مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام الجزء 1

مؤلف: الشيخ عزيز الله العطاردي
متون حديثية

مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام

الجزء الاول

المؤلف: الشيخ عزيز الله العطاردي



الاهداء

الى سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء ، ومشكاة الضياء ، سبط المصطفى وقرة عين المرتضى ، وثمرة فؤاد سيدة النساء فاطمة الزهراء الامام أبي عبدالله الحسين بن علي عليهم السلام.

اهدى اليك يا سيدى ومولاى هذا الكتاب وأرجو من جنابك أن تشفع لي ولوالدي يوم الحساب يوم لا ينفع مال وما بنون الا من أتى الله بقلب سليم.

المؤلف



مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين ، الصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين ولعنة الله على أعدائهم ومخالفيهم ومنكرى فضائلهم ومناقبهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

أمّا بعد فيقول العبد الضعيف الفانى الشيخ عزيز الله العطاردى الخبوشانى حفظه الله من الآفات والآمال والأمانى : هذا الكتاب الذي نقدّمه الى العلماء والمحققين فى احاديث أهل البيتعليهم‌السلام وأخبارهم هو الكتاب الرابع من موسوعتنا الكبيرة «مسانيد أهل البيتعليهم‌السلام ».

سمّيناه بمسند الامام أبى عبد الله الحسين بن علىعليهما‌السلام ، نبحث فى هذا الكتاب عن حياة الامام الحسين السبط الشهيدعليه‌السلام وفضائله ومناقبه وما جرى له بعد شهادة أبيهعليهما‌السلام ومقتله ورواياته ورواته وأصحابه وأولاده.

أخذناه عن المصادر المشهورة والكتب المعروفة عن علماء الفريقين وذكرناها فى ذيل الصفحات ، تفحصت كتب الاحاديث واستخرجت روايات الامام الحسينعليه‌السلام من مصادرها ورتبتها على الأبواب بحسب الموضوع ويحتمل أن يكون روايات أخرى فات عنى ، نرجو من العلماء الكرام إذا وجدوا رواية لم تذكر فى هذا المسند أن يرشدونا إلى مصادرها.


ثمّ انى أروى رواية الامام السبط الشهيد أبى عبد الله الحسين سلام الله عليه عن مشايخى العظام بالاسناد المتّصل حتّى ينتهى إلى الامام الحسينعليه‌السلام وأوردنا اسمائهم فى مقدمة مسند الامام الرضاعليه‌السلام .

انّ هذا الكتاب مرتب على ثلاثة فصول :

الفصل الاوّل فى حياة الامام الحسينعليه‌السلام ومناقبه وفضائله وما وقع بينه ومعاوية ويزيد وشهادته وأولاده وأصحابه الّذين استشهدوا بين يديه.

الفصل الثانى فى الاحاديث والأخبار المروية عنهعليه‌السلام فى التوحيد والإمامة والاحكام والسنن.

الفصل الثالث معجم الرواة عن الامام أبى عبد الله الشهيد الذين حدثوا عنه متصلا أو مرسلا ، ورتبناها على المعجم وذكرنا مختصرا من حالاتهم وما قيل فى شأنهم من المدح والجرح.


١ ـ باب ولادتهعليه‌السلام

١ ـ قال الكلينىرحمه‌الله : ولد الحسين بن علىعليهما‌السلام فى سنة ثلاث(١)

٢ ـ عنه عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد ، عن علىّ بن الحكم ، عن عبد الرّحمن العرزمى ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : كان بين الحسن والحسينعليهما‌السلام طهر ، وكان بينهما فى الميلاد ستة أشهر وعشرا(٢)

٣ ـ عنه عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء ، والحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبى خديجة ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسين جاء جبرئيل الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : ان فاطمة ستلد غلاما تقتله أمّتك من بعدك.

فلمّا حملت فاطمة بالحسينعليه‌السلام كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ، ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لم تر فى الدنيا أمّ تلد غلاما تكرهه ولكنّها كرهته ، لما علمت

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٣.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٣.


انّه سيقتل ، قال : وفيه نزلت هذه الآية( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (١) .

٤ ـ عنه ، عن محمّد بن يحيى ، عن علىّ بن إسماعيل ، عن محمّد بن عمرو الزيّات ، عن رجل من أصحابنا ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : إنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له : يا محمّد إنّ الله يبشّرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمّتك من بعدك ، فقال : يا جبرئيل : وعلى ربّى السلام لا حاجة فى مولود يولد عن فاطمة ، تقتله امّتى من بعدى فعرج.

ثمّ هبطعليه‌السلام فقال له مثل ذلك ، فقال : يا جبرئيل : وعلى ربّى السلام لا حاجة لى في مولود تقتله أمّتى من بعدى ، فعرج جبرئيلعليه‌السلام الى السماء ، ثمّ هبط ، فقال : يا محمّد : إنّ ربّك يقرئك السلام ، ويبشّرك بأنّه جاعل فى ذرّيّته الإمامة والولاية والوصيّة ، فقال : قد رضيت ، ثمّ أرسل إلى فاطمة ، انّ الله يبشّرنى بمولود يولد لك تقتله امّتى من بعدى.

فأرسلت إليه لا حاجة لى فى مولود منّى تقتله أمّتك من بعدك ، فأرسل إليها أنّ الله قد جعل فى ذرّيته الإمامة والولاية والوصيّة ، فأرسلت إليه إنّى قد رضيت «وحملته( كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ، حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) .

فلو لا أنّه قال : أصلح لى فى ذرّيتى ، لكانت ذرّيته كلّهم أئمّة ، ولم يرضع الحسينعليه‌السلام من فاطمةعليها‌السلام ، ولا من أنثى ، كان يؤتى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيضع ابهامه فى فيه ، فيمصّ منها ما يكفيها اليومين والثلاث ، فنبت لحم الحسينعليه‌السلام من لحم رسول الله

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٤.


صلى‌الله‌عليه‌وآله ودمه ولم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى بن مريم ، والحسين بن علىعليهم‌السلام (١)

٥ ـ قال : وفى رواية اخرى عن أبى الحسن الرضاعليه‌السلام : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصّه ، فيجتزئ به ولم يرتضع من أنثى(٢)

٦ ـ الصدوق ، حدّثنا أحمد بن الحسين المعروف بأبى علىّ بن عبدويه ، قال : حدّثنا الحسن بن على السكرى ، قال : حدّثنا محمّد بن زكريّا الجوهرى ، قال : حدّثنا العباس بن بكار ، قال : حدّثنى الحسين بن يزيد ، عن عمر بن علىّ بن الحسين ، عن فاطمة بنت الحسينعليه‌السلام ، عن أسماء بنت أبى بكر ، عن صفية بنت عبد المطلب ، قالت لمّا سقط الحسينعليه‌السلام من بطن امّه وكنت وليتها.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عمّة هلمّى إلىّ ابنى ، فقلت : يا رسول الله إنا لم ننظّفه بعد ، فقال : يا عمّة أنت تنظيفه انّ الله تبارك وتعالى قد نظفه وطهّره(٣)

٧ ـ عنه بهذا الاسناد ، عن صفية بنت عبد المطّلب ، قالت : لمّا سقط الحسينعليه‌السلام من بطن امّه ، فدفعته إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فوضع النبيّ لسانه فى فيه وأقبل الحسين على لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمصّه ، قالت : وما كنت أحسب رسول الله يغذه إلّا لبنا أو عسلا ، قالت فبال الحسين عليه فقبل النبيّ بين عينيه ثمّ دفعه الىّ وهو يبكى ويقول : لعن الله قوما هم قاتلوك يا بنىّ ، يقولها ثلاثا ، قالت : فقلت : فداك أبى وأمّى ومن يقتله قال بقيّة الفئة الباغية من بنى أميّة لعنهم الله(٤) .

٨ ـ عنه قال : حدّثنا محمّد بن على ما جيلويه رضى الله عنه ، قال : حدّثنى عمّى محمّد بن أبى القاسم ، عن أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، قال : حدّثنى محمّد بن

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٤.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٥.

(٣) أمالى الصدوق : ٨٢.

(٤) أمالى الصدوق : ٨٣.


على القرشى ، قال : حدّثنى أبو الربيع الزهرانى ، قال : حدّثنا جرير ، عن ليث بن أبى سليم ، عن مجاهد ، قال : قال ابن عبّاس : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : انّ لله تبارك وتعالى ملكا يقال له دردائيل ، كان له ستّة عشر ألف جناح ما بين الجناح الى الجناح هواء والهواء كما بين السما ، والأرض.

فجعل يوما يقول فى نفسه : أفوق ربّنا جلّ جلاله شيء : فعلم الله تبارك وتعالى ما قال ، فزاده اجنحة مثلها ، فصار له اثنان وثلاثون ألف جناح ، ثمّ أوحى اللهعزوجل إليه أن طر ، فطار مقدار خمسين عاما ، فلم ينل رأس قائمة من قوائم العرش ، فلمّا علم اللهعزوجل اتعابه أوحى إليه أيّها الملك عد الى مكانك ، فأنا عظيم فوق كلّ عظيم ، وليس فوقى شيء ولا أوصف بمكان فسلبه الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة.

فلمّا ولد الحسين بن علىّعليهما‌السلام وكان مولده عشية الخميس ليلة الجمعة أوحى اللهعزوجل إلى مالك خازن النار أن أحمد النيران على أهلها لكرامة مولود ولد لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأوحى الى رضوان خازن الجنان ، أن زخرف الجنان وطيّبها لكرامة مولود ولد لمحمّد فى دار الدنيا ، وأوحى الله تبارك وتعالى الى حور العين تزيّنّ وتزاورنّ لكرامة مولود ولد لمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فى دار الدنيا.

أوحى اللهعزوجل الى الملائكة أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير ، لكرامة مولود ولد لمحمّد فى دار الدنيا ، وأوحى الله الى جبرئيلعليه‌السلام أن أهبط الى نبيّى محمّد فى ألف قبيل ، والقبيل ألف ألف من الملائكة على خيول بلق مسرّجة ملجمة عليها قباب الدرّ والياقوت ، ومعهم ملائكة فيقال لهم : الروحانيون بأيديهم أطباق من نور أن هنّئوا محمّدا بمولود.

أخبره يا جبرئيل أنّى قد سميته الحسين وهنّئه وعزّه ، وقل له يا محمّد يقتله شرار أمّتك على شرار الدوابّ ، فويل للقاتل وويل للسائق وويل للقائد ، قاتل


الحسين أنا منه برىء وهو منّى برىء لأنّه لا يأتى يوم القيامة أحد الّا وقاتل الحسين أعظم جرما منه ، قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة مع الّذين يزعمون أنّ مع الله الها آخر ، والنار أشوق إلى قاتل الحسينعليه‌السلام ممّن أطاع الله الى الجنّة.

قال : فبينا جبرئيلعليه‌السلام يهبط من السماء إلى الأرض إذ مرّ بدردائيل فقال له دردائيل : يا جبرائيل ما هذه اللّيلة فى السّماء ، هل قامت القيامة على أهل الدنيا؟ قال : لا ولكن ولد لمحمّد مولود فى دار الدنيا وقد بعثنى اللهعزوجل إليه لأهنئه بمولوده فقال الملك: يا جبرئيل بالّذى خلقك وخلقنى إذا هبطت إلى محمّد فاقرئه منى السلام وقل له : بحقّ هذا المولود عليك إلّا ما سألت ربّك أن يرضى عنّى فيردّ علىّ أجنحتى ومقامى من صفوف الملائكة.

فهبط جبرئيلعليه‌السلام على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فهنّأه كما أمره الله عزوجل وعزّاه ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : تقتله أمّتى؟ فقال له : نعم يا محمّد ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ما هؤلاء أمّتى أنا برىء منهم ، والله عزوجل برىء منهم ، قال جبرئيل : وأنا برىء منهم يا محمّد ، فدخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على فاطمة عليها‌السلام فهنّأها وعزّاها ، فبكت فاطمة عليها‌السلام وقالت يا ليتنى لم ألده ، قاتل الحسين فى النار.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأنا أشهد بذلك يا فاطمة ، ولكنّه لا يقتل حتّى يكون منه إمام يكون منه الائمّة الهادية بعده ، ثمّ قالعليه‌السلام : والأئمّة بعدى الهادى علىّ ، والمهتدى ، الحسن ، والناصر الحسين ، والمنصور علىّ ابن الحسين ، والشافع محمّد بن على ، والنفّاع جعفر بن محمّد ، والأمين موسى بن جعفر ، والرضا علىّ بن موسى ، والفعال محمّد بن على ، والمؤمن علىّ بن محمّد ، والعلّام الحسن بن على ، ومن يصلّى خلفه عيسى بن مريمعليه‌السلام القائمعليه‌السلام .

فسكتت فاطمةعليها‌السلام من البكاء ثمّ أخبر جبرئيلعليه‌السلام النبيّعليه‌السلام بقصة الملك وما اصيب به ، قال ابن عبّاس : فاخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسينعليه‌السلام وهو ملفوف


فى خرق من صوف ، فأشار به إلى السّماء ، ثمّ قال :

اللهمّ بحقّ هذا المولود عليك ، لا بل بحقّك عليه وعلى جدّه محمّد وإبراهيم وإسماعيل ، واسحاق ويعقوب إن كان للحسين بن على وابن فاطمة عندك قدر فارض عن دردائيل وردّ عليه أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة فاستجاب الله دعائه وغفر للملك وردّ عليه أجنحته وردّه الى صفوف الملائكة فالملك لا يعرف فى الجنّة إلّا بأن يقال : هذا مولى الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

٩ ـ عنه باسناده عن العبّاس بن بكار ، قال حدّثنا عباد بن كثير وأبو بكر الهذلى ، عن ابن الزبير ، عن جابر ، قال لما حملت فاطمة بالحسن فولدت وقد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أمرهم أن يلفّوه فى خرقة بيضاء ، فلفّوه فى صفراء وقالت فاطمةعليها‌السلام يا على سمّه ، فقال : ما كنت لأسبق باسمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذه وقبله وأدخل لسانه فى فيه فجعل الحسين يمصّه ثمّ قال لهم رسول الله : ألم أتقدم إليكم ألّا تلفوه فى خرقة صفراء فدعا بخرقة ، بيضاء فلفّ فيها ورمى الصفراء وأذّن فى أذنه اليمنى ، وأقام فى اليسرى ثمّ قال لعلىعليه‌السلام ما سمّيته.

قال ما كنت لأسبقك باسمه فأوحى اللهعزوجل ذكره إلى جبرئيلعليه‌السلام ، قد ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه فاقرأه السلام وهنّه منّى ومنك وقل له : إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون فهبط جبرئيل فهناه من اللهعزوجل ، ثمّ قال انّ الله جلّ جلاله يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون قال ما كان اسمه قال شبر قال لسان عربى قال سمّه الحسن فسمّاه الحسن.

فلمّا ولد الحسين جاء إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ففعل به كما فعل بالحسينعليه‌السلام ، وهبط

__________________

(١) كمال الدين : ٢٨٢.


جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال انّ اللهعزوجل يقرئك السلام ، ويقول لك إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون ، قال وما كان اسمه قال شبيرا قال لسانى عربىّ قال فسمّه الحسين فسمّاه الحسين(١) .

١٠ ـ عنه باسناده عن الغلابى ، قال حدّثنا الحكم بن أسلم ، قال حدّثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن سالم ، قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّى سمّيت ابنى هذين باسم ابنى هارون شبرا وشبيرا(٢) .

١١ ـ عنه حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى العلوىرحمه‌الله ، قال حدّثنى جدّى قال حدّثنى أحمد بن صالح التميمى ، قال حدّثنا عبد الله بن عيسى ، عن جعفر ابن محمّد ، عن أبيهعليهما‌السلام ، قال أهدى جبرئيل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اسم الحسن بن علىّعليهما‌السلام وخرقة حرير ، من ثياب الجنّة واشتق اسم الحسين من اسم الحسنعليهما‌السلام (٣) .

١٢ ـ عنه حدّثنا الحسن بن محمّد بن يحيى العلوىرحمه‌الله ، قال حدّثنى جدّى قال حدّثنا داود بن القاسم ، قال : أخبرنا عيسى ، قال أخبرنا يوسف بن يعقوب ، قال حدّثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، قال لما ولدت فاطمةعليها‌السلام الحسن جاءت به الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمّاه حسنا ، فلمّا ولدت الحسين جاءت به إليه فقالت يا رسول الله هذا أحسن من هذا فسمّاه حسينا(٤)

١٣ ـ قال الشيخ المفيد : ولد بالمدينة لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وجاءت به أمه فاطمةعليها‌السلام الى جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاستبشر به وسماّه حسينا وعق عنه كبشا ، هو وأخوه بشهادة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّدا شباب أهل

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٣١.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٣٢.

(٣) علل الشرائع : ١ / ١٣٢.

(٤) علل الشرائع : ١ / ١٣٢.


الجنّة ، وبالاتفاق الذي لا مرية فيه سبطا نبىّ الرحمة وكان الحسن بن علىعليهما‌السلام يشبه بالنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله من رأسه الى صدره ، والحسين يشبه به من صدره الى رجليه وكاناعليهما‌السلام حبيبى رسول الله من بين جميع أهله وولده(١) .

١٤ ـ قال أبو جعفر الطوسى : الحسين بن علىّ بن أبى طالب الإمام الشهيد سيّد شباب أهل الجنّة ، ولد بالمدينة آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة(٢) .

١٥ ـ قال الطبرسى : ولد بالمدينة يوم الثلثاء ، وقيل : يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان وقيل : لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة وقيل : ولد آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة ولم يكن بينه وبين أخيه الحسنعليهما‌السلام إلّا الحمل والحمل ستّة وجاءت به فاطمة الزهراء إلى رسول الله ، فسمّاه حسينا ، وعقّ عنه كبشا وعاش سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر ، كان مع رسول الله سبع سنين ، ومع أمير المؤمنين سبعا وثلاثين سنة ، ومع أخيه الحسنعليه‌السلام سبعا وأربعين سنة ، وكانت مدّة خلافته عشر سنين وأشهرا(٣) .

١٦ ـ قال الفتال النيشابوريّ : قال الصادقعليه‌السلام : أقبل جيران أمّ أيمن إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا يا رسول الله إنّ أم أيمن لا تنم البارحة من البكاء لم تزل تبكى حتى أصبحت قال : فبعث رسول الله إلى أمّ أيمن فجائه ، فقال لها يا أمّ أيمن لا أبكى الله عينك إنّ جيرانك أتونى فأخبرونى انّك لم تزل الليل تبكين أجمع ، فلا أبكى الله عينك ما الذي أبكاك ، قالت : يا رسول الله رأيت رؤيا عظيمة شديدة ، فلم أزل أبكى اللّيل أجمع.

فقال لها رسول الله فقصّيها على رسول الله فإنّ الله ورسوله أعلم فقالت :

__________________

(١) الارشاد : ١٧٩.

(٢) التهذيب : ٦ / ٤١.

(٣) اعلام الورى : ٢١٣.


يعظم علىّ أن أتكلّم بها ، فقال : الرؤيا ليست على ما ترى فقصّيها على رسول الله ، قالت رأيت فى ليلتى هذه كأنّ بعض أعضائك ملقى فى بيتى ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نامت عينك يا أمّ أيمن ، تلد فاطمة الحسين فتر بينه وتلينه ، فيكون بعض أعضائى فى بيتك فلمّا ولدت فاطمة الحسينعليهما‌السلام وكان يوم السابع أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فحلق رأسه وتصدّق بوزن شعره فضة ، وعقّ عنه.

ثمّ هيأته أمّ أيمن ولفّته فى برد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ أقبلت به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : مرحبا بالحامل ، والمحمول هذا تأويل رؤياك قال صفية بنت عبد المطّلب لمّا سقط الحسين من بطن أمّهعليهما‌السلام وكنت ولّيتها قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يا عمة هلمّى الىّ ابنى ، فقلت يا رسول الله إنّا لم ننظفه فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنت تنظيفه إنّ الله تعالى قد نظفه وطهّره.

قالت : فدفعته إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضع النبيّ لسانه فى فيه وأقبل الحسين على لسان رسول الله ، قالت فما كنت أحسب رسول الله يغذوه إلّا لبنا أو عسلا فقبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين عينيه ، ثمّ دفعه إلىّ وهو يبكى ويقول : لعن الله قوما هم قاتلوك يا بنىّ يقولها ثلثا ، فقلت : فداك أبى وأمّى ومن يقتله؟ قال الفئة الباغية من بنى أميّة لعنهم الله(١) .

١٧ ـ عنه قال الباقرعليه‌السلام ختن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسينعليهما‌السلام لسبع ليال وحلق رءوسهما وتصدّق بوزنه الشعر فضة أو ذهبا ، وعقّ عنهما كبشا طبخها جذولا يعنى أعضاء ، فتصدّق وأكل وأطعم(٢) .

١٨ ـ قال ابن شهرآشوب : ولد الحسين عام الخندق فى المدينة ، يوم الخميس أو يوم الثلاثاء لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة بعد أخيه بعشرة أشهر و

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٣٢.

(٢) روضة الواعظين : ١٣٣.


عشرين يوما ، وروى أنّه لم يكن بينه وبين أخيه إلّا الحمل والحمل ستة أشهر عاش مع جده ستّة سنين وأشهرا وقد كمل عمره خمسين ويقال كان عمره سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر ويقال ثمان وخمسون ، ومدّة خلافته خمس سنين ، وأشهر ، فى آخر ملك معاوية وأول ملك يزيد(١) .

١٩ ـ قال الاربلى : ولد بالمدينة لخمس خلون من شعبان ، سنة أربع من الهجرة وكانت والدته الطهر البتول فاطمةعليها‌السلام ، علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسنعليه‌السلام بخمسين ليلة ، هكذا صح النقل ، فلم يكن بينه وبين أخيهعليهما‌السلام سوى هذه المدّة المذكورة ومدّة الحمل ، ولما ولد وأعلم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله به أخذه وأذن فى اذنه ، قيل : أذن فى اذنه اليمنى وأقام فى اليسرى(٢)

٢٠ ـ روى المجلسى عن عيون المعجزات للمرتضى ، روى أنّ فاطمه ولدت الحسن والحسين من فخذها الأيسر ، وروى أنّ مريم ولدت المسيح من فخذها الأيمن ، وحديث هذه الحكاية فى كتاب الأنوار وفى كتب كثيرة ، وروى العلائى فى كتابه يرفع الحديث إلى صفية بنت عبد المطّلب قالت : لما سقط الحسين بن فاطمةعليهما‌السلام كنت بين يديها ، فقال : لى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هلمّى إلىّ ابنى ، فقلت : يا رسول الله إنا لم ننظفه بعد فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنت تنظفينه؟ إنّ الله قد نظّفه وطهّره(٣)

٢١ ـ عنه ، روى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قام إليه وأخذه فكان يسبّح ويهلّل ويمجّد صلوات الله عليه(٤) .

٢٢ ـ قال أبو الفرج الاصفهانى : يكنى أبا عبد الله ، وامّه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان مولده لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة(٥)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٩.

(٢) كشف الغمة : ٢ / ٣.

(٣) بحار الانوار : ٤٣ / ٢٥٦.

(٤) بحار الانوار : ٤٣ / ٢٥٦.

(٥) مقاتل آل أبي طالب : ٥١.


٢٣ ـ قال الطبرى فى حوادث سنة أربع من الهجرة وفيها ولد الحسين بن علىعليهما‌السلام . لليال خلون من شعبان(١)

٢٤ ـ الحاكم النيسابوريّ أخبرنى أبو اسحاق إبراهيم بن محمّد بن يحيى المذكّى ، ثنا محمّد بن إسحاق الثقفى ، ثنا أبو الأشعث ثنا زهير بن العلاء ، ثنا سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، قال ولدت فاطمة حسينا بعد الحسن لسنة وعشرة أشهر فولدته لستّ سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ(٢) .

٢٥ ـ عنه حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علىّ بن عفان ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد الله أبى رافع ، عن أبيه رضى الله عنه قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أذّن فى أذن الحسين حين ولدته فاطمة رضى الله عنها هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(٢) .

٢٦ ـ عنه ، حدّثنا أبو علىّ الحسين بن على الحافظ ، أنا يحيى بن محمّد بن صاعد ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى ، ثنا حسين ابن زيد العلوى ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه عن جدّه عن على رضى الله عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر فاطمة رضى الله عنها. فقال : زنى شعر الحسين وتصدقى بوزنه فضّة وأعطى القابلة رجل العقيقة(٣) .

٢٧ ـ الخطيب البغدادى أخبرنا أبو القاسم الأزهرى ، قال أنبأنا محمّد بن المظفّر قال نبأنا أحمد بن على بن شعيب المدائنى ، قال نبأنا أبو بكر بن البرقي ، قال : ولد الحسين بن على بن أبي طالب فى ليال خلون ، من شعبان ، سنة أربع من الحجرة(٣)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٢ / ٥٥٥.

(٢) المستدرك : ٣ / ١٧٧ ـ ١٧٩

(٣) المستدرك : ٣ / ١٧٧ ـ ١٧٩

(٤) تاريخ بغداد : ١ / ١٤١.


٢٨ ـ قال ابن سعد : الحسين بن علىعليهما‌السلام بن أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى. ويكنى أبا عبد الله. وأمه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وامّها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصى. علقت فاطمة رضى الله عنها بالحسين لخمس ليال خلون من ذى القعدة سنة ثلاث من الهجرة ، فكان بين ذلك وبين ولادة الحسن خمسون ليلة. وولد الحسين فى ليال خلون ، من شعبان سنة أربع من الهجرة(١) .

٢٩ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو عبد الله الخلال ، أخبرنا أبو طالب أحمد ابن محمود ، أخبرنا أبو بكر ابن المقرى ، أخبرنا محمّد بن عبد الله الطائى ، أخبرنا عمران بن بكار ، أخبرنا ربيع بن روح أخبرنا محمّد بن حرب ، أخبرنا الزبيرى عن عدى بن عبد الرحمن الطائى عن داود بن أبى هند ، عن سماك ، عن أمّ الفضل بنت الحارث ، إنها رأت فيما يرى النائم أنّ عضوا من أعضاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فى بيته قالت فقصصتها على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : خيرا رأيت ، تلد فاطمة غلاما فترضعينه بلبنى قثم قالت : فولدت فاطمة غلاما فسمّاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حسينا ودفعه إلى أمّ الفضل وكانت ترضعه بلبن قثم(٢) .

٣٠ ـ عنه أخبرنا أبو على الحدّاد ، وجماعة فى كتبهم ، قالوا أخبرنا أبو بكر بن ربذه أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا محمّد بن عبد الله الحضرمى أخبرنا ضرار بن صرد ، أخبرنا عبد الكريم بن يعفور الجعفى ، عن جابر عن ابن الشعثاء! عن بشير بن غالب قال : كنت مع أبى هريره فرأى الحسين بن على فقال يا أبا عبد الله لقد رأيتك على يدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد خضبتهما دما حين أتى بك إليه حين ولدت فسررك

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين من طبقات ابن سعد : ١٧.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٩.


ولفك فى خرقة ، ولقد تفل فى فيك ، وتكلّم بكلام ما أدرى ما هو ، ولقد كانت فاطمة سبقته بقطع سرّة الحسن. فقال لا تسبقينى بها(١) .

٣١ ـ عنه أخبرنا أبو غالب محمّد بن الحسن ، أخبرنا محمّد بن على السيرافى ، أخبرنا أحمد بن إسحاق النهاوندى ، أخبرنا أحمد بن عمران الأشنانى ، أخبرنا موسى بن زكريّا التستري ، أخبرنا خليفة العصفرى ، قال : وفيها يعنى سنة أربع ولد الحسين بن على بن أبى طالب(٢) .

٣٢ ـ عنه أخبرنا أبو الحسن بن الفراء ، وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنّاء ، قالوا : أخبرنا أبو جعفر ابن المسلمة ، أخبرنا أبو طاهر المخلص ، أخبرنا أحمد بن سليمان ، أخبرنا الزبير بن بكّار ، قال : والحسين بن على يكنى أبا عبد الله(٣) .

٣٣ ـ أخبرنا أبو غالب ابن البنّاء ، أخبرنا أبو الغنائم ابن المأمون ، أخبرنا أبو القاسم ابن حبابة أخبرنا أبو القاسم البغوى ، قال : قال الزبير بن بكار : ولد الحسين ابن على بن أبى طالب لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة(٤)

٣٤ ـ عنه قال : كتب إلىّ أبو محمّد ابن الآبنوسى وحدّثنا أبو الفضل بن ناصر عنه أخبرنا أبو محمّد الجوهرى ، وأخبرنا أبو الحسن ابن قبيس ، أخبرنا أبو منصور ابن زريق ، أخبرنا أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو القاسم الأزهرى ، قالا : أخبرنا محمّد ابن المظفر ، أخبرنا أحمد بن علىّ بن شعيب المدائنى ، أخبرنا أبو بكر ابن البرقي قال : ولد الحسين بن علىّ بن أبى طالب فى ليال خلون من شعبان ، سنة أربع من الهجرة(٥)

٣٥ ـ عنه انبأنا أبو الغنائم الكوفى ، ثمّ حدّثنا أبو الفضل الحافظ ، أخبرنا أبو

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١١.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٢.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٢.

(٤) ترجمة الامام الحسين : ١٢.

(٥) ترجمة الامام الحسين : ١٢.


الفضل ابن خيرون وأبو الحسين ابن الطيورى ، وأبو الغنائم واللّفظ له ، قالوا أخبرنا عبد الوهّاب بن محمّد زاد بن خيرون ، ومحمّد بن الحسن قالا : أخبرنا أحمد ابن عبدان أخبرنا محمّد بن سهل ، أخبرنا محمّد بن إسماعيل ، قال : قال لنا سعيد بن سليمان : عن حفص بن غياث ، عن جعفر بن محمّد ، قال : كان بين الحسن والحسين طهر واحد(١)

٣٦ ـ أخبرنا أبو الحسين ابن الفراء ، وأبو غالب ، وأبو عبد الله قالوا : أخبرنا أبو جعفر ، أخبرنا أبو طاهر ، أخبرنا أحمد ، أخبرنا الزبير ، قال : وحدّثنى إبراهيم بن المنذر ، عن عبد الله بن ميمون مولى الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه قال : كان بين الحسن والحسين طهر واحد(٢) .

٣٧ ـ أنبأنا أبو سعد المطرّز محمّد بن محمّد وأبو على الحسن بن أحمد ، قالا : أخبرنا نعيم ، أخبرنا أبو حامد ، أحمد بن محمّد النيسابوريّ ، أخبرنا محمّد بن إسحاق ، أخبرنا أبو الاشعث ، أخبرنا زهير بن العلاء أخبرنا سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، قال : ولدت فاطمة حسينا بعد حسن بسنة وعشرة أشهر فمولده لستّ سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ وقتل يوم الجمعة يوم عاشورا لعشر مضين من المحرّم سنة إحدى وستّين وهو ابن أربع وخمسين سنة وستّة أشهر ونصف(٣) .

٣٨ ـ قال ابن الجزرى : أخبرنا الدولابى حدّثنى أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم الزهرى ، حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، قال قال الليث بن سعد : ولدت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسين بن على فى ليال خلون من شعبان سنة أربع ، وقال الزبير بن بكار: ولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة ، و

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٣.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٤.


قال جعفر بن محمّد لم يكن بين الحمل بالحسين بعد ولادة الحسن إلّا طهر واحد وقال قتادة: ولد الحسين بعد الحسن بسنة وعشرة أشهر فولدته لستّ سنين وخمسة أشهر ونصف شهر من الهجرة(١) .

٣٩ ـ قال ابن الجوزى : ولد الحسين بن على بن أبى طالبعليهما‌السلام فى شعبان سنة أربع عن الهجرة(٢) .

٤٠ ـ قال ابن سعد : أخبرنا عبد الله بن بكر بن حبيب السهمى ، قال : حدّثنا هاشم بن أبى صغيرة ، عن سماك أن أمّ الفضل امرأة العباس قالت : يا رسول الله رأيت فيما يرى النائم كأنّ عضوا من أعضائك فى بيتى؟ فقال خيرا رأيت تلد فاطمة غلاما فترضعينه بلبان ابنك قثم ، قال : فولدت الحسين فكفلته أمّ الفضل ، قالت : فأتيت به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو ينزيه ويقلّبه ، إذ بال على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال : يا أمّ الفضل : أمسكى ابنى فقد بال علىّ ، قالت : فأخذته ، فقرصته قرصة بكى منها وقلت : آذيت رسول الله بليت عليه ، فلمّا بكى الصبىّ قال : يا أمّ الفضل : آذيتنى فى بنىّ أبكيته ، قالت ثمّ دعا بماء فحدر عليه حدرا ، وقال : إذا كان غلاما فاحدره حدرا وإذا كانت جارية فاغسلوه غسلا(٣)

__________________

(١) اسد الغابة ٢ / ١٨.

(٢) صفة الصفوة : ١ / ٣٢١.

(٣) ترجمة الامام الحسين من الطبقات : ١٨.


٢ ـ باب أسمائه والقابه وشمائلهعليه‌السلام

١ ـ محمّد بن يعقوب عن علىّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسين بن خالد ، قال: سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام عن التهنية بالولد متى؟ فقال : انّه قال : لمّا ولد الحسن بن على هبط جبرئيل بالتهنية على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى اليوم السابع وأمره أن يسمّيه ويكنّيه ويخلق رأسه ويعقّ عنه ويثقب أذنه ، وكذلك كان حين ولد الحسينعليه‌السلام أتاه فى اليوم السابع فأمره بمثل ذلك ، قال : وكان لهما ذؤابتان فى القرن الأيسر وكان الثقب فى الاذن اليمنى فى شحمة الأذن وفى اليسرى فى أعلا الأذن فالقرط فى اليمنى والشنف فى اليسرى ، وقد روى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ترك لهما ذؤابتين فى وسط الرأس. وهو أصح من القرن(١) .

٢ ـ الصدوق حدثنا علىّ بن أحمد بن موسى الدقاق قدس سرّه قال : حدّثنا محمّد بن أبى عبد الله الكوفى ، قال حدّثنا موسى بن عمران النخعي ، عن عمّه الحسين ابن يزيد ، عن الحسن بن علىّ بن سالم ، عن أبيه ، عن الصادق جعفر بن محمّد ، عن أبيه قال : كان للحسين بن علىعليهم‌السلام خاتمان نقش أحدهما لا إله إلّا الله عدّة للقاء الله ، ونقش الآخران الله بالغ أمره وكان نقش خاتم علىّ بن الحسينعليه‌السلام خزى وشقى قاتل الحسين بن علىعليهما‌السلام (٢)

٣ ـ عنه ، حدّثنا أحمد بن الحسين القطان ، قال حدّثنا الحسن بن على العسكرى ، قال أخبرنا محمّد بن زكريّا ، قال حدّثنا العبّاس بن بكار ، قال : حدّثنا

__________________

(١) الكافى : ٦ / ٣٣.

(٢) أمالي الصدوق : ٨٠.


حرب بن ميمون ، عن أبى حمزة الثماليّ ، عن زيد بن على ، عن أبيه علىّ بن الحسينعليهما‌السلام قال لما ولدت فاطمة الحسن قالت لعلىعليه‌السلام سمّيه فقال ما كنت لأسبق باسمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاخرج إليه فى خرقة صفراء فقال : ألم أنهكم ان تلفوه فى صفراء ، ثمّ رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفه فيها.

ثمّ قال لعلىعليه‌السلام هل سمّيته ، فقال ما كنت لا سبقك باسمه ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله وما كنت لأسبق ربّىعزوجل فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل أنّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط فاقرأه السلام وهنّه وقل له انّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون فهبط جبرئيلعليه‌السلام فهنأه من اللهعزوجل ثمّ قال : إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون قال وما كان اسمه.

قال شبّر قال : لسانى عربىّ قال سمّه الحسن ، فسماه الحسن ، فلمّا ولد الحسينعليه‌السلام أوحى اللهعزوجل إلى جبرئيل أنّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه فهنه ، وقل له إنّ عليا منك بمنزلة هارون من موسى ، فسمه باسم ابن هارون ، قال : فهبط جبرئيل فهنأه من الله تبارك وتعالى ، ثمّ قال : إنّ عليا منك بمنزلة هارون من موسى ، فسمّه باسم ابن هارون قال وما اسمه قال شبير قال لسانى عربىّ قال سمّه الحسين فسمّاه الحسين(١) .

٤ ـ عنه قال : حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، رضى الله عنه ، قال حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب ، عن ابن أبى نجران ، عن المثنّى ، عن محمّد بن مسلم ، قال سألت الصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام عن خاتم الحسين بن علىعليهما‌السلام إلى من صار وذكرت له أنى سمعت أنّه أخذ من اصبعه فيما أخذ قال : ليس كما قالوا انّ الحسين أوصى الى ابنه على ابن الحسينعليهما‌السلام وجعل

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٨٢.


خاتمه فى اصبعه ، وفوّض إليه أمره كما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمير المؤمنينعليه‌السلام وفعله أمير المؤمنين بالحسنعليه‌السلام وفعله الحسن بالحسينعليه‌السلام .

ثمّ صار ذلك الخاتم إلى أبىعليه‌السلام بعد أبيه ومنه صار الىّ فهو عندى وانّى لألبسه كلّ جمعة وأصلّي فيه قال محمّد بن مسلم فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلى فلمّا فرغ من الصلوة مدّ الىّ يده فرأيت فى أصبعه خاتما نقشه لا إله إلّا الله عدة للقاء الله ، فقال هذا خاتم جدّى أبى عبد الله الحسين بن علىعليهما‌السلام (١)

٥ ـ قال الطبرى الامامى : هو الحسين بن على بن عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم ، وسمّاه الله فى التوراة شبيرا وهارون بن عمران ، لما سمع أنّ الله سمّى الحسن والحسين سبطى رسول الله سمّى ابنيه بهذين الاسمين ، كنيته : أبو عبد الله ، ولقبه ، السبط الثانى ، والشهيد ، والرشيد ، والطيب ، والوفى ، والتابع لمرضات الله ، والدليل على ذات الله ، والمطهّر ، والسيّد ، والمبارك ، والبرّ وأحد سيّدى شباب أهل الجنّة ، وأحد الكاظمين.

وله خاتمان فصّ أحدهما عقيق نقشه ، انّ الله بالغ أمره ، وثانيهما ، وهو الّذي أخذ من كفّه يوم قتل نقشه ، لا إله الّا الله عدّة لقاء الله من يختم بمثلها كانا له حرزا من الشيطان(٢)

٦ ـ الفتال النيسابوريّ : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اللهمّ أحبّهما فأحبّهما وأحبب من أحبّهما وقالعليه‌السلام من أحبّ الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبّه الله ومن أحبّه الله أدخله الجنّه ، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ومن أبغضه الله خلده النار(٣)

__________________

(١) أمالى الصدوق : ٨٧.

(٢) دلائل الامامة : ٧٣.

(٣) روضة الواعظين : ١٤٢.


٧ ـ عنه قال رسول اللهعليه‌السلام انّ الحسن والحسين شنفا العرش وأنّ الجنّة قالت يا ربّ اسكنتنى الضعفاء والمساكين ، فقال الله سبحانه : ألا ترضين أنّى زينت أركانك بالحسن والحسين ، فما ست كما تميس العروس فرحا(١)

٨ ـ عنه باسناده قال علىّ بن أبى طالب : انّ الحسن والحسينعليهما‌السلام كانا يلعبان عند النبيّعليه‌السلام حتّى مضى عامة الليل ثمّ قال لهما انصرفا إلى أمّكما فبرقت برقة فما زال تضيء لهما حتّى دخلا على فاطمة والنبيّعليه‌السلام ينظر إلى البرق وقال : الحمد لله الذي اكرمنا أهل البيت(٢)

٩ ـ قال ابن شهرآشوب : اسمه الحسين ، وفى التورية شبير وفى الانجيل طاب ، وكنيته أبو عبد الله والخاص أبو على وألقابه الشهيد السعيد ، والسبط الثانى ، والامام الثالث ، والمبارك ، والتابع لمرضات الله ، المتحقق بصفات الله ، والدليل على ذات الله أفضل ثقات الله ، المشغول ليلا ونهارا بطاعة الله ، الشارى بنفسه لله الناصر لأولياء الله ، المنتقم من أعداء الله الإمام المظلوم ، الأسير المحروم ، الشهيد المرحوم ، القتيل المرجوم ، الامام الشهيد ، الولىّ الرشيد.

الوصىّ السديد ، الطريد الفريد ، البطل الشديد ، الطيب الوفي ، الامام الرضىّ ، ذو النسب العلى ، المنفق الملى ، أبو عبد الله الحسين بن على ، منبع الائمّة ، شافع الامّة ، سيّد شباب أهل الجنّة ، وعبرة كلّ مؤمن ومؤمنة ، صاحب المحنة الكبرى ، والواقعة العظمى وعبرة المؤمنين فى دار البلوى ، ومن كان بالامامة أحقّ وأولى ، المقتول بكربلاء ثانى السيّد الحصور يحيى ابن النبيّ الشهيد زكريّا.

الحسين بن على المرتضى ، زين المجتهدين ، سراج المتوكّلين ، مفخر المهتدين ، بضعة كبد سيّد المرسلين نور العترة الفاطمية ، سراح الانساب العلوية شرف غرس

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٢.

(٢) روضة الواعظين : ١٤٢.


الاحساب الرضوية ، المقتول بأيدى شرّ البريّة ، سبط الأسباط ، طالب الثار يوم الصراط ، اكرم العتر واجلّ الاسر ، أثمر الشجر ، وأزهر البدر ، معظّم ، مكرّم ، موقّر منظّف مطهّر أكبر الخلائق فى زمانه فى النفس ، وأعزّهم فى الجنس أذكاهم فى العرف وأوقاهم فى العوف.

أطيب العرق ، وأجمل الخلق ، وأحسن الخلق ، قطعة النور ، ولقلب النبيّ سرور ، المنزّه عن الإفك والزور وعلى تحمّل المحن والأذى صبور ، مع القلب المشروح حسور ، مجتبى الملك الغالب ، الحسين بن علىّ بن أبى طالب ، وقال أبو الفضل الهمدانيّ من أبوه الرسول وأمه البتول ، وشاهد التورية والانجيل ، وناصر التأويل والتنزيل ، والمبشر به جبرئيل وميكائيل ، غدته كف الحقّ وربّى فى حجر الاسلام ورضع من ثدى الايمان(١)

١٠ ـ قال ابن الاثير : الحسين علىّ بن أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشى الهاشمى أبو عبد الله ريحانة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشبهه من الصدر إلى ما أسفل منه ، ولما ولد أذّن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى اذنه فهو سيّد شباب أهل الجنة وخامس أهل الكساء أمه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّدة نساء العالمين إلّا مريمعليها‌السلام (٢)

١١ ـ أخبرنا أبو أحمد عبد الوهاب بن أبى منصور الأمين البغدادى أخبرنا أبو الفضل بن ناصر ، أخبرنا أبو طاهر بن أبى الصقر الأنبارى أخبرنا أبو البركات ابن نظيف ، الفراء أخبرنا الحسين بن رشيق ، أخبرنا أبو بشر الدولابى ، أخبرنا محمّد بن عوف الطائى ، أخبرنا أبو نعيم هو الفضل بن دكين ، وعبد الله بن موسى ، قالا حدّثنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن هانى بن هانى ، عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه قال : لما ولد الحسن سمّيته حربا ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال أرونى أين ما

__________________

(١) مناقب ابن شهرآشوب : ٢ / ٢٠٠.

(٢) اسد الغابة : ٢ / ١٨


سمّيتموه قلنا حربا قال هو حسن.

فلمّا ولد الحسين سمّيته حربا فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال ارونى ابنى ما سمّيتموه؟ قلنا حربا قال بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سمّيته حربا فجاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم : فقال أرونى ابنى ما سمّيتموه قلنا حربا قال بل هو محسن ، ثمّ قال : سمّيتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر قال : وأخبرنا الدولابى أخبرنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمّد بن أبى شيبة ، أخبرنا أبو غسّان مالك بن إسماعيل ، أخبرنا عمرو ابن حريث ، عن عمران بن سليمان قال الحسن والحسين من أسماء أهل الجنّة لم يكونا فى الجاهليّة(١)

١٢ ـ الترمذى : حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، أخبرنا عبد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن هانى بن هانى ، عن علىّ ، قال : الحسن أشبه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه بالنبىّصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما كان أسفل من ذلك(٢)

١٣ ـ روى الهيثمى عن سفيان قال قلت لعبيد الله بن أبى يزيد رأيت الحسين بن علىّ أسود الرأس واللحية إلّا شعرات هاهنا فى مقدم لحيته ، فلا أدرى أخضب وترك ذلك المكان تشبّها برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أولم يكن شاب منه غير ذلك(٣)

١٤ ـ قال ابن الجوزى كنيته : أبو عبد الله ، ويلقب : بالسيّد ، والوفي ، والولىّ ، والمبارك ، والسبط وشهيد كربلا ، ولد سنة أربع من الهجرة فى شعبان(٤)

١٥ ـ الحافظ ابن عساكر ، أخبرنا ابو الفضل محمّد بن إسماعيل الفضيلى ، أخبرنا

__________________

(١) اسد الغابة ٢ / ١٨.

(٢) سنن الترمذى : ٥ / ٦٦٠.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ٢٠٠.

(٤) تذكرة الخواص : ٢٢٢.


ابو القاسم أحمد بن محمّد بن الخليلى ، أخبرنا أبو القاسم علىّ بن أحمد بن الحسن الخزاعى ، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشى ، أخبرنا محمّد بن معاذ بن يوسف السلمى المروزى ، أخبرنا زكريا بن عدىّ ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الله ابن محمّد بن عقيل عن محمّد بن على ، عن علىّ بن أبى طالب ، أنّه سمّى ابنه الأكبر حمزة ، وسمّى حسينا بعمّه جعفر ، قال : فدعانى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : انّى أمرت أن أغيّر اسم ابنى هذين ، فقلت : الله ورسوله أعلم فسمّاهما حسنا وحسينا(١) .

١٦ ـ عنه قال : أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أخبرنا أبو الحسين بن المهتدى ، أخبرنا عبد الله بن محمّد بن اسحاق بن حبابة إملاء ، أخبرنا عبد الله بن محمّد البغوى ، أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحمانى ، أخبرنا عمرو بن حريث ، عن بردعة بن عبد الرحمن ، عن أبى الخليل ، عن سلمان قال : رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سمّى هارون ابنيه شبرا وشبيرا وإنّى سمّيت ابنى الحسن والحسين بما سمى به هارون ابنيه شبرا وشبيرا(٢) .

١٧ ـ عنه قال : أخبرنا أبو الحسن السلمى الفقيه ، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد الواحد بن محمّد بن أبى الحديد ، أخبرنا جدى أبو بكر محمّد بن أحمد بن عثمان ، أخبرنا أبو الدحداح أحمد بن محمّد بن إسماعيل التيمى ، أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعى الجويرى ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : لمّا ولدت فاطمة الحسن أتت به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمّاه حسنا ، ولمّا ولدت حسينا أتت به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : هذا أحسن من هذا ، فشقّ له من اسمه وقال : هذا حسين(٣) .

١٨ ـ عنه قال : أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أخبرنا أبو بكر البيهقي ،

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٢٠.


قالا : أخبرنا أبو محمّد السكرى ببغداد ، أخبرنا إسماعيل الصفّار ، أخبرنا أحمد بن منصور ، أخبرنا عبد الرزّاق ، أخبرنا ابن جريج قال : أخبرنا جعفر بن محمّد ، عن أبيه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه سمّى الحسن يوم سابعه وانّه اشتقّ من حسن حسينا ، وذكر انّه لم يكن بينهما الّا الحمل(١) .

١٩ ـ عنه قال : أخبرنا أبو غالب ابن البنّاء ، أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علىّ بن المأمون ، أخبرنا عبيد الله بن محمّد ، أخبرنا عبد الله بن محمّد ، حدثني عمّى ، أخبرنا محمّد بن عبد الله الرقاشى ، أخبرنا يزيد بن زريع ، أخبرنا محمّد بن إسحاق ، حدّثنى أبان بن صالح : عن عكرمة قال : قلت : للحسين بن علىّ يا أبا عبد الله(٢) .

٢٠ ـ عنه قال : أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر ، أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك ، أخبرنا أبو الحسن علىّ بن محمّد ، وأبو محمّد عبد الرحمن بن محمّد ، قالا : أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، قال : سمعت العباس بن محمّد ، يقول : سمعت يحيى يقول : الحسين بن على أبو عبد الله(٣) .

٢١ ـ عنه قال : أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أيّوب ، أنبانا أبو الحسين محمّد بن علىّ بن محمّد الخطيب ، وأخبرنا أبو غالب ابن البنّاء ، أنبأنا أبو الغنائم ابن المأمون ، قالا : أنبأنا أبو القاسم ابن حبابة ، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد ، أنبأنا جدّى أنبأنا أبو أحمد الزبيرى. قال : وحدّثنى يعقوب بن إبراهيم ، أنبأنا خلف بن الوليد.

قال : وحدّثنى يوسف بن موسى ، وزهير بن محمّد ، قالا : أنبأنا عبيد الله بن موسى ، قالوا : أنبأنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن هانى بن هانى ، عن علىّ قال : الحسن أشبه برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين الصدر والرأس والحسين أشبه برسول الله

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢١.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٢.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٢٢.


صلى‌الله‌عليه‌وآله ما كان أسفل من ذلك(١) .

٢٢ ـ عنه قال : أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، وأخوه أبو بكر وجيه ، وأبو الفتوح عبد الوهّاب ابن الشاه بن أحمد ، قالوا : أنبأنا أبو حامد الأزهرى أنبأنا أبو محمّد المخلدى ، أنبأنا الحسن بن محمّد بن جابر ، أنبأنا علىّ بن الحسن الذهلى ، أنبأنا خلف بن أيّوب ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن هانى بن هانى ، عن علىّ بن أبى طالب ، قال : الحسن أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين الصدر الى الرأس والحسين ، أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما كان أسفل من ذلك(٢) .

٢٣ ـ عنه قال : أخبرنا أبو القاسم عبد الصمد بن محمّد بن مندويه ، أنبأنا على ابن محمّد بن أحمد الحسن آبادي ، أنبأنا أحمد بن محمّد بن الصلت ، أنبأنا ابن عقده ، أنبأنا عبد الواحد بن حمّاد بن عبد الحارث ، أنبأنا مغيث بن بديل ، أنبأنا خارجة بن مصعب ، عن سفيان ، عن أبى إسحاق ، عن هانى بن هانى ، عن على ، قال : الحسن أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من لدن رأسه والحسين أسفل من ذلك(٣)

٢٤ ـ عنه قال : أخبرنا أبو الحسن على بن المسلم ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد إملاء ، أنبأنا محمّد بن محمّد البزاز ، أنبأنا جعفر بن محمّد بن نصير ، أنبأنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمى ، أنبأنا عبد الله بن سالم القزاز ، أنبأنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبى إسحاق ، عن هبيرة ، عن علىّ قال : من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بين عنقه وثغره فلينظر الى الحسن ومن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله ما بين عنقه إلى كعبه خلقا ولونا فلينظر الى الحسين بن

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢٦.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٧.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٢٨.


على(١) .

٢٥ ـ عنه قال : أخبرنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم أنبأنا محمّد بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو عمرو الفقيه ، أنبأنا أبو يعلى ، أنبأنا إبراهيم بن سعيد ، أنبأنا حسين ابن محمّد ، عن جرير بن حازم ، عن محمّد بن سيرين ، قال : أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فى طست فقال فى حسنه شيئا ، فقال أنس : كان أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

٢٦ ـ عنه قال : أخبرتنا أمّ المجتبى فاطمة بنت ناصر ، وأمّ البهاء فاطمة بنت محمّد ، قالتا : أنبأنا أبو القاسم إبراهيم بن منصور السلمى ، أنبأنا أبو بكر ، أنبأنا أبو يعلى الموصلى ، أنبأنا خلّاد بن أسلم ، أنبأنا النضر بن شميل ، أنبأنا هشام بن حسان القردوسى ، عن حفصة بنت سيرين قالت : حدّثنى أنس بن مالك ، قال : كنت عند ابن زياد إذ جيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب فى أنفه ويقول : ما رأيت مثل هذا ، قال : قلت : أما انّه كان من أشبههم برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٣) .

٢٧ ـ عنه قال : أخبرنا أبو محمّد الاكفانى ، أخبرنا عبد العزيز ، أخبرنا أبو محمّد ابن أبى نصر ، أخبرنا أبو ميمون بن راشد ، أنبأنا أبو زرعة ، أنبأنا عقبة بن مكرم ، أنبأنا أبو عاصم ، عن ابن جريح ، قال : سمعت عمر بن عطاء قال : رأيت الحسين بن على يصبغ بالوسمة ، أما هو فكان ابن ستّين ، وكان رأسه ولحيته شديدى السواد(٤)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٣٠.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٣٢.

(٤) ترجمة الامام الحسين : ٣٤.


٣ ـ باب فضائله ومكارم أخلاقه

١ ـ الصدوق حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق قال : أخبرنى إسماعيل بن إبراهيم الحلوانى ، قال : حدّثنا أحمد بن منصور زاج ، قال : حدّثنا هدبة بن عبد الوهاب ، قال : حدّثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر ، قال : حدّثنا عبد الله بن زياد اليمانى ، عن عكرمة بن عمّار ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، عن انس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة ، رسول الله وحمزة سيد الشهداء وجعفر ذو الجناحين وفاطمة والحسن والحسين والمهدىعليهم‌السلام (١) .

٢ ـ عنه حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحسنى قال : حدثنا فرات ابن ابراهيم بن فرات الكوفى ، قال : حدثني الحسن بن الحسين بن محمد ، قال : أخبرنى على بن أحمد بن الحسين بن سليمان القطان ، قال : حدثنا الحسن بن جبرئيل الهمدانيّ ، قال : أخبرنا ابراهيم بن جبرئيل ، قال : حدثنا أبو عبد الله الجرجانى ، عن نعيم النخعي ، عن الضحاك ، عن ابن عباس

قال : كنت جالسا بين يدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم ، وبين يديه على بن أبي طالبعليه‌السلام ، وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، إذ هبط عليه جبرئيل وبيده تفاحة فحيّا بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وحيا بها النبيّ عليا فتحيا بها علىعليه‌السلام وردها الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتحيا بها النبيّ وحيا بها الحسنعليه‌السلام فقبلها وردّها الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٢٨٤.


فتحيا بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وحيا بها الحسين وقبلها وردها الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فتحيا بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وحيا بها فاطمة فقبلتها وردتها الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فحيا بها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ثانية وحيا بها علياعليه‌السلام فتحيا بها علىعليه‌السلام ثانية ، فلمّا همّ أن يردها الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، سقطت التفاحة من أطراف أنامله فانفلقت بنصفين فسطع منها نور حتى بلغ سماء الدنيا واذا عليه سطران مكتوبان : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه تحية من اللهعزوجل الى محمد المصطفى وعلى المرتضى وفاطمة الزهرا والحسن والحسين سبطى رسول الله وأمان لمحبّيهم يوم القيمة من النار(١)

٣ ـ عنه حدثنا احمد بن الحسن القطان قال : حدثنا الحسن بن على السكرى ، قال : حدثنا محمد بن زكريا ، قال : حدثنا عمير بن عمران ، عن سليمان بن عمران النخعي ، عن ربعى بن خراش ، عن حذيفة بن اليمان ، قال : رأيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذا بيد الحسين بن علىعليه‌السلام وهو يقول : يا أيها الناس هذا الحسين بن على ، فاعرفوه فو الذي نفسى بيده انه لفى الجنة ومحبيه فى الجنة ومحبى محبيه فى الجنة(٢)

٤ ـ العياشى باسناده عن مسعدة بن صدقة ، قال : مرّ الحسين بن علىعليهما‌السلام بمساكين قد بسطوا كسا ألهم ، فألقوا عليه كسرا فقالوا : هلمّ يا ابن رسول الله ، فثنى وركه فأكل معهم ، ثم تلا و «ان الله( لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) » ثم قال : قد أجبتكم فأجيبونى؟ قالوا : نعم ، يا بن رسول الله وتعمى عينى ، فقاموا معه حتى أتوا منزله ، فقال للرباب : اخرجى ما كنت تدّخرين(٣)

٥ ـ قال المفيد : روى زر بن حبيش ، عن ابن مسعود ، قال : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلى فجاء الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فارتد فاه ، فلما رفع رأسه أخذهما أخذا

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٣٥٥.

(٢) أمالي الصدوق : ٣٥٥.

(٣) تفسير العياشى : ٢ / ٢٥٧.


رفيقا ، فلمّا عاد عادا ، فلما انصرف اجلس هذا على فخذه الأيمن وهذا على فخذه الأيسر ، ثم قال من أجنبى فليحب هذين ، وكاناعليهما‌السلام حجتى الله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى المباهلة ، وحجتى الله بعد أبيهما أمير المؤمنينعليه‌السلام على الامّة فى الدّين والملّة(١) .

٦ ـ عنه قال : روى محمّد بن أبى عمير ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال قال الحسنعليه‌السلام لأصحابه ، إنّ لله مدينتين إحداهما فى المشرق والاخرى فى المغرب فيهما خلق لله تعالى لم يهتمّوا بمعصية له قطّ والله ما فيها وما بينهما حجّة لله على خلقه غيرى وغير أخى الحسينعليه‌السلام (٢) .

٧ ـ عنه وجاءت الرواية بمثل ذلك عن الحسين بن علىعليهما‌السلام انّه قال لأصحاب ابن زياد يوم الطفّ ما لكم تثامرون علىّ أم والله لئن قتلتمونى لتقتلنّ حجّة الله عليكم والله ما بين جابلقا وجابرسا ابن نبىّ احتجّ الله به عليكم غيرى يعنى بجابلقا وجابرسا المدينتين اللّتين ذكرهما الحسنعليه‌السلام .

وكان من برهان كما لهماعليهما‌السلام وحجّة اختصاص الله تعالى لهما بعد الّذي ذكرناه من مباهلة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بهما بيعة رسول الله لهما ولم يبايع صبيّا فى ظاهر الحال غيرهما ونزول القرآن بايجاب ثواب الجنّة لهما على عملهما مع ظاهر الطفوليّة فيهما ولم ينزل بذلك فى مثلهما.

قال الله تعالى فى سورة هل أتى( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) .

فعمّهما هذا القول مع أبيهما وأمّهماعليهما‌السلام فتضمّن الخبر نطقهما فى ذلك و

__________________

(١) الارشاد : ١٨٠.

(٢) الارشاد : ١٨٠.


ضميرهما الدالّين على الآية الباهرة فيهما والحجّة العظمى على الخلق بهما ، كما تضمّن الخبر عن نطق المسيحعليه‌السلام فى المهد وكان حجّة لنبوّته واختصاصه من الله بالكرامة الدالّة على محلّه عنده فى الفضل ومكانه.

وقد صرّح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالنصّ على إمامته وإمامة أخيه من قبله ، بقوله ابناى هذان امامان قاما أو قعدا ودلت وصيّة الحسنعليه‌السلام إليه على إمامته كما دلّت وصيّة أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى الحسنعليه‌السلام على امامته بحسب ما دلّت وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام على إمامته من بعده(١) .

٨ ـ قال الطبرسى : وروى محمّد بن مسلم ، عن السيّدين الباقر والصادقعليهما‌السلام قال : سمعتهما يقولان : إنّ الله تعالى عوّض الحسينعليه‌السلام من قتله أن جعل الامامة فى ذرّيته والشفاء فى تربته وإجابة الدعاء عند قبره ، ولا تعدّ أيّام زائره جائيا وراجعا من عمره.

قال محمّد بن مسلم : فقلت لأبى عبد الله هذه الخلال تنال بالحسين قال : نعم فى نفسه ، قال : إنّ الله تعالى ألحقه بالنبىّ فكان معه فى درجته ومنزلته ثمّ تلا أبو عبد اللهعليه‌السلام :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) والأخبار فى هذا المعنى أكثر من أن تحصى(٢)

٩ ـ عنه وممّا روى فى السبطينعليهما‌السلام ما رواه عتبة بن غزوان قال : كان النبيّ يصلّى فجاء الحسن والحسين يركبان ظهره فانصرف فوضعهما فى حجره فجعل يقبّل هذا مرّة وهذا مرّة فقال قوم : أتحبّهما يا رسول الله؟ فقال : ما لى لا أحبّ ريحانتىّ من الدنيا(٣)

__________________

(١) الارشاد : ١٨٠ ـ ١٨١.

(٢) اعلام الورى : ٢١٩.

(٣) اعلام الورى : ٢١٩.


١٠ ـ عنه قال : روى سلمان الفارسى قال : سمعت رسول الله وهو يقول : الحسن والحسين ابناى من أحبّهما أحبّنى ومن أحبّنى أحبّه الله ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ، ومن أبغضهما أبغضنى ومن أبغضنى أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخله النار على وجهه(١) .

١١ ـ عنه قال : وروى ابن لهيعة عن أبى عوانة رفعه إلى النبيّ أنّ الحسن والحسين شنفا العرش وأنّ الجنّة قالت : يا ربّ اسكنتنى الضعفاء والمساكين ، فقال لها الله تعالى : ألا ترضين أنّى زيّنت أركانك بالحسن والحسين ، قال : فما ست كما تميس العروس فرحا(٢)

١٢ ـ عنه روى عبد الله بن بريدة قال : سمعت أبى يقول : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطبنا فجاء الحسن والحسينعليهما‌السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثمّ قال : صدق الله تعالى( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) نظرت إلى هاتين الصبيّين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثى ورفعتهما(٣)

١٣ ـ قال الاربلى : قال : أنس كنت عند الحسينعليه‌السلام فدخلت عليه جارية فحيته بطاقة ريحان ، فقال لها أنت حرة لوجه الله ، فقلت : تحيتك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ قال كذا أدّبنا الله قال الله تعالى :( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) وكان أحسن منها عتقها(٤) .

١٤ ـ عنه : وقال يوما لأخيه الحسنعليهما‌السلام : يا حسن وددت أنّ لسانك لى وقلبى لك ، وكتب إليه الحسنعليه‌السلام يلومه على إعطاء الشعراء فكتب إليه أنت أعلم

__________________

(١) اعلام الورى : ٢١٩.

(٢) اعلام الورى : ٢١٩.

(٣) اعلام الورى : ٢١٩.

(٤) كشف الغمة : ٢ / ٣١.


منى بانّ خير المال ما وقى العرض(١) .

فانظر أيّدك الله إلى حسن أدبه فى قوله أنت أعلم منّى ، فانّ له حظّا من اللطف تامّا ونصيبا من الاحسان وافرا والله أعلم حيث يجعل رسالاته(٢) .

١٥ ـ قال : ومن دعائهعليه‌السلام : اللهمّ لا تستدرجنى بالإحسان ولا تؤدّبنى بالبلاء.

هذا دعا شريف شريف المقاصد عذب الموارد قد جمع بين المعنى الجليل واللفظ الجزل القليل وهم مالك الفصاحة حقّا وغيرهم عابر سبيل(٣) .

١٦ ـ عنه ، دعاه عبد الله بن الزبير وأصحابه فأكلوا ولم يأكل الحسينعليه‌السلام فقيل له : ألا تأكل؟ قال : انّى صائم ولكن تحفة الصائم ، قيل : وما هى؟ قال : الدّهن والمجمر(٤) .

١٧ ـ عنه ، جنى له غلام جناية توجب العقاب عليه ، فأمر به أن يضرب ، فقال يا مولاى( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ) قال : أخلوا عنه ، فقال : يا مولاى( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قال : قد عفوت عنك ، قال : يا مولاى( وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) قال : أنت حرّ لوجه الله ولك ضعف ما كنت أعطيك(٥) .

١٨ ـ عنه قال الفرزدق لقينى الحسينعليه‌السلام فى منصرفي من الكوفة فقال : ما وراك يا أبا فراس؟ قلت : أصدقك؟ قالعليه‌السلام : الصدق أريد ، قلت : أمّا القلوب فمعك ، وأمّا السيف فمع بنى أميّة ، والنصر من عند الله ، قال : ما أراك الّا صدقت ، الناس عبيد المال ، والدين لغو على ألسنتهم ، يحوطونه ما درّت به معايشهم ، فاذا محصوا بالبلاء قل الديّانون(٦)

__________________

(١) كشف الغمة : ٢ / ٣١.

(٢) كشف الغمة : ٢ / ٣١.

(٣) كشف الغمة : ٢ / ٣١.

(٤) كشف الغمة : ٢ / ٣١.

(٥) كشف الغمة : ٢ / ٣١.

(٦) كشف الغمة : ٢ / ٣٢.


١٩ ـ عنه قالعليه‌السلام : من أتانا لم يعدم خصلة أربع آية محكمة وقضيّة عادلة وأخا مستفادا ، ومجالسة العلماء ، وكانعليه‌السلام يرتجز يوم قتل ويقول :

الموت خير من ركوب العار

والعار خير من دخول النار

والله من هذا وهذا جارى(١)

٢٠ ـ عنه قالعليه‌السلام : صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن ردّه وكان يقول : حوايج الناس إليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملّوا النعم فتحور نقما(٢) .

٢١ ـ عنه ، لما نزل به عمر بن سعد لعنه الله وأيقن أنهم قاتلوه قام فى أصحابه خطيبا وأثنى عليه وقال : انّه قد نزل من الأمر ما ترون وأنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرّت حذاء حتّى لم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الاناء وخسيس عيش كالكلاء الوبيل ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن فى لقاء ربّه فانّى لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلّا برما هذا الكلام ذكره الحافظ أبو نعيم فى كتاب حلية الأولياء(٣) .

٢٢ ـ عنه قيل كان بينه وبين الحسنعليهما‌السلام كلام فقيل للحسينعليه‌السلام ادخل على أخيك فهو أكبر منك ، فقال : انّى سمعت جدّىصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : أيّما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنّة وأنا أكره أن أسبق أخى الأكبر ، فبلغ قوله الحسنعليه‌السلام فأتاه عاجلا.

وأنت أيّدك الله متى أردت أن تعرف مناقب هؤلاء القوم ومزاياهم ، وخلالهم الشريفة وسجاياهم ، وتقف على حقيقة فضلهم الجزيل وتطّلع من

__________________

(١) كشف الغمة : ٢ / ٣٢.

(٢) كشف الغمة : ٢ / ٣٢.

(٣) كشف الغمة : ٢ / ٣٢.


أحوالهم على الجملة والتفصيل ، وتعلم ما لهم من المكانة بالبرهان والدليل ، فتدبّر كلامهم فى مواعظهم وخطبهم ، وأنحاء هم ومقاصدهم وكتبهم ، تجده مشتملا على المفاخر الّتي جمعوها وغوارب الشرف التي افترعوها ، وغرائب المحاسن التي سنّوها وشرعوها.

فان أفعالهم تناسب أقوالهم ، وكلّها تشبه أحوالهم ، فالاناء ينضح بما فيه ، والولد بضعة من أبيه ، وليس من يضلّه الله كمن يهديه ، ولا من أذهب عنه الرجس وطهّره كمن حار فى ليل الباطل فهو أبدا فيه ، والكريم يحذو حذو الكريم والشرف الحادث دليل على الشرف القديم ، والاصول لا تخيب ، والنجيب ابن النجيب ، وما أشدّ الفرق بين البعيد والقريب ، والاجنبى والنسيب.

فالواحد منهمعليهم‌السلام يجمع خلال الجميع ، ويدلّ على أهل بيته دلالة الزهر على الربيع ، ولو اقتصرت على ذكر مناقب أحدهمعليهم‌السلام لم أك فى حقّ الباقين مقصّرا ، ولنا دانى لسان الحال ، اكتف بما ذكرت ، فدليل على الذي لا تراه الّذي ترى ، نفعنى الله بحبّهم وقد فعل ، وألحقنى بتربه أوليائهم ومحبيهم الاوّل ، وأوزعنى أن اشكر فضله وإن عظم عن الشكر وجلّ(١) .

٢٣ ـ الفتال ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهمّ أحبّهما فأحبّهما وأحبب من أحبّهما(٢) .

٢٤ ـ عنه ، قالعليه‌السلام من أحبّ الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبّة الله ومن أحبّه الله أدخله الجنّة ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله وخلّده النار(٣)

__________________

(١) كشف الغمة : ٢ / ٣٢.

(٢) روضة الواعظين : ١٤٢.

(٣) روضة الواعظين : ١٤٢.


٢٥ ـ عنه ، قال رسول اللهعليه‌السلام إنّ الحسن والحسين شنفا العرش وانّ الجنّة قالت يا ربّ اسكنتنى الضّعفاء والمساكين فقال الله سبحانه ألا ترضين أنّى زيّنت أركانك بالحسن والحسين فما ست كما تميس العروس فرحا(١) .

٢٦ ـ عنه قال علىّ بن أبى طالب انّ الحسن والحسينعليهم‌السلام كانا يلعبان عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى مضى عامة الليل ثمّ قال لهما انصرفا الى امّكما فبرقت برقة فما زال تضىء لهما حتّى دخلا على فاطمة والنبيّعليهم‌السلام ينظر الى البرق وقال الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت(٢) .

٢٧ ـ ابن شهرآشوب عن عمرو بن دينار ، قال دخل الحسينعليه‌السلام على أسامة بن زيد وهو مريض وهو يقول وا غمّاه ، فقال له الحسينعليه‌السلام وما غمّك يا أخى؟ قال دينى وهو ستّون ألف درهم ، فقال الحسينعليه‌السلام : وهو علىّ قال : أخشى أن أموت فقال الحسين لن تموت حتّى أقضيها عنك قال فقضاها قبل موته(٣) .

٢٨ ـ عنه كانعليه‌السلام يقول شرّ خصال الملوك الجبن من الاعداء والقسوة على الضّعفاء والبخل عند الاعطاء(٤) .

٢٩ ـ عنه وفى كتاب انس المجلس ان الفرزدق أتى الحسين لما أخرجه مروان من المدينة ، فأعطاهعليه‌السلام أربعمائة دينار ، فقيل له شاعر فاسق مشهور ، فقال انّ خير مالك ما وقيت به عرضك وقد أصاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كعب بن زهير ، وقال فى عبّاس بن مرداس : اقطعوا لسانه عنّى(٥) .

٣٢ ـ قدم أعرابىّ المدينة ، فسأل عن اكرم الناس بها فدلّ على الحسينعليه‌السلام فدخل المسجد فوجده مصلّيا فوقف بازائه وأنشأ :

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٢.

(٢) روضة الواعظين : ١٤٢.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩١.

(٤) المناقب : ٢ / ١٩١.

(٥) المناقب : ٢ / ١٩١.


لم يخب الآن من رجاك ومن

حرّك من دون بابك الحلقة

أنت جواد وأنت معتمد

أبوك قد كان قاتل الفسقة

لو لا الذي كان من أوائلكم

كانت علينا الجحيم منطبقة

قال فسلّم الحسينعليه‌السلام وقال يا قنبر هل بقى من مال الحجاز شيء قال نعم أربعة آلاف دينار فقال : هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا ثمّ نزع برديه ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابى وأنشأ :

خذها فانّى إليك معتذر

واعلم بأنّى عليك ذو شفقة

لو كان فى سيرنا الغداة عصا

أمست سمانا عليك مندفقة

لكنّ ريب الزمان ذو غير

والكفّ منّى قليلة النّفقة

قال : فأخذها الأعرابى وبكى ، فقال له لعلّك استقللت ما أعطيناك ، قال لا ولكن كيف يأكل التراب جودك وهو المرويّ عن الحسن بن علىعليهما‌السلام (١) .

٣٣ ـ عنه عن شعيب بن عبد الرحمن الخزاعى قال وجد على ظهر الحسين بن على يوم الطّف أثر فسألوا زين العابدينعليه‌السلام عن ذلك ، فقال هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين(٢) .

٣٤ ـ عنه قيل انّ عبد الرحمن السلمى علّم ولد الحسينعليه‌السلام الحمد فلمّا قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار ، وألف حلة وحشا فاه درّا فقيل له فى ذلك قال : وأين يقع هنا من عطائه يعنى تعليمه وانشد الحسينعليه‌السلام .

اذا جادت الدنيا عليك فجد بها

على النّاس طرّا قبل أن تتفلّت

فلا الجود يفنيها إذا هى أقبلت

ولا البخل يبقيها اذا ما تولّت(٣)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩١.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٢.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩١.


٣٥ ـ عنه ومن تواضعه أنّه مرّ بمساكين وهم يأكلون كسرا لهم على كساء فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم فجلس معهم وقال لو لا أنّه صدقة لاكلت معكم ثمّ قال : قوموا الى منزلى فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم(١) .

٣٦ ـ عنه حدّث الصولى عن الصادقعليه‌السلام فى خبر أنّه جرى بينه وبين محمّد ابن الحنفية كلام فكتب ابن الحنفية الى الحسينعليه‌السلام أما بعد يا أخى فان أبى واباك علىّ ، لا تفضلنى فيه ولا أفضلك وامّك فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولو كان من الأرض ذهبا ملك امّى ما وفت بامّك فإذا قرأت كتابى هذا فسر إلىّ حتّى ترضانى فانّك أحقّ بالفضل منّى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ففعل الحسينعليه‌السلام ذلك فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء(٢) .

٣٧ ـ شاذان القمى باسناده ، حدّثنا سليمان بن مهران قال : حدّثنا جابر ، عن مجاهد قال حدّثنا عبد الله بن عبّاس قال : حدّثنا رسول الله قال : لما عرج بى الىّ السماء رأيت على باب الجنّة مكتوبا لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله على ولىّ الله ، والحسن والحسين سبطا رسول الله وفاطمة الزهراء صفوة الله وعلى ناكرهم وباغضهم لعنة الله تعالى ، قيل ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالسا ذات يوم وعنده الامام علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام إذ دخل الحسين بن على فاخذه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واجلسه فى حجره وقبل بين عينيه وقبل شفتيه وكان للحسينعليه‌السلام ستّ سنين ، فقال علىّعليه‌السلام يا رسول الله أتحبّ ولدى الحسين.

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : وكيف لا أحبّه وهو عضو من أعضائى فقال علىعليه‌السلام : يا رسول الله أيّما أحبّ إليك أنا أم حسين فقال : الحسين يا أبتى من كان أعلى شرفا كان أحبّ الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقرب إليه منزلة قال علىعليه‌السلام : لولده : أتفاخرنى يا حسين

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٢.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٢.


قال : نعم يا أبتاه إن شئت فقال له الامام علىعليه‌السلام يا حسين أنا أمير المؤمنين أنا لسان الصادقين ، أنا وزير المصطفى أنا خازن علم الله ، ومختاره من خلقه ، أنا قائد السابقين إلى الجنّة ، أنا قاضى الدين عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أنا الّذي عمه سيّد فى الجنّة أنا الّذي أخوه جعفر الطيّار فى الجنّة عند الملائكة أنا قاضى الرسول أنا آخذ له باليمين أنا حامل سورة التنزيل إلى أهل مكّة بأمر الله تعالى أنا الّذي اختارنى الله تعالى من خلقه أنا حبل الله المتين الذي أمر الله تعالى خلقه أن يعصموا به فى قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا أنا نجم الله الزاهر أنا الّذي تزوره ملائكة السموات.

أنا لسان الله الناطق أنا حجّة الله تعالى على خلقه أنا يد الله القوى أنا وجه الله تعالى فى السموات أنا جنب الله الظاهر ، أنا الّذي قال الله سبحانه وتعالى فىّ وفى حقّى( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) أنا عروة الله الوثقى الّتي لا انفصام لها والله سميع عليم ، أنا باب الله الّذي يؤتى منه أنا علم الله على الصراط.

أنا بيت الله الّذي من دخله كان آمنا ، فمن تمسّك بولايتى ومحبّتى أمن من النار أنا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أنا قاتل الكافرين أنا أبو اليتامى أنا كهف الارمال أنا عمّ يتساءلون عن ولايتي يوم القيمة قوله تعالى :( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) أنا نعمة الله تعالى التي أنعم الله بها على خلقة أنا الذي قال الله تعالى فىّ وفى حقّى( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) .

فمن أحبّنى كان مسلما مؤمنا ، كامل الدين أنا الّذي قال الله تبارك وتعالى فىّ وفى عدوّى( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) اى عن ولايتي يوم القيامة أنا النبأ العظيم الّذي أكمل الله تعالى به الدين يوم غدير خم وخيبر ، أنا الّذي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله


فى من كنت مولاه فعلىّ مولاه أنا صلاة المؤمن أنا حىّ على الصلاة ، أنا حىّ على الفلاح أنا حىّ على خير العمل.

أنا الذي نزل على أعدائى( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ) بمعنى من أنكر ولايتي وهو النعمان بن الحارث اليهودى لعنه الله تعالى أنا داعى الانام الى الحوض ، فهل داعى المؤمنين غيرى ، أنا أبو الائمّة الطاهرين من ولدى أنا ميزان القسط ليوم القيامة انا يعسوب الدين ، أنا قائد المؤمنين الى الخيرات والغفران إلى ربّى.

أنا الّذي أصحاب يوم القيامة من أوليائى المبرأون من أعدائى وعند الموت لا يخافون ولا يحزنون ، وفى قبورهم لا يعتبون وهم الشهداء والصديقون وعند ربّهم يفرحون أنا الّذي شيعتى متوثقون أن لا يرادّوا من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم ، أنا الذي شيعتى يدخلون الجنّة بغير حساب ، أنا الّذي عندى ديوان الشيعة بأسمائهم أنا عون المؤمنين وشفيع لهم عند ربّ العالمين أنا الغارب بالسيفين أنا الطاعن بالرمحين.

أنا قاتل الكافرين يوم بدر وحنين أنا مردى الكماء يوم أحد أنا ضارب ابن عبد ودّ لعنه الله تعالى يوم الاحزاب أنا قاتل عمرو ومرحب ، أنا قاتل فرسان خيبر ، أنا الذي قال فىّ الامين جبرئيلعليه‌السلام لا سيف الّا ذو الفقار ، ولا فتى الّا على أنا صاحب فتح مكّة أنا كاسر اللّات والعزّى أنا الهادم هبل الأعلى ، ومناة الثالثة الاخرى ، أنا علوت على كتف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وكسرت الأصنام.

انا الّذي كسرت يغوث ويعوق ونسرا أنا الّذي قاتلت الكافرين فى سبيل الله أنا الّذي تصدق بالخاتم أنا الّذي نمت على فراش النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ووقيته ، بنفسى من المشركين أنا الذي يخاف الجن من بأسى أنا الّذي به يعبد الله أنا ترجمان الله أنا خازن علم الله أنا عيبة علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا قاتل أهل جمل وصفّين بعد رسول


الله أنا قسيم الجنّة والنار فعندها سكت علىعليه‌السلام .

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسينعليه‌السلام أسمعت يا أبا عبد الله ما قاله أبوك وهو عشر عشير معشار ما قاله من فضائله ومن ألف ألف فضيلة وهو فوق ذلك اعلى.

فقال الحسينعليه‌السلام الحمد لله الّذي فضّلنا على كثير من عباده المؤمنين ، وعلى جميع المخلوقين وخصّ جدّنا بالتنزيل والتأويل والصدق ومناجاة الأمين جبرائيلعليه‌السلام ، وجعلنا خيار من اصطفاه الجليل ورفعنا على الخلق أجمعين.

ثمّ قال الحسينعليه‌السلام : أما ما ذكرت يا أمير المؤمنين فأنت فيه صادق أمين فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اذكر أنت يا ولدى فضائلك فقال الحسينعليه‌السلام يا أبت أنا الحسين ابن علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام وامّى فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين وجدّى محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد بنى آدم أجمعين لا ريب فيه يا علىّ أمى أفضل من امّك عند الله وعتد الناس أجمعين وجدّى خير من جدّك وافضل عند الله وعند الناس أجمعين.

وانا فى المهد ناغانى جبرائيل وتلقانى اسرافيل يا على أنت عند الله تعالى أفضل منّى وأنا أفخر منك بالآباء والامّهات والاجداد قال ثمّ انّ الحسينعليه‌السلام اعتنق أباه وجعل يقبله وأقبل علىعليه‌السلام يقبل ولده الحسين وهو يقول زادك الله تعالى شرفا وفخرا وعلما وحلما ولعن الله تعالى ظالميك يا أبا عبد الله ثمّ رجع الحسينعليه‌السلام الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهذا وجدناه مكتوبا على التمام والكمال ونستغفر الله من الزيادة والنقصان ونعوذ بالله من سخط الرحمن(١) .

٣٨ ـ قال المجلسى : ذكر ابن عبد ربّه فى كتاب العقد أنّه قيل لعلىّ بن الحسينعليه‌السلام ما أقلّ ولد أبيك؟ فقال : العجب كيف ولد كان يصلّى فى اليوم والليلة ألف ركعة(٢)

__________________

(١) الفضائل : ٨٣.

(٢) البحار : ٤٤ / ١٩٦.


٣٩ ـ عنه عن جامع الاخبار : فى أسانيد أخطب خوارزم أورده فى كتاب له فى مقتل آل الرسول أنّ أعرابيّا جاء إلى الحسين بن علىعليه‌السلام فقال : يا ابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائه ، فقلت فى نفسى : أسأل أكرم الناس ، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال الحسين : يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل ، فان أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال ، وإنّ أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثى المال ، وان أجبت عن الكلّ اعطيتك الكلّ.

فقال الاعرابىّ : يا ابن رسول الله أمثلك يسأل عن مثلى ، وأنت من أهل العلم والشرف؟ فقال الحسينعليه‌السلام : بلى سمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول المعروف بقدر المعرفة ، فقال الأعرابىّ : سل عما بدا لك ، فان أجبت والّا تعلّمت منك ، ولا قوّة الّا بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام أىّ الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابىّ : الايمان بالله ، فقال الحسينعليه‌السلام : فما النجاة من المهلكة؟ فقال الاعرابىّ : الثقة بالله ، فقال الحسينعليه‌السلام : فما يزين الرجل؟ فقال الاعرابىّ : علم معه حلم ، فقال : فان أخطأه ذلك؟ فقال : مال معه مروءة ، فقال : فإن أخطأه ذلك؟ فقال : فقر معه صبر ، فقال الحسينعليه‌السلام : فان أخطأه ذلك؟ فقال الأعرابىّ : فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فانّه أهل لذلك.

فضحك الحسينعليه‌السلام ورمى بصرّة إليه فيه ألف دينار ، وأعطاه خاتمه ، فيه فصّ قيمته مائتا درهم ، وقال : يا اعرابىّ أعط الذهب إلى غرمائك ، واصرف الخاتم فى نفقتك ، فأخذ الأعرابى وقال :( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) (١) .

٤٠ ـ عنه : روى فى بعض مؤلفات أصحابنا عن أبى سلمة قال : حججت مع

__________________

(١) البحار : ٤٤ / ١٩٦.


عمر ابن الخطّاب ، فلمّا مررنا بالأبطح فإذا بأعرابى قد أقبل علينا فقال : يا أمير المؤمنين إنّى خرجت وأنا حاجّ محرم ، فأصبت بيض النعام ، فاجتنبت وشوّيت وأكلت ، فما يجب علىّ؟ قال : ما يحضرنى فى ذلك شيء ، فاجلس لعلّ الله يفرّج عنك ببعض أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فاذا أمير المؤمنينعليه‌السلام قد أقبل والحسينعليه‌السلام يتلوه ، فقال عمر : يا أعرابىّ هذا علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام فدونك ومسألتك ، فقال الاعرابىّ وسأله فقال علىّعليه‌السلام : يا اعرابى سل هذا الغلام عندك يعنى الحسينعليه‌السلام .

فقال الاعرابىّ : إنّما يحيلنى كلّ واحد منكم على الآخر ، فأشار الناس إليه : ويحك هذا ابن رسول الله فاسأله ، فقال الأعرابىّ : يا ابن رسول الله إنّى خرجت من بيتى حاجّا ـ وقصّ عليه القصّة ـ فقال له الحسين : ألك إبل؟ قال : نعم قال : خذ بعدد البيض الّذي أصبت نوقا فاضربها بالفحولة : فما فصلت فاهدها إلى بيت الله الحرام.

فقال عمر : يا حسين النّوق يزلقن ، فقال الحسين : يا عمر انّ البيض يمرقن فقال : صدقت وبررت ، فقال علىعليه‌السلام وضمّه إلى صدره وقال :( ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (١) .

٤١ ـ الهيتمى عن رجاء بن ربيعة قال كنت فى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اذ مرّ حسين بن على فسلم فردّ عليه القوم السلام ، وسكت عبد الله بن عمرو ، ثمّ رفع ابن عمرو صوته بعد ما سكت القوم فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثمّ أقبل على القوم فقال ألا أخبركم بأحبّ أهل الارض إلى أهل السماء قالوا بلى قال هو هذا المقفى والله ما كلمته ولا كلّمنى منذ ليالى صفّين والله لان يرضى عنّى أحبّ إلىّ من أن يكون لى مثل أحد.

__________________

(١) البحار : ٤٤ / ١٩٧.


فقال له أبو سعيد ألا تغدو إليه قال بلى فتواعدوا ان يغدوا إليه وغدوت معهما فاستأذن أبو سعيد فأذن فدخلنا فاستأذن لابن عمرو فلم يزل به حتّى أذن له الحسين ، فدخل فلمّا رآه زحل له ، وهو جالس إلى جنب الحسين فمدّه الحسين إليه فقام ابن عمرو فلم يجلس ، فلمّا رأى ذلك خلا عن أبى سعيد فازحل له فجلس بينهما فنقص أبو سعيد القصة ، فقال أكذاك يا ابن عمرو أتعلم انّى أحبّ أهل الارض إلى أهل السماء قال : أى وربّ الكعبة إنّك لا حب أهل الارض إلى أهل السماء.

قال فما حملك على أن قاتلتنى وأبى يوم صفين والله لابي خير منى قال أجل ولكن عمرو شكانى إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال إن عبد الله يصوم النهار ويقوم الليل ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّ ونم ، وصم وافطر وأطع عمروا ، فلمّا كان يوم صفّين اقسم على والله ما كثرت لهم سوادا ولا اخترطت لهم سيفا ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم ، فقال الحسين: أما علمت انّه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق قال : بلى قال كأنه قبل منه(١) .

٤٢ ـ روى ابن الجوزى عن ابن عمرو قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ريحانتاى من الدنيا يعنى الحسن والحسينعليهما‌السلام (٢)

٤٣ ـ الحافظ ابن عساكر ، أخبرنا أبو غالب أحمد ، وأبو عبد الله ، يحيى ابنا الحسن ، وأبو الحسين محمّد بن محمّد بن الفراء قالوا : أنبأنا أبو جعفر ابن المسلمة ، أنبأنا أبو طاهر المخلص ، أنبأنا أحمد بن سليمان ، أنبأنا الزبير ، حدّثنى إبراهيم بن حمزة ، عن إبراهيم بن على الرافعى ، عن أبيه عن جدّته زينب بنت أبى رافع ، قالت : أتت فاطمة بنت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بابنيها الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى شكواه الذي توفّى فيه ، فقالت : يا رسول الله هذان ابناك تورثهما شيئا؟ قال : امّا حسن فأنّ له هيبتى وسؤددى و

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٦.

(٢) صفة الصفوة : ١ / ٣٢١.


أمّا حسين فانّ له جرأتى وجودى(١) .

٤٤ ـ عنه قال : وقد روى من وجه آخر : أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى ، وأنبأنا أبو الحسين ابن النقور ، أنبأنا أبو سعيد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلى أنبأنا أبو جعفر محمّد بن على بن دحيم الشيبانى الكوفى أنبأنا أحمد بن حازم ، أنبأنا مخول ، أنبأنا عبد الرحمن بن الأسود ، عن محمّد بن عبيد الله بن أبى رافع ، عن أبيه وعمّه عن جدّه :

عن أبى رافع : أنّ فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أتت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحسن والحسين ، فقالت : ابناك وابناى انحلهما.

قال : نعم أمّا الحسن فقد نحلته حلمى وهيبتى ، وأمّا الحسين فقد نحلته نجدتى وجودي : قالت : رضيت يا رسول الله(٢) .

٤٥ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى أنبأنا الحسن بن على ، أنبأنا محمّد ابن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد أنبأنا علىّ بن محمّد ـ يعنى المدائنى ـ عن محمّد بن عمرو العبدى عن أبى سعيد الكلبى قال : قال معاوية لرجل من قريش : إذا دخلت مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رءوسهم الطير ، فتلك حلقة أبى عبد الله مؤتزرا على انصاف ساقية ليس فيها من الهزيلي شيء(٣) .

٤٩ ـ عنه وأنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا قبيصة بن عقبة ، أنبأنا يونس بن أبى إسحاق عن العيزار بن حيث قال : بينما عمرو بن العاص جالس فى ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن على مقبلا فقال : هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم فقال

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٣٤.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٣٥.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٤٧.


أبو إسحاق : بلغنى انّ رجلا جاء إلى عمرو بن العاص وهو جالس فى ظلّ الكعبة فقال : علىّ رقبة من ولد إسماعيل. فقال : ما أعلمها الّا الحسن والحسين(١) .

٤٧ ـ عنه وأنبأنا ابن سعد أنبأنا كثير بن هشام ، أنبأنا حمّاد بن سلمة : عن أبى المهزم ، قال : كنّا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجىء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة فصلّى عليهما ، فلمّا أقبلنا أعيا الحسين فقعد فى الطريق ، فجعل أبو هريرة ينفض التراب من قدميه ، بطرف ثوبه فقال الحسين : يا أبا هريرة وأنت تفعل هذا؟ قال أبو هريرة : دعنى فو الله لو يعلم الناس عنك ما أعلم لحملوك على رقابهم(٢) .

٤٨ ـ عنه أخبرنا أبو بكر الانصارى أنبأنا الحسين بن على أنبأنا محمّد بن العباس أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن محمّد انبأنا يعلى بن عبيد ، أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي : عن عبد الله بن عمير ، قال : حجّ الحسين بن علىّ خمسا وعشرين حجّة ماشيا ونجائبه تقاد معه ، قال : وأنبأنا الفضل بن دكين ، أنبأنا حفص ابن غياث ، عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال : إنّ الحسين بن على حجّ ماشيا وأنّ نجائبه تقاد وراءه(٣)

٤٩ ـ عنه أخبرنا أبو الحسين بن أبى الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البناء قالوا : أنبأنا أبو جعفر ابن المسلمة ، أنبأنا أبو طاهر المخلص ، أنبأنا أحمد بن سليمان أنبأ الزبير بن بكّار ، قال : وحدثني أحمد بن سليمان ، عن عبد العزيز الدراوردى : عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بايع الحسن والحسين وعبد الله ابن عبّاس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا. قال : ولم يبايع صغيرا إلّا منّا. قال : حدّثنى عمّى مصعب بن عبد الله قال : حجّ الحسين خمسا وعشرين حجّة

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٤٨.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٤٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٤٩.


ماشيا(١) .

٥٠ ـ أنبأنا علىّ بن محمّد يعنى المدائنى ، عن يزيد بن عياض بن جعدبة : عن أبى بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم قال : مرّ الحسين بمساكين يأكلون فى الصفة فقالوا : الغداء فنزل وقال «إنّ الله لا يحبّ المتكبّرين» فتغدّى معهم ثمّ قال لهم : قد أجبتكم فأجيبونى ، قالوا : نعم فمضى بهم إلى منزله فقال للرباب : أخرجى ما كنت تدّخرين(٢) .

٥١ ـ عنه أخبرنا أبو الحسن علىّ بن أحمد الفقيه ، أنبأنا أبو الحسن ابن أبى الحديد أنبأنا جدّى أبو بكر ، أنبأنا أبو بكر الخرائطي قال : سمعت عمر بن شبّه يقول سمعت أبا الحسن المدائنى يقول : جرى بين الحسن بن على وأخيه الحسين كلام حتّى تهاجرا فلمّا أتى الحسن ثلاثة أيّام تألّم من هجر أخيه ، فأقبل إلى الحسين وهو جالس فأكبّ على رأسه فقبّله ، فلمّا جلس الحسن قال له الحسين : إنّ الذي منعنى من ابتدائك والقيام إليك انّك أحقّ بالفضل منّى فكرهت أن أنازعك ما أنت أحقّ به(٣) .

٥٢ ـ عنه أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر ، أنبأنا أحمد بن عبد الملك ، أنبأنا علىّ ابن محمّد بن علىّ ، وعلىّ بن جعفر وعبد الرحمن بن محمّد بن بالويه ، قالا : أنبأنا أبو العبّاس الأصمّ ، أنبأنا عبّاس بن محمّد ، أنبأنا يحيى أنبأنا الاصمعى قال : بلغنا عن ابن عون ، قال : كتب الحسن الى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء قال : فكتب إليه الحسين : إنّ خير المال ما وقى به العرض(٤) .

٥٣ ـ ابن ماجة حدثنا أبو بكر ثنا معاذ بن هشام ، ثنا علىّ بن صالح عن سماك ،

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٥٠.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٥١.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٥٢.

(٤) ترجمة الامام الحسين : ١٥٢.


عن قابوس ، قال : قالت أمّ الفضل : يا رسول الله رأيت كانّ فى بيتى عضوا من أعضائك قال : خير أرأيت تلد فاطمة غلاما فترضعيه ، فولدت حسينا أو حسنا ، فارضعته بلبن قثم ، قالت فجئت به إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعته فى حجره ، فبال ، فضربت كتفه ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أوجعت ابنى رحمك الله(١) .

٤ ـ باب امامتهعليه‌السلام

١ ـ محمّد بن يعقوب عن علىّ بن إبراهيم ، عن أبيه عن بكر بن صالح وعدّة من أصحابنا ، عن ابن زياد ، عن محمّد بن سليمان الديلمىّ ، عن هارون ابن الجهم ، عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : لمّا حضر الحسن بن علىعليهما‌السلام الوفاة قال للحسينعليه‌السلام : يا أخى إنّى أوصيك بوصيّة فاحفظها ، إذا أنا متّ فهيئنى ثمّ وجّهنى الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأحدث به عهدا ثمّ اصرفنى إلى أمّىعليها‌السلام ثمّ ردّنى فأدفنى بالبقيع.

اعلم أنّه سيصيبنى من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله والرسول وعداوتها لنا أهل البيت ، فلمّا قبض الحسنعليه‌السلام ووضع على السرير ثمّ انطلقوا به إلى مصلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الّذي كان يصلّى فيه على الجنائز فصلّى عليه الحسينعليه‌السلام وحمل وأدخل الى المسجد فلمّا أوقف على قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذهب ذو العوينين إلى عائشة.

فقال لها : إنّهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فخرجت مبادرة على

__________________

(١) سنن ابن ماجه : ٢ / ١٢٩٣.


بغل بسرج ـ فكانت أوّل امرأة ركبت فى الاسلام سرجا ـ فقالت نحّوا ابنكم عن بيتى فإنّه لا يدفن فى بيتى ويهتك على رسول الله حجابه ، فقال : لها الحسينعليه‌السلام : قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأدخلت عليه بيته من لا يحبّ قربه ، وإنّ الله سألك عن ذلك يا عائشة(١) .

٢ ـ عنه عن محمّد بن الحسن وعلىّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن سليمان الديلمىّ ، عن بعض أصحابنا ، عن المفضّل بن عمر ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال: لمّا حضرت الحسن بن علىعليه‌السلام الوفاة ، قال : يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال : الله تعالى ورسوله وابن رسوله أعلم به منىّ ، قال : ادع لى محمّد بن علىّ ، فأتيته.

فلمّا دخلت عليه ، قال : هل حدث الّا خير؟ قلت : أجب أبا محمّد فعجّل على شسع نعله ، فلم يسوّه وخرج معى يعدو ، فلمّا قام بين يديه سلّم ، فقال له الحسن بن علىعليهما‌السلام اجلس فانّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الاحياء كونوا أوعية العلم ، ومصابيح الهدى ، فانّ ضوء النهار بعضه أضوأ من بعض.

أمّا علمت أنّ الله جعل ولد ابراهيمعليه‌السلام أئمّة وفضّل بعضهم على بعض ، وآتى داودعليه‌السلام : زبورا وقد علمت بما استأثر به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا محمّد بن علىّ إنّى أخاف عليك الحسد وإنّما وصف الله به الكافرين ، فقال اللهعزوجل :( كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) ولم يجعل اللهعزوجل للشيطان عليك سلطانا ، يا محمّد بن علىّ ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟

قال : بلى ، قال : سمعت أباكعليه‌السلام يقول يوم البصرة : من أحبّ أن يبرّني فى الدنيا والآخرة فليبرّ محمّدا ولدى ، يا محمّد بن على لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة

__________________

(١) الكافى : ١ / ٣٠٠.


فى ظهر أبيك لأخبرتك يا محمّد بن على أما علمت أنّ الحسين بن علىعليهما‌السلام بعد وفاة نفسى ، ومفارقة روحى جسمى ، إمام من بعدى ، وعند الله جلّ اسمه فى الكتاب ، وراثة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أضافها اللهعزوجل له فى وراثة أبيه وأمّه.

فعلم الله أنّكم خيرة خلقه ، فاصطفى منكم محمّدا وصلّى واختار محمّد عليّاعليهما‌السلام واختارنى علىعليه‌السلام بالإمامة واخترت أنا الحسينعليه‌السلام : فقال له محمّد بن علىّ : أنت امام وأنت وسيلتى إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله والله لوددت أنّ نفسى ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ألا وإنّ فى رأسى كلاما لا تنزفه الدلاء ولا تغيّره نغمة الرياح ، كالكتاب المعجم فى الرقّ المنضمّ أهمّ بابدائه فأجدنى سبقت إليه سبق الكتاب المنزل ، أو ما جاءت به الرسل.

إنّه كلام بكلّ به لسان الناطق ، ويد الكاتب حتّى لا يجد قلما ، ويؤتوا بالقرطاس حمما فلا يبلغ الى فضلك وكذلك يجزى الله المحسنين ولا قوّة الّا بالله ، الحسين أعلمنا علما ، وأثقلنا حلما ، وأقربنا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رحما كان فقيها قبل أن يخلق وقرأ الوحى قبل أن ينطق ، ولو علم الله فى أحد خيرا ما اصطفى محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا اختار الله محمّدا ، واختار محمّد عليّا واختارك علىّ اماما واخترت الحسين ، سلّمنا ورضينا من هو بغيره يرضى ومن غيره كنا نسلم به من مشكلات أمرنا(١)

٣ ـ الصفّار حدّثنا محمّد بن عبد الجبّار عن محمّد بن إسماعيل ، عن على بن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن إسحاق بن عمّار ، عن أبى بصير ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام إنّ حبابة الوالبية كانت اذا وفد الناس الى معاوية وفدت هى الى الحسينعليه‌السلام وكان امرأة شديدة الاجتهاد ، وقد يبس جلدها على بطنها من العبادة وإنّها خرجت مرّة ومعها ابن عمّ لها غلام فدخلت به على الحسينعليه‌السلام فقالت له جعلت

__________________

(١) الكافى : ١ / ٣٠٠.


فداك فانظر هل تجد ابن عمّى هنا فيما عندكم وهل تجده ناج ، قال فقال نعم نجده عندنا ونجده ناج(١) .

٤ ـ الخزاز القمى أخبرنا محمّد بن عبد الله ، قال حدّثنا محمّد بن الحسين بن جعفر الخثعمى الاشنانى ، قال حدثنا أبو هاشم محمّد بن يزيد القاضى ، قال : حدّثنا يحيى بن آدم ، قال حدثنا جعفر بن زياد الاحمر ، عن أبى الصيرفى ، عن صفوان بن قبيصة ، عن طارق بن شهاب قال : قال أمير المؤمنينعليه‌السلام للحسن والحسين : أنتما إمامان بعدى وسيدا شباب أهل الجنّة ، والمعصومان حفظكما الله ولعنة الله على من عاداكما(٢) .

٥ ـ عنه حدّثنى محمّد بن وهبان البصرى ، قال حدثني داود بن الهيثم بن إسحاق النحوىّ ، قال : حدّثنى جدّى اسحاق بن البهلول ابن حسان ، قال حدّثنى طلحة بن زيد الرقى ، عن الزبير بن عطاء عن عمير بن هانى العبسى عن جنادة بن أبى أميّه قال دخلت على الحسن بن علىعليهما‌السلام فى مرضه الّذي توفّى فيما بين يديه طشت يقذف فيه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله.

فقلت يا مولاى مالك لا تعالج نفسك؟ فقال : يا عبد الله بما ذا أعالج الموت؟ قلت : انّا لله وانّا إليه راجعون ، ثمّ التفت الىّ وقال : والله انّه لعهد عهده إلينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ان هذا الامر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علىّعليه‌السلام وفاطمةعليها‌السلام ، ما منا الّا مسموم أو مقتول ثمّ رفعت الطشت واتكى صلوات الله عليه فقلت: عظنى يا ابن رسول الله.

قال : نعم ، استعدّ لسفرك ، وحصّل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنّك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا كمل يومك الذي له باب على يومك الّذي أنت فيه ،

__________________

(١) بصائر الدرجات : ١٧١.

(٢) كفاية الاثر : ٢٢١.


واعلم انّك لا تكسب من المال شيئا فوق قوّتك الّا كنت فيه خازنا لغيرك ، واعلم انّ فى حلالها حسابا وفى حرامها عقابا وفى الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة ، خذ منها ما يكفيك.

فان كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها وان كان حراما لم تكن قد أخذت من الميتة ، وان كان العتاب ، فان العقاب يسير ، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا وإذا أردت عزا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية الله الى عزّ طاعة اللهعزوجل ، واذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك ، واذا خدمته صانك ، واذا أردت منه معونة فاتك فأقاك.

وإن قلت صدقك قولك ، وإن صلت شد صو صولك وإن مددت يدك بفضل جدّها ، وإن بدت منك ثلمة سدّها ، وان رأى منك حسنة عدّها ، وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ابتدأك ، وان نزلت بك أحد الملمّات آساك ، من لا يأتيك منه البوائق ولا يختلف عليك منه الطوالق ولا يخذلك عند الحقائق ، وان تنازعتما منفسا آثرك.

قال : ثمّ انقطع نفسه واصفرّ لونه حتّى خشيت عليه ، ودخل الحسين صلوات الله عليه والاسود بن أبى الاسود فانكبّ عليه حتّى قبل رأسه وبين عينيه ، ثمّ قعد عنده وتسارّا جميعا ، فقال أبو الاسود : إنّا لله أنّ الحسن قد نعيت إليه نفسه ، وقد أوصى الى الحسينعليه‌السلام وتوفّىصلى‌الله‌عليه‌وآله فى يوم الخميس فى آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة وأربعون سنة(١)

٦ ـ قال الشيخ المفيد وكانت امامة الحسينعليه‌السلام بعد وفاة أخيه الحسنعليه‌السلام

__________________

(١) كفاية الاثر : ٢٢٦.


ثابتة وطاعته لجميع الخلق لازمة وإن لم يدع إلى نفسه للتقيّة الّتي كان عليها والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية بن أبى سفيان ، والتزم الوفاء بها وجرى فى ذلك مجرى أبيه أمير المؤمنينعليه‌السلام فى ثبوت امامته يعنى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله مع الصموت وإمامة أخيه الحسنعليه‌السلام بعد الهدنة مع الكفّ والسكوت فكانوا فى ذلك على سنن نبىّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو فى الشعب محصور عند خروجه من مكّة مهاجرا مستخفيا فى الغار وهو من أعدائه مستور.

فلمّا مات معاوية وانقضت مدّة الهدنة التي كانت تمنع الحسينعليه‌السلام من الدعوة الى نفسه أظهر أمره بحسب الامكان وأبان عن حقّه للجاهلين به حالا بعد حال إلى أن اجتمع له فى الظاهر الانصار ، فدعىعليه‌السلام الى الجهاد وشمّر للقتال ، وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو العراق للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الاعداء وقدّم امامه ابن عمّه مسلم بن عقيل رضى الله عنه وأرضاه للدعوة الى الله والبيعة له على الجهاد.

فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه وهيئوا له النصرة والنصيحة ووثقوا له فى ذلك وعاقدوه ثمّ لم تطل المدّة بهم حتّى نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه فقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا الى حرب الحسينعليه‌السلام فحاصروه ومنعوه المسير الى بلاد الله واضطرّوه الى حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا منهم وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى تمكنوا منه فقتلوه فمضىعليه‌السلام ظمآن مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما قد نكث بيعته واستحلّت حرمته ولم يف له بعهد ولا رعيت فيه ذمّة عقد شهيدا على ما مضى عليه أبوه وأخوهعليهم‌السلام (١) .

٧ ـ قال الطبرسى : يدلّ على امامته جميع الطرق الاعتباريّة والاخبارية الّتي

__________________

(١) الارشاد : ١٨١.


ذكرناها فى إمامة الحسنعليه‌السلام بعينها فانّ جميعها كما تدلّ على إمامته تدلّ على إمامة أبى عبد الله الحسين من بعده مثلا بمثل ، وقد صرّح النبيّ على امامته أيضا بقوله : هذان ابناى إمامان قاما أو قعدا وأيضا فانّ وصية الحسنعليه‌السلام إليه تدلّ على امامته كما دلّت وصية أمير المؤمنين إلى الحسنعليهما‌السلام على إمامته بحسب ما دلّت وصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أمير المؤمنين على إمامته من بعده(١) .

٨ ـ عنه فى حديث حبابة الوالبيّة الّذي رويناه هناك ما فيه من ظهور الآية المعجزة على يده الدالّة على امامته فلا معنى لتكرّره وإعادته فكانت إمامتهعليه‌السلام ثابتة بعد أخيه الحسن وإن لم يدع إلى نفسه للهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية بن أبى سفيان وجرى فى ذلك مجرى أبيه وثبوت إمامته بعد وفاته مع الكفّ والصمت ومجرى أخيه فى زمان الهدنة والسكوت.

فلمّا انقضت زمان الولاية بهلاك معاوية واجتمع له فى الظاهر الأنصار أظهر أمره بعض الاظهار ، فشمر لذلك وقدّم الى العراق ابن عمّه مسلما للاستنصار فبايعه أهل الكوفة وضمنوا له النصرة ، ثمّ نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه وخرجوا إليه فحصروه حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى تمكّنوا منه فقتلوه شهيدا كما استشهد أخوه وأبوه ، والصلاة عليهم(٢) .

٩ ـ قال الفتال النيسابوريّ : قالت أمّ سلمة كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عندى وأتاه جبرئيلعليه‌السلام فكانا فى البيت يتحدّثان إذ دقّ الباب الحسن بن على فخرجت افتح له الباب فاذا الحسين معه فدخلا فلمّا أبصرا جدّهما شبّها جبرئيل بدحية الكلبى فجعلا يحنان به ويدوران حوله فقال جبرئيلعليه‌السلام أمّا ترى الصبيين ما يفعلان؟ فقال يشبهانك بدحية الكلبى فانّه كثيرا ما يتعاهد هما ويتحفهما اذا جاءنا فجعل

__________________

(١) اعلام الورى : ٢١٤.

(٢) اعلام الورى : ٢١٥.


جبرئيل يومى بيده كالمتناول شيئا فاذا بيده تفّاحة وسفرجلة ورمّانة فناول الحسن.

ثمّ أومى بيده مثل ذلك فناول الحسين ففرحا وتهلّلت وجوههما وسعيا الى جدّهما صلوات الله عليهم ، فأخذ التفّاحة والرمّانة والسفرجلة فشمّها ثمّ ردّها الى كل واحد منهما كهيئتهما ثمّ قال لهما صيرا إلى امّكما بما معكما وبدؤكما أبيكما أعجب الىّ فصارا كما أمرهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم يؤكل منها شيء حتّى صار النبيّ إليهما فاذا التفّاح وغيره على حاله.

فقال أبو الحسن مالك لا تأكل ولا تطعم زوجتك وابنيك وحدّثته الحديث فاكل النبيّ وعلى وفاطمه والحسن والحسينعليهم‌السلام وأطعمنا أمّ سلمة فلم تزل الرمّان والسفرجل والتفّاح كل ما اكل منه عاد الى ما كان حتّى ، قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الحسين : فلم يلحقه التقصير والنقصان أيّام فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتّى توفّيتعليها‌السلام فقدنا الرمّان وبقى التفّاح والسفرجل أيّام أبى.

فلمّا استشهد أمير المؤمنينعليه‌السلام فقد السفرجل وبقى التفّاح على هيئته عند الحسن حتّى مات فى سمّه ، ثمّ بقى التفّاحة الى الوقت الذي حوصرت عن الماء فكنت أشمّها إذا عطشت فتكسر لهب عطشى فلمّا اشتدّ علىّ العطش عضضتها وأيقنت بالفناء قال علىّ بن الحسينعليهما‌السلام سمعت يقول ذلك قبل مقتل بساعة ، فلمّا قضى نحبه وجد ريحها من مصرعه فالتمست فلم ير لها أكثر فبقى ريحها بعد الحسينعليه‌السلام ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك فى أوقات السّحر فانّه يجده إذا كان مخلصا(١) .

١٠ ـ قال ابن شهرآشوب : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام وقد ذكر عنده الحسين :( الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ ) وقالعزوجل :( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً ) وقال :

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٣٧.


( وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) أى الأئمّة(١) .

١١ ـ عنه باسناده عن الاعرج عن أبى هريرة قال سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن قوله :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال جعل الامامة فى عقب الحسين يخرج من صلبه تسعة من الائمّة منهم مهدى هذه الامّة(٢) .

