الإسلام محمدي الوجود ... حسيني البقاء

مؤلف: السيد مصطفى المزيدي
الإمام الحسين عليه السلام

الإسلام

محمدي الوجود حسيني البقاء

محاضرات

الشيخ أحمد الماحوزي

تدوين وتقرير

السيد مصطفى المزيدي



بسم الله الرحمن الرحيم

( الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء )

مقولة مشهورة ومتداولة عند المؤمنين ، وكون الإسلام محمدي الوجود ممّا لاشك ولا ريب فيه ، ومن البديهيات المتّفق عليها عند كافة أهل الإسلام ، وغيرهم من بقيّة الأديان السماوية وغير السماوية ، أمّا القول ببقاء الإسلام واستمراريته بسبب الحسين (عليه السّلام) وتضحيته فهذا ممّا يحتاج إلى دليل وبرهان

فيا ترى هل ما يعتقده المؤمنون من أنّه لولا الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولولا مواقفه وشهادته في كربلاء لما بقي من الإسلام إلاّ اسمه ومن الدين إلاّ رسمه ، ولكان الإسلام اليوم كبقية الأديان السماوية الأخرى ـ اليهودية والمسيحية ـ ليس لها تطابق مع دين الكليم موسى والمسيح عيسى (عليهما السّلام) إلاّ في الاسم ودعوى الانتساب إليهما ؟


فهل هذه الكلمة ( الإسلام محمدي الوجود ، وحسيني البقاء ) كلمة حبّ وعاطفة أطلقها عشّاق ومحبّي الإمام الحسين (عليه السّلام) ، أم أنّها كلمة لها واقع حقيقي ؟

إذ لعلّ إنسان يتساءل ويقول : كثير من المذاهب الإسلامية لا تنظر إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) على أنّه إمام مفترض الطاعة ، كما ينظر إليه المؤمنون ، ومع ذلك فإنّها متمسّكة ظاهراً بالدين وبدستور الإسلام الخالد ( القرآن الكريم ) ، فالإسلام مستمر وباق حتى لو لم يُقتل الإمام الحسين في كربلاء ، بل حتى لو لم يولد الإمام الحسين (عليه السّلام)

إلاّ إنّا نصرّ ونقول :

إنّه لو لم يكن الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ولو لم تكن واقعة كربلاء لكان الإسلام اسمه موجود وحقيقته مفقودة ، ولأصبح كبقيّة الأديان السماوية الموجودة الآن ليس له من الحق إلاّ الاسم ، وأنّ مقولة ( الإسلام حسيني البقاء ) لها واقع حقيقي ملموس ممتدّ من قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين منّي وأنا من حسين ))(١)

ــــــــــــــــــــ

(١) أخرجه البخاري في الأدب من صحيحه ، ورواه في التاريخ الكبير ٤ / ٤١٥ ، مسند الإمام أحمد ٤ / ١٧٢ ، سنن ابن ماجه ، سنن الترمذي ، المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٧٧ ، ولمعرفة دلالة الحديث راجع ما ألقيناه تحت عنوان ( علي منّي وأنا منه )


ولتوضيح ذلك نقول : هناك طائفة من البشر يعتنقون المسيحية ، وطائفة أخرى يعتنقون اليهودية ، ويزعمون أنّها المسيحية التي جاء بها عيسى ، واليهودية التي أنزلت على موسى (عليهما السّلام) ، ولكنّ الواقع يشهد على أنّ المسيحية واليهودية الموجودة الآن لا تشكّل أكثر من ٥% ممّا كانت عليه عند موسى وعيسى (عليهما السّلام) ، بل لعلّه أقل من هذه النسبة

وليس الكلام ـ في مقامنا هذا ـ في اسم المسيحية واليهودية وبعض الأمور الاعتقادية الضئيلة والقليلة والأحكام المتفرّعة على ذلك ، وإنّما الكلام في الطابع العام لهذا الدين أو ذاك ، فالطابع العام لليهودية والمسيحية الموجودتان الآن لا يمتّ بصلة إلى المسيحية واليهودية التي جاء بها عيسى وموسى (عليهما السّلام) ، لا في الاعتقاد ، ولا في الطقوس العبادية

أمّا الإسلام الآن ـ الموجود لدى المذاهب الإسلامية ـ طابعه العام ينطبق مع الإسلام الذي جاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)

نعم ، لا ينطبق عليه بحذافيره ، ولكنّه في الأعم الأغلب وفي أكثر الأحكام يتطابق معه ، فما عند المسلمين اليوم بكافّة فرقهم كثير منه مؤسس من قبل الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)

وهذه حقيقة واضحة لا يمكن التغافل والغفلة عنها وهو سرّ خلود الإسلام


إلى يوم القيامة ، فهو خالد بهذه الفرق الإسلامية التي تشكّل بمجوعها ٥٠% إلى ٧٠% تقريباً(١) من الدين الذي جاء به النبي الأُمّي (صلّى الله عليه وآله) ، وخالد على نحو الحقيقة والواقعية بتلك الطائفة التي لا تزال على الحق ، وظاهرة به إلى يوم القيامة(٢) ، والتي تشكّل الإسلام والإيمان صورة وقالباً

ـــــــــــــــــــــــ

(١) وهذا بفضل الحسين (عليه السّلام) ولولاه ـ كما سيأتي ذكره ـ لكان شأن هذه المذاهب شأن المذاهب المسيحية لا تشكّل من دين المسيح (عليه السّلام) إلاّ الاسم ودعوى الانتساب

(٢) ففي الحديث المستفيض (( لا تزال طائفة من أُمّتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة )) ، راجع : صحيح البخاري ٤ /٢٥٣ كتاب المناقب باب ٢٨ ، صحيح مسلم ١ / ١٣٧ كتاب الإيمان باب نزول عيسى (عليه السّلام) ، صحيح سنن أبي داود ـ للألباني ٢ / ٤٧١ ، صحيح سنن ابن ماجه ـ للألباني ١ / ٦ ، سنن الترمذي ٤ / ٤٨٥ ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني ٢ / ٧٥٦ ، سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ للألباني ٤ / ٥٧١

وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المسند عن جابر ، وأبي أُمامة ، وثوبان ، وزيد بن أرقم ، ومعاوية بن قرّة ، وجابر بن سمرة ، وأبي هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومسلمة ، والمغيرة ، وعمران بن الحصين ، راجع المسند ٢ / ٣٢١ ، ٣٤٠ ، ٣٧٩ ، ٥ / ٣٤٥ ، ٣٨٤ ، ٤ / ٩٣ ، ٩٧ ، ٩٩ ، ١٠١ ، ١٠٤ ، ٢٤٤ ، ٢٤٨ ، ٢٥٢ ، ٣٦٩ ، ٤٢٩ ، ٤٣٤ ، ٤٣٧ ، ٥ / ٣٤ ، ٣٥ ، ٩٢ ، ٩٤ ، ٩٨ ، ١٠٣ ، ١٠٥ ، ١٠٦ ، ١٠٨ ، ٢٦٩ ، ٢٧٨ ، ٢٧٩

وفي بعض الروايات : (( ناس من أُمّتي )) ، وبعضها الآخر كما في صحيح البخاري : (( أُمّة قائمة بأمر الله لا يضرّهم مَنْ خذلهم ، ولا مَنْ خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك )) ، وفي بعضها الثالث : (( لن يبرح الدين قائماً ، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة )) ، ( والطائفة ، والعصابة ، والأُمّة ، وناس ) فيها دلالة على أنّ الدين لا يزال قائماً بفئة قليلة من الناس لا بالأغلبية من المسلمين


إذا عرفت ذلك نقول : لولا الإمام الحسين (عليه السّلام) لكان إسلام بقيّة المذاهب والفرق إسلاماً طابعه العام لا يتلاءم مع الإسلام الواقعي والحقيقي الذي جاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، بل ليس له من الإسلام الواقعي إلاّ الاسم وزعم الانتساب ، كما هو شأن اليهودية والمسيحية

مصادر التشريع

ولبلورة المطلب واتّضاحه نمهّده بمقدّمة ، فنقول :

