر لا محالة( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) يعلم تفاصيل المخلوقات وكيفيّة خلقها. فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتّتة، المتبدّدة أصولها وفصولها ومواقعها، وطريق تمييزها، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق، وإعادة الأعراض والقوى الّتي كانت فيها، أو إحداث مثلها.
ثمّ زاد سبحانه في البيان بقوله:( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً ) مع مضادّة النار الماء، وانطفائها به. وهي الزناد الّتي تورى بها الأعراض. وأكثرها من المرخ(١) والعفار، بأن يسحق المرخ ـ الّذي هو ذكر ـ على العفار الّتي هي أنثى، وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فتنقدح النار. وعن ابن عبّاس: ليس من شجرة إلّا وفيها نار إلّا العنّاب.( فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) لا تشكّون في أنّها نار تخرج منه.
فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر، مع ما فيه من المائيّة المضادّة لها بكيفيّتها، كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضّا فيبس وبلى.
ثمّ ذكر من خلقه ما هو أعظم من الإنسان، فقال:( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) مع كبر جرمهما وعظم شأنهما( بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) في الصغر والحقارة بالإضافة إليهما. أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها، وهو المعاد.
وعن يعقوب: يقدر. والهمزة للتقرير. يعني: من قدر على خلق السماوات والأرض واختراعهما، مع عظمهما وكثرة أجرامهما، ليقدر على إعادة خلق البشر.
ثمّ أجاب لتقرير ما بعد النفي بقوله:( بَلى ) مشعرا بأنّه لا جواب سواه( وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) كثير المخلوقات والمعلومات.
ثمّ ذكر سبحانه قدرته على إيجاد الأشياء على وجه السهولة، فقال:( إِنَّما أَمْرُهُ ) إنّما شأنه سبحانه( إِذا أَرادَ شَيْئاً ) إذا دعت حكمته إلى تكوين شيء
__________________
(١) المرخ: شجر رقيق سريع الوري يقتدح به. والعفار: شجر يتخذ منه الزناد. والزناد جمع الزند، وهو العود الأعلى الذي يقتدح به النار.
( أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فهو يكون، أي: يحدث من غير توقّف. وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور، من غير امتناع وتوقّف، وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، قطعا لمادّة الشبهة، وهي قياس قدرة الله على قدرة الخلق. ونصبه الكسائي عطفا على «يقول».
ثمّ نزّه ذاته عمّا ضربوا له، وعجّبهم عمّا قالوا فيه، فقال:( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) معلّلا بكونه مالكا للملك، قادرا على كلّ شيء( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي: تردّون إلى حيث لا يملك الأمر والنهي أحد سواه، وهو يوم القيامة، فيجازيكم بالثواب والعقاب على الطاعات والمعاصي على قدر أعمالكم. وهذا وعد ووعيد للمقرّين والمنكرين. وقرأ يعقوب بفتح التاء، من: رجع.
(٣٧)
سورة الصافّات
مكّيّة. وهي مائة واثنتان وثمانون آية. عن أبيّ بن كعب عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «من قرأ سورة الصافّات أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد كلّ جنّي وشيطان، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرىء من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بالمرسلين».
وروى الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللهعليهالسلام قال: «من قرأ سورة الصافّات في كلّ يوم جمعة، لم يزل محفوظا من كلّ آفة، مدفوعا عنه كلّ بليّة في الحياة الدنيا، مرزوقا في الدنيا بأوسع ما يكون من الرزق، ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه بسوء من شيطان رجيم، ولا من جبّار عنيد. وإن مات في يومه أو ليلته، بعثه الله شهيدا، وأماته شهيدا، وأدخله الجنّة مع الشهداء في درجة من الجنّة».
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ
(٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) )
واعلم أنّه سبحانه افتتح هذه السورة بمثل ما اختتم به سورة يس من ذكر البعث، فقال :
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ) أقسم بالملائكة الصافّين أقدامهم في مقام العبوديّة على مراتب، باعتبارها تفيض عليهم الأنوار الإلهيّة، منتظرين لأمر الله. ومثله قوله:( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) (١) . أو الصّافّين أجنحتهم في الهواء.
( فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ) فالزاجرين السحاب سوقا. أو جميع الأجرام العلويّة والسفليّة بالتدبير المأمور به فيها. أو الناس عن المعاصي بإلهام الخير. أو الشياطين عن التعرّض لهم.( فَالتَّالِياتِ ذِكْراً ) فالتالين آيات الله، من الكتب المنزلة ـ وغيرها من جلايا قدسه ـ على أنبيائه وأوليائه.
وقيل: أقسم الله بنفوس العلماء الصافّين في الصلوات بالجماعة، الزاجرين عن الكفر والمعاصي بالحجج والنصائح، التالين آيات الله، والدارسين شرائعه.
وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «أقسم الله سبحانه بنفوس الغزاة الصافّين في الجهاد، الزاجرين الخيل أو العدوّ، التالين ذكر الله، لا يشغلهم عنه مباراة العدوّ».
__________________
(١) الصافّات: ١٦٥.
ويحتمل أن يقسم الله سبحانه بطوائف الأجرام المرتّبة كالصفوف المرصوصة، والأرواح المدبّرة لها، والجواهر القدسيّة المستغرقة في بحار القدس، الزاجرين أنفسهم عمّا يبعّدهم عن امتثال أوامر الله، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون.
والعطف لاختلاف الذوات أو الصفات. والفاء لترتيب الوجود، كقوله: يا لهف زيّابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب. كأنّه قال: الّذي صبح فغنم فآب. فهنا الصفّ كمال، والزجر تكميل بالمنع عن الشرّ، أو الإشاقة إلى قبول الخير، والتلاوة إفاضته.
أو الفاء للرتبة، كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «رحم الله المحلّقين فالمقصّرين».
غير أنّه لفضل المتقدّم على المتأخّر، وهذا للعكس، فإنّ الطوائف الصافّات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، والتاليات أبهر فضلا.
وإنّما لم يقل: فالتاليات تلوا، كما قال:( فَالزَّاجِراتِ زَجْراً ) لأنّ التالي قد يكون بمعنى التابع، ومنه قوله تعالى:( وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ) (١) ، فلمّا كان اللفظ مشتركا بيّنه بما يزيل الإبهام.
وأدغم أبو عمرو وحمزة التاءات فيما يليها لتقاربها، فإنّها من طرف اللسان وأصول الثنايا.
( إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ) جواب للقسم. والفائدة فيه تعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه، لـما فيها من الدلالة على توحيده وصفاته العلى.
ثمّ حقّق مضمون المقسم عليه بقوله:( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي: خالقهما ومدبّرهما( وَما بَيْنَهُما ) من سائر الأجناس، من الحيوانات والنباتات والجمادات( وَرَبُّ الْمَشارِقِ ) فإنّ وجود هذه الأمور وانتظامها على الوجه الأكمل مع إمكان غيره، دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته، على ما مرّ غير مرّة. و «ربّ» بدل
__________________
(١) الشمس: ٢.
من «واحد»، أو خبر ثان، أو خبر محذوف. والمشارق مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس في السنة. وهي ثلاثمائة وستّون مشرقا، تشرق كلّ يوم في واحد، وبحسبها تختلف المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها. مع أنّ الشروق أدلّ على القدرة، وأبلغ في النعمة، وأسبق في الوجود.
( إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا ) القربى( بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) بزينة هي الكواكب. والإضافة بيانيّة، فإنّ الزينة مبهمة. ويؤيّده قراءة حمزة ويعقوب وحفص بتنوين «زينة» وجرّ «الكواكب» على إبدالها منه.
أو بزينة هي للكواكب، كأضوائها ومطالعها ومسايرها وأشكالها المختلفة، كشكل الثريّا وبنات النعش والجوزا والعقرب وغيرها. أو بأن زيّنّا الكواكب فيها، على إضافة المصدر إلى المفعول، فإنّها كما جاءت اسما كالليقة(١) لـما يلاق، جاءت مصدرا كالنسبة. ويؤيّده قراءة أبي بكر بالتنوين والنصب على الأصل.
أو بأن زيّنتها الكواكب، على إضافته إلى الفاعل. وركوز الثوابت في الكرة الثامنة، وما عدا القمر من السيّارات في الستّ المتوسّطة بينها وبين السماء الدنيا، إن تحقّق لم يقدح في ذلك، فإنّ أهل الأرض يرونها بأسرها، كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة. فتخصيصها بالذكر لاختصاصها بالمشاهدة.
والتزيين عبارة عن تحسين الشيء، وجعله على صورة تميل إليها النفس. فالله سبحانه زيّن السماء على وجه تمتّع الرائي لها. وفي ذلك أعظم النعمة على العباد، مع ما لهم من المنفعة بالتفكير فيها، والاستدلال بها على صانعها.
( وَحِفْظاً ) منصوب بإضمار فعله، أي: حفظناها حفظا. أو معطوف على «زينة» باعتبار المعنى. كأنّه قال: إنّا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا( مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ) متمرّد خبيث خال من الخير خارج عن الطاعة برمي الشهب، أي :
__________________
(١) الليقة: صوفة الدواة، أو إذا بلّت.
حفظناها من دنوّ كلّ شيطان للاستماع، فإنّهم كانوا يسترقون السمع، ويستمعون إلى كلام الملائكة، ويلقون ذلك إلى ضعفة الجنّ. وكانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة، ويوهمونهم أنّهم يعرفون الغيب. فمنعهم الله تعالى عن ذلك.
وقوله:( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى ) كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم. ولا يصحّ أن يكون صفة لـ «كلّ شيطان» لأنّه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون أو لا يتسمّعون. وكذلك الاستئناف، لأنّ سائلا لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب: بأنّهم لا يسّمّعون، لم يستقم. ولا أن يكون علّة للحفظ على حذف اللام ـ كما في: جئتك أن تكرمني ـ ثمّ حذف «أن» وإهدارها، كقوله: ألا أيّهذا الزاجري أحضر الوغا، فإنّ اجتماع ذلك منكر، وصون الكلام عن مثل ذلك واجب. فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ، اقتصاصا لـما عليه حال المسترقة للسمع، وأنّهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمّعوا. والضمير لـ «كلّ» باعتبار المعنى.
وتعدية السماع بـ «إلى» لتضمّنه معنى الإصغاء، مبالغة لنفيه، وتهويلا لـما يمنعهم عن الإصغاء. ويدلّ عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد، من التسمّع، وهو تطلّب السماع.
والملأ الأعلى عبارة عن الملائكة، لأنّهم يسكنون السماوات. والإنس والجنّ هم الملأ الأسفل، لأنّهم سكّان الأرض.
( وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ) من جوانب السماء، إذا قصدوا الصعود إليها للاستماع( دُحُوراً ) نصب على العلّيّة، أي: ويقذفون للدحور(١) ( وَلَهُمْ ) مع ذلك( عَذابٌ ) أي: عذاب آخر( واصِبٌ ) دائم يوم القيامة، أو شديد. يعني: أنّهم في الدنيا مرجومون بالشهب، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع.
__________________
(١) دحره دحورا: طرده، وأبعده، ودفعه.
( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ) استثناء من واو «يسمعون». و «من» بدل من الواو، أي: لا يسمع الشياطين إلّا الشيطان الّذي خطف الخطفة. والخطف: الاختلاس والاستلاب بسرعة. والمراد: اختلاس كلام الملائكة مسارقة، ولذلك عرّف الخطفة.( فَأَتْبَعَهُ ) أي: تبعه ولحقه( شِهابٌ ) نار مضيئة محرقة، كأنّه كوكب انقضّ( ثاقِبٌ ) مضيء، كأنّه يثقب الجوّ بضوئه.
وما قيل: إنّ الشهاب بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل، فتخمين. ويمكن أن يقال: إنّ هذا القول لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدلّ على أنّه ينقضّ من الفلك، ولا في قوله:( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ ) (١) لأنّ كلّ شيء نيّر يحصل في الجوّ العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء، من حيث إنّه يرى كأنّه على سطحه. ويحتمل أن يصير الحادث في بعض الأوقات رجما لشيطان يتصعّد إلى قرب الفلك للتسمّع.
وما روي: أنّ ذلك حدث بميلاد النبيّ، فيحتمل أن يكون المراد كثرة وقوعه، أو مصيره دحورا.
واختلف في أنّ المرجوم يتأذّى به فيرجع، أو يحترق به؟ لكن قد يصيب الصاعد مرّة وقد لا يصيب، كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتعدون عنه رأسا.
ولا يقال: إنّ الشيطان من النار فلا يحترق. لأنّه ليس من النار الصرف، كما أنّ الإنسان ليس من التراب الخالص. مع أنّ النار القويّة إذا استولت على الضعيفة استهلكتها.
( فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا
__________________
(١) الملك: ٥.
رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) )
ثمّ خاطب نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال:( فَاسْتَفْتِهِمْ ) فاستخبرهم وسلهم سؤال تقرير. والضمير لمشركي مكّة، أو لبني آدم.( أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ) أحكم صنعا وأقواه. من قولهم: شديد الخلق، وفي خلقه شدّة. أو أصعبه وأشقّه.( أَمْ مَنْ خَلَقْنا ) يعني: ما ذكر من الملائكة، والسماء، والأرض، وما بينهما، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب.
و «من» لتغليب العقلاء. ويدلّ عليه ذكر الفاء المعقّبة من بعد عدّ هذه الأشياء. وقوله:( أَمْ مَنْ خَلَقْنا ) مطلقا من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدّمه. كأنّه قال: خلقنا كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم أهم أشدّ خلقا أم الّذي خلقناه من ذلك؟ وقوله:( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) فإنّه الفارق بينهم وبينها، لا بينهم وبين من قبلهم، كعاد وثمود. ولأنّ المراد إثبات المعاد، وردّ استحالتهم إيّاه. والأمر
فيه بالإضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء، فإنّ من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة، ولم يصعب عليه اختراعها، كان خلق جنس البشر من طين لازب ـ أي: لازم، لاصق عليه ـ أهون وأيسر.
وتقريره: أنّ استحالة ذلك إمّا لعدم قابليّة المادّة، ومادّتهم الأصليّة هي الطين اللازب غير الموصوف بالصلابة والقوّة، الحاصل من ضمّ الجزء المائي إلى الجزء الأرضي، وهما باقيان قابلان للانضمام بعد. وقد علموا أنّ الإنسان الأوّل إنّما تولّد منه، إمّا لاعترافهم بحدوث العالم، أو بقصّة آدم، وشاهدوا تولّد كثير من الحيوانات من الطين بلا توسّط مواقعه، فلزمهم أن يجوّزوا إعادتهم كذلك. وإمّا لعدم قدرة الفاعل، فإنّ من قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتدّ به بالإضافة إليها، فإنّه بدأهم أوّلا من الطين السخيف الضعيف، وقدرته ذاتيّة لا تتغيّر.
( بَلْ عَجِبْتَ ) من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة وإنكارهم للبعث( وَيَسْخَرُونَ ) من تعجّبك وتقريرك للبعث.
وقرأ حمزة والكسائي بضمّ التاء، أي: بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي بحيث إنّي تعجّبت منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها. أو عجبت من أن ينكر البعث ممّن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممّن يجوّزه. والعجب من الله إمّا على الفرض والتخييل، أو على معنى الاستعظام اللازم له، فإنّه روعة تعتري الإنسان عند استعظامه الشيء، واللهعزوجل لا يجوز عليه الروعة. وبهذا المعنى ما ورد في الحديث من إضافة العجب إلى الله، حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : «عجب ربّكم من شابّ ليس له صبوة»(١) . وقيل: إنّه مقدّر بالقول، أي: قل يا محمّد: بل عجبت.
( وَإِذا ذُكِّرُوا ) وإذا وعّظوا بشيء( لا يَذْكُرُونَ ) لا يتّعظون به. أو إذا ذكر لهم ما يدلّ على صحّة الحشر لا ينتفعون به، لعدم استعمالهم الفكر والتدبّر
__________________
(١) أي: جهلة الصبيان.
فيه عنادا ولجاجا.
( وَإِذا رَأَوْا آيَةً ) معجزة تدلّ على صدق القائل به، كانشقاق القمر ونحوه( يَسْتَسْخِرُونَ ) يبالغون في السخريّة، ويقولون: إنّه سحر. أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها. وقيل: معناه: يعتقدونها سخريّة، كما يقال: استقبحته، أي: اعتقدته قبيحا، واستحسنته اعتقدته حسنا.
( وَقالُوا إِنْ هذا ) يعنون ما يرونه( إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ظاهر سحريّته( أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) أصله: أنبعث إذا متنا؟ فبدّلوا الفعليّة بالاسميّة، وقدّموا الظرف، وكرّروا الهمزة. والمعنى: كيف نبعث بعد ما صرنا ترابا؟ مبالغة في الإنكار، وإشعارا بأنّ البعث مستنكر في نفسه، وحال كونهم ترابا وعظاما أشدّ استنكارا. فهو ابلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى، وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية.
( أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ) عطف على محلّ «إنّ» واسمها، أو على الضمير في «مبعوثون» فإنّه مفصول منه بهمزة الاستفهام. والمعنى: أيبعث أيضا آباؤنا؟ على زيادة الاستبعاد. يعنون: أنّهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. وسكّن نافع برواية قالون وابن عامر الواو، على معنى الترديد.
( قُلْ نَعَمْ ) تبعثون( وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ) صاغرون أشدّ الصغار. وإنّما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدلّ على جوازه، ودلالة المعجزة على صدق المخبر عن وقوعه. وقرأ الكسائي وحده: نعم بالكسر. وهو لغة فيه.
( فَإِنَّما هِيَ ) فإنّما البعثة أو قصّة البعث( زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ) وهذا جواب شرط مقدّر، تقديره: إذا كان ذلك فما البعثة إلّا زجرة ـ أي: صيحة ـ واحدة. وهي النفخة الثانية. من زجر الراعي الغنم: إذا صاح عليها. وأمرها في الإعادة كأمر «كن» في الإبداء. ولذلك رتّب عليها( فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ ) فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء
يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم.
( وَقالُوا يا وَيْلَنا ) هو كلمة يقولها القائل عند الوقوع في الهلكة. ومثله يا حسرتا.( هذا يَوْمُ الدِّينِ ) اليوم الّذي نجازى فيه بأعمالنا. والمراد أنّهم قد اعترفوا بالحقّ خاضعين نادمين. وقد تمّ به كلامهم. وقوله:( هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) جواب الملائكة. وقيل: هو أيضا من كلام بعضهم لبعض.
و «الفصل» القضاء. أو الفرق بين المحسن والمسيء. وذلك بأن يدخل المطيع الجنّة على وجه الإكرام، ويدخل العاصي النار على وجه الإهانة.
( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أمر الله الملائكة، أوامر بعضهم لبعض بحشر الظلمة، أي: جمعهم من مقامهم إلى الموقف. وقيل: إلى الجحيم.( وَأَزْواجَهُمْ ) أي: مع أشباههم. يعني: عابد الصنم مع عبدته، وعابد الكوكب مع عبدته، وكذلك صاحب الزنا يحشر مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، وصاحب السرقة مع أصحاب السرقة، إلى غيرهم. ومثله قوله:( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ) (١) . أو مع نسائهم اللاتي على دينهم. وقيل: قرناءهم من الشياطين.
( وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) من الأصنام وغيرها، زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم. وهو عامّ مخصوص بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) (٢) الآية. وفيه دليل على أنّ الّذين ظلموا هم المشركون.
( فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ) فعرّفوهم طريقها ليسلكوها. وفي ذكر الهداية مقام التعريف تهكّم وتقريع.( وَقِفُوهُمْ ) احبسوهم في الموقف. يقال: وقفت أنا ووقفت غيري.( إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) عن عقائدهم وأعمالهم. وروى أنس بن مالك مرفوعا: أنّهم مسئولون عمّا دعوا إليه من البدع. وعن أبي سعيد الخدري ،
__________________
(١) الواقعة: ٧.
(٢) الأنبياء: ١٠١.
عن ابن عبّاس: أنّهم مسئولون عن ولاية عليّ بن أبي طالب. والواو لا توجب الترتيب. مع جواز أن يكون موقفهم بعد الهدى والتعريف للسؤال.
( ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ) لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص. وهو توبيخ وتقريع.( بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) منقادون خاضعون، لعجزهم وانسداد الحيل عليهم. وأصل الاستسلام: طلب السلامة. أو يسلم بعضهم بعضا، ويخذله عن عجز، فكلّهم مستسلم غير منتصر.
( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) )
( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ) يعني: يقبل الأتباع على المتبوعين، والمتبوعون على الأتباع( يَتَساءَلُونَ ) يسأل بعضهم بعضا للتوبيخ. ولذلك فسّر بـ: يتخاصمون ويتعاتبون. فالغاوون يقولون لمغويهم: لم أغويتمونا؟ ويقول المغوون لهم: لم قبلتم منّا؟
( قالُوا ) قال الغاوون لمغويهم( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ) عن أقوى الوجوه وأيمنها. أو عن الدين، أو عن الخير. كأنّكم تنفعوننا نفع السانح، فتبعناكم وهلكنا. مستعار من يمين الإنسان الّذي هو أقوى الجانبين وأشرفهما وأنفعهما، ولذلك سمّي يمينا. أو من التيمّن بالسانح، وهو صيد يعرض السالك من جانب يمينه متّصف بالتيمّن، عكس البروح، فإنّه صيد يعرض من جانب شماله موسوم بالتشاؤم. أو عن القوّة والقهر، فتقسروننا على الضلال. أو عن الحلف، فإنّهم كانوا يحلفون لهم أنّهم على الحقّ.
( قالُوا ) ليس الأمر كما قلتم( بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) بل أبيتم أنتم الإيمان، واخترتم الكفر والطغيان. فهذا جواب الرؤساء بمنع إضلالهم إيّاهم، وثبوت ضلالتهم في أنفسهم.
( وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ) من قدرة وقوّة، فنجبركم على الكفر والطغيان( بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ) مختارين الطغيان، باغين تجاوز الحدّ إلى أفحش الظلم وأعظم المعاصي، فلا تسقطوا اللوم عن أنفسكم، فإنّه لازم لكم ولاحق بكم.
ثمّ أخبروهم أنّ ضلال الفريقين ووقوعهم في العذاب كان أمرا مقضيّا لا محيص لهم عنه، وأنّ غاية ما فعلوا بهم أنّهم دعوهم إلى الغيّ، لأنّهم كانوا على الغيّ، فأحبّوا أن يكونوا مثلهم( فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ) أي: لزمنا قول الله ووعيده بأنّا ذائقون لعذابه لا محالة، لعلمه بحالنا واستحقاقنا العقوبة.
( فَأَغْوَيْناكُمْ ) أي: أضللناكم عن الحقّ، ودعوناكم إلى الغيّ( إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ) داخلين في الضلالة والغواية، فأردنا إغواءكم لتكونوا أمثالنا( فَإِنَّهُمْ ) فإنّ الأتباع والمتبوعين جميعا( يَوْمَئِذٍ ) في ذلك اليوم( فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) كما كانوا مشتركين في الغواية، والتخاصم لا ينفعهم.
( إِنَّا كَذلِكَ ) مثل ذلك الفعل( نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ) بكلّ مشرك، لقوله:( إِنَّهُمْ
كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) عن قبول كلمة التوحيد، أو على من يدعوهم إليه( وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ ) يعنون محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فردّ الله عليهم هذا القول بقوله:( بَلْ جاءَ بِالْحَقِ ) أي: ليس بشاعر ولا مجنون، ولكنّه أتى بالتوحيد الّذي هو حقّ قام به البرهان( وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ) بل أتى بمثل ما أتوا به من الدعاء إلى التوحيد.
( إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) )
ثمّ خاطب الكفّار فقال:( إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ) بالإشراك وتكذيب الرسل. ولـمّا كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضرّ أن يعذّب عبيده؟ فقال:( وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي: مثل ما عملتم وعلى قدره( إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) الّذين أخلصوا العبادة لله، وأطاعوه في كلّ ما أمرهم به، فإنّهم لا يذوقون العذاب، وإنّما ينالون الثواب. وهذا استثناء منقطع، إلّا أن يكون الضمير في «تجزون» لجميع المكلّفين، فيكون استثناؤهم عنه
باعتبار المماثلة، فإنّ ثوابهم مضاعف، والمنقطع أيضا بهذا الاعتبار.
ثمّ بيّن ما أعدّه لعباده المخلصين من أنواع النعم، فقال:( أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) منعوت بخصائص خلق عليها، من طيب طعم، ورائحة، وحسن منظر، وتمحّض لذّة. ولذلك فسّره بقوله:( فَواكِهُ ) فإنّ الفاكهة ما يقصد للتلذّذ دون التغذّي لحفظ الصحّة، والقوت بالعكس. وأهل الجنّة لـمّا كانت أجسامهم محكمة، مخلوقة للأبد، محفوظة عن التحلّل، كانت أرزاقهم فواكه خالصة. وقيل: المراد معلوم الوقت، كقوله:( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) (١) . وعن قتادة: الرزق المعلوم الجنّة.