١٢ ـ عنه باسناده عن المفضّل بن عمر ، قال سألت الصادقعليه‌السلام ، عن هذه الآية قال يعنى بهذه الآية ، الامامة جعلها فى عقب الحسين الى يوم القيمة ، فقلت : كيف صارت فى ولد الحسين فقال : انّ موسى وهارون ، كانا نبيّين مرسلين أخوين فجعل الله النبوّة فى صلب هارون دون صلب موسى ثمّ ساق الحديث إلى قوله وهو الحكيم فى أفعاله( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) قال السدّى فى( عَقِبِهِ ) أى فى آل محمّد أى لتولّى بهم الى يوم القيامة ونتبرّأ من أعدائهم إليها(٣) .

١٢ ـ عنه باسناده عن حماد بن عيسى الجهنى عن الصادقعليه‌السلام قال لا تجتمع الإمامة فى اخوين بعد الحسن والحسين إنمّا هى فى الاعقاب وأعقاب الأعقاب(٤)

١٤ ـ عنه عن زيد بن على فى هذه الآية لا تصلح الخلافة الّا فينا وفى الخبر لمّا حضرت الحسينعليه‌السلام الوفاة لم يجز له أن يردّها إلى ولد أخيه لقول الله تعالى( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) فكان ولده أقرب إليه رحما من ولد أخيه واولاده هكذا أولى بها فأخرجت هذه الآية ولد الحسن عن الامامة وصيّرتها الى ولد الحسين فهى فيهم أبدا الى يوم القيمة ولقول الله تعالى( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانا ) فكان علىّ بن الحسين بدم أبيه أولى وبالقيام به أحرى(٥)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٧٦.

(٢) المناقب : ٢ / ١٧٦.

(٣) المناقب : ٢ / ١٧٦.

(٤) المناقب : ٢ / ١٧٦.

(٥) المناقب : ٢ / ١٧٧.


١٥ ـ عنه باسناده قال عبد الله بن الحسين انّ الامامة فى ولد الحسن والحسين لأنهما سيّدا شباب أهل الجنّة وهما فى الفضل سواء الا أن للحسن فضلا بالكبر والتقدّم فكان الواجب أن يكون الامامة اذا فى ولد الافضل ، فقال الربيع بن عبد الله انّ موسى وهارون كانا نبيّين مرسلين وكان موسى اكبر من هارون وافضل فجعل الله النبوّة فى ولد هارون دون ولد موسى.

كذلك جعل اللهعزوجل الامامة فى ولد الحسين لتجرى فى هذه سنن من قبلها من الامم حذو النعل بالنعل فبلغ ذلك الصادقعليه‌السلام ، فقال أحسنت يا ربيع ومن ذلك حديث الرضاعليه‌السلام ويستدلّ من الحساب على انّ الامامة فى أولاد الحسينعليه‌السلام انّ لفظة الحسين مائة وثمانية وعشرين زيادة بعشرة ، والحسين واولاده عشرة(١)

٥ ـ باب علمه وفصاحتهعليه‌السلام

١ ـ الصدوق فى رواية طويلة قال أمير المؤمنينعليه‌السلام للحسين : يا بنىّ قم فاصعد فتكلّم بكلام لا يجهلك قريش من بعدى فيقولون إنّ الحسين بن على لا يبصر شيئا وليكن كلامك تبعا لكلام أخيك فصعد الحسينعليه‌السلام فحمد الله واثنى عليه ، وصلّى على نبيّه وآله صلاة موجزة ، ثمّ قال معاشر الناس سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول انّ عليّا مدينة هدى فمن دخلها نجى ومن تخلّف عنها هلك ، فوثب إليه علىّعليه‌السلام فضمّه الى صدره وقبله ثمّ قال : يا معاشر الناس اشهدوا أنّهما فرخا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووديعته التي استودعنيها وأنا استودعكموها معاشر الناس و

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٧٧.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سائلكم عنها(١) .

٢ ـ قال ابن شهرآشوب : ومن فصاحته وعلمهعليه‌السلام ما رواه موسى بن عقبة أنّه امر معاوية الحسين أن يخطب ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فسمع رجل يقول من هذا الذي يخطب فقالعليه‌السلام نحن حزب الله الغالبون وعترة رسول الله الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الّذين جعلنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثانى كتاب الله تعالى ، فيه تفصيل كلّ شيء لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعوّل علينا فى تفسيره لا يبطينا تأويله بل نتّبع حقائقه.

فاطيعونا فان طاعتنا مفروضة اذا كانت بطاعة الله مقرونة قال الله تعالى :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقال :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ) واحذّركم الاصغاء الى هتوف الشيطان فانّه لكم عدوّ مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم( لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ) فتقولون للسيوف ضربا وللرماح وردا وللعمد حطما وللسّهام غرضا لا يقبل من نفس ايمانها لم تكن آمنت من قبل قال معاوية حسبك يا أبا عبد الله فقدا بلغت(٢)

٣ ـ عنه باسناده عن محاسن البرقي قال عمرو بن العاص للحسينعليه‌السلام يا ابن علىّ ما بال أولادنا أكثر من أولادكم فقالعليه‌السلام :

بغاث الطير أكثرها فراخا

وأمّ الصقر مقلاة نذور

فقال ما بال الشّيب إلى شواربنا أسرع منه الى شواربكم فقالعليه‌السلام : ان نساءكم نساء بخرة فاذا دنا أحدكم من امرأته نكهت فى وجهه فشاب منه شاربه ، فقال ما بال لحاؤكم أوفر من لحائنا فقالعليه‌السلام :( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) فقال معاوية بحقّى عليك إلا سكت فانّه ابن علىّ بن

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٢٠٧.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٢.


أبى طالب فقالعليه‌السلام :

إن عادت العقرب عدنا لها

وكانت النّعل لها حافرة

قد علم العقرب واستيقنت

أن لا له دنيا ولا آخرة(١)

٤ ـ عنه عن تفسير الثعلبى ، قال الصادقعليه‌السلام : قال الحسين بن علىّ صلوات الله عليهم إذا صاح النّسر قال : يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت واذا صاح الغراب قال انّ البعد من النّاس انس ، واذا صاح القبر قال اللهمّ العن مبغضى آل محمّد وإذا صاح الخطّاف قرأ الحمد لله ربّ العالمين ويمدّ الضّالين كما يمدّها القارى(٢) .

٥ ـ قال الاربلى : انهمعليهم‌السلام رجال الفصاحة وفرسانها ، وحماة البلاغة وشجعانها ، عليهم تهدّلت أغصانها ، ومنهم تشعبت أفنانها ، ولهم انقادت معانيها وهم معانها ؛ ولرياضتهم أطاع عاصيها وأصحب جرانها ، اذا قالوا بذّوا الفصحاء وإذا ارتجلوا سبقوا البلغاء ، وإذا نطقوا أذعن كلّ قائل وأقرّ لهم كلّ حاف وناعل تركت والحسن تأخذه تنتقى منه وتنتحب.

فاصطفت منه محاسنه ، واستزادت فضل ما تهب بألفاظ تجارى الهواء رقة ، والصخر متانة ، وحلم يوازى السماء ارتفاعا والجبال رزانة ، أذعنت لهم الحكم ، وأجابت ندائهم الكلم وأطاعهم السيف والقلم ، وصابوا وأصابوا فما صوب إليهم ورثوا البيان كابرا عن كابر ، وتسنّموا قلل الفضائل ، تسمّنهم متون المغاير ، وتساووا فى مضمار المعارف فالآخر يأخذ عن الأوّل والأوّل يملى على الآخر :

شرف تتابع كابرا عن كابر

كالرمح أنبوبا على أنبوب

يفوح أرج النبوّة من كلامهم ويعبق نشر الرسالة من نثرهم ونظمهم ، وتعجز الأوايل والاواخر عن مقالهم ، فى كلّ موطن ومقامهم ، فهم سادات الناس وقادتهم

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٣.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٣.


فى جاهليّتهم وإسلامهم ، فما ساجلهم فى منقبة إلّا غلب وما شابهم ماجد إلّا قيل أطمع من أشعب شنشنة معروفة فى السلف والخلف ، وعادة شريفة ينكرها من أنكر ويعرفها من عرف.

ومن كلامهعليه‌السلام لمّا عزم على الخروج الى العراق قام خطيبا فقال : الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوّة إلّا بالله وصلّى الله على رسوله وسلّم خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهنى إلى أسلافى اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخيّر لى مصرع أنا لاقيه ، كأنّى بأوصال يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيمتلآن منّى أكراشا جوفا واجربة سغبا.

لا محيص من يوم خطّ بالقلم رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن يشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته وهى مجموعة له فى حظيرة القدس تقرّبهم عينه ، ويتنجّز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته وموطنا على لقائنا نفسه فليرحل فانّى راحل مصبحا إن شاء الله.

خطبعليه‌السلام فقال : يا أيّها الناس نافسوا فى المكارم ، وسارعوا فى المغانم ، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا ، وكسبوا الحمد بالنجع ، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّا فمهما يكن لاحد عند أحد صنيعة له رأى أنّه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافاته ، فانّه أجزل عطاء وأعظم أجرا ، واعلموا انّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم ، فلا تملّوا النعم فتحور نقما ،

واعلموا انّ المعروف مكسب حمدا ، ومعقب أجرا. فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا ، يسرّ الناظرين ، ولو رأيتم اللّوم رأيتموه سمجا مشوّها تنفّر منه القلوب ، وتغضّ دونه الابصار.

أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل رذل ، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجو وان أعفى الناس من عفى عن قدرة وانّ أوصل الناس من وصل من قطعه


والاصول على مغارسها بفروعها تسموا فمن تعجل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة الى أخيه كافاه بها فى وقت حاجته ، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكبر منه ، ومن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة ، ومن أحسن أحسن الله إليه والله يحبّ المحسنين(١) .

٦ ـ باب دلائله خوارق عاداتهعليه‌السلام

١ ـ محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشّاء ، والحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبى خديجة ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا حملت فاطمهعليها‌السلام بالحسين جاء جبرئيل الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : إنّ فاطمةعليها‌السلام ستلد غلاما تقتله أمّتك من بعدك ، فلمّا حملت فاطمة بالحسينعليه‌السلام كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لم تر فى الدّنيا أمّ تلد غلاما تكرهه ولكنّها كرهته لما علمت أنّه سيقتل قال : وفيه نزلت هذه الآية( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (٢) .

٢ ـ عنه عن محمّد بن يحيى ، عن علىّ بن اسماعيل ، عن محمّد بن عمر الزيّات ، عن رجل من أصحابنا عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : إنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : يا محمّد إنّ الله يبشّرك بمولود يولد من فاطمة ، تقتله أمّتك من بعدك فقال يا جبرئيل وعلى ربّى السّلام لا حاجة لى فى مولود يولد من فاطمة ، تقتله أمّتى من بعدى ، فعرج ثمّ حبطعليه‌السلام فقال له مثل ذلك فقال : يا جبرئيل وعلى ربّى السلام لا حاجة لى فى مولود تقتله امّتى من بعدى.

__________________

(١) كشف الغمة : ٢ / ٢٨ ـ ٣٠.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٤.


فعرج جبرئيلعليه‌السلام الى السماء ثمّ هبط فقال : يا محمّد إنّ ربّك يقرئك السلام ويبشّرك بأنّه جاعل فى ذرّيته الامامة والولاية والوصيّة ، فقال : قد رضيت ثمّ أرسل إلى فاطمة إنّ الله يبشّرنى بمولود يولد لك ، تقتله امّتى من بعدى فأرسلت إليه لا حاجة لى فى مولود منى تقتله أمّتك من بعدك فأرسل إليها أنّ الله قد جعل فى ذرّيته الامامة والولاية والوصيّة.

فأرسلت إليه انّى قد رضيت ، «فحملته( كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) فلولا أنّه قال : أصلح لى فى ذرّيتى لكانت ذريّته كلّهم أئمّة.

فلم يرضع الحسين من فاطمةعليها‌السلام ولا من انثى ، كان يؤتى به النبيّ فيضع إبهامه فى فيه فيمصّ منها ما يكفيها اليومين والثلاث ، فنبت لحم الحسينعليه‌السلام من لحم رسول الله ودمه ولم يولد لستّة أشهر إلّا عيسى بن مريمعليه‌السلام والحسين بن علىعليهما‌السلام . وفى رواية أخرى ، عن أبى الحسن الرضاعليه‌السلام أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصّه فيتجزى به ولن يرتضع من أنثى(١) .

٣ ـ عنه عن علىّ بن محمّد رفعه ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قول اللهعزوجل :( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) قال : حسب فرأى ما يحلّ بالحسينعليه‌السلام ، فقال : انّى سقيم لما يحلّ بالحسينعليه‌السلام (٢) .

٤ ـ عنه عن أحمد بن محمّد ، عن محمّد بن الحسن ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن علىّ بن أسباط ، عن سيف بن عميرة ، عن محمّد بن حمران قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لمّا كان من أمر الحسينعليهما‌السلام ما كان ضجّت الملائكة إلى الله بالبكاء ، و

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٤.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٥.


قالت : يفعل هنا بالحسين صفيك وابن نبيّك؟ قال : فأقام الله لهم ظلّ القائمعليه‌السلام وقال : بهذا انتقم لهذا(١) .

٥ ـ عنه عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن علىّ بن الحكم ، عن سيف بن عميرة ، عن عبد الملك بن أعين ، عن أبى جعفرعليه‌السلام قال : لمّا نزل النصر على الحسين بن علىّ حتّى كان بين السّماء والارض ثمّ خيّر : النصر أو لقاء الله ، فاختار لقاء الله(٢) .

٦ ـ عنه عن الحسين بن محمّد قال : حدّثنى أبو كريب وأبو سعيد الاشج قال : حدّثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبيه إدريس بن عبد الله الأودى ، قال : لمّا قتل الحسينعليه‌السلام أراد القوم أن يوطّئوه الخيل ، فقالت فضّة لزينب : يا سيّدتى إنّ سفينة كسر به فى البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد ، فقال : يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهمهم بين يديه حتّى وقفه على الطريق والأسد رابض فى ناحية.

فدعينى أمضى إليه وأعلمه ما هم صانعون غدا ، قال : فمضت إليه فقالت : يا أبا الحارث فرفع رأسه ثمّ قالت : أتدري ما يريدون أن يعملوا غدا بأبى عبد اللهعليه‌السلام ؟

يريدون أن يوطّئوا الخيل ظهره ، قال : فمشى حتّى وضع يديه على جسد الحسينعليه‌السلام فاقبلت الخيل فلمّا نظر وإليه قال لهم عمر بن سعد ـ لعنه الله : فتنة لا تثيروها انصرفوا ، فانصرفوا(٣) .

٧ ـ عنه عن علىّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن أحمد ، عن الحسن ابن علىّ ، عن يونس ، عن مصقلة الطحّان قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : لمّا قتل الحسينعليه‌السلام أقامت امرأته الكلبيّة عليه ماتما وبكت وبكين النساء والخدم حتّى

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٥.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٥.

(٣) الكافى : ١ / ٤٦٥.


جفّت دموعهنّ وذهبت فبينا هى كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكى ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها : مالك أنت من بيننا تسيل دموعك؟

قالت : انّى لمّا أصابنى الجهد شربت شربة سويق قال : فأمرت بالطعام والاسوقة فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت : إنّما نريد بذلك أن نقوى على البكاء على الحسينعليه‌السلام . قال : وأهدى الى الكلبية جؤنا لتستعين بها على ماتم الحسينعليه‌السلام .

فلمّا رأت الجؤن قالت ما هذه؟ قالوا : هديّة أهداها فلان لتستعينى على ماتم الحسين فقالت : لسنا فى عروس ، فما نصنع بها؟ ثمّ أمرت بهنّ فأخرجن من الدار فلمّا أخرجن من الدار لم يحسّ لها حسّ كأنّما طرن بين السّماء والارض ولم ير لهنّ بها بعد خروجهنّ من الدار أثر(١) .

٨ ـ قال أبو جعفر الطبرى الامامى : حدّثنا محروز بن منصور ، عن أبى مخنف لوط بن يحيى ، قال : حدّثنا عبّاس بن عبد الله ، عن عبد الله بن عبّاس ، قال أتيت الحسين وهو يخرج الى العراق فقلت له يا ابن رسول الله : لا تخرج ، فقال : يا ابن عبّاس أما علمت إن منعتنى من هناك كان مصارع أصحابى هناك قلت له : فانّى لك ذلك ، قال بسرّ سرّه لى وعلم أعطيته(٢) .

٩ ـ عنه حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد البلوى ، قال : حدّثنا عمارة بن زيدة قال : حدّثنا إبراهيم بن سعيد وكان مع زهير بن القين حين صحب الحسين كما أخبر قال قال الحسين له : يا زهير اعلم أنّ هاهنا مشهدى ويحمل هذا (وأشار الى رأسه) من جسدى زحر بن قيس فيدخل به على يزيد يرجو نواله فلا يعطيه

__________________

(١) الكافى : ١ / ٤٦٠.

(٢) دلائل الامامة : ٧٤.


شيئا(١)

١٠ ـ عنه حدّثنا أبو محمّد سفيان ، عن وكيع ، عن الأعمش ، قال : قال لى أبو محمّد الواقدى وزرارة بن حلح ، لقينا الحسين قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال فأخبرناه بضعف الناس فى الكوفة وإن قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأوما بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عددا لا يحصيهم إلّا الله وقال : لو لا تقارب الأشياء وهبوط الاجر لقاتلتهم بهؤلاء ولكن أعلم علما أنّ هناك مصرعى ومصارع أصحابى لا ينجو منهم إلّا ولدى علىّ(٢)

١١ ـ عنه حدّثنا محمّد بن جيد ، عن أبيه جيد بن سالم بن جيد ، عن راشد بن مزبدة قال شهدت الحسين بن على وصحبته من مكّة حتّى أتينا القطقطانة ثمّ استأذنته فى الرجوع فأذن فرأيته وقد استقبلته سبع فكلمه فوقف له قال ما حال الناس بالكوفة قال قلوبهم معك وسيوفهم عليك ، قال ومن خلفت بها؟ قال ابن زياد وقد قتل مسلم بن عقيل ، قال واين تريد؟ قال عدن ، قال : ايّها السبع هل عرفت ماه الكوفة؟ قال ما علمنا من علمك إلّا ما زودتنا ، ثمّ انصرف وهو يقول :( وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) (٣) .

١٢ ـ عنه حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد ، قال حدّثنا سعيد ابن شرفى بن القطامى ، عن زفر بن يحيى ، عن كثير بن شاذان قال : شهدت الحسين بن على وقد اشتهى عليه ابنه على الأكبر عنبا فى غير أوانه فضرب بيده الى سارية المسجد فأخرج له عنبا وموزا فاطعمه وقال : ما عند الله لأوليائه أكثر(٤) .

١٣ ـ عنه حدثنا سفيان بن وكيع ، عن أبيه ، عن الأعمش ، قال : سمعت أبا

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٤.

(٢) دلائل الامامة : ٧٤.

(٣) دلائل الامامة : ٧٤.

(٤) دلائل الامامة : ٧٥.


صالح التّمار يقول : سمعت حذيفة يقول : سمعت الحسين بن على يقول : والله ليجتمعنّ على قتلى طغاة بنى أميّة ويقدمهم عمر بن سعد ، وذلك فى حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقلت له أنبأك بهذا رسول الله قال لا ، فأتيت النبيّ فأخبرته ، فقال علمى علمه وعلمه علمى وأنا لنعلم بالكائن قبل كينونته(١)

١٤ ـ عنه حدّثنا يزيد بن مسروق ، قال حدّثنى عبد الله بن مكحول ، عن الأوزاعى قال بلغنى خروج الحسين الى العراق فقصدت مكّة فصادفته بها ، فلمّا رآنى رحّب بى وقال : مرحبا بك يا اوزاعى جئت تنهانى عن المسير ويأبى الله إلّا ذلك إن من هاهنا إلى يوم الاثنين منيتى فجهدت فى عدد الأيّام فكان كما قال(٢) .

١٥ ـ عنه حدّثنا عيسى بن معاذ بن ماهان بن معدان قال حدّثنا أبو جابر كيسان بن جرير ، عن أبى النباخ محمّد بن يعلى ، قال لقيت الحسين على ظهر لكوفة وهو راحل مع الحسن يريد معاوية ، فقلت أرضيت يا أبا عبد الله؟ فقال شقشقة هدرت وفورة أنارت وشجا عرى وسم زعاق وقيعان بالكوفة وكربلا انّى والله لصاحبها وصاحب ضحيتها والعصفور فى سنابلها إذا تواضع نواحى الجبل وهجهج كوفان الوهل ، ومنع البرجانبه وعطل بيت الله الحرام ، وأرجف الوقيد وقدح الهبيد.

فيا لها من زمر أنا صاحبها ايه إيه أنّى وكيف ولو شئت لقلت أين أنزل وأين أقيم فقلت يا ابن رسول الله ما تقول؟ قال مقامى بين أرض وسماء ونزولى حيث حلّت الشيعة الأهلاب والأكباد الصلاب لا يتضعضعن للضيم ولا يأنفون تجرّ مفاصلهم ليحيى بهم أهل ميراث على ورثة بيته(٣)

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٥.

(٢) دلائل الامامة : ٧٥.

(٣) دلائل الامامة : ٧٥.


١٦ ـ عنه روى هارون بن خارجة ، عن أبى عبد الله ، قال قال الحسين بن علىّ لغلمانه لا تخرجوا يوم كذا وكذا اليوم سمّاه وأخرجوا يوم الخميس فانكم ان خالفتمونى قطع عليكم الطريق وقتلتم وذهب ما معكم وكان قد أرسلهم الى ضيعة فخالفوه وأخذوا طريق الحرة ، فاستقبلهم لصوص فقتلوهم كلّهم ، فدخل على الحسين والى المدينة من ساعته ، فقال : بلغنى قتل غلمانك ومواليك فآجرك الله فيهم قال أما أنّى أدلّك على من قتلهم فاشدد يدك عليهم.

قال أو تعرفهم؟ قال : نعم كما أعرفك وهذا منهم لرجل جاء معه فقال الرجل يا ابن رسول الله كيف عرفتنى وما كنت فيهم ، قال : إن صدقتك أتصدق؟ قال : نعم والله لأصدقنّ ، قال خرجت ومعك فلان وفلان سماهم كلّهم بأسمائهم وفيه أربعة من موالى الأسود ، والبقية من سائر أهل المدينة ، فقال الوالى لتصدقنّ أو لانثرنّ لحمك وربّ القبر والمنبر بالسياط ، فقال والله ما كذب الحسين فكأنّه كان معنا ، فجمعهم الوالى فأقرّوا جميعا فأمر بهم فضربت أعناقهم(١) .

١٧ ـ عنه وروى الهيثم النهدى عن إسماعيل بن مهران ، عن محمّد الكنانى ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال خرج الحسين بن علىعليهما‌السلام فى بعض أسفاره ، ومعه رجل من ولد الزبير بن العوام ، يقول بامامته فنزلوا طريقهم بمنزل تحت نخل يابس من العطش ففرش للحسين تحتها وبازائه نخل ليس عليها رطب.

قال فرفع يده ودعا بكلام لم أفهمه فاخضرت النخلة وعادت الى حالها ، حملت رطبا ، فقال الجمال الذي اكترى منه : هذا سحر والله ، فقال الحسين ويلك إنّه ليس بسحر ولكنّها دعوة ابن نبىّ مستجابة ، ثمّ صعدوا النخلة فجنوا منها ما كفاهم جميعا(٢)

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٦.

(٢) دلائل الامامة : ٧٦.


١٨ ـ عنه روى محمّد بن الحسين ، عن موسى بن سمعان ، عن عبد الله بن القاسم ، عن صباح المزنى ، عن صالح بن ميثم الاسدى ، قال دخلت أنا وعباية بن الربعى على امرأة من بنى والبة قد احترق وجهها من السجود ، فقال لها عباية يا حبابة هذا ابن أخيك ، قالت وأيهم؟ قال صالح بن ميثم فقالت ابن أخى والله حقا يا ابن أخى ألا أحدّثك بحديث سمعته من الحسين بن على؟ قلت بلى يا عمّة.

قالت كنت زوارة للحسين فحدث بين عينى وضح فشق ذلك علىّ واحتبست عنه أيّاما فسأل عنّى ما فعلت حبابة الوالبية قالوا حدت ما بين عينيها حدث منعها ، فقال لأصحابه قوموا بنا إليها فدخل علىّ فى مسجدى هذا وقال يا حبابة ما أبطأ بك علىّ؟ قلت يا بن رسول الله ما منعنى إلّا ما اضطررت به الى التخلف وهو هذا الذي حدث بى وكشفت القناع فنظره ونفث عليه.

قال يا حبابة احمدى لله شكرا فانّ الله قد اذهبه عنك فخررت ساجدة لله شكرا فقال يا حبابة ارفعى رأسك فانظرى فى مرآتك فرفعت رأسى ونظرت فى المرآة ، فلم أجد منه أثرا فقال يا حبابة نحن وشيعتنا على الفطرة وسائر الناس منها براء(١) .

١٩ ـ عنه روى أيّوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى ، عن أبى إسماعيل ، عن حمزة بن حمران ، عن أبى جعفرعليه‌السلام ، قال ذكرت خروج الحسين وتخلف ابن الحنفية عنه فقال يا أبا حمزة انّى سأحدثك بما لا تشك فيه بعد مجلسنا هذا ، انّ الحسين لما فصل متوجها الى العراق دعا بقرطاس وكتب فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن على إلى بنى هاشم : أمّا بعد فانّه من لحق بى استشهد ومن تخلّف عنّى فانّه لم يبلغ الفتح(٢)

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٧.

(٢) دلائل الامامة : ٧٧.


٢٠ ـ عنه ، أخبرنى ابو الحسين محمّد بن هارون عن أبيه ، عن أبى على ، محمّد ابن همام ، قال : أخبرنا جعفر بن محمّد بن مالك ، قال : حدّثنا أحمد بن الحسين الهاشمى ، قدم إلينا من مصر ، قال : حدّثنى القاسم بن منصور الهمدانيّ بدمشق ، عن عبد الله بن محمّد التميمى ، عن سعد بن أبى خيران ، عن الحرث بن وكيدة ، قال : كنت فيمن حمل رأس الحسين فسمعته يقرأ سورة الكهف.

فجعلت أشكّ فى نفسى وأنا اسمع نغمة أبى عبد الله ، فقال لى يا ابن وكيدة أما علمت أنا معشر الائمّة أحياء عند ربّنا نرزق ، فقلت فى نفسى استرق رأسه ، فقال يا ابن وكيدة ليس لك الى ذاك سبيل إن سفكهم دمى أعظم عند الله من تسييرهم رأسى ، فذرهم فسوف يعلمون( إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) (١)

٢١ ـ عنه أخبرنى أبو الحسين محمّد بن هارون ، عن أبيه ، عن أبى على محمّد ابن همام ، عن أحمد بن الحسين المعروف بابن أبى القاسم ، عن أبيه ، عن الحسن بن على ، عن محمّد بن سنان ، عن المفضل بن عمر ، قال : قال أبو عبد الله لما منع الحسين وأصحابه من الماء نادى فيهم من كان ظمآن فليجئ.

فأتاه أصحابه رجلا رجلا فجعل ابهامه فى فم واحد فلم يزل يشرب الرجل بعد الرجل حتى ارتووا كلّهم ، فقال بعضهم والله لقد شربنا شرابا ما شربه أحد من العالمين فى دار الدنيا ، ولما عزموا على القتال فى الغد أقعدهم الحسين عند المغرب رجلا رجلا يسمّيهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ودعا بمائدة فأطعمهم وأكل معهم وتلك من طعام الجنّة وسقاهم من شرابها.

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : ولقد والله رآهم عدّة من الكوفيّين لو عقلوا ، قال : ثمّ أرسلهم فعاد كلّ واحد الى بلاده ثمّ أتى جبل رضوى فلا يبقى أحد من المؤمنين إلّا

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٨.


أتاه وسيقيم هنا لك على سرير من نور قد حف به إبراهيم وموسى وعيسى وجميع الأنبياء ومن ورائهم المؤمنون ينظرون ما يقول الحسين فهم بهذا الحال حتّى يقوم المهدى ، فاذا قام أتوا كربلا ووافوا الحسين فلا يبقى سماوىّ ولا أرضيّ الا حفّ به يزوره ويصافحه ويقعد معه على السرير ، يا مفضل هذه والله لرفعة التي ليس فوقها شيء ولا دونها شيء ولا وراءها لطالب مطلب(١) .

٢٢ ـ حدثني أبو الفضل محمّد بن عبد الله ، قال : حدّثنى أبو النجم بدر بن الطبرستانى ، قال : حدّثنى أبو جعفر محمّد بن على الشلمغانى ، عمّن حدّثه عن أبى جعفر قال لما ولد الحسين هبط جبرئيل فى الف ملك يهنّون النبيّ بولادته وكان ملك يقال له فطرس فى جزيرة من جزائر البحر بعثه الله فى أمر فابطأ فكسر جناحه وأزاله عن مقامه وأهبطه الى تلك الجزيرة ، فمكث فيها خمسمائة عام ، وكان صديقا لجبرئيل.

فلمّا رآهم قال لجبرئيل الى أين قال : نهنئ النبيّ محمّدا بمولود ولد له فى هذه الليلة فقال احملنى إليه لعلّه يدعو لي ، فحمله ولما أدّى جبرئيل التهنئة نظر النبيّ الى فطرس ، فسأله جبرئيل عنه فأخبره بشأنه فالتفت إليه رسول الله ، وقال له امسح جناحك على هذا المولود يعنى الحسين فمسح جناحه فعاد الى حالته ورضى الله عنه ويسمّى عتيق الحسين ، وأمر أن يلزم أرض كربلا فيخبر بكلّ مؤمن زاره الى يوم القيمة(٢) .

٢٣ ـ أبو جعفر المشهدى باسناده ، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه ، قال : لمّا عزم الحسين بن علىعليهما‌السلام ، على الخروج الى العراق أتيته فقلت له : أنت ولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأحد سبطيه ، أرى الى أنّك تصالح كما صالح أخوك الحسن ، فانّه

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٨.

(٢) دلائل الامامة : ٧٩.


كان موفقا راشدا.

فقال لى : «يا جابر ، قد فعل أخى ذلك بأمر الله وأمر رسوله ، وإنّى أيضا أفعل بأمر الله وأمر رسوله ، أتريد أن أستشهد لك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليّا وأخى الحسن بذلك الآن؟

ثمّ نظرت فاذا السّماء قد انفتح بابها ، وإذا رسول الله وعلىّ والحسن والحسين وحمزة وجعفر وزيد نازلين عنها حتّى استقرّوا على الارض ، فوثبت فزعا مذعورا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جابر ألم أقل لك فى أمر الحسن قبل الحسين لا تكون مؤمنا حتّى تكون لأئمّتك مسلّما ، ولا تكن معترضا؟ أتريد أن ترى مقعد معاوية ومقعد الحسين ابنى ومقعد يزيد قاتله لعنه الله. قلت : بلى يا رسول الله. فضرب برجله الأرض فانشقّت فظهر بحر ، فانفلق ، ثمّ ضرب فانشقّت هكذا حتّى انشقّت سبع أرضين وانفلقت سبعة أبحر فرأيت من تحت ذلك كلّه النار ، فيها سلسلة قرن فيها الوليد بن مغيرة وأبو جهل ومعاوية الطاغية ويزيد ، وقرن بهم مردة الشياطين فهم أشدّ أهل النار عذابا.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ارفع رأسك فرفعت ، فاذا أبواب السماء متفتحه ، واذا الجنّة أعلاها ، ثمّ صعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن معه الى السّماء ، فلمّا صار فى الهواء صاح بالحسين يا بنىّ الحقنى فلحقه الحسينعليه‌السلام ، وصعدوا حتّى رأيتم دخلوا الجنّة من أعلاها ، ثمّ نظر الىّ من هناك رسول الله ، وقبض على يد الحسين ، وقال يا جابر ، هذا ولدى معى هاهنا ، فسلّم له أمره ، ولا تشك لتكون مؤمنا.

قال جابر : فعميت عيناى ان لم أكن رأيت ما قلت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

٢٤ ـ عنه عن صالح بن ميثم ، قال : دخلت أنا وعباية بن ربعى وامرأة من بنى

__________________

(١) الثاقب فى المناقب : ٣٢٢.


والبة يقال لها : حبابة الوالبية قد احتزّ وجهها من السّجود ، فقال عباية : يا حبابة ، هذا ابن أخيك قالتعليه‌السلام اىّ أخ؟ قال : صالح بن ميثم.

قالت : ابن أخى والله حقّا ، يا ابن اخى ، ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسين ابن علىعليهما‌السلام ؟ قلت : بلى يا عمّة قالت : كنت زوّارة للحسينعليه‌السلام ، فحدث بين عينى وضح ، فشق ذلك علىّ ، واحتبست عنه أيّاما ، فسأل عنّى : ما فعلت حبابة الوالبية ، فقالوا : إنّها حدث بها وضح بين عينيها ، فقال لأصحابه : قوموا بنا فقام حتّى دخل علىّ وأنا فى مسجدى هذا.

فقال : يا حبابة ، ما الذي أبطأ بك علىّ؟ فقلت : يا ابن رسول الله ، ما ذاك الذي منعنى إلّا وضح حدث بين عينى ، فكرهت اتيانك فنظر الىّ فكشفت القناع ، وتفل عليه ، فقال : يا حبابة ، احدثى لله شكرا ، فانّ الله قدد رأه عنك ، قالت : فخررت ساجدة لله تعالى ، وقال : يا حبابة ، ارفعى رأسك وانظرى فى مرآتك قالت فرفعت رأسى ونظرت فى المرآة ، فلم أحسّ منه شيئا ، فحمدت الله تعالى ، فنظر الىّ وقال : يا حبابة ، نحن وشيعتنا على الفطرة ، وسائر الناس منه براء(١) .

٢٥ ـ عنه باسناده عن محمّد بن سنان ، قال : سئل علىّ بن موسى الرضاعليهما‌السلام عن الحسين بن علىعليهما‌السلام ، وأنّه قتل عطشانا ، قال : من أين ذلك؟! وقد بعث الله تعالى إليه أربعة أملاك من عظماء الملائكة ، هبطوا إليه وقالوا له : الله ورسوله يقرءان عليك السلام ، ويقولان اختر إن شئت إمّا تختار الدنيا بأسرها وما فيها ونمكنك من كلّ عدوّ لك ، أو الرفع إلينا.

فقال الحسينعليه‌السلام : على الله وعلى رسول الله السلام؟ بل الرفع إليه. ودفعوا إليه شربة من الماء فشربها ، فقالوا له : أما إنّك لا تظمأ بعدها أبدا(٢)

__________________

(١) الثاقب فى المناقب : ٣٢٤

(٢) الثاقب فى المناقب : ٣٢٧.


٢٦ ـ عنه ، عن الرضاعليه‌السلام ، قال : هبط على الحسينعليه‌السلام ملك وقد شكا إليه أصحاب العطش ، فقال : إنّ الله تعالى يقرئك السلام ويقول : هل لك من حاجة؟ فقال الحسينعليه‌السلام : هو السلام ومن ربّى السلام ، وقال : قد شكا الىّ أصحابى ـ ما هو أعلم به منّى ـ من العطش. فأوحى الله تعالى الى الملك : قل للحسين : خطّ لهم بإصبعك خلف ظهرك يرووا ، فخطّ الحسين بإصبعه السبابة فجرى نهرا أبيض من اللّبن وأحلى من العسل.

فشرب منه هو وأصحابه ، فقال الملك : يا ابن رسول الله ، تأذن لى أن أشرب منه ، فانّه لكم خاصة وهو الرحيق المختوم الذي( خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ) . فقال الحسينعليه‌السلام : إن كنت تحبّ أن تشرب منه فدونك وقد كتبت الحديثين من الجزء السادس والثمانين من كتاب (البستان) من تصنيف محمّد بن أحمد ابن على بن الحسين بن شاذان(١) .

ثمّ قال الحسنعليه‌السلام للحسينعليه‌السلام : أتدري ما مثلنا الليلة؟ انّى سمعت رسول الله وهو يقول : انّ مثلكما مثل يونس بن متى إذ أخرجه الله من بطن الحوت فألقاه الله على جنب البحر ، وأنبت عليه شجرة من يقطين ، وأخرج له عينا من تحتها ، فكان يأكل من اليقطين ، ويشرب من ماء العين.

فاخرج الله تعالى لنا الليلة عينا من ماء ؛ وسمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول : أمّا العين فهى لكم ، وأمّا اليقطين فأنتم عنه أغنياء ، وقال الله تعالى فى يونس( وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ) . وأمّا نحن فسيحتج الله بنا على أكثر من ذلك ، يمتّعون الى حين(٢) .

٢٧ ـ الراوندى باسناده ، عن أبى خالد الكابلى ، عن يحيى ابن أمّ الطويل قال :

__________________

(١) الثاقب فى المناقب : ٣٢٧.

(٢) الثاقب فى المناقب : ٣٢٨.


كنّا عند الحسينعليه‌السلام إذ دخل إليه شابّ يبكى ، قال له الحسينعليه‌السلام ما يبكيك؟ قال : إنّ والدتى توفّيت فى هذه السّاعة ولم توص ولها مال كانت قد أخبرتنى أنى لا احدّث فى أمرها حتّى أعلمك خبرها فقال الحسينعليه‌السلام قوموا حتّى نصير الى هذه الحرّة ، فقمنا معه حتّى انتهينا الى باب البيت الّذي توفيت فيه المرأة ، وهى مسجاة.

فأشرف على البيت ودعا الله ليحييها حتّى توصى بما تحبّ من وصيها فأحياها فاذا المرأة قد جلست وهى تشهد فنظرت إلى الحسينعليه‌السلام فقال ادخل البيت يا مولاى ومرنى بأمرك فدخل وجلس على مخدّة ، ثمّ قال : أوصى رحمك الله وقالت يا ابن رسول الله إنّ لى من المال كذا وكذا فى مكان كذا وكذا.

وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك والثلثان لا بنى هذا ان علمت انّه من مواليك ، وأوليائك ، وإن كان مخالفا فخذه إليك فلا حقّ للمخالفين فى أموال المؤمنين ثمّ سألته أن يصلّى عليها وأن يتولّى أمرها ، ثمّ صارت المرأة ميتة كما كانت(١) .

٢٨ ـ عنه باسناده ، عن جابر الجعفى عن زين العابدينعليه‌السلام ، قال أقبل أعرابىّ إلى المدينة ليختبر الحسينعليه‌السلام لما ذكر له من دلائله فلمّا صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة فدخل على الحسينعليه‌السلام وهو جنب ، فقال له أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام أمّا تستحيى يا أعرابى أن تدخل على إمامك وأنت جنب وقال : أنتم معاشر العرب اذا دخلتم خضخضتم فقال الاعرابى قد بلغت حاجتى فيما جئت فيه فخرج من عنده واغتسل ورجع إليه فسأله عمّا كان فى قلبه(٢) .

٢٩ ـ عنه باسناده عن مندل بن هارون بن صدقة عن الصادق عن آبائهعليهم‌السلام أنّه قال إنّ الحسينعليه‌السلام كان اذا أراد ان ينفذ غلمانه فى بعض أموره قال لهم لا

__________________

(١) الخرائج : ٢٢٥.

(٢) الخرائج : ٢٢٦.


تخرجوا يوم كذا وأخرجوا يوم كذا فانّكم ان خالفتمونى قطع عليكم فخالفوه مرّة فخرجوا فقتلهم اللصوص وأخذوا ما معهم فاتّصل الخبر الى الحسينعليه‌السلام ، فقال لقد حذرتهم فلم يقبلوا منّى.

ثمّ قام من ساعته ودخل على الوالى فقال الوالى يا أبا عبد الله بلغنى قتل غلمانك فآجرك الله فيهم ، فقال الحسينعليه‌السلام فانى أدلّك على من قتلهم فاشدد يدك بهم ، فقال أتعرفهم يا ابن رسول الله قال : نعم كما أعرفك وهذا منهم واشار بيده إلى رجل واقف بين يدى الوالى.

فقال الرجل ومن أين قصدتنى بهذا ومن أين تعرف أنى منهم ، قال له الحسينعليه‌السلام ان أنا صدقتك فاصدقنى؟ فقال الرجل نعم ، والله لأصدقنّك ، فقال خرجت ومعك فلان وفلان ، وذكرهم كلّهم فمنهم أربعة من موالى المدينة والباقون من حبشان المدينة فقال الوالى للرجل والله ما كذب الحسينعليه‌السلام ولقد صدق وكأنّه كان معنا فأقرّوا جميعا فضرب أعناقهم(١) .

٣٠ ـ عنه قال : إنّ رجلا صار إلى الحسينعليه‌السلام فقال جئتك استشيرك فى تزويجى فلانة ، قال : لا احبّ لك ذلك ، وكانت كثيرة المال وكان الرجل أيضا مكثرا فخالف الحسينعليه‌السلام ، فتزوّج بها فلم يلبث الرجل حتّى افتقر فقال له الحسينعليه‌السلام : قد اشرت عليك فخلّ سبيلها ، فانّ الله يعوضك عنها خيرا منها ، ثمّ قال : فعليك بفلانة فتزوّجها فما مضى له سنة حتّى كثر ماله وولدت له ولدا ذكرا ورأى منها ما أحبّ(٢) .

٣١ ـ عنه قال : إنّهعليه‌السلام سئل فى حال صغره عن أصوات الحيوان ، لأنّ من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللّغات حتى أصوات الحيوانات فقال على ما

__________________

(١) الخرائج : ٢٢٦.

(٢) الخرائج : ٢٢٦.


روى محمّد بن إبراهيم بن الحارث التميمى عن الحسينعليه‌السلام انّه قال : اذا صاح النسر فانّه يقول يا ابن آدم عش ما شئت فآخره الموت ، وإذا صاح البازى يقول يا عالم الخفيّات يا كاشف البليّات ، واذا صاح الطاوس يقول مولاى ظلمت نفسى واغتررت بزينتى فاغفر لي.

اذا صاح الدرّاج يقول : الرحمن على العرش استوى ، واذا صاح الدّيك يقول من عرف الله لم ينس ذكره واذا قرقرت الدجاجة يقول يا إله الحقّ أنت الحقّ وقولك بالله يا حقّ ، واذا صاح الباشق يقول : آمنت بالله وباليوم الآخر ، واذا صاح الحداة يقول توكّل على الله ترزق ، واذا صاح العقاب يقول من أطاع الله لم يشقّ ، واذا صاح الشاهين يقول سبحان الله حقّا حقّا.

اذا صاحت البومة يقول البعد من الناس أنس ، واذا صاح الغراب يقول : يا رازق ابعث بالرّزق الحلال ، واذا صاح الكركى يقول : اللهمّ احفظنى من عدوّى ، واذا صاح اللّقلق يقول من تخلّى من الناس نجّى من أذاهم ، واذا صاحت البطّة يقول غفرانك يا الله ، واذا صاح القمرى يقول بالله غفرانك ، واذا صاح الهدهد يقول ما أشقى من عصى الله.

اذا صاح القمرى يقول يا عالم السرّ والنجوى يا الله ، وإذا صاح الدلبى يقول : أنت الله لا إله سواك يا الله ، واذا صاح العقعق يقول سبحان من لا يخفى عليه خافية ، واذا صاح الببّغاء يقول من ذكر ربّه غفر ذنبه ، واذا صاح البلبل يقول : لا إله إلّا الله حقّا حقّا ، واذا صاحت القبجة يقول يا ابن آدم ما اغفلك من الموت ، واذا صاحت السودانيق يقول لا إله إلّا الله محمّد وآله خيرة الله.

اذا صاحت الفاختة يقول يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد ، واذا صاح الشقراق يقول : مولاى اعتقنى من النار ، واذا صاحت القبرة يقول : مولاى تب على كلّ مذنب من المؤمنين ، واذا صاح الورشان يقول ان لم تغفر ذنبى شقيت ، واذا


صاح السقنبر ، يقول : لا قوّة إلّا بالله العظيم واذا صاحت النعامة يقول لا معبود سوى الله ، واذا صاحت الخطافة فانّها تقرأ سورة الحمد ويقول يا قابل توبة التوّابين يا الله لك الحمد.

اذا صاحت الزرافة يقول لا إله إلّا الله وحده واذا صاح الحمد يقول كفى بالموت واعظا ، واذا صاح الحمدى يقول عاجلنى الموت فقلّ ذنبى ، واذا زار الأسد يقول : أمر الله مهمّ ، واذا صاح الثور يقول : مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدى من يرى ولا يرى وهو الله ، واذا صاح الفيل يقول لا يغنى عن الموت قوّة ولا حيلة.

اذا صاح الفهد يقول يا عزيز يا جبّار يا متكبّر يا الله ، واذا صاح الجمل يقول : سبحان يا مذلّ الجبّارين ، سبحانه ، واذا اصهل الفرس يقول : سبحانه ربّنا سبحانه واذا صاح الذئب ، يقول : ما حفظ الله فلن يطيع ابدا ، واذا صاح ابن آوى يقول : الويل الويل للمذنب المصرّ ، واذا صاح الكلب يقول : كفى بالمعاصى ذلّا واذا صاح الأرنب يقول : لا تهلكنى يا الله لك.

اذا صاح الثعلب يقول : الدنيا دار غرور ، واذا صاح الغزال يقول نجنى من الأذى واذا صاح الكركدن يقول : اغثنى وإلّا أهلكت يا مولاى ، واذا صاح الابل يقول : حسبى الله ونعم الوكيل ، واذا صاح النمر يقول : سبحان من تعزّز بالقدرة سبحانه.

اذا نبحت الحيّة يقول ما أشقى من عصاك يا رحمن ، واذا نبحت العقرب يقول الشرّ شيء وحش ثمّ قالعليه‌السلام ما خلق الله من شيء الا وله تسبيح يحمد به ربّه ، ثمّ تلى هذه الآية( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (١) .

٣٢ ـ عنه قال : انّهعليه‌السلام لمّا أراد العراق ، قالت له أمّ سلمة رضى الله عنها لا

__________________

(١) الخرائج : ٢٢٧.


تخرج الى العراق فانّى سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يقتل ابنى الحسينعليه‌السلام بالعراق وعندى تربة دفعها الىّ فى قارورة فقال : والله إنّى لمقتول كذلك وان لم أخرج إلى العراق يقتلوننى ، وان أحببت ان اريك مضجعى ومصرع أصحابى ثمّ مسح بيده على وجهها فمسح الله فى بصرها حتّى رأت ذلك كلّه وأخذ تربة فاعطاها من تلك التربة أيضا فى قارورة أخرى.

قالعليه‌السلام : اذا صار أفاض دما فاعلمى انّى قتلت فقالت أمّ سلمة فلمّا كان يوم عاشوراء نظرت الى القارورتين بعد الظهر ، فاذا هما قد فاصتادما فصاحت ولم يقلب فى ذلك اليوم حجر ولا مدر الّا وجدوا تحته دما عبيطا(١)

٣٣ ـ عنه قال : ما روى عن زين العابدينعليه‌السلام انّه قال : لما كانت اللّيلة التي قتل فيها الحسينعليه‌السلام فى صبيحتها ، قام فى أصحابه فقال : إنّ هؤلاء يريدوننى دونكم ولو قتلونى لم يقبلوا إليكم فالنجا النجا وأنتم فى حلّ فانكم ان أصبحتم معى قتلتم كلّكم ، فقالوا لا نخذلك ولا نختار العيش بعدك فقال انّكم تقتلون كلّكم حتّى لا يفلت منكم واحد وكان كما قال(٢)

٣٤ ـ روى ابن شهرآشوب عن كتاب الانوار انّ الله تعالى هنأ النبيّعليه‌السلام بحمل الحسينعليه‌السلام وولادته وعزّاه بقتله فعرفت فاطمة فكرهت ذلك فنزلت( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) فحمل النساء تسعة أشهر ولم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى والحسينعليهما‌السلام (٣) .

٣٥ ـ عنه عن غرر أبى الفضل بن خيرانة باسناده أنّه اعتلّت فاطمة لمّا ولدت الحسينعليه‌السلام وجفّ لبنها فطلب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرضعا فلم يجد فكان يأتيه فيلقمه

__________________

(١) الخرائج : ٢٣١.

(٢) الخرائج : ٢٣١.

(٣) المناقب : ٢ / ١٧٩


إبهامه فيمصّها ويجعل الله فى إبهام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رزقا يغذوه ويقال بل كان رسول الله يدخل لسانه فى فيه فيغرّه كما يغرّا الطير فرخه فيجعل الله فى ذلك رزقا ففعل ذلك أربعين يوما وليلة فنبت لحمه من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١)

٣٦ ـ عنه ، روى عن برة ابنة اميّة الخزاعى قال لمّا حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسن خرج النبيّعليه‌السلام فى بعض وجوهه فقال لها انّك ستلدين غلاما قد هنأنى به جبرئيل ، فلا ترضعيه حتى أصير إليك قالت فدخلت على فاطمة حين ولدت الحسنعليه‌السلام وله ثلث ما أرضعته فقلت لها : أعطنيه حتّى أرضعه فقالت كلّا ثمّ أدركتها رقّة الامّهات فأرضعته.

فلمّا جاء النبيّعليه‌السلام ، قال لها ما ذا صنعت قالت ادركنى عليه رقّة الامّهات فأرضعته فقال أبى اللهعزوجل إلّا ما أراد ، فلمّا حملت بالحسينعليه‌السلام قال لها يا فاطمة إنّك ستلدين غلاما فد هنّأنى به جبرئيل ، فلا ترضعيه حتّى أجيئ إليك ولو أقمت شهرا قالت : أفعل ذلك فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بعض وجوهه فولدت فاطمة الحسينعليه‌السلام فما أرضعته حتّى جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال لها ما ذا صنعت قالت ما أرضعته فأخذه فجعل لسانه فى فمه فجعل الحسين يمصّ حتّى قال النبيّعليه‌السلام أيها حسين أيها حسين ، ثمّ قال أبى الله إلّا ما يريد هى فيك وفى ولدك يعنى الامامة ، ولمّا منع الماء من الحسينعليه‌السلام أخذ سهما وعدّ فوق خيام النساء تسع خطوات فحفر الموضع فنبع ماء طيّب فشربوا وملأ واقربهمعليه‌السلام (٢) .

٣٧ ـ عنه روى الكلبى أنّه قال مروان للحسينعليه‌السلام : لو لا فخركم بفاطمة بم كنتم تفخرون علينا ، فوثب الحسينعليه‌السلام فقبض على حلقه فعصره ولوّى عمامته فى عنقه حتّى غشى عليه ، ثمّ تركه ثمّ تكلّم وقال فى آخر كلامه والله ما بين جابرسا و

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٧٩

(٢) المناقب : ٢ / ١٧٩


جابلقا رجل ممّن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك ، اذ كان وعلامة قولى فيك أنّك إذا غضبت سقط ردائك ، عن منكبك ، قال : فو الله قام مروان من مجلسه حتّى سقط رداؤه عن عاتقه(١) .

٣٨ ـ عنه باسناده عن زرارة بن أعين سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يحدّث عن آبائهعليهم‌السلام ، أنّ مريضا شديد الحمّى عاده الحسينعليه‌السلام فلمّا دخل من باب الدّار طار الحمّى عن الرجل فقال له : رضيت بما أوتيتم به حقّا حقّا ، الحمّى يهرب عنكم ، فقال له الحسينعليه‌السلام : والله ما خلق الله شيئا الّا وقد امره بالطاعة لنا قال : فاذا نسمع الصوت ولا نرى الشخص يقول لبّيك قال : أليس أمير المؤمنين أمرك أن لا تقربى إلّا عدوّا أو مذنبا لكى تكونى كفارة لذنوبه فما بال هذا وكان المريض عبد الله ابن شدّاد بن الهادى اللّيثى(٢) .

٣٩ ـ عنه تهذيب الاحكام قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : إنّ امرأة كانت تطوف وخلفها رجل فأخرجت ذراعها ، فمال بيده حتّى وضعها على ذراعها فاثبت الله يده فى ذراعها حتّى قطع الطّواف وأرسل إلى الامير واجتمع الناس وارسل الى الفقهاء فجعلوا يقولون : اقطع يده فهو الّذي جنى الجناية ، فقال هاهنا أحد من ولد محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالوا : نعم الحسين بن علىّعليهما‌السلام قدم اللّيلة.

فأرسل إليه فدعاه فقال : انظر ما لقى ذان فاستقبل الكعبة ورفع يديه فمكث طويلا يدعوا ثمّ جاء إليها حتّى تخلّصت يده من يدها ، فقال الأمير ألّا نعاقبه بما صنع قال لا(٣) .

٤٠ ـ عنه روى عبد العزيز بن كثير ، أنّ قوما أتوا إلى الحسينعليه‌السلام ، وقالوا :

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٨٠.

(٢) المناقب : ٢ / ١٨٠.

(٣) المناقب : ٢ / ١٨٠.


حدّثنا بفضائلكم ، قال لا تطيقون وانحازوا عنّى لا شير إلى بعضكم ، فان أطاق سأحدّثكم فتباعدوا عنه فكان يتكلّم معه أحدهم حتّى دهش ووله وجعل يهيم ولا يجيب أحدا وانصرفوا عنه(١) .

٤١ ـ عنه ، صفوان بن مهران قال سمعت الصادقعليه‌السلام يقول : اختصم رجلان فى زمن الحسينعليه‌السلام فى امرأة وولدها ، فقال هذا لى وقال هذا لى فمرّ بهما الحسين فقال لهما فيما ذا تمرجان قال أحدهما : أنّ الامرأة لى ، فقال للمدّعى الأوّل اقعد فقعد وكان الغلام رضيعا.

فقال الحسين يا هذه اصدقى من قبل أن يهتك الله سترك فقالت هذا زوجى والولد له ولا اعرف هذا فقالعليه‌السلام : يا غلام ما تقول هذه انطق باذن الله تعالى فقال له ما انا لهذا ولا لهذا وما أبى الّا راع لآل فلان فأمرعليه‌السلام برجمها قال جعفرعليه‌السلام : فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها(٢) .

٤٢ ـ عنه عن الاصبغ بن نباته قال سألت الحسينعليه‌السلام ، فقلت سيّدى أسألك عن شيء أنا به موقن وانّه من سرّ الله وأنت المسرور إليه ذلك السرّ فقالعليه‌السلام يا أصبغ أتريد أن ترى مخاطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأبى دون يوم مسجد قبا ، قال هذا الذي أردت قال قم ، فاذا أنا وهو بالكوفة ، فنظرت فاذا المسجد من قبل أن يرتدّ إلىّ فتبسّم فى وجهى.

فقال يا أصبغ انّ سليمان بن داود أعطى الريح غدوّها شهر ورواحها شهر وأنا قد أعطيت أكثر ممّا أعطى سليمان فقلت صدقت والله يا ابن رسول الله فقال نحن الّذين عندنا علم الكتاب وبيان ما فيه وليس لأحد من خلقه ما عندنا لأنّا أهل سرّ الله فتبسّم فى وجهى.

ثمّ قال نحن آل الله وورثة رسوله ، فقلت : الحمد لله على ذلك ، ثمّ قال لى

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٨٠.

(٢) المناقب : ٢ / ١٨١.


ادخل فدخلت فاذا أنا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محتب فى المحراب بردائه فنظرت فاذا أنا بأمير المؤمنينعليه‌السلام قابض على تلابيب الأعسر فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعضّ على الأنامل وهو يقول بئس الخلف خلفتنى أنت وأصحابك عليكم لعنة الله ولعنتى الخبر(١) .

٤٣ ـ عنه عن كتاب الابانة قال بشر بن عاصم سمعت أنّ عبد الله بن الزبير يقول قلت للحسين بن علىعليهما‌السلام انّك تذهب الى قوم قتلوا أباك وخذلوا أخاك فقال : لان اقتل بمكان كذا وكذا أحبّ الىّ من أن يستحلّ بى مكّة عرّض بهعليه‌السلام (٢) .

٤٤ ـ عنه ، عن كتاب التخريج عن العامرى بالاسناد عن هبيرة بن بريم ، عن ابن عبّاس قال رأيت الحسينعليه‌السلام قبل أن يتوجّه الى العراق على باب الكعبة وكفّ جبرئيل فى كفّه وجبرئيل ينادى هلمّوا الى بيعة اللهعزوجل وعنف ابن عبّاس على تركه الحسينعليه‌السلام ، فقال انّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا ولم يزيد وارجلا فعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم ، وقال محمّد بن الحنفية وانّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم(٣) .

٤٥ ـ روى المجلسى عن كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميرىّ باسناده الى أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : خرج الحسين بن علىّ الى مكّه سنة ماشيا فورمت قدماه فقال له بعض مواليه : لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم ، فقال : كلّا إذا أتينا هذا المنزل فانّه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتره منه ولا تماكسه ، فقال له مولاه : بأبى أنت وأمّى ما قدّامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء؟ فقال : بلى امامك دون المنزل.

فسار ميلا فاذا هو بالاسود ، فقال الحسين لمولاه : دونك الرجل فخذ منه

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٨١.

(٢) المناقب : ٢ / ١٨١.

(٣) المناقب : ٢ / ١٨١.


الدّهن ، فأخذ منه الدّهن وأعطاه الثمن ، فقال له الغلام لمن أردت هذا الدّهن ، فقال للحسين بن علىعليهما‌السلام فقال : انطلق به إليه فصار الاسود نحوه فقال : يا ابن رسول الله إنّى مولاك لا آخذ له ثمنا ولكن ادع الله أن يرزقنى ولدا ذكرا سويّا يحبّكم أهل البيت فانّى خلفت امرأتى تمخض ، فقال : انطلق الى منزلك فانّ الله قد وهب لك ولدا ذكرا سويّا.

فولدت غلاما سويّا ثمّ رجع الاسود الى الحسين ودعا له بالخير بولادة الغلام له وإنّ الحسينعليه‌السلام قد مسح رجليه فما قام من موضعه حتّى زال ذلك الورم(١) .

٤٦ ـ روى عن الكشى عن حمدويه ، عن محمّد بن عيسى ، عن ابن أبى نجران ، عن اسحاق بن سويد الفرّاء ، عن إسحاق بن عمّار ، عن صالح بن ميثم قال : دخلت أنا وعباية الاسدى على حبابة الوالبية فقال لها : هذا ابن أخيك ميثم ، قالت : ابن أخى والله حقّا ألا أحدّثكم بحديث عن الحسين بن علىعليهما‌السلام ؟ فقلت : بلى ، قالت : دخلت عليه وسلّمت فردّ السلام ورحّب.

ثمّ قال : ما بطأ بك عن زيارتنا والتسليم علينا يا حبابة؟ قلت : ما بطأنى عنك إلّا علّة عرضت ، قال : وما هى؟ قالت : فكشفت خمارى عن برص ، قالت : فوضع يده على البرص ودعا ، فلم يزل يدعو حتّى رفع يده وقد كشف الله ذلك البرص. ثمّ قال : يا حبابة انّه ليس أحد على ملّة إبراهيم فى هذه الامة غيرنا وغير شيعتنا ومن سواهم منها براء(٢) .

٤٧ ـ عنه عن عيون المعجزات للمرتضىرحمه‌الله : عن جعفر بن محمّد بن عمارة عن أبيه ، عن الصادق ، عن أبيه ، عن جدّهعليهم‌السلام قال : جاء أهل الكوفة إلى علىّ

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ١٨٥.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ١٨٦.


عليه‌السلام فشكوا إليه إمساك المطر ، وقالوا له : استسق لنا ، فقال للحسينعليه‌السلام قم واستسق فقام ، وحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ وقال : اللهمّ معطى الخيرات ، ومنزل البركات ، أرسل السماء علينا مدرارا ، واسقنا غيثا مغزارا ، واسعا ، غدقا ، مجلّلا سحأ ، سفوحا ، فجاجا ، تنفس به الضعف من عبادك ، وتحيى به الميت من بلادك آمين يا ربّ العالمين.

فما فرغعليه‌السلام من دعائه حتّى غاث الله تعالى غيثا بغتة وأقبل أعرابىّ من بعض نواحى الكوفة فقال : تركت الأودية والآكام يموج بعضها فى بعض(١) .

٤٨ ـ عنه عن عيون المعجزات حدّث جعفر بن محمّد بن عمارة ، عن أبيه ، عن عطاء بن السّائب ، عن أخيه قال : شهدت يوم الحسين صلوات الله عليه فأقبل رجل من تيم يقال له : عبد الله بن جويرة ، فقال : يا حسين فقال صلوات الله عليه : ما تشاء؟ فقال : أبشر بالنار ، فقالعليه‌السلام : كلّا إنّى أقدم على ربّ غفور ، وشفيع مطاع وأنا من خير الى خير من أنت؟ قال : أنا ابن جويرة فرفع يده الحسين حتّى رأينا بياض إبطيه وقال :

اللهمّ جرّه الى النار ، فغضب ابن جويرة فحمل عليه فاضطرب به فرسه فى جدول وتعلّق رجله بالركاب ووقع رأسه فى الارض ونفر الفرس فأخذ يعدو به ويضرب رأسه بكلّ حجر وشجر وانقطعت قدمه وساقه وفخذه ، وبقى جانبه الآخر متعلّقا فى الركاب فصار لعنه الله الى نار الجحيم(٢) .

٤٩ ـ عنه قال : روى فى بعض الكتب المعتبرة عن الطبرىّ ، عن طاوس اليمانى إنّ الحسين بن علىعليهما‌السلام ، كان إذا جلس فى المكان المظلم يهتدى إليه الناس ببياض جبينه ونحره ، فانّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان كثيرا ما يقبّل جبينه ونحره ، وأنّ

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ١٨٧.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ١٨٧.


جبرئيلعليه‌السلام نزل يوما فوجد الزهراءعليها‌السلام نائمة والحسين فى مهده يبكى ، فجعل يناغيه ويسليه حتّى استيقظت ، فسمعت صوت من يناغيه فالتفتت فلم تر أحدا فأخبرها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان جبرئيلعليه‌السلام (١) .

٧ ـ باب منزلته عند النبيّعليهما‌السلام

١ ـ الكلينى باسناده ، عن أبى الحسن الرضاعليه‌السلام أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يؤتى به الحسين فيلقمه لسانه فيمصّه فيتجزى ، به ولم يرتضع من أنثى(٢) .

٢ ـ قال أبو جعفر الطوسى : قال عمر بن أبى المقدام : فحدّثنى سدير ، عن أبى جعفرعليه‌السلام أنّ جبرئيل جاء الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتربة التي يقتل عليها الحسينعليه‌السلام قال أبو جعفر : فهى عندنا(٣) .

٣ ـ قال المرتضى : روى أنّه كان يدلع لسانه للحسين بن علىعليهما‌السلام ، وهو صبىّ ، فيرى الصبىّ لسانه ، فيهشّ له ، فقال له عيينة : ألا أراك تصنع هذا بهذا ، فو الله إنّه ليكون لى الابن رجلا قد خرج وجهه ، ما قبّلته قطّ ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه من لم يرحم لا يرحم(٤) .

٤ ـ قال أبو جعفر الطبرى الامامى فى حديث طويل وأمّا الحسين فانّه منّى وهو ابنى وولدى وخير الخلق بعد أبيه وأخيه وهو إمام المسلمين ومولى المؤمنين وخليفة ربّ العالمين غياث المستغيثين ، وكهف المستجيرين وحجّة الله على خلقه أجمعين ، وهذا سيّدى شباب أهل الجنّة وباب نجاة الامّة أمره أمرى ، وطاعته

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ١٨٧.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٥.

(٣) أمالي الطوسى : ١ / ٣٢٣.

(٤) أمالي المرتضى : ١ / ٥٣٢.


طاعتى من تبعه فانّه منّى ومن عصاه فليس منّى وانّى لما رأيته تذكرت ما يصنع به.

كأنّى به قد استجار بحرمى وقبرى فلا يجار فاضمّه فى منامه الى صدرى وآمره بالرحلة عن دار هجرتى ، وابشره بالشهادة فيرتحل عنها الى أرض مقتله وموضع مصرعه أرض كرب وبلاء وقتل وفناء ينصره عصابة من المسلمين اولئك من سادات شهداء امّتى يوم القيامة ، كأنّى أنظر إليه وقد رمى بسهم فخرّ عن فرسه صريعا ثمّ يذبح كما يذبح الكبش مظلوما ثمّ بكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبكى من حوله وارتفع أصواتهم بالضجيج ، ثمّ قالعليه‌السلام : اللهمّ إنّى أشكو إليك ما يلقى أهل بيتى بعدى ودخل منزله(١)

٥ ـ روى ابن شهرآشوب باسناده عن الصادقعليه‌السلام وابن عبّاس أنّه أخبر النبيّعليه‌السلام إنّ أمّ أيمن لا تزال تبكى من اللّيل الى اليوم ، فأتاها وقال : ما الّذي أبكاك قالت يا رسول الله رأيت رؤيا عظيمة شديدة فقالعليه‌السلام : تقصّيها على رسول الله فانّ الله ورسوله أعلم ، قالت تعظم علىّ أن أتكلّم بها ، فقالعليه‌السلام : انّ الرؤياء ليست على ما ترى فقصّيها ، على رسول الله ، قالت رأيت فى ليلتى هذه كانّ بعض اعضائك ملقى فى بيتى.

فقالعليه‌السلام نامت عينك يا أمّ أيمن تلد فاطمة الحسين تربّيه وتلبّيه فيكون بعض أعضائى فى بيتك ، فلمّا كان اليوم السّابع من ولادة الحسينعليه‌السلام أقبلت به الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال مرحبا بالحامل والمحمول هذا تأويل رؤياك اخرجه القيروانى فى التعبير وصاحب فضائل الصحابة(٢) .

٦ ـ عنه عن سليم بن قيس عن سلمان الفارسى قال كان الحسينعليه‌السلام على فخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقبّله ويقول أنت السيّد ابن السيّد أبو السادة أنت

__________________

(١) بشارة المصطفى : ٢٤٦.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٥.


الامام ابن الامام أبو الأئمّة أنت الحجّة ابن الحجّة أبو الحجج ، تسعة من صلبك وتاسعهم قائمهم(١) .

٧ ـ عنه باسناده عن ابن عمر انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بينما يخطب على المنبر اذ خرج الحسين فوطأ فى ثوبه فسقط وبكى فنزل النبيّ عن المنبر فضمّه إليه وقال قاتل الله الشيطان ، انّ الولد لفتنة والذي نفسى بيده ما دريت أنّى نزلت عن منبرى(٢) .

٨ ـ عنه عن أبى السعادات فى فضائل العشرة قال يزيد بن أبى زياد خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت عائشة فمرّ على بيت فاطمة فسمع الحسين يبكى فقال ألم تعلمى أنّ بكاؤه يؤذينى(٣)

٩ ـ عنه عن ابن ماجة فى السنن والزمخشري فى الفائق رأى النبيّ عليه الصلاة والسلام الحسين يلعب مع الصبيان فى السكة فاستقبل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله امام القوم فبسط احدى يديه فطفق الصبىّ يفرّ مرّة من هاهنا ومرّة من هاهنا ورسول الله يضاحكه ثمّ أخذه فجعل احدى يديه تحت ذقنه والاخرى على فاس رأسه وأقنعه فقبّله وقال : أنا من حسين وحسين منّى أحبّ الله من أحبّ حسينا حسين سبط من الاسباط(٤) .

١٠ ـ عنه قال المغيرة بن عبد الله مرّ الحسينعليه‌السلام فقال له أبو ظبيان ماله قبّحه الله إن كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليخرج بين رجليه ويقبّل زبيبه(٥) .

١١ ـ عنه عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال كنّا جلوسا عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبل الحسينعليه‌السلام فجعل ينزوا على ظهر النبيّ عليه الصلاة والسلام وعلى بطنه فبال ، فقال : دعوه(٦)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٤) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٥) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٦) المناقب : ٢ / ١٩٥.


١٢ ـ عنه عن أبى عبيد فى غريب الحديث أنّه قالعليه‌السلام لا ترزموا ابنى ، أى لا تقطعوا عليه بوله ثمّ دعا بماء فصبّه على بوله(١) .

١٣ ـ عنه عن سنن أبى داود أنّ الحسينعليه‌السلام بال فى حجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : لبانة اعطنى ازارك حتّى اغسله قال : إنمّا يغسل من بول الانثى وينضح من بول الذكر(٢) .

١٤ ـ عنه عن أحاديث الليث بن سعد إنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام كان يصلّي يوما فى فئة والحسين صغير بالقرب منه وكان النبيّ اذا سجد جاء الحسين فركب ظهره ثمّ حرّك رجليه وقال حلّ حلّ ، وإذا أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه ، فاذا سجد عاد على ظهره.

قال : حلّ حلّ فلم يزل يفعل ذلك حتّى فرغ النبيّ عليه الصلاة والسلام من صلاته ، فقال يهودىّ : يا محمّد انّكم لتفعلون بالصبيان شيئا ما نفعله نحن ، فقال النبيّ عليه الصلاة والسلام : أما لو كنتم تؤمنون بالله وبرسوله فاسلم لمّا راى كرمه من عظم قدره(٣) .

١٥ ـ عنه عن أمالى الحاكم قال أبو رافع : كنت الاعب الحسينعليه‌السلام وهو صبىّ بالمداحى فاذا أصابت مدحاتى مدحاته قلت احملنى فيقول أتركب ظهرا حمله رسول الله فاتركه فاذا أصابت مدحاته مدحاتى قلت : لا أحملك كما لم تحملنى فيقول أما ترضى أن تحمل بدنا حمله رسول الله فاحمله(٤) .

١٦ ـ عنه عن ابن عبّاس سألت هند عائشة أن تسأل النبيّ عليه الصلاة والسلام ، تعبير رؤيا فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله قولى لها فلتقصص رؤياها ، فقالت رأيت كان

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٢) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩٥.

(٤) المناقب : ٢ / ١٩٦.


الشمس قد طلعت من فوقى والقمر قد خرج من مخرجى وكان كوكبا قد خرج من القمر اسود فشدّ على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها فاسودّ الافق لابتلاعها.

ثمّ رأيت كواكب بدت من السماء وكواكب مسودّة فى الأرض إلّا أنّ المسودّة أحاطت بافق الارض من كلّ مكان فاكتحلت عين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بدموعه ثمّ قال : هى هند اخرجى يا عدوّة الله مرّتين فقد جددت علىّ احزانى ونعيت إلىّ أحبابى فلمّا خرجت قال : اللهمّ العنها والعن نسلها فسأل عن تعبيرها.

فقالعليه‌السلام : الشمس التي طلعت عليها فعلىّ بن أبى طالب والكوكب الّذي اخرج من القمر أسود فهو معاوية مفتون فاسق جاحد لله وتلك الظلمة التي زعمت ورأت كوكبا يخرج من القمر أسود فشدّ على شمس خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعتها فاسودّت ، فكذلك ابنى الحسين يقتله ابن معاوية فتسود الشّمس ويظلم الافق وأمّا الكواكب المسودّة فى الأرض أحاطت الأرض من كلّ مكان فتلك بنو اميّة(١) .

١٧ ـ عنه عن تفسير النقّاش باسناده ، عن سفيان الثورى ، عن قابوس بن أبى ظبيان ، عن أبيه عن ابن عبّاس ، قال كنت عند النبيّ عليه الصلاة والسلام وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علىّعليهما‌السلام وهو تارة يقبّل هذا وتارة يقبّل هذا ، اذا هبط جبرئيل بوحى من ربّ العالمين ، فلمّا سرى عنه قال أتانى جبرئيل من ربّى.

فقال يا محمّد إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام ، ويقول لست أجمعهما فافد أحدهما بصاحبه فنظر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى إبراهيم فبكى وقال : إنّ إبراهيم امّه امة ومتى مات لم

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٦.


يحزن عليه غيرى وأمّ الحسينعليه‌السلام فاطمة وأبوه علىّ ابن عمّى لحمى ودمى ومتى مات حزنت ابنتى وحزن ابن عمّى ، وحزنت أنا عليه وأنا أوثر حزنى على حزنها يا جبرئيل يقبض إبراهيم فديته بالحسينعليه‌السلام قال فقبض بعد ثلاث فكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله اذا رأى الحسينعليه‌السلام مقبلا قبّله وضمّه إلى صدره ورشف ثناياه وقال فديت من فديته بابنى إبراهيم(١) .

١٨ ـ الترمذى حدّثنا محمّد بن بشّار ، حدّثنا أبو عامر العقدى حدّثنا زمعة ابن صالح عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله حامل الحسين بن علىّ على عاتقة ، فقال رجل : نعم المركب ركبت يا غلام ،

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ونعم الراكب هو(٢) .

١٩ ـ الحاكم النيشابوريّ عن محمّد بن صالح بن هانئ ثنا الحسين بن الفضل البجلى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبى راشد ، عن يعلى العامرى أنّه خرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى طعام دعوا له قال : فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام القوم ، وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذه.

فطفق الصبىّ يفرّها هنا مرّة وهاهنا مرّة فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه حتّى أخذه قال : فوضع إحدى يديه تحت قفاه والاخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبّله ، فقال حسين منّى وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الاسباط ، هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(٣) .

٢٠ ـ عنه حدّثنى أبو بكر محمّد بن أحمد بن بالويه ثنا الحسن بن علىّ بن شبيب

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢٠٣.

(٢) صحيح الترمذى : ٥ / ٦٦١.

(٣) المستدرك : ٣ / ١٧٧


المعمرى ، ثنا أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض ثنا مالك بن سعيد بن الخمس ، ثنا هشام بن سعد ثنا نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبى هريرة قال ما رأيت الحسين بن علىّ إلّا فاضت عينى دموعا ، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج يوما فوجدنى فى المسجد.

فاخذ بيدى واتكأ علىّ فانطلقت معه حتّى جاء ، سوق بنى قينقاع قال : وما كلّمنى ، فطاف ونظر ، ثمّ رجع ورجعت معه فجلس فى المسجد ، واحتبى وقال لى ادع لى لكاع ، فأتى حسين يشتدّ حتّى وقع فى حجره ثمّ ادخل يده فى لحية رسول الله ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يفتح فم الحسين فيدخل فاه فيه ويقول : اللهمّ إنّى أحبّه فأحبّه هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(١) .

٢١ ـ أخبرنى أبو الحسن أحمد بن محمّد العنزى ، ثنا عثمان بن سعيد الدارمى ، ثنا أبو اليمان ، ثنا إسماعيل بن عياش ، ثنا عطاء بن عجلان ، عن عكرمة عن ابن عبّاس ، عن أمّ الفضل رضى الله عنها ، قالت دخل علىّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أرضع الحسين بن على بلبن ابن كان يقال له قثم.

قالت فتناوله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فناولته إيّاه فبال عليه ، قالت فأهويت بيدى إليه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لا تزرمى ابنى ، قالت فرشه بالماء قال ابن عباس : بول الغلام الذي لم يأكل يرشّ وبول الجارية يغسل هذا حديث قد روى باسانيد ولم يخرجاه(٢) .

٢٢ ـ ابن أبى شيبة حدثنا وكيع عن ابن أبى ليلى ، عن جدّه أبى ليلى ، قال : كنّا عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله جلوسا فجاء الحسين بن على ، يحبو حتّى جلس على صدره فبال

__________________

(١) المستدرك : ٣ / ١٧٨.

(٢) المستدرك : ٣١ / ١٨٠.


عليه قال : فابتدرناه لنأخذه ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ابنى ابنى ثمّ دعا بماء فصبّه عليه(١) .

٢٣ ـ الهيتمى عن بشر بن غالب ، قال : كنت مع أبى هريرة فرأى الحسين بن على وقال يا أبا عبد الله لقد رأيتك على يدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد خضبتهما دما حين أتى بك حين ولدت فسررت فلفك فى خرقة ولقد تفل فى فيك ولقد تكلّم بكلام لا أدرى ما هو ، ولقد كانت فاطمة سبقته بسرّة الحسن فقال لا تسبقينى بهذا(٢) .

٢٤ ـ عنه باسناده عن على يعنى ابن أبى طالب ، قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسين بن على : من أحبّ هذا فقد أحبّنى(٣) .

٢٥ ـ عنه باسناده عن أبى هريرة ، قال كان الحسين بن على رضى الله عنهما عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يحبّه حبّا شديدا ، فقال اذهب الى امّى فقلت أذهب معه فجاءت برقة من السماء فمشى فى ضوئها حتّى بلغ(٤) .

٢٦ ـ عنه باسناده عن أبى سعيد قال جاء الحسين يشتدّ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّى فالتزم عنق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقام به وأخذ بيده فلم يزل ممسكها حتّى رجع(٥) .

٢٧ ـ عنه باسناده ، عن ابن عبّاس قال رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فرّج ما بين فخذى الحسين وقبل زبيبه(٦) .

٢٨ ـ عنه باسناده ، عن رجاء بن ربيعة قال : كنت فى مسجد رسول الله إذا مر الحسين ابن على فسلم فردّ عليه القوم السلام ، وسكت عبد الله بن عمرو ثم رفع ابن عمرو صوته بعد ما سكت القوم ، فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل على القوم فقال : ألا أخبركم بأحب أهل الارض الى أهل السماء ، قالوا : بلى ،

__________________

(١) المصنف : ١٤ / ١٧٢.

(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٥.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٥.

(٤) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٦.

(٥) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٦.

(٦) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٦.


قال : هو هذا المقفى.

والله ما كلمته كلمة ولا كلمنى كلمة منذ ليالى صفين ، وو الله لان يرضى عنّى أحبّ الى من أن يكون لى مثل أحد ، فقال له أبو سعيد : ألا تغدو إليه ، قال بلى فتوا عدوا أن يغدو إليه ، وغدوت معهما فاستأذن أبو سعيد فأذن فدخلنا فاستأذن لابن عمرو ، فلم يزل به حتى أذن له الحسين فدخل.

فلما رآه زحل له وهو جالس الى جنب الحسين ، فمده الحسين إليه ، فقام ابن عمرو فلم يجلس ، فلما رأى ذلك خلا عن أبى سعيد فأزحل له فجلس بينهما فقصّ أبو سعيد القصة ، فقال أكذالك يا بن عمرو ، أتعلم أنى أحب أهل الارض الى أهل السماء قال : أى وربّ الكعبة انك لاحب أهل الارض الى أهل السماء ، قال فما حملك على أن قاتلتنى وأبى يوم صفين ، والله لأبى خير منى.

قال أجل ، ولكن عمرو شكانى الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال ان عبد الله يصوم النهار ويقوم الليل ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صلّ ونم وصم ، وافطر واطع عمروا ، فلما كان يوم صفين أقسم علىّ ، والله ما كثرت لهم سوادا ولا اخترطت لهم سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم فقال الحسين أما علمت أنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق قال بلى قال : كأنه قبل منه.(١)

٢٩ ـ عنه باسناده ، عن جابر قال : من سره أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى الحسين بن على ، فانى سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقوله(٢) .

٣٠ ـ عنه عن يزيد ابن أبى زياد قال : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكى ، فقال : ألم تعلمى أن بكاءه يؤذينى(٣)

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٦.

(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٧.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ٢٠١.


٣١ ـ قال ابن الجوزى كنيته أبو عبد الله ، ويلقب : بالسيد ، والوفى ، والولى ، والمبارك والسبط وشهيد كربلا ، ولد سنة أربع من الهجرة فى شعبان(١) .

٣٢ ـ عنه قال ابن عباس كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يحبه ويحمله على كتفيه ويقبل شفتيه وثناياه ، قال : ودخل عليه يوما جبرئيل وهو يقبله ، قال : أتحبه؟ قال : نعم قال : أمتك ستقتله(٢)

٣٣ ـ عنه قال البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل ، أخبرنا مهدى ، عن محمد ابن أبى يعقوب ، عن ابن أبى نعيم ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هما ريحانتاى من الدنيا ، يعنى الحسن والحسين(٣)

٣٤ ـ عنه اخبرنا أبو احمد الجوهرى أنبأنا القاضى بن معروف : حدثنا أبو محمد بن صادق ، حدثنا يوسف ابن موسى القطان ، أخبرنا أبو بكر بن عياش ، حدثنا عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هذان ابناى ، فمن أحبّهما فقد أحبنى ومن أبغضهما فقد أبغضنى يعنى الحسن والحسين.(٤)

٣٥ ـ عنه قال أحمد فى الفضائل حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا الاوزاعى ، عن شداد بن عمار ، عن واثلة بن الاسقع قال أتيت فاطمة أسألها عن علىعليهما‌السلام فقالت توجه الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجلست انتظره واذا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد اقبل ومعه علىّ والحسن والحسين قد اخذ بيد كل واحد منهم حتى دخل الحجرة

فأجلس الحسن على فخذه اليمنى والحسين على فخذه اليسرى ، وجلس على وفاطمة ، بين يديه ثم لف عليهم كساه أو ثوبه ثمّ قرأ :صلى‌الله‌عليه‌وآله ( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣٢.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٣٢.

(٣) تذكرة الخواص : ٢٣٣.

(٤) تذكرة الخواص : ٢٣٣.


الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) الآية ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتى حقا ، وهذا الحديث مشتمل على فضل الحسين وغيره(١)

٣٦ ـ عنه ذكرا حمد فى الفضائل عن على بن الحسين ، عن أبيه عن جده أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أخذ بيد الحسن والحسين وقال من أحبنى وأحب هذين وأباهما كان معى فى درجتى يوم القيامة(٢) .

٣٧ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين ، أنبأنا أبو علىّ بن المذهب ، قالا أنبأنا أحمد بن جعفر ، أنبأنا عبد الله ، حدثني أبى ، أنبأنا زيد بن الحباب ، حدثني حسين بن واقد :

حدثني عبد الله بن بريدة ، قال : سمعت ابى بريدة يقول : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال : صدق الله ورسوله( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) نظرت الى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما.(٣)

٣٨ ـ عنه أخبرنا ابو سهل محمد بن ابراهيم ، أنبأنا أبو الفضل الرازى أنبأنا جعفر بن عبد الله ، أنبأنا محمد بن هرون أنبأنا محمد بن اسحاق ، أنبأنا على بن الحسن ابن شفيق أنبأنا الحسين بن واقد.

أنبأنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب اذ أقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، اذ نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فرفعهما ثم قال : صدق الله ورسوله :( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) نظرت الى

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣٣.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٣٣.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٠٧.


هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما(١) .

٣٩ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم الشحامى أنبأنا أبو بكر البيهقي ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنبأنا الحسن بن مكرم ، أنبأنا زيد بن الحباب ، أنبأنا حسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب فأقبل الحسن والحسين وعليهما ـ وقال ابن عفان : عليهما ـ قميصان أحمران يعثران ويقومان ، فلمّا رآهما نزل فأخذهما ثمّ صعد فوضعهما فى حجره ثمّ قال : صدق الله( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) رأيت هذين فلم أصبر حتّى أخذتهما(٢) .

٤٠ ـ أخبرنا أبو بكر المزرفى أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدى أنبأنا أبو الحسن على بن عمر بن محمّد الحربى ، أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن ـ يعنى الصوفى ـ أنبأنا عبد الرحمن بن صالح ، أنبأنا على بن هاشم بن البريد ، أنبأنا محمّد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى :

عن عطية العوفى : عن أبى سعيد الخدرى قال : جاء حسين يشتدّ والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّى فالتزم عنقه فقام النبيّ وأخذ بيده فلم يزل يمسكه حتّى ركع(٣) .

٤١ ـ عنه أخبرنا أبو الاعزّ قراتكين بن الاسعد ، أنبأنا أبو محمّد الجوهرى ، أنبأنا أبو حفص ابن شاهين ، أنبأنا أحمد بن محمّد بن سعيد ، أنبأنا أحمد بن يحيى الصوفى ، أنبأنا الحكم بن سليمان ، أنبأنا يحيى بن يعلى ، عن أبى موسى عن أبى حازم : عن أبى هريرة قال: رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمصّ لسان الحسين بن على كما يمصّ الصبىّ التمرة(٤)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٠٧.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٠٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٠٩.

(٤) ترجمة الامام الحسين : ١٢٧.


٤٢ ـ أخبرنا أبو غالب بن البناء ، أنبأنا أبو الغنائم ابن المأمون ، أنبأنا أبو القاسم ابن حبابة ، أنبأنا أبو القاسم البغوى حدّثنى عمّى أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا عبد السلام ، عن يزيد بن أبى زياد ، قال : خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت عائشة ، فمرّ على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكى فقال لفاطمة : أى بنية ألم تعلمى أن بكاءه يؤذينى(١) .

٤٣ ـ قال ابن أبى الحديد روى ابن ديزيل عن يحيى ، عن يعلى بن عبيد الحنفى ، عن إسماعيل السدّى ، عن زيد بن أرقم ، قال : كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو فى الحجرة يوحى إليه ، ونحن ننتظره حتّى اشتدّ الحرّ ، فجا ، على بن أبى طالب ومعه فاطمة وحسن وحسينعليهم‌السلام : فقعدوا فى ظلّ حائط ينتظرونه ، فلمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رآهم فأتاهم ووقفنا نحن مكاننا.

ثمّ جاء إلينا وهو يظلّهم بثوبه ، ممسكا بطرف الثوب ، وعلىّ ممسك بطرفه الآخر ؛ وهو يقول : اللهمّ إنّى أحبّهم ، فأحبّهم ؛ اللهمّ إنّى سلم لمن سالمهم ، وحرب لمن حاربهم. قال : فقال ذلك ثلاث مرّات(٢) .

٤٤ ـ عنه كان يمازح ابنى بنته مزاحا مشهورا ، وكان يأخذ الحسينعليه‌السلام ، فيجعله على بطنه ، وهوعليه‌السلام نائم على ظهره ويقول له : حزقّة ترقّ عين بقّة(٣)

٨ ـ باب فطرس الملك

١ ـ الصفّار حدّثنا أحمد بن موسى ، عن محمّد بن المعروف بغزال مولى حرب ابن زياد البجلى ، عن محمّد أبى جعفر الحمامى الكوفى ، عن الأزهر البطّيخى ، عن أبى

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣٢.

(٢) شرح النهج : ٣ / ٢٠٧.

(٣) شرح النهج : ٦ / ٣٣١.


عبد اللهعليه‌السلام ، قال : إنّ الله عرض ولاية أمير المؤمنين فقبلها الملائكة واباها ملك يقال لها فطرس فكسر الله جناحه ، فلمّا ولد الحسين بن علىعليه‌السلام بعث الله جبرئيل فى سبعين ألف ملك إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله يهنّئهم بولادته فمرّ بفطرس.

فقال له فطرس : يا جبرئيل الى أين تذهب قال بعثنى الله الى محمّد أهنّئهم بمولود ولد فى هذه الليلة فقال له فطرس احملنى معك وسل محمّدا يدعو لى فقال له جبرئيل اركب جناحى فركب جناحه فأتى محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله فدخل عليه وهنأه ، فقال له يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ فطرس بينى وبينه أخوّة وسألنى أن أسألك أن تدعو الله له أن يردّ عليه جناحه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفطرس أتفعل قال نعم.

فعرض عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام فقبلها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شأنك بالمهد فتمسّح به وتمرّغ فيه قال فمضى فطرس فمشى الى مهد الحسين ابن على ورسول الله يدعو له ، قال قال رسول الله فنظرت الى ريشه وانّه ليطلع ويجرى منه الدم ويطول حتّى لحق بجناحه الآخر وعرج مع جبرئيل الى السماء وصار الى موضعه(١) .

٢ ـ روى ابن شهرآشوب عن ابن عبّاس والصادقعليه‌السلام إنّ الحسينعليه‌السلام لمّا ولد أمر الله جبرئيل أن يهبط فى ألف من الملائكة فيهنّئ رسول الله من الله تعالى ومن جبرئيل قال : فهبط جبرئيل على جزيرة فى البحر فيها ملك يقال له فطرس فكان من الحملة فبعثه الله فى شيء فابطأ عليه فكسر جناحه وألقاه فى تلك الجزيرة فعبد الله سبع مائة عام حتّى ولد الحسينعليه‌السلام فقال الملك لجبرئيل أين تريد.

قال : إنّ اللهعزوجل أنعم على محمّد بنعمة فبعثت أهنئه من الله ومنّى فقال : يا جبرئيل احملنى معك ، لعلّ محمّدا يدعو لى قال : فحمله فلمّا ذحل جبرئيل على

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٦٨.


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هنّأه من الله ومنه وأخبره بحال فطرس فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قل له يتمسّح بهذا المولود وعد الى مكانك.

قال : فتمسّح فطرس بالحسين وارتفع ، فقال يا رسول الله أما انّ أمّتك ستقتله وله علىّ مكافاة لا يزوره زائر إلّا أبلغته ، عنه ولا يسلّم مسلّم إلّا أبلغته سلامه ولا يصلّى عليه مصلّ إلّا أبلغته صلاته ثمّ ارتفع ، قال ابن عبّاس فالملك ليس يعرف فى الجنّة إلّا بأن يقال هذا مولى الحسين بن علىعليهما‌السلام (١) .

٣ ـ أبو جعفر المشهدى باسناده عن إبراهيم بن شعيب الميثمىّ ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ الحسين صلوات الله عليه لمّا ولد أمر الله تعالى جبرئيلعليه‌السلام أن يهبط فى ألف من الملائكة فيهنئ ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ببشارة من الله تعالى ومن جبرئيل ، قال : فهبط جبرئيلعليه‌السلام ، فمرّ على جزيرة فى البحر فيها ملك يقال له : فطرس وكان من الحملة ، بعثه الله تعالى فى شيء فابطأ عليه ، فكسر جناحيه وألقاه فى تلك الجزيرة.

فعبد الله تعالى فيها سبع مائة عام حتّى ولد الحسينعليه‌السلام ، فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل ، اين تريد؟ قال : إنّ الله تعالى أنعم على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله نعمة فبعثنى أهنّئه من اللهعزوجل ومنّى قال يا جبرئيل ، احملنى معك لعلّ محمّدا يدعو لى ، فحمله جبرئيل ، قال : فلمّا دخل جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله هنّأه من الله تعالى ومن نفسه ، وأخبره بحال فطرس.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : تمسّح بهذا المولود وعد إلى مكانك ، فتمسّح فطرس بالحسينعليه‌السلام وارتفع وقال : يا رسول الله ، أما انّ أمّتك ستقتله ، وله علىّ مكافاة الا يزور زائر إلّا أبلغته عنه ولا يسلّم عليه مسلّم إلّا بلّغته عنه ، سلامه ولا يصلّى عليه

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٧.


مصلّ إلّا أبلغته صلاته. ثمّ ارتفع(١) .

٤ ـ قال الراوندى : انّه لما ولد الحسينعليه‌السلام أمر الله تعالى جبرئيلعليه‌السلام ان يهبط فى ملاء من الملائكة فيهنّئ محمّدا فهبط فمرّ بجزيرة فيها ملك يقال له فطرس بعثه الله تعالى فى شيء فابطأ فكسر جناحه فألقاه فى تلك الجزيرة فعبد الله سبعمائة سنة قال فطرس لجبرئيل الى أين ، قال الى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله قاله فاحملنى معك الى محمّد لعلّه يدعو لى.

فلمّا دخل جبرئيلعليه‌السلام وأخبر محمّدا بحال فطرس قال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قل له تمسح بهذا المولود جناحه فمسح فطرس فطرس بمهد الحسينعليه‌السلام فأعاد الله تعالى عليه فى الحال جناحه ثمّ ارتفع مع جبرئيل الى السماء فسمّى عتيق الحسين(٢) .

٩ ـ باب جوده وشجاعتهعليه‌السلام

١ ـ قال ابن شهرآشوب : انّه كان بين الحسينعليه‌السلام وبين الوليد بن عقبه منازعة فى ضيعة فتناول الحسين عمامة الوليد عن رأسه وشدّها فى عنقه وهو يومئذ وال على المدينة فقال مروان بالله ما رأيت كاليوم جرأة رجل على أميره فقال الوليد ، والله ما قلت هذا غضبا لى ولكنّك حسدتنى على حلمى عنه وإنّما كانت الضيعة له ، فقال الحسين الضّيعة لك يا وليد وقام(٣) .

٢ ـ عنه ، قيل له يوم الطفّ أنزل على حكم بنى عمّك قال : لا والله ، لا

__________________

(١) الثاقب فى المناقب : ٣٣٨.

(٢) الخرائج : ٢٣٠.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩٣.


أعطيكم يدى إعطاء الذليل ولا افر فرار العبيد ، ثمّ نادى يا عباد الله إنّى عذت بربّى وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب(١)

٣ ـ عنه قالعليه‌السلام موت فى عزّ خير من حيوة فى ذلّ ، وأنشأعليه‌السلام فى يوم قتل :

الموت خير من ركوب العار

والعار اولى من دخول النار

والله ما هذا وهذا جارى(٢)

٤ ـ روى المجلسى عن المناقب عن عمرو بن دينار قال : دخل الحسينعليه‌السلام على اسامة بن زيد وهو مريض ، وهو يقول : وا غمّاه ، فقال له الحسينعليه‌السلام : وما غمّك يا أخى؟ قال : دينى وهو ستّون ألف درهم ، فقال الحسين : هو علىّ قال : إنّى أخشى أن أموت ، فقال الحسين لن تموت حتّى أقضيها عنك ، قال : فقضاها قبل موته(٣) .

٥ ـ عنه كانعليه‌السلام يقول : شرّ خصال الملوك : الجبن من الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء(٤)

٦ ـ عنه عن كتاب أنس المجالس أنّ الفرزدق أتى الحسينعليه‌السلام لمّا أخرجه مروان من المدينة فأعطاهعليه‌السلام أربعمائة دينار ، فقيل له : إنّه شاعر فاسق منتهر ، فقالعليه‌السلام إنّ خير مالك ما وقيت به عرضك ، وقد أثاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كعب بن زهير ، وقال فى عبّاس بن مرداس : اقطع لسانه عنى(٥)

٧ ـ وفد اعرابى المدينة فسأل عن أكرم الناس بها ، فدلّ على الحسينعليه‌السلام فدخل المسجد فوجده مصلّيا فوقف بازائه وأنشأ :

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢٩٣.

(٢) المناقب : ٢ / ٢٩٣.

(٣) البحار : ٤٤ / ١٨٩.

(٤) المناقب : ٢ / ٢٩٣.

(٥) البحار : ٤٤ / ١٨٩.


لم يخب الآن من رجاك ومن

حرّك من دون بابك الحلقة

أنت جواد وأنت معتمد

أبوك قد كان قاتل الفسقة

لو لا الّذي كان من أوائلكم

كانت علينا الجحيم منطبقة

قال : فسلّم الحسين وقال : يا قنبر هل بقى من مال الحجاز شيء قال : نعم أربعة آلاف دينار ، فقال : هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا ، ثمّ نزع برديه ولفّ الدنانير فيها وأخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابى وأنشأ :

خذها فانّى إليك معتذر

واعلم بأنّى عليك ذو شفقة

لو كان فى سيرنا الغداة عصا

أمست سمانا عليك مندفقة

لكنّ ريب الزمان ذو غير

والكفّ منّى قليلة النفقة

قال : فأخذها الأعرابىّ وبكا فقال له : لعلّك استقللت ما أعطيناك ، قال : لا ، ولكن كيف يأكل التراب جودك ، وهو المروى عن الحسن بن علىعليهما‌السلام (١) .

٨ ـ روى المجلسى عن كشف الغمّة قال : وكتب إليه الحسنعليه‌السلام يلومه على إعطاء الشعراء فكتب إليه : أنت أعلم منّى بأنّ خير المال ما وقى به العرض(٢) .

٩ ـ الحافظ أبو نعيم : حدّثنا سليمان بن أحمد ، ثنا على بن عبد العزيز ، ثنا الزبير بن بكّار ، حدثني محمّد بن الحسن. قال : لمّا نزل القوم بالحسين وأيقن أنهم قاتلوه ، قام فى أصحابه خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : قد نزل من الأمر ما ترون ؛ وأنّ الدنيا قذ تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها وانشهرت ؛ حتّى لم يبق منها إلّا كصبابة الاناء الا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحقّ لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن فى لقاء الله وإنّى لا أرى الموت إلّا سعادة ،

__________________

(١) البحار : ٤٤ / ١٩٠.

(٢) البحار : ٤٤ / ١٩٥.


والحياة مع الظالمين إلّا حرما(١) .

١٠ ـ قال الاربلى : ولما رأى الحسينعليه‌السلام إصرارهم على باطلهم وظهور علائم الشقاء على أخلاقهم وفعائلهم ، وأنّ إبليس وجنوده قادوا فى أشطانهم ، وحبايلهم ، علم بسعادة من قتلوا وشقاوة قاتلهم ، وتحقّق أنّه قد طبع الله على قلوبهم فلا ينجح فيهم ، نصح ناصحهم ، ولا عذل عاذلهم ، فجدّ فى حربهم على بصيرة واجتهد ، وصبر صبر الكرام على تلك العدة وذلك العدد.

ويعزّ علىّ أن يجرى بذكره لسانى ، أو يسمح بسطره بنانى ، أو أتمثله فى خاطرى وجنانىّ ، فأنّى أحد لذكره ألما ، وأبكى لمصابه دمعا ودما ، واستشعر لمّا بلغ منه همّا وندما ، ولكن لا حيلة فيما جرى به القضاء والقدر ، وان ذممنا الورد فانا نحمد الصدر ، والله يجازى كلّا على فعله ولا يبعد الله الّا من كفر(٢) .

١١ ـ عنه قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد جاءته أم هانى يوم الفتح تشكوا أخاها عليّاعليه‌السلام لله درّ أبى طالب لو ولد الناس كلّهم كانوا شجعانا ، وكان علىعليه‌السلام يقول فى بعض حروبه : أملكوا عنّى هذين الغلامين فانى أنفس بهما عن القتل لئلّا ينقطع نسل رسول الله ، وقيل لمحمّد بن الحنفيّة رحمة الله عليه : أبوك يسمح بك فى الحرب ويشحّ بالحسن والحسينعليهما‌السلام ؟ فقال : هما عيناه وأنا يده ، والانسان يقى عينيه بيده(٣) .

١٢ ـ قال محمّد بن طلحة : وقد اشتهر النقل عنهعليه‌السلام انه كان يكرم الضعيف ويمنح الطالب ويصل الرّحم وينيل الفقير ، ويسعف السائل ويكسوا العارى ، ويشبع الجائع ويعطى الغارم ويشدّ من الضعيف ويشفق على اليتيم ويعين ذا الحاجة ، وقلّ

__________________

(١) حلية الاولياء : ٢ / ٣٩.

(٢) كشف الغمة : ٢ / ٢٢.

(٣) كشف الغمة : ٢ / ٢٥.


أن وصله مال الّا فرقه ونقل أنّ معاوية لما قدم مكّة وصله بمال كثير وثياب وافرة وكسوة وافية فردّ الجميع عليه ولم يقبله منه.

وهذه سجيّة الجواد وشنشنة الكريم ، وسمة ذى السماحة وصفة من قد حوى مكارم الاخلاق فافعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم ، ناطقة بانّه متّصف بمحاسن الشيم وقد كان بالعبادة مقتديا بمن تقدّم حتّى نقل عنهعليه‌السلام أنه حجّ خمسا وعشرين حجّة الى الحرم وجنائبه تقاد معه وهو ماش على القدم(١) .

١٣ ـ الحافظ ابن عساكر : أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر ، أنبأنا أحمد بن عبد الملك ، أنبأنا علىّ بن محمّد بن على ، وعلىّ بن جعفر ، وعبد الرحمن بن محمّد بن بالوية قالا ، أنبأنا أبو العباس الأصمّ أنبأنا عبّاس بن محمّد ، أنبأنا يحيى أنبأنا الأصمعي قال : بلغنا عن ابن عون ، قال : كتب الحسن الى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء قال : فكتب إليه الحسين : إنّ خير المال ما وقى به العرض.(٢)

١٠ ـ باب أنّهعليه‌السلام أحبّ أهل الأرض والسماء

١ ـ ابن شهرآشوب عن الرّضا عن آبائهعليهم‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أحبّ أن ينظر إلى أهل السماء فلينظر الى الحسين(٣)

٢ ـ عنه الطبريان فى الولاية والمناقب والسّمعانى فى الفضائل بأسانيدهم عن إسماعيل بن رجاء وعمرو بن شعيب ، أنّه مرّ الحسينعليه‌السلام على عبد الله بن

__________________

(١) مطالب السؤل : ٧٣.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٥٣.

(٣) المناقب : ٢ / ١٩٦.


عمرو بن العاص ، فقال عبد الله : من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض الى أهل السماء فلينظر الى هذا المجتاز وما كلمته منذ ليالى صفّين.

فاتى به أبو سعيد الخدرى الى الحسينعليه‌السلام فقال الحسين أتعلم انّى أحبّ أهل الارض الى أهل السماء ، وتقاتلنى وأبى يوم صفّين ، والله إنّ أبى لخير منّى فاستعذر وقال انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لى اطع أباك ، فقال له الحسينعليه‌السلام أمّا سمعت قول الله تعالى «وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما» وقول رسول الله إنّما الطاعة فى المعروف وقوله : لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق(١) .

٣ ـ قال الطبرسى : روى سلمان الفارسى قال : سمعت رسول الله وهو يقول : الحسن والحسين ابناى من أحبّهما أحبّنى ومن أحبّنى ومن أحبّنى أحبّه الله ومن أحبّه الله أدخله الجنة ومن أبغضهما أبغضنى ومن أبغضنى أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخله النار على وجهه(٢) .

٤ ـ الحافظ ابن عساكر : أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا قبيصة بن عقبة ، أنبأنا يونس بن أبى إسحاق ، عن العيزار بن حريث قال : بينما عمرو بن العاص جالس فى ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن على مقبلا فقال : هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم. فقال أبو اسحاق : بلغنى أن رجلا جاء ، عمرو بن العاص وهو جالس فى ظل الكعبة فقال : علىّ رقبة من ولد إسماعيل. فقال : ما أعلمها إلّا الحسن والحسين(٣)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٩٧.

(٢) اعلام الورى : ٢١٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٤٨.


١١ ـ باب انّ الحسين منّى وأنا منه

١ ـ قال السيّد المرتضى : روى انّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج مع أصحابه إلى طعام دعوا إليه ؛ فاذا بالحسينعليه‌السلام ، وهو صبىّ يلعب مع صبية فى السكّة ، فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمام القوم ، فطفق الصبىّ يفرّ مرّة هاهنا ، ومرّة هاهنا ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه ، ثمّ أخذه ، فجعل احدى يديه تحت ذقنه ، والاخرى ، تحت فأس رأسه ، وأعتنقه ، فقبله وقال : أنا من حسين وحسين منّى ، أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الاسباط(١)

٢ ـ الترمذى : حدّثنا الحسن بن عرفة حدّثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله ابن عثمان بن خيثم عن سعيد بن راشد ، عن يعلى بن مرّة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حسين منّى وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الاسباط(٢) .

٣ ـ الحاكم النيشابوريّ حدثنا محمّد بن صالح بن هانى ، ثنا الحسين بن الفضل البجلى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبى راشد ، عن يعلى العامرى أنّه خرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الى طعام دعوا له ، قال فاستقبل رسول الله امام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذه.

فطفق الصبىّ يفرّها هنا مرّة وهاهنا مرّة فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يضاحكه حتّى أخذه قال فوضع إحدى يديه تحت قفاه والاخرى تحت ذقنه فوضع فاه على

__________________

(١) أمالى المرتضى : ١ / ٢١٩.

(٢) صحيح الترمذى : ٥ / ٦٥٨.


فيه ، يقبله فقال حسين منّى وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسينا حسين سبط من الاسباط هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(١) .

٤ ـ عنه حدّثنى أبو بكر بن أحمد بن بالويه ، ثنا الحسن بن على بن شبيب المعمرى ، ثنا أبو عبيدة بن الفضيل بن عياض ، ثنا مالك بن سعيد بن الخمس ، ثنا هشام بن سعد ثنا نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبى هريرة قال ما رأيت الحسين بن علىّ إلّا فاضت عينى دموعا وذاك ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج يوما فوجدنى فى المسجد فأخذ بيدى واتّكأ علىّ فانطلقت معه حتّى جاء سوق بنى قينقاع.

قال : وما كلّمنى فطاف ونظر ثمّ رجع ورجعت معه فجلس فى المسجد واحتبى ، وقال لى ادع لى لكاع فاتى حسين يشتدّ حتّى وقع فى حجره ، ثمّ أدخل يده فى لحية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يفتح فم الحسين ، فيدخل فاه فى فيه ويقول : اللهمّ إنّى أحبّه فأحبه هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(٢) .

٥ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم ابن الحسين ، أنبأنا أبو على ابن المذهب ، قال : أنبأنا أبو بكر ابن مالك ، أنبأنا عبد الله ، حدّثنى أبى أنبأنا عفان ، أنبأنا وهيب ، أنبأنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبى راشد ، عن يعلى العامرى أنّه خرج مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى طعام دعوا إليه ، قال : فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قال : عفان ، قال وهيب : فاستقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ امام القوم وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذه قال : فطفق الصبىّ يفرّ هاهنا مرّة وهاهنا مرّة ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضاحكه حتّى أخذه ، قال : فوضع إحدى يديه تحت قفاه ، والاخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه فقبله ، قال : حسين

__________________

(١) المستدرك : ٣ / ١٧٧.

(٢) المستدرك : ٣ / ١٧٨.


منّى وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الاسباط(١) .

٦ ـ عنه أخبرنا أبو على الحدّاد فى كتابه وأخبرنى أبو مسعود عنه ـ أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا أبو بكر بن سهل ، أنبأنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن يعلى بن مرّة ، قال : خرجنا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فدعينا الى طعام ، فاذا الحسين يلعب فى الطريق ، فاسرع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله امام القوم.

ثمّ بسط يديه فجعل الحسين يمر مرّة هاهنا ومرّة هاهنا فيضاحكه حتّى أخذه فجعل احدى يديه فى ذقنه والاخرى بين رأسه واذنيه ثمّ اعتنقه فقبّله فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : حسين منّى وأنا منه أحبّ الله من أحبّ الحسن والحسين سبط من الاسباط(٢)

٧ ـ عنه أخبرنا والدى الحافظ أبو القاسم علىّ بن الحسنرحمه‌الله قال : أخبرنا أبو عبد الله الخلّال ، أخبرنا أبو عثمان سعيد بن أحمد بن محمّد ، أنبأنا أبو الفضل عبيد الله بن محمّد الفامى ، أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم السرّاج ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم ، أنبأنا يحيى بن آدم ، أنبأنا ذرّ ، وابن عمر ، عن ابن جريح ، عن عبد الله بن أبى يزيد :

عن نافع بن جبير ، عن أبى هريرة ، قال : كنت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى سوق من أسواق المدينة ؛ فانصرف وانصرفت معه ، فقال : ادع الحسين بن على فجاء الحسين بن على يمشى فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده هكذا فقال الحسين بيده هكذا فالتزمه فقال : اللهمّ إنّى أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه قال أبو هريرة فما كان بعد أحد أحبّ

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٧٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٨٢.


إلىّ من الحسين بن علىّ بعد ، ما قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال(١)

١٢ ـ باب ان الامامة فى ولدهعليه‌السلام

١ ـ علىّ بن إبراهيم فى قوله :( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ) قال : الاحسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وقوله :( بِوالِدَيْهِ ) عنى الحسن والحسينعليهما‌السلام ثمّ عطف على الحسين فقال :( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) وذلك انّ الله أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبشّره بالحسينعليه‌السلام قبل حمله وأنّ الامامة تكون فى ولده إلى يوم القيامة ، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل والمصيبة فى نفسه وولده ثمّ عرفه بأن جعل الامامة فى عقبه(٢)

٢ ـ الصدوق : حدّثنا علىّ بن أحمد بن عبد الله بن أبى عبد الله البرقي رضى الله عنه قال : حدّثنى أبى ، عن جدّى أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، عن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن أبى يعقوب البلخى ، قال : سألت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام فقلت له : لاى علة صارت الامامة فى ولد الحسينعليه‌السلام دون ولد الحسن؟ فقال : لانّ اللهعزوجل جعلها فى ولد الحسينعليه‌السلام ولم يجعلها فى ولد الحسين والله لا يسأل عمّا يفعل(٣) .

٣ ـ عنه حدّثنا علىّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق رضى الله عنه قال : حدّثنا حمزة بن القاسم العلوى العبّاسى قال : حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الكوفىّ ، الفزارىّ قال : حدّثنا محمّد بن الحسين بن زيد الزيّات ، قال : حدّثنا محمّد بن

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٩٢.

(٢) تفسير القمى : ٢ / ٢٩٧.

(٣) عيون اخبار الرضا : ٢ / ٨٢.