لا شك أنّ مبدأ انحراف الأديان قاطبة هو الانحراف في مصادر التشريع في كلّ دين ، فما من دين إلاّ وله مصادر التشريع خاصّة به يُستنبط منها عباداته ومعتقداته ، وترك هذه المصادر أو استحداث مصادر أُخرى لم يقرّها هذا الدين أو ذاك ، هو منشأ وبداية الانحراف والابتعاد عن الدين ، بل الاختلاف في منابع المعرفة والتشريع هو منشأ كلّ الاختلاف والتنازع الفكري والثقافي والعقائدي بين بني البشر

فمن باب التوضيح : هناك خلاف بين البشر قاطبة في مصادر المعرفة ، هل هي العقل ، أو الحس ، أو التجربة ، فهناك مذهب ومدرسة عقلية صرفة ، وهناك مدرسة ثانية حسّية صرفة ، وهناك مدرسة ثالثة تجريبية صرفة ، وهناك مدرسة رابعة تعتبر كلّ هذه


المنابع مصادر للمعرفة مع اختلاف في متعلق المعرفة ؛ فبعض المعارف لا سبيل لمعرفتها إلاّ بالعقل ، وبعضها الآخر لا طريق لاستيعابها إلاّ عن طريق الحس ، وبعضها الثالث لا يعرف إلاّ عن طريق التجربة

وبما أنّ هذه المدارس تختلف في مصادر المعرفة ومنابع التشريع ، فيتفرّع على هذا الاختلاف ، الاختلاف والتباين في العقيدة والسلوك العبادي ، وهذا واضح لا غبار عليه ؛ إذ بداية الخلاف بين المدارس يرجع إلى الخلاف في مصادر المعرفة كما ذكرنا

وهذا الخلاف أيضاً جارٍ بين المسلمين في مصادر المعرفة المرتبطة بالدين والإسلام ، فالكتاب والسُنّة مجمع على كونهما من مصادر المعرفة والتشريع عند الجميع ، وهنالك خلاف في كون : سنة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وسنة الصحابي ، والقياس ، والمصالح المرسلة ، وسد الذرائع ، والاستحسان ، مصادر للمعرفة والتشريع الإسلامي

وباختلاف المصادر تختلف الأحكام ؛ سواء المرتبطة بالجانب العقائدي ، أو المرتبطة بالأحكام الفرعية ـ العبادات والمعاملات ـ


فمَنْ جعل أهل البيت (عليهم السّلام)(١) مصدراً للمعرفة والتشريع تختلف عقائده وممارساته عمّنْ لم يجعلهم (عليهم السّلام) مصدراً لذلك

ومَنْ جعل قول وفعل وتقرير الصحابي ـ مهما كانت صحبته مع الرسول (صلّى الله عليه وآله) ـ مصدراً للمعرفة والتشريع ، تختلف عقائده وممارساته عمّنْ لم يجعلهم مصدراً للمعرفة والتشريع(٢)

ولكن ، هذا الخلاف كما أشرنا إليه بشكل موجز لا يؤدّي إلى غياب الطابع العام للإسلام(٣) ، بل يبقى الطابع العام طابعاً إسلامياً نعم ، الإسلام بمعناه الحقيقي لا يوجد إلاّ في طائفة واحدة المشار

ــــــــــــــــــــ

(١) كما هو مقتضى الأدلة الكثيرة والمعتبرة والواضحة ، كحديث الثقلين وحديث سفينة نوح وغيرهما

(٢) ولذلك ذهب أغلبية المسلمين ـ تبعاً للخليفة عمر بن الخطاب ـ إلى أنّ قول الرجل لزوجته : أنت طالق طالق طالق ، في مجلس واحد هو طلاق ثلاثي بحاجة إلى محلّل ، خلافاً لقوله تعالى : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) ، ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) ، وخلافاً لسُنّة الرسول وسيرة أبي بكر ، وستأتي تتمّة لذلك فانتظر

(٣) مع ملاحظة الجهود التي بذلها سيّد المتّقين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في تصحيح سيرة الخلفاء بعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وإرشاد بقيّة الصحابة والتابعين إلى مصادر التشريع الحقّة ، حتى قال الخليفة عمر بن الخطاب في مواقف كثيرة : ( لولا علي لهلك عمر ) ، ( لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن )


إليها في قوله (صلّى الله عليه وآله) المتقدّم : (( لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين على الحق ))

الأئمّة المضلّون

نعم ، الذي يمحق الإسلام محقاً ، ويمحي تعاليمه وسننه هو اتّخاذ الأئمّة المضلّين فقط ، وجعلهم حجّة على الدين ومصادر للمعرفة والتشريع ، فهذا ما يُخاف به على الإسلام ، وهذا ما حذّر منه الإسلام والقرآن في عدّة من البيانات والآيات

من تلك الآيات التي تشير إلى هذا الخطر الكبير :

قوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )(١)

قال الإمام الصادق (عليه السّلام) في تفسير الآية : (( أما والله ، ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ؛ ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم ، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً ؛ فعبدوهم من حيث لا يشعرون))(٢)

ـــــــــــــــــ

(١) سورة التوبة / ٣١

(٢) الكافي ١ / ٥٤٣ ، المحاسن / ٢٤٦


قال الرازي : الأكثرون من المفسرين(١) قالوا : ليس المراد من الأرباب أنّهم اعتقدوا فيهم أنّهم آلهة العالم ، بل المراد أنّهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم

نُقل أنّ عدي بن حاتم كان نصرانياً ، فانتهى إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يقرأ سورة براءة ، فوصل إلى هذه الآية ، قال : فقلت : لسنا نعبدهم ؟

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه ؟! ))

فقلت : بلى

قال : (( فتلك عبادتهم))(٢)

وقال الربيع : قلت لأبي العالية ـ عامر الشعبي ـ : كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل ؟ فقال : إنّهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان ، فكانوا يأخذون بأقوالهم ، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله

قال : قال شيخنا ومولانا خاتمة المحقّقين والمجتهدين ( رضي الله عنه ) : قد شاهدت جماعة من مقلّدة الفقهاء ، قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل ، وكانت مذاهبهم

ــــــــــــــــ

(١) تفسير الطبري ١٠ / ٨٠ ، الكشّاف ـ للزمخشري ٢ / ١٨٥ ، تفسير القرطبي ٨ / ١٢٠ ، تفسير ابن كثير ٢ / ٣٤٨ ، الدر المنثور ٤ / ١٧٤

(٢) أخرجه ابن سعد وعبد حميد والترمذي وحسّنه ، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه ، راجع الدر المنثور ٤ / ١٧٤


بخلاف تلك الآيات ، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها ، وبَقوا ينظرون إليّ كالمتعجّب ، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أنّ الرواية عن سلفنا وردت على خلافها ، ولو تأمّلت حقّ التأمّل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدنيا(١)

أمّا الأحاديث المحذّرة من الأئمّة المضلّين فكثيرة جدّاً :

منها : ما أخرجه الترمذي بسنده عن ثوبان قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّما أخاف على أُمّتي الأئمّة المضلّين ))(٢)

فالخطر الذي يُخاف منه على الإسلام هو : أن يُصبح كلّ مَنْ تسلّم زمام الأمور السياسية والإدارية للمسلمين قوله وفعله وتقريره حجّة ، كحجّية قول وفعل وتقرير الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، فيُصبح مصدراً من مصادر التشريع ، وهذا ما حصل

ـــــــــــــــــــ

(١) تفسير الرازي ١٦ / ٣٧

(٢) سنن الترمذي ٤ / ٥٠٤ ، كتاب الفتن ، وقال : حديث حسن صحيح ، المستدرك ٤ / ٤٤٩ ، وصحّحه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، وقد روى الحديث عن ثوبان وعمر وأبي ذر وأبي الدرداء كلّ من : أبو داود في السنن ٤ / ٩٧ ، أحمد بن حنبل في المسند ١ / ٤٢ ، ٥ / ١٤٥ ، ٢٧٨ ، ٢٨٤ ، ٦ / ٤٤١ ، ابن ماجه في السنن ٢ / ١٣٠٤ ، والدارمي في السنن ١ / ٧٠ ، وصحّح الحديث الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣ / ٨٠١ ، وصحيح سنن ابن ماجه ٢ / ٣٥٢


بالفعل لدى المسلمين بالنسبة لبعض الخلفاء من الصحابة(١)

إذ أنّ بعض المسلمين ـ بل كثير منهم ـ يأخذون عقائدهم من الواقع المعاش ، فبما أنّ أبا بكر أوّل مَنْ جاء بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي ، فأبو بكر عندهم أفضل الصحابة ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي ، ولو أنّ معاوية لم يحارب علياً (عليه السّلام) لكان بعد علي (عليه السّلام) في الأفضلية