( وَهُمْ مُكْرَمُونَ ) معظّمون مبجّلون في نيله، بأن يصل إليهم من غير تعب وسؤال كما عليه رزق الدنيا. وهذا ما قاله العلماء في حدّ الثواب: إنّه النفع المستحقّ المقارن للتعظيم والإجلال.( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) في جنّات ليس فيها إلّا النعيم.
وهو ظرف أو حال من المستكن في «مكرمون».( عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض، وهو أتم السرور والأنس، ولا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
( يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ ) بإناء فيه خمر. أو بخمر، فإنّه يقال للزجاجة فيها الخمر: كأس. وتسمّى الخمر نفسها أيضا كأسا.( مِنْ مَعِينٍ ) من شراب معين، أي جار على ظاهر وجه الأرض، أو خارج من العيون الظاهرة( بَيْضاءَ ) عن الحسن: خمر الجنّة أشدّ بياضا من اللبن( لَذَّةٍ ) لذيذة( لِلشَّارِبِينَ ) هما أيضا صفتان لـ «كأس». ووصفها بـ «لذّة» إمّا للمبالغة، كأنّها نفس اللذّة وعينها. أو لأنّها تأنيث لذّ، بمعنى لذيذ. يقال: لذّ الشيء فهو لذّ ولذيذ. ووزنه: فعل، كقولك: رجل
__________________
(١) مريم: ٦٢.
طبّ(١) . وقال في وصف النوم :
ولذّ كطعم الصّرخديّ تركته |
بأرض العدى من خشية الحدثان(٢) |
( لا فِيها غَوْلٌ ) غائلة، كالخمار(٣) والمرارة، كما في خمر الدنيا. من: غاله يغوله إذا أفسده. ومنه الغول في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم: الغضب غول الحلم.
( وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ) يسكرون. من: نزف الشارب إذا ذهب عقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. أفرده بالنفي، وعطفه على ما يعمّه، لأنّه من عظم فساده كأنّه جنس برأسه.
وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي، وتابعهما عاصم على البناء للفاعل في الواقعة(٤) . من: أنزف الشارب، إذا نفد عقله أو شرابه. ومعناه: صار ذا نزف. وأصله للنفاد. يقال: نزف المطعون إذا خرج دمه كلّه. ونزحت البركة حتّى نزفتها، إذا لم تترك فيها ماء.
وعن ابن عبّاس: معناه: ولا هم فيها يبولون. ثمّ قال: وفي الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فنزّه الله سبحانه خمر الجنّة عن هذه الخصال.
( وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ ) قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ، فلا يرون غيرهم بسبب حبّهنّ إيّاهم. وقيل: لا يفتحن أعينهنّ دلالا وغنجا( عِينٌ ) واسعات العيون. جمع عيناء.( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) شبّههنّ ببيض النعام ـ الّذي تكنّه
__________________
(١) أي: عالم حاذق ماهر بعمله.
(٢) يقول: وربّ شيء لذيذ ـ يعني: النوم ـ طعمه كطعم الشراب الطيّب، تركته بأرض الأعداء خوف نزول المكاره بي. والصرخد: موضع من الشام ينسب إليه الشراب.
(٣) الخمار: ألم الخمر وصداعها. والمرارة مصدر: مرّ، أي: صار مرّا.
(٤) الواقعة: ١٩.
بالريش من الريح والغبار ـ في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنّه أحسن ألوان الأبدان.
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) )
( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) معطوف على( يُطافُ عَلَيْهِمْ ) .
والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب كعادات الشّراب. والتعبير عنه بالماضي للتأكيد فيه، على عادة الله تعالى في إخباره. والمعنى: فيقبل بعض أهل الجنّة على بعض، يتساءلون عن المعارف والفضائل، وما جرى لهم وعليهم في الدنيا.
( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ) من أهل الجنّة( إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ) جليس في الدنيا( يَقُولُ ) على وجه الإنكار عليّ والتهجين لاعتقادي وعملي( أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ) أي: يوبّخني على التصديق بالبعث( أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ) لمجزيّون. من الدين بمعنى الجزاء. يقال: كما تدين تدان. أو لمسوسون
مربوبون من: دانه أي: ساسه. وفي الحديث: «الكيّس من دان نفسه، وعمل لـما بعد الموت».
( قالَ ) أي: ذلك القائل( هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ) إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين. يقال: اطّلع على كذا إذا أشرف عليه. وقيل: إنّ في الجنّة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. وقيل: القائل هو الله أو بعض الملائكة، يقولون لهم: هل تحبّون أن تطّلعوا على أهل النار، لأريكم ذلك القرين، فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم؟
( فَاطَّلَعَ ) عليهم( فَرَآهُ ) أي: قرينه( فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ) وسطه( قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ) لتهلكني بالإغواء. من الإرداء بمعنى الإهلاك. و «إن» هي المخفّفة، واللام هي الفارقة، أي: إنّك كدت تهلكني بما قلته لي ودعوتني إليه، حتّى يكون هلاكي كهلاك المتردّي من شاهق. ومنه قوله:( وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ) (١) أي: تردّى في النار.( وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي ) باللطف والعصمة والتوفيق( لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) من الّذين أحضروا العذاب معك في النار.
ثمّ يقول على وجه التقرير والتحقيق:( أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ) عطفا على محذوف، أي: أنحن مخلّدون منعّمون فما نحن بميّتين؟ أي: بمن شأنه الموت( إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى ) الّتي كانت في الدنيا. وهي متناولة لـما في القبر بعد الإحياء للسؤال. ونصبها على المصدر من اسم الفاعل. وقيل: على الاستثناء المنقطع.( وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) كالكفّار. وذلك تمام كلامه لقرينه تقريعا له. أو معاودة إلى مكالمة جلسائه، تحدّثا بنعمة الله. أو تبجّحا بها وتعجّبا منها، وإظهارا للسرور بدوام نعم الجنّة، وتعريضا للقرين بالتوبيخ.
( إِنَّ هذا ) أي: هذا الأمر الّذي نحن فيه، من نعيم الجنّة والخلود فيها، والأمن من العقاب( لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فإنّه يقول ذلك أيضا سرورا وفرحا
__________________
(١) الليل: ١١.
مضاعفا. وهذا كما أنّ الرجل يعطى المال الكثير، فيقول مستعجبا: أكلّ هذا المال لي؟ وهو يعلم أنّ ذلك كلّه له. ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله لتقرير قوله، والإشارة إلى ما هم عليه من النعمة والخلود والأمن من العذاب.
( لِمِثْلِ هذا ) أي: لنيل مثل هذا الفوز والفلاح( فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ) فيجب أن يعمل العاملون في دار التكليف، لا للحظوظ الدنيويّة المشوبة بالآلام السريعة الانصرام. وهو أيضا يحتمل أن يكون من كلامهم ومن كلام الله.
( أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) )
ثمّ عاد سبحانه إلى ذكر الرزق المعلوم، فقال:( أَذلِكَ ) أي: ذلك الرزق المعلوم في الجنّة( خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) أي: شجرة ثمرها نزل أهل النار. والهمزة لإنكار التسوية بينهما وتوبيخ الكفرة، فإنّ من المعلوم أن لا خير في شجر الزّقّوم. فلمّا كان المؤمنون اختاروا ما أدّى إلى الرزق المعلوم، والكافرون اختاروا
ما أدّى إلى شجرة الزقّوم، قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم. وهذا كما يقول المولى لعبده: إن فعلت كذا أكرمتك، وإن فعلت كذا ضربتك، أهذا خير أم ذاك؟ وإن لم يكن في الضرب خير.
وانتصاب «نزلا» على التمييز أو الحال. وفي ذكره دلالة على أنّ ما ذكر من النعيم لأهل الجنّة بمنزلة ما يقام للنازل، ولهم ما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام.
وكذلك الزقّوم لأهل النار. وهو اسم شجرة صغيرة الورق، ذفرة(١) ، مرّة، متكرّه جدّا، تكون بتهامة. من قولهم: تزقّم هذا الطعام، إذا تناوله على تكرّه ومشقّة شديدة.
روي: أنّ قريشا لـمّا سمعت هذه الآية قالت: ما نعرف هذه الشجرة. فقال ابن الزبعرى: الزقّوم بكلام البربر التمر والزبد. وفي رواية: بلغة اليمن. فقال أبو جهل لجاريته: زقّمينا. فأتته الجارية بتمر وزبد. فقال لأصحابه: تزقّموا بهذا الّذي يخوّفكم به محمّد، فيزعم أنّ النار تنبت الشجرة، والنار تحرق الشجرة. فأنزل الله سبحانه :
( إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً ) ابتلاء في الدنيا( لِلظَّالِمِينَ ) بأن كذّبوها، فقالوا: كيف ذلك والنار تحرق الشجر؟! ولم يعلموا أنّ من قدر على خلق ما يعيش في النار ويلتذّ بها، فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق. وقيل: معناه: فتنة وعذابا لهم في الآخرة.
( إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) أي: منبتها في قعر جهنّم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها( طَلْعُها ) حملها. مستعار من طلع التمر، فإنّ الطلع إنّما يكون للنخلة، فاستعير له، لمشاركته إيّاه في الشكل، أو لطلوعه من الشجر.( كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ) في تناهي القبح والهول، فإنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، لاعتقادهم أنّه شرّ محض لا يخلطه خير. فيقولون في القبيح الصورة: كأنّه وجه
__________________
(١) أي: خبيثة الرائحة.
شيطان، كأنّه رأس شيطان. كما أنّهم اعتقدوا في الملك أنّه خير محض لا شرّ فيه، فشبّهوا به الصور الحسنة. قال الله تعالى:( ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) (١) . وهو تشبيه بالمتخيّل. وقيل: الشياطين حيّات هائلة قبيحة المنظر جدّا، لها أعراف(٢) ، ولعلّها سمّيت بها لذلك.
( فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها ) من الشجرة، أو من طلعها( فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) لـما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها، فيكون بابا من العذاب.
( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها ) أي: بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش فاستسقوا( لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ) لشرابا من غسّاق، أو صديد مشوبا بماء حميم يقطع أمعاءهم.
وحرف التراخي للإشعار بأنّهم يملؤن البطون من شجر الزقّوم، وهو حارّ يحرق بطونهم، ويعطشون به، فلا يسقون إلّا بعد أن يملؤن البطون من الزقّوم المرّ، تعذيبا بذلك العطش، ثمّ يسقون ما هو أحرّ، وهو الشراب المشوب بالحميم.
روي عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنّ الله يجوّعهم حتّى ينسوا عذاب النار من شدّة الجوع، فيصرخون إلى مالك، فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحارّ الّذي بلغ نهايته في الحرارة، فإذا قرّبوها من وجوههم شوت وجوههم. فذلك قوله:( يَشْوِي الْوُجُوهَ ) (٣) .
فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم، كما قال سبحانه:( يُصْهَرُ ) (٤) ( بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ) (٥) فذلك طعامهم وشرابهم.
( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ ) مصيرهم( لَإِلَى الْجَحِيمِ ) إلى دركاتها أو إلى نفسها، فإنّ
__________________
(١) يوسف: ٣١.
(٢) الأعراف جمع العرف، وهو الشعر النابت في محدّب رقبة الفرس، ولحمة مستطيلة في أعلى رأس الديك.
(٣) الكهف: ٢٩.
(٤) في هامش النسخة الخطيّة: «يصهر: يذاب. من الصهر، وهو إذابة الشيء. منه».
(٥) الحجّ: ٢٠.
الزقّوم والحميم نزل يقدّم إليهم قبل دخولها، فيوردون إلى الحميم كما تورد الإبل إلى الماء، ثمّ يردّون إلى الجحيم.
ثمّ علّل استحقاقهم تلك الشدائد بمبادرتهم إلى تقليد الآباء في الضلال من غير توقّف على نظر وبحث، فقال:( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ) صادفوهم( ضالِّينَ ) ذاهبين عن الحقّ والدين( فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) يسرعون جدّا، فإنّ الإهراع الإسراع الشديد. كأنّهم يزعجون على الإسراع على آثارهم، من غير استدلال على جواز هذا التقليد. ومزعجهم عليه هو الشيطان.
( وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ ) قبل قومك( أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ) وفيه دلالة على أنّ أهل الحقّ في كلّ زمان كانوا أقلّ من أهل البطلان( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ) أنبياء أنذروهم من العواقب( فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ) من المكذّبين المعاندين الحقّ، بأن أهلكناهم بشدّة العقاب العاجل، وشدّة العذاب الآجل( إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) إلّا الّذين تنبّهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم لله. والخطاب مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمقصود خطاب قومه، فإنّهم سمعوا أيضا أخبارهم ورأوا آثارهم.
( وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) )
ولـمّا ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية، وسوء عاقبة المنذرين إجمالا، أتبع تفصيلا ذكر نوح ودعائه حين أيس من قومه، ثمّ ذكر سائر مشاهير الرسل مع
أممهم، تحذيرا عن سلوك أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل طريقتهم، لئلّا يعاقبوا بمثل عقوبتهم، فقال :
( وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ ) دعانا بعد ما يئس من إيمان قومه لننصره عليهم. وذلك قوله:( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ) (١) ( فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) أي: فأجبناه أحسن الإجابة، بأن خلّصناه من أذى قومه بإهلاكهم، فو الله لنعم المجيبون نحن. فحذف منها ما حذف، لقيام ما يدلّ عليه. والجمع دليل العظمة والكبرياء.
( وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) من الغرق، أو أذى قومه. والكرب كلّ غمّ يصل حرّه إلى الصدر. وأصل النجاة من النجوة للمكان المرتفع، فهي الرفع من الهلاك. وأهله هم الّذين نجوا معه في السفينة.
( وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ) إذ هلك من عداهم، وبقوا متناسلين إلى يوم القيامة. روي: أنّه مات كلّ من كان معه في السفينة غير بنيه وأزواجهم. وعن قتادة: الناس كلّهم من ذرّيّة نوح. وكان لنوحعليهالسلام ثلاثة أولاد: سام، وحام، ويافث. فسام: أبو العرب، وفارس، والروم. وحام: أبو السودان من المشرق إلى المغرب. ويافث: أبو الترك، ويأجوج ومأجوج.
( وَتَرَكْنا ) وأثبتنا( عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ) من الأمم، ذكرا جميلا وثناء جليلا.
فحذف مفعول «تركنا». ثمّ فسّره بقوله:( سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) وهذا كلام جيء به على الحكاية. والمعنى: يسلّمون عليه تسليما. قيل: هو سلام من الله عليه، متعلّق بالجارّ والمجرور. ومعناه: الدعاء بثبوت هذه التحيّة في الملائكة والثقلين جميعا إلى آخر الدهر.
ثمّ علّل ما فعل بنوح من التكرّم بقوله:( إِنَّا كَذلِكَ ) مثل ذلك الجزاء الحسن والذكر الجميل( نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي: نجزي ذلك على إحسانه.
__________________
(١) القمر: ١٠.
ثمّ بيّن إحسانه بقوله:( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) يعني: إحسانه بأنّه كان عبدا من عباده المؤمنين. وفيه دلالة على إظهار جلالة قدر الإيمان وأصالة أمره.
( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) يعني: كفّار قومه.
( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) )
ثمّ أتبعه سبحانه قصّة إبراهيمعليهالسلام ، فقال:( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ ) ممّن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة( لَإِبْراهِيمَ ) وإن اختلفت فروع شرائعهما. ولا يبعد اتّفاق شرعهما في الفروع، أو غالبا. أو شايعه على التصلّب في دين الله ومصابرة
المكذّبين. وكان بينهما ألفان وستّمائة وأربعون سنة، وبينهما نبيّان: هود وصالح.
( إِذْ جاءَ رَبَّهُ ) متعلّق بما في الشيعة من معنى المشايعة، أي: ممّن شايعه في دين الإسلام حين جاء ربّه بقلب سليم لإبراهيمعليهالسلام . أو بمحذوف هو: اذكر.
( بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) خالص من الشرك، بريء من المعاصي والغلّ والغشّ. على ذلك عاش، وعليه مات. وعن أبي عبد اللهعليهالسلام : «بقلب سليم من كلّ ما سوى الله تعالى، لم يتعلّق بشيء غيره».
وقيل: حزين، من السليم بمعنى اللديغ. ومعنى المجيء به ربّه إخلاصه له، كأنّه جاء به متحفا إيّاه.
( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ) لمربّيه الّذي هو بمنزلة أبيه( وَقَوْمِهِ ما ذا تَعْبُدُونَ ) بدل من الاولى. أو ظرف لـ «جاء» أو لـ «سليم»، أي: حين رآهم يعبدون الأصنام من دون اللهعزوجل ، قال على وجه التهجين لفعالهم والتقريع لهم، أي: أيّ شيء تعبدون؟
( أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ) أي: أتريدون آلهة دون الله إفكا؟ فقدّم المفعول للعناية، ثمّ المفعول له، لأنّ الأهمّ أن يقرّر أنّهم على الباطل، ومبنى أمرهم على الإفك. ويجوز أن يكون «إفكا» مفعولا به، و «آلهة» بدلا منه، على أنّها إفك في نفسها للمبالغة. والإفك هو أشنع الكذب وأفظعه. وأصله قلب الشيء عن جهته الّتي هي له، فلذلك كان الكذب إفكا.
وإنّما قال: «آلهة» على اعتقاد المشركين، وتوهّمهم الفاسد في إلهيّة الأصنام، لـمّا اعتقدوا أنّها تستحقّ العبادة. ثمّ أكّد التقريع بقوله: «دون الله». أو المراد بها عبادتها، أي: أتريدون عبادة آلهة دون عبادة الرحمان؟ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، لأنّ الإرادة لا يصحّ تعلّقها إلّا بما يصحّ حدوثه، والأجسام ممّا لا يصحّ أن تراد. ويجوز أن يكون «إفكا» حالا. يعني: أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟
( فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) بمن هو حقيق بالعبادة، لكونه ربّا للعالمين، حتّى
تركتم عبادته، أو أشركتم به غيره، أو أمنتم من عذابه. وقيل: معناه: ما تظنّون بربّكم أنّه على أيّ صفة ومن أيّ جنس من أجناس الأشياء حين شبّهتم به هذه الأصنام. وفيه إشارة إلى أنّه لا يشبه شيئا. والمراد إنكار ما يوجب ظنّا ـ فضلا عن قطع ـ يصدّ عن عبادته، أو يجوّز الإشراك به، أو يقتضي الأمن من عقابه، على طريقة الإلزام. وهو كالحجّة على ما قبله.
( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ) في مواقعها واتّصالها، أو في علمها، أو في كتابها، كنظرهم، لأنّهم كانوا يتعاطون علم النجوم، فأوهمهم أنّه استدلّ بأمارة في علم النجوم على أنّه سيسقم، لئلّا يخرجوه إلى معيّدهم حين سألوه أن يعيّد معهم( فَقالَ ) عند ذلك( إِنِّي سَقِيمٌ ) أي: مشارف للسقم. فتركوه ظنّا منهم أنّ نجمه يدلّ على سقمه.
وقيل: أراد أنّهعليهالسلام نظر في النجوم، فاستدلّ بها على وقت حمّى الغبّ(١) كانت تعتاده، فقال: إنّي سقيم. أراد أنّه قد حضر وقت علّته وزمان نوبتها. كأنّه قال: إنّي سأسقم لا محالة، وحان الوقت الّذي تعتريني فيه الحمّى. وقد يسمّى المشارف للشيء باسم الداخل فيه، قال سبحانه:( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (٢) . ولم يكن نظره حقيقة في النجوم على حسب ما ينظره المنجّمون طلبا للأحكام.
ويجوز أنّ الله أعلمه بالوحي أنّه سيسقمه في وقت مستقبل، وجعل العلامة على ذلك طلوع نجم على وجه مخصوص، أو اتّصاله بآخر على وجه مخصوص، فلمّا راى إبراهيم تلك الأمارة قال: «إنّي سقيم» تصديقا بما أخبره الله تعالى. أو أراد: أنّي سقيم القلب لكفركم، أو خارج المزاج عن المزاج المعتدل خروجا قلّ من يخلو منه.
__________________
(١) حمّى الغبّ: هي التي تنوب يوما بعد يوم.
(٢) الزمر: ٣٠.
ومارواه العيّاشي بإسناده عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهماالسلام أنّهما قالا: «والله ما كان سقيما، وما كذب».
فيمكن أن يحمل على أحد الوجوه الّتي ذكرناه. ويمكن أن يكون على وجه التعريض، بمعنى أنّ كلّ من كتب عليه الموت هو سقيم وإن لم يكن به سقم في الحال.
وما روي أنّ إبراهيمعليهالسلام كذب ثلاث كذبات: قوله:( إِنِّي سَقِيمٌ ) . وقوله:( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) (١) . وقوله في سارة: إنّها أختي. فيمكن أن يكون محمولا على المعاريض، أي: سأسقم، وفعله كبيرهم على ما ذكرناه في موضعه، وسارة أخته في الدين. وقد ورد في الخبر: إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
والمعاريض: أن يقول الرجل شيئا يقصد به غيره، فيفهم منه غير ما يقصده. ولا يكون ذلك كذبا، فإنّ الكذب قبيح لا يجوز على الأنبياء، لأنّه يرفع الثقة بقولهم، فجلّ أمناء الله تعالى وأصفياؤه عن ذلك.
وروي: أنّ أكثر أسقامهم الطاعون، وكانوا يخافون سرايته منه إليهم، فهربوا منه إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل، كما قال عزّ اسمه:( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) هاربين مخافة العدوى( فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ) فذهب إليها في خفية. من روغة الثعلب. وأصله الميل بحيلة.( فَقالَ ) أي: للأصنام استهزاء( أَلا تَأْكُلُونَ ) يعني: الطعام الّذي كان عندهم( ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) بجوابي. وفيه تهجين بعبدتها، وانحطاطها عن حالهم.
( فَراغَ عَلَيْهِمْ ) فمال عليهم مستخفيا. والتعدية بـ «على» للاستعلاء وإيصال المكروه.( ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) مصدر لـ «راغ عليهم» لأنّه في معنى: ضربهم. أو لمضمر تقديره: فراغ عليهم يضربهم ضربا. وتقييده باليمين الّذي هو أقوى الجارحين وأشدّهما للدلالة على قوّته، فإنّ قوّة الآلة تستدعي قوّة الفعل. وعن
__________________
(١) الأنبياء: ٦٣.
الفرّاء: اليمين بمعنى القوّة والمتانة. وقيل: معناه: بسبب الحلف. وهو قوله:( وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ) (١) .
( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ ) إلى إبراهيم بعد ما رجعوا من عيدهم، فرأوا أصنامهم مكسّرة، وبحثوا عن كاسرها، فظنّوا أنّه كاسرها، فقالوا:( أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ) (٢) ( يَزِفُّونَ ) يسرعون. من زفيف النعام. وقرأ حمزة على بناء المفعول، من أزفّ إذا دخل في الزفيف، أو من أزفّه إذا حمله على الزفيف، أي: يحمل بعضهم بعضا على الزفيف.
( قالَ ) على وجه الحجاج عليهم( أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ) ما تنحتونه من الأصنام. والهمزة للإنكار والتوبيخ، أي: كيف يصحّ أن يعبد الإنسان ما يعمله؟
( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) أي: ومادّة ما تعملونه، فإنّ جوهرها بخلقه، وإن كان شكلها بفعلهم. وهذا كما يقال: عمل النجّار الباب والكرسيّ، وعمل الصائغ السوار والخلخال. والمراد عمل أشكال هذه الأشياء وصورها، دون جوهرها ومادّتها.
فالله خالق جواهر الأصنام، وهم عاملوا أشكالها، أي: مصوّروها ومشكّلوها بنحتهم.
وليس لأهل الجبر تمسّك بهذه الآية على أنّ الله خالق لأفعال العباد، فإنّ من المعلوم أنّ الكفّار لم يعبدوا نحتهم الّذي هو فعلهم، وإنّما كانوا يعبدون الأصنام الّتي هي الأجسام. وقوله: «وما تعملون» ترجمة عن قوله: «ما تنحتون». فلأجل الطباق يجب أن يكون «ما» في «ما تعملون» أيضا موصولة، فالعدول بها إلى المصدريّة ـ كما قالت المجبّرة ـ تعسّف. وأيضا قد أضاف العمل إليهم بقوله: «تعملون»، فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى؟ وهذا تناقض.
ولـمّا لزمهم الحجّة( قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) في النار
__________________
(١) الأنبياء، ٥٧ و ٦٢.
(٢) الأنبياء، ٥٧ و ٦٢.
الشديدة. من الجحمة، وهي شدّة التأجّج. وعن الزجّاج: كلّ نار بعضها فوق بعض فهي جحيم. واللام بدل الإضافة، أي: جحيم ذلك البنيان. وعن ابن عبّاس: بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملؤه نارا وطرحوه فيها.
( فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً ) قصدوا حيلة وتدبيرا في إحراقه بالنار وإهلاكه، حين قهرهم بالحجّة، لئلّا يظهر للعامّة عجزهم( فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ) الأذلّين، بإبطال كيدهم، وجعله برهانا نيّرا على علوّ شأنه، حيث صيّرنا النار عليه بردا وسلاما، فنجّيناه وأخرجناه منها سالما.
( وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ) إلى حيث أمرني ربّي. وهو الشام، أو حيث أتجرّد فيه لعبادته.( سَيَهْدِينِ ) سيرشدني إلى ما فيه صلاح ديني. أو إلى مقصدي.
وإنّما بتّ القول لسبق وعده، أو لفرط توكّله، أو البناء على عادته معه في هدايته وإرشاده. ولم يكن كذلك حال موسىعليهالسلام حين قال:( عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) (١) . فلذلك ذكر بصيغة التوقّع.
وعن مقاتل: إبراهيم أوّل من هاجر ـ ومعه لوط وسارة ـ إلى الشام، ولـمّا قدم الأرض المقدّسة الّتي هي من الشام سأل ربّه الولد، فقال :
( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) بعض الصالحين، يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة. يعني: الولد، لأنّ لفظ الهبة غالب فيه. قال تعالى:( وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) (٢) ( وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ) (٣) ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله:( وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ) (٤) . ولقوله :
( فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) فإنّه بشّره بالولد، وبأنّه ذكر يبلغ أوان الحلم، فإنّ
__________________
(١) القصص: ٢٢.
(٢) الأنعام: ٨٤.
(٣) الأنبياء: ٩٠.
(٤) مريم: ٥٣.
الصبيّ لا يوصف بالحلم. ولا شبهة أنّ إسماعيل كان حليما ـ أيّ حليم ـ حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق، فقال:( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (١) .
والحليم: هو الّذي لا يعجل في الأمر قبل وقته مع القدرة عليه. وقيل: لا يعجل بالعقوبة. ولعزّة وجوده في بني آدم ما وصف الله نبيّا بالحلم غير إبراهيم وولده، في قوله:( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ) (٢) .( إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (٣) .
وقوله هاهنا في ابنه. وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه.
( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ
__________________
(١) الصافّات: ١٠٢.
(٢) هود: ٧٥.
(٣) التوبة: ١١٤.
الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) )
ثمّ أخبر سبحانه أنّ الغلام الّذي بشّره به ولد له وترعرع، حيث قال:( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) أي: فلمّا وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله. و «معه» متعلّق بمحذوف دلّ عليه السعي، لابه، لأنّ صلة المصدر لا تتقدّمه، ولا بـ «بلغ»، لأنّ بلوغهما حدّ السعي لم يكن معا. كأنّه لـمّا قال:( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) ـ أي: الحدّ الّذي يقدر فيه على السعي ـ قيل: مع من؟ فقيل: مع أبيه. وتخصيص الأب لأنّه أرفق الناس به وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء قبل أوانه، فلا يحتمله حين عدم استحكام قوّته. أو لأنّه استوهبه لذلك. وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة.
( قالَ يا بُنَيَ ) وقرأ حفص وحده بفتح الياء( إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) يحتمل أنّه رأى ذلك، وأنّه رأى ما هو تعبيره.
وقيل: إنّه رأى ليلة التروية أنّ قائلا يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلمّا أصبح روّى(١) في أنّه أمن الله أو من الشيطان؟ ومن ثمّ سمّي هذا اليوم التروية.
فلمّا أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنّه من الله، فمن ثمّ سمّي عرفة. ثمّ رأى مثله في الليلة الثالثة، فهمّ بنحره وقال له ذلك، فسمّي يوم النحر.
وقيل: إنّ الملائكة حين بشّرته بغلام حليم، قال: هو إذا ذبيح. فلمّا ولد وبلغ حدّ السعي، قيل له في المنام: أوف بنذرك.
واختلف في الذبيح على قولين :
__________________
(١) روّى في الأمر: نظر فيه وتفكّر.
أحدهما: أنّه إسحاق.
والأظهر أنّ المخاطب كان إسماعيلعليهالسلام ، لأنّه الّذي وهب له إثر الهجرة.
ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام. ولقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنا ابن الذبيحين».
فأحدهما جدّه إسماعيل، والآخر أبوه عبد الله.
وروي: أنّ أعرابيّا قال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا ابن الذبيحين، فتبسّم. فسئل عن ذلك.
فقال: «إنّ عبد المطّلب نذر أن يذبح أحد ولده إن سهّل الله له حفر زمزم. فلمّا سهّل أقرع، فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، ولذلك سنّت الدية مائة».
ولأنّ ذلك كان بمكّة، وكان قرنا الكبش معلّقين بالكعبة، حتّى احترقا معها في أيّام ابن الزبير، ولم يكن ثمّة إسحاق.
ولأنّ البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقا.
ولأنّه مرويّ عن ابن عبّاس، وابن عمر، وسعيد بن المسيّب، والحسن، والشعبي، ومجاهد، والربيع بن أنس، والكعبي، ومحمد بن كعب. وقد رواه أصحابنا أيضا عن أئمّتناعليهمالسلام .
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح؟ فقال: يا أصمعي، أين ذهب عقلك؟ ومتى كان إسحاق بمكّة؟ وإنّما كان بمكّة إسماعيل. وهو الّذي بنى البيت مع أبيه. والمنحر بمكّة لا شكّ فيه.
وما روي أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سئل أيّ النسب أشرف؟ قال: «يوسف صدّيق الله، بن يعقوب إسرائيل الله، بن إسحاق ذبيح الله، بن إبراهيم خليل الله».
فالصحيح أنّه قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والزوائد من الراوي. وما روي أنّ يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت.
وحجّة من قال إنّه إسحاق: أنّ أهل الكتابين أجمعوا على ذلك. وجوابه: أنّ إجماعهم ليس بحجّة، وقولهم غير مقبول.
وروى محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن كعب القرظي، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فسألني عن الذبيح. فقلت: إسماعيل. واستدللت بقوله تعالى:( وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا ) (١) . فأرسل إلى رجل بالشام كان يهوديّا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنّه من علماء اليهود. فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده، فقال: إسماعيل. ثم قال: والله يا أمير المؤمنين إنّ اليهود لتعلم ذلك، ولكنّهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون الذبيح أباكم. فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنّه إسحاق، لأنّ إسحاق أبوهم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو فيهما بفتح الياء.
ومعنى الآية: أنّ إبراهيم قال لابنه إسماعيل: إنّي أبصرت في المنام أنّي أذبحك. أو رأيت رؤيا تأويلها الأمر بذبحك.( فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) أي: أيّ شيء تراه من الرأي. فيكون «ماذا» في موضع النصب بمنزلة اسم واحد. ولا يجوز أن يكون «ترى» بمعنى: تبصر، لأنّه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين. ولا يجوز أن يكون بمعنى: علم أو ظنّ أو اعتقد، لأنّ هذه الأشياء تتعدّى إلى مفعولين، وليس هنا إلّا مفعول واحد، مع استحالة المعنى. فلم يبق إلّا أن يكون من الرأي.
وإنّما شاوره فيه وهو حتم من الله، ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله، فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن سلّم نفسه للذبح، وليوطّن نفسه عليه فيهون، ويكتسب المثوبة بالانقياد لله قبل نزول البلاء.
وقرأ حمزة والكسائي: «ما ذا تري» بضمّ التاء وكسر الراء خالصة. والباقون بفتحهما. وأبو عمرو يميل فتحة الراء. وورش بين بين. والباقون بإخلاص فتحها.
__________________
(١) الصافّات: ١١٢.
ولـمّا فهم إسماعيل من كلام أبيه بأنّه يذبحه أنّه مأمور من عند الله( قالَ يا أَبَتِ ) وقرأ ابن عامر بفتح التاء( افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) أي: ما تؤمر به. فحذف الجارّ والمجرور دفعة، أو على الترتيب. أو افعل أمرك، على إضافة المصدر إلى المفعول به، وأراد منه المأمور به. وإنّما ذكر بلفظ المضارع لتكرّر الرؤيا. ورؤيا الأنبياء بمنزلة الوحي، كما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.
وقال في المجمع: «والأولى أن يكون قد أوحى إليه في حال اليقظة، وتعبّده بأن يمضي ما يأمره به في حال نومه، من حيث إنّ منامات الأنبياء لا تكون إلّا صحيحة. ولو لم يأمره بذلك في حال اليقظة، لـما كان يجوز أن يعمل على ما يراه في المنام»(١) .
( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) على الذبح، أو على قضاء الله. وقرأ نافع بفتح الياء.
( فَلَمَّا أَسْلَما ) استسلما لأمر الله. وقال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه، وأسلم إسماعيل نفسه. يقال: سلّم لأمر الله واستسلم بمعنى واحد، أي: انقاد له وخضع.
وحقيقة معناه: أخلص نفسه لله، وجعلها سالمة له خالصة.( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) صرعه على شقّه، فوقع جبينه على الأرض. وهو أحد جانبي الجبهة. وقيل: كبّ إبراهيم إسماعيل على وجهه بإشارته، لئلّا يرى فيه تغيّرا يرقّ له فلا يذبحه.
روي: أنّه قال: اذبحني وأنا ساجد لا تنظر إلى وجهي، فعسى أن ترحمني فلا تذبحني. وكان ذلك عند الصخرة الّتي بمنى. وعن الحسن: في الموضع المشرف على مسجد منى. وعن الضحّاك: في المنحر الّذي ينحر فيه اليوم.
( وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ) أي: بأن يا إبراهيم. يعني: بهذا الضرب من القول.
( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) بالعزم والإتيان بالمقدّمات. وقد روي أنّه أمرّ السكّين بقوّته
__________________
(١) مجمع البيان ٨: ٤٥٢.
على حلقه مرارا فلم تقطع.
وجواب «لمّا» محذوف، تقديره: قد صدّقت الرؤيا كان ما كان ممّا لا يحيط به الوصف، من استبشارهما وشكرهما لله على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله، والتوفيق بما لم يوفّق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما به على العالمين، مع إحراز الثواب العظيم.
ثمّ علّل إفراج تلك الشدّة عنهما، والظفر بالبغية عند اليأس، بإحسانهما، فقال:( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي: كما جزيناهما بالإخراج عن البلاء العظيم، وإعطاء الثواب الجزيل، نجزي من سلك طريقهما في الإحسان بالاستسلام، والانقياد لأمر الله.
واحتجّ به من جوّز النسخ قبل وقوعه، فإنّهعليهالسلام كان مأمورا بالذبح، لقوله:( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) ولم يحصل.
وأجيب عن ذلك بأنّه سبحانه لم يأمر إبراهيم بالذبح الّذي هو فري الأوداج، وإنّما أمره بمقدّمات الذبح، من الإضجاع وتناول المدية، وما يجري مجرى ذلك.
والعرب قد تسمّي الشيء باسم مقدّماته. أو أنّه أمر بصورة الذبح، وقد فعله، لأنّه فرى أوداج ابنه، ولكنّه كلّما فرى جزءا منه وجاوز إلى غيره عاد في الحال ملتحما.
أو أنّه أمره بالذبح، إلّا أنّه سبحانه جعل على عنقه صفحة من نحاس، فكلّما أمرّ إبراهيم السكّين عليه لم يقطع، أو كان كلّما اعتمد على السكّين انقلب، على اختلاف الرواية فيه.
( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) الامتحان البيّن والاختبار الظاهر الّذي يتميّز فيه المخلص من غيره. أو المحنة البيّنة الصعوبة، فإنّه لا محنة أصعب منها.
( وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ ) أي: جعلنا الذبح بدلا عنه، كالأسير يفدى بشيء، فإنّ الفداء جعل الشيء مكان الشيء لرفع الضرر عنه. والذبح: اسم ما يذبح. والمعنى :
وفديناه بما يذبح بدله، فيتمّ به الفعل.( عَظِيمٍ ) ضخيم الجثّة، سمين البدن. أو عظيم القدر، لأنّه يفدي به الله نبيّا ابن نبيّ، وأيّ نبيّ! من نسله سيّد المرسلينصلىاللهعليهوآلهوسلم . ولأنّه من عند الله.
قيل: كان كبشا من الجنّة. وعن ابن عبّاس: هو الكبش الّذي قرّبه هابيل فتقبّل منه. وكان يرعى في الجنّة حتّى فدى به إسماعيل.
وعن الحسن: فدى بوعل(١) اهبط عليه من ثبير. وهو جبل بمكّة.
وروي: أنّه هرب من إبراهيم عند الجمرة، فرماه بسبع حصيات حتّى أخذه، فصارت سنّة.
وفي رواية اخرى: أنّه رمى الشيطان حين تعرّض له بالوسوسة عند ذبح ولده.
وروي: أنّه لـمّا ذبحه قال جبرئيل: الله أكبر الله أكبر. فقال الذبيح: لا إله إلّا الله والله أكبر. فقال إبراهيمعليهالسلام : الله أكبر لله الحمد. فبقي سنّة. والفادي على الحقيقة إبراهيم. وإنّما قال: وفديناه، لأنّه المعطي له والآمر به، على التجوّز في الفداء أو في الإسناد.