زياد الازدىّ ، عن المفضّل بن عمر ، عن الصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام ، قال :

سألته عن قول اللهعزوجل :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ) ما هذه الكلمات؟ قال : هى الكلمات الّتي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، وهو أنّه قال : يا ربّ أسألك بحقّ محمّد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علىّ فتاب الله عليه ، إنّه هو التوّاب الرّحيم ، فقلت له : يا ابن رسول الله فما يعنىعزوجل بقوله :( فَأَتَمَّهُنَّ ) ؟ قال : يعنى أتمّهنّ إلى القائمعليه‌السلام اثنا عشر إماما تسعة من ولد الحسينعليه‌السلام قال المفضّل : فقلت له : يا ابن رسول الله فأخبرنى عن قول اللهعزوجل :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) ؟ قال : يعنى بذلك الامامة جعلها الله فى عقب الحسين إلى يوم القيامة. قال : فقلت له : يا ابن رسول الله فكيف صارت الامامة فى ولد الحسين دون ولد الحسن وهما جميعا ولدا رسول الله وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة؟

فقالعليه‌السلام : إنّ موسى وهارون كانا نبيّين مرسلين أخوين فجعل الله النبوّة فى صلب هارون دون صلب موسى ولم يكن لأحد أن يقول : لم فعل الله ذلك؟ فانّ الامامة خلافة اللهعزوجل ليس لأحد أن يقول : لم جعلها الله فى صلب الحسين دون صلب الحسن لأنّ الله تبارك وتعالى هو الحكيم فى أفعاله لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون(١)

٤ ـ عنه حدّثنا محمّد بن أحمد الشيبانى رضى الله عنه قال : حدّثنا محمّد بن أبى عبد الله الكوفى ، قال : حدّثنا موسى بن عمران النخعىّ ، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفليّ ، عن الحسن بن علىّ بن أبى حمزة ، عن أبيه ، عن أبى بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن قول اللهعزوجل :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ )

__________________

(١) معانى الاخبار : ١٢٦.


قال : هى الامامة جعلها اللهعزوجل فى عقب الحسينعليه‌السلام باقية إلى يوم القيامة(١)

٥ ـ عنه أبىرحمه‌الله قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميرى ، عن علىّ بن إسماعيل ، عن سعدان ، عن بعض رجاله ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال لما علقت فاطمةعليها‌السلام بالحسين صلوات الله عليه قال لها رسول الله يا فاطمة إنّ الله قد وهب لك غلاما اسمه الحسين يقتله امّتى قالت فلا حاجة لى فيه قال إنّ اللهعزوجل قد وعدني فيه أن يجعل الائمّة من ولده قالت قد رضيت يا رسول الله(٢)

٦ ـ عنه حدّثنا أحمد بن الحسنرحمه‌الله ، قال : حدّثنا أحمد بن يحيى ، قال : حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب ، قال : حدّثنا تميم بن بهلول ، قال : حدّثنا علىّ بن حسان الواسطى عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمى ، قال قلت : لأبى عبد اللهعليه‌السلام جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان فى شرع واحد.

فقال : لا أريكم تأخذون به أنّ جبرئيلعليه‌السلام نزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وما ولد الحسين بعد ، فقال له يولد لك غلام يقتله أمّتك من بعدك ، فقال : يا جبرئيل لا حاجة فيه فخاطبه ثلاثا ثمّ دعا عليا فقال له أنّ جبرئيلعليه‌السلام يخبرنى عن اللهعزوجل أنّه يولد لك غلام يقتله أمّتك من بعدك ، فقال لا حاجة لى فيه يا رسول الله فخاطب علياعليه‌السلام ثلاثا.

ثمّ قال : إنّه يكون فيه وفى ولده الامامة والوراثة والخزانة ، فارسل الى فاطمةعليها‌السلام إنّ الله يبشّرك بغلام يقتله امتى من بعدى فقالت فاطمة ليس لى حاجة فيه يا أبت فخاطبها ثلاثا ثمّ أرسل إليها لا بدّ أن يكون فيه الامامة والوراثة

__________________

(١) معانى الاخبار : ١٣١.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٩٥.


والخزانة ، فقالت له رضيت عن اللهعزوجل فعلقت وحملت بالحسينعليه‌السلام فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعته ولم يعش مولود قطّ لستة أشهر غير الحسين بن علىّعليهما‌السلام ، وعيسى بن مريمعليهما‌السلام .

فكفلته أمّ سلمة وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتيه فى كلّ يوم فيضع لسانه فى فم الحسينعليه‌السلام فيمصّه حتّى يروى فأنبت اللهعزوجل لحمه من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يرضع من فاطمةعليها‌السلام ولا من غيرها لبنا قطّ.

فلمّا أنزل الله تبارك وتعالى فيه( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) فلو قال اصلح لى ذرّيتى كانوا كلّهم ائمة لكن خصّ هكذا(١)

٧ ـ عنه أبىرحمه‌الله ، قال : حدّثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد وعبد الله ابنى محمود بن عيسى ، عن أبيهما ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن عبد الله بن مسكان ، عن عبد الرحيم القصير ، عن أبى جعفر قال سألته عن قول اللهعزوجل :( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) فيمن نزلت.

قال : نزلت فى الامرة إنّ هذه الآية جرت فى الحسين بن على ، وفى ولد الحسين من بعده فنحن أولى بالأمر وبرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المؤمنين والمهاجرين فقلت لولد جعفر فيهما نصيب قال لا قال فعددت عليه بطون بنى عبد المطّلب كلّ ذلك يقول : لا ونسيت ولد الحسن فدخلت عليه بعد ذلك فقلت هل لولد الحسن فيها نصيب فقال لا يا عبد الرحمن ما لمحمّدى فيها نصيب غيرنا(٢)

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٩٦.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٩٦.


٨ ـ عنه أبىرحمه‌الله ، قال : حدّثنا سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن حماد بن عيسى ، عن عبد الأعلى بن أعين ، قال سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ اللهعزوجل خصّ عليّاعليه‌السلام بوصيّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما يصيبه له ، فأقرّ الحسن والحسين له بذلك ، ثمّ وصيّته للحسن وتسليم الحسين للحسن ، ذلك حتّى أفضى الامر إلى الحسين لا ينازعه فيه أحد له من السابقة مثل ماله واستحقّها علىّ بن الحسين لقول اللهعزوجل ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) فلا تكون بعد علىّ بن الحسين إلّا فى الاعقاب وأعقاب الاعقاب(١) .

٩ ـ عنه أبىرحمه‌الله قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميرى ، عن إبراهيم ابن مهزيار ، عن علىّ بن مهزيار ، عن الحسن بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن أبى سلام ، عن سورة بن كليب ، عن أبى بصير ، عن أبى جعفرعليه‌السلام فى قول اللهعزوجل ( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) قال فى عقب الحسينعليه‌السلام ، فلم يزل هذا الأمر منذ افضى الى الحسين ينتقل من ولد إلى ولد لا يرجع إلى أخ ولا عمّ ولا يتمّ بعلم أحد منهم إلّا وله ولد ، وإن عبد الله خرج من الدنيا ولا ولد له ولم يمكث بين ظهرانى أصحابه إلّا شهرا(٢) .

١٠ ـ عنه حدّثنا محمّد بن الحسن ، قال : حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن عبد الصمد بن بشير ، عن فضيل بن سكرة ، قال دخلت على أبى عبد اللهعليه‌السلام فقال يا فضيل ، أتدري فى أى شيء كنت انظر ، قبل؟ فقلت لا ، قال كنت أنظر فى كتاب فاطمةعليها‌السلام ، فليس ملك يملك

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٩٧.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٩٦.


إلّا هو مكتوب باسمه واسم أبيه وما جدت لولد الحسن فيه شيئا(١) .

١١ ـ عنه أبىرحمه‌الله قال : حدّثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن إبراهيم بن عمر اليمانى ، عن أبى الطفيل ، عن أبى جعفرعليه‌السلام ، قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين : اكتب ما أملى عليك ، قال يا نبىّ الله وتخاف على النسيان.

فقال لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك ولكن اكتب لشركائك قال فقلت ومن شركائى يا نبىّ الله ، قال : الائمّة من ولدك ، بهم تسقى امتى الغيث وبهم يستجاب دعائهم ، وبهم يصرف الله عنهم البلاء وبهم تنزل الرحمة من السماء وهذا أوّلهم وأومى الى الحسن ، ثمّ أومى بيده إلى الحسين ثمّ قال الأئمّة من ولده(٢)

١٢ ـ عنه ابىرحمه‌الله ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، عن محمد بن أحمد ، عن على بن محمد ، عن القسم بن محمد ، عن سليمان بن داود المنقرى ، عن محمد بن يحيى عن الحسين الواسطى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن ابى فاختة عن أبى عبد الله ، قال : لا تكون الامامة فى أخوين بعد الحسن والحسين ، وهى جارية فى الاعقاب فى عقب الحسينعليه‌السلام (٣)

١٣ ـ عنه حدثنا على بن أحمد بن عبد الله البرقي ، عن أبيه عن جده ، عن أحمد ابن ابى عبد الله ، عن محمد بن عيسى ، عن محمد بن أبى يعقوب البلخى ، قال سئلت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام قلت له : لاى علة صارت الامامة ، فى ولد الحسين دون ولد الحسنعليهما‌السلام ، قال لان اللهعزوجل جعلها فى ولد الحسين ولم يجعلها فى ولد

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٩٧.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٩٧.

(٣) علل الشرائع : ١ / ١٩٨.


الحسن ، والله لا يسأل عما يفعل(١) .

١٤ ـ عنه حدثنا ابراهيم بن هرون الميثمى ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن أبى الثلج قال : حدثنا عيسى بن مهران ، قال : حدثنا منذر الشراك ، قال : حدثنا إسماعيل ابن علية قال : أخبرنى أسلم بن ميسرة العجلى ، عن أنس بن مالك ، عن معاذ بن جبل أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : ان اللهعزوجل خلقنى وعليّا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدّنيا بسبعة آلاف عام ، قلت فاين كنتم يا رسول الله قال قدام العرش نسبح اللهعزوجل ونحمده ونقدسه ونمجده.

قلت على اىّ مثال قال : أشباح نور حتى اذا أراد اللهعزوجل ان يخلق صورنا صيرنا عمود نور ، ثم قذفنا فى صلب آدم ثم أخرجنا الى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ولا يصيبنا نجس الشرك ولا سفاح الكفر يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون فلما صيرنا الى صلب عبد المطلب أخرج ذلك النور فشقه نصفين فجعل نصفه فى عبد الله ونصفه فى ابى طالب.

ثم أخرج النصف الذي لى الى آمنة والنصف الى فاطمة بنت أسد ، فأخرجتنى آمنة وأخرجت فاطمة عليا ثم أعادعزوجل العمود الىّ ، فخرجت منى فاطمة ثم أعادعزوجل العمود الى علىّ ، فخرج منه الحسن والحسينعليهما‌السلام ، يعنى من النصفين جميعا ، فما كان من نور على ، فصار فى ولد الحسن ، وما كان من نورى صار فى ولد الحسينعليه‌السلام ، فهو ينتقل فى الائمة من ولده الى يوم القيامة(٢) .

١٥ ـ عنه حدثنا أحمد بن الحسن القطان ، قال : حدثنا أبو سعيد الحسن بن على السكرى قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن دينار الغلابى البصرى ، قال : حدثنا على بن حاتم ، قال : حدثنا الربيع بن عبد الله ، قال : وقع بينى وبين

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٩٨.

(٢) علل الشرائع : ١ / ١٩٨.


عبد الله بن الحسن كلام فى الامامة ، فقال عبد الله بن الحسن : ان الامامة فى ولد الحسن والحسينعليهما‌السلام .

فقلت : بل هى فى ولد الحسين الى يوم القيامة ، دون ولد الحسن ، فقال لى : وكيف صارت فى ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وهما فى الفضل سواء الا أن للحسن على الحسين فضلا بالكبر ، وكان الواجب أن يكون الامامة اذن فى ولد الافضل ، فقلت له ان موسى وهارون كانا نبيين مرسلين وكان موسى أفضل من هارونعليهما‌السلام .

فجعل اللهعزوجل النبوة والخلافة فى ولد هارون دون ولد موسى ، وكذا لك جعل اللهعزوجل الامامة فى ولد الحسين دون ولد الحسن ليجرى فى هذه الامة سنة من قبلها من الامم ، حذو النعل بالنعل ، فما أجبت فى أمر موسى وهارونعليهما‌السلام بشيء فهو جوابى فى أمر الحسن والحسينعليهما‌السلام ، فانقطع ، ودخلت على الصادقعليه‌السلام ، فلما بصر بى ، قال لى : أحسنت يا ربيع فيما كلمت به عبد الله بن الحسن ثبّتك الله(١) .

١٦ ـ عنه حدثنا أبى : ومحمد بن الحسن رضى الله عنهما ، قالا : حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميرى ، جميعا : عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن الحسين بن ثوير ، أبى فاختة ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : لا تكون الامامة فى أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام ، أبدا ، انها جرت من على بن الحسينعليهما‌السلام ، كما قال الله جل جلاله :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) . ولا تكون بعد على بن الحسين الا فى الاعقاب وأعقاب الاعقاب(٢)

__________________

(١) علل الشرائع : ١ / ١٩٩.

(٢) كمال الدين : ٤١٤.


١٧ ـ عنه حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه قال : حدّثنا محمّد بن الحسن الصفّار ، عن يعقوب بن يزيد ، ومحمّد بن عيسى بن عبيد ، عن الحسين بن الحسن الفارسى ، عن سليمان بن جعفر الجعفرى ، عن حمّاد بن عيسى ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لا تجتمع الامامة فى أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام ، إنمّا تجرى فى الأعقاب وأعقاب والأعقاب(١) .

١٨ ـ عنه حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى الله عنه ، قال : حدّثنا علىّ بن الحسين السعدآباديّ ، عن أحمد بن محمّد بن خالد ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : أبى اللهعزوجل أن يجعلها فى أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام (٢) .

١٩ ـ عنه حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه قال : حدّثنا الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن محمّد بن سنان ، عن أبى سلام ، عن سورة بن كليب ، عن أبى بصير ، عن أبى جعفرعليه‌السلام فى قول اللهعزوجل :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) إنّها فى الحسينعليه‌السلام تنتقل من ولد الى ولد ، لا ترجع إلى أخ ولا عمّ(٣) .

٢٠ ـ عنه حدّثنا أبى رضى الله عنه ، قال : حدّثنا سعد بن عبد الله : وعبد الله بن جعفر الحميرىّ جميعا ، عن إبراهيم بن هاشم ، عن أبى جعفر محمّد بن جعفر ، عن أبيه ، عن عبد الحميد بن نصر ، عن أبى إسماعيل ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لا تكون الامامة فى أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام أبدا ، إنّما هى فى الأعقاب وأعقاب الأعقاب(٤)

__________________

(١) كمال الدين : ٤١٤.

(٢) كمال الدين : ٤١٥.

(٣) كمال الدين : ٤١٥.

(٤) كمال الدين : ٤١٥.


٢١ ـ عنه حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى الله عنه قال : حدّثنا علىّ بن الحسين السعدآبادي ، عن أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن أبى عمير ، عن غير واحد ، عن أبى بصير ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا ولدت فاطمةعليها‌السلام الحسينعليه‌السلام أخبرها أبوهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّ أمّته ستقتله من بعده ، قالت : ولا حاجة لى فيه ، فقال : إنّ اللهعزوجل قد أخبرنى أن يجعل الأئمّة من ولده ، قالت : قد رضيت يا رسول الله(١) .

٢٢ ـ عنه حدّثنا أبى رضى الله عنه قال : حدّثنا سعد بن عبد الله ، وعبد الله بن جعفر الحميرىّ جميعا ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ؛ ومحمّد بن عيسى بن عبيد جميعا ، عن عبد الله بن أبى نجران ، عن عيسى بن عبد الله العلوى العمرىّ ، عن أبى عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليهما‌السلام قال : قلت له : جعلت فداك إن كان كون ولا أرانى الله يومك ـ فبمن آتمّ؟

قال فأومأ إلى موسىعليه‌السلام ، قلت : فان مضى موسىعليه‌السلام فبمن آتمّ؟ قال : بولده ، قلت : فان مضى ولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن آتمّ؟ قال : بولده ، ثمّ هكذا أبدا ، قلت : فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال : تقول : «اللهمّ إنّى أتولّى من بقى من حججك من ولد الامام الماضى فانّ ذلك يجزئك(٢) .

٢٣ ـ حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى الله عنه قال : حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميرىّ قال : حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى ، قال : حدّثنا الحسن بن محبوب ، عن علىّ بن رئاب قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لمّا ان حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسينعليه‌السلام قال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ اللهعزوجل قد وهب لك غلاما اسمه الحسين ، تقتله امّتى ، قالت : فلا حاجة لى فيه ، فقال : إنّ اللهعزوجل قد وعدنى فيه عدة ،

__________________

(١) كمال الدين : ٤١٥.

(٢) كمال الدين : ٤١٥.


قالت : وما وعدك؟ قال : وعدنى أن يجعل الإمامة من بعده فى ولده ، فقالت ، رضيت(١) .

٢٤ ـ عنه حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رضى الله عنه قال أخبرنا أحمد بن محمّد الهمدانيّ ، قال : حدّثنا علىّ بن الحسن بن علىّ بن فضّال ، عن أبيه ، عن هشام بن سالم قال : قلت للصادق جعفر بن محمّدعليهما‌السلام : الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين. قال قلت : فكيف صارت الامامة من بعد الحسين فى عقبه دون ولد الحسن؟

فقال : إنّ الله تبارك وتعالى أحبّ ، أن يجعل سنة موسى وهارون جارية فى الحسن والحسينعليهما‌السلام ، ألا ترى أنّهما ، كانا شريكين فى النبوّة كما كان الحسن والحسين شريكين فى الامامة وإنّ اللهعزوجل جعل النبوّة فى ولد هارون ولم يجعلها فى ولد موسى ، وإن كان موسى أفضل من هارونعليهما‌السلام ، قلت : فهل يكون إمامان فى وقت واحد؟

قال لا إلّا أن يكون أحدهما صامتا مأموما لصاحبه ، والآخر ناطقا إماما لصاحبه ، فأمّا أن يكونا إمامين ناطقين فى وقت واحد فلا ، قلت : فهل تكون الامامة فى أخوين بعد الحسن والحسينعليهما‌السلام ؟ قال : لا إنّما هى جارية فى عقب الحسينعليه‌السلام كما قال اللهعزوجل :( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) ثمّ هى جارية فى الاعقاب وأعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة(٢)

__________________

(١) كمال الدين : ٤١٦.

(٢) كمال الدين : ٤١٦.


١٣ ـ باب أنّ الحسين على عضد النبيّ

وعاتقهعليهما‌السلام

١ ـ الصدوق حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى الله عنه قال : حدّثنا علىّ بن الحسين السعدآبادي قال : حدّثنا أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن فضالة ابن أيّوب ، عن زيد الشحّام ، عن أبى عبد الله الصادقعليه‌السلام جعفر بن محمد ، عن أبيه محمّد بن على الباقر ، عن أبيهعليه‌السلام قال : مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله المرضة التي عوفى منها فعادته فاطمةعليها‌السلام سيّدة النساء ومعها الحسن والحسين قد اخذت الحسن بيدها اليمنى واخذت الحسين بيدها اليسرى وهما يمشيان وفاطمة بينهما حتّى دخلوا منزل عائشة.

فقعد الحسينعليه‌السلام على جانب رسول الله الأيمن والحسين على جانب رسول الله الأيسر ، فاقبلا يغمزان ما يليهما من بدن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فما أفاق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من نومه ، فقالت فاطمة للحسن والحسين : حبيبى إنّ جدّكما قد غفا فانصرفا ساعتكما هذه ودعاه حتّى يفيق وترجعان إليه ، فقالا لسنا ببارحين فى وقتنا هذا فاضطجع الحسن على عضد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الأيمن والحسين على عضده الايسر.

فغفيا وانتبها قبل أن ينتبه النبيّ وقد كانت فاطمة لمّا ناما انصرفت الى منزلها ، فقالا لعائشة ما فعلت أمّنا قالت لمّا نمتما رجعت الى منزلها فخرجا فى ليلة ظلماء مد لهمّة ذات رعد وبرق وقد ارخت السماء عز إليها فسطع لهما نور فلم يزالا يمشيان فى ذلك النور والحسن قابض بيده اليمنى على يد الحسين اليسرى ، وهما يتماشيان ويتحدّثان حتّى أتيا حديقة بنى النجّار ، فلمّا بلغا الحديقة حارا فبقيا لا يعلمان أين


يأخذان.

فقال الحسن للحسين إنا قد حرنا وبقينا على حالتنا هذه وما ندرى أين نسلك فلا عليك أن ننام فى وقتنا هذا حتّى نصبح فقال له الحسينعليه‌السلام دونك يا أخى فافعل ما ترى فاضطجعا جميعا ، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه وناما وانتبه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله من نومته التي نامها فطلبهما فى منزل فاطمة فلم يكونا فيه وافتقدهما.

فقامعليه‌السلام قائما على رجليه وهو يقول : الهى وسيّدى ومولاى هذان شبلاى خرجا من المخمصة والمجاعة ، اللهمّ أنت وكيلى عليهما فسطع للنبىّ نور قلم يزل يمضى فى ذلك النور حتّى أتى حديقة بنى النجّار ، فاذا هما نائمان قد اعتنق كلّ واحد منهما صاحبه وقد تقشعت السماء فوقها كطبق فهى تمطر كاشدّ مطر ما رآه الناس قطّ ، وقد منع اللهعزوجل المطر منهما فى البقعة الّتي هما فيها نائمان.

لا يمطر عليهما قطرة وقد اكتنفتهما حية لها شعرات كآجام القصب وجناحان جناح قد غطت به الحسن وجناح قد غطت به الحسين ، فلمّا أن بصر بهما النبيّ تنحنح فانسابت الحية وهى تقول اللهمّ انّى أشهدك وأشهد ملائكتك ان هذين شبلا نبيك قد حفظتهما عليه ودفعتهما إليه سالمين صحيحين ، فقال لها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّتها الحيّة ممن أنت قالت : أنا رسول الجنّ إليك لتعلمنا ما نسينا من كتاب الله.

فلمّا بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادى أيتها الحية هذان شبلا رسول الله فاحفظهما من الآفات والعاهات ، ومن طوارق الليل والنهار ، فقد حفظتهما وسلمتهما إليك سالمين صحيحين وأخذت الحية الآية وانصرفت وأخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعه على عاتقه الأيمن ووضع الحسين على عاتقه الأيسر ، وخرج علىّعليه‌السلام ، فلحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له بعض أصحابه بأبى أنت وامى ادفع الىّ أحد شبليك اخفف عنك.

فقال امض فقد سمع الله كلامك وعرف مقامك وتلقاه آخر فقال : بأبى أنت و


أمّى ادفع إلىّ أحد شبليك أخفف عنك ، فقال : امض فقد سمع الله كلامك وعرف مقامك ، فتلقّاه علىّعليه‌السلام ، فقال بأبى أنت وأمّى يا رسول الله ادفع الى أحد شبلى وشبليك حتّى اخفف عنك ، فالتفت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله الى الحسن فقال يا حسن هل تمضى الى كتف أبيك فقال له والله يا جداه ان كتفك لأحبّ الىّ من كتف أبى.

ثمّ التفت الى الحسينعليه‌السلام فقال يا حسين هل تمضى الى كتف أبيك فقال له :

والله يا جدّاه إنّى لأقول لك كما قال أخى الحسن إن كتفك لأحبّ إلىّ من كتف أبى فأقبل بهما الى منزل فاطمةعليها‌السلام وقد ادّخرت لهما تميرات فوضعتها بين أيديهما فأكلا وشبعا وفرحا فقال لهما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قوما الآن فاصطرعا

فقاما ليصطرعا وقد خرجت فاطمة فى بعض حاجتها فدخلت فسمعت النبيّ وهو يقول ايه يا حسن شدّ على الحسين ، فاصرعه فقالت له يا أبه واعجباه أتشجع هذا على هذا أتشجع الكبير على الصغير ، فقال لها يا بنية أما ترضين أن أقول أنا يا حسن شدّ على الحسين فاصرعه ، وهذا حبيبى جبرئيل يقول يا حسين شدّ على الحسن فاصرعه(١) .

٢ ـ عنه حدثنا أبى رضى الله عنه ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله بن أبى خلف ، قال : حدثنا يعقوب بن يزيد ، عن حماد بن عيسى ، عن عبد الله بن مسكان عن أبان ابن خلف ، عن سليم بن قيس الهلالى عن سلمان الفارسىرحمه‌الله ، قال : دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فاذا الحسين على فخذيه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول : أنت سيد ابن سيد ، أنت امام ابن امام ، أنت حجة ابن حجة ، أبو حجج تسعة من صلبك ، تاسعهم قائمهم.(٢)

٣ ـ قال ابن عساكر : قرأت على أبى محمد عبد الكريم بن حمزة ، عن أبى بكر

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٢٦٦.

(٢) عيون اخبار الرضا : ١ / ٥٢.


الخطيب ، أنبأنا أبو القاسم الحسين بن أحمد بن عثمان ابن شيطا البزاز ، أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن المعلى بن الحسن الشونيزى ، أنبأنا محمد بن جرير الطبرى ، الفقيه ، حدثني محمد بن اسماعيل الضرارى ، أنبأنا شعيب بن ماهان ، عن عمرو بن جميع العبدى ، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على عن ربية السعدى قال

لما اختلف الناس فى التفضيل رحلت راحلتى وأخذت زادى حتى دخلت المدينة فدخلت على حذيفة بن اليمان ، فقال لى : من الرجل؟ قلت : من أهل العراق. فقال : من أى العراق؟ قال : قلت : رجل من أهل الكوفة. قال : مرحبا بكم يا أهل الكوفة ما جاء بك قال : قلت : اختلف الناس علينا فى التفضيل فجئت لأسألك عن ذلك. فقال لى: على الخبير سقطت ، أما أنى لا أحدثك إلّا ما سمعته اذ نادى ووعاه قلبى وأبصرته عيناى.

خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كأنّى انظر إليه كما انظر إليك الساعة حامل الحسين بن على على عاتقه كانّى انظر الى كفه الطيّبة واضعها على قدمه يلصقها بصدره فقال : يا أيّها الناس لأعرفنّ ما اختلفتم فيه يعنى فى الخيار بعدى ـ هذا الحسين بن على خير الناس جدّا وخير الناس جدّة ، جدّه محمّد رسول الله سيّد النبيّين وجدّته خديجة بنت خويلد سابقة نساء العالمين الى الايمان بالله ورسوله.

هذا الحسين بن على خير الناس أبا وخير الناس أما ، أبوه على ابن أبى طالب أخو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووزيره وابن عمّه وسابق رجال العالمين إلى الإيمان بالله ورسوله ، وأمّه فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء العالمين.

هذا الحسين بن على خير الناس عمّا وخير الناس عمّة ، عمّه جعفر بن أبى طالب المزيّن بالجناحين يطير بهما فى الجنّة حيث يشاء ، وعمّته أم هانئ بنت أبى طالب.

هذا الحسين بن على خير الناس خالا وخير الناس خالة ، خاله القاسم بن محمّد


رسول الله وخالته زينب بنت محمّد رسول الله ، ثمّ وضعه عن عاتقه فدرج بين يديه وحبا ، ثمّ قال : يا أيّها النّاس هذا الحسين بن على جدّه وجدّته فى الجنّة ، وأبوه وأمّه فى الجنّة ، وعمّه وعمّته فى الجنّة ، وخاله وخالته فى الجنّة ، وهو وأخوه فى الجنّة ، انّه لم يؤت أحد من ذرّيّة النبيّين ما أوتى الحسين بن على ما خلا يوسف بن يعقوب(١) .

١٤ ـ باب انّه ريحانة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

١ ـ الحافظ ابن عساكر : أنبأنا أبو سعد المطرّز ، أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبرانى أنبأنا أحمد بن ما بهرام الإيذجى ، أنبأنا جراح بن مخلّد ، أنبأنا الحسن ابن عنبسة ، أنبأنا على ابن هاشم ، عن محمّد بن عبيد الله بن على ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الحزمى ، عن أبيه عن جدّه يعنى معمر بن حزم ، عن أبى أيّوب الأنصاري ، قال : دخلت : على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحسن والحسين يلعبان بين يديه فى حجره ، فقلت يا رسول الله أتحبّهما؟ قال : وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاى من الدنيا أشمهما(٢) .

٢ ـ عنه أخبرنا أبو طالب على بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو الحسن علىّ بن الحسين ، أنبأنا أبو محمّد بن النحاس ، أنبأنا أبو سعيد ابن الاعرابى ، أنبأنا محمّد بن يونس ، أنبأنا أبو العبّاس الحارثى ، أنبأنا حمّاد بن عيسى الجهنى بالجحفة ، أنبأنا جعفر ابن محمّد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، قال :

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٤٠.


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلى : سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتىّ من الدنيا من قبل أن ينهدّ ركناك واللهعزوجل خليفتى عليك : قال : فلمّا مات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال على هذا أحد الركنين الّذي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا ماتت فاطمة قال : هذا الركن الثانى الّذي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

٣ ـ عنه أخبرنا أبو العلاء عبيس وأبو الوفاء عتيق ابنا محمّد بن عبيس ، وأبو بكر ناصر بن منصور بن محمّد الشوكانيون ، قالوا : أنبأنا أبو طاهر محمّد بن عبيس ابن محمّد ابن عبيس الفقيه ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن أحمد بن عبدوس بن كامل السراج الفقيه المعروف بالزعفرانى أنبأنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمران بن مالك القطيعى أنبأنا محمّد بن يونس بن موسى القرشى سنة أربع وثمانين ومأتين ، أنبأنا حماد بن عيسى الجهنى ، أنبأنا جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله الانصارى قال :

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلى بن أبى طالب : سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتىّ من الدنيا فعن قليل ينهدّ ركناك ، والله خليفتى عليك ، فلمّا قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال على : هذا أحد الركنين الذي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا ماتت فاطمة قال : هذا الركن الآخر الذي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

٤ ـ قال ابن أبى الحديد : وفى الحديث الصحيح أنّه قال الحسن والحسينعليهما‌السلام : «إنّكم لتجبّنون وإنّكم لتبخّلون ، وإنّكم لمن ريحان الله»(٣) .

٥ ـ روى ابن الجوزى عن ابن عمر قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هما ريحانتاى من الدنيا يعنى الحسن والحسينعليهما‌السلام ، انفرد باخراجه البخاري(٤)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٢٠.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٢٠.

(٣) شرح النهج : ١٦ / ٦٢

(٤) صفة الصفوة : ١ / ٣٢١


١٥ ـ باب أنّهعليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنّة

١ ـ الحافظ ابن عساكر ، أخبرنا أبو القاسم علىّ بن إبراهيم ، وأبو الحسن علىّ ابن أحمد ، قالا : أنبأنا أبو منصور ابن خيرون ، أنبأنا أبو بكر الخطيب ، أنبأنا محمّد بن الحسين القطان ، أنبأنا عبد الباقى بن قانع ، أنبأنا محمّد بن الحسن بن يعقوب الحاجب ، أنبأنا عبد الصمد بن حسان ، أنبأنا محمّد بن أبان ، عن أبى جناب ، عن الشعبى ، عن زيد بن يثيع ، عن علىّ ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة(١) .

٢ ـ أخبرنا أبو القاسم تميم ابن أبى سعيد ابن أبى العباس ، أنبأنا أبو بكر محمّد ابن عبد الله بن عمر العمرى ، أنبأنا أبو محمّد ابن أبى شريح وأنبأنا يحيى بن محمّد بن صاعد ، أنبأنا محمّد بن يحيى بن كثير بحرّان ، وحميد بن الاصبغ بن عبد العزيز بعسقلان ، قالا : أنبأنا آدم بن أبى إياس ، أنبأنا لكيز بن حسين عن أبى جناب الكلبى ، عن عامر الشعبى ، عن الحارث الهمدانيّ ، عن علىّ بن أبى طالب ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة(٢) .

٣ ـ قال ابن عبد ربه : قال أبو هريرة لمروان : علام تمنع أن يدفن الحسن مع جدّه؟ فلقد أشهد أنّى سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، فقال له مروان. لقد ضيع الله حديث نبيّه إذ لم يروه غيرك ، قال : أما إنّك إذ قلت ذلك لقد صحبته حتى عرفت من أحبّ ومن أبغض ، ومن نفى ومن أقرّ ،

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٤١.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٥٤.


ومن دعا له ومن دعا عليه(١)

٤ ـ الحميرى ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وأبوهما خير منهما(٢) .

٥ ـ الصدوق حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسروررحمه‌الله ، قال : حدّثنا الحسين ابن محمّد بن عامر ، عن المعلى بن محمّد البصرى ، عن جعفر بن سليمان ، عن عبد الله بن الحكم ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ عليّا وصيي وخليفتى ، وزوجته فاطمة سيّدة نساء العالمين ابنتى ، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ولداي.

من والاهم فقد والاني ، ومن عاداهم فقد عادانى ، ومن ناواهم فقد ناوانى ، ومن جفاهم فقد جفانى ، ومن برّهم فقد برّنى ، وصل الله من وصلهم ، وقطع من قطعهم ، ونصر من أعانهم ، وخذل من خذلهم ، اللهمّ من كان له من أنبيائك ورسلك ثقل وأهل بيت ، فعلىّ وفاطمة والحسن والحسين أهل بيتى وثقلى ، فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا(٣) .

٦ ـ عنه حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليدرحمه‌الله قال : حدّثنا محمّد ابن الحسن الصفّار ، عن العبّاس بن معروف ، عن أبى اسحاق ، عن الحسن بن زياد العطّار ، قال قلت لأبى عبد اللهعليه‌السلام : قول رسول الله فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة أسيّدة نساء عالمها قال ذاك مريم ، وفاطمة سيّدة نساء ، أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين فقلت : فقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، قال : هما والله سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين(٤)

__________________

(١) عقد الفريد : ٤ / ٣٦١.

(٢) قرب الاسناد : ٥٣.

(٣) أمالى الصدوق : ٣٥.

(٤) أمالى الصدوق : ٧٦.


٧ ـ أبو جعفر الطبرى الامامى باسناده ، عن المنهال بن عمر ، عن زرّ بن حبيش ، عن حذيفة قال : قالت لى امّى متى عهدك بالنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت : ما لي به عهد ، قال فنالت منى ، قلت دعينى فانى سآتى النبيّ فيستغفر لى ذلك قال : فأتيت رسول الله فصلّيت معه المغرب ، قال : فصلّى ما بين المغرب والعشاء ، ثمّ انصرف فتبعته فبينا هو يمشى اذ عرض له عارض ثمّ مضى فتبعته فالتفت.

فقال من هذا؟ فقلت : حذيفة فقال : ما جاء بك يا حذيفة ، فاخبرته بالذى قالت امّى ، وقلت لها فقال غفر الله لك يا حذيفة ولامّك ما رأيت العارض الذي عرض لى ، قلت بلى بأبى أنت وأمّى ، قال جاءنى ملك من الملائكة لم يهبط الى الأرض قبل ليلتى هذه ، فاستأذن ربّهعزوجل ان يسلم علىّ فبشّرنى أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة وانّ فاطمةعليها‌السلام سيّدة نساء أهل الجنّة(١) .

٨ ـ الترمذى حدّثنا محمود بن غيلان ، حدّثنا أبو داود الحفرى ، عن سفيان ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن ابن أبى نعم ، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ، قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة(٢) .

١٦ ـ باب انّ الحسين على ظهر النبيّعليهما‌السلام

١ ـ الحافظ ابن عساكر ، أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى ، أنبأنا أحمد بن أبى عثمان ، وأحمد بن محمّد بن إبراهيم ، وأخبرنا أبو عبد الله بن القصارى ، أنبأنا أبى ، أنبأنا إسماعيل بن الحسن الصرصرى ، أنبأنا حمزة بن القاسم الهاشمى ، أنبأنا عبّاس

__________________

(١) بشارة المصطفى : ٣٤٠.

(٢) صحيح الترمذى : ٥ / ٦٥٦.


الدورى أنبأنا خالد بن يزيد الطبيب ، أنبأنا كامل بن العلاء ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة ، قال :

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّى فاذا سجد ركب الحسن والحسين على ظهره ، فاذا رفع رأسه أخذهما بيده أخذا رفيقا فوضع أحدهما على فخذه والآخر فى حجره ، فقلت يا رسول الله أذهب بهما إلى أمهما؟ قال : لا. قال : فبرقت برقة فقال : ألحقا بأمكما. قال : فلم يزالا فى ضوء تلك البرقة حتّى لحقا بأمّهما(١) .

٢ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمّد بن الحصين ، أنبأنا أبو علىّ ابن المذهب. أنبأنا أحمد بن جعفر ، أنبأنا عبد الله بن أحمد ، حدّثنى أبى أنبأنا أسود بن عامر ، أنبأنا كامل وأبو المنذر ، قال أسود : قال : أخبرنا المعنى ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة قال:

كنّا نصلّى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العشاء فاذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره ، فاذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه ، أخذا رفيقا فيضعهما على الارض فاذا عاد عادا ، حتّى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه ، قال : فقمت إليه فقلت : يا رسول الله أردّهما؟ فبرقت برقة فقال : لهما : الحقا بأمّكما قال : فمكث ضوؤها حتّى دخلا(٢) .

أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنبأنا أبو بكر البيهقي ، أنبأنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله الحافظ أنبأنا محمّد بن يعقوب ، أنبأنا أبو جعفر محمّد بن عبد الله بن المنادى ، أنبأنا وهب بن جرير بن حازم حدّثنا أبى ، أنبأنا محمّد بن عبد الله بن أبى يعقوب ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، عن أبيه قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو حامل أحد ابنيه الحسن والحسين.

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٠٣.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٠٣.


فتقدّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ وضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سجدة أطالها ، قال أبى فرفعت رأسى من بين الناس فاذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره ، فعدت فسجدت فلما انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال الناس : يا رسول الله لقد سجدت فى صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به؟ أو كان يوحى إليك؟ قال : كلّ ذلك لم يكن إنّ ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعجّله حىّ يقضى حاجته(١) .

١٧ ـ باب انّ الرّسول يخطب والحسين

يمشى بين يديهعليهما‌السلام

١ ـ الحافظ ابن عساكر وأخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أنبأنا أبو على ابن المذهب ، قالا : أنبأنا أحمد بن جعفر ، أنبأنا عبد الله ، حدّثنى أبى ، أنبأنا زيد بن الحباب ، حدثني حسين بن واقد ، حدّثنى عبد الله بن بريدة ، قال : سمعت أبى ، بريدة يقول : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ، ويعثران ، فنزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثمّ قال : صدق الله ورسوله( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثى ورفعتهما(٢) .

٢ ـ عنه أخبرنا أبو سهل محمّد بن إبراهيم ، أنبأنا أبوا الفضل الرازى ، أنبأنا جعفر بن عبد الله ، أنبأنا محمّد بن هارون ، أنبأنا محمّد بن إسحاق ، أنبأنا علىّ بن

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٠٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٠٧.


الحسن بن شقيق ، أنبأنا الحسين بن واقد ، أنبأنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب إذ أقبل الحسن والحسين ، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، إذ نزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من المنبر فرفعهما ثمّ قال : صدق الله ورسوله :( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان ويعصران فلم أصبر حتّى قطعت حديثى ورفعتهما(١) .

٣ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم الشحامى ، أنبأنا أبو بكر البيهقي ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، أنبأنا الحسن بن مكرم ، أنبأنا زيد ابن الحباب ، أنبأنا حسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب وأقبل الحسن والحسين وعليهما ـ وقال ابن عفان : عليهما ـ قميصان أحمران وهما يعثران ويقومان ، فلمّا رآهما نزل فأخذهما ثمّ صعد فوضعهما فى حجره ثمّ قال : صدق الله( أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) رأيت هذين فلم أصبر حتّى أخذتهما(٢) .

١٨ ـ باب انّ الرّسول يصلّى والحسين يلزم عنقه

١ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو بكر المرزقى ، أنبأنا أبو الحسين بن المهتدى ، أنبأنا أبو الحسن على بن عمر بن محمّد الحربى ، أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن ـ يعنى الصوفى ـ أنبأنا عبد الرحمن بن صالح ، أنبأنا علىّ بن هاشم بن البريد ، أنبأنا محمّد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، عن عطية العوفى ، عن أبى سعيد الخدرى قال : جاء

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٠٨.


حسين يشتدّ والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يصلّى فالتزم عنقه فقام النبيّ وأخذه بيده فلم يزل يمسكه حتّى ركع(١) .

١٩ ـ باب انّ الرسول يسقى الحسينعليه‌السلام

١ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو على الحدّاد فى كتابه ، ثمّ أخبرنى أبو القاسم ابن السمرقندى ، أنبأنا يوسف بن الحسن ، قال : أنبأنا أبو نعيم؟ أنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يونس بن حبيب ، أنبأنا أبو داوود ، أنبأنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن أبى فاختة. قال : قال علىّ : زارنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فبات عندنا والحسن والحسين نائمان.

فاستسقى الحسن ، فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى قربة لنا فجعل يعصرها فى القدح ثمّ جاء يسقيه فتناول الحسين القدح ليشرب فمنعه وبدأ بالحسن ، فقالت فاطمة : يا رسول الله كأنّه أحبّهما إليك؟ فقال : لا ولكنّه استسقى أوّل مرّة ؛ ثمّ قال رسول الله : إنّى وإيّاك وهذين وأحسبه قال : وهذا الراقد يعنى عليّا ـ يوم القيامة فى مكان واحد(٢) .

٢ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين ، أنبأنا أبو على ابن المذهب ، قالا : أنبأنا أحمد بن جعفر ، أنبأنا عبد الله ، حدّثنى أبى ، أنبأنا عفان ، أنبأنا معاذ بن معاذ ، أنبأنا قيس بن الربيع ، عن أبى المقدام ، عن عبد الرحمن الأزرق ، عن على قال : دخل علىّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا نائم على المنامة.

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٠٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١١١.


فاستسقى الحسن ـ أو الحسين ـ قال فقام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى شاة لنا بكيء فحلبها فدرّت فجاءه الآخر فنحّاه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : فاطمة : يا رسول الله كأنّه أحبّهما إليك؟ قال : لا ولكنّه استسقى قبله ، ثمّ قال إنّى وإيّاك وهذين وهذا الراقد فى مكان واحد يوم القيامة(١) .

٣ ـ أخبرنا أبو بكر محمّد بن نصر بن أبى بكر اللفتوانى ، وأبو الفضل محمّد بن عبد الواحد بن محمّد المغازلى ، بأصبهان ، وأبو صالح عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أحمد الحنوى ، ببغداد ، قالوا : أنبأنا رزق الله بن عبد الوهّاب بن عبد العزيز ، أنبأنا أحمد بن محمّد بن أحمد بن حمّاد الواعظ ، أنبأنا علىّ بن محمّد بن عبيد الحافظ ، أنبأنا محمّد بن الحنين الحنينى ، أنبأنا إبراهيم بن محمّد بن ميمون ، أنبأنا علىّ بن عبّاس ، عن أبى الجحّاف ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله ـ أو عبيد الله بن الحارث الحنينى ـ شكّ عبد الرحمن بن زياد قال ابن عبيد : والصواب : عبد الله بن الحرث ـ عن أبى سعيد الخدرى قال:

دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ، علىّ وفاطمة والحسن والحسين فاضطجع معهم فاستسقى الحسن فقام رسول الله إلى لقوح فحلبها ، فاستسقى الحسين ، فقال له نبىّ الله : يا بنى استسقى أخوك قبلك نسقيه ثمّ نسقيك قالت فاطمة : كأنّه أحبّهما إليك يا رسول الله؟ قال : ما هو بأحبّهما إلىّ إنّى وأنت وهما وهذا المضطجع فى مكان واحد يوم القيامة(٢) .

٤ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد ، أنبأنا أبو بكر الخطيب ، أنبأنا أبو طاهر إبراهيم بن محمّد بن عمر بن يحيى العلوى ، أنبأنا أبو المفضّل محمّد بن عبد الله بن محمّد الشيبانى ، أنبأنا أبو زيد محمّد بن أحمد بن سلامة الأسدي

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١١٢.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١١٤.


بالمراغة أنبأنا السرى بن خزيمة بالرّى ، أنبأنا يزيد بن هشام العبدى ، أنبأنا مسمع ابن عبد الملك : عن خالد بن طليق ، عن أبيه ، عن جدته أم نجيد : عن ميمونة وأمّ سلمة زوجى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قالتا استسقى الحسن فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فخرج له فى غمر كان لهم ثمّ أتاه به فقام الحسين فقال : اسقنيه يا أبه. فأعطاه رسول الله الحسن ، ثمّ خرج للحسين فسقاه ، فقالت فاطمة : كأنّ الحسن أحبّهما إليك؟ قال : إنّه استسقى قبله وإنّى وإيّاك وهما وهذا الراقد فى مكان واحد فى الجنّة(١) .

٢٠ باب انّ اسمه مكتوب على العرش

١ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم علىّ بن إبراهيم ، وأبو الحسن علىّ ابن أحمد ، قالا : أنبأنا أبو منصور ابن خيرون ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علىّ ، أنبأنا أبو الفتح هلال بن محمّد بن جعفر الحفار ، حدّثنى أبو الحسن على بن أحمد بن حمويه الحلوانى المؤدّب ، حدّثنى محمّد بن إسحاق المقرئ ـ يعنى أبا بكر المعروف بشاموخ ـ أنبأنا علىّ بن حمّاد الخشاب ، أنبأنا على ابن المدينى ، أنبأنا وكيع بن الجراح ، أنبأنا سليمان بن مهران ، أنبأنا جابر : عن مجاهد ، عن ابن عبّاس.

قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة عرج بى الى السماء رأيت الى باب الجنّة مكتوبا : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله علىّ حبّ الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة امة الله على باغضهم لعنة الله(٢)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١١٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٣٠.


٢١ ـ باب أنّه ابن رسول اللهعليهما‌السلام

١ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو محمّد ابن طاوس ، أنبأنا عاصم بن الحسن ، أنبأنا أبو سهل محمّد بن عمر العكبرى ، أنبأنا علىّ بن الفرج ابن أبى روح ، أنبأنا ابن أبى الدنيا ، حدّثنى أبو محمّد عبد الرحمن بن صالح الازدى ، أنبأنا يحيى بن يعلى ، أنبأنا يونس بن خبّاب ، عن مجاهد قال : جاء رجل إلى الحسن والحسين فسألهما فقالا : انّ المسألة لا تصلح إلا لثلاثة : لحاجة ، مجحفة ، أو لحمالة مثقلة ، أو دين فادح فأعطياه.

ثمّ أتى ابن عمر فأعطاه ولم يسأله عن شيء فقال له الرجل : أتيت ابنى عمّك وهما أصغر سنا منك فسألانى وقالا لى وأنت لم تسألنى عن شيء قال : هما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّهما كانا يغرّان بالعلم غرّا(١) .

٢ ـ أخبرنا أبو الحسن بن سعيد ، أنبأنا أبو النجم بدر بن عبد الله ، أنبأنا أبو بكر الخطيب ، أنبأنا محمّد بن عبيد بن شهريار الأصبهاني أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيّوب الطبرانى ، أنبأنا طىّ بن إسماعيل بن الحسن ابن قحطبة بن خالد بن معدان الطائى ببغداد ، أنبأنا عبد الرحمن بن صالح الأزدى أنبأنا يحيى بن على الأسلمى عن يونس ابن خبّاب ، عن مجاهد.

قال جاء رجل الى الحسن والحسين فسألهما فقالا : إنّ المسألة لا تصلح إلّا لثلاثة : لحاجة مجحفة ، أو لحمالة مثقلة ، أو دين فادح ، فأعطياه ، ثمّ أتى ابن عمر

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣٨.


فأعطاه ولم يسأله ، فقال له الرجل : أتيت ابنى عمّك فسألانى وأنت لم تسألنى؟! فقال ابن عمر : هما ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّهما كان يغرّان بالعلم غرّا(١) .

٣ ـ عنه أخبرنا أبو العزّ أحمد بن عبيد الله السلمى ، إذنا ومناولة وقرأ علىّ إسناده ، أنبأنا أبو على محمّد بن الحسين ، أنبأنا أبو الفرج المعافا بن زكريّا ، أنبأنا محمّد ابن يحيى الصولى ، أنبأنا العلائى أنبأنا ابن عائشة ، أنبأنا الحسن بن الحسين الفزارى أنبأنا قطرى الخشاب ، عن مدرك بن عمارة ، قال : رأيت ابن عباس آخذا بركاب الحسن والحسين ، فقيل له : أتأخذ بركابهما وأنت أسنّ منهما؟ فقال : ان هذين ابنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو ليس من سعادتى أن آخذ بركابهما(٢)

٢٢ ـ باب انّهعليه‌السلام سيّد الشهداء

١ ـ ابن قولويه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزاز ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد ابن إسماعيل ، عن حنان قال قال أبو عبد اللهعليه‌السلام زوروا الحسينعليه‌السلام ولا تجفوه انّه سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق وسيّد الشهداء(٣) .

٢ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن العبّاس بن معروف ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعى بن عبد الله قال قلت لابي عبد اللهعليه‌السلام اين قبور الشهداء فقال : أليس أفضل الشهداء عندكم والذي نفسى بيده ، إنّ حوله أربعة آلاف ملك شعثا غبرا يبكونه الى يوم القيامة(٤)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٣٨.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٤٦.

(٣) كامل الزيارات : ١٠٩.

(٤) كامل الزيارات : ١٠٩.


٣ ـ حدّثنى أبو العبّاس الرزاز ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن أبى داود المسترقّ ، عن أمّ سعيد الاحمسيّة قالت كنت عند أبى عبد اللهعليه‌السلام وقد بعث من يكترى لى حمارا الى قبور الشهداء فقال ما يمنعك من زيارة سيّد الشهداء قالت قلت ومن هو؟ قال الحسينعليه‌السلام قالت : قلت وما لمن زاره قال حجّة وعمرة مبرورة ، ومن الخير كذا وكذا ثلث مرّات بيده(١) .

٤ ـ عنه ، عن محمّد بن الحسين ، عن الحكم بن مسكين ، عن أمّ سعيد الاحمسيّه قالت جئت إلى أبى عبد اللهعليه‌السلام ، فدخلت عليه فجاءت الجارية فقالت : قد جئت بالدابّة فقال لى يا أمّ سعيد أىّ شيء ، هذه الدابّه أين تذهبين قالت قلت أزور قبور الشهداء قال : اخرى ذلك اليوم ، ما أعجبكم يا أهل العراق تأتون الشهداء من سفر بعيد ، وتتركون سيّد الشهداء لا تأتونه قالت : قلت له من سيّد الشهداء ، فقال الحسين بن علىعليهما‌السلام ، قالت : قلت انّى امرأة فقال لا بأس لمن كان مثلك أن يذهب إليه ، ويزوره ، قالت أىّ شيء لنا فى زيارته قال تعدل حجّة وعمرة واعتكاف شهرين فى المسجد الحرام ، وصيامها وخيرها كذا وكذا قالت وبسط يده وضمّها ضما ثلاث مرّات(٢) .

٥ ـ عنه حدّثنى أبى وعلىّ بن الحسين ومحمّد بن الحسنرحمهم‌الله ، عن سعد ابن عبد الله عن الحسن بن على عبد الله بن المغيرة ، عن العباس بن عامر ، عن أحمد بن رزق الغمشانى ، عن أمّ سعيد الأحمسيّة قالت : دخلت المدينة فاكتريت حمارا على أن أطوف على قبور الشهداء فقلت لا بدّ أبدأ بابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فادخل عليه.

فابطأت على المكارى قليلا فهتف بى ، فقال لى أبو عبد اللهعليه‌السلام ما هذايا أمّ

__________________

(١) كامل الزيارات : ١٠٩.

(٢) كامل الزيارات : ١١٠.


سعيد ، قلت له : جعلت فداك تكاريت حمارا لادور على قبور الشهداء قال : أفلا أخبرك بسيّد الشهداء قلت بلى ، قال : الحسين بن علىعليهما‌السلام ، قلت وانّه لسيّد الشهداء ، قال نعم قلت فما لمن زاره قال حجّة وعمرة ومن الخير هكذا وهكذا(١) .

٦ ـ حدّثنى أبى ومحمّد بن عبد الله بن جعفر الحميرى ، جميعا عن عبد الله ابن جعفر الحميرى ، عن أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم الحارثى ، عن عبد الله بن سنان ، عن أمّ سعيد الاحمسيّة قالت دخلت المدينة فاكتريت البغل أو البغلة لازور عليه قبور الشهداء قالت : قلت ما أحد أحقّ أن أبدا به من جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، قالت فدخلت عليه فأبطأت فصاح بى المكارى حبستينا عافاك الله.

فقال لى أبو عبد الله كأنّ انسانا يستعجلك يا أمّ سعيد قلت نعم جعلت فداك إنّى اكتريت بغلا لا زور عليه قبور الشهداء فقلت ما آتى احدا أحقّ من جعفر بن محمّدعليهما‌السلام قالت فقال يا أمّ سعيد فما يمنعك من أن تأتى قبر سيّد الشهداء قالت فطمعت أن يدلّنى على قبر علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام ، فقلت بأبى أنت وامّى من سيّد الشهداء؟ قال الحسين بن فاطمةعليهما‌السلام يا أمّ سعيد من أتاه ببصيرة ورغبة فيه كان له حجّة وعمرة مبرورة وكان من الفضل هكذا وهكذا(٢) .

٧ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن خاله محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب ، عن محمّد بن اسماعيل ، عمّن حدّثه ، عن علىّ بن أبى حمزة ، عن الحسين بن أبى العلاء وأبى المعزاء وعاصم بن حميد الحنّاط ، جماعتهم عن أبى بصير عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال ما من شهيد الّا ويحبّ أن يكون مع الحسينعليه‌السلام حتّى يدخلون الحنّة

__________________

(١) كامل الزيارات : ١١٠.

(٢) كامل الزيارات : ١١٠.


معه(١) .

٢٣ ـ باب ما جرى بينه وأبو ذر

١ ـ البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن سنان ، عن إسحاق بن جرير الحريرىّ ، عن رجل من أهل بيته عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : لمّا شيّع أمير المؤمنينعليه‌السلام ، أبا ذرّ قدّس سره وشيعه الحسن والحسينعليهما‌السلام ، وعقيل بن أبى طالب وعبد الله بن جعفر وعمّار بن ياسر قال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : ودّعوا أخاكم ، فانّه لا بدّ للشاخص من أن يمضى وللمشيّع من أن يرجع.

قال : فتكلم كل رجل منهم على حياله ، فقال الحسين بن علىعليهما‌السلام : رحمك الله يا أبا ذر ، ان القوم انما امتهونك بالبلاء لانك منعتهم دينك فمنعوك دنياهم ، فما أحوجك غدا الى ما منعهم ، وأغناك عما منعوك ، فقال أبو ذرقدس‌سره رحمكم الله من أهل بيت ، فما لى فى الدنيا من شجن غيركم ، انى اذا ذكرتكم ذكرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

٢ ـ قال ابن أبى الحديد فى حديث تبعيد أبى ذر : ثم تكلم الحسينعليه‌السلام ، فقال : يا عماه ، ان الله تعالى قادران يغير ما قد ترى ، والله كل يوم هو فى شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ، ومنعتهم دينك ، فما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم الى ما منعتهم! فاسال الله الصبر والنصر ، واستعنه به من الجشع والجزع ، فان الصبر من الدين و

__________________

(١) كامل الزيارات : ١١١.

(٢) المحاسن : ٣٥٣.


الكرم ، وان الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا(١) .

٢٤ ـ باب ما جرى بينه وابن الحنفية

١ ـ الصفار حدثنا ايوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى ، عن مروان بن اسماعيل ، عن حمزة بن حمران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : ذكرنا خروج الحسين وتخلّف ابن الحنفية عنه ، قال أبو عبد الله يا حمزة انى سأحدثك فى هذا الحديث ، ولا تسأل عنه مجلسنا هذا ، ان الحسين لما فصل متوجها دعا بقرطاس وكتب : بسم الله الرّحمن الرّحيم من الحسين بن على الى بنى هاشم ، أما بعد فانه من ألحق بى منكم استشهد معى ، ومن تخلف لم يبلغ الفتح ، والسلام(٢) .

٢ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : عن هشام بن الوليد ، عمن شهد ذلك ، قال : أقبل الحسين ابن على بأهله من مكة ومحمد بن الحنفية بالمدينة ، قال : فبلغه خبره وهو يتوضأ فى طست ، قال : فبكى حتى سمعت وكف دموعه فى الطست(٣) .

٣ ـ قال ابن ابى الحديد لما تقاعس محمد يوم الجمل عن الحملة ، وحمل علىّعليه‌السلام بالراية ، فضعضع أركان عسكر الجمل ، دفع إليه الراية ، وقال : امح الاولى بالاخرى ، وهذه الانصار معك ، وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين ، فى جمع من الانصار ، كثير منهم من أهل بدر ، فحمل حملات كثيرة ، ازال بها القوم ، عن

__________________

(١) شرح النهج : ٨ / ٢٥٣.

(٢) بصائر الدرجات : ٤٨١.

(٣) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٤.


مواقفهم وأبلى بلاء حسنا.

فقال خزيمة بن ثابت لعلىعليه‌السلام : أما انه لو كان غير محمد اليوم لافتضح ، ولئن كنت خفت عليه الجبن ، وهو بينك وبين حمزة وجعفر ، لما خفناه عليه ، وان كنت أردت أن تعلمه الطعان فسطا لما عملته الرجال ، وقالت الانصار : يا أمير المؤمنين ، لو لا ما جعل الله تعالى للحسن والحسينعليها‌السلام لما قدّمنا على محمد أحدا من العرب.

فقال علىعليه‌السلام : أين النجم من الشمس والقمر أما انه قد أغنى وأبلى ، وله فضله ، ولا ينقص فضل صاحبيه عليه ، وحسب صاحبكم ما انتهت به نعمة الله تعالى إليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، انا والله لا نجعله كالحسن والحسين ، ولا نظلمها له ، ولا نظلمه ـ لفضلهما عليه ـ حقه ، فقال علىعليه‌السلام : أين يقع ابنى من ابنى بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقال خزيمة بن ثابت فيه :

محمّد ما فى عودك اليوم وهمة

ولا كنت فى الحرب الضروس معرّدا

أبوك الّذي لم يركب الخيل مثله

علىّ ، وسمّاك النبيّ محمّدا

فلو كان حقّا من أبيك خليفة

لكنت ، ولكن ذاك ما لا يرى بدا

وأنت بحمد الله أطول غالب

لسانا ، وانداها بما ملكت يدا

وأقربها من كلّ خير تريده

قريش وأوفاها بما قال موعدا

وأطعنهم صدر الكمى برمحه

وأكساهم للهام عضبا مهنّدا

سوى أخويك السيّدين ، كلاهما

امام الورى والدا عيان الى الهدى

أبى الله أن يعطى عدوّك مقعدا

من الارض أوفى الاوج مرقى ومصعدا(١)

٤ ـ عنه قيل لمحمّد ابن الحنفية : لم يغر ربك أبوك فى الحرب ، ولم لا يغرر بالحسن والحسين؟ فقال : لانهما عيناه ، وأنا يمينه فهو يذبّ عن عينيه بيمينه(٢)

__________________

(١) شرحا لنهج : ١ / ٢٤٥.

(٢) شرح النهج : ١١ / ٢٨.


٥ ـ قال ابن عبد ربه : وقف محمد بن الحنفية على قبر الحسين بن علىعليهما‌السلام فخنقته العبرة ، ثم نطق فقال : يرحمك الله أبا محمد(١) ، فلئن عزت حياتك فلقد هدت وفاتك ، ولنعم الروح روح ضمه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمه كفنك ، وكيف لا يكون كذلك وأنت بقية ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذتك أكف الحقّ ، وربيت فى حجر الاسلام ، قطبت حيا وطبت ميتا ، وان كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك ، ولا شاكة فى الخيار لك(٢) .

٢٥ ـ باب ما جرى بينه وابو بكر

١ ـ محمّد بن الاشعث أخبرنا عبد الله بن محمّد ، قال : أخبرنا محمّد بن محمّد ، قال : حدّثنى موسى ، قال : حدّثنا أبى ، عن جدّه ، جعفر بن محمّد ، عن أبيه عن جدّه ، علىّ بن الحسين عن أبيه ، عن علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام قال : لمّا استخلف أبو بكر صعد المنبر فى يوم الجمعة وقد تهيّأ الحسن والحسين للجمعة فسبق الحسين فانتهى الى أبى بكر ، وهو على المنبر ، فقال له : هذا منبر أبى لا منبر أبيك ، فبكى أبو بكر.

فقال : صدقت هذا منبر أبيك لا منبر أبى فدخل علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام على تلك الحال فقال ما يبكيك يا أبا بكر ، فقال له القوم ما قال له الحسين كذا وكذا ، فقال : علىعليه‌السلام يا أبا بكر انّ الغلام إنمّا يشعر فى سبع سنين ، ويحتلم فى أربعة عشر سنة ويستكمل طوله فى أربع وعشرين ويستكمل عقله فى ثمان وعشرين سنة فما كان بعد ذلك فانّما هو بالتجارب(٣)

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) العقد الفريد : ٣ / ٢٣٩.

(٣) الاشعثيات : ٢١٢.


٢٦ ـ باب ما جرى بينه وعمر

١ ـ الطوسى باسناده عن كثير ، عن زيد بن على ، عن أبيه ، أنّ الحسين بن علىعليهما‌السلام أتى عمر بن الخطاب وهو على المنبر يوم الجمعة ، فقال له : انزل عن منبر أبى ، فبكى عمر ثمّ قال صدقت يا بنى منبر أبيك لا منبر أبى ، فقال علىعليه‌السلام : ما هو والله عن رأيى قال : صدقت والله ما اتهمتك يا أبا الحسن ، ثمّ نزل عن المنبر فأخذه فأجلسه على جنبه على المنبر ، فخطب الناس وهو جالس معه على المنبر ، ثمّ قال : أيّها الناس سمعت نبيّكمصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول احفظونى فى عترتى وذرّيتى ، فمن حفظنى فيهم حفظه الله ، ألا لعنة الله على من آذانى فيهم ثلاثا(١) .

٢ ـ الخطيب البغدادى أخبرنا محمّد بن أحمد بن رزق ، قال أنبأنا دعلج بن أحمد ، المعدّل قال : نا موسى بن هارون قال : نا ، أبو الربيع قال : نا حماد بن زيد ، قال : نا ، يحيى بن سعيد ، عن عبيد بن حنين قال : حدّثنى الحسين بن على. قال : أتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر ، فصعدت إليه فقلت : أنزل عن منبر أبى واذهب الى منبر أبيك ؛ فقال عمر : لم يكن لابي منبر وأخذنى واجلسنى معه.

فجعلت أقلب خنصر يدى ، فلمّا نزل انطلق بى الى منزله. فقال لى : من علّمك؟ فقلت : والله ما علّمنيه أحد ، قال : يا بنىّ لو جعلت تغشانا قال : فأتيته يوما وهو خال

__________________

(١) أمالي الطوسى : ٢ / ٣١٣.


بمعاوية وابن عمر بالباب ، فرجع ابن عمرو رجعت معه ، فلقينى بعد ، فقال : لم أرك؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنّى جئت وأنت خال ، بمعاوية وابن عمر بالباب ورجعت معه. فقال : أنت أحقّ بالاذن من ابن عمر ، وإنمّا أنبت ما ترى فى رءوسنا الله ثمّ أنتم(١) .

٣ ـ قال ابن أبى الحديد : روى يحيى بن سعيد ، قال : أمر عمر الحسين بن علىعليهما‌السلام أن يأتيه فى بعض الحاجة ، فلقى الحسينعليه‌السلام عبد الله بن عمر ، فسأله من أين جاء؟ قال : استأذنت على أبى فلم يأذن لى ، فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد ، فقال : ما منعك يا حسين أن تأتينى قال : قد أتيتك ، ولكن أخبرنى ابنك عبد الله أنّه لم يؤذن له عليك ، فرجعت ، فقال عمر : وأنت عندى مثله؟! وهل أنبت الشعر الرأس غيركم!(٢)

٤ ـ عنه قال ابن الجوزى : وأدخل عمر فى أهل بدر ممّن لم يحضر بدرا أربعة ، وهم الحسن ، والحسين وأبو ذر ، وسلمان ، ففرض لكلّ واحد منهم خمسة آلاف ، قال ابن الجوزى : وروى السدّى أنّ عمر كسا أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يرتض فى الكسوة ما يستصلحه للحسن والحسينعليهما‌السلام ، فبعث الى اليمن ، فأتى لهما بكسوة فاخرة ، فلمّا كساهما قال : الآن طابت نفسى(٣) .

٥ ـ الحافظ ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى أنبأنا عمر بن عبد الله بن عمر ، أنبأنا أبو الحسين ابن بشران ، أنبأنا عثمان بن أحمد ، أنبأنا حنبل بن إسحاق ، أنبأنا الحميدى أنبأنا سفيان قال : أنبأنا يحيى بن سعيد ، قال : أمر عمر حسين ابن على أن يأتيه فى بعض الحاجة ، فأتاه حسين فلقيه عبد الله بن عمر ، فقال له الحسين : من أين جئت؟ قال : استأذنت على عمر فلم يؤذن لى.

__________________

(١) تاريخ بغداد : ١ / ١٤١.

(٢) شرح النهج : ١٢ / ٦٥.

(٣) شرح النهج : ١٢ / ٢١٥.


فرجع حسين فلقيه عمر بعد فقال له : ما منعك يا حسين أن تأتينى؟ قال : قد أتيتك ولكن أخبرنى عبد الله بن عمر أنه لم يؤذن له عليك فرجعت ، فقال له عمر : وأنت عندى مثله وأنت عندى مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم(١) .

٦ ـ عنه أخبرنا أبو البركات الأنماطي وأبو عبد الله البلخى ، قال : أنبأنا أبو الحسين بن الطيورى ، وثابت بن بندار ، قالا : أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر ، وأبو نصر محمّد بن الحسن ، قالا : أنبأنا الوليد بن بكر ، أنبأنا علىّ بن أحمد بن زكريّا ، أنبأنا صالح بن أحمد.

حدّثنى أبى أحمد ، أنبأنا سليمان بن حرب ، أنبأنا حماد بن زيد : عن يحيى بن سعيد ، عن عبيد بن حنين ، عن حسين بن على قال : صعدت الى عمر وهو على المنبر ، فقلت: انزل عن منبر أبى واذهب الى منبر أبيك فقال من علمك هذا؟ قلت : ما علمنيها أحد قال : منبر أبيك والله ، منبر أبيك والله وهل أنبت على رءوسنا الشعر الا أنتم لو جعلت تأتينا وجعلت تغشانا(٢)

٧ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا أبو محمّد الحسن بن على ، أنبأنا محمّد بن العباس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا سليمان بن حرب ، أنبأنا حمّاد بن زيد : أنبأنا يحيى بن سعد الأنصاري ، عن عبيد بن حنين ، عن حسين بن على قال : صعدت الى عمر بن الخطاب ، فقلت له : انزل عن منبر أبى واصعد منبر أبيك قال : فقال : إن أبى لم يكن له منبر :

قال فاقعدنى معه فلمّا نزل ذهب بى الى منزله فقال لى : أى بنىّ من علمك هذا؟ قال : قلت : ما علّمنيه أحد قال : أى نبىّ لو جعلت تأتينا وتغشانا؟ قال : فجئت يوما وهو خال بمعاوية ، وابن عمر بالباب ولم يأذن له ، فرجعت ، فلقينى بعد ، فقال

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٤٠.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٤١.


لى : يا بنىّ لم أرك أتيتنا؟ فقلت قد جئت وأنت خال بمعاوية فرأيت ابن عمر رجع فرجعت. فقال أنت أحقّ بالاذن من عبد الله بن عمر ، إنّما أنبت فى رءوسنا ما نرى الله ثمّ أنتم؟! قال : ووضع يده على رأسه(١) .

٨ ـ عنه أخبرنا أبو الحسن ابن أبى العبّاس الفقيه ، أنبأنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمّد ، أنبأنا أبو بكر الخطيب ، أنبأنا محمّد بن أحمد بن رزق أنبأنا دعلج ابن أحمد المعدل أنبأنا موسى بن هارون ، أنبأنا أبو الربيع ، أنبأنا حمّاد بن زيد ، أنبأنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد بن حنين قال : حدّثنى الحسين بن على قال : أتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر ، فصعدت إليه فقلت له : انزل عن منبر أبى واذهب الى منبر أبيك ، فقال عمر : لم يكن لأبى منبر وأخذنى وأجلسنى معه فجعلت أقلّب حصى بيدى.

فلمّا نزل انطلق بى إلى منزله فقال لى : من علمك هذا؟ فقلت : والله ما علّمنيه أحد. قال : يا بنىّ لو جعلت تغشانا؟! قال : فأتيته يوما وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب ، فرجع ابن عمر ورجعت معه فلقينى بعد فقال : لم أرك تأتينا؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إنى جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر بالباب ، فرجع ابن عمر ، ورجعت معه فقال : أنت أحقّ بالاذن من ابن عمر ، وإنّما أنبت ما ترى فى رءوسنا الله ثمّ أنتم(٢) .

٢٧ ـ باب ما جرى بينهعليه‌السلام ومعاوية

١ ـ الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمىرحمه‌الله قال : حدّثنا محمّد بن عمر البغدادى الحافظرحمه‌الله ، قال

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٤١.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٤٢.


حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري ، من كتابه قال : حدّثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى قاضى بلخ ، قال : حدثني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبى إسحاق وكانت عمتى قالت : حدّثتنى صفية بنت يونس بن أبى إسحاق الهمدانيّة وكانت عمّتى.

قالت حدّثتنى بهجة بن الحارث بن عبد الله التغلبى ، عن خالها عبد الله بن منصور ، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علىعليه‌السلام قال سألت جعفر بن محمّد بن على بن الحسينعليهما‌السلام ، فقلت حدّثنى عن مقتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : حدّثنى أبى عن أبيه قال لمّا حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد لعنه الله فأجلسه بين يديه.

فقال له : يا بنىّ إنّى قد ذللت لك الرقاب الصعاب ، ووطدت لك البلاد ، وجعلت الملك وما فيه لك طعمة وانى أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم وهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير والحسين بن على فأمّا عبد الله بن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه وأما عبد الله بن الزبير فقطعه ان ظفرت به إربا إربا فانّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته ويواريك موارية الثعلب للكلب.

وأمّا الحسينعليه‌السلام فقد عرفت حظه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو من لحم رسول الله ودمه وقد علمت لا محالة أنّ أهل العراق سيخرجونه إليهم ، ثمّ يخذلونه ويضيّعونه فان ظفرت به فاعرف حقّه ومنزلته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا تؤاخذه من بفعله ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحما وإيّاك أن تناله بسوء ويرى منك مكروها.

قال فلمّا هلك معاوية وتولّى الأمر بعده يزيد بعث عامله على مدينة رسول الله وهو عمّه عتبة بن أبى سفيان فقدم المدينة وعليها مروان بن الحكم وكان عامل معاوية فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد فهرب مروان فلم يقدر عليه وبعث عتبة الى الحسين بن على ، فقال إنّ أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له.


فقال الحسينعليه‌السلام يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة ومعدن الرسالة وأعلام الحقّ الذين أودعه اللهعزوجل قلوبنا وأنطق به ألسنتنا فنطقت باذن اللهعزوجل ولقد سمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : ان الخلافة محرمة على ولد أبى سفيان وكيف أبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا(١) .

٢ ـ قال الكشّى : روى انّ مروان بن الحكم ، كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة : أمّا بعد فان عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالا من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن على ، وذكر انّه لا يأمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك فبلغنى انّه يريد الخلاف يومه هذا ، ولست آمن أن يكون هذا أيضا لما بعده ، فاكتب إلىّ برأيك هذا والسلام».

فكتب إليه معاوية : أمّا بعد فقد بلغنى كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين ، فاياك أن تعرض للحسين فى شيء واترك حسينا ما تركك ، فانا لا نريد ان نعرض له فى شيء ما وفى بيعتنا ولم ينازعنا سلطاننا ، فاكمن عليه ما لم يبدلك صفحته والسلام».

كتب معاوية إلى الحسين بن علىعليه‌السلام : أمّا بعد فقد انتهت الىّ أمور عنك إن كانت حقا فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله إن أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء وإن كان الّذي بلغنى باطلا فانّك أنت أعدل الناس لذلك ، وعظ نفسك ما ذكر وبعهد الله أوف فانّك متى تنكرنى أنكرك ومتى تكدنى أكدك.

فاتّق شقّ عصا هذه الامة وأن يرد هم الله على يديك فى فتنة ، فقد عرفت الناس وبلوتهم فانظر لنفسك ولدينك ولامّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا يستخفّنك السفهاء والذين لا يعلمون.

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٩١.


فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين صلوات الله عليه ، كتب إليه أمّا بعد فقد بلغنى كتابك تذكر أنّه قد بلغك عنّى أمور أنت لى عنها راغب فأنا بغيرها عندك جدير ، فانّ الحسنات لا يهدى لها ولا يسدد إليها إلّا الله ، وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنى فانّه إنّما رقاه إليك الملاقون المشاءون بالنميم ، وما اريد لك حربا ولا عليك خلافا ، وأيم الله أنى لخائف الله فى ترك ذلك ، وما اظن الله راضيا بترك ذلك ولا عاذرا فيه إليك وفى أوليائك القاسطين الملحدين حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدى أخا كندة والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون فى الله لومة لائم ، ثمّ قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، ولا باحنة تجدها فى نفسك أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله العبد الصالح الّذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونه بعد ما امنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائر النزل إليك من رأس الجبل.

ثمّ قتلته جرأة على ربّك واستخفافا بذلك العهد أولست المدّعى زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت انه ابن أبيك وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فتركت سنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تعمّدا وتبعت هواك بغير هدى من الله ثم سلّطته على العراقين بقطع أيدى المسلمين وأرجلهم ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل.

كأنّك لست من هذه الامة وليسوا منك أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميه أنّهم كانوا على دين على صلوات الله عليه ، فكتبت إليه أن اقتل كلّ من كان على دين علىّ ، فقتلهم ومثل بهم بأمرك ودين علىعليه‌السلام والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك وبه جلست مجلسك الذي جلست ، ولو لا ذلك


لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين وقلت فيما قلت ، «انظر لنفسك ولدينك ولامة محمّد واتق شقّ عصا هذه الامة وإن تردهم الى فتنة».

إنّى لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامّة من ولايتك عليها ولا أعظم نظرا لنفسى ولدينى ولامة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله علينا أفضل من أن أجاهدك فان فعلت فانّه قربة إلى الله وان تركته فانى استغفر الله لذنبى وأسأله توفيقه لارشاد أمرى وقلت فيما قلت إنّى أن أنكرك تنكرنى وان أكدك تكدنى ، فكدنى ما بدا لك فانّى أرجو أن لا يضرّنى كيدك فىّ وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك على انّك قد ركبت بجهلك وتحرّصت على نقض عهدك.

ولعمرى ما وفيت بشرط ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا أو قتلوا ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا ، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يكونوا فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب واعلم أنّ لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها.

ليس الله بناس لأخذك بالظنة وقتلك أولياءه على التهم ونفيك أولياء من دورهم إلى دار الغربة وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب لا اعلمك إلّا وقد خسرت نفسك وتبرت دينك وغششت رعيتك واخربت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقى لأجلهم والسلام.

فلمّا قرأ معاوية الكتاب قال : لقد كان فى نفسه صبّ ما أشعر به قال يزيد : يا أمير المؤمنين أجبه تصغر إليه نفسه وتذكر فيه أباه بشر فعله ، قال : ودخل عبد الله ابن عمرو بن العاص فقال له معاوية : أمّا رأيت ما كتب به الحسين؟ قال : وما هو؟ قال : فأقرأه الكتاب ، فقال وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر الله نفسه ـ وإنمّا قال ذلك فى هوى معاوية فقال يزيد : كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيى؟ فضحك معاوية فقال :


اما يزيد فقد أشار على بمثل رأيك. قال عبد الله : أصاب يزيد. فقال معاوية اخطأتما لو انى ذهبت لعيب علىّ محقّا ما عسيت أن أقول فيه ومثلى لا يحسن أن يعيب بالباطل وما لا يعرف ومتى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل به ولا يراه الناس شيئا وكذبوه وما عسيت أن أعيب حسينا وو الله ما أرى للعيب فيه موضعا وقد رأيت أن اكتب إليه أتوعّده وأتهدّده ثمّ رأيت أن لا أفعل ولا أمحله(١) .

٣ ـ قال الطبرى : حدّثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عون ، قال : حدّثنى رجل بنخلة قال : بايع الناس ليزيد غير الحسين بن على وابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عبّاس فلمّا قدم معاوية أرسل الى الحسين بن علىّ فقال : يا ابن أخى قد استوسق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن أخى فما اربك إلى الخلاف؟

قال : أنا أقودهم! قال : نعم أنت تقودهم قال : فأرسل إليهم فان بايعوا كنت رجلا منهم وإلا لم تكن عجلت علىّ بأمر قال : وتفعل؟ قال : نعم قال : فأخذ عليه ألا يخبر بحديثهم أحدا قال : فالتوى عليه ثمّ أعطاه ذلك فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق قال : يقول لك أخوك ابن الزبير : ما كان؟ فلم يزل به حتّى استخرج منه شيئا(٢) .

٤ ـ عنه قال : كان أخذ معاوية على الوفد الذين وفدوا إليه مع عبيد الله بن زياد للبيعة لابنه يزيد وعهد الى ابنه يزيد حين مرض فيها ما عهد إليه فى النفر الذين امتنعوا من البيعة ليزيد حين دعاهم الى البيعة. وكان عهده الذي عهد ما ذكره هشام بن محمّد عن أبى مخنف قال : حدّثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أنّ معاوية لما مرض مرضته الّتي هلك فيها دعا يزيد ابنه.

__________________

(١) رجال الكشى : ٤٨.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٠٣.


فقال : يا بنىّ إنّى قد كفيتك الرّحلة والترحال ووطأت لك الأشياء وذلّلت لك الاعداء وأخضعت لك أعناق العرب وجمعت لك من جمع واحد وانّى لا أتخوّف أن ينازعك هذا الامر الذي استتبّ لك إلّا أربعة نفر من قريش الحسين بن على وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرّحمن بن أبى بكر ، فأمّا عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة واذا لم يبق أحد غيره بايعك.

أما الحسين بن على فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتّى يخرجوه فان خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه ، فانّ له رحما ماسّة وحقّا عظيما ، وأما ابن أبى بكر فرجل ان رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثلهم ليس له همة الّا فى النساء واللهو ، وأما الّذي يجثم لك جثوم الاسد ويراوغك مراوغة الثعلب فاذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا.

قال هشام قال عوانة : قد سمعنا فى حديث آخر أن معاوية لما حضره الموت وذلك فى سنة ستّين وكان يزيد غائبا فدعا بالضحّاك بن قيس الفهرى ـ وكان صاحب شرطته ومسلم بن عقبة المرّى فأوصى إليهما ، فقال : بلغا يزيد وصيّتى انظر أهل الحجاز فإنّهم أصلك فأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق ، فان سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل ، فانّ عزل عامل أحبّ الىّ من أن شهر عليك مائة ألف سيف.

وانظر أهل الشام فيكونوا بطانتك وعيبتك فان نابك شيء من عدوّك فانتصر بهم ، فاذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فانّهم ان أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم ، وانى لست أخاف من قريش الّا ثلاثة : حسين بن على ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، فأمّا ابن عمر فرجل قد وقذه الدين فليس ملتمسا شيئا قبلك.

أمّا الحسين بن على فانّه رجل خفيف وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه و


خذل أخاه وإنّ له رحما ماسّة وحقّا عظيما وقرابة من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا أظنّ أهل العراق تاركيه حتّى يخرجوه ، فان قدرت عليه فاصفح عنه فلو أنى صاحبه عفوت عنه وأمّا ابن الزبير فانّه خب ضب فاذا شخص لك فالبد له الّا أن يلتمس منك صلحا فان فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت(١) .

٥ ـ قال الدينورى : لمّا قتل حجر بن عدى وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعا شديدا وكان حجر من عظماء أصحاب علىّ أراد أن يوليه رئاسة كندة ويعزل الاشعث بن قيس وكلاهما من ولد الحارث بن عمر وآكل المرار ، فأبى حجر بن عدى أن يتولّى الأمر والاشعث حتّى فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة إلى الحسين بن على فأخبروه الخبر فاسترجع وشقّ عليه فأقام اولئك النفر يختلفون الى الحسين بن على وعلى المدينة يومئذ مروان بن الحكم.

فترقى الخبر إليه فكتب إلى معاوية يعلمه أن رجالا من أهل العراق قدموا على الحسين بن علىعليهما‌السلام وهم مقيمون عنده يختلفون إليه فاكتب إلىّ بالذى ترى فكتب إليه معاوية : لا تعرض فى شيء فقد بايعنا وليس بناقض بيعتنا ولا مخفر ذمّتنا ، وكتب إلى الحسين ، أمّا بعد فقد انهت إلى امور عنك لست بها حريّا لانّ من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء ، فاعلم رحمك الله أنّى متى انكرك تستنكرنى ومتى تكدنى أكدك فلا يستفزّنك السّفهاء الذين يحبّون الفتنة والسلام فكتب إليه الحسين رضى الله عنه ، ما اريد حربك ولا الخلاف عليك(٢) .

٦ ـ قال ابن قتيبة : خرج سليمان بن صرد فدخل على الحسين فعرض عليه ما عرض على الحسن وأخبره بما ردّ عليه الحسن فقال الحسين : ليكن كلّ رجل منكم حلسا من احلاس بيته ما دام معاوية حيّا فإنّها بيعة كنت والله بها

__________________

(١) تاريخ الطبرى ٥ / ٣٢٢.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٢٤.


كارها فان هلك معاويه نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم(١) .

٧ ـ عنه قال : وكتب الى الحسين : أمّا بعد فقد انتهت الىّ منك امور لم أكن أظنّك بها رغبة عنها وان أحقّ الناس بالوفا ، لمن أعطى بيعة من كان مثلك فى خطرك وشرفك ومنزلتك إنّى انزلك الله بها فلا تنازع الى قطعيتك واتّق الله ولا تردّن هذه الامّة فى فتنة وانظر لنفسك ودينك وأمة محمّد ولا يستخفّنّك الذين لا يوقنون(٢) .

٨ ـ عنه قال : وكتب إليه الحسينعليه‌السلام : أمّا بعد فقد جاءنى كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عنى أمور لم تكن تظننى بها رغبة بى عنها ، وان الحسنات لا يهدى لها ولا يسدّد إليها إلّا الله تعالى وأمّا ما ذكرت أنه رقى إليك عنى فانّما رقّاه الملاقون المشاءون بالنميمة المفرقون بين الجمع وكذب الغاوون المارقون ما أردت حربا ولا خلافا وانّى لا خشى الله فى ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين حزب الظالم وأعوان الشيطان الرجيم.

ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأة على الله واستخفافا بعهده أولست بقاتل عمرو بن الحمق الّذي اخلقت وأبلت وجهه العبادة فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من شعف الجبال.

أولست المدّعى زيادا فى الاسلام فزعمت أنّه ابن أبى سفيان فقد قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ثمّ سلطته على أهل الاسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل سبحان الله يا معاوية

__________________

(١) الامامة والسياسة : ١ / ١٤٢.

(٢) الامامة والسياسة : ١٥٤.


لكأنّك لست من هذه الامة وليسوا منك أولست قاتل الحضرمى الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين على ودين ابن عمهصلى‌الله‌عليه‌وآله أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه.

لو لا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف فوضعها الله عنكم بنا منّة عليكم وقلت فيما قلت : لا ترد هذه الامة فى فتنة وإنّى لا أعلم لها فتنة أعظم من امارتك عليها وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولامّة محمّد وانّى والله ما أعرف أفضل من جهادك فان أفعل فانّه قربة الى ربّى وإن لم أفعله فاستغفر الله لدينى وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى.

قلت فيما قلت : متى تكدنى أكدك فكدنى يا معاوية فيما بدا لك فلعمرى لقديما يكاد الصالحون وانّى لارجو أن لا تضرّ الّا نفسك ولا تمحق الّا عملك فكدنى ما بدا لك واتّق الله يا معاوية واعلم أنّ لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها واعلم أنّ الله ليس بناس لك قتلك بالظنّة وأخذك بالتهمة وامارتك صبيا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك وأهلكت دينك وأضعت الرعيّة والسلام(١) .

٩ ـ عنه قال : حتّى اذا كان بالجرف لقيه الحسين بن على وعبد الله بن عباس فقال معاوية مرحبا بابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن صنو أبيه ثم انحرف إلى الناس فقال : هذان شيخا بنى عبد مناف وأقبل عليهما بوجهه وحديثه ، فرحب وقرب ، وجعل يواجه هذا مرّة ويضاحك هذا أخرى ، حتّى ورد المدينة فلمّا خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل فانصر فاعنه فمال الحسين الى منزله ومضى عبد الله بن عباس الى المسجد فدخله.

وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة أمّ المؤمنين

__________________

(١) الامامة والسياسة : ١٥٥.


فاستأذن عليها فأذنت له وحده ولم يدخل عليها معه أحد وعنده مولاها ذكوان فقالت عائشة : يا معاوية أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فاقتلك كما قتلت أخى محمّد ابن أبى بكر؟ فقال معاوية ما كنت لتفعلى ذلك قالت : لم؟ قال : لانى فى بيت آمن بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ انّ عائشة حمدت الله وأثنت عليه وذكرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وذكرت أبا بكر وعمر وحصّته على الاقتداء بهما والاتباع لأثرهما ثمّ صمتت.

قال : فلم يخطب معاوية وخاف أن لا يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالا ثمّ قال : أنت والله يا أمّ المؤمنين. العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحقّ وحضضتنا على حظ أنفسنا وأنت أهل لأن يطاع أمرك ويسمع قولك وإن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم ، وقد أكد الناس بيعتهم فى أعناقهم وأعطوا عهودهم على ذلك ، ومواثيقهم أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم.

فلمّا سمعت ذلك عائشة علمت أنّه سيمضى على أمره فقالت : أما ما ذكرت من عهود ومواثيق فاتّق الله فى هؤلاء الرهط ولا تعجل فيهم فلعلّهم لا يصنعون الا ما أحببت ثمّ قام معاوية فلمّا قام قالت عائشة : يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين فقال معاوية دعى هذا كيف أنا فى الذي بينى وبينك فى حوائجك؟ قالت : صالح ، قال : فدعينا ايّاهم حتّى نلقى ربّنا.

ثمّ خرج ومعه ذكوان فاتكأ على يد ذكوان وهو يمشى ويقول : تالله ان رأيت كاليوم قطّ خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ مضى حتّى أتى منزله ، فأرسل الى الحسين بن على فخلا به فقال له : يا ابن أخى قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن أخى فما اربك الى الخلاف.

قال الحسين : أرسل إليهم فان بايعوك كنت رجلا منهم وإلّا لم تكن عجلت علىّ بأمر قال : وتفعل؟ قال : نعم قال فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا فخرج وقد. أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق فقال : يقول لك أخوك ابن الزبير : ما كان؟


فلم يزل به حتّى استخرج منه شيئا ، قال : ثمّ أرسل معاوية بعده الى ابن الزبير فخلا به فقال له : قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا ابن أخى فما أربك الى الخلاف؟

قال : فأرسل إليهم فان بايعوك كنت رجلا منهم والا لم تكن عجلت علىّ بأمر قال : وتفعل؟ قال : نعم ، فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا ، قال : فأرسل بعده الى ابن عمر فأتاه فخلا به فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه ، وقال : انّى كرهت أن أدع أمّة محمّد بعدى كالضأن لا راعى لها وقد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر أنت تقودهم فما أربك الى الخلاف؟ قال ابن عمر : هل لك فى أمر تحقن به الدماء وتدرك به حاجتك؟

فقال معاوية : وددت ذلك فقال ابن عمر : تبرز سريرك ثمّ أجئ فأبايعك على أنى بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الامة فو الله لو أنّ الامّة اجتمعت بعدك على عبد حبشى لدخلت فيما تدخل فيه الامة ، قال : وتفعل؟ قال : نعم ، ثمّ خرج وأرسل الى عبد الرحمن ابن أبى بكر فخلا به قال : بأىّ يد أو رجل تقدم على معصيتى؟ فقال عبد الرحمن : أرجو أن يكون ذلك خيرا لى.

فقال معاوية : والله لقد هممت أن أقتلك فقال : لو فعلت لا تبعك الله فى الدنيا ولأدخلنّك به فى الآخرة النار ، قال : ثمّ خرج عبد الرحمن بن أبى بكر وبقى معاوية يومه ذلك يعطى الخواص ويعصى مذمة الناس. فلمّا كان صبيحة اليوم الثانى أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاءه من أهله ثمّ خرج وعليه حلّة يمانية وعمامة وكساء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلّى وتعطر.

فقعد على سريره وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وان قرب ، ثمّ أرسل الى الحسين بن على وعبد الله بن عبّاس فسبق ابن عباس فلمّا دخل وسلم أقعده فى الفراش عن يساره فحادثه مليا


ثمّ قال يا ابن عباس لقد وفّر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه الصلاة والسلام.

فقال ابن عبّاس : نعم أصلح الله أمير المؤمنين وحظنا من القناعة بالبعض والتجافى عن الكلّ أوفر فجعل معاوية يحدثه ويحيد به ، عن الطريق المجاوبة ويعدل الى ذكر الاعمار على اختلاف الغرائز والطبائع حتى أقبل الحسين بن على ، فلمّا رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه فدخل الحسين وسلم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه ، مكان الوسادة ، فسأله معاوية عن حال بنى أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثمّ سكت قال : ثمّ ابتداء معاوية. فقال :

أمّا بعد فالحمد لله ولى النعم ومنزل النقم وأشهد أن لا إله الا الله المتعالى عما يقول الملحدون علوّا كبيرا وأنّ محمّدا عبده المختص المبعوث الى الجنّ والانس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، فأدّى عن الله وصدع بأمره وصبر على الاذى فى جنبه حتّى وضح دين الله وعزّ أولياؤه وقمع المشركون وظهر أمر الله وهم كارهون.

فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له واختار منها الترك لما سفر له زهادة واختيارا لله وأنفة واقتدارا على الصبر ، بغيا لما يدوم ويبقى ، فهذه صفة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكور وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا وما أعلم منه فوق ما تعلمان وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه وقد علم الله ما أحاول به فى أمر الرعية من سدّ الخلل ولمّ الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين وأحمد الفعل.

هذا معناى فى يزيد ، وفيكما فضل القرابة وخطوة العلم وكمال المروءة وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعيانى مثله عند كما وعند غيركما مع علمه بالسنة وقراءة القرآن والحلم الذي يرجع بالصمّ الصلاب ، وقد


علمنا أن الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ومن دونها من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة فى قرابة موصولة ، ولا سنة مذكورة.

فقادهم الرجل بأمره وجمع بهم صلاتهم وحفظ عليهم فيئهم وقال فلم يقل معه وفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسوة حسنة فمهلا بنى عبد المطلب فأنا وأنتم شعبا نفع وجد وما زلت أرجو الانصاف فى اجتماعكما فما يقول القائل إلّا بفضل قولكما فردا على ذى رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة ، فى عتابكما وأستغفر الله لى ولكما.

قال : فتيسّر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة فأشار إليه الحسين وقال : على رسلك ، فأنا المراد ونصيبى فى التهمة أوفر فأمسك ابن عبّاس فقام الحسين فحمد الله وصلى على الرسول ثمّ قال : أما بعد يا معاويه فلن يؤدّى القائل واطنب فى صفة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من جميع جزأ وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت وهيهات هيهات يا معاوية.

فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضلت حتّى أفرطت واستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى محلت وجزت حتّى جاوزت ما بذلت لذى حق من اسم حقّه بنصيب حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامّة محمّد تريد أن توهّم الناس فى يزيد كأنّك تصف محجوبا أو تنعت ، غائبا أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه.

فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهنّ والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهى تجده باصرا ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه فو الله ما برحت


تقدح باطلا فى جور وحنقا فى ظلم حتّى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة فتقدّم على عمل محفوظ فى يوم مشهود ولات حين مناص.

رأيتك عرضت بنا بعد هذا الامر ومنعتنا عن آبائنا تراثا ولقد ـ لعمر الله ورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها أما حججتم به القائم عند موت الرسول فأذعن للحجّة بذلك ورده الايمان الى النصف فركبتم الاعاليل وفعلتم الافاعيل وقلتم كان ويكون حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك فاعتبروا يا اولى الأبصار ، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتأميره له.

قد كان ذلك ، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيله بصحبة الرسول ، وبيعة له ، وما صار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتّى أنف القوم امرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : لا جرم معشر المهاجرين ، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيرى.

فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول ، فى أوكد الأحكام ، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا ، وحولك من لا يؤمن فى صحبته ولا يعتمد فى دينه وقرابته ، وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعه بها الباقى فى دنياه ، وتشقى بها فى آخرتك. ان هذا لهو الخسران المبين. واستغفر الله لى ولكم(١) .

١٠ ـ قال اليعقوبى : قال معاوية للحسين بن علىعليه‌السلام يا أبا عبد الله علمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم ، فقال الحسين حجتك وربّ الكعبة لكنا والله إن قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا حنّطناهم ولا صلينا

__________________

(١) الامامة والسياسة : ١ / ١٥٨ ـ ١٦١


عليهم ولا دفنّاهم(١) .

١١ ـ قال ابن أبى الحديد : قالوا : ومن هذا الباب ما روى أنّ الحسين بن علىعليهما‌السلام كلّم معاوية فى أمر ابنه يزيد ، ونهاه عن أن يعهد إليه ، فأبى عليه معاوية حتّى أغضب كلّ واحد منهما صاحبه ، فقال الحسينعليه‌السلام فى غضون كلامه أبى خير من أبيه ، وأمّى خير من أمّه ، فقال معاوية : يا ابن أخى : أمّا أمّك فخير من أمّه ، وكيف تقاس امرأة من كلب بابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ! وأمّا أبوه فحاكم أباك الى الله تعالى ، فحكم لابيه على أبيك(٢) .

١٢ ـ عنه قال : روى المدائنى ، قال : قال معاوية يوما لعقيل بن ابى طالب : هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال : نعم جارية عرضت علىّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلّا بأربعين ألفا ، فأحبّ معاوية أن يمازحه فقال : وما تصنع بجارية قيمتها أربعون ألفا وأنت أعمى تجتزى بجارية قيمتها خمسون درهما! قال : أرجو أن أطأها فتلدنى غلاما إذا أغضبته يضرب عنقك بالسيف.

فضحك معاوية : وقال : مازحناك يا أبا يزيد! وأمر فابتيعت له الجارية التي أولد منها مسلما ، فلمّا أتت على مسلم ثمانى عشرة سنة ـ وقد مات عقيل أبوه ـ قال لمعاوية : يا أمير المؤمنين ، إنّ لى أرضا بمكان كذا من المدينة ، وإنّى أعطيت بها مائة ألف ، وقد أحببت أن أبيعك إيّاها ، فادفع الى ثمنها ، فأمر معاوية بقبض الارض ، ودفع الثمن إليه.

فبلغ ذلك الحسينعليه‌السلام ، فكتب إلى معاوية : أما بعد ، فانك غررت غلاما من بنى هاشم ، فابتعت منه أرضا لا يملكها ، فاقبض من الغلام ما دفعته إليه ، واردد إلينا أرضنا. فبعث معاوية الى مسلم ، فأخبره ذلك ، وأقرأه كتاب الحسينعليه‌السلام ، قال :

__________________

(١) تاريخ اليعقوبى ٢ / ٢١٩.

(٢) شرح النهج : ٢ / ١٧١.


اردد علينا مالنا ، وخذ أرضك ، فانّك بعت ما لا تملك.

فقال مسلم : أمّا دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا ، فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه ، فقال : يا بنىّ ، هذا والله كلام قاله لى أبوك حين ابتعت له امّك. ثمّ كتب الى الحسين : انّى قد رددت عليكم الارض ، وسوّغت مسلما ما أخذ. فقال الحسينعليه‌السلام أبيتم يا آل أبى سفيان إلّا كرما(١) .

١٣ ـ قال الزبير بن بكار : وقد كان للحسينعليه‌السلام مع معاوية قصّة ، كان بينهما كلام فى أرض للحسينعليه‌السلام ، فقال له الحسينعليه‌السلام : اختر منّى ثلاث خصال : إمّا أن تشترى منّى حقّى ، وإمّا أن ترده علىّ ، أو تجعل بينى وبينك ابن عمر أو ابن الزبير حكما ، وإلا فالرابعة ، وهى الصيلم.

قال معاوية : ما هى؟ قال : أهتف بحلف الفضول ، ثم قام فخرج وهو مغضب ، فمرّ بعبد الله بن الزبير فأخبره ، فقال : والله لئن هتف به وأنا مضطجع لاقعدنّ ، أو قاعد لأقومنّ أو قائم لا مشين ، أو ماش لأسعين ، ثم لتنفدنّ روحى مع روحك ، أو لينصفنك ، فبلغت معاوية ، فقال : لا حاجة لنا بالصيلم : ثم أرسل إليه ، أن ابعث فانتقد مالك : فقد ابتغاه منك.

قال الزبير : وحدثني بهذه القصة على بن صالح عن جدى عبد الله بن مصعب ، عن أبيه ، قال : خرج الحسينعليه‌السلام من عند معاوية وهو مغضب ، فلقى عبد الله بن الزبير ، فحدثه بما دار بينهما ، وقال : لأخيّرنه فى خصال ، فقال له ابن الزبير ما قال ، ثم ذهب الى معاوية ، فقال : لقد لقينى الحسين فخيرك فى ثلاث خصال ، والرابعة الصيلم.

قال : معاوية : فلا حاجة لنا بالصيلم ، أظنك لقيته مغضبا فهات الثلاث ، قال : أن تجعلنى أو ابن عمر بينك وبينه. قال : قد جعلتك بينى وبينه ، أو جعلت ابن عمر

__________________

(١) شرح النهج : ١١ / ٢٥١.


أو جعلتكما جميعا ، قال : أو تقر له بحقه ثم تسأله اياه. قال : قد أقررت له بحقه وأنا أسأله اياه قال : أو تشتريه منه ، قال : قد اشتريته منه فما الصيلم؟ قال : يهتف بحلف الفضول ، وأنا أوّل من يجيبه. قال : فلا حاجة لنا فى ذلك. وبلغ الكلام عبد الله بن أبى بكر والمسور بن مخرمة ، فقالا للحسين مثل ما قاله ابن الزبير(١) .

١٤ ـ عنه قال : قال أبو الفرج : وحدثني أبو عبيد محمد بن أحمد ، قال : حدثني الفضل بن الحسن البصرى ، قال : حدثني يحيى بن معين ، قال : حدثني أبو حفص اللبان ، عن عبد الرحمن ابن شريك ، عن اسماعيل بن أبى خالد ، عن حبيب بن أبى ثابت ، قال : خطب معاوية بالكوفة حين دخلها ، والحسن والحسينعليهما‌السلام جالسان تحت المنبر ، فذكر علياعليه‌السلام فنال منه ثم نال من الحسن.

فقام الحسينعليه‌السلام ليردّ عليه ، فأخذه الحسن بيده فأجلسه ، ثم قام فقال : أيها الذاكر عليا ، أنا الحسن ، وأبى على ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمى فاطمة وأمك هند ، وجدى رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة ، وجدتي خديجة وجدتك قتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا ، ألأمنا حسبا ، وشرّنا قديما وحديثا ، وأقدمنا كفرا ونفاقا فقال طوائف من أهل المسجد : آمين.

قال الفضل : قال يحيى بن معين : وأنا أقول : آمين. قال أبو الفرج : قال أبو عبيد : قال الفضل : وأنا أقول آمين ، ويقول على ابن الحسين الاصفهانى : آمين. ويقول عبد الحميد بن أبى الحديد مصنف هذا الكتاب : آمين قال العطاردى : وأنا أقول آمين(٢) .

١٥ ـ عنه قال : كان مال حمل من اليمن الى معاوية : فلما مرّ بالمدينة وثب عليه الحسين بن علىعليه‌السلام ، فأخذه وقسمه فى أهل بيته ومواليه ، وكتب الى معاوية : من

__________________

(١) شرح النهج : ١٥ / ٢٢٧.

(٢) شرح النهج : ١٦ / ٤٦.


الحسين بن على الى معاوية ، بن أبى سفيان ، أما بعد فان عير امرت بنا من اليمن تحمل مالا وحللا وعنبرا وطيبا إليك لتودعها خزائن دمشق ، وتعلّ بها بعد النهل بنى أبيك ، وانى احتجت إليها فأخذتها. والسلام.

فكتب إليه معاوية : من عبد الله معاوية أمير المؤمنين الى الحسين بن على سلام عليك ، أما بعد ، فان كتابك ورد على تذكران عير امرت بك من اليمن تحمل مالا وحللا وعنبرا وطيبا إلىّ لاودعها خزائن دمشق ، وأعلّ بهما بعد النهل بنى أبى ، وأنك احتجت إليها فأخذتها ولم تكن جديرا بأخذها اذ نسبتها الى ، لان الوالى أحق بالمال ، ثم عليه المخرج منه.

وايم الله لو تركت ذلك حتى صار الى لم أبخسك حظك منه ، ولكنى قد ظننت يا ابن أخى أن فى رأسك نزوة وبودّى أن يكون ذلك فى زمانى فأعرف لك قدرك ، وأتجاوز عن ذلک : ولکنی والله اتخوف أن تبتلى بمن لا ينظرك فواق ناقة ، وكتب في أسفل كتابة :

يا حسين بن على ليس ما

جئت بالسائغ يوما فى العلل

أخذك المال ولم تؤمر به

إنّ هذا من حسين لعجل

قد أجزناها ولم نغضب لها

واحتملنا من حسين ما فعل

يا حسين بن على ذا الأمل

لك بعدى وثبة لا تحتمل

ويؤدّى أننى شاهدها

فاليها منك بالخلق الاجل

اننى أذهب أن تصلى بمن

عنده قد سبق السيف العدل(١)

١٦ ـ روى ابن عبد ربه عن الشعبى قال : دخل الحسين بن على يوما على معاوية ومعه مولى له يقال له ذكوان ، وعند معاوية جماعة من قريش فيهم ابن

__________________

(١) شرح النهج : ١٨ / ٤٠٩.


الزبير ، فرحب معاوية بالحسين وأجلسه على سريره ، قال : ترى هذا القاعد ـ يعنى ابن الزبير ـ فانه ليدركه الحسد لبنى عبد مناف. فقال ابن الزبير لمعاوية : قد عرفنا فضل الحسين وقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لكن ان شئت أن أعلمك فضل الزبير على أبيك أبى سفيان فعلت.

فتكلم ذكوان مولى الحسين ابن علىعليهما‌السلام ، فقال : يا ابن الزبير ، ان مولاى ما يمنعه من الكلام أن لا يكون طلق اللسان ، رابط الجنان ، فان نطق نطق بعلم ، وان صمت صمت بحلم ، غير أنه كف الكلام وسبق الى السنان ، فاقرت بفضله الكرام ، وأنا الذي أقول :

فيم الكلام لسابق فى غاية

والنّاس بين مقصّر ومجلّد

إنّ الذي يجرى ليدرك شأوه

ينمى بغير مسود ومسدد

بل كيف يدرك نور بدر ساطع

خير الانام وفرع آل محمّد

فقال معاوية : صدق قولك يا ذكوان ، أكثر الله فى موالى الكرام مثلك. فقال ابن الزبير : ان أبا عبد الله سكت ، وتكلم مولاه ، ولو تكلم لاجبناه ، أو لكفننا عن جوابه اجلالا له ، ولا جواب لهذا العبد ، قال ذكوان : هذا العبد خير منك ، قال رسول الله : «مولى القوم منهم» فانا مولى رسول الله وأنت ابن الزبير بن العوام بن خويلد ، فنحن أكرم ولاء وأحسن فعلا(١)

١٧ ـ عنه عن العتبى قال : دعا معاوية مروان بن الحكم فقال له : أشر علىّ فى الحسين ، قال : تخرجه معك الى الشام فتقطعه عن أهل العراق وتقطعهم عنه ، قال : أردت والله أن تستريح منه وتبتلينى به فان صبرت عليه صبرت على ما أكره ، وان أسأت إليه كنت قد قطعت رحمه ، فأقامه ، وبعث الى سعيد ابن العاص ، فقال له : يا

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ١٥.


أبا عثمان أشر علىّ فى الحسين.

قال : إنّك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك ، وانّك لتخلّف له قرنا ان صارعه ليصرعنّه ، وإن سابقه ليسبقنّه فذر الحسين منبت النخلة ، يشرب من الماء ويقعد فى الهواء ، ولا يبلغ إلى السّماء قال : فما غيبك عنّى يوم صفّين؟ قال : تحملت الحرم ، وكفيت الحزم ، وكنت قريبا ، لو دعوتنا لاجبناك ، ولو أمرت لاطعناك ؛ قال معاوية : يا أهل الشام ، هؤلاء قومى وهذا كلامهم(١) .

١٨ ـ روى عن العتبى عن أبيه : ان عتبة بن أبى سفيان قال : كنت مع معاوية فى دار كندة ، إذا أقبل الحسن والحسين ومحمّد ، بنو علىّ بن أبى طالب ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ لهؤلاء القوم أشعارا وأبشارا ، وليس مثلهم كذب ، وهم يزعمون أن أباهم كان يعلم ، فقال : إليك من صوتك ، فقد قرب القوم ، فاذا قاموا فذكرنى بالحديث ، فلمّا قاموا قلت يا أمير المؤمنين ، ما سألتك عنه من الحديث؟ قال : كلّ القوم كان يعلم وأبوهم من أعلمهم(٢) .

١٩ ـ عنه قال : كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ، عامله على المدينة : أن ادع أهل المدينة إلى بيعة يزيد ، فان أهل الشام والعراق قد بايعوا ، فخطبهم مروان فحضّهم على الطاعة وحذرهم الفتنة ودعاهم الى بيعة يزيد قال سنة أبى بكر الهادية المهدية ، فقال له عبد الرحمن بن أبى بكر : كذبت! ان كان أبا بكر ترك الأهل والعشيرة ، وبايع لرجل من بنى عدى ، رضى دينه وأمانته ، واختاره لامّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال مروان : أيها الناس ، إن هذا المتكلّم هو الّذي أنزل الله فيه : «والذي قال لوالديه افّ لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى» فقال له عبد الرحمن : يا ابن الزرقاء ، أفينا تتأول القرآن! وتكلّم الحسين بن علىّ ، وعبد الله بن

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ٢٢.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ٢٨٢


الزبير ، وعبد الله بن عمر وأنكروا بيعة يزيد ، وتفرّق الناس فكتب مروان إلى معاوية بذلك.

فخرج معاوية الى المدينة فى ألف فلمّا قرب منها تلقّاه الناس ، فلمّا نظر الى الحسين قال : مرحبا بسيّد شباب المسلمين ، قرّبوا دابّة لابي عبد الله ، وقال لعبد الرحمن بن أبى بكر: مرحبا بشيخ قريش وسيّدها وابن الصديق. وقال لابن عمر : مرحبا بصاحب رسول الله وابن الفاروق. وقال لابن الزبير : مرحبا بابن حوارىّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن عمته.

دعا لهم بدواب فحملهم عليها. وخرج حتّى أتى مكّة فقضى حجّه ، ولما أراد الشخوص أمر باثقاله فقدّمت ، وأمر بالمنبر فقرب من الكعبة ، وأرسل الى الحسين وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن الزبير فاجتمعوا ، وقالوا لابن الزبير : اكفنا كلامه ، فقال : على أن لا تخالفونى. قالوا : لك ذلك.

ثمّ أتوا معاوية ، فرحّب بهم وقال لهم : قد علمتم نظرى لكم وتعطّفى عليكم ، وصلتي أرحامكم ، ويزيد أخوكم وابن عمّكم ، وإنّما أردت أن أقدّمه باسم الخلافة وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون ، فسكتوا ، وتكلّم ابن الزبير ، فقال : نخيّرك بين احدى ثلاث ، أيّها أخذت فهى لك رغبة وفيها خيار :

فان شئت فاصنع فينا ما صنع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قبضه الله ولم يستخلف ، فدع هذا الامر حتى يختار الناس لانفسهم ؛ وإن شئت فما صنع أبو بكر ، عهد الى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الادنين من كان لها أهلا ؛ وإن شئت فما صنع عمر ، صيّرها الى ستّة نفر من قريش يختارون رجلا منهم وترك ولده وأهل بيته وفيهم من لو وليها لكان لها أهلها.

قال : معاوية : هل غير هذا؟ قال : لا ثم قال الآخرين : ما عندكم؟ قالوا : نحن على ما قال ابن الزبير ، وقال معاوية : انّى أتقدّم إليكم ، وقد أعذر من أنذر ، إنّى


قائل مقالة ، فأقسم بالله لئن ردّ علىّ رجل منكم كلمة فى مقامى هذا لا ترجع إليه كلمة حتّى يضرب رأسه. فلا ينظر امرؤ منكم الا الى نفسه ، ولا يبقى الّا عليها.

وأمر أن يقوم على رأس كلّ رجل منهم رجلان بسيفيهما ، فان تكلّم بكلمة يردّ بها عليه قوله قتلاه. وخرج وأخرجهم معه حتّى رقى المنبر ، وحفّ به أهل الشام ، واجتمع الناس ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : انّا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار ، قالوا : ان حسينا وابن أبى بكر وابن عمر وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد ، وهؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم ، لا نبرم أمرا دونهم ، ولا نقضى أمرا الا عن مشورتهم ، وانّى دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين ، فبايعوا وسلّموا وأطاعوا.