فتربى المسلمون على قبول كلّ ما يصدر من الخلفاء بعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وأصبحت أقوالهم وأفعالهم حجّة ودليلاً على الحكم الشرعي والاعتقادي ، حتى معاوية بن أبي سفيان الذي هو طليق بإجماع المسلمين قوله حجّة عند عدّة من المسلمين(٢)

ــــــــــــــــ

(١) وسُنّة الصحابي تارة تكون حجّة بلحاظ أنّها طريق إلى سُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وأُخرى تكون حجّة بما هي هي ، فعلى الأوّل تكون الحجّية طريقية وعلى الثاني تكون الحجّية موضوعية ، والحجّية الموضوعية هي أن يكون الشيء بنفسه حجّة يجب التعبّد به كحجّية الكتاب ، والحجّية الطريقية هي أن يكون الشيء طريقاً إلى الحجّة وكاشف عنها ، وليس الخلاف بين المسلمين في سُنّة الصحابي من كونها حجّة طريقية ، وإنّما الخلاف في كونها حجّة موضوعية

(٢) وهؤلاء لم يفرّقوا بين كون الصحابي عدل وثقة وبين كونه مصدراً للتشريع ؛ إذ كونه ثقة لا يستلزم حجّية أقواله وأفعاله ، فقد يخطأ وقد يغفل وقد ينسى ، والشاهد عليه اختلاف سيرة الشيخين أبي بكر وعمر


بدع مستحدثة

ودلالة على ما نقول نذكر عدّة من الموارد التي غيّر فيها بعض الخلفاء من الصحابة سُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، وأتبعهم السواد الأعظم والأكثر من المسلمين إلى اليوم

البدعة الأولى : الطلقات الثلاث

روى مسلم بسنده عن ابن عباس قال : كان الطلاق في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم(١) ، وهو إلى اليوم ممضى خلافاً لسُنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(٢)

البدعة الثانية : التثويب في الأذان(٣)

روى الترمذي عن مجاهد قال : دخلت مع عبد الله بن عمر

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ٢ / ١٠٩٩ ، كتاب الطلاق ، باب طلاق الثلاث ، سنن أبي داود ٢ / ٢٦١ ، صحيح سنن أبي داود ـ للألباني ٢ / ٤١٥ ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني ٢ / ٧١٨

(٢) نعم ، رجعت مشيخة الأزهر في هذه الأعصار إلى كتاب الله وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والاقتداء بأهل البيت ، وتركوا سُنّة الخليفة عمر بن الخطاب ، فجعلوا الطلقات الثلاث بصيغة واحد طلقة واحدة

(٣) وهو قول المؤذّن ( الصلاة خير من النوم )


مسجداً وقد أذّن فيه ونحن نريد أن نصلّي فيه فثوّب المؤذّن ؛ فخرج عبد الله بن عمر من المسجد ، وقال : اخرج بنا من عند هذا المبتدع ، ولم يصلِّ(١)

وأوّل مَنْ ثوّب في الأذان وأمر به هو الخليفة عمر بن الخطاب ، فقد أخرج مالك في الموطأ أنّه بلغه أنّ المؤذّن جاء إلى عمر يؤذِنه لصلاة الصبح ، فوجده نائماً ، فقال : الصلاة خير من النوم ، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح(٢)

وروى عبد الرزاق بسند متّصل عن عمر بن حفص قال : أنّ سعداً ـ ابن القرظ مؤذّن عمر ـ أوّل مَنْ قال : الصلاة خير من النوم ، في خلافة عمر ، فقال : بدعة ، ثمّ تركه ، وأنّ بلال لم يؤذّن لعمر(٣)

قال الشوكاني : وذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلى أنّ التثويب بدعة ، قال في البحر : أحدثه عمر ، فقال ابنه : هذه بدعة ، وقال علي (عليه السّلام) حين سمعه : (( لا تزيدوا في الأذان ما ليس

ــــــــــــــــــ

(١) سنن الترمذي ١ / ٣٨١ ، صحيح سنن أبي داود ـ للألباني ١ / ١٠٨ ، السنن الكبرى ١ / ٤٢٤

(٢) الموطأ / ٤٢ ح ١٥١ ، وراجع المصنّف ـ لابن أبي شيبة ١ / ١٨٩ ح ٢١٥٩ ، سنن الدارقطني ١ / ٢٤٣

(٣) المصنّف ١ / ٤٧٣ رقم ١٨٢٩


منه))(١)

وقال ابن أبي ليلى : ما ابتدعوا بدعة أحبّ إليّ من التثويب في الصلاة ، يعني العشاء والفجر(٢)

وروى ابن أبي شيبة في المصنّف بسنده عن الأسود بن يزيد أنّه سمع مؤذّناً يقول في الفجر : ( الصلاة خير من النوم ) ، فقال : لا يزيدون في الأذان ما ليس منه

وقد استمرت هذه البدعة إلى الآن ، قال السرخسي : أمّا المتأخّرون فاستحسنوا التثويب في جميع الصلوات ؛ لأنّ الناس قد ازدادت بهم الغفلة ، وقلّما يقومون عند سماع الأذان ، فيستحسن التثويب للمبالغة في الإعلام(٣)

البدعة الثالثة : الصلاة بمنى تماماً

روى الشيخان وغيرهما بسندهم إلى عبد الرحمن بن يزيد قال : صلّى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات ، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) فاسترجع(٤) ، ثمّ قال : صلّيت

ـــــــــــــــــ

(١) نيل الأوطار ٢ / ٣٨

(٢) المصنّف ـ لابن أبي شيبة ١ / ١٩٠ ح ٢١٧٠ ، بسند صحيح عن وكيع عن سفيان عن عبد الرحمن بن عبد الله الأصفهاني عن ابن أبي ليلى

(٣) المبسوط ١ / ١٣١

(٤) أي قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولا يُقال ذلك إلاّ لمصيبة ، ولا مصيبة


مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بمنى ركعتين ، وصلّيت مع أبي بكر بمنى ركعتين ، وصلّيت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان(١)

البدعة الرابعة : تحريم نكاح المتعة

أخرج مسلم في صحيحه عن جابر قال : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمر بن حريث(٢)

وقد ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل تحريم عمر للمتعة(٣)

البدعة الخامسة : تحريم متعة الحج

روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين قال : أُنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــ

==

أعظم من مصيبة الدين

(١) صحيح البخاري ١ / ٣٢٥ تقصير الصلاة ، صحيح مسلم ١ / ٤٨٣ صلاة المسافرين ، صحيح سنن ابن داود ١ / ٣٦٩

(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٠٢٣ كتاب النكاح باب ١٣ ، مسند أحمد ٣ / ٣٨٠ ، ٤ / ٤٢٩ ، ٤٣٨ ، ٤٣٩ ، فلو أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) نهى عنها لما خفي ذلك على جابر وهو الحافظ لتراث النبي (صلّى الله عليه وآله) والمدمن صحبته

(٣) تاريخ الخلفاء / ١٠٨ ، الأوائل ١ / ٢٤٠


ولم ينزل قرآن يحرّمها ، ولم ينه عنها حتى مات ، قال رجل برأيه ما شاء(١)

وروى بسنده عن مروان قال : شهدت عثمان وعلياً (عليه السّلام) وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلمّا رأى علي أهلّ بهما لبيك بعمرة وحجّة ، قال : (( ما كنت لأدع سُنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) لقول أحد))(٢)

البدعة السادسة : صلاة التراويح

روى البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناس أوزاع متفرّقون ، يصلّي الرجل لنفسه ، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب ، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : نِعْمَ البدعة هذه(٣)

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ / ٣٣ ، كتاب التفسير سورة البقرة ، والرجل الذي يقصده الصحابي عمران هو الخليفة عمر بن الخطاب

(٢) صحيح البخاري ٢ / ١٧٥ كتاب الحج باب التمتع والإقران ، سنن النسائي بشرح السيوطي ٥ / ١٤٨