وعن ابن عبّاس: لو تمّت تلك الذبيحة لصارت سنّة، وذبح الناس أبناءهم.
واستدلّ به الحنفيّة على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة، وليس فيه ما يدلّ عليه.
وحكي في قصّة الذبيح أنّه حين أراد ذبحه قال: يا بنيّ خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب. فلمّا توسّطا شعب ثبير أخبره بما أمر. فقال له: اشدد رباطي لا أضطرب. واكفف عنّي ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي، فينقص أجري، وتراه أمّي فتحزن. واشحذ شفرتك، وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون عليّ، فإنّ الموت شديد. واقرأ على امّي سلامي.
__________________
(١) الوعل: تيس الجبل، أي: الذكر من المعز والظباء.
فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله. ثمّ أقبل عليه يقبّله وقد ربطه، وهما يبكيان. ثمّ وضع السكّين على حلقه فلم تعمل، لأنّ الله ضرب صفحة نحاس على حلقه.
فقال له: كبّني على وجهي، فإنّك إذا نظرت في وجهي رحمتني، وأدركتك رقّة تحول بينك وبين أمر الله.
ففعل. ثمّ وضع السكّين على قفاه فانقلب السكّين، ونودي من ميسر مسجد الخيف:( يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ) فنظر فإذا جبرئيل معه كبش(١) أقرن أملح، فكبّر جبرئيل. وكان يمشي في سواد، وينظر في سواد، ويبعر ويبول في سواد. فذبحه إبراهيم في منى بحيال الجمرة الوسطى، وتصدّق بلحمه على المساكين.
( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ ) الثناء الجميل( فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ) سبق تفسيره في قصّة نوح(٢) ( كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) يحتمل أنّه طرح عنه «إنّا» اكتفاء بذكره في هذه القصّة(٣) ( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي: مقضيّا نبوّته، مقدّرا كونه من الصالحين. وبهذا التفسير وقعا حالين. ولا حاجة إلى وجود المبشّر به وقت البشارة، فإنّ وجود ذي الحال غير شرط، بل الشرط مقارنة تعلّق الفعل بذي الحال، لاعتبار المعنى بالحال. فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما، مثل: وبشّرناه بوجود إسحاق، أي: بأن يوجد إسحاق نبيّا من الصالحين، كما قال صاحب الكشّاف(٤) . ومع ذلك لا يصير نظير قوله:( فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) (٥) فإن الداخلين مقدّرون خلودهم وقت دخولهم ،
__________________
(١) الكبش: الخروف إذا دخل في السنة الثانية أو الرابعة. والأقرن: ماله قرنان. ويقال: كبش أملح: إذا كان أسود يعلو شعره بياض.
(٢) راجع ص ٥٨٨.
(٣) الصافّات: ١٠٥.
(٤) الكشّاف ٤: ٥٩.
(٥) الزمر: ٧٣.
وإسحاق لم يكن مقدّرا نبوّة نفسه وصلاحها حينما يوجد. ومن فسّر الذبيح بإسحاق جعل المقصود من البشارة نبوّته بعد ما امتحنه بذبحه. وفي ذكر الصلاح بعد النبوّة تعظيم لشأنه، وإيماء بأنّه الغاية لها، لتضمّنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإطلاق.
( وَبارَكْنا عَلَيْهِ ) على إبراهيم في أولاده( وَعَلى إِسْحاقَ ) بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم، كأيّوب وشعيب، وأفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله:( وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (١) .
( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ ) في عمله. أو إلى نفسه بالإيمان والطاعة.( وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) بالكفر والمعاصي( مُبِينٌ ) ظاهر ظلمه. وفي ذلك تنبيه على أنّ النسب لا أثر له في الهدى والضلال، بل إنّما يعاب لسوء فعله، ويعاقب على ما اجترحت يداه. وأنّ الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب.
( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) )
ثمّ عطف سبحانه على ما تقدّم بذكر موسى وهارون، فقال:( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى
__________________
(١) العنكبوت: ٢٧.
مُوسى وَهارُونَ ) أنعمنا عليهما بالنبوّة وغيرها من المنافع الدينيّة والدنيويّة( وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) من تغلّب فرعون، وتسخير قومه إيّاهم، واستعمالهم في الأعمال الشاقّة. وقيل: من الغرق.( وَنَصَرْناهُمْ ) الضمير لهما مع القوم، لقوله تعالى:( وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما ) .( فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ) على فرعون وقومه، بعد أن كانوا مغلوبين مقهورين.
( وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ ) البليغ في بيانه. وهو التوراة، كما قال:( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ ) (١) .( وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) الطريق الموصل إلى الحقّ والصواب. وهو صراط أهل الإسلام الّذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالّين.
( وَتَرَكْنا عَلَيْهِما ) الثناء الجميل( فِي الْآخِرِينَ ) بأن قلنا( سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) قد سبق تفسير ذلك.
( وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) )
__________________
(١) المائدة: ٤٤.
ثمّ أقفاهما بقصّة إلياس فقال:( وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) هو الياس بن ياسين سبط هارون أخي موسى، بعث بعده. وقيل: هو إدريس. ويؤيّده ما وقع في قراءة أبيّ ومصحف ابن مسعود: وإنّ إدريس. وعن وهب: أنّه ذو الكفل. والأوّل أشهر.
وقيل: إنّ إلياس استخلف اليسع ابن عمّه على بني إسرائيل، ورفعه الله تعالى من بين أظهرهم، وكساه الريش، وقطع عنه لذّة الطعام والشراب، فصار إنسيّا ملكيّا، أرضيّا سماويّا. وسلّط الله على الملك وقومه عدوّا لهم، فقتل الملك وامرأته، وبعث الله اليسع رسولا، فآمنت به بنو إسرائيل.
وقيل: إلياس صاحب البراري، والخضر صاحب الجزائر، ويجتمعان كلّ يوم عرفة بعرفات.
وقيل: إنّه بعث بعد حزقيل لـمّا عظمت الأحداث في بني إسرائيل. وكان يوشع لـمّا فتح الشام بوّأها(١) بني إسرائيل، وقسّمها بينهم، فأحلّ سبطا منهم ببعلبك، وهم سبط إلياس، فبعث فيهم نبيّا إليهم، فأجابه الملك. ثمّ إنّ امرأته حملته على أن ارتدّ وخالف إلياس، وطلبه ليقتله، فهرب إلى الجبال والبراري. وقرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه بحذف همزة إلياس.
( إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ) عذاب الله( أَتَدْعُونَ بَعْلاً ) أتعبدونه؟ أو أتطلبون الخير منه؟ وهو اسم صنم كان لأهل «بك» من الشام، وهو البلد الّذي يقال له الآن: بعلبك. وقيل: كان من ذهب، وكان طوله عشرين ذراعا، وله اربعة أوجه. فعظّموه حتّى أخدموه أربعمائة سادن(٢) ، وجعلوهم أنبياءه. فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلّم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، ويعلّمونها الناس.
__________________
(١) أي: هيّأها لهم وأنزلهم فيها.
(٢) السادن: خادم الكعبة أو بيت الصنم.
وقيل: البعل الربّ، بلغة اليمن. يقال: من بعل هذا الوادي؟ أي: من ربّه؟ فالمعنى: أتدعون بعض البعول؟( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ) وتتركون عبادته. وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعنيّ بالهمزة. ثمّ صرّح بهذا الإنكار بقوله:( اللهَ رَبَّكُمْ ) خالقكم ورازقكم( وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) وخالق من مضى من آبائكم وأجدادكم. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب على البدل.
( فَكَذَّبُوهُ ) فيما دعاهم إليه، ولم يصدّقوه( فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) أي: في العذاب. وإنّما أطلقه اكتفاء بالقرينة، أو لأنّ الإحضار المطلق مخصوص بالشرّ عرفا.( إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) مستثنى من الواو، لا من المحضرين، لفساد المعنى.
( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ ) لغة في إلياس، كسيناء وسينين. وقيل: جمع له، لأنّ المراد هو وأتباعه، كالمهلّبين. لكن فيه: أنّ العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام، ليحصل كثرة وشيوع يبطل العلم. أو للمنسوب(١) إليه، بحذف ياء النسبة. وهو قليل ملبس. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة «آل» إلى «ياسين»، لأنّهما في المصحف مفصولان. فيكون ياسين أبا إلياس. وعن ابن عبّاس: آل يس آل محمد. و «يس» اسم من أسمائه.
وقيل: «يس» اسم القرآن، أو غيره من كتب الله. فكأنّه قال: سلام على من آمن بالقرآن وسائر كتب الله. وهذا لا يناسب نظم سائر القصص، ولا قوله:( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) إذ الظاهر أنّ الضمير لإلياس.
__________________
(١) أي: جمع إلياسي، كالأعجمين جمع الأعجمي.
( وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨) )
ثمّ عطف قصّة لوط على ما تقدّم، فقال:( وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْناهُ ) اذكر يا محمّد حين نجّيناه( وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ) من عذاب الاستئصال( إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ) الباقين الّذين أهلكوا( ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ) أهلكناهم بعذاب الاستئصال( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ ) يا أهل مكّة( عَلَيْهِمْ ) على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإنّ «سدوم» في طريقه( مُصْبِحِينَ ) داخلين في الصباح( وَبِاللَّيْلِ ) ومساء. أو نهارا وليلا. وهو عطف على «مصبحين» معنى، أي: ممسين. ولعلّ «سدوم» وقعت قريب منزل يمرّ بها المرتحل عنه صباحا، والقاصد لها مساء.( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أفليس فيكم عقل تعتبرون به.
والوجه في ذكر قصص الأنبياء وتكريرها التشويق إلى مثل ما كانوا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال، وصرف الخلق عمّا كان عليه الكفّار من مساوئ الخصال ومقابح الأفعال.
( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
(١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) )
( وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ ) هرب. وأصله الهرب من السيّد، لكن لـمّا كان هربه من قومه بغير إذن ربّه حسن إطلاقه عليه على طريقة المجاز.( إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) المملوء من الناس والأحمال، خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم فيهم( فَساهَمَ ) فقارع أهله. من: استهم القوم إذا اقترعوا.( فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) فصار من المغلوبين بالقرعة. وأصله المزلق عن مقام الظفر والغلبة.
روي: أنّه لـمّا وعد قومه بالعذاب، خرج من بينهم قبل أن يأمره الله، فركب السفينة فوقفت. فقالوا: هاهنا عبد آبق من سيّده. وهذا ممّا يزعم البحّارون من أنّ السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر. فاقترعوا، فخرجت القرعة عليه ثلاث مرّات. فقال: أنا الآبق، فألقى نفسه في الماء.
( فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ) فابتلعه من اللقمة. وقيل: إنّ الله سبحانه أوحى إلى الحوت: أنّي لم أجعل عبدي رزقا لك، ولكن جعلت بطنك له محبسا، فلا تكسرنّ له شعرا، ولا تخدشنّ له جلدا.( وَهُوَ مُلِيمٌ ) داخل في الملامة. أو آت بما يلام عليه. أو مليم نفسه على خروجه من بين قومه بغير أمر ربّه. وعندنا أنّ ذلك إنّما وقع منه تركا للمندوب، وقد يلام الإنسان على ترك الندب. ومن جوّز الصغيرة على الأنبياء، قال: وقع ذلك منه صغيرة مكفّرة.
واختلف في مدّة لبثه في بطن الحوت، فعن مقاتل بن حيّان: كانت ثلاثة أيّام. وعن عطاء: سبعة. وعن الضحّاك: عشرين. وعن السدّي ومقاتل بن سليمان
والكلبي: أربعين.
( فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس مدّة عمره، أو في بطن الحوت. وهو قوله:( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (١) . وقيل: من المصلّين، لـما روي عن ابن عبّاس: كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة. وعن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. ويقال: إنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا صرع.
( لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ ) حيّا. وقيل: ميّتا.( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) وفيه حثّ على إكثار المؤمن ذكر الله، وتعظيم لشأنه. ومن أقبل عليه في السرّاء أخذ بيده عند الضرّاء.
( فَنَبَذْناهُ ) بأن حملنا الحوت على لفظه(٢) ( بِالْعَراءِ ) بالمكان الخالي عمّا يغطّيه من شجر أو نبت. وروي: أنّ الحوت سار مع السفينة، رافعا رأسه يتنفّس فيه يونس ويسبّح، حتّى انتهوا إلى البرّ، فلفظه سالما لم يتغيّر منه شيء. وروي: أنّ الحوت قذفه بساحل قرية من الموصل.( وَهُوَ سَقِيمٌ ) مريض ممّا ناله. قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. وعن ابن مسعود قال: خرج يونس من بطن الحوت كهيئة فرخ ليس عليه ريش.
( وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ ) أي: فوقه مظلّة عليه( شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) من شجر ينبسط على وجه الأرض، ولا يقوم على ساقه، كشجر البطّيخ والقثّاء والحنظل.
وهو يفعيل، من: قطن بالمكان إذا أقام به. والأكثر على أنّها كانت الدبّاء(٣) ، غطّته بأوراقها. وفائدة الدبّاء أنّ الذباب لا يجتمع عنده. ويدلّ عليه أنّه قيل
__________________
(١) الأنبياء: ٨٧.
(٢) أي: قذفه.
(٣) الدبّاء: القرع.
لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّك لتحبّ القرع؟ قال: «أجل، هي شجرة أخي يونس». وقيل: التين. وقيل: الموز. تغطّى بورقه، واستظلّ بأغصانه، وأفطر على ثماره.
وقيل: كان يستظلّ بالشجرة، وكانت وعلة(١) تختلف إليه فيشرب من لبنها. وروي: أنّه مرّ زمان على الشجرة فيبست، فبكى جزعا، فأوحى الله إليه: بكيت على شجرة، ولا تبكي على مائة ألف في يد الكافر.
( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ ) هم قومه الّذين هرب عنهم. وهم أهل نينوى من أرض الموصل. والمراد به ما سبق من إرساله، أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم.( أَوْ يَزِيدُونَ ) في مرأى الناظر، أي: إذا نظر إليهم قال: هم مائة ألف أو أكثر. والمراد الوصف بالكثرة.
( فَآمَنُوا ) فصدّقوه. أو فجدّدوا الإيمان به بمحضره.( فَمَتَّعْناهُمْ ) بالمنافع واللذّات( إِلى حِينٍ ) إلى انقضاء آجالهم المسمّاة. ولعلّه إنّما لم يختم قصّته وقصّة لوط بما ختم به سائر القصص، تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبرى وأولي العزم من الرسل، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكلّ الرسل المذكورين في آخر السورة.
( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ
__________________
(١) الوعلة أنثى الوعل. وهو تيس الجبل، له قرنان قويّان منحنيان.
تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) )
واعلم أنّه سبحانه أمر رسوله في أوّل السورة(١) باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث، وساق الكلام في تقريره إلى ما يلائمه من القصص موصولا بعضها ببعض، ثمّ أمر باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى، حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين. فقال عطفا على الأمر باستفتائهم المذكور:( فَاسْتَفْتِهِمْ ) أيّ: سلهم واطلب الحكم منهم، تهكّما وتقريعا( أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) أي: كيف أضافوا البنات إلى الله تعالى، واختاروا لأنفسهم البنين؟ وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر: التجسيم، وتجويز الفناء على الله تعالى، فإنّ الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة. وتفضيل أنفسهم عليه، حيث جعلوا أوضح الجنسين له، وأرفعهما لهم. واستهانتهم بالملائكة الّذين أكرم خلق الله وأقربهم إليه، حيث أنّثوهم. ولذلك كرّر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مرارا، وجعله ممّا تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّا.
( أَمْ خَلَقْنَا ) أي: بل خلقنا( الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ) حاضرون عند خلقنا إيّاهم؟ أي: كيف يجعلونهم إناثا ولم يشهدوا خلقهم؟ وإنّما خصّ علم المشاهدة، لأنّ أمثال ذلك لا تعلم إلّا بها، فإنّ الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن
__________________
(١) الصافّات: ١١.
معرفته بالعقل الصرف. مع ما فيه من الاستهزاء، والإشعار بأنّهم لفرط جهلهم يقطعون به، كأنّهم قد شاهدوا خلقهم.
( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ ) لعدم ما يقتضيه، وقيام ما ينفيه( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) فيما يتديّنون به( أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ) استفهام إنكار واستبعاد.
وأسقطت همزة الوصل، تقديره: أأصطفي؟ والاصطفاء أخذ صفوة الشيء. وعن نافع برواية ورش: كسر الهمزة، على حذف حرف الاستفهام، لدلالة «أم» بعدها عليها. أو على الإثبات بإضمار القول، أي: لكاذبون في قولهم: اصطفى البنات. أو إبداله من «ولد الله».
( ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) بما لا يرتضيه عقل( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أنّه منزّه عن ذلك، فتنتهون عن مثل هذا القول( أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ ) حجّة واضحة نزلت عليكم من السماء بأنّ الملائكة بناته. وهذا كلّه إنكار في صورة الاستفهام.
( فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ ) الّذي أنزل عليكم في ذلك( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) في دعواكم. والمراد أنّه لا دليل لكم على ما تقولونه من جهة العقل، ولا من جهة السمع. وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد لأقاويلهم شديد.
( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ ) أي: الملائكة( نَسَباً ) يعني: جعلوا بما قالوا نسبة بين الله وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسيّة جامعة له وللملائكة. وذكر الملائكة باسم جنسهم، وضعا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة. مع أنّ فيه إشارة إلى أنّ من صفته الاجتنان والاستتار، لا يصلح أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك.
وقيل: قالوا إن الله صاهر الجنّ فخرجت الملائكة.
وقيل: قالت الزنادقة: إنّ الله والشيطان أخوان، وإنّ الله خالق الخير، وإبليس خالق الشرّ.
( وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ ) إنّ الكفرة أو الجنّة، إن فسّرت بغير الملائكة( لَمُحْضَرُونَ ) في العذاب. يعني: أنّهم يقولون ما يقولون في الملائكة، وقد علم الملائكة أنّهم في ذلك كاذبون مفترون، وأنّهم محضرون النار، معذّبون بما يقولون.
أو قد علمت الجنّة ـ وهم الجنّ الّذين دعوهم ـ أنّهم لمحضرون العذاب بدعائهم إلى هذا القول. والمراد المبالغة في التكذيب، حيث أضيف إلى علم الّذين ادّعوا لهم تلك النسبة.
( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) من الولد والنسب( إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) استثناء من المحضرين منقطع، أو متّصل إن فسّر الضمير بما يعمّهم، وما بينهما اعتراض. أو من «يصفون» أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكنّ المخلصين برآء من أن يصفوه به.
( فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) )
ثمّ أعاد الخطاب إلى الكفّار بقوله:( فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) على الله( بِفاتِنِينَ ) مفسدين الناس بالإغواء. من قولك: فتن فلان على فلان امرأته إذا أفسدها عليه. و «أنتم» ضمير لهم ولآلهتهم، غلّب فيه المخاطب على الغائب. ويجوز أن يكون الواو في «وما تعبدون» بمعنى «مع»، كقولهم: كلّ رجل وضيعته. فكما جاز السكوت على «كلّ رجل وضيعته» جاز أن يسكت على قوله: «فإنّكم وما تعبدون» لأنّ قوله: «وما تعبدون» سادّ مسدّ الخبر، لأنّ معناه: فإنّكم مع ما تعبدون، أي: مع آلهتكم. يعني: أنّكم قرناؤهم وأصحابهم لا تزالون تعبدونها. ثمّ قال: «ما أنتم عليه» أي: على ما تعبدون «بفاتنين» بباعثين، أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال.
( إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ ) إلّا من سبق في علمه أنّه يصلى الجحيم لا محالة، أي: ضالّ مستوجب للنار مثلكم.
( وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) )
ثمّ حكى عن اعتراف الملائكة بالعبوديّة ردّا على عبدتهم، فقال:( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) أي: وما منّا أحد إلّا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة، والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، مقصور عليه، لا يتجاوز ما أمر به ورتّب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الّذي حدّ له. فحذف الموصوف، وهو: أحد، وأقيمت الصفة ـ أعني:( إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) ـ مقامه. ومثله ما
روي عن أمير المؤمنينعليهالسلام : «فمنهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون». «فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه».
ويحتمل أن يكون هذا وما قبله ـ من قوله:( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) ـ يتّصل بقوله:( وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ) . كأنّه قال: ولقد علمت الملائكة وشهدوا أنّ المشركين مفترون عليه في مناسبة ربّ العزّة، وقالوا: «سبحان الله» تنزيها له عنه. ثمّ استثنوا المخلصين تبرئة لهم بهذا القول. ثمّ خاطبوا الكفرة بأنّ الافتتان بذلك للشقاوة المقدّرة. ثمّ اعترفوا بالعبوديّة، وبتفاوت مراتبهم فيها لا يتجاوزونها.
( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) أقدامنا لأداء الطاعة ومنازل العبادة، مذعنين خاضعين( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) المنزّهون الله عمّا لا يليق به. ويمكن أن يكون الأوّل إشارة إلى درجاتهم في الطاعات، وهذا في المعارف. و «إنّ» واللام وتوسيط الفصل للتأكيد والاختصاص الدالّين على أنّهم المواظبون على ذلك دائما من غير فترة دون غيرهم.
وقيل: هو من كلام النبيّ والمؤمنين. والمعنى: وما من المسلمين أحد إلّا له مقام معلوم في الجنّة على قدر من عمله، وإنّا لنحن الصافّون له في الصلاة، والمنزّهون له عن السوء.
( وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) )
( وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ) «إن» هي المخفّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. والمعنى: أنّ هؤلاء الكفّار ـ يعني: أهل مكّة ـ ليقولون( لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ) كتابا من الكتب الّتي نزلت عليهم( لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) لأخلصنا العبادة له، ولم نخالف كما خالفوا. فلمّا جاءهم الذّكر الّذي هو أشرف لأذكار والشاهد عليها( فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) عاقبة كفرهم.
( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) أي: ما وعدنا لهم بالنصر والغلبة على عدوّهم في الدنيا، وعلوّ درجاتهم عليهم في الآخرة. وهو قوله:( إِنَّهُمْ لَهُمُ
الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) باعتبار الغالب. وإنّما سمّاها كلمة، وهي كلمات، لانتظامها في معنى واحد.
وعن الحسن: المراد بالآية نصرتهم بالحرب، فإنّه لم يقتل نبيّ من الأنبياء قطّ في الحرب، وإنّما قتل من قتل منهم غيلة، أو على وجه آخر في غير الحرب.
وإن مات نبيّ قبل النصرة أو قتل فقد أجرى الله تعالى العادة بأن ينصر قومه من بعده، فيكون في نصرة قومه نصرة له. فقد تحقّق قوله:( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) .
وعن ابن عبّاس: إن لم ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة. قال السدّي: المراد بالآية النصر بالحجّة.
ثمّ قال لنبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) فأعرض( حَتَّى حِينٍ ) هو الموعد لنصرك عليهم. وهو يوم بدر. وقيل: يوم الفتح. وقيل: إلى يوم القيامة.
( وَأَبْصِرْهُمْ ) على ما ينالهم حينئذ من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة. والمراد بالأمر بإبصارهم على الحالة المنتظرة الموعودة، الدلالة على أنّها كائنة الوقوع لا محالة، كأنّها قدّامه. وفيه تسلية له، وتنفيس عنه.( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة. و «سوف» للوعيد لا للتبعيد. وفي هذا إخبار بالغيب، فوافق المخبر الخبر.
روي أنّه لـمّا نزل:( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) قالوا: متى هذا؟ استهزاء. فنزلت:( أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) ولـمّا كانت العرب تفاجئ أعداءها بالغارة صباحا، أخرج الله سبحانه الكلام على عادتهم، فقال:( فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ) فإذا نزل العذاب بفنائهم. شبّهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة. وقيل: ضمير «نزل» للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .( فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) فبئس الصباح صباح من خوّفوا وحذّروا فلم يخافوا ولم يحذروا. واللام للجنس. والصباح مستعار من صباح الجيش المبيّت لوقت نزول العذاب. ولـمّا كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح، سمّوا الغارة صباحا
وإن وقعت في وقت آخر.
( وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) كرّره تأكيدا إلى تأكيد، وتسلية على تسلية، وإطلاقا بعد تقييد، للإشعار بأنّه يبصر، وأنّهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرّة له، وأنواع المساءة لهم. وقيل: الأوّل لعذاب الدنيا، والثاني لعذاب الآخرة.
( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) )
ثمّ نزّه سبحانه نفسه عن وصفهم وبهتهم، فقال:( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ) تنزيها لربّك مالك العزّة( عَمَّا يَصِفُونَ ) عمّا قاله المشركون فيه على ما حكى في الصورة. وإضافة الربّ إلى العزّة لاختصاصها به، إذ لا عزّة إلّا له أو لمن أعزّه، كما تقول: صاحب صدق، لاختصاصه بالصدق. وقد أدرج فيه جملة صفاته السلبيّة والثبوتيّة مع الإشعار بالتوحيد.
( وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم، أي: سلامة وأمان لهم من أن ينصر عليهم أعداؤهم( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) على ما أفاض عليهم، وعلى من اتّبعهم من النعم وحسن العاقبة. ولذلك أخّره عن التسليم. والمراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلّمون على رسله.
وروى الأصبغ بن نباتة عن عليّعليهالسلام : «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه:( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ) إلى آخر السورة». وقد روي أيضا مرفوعا إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهرس الموضوعات
سورة الشعراء (٢٦)
الموضوع |
الصفحة |
الآية: ١ ـ ٩ ٦
الآية: ١٠ ـ ١٤ ٩
الآية: ١٥ ـ ٢٢ ١٢
الآية: ٢٣ ـ ٢٨ ١٥
الآية: ٢٩ ـ ٤٢ ١٧
الآية: ٤٣ ـ ٥١ ٢٠
الآية: ٥٢ ـ ٥٦ ٢٣
الآية: ٥٧ ـ ٦٨ ٢٥
الآية: ٦٩ ـ ٨٢ ٢٧
الآية: ٨٣ ـ ٨٩ ٣١
الآية: ٩٠ ـ ١٠٤ ٣٤
الآية: ١٠٥ ـ ١٢٢ ٣٨
الآية: ١٢٣ ـ ١٤٠ ٤١
الآية: ١٤١ ـ ١٥٩ ٤٤
الآية: ١٦٠ ـ ١٧٥ ٤٨
الآية: ١٧٦ ـ ١٩١ ٥١
الآية: ١٩٢ ـ ٢٠٣ ٥٤
الآية: ٢٠٤ ـ ٢٠٩ ٥٧
الآية: ٢١٠ ـ ٢٢٠ ٥٨
الآية: ٢٢١ ـ ٢٢٣ ٦٣
الآية: ٢٢٤ ـ ٢٢٧ ٦٥
سورة النمل (٢٧)
الآية: ١ ـ ٥ ٦٩
الآية: ٦ ـ ١٤ ٧٣
الآية: ١٥ ـ ١٩ ٧٨
الآية: ٢٠ ـ ٢٦ ٨٥
الآية: ٢٧ ـ ٣٥ ٩١
الآية: ٣٦ ـ ٤٤ ٩٧
الآية: ٤٥ ـ ٥٣ ١٠٧
الآية: ٥٤ ـ ٥٩ ١١١
الآية: ٦٠ ـ ٦٤ ١١٤
الآية: ٦٥ ـ ٦٦ ١١٧
الآية: ٦٧ ـ ٧٥ ١٢٠
الآية: ٧٦ ـ ٨٥ ١٢٢
الآية: ٨٦ ـ ٩٠ ١٢٧
الآية: ٩١ ـ ٩٣ ١٣٢
سورة القصص (٢٨)
الآية: ١ ـ ٦ ١٣٦
الآية: ٧ ـ ١٠ ١٣٩
الآية: ١١ ـ ١٣ ١٤٣
الآية: ١٤ ـ ١٩ ١٤٥
الآية: ٢٠ ـ ٢٤ ١٥١
الآية: ٢٥ ـ ٢٨ ١٥٥
الآية: ٢٩ ـ ٣٥ ١٦٠
الآية: ٣٦ ـ ٤٢ ١٦٥
الآية: ٤٣ ـ ٥٠ ١٧١
الآية: ٥١ ـ ٥٦ ١٧٦
الآية: ٥٧ ـ ٥٩ ١٨٠
الآية: ٦٠ ـ ٦٧ ١٨٣
الآية: ٦٨ ـ ٧٠ ١٨٧
الآية: ٧١ ـ ٧٥ ١٨٩
الآية: ٧٦ ـ ٧٨ ١٩١
الآية: ٧٩ ـ ٨٢ ١٩٥
الآية: ٨٣ ـ ٨٤ ١٩٩
الآية: ٨٥ ـ ٨٨ ٢٠٠
سورة العنكبوت (٢٩)
الآية: ١ ـ ٥ ٢٠٣
الآية: ٦ ـ ٧ ٢٠٧
الآية: ٨ ٢٠٨
الآية: ٩ ٢١٠
الآية: ١٠ ـ ١١ ٢١١
الآية: ١٢ ـ ١٣ ٢١٢
الآية: ١٤ ـ ١٥ ٢١٣
الآية: ١٦ ـ ١٧ ٢١٤
الآية: ١٨ ـ ٢٣ ٢١٦
الآية: ٢٤ ـ ٢٧ ٢١٩
الآية: ٢٨ ـ ٣٠ ٢٢١
الآية: ٣١ ـ ٣٥ ٢٢٣
الآية: ٣٦ ـ ٤٠ ٢٢٥
الآية: ٤١ ـ ٤٣ ٢٢٧
الآية: ٤٤ ـ ٤٥ ٢٢٩
الآية: ٤٦ ـ ٥١ ٢٣٣
الآية: ٥٢ ـ ٥٥ ٢٣٧
الآية: ٥٦ ـ ٦٠ ٢٣٩
الآية: ٦١ ـ ٦٤ ٢٤١
الآية: ٦٥ ـ ٦٩ ٢٤٣
سورة الروم (٣٠)
الآية: ١ ـ ٧ ٢٤٧
الآية: ٨ ـ ١٠ ٢٥١
الآية: ١١ ـ ١٦ ٢٥٤
الآية: ١٧ ـ ٢١ ٢٥٦
الآية: ٢٢ ـ ٢٧ ٢٥٩
الآية: ٢٨ ـ ٢٩ ٢٦٣
الآية: ٣٠ ـ ٣٢ ٢٦٥
الآية: ٣٣ ـ ٣٨ ٢٦٧
الآية: ٣٩ ـ ٤٠ ٢٦٩
الآية: ٤١ ـ ٤٦ ٢٧١
الآية: ٤٧ ـ ٥٠ ٢٧٥
الآية: ٥١ ـ ٥٣ ٢٧٧
الآية: ٥٤ ـ ٦٠ ٢٧٩
سورة لقمان (٣١)
الآية: ١ ـ ٧ ٢٨٤
الآية: ٨ ـ ٩ ٢٨٦
الآية: ١٠ ـ ١١ ٢٨٧
الآية: ١٢ ـ ١٥ ٢٨٩
الآية: ١٦ ـ ١٩ ٢٩٧
الآية: ٢٠ ـ ٢٦ ٣٠٠
الآية: ٢٧ ٣٠٤
الآية: ٢٨ ـ ٣٢ ٣٠٥
الآية: ٣٣ ٣٠٨
الآية: ٣٤ ٣٠٩
سورة السجدة (٣٢)
الآية: ١ ـ ٣ ٣١٣
الآية: ٤ ـ ٥ ٣١٣
الآية: ٦ ـ ١١ ٣١٥
الآية: ١٢ ـ ١٤ ٣١٨
الآية: ١٥ ـ ٢٢ ٣٢١
الآية: ٢٣ ـ ٢٥ ٣٢٦
الآية: ٢٦ ـ ٢٧ ٣٢٧
الآية: ٢٨ ـ ٣٠ ٣٢٨
سورة الأحزاب (٣٣)
الآية: ١ ـ ٣ ٣٣١
الآية: ٤ ـ ٥ ٣٣٣
الآية: ٦ ٣٣٨
الآية: ٧ ـ ٨ ٣٤٠
الآية: ٩ ٣٤١
الآية: ١٠ ـ ١٤ ٣٥١
الآية: ١٥ ـ ٢٠ ٣٥٥
الآية: ٢١ ٣٥٨
الآية: ٢٢ ٣٥٩
الآية: ٢٣ ـ ٢٤ ٣٦٠
الآية: ٢٥ ٣٦١
الآية: ٢٦ ـ ٢٧ ٣٦٤
الآية: ٢٨ ـ ٣٤ ٣٦٦
الآية: ٣٥ ٣٧٤
الآية: ٣٦ ـ ٤٠ ٣٧٧
الآية: ٤١ ـ ٤٤ ٣٨٣
الآية: ٤٥ ـ ٤٨ ٣٨٦
الآية: ٤٩ ـ ٥٢ ٣٨٨
الآية: ٥٣ ـ ٥٤ ٣٩٥
الآية: ٥٥ ٣٩٧
الآية: ٥٦ ٣٩٨
الآية: ٥٧ ـ ٥٨ ٤٠٢
الآية: ٥٩ ـ ٦٢ ٤٠٤
الآية: ٦٣ ـ ٦٨ ٤٠٦
الآية: ٦٩ ـ ٧٣ ٤٠٨
سورة سبأ (٣٤)
الآية: ١ ـ ٢ ٤١٣
الآية: ٣ ـ ٥ ٤١٥
الآية: ٦ ٤١٧
الآية: ٧ ـ ٩ ٤١٨
الآية: ١٠ ـ ١١ ٤٢٠
الآية: ١٢ ـ ١٤ ٤٢٣
الآية: ١٥ ـ ٢١ ٤٣١
الآية: ٢٢ ـ ٢٧ ٤٣٨
الآية: ٢٨ ـ ٣٠ ٤٤٢
الآية: ٣١ ـ ٣٣ ٤٤٤
الآية: ٣٤ ـ ٣٩ ٤٤٦
الآية: ٤٠ ـ ٤٢ ٤٤٩
الآية: ٤٣ ـ ٤٥ ٤٥٠
الآية: ٤٦ ـ ٥٤ ٤٥٢
سورة فاطر (٣٥)
الآية: ١ ـ ٢ ٤٥٩
الآية: ٣ ٤٦٢
الآية: ٤ ـ ٨ ٤٦٣
الآية: ٩ ٤٦٦
الآية: ١٠ ٤٦٧
الآية: ١١ ـ ١٤ ٤٧٠
الآية: ١٥ ـ ١٧ ٤٧٣
الآية: ١٨ ٤٧٤
الآية: ١٩ ـ ٢٦ ٤٧٦
الآية: ٢٧ ـ ٢٨ ٤٧٧
الآية: ٢٩ ـ ٣٠ ٤٧٩
الآية: ٣١ ـ ٣٥ ٤٨١
الآية: ٣٦ ـ ٤٠ ٤٨٧
الآية: ٤١ ٤٩٠
الآية: ٤٢ ـ ٤٣ ٤٩١
الآية: ٤٤ ـ ٤٥ ٤٩٢
سورة يس (٣٦)
الآية: ١ ـ ١٢ ٤٩٧
الآية: ١٣ ـ ١٩ ٥٠٢
الآية: ٢٠ ـ ٣٠ ٥٠٨
الآية: ٣١ ـ ٣٦ ٥١٣
الآية: ٣٧ ـ ٤٠ ٥١٥
الآية: ٤١ ـ ٤٧ ٥١٨
الآية: ٤٨ ـ ٥٤ ٥٢١
الآية: ٥٥ ـ ٥٨ ٥٢٣
الآية: ٥٩ ـ ٦٨ ٥٢٦
الآية: ٦٩ ـ ٧٠ ٥٢٩
الآية: ٧١ ـ ٧٦ ٥٣١
الآية: ٧٧ ـ ٨٣ ٥٣٣
سورة الصافات (٣٧)
الآية: ١ ـ ١٠ ٥٣٨
الآية: ١١ ـ ٢٦ ٥٤٣
الآية: ٢٧ ـ ٣٧ ٥٤٧
الآية: ٣٨ ـ ٤٩ ٥٤٩
الآية: ٥٠ ـ ٦١ ٥٥٢
الآية: ٦٢ ـ ٧٤ ٥٥٤
الآية: ٧٥ ـ ٨٢ ٥٥٧
الآية: ٨٣ ـ ١٠١ ٥٥٩
الآية: ١٠٢ ـ ١١٣ ٥٦٦
الآية: ١١٤ ـ ١٢٢ ٥٧٣
الآية: ١٢٣ ـ ١٣٢ ٥٧٤
الآية: ١٣٣ ـ ١٣٨ ٥٧٧
الآية: ١٣٩ ـ ١٤٨ ٥٧٨
الآية: ١٤٩ ـ ١٦٠ ٥٨١
الآية: ١٦١ ـ ١٦٣ ٥٨٣
الآية: ١٦٤ ـ ١٦٦ ٥٨٤
الآية: ١٦٧ ـ ١٧٩ ٥٨٥
الآية: ١٨٠ ـ ١٨٢ ٥٨٧
الفهرس
سورة الشعراء ٥
سورة النمل ٦٩
سورة القصص ١٣٥
سورة العنكبوت ٢٠٣
سورة الروم ٢٤٧
سورة لقمان ٢٨٣
سورة السجدة ٣١١
سورة الأحزاب ٣٣١
سورة سبأ ٤١٣
سورة فاطر ٤٥٩
سورة يس ٤٩٥
سورة الصافّات ٥٣٧