فقال أهل الشام : وما يعظم من أمر هؤلاء ، ائذن لنا فنضرب أعناقهم ، لا نرضى حتّى يبايعوا علانية! فقال معاوية : سبحان الله! ما أسرع الناس الى قريش بالشرّ وأحلى دماءهم عندهم أنصتوا ، فلا أسمع هذه المقالة من أحد. ودعا الناس الى البيعة فبايعوا. ثمّ قربت رواحله ، فركب ومضى. فقال الناس للحسين وأصحابه : قلتم : لا نبايع ، فلمّا دعيتم وأرضيتم بايعتم! قالوا لم نفعل. قالوا : بلى ، قد فعلتم وبايعتم ، أفلا أنكرتم! قالوا : خفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم(١) .

٢٠ ـ قال أبو اسحاق القيروانى : كان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من امور الناس وقريش فكتب إليه : انّ الحسين بن على أعتق جارية له وتزوّجها ؛ فكتب معاوية الى الحسين : من أمير المؤمنين معاوية الى الحسين ابن علىّ. أمّا بعد فانّه بلغنى أنك تزوّجت جاريتك ، وتركت أكفاءك من قريش ، ممّن تستنجبه للولد ، وتمجد به فى الصهر ، فلا لنفسك نظرت ، ولا لولدك انتقيت.

فكتب إليه الحسين بن على : أمّا بعد فقد بلغنى كتابك ، وتعييرك إيّاى بأنّى

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ٣٧١.


تزوّجت مولاتى ، وتركت أكفائى من قريش ، فليس فوق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منتهى فى شرف ، ولا غاية فى نسب ؛ وإنمّا كانت ملك يمينى ، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى ؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد رفع الله بالاسلام الخسيسة ووضع عنّا به النقيصة : فلا لوم على امرئ مسلم الّا فى أمر مأثم ، وإنّما اللوم لوم الجاهليّة ، فلمّا قرأ معاوية كتابه نبذه الى يزيد فقرأه ، وقال : لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال : لا ولكنّها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصخر ، وتغرف من البحر!(١) .

٢٨ ـ باب ما جرى بينهعليه‌السلام ومروان

١ ـ فرات قال حدّثنى علىّ بن حمدون معنعنا عن ابن الجارية واصبغ بن نباتة الحنظلى ، قال لما كان مروان على المدينة خطب الناس فوقع فى أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قال فلمّا نزل من المنبر أتى الحسين بن علىعليه‌السلام فقيل له ان مروان قد وقع فى علىعليه‌السلام ، قال فما كان فى المسجد الحسنعليه‌السلام قالوا بلى ، قال فلم يقل له شيئا قالوا : لا فقام الحسينعليه‌السلام مغضبا حتى دخل على مروان.

فقال يا ابن الزرقاء ويا ابن آكلة القمل أنت الواقع فى علىعليه‌السلام ، قال له مروان أنت صبىّ لا عقل لك قال فقال له الحسينعليه‌السلام ألا أخبرك بما فيك وأصحابك وفى علىعليه‌السلام قال : إنّ الله تبارك وتعالى قال( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ) فذلك لعلى وشيعته( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ ) فبشر بذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلىّ بن أبى طالبعليه‌السلام (٢)

__________________

(١) زهر الآداب : ١ / ١٠١.

(٢) تفسير فرات : ٩٠.


٢ ـ روى ابن شهرآشوب ، عن عبد الملك بن عمير والحاكم والعبّاس قالوا : خطب الحسينعليه‌السلام عائشة بنت عثمان ، فقال مروان ازوّجها عبد الله بن الزبير ، ثمّ إنّ معاوية كتب الى مروان وهو عامله على الحجاز ، يأمره ان يخطب أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد ، فأبى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك فقال عبد الله : انّ أمرها ليس الىّ إنمّا هو الى سيّدنا الحسينعليه‌السلام وهو خالها.

فأخبر الحسين بذلك فقال استخير الله تعالى ، اللهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد ، فلمّا اجتمع الناس فى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبل مروان حتّى جلس الى الحسينعليه‌السلام وعنده من الجلة.

وقال انّ أمير المؤمنين أمرنى بذلك وان اجعل مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ مع صلح ما بين هذين الحيّين مع قضاء ، دينه أعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو من لا كفو له وبوجهه يستسقى الغمام فردّ خيرا يا أبا عبد الله.

فقال الحسينعليه‌السلام : الحمد لله الذي اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه الى آخر كلامهعليه‌السلام ، ثمّ قال يا مروان قد قلت فسمعنا اما قولك مهرها حكم أبيها بالغا ما بلغ ، فلعمرى لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بناته ونسائه وأهل بيته وهو اثنتا عشرة أو يكون أربعمائة وثمانين درهما.

أمّا قولك مع قضاء دين أبيها فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا ، وأمّا صلح ما بين هذين الحيين فأنا قوم عاديناكم فى الله ولم نكن نصالحكم للدنيا فلعمرى فلقد اعيى النسب فكيف السبب وأمّا قولك العجب ليزيدك كيف يستمهر فقد استمهر من هو خير من يزيد ومن أب يزيد ومن جدّ يزيد.


فأمّا قولك انّ يزيد كفو من لا كفو له ، فمن كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم ما زادته امارته فى الكفاة شيئا ، وامّا قولك بوجهه يستسقى الغمام فانّما كان ذلك بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمّا قولك من يغبطنا به أكثر ممّن يغبط بنا ، فانّما يغبطنا به أهل الجهل ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمّ قال بعد كلام فاشهدوا جميعا انّى قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر ، من ابن عمّها القسم بن محمّد بن جعفر ، على أربعمائة وثمانين درهما وقد نحلتها ضيعتى بالمدينة أو قال أرضى بالعتيق وانّ عليها فى السنة ثمانية آلاف دينار ، ففيها لهما غنى إن شاء الله ، قال فتغير وجه مروان وقال : اغدوا يا بنى هاشم تأبون إلّا العداوة(١) .

٣ ـ قال ابن أبى الحديد : أمّا مروان فأخبث عقيدة ، وأعظم الحادا وكفرا ؛ وهو الذي خطب يوم وصل إليه رأس الحسينعليه‌السلام إلى المدينة ؛ وهو يومئذ أميرها وقد حمل الرأس على يديه فقال :

يا حبّذا بردك فى اليدين

وحمرة تجرى على الخدّين

كأنّما بتّ بمحشدين

ثمّ رمى بالرأس نحو قبر النبيّ ، قال : يا محمّد ، يوم بيوم بدر ، وهذا القول مشتق من الشعر الّذي تمثّل به يزيد بن معاوية وهو شعر ابن الزبعرى يوم وصل الرأس إليه(٢) .

٤ ـ عنه قال : روى المدائنى ، عن جويرية بن أسماء قال : لما مات الحسنعليه‌السلام أخرجوا جنازته ، فحمل مروان بن الحكم سريره ، فقال له الحسينعليه‌السلام : تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرّعه الغيظ؟ قال : مروان : نعم ؛ كنت أفعل ذلك بمن

__________________

(١) المناقب : ٢ / ١٧١.

(٢) شرح النهج : ٤ / ٧١.


يوازن حمله الجبال(١) .

٥ ـ عنه روى المدائنى عن يحيى بن زكريّا ، عن هشام بن عروة ، قال : قال الحسن ، عند وفاته : ادفنوني عند قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : الّا أن تخافوا أن يكون فى ذلك شرّ ، فلمّا أرادوا دفنه ، قال مروان بن الحكم : يدفن عثمان فى حشّ كوكب ، ويدفن الحسن هاهنا ، فاجتمع بنو هاشم وبنو اميّة ، وأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم وجاءوا بالسلاح.

فقال أبو هريرة لمروان : أتمنع الحسن أن يدفن فى هذا الموضع ، وقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة قال مروان : دعنا منك ، لقد ضاع حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ كان لا يحفظه غيرك وغير أبى سعيد الخدرى وإنّما أسلمت أيّام خيبر.

قال أبو هريرة : صدقت ، أسلمت أيّام خيبر ، ولكنّنى لزمت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم أكن أفارقه وكنت أسأله ، وعنيت بذلك حتّى علمت من أحبّ ومن أبغض ، ومن قرّب ومن أقرّ ومن نفى ، ومن لعن ومن دعا له.

فلمّا رأت عائشة السلاح والرجال ، وخافت أن يعظم الشرّ بينهم ، وتسفك الدماء قالت : البيت بيتى ، ولا آذن لأحد أن يدفن فيه ، وأبى الحسينعليه‌السلام أن يدفنه الّا مع جدّه ، فقال له محمّد بن الحنفيّة : يا أخى ، إنّه لو أوصى أن يدفنه لدفنّاه أو نموت قبل ذلك ، ولكنّه قد استثنى ، قال : إلّا أن تخافوا الشرّ ، فأىّ شرّ يرى أشدّ ممّا نحن فيه فدفنوه فى البقيع(٢) .

٥ ـ عنه قال أبو الفرج : وقال جويرية بن أسماء : لما مات الحسن واخرجوا جنازته جاء مروان حتّى دخل تحته فحمل سريره ، فقال له الحسينعليه‌السلام : أتحمل

__________________

(١) شرح النهج : ٤ / ٧١.

(٢) شرح النهج : ١٦ / ١٣.


اليوم سريره وبالأمس كنت تجرّعه الغيظ! قال مروان : كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(١) .

٦ ـ العياشى باسناده : عن داود بن فرقد عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : دخل مروان بن الحكم المدينة قال : فاستلقى على السرير وثمّ مولى للحسين ؛ فقال :( رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ) قال : فقال الحسين لمولاه : ما ذا قال هذا حين دخل؟ قال استلقى على السرير فقرأ( رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ ) إلى قوله( الْحاسِبِينَ ) قال: فقال الحسينعليه‌السلام نعم والله رددت أنا وأصحابى إلى الجنّة ، وردّ هو وأصحابه الى النار(٢) .

٢١ ـ باب ما جرى بينهعليه‌السلام والوليد

١ ـ قال ابن أبى الحديد : قال الزبير : وحدّثنى محمّد بن حسن ، عن إبراهيم بن محمّد ، عن يزيد بن عبد الله بن الهادى الليثى ، أنّ محمّد بن الحارث أخبره ، قال : كان بين الحسين بن علىعليهما‌السلام وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان كلام فى مال كان بينهما بذى المروة والوليد يومئذ أمير المدينة فى أيّام معاوية.

فقال الحسينعليه‌السلام : أيستطيل الوليد علىّ بسلطانه! أقسم بالله لينصفنّى من حقّى أو لآخذنّ سيفى ، ثمّ أقوم فى مسجد الله فادعو بحلف الفضول! فبلغت كلمته عبد الله بن الزبير ، فقال أحلف بالله لئن دعا به لآخذنّ سيفى ، ثمّ لأقومنّ معه حتّى ينتصف أو نموت جميعا.

__________________

(١) شرح النهج ١٦ / ١٥.

(٢) تفسير العياشى : ١ / ٣٦٢.


فبلغ المسور بن مخرمة بن نوفل الزهرى ، فقال مثل ذلك ، فبلغ عبد الرحمن ابن عثمان بن عبيد الله التيمىّ ، فقال مثل ذلك ، فبلغ ذلك الوليد بن عتبة ، فأنصف الحسينعليه‌السلام من نفسه حتّى رضى(١)

٣٠ ـ باب الاخبار عن شهادتهعليه‌السلام

١ ـ الحميرى ، عن عبد الله بن ميمون ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه قال مرّ علىّ بكربلاء فى اثنين بأصحابه ، قال فلمّا مرّ بها ، ترقرقت عيناه ، للبكاء ، ثمّ قال : هذا مناخ ركابهم ، وهذا ملقى رحالهم ، هاهنا تهراق دمائهم ، طوبى لك من تربة عليك تهراق دماء الاحبّة(٢) .

٢ ـ الصفّار حدّثنا سلام ابن أبى عمرة الخراسانى ، عن أبان بن تغلب ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام عن أبيه انّه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أراد أن يحيى حياتي ويموت مماتى ، ويدخل جنّة ربّى جنّة عدن غرسه ربّى ، فليتولّ علىّ بن أبى طالب.

وليعاد عدوّه ، وليأتمّ بالاوصياء من بعده ، فانّهم ائمّة الهدى ، من بعدى أعطاهم الله فهمى ، وعلمى ، وهم عترتى من لحمى ، ودمى ، الى الله اشكو من امّتى ، المنكرين لفضلهم القاطعين فيهم ، صلتى ، وأيم الله ليقتلنّ ابنى يعنى الحسين لا أنالهم الله شفاعتى(٣) .

٣ ـ عنه حدّثنا عبد الله بن محمّد بن الحسن بن محبوب ، عن أبى حمزة ، عن

__________________

(١) شرح النهج : ١٥ / ٢٢٦.

(٢) قرب الاسناد : ١٤.

(٣) بصائر الدرجات : ٥٢.


سويد بن غفلة قال : أنا عند أمير المؤمنينعليه‌السلام إذا أتاه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، جئتك من وادى القرى وقد مات خالد بن عرفطة ، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : انّه لم يمت فأعادها عليه ، فقال له علىعليه‌السلام لم يمت والذي نفسى بيده لا يموت فأعادها عليه الثالثة.

فقال سبحان الله : أخبرك انّه مات وتقول لم يمت ، فقال له علىّعليه‌السلام : لم يمت والّذي نفسى بيده لا يموت حتّى يقود جيش ضلالة يحمل رأيته حبيب بن جمّاز قال فسمع بذلك حبيب فأتى أمير المؤمنين فقال : أناشدك فىّ وأنا لك شيعة وقد ذكرتنى بأمر والله ما أعرفه من نفسى.

فقال له علىّعليه‌السلام : ان كنت حبيب بن جمّاز فتحملها فولّى حبيب بن جمّاز وقال : ان كنت حبيب بن جمّاز لتحملنّها ، قال أبو حمزة فو الله ما مات حتّى بعث عمر بن سعد الى الحسين بن علىعليهما‌السلام وجعل خالد بن عرفه على مقدّمته وحبيب صاحب رايته(١) .

٤ ـ فرات قال : حدّثنى محمّد بن زيد الثقفى حدّثنا أبو يعرب بن أبى مسعود الاصفهانى ، قال : حدثنا جعفر بن أحمد ، قال : حدّثنا الحسن بن إسماعيل ، عن علىّ بن محمّد الكوفى ، عن موسى بن عبد الله الموصلى ، عن أبى نزار عن حذيفة اليمان ، قال : دخلت عائشة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقبّل فاطمة فقالت يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتقبلها وهى ذات بعل.

فقال لها والله لو عرفت ودّى لها لازددت ودّا لها انّه لما عرج بى الى السماء الرابعة أذن جبرئيل وأقام ميكائيل ، ثمّ قال لى أذن قلت أؤذن وأنت حاضر : فقال : نعم ، انّ الله تعالى فضل أنبيائه المرسلين على ملائكته المقرّبين وفضّلت أنت خاصّة

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٢٩٨.


يا محمّد فدنوت ، فصلّيت بأهل السماء الرابعة.

فلمّا صرت الى السماء السادسة اذا أنا بملك من نور على سرير من نور ، وحوله صفّ من الملائكة فسلمت عليه فردّ علىّ السلام وهو متّكئ فأوحى الله إليه أيها الملك سلّم عليك حبيبى وخيرة خلقى ، فرددتعليه‌السلام وأنت متّكأ فو عزتى وجلالى لتقومنّ ولتسلمنّ عليه ولا تقعد الى يوم القيمة ، فقام الملك وعانقنى ثمّ قال ما أكرمك على ربّ العالمين.

فلما صرت الى الحجب نوديت آمن الرسول بما انزل إليه من ربّه ، فاجبت وقلت : والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ثمّ أخذ جبرئيل بيدى فأدخلنى الجنّة وأنا مسرور ، فاذا شجرة نور مكللة بالنور وفى أصلها ملكان يطويان الحلّي والحلل الى يوم القيمة ثمّ تقدّمت أمامى فاذا أنا بتفاح لم أر تفاحا هو أعظم منه فأخذت واحدة ففلقتها فخرجت على منها حوراء كأن أجنحتها مقاديم اجنحة النسور.

فقلت : لمن أنت فبكت وقالت لابن بنتك المقتول الحسين بن على بن أبى طالبعليه‌السلام ، ثمّ قدّمت أمامى فاذا أنا برطب ألين من الزبد وأحلى من العسل ، فاخذت رطبة وأكلتها وانا اشتهيها فتحولت الرطبة نطفة فى صلبى فلمّا هبطت الى الارض واقعت خديجة فحملت فاطمة الحوراء الانسيّة فاذا اشتقت الى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتى فاطمةعليها‌السلام (١) .

٥ ـ فرات ، قال : حدّثنى جعفر بن محمّد الفزارى ، معنعنا ، عن أبى عبد الله ، قال: كان الحسينعليه‌السلام مع أمه تحمله فاخذه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : لعن الله قاتلك ولعن الله سالبك وهلك الله المتوازرين عليك ، وحكم الله بينى وبين من أعان عليك ،

__________________

(١) تفسير فرات : ١٠


قالت فاطمة : يا ابة أىّ شيء تقول :

قال : يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدى وبعدك من الأذى والظلم والبغى وهو يومئذ فى عصبة كأنّهم نجوم السماء يتهادون الى القتل ، وكأنّى انظر الى معسكرهم والى موضع رحالهم وتربتهم ، قالت يا أبة وأىّ هذا الموضع الذي تصف قال : موضع يقال له : كربلاء وهى دار كرب وبلاء ، علينا وعلى الامّة ، يخرج شرار امتى وانّ أحدهم لو يشفع له من فى السماوات والارضين ما شفعوا فيه وهم المخلّدون فى النار قالت يا أبة فيقتل.

قال نعم يا بنتاه وما قتل قتلة أحد كان قبله وتبكيه السموات والارضون والملائكة والنباتات والجبال والبحار ولو يؤذن لها ما بقى على الارض متنفّس ، ويأتيه قوم من محبّينا ليس فى الارض أعلم بالله ولا أقوم لحقّنا منهم ، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم.

اولئك مصابيح فى ظلمات الجور وهم الشفعاء وهم واردون حوضى ، غدا أعرفهم اذا وردوا علىّ بسيماهم وكلّ أهل دين ويطلبونا ويطلبون غيرنا وهم قوّام الأرض بهم ينزل الغيث فقالت فاطمةعليها‌السلام : يا أبة انا لله وبكت.

فقال : يا بنتاه انّ أهل الجنّة هم الشهداء فى الدنيا بذلوا أنفسهم وأموالهم بانّ لهم الجنّة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقّا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها قتله أهون من ميتة من كتب عليه القتل خرج الى مضجعه ومن لم يقتل فسوف يموت.

يا فاطمة بنت محمّد أما تحبّين أن تأمرين غد بأمر فتطاعين فى هذا الخلق عند الحساب أما ترضين أن يكون ابنك من حملة العرش أما ترضين أن يكون أبوك يسألونه الشفاعة أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض ، فيسقى منه أوليائه ويذود عنه أعدائه.


أما ترضينّ أن يكون بعلك قسيم الجنّة ويأمر النار فتطيعه يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء أما ترضينّ أن تنظرين الى الملائكة على ارجاء السماء وينظرون إليك والى ما تأمرين به ، وينظرون الى بعلك قد حضر الخلائق ، وهو يخاصمهم ، عند الله.

فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك إذا افلجت حجّته على الخلائق وامرت النار أن تطيعه أما ترضينّ أن تكون الملائكة تبكى لابنك ويأسف عليه كلّ شيء ، أما ترضينّ أن يكون من أتاه زائرا فى ضمان الله ويكون من أتاه بمنزلة من حجّ الى بيت الله الحرام واعتمر ولم يخلو من الرحمة طرفة عين.

اذا مات مات شهيدا وإن بقى لم تزل الحفظة تدعوا له ما بقى ولم يزل فى حفظ الله وأمنه حتّى يفارق الدنيا ، قالت يا أبة سلّمت ورضيت ، وتوكّلت على الله فمسح على قلبها ومسح على عينيها ، فقال : انّى وبعلك وأنت وابنيك فى مكان تقر عيناك ويفرح قلبك(١) .

٦ ـ محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الوشاء ، والحسين بن محمّد ، عن معلّى بن محمّد ، عن الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبى خديجة ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا حملت فاطمةعليها‌السلام بالحسين جاء جبرئيل الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : إنّ فاطمةعليها‌السلام ستلد غلاما تقتله أمّتك من بعدك.

فلمّا حملت فاطمة بالحسينعليه‌السلام كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ، ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لم تر فى الدنيا أمّ تلد غلاما تكرهه ولكنّها كرهته لما علمت أنّه سيقتل ، قال : وفيه نزلت هذه الآية( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (٢)

__________________

(١) تفسير فرات : ٥٥.

(٢) الكافى : ١ / ٤٦٤.


٧ ـ قال أبو جعفر الطبرى الامامى : قالت أمّ الفضل بنت الحارث : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت يا رسول الله رأيت حلما منكرا اللّيلة ، قال وما هو؟ قالت رأيت قطعة من جسدك انقطعت ووضعت فى حجرى ، فقالعليه‌السلام : خيرا رأيت ، تلد فاطمة غلاما يكون فى حجرك فولدت فاطمة الحسين فكان فى حجرى كما قال :

فدخلت عليه يوما فوضعته فى حجره فحانت منى التفاتة إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاذا عيناه تهرقان دمعا فقلت بأبى أنت وأمّى يا رسول الله مالك؟ فقال هذا جبرئيل عليه السلم أخبرنى أن امتى ستقتل ابنى قلت هذا؟ فقال نعم ، وأتانى بتربة من تربته حمراء(١) .

٨ ـ الصدوق حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان ، قال : حدّثنا الحسن بن على السكرى ، قال : حدّثنا محمّد بن زكريّا ، قال : حدّثنا قيس بن حفص الدارمى قال : حدثني حسين الأشقر قال حدّثنا منصور ابن الاسود ، عن أبى حسان التيمى ، عن نشيط بن عبيد ، عن رجل منهم عن جرداء بنت سمين ، عن زوجها هرثمة بن أبى مسلم ، قال : غزونا مع علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام صفّين.

فلمّا انصرفنا نزل كربلاء فصلّى بها الغداة ثمّ رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال : واها لك أيّتها التربة ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب فرجع هرثمة الى زوجته وكانت شيعة لعلىّعليه‌السلام فقال ألا أحدّثك عن وليك أبى الحسن نزل بكربلاء فصلّى ثمّ رفع إليه من تربتها فقال واها لك أيّتها التربة ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب ، قالت : أيّها الرجل فانّ أمير المؤمنين لم يقل إلّا حقّا.

فلمّا قدم الحسينعليه‌السلام قال هرثمة : كنت فى البعث الذين بعثهم عبد الله بن زياد فلمّا رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث فجلست على بعيرى ثمّ صرت الى

__________________

(١) دلائل الامامة : ٧٢.


الحسينعليه‌السلام فسلمت عليه فاخبرته بما سمعت من أبيه فى ذلك المنزل الذي نزل به الحسينعليه‌السلام .

فقالت معنا أنت أم علينا فقلت : لا معك ولا عليك ، خلفت صبية أخاف عليهم عبيد الله بن زياد قال فامض حيث لا ترى لنا مقتلا ولا تسمع لنا صوتا فو الذي نفس الحسين بيده لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا إلا كبّه الله لوجهه فى جهنّم(١) .

٩ ـ الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن علىّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمىرحمه‌الله ، قال : حدّثنا أبىرحمه‌الله ، قال : حدّثنا سعد بن عبد الله ، قال : حدّثنا أحمد بن أبى عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن محمّد بن خالد ، عن أبى البخترى وهب بن وهب ، عن الصادق جعفر بن محمّدعليه‌السلام عن أبيه ، عن أمّ سلمة رضى الله عنها أصبحت يوما تبكى فقيل لها مالك.

فقال لقد قتل ابنى الحسينعليه‌السلام ، وما رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منذ مات إلّا الليلة فقلت بأبى أنت وأمّى ما لي أراك شاحبا ، فقال : لم أزل منذ الليلة أحفر قبر الحسين وقبور أصحابه(٢) .

١٠ ـ عنه حدّثنا محمّد بن أحمد السنانى ، قال : حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان ، قال : حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب ، قال : حدّثنا تميم بن بهلول ، قال : حدّثنا علىّ بن عاصم ، عن الحصين بن عبد الرحمن ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : كنت مع أمير المؤمنينعليه‌السلام فى خروجه الى صفّين ، فلمّا نزل بنينوا وهو شطّ الفرات.

قال : بأعلى صوته : يا ابن عبّاس أتعرف هذا الموضع ، قلت له : ما أعرفه يا

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٨٣.

(٢) أمالي الصدوق : ٨٤.


أمير المؤمنين فقالعليه‌السلام : لو عرفته كمعرفتى لم تكن تجوزه ، حتّى تبكى كبكائى ، قال : فبكى طويلا حتّى اخضلّت لحيته ، وسالت الدموع على صدره ، وبكينا معا وهو يقول : أوه أوه ما لي ولآل أبى سفيان ما لي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر ، صبرا يا أبا عبد الله ، فقد لقى أبوك مثل الذي تلقى منهم.

ثمّ دعا بماء فتوضّأ وضوءه للصلاة فصلّى ما شاء الله أن يصلّى ، ثمّ ذكر نحو كلامه الأوّل إلّا أنّه نعس عنه انقضاء صلاته وكلامه ساعة ، ثمّ انتبه ، فقال : يا ابن عبّاس فقلت : ها أنا ذا ، فقال : ألا أحدثك بما رأيت فى منامى ، آنفا عند رقدتى ، فقلت نامت عيناك ، ورأيت خيرا يا أمير المؤمنين ، قال : رأيت كأنّى برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض قد تقلدوا سيوفهم وهى بيض تلمع وقد خطوا حول هذه الارض خطّة.

ثمّ رأيت كان ، هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الارض ، تضطرب بدم عبيط ، وكأنّى بالحسين سخيلى وفرخى ومضغتى ومخّى قد غرق فيه يستغيث فلا يغاث ، وكان الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون صبرا آل الرسول فانّكم تقتلون على أيدى شرار الناس وهذه الجنّة يا أبا عبد الله إليك مشتاقة.

ثمّ يعزوننى ويقولون : يا أبا الحسن أبشر فقد أقرّ الله به عينك يوم القيامة يوم يقوم الناس لربّ العالمين ، ثمّ انتبهت هكذا والذي نفس علىّ بيده لقد حدّثنى الصادق المصدّق أبو القاسمصلى‌الله‌عليه‌وآله انّى سأراها فى خروجى الى أهل البغى علينا وهذه أرض كرب وبلاء يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا من ولدى وولد فاطمة.

انّها لفى السموات معروفة تذكر أرض كرب وبلاء كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدّس ثمّ قال : يا ابن عبّاس اطلب لى حولها بعر الظباء ، فو الله ، ما كذبت ولا كذبت وهى مصفرّة لونها لون الزعفران ، قال ابن عبّاس فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته يا أمير المؤمنين قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لى ، فقال على


عليه‌السلام : صدق الله ورسوله.

ثمّ قامعليه‌السلام يهرول إليها فحملها وشمّها وقال : هى هى بعينها ، أتعلم يا ابن عبّاس ما هذه الابعار هذه قد شمّها عيسى بن مريمعليه‌السلام ، وذلك أنّه مرّ بها ومعه الحواريّون فرأى هاهنا الظباء مجتمعة وهى تبكى فجلس عيسىعليه‌السلام ، وجلس الحواريّون معه فبكى وبكى الحواريّون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى ، فقالوا يا روح الله وكلمته ما يبكيك قال : أتعلمون أىّ أرض هذه قالوا : لا.

قال : هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمّى ويلحد فيها طينة أطيب من المسك لأنّها طينة الفرخ المستشهد وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء ، فهذه الظباء تكلّمنى وتقول : انّها ترعى فى هذه الارض شوقا الى تربة الفرخ المبارك ، وزعمت انّها آمنة فى هذه الارض.

ثمّ ضرب بيده الى هذه الصيران فشمّها وقال هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها ، اللهمّ فابقها أبدا حتى يشمّها أبوه ، فيكون له عزاء وسلوة ، قال فبقيت الى يومنا هذا وقد اصفرت لطول زمنها وهذه أرض كرب وبلاء ، ثمّ قال : بأعلى صوته يا ربّ عيسى بن مريم لا تبارك فى قتله والمعين عليه والخاذل له.

ثمّ بكى بكاء طويلا وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغشى عليه طويلا ، ثمّ أفاق فاخذ البعر فصرّه فى ردائه وأمرنى أن أصرها ، كذلك ، ثمّ قال : يا ابن عبّاس إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل بها ، ودفن.

قال ابن عبّاس : فو الله لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظى لبعض ما افترض اللهعزوجل على ، وأنا لا أحلّها من طرف كمّى ، فبينما أنا نائم فى البيت اذا انتبهت ، فاذا هى تسيل دما عبيطا وكان كمّى قد امتلاء عبيطا فجلست وأنا باك ، وقلت قد قتل والله الحسين ، والله ما كذبنى علىّ قط فى حديث حدثني ولا أخبرنى بشيء قطّ


انّه يكون الّا كان كذلك.

لانّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره ففزعت وخرجت ، وذلك عند الفجر فرأيت والله المدينة كأنّها ضباب ، لا يستبين منها أثر عين ، ثمّ طلعت الشمس فرأيت كانها منكسفة ورأيت كان حيطان المدينة عليها دم ، عبيط ، فجلست وأنا باك فقلت قد قتل والله الحسين وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول :

اصبر وآل الرسول

قتل الفرخ النحول

نزل الروح الامين

ببكاء وعويل

ثمّ بكى بأعلى صوته وبكيت فأثبت عندى تلك الساعة وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء لعشر مضين منه فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك فحدثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه فقالوا والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن فى المعركة ولا ندرى ما هو فكنّا نرى انّه الخضرعليه‌السلام (١) .

١١ ـ ابن قولويه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز القرشى الكوفىّ قال : حدّثنى محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن محمّد بن سنان ، عن سعيد بن يسار ، أو غيره قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لمّا أن هبط جبرئيلعليه‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقتل الحسينعليه‌السلام أخذ بيده علىّ فخلا به مليّا من النهار فغلبتهما العبرة ، فلم يتفرّقا حتّى هبط عليه جبرئيلعليه‌السلام أو قال رسول ربّ العالمين فقال لهما ربّكما يقرؤكما السّلام ويقول عزمت عليكما لما صبرتما قال فصبرا(٢) .

١٢ ـ عنه حدثني أبى عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن علىّ الوشاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبى سلمة سالم بن مكرم ، عن أبى

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٣٥٥.

(٢) كامل الزيارات : ٥٥.


عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا حملت فاطمة بالحسين جاء جبرئيلعليه‌السلام الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : انّ فاطمة ستلد ولدا تقتله أمّتك من بعدك.

فلمّا حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : هل رأيتم فى الدنيا امّا تلد غلاما فكرهته ولكنّها كرهته لأنّها علمت انّه سيقتل قال وفيه نزلت هذه الآية( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (١) .

١٣ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن حمّاد ، عن أخيه أحمد بن حمّاد ، عن محمّد بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : اتى جبرئيلعليه‌السلام الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : السلام عليك يا محمّد ألا أبشرك بغلام تقتله أمّتك من بعدك فقال لا حاجة لى فيه ، قال فانتهض الى السماء ثمّ عاد إليه الثانية فقال له مثل ذلك.

فقال لا حاجة لى فيه فانعرج الى السّماء ثمّ انقض إليه الثالثة ، فقال مثل ذلك ، فقال لا حاجة لى فيه ، فقال : إنّ ربّك جاعل الوصيّة فى عقبه فقال نعم أو قال ذلك ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فدخل على فاطمةعليها‌السلام فقال لها انّ جبرئيلعليه‌السلام أتاني فبشّرنى بغلام تقتله امّتى من بعدى.

فقالت لا حاجة لى فيه فقال لها : انّ ربّى جاعل الوصيّة فى عقبه فقالت : نعم اذن ، قال فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ) ووضعه كرها لموضع اعلام جبرئيل إيّاها بقتله فحملته كرها بانّه مقتول ووضعته كرها لانّه مقتول(٢) .

١٤ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، قال : حدّثنى محمّد بن الحسين بن أبى

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٥.

(٢) كامل الزيارات : ٥٦.


الخطاب ، عن محمّد بن عمرو بن سعيد الزيّات ، قال : حدّثنى رجل من أصحابنا عن أبى عبد إلهعليه‌السلام انّ جبرئيلعليه‌السلام نزل على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا محمّد انّ الله يقرأ عليك السّلام ، ويبشّرك بمولود ، يولد من فاطمةعليها‌السلام تقتله أمّتك من بعدك.

فقال يا جبرئيل وعلى ربّى السلام ، لا حاجة لى فى مولود يولد من فاطمة تقتله امّتى من بعدى قال : فعرج جبرئيل الى السماء فقال له مثل ذلك ، فقال : يا جبرئيل وعلى ربّى السلام ، لا حاجة لى فى مولود تقتله امتى من بعدى ، فعرج جبرئيل الى السماء وهبط فقال له : يا محمّد انّ ربّك يقرأك السلام ويبشّرك انّه جاعل فى ذرّيته الامامة والولاية والوصيّة.

فقال قد رضيت ثمّ ارسل الى فاطمةعليها‌السلام انّ الله يبشّرنى بمولود ، يولد منك تقتله امّتى من بعدى فارسلت إليه ان لا حاجة لى فى مولود يولد منّى تقتله أمّتك من بعدك فأرسل إليها أنّ الله جاعل فى ذرّيته الامامة والولاية والوصيّة ، فأرسلت إليه أنى قد رضيت «فحملته( كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ : رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) .

فلو أنّه قال أصلح لى ذرّيتى لكانت ذرّيته كلّهم ائمّة ولم يرضع الحسين من فاطمة ولا من أنثى لكنّه كان يؤتى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فيضع ابهامه فى فيه فليمصّ منها ما يكفيه اليومين والثلاثة فنبت لحم الحسينعليه‌السلام من لحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودمه من دمه ولم يولد مولود لستّة أشهر الّا عيسى بن مريم والحسين بن على صلوات الله عليهم(١) .

١٥ ـ عنه حدّثني أبى ومحمّد بن الحسن جميعا ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ،

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٦.


عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن ابن فضّال ، عن عبد الله بن بكير ، عن بعض أصحابنا ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال دخلت فاطمةعليها‌السلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تدمع فسألته مالك فقال : انّ جبرئيلعليه‌السلام أخبرنى انّ امّتى تقتل حسينا فجزعت وشقّ عليها ، فاخبرها بمن يملك من ولدها فطابت نفسها وسكنت(١)

١٦ ـ عنه حدّثنى محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى ، عن صفوان بن يحيى ، عن الحسين ابن أبى غندر ، عن عمرو بن شمر عن جابر ، عن أبى جعفرعليه‌السلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : زارنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد اهتدت لنا أمّ أيمن لبنا وزبدا وتمرا فقدمنا منه فأكل ثمّ قام الى زاوية البيت فصلّى ركعات ، فلمّا كان فى آخر سجوده بكى بكاء شديدا فلم يسأله أحد منّا اجلالا واعظاما له.

فقام الحسينعليه‌السلام وقعد فى حجره ، فقال يا ابة لقد دخلت بيتنا فما سررنا بشيء كسرورنا بدخولك ثمّ بكيت بكاء غمّنا ، فما أبكاك؟ فقال يا بنىّ أتانى جبرئيلعليه‌السلام آنفا فأخبرنى انّكم قتلى ، وأنّ مصارعكم شتى ، فقال : يا أبة فما لمن زار قبورنا على تشتّتها ، فقال يا بنى اولئك طوائف من أمّتى يزورونكم فيلتمسون بذلك البركة وحقيق علىّ أن أتيهم يوم القيامة حتّى أخلّصهم من أهوال الساعة ومن ذنوبهم ويسكنهم الله الجنّة(٢)

١٧ ـ عنه حدّثنى محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قال : حدّثنى محمّد بن أبى القاسم ما جيلويه ، عن محمّد بن علىّ القرشى ، عن عبيد بن يحيى الثورى ، عن محمّد ابن الحسين بن على بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٧.

(٢) كامل الزيارات : ٥٧.


قال : زارنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم فقدّمنا إليه طعاما وأهدت إلينا أمّ أيمن صحفة من تمر وقعبا من لبن وزبد فقدّمنا إليه فاكل منه.

فلمّا فرغ قمت وسكبت على يدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ماء ، فلمّا غسل يديه مسح وجهه ولحيته ببلّة يديه ثمّ قام الى مسجد فى جانب البيت وصلّى وخرّ ساجدا فبكى واطال البكاء ، ثمّ رفع رأسه فما اجترى منّا أهل البيت أحد يسأله عن شيء فقام الحسينعليه‌السلام يدرج حتّى صعد على فخذى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قال يا أبت ما يبكيك.

فقال له يا بنىّ انّى نظرت إليكم اليوم فسررت بكم سرورا لم اسرّ بكم قبله مثله ، فهبط الىّ جبرئيل ، فاخبرنى أنّكم قتلى وانّ مصارعكم شتّى فحمدت الله على ذلك وسألت لكم الخيرة ، فقال له يا أبة فمن يزور قبورنا ويتعاهدها على تشتّتها ، قال طوائف من امّتى يريدون بذلك برّى وصلتى أتعاهدهم فى الموقف وآخذ باعضادهم فانجيهم من أهواله وشدائده(١)

١٨ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله الله تعالى قال : حدّثنى سعد بن عبد الله بن أبى خلف عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن هارون بن خارجة ، عن أبى بصير ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : انّ جبرئيلعليه‌السلام أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والحسينعليه‌السلام يلعب بين يديه فأخبره أنّ امته ستقتله.

قال فجزع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : ألا اريك التربة التي يقتل فيها قال : فخسف ما بين مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الى المكان الذي قتل فيه الحسينعليه‌السلام حتّى التقتا القطعتان ، فاخذ منها ودحيت فى أسرع من طرفة عين.

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٨.


فخرج وهو يقول طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل حولك قال وكذلك صنع صاحب سليمان تكلّم باسم الله الأعظم فخسف ما بين سرير سليمان وبين العرش من سهولة الأرض وحزونتها حتّى التقت القطعتان فاجترّ العرش قال سليمان يخيّل الى انّه خرج من تحت سريرى قال ودحيت فى أسرع من طرفة العين!(١)

١٩ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن عبد الحميد العطّار ، عن أبى جميلة المفضّل بن صالح ، عن أبى اسامة زيد الشحّام ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : نعى جبرئيلعليه‌السلام الحسين الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بيت أمّ سلمة ، فدخل عليه الحسينعليه‌السلام وجبرئيل عنده ، فقال انّ هذا تقتله أمّتك فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أرنى من التربة التي يسفك فيها دمه فتناول جبرئيلعليه‌السلام قبضة من تلك التربة فاذا هى تربة حمراء(٢) .

٢٠ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله تعالى ، عن سعد ، عن علىّ بن اسماعيل بن عيسى ومحمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، وابراهيم بن هاشم ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام مثله وزاد فيه فلم تزل عند أمّ سلمة حى ماتت رحمها الله(٣) .

٢١ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن الوليد ، الخزّاز ، عن حماد بن عثمان ، عن عبد الملك بن أعين ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان فى بيت أمّ سلمة وعنده جبرئيلعليه‌السلام ، فدخل عليه الحسينعليه‌السلام فقال له جبرئيل : انّ أمّتك تقتل ابنك هذا ألا أريك من تربة الارض

__________________

(١) كامل الزيارات : ٥٩.

(٢) كامل الزيارات : ٥٩

(٣) كامل الزيارات : ٦٠.


التي يقتل فيها؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : نعم ، فأهوى جبرئيلعليه‌السلام بيده وقبض قبضة منها فأراها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

٢٢ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر القرشى الرزّاز ، عن محمّد بن الحسين ، عن محمّد بن سنان ، عن هارون بن خارجة ، عن أبى بصير ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال سمعته يقول بينما الحسين بن علىعليهما‌السلام عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اذ اتاه جبرئيلعليه‌السلام فقال يا محمّد أتحبّه فقال نعم ، فقال : أما انّ أمّتك ستقتله ، قال فحزن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حزنا شديدا.

فقال له جبرئيل يا رسول الله أتريد اريك التربة التي يقتل فيها ، فقال : نعم ، فخسف ما بين مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى كربلا ، حتّى التقتا القطعتان هكذا ثمّ جمع بين السبابتين ، ثمّ تناول بجناحه من التربة وناولها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ رجعت أسرع من طرفة عين ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله طوبى لك من تربة وطوبى لمن يقتل فيك(٢) .

٢٣ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن الحسن بن على الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبى خديجة ، سالم بن مكرم الجمال عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : لمّا ولدت فاطمة الحسينعليهما‌السلام جاء جبرئيل الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له إنّ أمّتك تقتل الحسينعليه‌السلام من بعدك ثمّ قال :

ألا أريك من تربته فضرب بجناحه فاخرج من تربة كربلا وأراها ايّاه ، ثمّ قال هذه التربة التي يقتل عليها(٣) .

٢٤ ـ عنه حدّثنى أبى عن الحسين بن على الزّعفرانى ، قال : حدّثنى محمّد بن

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٠.

(٢) كامل الزيارات : ٦٠.

(٣) كامل الزيارات : ٦١.


عمرو الاسلمى قال : حدّثنى عمرو بن عبد الله بن عنبسة ، عن محمّد بن عبد الله بن عمرو ، عن أبيه ، عن ابن عبّاس ، قال : الملك الّذي جاء الى محمّد يخبره بقتل الحسينعليه‌السلام كان جبرئيلعليه‌السلام الرّوح الامين منشورا الاجنحة باكيا صارخا قد حمل من تربة الحسينعليه‌السلام وهى تفوح كالمسك فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وتفلح امّتى تقتل فرخى أو قال فرخ ابنتى ، فقال جبرئيل يضربها الله بالاختلاف فتختلف قلوبهم(١) .

٢٥ ـ عنه حدثني الناقد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن على ، قال : حدّثنى جعفر بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن الغنوى ، عن سليمان ، قال وهل بقى فى السموات ملك لم ينزل الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعزّيه بولده الحسينعليه‌السلام ويخبره بثواب الله إيّاه ويحمل إليه تربته مصروعا عليها مذبوحا مقتولا جريحا طريحا مخذولا.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهمّ اخذل من خذله ، واقتل من قتله ، واذبح من ذبحه ، ولا تمتّعه بما طلب قال عبد الرحمن : فو الله لقد عوجل الملعون يزيد ولم يتمتّع بعد قتله بما طلب ، قال عبد الرحمن. ولقد أخذ مغافصة بات سكرانا وأصبح ميّتا متغيّرا كانّه مطلى بقار اخذ على أسف وما بقى أحد ممّن تابعه على قتله أو كان فى محاربته إلّا أصابه جنون أو جذام أو برص وصار ذلك وراثة فى نسلهم(٢) .

٢٦ ـ عنه حدّثنى أبى عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر ، عن عبد الكريم بن عمرو ، عن المعلّى بن خنيس قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أصبح صباحا فرأته فاطمة باكيا حزينا فقالت : مالك يا رسول الله ، فأبى أن يخبرها فقالت لا أكل ولا أشرب حتّى تخبرنى ، فقال : إنّ جبرئيلعليه‌السلام أتانى

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦١.

(٢) كامل الزيارات : ٦١.


بالتربة التي يقتل عليها غلام لم يحمل به بعد ولم تكن تحمل بالحسينعليه‌السلام وهذه تربته(١) .

٢٧ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر القرشى الرزّاز ، قال : حدّثنى محمّد بن الحسين ابن أبى الخطاب ، عن موسى بن سعدان الحنّاط ، عن عبد الله بن قاسم الحضرمى عن صالح بن سهل ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قول اللهعزوجل ( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) قال : أمير المؤمنينعليه‌السلام قال قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وطعن الحسن بن علىّعليهما‌السلام .

( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) قتل الحسين بن علىّعليهما‌السلام ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما ) قال : إذا جاء نصر الحسينعليه‌السلام ( بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ) قوما يبعثهم الله قبل قيام القائمعليه‌السلام لا يدعون وترا لآل محمّد إلّا أحرقوه «وكان وعد الله مفعولا»(٢) .

٢٨ ـ عنه حدثني أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن سنان ، عن علىّ بن أبى حمزة ، عن أبى بصير ، عن أبى جعفرعليه‌السلام قال : تلا هذه الآية( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي ، الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) قال الحسين بن على منهم ، ولم ينصر بعد ثمّ قال : والله لقد قتل قتلة الحسينعليه‌السلام ولم يطلب بدمه بعد(٣) .

٢٩ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن يعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم ، عن محمّد بن أبى عمير ، عن بعض رجاله عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قول اللهعزوجل ( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) قال نزلت فى الحسين بن

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٢.

(٢) كامل الزيارات : ٦٢.

(٣) كامل الزيارات : ٦٣.


علىّعليهما‌السلام (١) .

٣٠ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن العبّاس بن معروف ، عن صفوان بن يحيى ، عن حكم الحنّاط ، عن ضريس ، عن أبى خالد الكابلى ، عن أبى جعفرعليه‌السلام قال : سمعته يقول فى قول اللهعزوجل ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) قال : علىّ والحسن والحسينعليهم‌السلام (٢) .

٣١ ـ عنه حدّثنى محمّد بن الحسن بن أحمد ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن العبّاس ابن معروف عن محمّد بن سنان ، عن رجل قال : سألت عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قوله تعالى :( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ) قال ذلك قائم آل محمّد يخرج ويقتل بدم الحسينعليه‌السلام ، فلو قتل أهل الارض لم يكن مسرفا وقوله :( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) لم يكن ليصنع شيئا يكون سرفا ، ثمّ قال أبو عبد اللهعليه‌السلام يقتل والله ذرارى قتلة الحسينعليه‌السلام بفعال آبائها(٣) .

٣٢ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن محمّد بن الحسين عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة بن مهران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قوله تبارك وتعالى :( فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ) قال : أولاد قتلة الحسينعليه‌السلام (٤) .

٣٣ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الكوفى الرزّاز ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن موسى بن سعدان ، عن أبى عبد الله ، عن القاسم الحضرمى ، عن صالح بن سهل ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام فى قول الله تبارك وتعالى :( وَقَضَيْنا إِلى بَنِي

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٣.

(٢) كامل الزيارات : ٦٣.

(٣) كامل الزيارات : ٦٣.

(٤) كامل الزيارات : ٦٣.


إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) قال قتل علىّ وطعن الحسن( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ) قال : قتل الحسينعليه‌السلام (١) .

٣٤ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله قال حدّثنى سعد بن عبد الله بن أبى خلف ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، ومحمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، ويعقوب بن يزيد جميعا ، عن محمّد بن سنان ، عمّن ذكره ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : إنّ اسماعيل الذي قال الله تعالى فى كتابه( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) لم يكن إسماعيل بن ابراهيمعليهما‌السلام ، كان نبيّا من الأنبياء بعثه الله الى قومه ، فأخذوه فسلخوا فروة رأسه ، ووجهه فأتاه ملك عن الله تبارك وتعالى فقال : انّ الله بعثنى إليك فمرنى بما شئت فقال لى : أسوة بما يصنع بالحسينعليه‌السلام (٢) .

٣٥ ـ عنه حدثني أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عنهما جميعا ، عن محمّد ابن سنان ، عن عمّار بن مروان ، عن سماعة بن مهران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : انّه كان لله رسولا نبيّا تسلّط عليه قومه فقشروا جلدة وجهه وفروة رأسه ، فاتاه رسول من ربّ العالمين ، فقال له : ربّك يقرؤك السّلام ، ويقول قد رأيت ما صنع بك وقد امرنى بطاعتك فمرنى بما شئت فقال يكون لى بالحسين أسوة(٣) .

٣٦ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، وأحمد بن الحسن بن علىّ عن أبيه ، عن مروان بن مسلم ، عن بريد بن معاوية العجلى قال قلت لابي عبد اللهعليه‌السلام : يا ابن رسول الله أخبرنى عن إسماعيل الذي ذكره الله فى كتابه حيث يقول :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٤.

(٢) كامل الزيارات : ٦٤.

(٣) كامل الزيارات : ٦٤.


كانَ رَسُولاً نَبِيًّا ) أكان إسماعيل بن إبراهيمعليه‌السلام ، فانّ الناس يزعمون أنّه إسماعيل ابن إبراهيم.

فقالعليه‌السلام انّ إسماعيل مات قبل إبراهيم وإنّ إبراهيم كان حجّة لله كلّها صاحب شريعة فالى من ارسل اسماعيل اذن فقلت جعلت فداك فمن كان قالعليه‌السلام : ذاك إسماعيل بن حزقيل النبيّعليه‌السلام بعثه الله الى قومه فكذّبوه ، فقتلوه وسلخوا وجهه فغضب الله له عليهم فوجّه إليه اسطاطائيل ملك العذاب.

فقال له يا إسماعيل أنا اسطاطائيل ملك العذاب وجّهنى إليك ربّ العزّة لا عذّب قومك بأنواع العذاب ان شئت فقال له اسماعيل لا حاجة لى فى ذلك فأوحى الله إليه فما حاجتك يا إسماعيل فقال يا ربّ انّك اخذت الميثاق لنفسك بالربوبيّة ولمحمّد بالنبوّة ولأوصيائه بالولاية.

أخبرت خير خلقك بما تفعل امته بالحسين بن علىّعليه‌السلام من بعد نبيّها وأنك وعدت الحسينعليه‌السلام ان تكرّ الى الدنيا حتّى ينتقم بنفسه ممّن فعل ذلك به فحاجتى إليك يا ربّ أن تكرّنى الى الدنيا حتّى انتقم ممّن فعل ذلك بى كما تكرّ الحسينعليه‌السلام فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك فهو يكرّ مع الحسينعليه‌السلام (١) .

٣٧ ـ عنه حدّثنى محمّد بن الحسن بن على بن مهزيار ، عن أبيه ، عن جدّه علىّ ابن مهزيار ، عن محمّد بن سنان ، عمّن ذكره عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : انّ إسماعيل الّذي قال الله تعالى فى كتابه :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ) أخذ فسلخت فروة وجهه ورأسه فأتاه ملك فقال إنّ الله بعثنى إليك فمرنى بما شئت ، فقال لى أسوة بالحسين بن علىعليهما‌السلام (٢) .

٣٨ ـ حدّثنى محمّد بن جعفر القرشى الرزّاز الكوفى ، قال حدّثنى خالى محمّد

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٥.

(٢) كامل الزيارات : ٦٥.


ابن الحسين بن أبى الخطاب ، قال حدّثنى موسى بن سعدان الحنّاط عن عبد الله بن القاسم الحضرمى ، عن ابراهيم بن شعيب الميثمى ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : انّ الحسين بن علىعليه‌السلام لمّا ولد أمر اللهعزوجل جبرئيلعليه‌السلام ان يهبط فى ألف من الملائكة فيهنئ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الله ومن جبرئيلعليه‌السلام .

قال وكان مهبط جبرئيلعليه‌السلام على جزيرة فى البحر فيها ملك يقال له فطرس كان من الحملة فبعث فى شيء فابطأ فيه فكسر جناحه والقى فى تلك الجزيرة يعبد الله فيها ستّمائة عام حتّى ولد الحسينعليه‌السلام ، فقال الملك لجبرئيلعليه‌السلام : أين تريد قال : انّ الله تعالى أنعم على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بنعمة فبعثت أهنّئه من الله ومنّى ، فقال يا جبرئيل احملنى معك لعل محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله يدعو الله لى.

قال فحمله فلمّا دخل جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هنّاه من الله وهنّاه منه وأخبره بحال فطرس فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جبرئيل ادخله ، فلمّا أدخله أخبر فطرس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بحاله ، فدعا له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال له : تمسّح بهذا المولود وعد الى مكانك ، قال فتمسح فطرس بالحسينعليه‌السلام وارتفع وقال يا رسول الله أما إنّ أمّتك ستقتله ، وله علىّ مكافاة ان لا يزوره زائر الّا بلغته عنه ولا يسلّم عليه مسلّم الّا بلّغته سلامه ولا يصلّ عليه مصلّ الّا بلغته(١) .

٣٩ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطينى ، عن محمّد بن سنان ، عن أبى سعيد القمّاط ، عن ابن أبى يعفور ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى منزل فاطمةعليها‌السلام والحسين فى حجره اذ بكى وخرّ ساجدا ثمّ قال : يا فاطمة بنت محمّد انّ العلىّ الاعلى تراءى لى فى بيتك هذا فى ساعتى هذه فى أحسن صورة وأهيإ هيئة.

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٦.


قال لى يا محمّد أتحبّ الحسينعليه‌السلام ؟ فقلت : نعم قرّة عينى وريحانتى وثمرة فؤادى وجلدة ما بين عينى فقال يا محمّد ووضع يديه على رأس الحسينعليه‌السلام بورك من مولود عليه بركاتى وصلواتى ورحمتى ورضوانى ولعنتى وسخطى وعذابى وخزيي ونكالى على من قتله وناصبه وناواه ونازعه أما أنّه سيّد الشهداء من الاوّلين والآخرين فى الدنيا والآخرة وذكر الحديث(١) .

٤٠ ـ عنه حدّثنى أبو الحسين محمّد بن عبد الله بن علىّ الناقد قال حدّثنى أبو هارون العبسى ، عن أبى الأشهب جعفر بن حنان ، عن خالد الربعىّ ، قال حدّثنى من سمع كعبا يقول : أوّل من لعن قاتل الحسين بن علىّعليهما‌السلام إبراهيم خليل الرحمن وأمر ولده بذلك وأخذ عليهم العهد والميثاق.

ثمّ لعنه موسى بن عمران وأمر امته بذلك ثمّ لعنه داود وامر بنى اسرائيل بذلك ، ثمّ لعنه عيسى ، وأكثر أن قال يا بنى اسرائيل العنوا قاتله وإن ادركتم أيّامه ، فلا تجلسوا عنه ، فانّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء ، مقبل غير مدبر ، وكأنّى انظر الى بقعة وما من نبىّ الّا وقد زار كربلا ووقف عليها وقال انّك لبقعة كثيرة الخير فيك يدفن القمر الازهر(٢) .

٤١ ـ عنه حدّثنى الحسين بن على الزعفرانى بالرّى ، قال حدّثنا محمّد بن عمر النصيبى ، عن هشام بن سعد ، قال : أخبرنى المشيخة أنّ الملك الّذي جاء الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبره بقتل الحسين بن علىّعليهما‌السلام كان ملك البحار ، وذلك أنّ ملكا من ملائكة الفردوس نزل على البحر فنشر اجنحته عليها.

ثمّ صاح صيحة ، وقال : يا أهل البحار البسوا ثوب الحزن فانّ فرخ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مذبوح ، ثمّ حمل من تربته فى أجنحته الى السموات ، فلم يبق ملك فيها إلّا

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٧.

(٢) كامل الزيارات : ٦٧.


شمّها وصار عنده لها أثر ولعن قتلته وأشياعهم واتباعهم(١) .

٤٢ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ومحمّد بن الحسن بن الوليد ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن صفوان بن يحيى ، وجعفر بن عيسى بن عبيد الله قال : حدّثنا أبو عبد الله الحسين بن أبى غندر عمّن حدّثه ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال كان الحسين بن علىعليهما‌السلام ذات يوم فى حجر النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يلاعبه ويضاحكه فقالت عائشة يا رسول الله ما أشدّ إعجابك بهذا الصبى.

فقال لها ويلك وكيف لا أحبّه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤادى وقرّة عينى أما أنّ أمّتى ستقتله ، فمن زاده بعد وفاته كتب الله له حجّة من حججى ، قالت يا رسول الله حجّة من حججك؟ قال : نعم حجّتين من حججى قالت يا رسول الله حجّتين من حججك؟ قال نعم وأربعة قال فلم تزل تزاده ويزيد ويضعف حتّى بلغ تسعين حجة من حجج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأعمارها(٢) .

٤٣ ـ عنه حدّثنى محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميرى ، عن أبيه ، عن علىّ بن محمّد بن سالم ، عن محمّد بن خالد ، عن عبد الله بن حمّاد البصرى ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن مسمع بن عبد الملك ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : كان الحسينعليه‌السلام مع امّه تحمله فأخذه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال لعن الله قاتليك ولعن الله سالبيك وأهلك الله المتوازرين عليك وحكم الله بينى وبين من أعان عليك.

فقالت فاطمة : يا أبة أىّ شيء تقول ، قال يا بنتاه ، ذكرت ما يصيبه بعدى وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغى وهو يومئذ فى عصبة كأنّهم نجوم السماء ، يتهادون الى القتل وكأنّى انظر الى معسكر هم والى موضع رحالهم ، وتربتهم فقالت يا أبة واين هذا الموضع الّذي تصف قال : موضع يقال له كربلا وهى ذات

__________________

(١) كامل الزيارات : ٦٧.

(٢) كامل الزيارات : ٦٨.


كرب وبلاء علينا وعلى الامّة.

يخرج عليهم شرار امّتى ، ولو أنّ أحدهم يشفع له من فى السماوات والارضين ما شفعوا فيهم ، وهم المخلّدون فى النار ، قالت : يا أبة فيقتل؟ قال : نعم يا بنتاه(١) قتل قبله أحد كان تبكيه السموات والارضون والملائكة والوحش والحيتان فى البحار والجبال لو يؤذن لها ما بقى على الارض متنفّس.

وتأتيه قوم من محبّينا ليس فى الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقّنا منهم ، وليس على ظهر الارض أحد يلتفت إليه غيرهم ، اولئك مصابيح فى ظلمات الجور وهم الشفعاء وهم واردون حوضى غدا أعرفهم إذ وردوا علىّ بسيماهم وأهل كلّ دين يطلبون أئمّتهم ، وهم يطلبوننا ولا يطلبون غيرنا وهم قوام الارض بهم ينزل الغيث وذكر الحديث بطوله(٢) .

٤٤ ـ حدّثنى محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد ، عن أبى عبد الله زكريّا المؤمن ، عن أيّوب بن عبد الرحمن ، وزيد بن الحسن أبى الحسن ، وعباد جميعا عن سعد الاسكاف قال قال أبو جعفرعليه‌السلام قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

من سرّه أن يحيى محياى ويموت مماتى ويدخل جنّة عدن فيلزم قضيبا غرسه ربّى بيده فليتولّ عليّا والاوصياء من بعده وليسلم لفضلهم فانهم الهداة المرضيّون ، أعطاهم الله فهمى وعلمى وهم عترتى من لحمى ودمى الى الله أشكو عدوّهم من امّتى المنكرين لفضلهم القاطعين فيهم صلتى والله ليقتلنّ ابنى لا أنالهم الله شفاعتى(٣)

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) كامل الزيارات : ٦٨.

(٣) كامل الزيارات : ٦٩.


٤٥ ـ عنه حدّثنى الحسن بن عبد الله بن محمّد بن عيسى ، عن أبيه ، عن الحسن ابن محبوب ، عن علىّ بن شجرة ، عن سلّام الجعفى ، عن عبد الله بن محمّد الصنعانى ، عن أبى جعفرعليه‌السلام ، قال : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اذا دخل الحسينعليه‌السلام جذبه إليه ثمّ يقول لأمير المؤمنينعليه‌السلام امسكه ثمّ يقع عليه فيقبّله ويبكى.

يقول : يا ابة لم تبكى فيقول يا بنىّ اقبّل موضع السيوف منك قال : يا أبة واقتل قال : اى والله ، وأبوك وأخوك وأنت قال : يا أبة فمصارعنا شتى قال : نعم ، يا بنىّ قال : فمن يزورنا من أمّتك قال لا يزورنى ويزور اباك وأخاك وأنت الّا الصديقون من أمّتى(١) .

٤٦ ـ عنه حدّثنى محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميرى ، عن أبى سعيد الحسين ابن علىّ بن زكريّا العدوى ، البصرى ، قال : حدّثنا عمرو بن المختار ، قال : حدّثنا اسحاق بن بشر ، عن القوام مولى قريش ، قال : سمعت مولاى عمر بن هبيرة قال : رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحسن والحسين فى حجره يقبّل هذا مرّة وهذا مرّة ، ويقول للحسين : انّ الويل لمن يقتلك(٢) .

٤٧ ـ عنه حدّثنى أبىرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمّد بن عيسى ، عن محمّد بن سنان ، عن أبى سعيد القمّاط ، عن ابن أبى يعفور ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : بينما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى منزل فاطمة والحسين فى حجره اذ بكى وخرّ ساجدا ، ثمّ قال يا فاطمة بنت محمّد إنّ العلىّ الأعلى تراءى الىّ فى بيتك هذا فى ساعتى هذه فى أحسن صورة وأهيإ هيئة.

فقال لى يا محمّد أتحبّ الحسين؟ قلت : يا ربّ قرّة عينى وريحانتى وثمرة فؤادى وجلدة ما بين عينى ، فقال لى يا محمّد ووضع يده على رأس الحسينعليه‌السلام

__________________

(١) كامل الزيارات : ٧٠.

(٢) كامل الزيارات : ٧٠.


بورك من مولود عليه بركاتى وصلواتى ورحمتى ورضوانى ونعمتى ولعنتى وسخطى وعذابى وخزيي ونكالى على من قتله وناصبه وناواه ونازعه.

أما أنّه سيّد الشهداء من الاوّلين والآخرين فى الدّنيا والآخرة وسيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين وأبوه أفضل منه وخير فأقرأه السّلام وبشّره بانّه راية الهدى ومنار أوليائى وحفيظى وشهيدى على خلقى وخازن علمى وحجّتى على أهل السموات وأهل الارضين والثقلين الجنّ والانس(١) .

٤٨ ـ عنه حدّثنى محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميرى ، عن أبيه ، عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن محمّد بن حماد الكوفى ، عن ابراهيم بن موسى الأنصاري قال: حدّثنى مصعب ، عن جابر ، عن محمّد بن علىّعليه‌السلام قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

من سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتى ويدخل جنّتى جنّة عدن غرسها ربّى بيده ، فليتولّ عليّا ويعرف فضله والأوصياء من بعده ، ويتبرّأ من عدوّى ، أعطاهم الله فهى وعلمى هم عترتى من لحمى ودمى أشكو الى ربّى عدوّهم من امّتى المنكرين لفضلهم القاطعين فيهم صلتى والله ليقتلنّ ابنى ثمّ لا تنالهم شفاعتى(٢) .

٤٩ ـ عنه حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز القرشى ، قال : حدّثنى خالى محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن علىّ بن النعمان ، عن عبد الرحمن بن سيابة ، عن أبى داود السبعىّ عن أبى عبد الله الجدلى ، قال دخلت على أمير المؤمنين والحسينعليهما‌السلام إلى جنبه فضرب بيده على كتف الحسينعليه‌السلام ثمّ قال : ان هذا يقتل ولا ينصره أحد قال قلت : يا أمير المؤمنين والله انّ تلك لحياة سوء قال : إنّ ذلك

__________________

(١) كامل الزيارات : ٧٠.

(٢) كامل الزيارات : ٧١.


لكائن(١) .

٥٠ ـ حدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن خاله محمّد بن الحسين بن أبى الخطاب ، عن نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن علىّ بن حمّاد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : قال علىعليه‌السلام للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله أسوة أنت قدما فقال جعلت فداك ما حالى.

قال : علمت ما جهلوا وسينتفع عالم بما علم ، يا بنىّ اسمع وابصر من قبل أن يأتيك فو الذي نفسى بيده ليسفكنّ بنو اميّة دمك ثمّ لا يزيلونك عن دينك ، ولا ينسونك ذكر ربّك ، فقال الحسين : والذي نفسى بيده حسبى أقررت بما انزل الله وأصدق قول نبىّ الله ولا اكذب قول أبى(٢)

٥١ ـ عنه وحدّثنى محمّد بن جعفر الرزّاز ، عن خاله محمّد بن الحسين ، عن نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن يزيد بن إسحاق عن هانى بن هانى ، عن علىعليه‌السلام قال ليقتل الحسين قتلا ، وانّى لأعرف تربة الأرض الّتي يقتل عليها قريبا من النهرين(٣) .

٥٢ ـ روى الشيخ المفيد باسناده ، عن إسماعيل بن صبيح ، عن يحيى بن المساور العابدى ، عن اسماعيل بن زياد ، قال : انّ عليّاعليه‌السلام قال للبرآء بن عاذب ذات يوم: يا براء يقتل ابنى الحسينعليه‌السلام ، وأنت حىّ لا تنصره ، فلمّا قتل الحسينعليه‌السلام ، كان البرآء بن عاذب يقول : صدق والله علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام ، قتل الحسينعليه‌السلام ولم أنصره ، ثمّ أظهر الحسرة على ذلك والنّدم(٤) .

٥٣ ـ عنه باسناده ، عن عثمان بن عيسى العامرى ، عن جابر بن الحرّ ، عن

__________________

(١) كامل الزيارات : ٧١.

(٢) كامل الزيارات : ٧١.

(٣) كامل الزيارات : ٧١.

(٤) الارشاد : ١٥٦.


جويرة بن مسهر العبدى ، قال لمّا توجّهنا مع أمير المؤمنين الى صفين فبلغنا طفوف كربلا وقف ناحية من العسكر ثمّ نظر يمينا وشمالا واستعبر ثمّ قال هذا والله مناخ ركابهم وموضع منيّتهم فقيل له يا أمير المؤمنين ما هذا الموضع.

فقال هذا كربلا يقتل فيه قوم يدخلون الجنّة بغير حساب ، ثمّ سار وكان الناس لا يعرفون تأويل ما قال حتّى كان من أمر الحسين بن علىعليهما‌السلام وأصحابه بالطفّ ما كان ، فعرف حينئذ من سمع كلامه مصداق الخبر فيما انبأهم به(١) .

٥٤ ـ عنه روى سماّك ، عن ابن المخارق عن أمّ سلمة رضى الله عنها ، قالت : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم جالس والحسينعليه‌السلام جالس فى حجره ، إذ هملت عيناه بالدّموع فقلت يا رسول الله ما لي اراك تبكى ، جعلت فداك ، فقال جاءني جبرئيلعليه‌السلام فعزّانى بابني الحسين ، وأخبرنى أنّ طائفة من أمّتى تقتله لا أنا لهم الله شفاعتى(٢) .

٥٥ ـ الطوسى باسناده قال : قال عمر بن أبى المقدام : فحدّثنى سدير ، عن أبى جعفرعليه‌السلام أنّ جبرئيل جاء الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتربة التي يقتل عليها الحسينعليه‌السلام ، قال أبو جعفر : فهى عندنا(٣) .

٥٦ ـ روى المفيد باسناده ، عن عن أمّ سلمة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج من عندنا ذات ليلة ، فغاب عنّا طويلا ثمّ جاءنا ، وهو أشعث أغبر ويده مضمومة ، فقلت له : يا رسول الله ما لي أراك اشعث مغبرا؟ فقال : اسرى بى فى هذه الليلة الى موضع من العراق يقال له : كربلاء فرأيت فيه مصرع الحسين وجماعة من ولدى وأهل بيتى فلم أزل ألتقط دماءهم فيها هى فى يدى وبسطها.

__________________

(١) الارشاد : ١٥٦.

(٢) الارشاد : ٢٣٤.

(٣) أمالي الطوسى : ١ / ٣٢٣.


فقال : خذيه واحتفظى بها فأخذتها فاذا هى شبه تراب أحمر ، فوضعته فى قارورة وشددت رأسها واحتفظت بها ، فلمّا خرج الحسينعليه‌السلام من مكّة متوجّها نحو العراق كنت أخرج تلك القارورة فى كلّ يوم وليلة فأشمّها وأنظر إليها ثمّ أبكى لمصابها.

فلمّا كان يوم العاشر من المحرّم وهو اليوم الّذي قتل فيه أخرجتها فى أوّل النهار ، وهى بحالها ثمّ عدت إليها آخر النهار فاذا هى دم عبيط ، فضججت فى بيتى وكظمت غيظى فكتمت مخافة أن يسمع أعداءهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة ، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتّى جاء الناعى ينعاه فحقّق ما رأيت(١) .

٥٧ ـ أبو منصور الطبرسى فى رواية طويلة عن سعد بن عبد الله عن الحسن ابن علىعليهما‌السلام فقلت : أخبرنى عن تأويل كهيعص.

قال هذه الحروف من أنباء الغيب ، اطلع الله عليها عبده زكريا ثمّ قصها على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك : ان زكريّاعليه‌السلام سأل ربه : أن يعلّمه الأسماء الخمسة ، فأهبط عليه جبرئيل ، فعلمه إيّاها فكان زكريّا اذا ذكر محمّدا وعليّا وفاطمة والحسن ، سرى عنه همه ، وانجلى كربه واذا ذكر اسم الحسينعليه‌السلام خنقته العبرة ، ووقعت عليه البهرة.

فقال ـ ذات يوم ـ إلهى ما بالى إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومى ، وإذا ذكرت الحسين تدمع عينى وتنور زفرتى ، فأنبأ الله تبارك وتعالى عن قصته فقال : «كهيعص» فالكاف اسم «كربلاء» والهاء «هلاك العترة» والياء (يزيد) وهو ظالم للحسين ، والعين «عطشه» والصاد «صبره» فلمّا سمع بذلك زكرياعليه‌السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيهنّ الناس من الدخول عليه وأقبل على البكاء والنحيب ، وكان يرثيه :

__________________

(١) الارشاد : ٢٣٥.


إلهى أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهى أتنزل بلوى هذه الرؤية بفنائه؟

إلهى أتلبس عليا وفاطم ثوب هذه المصيبة؟ إلهى تحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما؟

ثمّ كان يقول : الهى ارزقنى ولدا تقرّبه عينى على الكبر ، فاذا رزقتنيه فأفتنى بحبه ، ثمّ افجعنى به كما تفجع محمّدا حبيبك بولده فرزقه الله يحيى وفجعه به وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين كذلك(١) .

٥٨ ـ روى المجلسى عن الخرائج من تاريخ محمّد النجّار ، شيخ المحدّثين بالمدرسة المستنصرية باسناد مرفوع إلى أنس بن مالك ، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : لمّا أراد الله أن يهلك قوم نوح أوحى إليه : أن شقّ ألواح الساج ، فلمّا شقّها لم يدر ما يصنع بها.

فهبط جبرئيل فأراه هيئة السفينة ومعه تابوت بها مائه ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار ، فسمّر بالمسامير ، كلّها السفينة الى أن بقيت خمسة مسامير ، فضرب بيده الى مسمار ، فأشرق بيده ، وأضاء كما يضيء الكوكب الدرّي فى افق السماء فتحيّر نوح ، فأنطلق الله المسمار بلسان طلق ذلق : أنا على اسم خير الأنبياء محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهبط جبرئيل فقال له : يا جبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله ، فقال ، هذا باسم سيد الأنبياء محمد بن عبد الله اسمره على أولها على جانب السفينة الأيمن ، ثم ضرب بيده الى مسمار ثان فأشرق وأنار فقال نوح : وما هذا المسمار؟ فقال : هذا مسمار أخيه وابن عمه سيد الاوصياء على بن أبى طالب فأسمره على جانب السفينة الأيسر فى أولها ثم بيده الى مسمار ثالث فزهر وأشرق وأنار.

__________________

(١) الاحتجاج : ٢ / ٢٧٢.


فقال جبرئيل : هذا مسمار فاطمة فأسمره الى جانب مسمار أبيها ، ثم ضرب بيده الى مسمار رابع فزهر وأنار ، فقال جبرئيل : هذا مسمار الحسن فأسمره الى جانب مسمار أبيه ، ثم ضرب بيده الى مسمار خامس فزهر وأنار وأظهر النداوة ، فقال جبرئيل : هذا مسمار الحسين فأسمره الى جانب مسمار أبيه ، فقال نوح : يا جبرئيل ما هذا النداوة؟ فقال: هذا الدم فذكر قصة الحسينعليه‌السلام وما تعمل الامة به : فلعن الله قاتله وظالمه وخاذله(١) .

٥٩ ـ عنه قال : وروى فى مؤلفات بعض الأصحاب ، عن أمّ سلمة قالت : دخل رسول الله ذات يوم ودخل فى أثره الحسن والحسينعليها‌السلام ، وجلسا الى جانبيه فأخذ الحسن على ركبته اليمنى ، والحسين على ركبته اليسرى ، وجعل يقبل هذا تارة وهذا اخرى ، واذا بجبرئيل قد نزل وقال : يا رسول الله انك لتحب الحسن والحسين؟ فقال : وكيف لا احبهما وهما ريحانتىّ من الدنيا وقرّتا عينى.

فقال جبرئيل : يا نبىّ الله ان الله قد حكم عليهما بأمر ، فاصبر له ، فقال : وما هو يا أخى؟ فقال : قد حكم على هذه الحسن أن يموت مسوما وعلى هذا الحسين أن يموت مذبوحا ، وان لكل نبىّ دعوة مستجابة ، فان شئت كانت دعوتك لولديك الحسن والحسين فادع الله أن يسلمهما من السمّ والقتل ، وان شئت كانت مصيبتهما ذخيرة فى شفا عتك للعصاة من أمتك يوم القيمة.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جبرئيل أنا راض بحكم ربّى لا أريد إلّا ما يريده ، وقد أحببت أن تكون دعوتى ذخيرة لشفاعتى فى العصاة من امّتى ويقضى الله فى ولدى ما يشاء(٢) .

٦٠ ـ عنه قال : روى فى بعض كتب المناقب المعتبرة ، عن الحسن بن أحمد

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٣٠.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤١.


الهمدانيّ ، عن أبى على الحداد ، عن محمّد بن أحمد الكاتب ، عن عبد الله بن محمّد ، عن أحمد بن عمرو ، عن إبراهيم بن سعيد ، عن محمّد بن جعفر بن محمّد ، عن عبد الرحمن بن محمّد بن عمر بن أبى سلمة ، عن أبيه ، عن جدّه عن أمّ سلمة قالت :

جاء جبرئيل الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : انّ أمّتك تقتله يعنى الحسينعليه‌السلام بعدك ، ثمّ قال : ألا أريك من تربته ، قالت : فجاء بحصيات فجعلهنّ رسول الله فى قارورة ، فلمّا كان ليلة قتل الحسين قالت أمّ سلمة سمعت قائلا فيقول :

أيّها القاتلون جهلا حسينا

أبشروا بالعذاب والتنكيل

قد لعنتم على لسان داود

وموسى وصاحب الانجيل

قالت : فبكيت ففتحت القارورة ، فاذا قد حدث فيها دم(١)

٦١ ـ عنه قال : روى أنّ رسول الله كان يوما مع جماعة من أصحابه مارّا فى بعض الطريق. وإذا هم بصبيان يلعبون فى ذلك الطريق ، فجلس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عند صبىّ منهم وجعل يقبّل ما بين عينيه ويلاطفه ثمّ أقعده على حجره وكان يكثر تقبيله ، فسئل عن علّة ذلك ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّى رأيت هذا الصبىّ يوما يلعب مع الحسين ورأيته ليرفع التراب من تحت قدميه ، ويمسح به وجهه وعينيه ، فأنا أحبّه لحبّه لولدى الحسين ، ولقد أخبرنى جبرئيل أنّه يكون من أنصاره فى وقعة كربلا(٢)

٦٢ ـ عنه قال : وروى مرسلا أنّ آدم لمّا هبط إلى الأرض لم ير حوّاء ، فصار يطوف الأرض فى طلبها فمرّ بكربلاء ، فاغتمّ وضاق صدره من غير سبب ، وعثر فى المواضع الذي قتل فيه الحسين ، حتّى سال الدم من رجله ، فرفع رأسه الى السماء قال : الهى هل حدث منّى ذنب آخر فعاقبتنى به؟ فانّى طفت جميع الأرض ، وما أصابنى سوء مثل ما أصابنى فى هذه الأرض.

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤١.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٢.


فأوحى الله إليه يا آدم ما حدث منك ذنب ، ولكن يقتل فى هذه الأرض ولدك الحسين ظلما فسال دمك موافقة لدمه ، فقال آدم : يا ربّ أيكون الحسين نبيّا قال : لا ، ولكنّه سبط النبيّ محمّد ، فقال : ومن القاتل له؟ قال : قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض ، فقال آدم : فأىّ شيء أصنع يا جبرئيل؟ فقال : العنه يا آدم فلعنه أربع مرّات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء هناك(١)

٦٣ ـ عنه قال وروى أنّ نوحا لمّا ركب فى السفينة طافت به جميع الدّنيا فلمّا مرّت بكربلاء أخذته الأرض ، وخاف نوح الغرق فدعا ربّه وقال : إلهى طفت جميع الدنيا وما أصابنى فزع ، مثل ما أصابنى فى هذه الأرض ، فنزل جبرئيل وقال : يا نوح فى هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمّد خاتم الأنبياء ، وابن خاتم الأوصياء فقال : ومن القاتل له يا جبرئيل؟ قال : قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين ، فلعنه نوح أربع مرّات فسارت السفينة حتّى بلغت الجودىّ واستقرّت عليه(٢)

٦٤ ـ عنه قال : روى أنّ إبراهيمعليه‌السلام مرّ فى أرض كربلا ، وهو راكب فرسا فعثرت به وسقط إبراهيم وشجّ رأسه ، وسال دمه ، فأخذ فى الاستغفار وقال : الهى أىّ شيء حدث منّى؟ فنزل إليه جبرئيل ، وقال : يا إبراهيم ما حدث منك ذنب ، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء فسال دمك موافقة لدمه.

قال : يا جبرئيل ومن يكون قاتله؟ قال : لعين أهل السماوات والأرضين والقلم جرى على اللّوح بلعنه بغير إذن ربّه ، فأوحى الله تعالى إلى القلم إنّك استحققت الثناء بهذا اللّعن.

فرفع إبراهيمعليه‌السلام يديه ولعن يزيد لعنا كثيرا وأمّن فرسه بلسان فصيح ، فقال إبراهيم لفرسه : أىّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دعائى؟ فقال يا إبراهيم أنا

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٢.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٣.


أفتخر بركوبك علىّ فلمّا عثرت وسقطت عن ظهرى عظمت خجلتى وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى(١) .

٦٥ ـ عنه قال روى أنّ إسماعيل كانت أغنامه ترعى بشط الفرات ، فأخبره الراعى أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوما فسأل ربّه عن سبب ذلك فنزل جبرئيل وقال : يا اسماعيل سل غنمك فانّها تجيبك عن سبب ذلك؟ فقال لها : لم لا تشربين من هذا الماء؟ فقالت بلسان فصيح :

قد بلغنا أنّ ولدك الحسينعليه‌السلام سبط محمّد يقتل هنا عطشانا ، فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزنا عليه ، فسألها عن قاتله ، فقالت يقتله لعين أهل السماوات والأرضين والخلائق أجمعين ، فقال إسماعيل : اللهمّ العن قاتل الحسينعليه‌السلام (٢) .

٦٦ ـ عنه قال : وروى أنّ موسى كان ذات يوم سائرا ومعه يوشع بن نون ، فلمّا جاء إلى أرض كربلا انخرق نعله وانقطع شراكه ، ودخل الخسك فى رجليه ، وسال دمه فقال: الهى أىّ شيء حدث منّى؟ فأوحى إليه أنّ هنا يقتل الحسينعليه‌السلام وهنا يسفك دمه ، فسال دمك موافقة لدمه.

فقال : ربّ ومن يكون الحسين؟ فقيل له : هو سبط محمّد المصطفى ، وابن علىّ المرتضى ، فقال : ومن يكون قاتله؟ فقيل : هو لعين السّمك فى البحار ، والوحوش فى القفار ، والطير فى الهواء ، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمّن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه(٣) .

٦٧ ـ وروى أنّ سليمان كان على بساط ويسير فى الهواء ، فمرّ ذات يوم وهو سائر فى أرض كربلا ، فأدارت الرّيح بساطه ثلاث دورات حتّى خاف السّقوط ،

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٣.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٣.

(٣) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٤.


فسكنت الرّيح ، ونزل البساط فى أرض كربلا.

فقال سليمان للريح : لم سكنتى؟ فقالت : انّ هنا يقتل الحسينعليه‌السلام ، فقال ومن يكون الحسين؟ فقالت : هو سبط محمّد المختار ، وابن علىّ الكرّار ، فقال : ومن قاتله؟ قالت؟ لعين أهل السماوات والأرض يزيد ، فرفع سليمان يديه ولعنه ودعا عليه وأمّن على دعائه الانس والجنّ ، فهبّت الرّيح وسار البساط(١) .

٦٨ ـ عنه قال روى أنّ عيسى كان سائحا فى البرارى ، ومعه الحواريّون ، فمرّوا بكربلاء فرأوا أسدا كاسرا ، قد أخذ الطريق فتقدم عيسى الى الاسد ، فقال له : لم جلست فى هذا الطريق؟ ولا تدعنا نمرّ فيه؟ فقال الأسد بلسان فصيح : إنّى لم أدع لكم الطريق حتّى تلعنوا يزيد قاتل الحسينعليه‌السلام .

فقال عيسىعليه‌السلام : ومن يكون الحسين؟ قال : هو سبط محمّد النبيّ الامّىّ وابن على الولىّ ، قال : ومن قاتله؟ قال : قاتله لعين الوحوش والذباب والسباع أجمع خصوصا أيّام عاشورا فرفع عيسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمّن الحواريّون على دعائه فتنحى الأسد عن طريقهم ومضوا لشأنهم(٢) .

٦٩ ـ عنه قال : روى صاحب الدرّ الثمين فى تفسير قوله تعالى :( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ) أنّه رأى ساق العرش وأسماء النبيّ والأئمّةعليهم‌السلام فلقنه جبرئيل قل : يا حميد بحقّ محمّد ، يا عالى بحقّ علىّ ، يا فاطر بحقّ فاطمة ، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان.

فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه ، وقال : يا أخى جبرئيل فى ذكر الخامس ينكسر قلبى ، وتسيل عبرتى؟ قال جبرئيل : ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب ، فقال : يا أخى وما هى؟ قال : يقتل عطشانا غريبا وحيدا

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٤.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٤.


فريدا ليس له ناصر ولا معين ، ولو تراه يا آدم وهو يقول : وا عطشا وا قلّة ناصراه.

حتّى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان ، فلم يجبه أحد إلّا بالسيوف ، وشرب الحتوف ، فيذبح ذبح الشاة من قفاه ، وينهب رحله أعداؤه وتشهر رءوسهم هو وأنصاره فى البلدان ، ومعهم النسوان ، كذلك سبق فى علم الواحد المنّان : فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى(١)

٧٠ ـ عنه قال : روى عن بعض الثقات الأخيار ، أنّ الحسن والحسينعليهما‌السلام دخلا يوم عيد إلى حجرة جدّهما ، رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالا : يا جدّا ، اليوم يوم العيد ، وقد تزيّن أولاد العرب بألوان اللّباس ولبسوا جديد الثياب ، وليس لنا ثوب جديد وقد توجّهنا لذلك إليك ، فتأمّل النبيّ حالهما وبكى ، ولم يكن عنده فى البيت ثياب يليق بهما ، ولا رأى أن يمنعهما فيكسر خاطرهما ، فدعا ربّه وقال : إلهى أجبر قلبهما وقلب امّهما.

فنزل جبرئيل ومعه حلّتان بيضاوان من حلل الجنّة ، فسرّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال لهما : يا سيّدى شباب أهل الجنّة ، خذوا أثوابا خاطها خيّاط القدرة على قدر طولكما ، فلمّا رأيا الخلع بيضا قالا : يا جدّاه كيف هذا وجميع صبيان العرب لابسون ألوان الثياب ، فأطرق النبيّ ساعة متفكّرا فى أمرهما.

فقال جبرئيل : يا محمّد طب نفسا وقرّ عينا إنّ صابغ صبغة اللهعزوجل يقضى لهما هذا الأمر ويفرّح قلوبهما بأىّ لون شاءا ، فأمر يا محمّد باحضار الطست والابريق فأحضرا فقال جبرئيل : يا رسول الله أنا أصبّ الماء على هذه الخلع وأنت تفركهما بيدك فتصبغ لهما بأىّ لون شاءا.

فوضع النبيّ حلّة الحسن فى الطست فأخذ جبرئيل يصبّ الماء ثمّ أقبل النبيّ

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٥.


على الحسن وقال له : يا قرّة عينى بأىّ لون تريد حلّتك؟ فقال : اريدها خضراء ففركها النبيّ بيده فى ذلك الماء ، فأخذت بقدرة الله لونا أخضر ، فائقا كالزبرجد الأخضر ، فأخرجها النبيّ وأعطاها الحسن ، فلبسها.

ثمّ وضع حلّة الحسين فى الطست وأخذ جبرئيل يصبّ الماء فالتفت النبيّ إلى نحو الحسين ، وكان له من العمر خمس سنين وقال له : يا قرّة عينى أىّ لون تريد حلّتك؟ فقال الحسين : يا جدّ! اريدها حمراء ففركها النبيّ بيده فى ذلك الماء فصارت حمراء كالياقوت الأحمر ، فلبسها الحسين فسرّ النبيّ بذلك وتوجّه الحسن والحسين إلى امّهما فرحين مسرورين.

فبكى جبرئيلعليه‌السلام لمّا شاهد تلك الحال فقال النبيّ : يا أخى جبرئيل فى مثل هذا اليوم الذي فرح فيه ، ولد اى تبكى وتحزن؟ فبالله عليك إلّا ما أخبرتنى ، فقال جبرئيل: اعلم يا رسول الله أنّ اختيار ابنيك على اختلاف اللّون : فلا بدّ للحسن أن يسقوه السمّ ويخضرّ لون جسده من عظم السمّ ولا بدّ للحسين أن يقتلوه ويذبحوه ويخضب بدنه من دمه ، فبكى النبيّ وزاد حزنه لذلك(١) .

٧١ ـ عنه قال : روى الشيخ جعفر بن نما فى مثير الأحزان باسناده ، عن زوجة العبّاس بن عبد المطلب ، وهى أمّ الفضل لبابة بنت الحارث قالت : رأيت فى النوم قبل مولد الحسينعليه‌السلام كأن قطعة من لحم رسول الله قطعت ووضعت فى حجرى ، فقصصت الرؤيا على رسول الله ، فقال : إن صدقت رؤياك فانّ فاطمة ستلد غلاما وأدفعته إليك لترضعيه ، فجرى الأمر على ذلك ، فجئت به يوما فوضعته فى حجره فبال ، فقطرت منه قطرة على ثوبهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقرصته فبكى.

فقال : كالمغضب : مهلا يا أمّ الفضل فهذا ثوبى يغسل وقد أوجعت ابنى ، قالت :

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٥.


فتركته ومضيت لآتيه بماء ، فجئت فوجدتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يبكى فقلت : ممّ بكاءك يا رسول الله فقال : إنّ جبرئيل أتانى وأخبرنى أن امّتى تقتل ولدى هذا.

قال : وقال أصحاب الحديث فلمّا أتت على الحسين سنة كاملة ، هبط على النبيّ اثنا عشر ملكا ، على صور مختلفة أحدهم على صورة بنى آدم يعزّونه ويقولون إنّه سينزل بولدك الحسين ابن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل ، ولم يبق ملك إلّا نزل إلى النبيّ يعزّونه ، والنبيّ يقول : اللهمّ أخذل خاذله ، واقتل قاتله ، ولا تمتّعه بما طلبه(١)

٧٢ ـ عنه عن أشعث بن عثمان عن أبيه ، عن أنس بن أبى سحيم قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ ابني هذا يقتل بأرض العراق ، فمن أدركه منكم فلينصره فحضر أنس مع الحسين كربلا وقتل معه(٢) .

٧٣ ـ عنه قال : ورويت عن عبد الصمد بن أحمد بن أبى الجيش ، عن شيخه أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزى ، عن رجاله ، عن عائشة قالت : دخل الحسين على النبيّ وهو غلام يدرج فقال : أى عائشة ألا أعجبك لقد دخل علىّ آنفا ملك ما دخل علىّ قطّ ، فقال : إنّ ابنك هذا مقتول ، وان شئت أريتك عن تربته الّتي يقتل بها فتناول ترابا أحمر فأخذته أمّ سلمة فخزنته فى قارورة فأخرجته يوم قتل وهو دم(٣) .

٧٤ ـ عنه عن عبد الله بن يحيى قال : دخلنا مع علىّ إلى صفّين فلمّا حاذى نينوى ، نادى صبرا يا عبد الله ، فقال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان فقلت : بأبى أنت وأمّى يا رسول الله ما لعينيك تفيضان؟ أغضبك أحد؟ قال : لا ، بل

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٦.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٦.

(٣) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٧.


كان عندى جبرئيل فأخبرنى أنّ الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، وقال : هل لك أن أشمّك من تربته؟ قلت : نعم فمدّ يده فأخذ قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عينى أن فاضتا واسم الأرض كربلا.

فلمّا أتت عليه سنتان خرج النبيّ إلى سفر فوقف فى بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك فقال : هذا جبرئيل يخبرنى عن أرض بشطّ الفرات ، يقال لها كربلا يقتل فيها ولدى الحسين وكأنّى انظر إليه وإلى مصرعه ومدفنه بها ، وكأنّى أنظر على السّبايا على أقتاب المطايا وقد أهدى رأس ولدى الحسين الى يزيد لعنه الله ، فو الله ما ينظر أحد الى رأس الحسين ويفرح الّا خاف الله بين قلبه ولسانه ، وعذّبه والله عذابا أليما.

ثمّ رجع النبيّ من سفره مغموما مهموما ، كئيبا حزينا فصعد ، المنبر وأصعد معه الحسن والحسين وخطب ووعظ الناس فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين ، وقال :

اللهمّ إنّ محمّدا عبدك ورسولك وهذان أطائب عترتى ، وخيار أرومتى ، وأفضل ذرّيتى ، ومن أخلّفهما فى أمّتى وقد أخبرنى جبرئيل أنّ ولدى هذا مقتول بالسمّ والآخر شهيد مضرّج بالدم اللهمّ فبارك له فى قتله ، واجعله من سادات الشهداء اللهمّ ولا تبارك فى قاتله وأصله حرّ نارك ، واحشره فى أسفل درك الجحيم.

قال : فضجّ الناس بالبكاء والعويل ، فقال لهم النبيّ : أيّها الناس أتبكونه ولا تنصرونه ، اللهم فكن أنت له وليا وناصرا ، ثمّ قال : يا قوم انّى مخلف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتى وارومتى ومزاج مائى وثمرة فؤادى ، ومهجتى ، لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ألا وإنّى لا أسألكم فى ذلك إلّا ما أمرنى ربّى أن أسألكم عنه ، أسألكم عن المودّة فى القربى ، واحذروا أن تلقونى غدا على الحوض وقد آذيتم


عترتى ، وقتلتم أهل بيتى وظلمتموهم.

ألا إنّه سيرد علىّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامّة : الاولى راية سوداء مظلمة قد فزعت منها الملائكة ، فتقف علىّ فأقول لهم : من أنتم؟ فينسون ذكرى ، ويقولون : نحن أهل التوحيد من العرب ، فأقول لهم : أنا أحمد نبىّ العرب والعجم.

فيقولون : نحن من أمّتك ، فأقول : كيف خلفتمونى من بعدى فى أهل بيتى وعترتى وكتاب ربّى؟ فيقولون : أمّا الكتاب فضيّعناه ، وأمّا العترة فحرصنا أن نبيدهم عن جديد الأرض ، فلمّا أسمع ذلك منهم أعرض عنهم وجهى ، فيصدرون عطاشا مسوّدة وجوههم.

ثمّ ترد علىّ راية اخرى أشدّ سوادا من الاولى ، فأقول لهم : كيف خلفتمونى من بعدى فى الثقلين كتاب الله وعترتى؟ فيقولون. أمّا الاكبر فخالفناه ، وأمّا الأصغر فمزّقناهم كلّ ممزّق ، فأقول : إليكم عنّى فيصدرون عطاشا مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد علىّ راية تلمع وجوههم نورا فأقول لهم : من أنتم؟ فيقولون : نحن اهل كلمة التوحيد والتقوى من أمّة محمّد المصطفى ، ونحن بقية أهل الحقّ حملنا كتاب ربّنا وحلّلنا حلاله وحرّمنا حرامه وأحببنا ذرّية نبيّنا محمّد ونصرناهم من كلّ ما نصرنا به أنفسنا ، وقاتلنا معهم من ناواهم.

فأقول لهم ابشروا فأنا نبيّكم محمّد ولقد كنتم فى الدنيا كما قلتم ، ثمّ أسقيهم من حوضى فيصدرون مرويّين مستبشرين ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين(١) .

٧٥ ـ نصر بن مزاحم : حدّثنى مصعب بن سلام ، قال أبو حيّان التميمى ، عن أبى عبيدة ، عن هرثمة بن سليم قال : غزونا مع علىّ بن أبى طالب غزوة صفّين ، فلمّا

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٢٤٨.


نزلنا بكربلاء صلى بنا صلاة ، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال : واها لك أيّتها التربة ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب ، فلمّا رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته ـ وهى جرداء بنت سمير ، وكانت شيعة لعلى ـ

فقال : لها زوجها هرثمة : ألا أعجبك من صديقك أبى الحسن؟ لمّا نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمّها وقال : واها لك يا تربة ، ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب وما علمه بالغيب؟ فقالت : دعنا منك أيّها الرجل ؛ فانّ أمير المؤمنين لم يقل إلّا حقّا.

فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن علىّ وأصحابه ، قال : كنت فيهم فى الخيل التي بعث إليهم ، فلمّا انتهيت الى القوم والحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا علىّ فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها ، والقول الذي قاله ، فكرهت مسيرى ، فأقبلت على فرسى حتّى وقفت على الحسين ، فسلّمت عليه ، وحدثته بالذى سمعت من أبيه فى هذا المنزل ، فقال الحسين : معنا أنت أو علينا؟

فقلت : يا ابن رسول الله لا معك ولا عليك ، تركت أهلى وولدى أخاف عليهم من ابن زياد ، فقال الحسين : فولّ هربا حتّى لا ترى لنا مقتلا : فو الذي نفس محمّد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلّا أدخله الله النار ، قال : فأقبلت فى الارض هاربا حتّى خفى علىّ مقتله(١)

٧٦ ـ نصر : عن مصعب بن سلام قال : حدّثنا الاجلح بن عبد الله الكندى ، عن أبى جحيفة قال جاء عروة البارقىّ الى سعيد بن وهب ، فسأله وأنا أسمع فقال : حديث حدّثتنيه عن علىّ بن أبى طالب. قال : نعم ، بعثنى مخنف بن سليم الى علىّ. فأتيته بكربلاء : فوجدته يشير بيده ويقول : هاهنا هاهنا. فقال له رجل : وما ذلك

__________________

(١) وقعة صفين : ١٤٠.


يا أمير المؤمنين؟

قال : ثقل لآل محمّد ينزل هاهنا فويل لهم منكم ، وويل لكم منهم ، فقال له الرجل : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال : ويل لهم منكم تقتلونهم وويل لكم منهم : يدخلكم الله بقتلهم الى النار.

وقد روى هذا الكلام على وجه آخر : أنّهعليه‌السلام قال : فويل لكم منهم ، وويل لكم عليهم ، قال الرجل : أمّا ويل لنا منهم فقد عرفت : وويل لنا عليهم ما هو؟ قال : ترونهم يقتلون ولا تستطيعون نصرهم(١) .

٧٧ ـ نصر : عن سعيد بن حكيم العبسى : عن الحسن بن كثير ، عن أبيه : أن عليّا أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء. قال : ذات كرب وبلاء ، ثمّ أومأ بيده الى مكان فقال : هاهنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : هاهنا مهراق دمائهم(٢) .

٧٨ ـ ابن طاوس قال رواة الحديث : فلمّا أتت على الحسينعليه‌السلام من مولده سنة كاملة هبط على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اثنى عشر ملكا أحدهم على صورة الاسد والثانى على صورة الثور ، والثالث على صورة التنين والرابع على صورة ولد آدم والثمانية الباقون على صور شتى محمرة وجوههم باكية عيونهم.

قد نشروا أجنحتهم وهم يقولون يا محمّد سينزل بولدك الحسينعليه‌السلام ابن فاطمة ما نزل بهابيل من قابيل ، وسيعطى مثل أجر هابيل ويحمل على قاتله وزر قابيل ، ولم يبق فى السموات ملك مقرّب الّا ونزل الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يقرئه السلام ويعزيه فى الحسينعليه‌السلام ، ويخبره بثواب ما يعطى ويعرض عليه تربته والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : اللهمّ اخذل من خذله واقتل من قتله ولا تمتّعه بما طلبه.

__________________

(١) وقعة صفين : ١٤١.

(٢) وقعة صفين : ١٤٢.


قال فلمّا أتى على الحسينعليه‌السلام ، من مولده سنتان خرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى سفر له فوقف فى بعض الطريق واسترجع ودمعت عيناه فسئل عن ذلك فقال هذا جبرئيلعليه‌السلام يخبرنى عن أرض بشطّ الفرات يقال لها كربلا يقتل عليها ولدى الحسين بن فاطمةعليها‌السلام فقيل له من يقتله يا رسول الله.

فقال رجل اسمه يزيد لعنه الله وكأنّى انظر الى مصرعه ومدفنه ، ثمّ رجع من سفره ذلك مغموما فصعد المنبر فخطب ووعظ والحسن والحسينعليهم‌السلام بين يديه ، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن ويده اليسرى على رأس الحسين ، ثمّ رفع رأسه الى السماء وقال :

اللهمّ إنّ محمّدا عبدك ونبيّك وهذان أطائب عترتى وخيار ذرّيتى وارومتى ومن اخلّفهما فى امّتى ، وقد أخبرنى جبرئيلعليه‌السلام ان ولدى هذا مقتول مخذول ، اللهمّ فبارك له فى قتله واجعله من سادات الشهداء ، اللهمّ ولا تبارك فى قاتله وخاذله قال : فضج الناس فى المسجد بالبكاء والنحيب ، فقال النّبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله أتبكونه ولا تنصرونه.

ثمّ رجع صلوات الله عليه وهو متغيّر اللّون محمر الوجه فخطب خطبة اخرى موجزة وعيناه تهملان دموعا ، ثمّ قال أيّها الناس انّى قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى أهل بيتى وارومتى ومزاج مائى وثمرة فؤادى ومهجتى لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض ، الأوانى انتظر هما وإنّى لا أسألكم فى ذلك الّا ما أمرنى ربّى ، أمرنى ربّى أن أسألكم المودّة فى القربى.

فانظروا ألا تلقونى غدا على الحوض وقد ابغضتم عترتى وظلمتموهم ألا وانّه سترد علىّ يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الامّة الاولى سوداء مظلمة قد فزعت له الملائكة ، فتقف علىّ فاقول من أنتم فينسون ذكرى ويقولون نحن أهل التوحيد من العرب فأقول لهم أنا أحمد نبىّ العرب والعجم.


فيقولون تحن من أمّتك يا أحمد فأقول لهم كيف خلفتمونى من بعدى فى أهلى وعترتى وكتاب ربّى فيقولون أمّا الكتاب فضيعناه واما عترتك فحرصنا على ان نبيدهم عن آخرهم عن جديد الارض فأولّي عنهم وجهى فيصدرون ظمأ عطاشا مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد على راية أخرى أشدّ سوادا من الاولى ، فأقول لهم كيف خلفتمونى فى الثقلين الأكبر والاصغر كتاب ربّى وعترتى فيقولون أما الأكبر فخالفنا وأمّا الاصغر فخذلنا ، ومزّقناهم كلّ ممزّق ، فأقول إليكم عنّى فيصدرون ظماء عطاشا مسودّة وجوههم.

ثمّ ترد على راية اخرى تلمع وجوههم نورا ، فأقول لهم من أنتم فيقولون نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى نحن أمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن بقيّة أهل الحق حملنا كتاب ربّنا ، فاحللنا حلاله وحرّمنا حرامه وأحببنا ذرية نبينا محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فنصرناهم من كلّ ما نصرنا منه ، أنفسنا وقاتلنا معهم من ناواهم فأقول لهم ابشروا فأنا نبيّكم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لقد كنتم فى دار الدنيا كما وصفتم ثمّ أسقيهم من حوضى فيصدرون مرويين مستبشرين ثمّ يدخلون الجنّة خالدين فيها أبد الآبدين(١) .

٧٩ ـ روى الطبرى : عن العلاء بن أبى عاثة قال : حدّثنى رأس الجالوت ، عن أبيه قال : ما مررت بكربلاء إلّا وأنا أركض دابتى حتّى أخلف المكان ، قال : قلت : لم؟ قال كنّا نتحدّث أن ولد نبىّ مقتول فى ذلك المكان ؛ قال : وكنت أخاف أن أكون أنا ، فلمّا قتل الحسين قلنا : هذا الّذي كنا نتحدّث. قال : وكنت بعد ذلك إذا مررت بذلك المكان أسير ولا أركض(٢) .

٨٠ ـ الحاكم النيشابوريّ : أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن على الجوهرى ببغداد ،

__________________

(١) اللهوف : ٧.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٣.


ثنا أبو الأحوص محمّد بن الهيثم القاضى ، ثنا محمّد بن مصعب ، ثنا الأوزاعى ، عن أبى عمّار شدّاد بن عبد الله ، عن أمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالت : يا رسول الله إنّى رأيت حلما منكر اللّيلة قال وما هو قالت : انّه شديد قال وما هو؟ قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت فى حجرى.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت خيرا تلد فاطمة إن شاء الله غلاما ، فيكون فى حجرك ، فولدت فاطمة الحسين ، فكان فى حجرى ، كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخلت يوما إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فوضعته فى حجره ، ثمّ حانت منّى التفاتة ، فاذا عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تهريقان من الدموع.

قالت فقلت : يا نبىّ الله بأبى أنت وأمّى مالك قال أتانى جبرئيل عليه الصلاة والسلام ، فأخبرنى أنّ أمّتى ستقتل ابنى هذا ، فقلت : هذا ، فقال : نعم وأتانى بتربة من تربته حمراء هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(١) .

٨١ ـ عنه أخبرنا أحمد بن كامل القاضى ، ثنا عبد الله بن إبراهيم البزار ، ثنا كثير بن محمّد أبو أنس الكوفى ، ثنا أبو نعيم ، ثنا عبد الله بن حبيب بن أبى ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس رضى الله عنهما ، قال : أوحى الله تعالى الى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، انّى قتلت بيحيى بن زكريّا سبعين ألفا ، وانّى قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا ، هذه لفظ حديث الشافعى وفى حديث القاضى أبى بكر بن كامل انّى قتلت على دم يحيى بن زكريّا وانّى قاتل على دم ابن ابنتك ، هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه(٢) .

٨٢ ـ عنه حدثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، ثنا محمّد بن إسحاق الصغانى ، ثنا محمّد بن إسماعيل بن أبى سمينة ، ثنا محمّد بن مصعب ، ثنا الاوزاعى ، عن أبى

__________________

(١) المستدرك : ٣ / ١٧٦.

(٢) المستدرك : ٣ / ١٧٨.


عمّار ، عن أمّ الفضل ، قالت قال لى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحسين فى حجره أنّ جبرئيل عليه الصلاة والسلام أخبرنى أنّ أمّتى تقتل الحسين(١) .

٨٣ ـ الخطيب البغدادى ، أخبرنا أحمد بن عثمان بن مياح السكرى ، قال : نا محمّد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعى ، قال : نا محمّد بن شداد المسمعى قال : نا أبو نعيم ، قال : نا عبد الله بن حبيب بن أبى ثابت ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس. قال أوحى الله تعالى الى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله : انّى قد قتلت بيحيى بن زكريّا سبعين ألفا ، وانى قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا ، وسبعين ألفا(٢) .

٨٤ ـ الهيتمى باسناده ، عن أنس بن مالك ، انّ ملك القطر استأذن أن يأتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاذن له ، فقال لأمّ سلمة املكى علينا الباب لا يدخل علينا أحد قال : وجاء الحسين بن على ليدخل فمنعته فوثب ، فدخل فجعل يقعد على ظهر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى منكبه وعلى عاتقه.

قال فقال الملك : للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتحبّه قال : انّ أمّتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به ، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء ، فأخذتها أمّ سلمة ، فصرتها فى خمارها ، قال ثابت بلغنا انها كربلاء. رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبرانى بأسانيد(٣) .

٨٥ ـ عنه باسناده ، عن نجىّ الحضرمى أنّه سار مع علىعليه‌السلام وكان صاحب مطهرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين فنادى على اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله ، بشطّ الفرات قلت وما ذاك قال دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وإذا عيناه تذر فان قلت : يا نبىّ الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان؟.

__________________

(١) المستدرك : ١٧٩.

(٢) تاريخ بغداد : ١ / ١٤١.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ١٧٨.


قال : بل قام من عندى جبرئيلعليه‌السلام قبل ، فحدّثنى أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات قال فقال : هل لك أن أشمك من تربته قلت : نعم ، قال فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عينى أن فاضتا. رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبرانى ورجاله ثقات(١) .

٨٦ ـ عنه باسناده عن عائشة ، أو أمّ سلمة ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال لاحداهما لقد دخل علىّ البيت ملك فلم يدخل علىّ قبلها قال : انّ ابنك هذا حسين مقتول ، وان شئت أريتك من تربة الارض التي يقتل بها قال فأخرج تربة حمراء. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح(٢) .

٨٧ ـ عنه باسناده ، عن زينب بنت جحش ، أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان نائما عندها وحسين يحبو فى البيت ، فغفلت عنه ، فجاء حتّى أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فصعد على بطنه فوضع ذكره فى سرته فبال فاستيقظ النبيّ ، فقمت إليه فحططته ، عن بطنه ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دعى ابنى ، فلمّا قضى بوله أخذ كوزا من ماء فصبّه وقال :

انّه يصبّ من الغلام ويغسل من الجارية ، قالت : ثمّ قام يصلّى واحتضنه ، فكان اذا ركع وسجد وضعه وإذا قام حمله ، فلمّا جلس ، جعل يدعو ويرفع يديه ويقول : فلمّا قضى الصلاة ، قلت يا رسول الله لقد رأيتك تصنع اليوم شيئا ما رأيتك تصنعه قال : انّ جبرئيل أتانى وأخبرنى أن ابنى يقتل قلت : فأرنى إذا ، فأتانى بتربة حمراء(٣) .

٨٨ ـ عنه باسناده عن أمّ سلمة ، قالت : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، جالسا ذات يوم فى بيتى ، قال : لا يدخل علىّ أحد ، فانتظرت ، فدخل الحسين فسمعت نشيج

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٧.

(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٧.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٨.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يبكى ، فاطلعت فاذا حسين فى حجره والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يمسح جبينه وهو يبكى ، فقلت : والله ما علمت حين دخل.

فقال : انّ جبرئيلعليه‌السلام كان معنا فى البيت ، قال أفتحبه قلت أما فى الدنيا فنعم قال : إنّ أمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء فتناول جبرئيل من تربتها ، فأراها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا احيط بحسين حين قتل ، قال : ما اسم هذه الارض قالوا : كربلاء فقال : صدق الله ورسوله ، كرب وبلاء ، وفى رواية صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أرض كرب وبلاء(١) .

٨٩ ـ عنه عن أمّ سلمة قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بيتى ، فنزل جبرئيل ، فقال : يا محمّد انّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك وأومأ بيده الى الحسين ، فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وضمه الى صدره ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة وديعة عندك هذه التربة.

فشمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : ويح وكرب وبلاء قالت : وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة اذا تحوّلت هذه التربة دما فاعلمى أنّ ابنى قد قتل ، قال : فجعلتها أمّ سلمة فى قارورة ، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم ، وتقول إن يوما تحولين دما ليوم عظيم.

٩٠ ـ عنه عن أبى أمامة قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسائه : لا تبكوا هذا الصبىّ يعنى حسينا ، قال : وكان يوم أمّ سلمة فنزل جبرئيل فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الداخل ، وقال لأمّ سلمة لا تدعى أحدا أن يدخل علىّ ، فجاء الحسين ، فلمّا نظر الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى البيت أراد أن يدخل ، فأخذته أمّ سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكته ، فلمّا اشتدّ فى البكاء خلت عنه ، فدخل حتّى جلس فى حجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٨.


فقال جبرئيل للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان أمتك ستقتل ابنك هذا ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقتلونه وهم مؤمنون ، بى قال نعم ، يقتلونه ، فتناول جبرئيل تربة فقال بمكان كذا وكذا ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد احتضن حسينا ، كاسف البال مغموما فظنت أمّ سلمة أنّه غضب من دخول الصبىّ عليه.

فقالت يا نبىّ الله جعلت لك الفداء انّك قلت لنا : لا تبكوا هذا الصبىّ وأمرتنى أن لا أدع أحدا يدخل عليك ، فجاء فخليت عنه ، فلم يردّ عليها فخرج الى أصحابه وهم جلوس ، فقال : انّ أمتى يقتلون هذا وفى القوم أبو بكر وعمر ، وكانا أجرأ القوم عليه ، فقالا يا نبىّ الله وهم مؤمنون قال نعم وهذه تربته وأراهم اياها(١) .

٩١ ـ عنه باسناده عن معاذ بن جبل قال خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله متغيّر اللّون فقال : أنا محمّد ، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه ، فأطيعونى ما دمت بين أظهركم فاذا ذهب بى فعليكم بكتاب الله أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه أتتكم الموتة أتتكم بالروح والراحة كتاب من الله سبق أتتكم فتن كقطع اللّيل المظلم ، كلّما ذهب رسل جاء رسل تناسخت النبوّة فصارت ملكا ، رحم الله من أخذها بحقّها وخرج منها كما دخلها أمسك يا معاذ واحص.