(٣) صحيح البخاري ٢ / ٥٩٥ ، الموطأ / ٥٩ ح ٢٤٧


هذا وقد روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي والدارمي ومالك وأحمد وغيرهم بأسانيدهم عن زيد بن ثابت : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اتّخذ حجرة ـ قال : حسبت أنّه قال : من حصير ـ في رمضان ، فصلّى فيها ليالي ، فصلّى بصلاته ناس من أصحابه ، فلمّا علم بهم جعل يقعد ، فخرج إليهم فقال : (( قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ، فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم ؛ فإنّ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة ))(١)

فمع هذا المنع من الرسول (صلّى الله عليه وآله) نجد حرص الناس والسواد الأكثر من المسلمين على اتّباع سُنّة الخليفة عمر وترك سُنّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)(٢) ، وحينما حاول الإمام علي (عليه السّلام) المنع من هذه الصلاة ارتفعت العقائر ( وا سُنّة عمراه ) فتركهم لشأنهم

إحداث الصحابة

وقد تواترت الأحاديث عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)

ــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ١ / ٢٢٨ كتاب الأذان ب ٨١ ح ٧٣١ ، صحيح مسلم ١ / ٥٣٩ صلاة المسافرين ب ٢٩ ح ٧٨١ ، سنن الترمذي ٢ / ٣١٢ ح ٤٥٠ ، سنن أبي داود ١ / ٢٧٤ ح ١٠٤٤ ، سنن الدارمي ١ / ٣١٧ ، مسند أحمد : ح ٢١٦٦٥ ، ٢١٦٨٦ ، ٢١٧٠٩ تحقيق أحمد شاكر ، الموطأ / ٦٦ ح ٢٨٨

(٢) وهي القيام بأداء النوافل في البيت لا جماعة في المسجد


بأنّ عدداً غير قليل من الصحابة سوف يُحدثوا في الدين ما ليس منه

من هذه الروايات :

ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث ـ قال : (( ألا وإنّه يُجاء برجال من أُمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))(١)

وما رواه البخاري عن أبي هريرة أنّه كان يُحدّث أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : (( يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُحلؤون(٢) عن الحوض ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقري ))(٣)

وما رواه مسلم وأحمد عن عبد الله قال : قال رسول الله (صلّى

ـــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ / ٦٩ كتاب التفسير ، سورة المائدة / ١٢٢ سورة الأنبياء / ١٣٦ كتاب الرقاق ب ٤٥ ، صحيح مسلم ٤ / ٢١٩٥ كتاب الجنة ب ١٤ ، سنن الترمذي ٥ / ٣٢١ ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني ٢ / ٤٤٩ ، مسند أحمد ١ / ٢٣٥ ، ٢٥٣

(٢) أي يبعدون عن الحوض

(٣) صحيح البخاري ٨ / ١٥٠ كتاب الرقاق باب في الحوض


الله عليه وآله) : (( أنا فرطكم(١) على الحوض ، ولأُنازعن أقواماً ثمّ لأغلبن عليهم(٢) ، فأقول : يا ربّ ، أصحابي أصحابي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(٣)

وما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي فرطكم على الحوض ، مَنْ مرّ عليّ شرب ، ومَنْ شرب لم يظمأ أبداً ، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم))

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش ، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم ، فقال : أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيه : فأقول : (( إنّهم منّي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لِمَنْ غيّر بعدي ))(٤)

فإذا كان عدد غير قليل من الصحابة هكذا وضعهم دنياً وآخرة ، فكيف بغيرهم ممّن لم يرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟

الرجوع إلى أصل المطلب

وعليه فلولا الإمام الحسين (عليه السّلام) لكان كلّ خليفة يأتي

ــــــــــــــــــــ

(١) أي متقدّمكم

(٢) أي سأجادل عن أقوام رغبة في خلاصهم فلا ينفعهم ذلك

(٣) صحيح مسلم ٤ / ١٧٩٦ كتاب الفضائل ب ٩ ، مسند أحمد ١ / ٢٨٤ ، ٤٠٦ ، ٤٠٧ ، ٤٢٥ ، ٤٥٣

(٤) صحيح مسلم ٤ / ١٧٩٣ ، صحيح البخاري ٨ / ١٥٠


بعد الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ؛ سواء كان من الصحابة ، أو التابعين ، أو تابعي التابعين قوله حجّة ، وفعله حجّة ، وتقريره حجّة

فإذا كان الخلاف في حجّية قول الصحابة أوصلنا إلى هذا الخلاف فكيف لو توسّعت الحجّية إلى حجّية أقوال وأفعال حكّام بني أُميّة وحكّام بني العباس والدولة العثمانية ، لو حصل ذلك لما بقي من الإسلام إلاّ اسمه ؛ إذ كلّ خليفة وأمير سوف يأتي بأحكام وممارسات لم يأتِ بها الخليفة السابق ، فينام المسلمون ويستيقظون وإذا بالإسلام والدين قد تحوّل إلى دين لا يمتّ بصلة إلى الدين الإسلامي الصحيح ، فيصبح كبقية الأديان السماوية المنحرفة عن واقعها المنزل من الله تعالى

ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) أحدثت خندقاً بين الخلفاء وبين التشريع ، وأن ليس كلّ مَنْ تسلّم الخلافة من بني أُميّة ، أو بني العباس قوله وفعله وتقريره حجّة ، ولو أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد وفاة أخيه الإمام الحسن (عليه السّلام) وفي حياة معاوية خرج على معاوية لما تحقق هذا الفصل بين الخلافة والتشريع ؛ إذ سينقسم المسلمون إلى جماعة الحسين وجماعة معاوية ؛ وذلك لكون معاوية في نظرهم من الصحابة العدول ، بخلاف خروجه في وقت يزيد بن معاوية لا أحد يمكن أن يتجرّأ من العلماء والمحدّثين


ويزعم بأنّه من جماعة وحزب يزيد

فلولا الإمام الحسين (عليه السّلام) لكانت سنة يزيد بن معاوية حجّة ، وكلمّا جاء خليفة أضاف إلى الإسلام مجموعة من البدع في العقيدة والممارسة ، فيصل الإسلام إلى الأجيال اللاحقة وهو لا يمتّ للإسلام الحقيقي بصلة أصلاً

وهذا ما حدث للأديان السماوية الأُخرى وللمسيحية بشكل خاص ، فلقد دخل مجموعة من اليهود في دين المسيح ظاهراً فحملوا رايته وتعصّبوا له ، إلى أن وصلت زمام الأمور بيدهم فانحرفوا بالمسيحية عن دين المسيح

وهذا الخطر هو الذي يُخاف منه على الإسلام ، ولكن ببركة الحسين (عليه السّلام) وثورته وشهادته رفع هذا الخطر عن الإسلام ، وأوجد خندقاً بين التشريع والحجّية وبين الخلفاء وأئمّة الضلال ، وأيقظ المسلمين من سباتهم وعرّفهم أنّ كلّ مَنْ أُطلق عليه لقب ( الخليفة ) ، أو ( أمير المؤمنين ) لا يمكن أن تكون سُنّته وسيرته حجّة ومصدراً للتشريع ، إلاّ إذا كان هذا الخليفة منصوصاً عليه من قبل الله والرسول (صلّى الله عليه وآله)

ولو أنّ المسلمين وسّعوا مصادر المعرفة الإسلامية بحيث تشمل كلّ مَنْ جاء من الخلفاء والمتسلّطين لكان ـ كما أشرنا ـ كلّ خليفة يأتي ببدعة جديدة ويمحي سُنّة عريقة ، فيصلنا الإسلام


اليوم وهو لا يشكّل أكثر من ٢% بالمئة ممّا عليه الإسلام في عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) وما عليه الصحابة آنذاك

فما أعظم بركة الحسين (عليه السّلام) على هذه الأُمّة ، ولا غرابة في ذلك ؛ فإنّه كما في الحديث المستفيض : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ))

ولذلك تواترت الأحاديث عن طريق أهل السُنّة والجماعة بكاء الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) على الحسين قبل مقتله ، وتكرار إهداء تربته إلى الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من قبل عدّة من الملائكة ، فكان (صلّى الله عليه وآله) يأخذ تلك التربة ويُقلّبها ويُقبّلها وعيناه تفيضان من الدموع(١)

خلود الإسلام بالقرآن

ولعلك تقول : حُفظُ الإسلام بحفظ القران ، فمادام القرآن موجوداً فالإسلام موجود

نقول : الكل يستدلّ بالقرآن الكريم ، فما من فرقة من الفرق إلاّ وهي تستدلّ على عقائدها وممارساتها من القرآن الكريم ؛