قال : فلمّا بلغت خمسا قال يزيد لا بارك الله فى يزيد ، ثمّ ذرفت عيناهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ قال : نعى إلىّ الحسين وأتيت بتربته وأخبرت بقاتله والّذي نفسى بيده لا يقتلوه بين ظهرانى قوم لا يمنعونه الّا خالف الله بين صورهم ، وقلوبهم وسلّط عليهم شرارهم ، وألبسهم شيعا قال : واها لفراخ آل محمّد من خليفة يستخلف مترف يقتل خلقى وخلف الخلف أمسك يا معاذ.

فلمّا بلغت عشرة قال الوليد : اسم فرعون هادم شرايع الاسلام بين يديه

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٩.


رجل من أهل بيته يسلّ الله بسيفه فلا غماد له واختلف فكانوا هكذا فشبك بين أصابعه ، ثم قال بعد العشرين ومائة يكون موت سريع وقتل ذريع ففيه هلاكهم ويلى عليهم رجل من ولد العباس(١) .

٩٢ ـ عنه باسناده عن أبى الطفيل قال : استأذن ملك القطر أن يسلّم على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بيت أمّ سلمة ، فقال : لا يدخل علينا أحد فجاء الحسين بن على رضى الله عنهما فدخل فقالت أمّ سلمة : هو الحسين فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله دعيه فجعل يعلو رقبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويعبث به والملك ينظر فقال الملك أتحبّه يا محمّد قال : اى والله إنّى لا حبّه ، قال : أما إنّ أمّتك ستقتله ، وإن شئت أريتاء المكان فقال بيده: فتناول كفا من تراب ، فأخذت أمّ سلمة التراب فصيرته فى خمارها ، فكانوا يرون أن ذلك التراب من كربلا(٢) .

٩٣ ـ عنه عن أمّ سلمة قالت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقتل حسين بن على على راس ستّين من مهاجرى(٣) .

٩٤ ـ عنه باسناده ، عن على قال ليقتلنّ الحسين وانّى لأعرف التربة التي يقتل فيها قريبا من النهرين(٤) .

٩٥ ـ عنه باسناده ، عن شيبان بن محرم وكان عثمانيا قال إنّى لمع على رضى الله عنه إذا أتى كربلاء فقال يقتل بهذا الموضع شهيد ليس مثله شهداء الّا شهداء بدر ، فقلت بعض كذباته ، وثم رجل حمار ميّت فقلت لغلامى : خذ رجل هذا الحمار فأوتدها فى مقعده وغيبها فضرب الظهر ضربة فلمّا قتل الحسين بن علىعليه‌السلام ، انطلقت ومعى أصحابى فاذا جثة الحسين بن على على رجل ذلك الحمار واذا

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٨٩.

(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩٠.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩٠.

(٤) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩٠.


أصحابه ربضة حوله(١) .

٩٦ ـ عنه باسناده عن أبى هريمة قال : كنت مع علىعليه‌السلام بنهر كربلاء ، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان فأخذ منه قبضة فشمّها ثمّ قال يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب(٢) .

٩٧ ـ عنه عن أبى خيرة قال صحبت علياعليه‌السلام حتّى أتى الكوفة ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : كيف أنتم إذا نزل بذرية نبيكم بين ظهرانيكم ، قالوا : اذ ابتلى الله فيهم بلاء حسنا ، فقال : والّذي نفسى بيده ، لينزلنّ بين ظهرانيكم ، ولتخرجنّ إليهم ، فلتقتلنّهم ثمّ أقبل يقول :

هم أورده بالغرور وغردوا

أجيبوا دعاه لا نجاة ولا عذرا(٣)

٩٨ ـ عنه باسناده ، عن ابن عبّاس قال : كان الحسين جالسا فى حجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال جبرئيلعليه‌السلام أتحبّه فقال : وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادى ، فقال أما ان أمّتك ستقتله ألا أريك من موضع قبره فقبض قبضة فاذا تربة حمراء(٤) .

٩٩ ـ عنه باسناده ، عن الشعبى قال إنّما أراد الحسين بن على ، أن يخرج إلى الأرض أراد أن يلقى ابن عمر ، فسأل عنه ، فقيل له : إنّه فى أرض له ، فأتاه ليودّعه فقال : إنّى اريد العراق فقال : لا تفعل فانّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال خيرت بين أن أكون ملكا نبيّا أو نبيّا عبدا فقيل لى تواضع فاخترت أن أكون نبيا عبدا ، وإنّك بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا تخرج قال : فأبى فودّعه وقال : استودعك الله من مقتول(٥) .

١٠ ـ الحافظ ابن عساكر ، أخبرنا أبو غالب بن البنّاء ، أنبأنا أبو الغنائم ابن المأمون ، أنبأنا أبو القاسم بن حبابة ، أنبأنا أبو القاسم البغوى ، حدّثنى يوسف بن

__________________

(١) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩٠.

(٢) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩١.

(٣) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩١.

(٤) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩٠.

(٥) مجمع الزوائد : ٩ / ١٩١.


موسى القطّان ، أنبأنا محمّد بن عبيد ، أنبأنا شرحبيل بن مدرك الجعفى ، عن عبد الله ابن نجىّ ، عن أبيه أنّه سافر مع علىّ بن أبى طالب ـ وكان صاحب مطهرته ـ فلمّا حاذوا نينوا ـ وهو منطلق الى صفين نادى على صبرا أبا عبد الله صبرا أبا عبد الله بشطّ الفرات.

قلت : من ذا أبو عبد الله؟ قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان فقلت : يا نبىّ الله أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال : ما أغضبنى أحد بل قام من عندى جبرئيل قبل ، فحدّثنى أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات وقال : هل لك أن أشمّك من تربته؟ قال : قلت : نعم فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عينى أن فاضتا(١) .

١٠١ ـ عنه أخبرنا أبو سهل محمّد بن إبراهيم ، أنبأنا إبراهيم بن منصور ، أنبأنا أبو بكر بن المقرئ قالا : أنبأنا أبو يعلى ، أنبأنا أبو خيثمة ، أنبأنا محمّد بن عبيد ، أنبأنا شرحبيل بن مدرك ، عن عبد الله بن نجى ، عن أبيه أنه سار مع على ـ وقال : ابن المقرئ: إنّه سأل عليا. وقالا : وكان صاحب مطهرته ، فلمّا حاذى نينوا ـ وهو منطلق الى صفين ـ فنادى علىّ : اصبر أبا عبد الله اصبر أبا عبد الله بشط الفرات. قلت : وما ذا أبا عبد الله؟

قال : دخلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وعيناه تفيضان ، قال : قلت : يا نبىّ الله أأغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال : بل قام من عندى جبرئيل قبل فحدّثنى أنّ الحسين يقتل بشط الفرات ، قال : فقال : هل لك الى أن أشمّك من تربته؟ قال: قلت : نعم. فمد ـ وقال ابن حمدان : فمدّ يده ـ فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عينى أن فاضتا(٢)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٦٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٦٥.


١٠٢ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا الحسن بن على ، أنبأنا محمّد بن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا علىّ بن محمّد ، عن يحيى بن زكريّا ، عن رجل : عن عامر الشعبى قال : قال على ـ وهو على شاطئ الفرات ـ : صبرا أبا عبد الله. ثمّ قال : دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعيناه تفيضان؟! فقلت : أحدث حدث؟ قال : أخبرنى جبرئيل أن حسينا يقتل بشطّ الفرات ، ثمّ قال : أتحبّ أن أريك من تربته؟ قلت : نعم فقبض قبضة من تربتها فوضعها فى كفّى فما ملكت عيناى أن فاضتا(١) .

١٠٣ ـ عنه أخبرنا ، أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا الحسن بن على ، أنبأنا أبو الحسين بن المظفّر ، أنبأنا محمّد بن محمّد بن سليمان ، أنبأنا شيبان ، أنبأنا عمارة بن زاذان : أنبأنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : استأذن ملك القطر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأذن له وكان فى يوم أمّ سلمة فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد.

قال : فبينا هى على الباب إذ جاء الحسين بن على فاقتحم ففتح الباب فدخل فجعل يتوثّب على ظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يلثمه ويقبّله ، فقال الملك : أتحبّة؟ قال : نعم ، قال : انّ أمّتك ستقتله!! إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه؟ قال : نعم(٢) .

١٠٤ ـ عنه أخبرنا أبو غالب ابن البناء ، أنبأنا أبو الغنائم عبد الصمد بن على ، قالا : أنبأنا عبيد الله بن محمّد بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله بن محمّد ، أنبأنا أبو محمّد شيبان بن أبى شيبة الحنظلى ، أنبأنا عمارة بن زاذان ، أنبأنا ثابت ، عن أنس بن مالك قال : استأذن ملك القطر ربّهعزوجل أن يزور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأذن له ، وكان يوم ـ و

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٦٦.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٦٨.


قال أبو الغنائم : فى يوم ـ أمّ سلمة ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة احفظى علينا الباب أن لا يدخل علينا أحد.

قال : فبينا هى على الباب ، إذ دخل الحسين ـ زاد أبو الغنائم : ابن على ـ فظفر فاقتحم فدخل يتوثّب على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يلثمه ويقبّله ، فقال له الملك : أتحبّه؟ قال : نعم ، قال أما إن أمّتك ستقتله! وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه ، فأراه إيّاه فجاءه بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أمّ سلمة فجعلته فى ثوبها. قال ثابت : كنّا نقول : إنّها كربلا(١) .

١٠٥ ـ عنه أخبرنا أبو المظفر القشيرى ، أنبأنا أبو سعد محمّد بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو عمرو ابن حمدان ، أنبأنا أبو يعلى ، أنبأنا شيبان بن فروخ ، أنبأنا عمارة بن زاذان ، أنبأنا ثابت ، عن أنس ، قال : استأذن ملك القطر ربّه أن يزور النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فأذن له ، وكان فى يوم أمّ سلمة ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة احفظى علينا الباب لا يدخل علينا احد.

قال : فبينا هى على الباب اذ جاء الحسين بن علىّ ، فاقتحم الباب فدخل فجعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يلتزمه ويقبّله ، فقال الملك : أتحبّه؟ قال : نعم ، قال : إنّ أمّتك ستقتله إن شئت أريتك المكان الذي تقتله فيه؟ قال : نعم. قال : فقبض قبضة من المكان الذي قتل فيه فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أمّ سلمة فجعلته فى ثوبها. قال ثابت : كنا نقول : إنّها كربلا(٢) .

١٠٦ ـ عنه أنبأنا أبو يعلى الحداد ، وجماعة ، قالوا : أنبأنا أبو بكر بن ريذة ، أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا على بن سعيد الرازى ، أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة المروزى ، أنبأنا علىّ بن الحسين بن واقد ، حدّثنى أبى ، أنبأنا أبو غالب ، عن

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٦٨.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٦٩.


أبى امامة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لنسائه : لا تبكوا هذا الصبىّ ـ يعنى حسينا ـ قال : فكان يوم أمّ سلمة.

فنزل جبرئيل فدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الداخل ، وقال لأمّ سلمة : لا تدعى أحدا يدخل علىّ ، فجاء الحسين ، فلمّا نظر الى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى البيت أراد أن يدخل ، فأخذته أمّ سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكته ، فلمّا اشتدّ فى البكاء خلت عنه فدخل حتّى جلس فى حجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال جبرئيل للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله : ان أمّتك ستقتل ابنك هذا ، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يقتلونه وهم مؤمنون بى؟ قال : نعم يقتلونه. فتناول جبرئيل تربة فقال : بمكان كذا وكذا.

فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد احتضن حسينا ، كاسف البال مهموما فظنّت أمّ سلمة أنّه غضب من دخول الصبىّ عليه.

فقالت : يا نبى الله جعلت فداك إنّك قلت لنا : لا تبكوا هذا الصبىّ وأمرتنى أن لا ادع أحدا يدخل عليك فجاء فخلّيت عنه. فلم يردّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليها فخرج الى أصحابه وهم جلوس فقال لهم : إنّ أمّتى يقتلون هذا وفى القوم أبو بكر وعمر كانا أجرأ القوم عليه فقالا : يا نبىّ الله يقتلونه وهم مؤمنون؟. قال : نعم هذه تربته فأراهم إيّاها(١) .

١٠٧ ـ عنه أخبرنا أبو غالب ابن أبى على ، أنبأنا عبد الصمد بن على ، قالا : أنبأنا عبيد الله بن محمّد ، أنبأنا عبد الله بن محمّد البغوى ، حدّثنى علىّ بن مسلم بن سعيد ، أنبأنا خالد بن مخلد ، أنبأنا أبو محمّد موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب الزمعى أخبرنى هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال :

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٧١.


حدّثتنى أمّ سلمة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اضطجع ذات ليلة فاستيقظ وهو خاثر ثمّ رجع فرقد ، فاستيقظ وهو خاثر ـ زاد أبو غالب : ثمّ رجع فاستيقظ وهو خائر. وقالا : دون ما رأيت منه فى المرّة الأولى ، ثمّ اضطجع فاستيقظ وفى يده تربة حمراء فقلت : ما هذه يا رسول الله؟ قال : أخبرنى جبرئيل أن ابنى هذا يقتل بأرض العراق يعنى الحسين انتهى حديث أبى يعقوب ، وزاد أبو غالب : فقلت لجبرئيل : أرنى من تربه الأرض التي يقتل بها. قال : فهذه تربتها(١) .

١٠٨ ـ عنه أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل ، أنبأنا أحمد بن الحسن الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضى ، وأبو محمّد ابن أبى حامد المقرى ، قالوا : حدّثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب ، أنبأنا العباس بن محمّد الدورى ، أنبأنا خالد بن مخلّد ، أنبأنا موسى بن يعقوب ، عن هاشم بن عتبة بن أبى وقّاص : عن عبد الله بن وهب بن زمعة.

قال أخبرتنى أمّ سلمة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اضطجع ذات يوم للنوم ، فاستيقظ وهو خائر ، ثمّ اضطجع فرقد ، ثمّ استيقظ وهو خائر دون ما رأيت منه فى المرّة الأولى ، ثمّ اضطجع واستيقظ وفى يده تربة حمرا ، وهو يقلبها فقلت : ما هذه التربة يا رسول الله؟ قال : أخبرنى جبرئيل أنّ هذا يقتل بأرض العراق يعنى الحسين ، فقلت له : يا جبرئيل أرنى تربة الأرض التي يقتل بها ، قال : فهذه تربتها(٢) .

١٠٩ ـ عنه أخبرنا أبو على الحدّاد ، وغيره ، إجازة قالوا : أنبأنا أبو بكر ابن ريذة ، أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدّثنى عبادة بن زياد الأسدي ، أنبأنا عمر بن ثابت ، عن الأعمش ، عن أبى وائل شقيق بن سلمة ، عن أمّ

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٧٢.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٧٣.


سلمة ، قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بيتى ، فنزل جبرئيل فقال : يا محمّد انّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك؟ وأومأ بيده الى الحسين.

فبكى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وضمّه الى صدره ، ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة وديعة عندك هذه التربة. قالت : فشمّها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : ريح كرب وبلاء. قالت : وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أمّ سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دما فاعلمى أنّ ابنى قد قتل ، قال : فجعلتها أمّ سلمة فى قارورة ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم تعنى وتقول : انّ يوما تحوّلين دما ليوم عظيم(١) .

١١٠ ـ أخبرنا أبو بكر محمّد بن الحسن ، أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدى أنبأنا أبو الحسن على بن حمر الحربى ، أنبأنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبّار ، أنبأنا عبد الرحمن ـ يعنى ابن صالح الأزدى ، أنبأنا أبو بكر ابن عياش ، عن موسى بن عقبة ، عن داود قال : قالت أمّ سلمة : دخل الحسين على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ففزع رسول الله ، فقالت أمّ سلمة : مالك يا رسول الله!؟ قال : إنّ جبرئيل أخبرنى أنّ ابنى هذا يقتل وأنّه اشتدّ غضب الله على من يقتله(٢) .

١١١ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا أبو محمّد الحسن بن على إملاء. وأخبرنا أبو نصر ابن رضوان ، وأبو غالب أحمد بن الحسن ، وأبو محمّد عبد الله بن محمّد ، قالوا : أنبأنا الحسين بن علىّ ، أنبأنا أبو بكر ابن مالك ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله ، انبانا حجّاج ، أنبأنا حمّاد ، عن أبان ، عن شهر بن حوشب ، عن أمّ سلمة : قالت : كان جبرئيل عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والحسين معى فبكى فتركته عدنا من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال جبرئيل : أتحبّه يا محمّد؟ فقال نعم ، قال جبرئيل إنّ أمتك ستقتله! وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها؟ فاراها إياه فاذا الارض يقال لها :

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٧٥.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٧٦.


كربلا(١) .

١١٢ ـ أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين ، أنبأنا أبو على بن المذهّب ، قالا : أنبأنا أحمد بن جعفر ، أنبأنا عبد الله ، حدّثنى أبى ، أنبأنا وكيع ، حدّثنى عبد الله بن سعيد ، عن أبيه : عن عائشة أو أمّ سلمة قال وكيع : شكّ هو يعنى عبد الله بن سعيد أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لاحداهما لقد دخل علىّ البيت ملك لم يدخل على قبلها فقال لى : ان ابنك هذا الحسين مقتول ، وإن شئت أريتك ، من تربة الأرض الّتي يقتل بها؟ قالت : فأخرج ـ زاد الجوهرى الى النبيّ ، وقالا : ـ تربة حمراء(٢) .

١١٣ ـ أخبرنا أبو عمر ، محمّد بن محمّد بن القاسم العبشمى ، وأبو القاسم حسين بن على الزهرى ، وأبو الفتح المختار بن عبد الحميد ، وأبو بكر مجاهد بن أحمد البوسنجيان ، وأبو المحاسن أسعد بن على بن الموفّق ، قالوا : أنبأنا أبو الحسن عبد الرّحمن بن محمّد الداوودى ، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حمويه ، أنبأنا إبراهيم بن خريم الشاشى ، أنبأنا عبد بن حميد ، أنبأنا عبد الرزّاق ، أنبأنا عبد الله بن سعيد بن أبى هند ، عن أبيه قال : قالت أمّ سلمة : كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله نائما فى بيتى ، فجاء الحسين ، قالت فقصد الباب فسبقته على الباب مخافة أن يدخل فيوقظه.

قالت : ثمّ غفلت فى شيء فدبّ فدخل فقعد على بطنه ، قالت : فسمعت نحيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجئت فقلت : يا رسول الله والله ما علمت به؟ فقال : إنّما جاءنى جبرئيلعليه‌السلام وهو على بطنى قاعد فقال لى : أتحبّه؟ فقلت : نعم ، قال : إن أمّتك ستقتله؟! ألا أريك التربة التي يقتل بها؟ قال : فقلت : بلى قال : فضرب بجناحه فأتى بهذه التربة. قالت : فاذا فى يده تربة حمراء وهو يبكى ويقول : يا ليت شعرى من

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٧٦.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٧٧.


يقتلك بعدى؟(١)

١١٤ ـ أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا الحسن بن على ، أنبأنا محمّد ابن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا محمّد بن عمر ، أنبأنا موسى بن محمّد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أبى سلمة : عن عائشة قالت : كانت له مشربة فكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أراد لقى جبرئيل لقيه فيها ، فلقيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مرّة من ذلك فيها وأمر عائشة أن لا يصعد إليه أحد ، فدخل حسين بن علىّ ولم تعلم عائشة حتّى غشيها ، فقال جبرئيل : من هذا؟

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هذا ابنى ، فأخذه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فجعله على فخذه ، فقال جبرئيل : أما إنّه سيقتل! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ومن يقتله؟ قال : أمتك! فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أمّتى تقتله؟ قال : نعم فان شئت أخبرتك بالأرض الّتي يقتل بها ، فأشار له جبرئيل إلى الطفّ بالعراق وأخذ تربة حمراء فأراه إيّاها فقال: هذه تربة مصرعه(٢) .

١١٥ ـ عنه ، قال : أنبأنا ابن سعد ، أنبأنا علىّ بن محمّد ، عن عثمان بن مقسم ، عن المقبرى : عن عائشة قالت : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله راقد إذ جاء الحسين يحبو إليه فنحيته عنه ثمّ قمت لبعض أمرى فدنا منه ، فاستيقظ رسول الله وهو يبكى! فقلت : ما يبكيك؟ قال : إنّ جبرئيل أرانى التربة الّتي يقتل عليها الحسين ، فاشتدّ غضب الله على من سفك دمه ، قالت : وبسط النبيّ يده فاذا فيها قبضة من بطحاء فقال : يا عائشة والذي نفسى بيده إنّه ليحزننى فمن هذا من أمّتى الذي يقتل حسينا من بعدى؟(٣)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٧٨.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٧٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٨٠.


١١٦ ـ عنه أخبرتنا أمّ المجتبى العلويّة ، قالت : قرىء على أبى القاسم السلمى أنبأنا أبو بكر المقرئ ، أنبأنا أبو يعلى ، أنبأنا عبد الرحمن بن صالح ، أنبأنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن ليث بن أبى سليم ، عن جرير بن الحسن العبسى ، عن مولى ـ أو عن بعض أهله ـ عن زينب قالت : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى بيتى وحسين عندى ، حين درج ، فغفلت عنه فدخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجلس على بطنه ، قالت : فبال عليه فانطلقت لآخذه فاستيقظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : دعيه. فتركته حتّى فرغ.

ثمّ دعا رسول الله بماء فقال : إنّه يصبّ من الغلام ويغسل من الجارية ، فصبّوا صبّا. ثمّ توضأ رسول الله ثمّ قام يصلّى فلمّا قام احتضنه إليه ، فاذا ركع أو جلس وضعه ، ثمّ جلس فبكى ، ثمّ مدّ يده فدعا الله تعالى فقلت حين قضى الصلاة ، يا رسول الله إنّى رأيتك اليوم صنعت شيئا ما رأيتك تصنعه قبل اليوم؟ قال : إنّ جبرئيل أتانى فأخبرنى أنّ هذا تقتله أمّتى! فقلت : يا جبرئيل أرنى تربة مصرعه فأرانى تربة حمراء(١) .

١١٧ ـ أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى ، أنبأنا أبو الحسن بن النقور ، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عمران المعروف بابن الجندى ، أنبأنا أبو روق أحمد بن محمّد بن بكر الهزّانى ، أنبأنا الرياشى ، يعنى العباس بن الفرج ، أنبأنا محمّد بن إسماعيل أبو سميّة ، عن محمّد بن مصعب القرقسانى عن الأوزاعى ، عن شدّاد أبى عمّار ، قال : قالت أمّ الفضل بنت الحارث زوجة العبّاس بن عبد المطلب : يا رسول الله رأيت رؤيا أعظمك أن أذكرها لك!

قال : اذكر بها. قالت : رأيت كأن بضعة منك قطعت فوضعت فى حجرى! فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ فاطمة حبلى تلد غلاما اسميه حسينا وتضعه فى حجرك. قالت :

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٨١.


فولدت فاطمة حسينا فكان فى حجرى أربيه ، فدخل علىّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوما وحسين معى ، فأخذه يلاعبه ساعة ثمّ ذرفت عيناه! فقلت : يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال : هذا جبرئيل يخبرنى أن امّتى تقتل ابنى هذا!(١) .

١١٨ ـ عنه أخبرنا عاليا أبو عبد الله الفراوى ، أنبأنا أبو بكر البيهقي ، أنبأنا محمّد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو عبد الله محمّد بن على الجوهرى ، ببغداد ، أنبأنا أبو الأحوص ، محمّد بن الهيثم القاضى ، أنبأنا محمّد بن مصعب ، أنبأنا الأوزاعى : عن أبى عمّار شدّاد بن عبد الله ، عن أمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : يا رسول الله انّى رأيت حلما منكرا الليلة. قال : وما هو؟ قالت : انّه شديد. قال : وما هو؟ قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت فى حجرى! قالت :

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت خيرا ، تلد فاطمة ان شاء الله غلاما فيكون فى حجرك قالت : فولدت فاطمة الحسين ، فكان فى حجرى كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فوضعته فى حجره ثمّ حانت منّى التفاتة فاذا عينا. رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تهريقان الدموع قالت : قلت : يا رسول الله بأبى أنت وامّى مالك؟ قال : أتانى جبرئيلعليه‌السلام وأخبرنى أن أمّتى ستقتل ابنى هذا! فقلت : هذا؟ قال : نعم وأتانى بتربة من تربته حمراء(٢) .

١١٩ ـ عنه أخبرنى أبو غالب أحمد بن الحسن ، أنبأنا أبو الغنائم عبد الصمد ابن على ، أنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد بن إسحاق ، أنبأنا عبد الله بن محمّد البغوى ، حدّثنى محمّد بن ميمون الخياط ، أنبأنا سفيان ، عن عبد الجبّار بن العباس انّه سمع عون بن أبى جحيفة قال : إنا لجلوس عند دار أبى عبد الله الجدلى ، فأتاها

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٨٢.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٨٣.


ملك بن صحار الهمدانيّ ، فقال : دلونى على منزل فلان قال : قلنا : ألا ترسل إليه فيجيىء ، قال : وكنّا فى الكلام إذ جاء فقال له ابن صحار : أتذكر اذ بعثنا أبو مخنف إلى أمير المؤمنين وهو بشاطئ الفرات فقال : ليحلنّ هاهنا ركب من آل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ويمرّ بهذا المكان فتقتلونهم فويل لكم منهم وويل لهم منكم(١) .

١٢٠ ـ عنه أخبرنا أبو بكر الأنصاري ، أنبأنا أبو محمّد الجوهرى ، أنبأنا أبو عمران بن حيويه ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا يحيى بن حماد ، أنبأنا أبو عوانة ، عن سليمان قال : أنبأنا أبو عبيد الضبى ، قال : دخلنا على أبى هرثم الضبى حين أقبل من صفّين وهو مع على وهو جالس على دكان له وله امرأة يقال لها جرداء ، وهى أشدّ حبا لعلىّ وأشد لقوله تصديقا.

فجاءت شاة له فبعرت فقال : لقد ذكرنى بعر هذه الشاة حديثا لعلى! قالوا وما علم علىّ بهذا؟ قال : أقبلنا مرجعنا من صفّين ، فنزلنا كربلا ، فصلّى بنا علىّ صلاة الفجر بين شجيرات ودوحات حرمل ، ثمّ أخذ كفا من بعر الغزلان فشمّه ثمّ قال : أوه أوه يقتل بهذا الغائط قوم يدخلون الجنّة بغير حساب(٢) .

١٢١ ـ عنه أخبرنا أبو طالب علىّ بن عبد الرحمن ، أنبأنا أبو الحسن الخلعى ، أنبأنا أبو محمّد بن النحاس ، أنبأنا أبو سعيد ابن الأعرابى ، أنبأنا أبو على الحسن بن على بن محمّد بن هاشم الأسدي النحاس ، أنبأنا منصور بن واقد الطنافسى ، أنبأنا عبد الحميد الحمانى عن الأعمش عن أبى إسحاق : عن كدير الضبى ، قال : بينا أنا مع علىّ بكربلاء ، بين أشجار الحرمل إذ أخذ بعرة فشمّها ثمّ قال : ليبعثنّ الله من هذا الموضع قوما يدخلون الجنّة بغير حساب(٣)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٨٦.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٨٧.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ١٨٨.


١٢٢ ـ أخبرنا أبو على الحدّاد وغيره فى كتبهم ، قالوا : أنبأنا أبو بكر بن ربذة ، أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا علىّ بن عبد العزيز ، أنبأنا أبو نعيم ، أنبأنا عبد الجبّار بن العبّاس ، عن عمّار الدهنى ، قال : مرّ علىّ على كعب ، فقال : يقتل من ولد هذا الرجل رجل فى عصابة لا يجفّ عرق خيولهم حتّى يردوا على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمرّ حسن فقالوا : هذا يا أبا إسحاق؟ قال : لا فمرّ حسين فقالوا : هذا؟ قال : نعم!(١) .

١٢٣ ـ عنه أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا محمّد بن محمّد التّمار البصرى ، أنبأنا محمّد بن كثير العبدى ، أنبأنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن ، عن العلاء ابن أبى عائشة ، عن أبيه : عن رأس الجالوت ، قال : كنّا نسمع أنّه يقتل بكربلاء ابن نبى فكنت إذا دخلتها ركضت فرسى حتّى أجوز عنها ، فلمّا قتل حسين جعلت أسير بعد ذلك على هيئتى(٢) .

١٢٤ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا الحسن بن على ، أنبأنا محمّد بن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا يحيى بن حمّاد ، أنبأنا أبو عوانة ، عن عطاء بن السائب ، عن ميمون ، عن شيبان بن مخرم ـ قال ميمون : وكان عثمانيا يبغض عليّا قال : رجعنا مع علىّ من صفّين قال : فانتهينا إلى موضع ، قال فقال : ما يسمّى هذا الموضع؟ قال : قلنا : كربلا ، قال : كرب وبلاء.

قال : ثمّ قعد رابية وقال : يقتل هاهنا قوم هم أفضل شهداء على ظهر الأرض لا يكون شهداء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : قلت : بعض كذباته وربّ الكعبة! قال : فقلت لغلامى وثمّ حمار ميت جئنى برجل هذا الحمار فجاءنى به فأوتدته فى المقعد الذي كان فيه قاعدا ، فلمّا قتل الحسين قلت لأصحابى : انطلقوا ننظر ، فانتهينا ، معهم

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٨٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٨٩.


الى المكان فاذا جسد الحسين على رجل الحمار وإذا أصحابه ربضة حوله(١) .

١٢٥ ـ عنه أخبرنا أبو على الحدّاد ، وغيره فى كتبهم قالوا : أنبأنا أبو بكر بن ربذة ، أنبأنا سليمان بن أحمد ، أنبأنا محمّد بن عبد الله الحضرمى ، أنبأنا محمّد بن يحيى ابن أبى سمينة ، أنبأنا يحيى بن حمّاد ، أنبأنا أبو عوانة ، عن عطاء بن السائب ، عن ميمون بن مهران ، عن شيبان بن مخرم وكان عثمانيا قال : إنّى لمع علىّ إذ أتى كربلا فقال : يقتل فى هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلّا شهداء بدر!

فقلت : هذا بعض كذباته! وثمّ كان رجل حمار ميت ، فقلت لغلامى : خذ رجل هذا الحمار فأوتدها فى مقعده ، وغيّبها قال : فضرب الدهر ضربة فلمّا قتل الحسين انطلقت ومعى أصحاب لى فاذا جثة الحسين بن على على رجل الحمار ، وإذا أصحابه ربضة حوله(٢)

١٢٦ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطى ، أنبأنا أبو بكر الخطيب ، أنبأنا عبد الكريم بن محمّد بن أحمد الضبى ، أنبأنا علىّ بن عمر الحافظ ، أنبأنا محمّد بن نوح الجنديسابورى ، أنبأنا علىّ بن حرب الجنديسابورى ، أنبأنا إسحاق بن سليمان ، أنبأنا عمرو بن أبى قيس ، عن يحيى بن سعيد أبى حيان ، عن قدامة الضبى : عن جرداء بنت سمير ، عن زوجها هرثمة بن سلمى قال : خرجنا مع علىّ فى بعض غزوه ، فسار حتّى انتهى إلى كربلا ، فنزل الى شجرة فصلى إليها فأخذ تربة من الارض فشمّها.

ثمّ قال : واها لك من تربة ليقتلنّ بك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب. قال : فقفلنا من غزوتنا فقتل علىّ ونسيت الحديث ، قال : فكنت فى الجيش الدين ساروا الى الحسين ، فلما انتهيت إليه نظرت الى الشجرة فذكرت الحديث فتقدمت على فرس

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢٣٤.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٣٤.


لى فقلت : أبشرك يا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحدثته الحديث. قال : فأنت معنا أو علينا؟ قلت : لا معك ولا عليك ، تركت عيالا وتركت(١) قال : أما لا ، فولّ فى الارض فو الذي نفس حسين بيده لا يشهد قتلنا اليوم رجل الادخل جهنم. قال : فانطلقت هاربا موليا فى الارض حتى خفى علىّ مقتله(٢) .

١٢٧ ـ قال ابن ابى الحديد : روى ابن هلال الثقفى فى كتاب الغارات عن زكريا بن يحيى العطار ، عن فضيل ، عن محمد بن على ، قال : لما قال علىعليه‌السلام : سلونى قبل أن تفقدونى ، فو الله لا تسألوننى عن فئة تضل مائة ، وتهدى مائة ، إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها قام إليه رجل فقال : أخبرنى بما فى رأسى ولحيتى من طاقة شعر.

فقال له علىعليه‌السلام : والله لقد حدثني خليلى أن على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك ، وان على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك : وان فى بيتك سخلا يقتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان ابنه قاتل الحسينعليه‌السلام يومئذ طفلا يحبو ، وهو سنان بن أنس النخعي(٣) .

١٢٨ ـ عنه قال : وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثماليّ ، عن سويد بن غفلة أن علياعليه‌السلام ، خطب ذات يوم ، فقام رجل من تحت منبره ، فقال : يا أمير المؤمنين : انى مررت بوادى القرى ، فوجدت خالد بن عرفطة قد مات ، فاستغفر له ، فقالعليه‌السلام : والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن حمار ، فقام رجل آخر من تحت المنبر ، فقال : يا أمير المؤمنينعليه‌السلام أنا حبيب بن حمار ، وانى لك شيعة ومحبّ.

فقال : أنت حبيب بن حمار؟ قال : نعم ، فقال له ثانية : والله انك لحبيب بن

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٣٥.

(٣) شرح النهج : ٢ / ٢٨٦.


حمار؟ فقال : اى والله! قال : أما والله انك لحاملها ولتحملنها ، ولتدخلن بها من هذا الباب ، وأشار بها الى باب الفيل بمسجد الكوفة : قال ثابت : فو الله ما متّ حتى رأيت ابن زياد ، وقد بعث عمر بن سعد الى الحسين بن علىعليه‌السلام ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن حمار صاحب رايته ، فدخل بها من باب الفيل(١) .

١٢٩ ـ عنه قال : روى شريك قال : أخبرنا عبد الله بن سعد ، عن حجر بن عدى ، قال : قدمت المدينة فجلست الى أبى هريرة ، فقال : ممن أنت؟ قلت : من أهل البصرة ، قال : ما فعل سمرة ابن جندب؟ قلت : هو حى ، قال : ما أحد أحب الىّ طول حياة منه ، قلت : ولم ذاك؟ قال : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لى وله ولحذيفة بن اليمان : «آخركم موتا فى النار» ، فسبقنا حذيفة ؛ وأنا الآن أتمنى أن أسبقه ، قال : فبقى سمرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين(٢) .

١٣٠ ـ عنه روى أحمد بن بشير ، عن مسعر بن كدام ، قال : كان سمرة بن جندب ، أيام مسير الحسينعليه‌السلام الى الكوفة على شرطة عبيد الله بن زياد ، وكان يحرض الناس على الخروج الى الحسينعليه‌السلام وقتاله(٣) .

١٣١ ـ عنه قال : وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم ، فوجدتها تشتمل على ما يجوز أن ينسب إليه وما لا يجوز أن ينسب إليه ، ووجدت فى كثير منها اختلالا ظاهرا ؛ وهذه المواضع التي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة ، بل من كلام له وجدته متفرقا فى كتب مختلفة ؛ ومن ذلك أن تميم بن أسامة بن زهير ابن دريد التميمى ، اعترضه ؛ وهو يخطب على المنبر ويقول :

سلونى قبل أن تفقدونى ؛ فو الله لا تسألونى عن فئة تضلّ مائة ، أو تهدى مائة

__________________

(١) شرح النهج : ٢ / ٢٨٦.

(٢) شرح النهج : ٤ / ٧٨.

(٣) شرح النهج : ٤ / ٧٨.


إلا نبأتكم بناعقها وسائقها ، ولو شئت لأخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه. فقال : فكم فى رأسى طاقة شعر؟ فقال له : أما والله انى لأعلم ذلك ؛ ولكن أين برهانه لو أخبرتك به! ولقد أخبرتك بقيامك ومقالك ، وقيل لى ان على كل شعرة من شعر رأسك ملكا يلعنك وشيطانا يستفزك ، وآية ذلك أن فى بيتك سخلا يقتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويحض على قتله.

فكان الأمر بموجب ما أخبر بهعليه‌السلام ، كان ابنه حصين بالصاد المهملة يومئذ طفلا صغيرا يرضع اللبن ، ثم عاش الى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد ، وأخرجه عبيد الله الى عمر بن سعد ، يأمره بمناجزة الحسينعليه‌السلام ويتوعّده على لسانه إن أرجأ ذلك ، فقتلعليه‌السلام صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة فى ليلته ، ومن ذلك قولهعليه‌السلام للبراء بن عازب يوما : يا براء ، أيقتل الحسين وأنت حىّ فلا تنصره! فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين! فلمّا قتل الحسينعليه‌السلام كان البراء يذكر ذلك ؛ ويقول : أعظم بها حسرة! إذ لم أشهده وأقتل دونه!(١)

باب امتناعهعليه‌السلام عن البيعة

١ ـ الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمىرحمه‌الله ، قال : حدّثنا محمّد بن عمر البغدادى الحافظرحمه‌الله ، قال : حدّثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه ، قال : حدّثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى قاضى بلخ ، قال حدّثتنى مريسة بنت موسى بن يونس بن أبى إسحاق وكانت عمّتى قالت حدّثتنى صفية بنت يونس بن

__________________

(١) شرح النهج : ١٠ / ١٤.


أبى إسحاق الهمدانية وكانت عمّتى.

قالت حدّثتنى بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبى ، عن خالها عبد الله بن منصور ، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علىعليه‌السلام ، قال : سألت أبا جعفر محمّد بن علىّ بن الحسينعليهم‌السلام ، فقلت : حدّثنى عن مقتل ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : حدّثنى أبى عن أبيه قال : لما حضرت معاوية الوفات دعا ابنه يزيد لعنه الله ، فأجلسه بين يديه.

فقال له : يا بنىّ انّى قد ذللت لك الرقاب الصعاب ، ووطدت لك البلاد ، وجعلت الملك وما فيه لك طعمة ، وإنّى أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم ، وهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن الزبير ، والحسين بن على فأما عبد الله بن عمر فهو معك فالزمه ، ولا تدعه ، وأما عبد الله بن الزبير فقطعه إن ظفرت به إربا إربا ، فانّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته ، ويواربك موارية الثعلب للكلب.

أمّا الحسينعليه‌السلام ، فقد عرفت حظّه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو من لحم رسول الله ، ودمه وقد علمت لا محالة أنّ أهل العراق سيخرجونه إليهم ، ثمّ يخذلونه ويضيّعونه ، فان ظفرت به فاعرف حقّه ، ومنزلته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا تؤاخذوه بفعله ، ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحما وإياك لن تناله بسوء ويرى منك مكروها قال فلمّا هلك معاوية وتولّى الأمر بعده يزيد بعث عامله على مدينة رسول الله وهو عمّه عتبة بن أبى سفيان.

فقدم المدينة وعليها مروان بن الحكم ، وكان عامل معاوية فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد ، فهرب مروان فلم يقدر عليه ، وبعث عتبة إلى الحسين بن علىّ ، فقال : انّ أمير المؤمنين أمرك ان تبايع له ، فقال الحسينعليه‌السلام : يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة ومعدن الرسالة ، واعلام الحق الذين أودعه


اللهعزوجل قلوبنا وأنطق به السنتنا فنطقت باذن اللهعزوجل .

لقد سمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ الخلافة محرّمة على ولد أبى سفيان وكيف ابايع أهل بيت قد قال فيهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا ، فلمّا سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبى سفيان ، أمّا بعد فان الحسين بن علىّ ليس يرى لك خلافة ولا بيعة فرأيك فى أمره والسلام.

فامّا ورد الكتاب على يزيد لعنه الله كتب الجواب الى عتبة ، أمّا بعد فاذا أتاك كتابى هذا فعجّل علىّ بجوابه وبيّن لى فى كتابك كلّ من فى طاعتى أو خرج عنها وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علىعليه‌السلام ، فبلغ ذلك الحسين فهمّ بالخروج من أرض الحجاز الى أرض العراق ، فلمّا أقبل الليل راح الى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليودّع القبر ، فلمّا وصل الى القبر سطع له نور من القبر ، فعاد الى موضعه.

فلمّا كانت الليلة الثانية راح ليودّع القبر فقام يصلّى ، فأطال فنعس وهو ساجد ، فجاءه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو فى منامه فأخذ الحسينعليه‌السلام وضمّه الى صدره ، وجعل يقبل عينيه ويقول : بأبى أنت وكأنّى أراك مرمّلا بدمك بين عصابة من هذه الامّة يرجون شفاعتى ما لهم عند الله من خلاق يا بنىّ ، انّك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك ، وانّ لك فى الجنّة درجات لا تنالها الّا بالشهادة.

فانتبه الحسينعليه‌السلام من نومه باكيا ، فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا وودّعهم وحمل اخواته على المحامل وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن بن علىعليهما‌السلام ، ثمّ صار فى أحد وعشرين رجلا من أصحابه وأهل بيته منهم أبو بكر بن على ، ومحمّد ابن على ، وعثمان بن على ، والعبّاس بن على ، وعبد الله بن مسلم بن عقيل ، وعلىّ


بن الحسين الاكبر ، وعلىّ بن الحسين الاصغرعليه‌السلام (١) .

٢ ـ قال المفيد : فلمّا مات معاوية وانقضت مدّة الهدنة الّتي كانت تمنع الحسينعليه‌السلام ، من الدعوة إلى نفسه أظهر أمره بحسب الإمكان وأبان عن حقّه للجاهلين به حالا بعد حال ، إلى أن اجتمع له فى الظاهر الأنصار ، فدعىعليه‌السلام الى الجهاد ، وشمّر للقتال وتوجّه بولده وأهل بيته من حرم الله وحرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو العراق ، للاستنصار بمن دعاه من شيعته على الأعداء وقدّم امامه ابن عمّه مسلم بن عقيل رضى الله عنه وأرضاه للدعوة الى الله والبيعة له على الجهاد.

فبايعه أهل الكوفة على ذلك ، وعاهدوه وضمنوا له النصرة والنصيحة ووثقوا له فى ذلك وعاقدوه ، ثمّ لم تطل المدّة بهم حتّى نكثوا بيعته وخذلوه ، وأسلموه ، فقتل بينهم ولم يمنعوه وخرجوا إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، فحاصروه ومنعوا المسير الى بلاد الله واضطرّوه إلى حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا منهم ، وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتّى تمكّنوا منه فقتلوه فمضىعليه‌السلام ظمأن مجاهدا صابرا محتسبا مظلوما ، قد نكثت بيعته واستحلّت حرمته ، ولم يوف له بعهده ولا رعيت فيه ذمّة عقد ، شهيدا على ما مضى عليه أبوه وأخوهعليهم‌السلام (٢) .

٣ ـ عنه عن الكلبى والمدائنى ، وغيرهما من أصحاب السيرة قالوا : لما مات الحسنعليه‌السلام ، تحرّكت الشيعة بالعراق ، وكتبوا إلى الحسينعليه‌السلام ، فى خلع معاوية والبيعة له فامتنع عليهم ، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه حتّى تمضى المدّة فاذا مات معاوية نظر فى ذلك ، فلمّا مات معاوية وذلك للنصف من رجب سنة ستّين من الهجرة كتب يزيد الى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسينعليه‌السلام بالبيعة له ولا يرخّص له فى

__________________

(١) أمالى الصدوق : ٩١.

(٢) الارشاد : ١٨١.


التأخّر عن ذلك.

فأنفذ الوليد الى الحسينعليه‌السلام فى اللّيل ، فاستدعاه ، فعرف الحسينعليه‌السلام الذي أراد ، فدعى جماعة من مواليه فأمرهم بحمل السلاح وقال لهم : انّ الوليد قد استدعانى فى هذا الوقت ولست آمن أن يكلّفنى فيه أمرا لا اجيب إليه وهو غير مأمون ، فكونوا معى ، فاذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب ، فان سمعتم صوتى قد علا فادخلوا عليه لتمنعا عنّى ، فصار الحسينعليه‌السلام الى الوليد فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسينعليه‌السلام .

ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له فقال الحسينعليه‌السلام : انّى لا أراك تقنع ببيعتى ليزيد سرّا حتّى أبايعه جهرا فيعرف ذلك ، فقال له الوليد انصرف على اسم الله تعالى حتّى تأتينا مع جماعة النّاس فقال له مروان : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا ، حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه فوثب الحسينعليه‌السلام عند ذلك وقال أنت يا ابن الزرقاء تقتلنى أم هو كذبت والله واثمت وخرج يمشى ومعه مواليه حتّى أتى منزله.

فقال مروان للوليد : عصيتنى لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا ، فقال له الوليد: ويح غيرك يا مروان انّك اخترت لى الّتي فيها هلك دينى ، والله ما أحبّ أنّ لى ما طلعت عليه الشّمس وغربت عنه من مال الدّنيا وملكها وانّى قتلت حسينا سبحان الله أقتل حسينا لما ان قال لا أبايع ، والله انّى لأظنّ انّ امرأ يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة ، فقال له مروان : فاذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت ، يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه.

فاقام الحسينعليه‌السلام فى منزله تلك الليلة وهى ليلة السبت لثلث بقين من رجب سنة ستّين من الهجرة ، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير فى البيعة ليزيد و


امتناعه عليهم وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّها الى مكّة ، فلمّا اصبح الوليد سرّح فى أثره الرجال فبعث راكبا من موالى بنى أميه فى ثمانين راكبا فطلبوه ولم يدركوه فرجعوا فلمّا كان آخر نهار يوم السبت بعث الرجال الى الحسينعليه‌السلام ، ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية فقال لهم الحسينعليه‌السلام : اصبحوا ثمّ ترون ونرى ، فكفّوا تلك اللّيلة عنه ولم يلحّوا عليه(١) .

٤ ـ قال الطبرسى : ذكر الثقات من أصحاب السير ، أنّه لمّا مات الحسن بن علىّعليهما‌السلام ، تحرّكت الشيعة بالعراق ، وكتبوا الى الحسينعليه‌السلام فى خلع معاوية ، فامتنع عليهم للعهد الحاصل بينه وبين معاوية ، فلمّا مات معاوية وذلك فى النصف من رجب سنة ستّين ، كتب يزيد بن معاوية الى الوليد بن عتبة ، والى المدينة أن يأخذ الحسينعليه‌السلام بالبيعة له ، فانفذ الوليد الى الحسينعليه‌السلام ، فاستدعاه فعرف الحسين ما أراد ، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال :

اجلسوا على الباب فاذا سمعتم صوتى قد علا ، فادخلوا عليه ، ولا تخافوا علىّ ، وصارعليه‌السلام إلى الوليد ، فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد بن معاوية ، فقال الحسينعليه‌السلام : إنّى لا أراك تقنع ببيعتى ليزيد سرّا حتّى أبايعه جهرا ، فقال الوليد : أجل ، فقال الحسينعليه‌السلام : فنصبح ونرى فى ذلك ، فقال الوليد : انصرف على اسم الله تعالى.

فقال مروان : والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا تقدر منه على مثلها أبدا ، حتّى يكثر القتلى بينكم وبينه ، فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسينعليه‌السلام وقال : أنت يا ابن الزرقاء تقتلنى أو هو؟ كذبت والله وأثمت فخرج ، فقال مروان للوليد : عصيتنى ، فقال : ويح غيرك يا

__________________

(١) الارشاد : ١٨٢.


مروان والله ما أحب أنّ لى ما طلعت عليه الشمس وأنّى قتلت حسينا إن قال : لا ابايع.

والله انّى لا ظنّ انّ امرأ يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله تعالى يوم القيامة ، فقال مروان : ان كان هذا رأيك فقد أصبت ، وأقام الحسين تلك اللّيلة فى منزله واشتغل الوليد بمراسلة عبد الله بن الزبير فى البيعة ليزيد ، وظهر امتناعه عليه وخرج ابن الزبير من ليلته متوجّها الى مكّة وسرّح الوليد فى إثره الرجال ، فطلبوا فلم يدركوه ، فلمّا كان آخر النهار بعث الى الحسينعليه‌السلام ليبايع فقالعليه‌السلام : اصبحوا وترون ونرى فكفّوا تلك اللّيلة عنه(١) .

٥ ـ قال الفتال النيسابوريّ : روى انّه لمّا مات الحسن تحرّكت الشيعة بالعراق وكتبت الى الحسين فى خلع معاوية والبيعة له ، فامتنع عليهم ، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهدا لا يجوز له نقضه حتّى تمضى المدّة فان مات معاوية نظر فى ذلك ، فلمّا مات معاوية ، وذلك للنصف من رجب سنة ستين من الهجرة كتب يزيد الى الوليد ابن عتبة بن أبى سفيان ، وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسينعليه‌السلام بالبيعة ولا يرخص له فى التأخّر عن ذلك.

فأنفذ الوليد الى الحسينعليه‌السلام فى اللّيل ، فاستدعاه فعرف الحسين الّذي ما أراد فدعا جماعة من مواليه ، وأمرهم بحمل السلاح وقال لهم : إنّ الوليد قد استدعانى فى هذا الوقت ولست آمنا ان يكلّفنى أمر الا أجيبه إليه وهو غير مأمون فكونوا فاذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب ، فان سمعتم صوتى قد علا ، فادخلوا عليه لتمنعوه منّى ، فصار الحسينعليه‌السلام الى الوليد ، فوحد عنده مروان بن الحكم فنعى الوليد معاوية فاسترجع الحسين ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد وما أمر به فى أخذ البيعة منه له.

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٠.


فقال له الحسين انّى لا أراك تقنع ببيعتى ليزيد سرّا حتّى أبايعه جهرا فيعرف ذلك الناس ، فقال الوليد أجل فقال الحسين فنصبح وترى رأيك فى ذلك ، فقال له الوليد انصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس ، فقال له مروان والله لئن فارقك الحسين السّاعة ولم يبايع لا تقدر منه على مثلها ابدا حتّى يكثر القتل بينكم وبينه احبس الرجل ، فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه.

فوثب عند ذلك الحسينعليه‌السلام قال : أنت يا ابن الزرقاء تقتلنى أو هو كذبت وأثمت ، وخرج ومشى مع مواليه حتّى أتى منزله ، فأقامعليه‌السلام فى منزله تلك اللّيلة وهى ليلة السبت لثلث بقين من رجب سنة ستّين واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير فى البيعة ليزيد ، وامتناعه عليهم ، وخرج ابن الزبير من ليلته من المدينة متوجّها إلى مكّة.

فلمّا أصبح الوليد سرّح فى أثر ابن الزبير الرجال ، فبعث راكبا من موالى بنى أميّة فى ثمانين ركبا فطلبوه ولم يدركوه ، ورجعوا ، فلمّا كان آخر النّهار من يوم السبت بعث الرجال إلى الحسينعليه‌السلام ، ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية فقال لهم الحسين أصبحوا ثمّ ترون ونرى فكفّوا اللّيلة ولم يلحّوا عليه(١) .

٦ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا مات معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان بالمدينة يأخذ البيعة من الحسين وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر أخذا ضيّقا ليست فيه رخصة ، فمن تأبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث الىّ برأسه فاحضر الوليد مروان وشاوره فى ذلك ، فقال الرأى أن تحضرهم وتأخذ منهم البيعة ، قبل أن يعلموا فوجّه فى طلبهم وكانوا عند التربة ، فقال عبد الرحمن وعبد الله ندخل دورنا ونغلّق أبوابنا قال ابن الزبير و

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٦.


الله ما أبايع يزيد أبدا.

قال الحسين بن علىعليهما‌السلام أنا لا بدّ لى من الدخول على الوليد وأنظر ما يقول ، ثمّ قال لمن حوله من أهل بيته إذا أنا دخلت على الوليد وخاطبته وخاطبنى وناظرته وناظرنى كونوا على الباب ، فاذا سمعتم الصيحة قد علت والاصوات قد ارتفعت ، فاهجموا إلى الدار ولا تقتلوا أحدا ولا تثيروا إلى الفتنة فلمّا دخل عليه ، وقرء الكتاب ، قال ما كنت أبايع ليزيد ، فقال مروان : بايع لأمير المؤمنين.

فقال الحسين كذبت ويلك على المؤمنين من أمّره عليهم فقام مروان وجرّد سيفه ، وقال مر سيّافك أن يضرب عنقه قبل قبل أن يخرج من الدّار ودمه فى عنقى ، وارتفعت الصيحة فهجم تسعة عشر رجلا من أهل بيته وقد انتضوا خناجرهم ، فخرج الحسينعليه‌السلام معهم ووصل الخبر الى يزيد فعزل الوليد وولّاها مروان(١) .

٧ ـ قال ابن طاوس : فلمّا توفّى معاوية بن أبى سفيان ، وذلك فى رجب سنة ستّين من الهجرة ، كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة ، وكان أمير المدينة يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامة وخاصّة على الحسينعليه‌السلام ، ويقول له : ان أبى عليك فاضرب عنقه وابعث إلىّ برأسه ، فاحضر الوليد المروان ، واستشاره فى أمر الحسينعليه‌السلام ، فقال انّه لا يقبل ولو كنت مكانك لضربت عنقه فقال الوليد : ليتنى لم أك شيئا مذكورا.

ثمّ بعث إلى الحسينعليه‌السلام ، فجائه فى ثلاثين رجلا من أهل بيته ومواليه ، فنعى الوليد إليه موت معاوية ، وعرض عليه البيعة ليزيد ، فقال : أيّها الأمير إنّ البيعة لا تكون سرّا ولكن اذا دعوت الناس غدا فادعنا معهم ، فقال مروان : لا تقبل أيّها الأمير عذره ومتى لم يبايع فاضرب عنقه ، فغضب الحسينعليه‌السلام ثمّ قال ويل لك

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢٠٧.


يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقى كذبت والله ولؤمت.

ثمّ أقبل على الوليد ، فقال : أيّها الأمير انّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق ، ومثلى لا يبايع بمثله ، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون ، أينا أحقّ بالخلافة والبيعة.

ثمّ خرجعليه‌السلام ، فقال مروان للوليد عصيتنى فقال : ويحك انّك اشرت إلىّ بذهاب دينى ودنياى ، والله ما أحبّ أنّ ملك الدنيا بأسرها ، لى وإنّنى قتلت حسينا والله ما أظنّ أحدا يلقى الله بدم الحسينعليه‌السلام إلّا وهو خفيف الميزان لا ينظر الله إليه ولا يزكّيه وله عذاب أليم ، قال وأصبح الحسينعليه‌السلام فخرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان فقال له يا أبا عبد الله إنّى لك ناصح فاطعنى ترشد.

فقال الحسينعليه‌السلام : وما ذاك قل حتّى أسمع فقال للحسين إنّى آمرك ببيعة يزيد ابن معاوية ، فانّه خير لك فى دينك ودنياك ، فقال الحسينعليه‌السلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الاسلام السلام ، اذ قد بليت الامّة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : الخلافة محرّمة على آل أبى سفيان وطال الحديث بينه وبين مروان حتّى انصرف مروان وهو غضبان(١) .

٨ ـ عنه حدّثنى جماعة باسنادهم إلى عمر النسابة رضوان الله عليه فيما ذكره فى آخر الكتاب الشافى فى النسب باسناده الى جدّه محمّد ابن عمر ، قال سمعت أبى عمر بن علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام يحدث أخوالى آل عقيل ، قال لما امتنع أخى الحسينعليه‌السلام عن البيعة ليزيد بالمدينة ، دخلت عليه فوجدته خاليا ، فقلت له جعلت فداك يا أبا عبد الله حدّثنى أخوك أبو محمّد الحسن ، عن أبيهعليهما‌السلام ثمّ سبقتنى الدمعة وعلا

__________________

(١) اللهوف : ٩.


شهيقى فضمنى إليه وقال :

حدّثك أنّى مقتول فقلت : حوشيت(١) يا ابن رسول الله فقال سألتك بحقّ أبيك بقتلى أخبرك ، فقلت نعم ، فلو لا ناولت وبايعت فقال : حدّثنى أبى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أخبره بقتله ، وقتلى ، وأنّ تربتى تكون بقرب تربته ، فتظنّ إنّك علمت ما لم أعلمه وأنّى لا أعطى الدنيّة من نفسى أبدا ، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذريّتها من أمّته ولا يدخل الجنّة أحد أذاها فى ذرّيتها(٢) .

٩ ـ قال الطبرى : فى حوادث سنه ٦٠ : وفى هذه السنة بويع ليزيد بن معاوية بالخلافة بعد أبيه ، للنصف من رجب فى قول بعضهم وفى قول بعض : لثمان بقين منه على ما ذكرنا من وفاة والده معاوية ، فأقر عبيد الله بن زياد على البصرة والنعمان ابن بشير على الكوفة.

قال هشام بن محمّد ، عن أبى مخنف ولى يزيد فى هلال رجب سنة ستين وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، وأمير الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري وأمير البصرة عبيد الله بن زياد وأمير مكّة عمرو بن سعيد بن العاص ، ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلّا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وأنّه ولىّ عهده بعد والفراغ من أمرهم فكتب الى الوليد :

بسم الله الرحمن الرحيم : من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة أمّا بعد ، فانّ معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكّن له فعاش بقدر ومات بأجل فرحمه‌الله فقد عاش محمودا ومات برّا تقيا والسلام.

أمّا بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا والسلام ، فلمّا أتاه نعى معاوية فزع به وكبر

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) اللهوف : ١١.


عليه ، فبعث الى مروان بن الحكم فدعاه إليه ـ وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارها فلمّا رأى ذلك الوليد منه شتمه عند جلسائه فبلغ ذلك مروان فجلس عنه وصرمه فلم يزل كذلك حتّى جاء نعى ، معاوية الى الوليد ، فلمّا عظم على الوليد هلاك معاوية وما امر به من أخذ هؤلاء الرّهط بالبيعة فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه.

فلمّا قرأ عليه كتاب يزيد استرجع وترحّم عليه واستشاره الوليد فى الامر وقال : كيف ترى أن نصنع؟ قال : فانّى أرى أن تبعث الساعة الى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول فى الطاعة ، فان فعلوا قبلت منهم ، وكففت عنهم ، وإن أبوا قدّمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فانّهم ان علموا بموت معاوية ، وثب كلّ امرئ منهم فى جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا الى نفسه لا أدرى.

أما ابن عمر فانّى لا أراه يرى القتال ولا يحب أنّه يولّى على الناس ، الّا أن يدفع إليه هذا الامر عنوا ، فأرسل عبد الله بن عمرو بن عثمان ـ وهو إذ ذاك غلام حدث إليهما يدعوهما فوجدهما فى المسجد وهما جالسان فأتاهما فى ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه فى مثلها فقال : أجيبا الأمير يدعوكما ، فقال له : انصرف الآن نأتيه ، ثمّ أقبل أحدهما ، على الآخر ، فقال عبد الله بن الزبير للحسين : ظنّ فيما تراه بعث إلينا فى هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها :

فقال حسين قد ظننت أرى طاغيتهم قد هلك ، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو فى الناس الخبر ، فقال : وأنا ما أظنّ غيره قال : فما تريد أن تصنع؟ قال : أجمع فتيانى الساعة ثمّ أمشى إليه فاذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثمّ دخلت عليه قال : فانّى أخافه عليك إذا دخلت قال : لا آتيه الّا وأنا على الامتناع قادر ، فقام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ، ثمّ أقبل يمشى حتّى انتهى إلى باب الوليد وقال


لأصحابه : إنّى داخل فان دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا فاقتحموا علىّ بأجمعكم ، والّا فلا تبرحوا حتّى أخرج إليكم.

فدخل فسلّم عليه بالامرة ومروان جالس عنده ، فقال حسين كأنّه لا يظنّ ما يظنّ من موت معاوية : الصلة خير من القطيعة أصلح الله ذات بينكما فلم يجيباه فى هذا بشيء وجاء حتّى جلس ، فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية ودعاه الى البيعة ، فقال حسين : إنّا لله وإنّا إليه راجعون! ورحم الله معاوية وعظم لك الأجر! أمّا ما سألتنى من البيعة فانّ مثلى لا يعطى بيعته سرّا ولا أراك تجتزى بها منّى سرّا دون أن نظهرها على رءوس الناس علانية.

قال : أجل ، قال : فاذا خرجت إلى الناس فدعوتهم الى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمرا واحدا فقال له الوليد ـ وكان يحبّ العافية : فانصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع جماعة الناس ، فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه فوثب عند ذلك الحسين فقال : يا ابن الزرقاء أنت تقتلنى أم هو! كذبت والله وأثمت.

ثمّ خرج فمرّ بأصحابه فخرجوا معه حتّى أتى منزله ، فقال مروان للوليد : عصيتنى لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبدا قال الوليد : وبخ غيرك يا مروان إنّك اخترت لى الّتي فيها هلاك دينى والله ما أحبّ أن لى ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنى قتلت حسينا سبحان الله! أقتل حسينا أن قال : لا أبايع؟! والله انّى لا أظنّ امرأ يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة : فقال له مروان : فاذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا


الحامد له وهو غير الحامد له على رأيه(١)

١٠ ـ قال خليفة بن خياط : فحدّثنى وهب بن جرير ، قال : حدّثنى أبى عن محمّد قال : حدّثنى رزيق مولى معاوية قال : لما هلك معاوية بعثنى يزيد بن معاوية الى الوليد بن عتبة وهو أمير المدينة ، وكتب إليه بموت معاوية وأن يبعث الى هؤلاء الرّهط ، فيأمرهم بالبيعة له ، قال : فقدمت المدينة ليلا فقلت للحاجب : استأذن لى ، فقال : قد دخل ولا سبيل إليه ، فقلت : إنّى جئته بأمر ، فدخل فأخبره ، فأذن له وهو على سريره.

فلمّا قرأ كتاب يزيد بوفاة معاوية واستخلافه ، جزع لموت معاوية جزعا شديدا ، فجعل يقوم على رجليه ويرمى بنفسه على فراشه ، ثمّ بعث الى مروان فجاء وعليه قميص أبيض وملاءة موردة فنعى له معاوية وأخبره أنّ يزيد كتب إليه أن يبعث إلى هؤلاء الرّهط ، فيدعوهم الى البيعة ليزيد ، قال : فترحم مروان على معاوية ودعا له بخير وقال : ابعث الى هؤلاء الرهط الساعة ، فادعهم الى البيعة فان بايعوا والّا فاضرب أعناقهم ، قال : سبحان الله أقتل الحسين بن على وابن الزبير؟ قال : هو ما أقول لك(٢)

١١ ـ عنه حدّثنى وهب قال : حدّثنى جويرية بن أسماء قال : سمعت أشياخنا من أهل المدينة ، ما لا أحصى يحدّثون أن معاوية توفّى وفى المدينة يومئذ الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، فأتاه موته. فبعث الى مروان بن الحكم ، وناس من بنى أميّة ، فأعلمهم الّذي أتاه ، فقال مروان : ابعث الساعة الى الحسين وابن الزبير فان بايعا والا فاضرب أعناقهما ، وقد هلك عبد الرحمن بن أبى بكر قبل ذلك.

فأتاه ابن الزبير فنعى له معاوية وترحم عليه وجزاه خيرا فقال له : بايع ،

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٣٨.

(٢) تاريخ خليفة بن خياط : ١ / ٢٨١.


قال : ما هذه ساعة مبايعة ولا مثلى يبايعك هاهنا ، فترقى المنبر فأبايعك ويبايعك الناس علانية غير سرّ ، فوثب مروان فقال : اضرب عنقه فانّه صاحب فتنة وشرّ فقال : انّك لهتّاك يا ابن الزرقاء ، واستبّا ، فقال الوليد : أخرجوهما عنى وكان رجلا رفيقا سريا كريما ، فأخرجا عنه فجاء الحسين بن علىّ على تلك الحال فلم يكلّم فى شيء حتّى رجعا جميعا ورجع مروان الى الوليد.

فقال : والله لا تراه بعد مقامك الا حيث يسوؤك ، فأرسل العيون فى أثره. فلم يزد حين دخل منزله على أن دعا بوضوء وصفّ بين قدميه ، فلم يزل يصلّى ، وأمر حمزة ابنه أن يقدم راحلته الى الحليفة على بريد من المدينة ، ممّا يلى الفرع ـ وكان له بالحليفة مال عظيم ، فلم يزل صافّا بين قدميه ، فلمّا كان من آخر اللّيل وتراجعت عنه العيون جلس على دابته فركبها حتّى انتهى الى الحليفة ، فجلس على راحلته ، ثمّ توجّه إلى مكّة وخرج الحسين من ليلته فالتقيا بمكّة ، فقال له ابن الزبير : ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فو الله لو أن لى مثلهم لذهبت إليهم(١)

١٢ ـ قال الدينورى : مات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، وعلى مكّة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أميّة ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الانصارى ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد. فلم تكن ليزيد همّة الّا بيعة هؤلاء الأربعة نفر ، فكتب الى الوليد بن عتبة يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذا شديدا لا رخصة فيه ، فلمّا ورد ذلك على الوليد قطع به وخاف الفتنة ، فبعث إلى مروان ، وكان الّذي بينهما متباعدا ، فأتاه فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره.

فقال له مروان : أما عبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبى بكر فلا تخافنّ ناحيتهما ، فليسا بطالبين شيئا من هذا الامر ، ولكن عليك بالحسين بن على و

__________________

(١) تاريخ خليفة بن خياط : ١ / ٢٨٢.


عبد الله بن الزبير ، فابعث إليهما الساعة ، فإن بايعا وإلّا فاضرب أعناقهما قبل أن يعلن الخبر ، فيثب كلّ واحد منهما ناحية ، ويظهر الخلاف ، فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان ، وكان حاضرا ـ وهو حينئذ غلام حين راهق انطلق يا بنىّ الى الحسين بن علىّ وعبد الله بن الزبير ، فادعهما فانطلق الغلام حتّى أتى المسجد ، فاذا هو بهما جالسين.

فقال : أجيبا الأمير ، فقالا للغلام : انطلق ، فانّا صائران إليه على اثرك ، فانطلق الغلام ، فقال ابن الزبير للحسين رضى الله عنه : فيم تراه بعث إلينا فى هذه الساعة؟ فقال الحسين : أحسب معاوية قد مات ، فبعث إلينا للبيعة ، قال ابن الزبير : ما أظنّ غيره. وانصرفا الى منازلهما ، فأمّا الحسين فجمع نفرا من مواليه وغلمانه ، ثمّ مشى نحو دار الامارة ، وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب ، فان سمعوا صوته اقتحموا الدار.

دخل الحسين على الوليد ، وعنده مروان ، فجلس الى جانب الوليد ، فأقرأه الوليد الكتاب ، فقال الحسين : إنّ مثلى لا يعطى بيعته سرّا ، وانا طوع يديك ، فاذا جمعت الناس لذلك حضرت ، وكنت واحدا منهم ، وكان الوليد رجلا يحبّ العافية ، فقال للحسين : فانصرف إذن حتّى تأتينا مع الناس ، فانصرف.

فقال مروان للوليد : عصيتنى والله لا يمكّنك من مثله أبدا ، قال الوليد : ويحك؟ أتشير علىّ بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليهما‌السلام ؟ والله إنّ الّذي يحاسب بدم الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله(١)

١٣ ـ قال سبط ابن الجوزى : قال علماء السير : أقام الحسين بعد وفاة أخيه الحسن يحجّ فى كلّ عام من المدينة الى مكة ماشيا الى أن توفّى معاوية ، وقام يزيد فى

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٢٧.


سنة ستّين ، وكان معاوية قد قال ليزيد لما أوصاه : انّى قد كفيتك الحلّ والترحال ، ووطأت لك البلاد ، والرجال وأخضعت لك أعناق العرب ، وانّى لا تخوّف عليك أن ينازعك هذا الامر الّذي أسّست لك الّا أربعة نفر من قريش ، الحسين بن على ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر.

فأمّا ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة واذا لم يبق أحد غيره بايعك ، وأمّا الحسين فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتّى يخرجوه ، فان خرج عليك ، فظفرت به فاصفح عنه فانّ له رحما ماسة ، وحقّا عظيما ، وأمّا ابن أبى بكر فانّه ليست له همة إلّا فى النّساء واللهو فاذا رأى أصحابه قد صنعوا شيئا صنع مثله ، وأمّا الّذي يجثم لك جثوم الاسد ويطرق اطراق الافعوان ويراوغك مراوغة الثعلب فذاك ابن الزبير فان وثب عليك وامكنتك الفرصة منه فقطعه اربا اربا.

فلمّا مات معاوية ، كان على المدينة الوليد بن عتبة ابن أبى سفيان ؛ وعلى مكّة عمرو بن سعيد بن العاص ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير ، وعلى البصرة عبيد الله ابن زياد ، فلم يكن ليزيد همّ بعد موت أبيه إلّا بيعة النفر الذين سمّاهم أبوه ، فكتب الى الوليد بن عتبة فأمره بأخذ البيعة عليهم ، أخذا شديدا ليس فيه رخصة فلمّا وقف على الكتاب ، بعث الى مروان بن الحكم ، فأحضره وأوقفه على كتاب يزيد ، واستشاره.

قال كيف ترى أن أصنع بهؤلاء؟ قال : أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم الى البيعة والدخول فى الطاعة ، فان لم يفعلوا والّا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، لأنّهم ان علموا وثب كلّ واحد منهم فى جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ، ودعا الى نفسه الا ابن عمر فانّه لا يرى الولاية والقتال الّا أن يدفع عن نفسه أو يدفع إليه هذا الامر عنوا ، فارسل الوليد عمرو بن عثمان الى الحسين والى عبد الله بن الزبير ، فوجدهما فى المسجد فقال أجيبا الامير فقالا انصرف فالآن


نأتيه.

ثمّ قال ابن الزبير للحسين : ظنّ فيما تراه بعث إلينا فى هذه الساعة الّتي ليس له عادة بالجلوس فيها الّا لامر ، فقال الحسين أظنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذ البيعة علينا ليزيد ، قبل أن يفشو فى الناس الخبر ، قال ابن الزبير هو ذاك ، فما تريد أن تصنع قال : أجمع فتيانى وأذهب إليه فجمع أهله وفتيانه ثمّ قال اذا دعوتكم فاقتحموا ، ثمّ دخل على الوليد ومروان عنده ، فاقرأه كتاب يزيد ودعاه الى البيعة.

فقال مثلى لا يبايع سرّا بل على رءوس الناس وهو أحبّ إليكم ، وكان الوليد يحبّ العافية فقال انصرف فى دعة الله ، حتّى تأتينا مع الناس ، فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت عليه أبدا ، حتّى تكثر القتلى بينكما احبس الرجل عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب الحسين قائما وقال يا ابن الزرقاء هو يقتلنى أو أنت كذبت وأثمت ، ثمّ خرج فقال الوليد يا مروان والله ما أحبّ أنّ لى ما طلعت عليه الشمس وانّى قتلت حسينا(١) .

١٤ ـ قال الحافظ ابن عساكر : قالوا : لمّا حضر معاوية الهلاك دعا يزيد بن معاوية ، فأوصاه بما أوصاه به ، وقال له : انظر حسين بن على وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانّه أحبّ الناس الى الناس ، فصل رحمه وارفق به يصلح لك أمره ، فان يك منه شيء فانّى أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه ، وخذل أخاه ، وتوفى معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستّين وبايع الناس ليزيد.

فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامرى من بنى عامر ابن لؤيّ الى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو على المدينة : أن ادع الناس فبايعهم وابدأ يوجوه قريش ، وليكن أوّل من تبدأ به الحسين بن علىّ بن أبى طالب ، فانّ أمير

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣٥.


المؤمنينرحمه‌الله عهد الىّ فى أمره الرفق به واستصلاحه ، فبعث الوليد بن عتبة من ساعته نصف اللّيل الى الحسين بن على ، وعبد الله بن الزبير ، فأخبرهما بوفاة معاوية ودعاهما الى البيعة ليزيد.

فقالا : نصبح فننظر ما يصنع الناس ، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول : هو يزيد الذي تعرف والله ما حدّث له حزم ولا مروءة ، وقد كان الوليد أغلظ للحسين ، فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه ، فقال الوليد : ان هجنا بأبى عبد الله الّا أسدا ، فقال له مروان أو بعض جلسائه : اقتله.

قال الوليد : انّ ذلك لدم مضنون فى بنى عبد مناف! فلمّا صار الوليد الى منزله قالت له امرأته أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : أسببت حسينا؟ قال : هو بدأ فسبّنى ، قالت : وإن سبّك حسين تسبّه؟ وإن سبّ أباك تسبّ اباه؟ قال : لا(١) .

١٥ ـ قال اليعقوبى : ملك يزيد بن معاوية ، وأمه ميسون بنت بجدل الكلبى. فى مستهلّ رجب سنة ستّين ، وكانت الشمس يومئذ فى الثور درجة وعشرين دقيقة ، والقمر فى العقرب درجات وثلاثين دقيقة وزحل فى السرطان احدى عشرة درجة ، والمشترى فى الجدى تسع عشرة درجة ، والمريخ فى الجوزاء اثنتين وعشرين درجة وثلاثين دقيقة ، والزهرة فى الجوزاء ثمانى درجات وخمسين دقيقة ؛ وعطارد فى الثور عشرين درجة وثلاثين دقيقة.

فلمّا قدم دمشق كتب الى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو عامل المدينة : اذا أتاك كتابى هذا فأحضر الحسين بن على وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة فان امتنعا فاضرب أعناقهما ، وابعث الىّ برءوسهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٩٩.


فيه الحكم ، وفى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير والسلام.

فورد الكتاب على الوليد ليلا فوجّه الى الحسينعليه‌السلام ، والى عبد الله بن الزبير ، فأخبرهما الخبر ، فقالا نصبح ونأتيك مع الناس ، فقال له مروان انّهما والله ان خرجا لم ترهما فخذهما بأن يبايعا والّا فاضرب أعناقهما ، فقال والله ما كنت لأقطع أرحامهما ، فخرجا من عنده وتنحيا من تحت ليلتهما(١) .

١٦ ـ قال ابن أبى الحديد : روى الزبير بن بكّار ، قال : كان سبب تعوّذ ابن الزبير بالكعبة أنّه كان يمشى بعد عتمة فى بعض شوارع المدينة ، اذ لقى عبد الله بن سعد بن أبى سرح متلثّما لا يبدو منه الّا عيناه ، قال : فأخذت بيده وقلت : ابن أبى سرح! كيف كنت بعدى؟ وكيف تركت أمير المؤمنين؟ يعنى معاوية وقد كان ابن أبى سرح عنده بالشام فلم يكلّمنى ، فقلت : مالك؟ أمات أمير المؤمنين؟ فلم يكلّمنى ، فتركته وقد أثبت معرفته.

ثمّ خرجت حتّى لقيت الحسين بن علىعليهما‌السلام ، فأخبرته خبره ، وقلت : ستأتيك رسل الوليد ، وكان الامير على المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، فانظر ما أنت صانع! واعلم أن رواحلى فى الدار معدّة والموعد بينى وبينك أن تغفل عنّا عيونهم ثمّ فارقته فلم ألبث أن أتانى رسول الوليد فجئته فوجدت الحسين عنده ووجدت مروان بن الحكم فنعى الىّ معاوية فاسترجعت فأقبل علىّ وقال : هلمّ الى بيعة يزيد فقد كتب إلينا يأمرنا أن نأخذها عليك.

فقلت : انّى قد علمت أن فى نفسه علىّ شيئا لتركى بيعته فى حياة أبيه ، وان بايعت له على هذه الحال توهّم أنّى مكره على البيعة فلم يقع منه ذلك بحيث أريد ، ولكن أصبح ويجتمع الناس ، ويكون ذلك علانية إن شاء الله ، فنظر الوليد الى

__________________

(١) تاريخ اليعقوبى : ٢ / ٢٢٨.


مروان ، فقال مروان : هو الذي قلت لك ان يخرج لم تره فأحببت أن ألقى بينى وبين مروان شرّا نتشاغل به ، فقلت له : وما أنت وذاك يا ابن الزرقاء.

فقال لى وقلت له حتّى تواثبنا فتناضيت أنا وهو وقام الوليد فحضر بيننا فقال مروان : أتحجز بيننا بنفسك وتدع أن تأمر أعوانك فقال : قد أرى ما تريد ولكن لا أتولّى ذلك منه والله أبدا اذهب يا ابن الزبير حيث شئت ، قال : فأخذت بيد الحسين وخرجنا من الباب حتّى صرنا الى المسجد وأنا أقول :

ولا تحسبنّى يا مسافر شحمة

تعجلها من جانب القدر جائع

فلمّا دخل المسجد افترق هو والحسين ، وعمد كلّ واحد منهما الى مصلّاه يصلّى فيه وجعلت الرسل تختلف إليهما يسمع وقع أقدامهم فى الحصباء حتّى هدأ عنهما الحسّ ثمّ انصرفا الى منازلهما(١)

١٧ ـ عنه قال : أوصى معاوية يزيد ابنه ، لمّا عقد له الخلافة بعده ، فقال : انّى لا أخاف عليك الّا ممّن أوصيك بحفظ قرابته ورعاية حقّ رحمه من القلوب إليه مائلة ، والاهواء نحوه جانحة ، الأعين إليه طامحة ، وهو الحسين بن على فاقسم له نصيبا من حلمك ، وأخصصه بقسط وافر من مالك ، ومتّعه بروح الحياة وأبلغ له كلّ ما أحبّ فى أيّامك ، فأمّا من عداه فثلاثة ، وهم عبد الله بن عمر رجل قد وقذته العبادة فليس يريد الدنيا الّا أن تجيئه طائعة لا تراق فيها محجة دم ، وعبد الرحمن بن أبى بكر رجل هقل لا يحمل ثقلا ولا يستطيع نهوضا : وليس بذى همّة ولا شرف ولا أعوان.

عبد الله ابن الزبير وهو الذئب الماكر والثعلب الخاتر فوجّه إليه جدّك وعزمك ونكيرك ومكرك واصرف إليه سطوتك ولا تثق إليه فى حال ، فانّه

__________________

(١) شرح النهج : ٢٠ / ١١٥.


كالثعلب راغ بالختل عند الارهاق والليث صال بالجرأة عند الاطلاق وأما ما بعد هؤلاء فانّى قد وطأت لك الامم وذللت لك أعناق المنابر ، وكفيتك من قرب منك ومن بعد عنك ، فكن للناس كما كان أبوك لهم يكونوا لك كما كانوا لأبيك(١)

١٨ ـ قال ابن عبد ربه : قال الهيثم بن عدى : لما حضرت معاوية الوفاة ويزيد غائب دعا بمسلم بن عقبة المرّى والضحّاك بن قيس الفهرى ، وقال لهما : أبلغا عنّى يزيد وقولا له : أنظر أهل الحجاز فهم عصابتك وعترتك فمن أتاك منهم فأكرمه ومن قعد عنك فتعاهده ، وانظر أهل العراق فان سألوك عزل عامل فى كلّ يوم فاعزله عنهم فان عزل عامل واحد أهون عليك من سلّ مائة ألف سيف ثمّ لا تدرى علام أنت عليه منهم.

انظر أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار فان رابك من عدو ريب فارمهم به.

فان أظفرك الله فاردد أهل الشام الى بلادهم لا يقيموا فى غير بلادهم فيتأدّبوا بغير آدابهم لست أخاف عليك غير عبد الله بن الزبير والحسين بن على فأما عبد الله بن عمر ، فرجل قد وقذه الورع وأما الحسين فأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه(٢)

١٩ ـ عنه عن علىّ بن عبد العزيز قال : قرأ علىّ أبو عبيد القاسم بن سلام ، وأنا أسمع ، فسألته : نروى عنك كما قرى عليك قال : نعم. قال أبو عبيد : لما مات معاوية بن أبى سفيان وجاءت وفاته الى المدينة وعليها يومئذ الوليد بن عتبة ، فأرسل الى الحسين بن على ، وعبد الله بن الزبير فدعاهما الى البيعة ليزيد ، فقالا :

__________________

(١) شرح النهج : ٢٠ / ١٣٣.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ٨٧.


بالغد ان شاء الله على رءوس الناس ، وخرجا من عنده فدعا الحسين برواحله فركبها وتوجّه نحو مكّة على المنهج الاكبر(١)

٣١ ـ باب خروجهعليه‌السلام من المدينة

١ ـ روى الصدوق فى حديث طويل : دعا عتبة الكاتب وكتب بسم الله الرحمن الرحيم الى عبد الله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبى سفيان ، أمّا بعد فان الحسين بن علىّ ، ليس يرى لك خلافة ولا بيعة ، فرأيك فى أمره والسلام ، فلمّا ورد الكتاب على يزيد لعنه الله كتب الجواب الى عتبة ، أمّا بعد ، فاذا أتاك كتابى هذا ، فعجل علىّ بجوابه ، وبيّن لى فى كتابك كلّ من فى طاعتى ، أو خرج عنها ، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن على ،عليهما‌السلام .

فبلغ ذلك الحسين فهمّ بالخروج من أرض الحجاز الى أرض العراق ، فلمّا أقبل اللّيل راح الى مسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ليودّع القبر ، فلمّا وصل الى القبر ، سطع له نور من القبر ، فعاد الى موضعه ، فلمّا كانت اللّيلة الثانية ، راح ليودّع القبر ، فقام يصلّى ، فأطال فنعس ، وهو ساجد ، فجاءه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو فى منامه فأخذ الحسينعليه‌السلام ، وضمّه الى صدره وجعل يقبل عينيه ويقول :

بأبى أنت كأنّى أراك مرمّلا بدمك ، بين عصابة من هذه الامة ، يرجون شفاعتى ما لهم عند الله من خلاق ، يا بنىّ إنّك قادم على أبيك وأمّك وأخيك ، وهم مشتاقون إليك ، وانّ لك فى الجنّة درجات لا تنالها إلّا بالشهادة ، فانتبه

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ٣٧٦.


الحسينعليه‌السلام من نومه باكيا ، فأتى أهل بيته ، فأخبرهم بالرؤيا وودّعهم ، وحمل أخواته على المحامل وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن بن علىعليهما‌السلام .

ثمّ سار فى أحد وعشرين رجلا من أصحابه وأهل بيته ، منهم أبو بكر بن على ، ومحمّد بن على ، وعثمان بن على ، والعبّاس بن على ، وعبد الله بن مسلم بن عقيل ، وعلىّ بن الحسين الأكبر ، وعلىّ بن الحسين الأصغرعليه‌السلام وسمع عبد الله بن عمر بخروجه ، فقدم راحلته وخرج خلفه مسرعا فأدركه فى بعض المنازل فقال : أين تريد يا ابن رسول الله.

قال : العراق قال : مهلا ارجع الى حرم جدّك ، فأبى الحسينعليه‌السلام عليه ، فلمّا رأى ابن عمر اباءه قال يا أبا عبد الله اكشف لى عن الموضع الذي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقبله منك ، فكشف الحسينعليه‌السلام عن سرّته ، فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى وقال : استودعك الله يا أبا عبد الله ، فانّك مقتول فى وجهك هذا(١)

٢ ـ قال المفيد : فخرجعليه‌السلام من تحت ليلته وهى ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة ومعه بنوه ، وبنوا أخيه واخوته وجلّ أهل بيته ، الّا محمّد ابن الحنفية رحمة الله عليه ، فانّه لمّا علم عزمه على الخروج ، عن المدينة لم يدر أين يتوجّه ، فقال له يا أخى أنت أحبّ النّاس الىّ واعزّهم علىّ ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق ، الّا لك وأنت أحقّ بها تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت.

ثمّ ابعث رسلك الى الناس فادعهم الى نفسك ، فان بايعك الناس وبايعوا لك ، حمدت الله على ذلك ، وان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولا تذهب به مروّتك ولا فضلك ، انّى أخاف عليك أن

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٩٢.


تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك ، وأخرى عليك ، فيقتتلون ، فتكون لأوّل الأسنّة غرضا فاذا خير هذه الامة كلّها نفسا وأبا وأمّا أضيعها دما وأذلها أهلا.

فقال له الحسينعليه‌السلام : فأين اذهب يا أخى ، قال : انزل مكّة ، فان اطمانّت بك الدار بها ، فسبيل ذلك وان بنت بك لحقت بالرمال ، وشعف الجبال ، وخرجت من بلد الى بلد حتّى تنظر الى ما يصير أمرا الناس إليه ، فانّك أصوب ما تكون رايّا ، حين تستقبل الأمر استقبالا.

فقال يا أخى ، قد نصحت واشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا ، فسار الحسينعليه‌السلام الى مكّة وهو يقرأ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ولزم الطريق الاعظم ، فقال له أهل بيته لو تنكّبت الطريق الاعظم ، كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب فقال : لا والله لا أفارقه حتّى يقضى الله ما هو قاض(١)

٣ ـ قال الطبرسى : فخرجعليه‌السلام ليله الاحد لليلتين بقيتا من رجب ، متوجّها نحو مكّة ومعه بنوه وبنو أخيه الحسن واخوته وجلّ أهل بيته الّا محمّد بن الحنفية ، فانّه لم يدر أين يتوجّه وشيعه وودّعه ، وخرج الحسينعليه‌السلام وهو يقول «فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ نجّنى من القوم الظالمين»(٢)

٤ ـ قال الفتال : فخرجعليه‌السلام من تحت ليلته ، وهى ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب ، متوجّهين نحو مكّة ، ومضى بنوه واخوته وبنو أخيه وجلّ أهل بيته الّا محمّد ابن الحنفية ، وخرج الحسين وهو يقول( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي

__________________

(١) الارشاد : ١٨٣.

(٢) اعلام الورى : ٢٢١.


مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (١)

٥ ـ قال ابن طاوس قال رواة حديث الحسينعليه‌السلام مع الوليد بن عتبة ومروان: فلمّا كان الغداة توجّه الحسينعليه‌السلام الى مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين ، فأقام بها باقى شعبان وشهر رمضان ، وشوّال وذى القعدة قال : وجاء عبد الله بن عبّاس رضوان الله عليه وعبد الله بن الزبير ، فاشارا إليه بالامساك فقال لهما : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرنى وأنا ماض فيه قال فخرج ابن عبّاس وهو يقول وا حسيناه.

ثمّ جاء عبد الله بن عمر ، فاشار إليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال فقال له : يا أبا عبد الرحمن أما علمت أنّ من هو ان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا أهدى الى بغى من بغايا بنى اسرائيل ، أما تعلم أنّ بنى إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس سبعين نبيّا ، ثمّ يجلسون فى أسواقهم يبيعون ويشترون ، كان لم يصنعوا شيئا ، فلم يعجل الله عليهم بل أمهلهم وأخذهم بعد ذلك ، أخذ عزيز ذى انتقام ، اتّق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتى(٢)

٦ ـ قال المجلسى : قال السيّد : فلمّا أصبح الحسينعليه‌السلام ، خرج من منزله يستمع الاخبار ، فلقيه مروان بن الحكم ، فقال له : يا أبا عبد الله إنّى لك ناصح ، فأطعنى ترشد ، فقال الحسينعليه‌السلام : وما ذاك؟ قل حتّى أسمع ، فقال مروان : انّى آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فانّه خير لك فى دينك ودنياك.

فقال الحسينعليه‌السلام : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وعلى الاسلام السلام ، إذ قد بليت الامّة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : الخلافة محرّمة على آل أبى سفيان ، وطال الحديث بينه وبين مروان حتّى انصرف مروان ، وهو

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٧.

(٢) اللهوف : ١١٣


غضبان ، فلمّا كان الغداة توجّه الحسينعليه‌السلام الى مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين ، فأقام بها باقى شعبان وشهر رمضان وشوّال وذا القعدة(١)

٧ ـ عنه قال المفيدرحمه‌الله : فقام الحسين فى منزله تلك اللّيلة وهى ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين من الهجرة ، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير فى البيعة ليزيد ، وامتناعه عليهم ، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّها الى مكّة ، فلمّا أصبح الوليد سرّح فى أثره الرجال فبعث راكبا من موالى بنى اميّة فى ثمانين راكبا ، فطلبوه فلم يدركوه ، فرجعوا.

فلمّا كان آخر نهار السبت ، بعث الرجال الى الحسينعليه‌السلام ، ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية ، فقال لهم الحسين : اصبحوا ثمّ ترون ونرى! فكفّوا تلك اللّيلة عنه ، ولم يلحّوا عليه ، فخرجعليه‌السلام من تحت ليلته وهى ليلة الاحد ليومين بقيا من رجب متوجّها نحو مكّة ، ومعه بنوه وبنو اخيه واخوته ، وجلّ أهل بيته الّا محمّد ابن الحنفيةرحمه‌الله فانّه لمّا علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجّه.

فقال له : يا أخى أنت أحبّ الناس الىّ وأعزّهم علىّ ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق الّا لك ، وأنت أحقّ بها تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية ، وعن الأمصار ، ما استطعت ، ثمّ ابعث رسلك الى الناس ثمّ ادعهم إلى نفسك ، فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك ، إنّى أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم.

فمنهم طائفة معك واخرى عليك ، فيقتلون فتكون اذا لأوّل الأسنّة غرضا ، فاذا خير هذه الامّة كلّها نفسا وأبّا وامّا أضيعها دما وأذلّها أهلا ، فقال له الحسين

__________________

(١) البحار : ٤٤ / ٣١٦.


عليه‌السلام : فأين أنزل يا أخى؟ قال : انزل مكّة ، فان اطمأنّت بك الدار بها فستنل ذلك ، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد الى بلد حتّى تنظر الى ما يصير أمر الناس ، فانّك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا ، فقالعليه‌السلام : يا أخى قد نصحت وأشفقت ، وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا(١)

٨ ـ عنه قال محمّد بن أبى طالب الموسوىّ : لمّا ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسينعليه‌السلام ، عظم ذلك عليه ثمّ قال : والله لا يرانى الله أقتل ابن نبيّه ولو جعل يزيد لى الدنيا بما فيها ، قال : وخرج الحسينعليه‌السلام من منزله ذات ليلة وأقبل الى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك ، وسبطك الّذي خلّفتنى فى أمّتك.

فاشهد عليهم يا نبىّ الله أنّهم قد خذلونى ، وضيّعونى ، ولم يحفظونى ، وهذه شكواى إليك حتّى ألقاك ، قال : ثمّ قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعا ساجدا. قال : وأرسل الوليد الى منزل الحسينعليه‌السلام ، لينظر أخرج من المدينة أم لا؟ فلم يصبه فى منزله ، فقال : الحمد لله الذي خرج! ولم يبتلنى بدمه ، قال : ورجع الحسين الى منزله عند الصبح ، فلمّا كانت اللّيلة الثانية ، خرج الى القبر أيضا وصلّى ركعات ، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول :

اللهمّ هذا قبر نبيّك محمّد ، وأنا ابن بنت نبيّك ، وقد حضرنى ، من الامر ما قد علمت ، اللهمّ إنّى أحبّ المعروف ، وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحقّ القبر ، ومن فيه الّا اخترت لى ما هو لك رضى ، ولرسولك رضى ، قال : ثمّ جعل يبكى عند القبر حتّى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفى ، فاذا هو برسول الله قد أقبل فى كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٢٦.


الحسين الى صدره وقبّل بين عينيه وقال :

حبيبى يا حسين كأنّى أراك ، عن قريب مرمّلا بدمائك ، مذبوحا بأرض كرب وبلاء ، من عصابة من امّتى ، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتى ، لا أنالهم الله شفاعتى يوم القيامة ، حبيبى يا حسين إنّ أباك وامّك وأخاك قدموا علىّ وهم مشتاقون إليك ، إنّ لك فى الجنان لدرجات لن تنالها الّا بالشهادة. قال : فجعل الحسينعليه‌السلام فى منامه ينظر إلى جدّه ويقول : يا جدّاه لا حاجة لى فى الرجوع الى الدنيا فخذنى إليك وأدخلنى معك فى قبرك.

فقال له رسول الله : لا بدّ لك من الرجوع إلى الدّنيا حتّى ترزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فانّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة فى زمرة واحدة ، حتّى تدخلوا الجنّة. قال : فانتبه الحسينعليه‌السلام من نومه فزعا مرعوبا فقصّ رؤياه على أهل بيته وبنى عبد المطّلب ، فلم يكن فى ذلك اليوم فى مشرق ولا مغرب قوم أشدّ غمّا من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

قال : وتهيّأ الحسينعليه‌السلام للخروج من المدينة ، ومضى فى جوف اللّيل الى قبر امّه فودّعها ، ثمّ مضى الى قبر أخيه الحسن ، ففعل كذلك ، ثمّ رجع الى منزله وقت الصبح ، فأقبل إليه أخوه محمّد بن الحنفية وقال : يا أخى أنت أحبّ الخلق الىّ ، وأعزّهم علىّ ، ولست والله أدّخر النصيحة لأحد من الخلق ، وليس أحد أحقّ بها منك لأنّك مزاج مائى ونفسى وروحى وبصرى وكبير أهل بيتى ، ومن وجب طاعته فى عنقى ، لأنّ الله قد شرّفك علىّ ، وجعلك من سادات أهل الجنّة.

تخرج الى مكّة فان اطمأنّت بك الدار بها فذاك وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن ، فانّهم أنصار جدّك وأبيك ، وهم أرأف الناس وأرقّهم قلوبا ، وأوسع الناس بلادا ، فان اطمأنّت بك الدار ، والّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال ، و


جزت من بلد إلى بلد ، حتّى تنظر ما يئول إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين ، قال : فقال الحسينعليه‌السلام : يا أخى والله لو لم يكن ملجأ ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.

فقطع محمّد ابن الحنفية الكلام وبكى ، فبكى الحسينعليه‌السلام معه ساعة ثمّ قال : يا أخى جزاك الله خيرا ، فقد نصحت وأشرت بالصواب ، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة ، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتى وبنو أخى وشيعتى ، وأمرهم أمرى ورأيهم رأيى ، وأمّا أنت يا أخى فلا عليك أن تقيم بالمدينة ، فتكون لى عينا لا تخفى عنّى شيئا من امورهم. ثمّ دعا الحسينعليه‌السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد :

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علىّ بن أبى طالب الى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفية ، أنّ الحسين يشهد أن لا إله الّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، جاء بالحقّ من عند الحقّ ، وأنّ الجنّة والنار حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من فى القبور ، وأنّى لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنمّا خرجت لطلب الاصلاح فى أمّة جدّىصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّى وأبى علىّ بن أبى طالبعليهما‌السلام فمن قبلنى بقبول الحقّ ، فالله أولى بالحقّ ، ومن ردّ علىّ هذا أصبر حتّى يقضى الله بينى وبين القوم بالحقّ ، وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيّتى يا أخى إليك وما توفيقى الّا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب ، قال : ثمّ طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ، ودفعه الى أخيه محمّد ثمّ ودّعه وخرج فى جوف اللّيل(١) .

٩ ـ عنه قال محمّد بن أبى طالب : روى محمّد بن يعقوب الكلينى فى كتاب

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٢٧.


الرسائل عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن أيّوب بن نوح ، عن صفوان ، عن مروان بن إسماعيل ، عن حمزة بن حمران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال : ذكرنا خروج الحسينعليه‌السلام وتخلّف ابن الحنفيّة ، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : يا حمزة انّى سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا ، إنّ الحسين لمّا فصل متوجّها ، دعا بقرطاس وكتب فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علىّ بن أبى طالب الى بنى هاشم. أمّا بعد فانّه من لحق بى منكم استشهد ، ومن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام(١) .

١٠ ـ عنه قال : قال شيخنا المفيد باسناده إلى أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : لمّا سار أبو عبد الله من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة فى أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة ، فسلّموا عليه ، وقالوا : يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه ، إنّ الله سبحانه أمدّ جدّك بنا فى مواطن كثيرة ، وإنّ الله أمدّك بنا ، فقال لهم : الموعد حفرتى وبقعتى الّتي أستشهد فيها وهى كربلا ، فاذا وردتها فأتونى ، فقالوا يا حجّة الله مرنا نسمع ونطيع ، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك؟

فقال : لا سبيل لهم علىّ ولا يلقونى بكريهة أو أصل الى بقعتى ، وأتته أفواج مسلمى الجنّ فقالوا : يا سيّدنا ، نحن شيعتك وأنصارك ، فمرنا بأمرك وما تشاء فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك ، فجزاهم الحسين خيرا وقال لهم : أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّى رسول الله( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) .

وقال سبحانه :( لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ) وإذا أقمت بمكانى فيما ذا يبتلى هذا الخلق المنكوس؟ وبما ذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٣٠.


حفرتى بكربلاء؟ وقد اختارها الله يوم دحا الارض ، وجعلها معقلا لشيعتنا ، ويكون لهم أمانا فى الدنيا والآخرة ولكن تحضرون يوم السبت ، وهو يوم عاشورا الّذي فى آخره اقتل ، ولا يبقى بعدى مطلوب من أهلى ونسبى واخوتى وأهل بيتى ، ويسار برأسى الى يزيد لعنه الله.

فقالت الجنّ نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه ، لو لا أنّ أمرك طاعة وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك ، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك ، فقال صلوات الله عليه لهم : نحن والله أقدر عليهم منكم ، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من جيّ عن بيّنة ، انتهى ما نقلناه من كتاب محمّد بن أبى طالب(١) .

١١ ـ عنه وجدت فى بعض الكتب أنّهعليه‌السلام لمّا عزم على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمة رضى الله عنها ، فقالت : يا بنىّ لا تحزنّى بخروجك الى العراق ، فانّى سمعت جدّك يقول : يقتل ولدى الحسين بأرض العراق فى أرض يقال لها كربلا ، فقال لها : يا امّاه وأنا والله أعلم ذلك ، وانّى مقتول لا محالة ، وليس لى من هذا بدّ وانّى والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه ، وأعرف من يقتلنى ، وأعرف البقعة الّتي ادفن فيها وانّى أعرف من يقتل من أهل بيتى وقرابتى وشيعتى ، وإن أردت يا امّاه اريك حفرتى ومضجعى.

ثمّ أشارعليه‌السلام الى جهة كربلا فانخفضت الارض حتّى أراها مضجعه ومدفنه ، وموضع عسكره ، وموقفه ومشهده ، فعند ذلك بكت أمّ سلمة بكاء شديدا ، وسلّمت أمره الى الله ، فقال لها : يا أمّاه قد شاء اللهعزوجل أن يرانى مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا ، وقد شاء أن يرى حرمى ورهطى ونسائى مشرّدين ، وأطفالى مذبوحين ، مظلومين ، مأسورين مقيّدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٣٠.


معينا(١) .

١٢ ـ عنه فى رواية اخرى : قالت أمّ سلمة : وعندى تربة دفعها الىّ جدّك فى قارورة ، فقال : والله انّى مقتول كذلك وإن لم أخرج الى العراق يقتلونى أيضا ، ثمّ أخذ تربة فجعلها فى قارورة ، واعطاها إيّاها ، وقال : اجعلها مع قارورة جدّى فاذا فاضتا دما فاعلمى أنّى قد قتلت(٢) .

١٣ ـ قال الطبرى : فلمّا سار الحسين نحو مكّة ، قال :( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) فلمّا دخل مكّة قال :( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) (٣)

. ١٤ ـ عنه عن الواقدى أن ابن عمر ، لم يكن بالمدينة حين ورد نعى معاوية وبيعة يزيد على الوليد ، وأنّ ابن الزبير والحسين لما دعيا الى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما الى مكّة ، فلقيهما ابن عبّاس وابن عمر جائيين من مكّة ، فسألاهما ، ما وراء كما؟ قالا : موت معاوية والبيعة ليزيد ، فقال لهما ابن عمر : اتقيا الله ولا تفرّقا جماعة المسلمين ، وأمّا ابن عمر فقدم فأقام أيّاما ، فانتظر حتّى جاءت البيعة من البلدان ، فتقدّم الى الوليد بن عتبة فبايعه ، وبايعه ابن عبّاس(٤) .

١٥ ـ قال الدينورى : فلمّا أمسوا ، وأظلم الليل مضى الحسينعليه‌السلام أيضا نحو مكّة ، ومعه اختاه : أمّ كلثوم ، وزينب وولد أخيه ، واخوته أبو بكر ، وجعفر ، والعبّاس ، وعامّة من كان بالمدينة من أهل بيته الا أخاه محمّد بن الحنفية ، فانّه أقام ، وأمّا عبد الله بن عبّاس فقد كان خرج قبل ذلك بأيّام الى مكّة ، وجعل الحسينعليه‌السلام يطوى المنازل ، فاستقبله عبد الله بن مطيع ، وهو منصرف من

__________________

(١) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٣١.

(٢) بحار الانوار : ٤٤ / ٣٣٢.

(٣) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٤٣.

(٤) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٤٣.


مكّة يريد المدينة.

فقال له : أين تريد؟ قال الحسين : أمّا الآن فمكّة قال : فخار الله لك ، غير انّى أحبّ أن أشير عليك برأى قال الحسين : وما هو؟ قال : إذا أتيت مكّة فأردت الخروج منها الى بلد من البلدان ، فايّاك والكوفة ، فإنّها بلدة مشئومة ، بها قتل أبوك ، وبها خذل أخوك ، واغتيل بطعنة(١) .

١٦ ـ الحافظ ابن عساكر : قال أحمد بن سليمان ، وأنبأنا الزبير ، حدّثنى محمّد ابن فضالة ، عن أبى مخنف قال : حدّثنى عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن أبى سعيد المقبرى قال : والله لرأيت الحسين وإنّه ليمشى بين رجلين يعتمد على هذا مرّة وعلى هذا مرّة وعلى هذا أخرى ، حتّى دخل مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول :

لا ذعرت السوام فى غبش الصبح

مغيرا ولا دعيت يزيدا

يوم أعطى مخافة الموت ضيما

والمنايا ترصدننى أن أحيدا

قال : فعلمت عند ذلك أنّه لا يلبث الّا قليلا حتّى يخرج ، فلمّا لبث أن خرج حتّى لحق بمكّة(٢) .

٣٢ ـ باب ما جرى لهعليه‌السلام بمكّة المكرّمة

١ ـ قال الشيخ المفيد : لمّا دخل الحسينعليه‌السلام مكّة كان دخوله إيّاها ليلة الجمعة لثلث مضين من شعبان دخلها وهو يقرأ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) ثمّ نزلها ، فأقبل أهلها يختلفون إليه ، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة ، وهو قائم يصلّى

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٢٨.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٩٥.


عندها ، ويطوف ويأتى الحسينعليه‌السلام فيمن يأتيه ، فيأتيه اليومين المتواليين ، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة ، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ، ما دام الحسينعليه‌السلام فى البلد وانّ الحسينعليه‌السلام أطوع فى الناس منه وأجلّ.

بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية عليه الهاوية ، فأرجفوا بيزيد وعرفوا خبر الحسينعليه‌السلام ، وامتناعه من بيعته ، وما كان من أمر ابن الزبير فى ذلك وخروجهما الى مكّة ، فاجتمعت الشيعة بالكوفة فى منزل سليمان بن صراد الخزاعى فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا عليه فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وأنّ حسينا قد تقبض على القوم ببيعته ، وقد خرج الى مكّة.

أنتم شيعته وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون انّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه ، ونقتل أنفسنا دونه ، فاكتبوا إليه واعلموا وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل فى نفسه قالوا : لا بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه قال فاكتبوا إليه فكتبوا إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علىعليهما‌السلام من سليمان بن صرد والمسيب ابن نجبة ، ورفاعة بن شداد وابن البجلى وحبيب بن مظاهر ، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام عليك ، فانا نحمد إليك الله الّذي لا إله الّا هو.

أمّا بعد : فالحمد لله الّذي قصم عدوك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذا الامّة فابتزّها أمرها وغصبها فيها ، وتأمر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها ، وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود انّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والنعمان بن بشير فى قصر الامارة لسنا نجتمع معه فى جمعة ولا نخرج معه الى عيد لو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام ان شاء الله تعالى.

ثمّ سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمدانيّ وعبد الله بن وال


وأمروهما بالنجاء فخرجا مسرعين حتّى قدما على الحسينعليه‌السلام بمكّة لعشر مضين من شهر رمضان ، ولبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب وانفذ وقيس بن مسهر الصيداوى وعبد الله وعبد الرحمن بن شدّاد الأرحبى ، وعمارة بن عبد الله السلولى الى الحسينعليه‌السلام ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والاربعة ، ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرّحوا إليه هانى بن هانى السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفى وكتبوا إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علىعليهما‌السلام وشيعته من المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد فحىّ هلا ، فانّ الناس ينتظرونك لا راى لهم غيرك فالعجل العجل ثمّ العجل العجل والسلام.

ثمّ كتب شبث بن ربعى وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحرث بن رويم ، وعروة بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيدى ، ومحمّد بن عمرو التيمى ، أمّا بعد فقد اخضرّ الجنات واينعت الثمار ، فاذا شئت فاقبل على جند لك مجند والسلام وتلاقت الرسل كلّها عنده فقرأ الكتاب وسئل الرسل عن الناس ، ثمّ كتب مع هانى ابن هانى وسعيد بن عبد الله وكانا آخر الرسل.

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن على الى الملأ من المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد فان هانيا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم وقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم أنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلّ الله ان يجمعنا بك على الحقّ والهدى ، وانّى باعث إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل.

فان كتب إلىّ أنّه قد اجتمع رأى ملأكم وذوى الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت رسلكم وقرأت فى كتبكم فانّى أقدم إليكم وشيكا ان شاء الله


فلعمرى ما الإمام الّا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحقّ الحابس نفسه على ذات الله والسلام(١) .

٢ ـ قال الطبرسى : فلمّا دخل مكّة ، دخلها لثلاث مضين من شعبان ، وهو يقول:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) فأقبل أهل مكّة يختلفون إليه ويأتيه ابن الزبير فيمن يأتيه ، بين كلّ يومين مرة ، وهو اثقل خلق الله على ابن الزبير ، وقد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسينعليه‌السلام بالبلد ، وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية وعرفوا خبر الحسين ، فاجتمعت الشيعة فى منزل سليمان بن صرد الخزاعى.

قالوا : انّ معاوية قد هلك ، وأنّ الحسين خرج إلى مكّة وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون انّكم ناصروه ومجاهد وعدوّه ، فاكتبوا إليه فكتبوا إليه كتبا كثيرة وأنفذوا إليه الرسل ارسالا ذكروا فيها أنّ الناس ينتظرونك لا داعى لهم غيرك ، فالعجل العجل ، فكتب إليه أمراء القبائل : أمّا بعد فقد اخضرت بالجنّات واينعت الثمار ، فاذا شئت فاقدم على جند لك مجندة.

فلمّا قرء الكتاب وسأل الرسل كتب إليهم : من الحسين بن على الى الملأ من المؤمنين ، أمّا بعد فان فلانا وفلانا قدما علىّ بكتبكم ، وفهمت مقالة جلّكم ، إنّه ليس علينا امام فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحقّ وانّى باعث إليكم أخى وابن عمّى ، وثقتى من أهلى ، فان كتب الىّ انّه قد اجتمع رأى ملائكم وذو والحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت على به رسلكم وقرأته فى كتبكم أقدم عليكم وشيكا ان شا ، الله تعالى(٢)

__________________

(١) الارشاد : ١٨٤.

(٢) اعلام الورى : ٢٢١.


٣ ـ قال ابن شهرآشوب : خرج الحسين وابن الزبير الى مكّة ، ولم يتشدّد على ابنى العمرين(١) فكان الحسين يصلّى يوما إذ وسن فرأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فى منامه يخبره بما يجرى عليه ، فقال الحسين لا حاجة لى فى الرجوع الى الدنيا ، فخذنى إليك فيقول : لا بدّ من الرجوع حتّى تذوق الشهادة ، وكان محمّد بن الحنفية وعبد الله بن مطيع نهياه عن الكوفة وقالا : انّها بلدة مشئومة ، قتل فيها أبوك وخذل فيها أخوك فالزم الحرم ، فانّك سيّد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز ، نتداعى إليك الناس من كلّ جانب.

ثمّ قال محمّد بن الحنفية وان ثبت بك لحقت بالرمّال وشعب الجبال وتنقلت من بلد الى بلد حتّى تفرق لك الرأى فتستقبل الامور استقبالا ولا تستدبرها استدبارا ، وقال ابن عبّاس : لا تخرج الى العراق وكن باليمن لحصانتها ورجالها.

فقال : انى لم أخرج بطرا ولا أشرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنمّا خرجت أطلب الصلاح فى امة جدّى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أريد آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر أسير بسيرة جدّى وسيرة أبى علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام فمن قبلنى بقبول الحق ، فالله أولى بالحقّ وهو أحكم الحاكمين(٢) .

٤ ـ عنه قال : ثمّ إنّ أهل الكوفة اجتمعوا فى دار سليمان بن صرد الخزاعى ، فكاتبوا الحسينعليه‌السلام : من سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شدّاد ، وحبيب بن مظاهر ، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام عليك ، أمّا بعد : فالحمد لله الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ، الّذي انتزى على هذه الامّة فابتزّها أمرها وغصبها فيها وتأمّر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) المناقب : ٢ / ٢٠٨.


شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها فبعد إله كما بعدت ثمود.