ـــــــــــــــــــ

(١) راجع مسند أحمد ١ / ٨٥ ، ٢٤٢ ، ٤ / ٢٦٥ ، ٦ / ٤٦٨ ، سنن الترمذي ، المستدرك ٣ / ١٧٦ ، ٤ / ١٩ ، ٣٩٨ المعجم الكبير / ٢٨١١ ، مجمع الزوائد ٩ / ١٩٤ ، ومصادر عدّة كثيرة ذكرنا بعضها في ( الشعائر الحسينة سُنّة أم بدعة ) فراجع


الجبري(١) يستدلّ على عقيدته في الجبر من القرآن الكريم ، والمفوّض يستدلّ على تفويضه من القرآن الكريم ، وقس على ذلك بقيّة الفرق

ويكفى في ذلك أنّ المسلمين اختلفوا في أوضح آية في القرآن الكريم وهي أية الوضوء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) بين قائل بالمسح في الأرجل وقائل بالغسل ، فإذا حصل الخلاف في مثل هذه الآية الواضحة الدلالة فالاختلاف في بقيّة الآيات أسهل وأوضح ، بل الكفرة والملحدين أيضاً يستدلّون على بطلان الإسلام من القرآن الكريم

ومثال آخر آية الطلاق فقد قال تعالى : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) ، فمع أنّ الآية في غاية الصراحة والوضوح نجد جمهور المسلمين خالفوا كتاب الله وتركوه وراء ظهورهم واتّبعوا اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب

فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق طالق طالق في مجلس واحد ، اعتبرها جماعة كثيرة من

ـــــــــــــــــــــــ

(١) وهو القائل بأنّ الإنسان مجبر على فعله


فقهاء المسلمين(١) هذا الطلاق ثلاثياً تقليداً للخليفة عمر بن الخطاب مع أنّه مخالف لصريح ونص القرآن الكريم

فإذا كانت هذه الآية الواضحة الدلالة مُعرض عنها فكيف ببقيّة الآيات التي لها ظهورات متعدّدة ؟!

فالقرآن حمّال ذو وجوه ، والكلّ يمكنه بمغالطته وأفكاره الخاطئة من أن يفسّر القرآن وفق أفكاره ومعتقداته وممارساته الخاصة ؛ ومن هنا تبرز أهمية وجود مَنْ يفسّر القرآن كما هو ، وليس هو إلاّ الإمام المعصوم الذي هو عدل القرآن

ولذا في حديث الثقلين قرن الرسول بين الكتاب والعترة ، وأنّ الابتعاد عن الضلال رهن التمسّك بهما معاً لا بأحدهما دون الآخر(٢) فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب

ـــــــــــــــــــــ

(١) نعم ، رجعت مشيخة الأزهر في هذه الأعصار إلى كتاب الله وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والاقتداء بأهل البيت ، وتركوا سُنّة الخليفة عمر بن الخطاب ، فجعلوا الطلقات الثلاث بصيغة واحدة طلقة واحدة

(٢) وحديث الثقلين من الأحاديث التي وصلت إلى مرتبة الاستفاضة ، بل إلى مرتبة التواتر لكثرة الأسانيد والطرق الواردة فيه

قال الفاضل القطيفي : وقد ذكر الالباني هذا الحديث ضمن أحاديث سلسلته الصحيحة ، وخرج بعض طرقه وأسانيده الصحيحة والحسنة ، وذكر بعض شواهده وحسنها ، ووصف من ضعف هذا الحديث بأنه حديث عهد بصناعة الحديث ، وأنه قصر تقصيرا فاحشا في تحقيق الكلام عليه ، وأنه فاته كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة ، فضلاً عن الشواهد

===


الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ؛ فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ))

فَهْمُ الكتاب

وعليه فكون الكتاب وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) موضع اتّفاق بين المسلمين في كونهما عمدة مصادر التشريع ، لا يقتضي ويستلزم عدم الضلال والانحراف ؛ إذ الكتاب والسُنّة شيء وعوامل فهم الكتاب والسُنّة شيء آخر

فلو توسّعنا في مصادر المعرفة بحيث يشمل كلّ مَنْ أُطلق عليه ( أمير المؤمنين ) لكان فهمه للكتاب والسُنّة هو المُحكّم والمُتّبع ، أو محاولة التأويل والتوجيه بين بدعته المستحدثة والآيات القرآنية المخالفة لها صراحة ، أو تجميد الآيات وتعطيلها واتّباع ما أحدثه الخليفة

الإسلام والإيمان

يُقسّم القرآن الكريم أفراد هذه الأُمّة إلى قسمين :

الأوّل : مسلم

ـــــــــــــــــــــــــــ

===

والمتابعات ، وأنّه لم يلتفت إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء ؛ إذ اقتصر في تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة دون غيرها ، فوقع في هذا الخطأ في تضعيف الحديث الصحيح ، راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤ / ٣٥٥ ح ١٧٦١ ، عنه مسائل خلافية / ٩٨


الثاني : مؤمن

والشاهد عليه قوله تعالى : (قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً )(١) ، فإطاعة الله ورسوله شرط لتحقق الإيمان ودخوله في قلب المرء ، وإلى هذا الشرط إشار تعالى بقوله أيضاً : ( قُلْإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )(٢) ، فمحبّة الله تستلزم اتّباع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، أو مَنْ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) بطاعته والاقتداء به

فالحبّ بمصطلح القرآن يقتضي ويستلزم الاتّباع والموالاة ، فهو عمل جوانحي مرتبط بقلب الإنسان ، وجوارحي معاً

وقد أكّدت بعض الآيات على ضرورة التسليم القلبي المطلق لأوامر ونواهي الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )(٣) ، فعلاوة على طاعة الرسول وانقياد جوارح وكيان الإنسان الظاهري لأوامره ونواهيه (صلّى الله عليه وآله) لا بدّ من الإذعان والتسليم القلبي لكلّ ما يصدر عنه حتى

ــــــــــــــــــــــ

(١) سورة الحجرات / ١٤

(٢) سورة آل عمران / ٣١

(٣) سورة النساء / ٦٥


وإن كان ـ بنظر المسلم ـ ضرراً على الذّات

فالتسليم القلبي بكلّ ما حكم وجاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) هو الإيمان ، والتسليم القولي وتلفّظ الشهادتين هو الإسلام ، وفرق كبير بين الإيمان والإسلام ؛ فقد يكون الإنسان مسلماً وليس هو بمؤمن ولا عكس

ولاية علي شرط الإيمان

والخلاف بين المؤمنين وغيرهم ليس في كونهم مسلمين أو ليسوا بمسلمين ؛ مَنْ تشهّد الشهادتين وصلّى وصام وزكّى وحجّ فهو مسلم ، وإنّما الخلاف في تحقّق الإيمان وعدمه ، حبّ علي (عليه السّلام) ركن الإيمان ، ومتابعة علي (عليه السّلام) وأهل بيته محقّقة للإيمان ، والإيمان درجة والإسلام درجة أُخرى

فالإيمان مقيّد بإطاعة الرسول إطاعة مطلقة في أوامره ونواهيه وأحكامه

فمَنْ عصاه في قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّها الناس ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ ))

قالوا : بلى

قال : (( فمَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهمّ والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه ))

فهو مسلم إن حافظ على الشهادتين ، وخارج عن الإيمان ؛ لعدم متابعته للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في علي (عليه السّلام) ، وستأتي تتمّة فانتظر

الردّة عن الإيمان

وكما أنّه هناك ردّة عن الإسلام هناك أيضاً ردّة عن الإيمان ،


فكثير من الصحابة كما هو ظاهر قوله تعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )(١) ، حافظوا على التشهّد بالشهادتين لكن اعترتهم ردّة في الإيمان ، وهذا ما استفاضت به الروايات كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما

فعن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقري ، ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم بعدك ارتدّوا على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم ))(٢)

ــــــــــــــــــــــــــ

(١) سورة آل عمران / ١٤٤

(٢) صحيح البخاري ٨ / ١٥٠ ، قال في لسان العرب ١١ / ٧١٠ وفي حديث الحوض : (( فلا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم )) الهمل : ضوال الإبل ، واحدها هامل أي الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالة

قلت صدق الله تعالى إذ قال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) والشاكرون في التاريخ قليل ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور )


وعن أبي وائل قال : قال عبد الله : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا فرطكم على الحوض ، ليُرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ ، أصحابي ! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(١)

وعنه عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( أنا فرطكم على الحوض ، مَنْ ورده شرب منه ، ومَنْ شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم ))

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدّثهم هذا ، فقال : هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت : نعم قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه ، قال : (( إنّهم منّي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما بدلّوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمَنْ بدّل بعدي ))(٢)

وعن أنس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( ليردَنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول ، أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(٣) .

ــــــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٩ / ٥٨ كتاب الفتن ب ١ ، ٨ / ١٤٨ كتاب الرقاق ، ب الحوض

(٢) صحيح البخاري ٩ / ٥٨

(٣) صحيح البخاري ٨ / ١٤٩ ، صحيح مسلم ٤ / ١٨٠٠ ، مسند أحمد ٣ / ٢٨١ ، ٥ / ٤٨ و ٥٠


وعن ابن عباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث ـ قال : (( ألا وإنّه يُجاء برجال من أُمّتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))(١)

فالأحاديث ناصّة على أنّ هؤلاء المحدثين في الدين هم من صحابة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، ودعوى أنّهم مَنْ ارتدّ بعده (صلّى الله عليه وآله) وحاربهم أبو بكر في غاية البُعد والغرابة ، وقراءة الأحاديث كافية في وهن هذه الدعوة ، وعبارة (( ارتدّوا على أدبارهم القهقري )) يشمل الارتداد عن الإسلام وعن الإيمان ، إلاّ أنّ عبارة (( لا تدري ما أحدثوا بعدك )) ظاهرة في أنّهم كانوا باقين على الإسلام ؛ إذ المرتد لا يمكنه أن يُحدث في الدين شيئاً والله العالم

ومنه تعرف أنّ قول الباقر محمد بن علي (عليهما السّلام) : (( كان الناس أهل ردّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة )) فقلت : ومَنْ الثلاثة ؟ فقال : (( المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي

ـــــــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ٦ / ٦٩ كتاب التفسير سورة المائدة ٦ / ١٢٢ سورة الأنبياء ٨ / ١٣٦ كتاب الرقاق ، صحيح مسلم ٤ / ٢١٩٥ كتاب الجنة ، سنن الترمذي ٥ / ٣٢١ ، ثمّ قال : هذا حديث حسن صحيح ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني ٣ / ٤٩٩ ، مسند أحمد ١ / ٢٣٥ ، ٢٥٣


رحمة الله وبركاته عليهم ، ثمّ عرف الناس بعد يسير ))(١) هو ارتداد عن الإيمان لا ارتداد عن الإسلام ، فافهم وتنبّه ولا تغفل

ويشهد لذلك أيضاً قوله (عليه السّلام) ـ في حديث آخر ـ : (( ارتد الناس إلاّ ثلاثة نفر ، سلمان وأبو ذر والمقداد )) قال : قلت : فعمار ؟ قال : (( جاض جيضة(٢) ثمّ رجع )) ثمّ قال (عليه السّلام) : (( إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد ، فأمّا سلمان فإنّه عرض في قلبه عارض أنّ عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلقة ، فمرّ به أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له : يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايع ، فبايع ، وأمّا أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالسكوت ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ، فأبى إلاّ أن يتكلّم فمرّ به عثمان فأمر به ، ثمّ أناب الناس بعد فكان أوّل مَنْ أناب أبو ساسان الأنصاري وأبو عمرة وشتيرة ، وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ هؤلاء السبعة ))(٣)

فالحديث صريح في أنّ الردّة ليس عن الإسلام وإنّما عن معرفة

ــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي : الروضة

(٢) جاض عنه يجيض ، أي عدل وحاد

(٣) رجال الكشي / ١١


حق أمير المؤمنين ، الذي لا يحبه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق كما في الحديث المستفيض(١) ، وليس الحبّ إلاّ المتابعة المطلقة ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ )

وغالبية المسلمين بغضوا مَنْ يحبّ علياً وأحبّوا مَنْ يبغضه حتى قال ابن حجر العسقلاني : وقد كنت استشكل توثيقهم(٢) الناصبي(٣) غالباً ، وتوهينهم الشيعة مطلقاً ، ولاسيّما أنّ علياً ورد في حقّه : لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ههنا مقيّد بسبب وهو كونه نصر النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ من الطبع البشري بغض مَنْ وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بالعكس ، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً ، والخبر في حبّ علي وبغضه ليس على العموم ، فقد أحبّه مَنْ أفرط فيه حتى ادّعى أنّه نبي ، أو إله تعالى الله عن إفكهم

قال : وأكثر مَنْ يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(١) روى مسلم في صحيح عن علي (عليه السّلام) : (( إنّه عهد من النبي الأُمّي أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق ))

(٢) أي أهل الجرح والتعديل

(٣) وهو المبغض لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ولأهل بيته ، وهم على درجات بعضهم يقتصر على البغض ، والبعض الآخر يترقّى فيلعن ويسبّ علياً (عليه السّلام) ، وأكثر مَنْ قال في حقّه الرجاليون أنّه صُلب في السنة ؛ كان ممّن يلعن ويتبرأ من علي ظاهراً شاهراً فراجع


والتمسّك بأمور الديانة ، بخلاف مَنْ يوصف بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار(١) ، والأصل فيه : أنّ الناصبة اعتقدوا أنّ علياً (رضي الله عنه) قتل عثمان ، أو أعان عليه ؛ فكان بغضهم له ديانة بزعمهم ، ثمّ انضاف إلى ذلك أنّ منهم مَنْ قُتلت أقاربه في حروب علي

قلت : لو كان الأمر كما قال ابن حجر نصرة للنواصب والخوارج ، لكان الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يلقى الكلام على عواهنه ، ويكون كلامه هذا بلا فائدة ، مع أنّ ذلك من أروع ما قاله الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السّلام)

قال ابن عقيل : إنّ بغض علي (عليه السّلام) لا يصدر من مؤمن أبداً ؛ لأنّه ملازم للنفاق ، وحبّه لا يتمّ من منافق أبداً ، لأنّه ملازم للإيمان ، فتقييد الشيخ ـ ابن حجر ـ بغض علي الدال على الناف بأنّه

ــــــــــــــــــــــــ

(١) فكلّ مَنْ لم يسب علياً (عليه السّلام) هو من أهل الكذب ، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة مصدع المعرقب : قلت : إنّما قيل له المعرقب ؛ لأنّ الحجّاج ، أو بشر بن مروان عرض عليه سبّ علي فأبى فقطع عرقوبه قال ابن المديني : قلت لسفيان : في أيّ شيء عرقب ؟ قال : في التشيّع

قلت : فالامتناع عن سبّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) تشيّع وابتعاد عن الديانة ، وسبّه (عليه السّلام) تصلّب في السُنّة وتدين ، فالسني الصلب هو الذي يسبّ علياً (عليه السّلام) ؛ ولذلك ذكر في حق كثير ممّن يلعن علياً (عليه السّلام) ظاهراً شاهراً بأنّه صلب في السُنّة


الذي يكون سببه نصرة للنبي (صلّى الله عليه وآله) خطأ وغفلة ظاهرة ؛ لأنّه يلزم منه إلغاء كلام المعصوم بتخصيصه علياً بهذا ؛ لأنّ البغض لأجل نصرة النبي (صلّى الله عليه وآله) كفر بواح ؛ سواء كان المبغض بسبّه علياً (عليه السّلام) أو غيره ، مسلماً كان أو كافراً ، أو حيواناً أو جماداً ، ألا ترى لو أنّ مكلّفاً أبغض المطعم بن عدي ، أو أبا البختري ـ اللذين ماتا على الشرك ـ لأجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة ، ووصلهما بذلك رحم النبي (صلّى الله عليه وآله) ورحم بني هاشم ، ألا يكون ذلك المبغض كافراً لبغضه الكافر من هذه الجهة ؟

قال : ولو أنّ آخراً أبغض كلباً من أجل حراسته للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، أو حماراً من أجل حمله إيّاه ، أو غاراً من أجل ستره له عن المشركين لكان كافراً بذلك اتفاقاً ، فما هي إذاً فائدة تخصيص علي (عليه السّلام) بالذكر فيما يعمّ المسلم والكافر والحيوان والجماد ؟ فتقييد الشيخ إلغاءً وإهداراً لكلام المعصوم وإبطالاً له

قال : والحق إن شاء الله تعالى أنّ حبّ علي (عليه السّلام) مطلقاً علامة لرسوخ الإيمان في قلب المحبّ ، وبغضه علامة وجود النفاق فيه خصوصية فيه ، كما هي في أخيه النبي (صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما )


ويؤيّد هذا قوله تعالى : ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، وقول النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( علي منّي وأنا من علي )) وما يشابه هذا ، وقد جاء الصحيح عن علي (عليه السّلام) قوله : (( لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجملتها في حجر المنافق على أن يحبّني ما أحبّني ؛ وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبي الأُمّي أنّه لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(١)

فمن قوله (صلّى الله عليه وآله) (( لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(٢) يعرف أنّ اتّباع علي (عليه السّلام) محقّق للإيمان ، واتّباعه (عليه السّلام) يرفع المسلم من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان ؛ إذ الحبّ ليس إلاّ المتابعة المطلقة للمحبّ ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

ــــــــــــــــــــــــــ

(١) العتب الجميل / ٤١ ، ثمّ بعد ذلك فند قول ابن حجر بأنّ الخوارج والنصاب من أهل الصدق والأمانة ، كيف يكونوا كذلك وقد وصفهم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّهم يمرقون من الدين ، وأنّهم كلاب أهل النار ؟!

(٢) مسند الإمام أحمد ٦ / ٢٩٢ عن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة (رضي الله عنها) ، وبلفظ آخر (( أنّه عهد من النبي الأُمّي لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق )) ، رواه أحمد بسنده عن علي (عليه السّلام) ١ / ٨٤ ، ٨٥ ، ورواه مسلم وابن ماجة والترمذي والنسائي في الخصائص ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ، وأبو نعيم الأصفهاني بعدّة أسانيد في حلية الأولياء ٤ / ١٨٥ ، والبيهقي في السنن ، والخطيب البغدادي بعدّة أسانيد في تاريخه ٢ / ٢٥٥ ، ٨ / ٤١٧ ، ١٤ / ٤٢٦ ، والطحاوي في مشكل الآثار ١ / ٤٨ عن عمران بن الحصين ، مجمع الزوائد ٩ / ٣٣ ، والحديث مروي عن عدّة من الصحابة وواصل إلى مرتبة الاستفاضة


فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ )

الرضى والشجرة

ورضى الله عن الصحابة يوم الشجرة إنّما كان بشرط عدم التبديل والانحراف والإحداث ، وقد قيّد الله هذا الرضى بعدم نكث تلك المبايعة بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(١) ، فالذي يبدّل ويغيّر ما عاهد عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) يُقال له كما قال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) سحقاً سحقاً

فعن مالك بن أنس قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لشهداء أُحد : (( هؤلاء أشهد عليهم ))

فقال أبو بكر الصديق : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي ))

فبكى أبو بكر ثمّ بكى ، ثمّ قال : أإنّا لكائنون بعدك؟(٢)

أصحابي كالنجوم

وأمّا رواية ( أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ) فهو

ـــــــــــــــــــــ

(١) سورة الفتح / ١٠

(٢) الموطأ / ٢٣٦ كتاب الجهاد ، باب الشهداء في سبيل الله ح ٩٩٥


حديث ضعّفه وحكم بوضعه عدّة من المحدّثين والمحقّقين ، فقد ضعّف سنده ابن حجر العسقلاني والبزار(١) والبيهقي ، وأحمد بن حنبل ، وأخيراً الألباني(٢) وغيرهم

وقال ابن حزم : فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً ، بل لاشك أنّها مكذوبة ؛ لأنّ الله تعالى يقول في صفة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، فإذا كان كلامه (عليه الصلاة والسّلام) في الشريعة حقّاً كلّه وواجباً فهو من الله تعالى بلا شك ، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه ، لقوله تعالى : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) ، وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله : ( وَلاَ تَنَازَعُوا ) ، فمن المحال أن يأمر رسوله باتّباع كلّ قائل من الصحابة (رضي الله عنهم) ، وفيهم مَنْ حلّل الشيء وغيره يحرّمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب ، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداءً بأبي طلحة ، وحراماً اقتداءً بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجباً اقتداءً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب ، وحراماً

ـــــــــــــــــــــ

(١) تلخيص الحبير ٤ / ١٩٠ ، قال بعد أن ضعّف سند هذه الرواية : قال البزار : هذا الكلام لم يصح عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقال ابن حزم : هذا خبر مكذوب موضوع باطل

(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة ١ / ٧٩ قال : قال أحمد : لا يصح هذا الحديث كما في المنتخب ـ لابن قدامة ١٠ / ١٩٩ ح ٢.


اقتداءً بعائشة وابن عمر ، وكلّ هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون ؟!(١)

ثمّ قال : فصح أنّ الاختلاف لا يجب أن يُراعى أصلاً ، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة ، واحتجّوا بما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم

قال : وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية :

احدها : أنّه لم يصح من طريق النقل

والثاني : أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو (عليه السّلام) قد أخبر أنّ أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره ، وكذّب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة ، وكذّب أسيد بن حضير في فتيا أفتى بها في العدّة فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون (عليه السّلام) يأمر باتّباع ما قد أخبر أنّه خطأ ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ ، تعالى الله عن ذلك وحاشا له (صلّى الله عليه وآله) من هذه الصفة ، وهو (عليه الصلاة والسّلام) قد أخبر أنّهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتّباع مَنْ يُخطئ(٢)

ـــــــــــــــــــــــ

(١) الإحكام في أصول الأحكام ٦ / ٢٤٤

(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة ـ للألباني ١ / ٨٣ نقلاً عن ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام ٥ / ٦٢


وقال الغزالي : فإنّ مَنْ يجوّز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله ، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ ، وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة ، وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ، وكيف يختلف المعصومان ؟ وكيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَنْ خالفهم بالاجتهاد ؟!(١)

رزيّة الخميس مصيبة الإسلام

وأوّل انشقاق وفتنة عظيمة أدّت إلى الضلال والانحراف هي رزيّة الخميس ، فالرزيّة كلّ الرزيّة ـ كما قال حبر الأُمّة وترجمان القرآن ـ رزيّة الخميس ، فكلّ انحراف وكلّ ضلال مبدأه يوم الخميس ظرف تلك الرزيّة

فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال : لمّا اشتدّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وجعه قال : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ))(٢)

قال عمر : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا

فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : (( قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع ))

فخرج ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة

ـــــــــــــــــــــــ

(١) المستصفى في علم الأصول ١ / ١٣٥

(٢) فكتابة هذا الكتاب أمن من الضلال والانحراف ، فالمنع عنه إحياء للضلال والانحراف ، والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لا يلقي الكلام على عواهنه ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ، ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ )


كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابه(١)

وأخرج أيضاً بسند آخر عن ابن عباس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! اشتدّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعه ، فقال : (( ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ))

فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ؟! استفهموه ، فذهبوا لا يردّون عليه

فقال : (( دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ))

وأوصاهم بثلاث : (( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم )) وسكت عن الثالثة ، أو قال : نسيتها(٢)

وأخرج مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ثمّ جعل تسيل دموعه حتى رأيت

ــــــــــــــــــــــــ

(١) صحيح البخاري ١ / ٣٨ كتاب العلم ، باب كتابة العلم رقم ٣٩

(٢) صحيح البخاري ٦ / ١١ كتاب المغازي باب مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) ووفاته

وأخرج بسند ثالث عنه (رضي الله عنه) قال : لمّا حُضِرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ))

فقال عمر : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله

فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم مَنْ يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كتاباً لن تضلّوا بعده )) ، ومنهم مَنْ يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط عند النبي (صلّى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( قوموا )) صحيح البخاري ٧ / ١٥٥ كتاب الطب ، باب قول المريض قوموا عنّي رقم ١٧


على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ائتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة ، اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً ))

فقالوا : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يهجر(١)

والملاحظ أنّ الذي بدأ بقوله : هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الخليفة عمر بن الخطاب ؛ إذ القوم انقسموا إلى قسمين منهم مَنْ يقول : قرّبوا له الدواة ، وقسم آخر يقول : هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالمحدّثون ـ أمناء هذه الأُمّة ـ إذا ذكروا عمر حرّفوا العبارة ؛ وسواء كانت العبارة التي صدرت من عمر هي ( إنّ النبي غلب عليه الوجع ) ، أو ( هجر الرجل ) فالمعنى واحد ؛ إذ الإنسان إذا غلب عليه الوجع يهجر ، فلا يكون قيمة لكلامه

نعم ، وقْع لفظة ( غلب عليه الوجع ) أهون بكثير من ( هجر ) ، فهو من قبيل قولنا في المجنون بأنّه مصاب بمرض عقلي ، فالنتيجة واحدة ولكن وقْع اللفظ على القلب أهون

قال ابن الجوزي : إنّما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حال غلبة المرض ، فيجد بذلك المنافقون سبيلاً إلى الطعن في ذلك المكتوب(٢)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم ٣ / ١٢٥٧ ، كتاب الوصية باب ترك الوصية لمَنْ ليس له شيء يوصي فيه قلت : إيراد هذا الحديث في هذا الباب معناه أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ليس عنده شيء يوصي به ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل

(٢) فتح الباري ١ / ١٦٩


وهذا غير صحيح ؛ إذ قوله (صلّى الله عليه وآله) (( لن تضلّوا )) تنصّ على أنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟!