انّه ليس علينا إمام ، فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا على الحقّ بك ، والنّعمان بن بشير ، فى قصر الامارة لسنا نجمع معه فى الجمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام ، ان شاء الله ، ثمّ سرحوا الكتاب مع عبيد الله بن مسلم الهمدانيّ ، وعبد الله بن مسمع البكرى ، حتّى قدما على الحسينعليه‌السلام لعشر مضين من شهر رمضان.

ثمّ بعد يومين انفذوا قيس بن مسهّر الصيداوى وعبد الرحمن بن عبد الله الارحبى وعمارة بن عبد الله السلولى ، وعبد الله بن وال السهمى الى الحسينعليه‌السلام ، ومعهم نحو من مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين ، ثمّ سرّحوا بعد يومين هانى بن هانى السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفى ، بكتاب فيه : للحسين بن على من شيعته المؤمنين ، أمّا بعد فحىّ هل ، فانّ الناس ينتظرونك لا رأى لهم غيرك فالعجل العجل يا ابن رسول الله.

كتب شبث بن ربعى ، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ، وعمرو بن الحجاج ، ومحمّد بن عمير ، وعروة بن قيس ، أمّا بعد فقد أخصبت الجنات واينعت الثمار ، فاذا شئت فاقدم على جند مجنّدة ، فاجتمعت الرسل كلّهم عنده فقرأ الكتب وسأل الرّسل عن أمر الناس(١) .

٥ ـ قال الفتال : فخرجعليه‌السلام من تحت ليلته وهى ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهين نحو مكّة ومضى بنوه واخوته وبنو أخيه ، وجلّ أهل بيته ، إلّا محمّد بن الحنفيّة وخرج الحسين وهو يقول :( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِ

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢٠٨.


نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .

فلمّا دخل مكّة وهو يقرأ( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) ثمّ نزل فأقبل أهلها يختلفون إليه ، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق ، فبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد ، وعرفوا خبر الحسينعليه‌السلام وامتناعه من بيعته ، فاجتمعت الشيعة فى الكوفة فى منزل سليمان بن صرد ، فذكروا هلاك معاوية ، فحمدوا الله عليه.

فقال سليمان بن صرد انّ معاوية قد هلك وانّ حسينا قد تغيّض على القوم ببيعته وقد خرج الى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعته أبيه ، فان كنتم تعلمون انّكم ناضروه ومجاهدو عدوّه ، ونقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه فكتبوا إليه.

بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علىعليهما‌السلام ، من سليمان بن صرد ، والمسيّب بن نجبة ، ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مظاهر ، وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة سلام الله عليك ، فانّا نحمد الله إليك الذي لا إله الّا هو ، أمّا بعد الحمد لله الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي ابتزّ على هذه الامّة ، فابتزّها أمرها وغصبها فتأمّر عليها بغير رضا منها ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها واغنيائها فبعد الهم كما بعدت ثمود.

انّه ليس علينا امام ، فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والنعمان بن بشير فى قصر الأمارة لسنا نجمع معه فى جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انّك أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام ، ان شاء الله ثمّ سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمدانيّ ، وعبد الله بن وال ، وأمروهما بالنّجا فخرجا مسرعين حتّى قدما على الحسينعليه‌السلام بمكّة لعشر مضين من رمضان.

ثمّ لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب ، أنفذوا قيس بن مسهر


الصيداوى وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبى وعمارة بن عبد الله السلوى ، الى الحسين ومعهم نحو من مائة وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة ، ثمّ لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هانى بن هانى السبيعى ، وسعد بن عبد الله الحنفى وكتبوا :

بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن على من شيعته المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد ، فحىّ هلا ، فانّ الناس ينتظرونك لا رأى لهم غيرك ، فالعجل العجل ، وكتب شبث بن ربعى وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن حجّاج الزبيدى ومحمّد بن عمرو التميمى ، أمّا بعد فقد اخصبت الجنات واينعت الثمار ، فاذا شئت فاقدم على جند لك مجنّدة والسلام.

تلاقت الرسل عنده فقرأ الكتاب وسئل الرسل عن الناس ثمّ كتب هانى بن هانى وسعيد بن عبد الله وكانا آخر الرسل وكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن على الى الملاء من المسلمين والمؤمنين ، أمّا بعد فانّ هانيا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم وقد فهمت كلّ الّذي اقصصتم ، وذكرتم ومقالة أجلائكم ، انّه ليس علينا ، امام فاقبل لعلّ لله يجمعنا بك على الهدى وأنا باعث إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى فان كتب الىّ انّه قد اجمع رأى أجلّائكم ، وذوى الحجى والفضل منكم ، على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت كتبكم ، قدّمت عليكم ، وشيكا إن شاء الله ، فلعمرى ما الامام الّا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط ، والدّاين بدين الله الحاسب نفسه على ذات الله والسلام(١)

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٧.


٦ ـ قال اليعقوبى : فلمّا قدم يزيد بن معاويه دمشق كتب الى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ، وهو عامل المدينة اذا أتاك كتابى هذا فأحضر الحسين بن علىّ وعبد الله بن الزبير ، فخذهما بالبيعة ، فان امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث الىّ برءوسهما ، وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير والسلام ، فورد الكتاب على الوليد ليلا فوجه الى الحسينعليه‌السلام ، والى عبد الله ابن الزبير فأخبرهما الخبر ، فقالا : نصبح ونأتيك مع الناس.

فقال له مروان انّهما والله إن خرجا لم ترهما فخذهما بأن يبايعا والا فاضرب أعناقهما ، فقال : والله ما كنت لأقطع أرحامهما ، فخرجا من عنده ، وتنحيا من تحت ليلتهما ، فخرج الحسينعليه‌السلام الى مكّة فاقام بها أياما وكتب أهل العراق إليه ووجّهوا بالرسل على اثر الرسل ، فكان آخر كتاب ورد عليه منهم كتاب هانى بن هانى وسعيد بن عبد الله الحنفى : بسم الله الرحمن الرحيم : للحسين بن على من شيعته المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد فحىّ هلا فانّ الناس ينتظرونك لا امام لهم غيرك فالعجل ثمّ العجل والسلام(١) .

٧ ـ قال الطبرى : حدّثت عن هشام بن محمّد ، قال : حدّثنى عبد الرحمن بن جندب ، قال : حدّثنى عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبيّة امرأة حسين ـ وكانت مع سكينة ابنة حسين ، وهو مولى لأبيها ، وهى إذ ذاك صغيرة قال : خرجنا فلزمنا الطريق الأعظم ، فقال للحسين أهل بيته : لو تنكّبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير لا يلحقك الطلب ، قال : لا ، والله لا أفارقه حتّى يقضى الله ما هو أحبّ إليه ، قال : فاستقبلنا عبد الله بن مطيع.

__________________

(١) تاريخ اليعقوبى : ٢ / ٢٢٩.


فقال للحسين : جعلت فداك! أين تريد؟ قال : أما الآن فانّى أريد مكة ، وأما بعدها فانّى أستخير الله ، قال : خار الله لك ، وجعلنا فداك ، فإذا أنت أتيت مكّة فإيّاك أن تقرب الكوفة ، فانّها بلدة مشئومة ، بها قتل أبوك ، وخذل أخوك ، واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه. الزم الحرم فانّك سيّد العرب ، لا يعدل بك والله أهل الحجاز أحدا ، ويتداعى إليك الناس من كلّ جانب ؛ لا تفارق الحرم فداك عمّى وخالى ؛ فو الله ، لئن هلكت لنسترقنّ بعدك.

فأقبل نزل حتّى مكّة ، فأقبل أهلها يختلفون إليه ويأتونه ، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة فهو قائم يصلّى عندها عامة النهار ويطوف ، ويأتى حسينا فيمن يأتيه ، فيأتيه اليومين المتواليين ، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة ، ولا يزال يشير عليه بالرأى وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير ، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه ، أبدا ما دام حسين بالبلد ، وأنّ حسينا أعظم فى أعينهم وأنفسهم منه ، وأطوع فى الناس منه(١) .

٨ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى الحجّاج بن على ، عن محمّد بن بشر الهمدانيّ ، قال : اجتمعت الشيعة فى منزل سليمان بن صرد ، فذكرنا هلاك معاوية ، فحمدنا الله عليه ، فقال لنا سليمان بن صرد : إنّ معاوية قد هلك ، وإنّ حسينا قد تقبض على القوم ببيعته ، وقد خرج الى مكّة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه ، قالوا : لا ، بل نقاتل عدوّه ونقتل أنفسنا دونه ؛ قال : فاكتبوا إليه.

فكتبوا إليه : بسم الله الرّحمن الرّحيم لحسين بن علىّ من سليمان بن صرد ، والمسيّب بن نجبة ، ورفاعة بن شدّاد ، وحبيب بن مظاهر ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلام عليك ، فانا نحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو ، أمّا بعد ، فالحمد لله الّذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الّذي انتزى على هذه الامّة فابتزّها

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥١.


أمرها ، وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضا رضا منها.

ثمّ قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها ، فبعدا له كما بعدت ثمود ، إنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ ، والنعمان بن بشير فى قصر الإمارة لسنا نجتمع معه فى جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله ، والسلام ورحمة الله عليك.

قال : ثمّ سرّحنا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمدانيّ وعبد الله بن وال ، وأمرناهما بالنجاء ، فخرج الرجلان مسرعين حتّى قدما على حسين لعشر مضين من شهر رمضان بمكّة ، ثمّ لبثنا يومين ، ثمّ سرّحنا إليه قيس ابن مسهر الصيداوى وعبد الرّحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبى ، وعمارة بن عبيد السلولىّ فحملوا معهم نحوا من ثلاثة وخمسين صحيفة ؛ من الرجل والاثنين والأربعة. قال : ثمّ لبثنا يومين آخرين ، ثمّ سرّحنا إليه هانئ بن هانئ السبيعى وسعيد بن عبد الله الحنفى ، وكتبنا معهما :

بسم الله الرّحمن الرّحيم. لحسين بن على من شيعته من المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد ، فحىّ هلا ، فانّ النّاس ينتظرونك ، ولا رأى لهم فى غيرك ، فالعجل العجل ، والسلام عليك ، وكتب شبث بن ربعى ، وحجّار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رويم ، وعزرة بن قيس ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدى ومحمّد بن عمير التميمى.

أمّا بعد ، فقد اخضرت الجنات ، وأينعت الثمار ، وطمت الجمام ، فاذا شئت فاقدم على جند لك مجنّد والسلام عليك ، وتلاقت الرسل كلّها عنده فقرأ الكتب : وسأل الرسل عن أمر الناس ، ثمّ كتب مع هانى بن هانى السبيعىّ وسعيد بن عبد الله الحنفى ، وكانا آخر الرسل :


بسم الله الرحمن الرحيم ، من حسين بن على الى الملأ من المؤمنين والمسلمين ؛ أمّا بعد ، فان هانئا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم ، وقد فهمت كلّ الّذي اقصصتم وذكرتم ، ومقالة جلّكم : إنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ.

قد بعثت إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى ، وأمرته أن يكتب إلىّ بحالكم وأمركم ورأيكم ، فان كتب إلىّ أنّه قد أجمع رأى ملئكم وذوى الفضل والحجى منكم ، على مثل ما قدّمت علىّ به رسلكم ، وقرأت فى كتبكم ، أقدّم عليكم وشيكا إن شاء الله ، فلعمرى ما الإمام إلّا العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط ، والدائن بالحقّ ، والحابس نفسه على ذات الله. والسلام(١) .

٩ ـ عنه قال أبو مخنف : وذكر أبو المخارق الراسبىّ ، قال : اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة فى منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد ـ أو منقذ ـ أيّاما ، وكانت تتشيّع ، وكان منزلها لهم مألفا يتحدّثون فيه ، وقد بلغ ابن زياد اقبال الحسين ، فكتب الى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ بالطريق ، قال : فأجمع يزيد بن نبيط الخروج ـ وهو من عبد القيس ـ الى الحسين ، وكان له بنون عشرة.

فقال : أيّكم يخرج معى؟ فانتدب معه ابنان له : عبد إله وعبيد الله ، فقال لأصحابه فى بيت تلك المرأة : إنّى قد أزمعت على الخروج ، وأنا خارج ، فقالوا له : إنّا نخاف عليك أصحاب ابن زياد ؛ فقال : إنّى والله لو قد استوت أخفافهما بالجدر لهان علىّ طلب من طلبنى. قال : ثمّ خرج فتقوّى فى الطريق حتّى انتهى إلى الحسينعليه‌السلام فدخل فى رحله بالأبطح.

بلغ الحسين مجيئه ، فجعل يطلبه ، وجاء الرجل إلى رحل الحسين ، فقيل له : قد

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٢.


خرج إلى منزلك ، فأقبل فى أثره ، ولما لم يجده الحسين جلس فى رحله ينتظره ، وجاء البصرى فوجده فى رحله جالسا فقال :( بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) قال : فسلّم عليه ، وجلس إليه ، فخبّره بالّذى جاء له ، فدعا له بخير ، ثمّ أقبل معه حتى أتى فقاتل معه ، فقتل معه هو ابناه(١) .

١٠ ـ قال الدينورى : فكتب الحسين إليهم جميعا كتابا واحدا ، ودفعه الى هانى بن هانى ، وسعيد بن عبد الله ، نسخته :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن على الى من بلغه كتابى هذا ، من أوليائه وشيعته بالكوفة ، سلام عليكم ، أمّا بعد ، فقد أتتنى كتبكم ، وفهمت ما ذكرتم من محبّتكم لقدومى عليكم ، وإنّى باعث إليكم بأخى وابن عمّى وثقتى من أهلى مسلم بن عقيل ليعلم لى كنه أمركم ، ويكتب الىّ بما تبيّن له من اجتماعكم ، فان كان أمركم على ما أتتنى به كتبكم ، وأخبرتنى به رسلكم أسرعت القدوم عليكم إن شاء الله ، والسلام(٢) .

١١ ـ قال الدينورى : قد كان الحسين بن علىّعليهما‌السلام كتب كتابا إلى شيعته من أهل البصرة مع مولى له يسمّى «سلمان» نسخته :

بسم الله الرّحمن الرّحيم ، من الحسين بن علىّ إلى مالك بن مسمع ، والأحنف ابن قيس ، والمنذر بن الجارود ، ومسعود بن عمرو ، وقيس بن الهيثم ، سلام عليكم : أما بعد ، فانّى أدعوكم الى إحياء ، معالم الحق وإماتة البدع ، فان تجيبوا تهتدوا سبيل الرشاد ، والسلام.

فلمّا أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعا الا المنذر بن الجارود ، فانّه أفشاه ، لتزويجه ابنته هند من عبيد الله بن زياد ، فأقبل حتّى دخل عليه ، فأخبره بالكتاب ،

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٣.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٣٠.


وحكى له ما فيه ، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول ، فطلبوه فأتوه به ، فضربت عنقه ، ثمّ أقبل حتّى دخل المسجد الأعظم ، فاجتمع له الناس ، فقام ، فقال : «أنصف القارة من راماها» يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولّانى مع البصرة الكوفة ، وأنا سائر إليها.

قد خلّفت عليكم أخى عثمان بن زياد ، فايّاكم والخلاف والارجاف ، فو الله الّذي لا إله غيره ، لئن بلغنى عن رجل منكم خالف أو أرجف لأقتلنّه ووليّه ، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى ، والبريء بالسقيم ، حتّى تستقيموا ، وقد أعذر من أنذر ثمّ نزل ، وسار وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور ، والمنذر بن الجارود ، فسار حتّى وافى الكوفة ، فدخلها ، وهو متلثّم(١) .

١٢ ـ قال أبو الفرج الاصفهانى : حدّثنى أحمد بن عيسى بن أبى موسى العجلى ، قال : حدّثنا حسين بن نصر بن مزاحم ، قال : حدّثنا أبى ، قال : حدّثنا عمر ابن سعد ، عن أبى مخنف لوط بن يحيى الازدى ، وحدّثنى أيضا أحمد بن محمّد بن شبيب المعروف بأبى بكر بن شيبة قال : حدّثنا أحمد بن الحارث الخزاز قال : حدّثنا على بن محمّد المدائنى ، عن أبى مخنف ، عن عوانة وابن جعدبة وغيرهم.

حدّثنى أحمد بن الجعد قال : حدّثنا على بن موسى الطوسى ، قال : حدّثنا أحمد ابن جناب قال : حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسرى ، قال : حدّثنا عمّار الدهنى ، عن أبى جعفر محمّد بن على كلّ واحد ممن ذكرت يأتى بالشىء يوافق فيه صاحبه أو يخالفه ويزيد عليه شيئا ، أو ينقص منه ، وقد ثبت ذلك برواياتهم منسوبا إليهم ، قال المدائنى عن هارون بن عيسى ، عن يونس بن أبى اسحاق.

قال : لما بلغ أهل الكوفة نزول الحسينعليه‌السلام مكّة وأنه لم يبايع ليزيد وفد إليه

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٣١.


وفد منهم عليهم أبو عبد الله الجدلى ، وكتب إليه شبث بن ربعى ، وسليمان بن صرد ، والمسيّب بن نجبة ووجوه أهل الكوفة يدعونه إلى بيعته وخلع يزيد فقال لهم : ابعث معكم اخى وابن عمى فاذا اخذ لى بيعتى وأتانى عنهم بمثل ما كتبوا به الىّ قدمت عليهم(١) .

١٣ ـ عنه قالوا : وكان مسلم قد كتب الى الحسينعليه‌السلام بأخذ البيعة له واجتماع الناس عليه وانتظارهم إيّاه ، فأزمع الشخوص الى الكوفة ولقيه عبد الله بن الزبير فى تلك الأيّام ولم يكن شيء أثقل عليه من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحبّ إليه من خروجه الى العراق طمعا فى الوثوب بالحجاز وعلما بأنّ ذلك لا يتمّ له إلا بعد خروج الحسينعليه‌السلام .

فقال له : على أىّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟ فأخبره برأيه فى إتيان الكوفة وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه فقال له ابن الزبير : فما يحبسك فو الله لو كان لى مثل شيعتك بالعراق ما تلومت فى شيء وقوى عزمه ثمّ انصرف. وجاء به عبد الله بن عباس ، وقد اجمع رأيه على الخروج وحققه فجعل يناشده فى المقام ويعظم عليه القول فى ذمّ أهل الكوفة وقال له : إنّك تأتى قوما قتلوا أباك وطعنوا أخاك وما أراهم إلا خاذليك.

فقال له : هذه كتبهم معى ، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم ، فقال له ابن عبّاس : اما إذا كنت لا بدّ فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك ولا حرمك ولا نسائك فخليق ان تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان ، فأبى ذلك ولم يقبله قال : فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من اخبيتهنّ جزعا لقتل من يقتل معه وما يرينه به ، ويقول : لله در ابن عبّاس فيما أشار علىّ به.

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٢.


قال : فلمّا أبى الحسين قبول رأى ابن عبّاس قال له. والله لو أعلم إنّى إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك وادخلت يدى فى شعرك حتّى يجتمع الناس علىّ وعليك كان ذلك نافعى لفعلته ، ولكن أعلم أنّ الله بالغ أمره ، ثمّ أرسل عينيه فبكى وودّع الحسين وانصرف ، ومضى الحسين لوجهه ولقى ابن عبّاس بعد خروجه عبد الله ابن الزبير فقال له :

يا لك من قبرة بمعمر

خلالك الجوّ فبيضى واصفرى

ونقرى ما شئت أن تنقرى

هذا الحسين خارجا فاستبشرى

فقال : قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز(١) .

١٤ ـ روى ابن عبد ربه ، عن علىّ بن عبد العزيز قال : قرأ على أبو عبيد القاسم بن سلّام ، وأنا أسمع ، فسألته : نروى عنك كما قرى ، عليك؟ قال : نعم ، قال أبو عبيد: لما مات معاوية بن أبى سفيان وجاءت وفاته الى المدينة ، وعليها يومئذ الوليد بن عتبة ، فأرسل إلى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير ، فدعاهما الى البيعة ليزيد ، فقالا : بالغد إن شاء الله على رءوس الناس ، وخرجا من عنده فدعا الحسين برواحله ، فركبها وتوجّه نحو مكّة على المنهج الأكبر ، وركب ابن الزبير برذونا له وأخذ طريق العرج حتّى قدم مكّة.

ومرّ حسين حتّى أتى على عبد الله بن مطيع ، وهو على بئر له ، فنزل عليه ، فقال للحسين : يا أبا عبد الله ، لا سقانا الله بعدك ماء طيبا ، أين؟ قال : العراق ، قال : سبحان الله! لم؟ قال : مات معاوية وجاءنى أكثر من حمل صحف ، قال : لا تفعل أبا عبد الله ، فو الله ما حفظوا أباك وكان خيرا منك ، فكيف يحفظونك ، وو الله لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك الّا استحلّت ، فخرج حسين حتى قدم مكّة ، فأقام بها هو

__________________

(١) مقاتل الطالبيّين : ٧٢.


وابن الزبير.

قال : فقدم عمرو بن سعيد فى رمضان أميرا على المدينة والموسم ، وعزل الوليد بن عتبة ، فلمّا استوى على المنبر رعف. فقال أعرابىّ : مه! جاءنا والله بالدم! قال : فتلقّاه رجل بعمامته. فقال : مه! عمّ الناس والله! ثمّ قام فخطب ، فناولوه عصا لها شعبتان. فقال : تشعّب الناس والله! ثمّ خرج الى مكّة ، فقدمها قبل يوم التروية بيوم ، ووفدت الناس للحسين يقولون : يا أبا عبد الله ، لو تقدّمت فصلّيت بالناس فأنزلتهم بدارك؟.

إذ جاء المؤذّن فأقام الصلاة ، فتقدّم عمرو بن سعيد فكبّر ، فقيل للحسين : اخرج أبا عبد الله إذ أبيت أن تتقدّم. فقال : الصلاة فى الجماعة أفضل. قال : فصلّى ، ثمّ خرج. فلمّا انصرف عمرو بن سعيد بلغه أن حسينا قد خرج ، فقال : اطلبوه ، اركبوا كلّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه. قال : فعجب الناس من قوله هذا فطلبوه ، فلم يدركوه ، وأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمّدا ليردّا حسينا فأبى حسين أن يرجع. وخرج ابنا عبد الله بن جعفر معه. ورجع عمرو بن سعيد إلى المدينة(١) .

١٥ ـ قال المسعودى : فلمّا همّ الحسين بالخروج الى العراق ، أتاه ابن العبّاس ، فقال له : يا ابن عمّ ، قد بلغنى أنّك تريد العراق ، وانّهم أهل غدر ، وإنّما يدعونك للحرب ، فلا تجعل ، وإن أبيت إلّا محاربة هذا الجبّار ، وكرهت المقام بمكّة فاشخص الى اليمن ، فانّها فى عزلة ، ولك فيها أنصار وإخوان ، فأقم بها وبثّ دعاتك ، واكتب الى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم.

فان قووا على ذلك ونفوه عنها ، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم ، وما أنا

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ٣٧٦.


لغدرهم بآمن ، وإن لم يفعلوا أقمت بمكانك الى أن يأتى الله بأمره ، فان فيها حصونا وشعابا ، فقال الحسين : يا ابن عمّ ، انّى لأعلم أنّك لى ناصح وعلىّ شفيق ، ولكن مسلم ابن عقيل كتب الىّ باجتماع أهل المصر على بيعتى ونصرتى ، وقد أجمعت على المسير إليهم.

قال : إنّهم من خبّرت وجرّبت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم ، إنّك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك ، وكان الذين كتبوا إليك أشدّ من عدوّك ، فان عصيتنى وأبيت إلّا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجنّ نساءك وولدك معك ، فو الله إنّى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.

فكان الّذي ردّ عليه : لأن أقتل والله بمكان كذا أحبّ إلى من أن أستحلّ بمكّة ، فيئس ابن عبّاس منه ، وخرج من عنده ، فمرّ بعبد الله بن الزبير فقال : قرّت عينك يا ابن الزبير وأنشد :

يا لك من قبّرة بمعمر

خلالك الجو فبيضى واصفرى

ونقرى ما شئت أن تنقرى

هذا حسين يخرج الى العراق ويخليك والحجاز ، وبلغ ابن الزبير أنّه يريد الخروج الى الكوفة وهو أثقل الناس عليه ، قد غمّه مكانه بمكّة ، لأنّ الناس ما كانوا يعدلونه بالحسين فلم يكن شيء يؤتاه أحبّ إليه من شخوص الحسين عن مكّة ، فأتاه فقال : أبا عبد الله ما عندك فو الله لقد خفت الله فى ترك جهاد هؤلاء القوم على ظلمهم واستذلالهم الصالحين من عباد الله.

فقال حسين : قد عزمت على إتيان الكوفة ، فقال : وفقك الله! أما لو أن لى بها مثل أنصارك ما عدلت عنها ، ثمّ خاف أن يتّهمه فقال : ولو أقمت بمكانك فدعوتنا و


أهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك ، وكنا إليك سراعا ، وكنت أحقّ بذلك من يزيد ، ودخل أبو بكر بن الحارث بن هشام على الحسين ، فقال : يا ابن عمّ ، إنّ الرحم يظائرنى عليك ، ولا أدرى كيف أنا فى النصيحة لك ، فقال : يا أبا بكر ما أنت ممّن يستغش ولا يتّهم ، فقل.

فقال أبو بكر : كان أبوك أقدم سابقة ، وأحسن فى الاسلام أثرا ، وأشدّ بأسا ، والناس له أرجى ، ومنه أسمع وعليه أجمع ، فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه الا أهل الشام وهو أعزّ منه ، فخذلوه ، وتثاقلوا عنه ، حرصا على الدنيا ، وضنا بها ، فجرّعوه الغيظ ، وخالفوه حتّى صار الى ما صار إليه من كرامة الله ورضوانه ، ثمّ صنعوا بأخيك بعد أبيك ما صنعوا ، وقد شهدت ذلك كلّه ورأيته.

ثمّ أنت تريد أن تسير الى اللذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام وأهل العراق ، ومن هو أعدّ منك وأقوى ، والناس منه أخوف ، وله أرجى ، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطغوا الناس بالأموال ، وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحبّ إليه ممن ينصره ، فاذكر الله فى نفسك.

فقال الحسين : جزاك الله خيرا يا ابن عمّ ، فقد أجهدك رأيك ، ومهما يقض الله يكن ، فقال : إنّا لله وعند الله نحتسب يا أبا عبد الله ، ثمّ دخل على الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومى والى مكة وهو يقول :

كم نرى ناصحا يقول فيعصى

وظنين المغيب يلفى نصيحا

فقال : وما ذاك؟ فأخبره بما قال للحسين ، فقال : نصحت له وربّ الكعبة(١) .

١٦ ـ قال سبط ابن الجوزى قال السدى : خرج الحسين من المدينة وهو يقرأ فخرج منها خائفا يترقّب فلمّا دخل مكّة فقال له عمرو بن سعيد : ما أقدمك ، فقال

__________________

(١) مروج الذهب : ٣ / ٦٤.


عائذا بالله وبهذا البيت ، وأقام الحسين بمكّة ولمّا بلغ يزيد ما صنع الوليد عزله عن المدينة وولاها عمرو بن سعيد الأشدق(١) .

١٧ ـ عنه قال الواقدى : لم يكن ابن عمر بالمدينة حين مات معاوية ، بل كان بمكّة ، ثمّ قدم المدينة بعد ذلك هو وابن عباس ، ولمّا استقرّ الحسين بمكّة ، وعلم به أهل الكوفة ، كتبوا إليه يقولون : إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك ، ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة ، فأقدم علينا ، فنحن فى مائة ألف ، فقد فشافينا الجور وعمل فينا بغير كتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ونرجوا أن يجمعنا الله بك على الحقّ وينفى عنا بك الظلم ، فأنت أحقّ بهذا الأمر من يزيد ، وأبيه الذي غصب الامّة فيها وشرب الخمر ولعب بالقرود والطنابير ، وتلاعب بالدين ، وكان ممّن كتب إليه سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة ووجوه أهل الكوفة(٢) .

١٨ ـ عنه قال الواقدى : ولما نزل الحسين مكّة ، كتب يزيد بن معاوية الى ابن عبّاس : أمّا بعد فانّ ابن عمّك حسينا ، وعدوّ الله ابن الزبير التويا ببيعتى ، ولحقا بمكّة مرصدين للفتنة معرضين أنفسهما للهلكة ، فأمّا ابن الزبير فانّه صريع الفناء وقتيل السيف غدا ، وأمّا الحسين فقد أحببت الاعذار إليكم ، أهل البيت ممّا كان منه وقد بلغنى أنّ رجالا من شيعته من أهل العراق يكاتبونه ويكاتبهم ويمنّونه الخلافة ويمنّيهم الامرة وقد تعلمون ما بينى وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الارحام.

قد قطع ذلك الحسين وبتّه وأنت زعيم أهل بيتك وسيّد أهل بلادك ، فالقه فاردده عن السعى فى الفرقة ، وردّ هذه الامّة عن الفتنة فان قبل منك وأناب إليك ، فله عندى الأمان والكرامة الواسعة ، وأجرى عليه ما كان أبى يجريه على أخيه ، و

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣٧.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٣٧.


ان طلب الزيادة فاضمن له ما أريك الله ، انفذ ضمانك واقوم له بذلك وله علىّ الايمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ، بما تطمئنّ به نفسه ، ويعتمد فى كلّ الامور عليه ، عجل بجواب كتابى وبكلّ حاجة لك الىّ وقبلى والسلام ، قال هشام بن محمّد وكتب يزيد فى أسفل الكتاب :

يا أيّها الراكب الغادى لمطيته

على عذافرة فى سيرها قحم

أبلغ قريشا على نادى المزار بها

بينى وبين الحسين الله والرحم

وموقف بفناء البيت أنشده

عهد الاله غدا يوفى به الذمم

هنيتم قومكم فخرا بأمكم

أم لعمرى حسان عفة كرم

هى التي لا يدانى فضلها أحد

بنت الرسول وخير الناس قد علموا

إنّى لأعلم أو ظنّا لعالمه

والظنّ يصدق أحيانا فينتظم

ان سوف يترككم ما تدّعون به

قتلى تهاداكم العقبان والرخم

يا قومنا لا تشبوا الحرب اذ سكنت

وامسكوا بحبال السلم واعتصموا

قد غرّت الحرب من قد كان قبلكم

من القرون وقد بادت بها الامم

فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا

فربّ ذى بذخ زلت به القدم

فكتب إليه ابن عبّاس أما بعد فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة ، فاما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برأيه وهواه يكاتمنا مع ذلك أضغانا يسرّها فى صدره يورى علينا ورى الزناد لا فك الله أسيرها فارا فى أمره ما أنت رآه ، وأمّا الحسين فانه لما نزل مكّة وترك حرم جده ومنازل آبائه سألته عن مقدمه فأخبرنى أنّ عمالك فى المدينة أساءوا إليه وعجلوا عليه بالكلام الفاحش فأقبل الى حرم الله مستجيرا به.

سألقاه فيما أشرت إليه ولن أدع النصيحة ، فيما يجمع الله به الكلمة ، ويطفى به النائرة ويخمد به الفتنة ويحقن به دماء الامّة فاتّق الله فى السرّ والعلانية ولا تبيّتنّ


ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة ولا ترصده بمظلمة ، ولا تحفر له مهواة ، فكم من حافر لغيره حفرا وقع فيه وكم من مومّل أملا لم يؤت أمله ، وخذ بحظّك من تلاوة القرآن ، ونشر السنّة ، وعليك بالصيام والقيام ، لا تشغلك عنهما ملاهى الدنيا وأباطيلها ، فانّ كلّ ما شغلت به عن الله يضرّ ويفنى ، وكلّ ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى والسلام(١)

١٩ ـ عنه قال هشام بن محمّد : ثمّ انّ حسينا كثرت عليه كتب أهل الكوفة وتواترت إليه رسلهم إن لم تصل إلينا فأنت آثم ، فعزم على المسير فجاء إليه ابن عبّاس ، ونهاه عن ذلك وقال له : يا ابن عمّ إن أهل الكوفة قوم غدر قتلوا أباك وخذلوا أخاك وطعنوه وسلبوه وسلموه إلى عدوّه ، وفعلوا ما فعلوا ، فقال هذه كتبهم ورسلهم وقد وجب علىّ المسير لقتال أعداء الله فبكا ابن عبّاس وقال وا حسيناه(٢)

٢٠ ـ قال ابن قتيبة : ذكروا أن يزيد بن معاوية ، عزل عمرو بن سعيد ، وأمّر الوليد بن عقبة ، وخرج الحسين بن علىّ إلى مكّة ، فمال الناس إليه ، وكثروا عنده واختلفوا إليه ، وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه. قال : فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، للحسين بن على ، من سليمان بن صرد ، والمسيّب ، ورفاعة بن شدّاد ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد ، الّذي اعتدى على هذه الامّة ، فانتزعها حقوقها ، واغتصبها أمورها ، وغلبها على فيئها ، وتأمّر عليها على غير رضا منها ، ثمّ قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، فبعدا له كما بعدت ثمود ، إنّه ليس علينا امام ، فاقدم علينا ، لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ، فإن النعمان بن بشير فى

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٣٧.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٣٩.


قصر الامارة ، ولسنا نجتمع معه فى جمعة ، ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة ، وألحقناه بالشام والسلام(١)

٢١ ـ قال محمّد بن طلحة : فى خروجه من المدينة ومكة ثمّ إلى العراق هذا فصل للقلم فى ارجائه مجال واسع ، ومقال جامع ، وسمع كلّ مؤمن وقلبه عند تلاوته إليه وله مصيخ سامع ، لكن الرغبة فى الاختصار تطوى أطراف بساطه ، والرهبة من الاكثار تصرف عن تطويله ، وافراطه ، وحين وقف على أصله وزائده ، خصّ الأصل باثباته ، والزائد باسقاطه ، وذلك ان معاوية لما استخلف ولده يزيد ثمّ مات وكتب يزيد كتابا الى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو يومئذ والى المدينة يحثّه فيه على أخذ البيعة من الحسينعليه‌السلام .

فرأى الحسين امورا اقتضت له أنّه خرج من المدينة وقصد مكّة وأقام بها ووصل الخبر إلى الكوفة بموت معاوية وولاية يزيد مكانه فاتّفق منهم جمع وكتبوا كتابا إلى الحسين يدعونه إليهم ، ويبذلون له فيه القيام بين يديه بأنفسهم وبالغوا فى ذلك ثمّ تتابعت إليه الكتب نحوا ، من مائة وخمسين كتابا من كلّ طائفة كتاب يحثّونه فيه على القدوم وآخر ما ورد عليه كتاب من جماعتهم ، على يد قاصدين من أعيانهم وصورته.

بسم الله الرّحمن الرّحيم ، للحسين بن على أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين علىّ سلام عليك أمّا بعد ، فان الناس منتظروك ولا رأى لهم غيرك فالعجل العجل ، يا ابن رسول الله والسلام عليك ورحمته وبركاته(٢)

٢٢ ـ الحافظ ابن عساكر : أخبرنا أبو عبد الله الأديب ، أنبأنا أبو القاسم إبراهيم بن منصور ، أنبأنا أبو بكر محمّد بن إبراهيم ، أنبأنا أبو سعيد المفضل بن محمّد بن

__________________

(١) الامامة والسياسة : ٢ / ٤.

(٢) مطالب السؤل : ٧٤


إبراهيم الجندى ، أنبأنا ابن أبى عمر سعيد بن عبد الرحمن ، وصامت بن معاذ ، قالوا : أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة : عن طاوس ، عن ابن عبّاس.

قال : استشارنى الحسين بن على فى الخروج؟ فقلت : لو لا أن يزرى بى وبك لنشبت يدى فى رأسك ، فكان الذي ردّ علىّ أن قال : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إلىّ من أن استحلّ حرمتها ـ يعنى الحرم! قال ابن عبّاس : وكان قوله هذا هو الذي سلا بنفسى عنه. قال ابن ميسرة : ثمّ كان يقول طاوس : ما رأيت أحدا أشدّ تعظيما للحرم من ابن عبّاس ، ولو أشاء أن أبكى لبكيت(١)

٢٣ ـ أخبرنا أبو محمّد هبة الله بن أحمد بن عبد الله ، أنبأنا أبو الغنائم بن أبى عثمان ، أنبأنا عبد الله بن عبيد الله بن يحيى ، أنبأنا أبو عبد الله المحاملى ، أنبأنا محمّد بن عمرو بن أبى مذعور ، أنبأنا سفيان بن عيينة : عن إبراهيم بن ميسرة انّه سمع طاوسا يقول : قال ابن عبّاس استشارنى الحسين بن علىّ فى الخروج.

فقلت لو لا أن يزرى ذلك بى أو بك لنشبت يدى فى رأسك! قال : فكان الذي ردّا الحسين علىّ أن قال : لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إلىّ من أن يستحلّ بى ذلك يعنى احترام الحرم فقال ابن عبّاس : فكان هذا هو الذي سلا بنفسى عنه ، ثمّ قال إبراهيم : ثمّ كان يحلف طاوس أنّه لم ير رجلا أشدّ تعظيما للمحارم من ابن عبّاس ولو أشاء أن أبكى لبكيت(٢)

٢٤ ـ عنه أخبرنا أبو الحسن على بن مسلم الفقيه ، أنبأنا أبو نصر بن طلاب ، أنبأنا أبو بكر ابن أبى الحديد ، أنبأنا أبو بكر محمّد بن بشير الزبيرى ، أنبأنا محمّد بن بحر ابن مطر ، أنبأنا الحسن بن قتيبة ، أنبأنا يحيى بن إسماعيل البجلى ، عن الشعبى قال :

لمّا توجّه الحسين بن على الى العراق قيل لابن عمر : إنّ أخاك الحسين قد

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٩٠.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٩٠.


توجّه إلى العراق ، فأتاه فنا شده الله فقال : إن أهل العراق قوم مناكير ، وقد قتلوا أباك وضربوا أخاك وفعلوا وفعلوا ، فلمّا آيس منه عانقه وقبّل بين عينيه وقال استودعك الله من قتيل! سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ اللهعزوجل أبى لكم الدنيا(١)

٢٥ ـ عنه أخبرنا أبو عبد الله الفراوى ، أنبأنا أبو بكر البيهقي ، أنبأنا أبو الحسن علىّ بن محمّد بن على المقرى ، أنبأنا الحسن بن محمّد بن إسحاق الاسفراينى ، أنبأنا يوسف ابن يعقوب القاضى ، أنبأنا محمّد بن عبد الملك بن زنجويه ، أنبأنا شبابة بن سوار ، أنبأنا يحيى بن سالم الأسدي قال : سمعت الشعبى يقول : كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أنّ الحسين بن على قد توجّه الى العراق ، فلحقه على مسير ليلتين ـ أو ثلاث ـ من المدينة.

فقال أين تريد؟ قال : العراق ، وكان معه طوامير وكتب ، فقال له : لا تأتهم. فقال : هذه كتبهم وبيعتهم. فقال : إنّ اللهعزوجل خيّر نبيّه بين الدنيا والآخرة ولم يرد الدنيا ، وإنّكم بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله لا يليها أحد منكم أبدا ، وما صرفها اللهعزوجل عنكم إلا للذى هو خير لكم ، فارجعوا ، فأبى وقال : هذه كتبهم وبيعتهم. قال : فاعتنقه ابن عمرو قال : استودعك الله من قتيل(٢)

٢٦ ـ عنه أخبرنا أبو طالب علىّ بن عبد الرحمن بن أبى عقيل ، أنبأنا على بن الحسن بن الحسين ، أنبأنا أبو محمّد ابن النحاس ، أنبأنا أحمد بن محمّد بن زياد ، أنبأنا أبو بكر يحيى بن جعفر بن عبد الله بن الزبرقان ، أنبأنا شبّابة بن سوار ، أنبأنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال : سمعت الشعبى يحدّث ، عن ابن عمر انّه كان بماء له فبلغه أنّ الحسين بن على قد توجّه إلى العراق ، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال فقال

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٩٢.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٩٢.


له : أين تريد؟ فقال : العراق. وإذا معه طوامير كتب.

فقال : هذه كتبهم وبيعتهم. فقال : لا تأتهم. فأبى قال : إنى محدّثك حديثا : إنّ جبرئيل أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، ولم يرد الدنيا ، وإنّكم بضعة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والله لا يليها أحد منكم أبدا! وما صرفها الله عنكم الّا للّذى هو خير لكم ، فأبى أن يرجع ، قال : فأعتنقه ابن عمر وبكى وقال : استودعك الله من قتيل(٢) .

٢٧ ـ عنه أخبرنا أبو محمّد ابن طاوس ، أنبأنا أبو القاسم بن أبى العلاء ، أنبأنا أبو الحسن محمّد بن عوف بن أحمد المزنى ، أنبأنا أبو القاسم الحسن بن على ، قال : وأنبأنا ابن أبى العلاء أنبأنا أبو عبد الله محمّد بن حمزة بن محمّد بن حمزة الحرانى قال : قرىء على أبى القاسم الحسن بن على البجلى ، أنبأنا أبو بكر أحمد بن علىّ بن سعيد ، أنبأنا يحيى بن معين.

أنبأنا أبو عبيدة ، أنبأنا سليم بن حيان. وقال الحرانىّ : سليمان بن سعيد بن ميناء قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : عجّل حسين قدره عجّل حسين قدره ، والله لو أدركته ما كان ليخرج إلّا أن يغلبنى ، ببنى هاشم فتح ، وببنى هاشم ختم ، فاذا رأيت الهاشمى قد ملك فقد ذهب الزمان(١)

٢٨ ـ عنه أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى ، أنبأنا أبو بكر ابن الطبرى ، أنبأنا أبو الحسين بن الفضل وأنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يعقوب ، أنبأنا أبو بكر الحميرى ، أنبأنا سفيان ، أنبأنا عبد الله بن شريك ، عن بشر بن غالب أنّه سمعه يقول : قال عبد الله بن الزبير ـ لحسين بن علىّ ـ أين تذهب؟ أتذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال له حسين لإن أقتل بمكان كذا كذا أحبّ إلىّ من أن تستحلّ بى

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٩٣.


يعنى مكّة(١)

٢٩ ـ عنه أخبرنا أبو الحسين محمّد بن محمّد بن الفراء وأبو غالب أحمد ، وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن ، قالوا : أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة ، أنبأنا محمّد بن عبد الرحمن بن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن سليمان ، أنبأنا الزبير بن بكّار ، حدّثنى عمّى مصعب بن عبد الله ، أخبرنى من سمع هشام بن يوسف الصنعانى ، يقول عن معمر ، قال : سمعت رجلا يحدّث عن الحسين بن على.

قال : سمعته يقول لعبد الله بن الزبير : أتتنى بيعة أربعين ألفا يحلفون لى بالطلاق والعتاق من أهل الكوفة أو قال : من أهل العراق ، فقال له عبد الله بن الزبير : أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ قال هشام بن يوسف : فسألت معمرا عن الرجل فقال : هو ثقة ، قال الزبير : قال عمّى : وزعم بعض الناس أن عبد الله بن عبّاس هو الّذي قال هذا(٢)

٣٠ ـ قال أبو عبد الله محمّد بن سعد بن منيع البصرى فى مقتل الحسينعليه‌السلام : أخبرنا محمّد بن عمر ، قال : حدّثنا ابن أبى ذئب ، قال حدّثنا عبد الله بن عمير مولى أمّ الفضل ، وأخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر بن على ، وعن أبيه ، وأخبرنا يحيى بن سعيد بن دينار السعدى ، عن أبيه ، وحدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد ، عن أبى وجرة السعدى ، عن علىّ بن حسين وغير هؤلاء.

قال محمّد بن سعد وأخبرنا علىّ بن محمّد ، عن يحيى بن اسماعيل بن أبى المهاجر ، عن أبيه ، وعن لوط بن يحيى الغامدى ، عن محمّد بن بشير الهمدانيّ ، وغيره ، وعن محمّد بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عمير ، وعن هارون بن عيسى ، عن يونس بن أبى اسحاق ، عن أبيه وعن يحيى بن زكريّا بن أبى زائدة ، عن مجالد ،

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ١٩٤.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ١٩٤.


عن الشعبى.

قال ابن سعد : وغير هؤلاء أيضا قد حدّثنى فى هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم فى مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلاته وبركاته : قالوا : لمّا بايع معاوية بن أبى سفيان الناس ليزيد بن معاوية ؛ كان حسين بن علىّ بن أبى طالب ممّن لم يبايع له ، وكان أهل الكوفة يكتبون إلى حسين بن علىّ يدعونه الى الخروج إليهم فى خلافة معاوية كلّ ذلك يأبى.

فقدم منهم قوم إلى محمّد بن الحنفية فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى وجاء الى الحسين فأخبره بما عرضوا عليه ، وقال : إنّ القوم إنّما يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا ، فأقام حسين ، على ما هو عليه من الهموم ، مرّة يريد أن يسير إليهم ومرّة يجمع الإقامة.

فجاءه أبو سعيد الخدرى فقال : يا أبا عبد الله إنّى لكم ناصح وإنّى عليكم مشفق ، وقد بلغنى أنّه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج ، فانّى سمعت أباك يقول بالكوفة : والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملونى وأبغضونى وما بلوت منهم وفاء ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب ، والله ما لهم ثبات ولا عزم أمر ، ولا صبر على السيف.

قال وقدم المسيّب بن نجبة الفزارى وعدّة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن فدعوه الى خلع معاوية ، وقالوا : قد علمنا رأيك ورأى أخيك ، فقال : إنّى أرجو أن يعطى الله أخى على نيّته فى حبّه الكفّ ، وأن يعطينى على نيّتى فى حبّى جهاد الظالمين(١)

٣١ ـ قال الحافظ ابن عساكر : نزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب ، ولزم

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين من طبقات ابن سعد : ٥٣.


ابن الزبير الحجر ، ولبس المعافرى وجعل يحرّض الناس على بنى أميّة ، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول له : هم شيعتك وشيعة أبيك ، وكان عبد الله بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول : لا تفعل ، وقال له عبد الله ابن مطيع : أى فداك أبى وأمّى متّعنا بنفسك ولا تسر الى العراق ، فو الله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا خولا وعبيدا.

لقيهما عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن بن عياش بن ربيعة بالأبواء منصرفين من العمرة فقال لهما ابن عمر : أذكر كما الله إلّا رجعتما ، فدخلتما فى صالح ما يدخل فيه الناس ، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه لم تشذّا عنهم وإن افترق الناس عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر لحسين : لا تخرج ، فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيّره الله بين الدّنيا والآخرة ، فاختار الآخرة ، وإنّك بضعة منه ولا تعاطها ـ يعنى الدنيا ـ فاعتنقه وبكى وودّعه.

فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن على بالخروج ، ، ولعمرى لقد رأى فى أبيه وأخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغى له أن لا يتحرّك ما عاش ، وأن يدخل فى صالح ما دخل فيه الناس فانّ الجماعة خير.

قال له ابن عياش : أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال : العراق وشيعتى. فقال : إنّى لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك ، وطعنوا أخاك؟ حتّى تركهم سخطة وملّة لهم! أذكرك الله أن تغرر بنفسك.

قال أبو واقد الليثى : بلغنى خروج حسين فأدركته بملل فنا شدته الله أن لا يخرج فإنّه يخرج فى غير وجه خروج وإنّما يقتل نفسه. فقال : لا أرجع.

قال سعيد بن المسيّب : لو أنّ حسينا لم يخرج لكان خيرا له.

قال أبو سلمة عبد الرحمن : قد كان ينبغى لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ولكن شجّعه على ذلك ابن الزبير.


كتب إليه المسور بن مخرمه : إيّاك أن تغتّر بكتب أهل العراق ، ويقول لك ابن الزبير: الحق بهم فإنّهم ناصروك ، إيّاك أن تبرح الحرم فانّهم إن كانت لهم بك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتّى يوافوك ، فتخرج فى قوه وعدّة. فجزاه الحسين خيرا وقال : استخير الله فى ذلك.

كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع من إجابة أهل الكوفة وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة ، وتخبره أنّه إنّما يساق إلى مصرعه ، وتقول : أشهد لقد حدّثتنى عائشة أنّها سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يقتل حسين بأرض بابل ، فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام كتابها قال : فلا بدّ لى إذا من مصرعى ومضى.

فأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال : يا ابن عمّ إن الترحم نظارتى عليك وما أدرى كيف أنا عندك فى النصيحة لك ، قال : يا أبا بكر ما أنت ممّن يستغشّ ولا يتّهم؟ فقل ، قال قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك ، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحبّ إليه ممّن ينصره فأذكّرك الله نفسك.!

فقال له الحسين : جزاك الله يا ابن عمّ خيرا فقد اجتهدت رأيك ، ومهما يقضى الله من أمر يكن ، فقال أبو بكر : إنّا لله ، عند الله نحتسب أبا عبد الله!

كتب عبد الله بن جعفر بن أبى طالب إليه كتابا يحذره من أهل الكوفة ، ويناشده الله أن يشخص إليهم ، فكتب إليه الحسينعليه‌السلام : إنّى رأيت رؤيا ورأيت فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأمرنى بأمر أنا ماض له ، ولست بمخبر بها أحدا حتّى الاقى عملى.

كتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص : إنّى أسأل الله أن يلهمك رشدك ، وأن يصرفك عمّا يرديك! بلغنى أنّك قد اعتزمت على الشخوص إلى العراق ، فانّى أعيذك بالله من الشقاق فان كنت خائفا فأقبل الىّ فلك عندى الأمان والبرّ و


الصلة.

فكتب إليه الحسينعليه‌السلام : إن كنت أردت بكتابك الىّ برّى وصلتي فجزيت خيرا فى الدنيا والآخرة ، وإنّه لم يشاقق الله من دعا الى الله وعمل صالحا وقال : إنّنى من المسلمين ، وخير الأمان أمان الله ، ولم يؤمن بالله من لم يخفه فى الدنيا! فنسأل الله مخافة فى الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده.

كتب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكّة ، ونحسبه أنّه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة ، وعندك منهم خبرة وتجربة ، فان كان فعل فقد قطع واشجع القرابة! وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه ، فاكففه عن السعى فى الفرقة.

قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس : إنّى لارجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه ، ولست أدع النصيحة له فى كلّ ما يجمع الله به الألفة وتطفى به النائرة ، ودخل عبد الله بن العباس الحسين ، فكلّمه ليلا طويلا وقال : أنشدك الله أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتى العراق ، وإن كنت لا بدّ فاعلا فأقم حتّى ينقضى الموسم وتلقى الناس ، وتعلم على ما يصدرون ثمّ ترى رأيك ـ وذلك فى عشر ذى الحجّة سنة ستّين.

فأبى الحسين إلّا أن يمضى إلى العراق ، فقال له ابن عبّاس : والله انّى لأظنّك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله إنّى لأخاف أن تكون الذي يفاد به عثمان! فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. فقال له الحسينعليه‌السلام : يا أبا العبّاس إنّك شيخ قد كبرت. فقال ابن عبّاس : لو لا أن يزرى ذلك بى أو بك لنشبت يدى فى رأسك ، ولو أعلم أنا إذا تناصبنا أقمت لفعلت ولكن لا أخال ذلك نافعى!

فقال له الحسين : لإن أقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إلىّ أن تستحلّ بى ـ يعنى مكّة ـ قال : فبكى ابن عباس وقال : أقررت عين ابن الزبير؟! وكان ابن عبّاس


يقول بعد ذلك : فذاك الّذي سلى بنفسى عنه. ثمّ خرج عبد الله بن عباس من عنده وهو مغضب وابن الزبير على الباب ، فلمّا رآه قال : يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت قرّت عينك هذا أبو عبد الله يخرج ويتركك والحجاز ثمّ قال :

يا لك من قبرة بمعمر

خلالك الجوّ فبيضى واصفرى

ونقرّى ما شئت أن تنقرى

بعث الحسين الى المدينة ، فقدم عليه من خفّ معه من بنى عبد المطلب وهم تسعة عشر رجلا ، ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم ، وتبعهم محمّد ابن الحنيفة ، فأدرك حسينا بمكّة ، وأعلمه أنّ الخروج ليس له برأى يومه هذا ، فأبى الحسين أن يقبل رأيه فحبس محمّد بن على ولده عنه فلم يبعث معه أحدا منهم حتى وجد الحسين فى نفسه على محمّد وقال له أترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال محمّد : وما حاجتى أن تصاب ويصابون معك ، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم.

بعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج متوجّها إلى العراق فى أهل بيته وستّين شيخا من أهل الكوفة ، وذلك فى يوم الاثنين فى عشر ذى الحجّة سنة ستّين.

فكتب مروان إلى عبيد الله بن زياد : أمّا بعد فإن الحسين بن على قد توجّه إليك ، وهو الحسين بن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبالله ما أحد يسلمه الله أحبّ إلينا من الحسين ، فايّاك أن تهيج على نفسك ما لا يسدّه شيء ولا تنساه العامّة ولا تدع ذكره والسلام(١) .

٣٢ ـ قال ابن طاوس : وكان الحسينعليه‌السلام قد كتب الى جماعة من أشراف

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢٠٠ ـ ٢٠٥.


البصرة ، كتابا مع مولى له اسمه سليمان ، ويكنى أبا رزين يدعوهم فيه إلى نصرته ولزوم طاعته ، منهم يزيد بن مسعود النهشلى والمنذر بن الجارود العبدى ، فجمع يزيد بن مسعود بنى تميم وبنى حنظلة وبنى سعد ، فلمّا حضروا قال يا بنى تميم كيف ترون موضعى فيكم وحسبى منكم ، فقالوا بخّ بخّ أنت والله فقرة الطهر ورأس الفخر حللت فى الشرف وسطا : وتقدمت فيه فرطا.

قال : فإنّى قد جمعتكم لأمر أريد أن اشاوركم فيه ، واستعين بكم عليه ، فقالوا : إنّا والله نمنحك النصيحة ونجهد لك الرأى ، فقل حتّى نسمع ، فقال : انّ معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا ، ألا وانّه قد انكسر باب الجور والاثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وقد كان أحدث بيعة عقد بها امرا ظن أنّه قد أحكمه وهيهات والذي أراد ، اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل.

وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور ، ورأس الفجور ، يدّعى الخلافة على المسلمين ويتأمّر عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم وقلّة علم ، لا يعرف من الحقّ موطئ قدميه ، فأقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين ، وهذا الحسين بن على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذو الشرف الاصيل والرأى الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته.

يعطف على الصغير ويحنو على الكبير ، فاكرم به راعى رعية وإمام قوم وحببت لله به الحجّة ، وبلغت به الموعظة فلا تغشوا عن نور الحق ، ولا تسعكوا فى وهد الباطل ، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل ، فاغسلوها بخروجكما إلى ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ونصرته والله لا يقصر أحد عن نصرته إلّا أورثه الله الذل فى ولده والقلّة فى عشيرته وما انا ذا قد لبست للحرب لامتها وادرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت ومن يهرب لم يفت فاحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.


فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك إن رميت بنا اصبت ، وان غزوت بنا فتحت لا تخوض والله غمرة إلّا خضناها ، ولا تلقى والله شدّة إلّا لقيناها ، ننصرك والله بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت فافعل وتكلّمت بنو سعد بن يزيد ، فقالوا يا أبا خالد إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال ، فحمدنا أمرنا وبقى عزنا فينا فأمهلنا نراجع المشورة وناتيك برأينا وتكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا.

يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفائك لا نرضى إن غضبت ، ولا نوطن أن ظعنت والامر إليك فادعنا نجبك وأمرنا نطعك والامر لك اذا شئت فقال والله يا بنى سعد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا ولا زال سيفكم فيكم ثمّ كتب إلى الحسينعليه‌السلام .

بسم الله الرحمن الرحيم : أمّا بعد فقد وصل كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ، ودعوتنى له من الأخذ بحظّى من طاعتك والفوز بنصيبى من نصرتك وأنّ الله لا يخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة وأنتم حجّة الله على خلقه ووديعته فى أرضه تفرعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها وأنتم فرعها ، فاقدم سعدت بأسعد طائر فقد ذللت لك اعناق بنى تميم وتركتهم أشد تتابعا فى طاعتك ، من الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها ، وقد ذللت لك بنى سعد وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع.

فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام الكتاب قال مالك أمنك الله يوم الخوف ، وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر فلمّا تجهز المشار إليه للخروج الى الحسينعليه‌السلام بلغه قتله قبل أن يسير فخرج من انقطاعه عنه ، وأمّا المنذر بن الجارود فانه جاء بالكتاب والرسول الى عبيد الله ابن زياد ، كان المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله بن زياد ، وكانت بحرية بنت المنذر زوجة لعبيد الله بن زياد ، فاخذ عبيد الله بن


زياد الرسول فصلبه ، ثمّ صعد المنبر فخطب وتوعّد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الارجاف(١) .

٣٣ ـ باب ارساله مسلم ابن عقيل الى الكوفة

١ ـ قال الشيخ المفيد : كتبعليه‌السلام مع هانى بن هانى ، وسعيد بن عبد الله ، وكانا آخر الرّسل.

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علىّ الى الملأ من المؤمنين والمسلمين ، أمّا بعد فانّ هانيا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم وقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم ، وذكرتم ومقالة جلّكم انه ليس علينا امام ، فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ ، والهدى ، وإنّى باعث إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى ، مسلم بن عقيل.

فان كتب إلىّ أنّه قد اجتمع رأى ملاءكم وذوى الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت فى كتبكم فانّى أقدم إليكم وشيكا إن شاء الله فلعمرى ، ما الامام إلّا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحقّ الحابس نفسه على ذات الله والسلام.

ودعى الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل ، فسرّحه مع قيس بن مسهّر الصيداوى وعمارة بن عبد الله السّلولى ، وعبد الله وعبد الرحمن ابنا شدّاد الأرحبى وأمره بالتقوى وكتمان امره واللّطف فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك.

__________________

(١) اللهوف : ١٦ ـ ١٩


فأقبل مسلمرحمه‌الله حتّى أتى المدينة ، فصلّى فى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وودّع من أحبّ أهله واستأجر دليلين من قيس ، فاقبلا به يتنكّبان الطرق ، فضلّا وأصابهما عطش شديد ، فعجزا عن السير ، فأومأ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك فسلك مسلم ذلك السنين ومات الدليلان عطشا ، فكتب مسلم بن عقيل رحمة الله عليهما ، من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهّر.

أمّا بعد فانّى أقبلت من المدينة مع دليلين فجازا عن الطريق فضلّا واشتدّ عليهما العطش ، فلم يلبثا أن ماتا وأقبلنا حتّى انتهينا الى الماء ، فلم ننج الّا بحشاشة أنفسنا وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت وقد تطيّرت من توجّهى هذا ، فان رأيت أعفيتنى منه وبعث غيرى والسلام.

فكتب إليه الحسينعليه‌السلام ، أمّا بعد : فقد خشيت ان لا يكون حملك على الكتاب الىّ فى الاستعفاء من الوجه الّذي وجّهتك له إلّا الجبن ، فامض لوجهك الذي وجّهتك فيه ، والسلام.

فلمّا قرأ مسلم الكتاب قال أمّا هذا فلست أتخوّفه على نفسى ، فأقبل حتّى مرّ بماء لطىّ ، فنزل ثمّ ارتحل عنه ، فاذا رجل يرمى الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له ، فصرعه فقال مسلم بن عقيل نقتل عدوّنا إن شاء الله تعالى ثمّ أقبل حتّى دخل الكوفة فنزل فى دار المختار بن أبى عبيدة ، وهى الّتي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه.

فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة قرء عليهم كتاب الحسينعليه‌السلام وهم يبكون ، وبايعه النّاس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا ، فكتب مسلم الى الحسينعليه‌السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر الفا ، ويأمره بالقدوم ، وجعلت الشيعة تختلف الى مسلم بن عقيلرحمه‌الله حتّى علم بمكانه ، فبلغ النعمان بن بشير ذلك ، وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها فصعد المنبر فحمد إله واثنى عليه ثمّ قال.


أمّا بعد فاتّقوا الله عباد الله ، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ، فانّ فيها تهلك الرجال وتسفك الدماء ، وتغصب الأموال ، إنّى لا أقاتل من لا يقاتلنى ولا أتى على من لم يأت علىّ ، ولا أنبّه نائمكم ولا اتحرش بكم ، ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التّهمه ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لى ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم فو الله الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى ، ولو لم يكن لى منكم ناصر ، أما انّى أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يرديه الباطل.

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمى حليف بنى أميّة فقال له : إنّه لا يصلح ما ترى أيّها الامير ، إلّا الغشم وانّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأى المستضعفين ، فقال له النّعمان : لأن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون من الاعزّين فى معصية الله ، ثمّ نزل ، وخرج عبد الله بن مسلم ، وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا.

أمّا بعد فانّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة وبايعته الشيعة للحسين بن علىّ ابن أبى طالبعليهما‌السلام ، فان يكن لك فى الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك فى عدوّك ، فانّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضيّف ، ثمّ كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه(١) .

٢ ـ قال الطبرسى : فدعا بمسلم ابن عقيل ، فسرّحه مع قيس بن مسهّر الصيداوى ، وعمارة بن عبد الله السلولى وعبد الرحمن بن عبد الله الازدى ، فأقبل مسلم حتّى دخل الكوفة ، فنزل دار المختار بن أبى عبيدة ، وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا ، فكتب مسلم الى الحسين بن علىّ يخبره بذلك ، ويأمره بالقدوم ، وعلى الكوفة يومئذ النعمان بن بشير من قبل

__________________

(١) الارشاد : ١٨٥.


يزيد ، وكتب عبد الله بن مسلم الحضرمى ، الى يزيد بن معاوية أنّ مسلم بن عقيل قدم الى الكوفة ، فبايعته الشيعة للحسين بن على ، فان كان لك فى الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ، فانّ النعمان بن بشير رجل ضعيف(١) .

٣ ـ قال الفتال : دعا الحسين مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهّر الصيداوى ، وعمارة بن عبد الله السّلولى ، وعبد الرحمن بن عبد الله الارحبى وأمره بتقوى الله وكتمان أمره ، واللّطف ، فان رأى الناس مجمعين مستوثقين عجّل إلىّ بذلك ، فاقبل مسلم حتّى أتى الكوفة فنزل دار المختار بن أبى عبيدة ، وهى تدعى دار سلام بن المسيّب ، فاقبلت الشيعة يختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسينعليه‌السلام ، وهم يبكون وبايعه النّاس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر الفا.

فكتب مسلم الى الحسين بن علىعليهما‌السلام ، يخبره ببيعة ثمانية عشر الفا ويأمره بالقدوم ، وجعلت الشيعة يختلف الى مسلم بن عقيل رضى الله عنه ، حتّى علم بمكانه ، فبلغ النعمان بن بشير وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها ، وكتب عبد الله بن مسلم وعمارة بن عقبة وعمر بن سعد إلى يزيد بن معاوية أمّا بعد فان مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، فبايعه شيعة الحسين بن علىعليهما‌السلام ، فان يكن لك فى الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ، ينفذ امرك ويعمل مثل عملك فى عدوّك ، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف(٢) .

٤ ـ قال ابن شهرآشوب : كتب مع مسلم بن عقيل بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علىّ إلى الملأ من المسلمين والمؤمنين ، أمّا بعد فانّ هانيا وسعيدا قدما علىّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم ، وقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم ، وذكرتم ، ومقالة جلّكم أنّه ليس لنا إمام ، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ،

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٣١.

(٢) روضة الواعظين : ١٤٨.


وأنا باعث إليكم أخى وابن عمّى ، وثقتى من أهل بيتى ، فان كتب الىّ أنّه قد أجمع راى أحداثكم وذوى الفضل منكم ، على مثل ما قدمت به رسلكم ، وتواترت به كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله ولعمرى ، ما الامام إلّا الحاكم القائم بالقسط ، الداين بدين الله ، الحابس نفسه على ذات الله.

فقصد مسلم على غير الطريق وكان رائده رجلان من قيس عيلان ، فأضلّا الطريق وماتا من العطش ، وادرك مسلم ماء فتطيّر مسلم من ذلك وكتب الى الحسينعليه‌السلام يستعفيه من ذلك فأجابه أما بعد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إلىّ والاستعفاء من وجهك هذا الذي أنت فيه الّا الجبن والفشل فامض لما أمرت به.

فدخل مسلم الكوفة فسكن فى دار سالم ابن المسيّب ، فاختلف إليه الشيعة ، فقرأ عليهم كتابه فبايعه اثنا عشر ألف رجل ، فرفع ذلك الى النعمان بن بشير وهو والى الكوفة فجمع الناس فخطب فيهم ونصحهم ، وكتب عبد الله بن مسلم الحضرمى ، وعمارة بن عقبة بن الوليد وعمر بن سعد بن أبى وقّاص الى يزيد ، إن كان لك حاجة فى الكوفة ، فابعث رجلا قويّا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك ، فانّ النعمان بن بشير إمّا ضعيف أو متضعّف(١) .

٥ ـ قال ابن طاوس : ثمّ طلب مسلم بن عقيل ، وأطلعه على الحال ، وكتب معه جواب كتبهم ، يعدهم بالقبول ، ويقول ما معناه قد نفذت إليكم ابن عمّى مسلم ابن عقيل ، ليعرفنى ما أنتم عليه ، من رأى جميل فسار مسلم بالكتاب حتّى وصل بالكوفة ، فلمّا وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بايابه ، ثمّ أنزلوه فى دار المختار بن أبى عبيدة الثقفى ، وصارت الشيعة تختلف إليه ، فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢٠٩.


كتاب الحسينعليه‌السلام ، وهم يبكون ، حتّى بايعه منهم ثمانية عشر الفا ، وكتب عبد الله ابن مسلم الباهلى وعمارة بن عقبة بن وليد ، وعمر بن سعد ، الى يزيد يخبرونه بأمر مسلم ويشيرون عليه بصرف النعمان بن بشير وولاية نميرة(١) .

٣٤ ـ باب شهادة مسلم بن عقيل

١ ـ قال المفيد : فلمّا وصلت الكتب الى يزيد دعى سرجون مولى معاوية فقال ما رأيك إنّ حسينا قد نفذ الى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له ، وقد بلغنى عن النعمان ضعف وقول شيء ، فمن ترى أن استعمل على الكوفة ، وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد ، فقال له سرجون أرأيت لو يشير لك معاوية حيّا ما كنت آخذا برأيه ، قال : بلى قال فاخرج سرجون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة وقال : هذا رأى معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين الى عبيد الله.

فقال له يزيد أفعل ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه ثمّ دعى مسلم بن عمرو الباهلى ، وكتب الى عبيد الله معه امّا بعد فانّه كتب الىّ شيعتى من أهل الكوفة يخبروننى أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين فسرحين تقرأ كتابى هذا حتّى تأتى الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخزرة حتّى تثفقه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام وسلّم إليه عهده على الكوفة.

فخرج مسلم بن عمرو حتّى قدم على عبيد الله بالبصرة ، وأوصل إليه العهد ، والكتاب فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيّؤ الى الكوفة من الغد ، ثمّ

__________________

(١) اللهوف : ١٦.


خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان وأقبل الى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى ، وشريك بن الأعور الحارثى ، وحشمه وأهل بيته حتّى دخل الكوفة ، وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم اقبال الحسينعليه‌السلام .

فاخذ لا يمرّ على جماعة من الناس الّا سلّموا عليه وقالوا مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم ، فراى من تباشرهم بالحسينعليه‌السلام ما ساءه فقال مسلم بن عمرو ، لمّا اكثروا تأخّروا هذا الامير عبيد الله بن زياد وسار حتّى وافى القصر ، باللّيل ومعه جماعة قد التفّوا به لا يشكّون أنّه الحسينعليه‌السلام ، فاغلق النّعمان بن بشير عليه وعلى خاصّته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب ، فاطلع عليه النّعمان وهو يظنّه الحسينعليه‌السلام .

فقال انشدك الله الّا تنحيت ، والله ما انا بمسلّم إليك أمانتى ومالى فى قتالك من ارب ، فجعل لا يكلّمه ثمّ انّه دنى ، وتدلّى النعمان من شرف القصر ، فجعل يكلّمه ، افتح لا فتحت ، فقد طال ليلك ، وسمعها إنسان خلقه فنكص إلى قوم الذين اتّبعوه ، من أهل الكوفة على انّه الحسينعليه‌السلام فقال يا قوم ابن مرجانة والذي لا إله. غيره ، ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب فى وجوه النّاس وانفضّوا.

فأصبح فنادى فى الناس الصّلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال امّا بعد ، فانّ أمير المؤمنين يزيد ولّانى مصركم ، وثغركم وفيئكم وأمرنى بانصاف مظلومكم ، واعطاء محرومكم ، والاحسان إلى سامعكم ، ومطيعكم كالوالد البرّ ، وسوطى ، وسيفى على من ترك أمرى ، وخالف عهدى فليتّق امرؤ على نفسه الصدق ينبىء عنك لا الوعيد ثمّ نزل وأخذ العرفاء والنّاس أخذا شديدا.

فقال اكتبوا الى العرفاء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيكم من أهل الحروريّة وأهل الرّيب الّذين شأنهم الخلاف والنّفاق ، والشقاق فمن يجىء لنا بهم


فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من فى عرافته أن لا يخالفنا منهم ، مخالف ولا يبغى علينا منهم باغ فمن لم يفعل برئت منه الذمّة ، وحلال لنا دمه وماله وايّما عريف وجد فى عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره والغيت تلك العرافة من العطاء.

لمّا سمع مسلم بن عقيل مجيء عبيد الله الى الكوفة ومقالته التي قالها وما أخذ به العرفاء والناس خرج من دار المختار حتى انتهى الى دار هانى بن عروة ، فدخلها فأخذت الشيعة تختلف إليه فى دار هانى على تستر واستخفاء من عبيد الله وتواصوا بالكتمان فدعى ابن زياد مولى له يقال له معقل فقال له خذ : ثلاثة آلاف درهم ، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه ، فاذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فاعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم ، وقل لهم استعينوا بها على حرب عدوّكم ، وأعلمهم أنّك منهم.

فإنّك لو قد أعطيتهم ايّاها لقد اطمأنّوا إليك ووثقوا ، ولم يكتموك شيئا من أخبارهم ، ثمّ اغد عليهم ورح حتّى تعرف مستقرّ مسلم بن عقيل ، وتدخل عليه ، ففعل ذلك وجاء حتّى جلس الى مسلم بن عوسجة الاسدى فى المسجد الأعظم ، وهو يصلّى ، فسمع قوما يقولون هذا يبايع للحسينعليه‌السلام ، فجاء وجلس إلى جنبه ، حتّى فرغ من صلاته ، ثمّ قال يا عبد الله إنّى امرؤ من أهل الشّام أنعم الله علىّ بحبّ أهل البيت وحبّ من أحبّهم وتباكا له.

قال معى ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغنى أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكنت أريد لقائه فلم أجد أحدا يدلّنى عليه ولا أعرف مكانه فانّى لجالس فى المسجد الآن اذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت ، وانّى أتيتك لتقبض منّى هذا المال وتدخلنى على صاحبك ، فانّى أخ من اخوانك وثقة عليك ، وان شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه.


فقال له ابن عوسجة : احمد الله على لقائك إيّاى فقد سرّنى ذلك لتنال الّذي تحبّ ، ولينصر الله بك أهل بيت نبيّه عليه وعليهم‌السلام ، ولقد ساءنى معرفة الناس إيّاى بهذا الامر ، قبل أن يتمّ مخافة هذا الطاغية وسطوته ، قال له معقل لا يكون الّا خيرا خذ البيعة علىّ فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ ، فأعطاه من ذلك ما رضى به ثمّ قال اختلف إلىّ ايّاما فى منزلى ، فانّى طالب لك الإذن على صاحبك واخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن.

فاذن له فاخذ مسلم بن عقيل بيعته ، وأمر أبا ثمامة الصائدى بقبض المال منه ، وهو الذي كان يقبض أموالهم ، وما يعين به بعضهم بعضا ، ويشترى لهم السّلاح وكان بصيرا وفارسا من فرسان العرب ووجوه الشيعة ، واقبل ذلك الرجل يختلف إليهم ، فهو أوّل داخل وآخر خارج ، حتّى فهم ما احتاج إليه ابن زياد ، من أمرهم فكان يخبره به وقتا فوقتا ، وخاف هانى بن عروة عبيد الله على نفسه فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض ، فقال ابن زياد لجلسائه ما لي لا أرى هانيا فقالوا هو شاك.

فقال لو علمت بمرضه لعدّته ودعى محمّد بن الاشعث واسماء بن خارجة وعمرو بن الحجّاج الزبيدى ، وكانت دويحة بنت عمرو تحت هانى بن عروة ، وهى أمّ يحيى بن هانى ، فقال لهم ما يمنع هانى بن عروة من إتياننا ، فقالوا ما ندرى وقد قيل انّه يشتكى ، قال قد بلغنى أنّه قد برىء وهو يجلس على باب داره ، فالقوه ومروه ألّا يدع ما عليه من حقّنا فانّى لا أحبّ أن يفسد عندى مثله من أشراف العرب ، فاتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة وهو جالس على بابه ، وقالوا له ما يمنعك من لقاء الامير فانّه قد ذكرك وقال لو اعلم انّه شاك لعدّته.

فقال لهم الشكوى تمنعنى ، فقالوا له قد بلغه أنك تجلس كلّ عشيّة على باب دارك ، وقد استبطاك والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لمّا ركبت معنا فدعى بثيابه ، فلبسها ثمّ دعى ببغلة فركبها ، حتّى اذا دنى من القصر ، كانّ نفسه


أحسّت ببعض الذي كان ، فقال لحسّان بن اسماء بن خارجة ، يا ابن الاخ إنّى والله لهذا الرجل لخائف فما ترى ، فقال يا عمّ والله ما أتخوّف عليك شيئا ، ولم تجعل على نفسك سبيلا ، ولم يكن حسّان يعلم فى أىّ شيء بعث إليه عبيد الله فجاء هانى حتّى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده القوم.

فلمّا طلع قال عبيد الله اتتك بحائن رجلاه ، فلمّا دنى من ابن زياد وعنده شريح القاضى التفت نحوه ، فقال :

اريد حبائه ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

وقد كان أوّل ما قدّم مكرّما له ملطّفا فقال له هانى وما ذاك أيّها الامير ، قال ايه يا هانى بن عروة ما هذه الامور الّتي تربّص فى دارك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال فى الدور حولك وظننت انّ ذلك يخفى علىّ ، قال ما فعلت ذلك وما مسلم عندى ، قال بلى قد فعلت فلمّا كثر ذلك بينهما وأبى هانى الّا مجاحدته ومناكرته دعا ابن زياد معقلا ذلك العين ، فجاء حتّى وقف بين يديه فقال له : أتعرف هذا؟

قال نعم ، وعلم هانى عند ذلك انّه كان عينا عليهم ، وانّه قد أتاه بأخبارهم فاسقط فى يده ساعة ، ثمّ راجعته نفسه فقال اسمع منّى وصدّق مقالتى فو الله لا كذبت والله ما دعوته الى منزلى ولا علمت بشيء من أمره ، حتّى جاءني يسألني النزول ، فاستحييت من ردّه ودخلنى من ذلك زمام فضيّفته وآويته ، وقد كان من أمره ما بلغك ، فان شئت أن اعطيك الآن موثقا مغلّظا الّا أبغيك سوء ولا غائلة ولآتينّك حتّى اضع يدى فى يدك ، وإن شئت أعطيتك رهينة تكون فى يدك حتّى أتاك وانطلق إليه فآمره أن يخرج من دارى الى حيث شاء من الارض فاخرج من ذمامه وجواره.

فقال له ابن زياد : والله لا تفارقنى أبدا حتّى تأتينى به ، قال : لا والله لا


أجيئك بضيفى تقتله قال : والله لتأتينّي به قال لا والله لا آتيك به فلمّا كثر الكلام بينهما ، قام مسلم بن عمرو الباهلى ، وليس بالكوفة شامى ولا بصرى غيره ، فقال : أصلح الله الأمير خلّنى وايّاه حتّى أكلّمه ، فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه بحيث يراهما ، فاذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولون ، فقال له مسلم : يا هانى انشدك الله ان تقتل نفسك وأن تدخل البلاء فى عشيرتك.

فو الله انّى لأنفس بك عن القتل ، انّ هذا الرجل ابن عمّ القوم وليسوا قاتليه ، ولا ضائريه فادفعه إليهم ، فانّه ليس عليك بذلك ، مخزاة ولا منقصة ، إنمّا تدفعه الى السلطان فقال هانى : والله إنّ علىّ فى ذلك الخزى والعار أن أدفع جارى وضيفى وأنا حىّ صحيح ، أسمع وأرى شديد الساعد كثير الأعوان والله لو لم أكن الّا واحدا ، ليس لى ناصر لم أدفعه حتّى اموت دونه ، فاخذ يناشده وهو يقول : والله لا ادفعه إليه أبدا فسمع ابن زياد ذلك فقال أدنوه منّى فادنوه منه.

فقال : والله لتأتينى به أوّلا ضربن عنقك فقال هانى : اذا والله لتكثر البارقة حول دارك ، فقال ابن زياد : وا لهفاه عليك ، بالبارقة تخوّفنى وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه ، ثمّ قال ادنوه منّى فأدنى منه فاعترض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخده حتّى كسر أنفه وسال الدماء على وجهه ولحيته ونثر لحم جبينه وخدّه على لحيته حتّى كسرا لقضيب وضرب هانى يده الى قائم سيف شرطىّ وجاذبه الرجل ومنعه.

فقال عبيد الله أحروريّ ساير اليوم ، قد حلّ لنا دمك ، جرّوه فجرّوه فألقوه فى بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه ، فقال اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به ، فقام إليه حسان بن أسماء فقال ارسل غدر ساير اليوم ، أمرتنا أن نجيئك بالرجل ، حتّى اذا جئناك به هشمت انفه ووجهه وسيّلت دمائه على لحيته ، وزعمت انّك تقتله ، فقال له عبيد الله : وانّك لها هنا فأمر به فلهز وتعتع واجلس ناحية.


فقال محمّد بن الاشعث : قد رضينا بما رأى الامير ، لنا كان أم علينا ، إنمّا الامير مؤدّب ، وبلغ عمرو بن الحجّاج انّ هانيا قد قتل ، فأقبل فى مذحج حتّى أحاط بالقصر ، ومعه جمع عظيم ، ثمّ نادى أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ، ووجوهها لم نخلع طاعة ، ولم نفارق جماعة ، وقد بلغهم أنّ صاحبهم قتل ، فاعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد هذه مذحج بالباب فقال لشريح القاضى ادخل على صاحبهم ، فانظر إليه ثمّ اخرج واعلمهم انّه حىّ لم يقتل فدخل شريح فنظر إليه.

فقال هانى لما رأى شريحا : يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتى أين أهل الدين ، أين أهل المصر والدماء تسيل على لحيته ، اذ سمع الزجة على باب القصر فقال : انّى لأظنّها أصوات مذحج وشيعتى من المسلمين ، انّه ان دخل على عشرة نفر انقذوننى ، فلمّا سمع كلامه شريح خرج إليهم ، فقال لهم : إنّ الامير لمّا بلغه مكانكم ومقالتكم فى صاحبكم أمرنى بالدخول إليه فاتيته فنظرت إليه فأمرنى ان القاكم وأعرضكم انّه حىّ ، وانّ الّذي بلغكم من قتله باطل.

فقال له عمرو بن الحجاج وأصحابه امّا اذا لم يقتل ، فالحمد لله ، ثمّ انصرفوا فخرج عبيد الله بن زياد فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه ، فقال : أمّا بعد أيّها النّاس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمّتكم ولا تفرّقوا فتهلكوا وتذلّوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا انّ أخاك من صدقك وقد أعذر من أنذر ثمّ ذهب لينزل فما نزل عن المنبر ، حتّى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التّمارين ، يشتدّون ويقولون قد جاء مسلم بن عقيل.

فدخل عبيد الله القصر مسرعا وأغلق أبوابه فقال : عبد الله بن حازم أنا والله رسول ابن عقيل الى القصر لانظر ما فعل هانى ، فلمّا ضرب وحبس ركبت فرسى فكنت اوّل الداخلين الدّار على مسلم بن عقيل ، بالخبر ، فاذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبرتاه يا ثكلاه فدخلت على مسلم ، فاخبرته الخبر فأمرنى أن


أنادى فى أصحابه وقد ملاء بهم الدور حوله ، فكانوا فيها أربعة آلاف رجل ، فقال لمناديه ناديا منصور أمت.

فناديت يا منصور أمت فتنادى أهل الكوفة ، فاجتمعوا عليه فقعد مسلمرحمه‌الله لرءوس الارباع على القبائل كندة ومذحج وتميم وأسد ومضر وهمدان وتداعى الناس واجتمعوا فما لبثنا الّا قليلا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوق وما زالو يتوثبون حتّى المساء فضاق بعبيد الله أمره ، وكان أكثر عمله أن يمسك باب القصر ، وليس معه فى القصر الّا ثلثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته وخاصّته وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس تأتونه من قبل الباب الّذي يلى دار الروميّين وجعل من فى القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله وعلى أبيه.

فدعى ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيما أطاعه من مذحج ، فيسير فى الكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل ، ويخوّفهم الحرب ويحذرهم عقوبة السلطان ، وأمر محمّد بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضر موت فيرفع راية امان لمن جاءه من الناس وقال مثل ذلك للقعقاع الذهلى وشبث بن ربعى التميمى ، وحجار بن أبجر العجلى ، وشمر بن ذا الجوشن العامرى ، وحبس باقى وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلّة عدد من معه من الناس.

فخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن مسلم ، وخرج محمّد بن الاشعث ، من المسجد حتّى وقف عند دور بنى عمارة وبعث ابن عقيل الى محمّد بن الاشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشامى ، فلمّا رأى ابن الاشعث كثرة من أتاه تأخّر عن مكانه ، وجعل محمّد بن الاشعث ، وكثير بن شهاب والقعقاع بن شور الذهلى ، وشيث بن ربعى يردّون الناس عن اللحوق بمسلم ويخوفونهم السلطان حتى اجتمع


إليهم عدد كثير من قومهم ، وغيرهم ، فصاروا الى ابن زياد من قبل دار الروميّين ودخل القوم معهم.

فقال له كثير بن شهاب أصلح الله الأمير معك فى القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك وموالينا ، فاخرج بنا إليهم ، فاتى عبيد الله وعقد لشبث بن ربعى لواء فأخرجه ، وأقام الناس مع ابن عقيل ، يكثرون حتّى المسا وأمرهم شديد ، فبعث عبيد الله الى الاشراف فجمعهم ثمّ اشرفوا على النّاس فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم وصول الجند من الشام ، إليهم ، وتكلّم كثير بن شهاب حتّى كادت الشمس ان تجب ، فقال أيّها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تجعلوا الشرّ ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ، فانّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت.

قد أعطى الله الامير عهد الآن تمّمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم ليحرمنّ ذريّتكم العطاء ، ويفرّق مقاتليكم فى مغازى الشام ، وأن يأخذ البريء منكم بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتّى لا يبقى له من أهل المعصية الّا اذاقها وبال ما جنت أيديها ، وتكلّم الاشراف ، بنحو من ذلك ، فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون وكانت المرأة تأتى ابنها وأخاها فتقول انصرف ، الناس يكفونك ويجىء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فينصرف.

فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه الّا ثلاثون نفسا فى المسجد فلمّا رأى انّه قد أمسى وما معه الّا اولئك النفر خرج من المسجد متوجها نحو أبواب كندة ، فما بلغ الابواب الّا ومعه منهم عشرة ، ثمّ خرج من الباب فاذا ليس معه انسان يدلّه ، فالتفت فاذا هو لا يحسّ أحدا يدلّه على منزله ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ فمضى على وجهه متلددا فى أزقة الكوفة لا يدرى أين


يذهب حتّى خرج الى دور بنى جبلة من كندة.

فمشى حتّى انتهى الى باب امرأة يقال لها طوعة أمّ ولد كانت للأشعث بن قيس ، فاعتقها فتزوّجها أسيد الحضرمى فولدت له بلالا ، وكان بلال قد خرج مع الناس وامّه قائمه تنتظره فسلّم عليها ابن عقيل فردّتعليه‌السلام ، فقال لها يا امة الله اسقينى ماء فسقته وجلس وادخلت الاناء ثمّ خرجت فقالت يا عبد الله لم تشرب قال بلى قالت فاذهب الى أهلك فسكت ثمّ اعادت عليه مثل ذلك فسكت ثمّ قالت له فى الثالثة سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فانّه لا يصلح لك الجلوس على بابى ولا احلّه لك.

فقام وقال يا امة الله ما لي فى هذا المصر منزل ولا عشيرة فهل لك فىّ أجر ومعروف ولعلّى مكافيك بعد اليوم قالت يا عبد الله وما ذلك قال انا مسلم بن عقيل كذبنى هؤلاء القوم وغرّونى وأخرجونى ، قالت : أنت مسلم قال نعم قالت ادخل فدخل بيتا فى دارها غير البيت الّذي تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش ولم يكن باسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول فى البيت والخروج منه ، فقال لها والله انّه لتريبنى كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه انّ لك لشانا.

قالت يا بنىّ أله ، عن هذا قال والله لتخبرينى قالت أقبل على شأنك ولا تسألنى عن شيء فألحّ عليها فقالت يا بنى لا تخبرنّ أحدا من الناس بشيء ممّا أخبرك به قال : نعم ، فاخذت عليه الايمان فحلف لها فأخبرته فاضطجع وسكت ولمّا تفرّق الناس عن مسلم بن عقيل طال على ابن زياد وجعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوت كما كان يسمع قبل ذلك قال لاصحابه : اشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا فأشرفوا فلم يروا أحد قال فانظروهم لعلّهم تحت الظّلال قد كمنوا لكم.

فنزعوا تخاتج المسجد وجعلوا يفحصون بشعل النار فى أيديهم وينظرون


فكانت احيانا تضىء لهم وأحيانا لا تضىء كما يريدون فدلّوا قناديل واطنان القصب تشدّ بالحبال فيها النيران ثمّ تدلّى حتّى ينتهى الى الارض ففعلوا ذلك فى أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتّى فعل ذلك بالظلّة الّتي فيها المنبر ، فلمّا لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد بتفرق القوم ففتح باب السدّة الّتي فى المسجد ، ثمّ خرج فصعد المنبر وخرج أصحابه معه فأمرهم ، فجلسوا قبيل العتمة وأمر عمرو بن نافع ، فنادى ألا برئت الذمّة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب أو المقاتلة صلّى العتمة الّا فى المسجد.

فلم يكن الّا ساعة حتّى امتلاء المسجد من النّاس ثمّ أمر مناديه فأقام الصلاة وأقام الحرس خلفه وأمرهم بحراسته من أن يدخل عليه أحد يغتاله وصلّى بالناس ، ثمّ صعد المنبر ، فحمد الله واثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه فى داره ومن جاء به فله ديته اتقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.

يا حصين بن نمير ، ثكلتك امّك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتنى به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة فابعث مراصد على أهل السكك وأصبح غدا فاستبرء الدور وجس خلالها حتّى تأتينى بهذا الرجل وكان حصين بن نمير على شرطه وهو من بنى تميم ، ثمّ دخل ابن زياد القصر وقد عقد لعمرو ابن الحريث راية وأمّره على الناس ، فلمّا اصبح جلس مجلسه ، وأذن للناس ، فدخلوا عليه وأقبل محمّد بن الاشعث ، فقال مرحبا بمن لا يستغش ولايتهم.

ثمّ اقعده الى جنبه وأصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى عبد الرحمن بن محمّد بن الاشعث ، فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند امّه فاقبل عبد الرحمن حتّى أتى أباه وهو عند ابن زياد سارّه فعرف ابن زياد سراره ، فقال له ابن زياد بالقضيب فى جنبه


قم فائتنى به الساعة ، فقام وبعث معه قومه ، لانّه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون يصاب فيهم مسلم بن عقيل ، وبعث معه عبيد الله بن عباس السلمى فى سبعين رجلا من قيس حتّى أتوا الدار الّتي فيها مسلم بن عقيل.

فلمّا سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنّه قد أتى فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم فضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ، ثمّ عاد وإليه فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمرى ، فضرب بكر فم ، مسلم فقطع شفته العليا ، وأسرع السيف فى السفلى وفصلت له ثناياه ، وضرب مسلم فى رأسه ضربة منكرة وثنّاه باخرى على حبل عاتقة كادت قطع على جوفه.

فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت فاخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار فى اطنان القصب ، ثمّ يلقونها عليه من فوق البيت ، فلمّا رأى ذلك خرج عليهم مصلتا سيفه فى السكة فقال له محمّد بن الأشعث لك الأمان ألا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول :

أقسمت لا اقتل الّا حرا

انّى رأيت الموت شيئا نكرا

ويجعل البارد سخنا مرا

ردّ شعاع الشمس فاستقرا

كلّ امرئ يوما ملاق شرا

أخاف أن اكذب أو أغرّا

فقال له محمّد بن الأشعث : انك لا تكذب ولا تغرّ فلا تجزع إنّ القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضائرك ، وكان قد اثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، فانبهر وأسند ظهره الى جنب تلك الدّار ، فاعاد ابن الاشعث عليه القول لك الامان ، فقال أآمن أنا قال نعم ، فقال للقوم الذين معه الى الامان ، قال القوم له نعم ، الّا عبيد الله ابن العبّاس السلمى ، فانّه قال : لا ناقة لى فى هذا ولا جمل وتنحى.

فقال مسلم أما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدى فى أيديكم واتى ببغلة فحمل


عليه فاجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه فكأنّه عند ذلك آيس من نفسه ، ودمعت عيناه ثمّ قال هذا أوّل الغدر ، قال له محمّد بن الاشعث : أرجوا أن لا يكون عليك بأس ، فقال وما هو الّا الرجاء أين أمانكم ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون وبكى فقال له عبيد الله بن العبّاس السّلمى : إنّ من يطلب مثل الّذي تطلب اذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، قال : إنّى والله ما لنفسى بكيت ، ولا لها من القتل ارثى وان كنت لم احبّ لها طرفة عين تلفا ، ولكن أبكى لأهلى المقبلين الىّ أبكى للحسين عليهوعليهم‌السلام .

ثمّ أقبل على محمّد بن الأشعث ، فقال يا عبد الله انّى أراك والله ستعجز عن أمانى ، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لسانى أن يبلغ حسينا ، فانّى لا أراه الّا قد خرج إليكم مقبلا أو هو خارج غدا وأهل بيته ، ويقول انّ ابن عقيل بعثنى إليك وهو أسير فى أيدى القوم لا يرى أنّه يمسى حتّى يقتل ، وهو يقول ارجع فداك أبى وأمّى بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة ، فانّهم أصحاب أبيك الّذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل ، إنّ أهل الكوفة قد كذبوك ، وليس لكذوب رأى.

فقال له ابن أشعث والله لأفعلنّ ولأعلمنّ ابن زياد انّى قد أمنتك وأقبل ابن الاشعث بابن عقيل الى باب القصر ، فاستأذن فاذن له ، فدخل على ابن زياد فأخبره خبر ابن عقيل وضرب بكر إيّاه وما كان من أمانه له فقال له عبيد الله : وما أنت والأمان ، كأنا أرسلناك لتؤمنه إنّما أرسلناك لتأتينا به ، فسكت ابن الاشعث وانتهى بابن عقيل الى باب القصر وقد اشتدّ به العطش وعلى باب القصر ناس جلوس ينتظرون الاذن.

فيهم عمارة بن عقبة بن أبى معيط ، وعمرو بن حريث ومسلم بن عمرو ، وكثير بن شهاب واذا قلّة باردة موضوعة على الباب فقال : مسلم اسقونى من هذا


الماء ، فقال مسلم بن عمرو أتراها ما أبردها والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتّى تذوق الحميم فى نار جهنّم ، فقال له ابن عقيل : ويلك من أنت قال أنا من عرف الحقّ إذ انكرته ونصح لامامه ، اذ غششته ، وأطاعه اذ خالفته أنا مسلم بن عمرو الباهلى.

فقال له ابن عقيل لامّك الثكل ما أجفاك وأفضّك وأقسى قلبك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود فى نار جهنّم منّى ثمّ جلس فتساند الى حائط ، وبعث عمرو بن حريث ، غلاما له فجائه بقلّة عليها منديل وقدح فصبّ فيه ماء ، وقال له : اشرب فأخذ كلّما شرب امتلاء القدح دما من فيه ، فلا يقدر أن يشرب ففعل ذلك مرّة أو مرّتين ، فلمّا ذهب فى الثالثة ليشرب سقطت ثناياه فى القدح ، فقال : الحمد لله لو كان من الرزق المقسوم شربته ، وخرج رسول ابن زياد فأمر بادخاله إليه.

فلمّا دخل لم يسلّم عليه بالإمرة فقال له الحرسى : ألا تسلم على الامير ، فقال : ان كان يريد قتلى فما سلامى عليه ، وان كان لا يريد قتلى ليكثرنّ سلامى عليه ، فقال له ابن زياد لعمرى لتقتلنّ ، قال كذلك ، قال نعم قال فدعنى أوصى الى بعض قومى قال افعل فنظر مسلم الى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص فقال : يا عمر انّ بينى وبينك قرابة ولى إليك ، حاجة وقد يجب لى عليك نجح حاجتى ، وهى سرّ ، فامتنع عمر أن يسمع منه ، فقال له عبيد الله لم تمتنع أن تنظر فى حاجة ابن عمّك ، فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد.

فقال له إنّ علىّ بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فبع سيفى ودرعى ، فاقضها عنّى ، فاذا قتلت فاستوهب جثّتى من ابن زياد فوارها وابعث الى الحسينعليه‌السلام من يردّه ، فانّى قد كتبت إليه اعلمه انّ الناس معه ولا أراه الّا مقبلا ، فقال عمر لابن زياد : أتدري أيّها الامير ما قال لى انّه ذكر كذا وكذا ، فقال له ابن زياد : إنّه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن امّا مالك فهو لك ، و


لسنا نمنعك أن تصنع به ما أحببت ، وأما جثّة فانا لا نبالى اذا قتلناه ما صنع بها وأمّا حسين فان هو لم يردنا لم نرده.

ثمّ قال ابن زياد أيها يا ابن عقيل ، أتيت الناس وهم جميع فشتتت بينهم ، وفرّقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض ، قال : كلا لست لذلك أتيت ، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم ، وسفك دمائهم ، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعوا الى حكم الكتاب ، فقال له ابن زياد : وما أنت وذاك يا فاسق لم لم تعمل فيهم بذاك إذا أنت بالمدينة تشرب الخمر ، قال : أنا أشرب الخمر.

أما والله انّ الله يعلم انّك غير صادق وانّك قد قلت بغير علم ، وانّى لست كما ذكرت ، وانّك أحقّ بشرب الخمر منّى ، وأولى بها من ولغ فى دماء المسلمين ، ولغا فيقتل النفس الّتي حرّم الله قتلها ويسفك الدّم الحرام على الغضب والعداوة وسوء الظنّ وهو يلهو ويلعب كان لم يصنع شيئا ، فقال له ابن زياد يا فاسق إنّ نفسك تمنّيك ما حال الله دونه ولم يرك الله له أهلا ، فقال مسلم فمن أهله اذا لم نكن نحن أهله.

فقال ابن زياد أمير المؤمنين يزيد ، فقال مسلم : الحمد لله على كلّ حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم ، فقال له ابن زياد قتلنى الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فى الاسلام من الناس ، فقال له مسلم أما أنّك أحقّ من أحدث فى الاسلام ما لم يكن ، وانّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة ، وخبث السيرة ولؤم الغلبة لأحد ، فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعليّا وعقيلاعليهم‌السلام ، وأخذ مسلم لا يكلّمه ثمّ قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثمّ اتبعوه جسده.

فقال مسلم والله لو كان بينى وبينك قرابة ما قتلتنى ، فقال ابن زياد اين هذا الّذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف فدعى بكر بن حمران الأحمرى ، فقال له اصعد


فلتكن أنت الّذي تضرب عنقه فصعد به وهو يكبّر ويستغفر الله ويصلّى على رسوله ، ويقول : اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا واشرفوا به على موضع الحذّائين اليوم فضربت عنقه واتبع جسده رأسه ، وقام محمّد بن الأشعث الى عبيد الله بن زياد فكلّمه فى هانى بن عروة.

فقال : انّك قد عرفت منزلة هانى فى المصر وبيته فى العشيرة وقد علم قومه انّى أنا وصاحبى سقناه إليك ، فانشدك الله لما وهبته لى فانى اكره عداوة المصر وأهله لى فوعده أن يفعل ثمّ بدا له ، فأمر بهانى فى الحال فقال أخرجوه الى السوق فاضربوا عنقه ، فاخرج هانى حتّى انتهى به مكانا من السوق كان يباع فيه من الغنم وهو مكتوف فجعل يقول وا مذحجاه ولا مذجح لى اليوم يا مذجاه يا مذحجاه واين مذجح فلمّا رأى أنّ أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف.

ثمّ قال : أما من عصا أو سكّين أو حجر أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه ، فوثبوا إليه فشدّوه وثاقا ، ثمّ قيل له مدّ عنقك فقال : ما أنا بها بسخىّ وما أنا بمعينكم على نفسى ، فضربه مولى لعبيد الله تركى يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع شيئا فقال هانى الى الله المعاد اللهمّ الى رحمتك ورضوانك ، ثمّ ضربه أخرى فقتله ، وفى مسلم بن عقيل وهانى بن عروة رحمة الله عليهما يقول عبد الله بن الزبير الأسدي :

فان كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانى فى السوق وابن عقيل

الى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوى من طمار قتيل

أصابهما أمر الأمير فاصبحا

أحاديث من يسرى بكلّ سبيل

ترى جسدا قد غيّر الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ سبيل

فتى هو أحيا من فتاه حيّية

واقطع من ذى شفرتين صقيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول

يطيف حواليه مراد وكلّهم

على رقبة من سائل ومسول


فان أنتم لم تثاروا بأخيكم

فكونوا بغايا ارضيت بقليل

لمّا قتل مسلم وهانى رحمة الله عليهما بعث عبيد الله بن زياد برأسهما مع هانى بن أبى حيّة الوادعى والزبير بن الاروح التميمى الى يزيد بن معاوية ، وأمر كاتبه ان يكتب ليزيد بما كان من أمر مسلم وهانى فكتب الكاتب وهو عمرو بن نافع ، فاطال فيه ، وكان أوّل من أطال فى الكتب فلمّا نظر فيه عبيد الله كرهه فقال ما هذا التطويل وما هذا الفضول اكتب.

أما بعد ، فالحمد لله الّذي أخذ لامير المؤمنين حقّه وكفاه مئونة عدوّه أخبر أمير المؤمنين انّ مسلم بن عقيل ألجأ الى دار هانى بن عروة المرادى ، وانى جعلت عليهما المراصد والعيون ، ودسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتّى استخرجتهما ومكن الله منهما فقدمتهما وضربت أعناقهما ، وقد بعثت إليك برأسهما مع هانى بن أبى حيّة الوادعى والزبير بن الأروح التميمى ، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمرهما فانّ عندهما علما وصدقا وورعا والسلام.

فكتب إليه يزيد : أمّا بعد فانّك لم تعد أن كنت كما أحبّ عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجاش ، وقد أغنيت وكفيت ، وصدّقت ظنّى بك ورأيى فيك ، وقد دعوت رسوليك ، وسألتهما وناجيتهما ، فوجدتهما فى رأيهما وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيرا وانّه قد بلغنى أنّ حسينا قد توجّه الى العراق فضع المناظر والمسالح واحترس واحبس على الظنّة واقتل على التهمة واكتب الىّ فيما يحدّث من خبر إن شاء الله تعالى(١) .

٢ ـ قال الطبرسى : كتب الى يزيد عمر بن سعد وغيره فلمّا وصلت الكتب

__________________

(١) الارشاد : ١٨٧ ـ ٢٠٠.


الى يزيد دعا بسرحون : مولى معاوية وشاوره فى ذلك وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد ، فقال سرحون : أرأيت معاوية لو يشير لك كنت آخذا برأيه؟ قال : نعم ، فاخرج سرحون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة ، فقال : انّ معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب فضمّ المصرين الى عبيد الله ، فقال يزيد : ابعث بعهد ابن زياد إليه وكتب إليه أن سرحون لا يقرأ كتابى هذا حتّى تأتى الكوفة ، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام.

فلمّا وصل العهد والكتاب الى عبيد الله أمر بالجمّاز من وقته والمسير الى الكوفة ومعه مسلم عمرو الباهلى ، وشريك بن الأعور الحارثى ، وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء فظنّوا أنّه الحسينعليه‌السلام ، فكان لا يمرّ على ملأ من الناس الّا سلّموا عليه فقالوا : مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم ، فرأى من تباشيرهم بالحسينعليه‌السلام ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لمّا أكثروا لهم ، تأخّروا هذا الامير عبيد الله بن زياد وساروا حتّى وافوا قصر الامارة.

فأغلق النعمان بن بشير عليهم الباب حتّى أعلم ، أنّه عبيد الله بن زياد ففتح له الباب فلمّا أصبح نادى فى الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس وخطب ، وقال : أمّا بعد فانّ أمير المؤمنين ولّاني مصركم ، وثغركم ، وفيئكم وأمرنى بانصاف مظلومكم ، واعطاء محرومكم ، والاحسان الى سامعكم ومطيعكم ، كالوالد البرّ وسوطى وسيفى على من ترك أمرى وعهدى فليتقّ كلّ امرئ على نفسه والصدق ينبئ عنك لا الوعيد ثمّ نزل وأخذ الناس أخذا شديدا.

لمّا سمع مسلم بن عقيل بمجيء ابن زياد الى الكوفة ، ومقالته الّتي قالها خرج من دار المختار إلى دار هانى بن عروة ، فأقبلت الشيعة يختلف إليه ، سرّا ونزل شريك بن الأعور ، دار هانى بن عروة ، ومرض فأخبر أنّ عبيد الله بن زياد يأتيه يعوده ، فقال لمسلم بن عقيل : أدخل هذا البيت فاذا دخل هذا اللّعين وتمكّن جالسا


فاخرج إليه واضربه ضربة بالسيف تأتى عليه وقد حصل المراد واستقام لك البلد لو منّ الله علىّ بالصحّة ضمنت لك استقامة أمر البصرة. فلمّا دخل ابن زياد وأمكنه ما وافقه بدا له فى ذلك ولم يفعل واعتذر الى شريك بعد وفات الأمر بأنّ ذلك كان يكون فتكا وقد قال النبيّ : «إنّ الايمان قيد الفتك» فقال : أما والله لو قد قتلته لقتلت غادرا فاجرا كافرا ، ثمّ مات شريك من تلك العلّة ودعا عبيد الله بن زياد مولى يقال له : معقل وقال : خذ ثلاثمائه درهم ثمّ اطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه فاذا ظفرت منهم بواحد أو جماعة فأعطهم هذه الدراهم وقل :

استعينوا بها على حرب عدوّكم فاذا اطمأنوا إليك ووثقوا بك لم يكتموك شيئا من أخبارهم ، ثمّ أغد عليهم ، ورح حتّى تعرف مستقرّ مسلم بن عقيل ، ففعل ذلك وجاء حتّى جلس عند مسلم بن عوسجة الأسدي فى المسجد الأعظم ، وقال : يا عبد الله انّى امرؤ من أهل الشام ، أنعم الله علىّ بحبّ أهل هذا البيت ، فقال له مسلم : أحمد الله على لقائك ، فقد سرّنى فى ذلك فقد ساءنى معرفة الناس ايّاى بهذا الأمر ، قبل أن يتمّ مخافة هذه الطاغية.

فقال له معقل : لا يكون الّا خيرا خذ مني البيعة فأخذ بيعته ، وأخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ ، وليمكننّ ، ثمّ قال : اختلف الىّ ايّاما فى منزلى فانّى طالب لك الاذن فأذن له ، مسلم بيعته ، ثمّ أمر قابض الأموال فقبض المال منه وأقبل ذلك اللّعين يختلف إليهم ، فهو أوّل داخل وآخر خارج ، حتّى علم ما احتاج إليه ابن زياد وكان يخبر به وقتا فوقتا وخاف هانى بن عروة على نفسه من عبيد الله بن زياد فانقطع عنه حضور مجلسه وتمارض.

فقال ابن زياد : ما لي لا أرى هانيا فقالوا : هو شاك فقال : لو علمت بمرضه لعدّته ، ودعا محمّد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجّاج الزبيدى فقال لهم : ما يمنع هانيا من اتياننا؟ فقالوا : ما ندرى وقد قيل : انّه يشتكى قال : لقد بلغنى


أنّه يجلس على باب داره ، فألقوه ومروه أن لا يدع ما عليه من حقّنا فأتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة وهو على باب داره جالس.

فقالوا : ما يمنعك من لقاء الأمير فقال لهم الشكوى يمنعنى من لقائه ، فقالوا له : قد بلغه أنّك تجلس على باب دارك ، عشية وقد استبطأك فدعا بثيابه فلبسها ودعا ببغلته فركبها فلمّا دخل على ابن زياد قال : أتتك بحائن رجلاه والتفت نحوه وقال :

اريد حياته ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

فقال هانى : وما ذاك أيّها الأمير؟ قال : ما هذه الامور الّتي تربّص فى دورك لأمير المؤمنين وعامّة المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل ، فأدخلته دارك وجمعت له الرجال والسلاح قال : ما فعلت ذلك قال : بلى ثمّ دعا ابن زياد معقلا ذلك اللّعين فجاء حتّى وقف بين يديه فلمّا رآه هانى علم أنّه كان عينا عليهم ، وأنّه قد أتاه بأخبارهم ، فقال : اسمع منّى وصدّق مقالتى والله ما دعوته الى منزلى ولا علمت بشيء من أمره حتّى جاء يسألنى النزول.

فاستحييت أن أردّه فضيفته وآويته ، وأنا أعطيك اليوم عهدا لا أبغيك سوءا ولا غائلة وإن شئت أعطيك رهينة فتكون فى يدك حتّى آتيك به أو آمره أن يخرج من دارى حيث شاء من الأرض فأخرج من جواره ، فقال ابن زياد : والله ما تفارقنى أبدا حتّى تأتينى به قال : لا والله لا آتيك به وكثر الكلام بينهما حتّى قال : والله لتأتينّي به قال : لا والله لا آتيك به قال : لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك فقال هانى : إذا والله تكثر البارقة حول دارك.

فقال ابن زياد : أبا البارقه تخوّفنى وهو يظنّ أن عشيرته سيمنعونه ، فقال : ادنوه منّى فلم يزل يضرب وجهه بالقضيب حتّى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ، وضرب هانى يده على قائم سيف شرطىّ وجاذبه الرجل ويمنعه ، فقال ابن زياد : قد حلّ لنا قتلك فجرّوه فألقوه فى بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه الباب ، وبلغ


الخبر مسلم بن عقيل ، فأمر أن ينادى فى الناس فملأ بهم الدور ، وقال لمناديه ناديا منصور.

فعقد مسلم لرؤوس الارباع على القبائل كندة ومذحج وأسد وتيم وهمدان فتداعى الناس واجتمعوا فامتلأ المسجد من الناس والسوق وما زالوا يتوثبون حتّى المساء وضيّق بعبيد الله أمره ، وليس فى القصر معه إلّا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته وأقبل من نأى عنه من أشراف النّاس يأتونه من قبل الباب الذي يلى دار الروميّين وجعل من فى القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونه بالحجارة.

دعا ابن زياد بكثير ابن شهاب ومحمّد بن الأشعث وشبث بن ربعى وجماعة من رؤساء القبائل ، وأمرهم أن يسيروا فى الكوفة ويخذلوا الناس عن مسلم ابن عقيل ، ويعلموهم بوصول الجند من الشام ، وأنّ الأمير قد أعطى الله عهدا لئن تمّمتم على حربه ، ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء ويأخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، فلمّا سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرّقون وكانت المرأة تأتى ابنها وأخاها وزوجها وتقول : انصرف الناس يكفونك ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول : غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشرّ فيذهب به فينصرف.

فما زالوا يتفرّقون حتّى أمسى ابن عقيل وصلّى المغرب وما معه من أصحابه الّا ثلاثون رجلا فلمّا رأى ذلك خرج متوجّها نحو باب كندة ، فلمّا بلغ الباب معه منهم عشرة فخرج من الباب فاذا ليس معه انسان ولا يجد أحدا يدلّه على الطريق فمضى على وجهه متلدّدا فى أزقّة الكوفة لا يدرى أين يذهب فمشى على باب امرأة يقال لها : طوعة وهى على باب دارها ينتظر ولدها ، فسلّم عليه ، وقال : يا امة الله اسقينى ماء فسقته وجلس فقالت : يا عبد الله فاذهب الى أهلك؟


فقال : يا أمة الله ما لي فى هذا المصر منزل هل لك فىّ أجر ومعروف ولعلّى اكافيك بعد اليوم فقالت : وما ذاك؟ قال : أنا مسلم بن عقيل كذّبنى هؤلاء القوم وغرّونى وأخرجونى قالت : أنت مسلم؟ قال : نعم قالت : ادخل فدخل دارا فى بيتها غير الّذي تكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ ، فجاء ابنها فرآها تكثر الدخول الى البيت ، والخروج منه فسألها عن ذلك فقالت يا بنىّ أله عن هذا قال : والله لتخبرينى.