فهو (صلّى الله عليه وآله) لا يُقاس به أحد حتى يُقال بأنّ نظر عمر بن الخطاب صحيح ، ونظره (صلّى الله عليه وآله) فيه شائبة الإشكال ، كما هو عليه جُلّ مَنْ حاول أن يفسّر ، ويشرح هذا الحديث من أهل السُنّة والجماعة صوناً لعمر بن الخطاب

وإذا كان هناك ملجأ للمنافقين في الطعن في هذا الكتاب ، فالذي فتح لهم باب الطعن هو عمر بن الخطاب ، فلو أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كتب هذا الكتاب بعد أن سمع هذه الكلمة من عمر والجماعة الموافقة له ، لطعن المنافقون فيه بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) ، ولما ميّز المسلمون المنافق العادي من المنافق المحترف والمسلم العادي ، فلو أنّ عمر بن الخطاب لم يتفوّه بهذه الكلمة لكان كلّ مَنْ يتعرض لذلك الكتاب بالغمز والتشهير فقد حكم على نفسه بالنفاق والخروج عن الإسلام ، ومن ثَم ّيعرفه المسلمون ويتجنّبونه

مضافاً إلى أنّ المصحّح لخلافة عمر هو وصية أبي بكر ؛ إذ أنّه في أواخر لحظات حياته أمر عثمان بأن يكتب : أمّا بعد ، ثمّ أُغشي عليه ، فكتب عثمان من نفسه : أمّا بعد ، فقد استخلفت


عليكم عمر بن الخطاب ، فلمّا أفاق أبو بكر ، قال : اقرأ ، فقرأ عليه ، فقال : أراك خفت أن يختلف الناس ، قال : نعم ، وأمضاها أبو بكر(١)

فأبو بكر أمضى ما كتبه عثمان وهو في حال الاحتضار والغشيان ، ولم يقولوا هجر أو غلب عليه الوجع ، وكان يحقّ له أن يوصي وأن يخاف على اختلاف الأُمّة ، أمّا نبي الرحمة فيواجه بهذه الكلمة القبيحة من قبل عمر بن الخطاب وجماعة من المسلمين !(٢) ، وحاله لم يكن كحال أبي بكر ؛ إذ الفترة بين موته (صلّى الله عليه وآله) وبين هذا الحدث خمسة أيام

قال النووي : أمّا كلام عمر (رضي الله عنه) فقد اتّفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنّه من دلائل فقه عمر وفضائله

ــــــــــــــــــــــ

(١) تاريخ الطبري ٤ / ٥٣ ، تاريخ ابن الأثير ٢ / ٢٠٧ ، ومصادر عدّة

(٢) هذا مع أنّ الله قال في حق رسوله (صلّى الله عليه وآله) : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ، فتحقق الإيمان رهين بالتسليم المطلق للنبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) ، والإسلام إظهار الشهادتين ( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ، فعلامة الإيمان إطاعة الله والرسول كما هو صريح ذيل الآية ، فممانعة بعض الصحابة لهذا الكتاب لا مسوغ له ، وخلاف وجوب الطاعة له (صلّى الله عليه وآله) ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )


ودقيق نظره ؛ لأنّه خشي أن يكتب (صلّى الله عليه وآله) أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها ؛ لأنّها منصوصة ، ولا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله(١)

قلت : الله ورسوله أعرف من عمر ومن غيره بعواقب الأمور ، وأشفق من عمر ومن أبي بكر بهذه الأُمّة ، وهو الموصوف في الكتاب الكريم ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )

وقد قطع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّ هذا الكتاب أماناً من الضلال ، فالشفقة والرحمة تقتضي كتابة هذا الكتاب ، فالحيلولة بين كتابة هذا الكتاب هو الذي أدّى إلى الضلال والانحراف

وقال عدّة من أهل السُنّة والجماعة : أنّ قوله (صلّى الله عليه وآله) ( ائتوني ) ليس للوجوب ، وإنّما هو من باب الإرشاد للإصلح(٢)

هذا كلام في غاية الضعف والسفاهة لأمور :

١ ـ إنّ السعي إلى ما يوجب العصمة من الضلال والانحراف لا يمكن أن يكون من باب الإرشاد لما هو أصلح ومن مستحبّات الأعمال ، بل هو من الأمور الواجبة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ٩٠

(٢) إرشاد الساري ١ / ٢٠٧ ، فتح الباري ١ / ١٦٩ نقلاً عن القرطبي


٢ ـ مضافاً إلى أنّ استياء النبي (صلّى الله عليه وآله) من قولهم ومنعهم لذلك الكتاب كاشف على أنّهم قد ارتكبوا أمراً عظيماً ، لا أنّهم خالفوا أمراً إرشادياً مستحبّاً

٣ ـ إنّ أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم بإحضار الدواة لكتابة الكتاب كان عند الاحتضار ، والمحتضر يكون عادة مشغولاً بنفسه وبما يعظم خطره ويعظم شأنه عنده ، ولاسيما مع العلم بالمشقّة التي ستحصل له (صلّى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب ، فالمقام مقام الأوامر الإلزامية المهمّة ، لا مقام الأوامر الإرشادية

٤ ـ إنّ عدّ ابن عباس (رحمه الله) الحيلولة بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابة الكتاب رزيّة عظيمة عبر عنها بـ ( الرزيّة كلّ الرزيّة ) ، وإنّ بكاءه بعد انقضاء الحادثة ومضيّ السنين العديدة عليها حتى صارت دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ ، دليلاً على أنّ مخالفة أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) كان فعلاً محرّماً فظيعاً ، وإلاّ فمن المستبعد أن يعتبر ابن عباس مخالفة الأوامر الإرشادية رزيّة عظيمة يبكي لأجلها(١)

ــــــــــــــــــــــــــ

(١) راجع دليل المتحيّرين ـ للعلاّمة الفاضل الشيخ علي آل محسن القطيفي / ٦٥ ، وراجع ما ألقيناه تحت عنوان ( رزيّة الخميس )


الفهرس

( الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء ) ٣

مصادر التشريع ٧

ولبلورة المطلب واتّضاحه نمهّده بمقدّمة ، فنقول : ٧

الأئمّة المضلّون ١٠

بدع مستحدثة ١٤

البدعة الأولى : الطلقات الثلاث ١٤

البدعة الثالثة : الصلاة بمنى تماماً ١٦

البدعة الرابعة : تحريم نكاح المتعة ١٧

البدعة الخامسة : تحريم متعة الحج ١٧

البدعة السادسة : صلاة التراويح ١٨

إحداث الصحابة ١٩

من هذه الروايات : ٢٠

الرجوع إلى أصل المطلب ٢١

ويزعم بأنّه من جماعة وحزب يزيد ٢٣

خلود الإسلام بالقرآن ٢٤

فَهْمُ الكتاب ٢٧

الإسلام والإيمان ٢٧


الثاني : مؤمن ٢٨

ولاية علي شرط الإيمان ٢٩

الردّة عن الإيمان ٢٩

الرضى والشجرة ٣٨

أصحابي كالنجوم ٣٨

رزيّة الخميس مصيبة الإسلام ٤١

هذا كلام في غاية الضعف والسفاهة لأمور : ٤٦