فأخذت عليه الايمان ، أن لا يخبر أحدا فحلف ، فأخبرته وكانت هذه المرأة أمّ ولد للأشعث بن قيس ، فاضطجع ابنها وسكت وأصبح فغدا الى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث ، فأخبره بمكان مسلم بن عقيل ، عند أمّه ، فأقبل عبد الرحمن حتّى أتى أباه وهو عند ابن زياد فسارّه فعرف ابن زياد سراره ، قال : قم فأتنى به الساعة فقام وبعث معه عبيد الله بن العبّاس السلمى فى سبعين رجلا حتّى أتوا الدار الّتي فيها مسلم.

فلمّا سمع وقع الحوافر وأصوات الرجال علم أنّه قد أتى العدوّ فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم ، يضربهم بسيفه ، حتّى أخرجهم من الدار ، واختلف هو وبكر بن حمران الاحمرى فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا ، وأسرع فى السفلى وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وثنى بأخرى على حبل العاتق ، وخرج عليهم مصلتا سيفه فقال له محمّد بن الاشعث : لك الامان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول :

أقسمت لا اقتل إلّا حرّا

إنّى رأيت الموت شيئا نكرا

كلّ امرئ يوما ملاق شرّا

أخاف أن اكذب أو اغرّا

فقال له محمّد بن الأشعث : انّك لا تكذب ولا تغر ، فلا تجزع إنّ القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك فقال مسلم : أمّا لو لم تؤمّنونى ما وضعت يدى فى أيديكم ، فأتى


ببغلة فركبها واجتمعوا حوله فانتزعوا سيفه فكانّه آيس هناك من نفسه ، فدمعت عيناه وقال : هذا أوّل الغدر وأقبل على محمّد بن الأشعث وقال : انّى أراك والله ستعجز عن أمانى فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من هناك رجلا على لسانى أن يبلّغ حسينا ، فانّى لأراه إلّا خرج إليكم اليوم أو هو خارج غدا ، ويقول :

إنّ ابن عقيل بعثنى إليك ، وهو أسير فى أيدى القوم ، ما أرى أن يمسى حتّى يقتل وهو يقول : ارجع فداك أبى وأمّى بأهل بيتك يا ابن عمّى ولا تغتّر بأهل الكوفة فانّهم أصحاب أبيك الّذي يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل انّ أهل الكوفة كذبوك وليس لكذوب رأى ، فقال ابن الأشعث : لأفعلنّ ولأعلمنّ ابن زياد أنّى قد أمّنتك وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل الى باب القصر ، ودخل على عبيد الله وما كان من أمانه فقال ابن زياد : ما أنت والأمان؟ كأنّا أرسلناك لتؤمّنه وإنمّا أرسلناك لتأتينا به فسكت ابن الأشعث وخرج رسول ابن زياد فأمر بادخال مسلم.

فلمّا دخل لم يسلّم عليه بالامرة فقال الحرسى : ألا تسلم على الامير؟ قال : إن كان يريد قتلى فما سلامى عليه ، وإن كان لا يريد قتلى ليكثرنّ سلامى عليه ، فقال ابن زياد : لعمرى لتقتلنّ قتلة لم يقتلها أحد من الناس فى الاسلام فقال له مسلم : أنت أحقّ من أحدث فى الاسلام وأنّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وقبح السيرة ولؤم الغلبة ، وأخذ ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلّمه ثمّ قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده.

فقال مسلم : لو كان بينى وبينك قرابة ما قتلتنى فقال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه ، فدعى بكر بن حمران الاحمرى ، فقال له : اصعد فكن أنت الذي يضرب عنقه ، وجعل مسلم يكبّر الله ويستغفره ويصلّى على النبيّ وآله ويقول : اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا ، وضرب عنقه وأتبع جسده رأسه وأمر بهانى بن عروة فأخرج الى السوق وضرب عنقه وهو يقول الى الله


المعاد اللهمّ الى رحمتك ورضوانك وفى قتلها يقول عبد الله بن الزبير الأسدي :

وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانى فى السوق وابن عقيل

الى بطل قد هشّم السيف وجهه

وآخر يهوى من جدار قتيل

ـ فى ابيات ـ

بعث ابن زياد برأسهما الى يزيد بن معاوية ، وكان خروج مسلم بالكوفة يوم الثلثاء لثمان مضين من ذى الحجّة يوم التروية وقيل يوم عرفة سنة ستّين(١) .

٣ ـ قال الفتال : كتب عبد الله بن مسلم وعمارة بن عقبة ، وعمر بن سعد الى يزيد بن معاوية ، أمّا بعد فانّ مسلم بن عقيل قدم الكوفة ، فتابعه شيعة الحسين بن علىعليهما‌السلام ، فان يكن لك فى الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك فى عدوّك ، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف ، فلمّا وصلت الكتب الى يزيد دعا سرجون مولى معاوية ، فقال له ما رايك؟ إنّ حسينا قد وجه الى الكوفة مسلم بن عقيل يبيع له وقد بلغنى انّ النعمان ضعيف فمن ترى ان استعمل على الكوفة وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد.

فقال سرجون أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذا برأيه قال نعم ، قال فاخرج سرجون عهد عبيد الله على الكوفة ، وقال هذا رأى معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب ، فضمّ المصرين الى عبيد الله فقال له يزيد أفعل ابعث بعهد ابن زياد إليه ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهلى ، فكتب الى عبيد الله معه ، أمّا بعد.

فانّه كتب الىّ شيعتى من أهل الكوفة تخبرنى أنّ ابن عقيل بها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين فسرحين تقرأ كتابى ، هذا حتّى تأتى الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة ، حتّى تثقفه أو تقتله أو تنفيه والسلام وسلّم إليه عهده الكوفة.

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٢ ـ ٢٢٦.


فخرج مسلم بن عمرو حتّى قدم على عبيد الله بالبصرة فأوصل إليه العهد ، والكتاب ، فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير الى الكوفة ، من الغد ثمّ خرج من البصرة فاستخلف اخاه عثمان وأقبل الى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى وشريك الأعور الحارثى وحشمه وأهل بيته حتّى دخل الكوفة ، وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال الحسينعليه‌السلام إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنّوا حين رأوا عبيد الله أنّه الحسين.

فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس الّا سلموا عليه وقالوا مرحبا بابن رسول الله ، قدمت خير مقدم فرأى من تباشيرهم بالحسين ما ساءه ، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا : تأخّروا هذا الامير عبيد الله بن زياد ، وسار حتّى وافى القصر فى اللّيل ومعه جماعة قد التقوا به فدعا ابن زياد مولى له يقال له معقل فقال له خذ ثلث آلاف درهم ، ثمّ اطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه ، فاذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم وقل لهم استعينوا بها على حرب عدوّكم وأعلمهم انّك منهم.

فانّك لو أعطيتهم إيّاها اطمأنّوا إليك ووثقوا بك ولم يكتموا شيئا من أخبارهم ، ثمّ أغد عليهم ورح حتّى تعلم مستقرّ مسلم بن عقيل ، وتدخل عليه ، ففعل ذلك وجاء فطلب الاذن ، فاذن له فاخذ مسلم بيعته وأمر أبا ثمامة الصائدى بقبض المال منه وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم ، فهو أوّل داخل وآخر ، خارج ، حتّى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم وكان يحبره بهم(١) فاجتمع لابن عقيل أربعة ألف رجل وما زالوا يتوثبون حتّى المساء فضاق بعبيد الله أمره وكان أكثر عمله أن يمسك باب القصر وليس معه فى القصر إلّا ثلثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته وخاصته ، حتّى كادت الشمس أن يجب فكانت المرأة تأتى ابنتها وأخاها فتقول انصرف ، الناس يكفونك ويجىء

__________________

(١) كذا فى الاصل.


الرجل الى ابنه وأخيه فيقول غدا يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشر انصرف فيذهب به فيصرفه.

فما زالوا يتفرّقون عن ابن عقيل حتّى أمسى وصلّى المغرب وما معه إلّا ثلثون نفسا فى المسجد ، فلمّا رأى انّه قد أمسى وليس معه إلّا اولئك النفر خرج متوجّها نحو ابواب كندة فما بلغ الابواب ، ومعه عشرة ثمّ خرج من الباب فاذا ليس معه انسان ، فالتفت فاذا هو لا يحسّ أحدا يدلّه على الطريق ، ولا يدلّه على منزله ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ فمضى على وجهه مترددا فى أزقة الكوفة لا يدرى أين يذهب.

فمشى حتّى انتهى الى باب امرأة يقال لها طوعة أمّ ولد كانت للاشعث بن قيس ، فأعتقها فتزوّجها أسيد الحضرمى فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس فانّها قائمة تنتظره فسلم عليها ابن عقيل فردّت عليه ، فقال لها يا امة الله اسقنى ماء فسقته وجلس ، وأدخلت الاناء ثمّ خرجت فقالت : يا عبد الله ألم تشرب ، قال بلى قالت فاذهب الى أهلك فسكت ثمّ أعادت مثل ذلك فسكت.

ثمّ قالت له فى الثالثة سبحان الله قم عافاك الله الى أهلك فانّه لا يصلح لك الجلوس على بابى ولا أحلّه لك ، فقام وقال يا أمة الله ما لي فى هذا المصر منزل ، ولا عشيرة فهل لك فى أجر ومعروف ولعلّى مكافيك ، قالت يا عبد الله وما ذاك قال : أنا مسلم بن عقيل كذبنى هؤلاء القوم وغرّونى وأخرجونى ، قالت أنت مسلم قال نعم قالت : أدخل فدخل بيتا فى دارها غير البيت الذي تكون فيه ففرشت له وعرضت له العشا فلم يتعشّ ولم يكن باسرع ان جاء ابنها فرآها تكثر الدخول فى البيت والخروج منه.

فقال لها والله انّه ليريبنى كثرة دخولك هذا البيت منذ اللّيلة وخروجك منه انّ لك لشأنا قالت : يا بنىّ اعرض عن هذا قال والله لتخبرينى قالت : أقبل على


شأنك ، ولا تسألنى عن شيء ، فألحّ عليها قالت يا بنىّ لا تخبرنّ أحدا من النّاس شيئا ممّا أخبرتك به ، قال : نعم فأخذت عليه الايمان فحلف لها ، فأخبرته فاضطجع وسكت ، فلمّا أصبح فغدا الى عبد الرحمن بن محمّد بن الاشعث ، فأخبره بمكان مسلم ابن عقيل ، عند أمّه.

فأقبل عبد الرحمن حتّى أتاه أباه فأخبره ، وهو عند ابن زياد فساره ، فعرف ابن زياد إسراره ، فقال له ابن زياد بالقضيب فى جنبه ، قم فاتنى به السّاعة ، فقام ، وبعث معه قومه لأنّه قد علم أن كلّ قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل ابن عقيل ، فبعث عبيد الله بن العباس السّلمى ، فى سبعين رجلا من قيس حتّى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل رضى الله عنه ، فلمّا وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنّه قد أتى فخرج إليهم يضربهم بسيفه ، حتّى أخرجهم من الدار.

ثمّ عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمرى ، فضرب فم مسلم ، فقطع شفته العليا وأسرع فى السفلى ونصلت ثناياه فضربه مسلم فى رأسه ضربة منكرة ، وثناه بأخرى على حبل العاتق ، كادت تطلع على جوفه ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار فى أطنان القصب ثمّ يلقونها عليه من فوق البيت ، فلمّا رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه فى السكّة وقال له محمّد بن الأشعث لك الامان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول عند ذلك.

أقسمت لا أقتل إلّا حرّا

انى رأيت الموت شيئا نكرا

وأخلط البارد سخنا مرّا

ردّ شعاع الشمس فاستقرّا

كلّ امرئ يوما ملاق شرّا

أخاف إن كذب اواغرا

فقال محمّد بن الاشعث انّك لا تكذب ولا تغرّ ولا تخدع انّ القوم بنو عمّك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك وقد اثخن بالحجارة ، وقد عجز عن القتال ، فانبهر


واسند ظهره إلى جنب تلك الدّار ، فأعاد ابن الأشعث عليه القول لك الامان ، فقال آمن أنا ، فقال نعم فقال للقوم الذين معه لى الأمان ، فقال القوم له ، نعم الّا عبيد الله ابن العبّاس السلمى ، فانّه قال لا ناقة لى فى هذا ولا جمل وتنحى ، فقال مسلم : أما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدى فى أيديكم وأتى ببغلة فحمل عليها واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه ، فكأنّه عند ذلك آيس من نفسه فدمعت عيناه.

ثمّ قال هذا أول الغدر ، فقال له محمّد بن الأشعث أرجوا أن لا يكون عليك باس ، فقال ما هو الّا الرجاء أين أمانكم إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وبكى ، فقال له عبيد الله بن العبّاس السلمى : إنّ الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الّذي نزل بك لم يبك ، فقال والله إنّى ما لنفسى بكيت ولا لها من القتل ارثى ، وإن كنت لم أخبّ لها طرفة عين ، ولكنّى أبكى لأهلى المقبلين الىّ أبكى للحسين وآل الحسين صلوات الله عليهم.

ثمّ أقبل بابن عقيل الى باب القصر ، فاستأذن ، فاذن له فدخل على عبيد الله فاخبره خبر ابن عقيل وذكر ما كان من أمانه له ، فقال له عبيد الله وما أنت والأمان كانّنا أرسلناك لتؤمنه إنّما أرسلناك لتأتينا به ، فسكت ابن الاشعث ، وانتهى ابن عقيل إلى باب القصر وقد اشتدّ به العطش ، فقال : اسقونى من هذا الماء وتساند الى حائط وبعث عمرو بن حريث غلاما له فجاءه بقلّة عليها منديل وقدح فصبّ فيه ماء ، فقال له اشرب فأخذ كلّما شرب امتلاء القدح دما من فمه فلا يقدر أن يشرب ففعل ذلك مرّة أو مرّتين فلمّا ذهب فى الثالثة ليشربه سقطت ثنيتاه فى القدح.

فقال : الحمد لله لو كان لى من الرزق المقسوم ، شربته ، وخرج رسول ابن زياد وأمر بادخاله ، فلمّا دخل لم يسلّم عليه بالامرة ، فقال له الحرس ألّا تسلم على الأمير فقال : إن كان يريد قتلى فما سلامى عليه وان كان لا يريد قتلى ليكثر سلامى عليه ، فقال له ابن زياد : لعمرى لتقتلنّ قال : كذلك ، قال نعم قال : دعنى أوصى الى


بعض قومى ، قال افعل ، فنظر الى جلساء ابن زياد فيهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص فقال يا عمر بينى وبينك قرابة ولى إليك حاجة ، وقد يجب عليك انجح حاجتى وهو سرّ فامتنع عمر أن يسمع منه.

فقال له عبيد الله لم تمنع أن تنظر فى حاجة ابن عمّك ، قال فجلس حتّى ينظر إليهما ابن زياد ، فقال : انّ علىّ دينا استدنته مذ وقت قدمت الكوفة سبعمائة درهم ، فاقضها عنّى وإذا قتلت فاستوهب جثمى من ابن زياد فوارها وابعث الى الحسين من يردّه فانّى قد كنت أعلمته أنّ الناس ليسوا الّا معه ولا أراه الّا مقبلا فقال عمر لابن زياد : أتدري أيّها الامير ما قال انّه ذكر كذا وكذا فقال ابن زياد لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن.

أمّا مالك فهو لك ، ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحببت وأمّا جثّته فانا لا نبالى اذا قتلناه ما صنع بها وأمّا الحسين فهو ان لم يردنا لم نرده ، اصعدوا به فوق القصر : واضربوا عنقه ، ثمّ اتبعوا جسده اين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف فدعى بكر بن حمران ، فقال له اصعد فلتكن أنت الذي تضرب عنقه ، فصعد به وهو يكبّر ويستغفر الله ويصلّى على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقول : اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا فاشرفوا به على موضع الخراس اليوم فضربت عنقه واتبع جسده رأسه(١)

٤ ـ قال ابن شهرآشوب : فكتب يزيد على يدى مسلم بن عمرو الباهلى إلى عبيد الله بن زياد ، وهو والى البصرة ، وولّاه الكوفة مع البصرة وأن يطلب مسلم ابن عقيل ، فيقتله أو ينفيه فالعجل العجل ، فلمّا وصل المنشور الى ابن زياد قصد إلى الكوفة ودخلها بغتة فى اللّيل وهو متلثم فزعم من رآه أنّه الحسين فكانوا يقولون

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٤٨ ـ ١٥٢.


مرحبا بابن رسول الله قدمت خير مقدم ، حتّى نزل دار الامارة فانتقل مسلم من دار سالم الى دار هانى بن عروة فى الليل ودخل أمانه وكان يبايعه الناس حتّى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل فعزم على الخروج.

فقال هانى لا تعجل ثمّ انّ عبيد الله أعطى مولاه ، معقل ثلاث آلاف درهم ، وقال له : اذهب حتّى تسأل عن الرجل الّذي يبايعه أهل الكوفة ، فأعلمه أنّك رجل من أهل حمص ، جئت لهذا الامر وهذا مال تدفعه لتتقوى به ، فلم يزل يتلطّف ويسترشد حتّى دلّ على مسلم بن عوسجة الأسدي ، وكان الّذي يأخذ البيعة ، فادخله على مسلم ، وقبض منه المال ، وبايعه ، ورجع معقل الى عبيد الله فأخبره وكان شريك بن الأعور الهمدانيّ جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل دار هانى بن عروة أيّاما.

ثمّ قال لمسلم : انّ عبيد الله يعودنى وانّى مطاولة الحديث فاخرج إليه بسيفك فاقتله وعلامتك أقول اسقونى ماء ونهاه هانى عن ذلك ، فلمّا دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه وطال سؤاله ورأى أنّ أحدا لا يخرج فخشى أن يفوته فاخذ يقول :

ما الانتظار لسلمى أن يحييها

كاس المنيّة بالتعجيل اسقوها

فتوهم ابن زياد وخرج فلمّا دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمى بكتاب أخذه من يدى عبد الله بن يقطر فاذا فيه للحسين بن على أمّا بعد فانّى أخبرك انّه قد بايعك من أهل الكوفة كذا فاذا أتاك كتابى هذا فالعجل العجل فان النّاس معك وليس لهم فى يزيد رأى ولا هوى فأمر ابن زياد بقتله ، وقال لمحمّد بن الأشعث الكندى وعمرو بن الحجّاج الزبيدى ، وأسماء بن خارجة الفزارى احضروا هانى بن عروة ، فاحضروه باللّطف فالتقت ابن زياد الى شريح القاضى وتمثّل :


اريد حياته ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

فقال هانى ما هذا أيّها الأمير قال جئت بمسلم بن عقيل وادخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال فى دور حولك وظننت أنّ ذلك يخفى علىّ فأنكرهانى ابن عروة ذلك ، فقال : علىّ بمعقل فلمّا جيء به قال أتعرفه قال هانى ما دعوت مسلما وإنمّا جاءني بالجوار ، فاذ قد عرفت أخرجه من جوارى ، قال لا والله لا مناص لك منّى إلّا بعد أن تسلمه الىّ قال لا يكون ذلك أبدا.

فكلّمه مسلم بن عمرو الباهلى فى ذلك ، قال ليس عليك فى دفعه عار إنمّا تدفعه الى السلطان فقال هانى : بلى والله علىّ أعظم العار أن أسلم جارى وضيفى ورسول ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا حىّ صحيح الساعدين ، كثير الأعوان ، والله لو لم أكن الّا واحدا لما سلّمته أبدا ، حتّى أموت من دونه ، فقال ابن زياد إن لم تحضره لأضربنّ عنقك ، وضرب قضيبا على أنفه وجبهته ، حتّى هشمه وأمر بحبسه وبلغ ذلك مذحجا ، فاقبلت الى القصر.

فأمر ابن زياد شريحا القاضى أن يخرج إليهم ويعلمهم أنّه حىّ سالم فخرج إليهم وصرفهم ، ووصل الخبر مسلم بن عقيل فى أربعة آلاف كانوا حواليه ، فاجتمع إليه ثمانية آلاف ممّن بايعوه فتحرز عبيد إله وغلق الأبواب وسار مسلم حتّى أحاط بالقصر ، فبعث عبيد الله كثير بن شهاب الحارثى ، ومحمّد بن الاشعث الكندى من باب الروميّين براية الامان لمن جاءها من الناس ، فرجع الرؤساء إليها فدخلوا القصر ، فقال لهم عبيد إله اشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة وخوّفوا أهل المعصية.

فما زال الناس يتفرّقون أمسى مسلم وما معه الّا ثلاثون نفسا ، فلمّا صلّى المغرب ما رأى أحدا فبقى فى أزقّة كندة متحيّرا فمشى حتّى أتى الى باب امرأة يقال لها طوعة كانت أمّ ولد محمّد بن الاشعث ، فزوّجها أسيد الحضرمى ، فولدت له بلالا


وكان بلال خرج مع النّاس وأمة قائمة تنتظره ، فقال لها مسلم يا أمة الله اسقينى فسقته ، وجلس ، فقالت له يا عبد الله اذهب الى أهلك فسكت ثمّ عادت فسكت فقالت : سبحان الله قم الى أهلك.

فقال ما لي فى المصر منزل ، ولا عشيرة قالت فلعلّك مسلم بن عقيل ، فآوته فلمّا دخل بلال على امّه ، وقف على الحال ، ونام فلمّا أصبح اذا مناد من دلّ على مسلم فله ديته ، وبرئت الذمّة من رجل وجدناه فى داره ، فجاء بلال الى عبد الرحمن ابن محمّد بن الاشعث ، فأخبره بمكان مسلم بن عقيل ، عنده ، فأقبل عبد الرحمن ودنا من أبيه وسارّه ، فقال ابن زياد ما يقول ابنك فقال يقول ابن عقيل فى دار من دورنا ، فانفذ عبيد الله عمرو بن الحريث المخزومى ومحمّد بن الأشعث فى سبعين رجلا أطافوا بالدار فحمل مسلم عليهم وهو يقول :

هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع

فانت بكأس الموت لا شك طارع

فصبر لأمر الله جل جلاله

فحكم قضا والله فى الخلق ذايع

فقتل منهم أحدا وأربعين رجلا ، فانفذ ابن زياد اللّائمة الى ابن الاشعث فقال : أيّها الأمير انّك بعثتنى الى أسد ضرغام ، وسيف حسّام ، فى كف بطل همام من آل خير الأنام ، قال ويحك ابن عقيل لك الامان وهو يقول لا حاجة لى فى أمان الفجرة وهو يرتجز :

أقسمت لا أقتل إلّا حرّا

ولو وجدت الموت كاسا مرّا

أكره أن أخدع أو أغرّا

كلّ أمر يوما يلاقى شرّا

أضربكم ولا أخاف ضرّا

ضرب غلام قطّ لم يفرّا

فضربوه بالسهام والأحجار حتّى عيى واستند حائطا فقال ما لكم ترمونى بالأحجار كما ترمى الكفّار وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ألا ترعون حقّ رسول الله فى ذرّيّته ، فقال ابن الأشعث لا تقتل نفسك ، وأنت فى ذمّتى قال :


أؤسر وبي طاقة ، لا والله لا يكون ذلك أبدا وحمل عليه فهرب منه فقال مسلم : اللهمّ انّ العطش قد بلغ منّى فحملوا عليه من كلّ جانب فضربه بكر بن حمران الأحمرى على شفته العليا ، وضربه مسلم فى جوفه فقتله ، وطعن من خلفه فسقط من فرسه فأسر.

فقال مسلم اسقونى شربة من ماء فأتاه غلام عمرو بن حريث بشربة زجاج وكانت تملىء دما وسقط ثنيته ، فأتى به الى ابن زياد فتجاوبا وكان ابن زياد يسبّ حسينا وعلياعليهما‌السلام ، فقال مسلم فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله فقال ابن زياد اصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه وكان مسلم يدعو الله ويقول :

اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا فقتله وهو على موضع الحذائين ، ثمّ أمر بقتل هانى بن عروة فى محلّة يباع فيها الغنم ثمّ أمر بصلبهما منكوسا وأنشد أسدى :

فان كنت ما تدرين ما الموت فانظرى

الى هانى بالسوق وابن عقيل

وانفذ رأسهما الى يزيد فى صحبة هانى بن حيوة الوادعى فنصب الرأسين فى درب من دمشق(١) .

٥ ـ قال ابن طاوس : فكتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد ، وكان واليا على البصرة بأنّه قد ولّاه الكوفة وضمّها إليه وعرفه أمر مسلم بن عقيل ، وأمر الحسينعليه‌السلام ويشدد عليه فى تحصيل مسلم وقتله رضوان الله عليه فتأهّب عبيد الله للمسير الى الكوفة.

فلمّا أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد ، وأسرع هو الى قصر الكوفة ، فلمّا قار بها نزل حتّى أمسى ثمّ دخلها ليلا فظنّ أهلها أنّه الحسينعليه‌السلام فباشروا

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٠ ـ ٢١٢.


بقدومه ودنوا منه ، فلمّا عرفوا أنّه ابن زياد تفرقوا عنه ، قد دخل قصر الأمارة وبات فيه الى الغداة ، ثمّ خرج وصعد المنبر ، وخطبهم وتوعّدهم على معصية السلطان ووعدهم مع الطاعة بالاحسان ، فلمّا سمع مسلم بن عقيل بذلك خاف على نفسه من الاشتهار فخرج من دار المختار ، وقصد دار هانى بن عروة ، فآواه وكثر اختلاف الشيعة إليه وكان عبيد الله قد وضع المراصد عليه.

فلمّا علم أنّه فى دار هانى دعا محمّد بن الاشعث وأسماء بن خارجة ، وعمرو ابن الحجّاج ، وقال ما يمنع هانى بن عروة من اتياننا ، فقالوا ما ندرى وقد قيل إنّه يشتكى ، فقال قد بلغنى ذلك وبلغنى أنّه قد برأ وأنّه يجلس على باب داره ولو أعلم أنّه شاك لعدّته ، فالقوه ومروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقّنا فانّى لا أحبّ أن يفسد عندى مثله ، من أشراف العرب ، فاتوه ووقفوا عليه عشية على بابه ، فقالوا ما يمنعك من لقاء الأمير فانّه قد ذكرك ، وقال لو أعلم انّه شاك لعدته.

فقال لهم الشكوى تمنعنى ، فقالوا له قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشية على باب دارك ، وقد استبطاك ، والابطاء والجفاء لا يتحمله السلطان من مثلك لأنّك سيد فى قومك ، ونحن نقسم عليك ، إلّا ما ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها ، ثمّ دعا ببغلة فركبها حتى اذا دنا من القصر ، كأنّ نفسه أحست ببعض الذي كان ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا ابن أخى انّى والله لهذا الرجل الأمير لخائف فما ترى.

قال : والله يا عمّ ما أتخوّف عليك شيئا ولا تجعل على نفسك سبيلا ، ولم يكن حسان يعلم فى أىّ شيء بعث إليه عبيد الله فجاء هانى والقوم معه حتّى دخلوا جميعا على عبيد الله ، فلمّا رأى هانيا قال أتتك بخائن لك رجلاه ، ثمّ التفت الى شريح القاضى وكان جالسا عنده ، وأشار الى هانى وانشد بيت عمرو بن معدى كرب الزبيدى.

أريد حياته ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد


فقال له هانى وما ذاك أيّها الأمير ، فقال ايه يا هانى ما هذه الامور التي تربص فى دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين ، جئت بمسلم بن عقيل ، وأدخلته فى دارك وجمعت له السلاح والرجال فى الدور حولك وظننت ان ذلك يخفى على ، فقال ما فعلت ، فقال ابن زياد بلى قد فعلت فقال ما فعلت أصلح الله الامير ، فقال ابن زياد : على بمعقل مولاى ، وكان معقل عينه على أخبارهم وقد عرف كثيرا من اسرارهم فجاء معقل حتّى وقف بين يديه.

فلمّا رآه هانى عرف أنّه كان عينا عليه فقال : أصلح الله الامير والله ما بعثت الى مسلم بن عقيل ولا دعوته ، ولكن جاءني مستجيرا فأجرته ، فاستحييت من ردّه ودخلنى من ذلك ذمام فضيفته ، فأمّا اذ قد علمت فخلّ سبيلى حتّى ارجع إليه وآمره بالخروج من دارى ، الى حيث شاء ، من الأرض لأخرج بذلك من ذمامه وجواره ، فقال له ابن زياد لا تفارقنى أبدا حتى تأتينى به ، فقال لا والله لا أجيئك بضيفى حتّى تقتله قال والله لتأتينّي به.

قال لا والله لا آتيك به ، فلمّا كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلى ، فقال أصلح الله الأمير خلنى وإيّاه حتّى اكلمه ، فقام فخلى به ناحية وهما بحيث يراهما ابن زياد ويسمع كلامهما اذا رفعا أصواتهما فقال له مسلم يا هانى أنشدك الله أن لا تقتل نفسك ، ولا تدخل البلاء على عشيرتك ، فو الله إنّى لأنفس بك عن القتل إنّ هذا الرجل ابن عمّ القوم وليسوا قاتليه ولا ضارئيه ، فادفعه إليه ، فانّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة وإنمّا تدفعه الى السلطان.

فقال هانى : والله إنّ علىّ بذلك الخزى والعار أنا أدفع جارى وضيفى ورسول ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا صحيح الساعدين كثير الأعوان والله لو لم أكن الا واحد أليس لى ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه ، فأخذ يناشده وهو يقول والله لا ادفعه أبدا إليه ، فسمع ابن زياد ذلك ، فقال ابن زياد أدنوه منى فأدنى منه فقال


والله ليأتينى به أولا ضربن عنقك ، فقال هانى اذن والله تكثر البارقة حول دارك.

فقال ابن زياد وا لهفاه عليك أبا البارقة تخوفنى وهانى يظنّ أن عشيرته يسمعونه ثمّ قال أدنوه منّى فأدنى منه فاستعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى انكسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه ، ونثر لحم خدّه وجبينه على لحيته ، فانكسر القضيب فضرب هانى بيده الى قائم سيف شرطى ، فجاذبه ذلك الرجل فصاح ابن زياد خذوه فجرّدوه حتّى القوه فى بيت من بيوت الدار واغلقوا عليه بابه.

فقال اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام اسماء بنت خارجة الى عبيد الله ابن زياد وقيل انّ القائم حسان بن اسماء ، فقال أرسل غدر ، سائر القوم أيّها الامير أمرتنا أن نجيئك بالرجل ، حتّى اذا جئناك به هشمت وجهه وسيلت دمائه على لحيته وزعمت انّك تقتله فغضب ابن زياد وقال وأنت هاهنا ، ثمّ أمر به فضرب حتّى ترك وقيد وحبس فى ناحية من القصر ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون الى نفسى أنعاك يا هانى.

قال الراوى بلغ ، عمرو بن الحجّاج أن هانيا قد قتل ، وكانت رويحة بنت عمر وهذا تحت هانى بن عروة ، فاقبل عمرو فى مذحج ، كافة حتّى أحاط بالقصر ، ونادى عمرو بن الحجّاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة ، وقد بلغنا ان صاحبنا هانيا قد قتل فعلم عبيد الله باجتماعهم ، وكلامهم فأمر شريحا القاضى أن يدخل على هانى فيشاهده ويخبر قومه بسلامته من القتل ففعل ذلك وأخبرهم فرضوا بقوله وانصرفوا ، قال وبلغ الخبر الى مسلم بن عقيل فخرج بمن بايعه الى حرب عبيد الله بن زياد.

فتحصن منه بقصر دار الامارة واقتتل أصحابه وأصحاب مسلم وجعل عبيد الله والذين معه فى القصر يتشرّفون منه ويحذّرون ، أصحاب مسلم و


يتوعّدونهم باجناد الشام ، فلم يزالوا كذلك حتّى جاء الليل فجعل أصحاب مسلم يتفرّقون عنه ، ويقول بعضهم لبعض ما نصنع بتعجيل الفتنة وينبغى أن نقعد فى منازلنا وندع هؤلاء القوم حتّى يصلح الله ذات بينهم فلم يبق معه سوى عشرة أنفس ، فدخل مسلم المسجد ليصلى المغرب فتفرق العشرة عنه.

فلمّا رأى ذلك خرج وحيدا فى دروب الكوفة حتّى وقف على باب امرأة يقال لها طوعة ، فطلب منها ماء فسقته ثمّ استجارها فأجارته فعلم به ولدها ، فوشى الخبر بطريقه إلى ابن زياد ، فاحضر محمّد بن الأشعث وضمّ إليه جماعة وأنفذه لاحضار مسلم ، فلمّا بلغوا دار المرأة وسمع مسلم وقع حوافر الخيل لبس درعه وركب فرسه وجعل يحارب أصحاب عبيد الله ، حتّى قتل منهم جماعة ، فنادى إليه محمّد ابن الأشعث وقال يا مسلم لك الأمان فقال مسلم : وأى أمان للغدرة الفجرة ، ثمّ أقبل يقاتلهم ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمى يوم القرن :

أقسمت لا أقتل إلّا حرّا

وان شربت الموت شيئا نكرا

اكره أن أخدع أو أغرا

أو اخلط البارد سخنا مرّا

كلّ امرئ يوما يلاقى شرا

أضربكم ولا أخاف ضرّا

فنادوا إليه لا يكذب ولا يغرّ فلم يلتفت الى ذلك ، وتكاثروا عليه بعد أن اثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخرّ الى الارض ، فأخذ أسير فلمّا ادخل على عبيد الله لم يسلّم عليه ، فقال الحرس سلّم على الامير ، فقال له اسكت ويحك والله ما هو لى بامير ، فقال ابن زياد لا عليك سلمت أم لم تسلم فانك مقتول ، فقال له مسلم ان قتلتنى فلقد قتل من هو شر منك من هو خير منّى ، وبعد فانّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، ولوم الغلبة ، لاحد أولى بها منك.

فقال ابن زياد يا عاقّ يا شاقّ خرجت على امامك وشققت عصا المسلمين والقحت الفتنة ، فقال مسلم كذبت يا ابن زياد إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه


يزيد ، وأمّا الفتنة ، فانّما ألحقها أنت وأبوك زياد بن عبيد ، عبد بنى علاج من ثقيف ، وأنا أرجو أن يرزقنى الله الشهادة على يدى شر بريته ، فقال له ابن زياد منّتك نفسك امر احال الله دونه ، وجعله لأهله فقال له مسلم ومن يا ابن مرجانة ، فقال أهله يزيد بن معاوية فقال مسلم الحمد لله رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال له ابن زياد أتظنّ أنّ لك فى الأمر شيئا.

فقال له مسلم والله ما هو الظنّ ولكنّه اليقين ، فقال ابن زياد فأخبرنى يا مسلم بما ذا أتيت هذا البلد وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم وفرقت كلمتهم ، فقال مسلم ما لهذا أتيت ولكنّكم أظهرتم المنكر ودفنتم المعروف ، وتأمرتم على الناس بغير رضى منهم وحملتموهم على غير ما أمركم الله به وعملتم فيهم بأعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف وننهى عن المنكر ، وندعوهم الى حكم الكتاب والسنة ، وكنّا أهل ذلك فجعل ابن زياد يشتمه ويشتم عليا والحسن والحسينعليهم‌السلام .

فقال له مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة ، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله فأمر ابن زياد بكير بن حمران أن يصعد به الى أعلى القصر فيقتله ، فصعد به وهو يسبّح لله تعالى ويستغفره ويصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فضرب عنقه ونزل مذعورا ، فقال له ابن زياد ما شأنك فقال : أيّها الأمير رأيت ساعة قتله رجلا أسود سيئ الوجه حذائى عاضّا على إصبعه أو قال على شفته ففزعت منه فزعا لم أفزعه قطّ.

فقال ابن زياد لعنه الله لعلّك دهشت ، ثمّ أمر بهانى بن عروة ، فأخرج ليقتل فجعل يقول وا مذحجاه ، وأين منى مذحج ، وا عشيرتاه واين منى عشيرتى ، فقيل له مدّ عنقك فقال لهم : والله ما أنا بها سخىّ وما كنت لا عينكم على نفسى فضربه غلام لعبيد الله بن زياد ، يقال له رشيد ، فقتله وفى قتل مسلم وهانى يقول عبد الله بن زبير الأسدي ويقال انّها للفرزدق وقال بعضهم انها لسليمان الحنفى :


فان كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانى فى السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشّم السيف وجهه

وآخر يهوى من طمار قتيل

أصابهما فرخ البغى فأصبها

أحاديث من يسرى بكلّ سبيل

ترى جسدا قد غير الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ مسيل

فتى كان أحيى من فتاة حيية

وأقطع من ذى شفرتين صقيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول

تطوف حفا فيه مراد وكلّهم

على رقبة من سائل ومسول

فان أنتم لم تثأروا بأخيكم

تكونوا بغايا أرغمت ببعول

قال الراوى وكتب عبيد الله بن زياد بخبر مسلم وهانى الى يزيد بن معاوية ، فاعاد الجواب إليه يشكره فيه على فعاله ، وسطوته ويعرفه أن قد بلغه توجه الحسينعليه‌السلام الى جهته ويأمره عند ذلك بالمؤاخذة والانتقام والحبس على الظنون والأوهام(١) .

٦ ـ قال أبو حنيفة الدينورى : وقد كان الناس بالكوفة يتوقّعون الحسين بن علىعليهما‌السلام ، وقدومه ، فكان لا يمرّ ابن زياد بجماعة إلّا ظنّوا أنّه الحسين فيقومون له ويدعون ويقولون : مرحبا بابن رسول الله قدمت خير مقدم ، فنظر ابن زياد من تباشير الحسين الى ماسائه ، وأقبل حتّى دخل المسجد الاعظم ونودى فى الناس ، فاجتمعوا وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

أنا لمطيعكم كالوالد الشّفيق ، ولمخالفكم كالسمّ النقيع ، فلا يبقين أحد منكم إلّا على نفسه ، ثمّ نزل ، فأتى القصر ، فنزله ، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام ، وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان ، وما كان من خطبة

__________________

(١) اللهوف : ١٩ ـ ٢٦.


ابن زياد ووعيده ، فخاف على نفسه.

فخرج من الدار الّتي كان فيها بعد عتمة حتّى أتى دار هانى بن ورقة المذحجى ، وكان من أشراف أهل الكوفة ، فدخل داره الخارجة ، فأرسل إليه وكان فى دار نسائه ، يسأله الخروج إليه ، فخرج إليه. وقام مسلم ، فسلّم عليه ، وقال : انّى أتيتك لتجيرنى وتضيفنى. فقال له هانئ : لقد كلّفتنى شططا بهذا الامر ، ولو لا دخولك منزلى لا حببت أن تنصرف عنّى ، غير أنّه قد لزمنى ذمام لذلك. فادخله دار نسائه ، وأفرد له ناحية منها. وجعلت الشيعة تختلف إليه فى دار هانى.

كان هانى بن عروة مواصلا لشريك بن الاعور البصرى الذي قام مع ابن زياد ، وكان ذا شرف بالبصرة وخطر ، فانطلق هانى ، إليه حتّى أتى به منزله ، وأنزله مع مسلم بن عقيل فى الحجرة الّتي كان فيها ، وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة ، فكان يحثّ هانئا على القيام بأمر مسلم ، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة ، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكّدة بالوفاء ، ومرض شريك بن الاعور فى منزل هانى بن عروة مرضا شديدا

بلغ ذلك عبيد الله بن زياد ، فأرسل إليه يعلمه أنّه يأتيه عائدا ، فقال شريك لمسلم بن عقيل : إنّما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية ، وقد أمكنك الله منه ، هو صار الىّ ليعودنى ، فقم ، فادخل الخزانة حتّى اذا اطمأنّ عندى ، فاخرج إليه ، فقاتله ، ثم صر الى قصر الامارة ، فاجلس فيه ، فانّه لا ينازعك فيه أحد من الناس ، وإن رزقنى الله العافية صرت الى البصرة ، فكفيتك أمرها ، وبايع لك أهلها.

فقال هانى بن عروة : ما أحبّ أن يقتل فى دارى ابن زياد. فقال له شريك : ولم؟ فو الله إنّ قتله لقربان الى الله ، ثمّ قال شريك لمسلم : لا تقصر فى ذلك فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم : الأمير بالباب ، فدخل مسلم بن عقيل الخزانة ، ودخل عبيد


الله بن زياد على شريك ، فسلّم عليه ، وقال : ما الّذي تجد وتشكو؟ فلمّا طال سؤاله إيّاه استبطأ شريك خروج مسلم ، وجعل يقول ، ويسمع مسلما :

ما تنظرون بسلمى عند فرصتها

فقد وفى ودّها ، واستوسق الصّرم

جعل يردّد ذلك : فقال ابن زياد لهانى : أيهجر؟ ـ يعنى يهذى ـ قال هانى : نعم ، أصلح الله الأمير ، لم يزل هكذا منذ أصبح ، ثمّ قام عبيد الله وخرج ، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة ، فقال شريك : ما الذي منعك منه الا الجبن والفشل؟ قال مسلم : منعنى منه خلّتان : إحداهما كراهية هانئ لقتله فى منزله ، والاخرى قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الايمان قيد الفتك ، لا يفتك مؤمن فقال شريك : أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك ، واستوسق لك سلطانك.

لم يعش شريك بعد ذلك الّا أيّاما ، حتّى توفّى ، وشيّع ابن زياد جنازته ، وتقدّم فصلّى عليه ، ولم ينزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل فى ستر ورفق ، وخفى على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل ، فقال لمولى له من أهل الشام يسمى معقلا ، وناوله ثلاثة آلاف درهم فى كيس ، وقال : خذ هذا المال ، وانطلق ، فالتمس مسلم بن عقيل ، وتأتّ له بغاية التأتّى.

فانطلق الرجل حتّى دخل المسجد الأعظم ، وجعل لا يدرى كيف يتأتّى الأمر ، ثمّ انّه نظر إلى رجل يكثر الصلاة الى سارية من سوارى المسجد ، فقال فى نفسه : ان هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة ، وأحسب هذه منهم ، فجلس الرجل حتّى إذا انتقل من صلاته قام ، فدنا منه ، وجلس ، فقال ، جعلت فداك ، إنّى رجل من أهل الشام مولى لذى الكلاع ، وقد أنعم الله على بحبّ أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحبّ من أحبّهم ، ومعى هذه الثلاثة آلاف درهم.

أحبّ ايصالها الى رجل منهم ، بلغنى أنّه قدم هذا المصر داعية للحسين بن


علىعليهما‌السلام ، فهل تدلّنى عليه لأوصل هذا المال إليه؟ ليستعين به على بعض أموره ، ويضعه حيث أحبّ من شيعته. قال له الرجل : وكيف قصدتنى بالسؤال عن ذلك دون غيرى ممّن هو فى المسجد؟

قال : لانّى رأيت عليك سيما الخير ، فرجوت أن تكون ممّن يتولّى أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

قال له الرجل : ويحك ، قد وقعت علىّ بعينك ، أنا رجل من اخوانك ، واسمى مسلم بن عوسجة ، وقد سررت بك ، وساءنى ما كان من حسّى قبلك ، فانّى رجل من شيعة أهل هذا البيت ، خوفا من هذا الطاغية ابن زياد ، فأعطنى ذمّة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع الناس. فأعطاه من ذلك ما أراد ، فقال له مسلم بن عوسجة : انصرف يومك هذا ، فان كان غد فائتنى فى منزلى حتّى انطلق معك الى صاحبنا ـ يعنى مسلم بن عقيل ـ فأوصلك إليه.

فمضى الشامىّ ، فبات ليلة ، فلمّا أصبح غدا الى مسلم بن عوسجة فى منزله ، فانطلق به حتّى أدخله الى مسلم بن عقيل فأخبره بأمره ، ودفع إليه الشامىّ ذلك المال ، وبايعه. فكان الشامىّ يغدوا الى مسلم بن عقيل ، فلا يحجب عنه ، فيكون نهاره كلّه عنده ، فيتعرّف جميع أخبارهم ، فاذا أمسى وأظلم عليه اللّيل ، دخل على عبيد الله بن زياد ، فأخبره بجميع قصصهم ، وما قالوا وفعلوا فى ذلك ، وأعلمه نزول مسلم فى دار هانى بن عروة.

ثمّ إنّ محمّد بن الاشعث وأسماء ، بن خارجة دخلا على ابن زياد مسلّمين ، فقال لهما : ما فعل هانى بن عروة؟ فقالا أيّها الامير ، إنّه عليل منذ أيّام ، فقال ابن زياد وكيف؟ وقد بلغنى أنّه يجلس على باب داره عامّة نهاره ، فما يمنعه من اتياننا ، وما يجب عليه من حق التسليم؟ قالا سنعلمه ذلك ، ونخبره باستطاعك فخرجا من عنده ، وأقبلا حتّى دخلا على هانى بن عروة.


فأخبراه بما قال لهما ابن زياد ، وما قالا له ، ثمّ قالا له : أقسمنا عليك الا قمت معنا إليه الساعة لتسلّ سخيمة قلبه. فدعا ببغلته ، فركبها ، ومضى معهما ، حتّى اذا دنا من قصر الامارة خبثت نفسه ، فقال لهما : انّ قلبى قد أوجس من هذا الرجل خيفة قالا : ولم تحدّث نفسك بالخوف وأنت برىء الساحة فمضى معهما حتّى دخلوا على ابن زياد ، فأنشأ ابن زياد يقول متمثّلا :

أريد حياتى ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

قال هانى : وما ذاك أيّها الامير؟ قال ابن زياد : وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل ، وإدخالك إيّاه منزلك ، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟ فقال هانى : ما فعلت وما أعرف من هذا شيئا فدعا ابن زياد بالشامى وقال : يا غلام ادع لى معقلا فدخل عليهم.

فقال ابن زياد لهانى بن عروة : أتعرف هذا؟ فلمّا رآه علم أنّه إنمّا كان عينا عليهم ، فقال هانى : أصدّقك والله أيّها الامير انّى والله ما دعوت مسلم بن عقيل ، وما شعرت به ، ثمّ قصّ عليه قصّته على وجهها ، ثمّ قال : فأمّا الآن فأنا مخرجه من دارى ، لينطلق حيث يشاء ، وأعطيك عهدا وثيقا أن أرجع إليك ، قال ابن زياد : لا والله لا تفارقنى حتّى تأتينى به ، فقال هانى : أو يجمل بى أن أسلّم ضيفى وجارى للقتل؟ والله لا أفعل ذلك أبدا.

فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة فضرب وجهه وهشم أنفه وكسر حاجبه ، وأمر به فأدخل بيتا. وبلغ مذحجا أن ابن زياد قد قتل هانئا فاجتمعوا بباب القصر ، وصاحوا ، فقال ابن زياد لشريح القاضى ـ وكان عنده ـ ادخل الى صاحبهم ، فانظر إليه ثمّ اخرج إليهم ، فأعلمهم أنّه حىّ. ففعل ، فقال لهم سيّدهم عمرو بن الحجاج : أما اذا كان صاحبكم حيّا فما يعجلكم الفتنة؟ انصرفوا. فانصرفوا.

فلمّا علم ابن زياد أنّهم قد انصرفوا أمر بهانىء فأتى به السوق فضربت عنقه


هناك. ولمّا بلغ مسلم بن عقيل قتل هانى بن عروة نادى فيمن كان بايعه فاجتمعوا فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندى ، على كندة وربيعة وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج وأسد ، وعقد لأبى ثمامة الصيداوى على تميم ، وهمدان ، وعقد للعبّاس بن جعدة بن هبيرة على قريش ، والانصار فتقدّموا جميعا حتّى أحاطوا بالقصر واتّبعهم هو فى بقيّة الناس.

تحصن عبيد الله بن زياد فى القصر مع من حضر مجلسه فى ذلك اليوم من أشراف أهل الكوفة؟ والاعوان والشرط ، وكانوا مقدار مائتى رجل ، فقاموا على سور القصر يرمون القوم بالمدر ، والنشاب ويمنعونهم من الدنوّ من القصر فلم يزالوا بذلك حتّى أمسوا.

قال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة : ليشرف كلّ رجل منكم فى ناحية من السور فخوفوا القوم. فأشرف كثير بن شهاب ومحمّد بن الاشعث والقعقاع بن شور وشبث ابن ربعى وحجّار بن أبجر وشمر بن ذى الجوشن فتنادوا : يا أهل الكوفة اتّقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ولا تشقوا عصا هذه الامة ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام فقد ذقتموهم وجرّبتم شوكتهم فلمّا سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا ببعض الفتور.

كان الرجل من أهل الكوفة يأتى ابنه وأخاه ، وابن عمّه ، فيقول : انصرف فانّ الناس يكفونك وتجيء المرأة الى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلّق به حتّى يرجع فصلى مسلم العشاء فى المسجد وما معه الازهاء ثلاثين رجلا.

فلمّا رأى ذلك مضى منصرفا ماشيا ومشوا معه فأخذ نحو كندة ، فلمّا مضى قليلا التفت فلم ير منهم أحدا ولم يصب انسانا يدلّه على الطريق ، فمضى هائما على وجهه فى ظلمة اللّيل حتّى دخل على كندة فاذا امرأة قائمة على باب دارها تنتظر ابنها ـ وكانت ممّن خفّ مع مسلم ـ فآوته وأدخلته بيتها وجاء ابنها فقال : من هذا


فى الدار؟ فأعلمته وأمرته بالكتمان.

ثمّ انّ ابن زياد لما فقد الاصوات ظنّ أنّ القوم دخلوا المسجد فقال : انظروا هل ترون فى المسجد أحدا؟ ـ وكان المسجد مع القصر ـ فنظروا فلم يروا أحدا وجعلوا يشعلون أطناب القصب ، ثمّ يقذفون بها فى رحبة المسجد ليضىء لهم فتبيّنوا فلم يروا أحدا ، فقال ابن زياد : انّ القوم قد خذلوا وأسلموا مسلما وانصرفوا. فخرج فيمن كان معه وجلس فى المسجد ، ووضعت الشموع والقناديل وأمر مناديا فنادى بالكوفة ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء والشرط والحرس لم يحضر المسجد.

فاجتمع الناس ثمّ قال : يا حصين بن نمير ـ وكان على الشرطة ـ ثكلتك امّك ان ضاع باب سكّة من سكك الكوفة ، فاذا أصبحت فاستقرّ الدور ، دارا ، دارا ، حتّى تقع عليه ، وصلّى ابن زياد العشاء فى المسجد ، ثمّ دخل القصر ، فلمّا أصبح جلس للناس ، فدخلوا عليه ، ودخل فى أوائلهم محمّد بن الاشعث ، فأقعده معه على سريره ، وأقبل ابن تلك المرأة الّتي مسلم فى بيتها الى عبد الرحمن بن محمّد بن الاشعث ، وهو حينئذ غلام حين راهق ـ فأخبره بمكان مسلم عنده.

فأقبل عبد الرحمن الى أبيه محمّد بن الاشعث ، وهو جالس مع ابن زياد ، فأسرّ إليه الخبر ، فقال ابن زياد : ما سارّ به ابنك؟ قال أخبرنى أن مسلم بن عقيل فى بعض دورنا فقال : انطلق ، فأتنى به الساعة ، وقال لعبيد بن حريث : ابعث مائة رجل من قريش وكره أن يبعث إليه غير قريش خوفا من العصبية أن تقع ، فأقبلوا حى أتوا الدار الّتي فيها مسلم بن عقيل ، ففتحوها ، فقاتلهم ، فرمى ، فكسر فوه ، وأخذ ، فأتى ببغلة فركبها ، فصاروا به الى ابن زياد.

فلمّا ادخل عليه ، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له : سلّم على الامير قال : إن كان الأمير يريد قتلى ، فما انتفع بسلام عليه ، وإن كان لم يرد فسيكثر عليه سلامى. قال


ابن زياد : كأنّك ترجو البقاء ، فقال له مسلم : فان كنت مزمعا على قتلى ، فدعنى أوص الى بعض من هاهنا من قومى ، قال له : أوص بما شئت. فنظر الى عمر بن سعد ابن أبى وقّاص ، فقال له : اخل معى فى طرف هذا البيت ، حتّى أوصى إليك ، فليس فى القوم أقرب الىّ ولا أولى بى منك.

فتنحّى معه ناحية ، فقال له : أتقبل وصيّتى؟ قال : نعم ، قال مسلم ، انّ علىّ هاهنا دينا ، مقدار ألف درهم ، فاقض عنّى ، وإذا أنا قتلت فاستوهب من ابن زياد جثّتى لئلا يمثّل بها ، وابعث الى الحسين بن علىّ رسولا قاصدا من قبلك ، يعلمه حالى ، وما صرت إليه من غدر هؤلاء الذين يزعمون أنّهم شيعته ، وأخبره بما كان من نكثهم بعد أن بايعنى منهم ثمانية عشر ألف رجل ، لينصرف الى حرم الله ، فيقيم به ، ولا يغترّ بأهل الكوفة.

قد كان مسلم كتب الى الحسين أن يقدم ولا يلبث ، فقال له عمر بن سعد : لك علىّ ذلك كلّه ، وأنابه زعيم ، فانصرف الى ابن زياد ، فأخبره بكلّ ما أوصى به إليه مسلم ، فقال له ابن زياد : قد أسأت فى افشائك ما أسرّه إليك ، وقد قيل انّه لا يخونك الّا الأمين ، وربما ائتمنك الخائن.

أمر ابن زياد بمسلم فرقى به الى ظهر القصر ، فاشرف به على الناس ، وهم على باب القصر ممّا يلى الرحبة ، حتّى اذا رأوه ضربت عنقه هناك ، فسقط رأسه الى الرّحبة ، ثمّ اتبع الرأس بالجسد ، وكان الّذي تولّى ضرب عنقه أحمر بن بكير. وفى ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الاسدى :

فان كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانئ فى السوق وابن عقيل

الى بطل قد هشم السيف أنفه

وآخر ، يهوى من طمار ، قتيل

أصابهما ريب الزمان ، فأصبحا

أحاديث من يسعى بكلّ سبيل

ترى جسدا قد غيّر الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ مسيل


ثمّ بعث عبيد الله برءوسهما الى يزيد وكتب إليه بالنبإ فيهما. فكتب إليه يزيد : لم نعدّ الظنّ بك ، وقد فعلت فعل الحازم الجليد ، وقد سألت رسوليك عن الامر ، ففرشاه لى ، وهما كما ذكرت فى النصح ، وفضل الرأى ، فاستوص بهما ، وقد بلغنى أن الحسين بن على قد فصل من مكّة متوجّها الى ما قبلك ، فادرك العيون عليه ، وضع الارصاد على الطريق ، وقم أفضل القيام ، غير ألّا تقاتل الّا من قاتلك.

واكتب الىّ بالخبر فى كلّ يوم ، وكان أنفذ الرأسين إليه مع هانى بن أبى حيّة الهمدانيّ ، والزبير بن الاروح التميمى ، وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذى الحجّة سنة ستّين ، وهى السنة التي مات فيها معاوية(١) .

٧ ـ قال اليعقوبى : وقدم عبيد الله بن زياد الكوفة وبها مسلم بن عقيل ، قد نزل على هانى بن عروة ، وهانى شديد العلّة وكان صديقا لابن زياد ، فلمّا قدم ابن زياد الكوفة أخبر بعلّة هانى ، فأتاه ليعوده ، فقال هانى لمسلم بن عقيل وأصحابه وهم جماعة إذا جلس ابن زياد عندى وتمكن فانى سأقول اسقونى فاخرجوا فاقتلوه فأدخلهم البيت وجلس فى الرواق وأتاه عبيد الله بن زياد يعوده.

فلمّا تمكّن قال هانى بن عروة : اسقونى فلم يخرجوا فقال : اسقونى ما يؤخّركم ، ثمّ قال : اسقونى ولو كانت فيه نفسى ، ففهم ابن زياد ، فقام ، فخرج من عنده ، ووجه بالشرط يطلبون مسلما ، وخرج وأصحابه وهو لا يشكّ فى وفاء القوم وصحّة نياتهم ، فقاتل عبيد الله فأخذوه فقتله عبيد الله وجرّ برجله فى السوق ، وقتل هانى بن عروة لنزول مسلم منزله وإعانته اياه(٢) .

٨ ـ قال أبو الفرج : قال عمر بن سعد : عن أبى مخنف ، فحدّثنى المصعب بن زهير ، عن أبى عثمان : أنّ زيادا أقبل من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلى ، و

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٣٣ ـ ٢٤٢.

(٢) تاريخ اليعقوبى : ٢ / ٢٣٠.


المنذر بن عمرو بن الجارود ، وشريك بن الاعور ، وحشمه وأهله حتّى دخلوا الكوفة وعليه عمامة سوداء ، وهو متلثّم ، والناس ينتظرون قدوم الحسين عليهم ، فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس ، الّا سلموا عليه وقالوا : مرحبا بك يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قدمت خير مقدم ، ورأى من الناس من تباشيرهم بالحسين ما ساءه ، فأقبل حتى دخل القصر(١) .

٩ ـ عنه قال عمر ، عن أبى مخنف ، عن المعلى بن كليب ، عن أبى الوداك ، قال : لما نزل ابن زياد القصر نودى فى الناس : الصلاة جامعة ، فاجتمع إليه الناس فخرج إلينا فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد : فانّ أمير المؤمنين ـ أصلحه الله ـ ولانّى مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرنى بانصاف مظلومكم ، واعطاء محرومكم ، وبالاحسان الى سامعكم ومطيعكم وبالشدّة على مريبكم ، فأنا لمطيعكم كالوالد البرّ الشفيق ، وسيفى وسوطى على من ترك أمرى وخالف عهدى فليبق امرؤ على نفسه ، الصدق ينبىء عنك لا الوعيد.

ثمّ نزل وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله بن زياد ، ومقالته ، فأقبل حتّى أتى دار هانى بن عروة المرادى فدخل فى بابه ، فأرسل إليه ان أخرج الىّ فقال : انّى أتيتك لتجيرنى ، وتضيفنى وقال له : رحمك الله لقد كلفتنى شططا لو لا دخولك دارى ، وثقتك بى لأحببت لشأنك أن تنصرف عنى غير أنى أخذنى من ذلك زمام أدخل فدخل داره ، فأقبلت الشيعة تختلف إليه فى دار هانى بن عروة.

وجاء شريك بن الاعور حتّى نزل على هانى فى داره وكان شيعيا ودعا ابن زياد مولى له يقال له معقل فقال له : خذ هذه الثلاثة آلاف درهم ، ثمّ التمس لنا مسلم بن عقيل ، واطلب شيعته وأعطهم الثلاثة آلاف درهم ، وقل لهم : استعينوا

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٣.


بهذه على حرب عدوّكم وأعلمهم بأنّك منهم ففعل ذلك وجاء حتّى لقى مسلم بن عوسجة الأسدي فى المسجد الاعظم ، وسمع الناس يقولون : هذا يبايع للحسين بن على ، وكان يصلّى فلما قضى صلاته جلس إليه.

فقال له : يا عبد الله انّى امرؤ من أهل الشام مولى لذى الكلاع ، أنعم الله علىّ بحبّ أهل البيت وحبّ من أحبّهم وهذه ثلاثة آلاف درهم معى ، أردت بها لقاء رجل منهم بلغنى انه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنت أحبّ لقائه لأعرف مكانه فسمعت نفرا من المسلمين يقولون : هذا رجل له علم بأمر أهل هذا البيت وإنّى أتيتك لتقبض منّى هذا المال وتدلّنى على صاحبى فأبايعه.

فقال له : أحمد الله على لقائك ، فقد سرّنى حبك اياهم وبنصرة الله ايّاك حق أهل بيت نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولقد ساءنى معرفة الناس إياى بهذا الامر قبل أن يتمّ مخافة سطوة هذا الطاغية الجبار أن يأخذ البيعة قبل أن يبرح وأخذ عليه المواثيق الغليظة ليناصحنّ وليكتمنّ ، فأعطاه من ذلك ما رضى به ، ثمّ قال له : اختلف الىّ أيّاما فى منزلى ، فأنا اطلب لك الإذن على صاحبك وأخذ يختلف مع الناس يطلب ذلك إليه.

مرض شريك بن الأعور وكان كريما على ابن زياد وكان شديد التشيع ، فارسل إليه عبيد الله إنّى رائح إليك العشية ، فقال شريك لمسلم : انّ هذا الفاجر عائدى العشية فاذا جلس فاقتله ، ثمّ اقعد فى القصر ، وليس أحد يحول بينك وبينه ، فان أنا برأت من وجعى من أيّامى هذه سرت الى البصرة ، وكفيتك أمرها ، فلمّا كان العشى أقبل ابن زياد لعيادة شريك بن الاعور.

فقال لمسلم : لا يفوتنك الرجل اذا جلس فقام إليه هانى فقال : انّى لا أحبّ أن يقتل فى دارى ، كأنّه استقبح ذلك فجاءه عبيد الله بن زياد ، فدخل وجلس و


سأل شريكا : ما الذي تجد ومتى اشتكيت؟ فلمّا طال سؤاله ايّاه ورأى ان أحدا لا يخرج خشى أن يفوته فأقبل يقول :

ما الانتظار بسلمى أن تحيوها

حيوا سليمى وحيوا من يحييها

كأس المنية بالتعجيل فاسقوها

لله أبوك اسقنيها وان كانت فيها نفسى ، قال ذلك مرّتين أو ثلاثة ، فقال عبيد الله ـ وهو لا يفطن ـ : ما شأنه أترونه يهجر؟ فقال له هانى : نعم ـ أصلحك الله ـ ما زال هكذا قبل غيابت الشمس الى ساعتك هذه ، ثمّ قام وانصرف ، فخرج مسلم فقال له شريك ، ما منعك من قتله؟ فقال : خصلتان.

أما احداهما فكراهية هانى أن يقتل فى داره وأمّا الاخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : انّ الايمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن فقال له شريك : أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ، قال : فأقبل ذلك الرجل الذي وجهه عبيد الله بالمال ، يختلف إليهم فهو أوّل داخل وآخر خارج يسمع أخبارهم ويعلم أسرارهم وينطلق بها حتّى يقرها فى اذن ابن زياد(١)

١٠ ـ عنه قال : قال المدائنى عن أبى مخنف عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق ، عن عثمان بن أبى زرعة ، قال : فقال ابن زياد يوما : ما يمنع هانئا منا؟ فلقيه ابن الاشعث واسماء بن خارجة ، فقالا له : ما يمنعك من اتيان الامير ، وقد ذكرك؟ قال ، فأتاه فقال ابن زياد ـ لعنه الله ـ شعرا :

اريد حياته ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

يا هانى أسلمت على ابن عقيل؟ قال. ما فعلت فدعا معقلا ، فقال : أتعرف هذا؟ قال. نعم ، وأصدقك ما علمت به حتى رأيته فى دارى ، وأنا أطلب إليه ان

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٣.


يتحوّل قال. لا تفارقنى حتّى تأتينى به فأغلظ له فضرب وجهه بالقضيب وحبسه(١)

١١ ـ عنه : قال عمر بن سعد ، عن أبى مخنف قال : حدّثنى الحجّاج بن على الهمدانيّ ، قال : لما ضرب عبيد الله هانئا وحبسه خشى أن يثب الناس به ، فصعد المنبر ومعه أناس من أشراف الناس وشرطه وحشمه ، فحمد الله واثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس : اعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ، ولا تفرّقوا فتختلفوا ، وتهلكوا وتزلوا وتخافوا وتخرجوا ، فان أخاك من صدقك وقد اعذر من انذر ، فذهب لينزل فما نزل دخلت النظارة المسجد ، من قبل التمارين ، يشتدّون ويقولون : قد جاء ابن عقيل ، فدخل عبيد الله القصر وأغلق بابه(٢)

١٢ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى يوسف بن يزيد ، عن عبيد الله بن حازم البكرى ، قال : أنا والله رسول ابن عقيل الى القصر فى أثر هانى لا نظر ما صار إليه أمره ، فدخلت فأخبرته الخبر فأمرنى أن أنادى فى أصحابى ، وقد ملأ الدور منهم حواليه ، فقال : ناديا منصور أمت فخرجت فناديت فتبادر أهل الكوفة فاجتمعوا إليه فعقد لعبد الرحمن بن عزيز الكندى ، على ربيعة وقال له : سر أمامى وقدمه فى الخيل ، وعقد لمسلم بن عوسجة على مذحج ، وأسد ، وقال له : انزل فأنت على الرجالة ، وعقد لابي ثمامة الصائدى على تميم وهمدان ، وعقد للعباس بن جعدة الجدلى على أهل المدينة.

ثمّ أقبل نحو القصر ، فلمّا بلغ عبيد الله اقباله تحرز فى القصر ، وغلق الابواب وأقبل مسلم حتّى احاط بالقصر ، فو الله ما لبثنا الا قليلا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوقة ما زالوا يتوثبون حتّى المساء ، فضاق بعبيد الله أمره ودعا بعبيد الله بن

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٥.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٦٦


كثير بن شهاب الحارثى وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ، فيخذل الناس عن ابن عقيل ، ويخوفهم الحرب وعقوبة السلطان فأقبل أهل الكوفة يفترون على ابن زياد وأبيه(١)

١٣ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن عبد الله بن حازم البكرى ، قال : أشرف علينا الاشراف وكان أوّل من تكلّم كثير بن شهاب ، فقال : أيّها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا انتشروا ولا تعرضوا أنفسكم للقتل ، فهذه جنود أمير المؤمنين يزيد أقبلت وقد أعطى الله الامير عهدا لئن أقمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتليكم فى مغازى الشام على غير طمع ويأخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتّى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية الا أذاقها وبال ما جنت. وتكلّم الاشراف بنحو من كلام كثير ، فلمّا سمع الناس مقالتهم تفرقوا(٢)

١٤ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى المجالد بن سعيد : أن المرأة كانت تأتى ابنها وأخاها فتقول : انصرف ، الناس يكفونك ويجىء الرجل الى ابنه وأخيه فيقول : غدا يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشرّ؟ انصرف فما زالوا يتفرقون وينصرفون حتّى امسى ابن عقيل ، وما معه الّا ثلاثون نفسا حتّى صلّيت المغرب فخرج متوجّها نحو أبواب كندة ، فما بلغ الابواب الّا ومعه منها عشرة ، ثمّ خرج من الباب فاذا ليس معه منهم إنسان.

فمضى متلددا فى أزقة الكوفة ، لا يدرى أين يذهب حتّى خرج الى دور بنى بجيلة من كندة فمضى حتّى أتى باب امرأة يقال لها طوعة ، أم ولد كانت للأشعث وأعتقها فتزوّج بها أسيد الحضرمى ، فولدت له بلالا وكان بلال قد خرج مع الناس و

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٦.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٦٧.


أمه قائمة تنتظر فسلم عليها ابن عقيل فردت السلام ، فقال لها : اسقينى ماء فدخلت فأخرجت إليه فشرب ثمّ ادخلت الاناء وخرجت وهو جالس فى مكانه فقالت : ألم تشرب؟

قال : بلى قالت : فاذهب الى أهلك فسكت فأعادت عليه ثلاثا ثمّ قالت : سبحان الله يا عبد الله قم الى أهلك ـ عافاك الله ـ فانه لا يصلح لك الجلوس على بابى ، ولا أحلّه لك ، ثمّ قام فقال : يا أمّة الله والله ما لي فى هذا المصر من أهل فهل لك فى معروف وأجر لعلىّ اكافئك به بعد اليوم ، قالت : يا عبد الله وما ذاك؟ قال : أنا مسلم بن عقيل كذبنى هؤلاء القوم وغرونى وخذلونى.

قالت : أنت مسلم؟ قال : نعم قالت : ادخل فأدخلته بيتا فى دارها وفرشت له وعرضت عليه العشاء وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول فى البيت فسألها ، فقالت : يا بنىّ أله عن هذا قال : والله لتخبرينى وألحّ عليها فقالت : يا بنىّ لا تخبر به أحدا من الناس وأخذت عليه الأيمان ، فحلف لها فأخبرته فاضطجع وسكت.

فلمّا طال على ابن زياد ولم يسمع أصوات أصحاب ابن عقيل قال لاصحابه : اشرفوا فانظروا فأخذوا ينظرون وأدلوا القناديل وأطنان القصب تشدّ بالحبال وتدلى وتلهب فيها النار ، حتّى فعل ذلك بالاظلّة الّتي فى المسجد كلّها فلمّا لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ففتح باب السدة وخرج ونادى فى الناس : برئت الذمّة من رجل صلى العتمة الّا فى المسجد.

فاجتمع الناس فى ساعة فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد : فان ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت ذمّة الله من رجل وجد فى داره ، ومن جاء به فله ديته ، اتّقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا ، يا حصين بن تميم ، ثكلتك امك ان ضاع شيء من سكك الكوفة أو خرج هذا الرجل ولم تأتنى به وقد سلطتك على دور أهل الكوفة ،


فابعث مراصدة على أفواه السكك وأصبح غدا فاستبرء الدور حتّى تأتى بهذا الرجل.

ثمّ نزل ، فلمّا أصبح أذن الناس فدخلوا عليه ، وأقبل محمّد بن الاشعث ، فقال : مرحبا بمن لا يتّهم ولا يستغش واقعده الى جنبه ، وأصبح بلال ابن العجوز التي آوت ابن عقيل فغدا الى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث ، فأخبره بمكان ابن عقيل ، عند أمه فأقبل عبد الرحمن حتّى أتى إلى أبيه وهو جالس فسارّه فقال له ابن زياد. ما قال لك؟ قال : أخبرنى أنّ ابن عقيل فى دار من دورنا فنخسه ابن زياد بالقضيب فى جنبه ، ثمّ قال : قم فأتنى به الساعة(١) .

١٥ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى قدامة بن سعد بن زائده الثقفى ، ان ابن زياد بعث مع ابن الأشعث ستّين أو سبعين رجلا كلّهم من قيس عليهم عمرو بن عبيد الله ابن العباس السلمى ، حتّى أتوا الدار الّتي فيها ابن عقيل ، فلمّا سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال ، عرف أنّه قد أتى فخرج إليهم بسيفه فاقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم كذلك ، فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق السطوح وظهروا فوقه.

فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النيران فى أطنان القصب ثمّ يقذفونها عليه من فوق السطوح ، فلمّا رأى ذلك قال : أكلما أرى من الاجلاب لقتل ابن عقيل؟ يا نفس أخرجى الى الموت الذي ليس منه محيص فخرج ـ رضوان الله عليه ـ مصلتا سيفه الى السكّة فقاتلهم ، فأقبل عليه محمّد بن الاشعث ، فقال : يا فتى لك الامان لا تقتل نفسك. فأقبل يقاتلهم وهو يقول :

اقسمت لا أقتل الّا حرّا

وإن رأيت الموت شيئا نكرا

أخاف ان أكذب أو اغرّا

أو يخلط البارد سخنا مرّا

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٧.


رد شعاع الشمس فاستقرا

كلّ امرئ يوما ملاق شرّا

قال له محمّد بن الاشعث : انّك لا تكذب ولا تغر ، انّ القوم ليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وقد اثخن بالجراح وعجز عن القتال ، فانبهر واسند ظهره الى دار بجنب تلك الدار ، فدنا منه محمّد بن الاشعث فقال له : لك الأمان ، فقال له مسلم. آمن أنا؟ قال : نعم أنت آمن ، فقال القوم جميعا. نعم غير عبيد الله بن العبّاس السلمى لأنّه قال : لا ناقة لى فى هذا ولا جمل ، وتنحّى.

فقال ابن عقيل : انّى والله لو لا أمانكم ما وضعت يدى فى أيديكم ، واتى ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا عليه فنزعوا سيفه من عنقه ، فكأنّه أيس من نفسه ، فدمعت عينه وعلم أن القوم قاتلوه وقال : هذا أول الغدر.

فقال له محمّد بن الاشعث : أرجو ألّا يكون عليك بأس ، فقال : ما هو الّا الرجاء فأين أمانكم( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) وبكى ، فقال له عبيد الله بن العبّاس السلمى ، إنّ مثلك ومن يطلب مثل الذي طلبت اذا نزل به ، مثل الذي نزل بك ، لم يبك قال : انّى والله ما أبكى لنفسى ولا لها من القتل أرثى ، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفا ، ولكنّى أبكى لاهلى المقبلين الىّ أبكى للحسين وآل الحسين ثمّ أقبل على ابن الاشعث فقال : انّى والله أظنّك ستعجز عن أمانى ، وسأله أن يبعث رسولا الى الحسين بن على يعلمه الخبر ويسأله الرجوع ، فقال له ابن الاشعث : والله لافعلنّ(١)

١٦ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى قدامة بن سعد ، أنّ مسلم بن عقيل حين انتهى به الى القصر ، رأى قلة مبرّدة موضوعة على الباب ، فقال اسقونى من هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمر وأبو قتيبة بن مسلم الباهلى ، أتراها ما أبردها؟ فو الله

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٦٩.


لا تذوق منها قطرة واحدة حتّى تذوق الحميم ، فى نار جهنّم ، فقال له مسلم بن عقيل : ويلك ولامّك الثكل ، ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم ، والخلود فى نار جهنّم ، ثمّ جلس وتساند الى الحائط(١) .

١٧ ـ قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو قدامة بن سعد ، أنّ عمرو بن حريث ، بعث غلاما له يدعى سليمان فأتاه بماء فى قلّة فسقاه ، قال : وحدّثنى مدرك بن عمارة : أنّ عمارة بن عقبة بعث غلاما يدعى نسيما ، فأتاه بماء فى قلّة عليها منديل وقدح ، معه فصبّ فيه الماء ، ثمّ سقاه فأخذه كلّما شرب امتلأ القدح دما فأخذ لا يشرب من كثرة الدم ، فلمّا ملأ القدح ثانية ذهب يشرب فسقطت ثنيتاه فى القدح.

فقال : الحمد لله لو كان لى من الرزق المقسوم لشربته ، قال : ثمّ ادخل على عبيد الله بن زياد ـ لعنه الله ـ فلم يسلّم عليه فقال له الحرس ألا تسلّم على الامير؟ فقال : إن كان الأمير يريد قتلى ، فما سلامى عليه؟ وان كان لا يريد قتلى فليكثرنّ سلامى عليه ، فقال له عبيد الله ـ لعنه الله ـ لتقتلنّ. قال أكذلك؟ قال : نعم ، قال : دعنى اذا أوصى الى بعض القوم ، قال : أوص الى من أحببت ، فنظر ابن عقيل الى القوم وهم جلساء ابن زياد ، وفيهم عمر بن سعد ، فقال يا عمر انّ بينى وبينك قرابة دون هؤلاء ولى إليك حاجة وقد يجب عليك لقرابتى نجح حاجتى وهى سر.

فأبى أن يمكنه من ذكرها ، فقال له عبيد الله بن زياد : لا تمتنع من أن تنظر فى حاجة ابن عمك ، فقام معه وجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد ـ لعنه الله ـ فقال له ابن عقيل إنّ علىّ بالكوفة دينا استدنته مذ قدمتها تقضيه عنّى حتّى يأتيك من غلّتى بالمدينة ، وجثتى فاطلبها من ابن زياد فوارها ، وابعث الى الحسين من يردّه. فقال

__________________

(١) مقاتل الطالبيين ٧٠.


عمر لابن زياد. أتدري ما قال؟ قال. اكتم ما قال لك.

قال أتدري ما قال لى؟ قال : هات فانّه لا يخون الأمين ، ولا يؤتمن الخائن ، قال : كذا وكذا قال : أما مالك فهو لك ، ولسنا نمنعك منه ، فاصنع فيه ما أحببت ، وأما حسين فانّه إن لم يردنا لم نرده ، وان أرادنا لم نكف عنه ، وأمّا جثّته فانا لا نشفعك فيها فانّه ليس لذلك منّا بأهل وقد خالفنا وحرص على هلاكنا ، ثمّ قال ابن زياد لمسلم : قتلنى الله ان لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد من الناس فى الاسلام.

قال : اما انّك أحقّ من أحدث فى الاسلام ما ليس فيه أما إنّك لم تدع سوء القتلة ، وقبح المثلة ، وخبث السيرة ، ولؤم الغيلة لمن هو أحقّ به منك ، ثمّ قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر ، فاضربوا عنقه ، ثمّ قال : ادعوا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه ، وعاتقه بالسيف فجاءه فقال : اصعد وكن أنت الّذي تضرب عنقه ، وهو بكير بن حمران الاحمرى ـ لعنه الله ـ فصعدوا به وهو يستغفر الله ويصلّى على النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى أنبيائه ورسله وملائكته وهو يقول :

اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرونا وكادونا وخذلونا ، ثمّ أشرفوا به على موضع الحذائين فضرب عنقه ، ثمّ اتبع رأسه جسده ـ صلّى الله عليه ورحمه ـ وقال المدائنى ، عن أبى مخنف ، عن يوسف بن يزيد ، قال : فقال عبد الله بن الزبير الأسدي :

اذا كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانئ فى السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوى من طمار قتيل

ترى جسدا قد غير الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ مسيل

أصابهما أمر الامير فأصبحا

أحاديث من يسعى بكلّ سبيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول

تطيف حواليه مراد وكلّهم

على رقبة من سائل ومسول


فان أنتم لم تثأروا بأخيكم

فكونوا بغايا أرضيت بقليل(١)

١٨ ـ قال ابن قتيبة : قال : فبعث الحسين بن على مسلم بن عقيل الى الكوفة يبايعهم له ، وكان على الكوفة النعمان بن بشير ، فقال النعمان لابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّ لنا من ابن بجدل. قال : فبلغ ذلك يزيد ، فأراد أن يعزله ، فقال لاهل الشام : أشيروا على ، من أستعمل على الكوفة؟ فقالوا : أترضى برأى معاوية؟ قال: نعم ، قالوا : فان الصكّ بامرة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتبه فى الديوان ، قال فاستعمله على الكوفة ، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين.

بايع لمسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة ، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد ، فجعلوا كلّما أشرفوا على زقاق ، انسل عنه منهم ناس ، حتّى بقى مسلم فى شرذمة قليلة ، قال : فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت ، فلمّا رأى ذلك دخل دار هانى بن عروة المرادى ، وكان له فيهم رأى ، فقال له هانى ابن عروة : انّ لى من ابن زياد مكانا ، وسوف أتمارض له ، فاذا جاء يعودنى ، فاضرب عنقه ، قال : فقيل لابن زياد : انّ هانى بن عروة شاك يقىء الدم ، قال : وشرب المغرة ، فجعل يقيئها.

قال : فجاء ابن زياد يعوده ، وقال له هانى : اذا قلت لكم اسقونى ، فاخرج إليه فاضرب عنقه ، فقال اسقونى ، فابطئوا عليه ، فقال : ويحكم اسقونى ، ولو كان فيه ذهاب نفسى ، قال : فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا ، وكان من أشجع الناس ، ولكنّه أخذته كبوة ، فقيل لابن زياد : والله انّ فى البيت رجلا متسلّحا. فأرسل ابن زياد الى هانى فدعاه. فقال : انّى شاك لا أستطيع النهوض.

فقال : ائتونى به وإن كان شاكيا ، قال : فاخرج له دابّة ، فركب ومعه عصاه و

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٧٠.


كان أعرج ، فجعل يسير قليلا ويقف ، ويقول : ما لي أذهب إلى ابن زياد؟ فما زال ذلك دأبه حتّى دخل عليه ، فقال له عبيد الله بن زياد : يا هانئ أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال : بلى ، قال : ويدى؟ قال : بلى ، فقال يا هانئ : قد كانت لكم عندى يد بيضاء ، وقد أمّنتك على نفسك ومالك.

فتناول العصا التي كانت بيد هانئ ، فضرب بها وجهه ، حتّى كسرها ، ثمّ قدّمه فضرب عنقه ، قال : وأرسل جماعة الى مسلم بن عقيل ، فخرج عليهم بسيفه ، فما زال يقاتلهم حتّى أخرج وأسر ، فلمّا أسر بعث الرجال ، فقال : اسقونى ماء. قال : ومعه رجل من بنى أبى معيط ، ورجل من بنى سليم يقال له : شهر بن حوشب ، فقال له شهر بن حوشب : لا أسقيك الا من البئر. فقال المعيطى : والله لا تسقيه الا من الفرات.

قال : فأمر غلاما له ، فأتاه بإبريق من ماء ، وقدح قوارير ومنديل ، قال : فسقاه فتمضمض مسلم ، فخرج الدم ، فما زال يمسح الدم ، ولا يسيغ شيئا منه حتّى قال : أخّروه عنى ، قال : فلمّا أصبح دعا به عبيد الله بن زياد ، وهو قصير ، فقدمه ليضرب عنقه ، فقال : دعنى حتّى أوصى ، فقال : أوص فنظر مسلم فى وجوه الناس فقال لعمر بن سعد : ما أرى هاهنا من قريش غيرك ، فادن منّى حتّى أكلمك ، فدنا منه.

فقال له : هل لك أن تكون سيّد قريش ما كانت قريش؟ انّ الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل ، وامرأة فى الطريق فارددهم ، واكتب إليهم بما أصابنى. قال : فضرب عنقه ، وألقاه عمر لعبيد الله وقال : أتدري ما قال؟ فقال عبيد الله اكتم على ابن عمّك. فقال عمر : هو أعظم من ذلك ، فقال ابن زياد : فأىّ شيء هو؟ قال؟ أخبرنى أنّ الحسين ومن معه قد أقبل ، وهم تسعون انسانا بين رجل وامرأة ، فقال :


أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك(١)

١٩ ـ قال ابن عبد ربه : وقد كان بعث الحسين بن على مسلم بن عقيل بن أبى طالب الى أهل الكوفة ، ليأخذ بيعتهم ، وكان على الكوفة حين مات(٢) معاوية ، فقال : يا أهل الكوفة ، ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحبّ إلينا من ابن بنت بجدل ، قال : فبلغ ذلك يزيد فقال : يا أهل الشام ، أشيروا علىّ ، من أستعمل الكوفة؟ فقالوا : ترضى من رضى به معاوية؟ قال : نعم ، قيل له : فان الصكّ بإمارة عبيد الله بن زياد على العراقين ، قد كتب فى الديوان ، فاستعمله على الكوفة. فقدمها قبل أن يقدم حسين.

بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة ، وخرجوا معه يريدون عبيد الله بن زياد ، فجعلوا كلّما انتهوا الى زقاق انسلّ منهم ناس ، حتّى بقى فى شرذمة قليلة. قال : فجعل الناس يرمونه بالآجر ، من فوق البيوت ، فلمّا رأى ذلك دخل دار هانى بن عروة المرادى ، وكان له شرف ورأى ، فقال له هانى : انّ لى من ابن زياد مكانا ، وإنّى سوف أتمارض ، فاذا جاء يعودنى فاضرب عنقه ، قال : فبلغ ابن زياد أن هانى بن عروة مريض يقىء الدم ، وكان شرب المغرة فجعل يقيؤها.

فجاءه ابن زياد يعوده. وقال هانى : اذا قلت لكم : اسقونى ، فاخرج إليه فاضرب عنقه ، يقولها لمسلم بن عقيل ، فلمّا دخل ابن زياد وجلس ، قال هانى : اسقونى ، فتثبطوا عليه ، فقال : ويحكم! اسقونى ولو كان فيه نفسى. قال : فخرج ابن زياد ولم يصنع الآخر شيئا ، قال : وكان أشجع الناس ، ولكن أخذ بقلبه ، وقيل لابن

__________________

(١) الامامة والسياسة : ٤.

(٢) كذا فى الاصل : وسقط منه النعمان بن بشير.


زياد ما أراده هانئ ، فأرسل إليه. فقال : انّى شاك لا أستطيع ، فقال : ائتونى به وان كان شاكيا. فأسرجت له دابة ، فركب ومعه عصا ، وكان أعرج.

فجعل يسير قليلا قليلا ، ثمّ يقف ويقول : ما أذهب. الى ابن زياد ، حتّى دخل على ابن زياد ، فقال له : يا هانى ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟ قال : بلى ، قال : ويدى؟ قال : بلى ، ثمّ قال له هانى : قد كانت لك عندى ولأبيك ، وقد أمنتك فى نفسى ومالى. قال : اخرج ، فخرج فتناول العصاء من يده وضرب بها وجهه حتّى كسرها ، ثمّ قدمه فضرب عنقه ، وأرسل الى مسلم بن عقيل ، فخرج إليهم بسيفه ، فما زال يقاتلهم حتّى أثخنوه بالجراح ، فأسروه ، وأتى به ابن زياد ، فقدّمه ليضرب عنقه.

فقال له : دعنى حتّى أوصى ، فقال له : أوص ، فنظر فى وجوه الناس ، فقال لعمر بن سعد : ما أرى قرشيا هنا غيرك ، فادن منّى حتّى أكلّمك. فدنا منه ، فقال له : هل لك أن تكون سيّد قريش ما كانت قريش؟ إنّ حسينا ومن معه ، وهم تسعون انسانا ما بين رجل وامرأة ، فى الطريق ، فارددهم واكتب لهم ما أصابنى ، ثمّ ضرب عنقه.

فقال عمر لابن زياد : أتدري ما قال لى؟ قال : اكتم على ابن عمّك. قال : هو أعظم من ذلك. قال : وما هو؟ قال : قال لى : إنّ حسينا أقبل ، وهم تسعون انسانا ما بين رجل وامرأة ، فارددهم واكتب إليه بما أصابنى ، فقال له ابن زياد : أما والله إذ دللت عليه لا يقاتله أحد غيرك ، قال : فبعث معه جيشا ، وقد جاء حسينا الخبر وهم بشراف(١) .

٢٠ ـ قال المسعودى : اتصل الخبر بيزيد ، فكتب الى عبيد الله بن زياد ،

__________________

(١) العقد الفريد : ٤ / ٣٧٧.


بتولية الكوفة ، فخرج من البصرة مسرعا حتّى قدم الكوفة على الظهر ، فدخلها فى أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء ، قد تلثّم بها ، وهو راكب بغلة والناس يتوقّعون قدوم الحسين ، فجعل ابن زياد يسلّم على الناس فيقولون : وعليك السلام يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم ، حتّى انتهى الى القصر وفيه النعمان بن بشير ، فتحصّن فيه.

ثمّ أشرف عليه ، فقال : يا ابن رسول الله ما لي ولك؟ وما حملك على قصد بلدى من بين البلدان؟ فقال ابن زياد : لقد طال نومك يا نعيم ، وحسر اللثام عن فيه فعرفه ، ففتح له ، وتنادى الناس ، ابن مرجانة ، وحصبوه بالحصباء ، ففاتهم ودخل القصر ، ولمّا اتّصل خبر ابن زياد بمسلم ، تحوّل الى هانى بن عروة المرادى ، ووضع ابن زياد الترصد على مسلم ، حتّى علم بموضعه ، فوجّه محمّد بن الأشعث بن قيس الى هانئ ، فجائه فسأله عن مسلم ، فأنكره ، فأغلظ له ابن زياد القول :

فقال هانى : انّ لزياد أبيك عندى بلاء حسنا ، وأنا أحبّ مكافأته به ، فهل لك فى خير؟ قال ابن زياد : وما هو؟ قال : تشخص الى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم ، فانّه قد جاء حقّ من هو أحق من حقّك وحقّ صاحبك ، فقال ابن زياد : أدنوه منّى ، فأدنوه منه ، فضرب وجهه بقضيب كان فى يده حتّى كسر أنفه وشقّ حاجبه ، ونشر لحم وجنته ، وكسر القضيب على وجهه ورأسه.

وضرب هانئ بيده الى قائم سيف شرطىّ من تلك الشرط ، فجاذبه الرجل ، ومنعه السيف ، وصاح أصحاب هانى بالباب : قتل صاحبنا ، فخافهم ابن زياد ، وأمر بحبسه فى بيت الى جانب مجلسه ، وأخرج إليهم ابن زياد شريحا القاضى ، فشهد عندهم أنّه حىّ لم يقتل ، فانصرفوا ، ولما بلغ مسلما ما فعل ابن زياد بهانى ، أمر مناد يا فنادى : يا منصور وكانت شعارهم ، فتنادى أهل الكوفة بها ، فاجتمع إليه فى وقت واحد ثمانية عشر ألف رجل.


فسار ابن زياد ، فتحصن منه ، فحصروه فى القصر ، فلم يمس مسلم ومعه غير مائة رجل ، فلمّا نظر الى الناس يتفرقون عنه سار نحو أبواب كندة ، فما بلغ الباب الا معه منهم ثلاثة ، ثمّ خرج من الباب فاذا ليس معه منهم أحد ، فبقى حائرا لا يدرى أين يذهب ، ولا يجد أحدا يدلّه على الطريق ، فنزل عن فرسه ومشى متلدّدا فى أزقة الكوفة لا يدرى أين يتوجّه ، حتى انتهى الى باب مولاة للأشعث بن قيس ، فاستسقاها ماء فسقته ، ثمّ سألته عن حاله ، فأعلمها بقضيّته ، فرقت له وآوته ، وجاء ابنها فعلم بموضعه.

فلمّا أصبح غدا الى محمّد بن الاشعث ، فأعلمه ، فمضى ابن الاشعث الى ابن زياد فأعلمه ، فقال : انطلق فأتنى به ، ووجّه معه عبد الله بن العباس السلمى فى سبعين رجلا ، فاقتحموا على مسلم الدار ، فثار عليهم بسيفه ، وشدّ عليهم فأخرجهم من الدار ، ثمّ حملوا عليه الثانية ، فشدّ عليهم وأخرجهم أيضا ، فلمّا رأوا ذلك علوا ظهر البيوت فرموه بالحجارة ، وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب ثمّ يلقونها عليه من فوق البيوت.

فلمّا رأى ذلك قال : أكلّ ما أرى من الأجلاب لقتل مسلم بن عقيل؟ يا نفس أخرجى الى الموت الذي ليس عنه محيص ، فخرج إليهم مصلتا سيفه الى السكّة ، فقاتلهم ، واختلف هو وبكير بن حمران الأحمرى ، ضربتين : فضرب بكير فم مسلم فقطع السيف شفته العلياء ، وشرع فى السفلى ، وضربه مسلم ضربة منكرة فى رأسه ثمّ ضربة أخرى على حبل العاتق فكاد يصل الى جوفه ، وهو يرتجز ويقول :

أقسم لا أقتل الا حرا

وان رأيت الموت شيئا مرا

كلّ امرئ يوما ملاق شرا

أخاف أن أكذب أو أغرا

فلمّا رأوا ذلك منه تقدم إليه محمّد بن الاشعث ، فقال له : فانّك لا تكذب ولا تغرّ ، وأعطاه الأمان ، فأمكنهم من نفسه ، وحملوه على بغلة وأتوا به ابن زياد ، وقد


سلبه ابن الاشعث حين أعطاه الامان سيفه وسلاحه ، وفى ذلك يقول بعض الشعراء فى كلمة يهجو فيها ابن الاشعث :

وتركت عمك أن تقاتل دونه

فشلا ، ولو لا أنت كان منيعا

وقتلت وافد آل بيت محمّد

وسلبت أسيافا له ودروعا

فلمّا صار مسلم الى باب القصر ، نظر الى قلة مبردة ، فاستسقاهم منها ، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلى ـ وهو أبو قتيبة بن مسلم ـ أن يسقوه ، فوجه عمرو بن حريث ، فأتاه بماء فى قدح ، فلمّا رفعه الى فيه امتلا القدح دما ، فصبّه وملأه له الثانية فلمّا رفعه الى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ دما.

فقال : الحمد لله ، لو كان من الرزق المقسوم لشربته ، ثمّ أدخل الى ابن زياد ، فلمّا انقضى كلامه ومسلم يغلظ فى الجواب أمر به فأصعد الى أعلى القصر.

ثمّ دعا الاحمرى الذي ضربه مسلم فقال : كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثارك من ضربته ، فأصعدوه الى أعلى القصر ، فضرب بكير الاحمرى عنقه ، فأهوى رأسه الى الارض ، ثمّ اتبعوا رأسه جسده ، ثمّ أمر بهانى بن عروة فأخرج الى السوق فضرب عنقه صبرا ، وهو يصيح : يا آل مراد ، وهو شيخها وزعيمها ، وهو يومئذ يركب فى أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، واذا اجابتها أحلافها من كندة وغيرها كان فى ثلاثين ألف دارع ، فلم يجد زعيمهم منهم أحدا فشلا وخذلانا ، فقال الشاعر وهو يرثى هانى بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر ما نالهما :

إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانئ فى السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوى فى طمار قتيل

أصابهما أمر الامير فأصبحا

أحاديث من يسعى بكلّ سبيل

ترى جسدا قد غيّر الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ مسيل

أيترك أسماء المهايج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول


فتى هو أحيى من فتاة حيّية

وأقطع من ذى شفرتين صقيل

ثمّ دعا ابن زياد ببكير بن حمران الذي ضرب عنق مسلم فقال : أقتلته؟ قال : نعم ، قال : فما كان يقول وأنتم تصعدون به لقتلوه؟ قال : كان يكبّر ويسبّح الله ويهلل ويستغفر الله ، فلمّا أدنيناه لنضرب عنقه قال : اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا ثمّ خذلونا وقتلونا ، فقلت : الحمد لله الذي أقادنى منك ، وضربته ضربة لم تعمل شيئا ، فقال لى : أو ما يكفيك وفى خدش منّى وفاء بدمك أيّها العبد ، قال ابن زياد : أو فخرا عند الموت؟ قال: وضربته الثانية فقتلته.

ثمّ أتبعنا رأسه جسده. وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذى الحجّة سنة ستين ، وهو اليوم الذي ارتحل فيه الحسين من مكّة الى الكوفة ، وقيل : يوم الاربعاء يوم عرفة لتسع مضين من ذى الحجّة سنة ستّين. ثمّ أمر ابن زياد بجثة مسلم فصلبت ، وحمل رأسه الى دمشق ، وهذا أوّل قتيل صلبت جثته من بنى هاشم ، وأوّل رأس حمل من رءوسهم الى دمشق(١)

٢١ ـ قال الطبرى : حدّثنى زكريا بن يحيى الضرير ، قال : حدّثنا أحمد بن جناب المصيصى ـ ويكنى أبا الوليد ـ قال : حدّثنا خالد بن يزيد بن أسد بن عبد الله القسرى ، قال : حدّثنا عمار الدهنى ، قال : قلت لابي جعفر : حدّثنى بمقتل الحسين حتّى كأنّى حضرته ، قال : مات معاوية والوليد بن عتبة بن أبى سفيان على المدينة ، فأرسل الى الحسين بن على ليأخذ بيعته ، فقال له : أخّرنى وارفق ، فأخّره ، فخرج الى مكّة ، فأتاه أهل الكوفة ورسلهم : ، إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك ، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالى ، فاقدم علينا وكان النعمان بن بشير الانصارى على الكوفة.

قال : فبعث الحسين الى مسلم بن عقيل بن أبى طالب ابن عمّه ، فقال له : سر

__________________

(١) مروج الذهب : ٣ / ٦٦ ـ ٧٠


الى الكوفة فانظر ما كتبوا به الىّ ، فان كان حقّا خرجنا إليهم ، فخرج مسلم حتّى أتى المدينة ، فأخذ منها دليلين ، فمرّا به فى البريّة ، فأصابهم عطش ، فمات أحد الدليلين ، وكتب مسلم الى الحسين يستعفيه ، فكتب إليه الحسين : أن امض الى الكوفة ، فخرج حتّى قدمها ، ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عوسجة.

قال : فلمّا تحدّث أهل الكوفة بمقدمه دبّوا إليه فبايعه منهم اثنا عشر ألفا ، قال : فقام رجل ممّن يهوى يزيد بن معاوية الى النعمان بن بشير ، فقال له : أنّك ضعيف أو متضعّف ، قد فسد البلاد! فقال له النعمان : أن أكون ضعيفا وأنا فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون قويّا فى معصية الله ، وما كنت لامتك سترا ستره الله ، فكتب بقول النعمان الى يزيد ، فدعا مولى له يقال له : سرجون ـ وكان يستشيره ـ فأخبره الخبر.

فقال له : أكنت قابلا من معاوية لو كان حيّا؟ قال : نعم ، قال : فاقبل منّى ، فانّه ليس للكوفة الّا عبيد الله ابن زياد ، فولّها ايّاه ـ وكان يزيد عليه ساخطا ، وكان همّ بعزله عن البصرة ـ فكتب إليه برضائه ، وأنّه قد ولّاه الكوفة مع البصرة ، وكتب إليه أن يطلب مسلم بن عقيل ، فيقتله ان وجده. قال : فأقبل عبيد الله فى وجوه أهل البصرة حتّى قدم الكوفة ، متلثّما ، ولا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسلّم الّا قالوا : عليك السلام يا ابن بنت رسول الله ـ وهم يظنّون أنّه الحسين بن علىعليه‌السلام حتّى نزل القصر.

فدعا مولى له فأعطاه ثلاثة آلاف ، وقال له : اذهب حتّى تسأل عن الرجل الذي يبايع له أهل الكوفة ، فأعلمه أنّك رجل من أهل حمص جئت لذا الامر ، وهذا مال تدفعه إليه ليقوّى ، فلم يزل يتلطّف ويرفق به حتّى دلّ على شيخ من أهل الكوفة يلى البيعة ، فلقيه فأخبره ، فقال له الشيخ : لقد سرّنى لقاؤك إيّاى ، وقد ساءنى ، فأمّا ما سرّنى من ذلك فما هداك الله له ، وأمّا ما ساءنى فانّ أمرنا لم يستحكم بعد ، فأدخله إليه ، فأخذ منه المال وبايعه ، ورجع الى عبيد الله فأخبره.


فتحوّل مسلم حين قدم عبيد الله بن زياد من الدّار الّتي كان فيها الى منزل هانى بن عروة المرادى ، وكتب مسلم بن عقيل الى الحسين بن علىعليه‌السلام يخبره ببيعة اثنى عشر ألفا من أهل الكوفة ، ويأمره بالقدوم ، وقال عبيد الله لوجوه أهل الكوفة : ما لي أرى هانى بن عروة لم يأتنى فيمن أتانى! قال : فخرج إليه محمّد بن الأشعث فى ناس من قومه وهو على باب داره ، فقالوا : انّ الامير قد ذكرك واستبطأك ، فانطلق إليه ، فلم يزالوا به حتّى ركب معهم وسار حتّى دخل على عبيد الله وعنده شريح القاضى.

فلمّا نظر إليه قال لشريح : «أتتك بحائن رجلاه» فلمّا سلّم عليه قال : يا هانى أين مسلم؟ قال : ما أدرى : فأمر عبيد الله مولاه صاحب الدراهم فخرج إليه ، فلمّا رآه قطع به ، فقال : أصلح الله الامير! والله ما دعوته الى منزلى ولكنّه جاء فطرح نفسه علىّ ، قال : ائتنى به. قال : والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، قال : أدنوه الىّ ، فأدنى فضربه على حاجبه فشجّه ، قال : وأهوى هانى الى سيف شرطىّ ليسلّه فدفع عن ذلك ، وقال : قد أحلّ الله دمك ، فأمر به فحبس فى جانب القصر(١) .

٢٢ ـ الطبرى باسناده عن عمّار الدّهنى ، عن أبى جعفر ، قال : فبينا هو كذلك إذ خرج الخبر الى مذحج ، فاذا على باب القصر جلبة سمعها عبيد الله ، فقال : ما هذا؟ فقالوا : مذحج ، فقال لشريح : اخرج إليهم فأعلمهم أنى إنّما حبسته لأسائله ، وبعث عينا عليه من مواليه يسمع ما يقول ، فمرّ بهانى بن عروة ، فقال له هانى : اتّق الله يا شريح ، فانّه قاتلى فخرج شريح حتّى قام على باب القصر ، فقال : لا بأس عليه ، إنمّا حبسه الامير ليسائله.

فقالوا : صدق ، ليس على صاحبكم بأس ، فتفرّقوا ، فأتى مسلما الخبر ، فنادى

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٤٧.


شعاره ، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة ، فقدّم مقدّمته ، وعبّى ميمنته وميسرته ، وسار فى القلب الى عبيد الله ، وبعث عبيد الله الى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده فى القصر ، فلمّا سار إليه مسلم فانتهى الى باب القصر ، اشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلّمونهم ويردّونهم ، فجعل أصحاب مسلم يتسلّلون حتّى أمسى فى خمسمائة.

فلمّا اختلط الظلام ذهب اولئك أيضا ، فلمّا رأى مسلم أنّه قد بقى وحده يتردّد فى الطرق أتى بابا فنزل عليه ، فخرجت إليه امرأة ، فقال لها : اسقينى ، فسقته ، ثمّ دخلت فمكثت ما شاء الله ، ثمّ خرجت ، فاذا هو على الباب ، قالت يا عبد الله إنّ مجلسك مجلس ريبة ، فقم ، قال : انّى أنا مسلم بن عقيل ، فهل عندك مأوى؟ قالت : نعم ، ادخل ، وكان ابنها مولى لمحمّد بن الأشعث.

فلمّا علم به الغلام انطلق الى محمّد فأخبره ، فانطلق محمّد الى عبيد الله فأخبره ، فبعث عبيد الله عمرو بن حريث المخزومى ـ وكان صاحب شرطه ـ إليه ، ومعه عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث ، فلم يعلم مسلم حتّى أحيط بالدار ، فلمّا رأى ذلك مسلم خرج إليهم بسيفه فقاتلهم ، فأعطاه عبد الرحمن الامان ، فأمكن من يده ، فجاء به الى عبيد الله ، فأمر به فأصعد الى أعلى القصر ، فضربت عنقه ، وألقى جثّته الى الناس ، وأمر بهانىء فسحب الى الكناسة ، فصلب هنالك(١)

٢٣ ـ عنه فى حديث أبى مخنف : ثمّ أقبل مسلم حتّى دخل الكوفة ، فنزل دار المختار ابن أبى عبيد ـ وهى الّتي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب ـ وأقبلت الشيعة إليه ، فلمّا اجتمعت إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب حسين ، فأخذوا يبكون ، فقام عابس بن أبى شبيب الشاكرى ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فانّى لا

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٤٩.


أخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما فى أنفسهم ، وما أغرّك منهم ، والله لأحدّثنّك عما أنا موطن نفسى عليه ، والله لاجيبنّكم إذا دعوتم ، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفى دونكم حتّى ألقى الله ، لا اريد بذلك الّا ما عند الله.

فقام حبيب مظاهر الفقعسى ، فقال رحمك الله! قد قضيت ما فى نفسك ، بواجز من قولك ، ثمّ قال : وأنا والله الّذي لا إله إلّا هو على ما مثل ما هذا عليه ، ثمّ قال الحنفى مثل ذلك ، فقال الحجّاج بن علىّ : فقلت لمحمّد بن بشر : فهل كان منك أنت قول؟ فقال : ان كنت لأحبّ أن يعزّ الله أصحابى بالظفر ، وما كنت لأحبّ أن أقتل ، وكرهت أن أكذب ، واختلفت الشيعة إليه حتّى علم مكانه ، فبلغ ذلك النعمان بن بشير(١)

٢٤ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى نمير بن وعلة ، عن أبى الودّاك قال : خرج إلينا النعمان بن بشير ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد فاتّقوا الله عباد الله ولا تسارعوا الى الفتنة والفرقة ، فانّ فيهما يهلك الرجال ويسفك الدماء وتغصب الاموال ـ وكان حليما ناسكا يحبّ العافية ـ قال : إنّى لم أقاتل من لم يقاتلنى ، ولا أثب على من لا يثب علىّ ، ولا أشاتمكم ولا أتحرّش بكم ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التهمة.

لكنّكم إن أبديتم صفحتكم لى ، ونكثتم ببيعتكم وخالفتم إمامكم ، فو الله الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى ولو لم يكن لى منكم ناصر ، أما انّى أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر أن يرديه الباطل ، قال : فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمى حليف بنى اميّة ، فقال : إنّه لا يصلح ما ترى الّا الغشم ، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك رأى المستضعفين.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٥.


فقال : أن أكون من المستضعفين فى طاعة الله أحبّ الىّ من أن أكون الاعزّين فى معصية الله ثمّ نزل ، وخرج عبد الله بن مسلم وكتب الى يزيد بن معاويه : أمّا بعد فان مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن على ، فان كان لك بالكوفة حاجة ، فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك فى عدوّك ، فانّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف ، فكان أوّل من كتب إليه ، ثمّ كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ، ثمّ كتب إليه عمر بن سعد ابن أبى وقّاص ، بمثل ذلك(١)

٢٥ ـ عنه قال هشام : قال عوانة : فلمّا اجتمعت الكتب ، عند يزيد ليس بين كتبهم إلّا يومان ، دعا يزيد بن معاوية سرجون مولى معاوية ، فقال : ما رأيك؟ فانّ حسينا قد توجّه نحو الكوفة ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع الحسين وقد بلغنى عن النعمان ضعف وقول سيئ ـ وأقرأه كتبهم ـ فما ترى من أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد ، فقال سرجون : أرأيت معاوية لو نشر لك أكنت آخذا برأيه؟ قال : نعم.

فأخرج عهد عبيد الله على الكوفة فقال : هذا رأى معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب ، فأخذ برأيه وضمّ المصرين الى عبيد الله ، وبعث إليه بعهده على الكوفة ، ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهلى ـ وكان عنده ـ فبعثه الى عبيد الله بعهده الى البصرة وكتب إليه معه: أمّا بعد فانّه كتب الىّ شيعتى من أهل الكوفة ، يخبروننى أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين ، فسرحين تقرأ كتابى هذا حتّى تأتى أهل الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٥.


فأقبل مسلم بن عمرو حتّى قدم على عبيد الله بالبصرة ، فأمر عبيد الله بالجهاز والتهيؤ والمسير الى الكوفة من الغد ، وقد كان حسين كتب الى أهل البصرة كتابا(١)

٢٦ ـ عنه قال هشام : قال أبو مخنف : حدّثنى الصقعب بن زهير ، عن أبى عثمان النّهدى قال : كتب حسين مع مولى لهم يقال له : سليمان وكتب نسخة الى رءوس الاخماس بالبصرة والى الاشراف ، فكتب الى مالك بن ، مسع البكرى والى الاحنف بن قيس ، والى المنذر بن الجارود ، والى مسعود بن عمرو ، والى قيس بن الهيثم ، والى عمرو بن عبيد الله بن معمر ، فجاءت منه نسخة واحدة الى جميع أشرافها.

أمّا بعد فانّ الله اصطفى محمّداصلى‌الله‌عليه‌وآله على خلقه ، وأكرمه بنبوّته ، واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه الله إليه ، وقد نصح لعباده ، وبلّغ ما أرسل بهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنّا أهله وأولياءه ، وأوصياءه ورثته وأحقّ الناس بمقامه فى الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة ، وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممّن تولّاه ، وقد أحسنوا وأصلحوا ، وتحرّوا الحق ، فرحمهم‌الله ، وغفر لنا ولهم.

قد بعثت رسولى إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم الى كتاب الله وسنّة نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فانّ السنّة قد أميتت ، وانّ البدعة قد أحييت ، وإن تسمعوا قولى وتطيعوا أمرى أهدكم سبيل الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله.

فكلّ من قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كتمه ، غير المنذر بن الجارود ، فانّه خشى بزعمه أن يكون دسيسا من قبل عبيد الله ، فجاءه بالرسول من العشيّة

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٦.


الّتي يريد صبيحتها أن يسبق الى الكوفة ، وأقرأه كتابه ، فقدّم الرسول فضرب عنقه ، وصعد عبيد الله منبر البصرة فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فو الله ما تقرن بى الصعبة ، ولا يقعقع لى بالشنان ، وانّى لنكل لمن عادانى ، وسمّ لمن حاربنى ، أنصف القارة من راماها.

يا أهل البصرة ، انّ أمير المؤمنين ولانّى الكوفة ، وأنا غاد إليها الغداة ، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبى سفيان ، وإيّاكم والخلاف والإرجاف ، فو الذي لا إله غيره ، لئن بلغنى عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه وعريفه ووليّه ، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى حتّى تستمعوا لى ، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشتاق ، أنا ابن زياد ، أشبهته من بين من وطىء الحصى ولم ينتزعنى شبه خال ولا ابن عمّ.

ثمّ خرج من البصرة واستخلف أخاه عثمان بن زياد ، وأقبل الى الكوفة ومعه مسلم بن عمرو الباهلىّ ، وشريك بن الأعور الحارثى ، وحشمه وأهل بيته ، حتّى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء ، وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال حسين إليهم ، فهم ينتظرون قدومه ، فظنّوا حين قدم عبيد الله أنّه الحسين ، فأخذ لا يمرّ على جماعة من الناس الّا سلّموا عليه ، وقالوا : مرحبا بك يا ابن رسول الله! قدمت خير مقدم.

فرأى من تباشيرهم بالحسينعليه‌السلام ما ساءه ، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا : تأخّروا ، هذا الامير ، عبيد الله بن زياد ، فأخذ حين أقبل على الظهر ، وإنّما معه بضعة عشر رجلا ، فلمّا دخل القصر ، وعلم الناس أنّه عبيد الله بن زياد ، دخلهم من ذلك كآبة وحزن شديد ، وغاظ عبيد الله ما سمع منهم ، وقال : ألا أرى هؤلاء كما أرى(١)

٢٧ ـ عنه قال هشام : قال أبو مخنف : فحدّثنى المعلّى بن كليب ، عن أبى ودّاك قال : لمّا نزل القصر نودى : الصلاة جامعة ، قال : فاجتمع الناس ، فخرج إلينا فحمد

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٧.


الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فانّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولّاني مصركم ، وأمرنى بانصاف مظلومكم ، واعطاء محرومكم ، وبالاحسان الى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متّبع فيكم أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ ، وسوطى وسيفى على من ترك أمرى ، وخالف عهدى فليبق امرؤ على نفسه. الصدق ينبىء عنك لا الوعيد.

ثمّ نزل ، فأخذ العرفاء والناس أخذا شديدا ، فقال : اكتبوا الىّ الغرباء ، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ، ومن فيكم من الحروريّة ، وأهل الريب الّذين رأيهم الخلاف والشقاق ، فمن كتبهم لنا فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحدا ، فيضمن لنا ما فى عرافته ألّا يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغى علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمّة وحلال لنا ماله وسفك دمه.

وأيّما عريف وجد فى عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره ، وألقيت تلك العرافة من العطاء وسيّر الى موضع بعمان الزارة(١) .

٢٨ ـ عنه قال : وأمّا عيسى بن يزيد الكنانى فانّه قال : فيما ذكر عمر بن شبّة عن هارون بن مسلم ، عن علىّ بن صالح ، عنه قال : لمّا جاء كتاب يزيد الى عبيد الله ابن زياد ، انتخب من أهل البصرة خمسمائة ، فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وشريك بن الأعور ، وكان شيعة لعلى فكان أوّل من سقط بالناس شريك ، فيقال : انّه تساقط غمرة ومعه ناس ، ثمّ سقط عبد الله بن الحارث وسقط معه ناس ، ورجوا أن يلوى عليه عبيد الله ويسبقه الحسين الى الكوفة.

فجعل لا يلتفت الى من سقط ، ويمضى حتّى ورد القادسيّة ، وسقط مهران مولاه ، فقال : أيا مهران ، على هذه الحال ، إن أمسكت عنك حتّى تنظر الى القص؟؟؟

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٨.


فلك مائة ألف ، قال : لا ، والله ما استطيع ، فنزل عبيد الله فأخرج ثيابا مقطّعة من مقطّعات اليمن ، ثمّ اعتجر بمعجرة يمانية ، فركب بغلته ، ثمّ انحدر راجلا وحده ، فجعل يمرّ بالمحارس ، فكلّما نظروا إليه لم يشكوا انّه الحسين. فيقولون : مرحبا بك يا ابن رسول الله! وجعل لا يكلّمهم ، وخرج إليه الناس من دورهم وبيوتهم.

سمع بهم النعمان بن بشير فغلّق عليه وعلى خاصّته ، وانتهى إليه عبيد الله ، وهو لا يشكّ أنه الحسين ، ومعه الخلق يضجّون ، فكلّمه النعمان ، فقال : أنشدك الله الا تنحّيت عنّى! ما أنا بمسلم إليك أمانتى ، وما لي فى قتلك من أرب ، فجعل لا يكلّمه. ثمّ انّه دنا وتدلّى الآخر بين شرفتين ، فجعل يكلّمه فقال : افتح لا فتحت ، فقد طال ليلك ، فسمعها انسان خلفه ، فتكفى الى القوم.

فقال : أى قوم ، ابن مرجانة ، والّذي لا إله غيره! فقالوا : ويحك! إنمّا هو الحسين ، ففتح له النعمان ، فدخل ، وضربوا الباب فى وجوه الناس ، فانفضّوا ، وأصبح ، فجلس على المنبر ، فقال : أيّها الناس ، انّى لا علم أنّه قد سار معى ، وأظهر الطاعة لى من هو عدوّ ، للحسين حين ، ظنّ أنّ الحسين قد دخل البلد وغلب عليه ، والله ما عرفت منكم أحدا ، ثمّ نزل ، وأخبر أنّ مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة ، وانّه بناحية الكوفة ، فدعا مولى لبنى تميم ، فأعطاه مالا ، وقال :

انتحل هذا الامر ، وأعنهم بالمال ، واقصد لهانئ ومسلم ، وأنزل عليه ، فجاء هانئا فأخبره أنّه شيعة ، وانّ معه مالا. وقدم شريك بن الاعور شاكيا فقال لهانئ : مر مسلما يكن عندى ، فانّ عبيد إله يعودنى ، وقال شريك لمسلم : أرأيتك ان أمكنتك من عبيد الله أضاربه أنت بالسيف؟ قال : نعم والله. وجاء عبيد الله شريكا يعوده فى منزل هانئ ـ وقد قال شريك لمسلم : إذا سمعتنى أقول : اسقونى ماء فاخرج عليه فاضربه.

جلس عبيد الله على فراش شريك ، وقام على رأسه مهران ، فقال : اسقونى


ماء ، فخرجت جارية بقدح ، فرأت مسلما ، فزالت ، فقال شريك : اسقونى ماء ثمّ قال الثالثة : ويلكم تحمونى الماء! اسقونيه ولو كانت فيه نفسى ففطن مهران فغمز عبيد الله ، فوثب ، فقال شريك : أيّها الامير ، انّى اريد أن أوصى إليك ، قال : أعود إليك ، فجعل مهران يطرّد به ، وقال : أراد والله قتلك ، قال : وكيف مع اكرامى شريكا وفى بيت هانئ ويد أبى عنده يد!

فرجع فأرسل الى أسماء بن خارجة ومحمّد بن الأشعث ، فقال : ائتيانى بهانىء فقالا له: انّه لا يأتى الّا بالأمان ، قال : وما له وللأمان! وهل أحدث حدثا! انطلقا فان لم يأت الا بأمان فآمنّاه ، فأتياه فدعواه ، فقال : انّه ان أخذنى قتلنى ، فلم يزالا به حتّى جاءا به وعبيد الله يخطب يوم الجمعة ، فجلس فى المسجد ، وقد رجّل هانئ غديرتيه ، فلمّا صلّى عبيد الله ، قال : يا هانئ ، فتبعه ، ودخل فسلّم.

فقال عبيد الله : يا هانئ ، أما تعلم أنّ أبى قدم هذا البلد فلم يترك أحدا من هذه الشيعة الّا قتله غير أبيك وغير حجر ، وكان من حجر ما قد علمت ، ثمّ لم يزل يحسن صحبتك ، ثمّ كتب الى أمير الكوفة : انّ حاجتى قبلك هانى ،؟ قال : نعم ، قال : فكان جزائى أن خبأت فى بيتك رجلا ليقتلنى! قال : ما فعلت ، فأخرج التميمى والذي كان عينا عليهم ، فلمّا رآه هانئ علم أن قد أخبره الخبر.

فقال : أيّها الامير ، قد كان الذي بلغك ، ولن أضيّع يدك عنّى ، فأنت آمن وأهلك ، فسر حيث شئت ، فكبا عبيد الله عندها ، ومهران قائم على رأسه فى يده معكّزة ، فقال: واذلّاه! هذا العبد الحائك يؤمّنك فى سلطانك! فقال : خذه ، فطرح المعكزة ، وأخذ بضفيرتى هانئ ، ثمّ أقنع بوجهه ، ثمّ أخذ عبيد الله المعكزة فضرب بها وجه هانئ ، وندر الزجّ ، فارتزّ فى الجدار.

ثمّ ضرب وجهه حتّى كسر أنفه وجبينه ، وسمع الناس الهيعة ، وبلغ الخبر مذحج ، فأقبلوا ، فأطافوا بالدار ، وأمر عبيد الله بهانىء فأبقى فى بيت ، وصيّح


المذحجيّون ، وأمر عبيد الله مهران أن يدخل عليه شريحا ، فخرج ، فأدخله عليه ، ودخلت الشرط معه ، فقال : يا شريح ، قد ترى ما يصنع بى! قال : أراك حيّا ، قال : وحىّ أنا مع ما ترى! أخبر قومى أنّهم ان انصرفوا قتلنى!

فخرج الى عبيد الله فقال : قد رأيته حيّا ، ورأيت أثرا سيّئا! قال : وتنكر أن يعاقب الوالى رعيّته! اخرج الى هؤلاء فأخبرهم فخرج ، وأمر عبيد الله الرجل فخرج معه ، فقال لهم شريح ، ما هذه الرّعة السيّئة! الرجل حىّ ، وقد عاتبه سلطانه بضرب لم يبلغ نفسه ، فانصرفوا ولا تحلّوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فانصرفوا(١) .

٢٩ ـ عنه ذكر هشام ، عن أبى مخنف ، عن المعلّى بن كليب ، عن أبى الودّاك ، قال : نزل شريك بن الأعور ، على هانى بن عروة المرادى ، وكان شريك شيعيّا ، وقد شهد صفّين مع عمّار ، وسمع مسلم بن عقيل بمجيء عبيد الله ومقالته التي قالها ، وما أخذ به العرفاء والناس ، فخرج من دار المختار ـ قد علم به ـ حتّى انتهى الى دار هانى بن عروة المرادى ، فدخل بابه ، وأرسل إليه أن أخرج ، فخرج إليه هانئ ، فكره هانئ مكانه حين رآه.

فقال له مسلم : أتيتك لتجيرنى وتضيفنى ، فقال : رحمك الله! لقد كلفتنى شططا ، ولو لا دخولك دارى ، وثقتك لأحببت ولسألتك أن تخرج عنّى ، غير أنّه يأخذنى من ذلك زمام ، وليس مردود مثلى على مثلك ، عن جهل ، ادخل. فآواه ، وأخذت الشيعة تختلف إليه فى دار هانى بن عروة ، ودعا ابن زياد مولى له يقال له معقل ، فقال له : خذ ثلاثة آلاف درهم ، ثمّ اطلب مسلم بن عقيل ، واطلب لنا أصحابه.

ثمّ أعطهم هذه الثلاثة آلاف ، فقل لهم : استعينوا بها على حرب عدوّكم ، وأعلمهم أنّك منهم ، فانّك لو قد أعطيتها إيّاهم اطمأنّوا إليك ، ووثقوا بك ، ولم

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٥٩.


يكتموك شيئا من أخبارهم ، ثمّ اغد عليهم ورح ، ففعل ذلك ، فجاء حتّى أتى الى مسلم بن عوسجة الاسدى من بنى سعد بن ثعلبة فى المسجد الأعظم ، وهو يصلّى ، وسمع الناس يقولون انّ هذا يبايع للحسين ، فجاء ، فجلس حتّى فرغ من صلاته.

ثمّ قال : يا عبد الله ، انّى امرؤ من أهل الشام ، مولى لذى الكلاع ، أنعم الله على بحبّ أهل هذا البيت ، وحبّ من أحبّهم ، فهذا ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم ، بلغنى أنّه قدم الكوفة ، يبايع لابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلّنى عليه ولا يعرف مكانه ، فانّى لجالس آنفا فى المسجد ، إذ سمعت نفرا من المسلمين يقولون : هذا رجل له علم بأهل هذا البيت ، وانّى أتيتك لتقبض هذا المال وتدخلنى على صاحبك فأبايعه ، وان شئت أخذت بيعتى له قبل لقائه.

فقال : أحمد الله على لقائك ايّاى ، فقد سرّنى ذلك لتنال ما تحبّ ، ولينصر الله بك أهل بيت نبيّه ، ولقد ساءنى معرفتك ايّاى بهذا الامر من قبل أن ينمى مخافة هذا الطاغية وسطوته. فأخذ بيعته قبل أن يبرح ، وأخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ وليكتمنّ ، فأعطاه من ذلك ما رضى به ، ثمّ قال له : اختلف الىّ أيّاما فى منزلى ، فأنا طالب لك الاذن على صاحبك. فأخذ يختلف مع الناس ، فطلب له الاذن.

فمرض هانى بن عروة ، فجاء عبيد الله عائدا له ، فقال له عمارة بن عبيد السلولى : إنّما جماعتنا وكيدنا قتل هذا الطاغية ، فقد أمكنك الله منه ، فاقتله ، قال هانى : ما أحبّ أن يقتل فى دارى ، فخرج فما مكث الّا جمعة حتّى مرض شريك بن الأعور ـ وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الامراء ، وكان شديد التشيّع ـ فأرسل إليه عبيد الله : انّى رائح إليك العشيّة.

فقال لمسلم : إنّ هذا الفاجر عائدى العشيّة ، فاذا جلس ، فاخرج إليه فاقتله ، ثمّ اقعد فى القصر ، ليس أحد يحول بينك وبينه ، فان برئت من وجعى هذا أيّامى


هذه سرت الى البصرة وكفتيك أمرها ، فلمّا كان من العشىّ أقبل عبيد الله لعيادة شريك ، فقام مسلم بن عقيل ليدخل ، وقال له شريك : لا يفوتنّك إذا جلس ، فقام هانى بن عروة إليه فقال : انّى لا أحبّ أن يقتل فى دارى ـ كأنّه استقبح ذلك ـ فجاء عبيد الله بن زياد فدخل فجلس ، فسأل شريكا عن وجعه ، وقال : ما الذي تجد ، ومتى أشكيت؟ فلمّا طال سؤاله ايّاه ، ورأى أنّ الآخر لا يخرج ، خشى أن يفوته ، فأخذ يقول : ما تنتظرون بسلمى أن تحيّوها

اسقنيها وإن كانت فيها نفسى ، فقال ذلك مرتين أو ثلاثا ، فقال عبيد الله ، ولا يفطن ما شأنه : أترونه يهجر؟ فقال له هانى : نعم أصلحك الله! ما زال هذا ديدنه قبيل عماية الصبح حتّى ساعته هذه ، ثمّ انّه قام فانصرف ، فخرج مسلم ، فقال له شريك : ما منعك من قتله؟ فقال : خصلتان : أمّا احداهما فكراهة هانى أن يقتل فى داره ، وأمّا الاخرى فحديث حدّثه الناس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «انّ الايمان قيد الفتك» ولا يفتك مؤمن.

فقال هانى : أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا ، ولكن كرهت أن يقتل فى دارى ، ولبث شريك بن الأعور بعد ذلك ثلاثا ، ثمّ مات ، فخرج ابن زياد ، فصلّى عليه ، وبلغ عبيد الله بعد ما قتل مسلما وهانئا أنّ ذلك الذي كنت سمعت من شريك فى مرضه إنمّا كان يحرّض مسلما ، ويأمره بالخروج إليك ليقتلك ، فقال عبيد الله : والله لا اصلّى على جنازة رجل من أهل العراق أبدا ، وو الله لو لا أنّ قبر زياد فيهم لنبشت شريكا.

ثمّ انّ معقلا مولى ابن زياد الّذي دسّه بالمال ، الى ابن عقيل وأصحابه ، اختلف الى مسلم بن عوسجة ، أيّاما ليدخله على ابن عقيل ، فأقبل به حتّى أدخله عليه بعد موت شريك بن الأعور ، فأخبره خبره كلّه ، فأخذ ابن عقيل بيعته ، وأمر


أبا ثمامة الصائدى ، فقبض ماله الّذي جاء به ـ وهو الّذي كان يقبض أموالهم ، وما يعين به بعضهم بعضا ، يشترى لهم السلاح ، وكان به بصيرا ، وكان من فرسان العرب ووجوه الشيعة.

أقبل ذلك الرجل يختلف إليهم ، فهو أوّل داخل وآخر خارج ، يسمع أخبارهم ، ويعلم أسرارهم ، ثمّ ينطلق بها حتّى يقرّها فى أذن ابن زياد ، قال : وكان هانئ يغدو ويروح الى عبيد الله ، فلمّا نزل به مسلم انقطع من الاختلاف وتمارض فجعل لا يخرج ، فقال ابن زياد لجلسائه : ما لي لا أرى هانئا! فقالوا : هو شاك ، فقال : لو علمت بمرضه لعدّته(١) .

٣٠ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى المجالد بن سعيد ، قال : دعا عبيد الله محمّد ابن الاشعث وأسماء بنت خارجة ، قال أبو مخنف : حدّثنى الحسن بن عقبة المرادى أنّه بعث معهما عمرو بن الحجّاج الزبيدى ، قال أبو مخنف : وحدّثنى نمير بن وعلة ، عن أبى الودّاك ، قال : كانت روعة أخت عمرو بن الحجّاج تحت هانى بن عروة ، وهى أمّ يحيى بن هانى ، فقال لهم : ما يمنع هانى بن عروة من اتياننا؟ قالوا : ما ندرى أصلحك الله! وانّه ليتشكّى.

قال : قد بلغنى أنّه قد برأ ، وهو يجلس على باب داره ، فالقوه ، فمروه ألّا يدع ما عليه فى ذلك من الحقّ ، فانّى لا أحبّ أن يفسد عندى مثله ، من أشراف العرب ، فأتوه حتّى وقفوا عليه عشيّة وهو جالس على بابه ، فقالوا : ما يمنعك من لقاء الامير ، فانّه قد ذكرك ، وقد قال : لو أعلم أنّه شاك لعدته؟

فقال لهم : الشكوى تمنعنى ، فقالوا له : يبلغه أنّك تجلس كلّ عشيّة على باب

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦١.


دارك ، وقد استبطأك ، والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لمّا ركبت معنا! فدعا بثيابه فلبسها ، ثمّ دعا ببغلة فركبها حتّى إذا دنا من القصر ، كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان ، فقال لحسّان بن أسماء بنت خارجة ، يا ابن أخى ، انّى والله لهذا الرجل لخائف ، فما ترى؟

قال : أى عمّ ، والله ما أتخوّف عليك شيئا ، ولم تجعل على نفسك سبيلا وأنت برىء؟ وزعموا أن أسماء لم يعلم فى أىّ شيء بعث إليه عبيد الله ، فأمّا محمّد فقد علم به : فدخل القوم على ابن زياد ، ودخل معهم ، فلمّا طلع قال عبيد الله : أتتك بحائن رجلاه! وقد عرّس عبيد الله إذ ذاك بأمّ نافع ابنة عمارة بن عقبة ، فلمّا دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضى التفت نحوه ، فقال :

اريد حبائه ويريد قتلى

عذيرك من خليلك من مراد

قد كان له أوّل ما قدم مكرما ملطفا ، فقال له هانى ، وما ذاك أيّها الامير؟ قال : إيه يا هانى بن عروة! ما هذه الامور الّتي تربّص فى دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين جئت بمسلم بن عقيل ، فأدخلته دارك ، وجمعت له السلاح والرجال فى الدّور حولك ، وظننت أنّ ذلك يخفى علىّ لك! قال : ما فعلت ، وما مسلم عندى ، قال : بلى قد فعلت : قال : ما فعلت ، قال : بلى.

فلمّا كثر ذلك بينهما ، وأبى هانى الا مجاحدته ومناكرته ، دعا ابن زياد معقلا ذلك العين ، فجاء حتّى وقف بين يديه ، فقال : أتعرف هذا؟ قال : نعم ، وعلم هانى عند ذلك أنّه كان عينا عليهم ، وأنّه قد أتاه بأخبارهم. فسقط فى خلده ساعة ، ثمّ انّ نفسه راجعته ، فقال له : اسمع منّى وصدّق مقالتى.

فو الله لا اكذبك ، والله الذي لا إله غيره ما دعوته إلى منزلى ولا علمت بشيء من أمره ، حتّى رأيته جالسا على بابى ، فسألنى النزول علىّ ، فاستحييت من


ردّه ، ودخلنى من ذلك ذمام فادخلته دارى وضفته وآويته ، وقد كان من أمره الذي بلغك ، فان شئت أعطيت الآن موثقا مغلّظا ما تطمئنّ إليه ألّا أبغيك سوءا ، وإن شئت أعطيتك رهينة تكون فى يدك حتّى آتيك ، وانطلق إليه فآمره أن يخرج من دارى الى حيث شاء من الارض ، فأخرج من ذمامه وجواره.

فقال : لا والله لا تفارقنى أبدا حتّى تأتينى به ، فقال : لا والله لا أجيئك أبدا أنا أجيئك بضيفى تقتله! قال : والله لتأتينى به ، قال : والله لا آتيك به ، فلمّا كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلى ـ وليس بالكوفة شامى ولا بصرى غيره ـ فقال : أصلح الله الامير! خلّنى وايّاه حتّى اكلّمه ، لما رأى لجاجته وتأبيه على ابن زياد أن يدفع إليه مسلما ، فقال لهانى : قم الىّ هاهنا حتّى اكلّمك.

فقام فخلا به ناحية من ابن زياد ، وهما منه على ذلك قريب حيث يراهما ، اذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان ، واذا خفضا خفى عليه ما يقولان ، فقال له مسلم : يا هاني ، إنّى أنشدك الله أن تقتل نفسك ، وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك! فو الله انّى لا نفسك بك عن القتل ، وهو يرى أنّ عشيرته ستحرّك فى شأنه ان هذا الرجل ابن عمّ القوم ، وليسوا قاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إليه فانّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة ، إنمّا تدفعه الى السلطان.

قال : بلى ، والله انّ علىّ فى ذلك للخزى والعار ، أنا أدفع جارى وضيفى وأنا حىّ صحيح أسمع وأرى ، شديد الساعد ، كثير الاعوان! والله لو لم أكن الّا واحدا ليس لى ناصر لم أدفعه حتّى أموت دونه ، فأخذ يناشده وهو يقول : والله لا أدفعه إليه أبدا ، فسمع ابن زياد ذلك ، فقال : أدنوه منّى ، فأدنوه منه ، فقال : والله لتأتينى به أو لأضربنّ عنقك ، قال : اذا تكثر البارقة حول دارك ، فقال : وا لهفا عليك! أبا البارقة تخوفنى! وهو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه.


فقال ابن زياد : أدنوه منّى ، فأدنى ، فاستعرض وجهه بالقضيب ، فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه ، وسيّل الدماء على ثيابه ، ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته ، حتّى كسر القضيب ، وضرب هانى بيده الى قائم سيف شرطىّ من تلك الرجال ، وجابذه الرجل ومنع ، فقال عبيد الله : أحروري سائر اليوم! أحللت بنفسك ، قد حلّ لنا قتلك ، وخذوه فألقوه فى بيت من بيوت الدار ، وأغلقوا عليه بابه ، واجعلوا عليه حرسا ، ففعل ذلك به.

فقام إليه أسماء بن خارجة فقال : أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتّى إذا جئناك به وأدخلناه عليك هشمت وجهه ، وسيّلت دمه على لحيته ، وزعمت أنّك تقتله! فقال له عبيد الله : وانّك لهاهنا! فأمر به فلهز وتعتع به ، ثمّ ترك فحبس. وأمّا محمّد بن الاشعث فقال : قد رضينا بما رأى الامير ، لنا كان أم علينا ، إنمّا الامير مؤدّب.

وبلغ عمرو بن الحجّاج أن هانئا قد قتل ، فأقبل فى مذحج حتّى أحاط بالقصر ، ومعه جمع عظيم ، ثمّ نادى : أنا عمرو بن الحجّاج ، هذه فرسان مذحج ووجوهها ، لم نخلع طاعة ، ولم نفارق جماعة ، وقد بلغهم أن صاحبهم يقتل ، فأعظموا ذلك! فقيل لعبيد الله : هذه مذحج بالباب ، فقال لشريح القاضى : ادخل على صاحبكم ، فانظر إليه ، ثمّ اخرج فأعلمهم أنّه حىّ لم يقتل ، وانّك قد رأيته ، فدخل إليه شريح فنظر إليه(١) .

٣١ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى الصقعب بن زهير ، عن عبد الرحمن بن شريح ، قال : سمعته يحدّث اسماعيل بن طلحة ، قال : دخلت على هانى ، فلمّا رآنى قال :

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٤.


يا لله يا للمسلمين! أهلكت عشيرتى؟ فأين أهل الدين! وأين أهل المصر! تفاقدوا! يخلّونى ، وعدوّهم واين عدوّهم! والدماء تسيل على لحيته ، اذا سمع الرجّة على باب القصر ، وخرجت واتّبعني.

فقال : يا شريح ، انّى لا ظنّها أصوات مذحج وشيعتى من المسلمين ، ان دخل علىّ عشرة نفر أنقذونى ، قال : فخرجت إليهم ومعى حميد بن بكير الأحمرى ـ أرسله معى ابن زياد ، وكان من شرطه ممّن يقوم على رأسه ـ وأيم الله لو لا مكانه معى لكنت أبلغت أصحابه ما أمرنى به ، فلمّا خرجت إليهم قلت : انّ الامير لما بلغه مكانكم ومقالتكم فى صاحبكم أمرنى بالدخول إليه ، فأتيته فنظرت إليه ، فأمرنى أن ألقاكم ، وأن أعلمكم أنّه حىّ ، وانّ الذي بلغكم من قتله كان باطلا. فقال عمرو وأصحابه : فأمّا اذ لم يقتل فالحمد الله ، ثمّ انصرفوا(١) .

٣٢ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الحجّاج بن على ، عن محمّد بن بشير الهمدانيّ ، قال : لمّا ضرب عبيد الله هانئا وحبسه ، خشى أن يثب الناس به ، فخرج فصعد المنبر ، ومعه أشراف الناس ، وشرطه وحشمه ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد ، أيّها الناس ، فاعتصموا بطاعة الله ، وطاعة أئمّتكم ، ولا تختلفوا ولا تفرّقوا فتهلكوا ، وتذلّوا وتقتلوا وتجفوا ، وتحرموا ، انّ أخاك من صدقك ، وقد أعذر من أنذر.

قال : ثمّ ذهب لينزل ، فما نزل عن المنبر حتّى دخلت النظارة المسجد من قبل التمارين يشتدّون ويقولون : قد جاء ابن عقيل! فدخل عبيد الله القصر مسرعا ، وأغلق أبوابه(٢)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٧.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٧.


٣٣ ـ قال أبو مخنف : حدّثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن حازم ، قال : أنا والله رسول ابن عقيل الى القصر ، لا نظر الى ما صار أمر هانى ، قال : فلمّا ضرب وحبس ركبت فرسى وكنت أوّل أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر ، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين : يا عثرتاه! يا ثكلاه! فدخلت على مسلم بن عقيل بالخبر ، فأمرنى أن أنادى فى أصحابه وقد ملأ منهم الدور حوله ، وقد بايعه ثمانية عشر ألفا ، وفى الدور أربعة آلاف رجل.

فقال لى : ناد ، يا منصور امت ، فناديت : يا منصور امت ، وتنادى أهل الكوفة فاجتمعوا إليه ، فعقد مسلم لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندى على ربع كندة ، وربيعة ، وقال : سر أمامى فى الخيل ، ثمّ عقد لمسلم بن عوسجة الاسدى على ربع مذحج وأسد ، وقال : أنزل فى الرجال ، فأنت عليهم ؛ وعقد لابي ثمامة الصائدى على ربع تميم وهمدان ، وعقد لعباس بن جعدة الجدلى على ربع المدينة ، ثمّ أقبل نحو القصر ، فلمّا بلغ ابن زياد اقباله تحرّز فى القصر ، وغلّق الأبواب(١) .

٣٤ ـ عنه قال أبو مخنف : وحدّثنى يونس بن أبى اسحاق ، عن عبّاس الجدلى قال : خرجنا مع ابن عقيل أربعة آلاف ، فما بلغنا القصر الّا ونحن ثلاثمائة ، قال : وأقبل مسلم يسير فى الناس من مراد حتّى أحاط بالقصر ، ثمّ انّ الناس تداعوا إلينا واجتمعوا ، فو الله ما لبثنا الّا قليلا حتّى امتلأ المسجد من الناس والسوق ، وما زالوا يثوّبون حتّى المساء ، فضاق بعبيد الله ذرعه ، وكان كبر أمره أن يتمسّك بباب القصر.

ليس معه الّا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه ، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلى

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٨.


دار الروميين ، وجعل من بالقصر مع ابن زياد يشرفون عليهم ، فينظرون إليهم فيتّقون أن يرموهم بالحجارة ، وأن يشتموهم وهم لا يفترون على عبيد الله وعلى أبيه.

دعا عبيد الله كثير بن شهاب ابن الحصين الحارثى ، فأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج ، فيسير بالكوفة ، ويخذل الناس عن ابن عقيل ، ويخوّفهم الحرب ، ويحذّرهم عقوبة السلطان ، وأمر محمّد بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة ، وحضر موت ، فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس ، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلى ، وشبث بن ربعى التميمى وحجّار بن أبجر العجلى ، وشمر بن ذى الجوشن العامرى ، وحبس سائر وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم ، لقلّة عدد من معه من الناس ، وخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن ابن عقيل(١) .

٣٥ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو جناب الكلبى ، أن كثيرا ألفى رجلا من كلب ، يقال له عبد الاعلى بن يزيد ، قد لبس سلاحه يريد ابن عقيل فى بنى فتيان ، فأخذه حتّى أدخله على ابن زياد ، فأخبره خبره ، فقال لابن زياد : إنمّا أردتك ؛ قال : وكنت وعدتنى ذلك من نفسك ؛ فأمر به فحبس ، وخرج محمّد بن الاشعث حتّى وقف عند دور بنى عمارة ، وجاءه عمارة بن صلخب الأزدى وهو يريد ابن عقيل ، عليه سلاحه.

فأخذه فبعث به الى ابن زياد فحبسه ، فبعث ابن عقيل الى محمّد بن الاشعث من المسجد عبد الرحمن بن شريح الشبامى ، فلمّا رأى محمّد بن الاشعث كثرة من أتاه ، أخذ يتنحّى ويتأخّر ، وأرسل القعقاع بن شور الذهلى ، الى محمّد بن الاشعث ، قد جعلت على ابن عقيل من العرار ، فتأخّر عن موقفه ، فأقبل حتّى دخل على ابن

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٩.


زياد من قبل دار الروميّين.

فلمّا اجتمع عند عبيد الله كثير بن شهاب ، ومحمّد ، والقعقاع ، فيمن أطاعهم من قومهم ، قال له كثير ـ وكانوا مناصحين لابن زياد : أصلح الله الامير! معك فى القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك ، فاخرج بنا إليهم ، فأبى عبيد الله ، وعقد لشبث بن ربعى لواء ، فأخرجه ، وأقام الناس مع ابن عقيل يكبرون ويثوّبون حتّى المساء ، وأمرهم شديد ، فبعث عبيد الله الى الاشراف فجمعهم إليه ، ثمّ قال : أشرفوا على الناس ، فمنّوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة وخوّفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، وأعلموهم وصول الجنود من الشام إليهم(١) .

٣٦ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن عبد الله بن حازم الكثيرى ، من الأزد ، من بنى كثير ، قال : أشرف علينا الاشراف ، فتكلّم كثير بن شهاب أوّل الناس ، حتّى كادت الشمس أن تجب ، فقال : أيّها الناس ، الحقوا بأهاليكم ، ولا تعجّلوا الشرّ ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل ، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت.

قد أعطى الله الامير عهدا : لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيتكم العطاء ، ويفرّق مقاتلكم فى مغازى أهل الشام على غير طمع ، وأن يأخذ البريء ، بالسقيم ، والشاهد بالغائب ، حتّى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية ، الّا أذاقها وبال ما جرت أيديها ، وتكلّم الأشراف بنحو من كلام هذا ، فلمّا سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرّقون ، وأخذوا ينصرفون(٢) .

٣٧ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى المجالد بن سعيد ، أنّ المرأة كانت تأتى ابنها

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٦٩.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٠.


أو أخاها فتقول : انصرف ، الناس يكفونك ، ويجىء الرجل الى ابنه أو أخيه فيقول : غدا يأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشرّ! انصرف ، فيذهب به ؛ فما زالوا يتفرّقون ويتصدّعون حتّى أمسى ابن عقيل وما معه ثلاثون نفسا فى المسجد ، حتّى صلّيت المغرب ، فما صلّى مع ابن عقيل الّا ثلاثون نفسا.

فلمّا رأى أنّه قد أمسى وليس معه الّا أولئك النفر خرج متوجّها نحو أبواب كندة ، وبلغ الأبواب ومعه منهم عشرة ، ثمّ خرج من الباب وإذا ليس معه انسان ، والتفت فاذا هو لا يحسّ أحدا يدلّه على الطريق ، ولا يدلّه على منزل ولا يواسيه بنفسه ان عرض له عدوّ ، فمضى على وجهه يتلدد فى أزقة الكوفة لا يدرى أين يذهب! حتّى خرج الى دور بنى جبلة من كندة.

فمشى حتّى انتهى الى باب امرأة يقال لها طوعة ، أم ولد كانت للأشعث بن قيس ، فأعتقها ، فتزوّجها أسيد الحضرمى ، فولدت له بلالا ، وكان بلال قد خرج مع الناس وأمه قائمة تنتظره ، فسلّم عليها ابن عقيل ، فردّت عليه ، فقال لها : يا أمة الله ، اسقينى ماء ، فدخلت فسقته ، فجلس وأدخلت الإناء ، ثمّ خرجت فقالت : يا عبد الله ألم تشرب! قال : بلى ، قالت فاذهب الى أهلك ؛ فسكت ؛ ثمّ عادت فقالت مثل ذلك فسكت.

ثمّ قالت له : فىّ الله ، سبحان الله يا عبد الله! فمرّ الى أهلك عافاك الله فانّه لا يصلح لك الجلوس على بابى ، ولا أحلّه لك ، فقام فقال : يا أمة الله ، ما لي فى هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك الى أجر ومعروف ، ولعلّى مكافئك به بعد اليوم! فقالت : يا عبد الله ، وما ذاك؟ قال : أنا مسلم بن عقيل ، كذبنى هؤلاء القوم وغرّونى ؛ قالت : أنت مسلم! قال : نعم.

قالت : ادخل ، فأدخلته بيتا فى دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء فلم يتعشّ ، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها


تكثر الدخول فى البيت ، والخروج منه ، فقال : والله إنّه ليريبنى كثرة دخولك هذا البيت منذ الليلة وخروجك منه! انّ لك لشأنا ، قالت : يا بنىّ ، إله عن هذا ، قال لها : والله لتخبرنى ؛ قالت : أقبل على شأنك ولا تسألنى عن شيء ، فألحّ عليها.

فقالت يا بنىّ ، لا تحدّثنّ أحدا من الناس بما أخبرك به ؛ وأخذت عليه الايمان فحلف لها ، فأخبرته ، فاضطجع وسكت ، وزعموا أنّه قد كان شريدا من الناس. وقال بعضهم : كان يشرب مع أصحاب له ، ولمّا طال على ابن زياد ، وأخذ لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا ، كما كان يسمعه قبل ذلك قال لاصحابه : أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا! فأشرفوا فلم يروا أحدا.

قال : فانظروا لعلّهم تحت الظلال قد كمنوا لكم ، ففرعوا بحابح المسجد ، وجعلوا يخفضون شعل النار فى أيديهم ، ثمّ ينظرون ، هل فى الظلال أحد؟ وكانت أحيانا تضىء لهم ، وأحيانا لا تضىء لهم كما يريدون ، فدلّوا القناديل وأنصاف الطّنان تشدّ بالحبال ، ثمّ تجعل فيها النيران ، ثمّ تدلّى ، حتّى تنتهى الى الأرض ، ففعلوا ذلك فى أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتّى فعلوا ذلك بالظلّة الّتي فيها المنبر.

فلمّا لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد ، ففتح باب السدّة الّتي فى المسجد ، ثمّ خرج فصعد المنبر ، وخرج أصحابه معه ، فأمرهم فجلسوا حوله قبيل العتمة ، وأمر عمرو ابن نافع فنادى : ألا برئت الذمّة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلّى العتمة إلّا فى المسجد ، فلم يكن له إلّا ساعة حتّى امتلأ المسجد من الناس ، ثمّ أمر مناديه فأقام الصلاة.

فقال الحصين بن تميم : ان شئت صلّيت بالناس ، أو يصلّى بهم غيرك ، ودخلت أنت فصلّيت فى القصر ، فانّى لا آمن أن يغتالك بعض أعدائك! فقال : مر حرسى فليقوموا ورائى كما كانوا يقفون ، ودر فيهم فانّى لست بداخل إذا فصلّى بالناس ، ثمّ قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد.


فانّ ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه فى داره ، ومن جاء به فله ديته ، اتقوا الله عباد الله ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا ، يا حصين ابن تميم ، ثكلتك أمّك إن صاح باب سكّة من سكك الكوفة ، أو خرج هذا الرجل ولم تأتنى به ، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة.

فابعث مراصدة على أفواه السكك ، وأصبح غدا واستبر الدور وجس خلالها حتّى تأتينى بهذا الرجل ، وكان الحصين على شرطه ، وهو من بنى تميم ، ثمّ نزل ابن زياد فدخل وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس ، فلمّا أصبح جلس مجلسه ، وأذن للناس فدخلوا عليه ، وأقبل محمّد بن الأشعث فقال : مرحبا بمن لا يستغشّ ولا يتّهم! ثمّ أقعده الى جنبيه.

وأصبح ابن تلك العجوز وهو بلال بن أسيد الذي آوت أمه ابن عقيل ، فغذا الى عبد الرحمن بن محمّد ابن الأشعث ، فأخبره بمكان ابن عقيل ، عند أمّه ، قال : فأقبل عبد الرحمن ، حتّى أتى أباه وهو عند ابن زياد ، فسارّه ، فقال له ابن زياد : ما قال لك؟ قال : أخبرنى أنّ ابن عقيل فى دار من دورنا ، فنخس بالقضيب فى جنبه ثمّ قال : قم فأتنى به الساعة(١) .

٣٨ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى قدّامة بن سعيد بن زائدة بن قدامة الثقفى ، أنّ ابن الأشعث حين قام ليأتيه بابن عقيل بعث الى عمرو بن حريث ، وهو فى المسجد خليفته على الناس ، أن ابعث مع ابن الأشعث ستين أو سبعين رجلا كلّهم من قيس ، وإنمّا كره أن يبعث معه قومه لأنّه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون أن يصادف فيهم مثل ابن عقيل ، فبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عبّاس السلمى فى ستين ، أو

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧١.


سبعين من قيس ، حتّى أتوا الدار الّتي فيها ابن عقيل.

فلمّا سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنّه قد أتى ، فخرج إليهم بسيفه ، واقتحموا عليه الدار ، فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّى أخرجهم من الدار ، ثمّ عادوا إليه ، فشدّ عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكير بن حمران الأحمرى ، ضربتين فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا ، وأشرع السيف فى السفلى ، ونصلت لها ثنيتاه فضربه مسلم ضربة فى رأسه منكرة ، وثنى بأخرى على حبل العانق كادت تطلع على جوفه.

فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت ، فأخذوا يرمونه بالحجارة ، ويلهبون النار فى أطنان القصب ، ثمّ يقلبونها عليه من فوق البيت ، فلمّا رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه فى السكة ، فقاتلهم ، فأقبل عليه محمّد بن الأشعث فقال : يا فتى ، لك الامان ، لا تقتل نفسك ، فأقبل يقاتلهم ، وهو يقول :

أقسمت لا أقتل الّا حرّا

وإن رأيت الموت شيئا نكرا

كلّ امرئ يوما ملاق شرّا

ويخلط البارد سخنا مرّا

ردّ شعاع الشمس فاستقرّا

أخاف أن أكذب أو أغرّا

فقال له محمّد بن الأشعث : انّك لا تكذب ولا تخدع ولا تغرّ ، إنّ القوم بنو عمّك ، وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وقد أثخن بالحجارة ، وعجز عن القتال ، وانبهر ، فأسند ظهره الى جنب تلك الدار ، فدنا محمّد ابن الأشعث ، فقال : لك الامان ، فقال : آمن أنا؟ قال : نعم ، وقال القوم : أنت آمن ؛ غير عمرو بن عبيد الله بن العبّاس السلمى فانّه قال : لا ناقة لى فى هذا ولا جمل ، وتنحّى.

قال ابن عقيل : أما لو لم تؤمنونى ما وضعت يدى فى أيديكم. وأتى ببغلة فحمل عليها ، واجتمعوا حوله ، وانتزعوا سيفه من عنقه ، فكأنّه عند ذلك أيس من نفسه ، فدمعت عيناه ، ثمّ قال : هذا أوّل الغدر ، قال محمّد ابن الأشعث : أرجو ألا


يكون عليك بأس ، قال : ما هو الّا الرجاء ؛ أين أمانكم! إنّا لله وانّا إليه راجعون! وبكى.

فقال له عمرو بن عبيد الله بن عبّاس : إنّ من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك ، قال : إنّى والله ما لنفسى أبكى ، ولا لها من القتل أرثى ، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفا ، ولكن أبكى لأهلى المقبلين الىّ ، أبكى لحسين وآل حسين!

ثمّ أقبل على محمّد بن الاشعث فقال : يا عبد الله ، انّى أراك والله ستعجز عن أمانى ، فهل عندك خير! تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لسانى يبلغ حسينا ، فانّى لا أراه الا قد خرج إليكم اليوم مقبلا ، أو هو يخرج غدا هو وأهل بيته ، وانّ ما ترى من جزعى لذلك.

فيقول : انّ ابن عقيل بعثنى إليك وهو فى أيدى القوم أسير لا يرى أن تمشى حتّى تقتل وهو يقول : ارجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة فانّهم أصحاب أبيك الّذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل انّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبونى وليس لمكذّب رأى فقال ابن الأشعث : والله لأفعلنّ ولأعلّمنّ ابن زياد أنّى قد أمنتك(١) .

٣٩ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى جعفر بن حذيفة الطائى ـ وقد عرف سعيد ابن شيبان الحديث ـ قال : دعا محمّد بن الأشعث إياس بن العثل الطائى من بنى مالك ابن عمرو بن ثمامة وكان لمحمّد زوارا فقال له : الق حسينا فأبلغه هذا الكتاب وكتب فيه الذي أمره ابن عقيل وقال له : هذا زادك وجهازك ومتعة لعيالك ، فقال : من أين لى براحلة فان راحلتى قد أنضيتها؟ قال : هذه راحلة فاركبها برحلها. ثمّ خرج فاستقبله بزبالة لأربع ليال فأخبره الخبر وبلّغه الرسالة.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٣.


فقال له حسين : كلّ ما حمّ نازل ، وعند الله نحتسب أنفسنا ، وفساد أمّتنا. وقد كان مسلم بن عقيل حيث تحوّل الى دار هانى بن عروة وبايعه ثمانية عشر ألفا قدّم كتابا الى حسين مع عباس بن أبى شبيب الشاكرى : أمّا بعد ، فانّ الرائد لا يكذب أهله وقد بايعنى من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابى ، فانّ الناس كلّهم معك ليس لهم فى آل معاوية رأى ولا هوى والسلام.

أقبل محمّد بن الأشعث بابن عقيل الى باب القصر ، فاستأذن فأذن له فأخبر عبيد الله خبر ابن عقيل ، وضرب بكير إيّاه ، فقال : بعدا له! فأخبره محمّد بن الأشعث بما كان منه وما كان من أمانه إيّاه ، فقال عبيد الله : ما أنت والأمان! كأنّا أرسلناك لتأتينا به فسكت ، وانتهى ابن عقيل الى باب القصر ، وهو عطشان وعلى باب القصر ناس جلوس ، ينتظرون الاذن منهم عمارة بن عقبة بن أبى معيط ، وعمرو بن حريث ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب(١) .

٤٠ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى قدامة بن سعد أنّ مسلم بن عقيل حين انتهى الى باب القصر فإذا قلّة باردة موضوعة على الباب ، فقال ابن عقيل اسقونى من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو : أتراها ما أبردها! لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتّى تذوق الحميم فى نار جهنّم! قال له ابن عقيل : ويحك! من أنت قال : أنا ابن من عرف الحقّ اذا أنكرته ونصح لامامه إذ غششته وسمع وأطاع اذ عصيته وخالفت أنا مسلم بن عمرو الباهلى ، فقال ابن عقيل : لأمك الثكل! ما أجفاك وما أفظّك وأقسمى قلبك وأغلظك! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود فى نار جهنّم منّى ثمّ جلس متساندا الى حائط(٢) .

٤١ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى قدامة بن سعد ، أن عمرو بن حريث بعث

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٥.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٥.


غلاما يدعى سليمان فجاءه بماء قلّة فسقاه(١) .

٤٢ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى سعيد بن مدرك بن عمارة ، أنّ عمارة بن عقبة بعث غلاما له يدعى قيسا فجاءه بقلّة عليها منديل ومعه قدح ، فصبّ فيه ماء ثمّ سقاه فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دما ، فلمّا ملأ القدح المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقت ثنيتاه فيه ، فقال : الحمد لله لو كان لى من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلّم عليه بالامرة ، فقال له الحرسىّ : ألا تسلّم على الأمير؟.

فقال له : إن كان يريد قتلى فما سلامى عليه ، وإن كان لا يريد قتلى فلعمرى ليكثرنّ سلامى عليه ، فقال له ابن زياد : لعمرى لتقتلنّ قال : كذلك ، قال : نعم قال : فدعنى أوصى الى بعض قومى فنظر الى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد ، فقال : يا عمر إنّ بينى وبينك قرابة ، ولى إليك حاجة ، وقد يجب لى عليك نجح حاجتى ، وهو سرّ فأبى أن يمكّنه من ذكرها ، فقال له عبيد الله : لا تمتنع أن تنظر فى حاجة ابن عمّك ، فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد.

فقال له : انّ علىّ بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم ، فاقضها عنّى وانظر جثّتى فاستوهبها من ابن زياد ، فوارها وابعث الى حسين من يردّه ، فانّى قد كتبت إليه أعلمه أنّ الناس معه ولا أراه الّا مقبلا فقال عمر لابن زياد : أتدري ما قال لى ، انّه ذكر كذا وكذا. قال له ابن زياد : إنّه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن.

أمّا مالك فهو لك ولسنا نمنعك ، أن تصنع فيه ما أحببت وأما حسين فانّه إن لم يردنا لم نرده وان أرادنا لم نكفّ عنه وأمّا جثّته فانّا لن نشفعك فيها انّه ليس بأهل

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٦.


منّا لذلك ، قد جاهدنا وخالفنا وجهد على هلاكنا وزعموا أنّه قال : أمّا جثّته فانّا لا نبالى إذ قتلناه ما صنع بها.

ثمّ إنّ ابن زياد قال : إيه يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع ، وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرّق كلمتهم ، وتحمل بعضهم على بعض قال : كلّا لست أتيت ولكنّ أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دمائهم وعمل فيهم أعمال كسرى ، وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل ، وندعو الى حكم الكتاب قال : وما أنت وذاك يا فاسق! أو لم تكن تعمل بذاك فيهم إذا أنت بالمدينة تشرب الخمر.

قال : أنا أشرب الخمر! والله إنّ الله ليعلم أنّك غير صادق وأنّك قلت بغير علم ، وأنّى لست كما ذكرت ، وان أحقّ بشرب الخمر منّى وأولى بها من بلغ فى دماء المسلمين ولغا فيقتل النفس الّتي حرّم الله قتلها ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ، ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئا.

فقال له ابن زياد : يا فاسق انّ نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهله ، قال : فمن أهله يا ابن زياد؟ قال : أمير المؤمنين يزيد ، فقال : الحمد لله على كلّ حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم ، قال كأنّك تظن أن لكم فى الأمر شيئا قال : والله ما هو بالظنّ ولكنّه اليقين ، قال : قتلنى الله ان لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد فى الاسلام.

قال : أما انّك أحقّ من أحدث فى الاسلام ما لم يكن فيه ، أما انّك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ، ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحقّ بها منك ، وأقبل ابن سميّة يشتمه ويشتم حسينا وعليّا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلّمه وزعم أهل ال؟؟؟ أنّ عبيد الله أمر له بماء فسقى بخزفة ثمّ قال له : انّه لم يمنعنا أن نسقيك فيها الّا كراهة أن تحرّم بالشرب فيها ، ثمّ نقتلك ولذلك سقيناك فى هذا.

ثمّ قال : اصعدوا به فوق القصر ، فاضربوا عنقه ، ثمّ أتبعوا جسده رأسه ،


فقال : يا ابن الاشعث أما والله لو لا أنّك امّنتى ما استسلمت ، قم بسيفك دونى فقد أخفرت ذمّتك ، ثمّ قال : يا ابن زياد أما والله لو كانت بينى وبينك قرابة ما قتلتنى ، ثمّ قال ابن زياد : أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف ، وعاتقه؟ فدعى فقال اصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه فصعد به ، وهو يكبّر ويستغفر ويصلّى على ملائكة الله ورسله ، وهو يقول : اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذبونا وأذلّونا وأشرف به على موضع الجزّارين اليوم فضربت عنقه وأتبع جسده رأسه(١) .

٤٣ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الصقعب بن زهير ، عن عون بن أبى جحيفة ، قال : نزل الأحمرى بكير بن حمران الذي قتل مسلما ، فقال له ابن زياد : قتلته؟ قال : نعم قال : فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال : كان يكبّر ويسبّح ويستغفر فلمّا أدنيته لأقتله قال : اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم كذّبونا وغرّونا وخذلونا وقتلونا ، فقلت له : ادن منّى الحمد لله الذي أقادنى منك فضربته لم تغن شيئا ، فقال أما ترى فى خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيّها العبد ، فقال ابن زياد : أو فخرا عند الموت قال : ثمّ ضربته الثانية فقتلته.

قال : وقام محمّد بن الاشعث الى عبيد الله بن زياد ، فكلّمه فى هانى بن عروة وقال : انك قد عرفت منزلة هانى بن عروة فى المصر وبيته فى العشيرة ، وقد علم قومه أنى وصاحبى سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لى فانّى أكره عداوة قومه هم أعزّ أهل المصر وعدد أهل اليمن! قال : فوعده أن يفعل فلمّا كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان بدا له فيه ، وأبى أن يفى له بما قال.

قال : فأمر بهانى بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل ، فقال أخرجوه الى السوق فأضربوا عنقه ، قال : فأخرج بهانى حتّى انتهى الى مكان من السوق كان

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٦.


يباع فيه الغنم ، وهو مكتوف فجعل يقول : وا مذجحاه ، ولا مذجح لى اليوم ، وا مذحجاه وأين منى مذحج ، فلما رأى أنّ أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثمّ قال : أما من عصا أو سكّين أو حجر أو عظم يجاحش به رجل عن نفسه ، قال : ووثبوا إليه فشدّوه وثاقا ثمّ قيل له : امدد عنقك فقال : ما أنا بها مجد سخىّ وما أنا بمعينكم على نفسى.

قال : فضربه مولى لعبيد الله بن زياد ـ تركىّ يقال له رشيد ـ بالسيف فلم يصنع سيفه شيئا ، فقال هانى : الى الله المعاد اللهمّ إلى رحمتك ورضوانك ثمّ ضربه أخرى فقتله.

قال : فبصر به عبد الرحمن بن الحصين المرادى بخازر وهو مع عبيد الله بن زياد ، فقال الناس : هذا قاتل هانى بن عروة فقال ابن الحصين : قتلنى الله إن لم أقتله أو أقتل دونه! فحمل عليه بالرمح فطعنه فقتله ، ثمّ انّ عبيد الله بن زياد لما قتل مسلم ابن عقيل وهانى بن عروة دعا بعبد الاعلى الكلبى الذي كان أخذه كثير بن شهاب فى بنى فتيان فأتى به فقال له : أخبرنى بأمرك ، فقال : أصلحك الله خرجت لانظر ما يصنع الناس فأخذنى كثير بن شهاب.

فقال له : فعليك وعليك من الايمان المغلّظة ان كان أخرجك الا ما زعمت! فأبى أن يحلف ، فقال عبيد الله : انطلقوا بهذا الى جبّانة السبيع فاضربوا عنقه بها ، قال : فانطلق به فضربت عنقه ، قال : وأخرج عمارة بن صلخب الأزدى ـ وكان ممّن يريد أن يأتى مسلم بن عقيل بالنصرة لينصره فأتى به أيضا عبيد الله ، فقال له : ممّن أنت قال : من الازد قال : انطلقوا به الى قومه فضربت عنقه فيهم ، فقال عبد الله بن الزبير الاسدى فى قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة المرادى ـ ويقال ـ قاله الفرزدق :

وإن كنت لا تدرين ما الموت فانظرى

الى هانئ فى السوق وابن عقيل


إلى بطل قد هشم السيف وجهه

وآخر يهوى من طمار قتيل

أصابهما أمر الامير فأصبحا

أحاديث من يسرى بكلّ سبيل

ترى جسدا قد غير الموت لونه

ونضح دم قد سال كلّ مسيل

فتى هو أحيا من فتاه حيية

واقطع من ذى شفرتين صقيل

أيركب أسماء الهماليج آمنا

وقد طلبته مذحج بذحول!

تطيف حواليه مراد وكلّهم

على رقبة من سائل ومسول

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم

فكونوا بغايا أرضيت بقليل(١)

٤٤ ـ عنه قال أبو مخنف : عن أبى جناب ، يحيى بن أبى حيّة الكلبى ، قال : ثمّ انّ عبيد الله بن زياد ، لما قتل مسلما وهانئا ، بعث برءوسهما مع هانى بن أبى حيّة الوادعى ، والزبير بن الاروح التميمى ، الى يزيد بن معاوية ، وأمر كاتبه عمرو بن نافع أن يكتب الى يزيد بن معاوية بما كان من مسلم وهانى ، فكتب إليه كتابا أطال فيه ، وكان أوّل من أطال فى الكتب ، فلمّا نظر فيه عبيد الله بن زياد كرهه ، وقال : ما هذا التطويل وهذه الفضول؟ اكتب : أمّا بعد.

فالحمد لله الّذي أخذ لامير المؤمنين بحقّه ، وكفاه مئونة عدوّه ، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ الى دار هانى بن عروة المرادى ، وأنّى جعلت عليهما العيون ، ودسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتّى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما ، فقدّمتهما فضربت أعناقهما ، وقد بعثت إليك برءوسهما مع هانى بن أبى حيّة الهمدانيّ ، والزبير بن الاروح التميمى ، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة ، فليسا لهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر ، فان عندهما علما وصدقا ، وفهما وورعا ، والسلام.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٧٨.


فكتب إليه يزيد : أمّا بعد ، فانّك لم تعد ان كنت كما أحبّ ، عملت عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت ، وصدّقت ظنّى بك ، ورأيى فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما ، وناجيتهما ، فوجدتهما فى رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوص بهما خيرا ، وانّه قد بلغنى أنّ الحسين بن على قد توجّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظنّ ، وخذ على التهمة ، غير ألا تقتل الّا من قاتلك ، واكتب الىّ فى كلّ ما يحدث من الخير ، والسلام عليك ورحمة الله(١) .

٤٥ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الصعقب بن زهير ، عن عون بن أبى جحيفة ، قال : كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان ليال مضين من ذى الحجّة سنة ستين ـ ويقال يوم الاربعاء لسبع مضين من سنة ستّين من يوم عرفة بعد ، مخرج الحسين من مكّة يوم الاحد ، ليلتين بقيتا من رجب سنة ستّين ، ودخل مكّة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ، فأقام بمكّة شعبان وشهر رمضان ، وشوّالا وذا القعدة ، ثمّ خرج منها لثمان مضين من ذى الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية فى اليوم الذي خرج فيه مسلم بن عقيل(٢) .

٤٦ ـ ذكر هارون بن مسلم ، عن علىّ بن صالح ، عن عيسى بن يزيد ، أن المختار بن أبى عبيد ، وعبد الله بن الحارث بن نوفل ، كانا خرجا مع مسلم ، خرج المختار براية خضراء ، وخرج عبد الله براية حمراء ، وعليه ثياب حمر ، وجاء المختار برايته فركزها على باب عمرو بن حريث ، وقال : إنّما خرجت لأمنع عمرا ، وان ابن الأشعث والقعقاع بن شور وشبث بن ربعى قاتلوا مسلما ، وأصحابه عشيّة سار مسلم الى قصر ابن زياد قتالا شديدا ، وأن شبثا جعل يقول : انتظروا بهم الليل يتفرّقوا : فقال له القعقاع : انّك قد سددت على الناس وجه مصيرهم ، فاخرج لهم

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٠.

(٢) تاريخ الطبرى ٥ / ٣٨٠.


ينسربوا ، وانّ عبيد الله أمر أن يطلب المختار وعبد الله بن الحارث ، وجعل فيهما جعلا ، فأتى بهما فحبسا(١) .

٣٥ ـ باب خروجهعليه‌السلام الى العراق

١ ـ قال المفيد : توجّه الحسين صلوات الله عليه من مكّة الى العراق فى يوم خروج مسلم بالكوفة وهو يوم التروية ، بعد مقامه بمكّة بقيّة شعبان وشهر رمضان وشوّالا وذا القعدة ، وثمان ليال خلون من ذى الحجّة سنة ستين وكان قد اجتمع إليهعليه‌السلام مدّة مقامه بمكّة نفر من أهل الحجاز ، ونفر من أهل البصرة انضافوا الى أهل بيته ومواليه.

لمّا أراد الحسينعليه‌السلام التوجّه الى العراق طاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ من احرامه وجعلها عمرة ، لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ مخافة ان يقبض عليه بمكّة فينفذ به الى يزيد بن معاوية ، فخرجعليه‌السلام مبادرا بأهله وولده ، ومن انضم إليه من شيعته ولم يكن خبر مسلم قد بلغه لخروجه فى يوم خروجه(٢) ،

٢ ـ عنه قال : كان الحسين بن علىعليهما‌السلام ، لمّا خرج من مكّة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص ، ومعه جماعة أرسلهم عمرو بن سعيد إليه ، فقالوا له انصرف الى أين تذهب ، فأبى عليهم ، ومضى وتدافع الفريقان واضطربوا بالسّياط ، وامتنع الحسين وأصحابه منهم امتناعا قويّا وسار حتّى أتى التنعيم ، فلقى عيرا قد أقبلت من اليمن ، فاستأجر من أهلها جمالا لرحله وأصحابه.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨١.

(٢) الارشاد : ٢٠٠.


وقال لأصحابها : من أحبّ أن ينطلق معنا الى العراق وفيناه كرائه واحسنا صحبته ، ومن أحبّ أن يفارقنا فى بعض الطريق أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق ، فمضى معه قوم ، وامتنع آخرون وألحقه عبد الله بن جعفر بابنيه عون ومحمّد وكتب على أيديهما إليه كتابا يقول فيه :

أمّا بعد ، فانّى أسألك بالله لمّا انصرفت حين تنظر فى كتابى ، فانّى مشفق عليك من الوجه الّذي توجّهت له ، أن يكون فيه هلاكك واستيصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفئ نور الارض ، فانّك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ولا تجعل بالمسير ، فانّى فى أثر كتابى والسلام.

ثمّ صار عبد الله إلى عمرو بن سعيد ، فسئله أن يكتب للحسين أمانا ويمنّيه ليرجع عن وجهه ، فكتب إليه عمرو بن سعيد ، كتابا يمنيه فيه الصلة ، ويؤمنه على نفسه ، وأنفذه مع أخيه يحيى بن سعيد ، فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه ودفعا إليه الكتاب ، وجهدا به فى الرجوع ، فقال انّى رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى المنام وأمرنى بما أنا ماض له.

فقالا له فما تلك الرؤيا ، قال : ما حدّثت أحدا بها ، ولا أنا محدّث حتّى القى ربّىعزوجل ، فلمّا آيس منه عبد الله بن جعفررحمه‌الله أمرا بنيه عونا ، ومحمّدا بلزومه ، والمسير معه ، والجهاد دونه ورجع مع يحيى بن سعيد إلى مكّه ، وتوجّه الحسينعليه‌السلام نحو العراق مغذا لا يلوى عن شيء حتّى نزل ذات عرق(١) .

٣ ـ قال الطبرسى : وكان توجّه الحسينعليه‌السلام من مكّة الى العراق فى يوم خروج مسلم الى الكوفة وقد اجتمع إليه مدّة اقامته بمكّة نفر من اهل الحجاز والبصرة ، ولمّا أراد الخروج الى العراق طاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، و

__________________

(١) الارشاد : ٢٠١.


أحلّ من احرامه وجعلها عمرة لأنّه لم يتمكّن من اتمام الحجّ ، مخافة أن يقبض عليه بمكّة ، فينفذ الى يزيد بن معاوية. ولحقه عبد الله بن جعفر بكتاب عمرو بن سعيد ابن العاص والى مكّة مع أخيه يحيى بن سعيد يؤمنه على نفسه.

فدعا إليه الكتاب ، وجهدا به الرجوع ، فقال : إنّى رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى المنام وأمرنى بما أنا ماض له ، قالا له : فما تلك الرؤيا؟ فقال : ما حدّثت بها أحدا ولا أحدّث حتّى ألقى ربّىعزوجل ، فلمّا يئس عبد الله بن جعفر منه أمر ابنيه عونا ومحمّدا بلزومه والمسير معه والجهاد دونه ورجع هو ويحيى بن سعيد الى مكّة وتوجّه الحسينعليه‌السلام نحو العراق(١) .

٤ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا عزم الحسينعليه‌السلام ، نهاه عمرو بن عبد الرحمن بن هشام المخزومى فقالعليه‌السلام : جزاك الله خيرا يا ابن عمّ ، مهما يقض يكن وأنت عندى أحمد مشير وأنصح ناصح فأتاه ابن عبّاس ، وتكلّم فى ذلك كثيرا فانصرف ، ومرّ بعبد الله بن الزبير ، فقال :

قد قلت لمّا أن زريت معشرى

يا لك من قنبرة بمعمرى

خلّا لك البرّ فبيضى واصفرى

ونقرّى ما شئت ان تنقّرى

هذا حسين ساير فاستبشرى

مذ رفع الفخّ فما ذا تحذرى

لا بدّ من أخذك يوما فاصبرى(٢)

٥ ـ عنه كتب إليه عبد الله بن جعفر من المدينة فى ذلك فأجابه انّى قد رأيت جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى منامى فخبّرنى بأمر وأنا ماض له لى كان أم علىّ؟ والله يا ابن عمّ ليعتدين علىّ كما يعتدى اليهود يوم السبت وخرج(٣)

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٧.

(٢) المناقب : ٢ / ٢١٢.

(٣) المناقب : ٢ / ٢١٢.


٦ ـ قال ابن طاوس : وكان قد توجّه الحسينعليه‌السلام ، من مكّة يوم الثلاثاء لثلاث مضين من ذى الحجّة وقيل يوم الاربعاء ، لثمان من ذى الحجّة سنة ستّين ، قبل أن يعلم بقتل مسلم لأنّهعليه‌السلام خرج من مكّة فى اليوم الذي قتل فيه مسلم ، رضوان الله عليه(١) .

٧ ـ عنه روى انّهعليه‌السلام لمّا عزم على الخروج الى العراق ، قام خطيبا ، فقال : الحمد لله ما شاء الله ، ولا قوّة الّا بالله وصلّى الله على رسوله ، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني الى أسلافى اشتياق يعقوب الى يوسف وخير لى مصرع أنا لاقيه ، كأنّى بأوصالى تقطّعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلا ، فيملأن منّى أكرشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خطّ بالقلم.

رضى الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ، ويوفينا أجر الصابرين ، لن تشذ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته ، وهى مجموعة له فى حظيرة القدس ، تقرّبهم عينه وينجزهم وعده ، من كان باذلا فينا مهجته وموطّنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاننى راحل مصبحا إن شاء الله تعالى(٢) .

٨ ـ عنه روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبرى الامامى فى كتاب دلائل الامامة ، قال حدّثنا أبو محمّد سفيان بن وكيع عن أبيه ، وكيع عن الأعمش قال قال أبو محمّد الواقدى ، وزرارة بن خلج : لقينا الحسين بن علىعليهما‌السلام ، قبل أن يخرج الى العراق ، فأخبرناه ضعف الناس بالكوفة وأنّ قلوبهم معه ، وسيوفهم عليه ، فاومى بيده نحو السماء ، ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عدد الا يحصيهم ، الّا اللهعزوجل ، فقال لو لا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقينا

__________________

(١) اللهوف : ٢٦.

(٢) اللهوف : ٢٦.


أنّ هناك مصرعى ، ومصرع أصحابى لا ينجو معهم الا ولدى علىّعليه‌السلام (١) .

٩ ـ عنه روى معمر بن المثنى فى مقتل الحسينعليه‌السلام فقال ما هذا لفظه : فلمّا كان يوم التروية قدم عمر بن سعد بن أبى(٢) وقّاص ، إلى مكّة فى جند كثيف ، قد أمره يزيد ان يناجز الحسين القتال ، ان هو ناجزه أو يقاتله ان قدر عليه ، فخرج الحسينعليه‌السلام يوم التروية(٣) .

١٠ ـ عنه رويت من كتاب الأصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن بريدة ، الثقة وعلى الأصل انّه كان لمحمّد بن داود القمى ، بالاسناد ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام قال سار محمّد بن الحنفية الى الحسينعليه‌السلام فى الليلة الّتي أراد الخروج فى صبيحتها ، من مكّة فقال : يا أخى انّ أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم ، بأبيك ، وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فان رأيت أن تقيم فانّك أعزّ من فى الحرم ، وأمنعه.

فقال يا أخى قد خفت أن تغتالنى يزيد بن معاوية ، فى الحرم ، فاكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت فقال له ابن الحنفية ، فان خفت ذلك فصر الى اليمن ، أو بعض نواحى البرّ فانّك أمنع الناس به ولا يقدر عليك ، أحد ، فقال أنظر فيما قلت ، فلمّا كان السحر ارتحل الحسينعليه‌السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفية ، فأتاه فاخذ زمام ناقته الّتي ركبها فقال له يا أخى ألم تعدنى النظر فيما سألتك قال بلى؟ قال فما حداك على الخروج عاجلا.

فقال أتانى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فارقتك ، فقال يا حسين اخرج فانّ الله قد شاء أن يراك قتيلا ، فقال له ابن الحنفية إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، فما معنى حملك

__________________

(١) اللهوف : ٢٦.

(٢) هو عمرو بن سعيد بن العاص وكان عمر بن سعد حينئذ فى الكوفة فاشتبه الامر على الرواة.

(٣) اللهوف : ٢٧.


هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال ، قال فقال له قد قال لى انّ الله قد شاء أن يريهنّ سبايا وسلّم عليه ومضى(١) .

١١ ـ عنه ذكر محمّد بن يعقوب الكلينى فى كتاب الرسائل ، عن محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسين ، عن أيّوب بن نوح ، عن صفوان ، عن مروان بن اسماعيل ، عن حمزة بن حمران ، عن أبى عبد اللهعليه‌السلام ، قال : ذكرنا خروج الحسينعليه‌السلام ، وتخلّف ابن الحنفية عنه فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام يا حمزة انّى سأحدثك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا ، انّ الحسينعليه‌السلام لما فصل متوجّها أمر بقرطاس وكتب.

بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن على ، الى بنى هاشم أما بعد ، فانّه من لحق بى منكم استشهد ، ومن تخلف عنّى ، لم يبلغ الفتح والسلام(٢) .

١٢ ـ عنه ذكر المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان ، رضى الله عنه فى كتاب مولد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومولد الأوصياء صلوات الله عليهم ، باسناده الى أبى عبد الله جعفر ابن محمّد الصادقعليهم‌السلام ، قال : لمّا سار أبو عبد الله الحسين بن على صلوات الله عليهما ، من مكّة ليدخل المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمين والمردفين فى أيديهم الحراب ، على نجب من نجب الجنّة ، فسلّموا عليه ، وقالوا يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه انّ اللهعزوجل أمدّ جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا فى مواطن كثيرة ، وأنّ الله أمّرك بنا.

فقال لهم : الموعد حفرتى وبقعتى الّتي استشهد فيها وهى كربلا ، فاذا وردتها فأتونى ، فقالوا : يا حجّة الله إنّ الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع ، فهل تخشى من عدوّ يلقاك ، فنكون معك ، فقال لا سبيل لهم علىّ ولا يلقونى بكريهة ، أو أصل الى بقعتى وأتته أفواج من مؤمنى الجنّ فقالوا له يا مولانا نحن شيعتك ، وأنصارك ، فمرنا بما

__________________

(١) اللهوف : ٢٧.

(٢) اللهوف : ٢٨.


تشاء فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك فجزاهم خيرا وقال لهم.

أما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى قوله :( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ ) ، فاذا أقمت فى مكانى فيهم يمتحن هذا الخلق المتعوس ، وبما ذا يختبرون ومن ذا يكون ساكن حفرتى ، وقد اختارها الله تعالى لى يوم دحا الارض وجعلها معقلا لشيعتنا ومحبّينا تقبل أعمالهم وصلواتهم ، ويجاب دعاؤهم ، وتسكن شيعتنا فتكون لهم امانا فى الدنيا وفى الآخرة ولكن تحضرون يوم السبت وهو يوم عاشورا.

فى غير هذه الرواية يوم الجمعة الذي فى آخره اقتل ، ولا يبقى بعدى مطلوب من أهلى ونسبى واخوانى وأهل بيتى ويسار رأسى الى يزيد بن معاوية ، لعنهما الله فقالت الجنّ نحن والله يا حبيب الله واين حبيبه لو لا أنّ أمرك طاعة وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك ، لخالفناك ، وقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك ، فقال لهمعليه‌السلام : ونحن والله أقدر عليهم منكم ، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بينة.

ثمّ ثار حتّى مر بالتنعيم فلقى هناك عيرا تحمل هدية ، قد بعث بها بحير بن ريسان الحميرى عامل اليمن ، الى يزيد بن معاوية ، فاخذ الهدية ، لأنّ حكم امور المسلمين إليه ، وقال لأصحاب الجمال من أحبّ أن ينطلق معنا الى العراق ، وفيناه كراه ، وأحسنا معه صحبته ، ومن يحب أن يفارقنا أعطينا كراه ، بقدر ما قطع من الطريق ، فمضى معه قوم وامتنع آخرون(١) .

١٣ ـ قال أبو الفرج : قالوا : وكان مسلم قد كتب الى الحسينعليه‌السلام بأخذ البيعة

__________________

(١) اللهوف : ٢٨.


له ، واجتماع الناس عليه وانتظارهم إيّاه ، فأزمع الشخوص ، الى الكوفة ، ولقيه عبد الله بن الزبير ، فى تلك الأيّام ولم يكن شيء أثقل عليه ، من مكان الحسين بالحجاز ، ولا أحبّ إليه من خروجه الى العراق طمعا فى الوثوب بالحجاز ، وعلما بأنّ ذلك لا يتمّ له الّا بعد خروج الحسينعليه‌السلام ، فقال له : على أىّ شيء عزمت يا أبا عبد الله؟.

فأخبره ، برأيه فى اتيان الكوفة وأعلمه بما كتب به مسلم بن عقيل إليه ، فقال له ابن الزبير : فما يحبسك فو الله لو كان لى مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت فى شيء ، وقوى عزمه ، ثمّ انصرف. وجاء به عبد الله بن عبّاس ، وقد أجمع رأيه على الخروج ، وحققه فجعل يناشده فى المقام ، ويعظم عليه القول فى ذمّ أهل الكوفة وقال له : انّك تأتى قوما قتلوا أباك وطعنوا أخاك وما أراهم الّا خاذليك.

فقال له : هذه كتبهم معى وهذا كتاب مسلم باجتماعهم ، فقال له ابن عبّاس : أما إذا كنت لا بدّ فاعلا فلا تخرج أحدا من ولدك ، ولا حرمك ، ولا نسائك ، فخليق ان تقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان ، فأبى ذلك ولم يقبله ، قال : فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت الى حرمه واخوته وهنّ يخرجن من اخبيتهنّ جزعا ، لقتل من يقتل معه وما يرينه به ، ويقول : لله درّ ابن عبّاس فيما أشار علىّ به قال : فلمّا أبى الحسين قبول رأى ابن عبّاس ، قال له : والله لو أعلم أنى إذا تشبثت بك ، وقبضت على مجامع ثوبك وادخلت يدى فى شعرك ، حتّى يجتمع الناس علىّ وعليك ، كان ذلك نافعى لفعلته ، ولكن أعلم أنّ الله بالغ أمره ، ثمّ أرسل عينيه فبكى ، وودّع الحسين وانصرف. ومضى الحسين لوجهه ولقى ابن عباس بعد خروجه عبد الله ابن الزبير فقال له :

يا لك من قبرة بمعمر

خلّالك الجوّ فبيضى واصفرى

ونقرى ما شئت أن تنقرى

هذا الحسين خارجا فاستبشرى


فقال قد خرج الحسين وخلت لك الحجاز(١) .

١٤ ـ قال الدينورى : قالوا : ولمّا ورد كتاب مسلم بن عقيل ، على الحسينعليه‌السلام : إنّ الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعنى من أهل الكوفة ، ثمانية عشر ألف رجل ، فاقدم فانّ جميع الناس معك ، ولا رأى لهم فى آل أبى سفيان ، فلمّا عزم على الخروج ، وأخذ فى الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عبّاس ، فأقبل حتّى دخل على الحسينعليه‌السلام فقال : يا ابن عمّ ، قد بلغنى أنّك تريد المسير الى العراق.

قال الحسين : أنا على ذلك. قال عبد الله : أعيذك بالله يا ابن عمّ من ذلك. قال الحسين : قد عزمت ، ولا بدّ من المسير ، قال له عبد الله : أتسير الى قوم طردوا أميرهم عنهم ، وضبطوا بلادهم؟ فان كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم ، وإن كانوا إنّما يدعونك إليهم ، وأميرهم عليهم ، وعمّا له يجبونهم ، فانّهم إنّما يدعونك الى الحرب ، ولا آمنهم أن يخذلوك كما خذلوا أباك وأخاك.

قال الحسين يا ابن عمّ ، سأنظر فيما قلت ، وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهمّ به الحسين ، فأقبل حتّى دخل عليه ، فقال له : لو أقمت بهذا الحرم ، وبثثت رسلك فى البلدان ، وكتبت الى شيعتك بالعراق ، أن يقدموا عليك ، فاذا قوى أمرك ، نفيت عمّال يزيد عن هذا البلد ، وعلىّ لك المكانفة والمؤازرة ، وان عملت بمشورتى طلبت هذا الامر بهذا الحرم ، فانّه مجمع أهل الآفاق ، ومورد أهل الاقطار لم يعدمك باذن الله إدراك ما تريد ، ورجوت أن تناله.

قالوا : ولما كان فى اليوم الثالث عاد عبد الله بن عبّاس الى الحسين ، فقال له : يا ابن عمّ لا تقرب أهل الكوفة ، فانّهم قوم غدرة ، وأقم بهذه البلدة ، فانّك سيّد أهلها ، فان أبيت فسر الى أرض اليمن ، فان بها حصونا وشعابا ، وهى أرض طويلة

__________________

(١) مقاتل الطالبيين : ٧٢.


عريضة ، ولأبيك فيها شيعة ، فتكون عن الناس فى عزله ، وتبث دعاتك فى الآفاق ، فانّى أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحبّ فى عافية.

قال الحسينعليه‌السلام : يا ابن عمّ ، والله انّى لأعلم أنّك ناصح مشفق ، غير أنى قد عزمت على الخروج ، قال ابن عبّاس : فان كنت لا محالة سائرا ، فلا تخرج النساء والصبيان ، فانّى لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان ، وصبيته ينظرون إليه ، قال الحسين : يا ابن عمّ ، ما أرى الّا الخروج بالأهل والولد ، فخرج ابن عبّاس من عند الحسن فمرّ بابن الزبير ، وهو جالس ، فقال له : قرّت عينك يا ابن الزبير بخروج الحسين. ثمّ تمثّل :

خلّالك الجوّ ، فبيضى واصفرى

ونقرّى ، ما شئت أن تنقرى

قالوا : ولمّا خرج الحسين من مكّة اعترضه صاحب شرطة أميرها ، عمرو بن سعيد بن العاص فى جماعة من الجند ، فقال : إنّ الامير يأمرك بالانصراف ، فانصرف ، والا منعتك ، فامتنع عليه الحسين ، وتدافع الفريقان ، واضطربوا بالسياط ، وبلغ ذلك عمرو بن سعيد ، فخاف أن يتفاقم الامر ، فأرسل الى صاحب شرطه ، يأمره بالانصراف.

قالوا : ولما فصل الحسين بن على من مكّة سائرا ، وقد وصل الى التنعيم لحق عيرا مقبلة من اليمن ، عليهما ورس وحنّاء ، ينطلق به الى يزيد بن معاوية ، فأخذها وما عليها.

قال لأصحاب الابل : من أحبّ منكم أن يسير معنا الى العراق ، أوفيناه كراه وأحسنا صحبته ؛ ومن أحبّ أن يفارقنا من هاهنا ، أعطيناه من الكرى بقدر ما قطع من الأرض. ففارقه قوم ، ومضى معه آخرون(١)

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٤٣.


١٥ ـ قال الطبرى قال هشام عن أبى مخنف : حدّثنى الصقعب بن زهير ، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى ، قال : لمّا قدمت كتب أهل العراق الى الحسين ، وتهيأ للمسير الى العراق ، أتيته فدخلت عليه وهو بمكّة ، فحمدت الله وأثنيت عليه ، ثمّ قلت : أمّا بعد ، فانّى أتيتك يا ابن عمّ لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة ، فان كنت ترى أنّك تستنصحنى والّا كففت عمّا أريد أن أقول :

فقال : قل ، فو الله ما أظنّك بسيئ الرأى ، ولا هو للقبيح من الامر والفعل ، قال : قلت له : إنّه قد بلغنى انّك تريد المسير الى العراق ، وإنّى مشفق عليك من مسيرك ، انّك تأتى بلدا فيه عمّاله وأمراؤه ، ومعهم بيوت الاموال ، وإنّما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار ، ولا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ، ومن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه.

فقال الحسين : جزاك الله خيرا يا ابن عمّ ، فقد والله علمت أنّك مشيت بنصح ، وتكلّمت بعقل ، ومهما يقض من أمر يكن ، أخذت برأيك أو تركته ، فأنت عندى أحمد مشير ، وأنصح ناصح ، قال : فانصرفت من عنده فدخلت على الحارث ابن خالد بن العاص بن هشام ، فسألنى : هل لقيت حسينا؟ فقلت له : نعم ، قال : فما قال لك ، وما قلت له؟ قال : فقلت له : قلت كذا وكذا ، وقال كذا وكذا ، فقال : نصحته وربّ المروة الشهباء ، أما وربّ البنية إنّ الرأى لما رأيته ، قبله أو تركته ، ثمّ قال :

ربّ مستنصح يغشّ ويردى

وظنين بالغيب يلفى نصيحا(١)

١٦ ـ عنه قال أبو مخنف : وحدّثنى الحارث بن كعب الوالبىّ ، عن عقبة بن سمعان ، أنّ حسينا لما أجمع المسير الى الكوفة ، أتاه عبد الله بن عباس ، فقال : يا ابن

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٢.


عمّ إنّك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبيّن لى ما أنت صانع؟ قال : إنّى قد أجمعت المسير فى أحد يومىّ هذين إن شاء الله تعالى ، فقال له ابن عبّاس : فانّى أعيذك بالله من ذلك ، أخبرنى رحمك الله! أتسير الى قوم قد قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ، ونفوا عدوّهم؟

فان كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم ، وان كانوا إنمّا دعوك إليهم وأميرهم عليه قاهر لهم ، وعمّاله تجيء بلادهم ، فانّهم إنمّا دعوك الى الحرب والقتال ، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذّبوك ، ويخالفوك ويخذلوك ، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشدّ الناس عليك ، فقال له حسين : وانّى أستخير الله وأنظر ما يكون. قال : فخرج ابن عبّاس من عنده ، وأتاه ابن الزبير فحدّثه ساعة ، ثمّ قال :

ما ادرى ما تركنا هؤلاء القوم وكفّنا عنهم ، ونحن أبناه المهاجرين ، وولاة هذا الامر دونهم! خبرنى ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين : والله لقد حدّثت نفسى باتيان الكوفة ، ولقد كتب الىّ شيعتى بها وأشراف أهلها ، وأستخير الله ، فقال له ابن الزبير : أما لو كان لى بها مثل شيعتك ما عدلت بها ، قال : ثمّ انّه خشى أن يتّهمه فقال : أما انّك لو أقمت بالحجاز. ثمّ أردت هذا الامر هاهنا ما خولف عليك إن شاء الله ، ثمّ قام فخرج من عنده.

فقال الحسين : ها إنّ هذا ليس شيء يؤتاه من الدنيا أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز الى العراق وقد علم انّه ليس له من الامر معى شيء وأنّ الناس لم يعدلوه بى فودّ أنى خرجت منها لتخلو له قال : فلمّا كان من العشىّ أو من الغد أتى الحسين عبد الله بن العبّاس ، فقال : يا ابن عمّ انّى أتصبر ولا أصبر ، إنى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك ، والاستيصال ، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم ، أقم بهذا البلد فانّك سيّد أهل الحجاز.

فان كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوّهم ، ثمّ


أقدم عليهم ، فان أبيت إلّا أنّ تخرج ، فسر الى اليمن ، فانّ بها حصونا وشعابا ، وهى أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس فى عزلة ، فتكتب الى الناس وترسل وتبثّ دعاتك ، فانّى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحبّ فى عافية.

فقال له الحسين : يا ابن عمّ انّى والله لأعلم أنّك ناصح مشفق ولكنّى قد أزمعت وأجمعت على المسير ، فقال له ابن عبّاس : فان كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فو الله انّى لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه ، ثمّ قال ابن عبّاس : لقد أقررت عين ابن الزبير بتخليتك ايّاه والحجاز والخروج منها ، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك ، والله الذي لا إله إلّا هو أعلم أنّك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتّى يجتمع علىّ وعليك الناس ، أطعتنى ، لفعلت ذلك ، قال : ثمّ خرج ابن عبّاس من عنده فمرّ بعبد الله بن الزبير ، فقال :

قرّت عينك يا ابن الزبير! ثمّ قال :

يا لك من قبّرة بمعمر

خلّا لمك الجوّ فبيضى واصفرى(١)

ونقرّى ما شئت أن تنقّرى

هذا حسين يخرج الى العراق وعليك بالحجاز(١) .

١٧ ـ عنه قال أبو مخنف : قال أبو خباب يحيى بن أبى حيّة ، عن عديّ بن حرملة الأسدي ، عن عبد الله بن سليم ، والمذرى بن المشمعل الاسديين ، قالا : خرجنا حاجّين ، من الكوفة حتّى قدمنا مكّة ، فدخلنا يوم التروية ، فاذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين حجر والباب ، قالا : فتقربنا منهما فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين : ان شئت أن تقيم أقمت فولّيت

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٣.


هذا الامر فآزرناك وساعدناك ، ونصحنا لك وبايعناك.

فقال له الحسين : انّ أبى حدّثنى أن بها كبشا يستحلّ حرمتها فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش فقال له ابن الزبير : فأقم ان شئت وتولّينى أنا الامر ، فتطاع ولا تعصى ، فقال : وما اريد هذا أيضا قالا : ثمّ انّهما أخفيا كلامهما دوننا ، فما زالا يتناجيان حتّى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجّهين الى منى عند الظهر قالا : فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة ، وقصّ من شعره وحلّ من عمرته ، ثمّ توجّه نحو الكوفة وتوجّهنا ، نحو الناس الى منى(١) .

١٨ ـ عنه قال أبو مخنف : عن أبى سعيد عقيصى ، عن بعض أصحابه ، قال : سمعت الحسين بن على وهو بمكّة ، وهو واقف مع عبد الله بن الزبير ، فقال له ابن الزبير الىّ يا ابن فاطمة ، فأصغى إليه فساره قال : ثمّ التفت إلينا الحسين ، فقال : أتدرون ما يقول ابن الزبير؟ فقلنا : لا ندرى جعلنا الله فداك ، فقال : قال : أقم فى هذا المسجد أجمع لك الناس ، ثمّ قال الحسين : والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحبّ الىّ من أن أقتل داخلا منها بشبر ، وأيم الله لو كنت فى حجر هامّة ، من هذا الهوامّ ، لاستخرجونى حتّى يقضوا فىّ حاجتهم ، وو الله ليعتدنّ علىّ كما اعتدت اليهود فى السبت(٢) .

١٩ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الحارث بن كعب الوالبى ، عن عقبة بن سمعان ، قال : لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ، فقالوا له : انصرف أين تذهب ، فأبى عليهم ومضى وتدافع الفريقان ، فاضطربوا بالسياط ، ثمّ انّ الحسين وأصحابه امتنعوا امتناعا قويّا ، ومضى الحسينعليه‌السلام على وجهه فنادوه يا حسين ألا تتقى الله تخرج من الجماعة و

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٤.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٥.


تفرق بين هذه الامة ، فتأول حسين قول اللهعزوجل :( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) .

قال : ثمّ انّ الحسين ، أقبل حتّى مرّ بالتنعيم ، فلقى بها عيرا قد أقبل بها من اليمن ، بعث بها بحير بن ريسان الحميرى الى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن ، وعلى العير الورس والحلل ، ينطلق بها الى يزيد ، فأخذها الحسين فانطلق بها ، ثمّ قال لاصحاب الابل : لا أكرهكم من أحبّ أن يمضى معنا الى العراق أو فينا كراءه ، واحسنا صحبته ، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا ، هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الارض ، قال : فمن فارقه منهم حوسب ، فأوفى حقّه ، ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه(١) .

٢٠ ـ قال أبو مخنف : حدّثنى الحارث بن كعب الوالبى ، عن علىّ بن الحسين ابن علىّ بن أبى طالب ، قال : لمّا خرجنا من مكّة كتب عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الى الحسين بن على مع ابنيه ، عون ومحمّد : أمّا بعد فانّى أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر فى كتابى ، فانّى مشفق عليك من الوجه الذي توجّه له ، أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك ان هلكت اليوم طفئ نور الارض فانّك علم المهتدين ورجا ، المؤمنين فلا تعجل بالسير فانّى فى أثر الكتاب والسلام. قال وقام عبيد الله بن جعفر. الى عمرو بن سعيد بن العاص ، فكلّمه ، وقال : اكتب الى الحسين كتابا تعجل له فيه الأمان ، وتمنّيه فيه البرّ والصلة ، وتوثق له فى كتابك ، وتسأله الرجوع ، لعلّه يطمئنّ الى ذلك فيرجع ، فقال عمرو بن سعيد : اكتب ما شئت وأتنى به حتّى أختمه ، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب ، ثمّ أتى به عمرو بن سعيد ، فقال له : اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد فانّه أحرى أن

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٥.


تطمئن نفسه إليه ويعلم أنه الجدّ منك ففعل.

كان عمرو بن سعيد. عامل يزيد بن معاويه على مكّة ، قال : فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر ، ثمّ انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب ، فقالا : أقرأناه الكتاب وجهدنا به وكان ممّا اعتذر به إلينا أن قال : انّى رأيت رؤيا فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمرت فيها بأمر أنا ماض له علىّ كان أولى ، فقالا : فما تلك الرؤيا؟ قال : ما حدثت أحدا بها وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّى قال : كان كتاب عمرو بن سعيد الى الحسين بن على :

بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد الى الحسين بن على ، أمّا بعد فانّى أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك ، وأن يهديك لما يرشدك ؛ بلغنى أنّك قد توجّهت الى العراق ، وانّى أعيذك بالله من الشقاق ، فانّى أخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ، ويحيى بن سعيد ، فأقبل الىّ معهما ، فانّ لك عندى الأمان ، والصلة والبرّ ، وحسن الجوار لك ، الله علىّ بذلك شهيد وكفيل ، ومراع ووكيل ؛ والسلام عليك.

قال : وكتب إليه الحسين : أمّا بعد : فانّه لم يشاقق الله ورسوله من دعا الى اللهعزوجل وعمل صالحا ، وقال إنّنى من المسلمين ، وقد دعوت الى المكان والبرّ والصلة ، فخير الامان أمان الله ، ولن يؤمن الله يوم القيامة من لم يخفه فى الدنيا فنسأل الله مخافة فى الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة ، فان كنت نوبت بالكتاب صلتى وبرّى ، فجزيت خيرا فى الدنيا والآخرة ، والسلام(١)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٧.


٣٦ ـ باب ما جرى لهعليه‌السلام بين مكّة

والقادسية

١ ـ لقائهعليه‌السلام مع الفرزدق

١ ـ قال المفيد : روى عن الفرزدق الشاعر ، انّه قال : حججت بأمّى فى سنة ستّين ، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم ، اذ لقيت الحسين بن علىعليهما‌السلام ، خارجا من مكّة ، مع أسيافه وأتراسه ، فقلت : لمن هذا القطار ، فقيل للحسين بن علىعليهما‌السلام ، فأتيته فسلّمت عليه وقلت له أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحبّ بابى أنت وأمّى يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحجّ فقال لو لم أعجّل لاخذت. ثمّ قال لى من أنت قلت امرؤ من العرب ، فلا والله ما فتشنى عن أكثر من ذلك.

ثمّ قال لى : أخبرنى عن النّاس خلفك ، فقلت الخبير سئلت قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء فقال : صدقت لله الأمر ، وكلّ يوم هو فى شأن ، أن نزل القضاء بما نحبّ ونرضى ، فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وان حال القضاء دون الرّجاء فلم يبعد من كان الحقّ نيّته ، والتّقوى سريرته ، فقلت له : أجل بلغك الله ما تحبّ ، وكفاك ما تحذر وسألته عن أشياء عن نذور ومناسك فأخبرنى بها وحرّك راحلته


وقال : السلام عليك ، ثمّ افترقنا(١) .

٢ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا بلغ ذات عرق ، رأى الفرزدق الشاعر ، فسأل الخبر فقال : قلوب الناس معك وسيوفهم مع بنى اميّة ، قال : صدقت يا أخا تيم وانّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد(٢) .

٣ ـ قال ابن طاوس : ثمّ سار حتّى بلغ ذات عرق ، فلقى بشر بن غالب ، وأراد من العراق ، فسأله عن أهلها فقال : خلّفت القلوب معك ، والسيوف مع بنى أميّة ، فقال : صدق أخو بنى أسد ، إنّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد(٣) .

٤ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف ، عن أبى جناب ، عن عدى بن حرملة ، عن عبد الله بن سليم والمذرى ، قالا : أقبلنا حتّى انتهينا الى الصفاح ، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر ، فواقف حسينا فقال له : أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحبّ ، فقال له الحسين : بيّن لنا نبأ الناس خلفك ، فقال له الفرزدق : من الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بنى أميّة ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء.

فقال له الحسين : صدقت ، لله الامر ، والله يفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا فى شأن ، إن نزل القضاء بما نحّب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وان حال القضاء دون الرجاء ، فلم يعتد من كان الحقّ نيّته ، والتقوى سريرته ، ثمّ حرّك الحسين راحلته فقال : السلام عليك ؛ ثمّ افترقا(٤) .

٥ ـ عنه قال هشام ، عن عوانة بن الحكم ، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب ، عن أبيه ، قال : حججت بأمّى ، فأنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم فى أيّام الحجّ ، وذلك فى سنة ستين ، إذ لقيت الحسين بن على خارجا من مكّة معه أسيافه وتراسه ،

__________________

(١) الارشاد : ٢٠١ واعلام الورى : ٢٢٧.

(٢) المناقب : ٢ / ٢١٣.

(٣) اللهوف : ٣٠.

(٤) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٨٦.


فقلت : لمن هذا القطار؟ فقيل : للحسين بن على ، فأتيته فقلت : بأبى وأمّى يا ابن رسول الله! ما أعجلك عن الحجّ؟ فقال : لو لم أعجل لأخذت.

قال : ثمّ سألنى : ممّن أنت؟ فقلت له : امرؤ من العراق ، قال : فو الله ما فتّشنى ، عن أكثر من ذلك ، واكتفى بها منّى ، فقال : أخبرنى عن الناس خلفك؟ قال : فقلت له :

القلوب معك ، والسيوف مع بنى اميّة ، والقضاء بيد الله ، قال : فقال لى : صدقت ؛ قال : فسألته عن أشياء ، فأخبرنى بها من نذور ومناسك ، قال : وإذا هو ثقيل اللسان من برسام أصابه بالعراق.

قال : ثمّ مضيت فاذا بفسطاط مضروب فى الحرم ، وهيئة حسنة ، فأتيته فاذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص ، فسألنى ، فأخبرته بلقا ، الحسين بن على ، فقال لى : ويلك! فهلا اتّبعته ، فو الله ليملكنّ ، ولا يجوز السلاح فيه ولا فى أصحابه ، قال : فهممت والله أن ألحق به ، ووقع فى قلبى مقالته ، ثمّ ذكرت الأنبياء وقتلهم ، فصدّنى ذلك عن اللحاق بهم.

فقدمت على أهلى بعسفان ، قال : فو الله انّى لعندهم إذ أقبلت عير قد امتارت من الكوفة ، فلمّا سمعت بهم خرجت فى آثارهم حتّى اذا اسمعتهم الصوت وعجلت عن اتيانهم صرخت بهم ، ألا ما فعل الحسين بن على؟ قال : فردّوا على : ألا قد قتل قال : فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص(١) .

٦ ـ قال الدينورى : ثمّ سار حتّى إذا انتهى الى الصفّاح ، لقيه هناك الفرزدق الشاعر ، مقبلا من العراق ، يريد مكّة ، فسلّم على الحسين ، فقال له الحسين : كيف خلّفت الناس بالعراق؟ قال : خلّفتهم وقلوبهم معك ، وسيوفهم عليك. ثمّ ودّعه(٢)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٣٨٦.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٤٥.


٧ ـ قال الجاحظ : لقى الحسينعليه‌السلام ، الفرزدق ، فسأله عن الناس فقال : القلوب معك ، والسيوف عليك ، والنصر فى السماء(١) .

٨ ـ الحافظ ابن عساكر : قال ابن سعد : أنبأنا عبد الله بن الزبير الحميدى ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، حدّثنى لبطة بن الفرزدق ، وهو فى الطواف ، وهو مع ابن شبرمة قال : أخبرنا أبى قال : خرجنا حجّاجا فلمّا كنا بالصفاح اذا نحن بركب عليهم اليلامق ومعهم الدرق ، فلمّا دنوت منهم إذا أنا بحسين بن على فقلت : أى أبو عبد الله قال : فقال : يا فرزدق ما وراؤك؟ قال : قلت أنت أحبّ الناس الى الناس ، والقضاء فى السماء ، والسيوف مع بنى اميّة.

قال : ثمّ دخلنا مكّة فلمّا كنّا بمنى قلت له لو أتينا عبد الله بن عمرو ، فسألناه عن حسين ، وعن مخرجه ، فأتينا منزله بمنى فاذا نحن بصبية له سود مولّدين يلعبون قلنا لهم : أين أبوكم؟ قالوا : فى الفسطاط يتوضّأ. فلم يلبث أن خرج علينا من فسطاطه فسألناه عن حسين؟ فقال : أما إنّه لا يحيك فيه السلاح!

قال : فقلت له : تقول هذا فيه ، وأنت الذي قاتلته وأباه؟ فسبّنى فسببته! قال ثمّ خرجنا حتّى أتينا ماء لنا يقال له : «تعشار» فجعل لا يمرّ بنا أحد الّا سألناه عن حسين حتّى مرّ بنا ركب ، فناديناهم ، ما فعل حسين بن على؟ قالوا : قتل. فقلت : فعل الله بعبد الله بن عمرو وفعل(٢) .

٩ ـ قال ابن عبد ربه : ولقى الحسين بن على رضوان الله عليهما ، الفرزدق فى مسيره الى العراق ، فسأله عن الناس ، فقال : القلوب معك ، والسيوف عليك ، والنّصر فى السّماء(٣)

__________________

(١) البيان والتبيين : ٢ / ١٨٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٠٥.

(٣) العقد الفريد : ٢ / ٢٦٨.


١٠ ـ قال سبط ابن الجوزى : أما الحسينعليه‌السلام : فانّه خرج من مكّة ، سابع ذى الحجة سنة ستّين ، فلمّا وصل بستان بنى عامر ، لقى الفرزدق الشاعر ، وكان يوم التروية ، فقال له الى أين يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الموسم ، قال لو لم أعجل لاخذت أخذا ، فأخبرنى يا فرزدق عمّا ورائك فقال تركت الناس بالعراق قلوبهم معك وسيوفهم مع بنى أميّة فاتّق الله فى نفسك وارجع.

فقال له : يا فرزدق إنّ هؤلاء ، قوم لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد فى الارض ، وابطلوا الحدود ، وشربوا الخمور ، واستأثروا فى أموال الفقراء والمساكين ، وأنا أولى من قام بنصرة دين الله ، واعزاز شرعه ، والجهاد فى سبيله ، لتكون كلمة الله هى العلياء ، فأعرض عنه الفرزدق وسار(١) .

٢ ـ لقائهعليه‌السلام مع عبد الله بن مطيع

١١ ـ قال الدينورى : سار الحسينعليه‌السلام من بطن الرمة ، فلقيه عبد الله بن مطيع ، وهو منصرف من العراق ، فسلّم على الحسين ، وقال له : بأبى أنت وأمّى يا ابن رسول الله ، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدّك؟ فقال : انّ أهل الكوفة كتبوا الىّ يسألوننى أن أقدم عليهم ، لما رجوا من احيا ، معالم الحقّ ، واماتة البدع ، قال له ابن مطيع : أنشدك الله أن لا تأتى الكوفة ، فو الله لئن أتيتها لتقتلنّ ، فقال الحسينعليه‌السلام :( لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا ) ثمّ ودّعه ومضى(٢) .

١٢ ـ قال الطبرى ثمّ أقبل الحسين سيرا الى الكوفة ، فانتهى الى ماء من مياه

__________________

(١) تذكره الخواص : ٢٤٠.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٤٦.


العرب ، فاذا عليه عبد الله بن مطيع العدوىّ وهو نازل هاهنا ، فلمّا رأى الحسين ، قام إليه ، فقال : بأبى أنت وأمّى يا ابن رسول الله! ما أقدمك! واحتمله فأنزله ، فقال له الحسين : كان من موت معاوية ما قد بلغك ؛ فكتب الىّ أهل العراق يدعوننى الى أنفسهم ، فقال له عبد الله بن مطيع : أذكّرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنتهك!

أنشدك الله فى حرمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنشدك الله فى حرمة العرب فو الله لئن طلبت ما فى أيدى بنى أميّة ليقتلنّك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحدا أبدا ، والله انّها لحرمة الاسلام تنتهك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ، ولا تأت الكوفة ، ولا تعرّض لبنى اميّة ، قال : فأبى الّا أن يمضى ؛ قال : فأقبل الحسين حتّى كان بالماء فوق زرود(١) .

٣ ـ ارسال قيس بن مسهر الى الكوفة

١٣ ـ قال المفيد : ولمّا بلغ الحسينعليه‌السلام الحاجز ، من بطن الرمة ، بعث قيس بن مسهر الصيداوى ويقال بل بعث أخاه من الرضاعة عبد الله ابن يقطر الى الكوفة ، ولم يكن علم بخبر ابن عقيلرحمه‌الله وكتب معه إليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن على الى اخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فانّى أحمد إليكم الله الّذي لا إله الّا هو ، امّا بعد فانّ كتاب

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٥.


مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم واجتماع ملاءكم على نصرنا ، والطلب بحقّنا ، فسئلت الله أن يحسن لنا الصنيع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجّة يوم التروية ، فاذا قدم عليكم رسولى ، فانكمشوا فى أمركم ، وجدّوا فانّى قادم عليكم فى أيّامى هذه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة ، كتب إليه أهل الكوفة انّ لك هنا مائة ألف سيف ، ولا تتأخر ، فأقبل قيس بن مسهر الى الكوفة بكتاب الحسينعليه‌السلام ، حتّى اذ انتهى الى القادسية أخذه الحصين بن نمير ، فبعث به الى عبيد الله بن زياد ، فقال له عبيد الله بن زياد : اصعد فصبّ الكذّاب الحسين بن علىعليهما‌السلام ، فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال.

أيّها الناس انّ هذا الحسين بن على خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا رسوله إليكم ، فأجيبوه ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلىّ بن أبى طالب وصلّى عليه ، فأمر عبيد الله أن يرمى به من فوق القصر ، فرموا به فتقطّع ، وروى انّه وقع الى الأرض مكتوفا فتكسرت عظامه ، وبقى به رمق ، فجاء رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمى فذبحه ، فقيل له فى ذلك وعيب عليه فقال أردت أن أريحه(١) .

١٤ ـ قال الطبرسى : ولمّا بلغ الحسينعليه‌السلام بطن الرمة بعث عبد الله بن يقطر ، وهو أخوه من الرّضاعة ، وقيل : بل بعث قيس بن مسهّر الصيداوى ، الى أهل الكوفة ، ولم يكن علم بخبر مسلم ، وكتب معه إليهم كتابا ، يخبرهم فيه بقدومه ، ويأمرهم بالانكماش فى الامر ، فأخذه الحصين بن نمير ، وبعث به الى عبيد الله بن

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٢.


زياد ، فقال له عبيد الله بن زياد : اصعد وسبّ الكذّاب الحسين بن على.

فصعد وحمد الله واثنى عليه ، وقال : أيّها الناس هذا الحسين بن على خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا رسوله إليكم ، فأجيبوه ، ثمّ لعن ابن زياد ، فأمر به فرمى من فوق القصر ، فوقع على الارض وانكسرت عظامه وأتاه رجل فذبحه وقال: أردت أن أريحه(١)

١٥ ـ قال الفتال : ولمّا بلغ الحسينعليه‌السلام الحاجز من بطن الرمة ، بعث قيس بن مسهّر الصيداوى ويقال بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر ، الى أهل الكوفة مع كتاب فأخذه الحصين بن نمير بالقادسية ، فبعث به الى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد فسبّ الكذّاب الحسين بن على ، فصعد قيس فحمد الله تعالى واثنى عليه.

ثمّ قال أيّها الناس انّ هذا الحسين خير ، خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم ، وأنا رسوله إليكم ، فاجيبوه ، ثمّ لعن ابن زياد وأباه ، فامر عبيد الله أن يرمى من فوق القصر ، فرمى به فتكسّرت عظامه وبقى به رمق فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمى فذبحه فقيل له فى ذلك وعيب عليه ، فقال أردت أن أريحه(٢) .

١٦ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا بلغ الحاجر من بطن الدوية ، بعث قيس بن مسهّر الصيداوى ، الى أهل الكوفة ، يخبرهم بمجيئه فأخذه الحصين بن نمير فى القادسية ، وبعث به الى ابن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعد القصر ، فسبّ الكذّاب ابن الكذّاب ، فصعد فأثنى على الله وعلى رسوله وعلى أهل بيته ولعن زياد او ابنه فرمى به من فوق القصر فمات(٣)

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٨.

(٢) روضة الواعظين : ١٥٢.

(٣) المناقب : ٢ / ٢١٣.


١٧ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى وكتب الحسينعليه‌السلام كتابا الى سليمان بن صرد الخزاعى ، والمسيّب بن نجبة ورفاعة بن شداد ، وجماعة من الشيعة بالكوفة ، وبعث به مع قيس بن مصهّر الصيداوى ، فلمّا قارب دخول الكوفة ، اعترضه الحصين بن نمير ، صاحب عبيد الله بن زياد لعنه الله ، ليفتشه فاخرج قيس الكتاب ومزّقه ، فحمله الحصين بن نمير ، الى عبيد الله بن زياد ، فلمّا مثل بين يديه ، قال له : من أنت قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين على بن أبى طالبعليه‌السلام وابنه قال فلمّا ذا خرقت الكتاب.

قال لئلا تعلم ما فيه قال وممّن الكتاب والى من؟ قال : من الحسينعليه‌السلام ، الى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسمائهم ، فغضب ابن زياد وقال والله لا تفارقنى ، حتّى تخبرنى باسماء هؤلاء القوم ، أو تصعد المنبر فتعلن الحسين بن على وأباه وأخاه والّا قطعتك اربا اربا ، فقال قيس أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأمّا لعن الحسينعليه‌السلام وأبيه وأخيه فأفعل.

فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وأكثر من الترحم على علىّ والحسن ، والحسين ، صلوات الله عليهم ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بنى أميّة عن آخرهم ، ثمّ قال أيّها الناس أنا رسول الحسينعليه‌السلام إليكم ، وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه ، فأخبر ابن زياد بذلك ، فأمر بإلقائه من أعالى القصر فالقى من هناك فمات فبلغ الحسينعليه‌السلام موته فاستعبر بالبكاء.

ثمّ قال اللهم اجعل لنا وشيعتنا منزلا كريما واجمع بيننا وبينهم فى مستقرّ من رحمتك انك على كلّ شيء قدير وروى أنّ هذا الكتاب كتبه الحسينعليه‌السلام من الحاجز وقيل غير ذلك(١)

__________________

(١) اللهوف : ٣٢.


١٨ ـ قال الدينورى : ومضى الحسينعليه‌السلام ، حتّى اذا صار ببطن الرمة ، كتب الى أهل الكوفة «بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن على الى اخوانه من المؤمنين بالكوفة ، سلام عليكم ، أمّا بعد ، فان كتاب مسلم بن عقيل ورد علىّ باجتماعكم لى : وتشوّفكم الى قدومى ، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا ، والطلب بحقّنا ، فأحسن الله لنا ولكم الصنيع ، وأصابكم على ذلك بأفضل الذخر ، وكتابى إليكم من بطن الرمة ، وأنا قادم عليكم ، وحثيث السير إليكم ، والسلام».

ثمّ بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر ، فسار حتّى وافى القادسيّة ، فأخذه حصين بن نمير ، وبعث به الى ابن زياد ، فلمّا أدخل عليه أغلظ لعبيد الله ، فأمر به أن يطرح من أعلى سور القصر الى الرحبة ، فطرح ، فمات(١) .

١٩ ـ قال سبط ابن الجوزى : قال هشام بن محمّد : كان الحسين ، قد بعث قيس ابن مسهر الى مسلم بن عقيل ، ليستعلم خبره قبل أن يصل إليه ، فأخذه ابن زياد ، وقال له قم فى الناس واشتم الكذاب يعنى الحسين ، فقام على المنبر وقال : أيّها الناس انّى تركت الحسين بالحاجز وأنا رسوله إليكم ، لتنصروه ، فلعن الله الكذاب ابن الكذّاب ابن زياد فطرح من القصر فمات(٢) .

٢٠ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : وحدّثنى محمّد بن قيس ، أنّ الحسين أقبل حتّى اذا بلغ الحاجز من بطن الرّمة ، بعث قيس بن مسهر الصيداوى الى أهل الكوفة ، وكتب معه إليهم :

بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن على الى اخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فانى أحمد إليكم الله الذي لا إله الّا هو ، أمّا بعد ، فانّ كتاب مسلم بن عقيل جاءنى يخبرنى فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ، ملئكم ، على

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٤٥.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٤٥.


نصرنا ، والطلب بحقّنا ، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذى الحجّة يوم التروية ، فاذا قدم عليكم رسولى فاكمشوا أمركم وجدّوا ، فانّى قادم عليكم فى أيّامى هذه إن شاء الله ؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكان مسلم بن عقيل قد كان كتب الى الحسين ، قبل أن يقتل لسبع وعشرين ليلة أمّا بعد ، فانّ الرائد لا يكذب أهله ، إنّ جميع أهل الكوفة معك ، فأقبل حين تقرأ كتابى ، والسلام عليك ، قال : فأقبل الحسين بالصبيان والنسا ، معه لا يلوى على شيء ، وأقبل قيس بن مسهر الصيداوى ، الى الكوفة بكتاب الحسين ، حتّى اذا انتهى الى القادسية أخذه الحصين بن تميم ، فبعث به الى عبيد الله بن زياد.

فقال له عبيد الله : اصعد الى القصر ، فسبّ الكذّاب ابن الكذّاب ؛ فصعد ثمّ قال : أيّها الناس ، إنّ هذا الحسين بن على خير خلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله ، وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجز ، فأجيبوه ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعلىّ بن أبى طالب ، قال : فأمر به عبيد الله ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر ، فرمى به ، فتقطّع فمات(١) .

٤ ـ لقائهعليه‌السلام مع زهير بن القين

٢١ ـ قال المفيد : حدّث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا كنّا مع زهير بن القين البجلى حين أقبلنا من مكّة فكنّا نساير الحسينعليه‌السلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله فى منزل ، فاذا سار الحسينعليه‌السلام ونزل منزلا لم نجد بدّا من أن ننازله ، فنزل

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٤.


الحسينعليه‌السلام فى جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدّ ، من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسينعليه‌السلام حتّى سلّم ثمّ دخل.

فقال يا زهير بن القين إنّ أبا عبد الله الحسينعليه‌السلام بعثنى إليك لتأتيه ، فطرح كلّ انسان منّا ما فى يده ، حتّى كأن على رءوسنا الطّير ، فقالت له امرأته : سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ، ثمّ لا تأتيه لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ورحله ومتاعه فقوّض وحمل الى الحسينعليه‌السلام ثمّ قال لامرأته : أنت طالق الحقى بأهلك ، فانّى لا أحبّ أن يصيبك بسببى إلّا خيرا.

ثمّ قال لاصحابه من أحبّ منكم أن يتّبعنى والّا فهو آخر العهد إنّى سأحدّثكم حديثا ، انّا غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الفارسى رحمة الله عليه : أفرحتم بما فتح الله عليكم ، وأصبتم من الغنائم قلنا نعم ، فقال اذا أدركتم ، سيّد شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معهم ، ممّا أصبتم اليوم من الغنائم ، فأمّا أنا فأستودعكم الله ، قالوا ثمّ والله ما زال فى القوم مع الحسين حتّى قتل(١) .

٢٢ ـ قال ابن طاوس : ثمّ سارعليه‌السلام ، فحدث جماعة من بنى فزارة وبجيلة قالوا كنّا مع زهير بن القين لما أقبلنا من مكّة ، فكنّا نساير الحسينعليه‌السلام حتّى لحقناه ، فكان إذا أراد النزول ، اعتزلناه ، فنزلنا ناحية ، فلمّا كان فى بعض الايّام نزل فى مكان لم نجد بدّا من أن ننازله فيه ، فبينا نحن نتغدّى من طعام لنا ، اذا أقبل رسول الحسين حتّى سلّم ، ثمّ قال يا زهير بن القين انّ أبا عبد الله الحسينعليه‌السلام بعثنى إليك لتأتيه فطرح كلّ انسان منا ما فى يده ، حتّى كأنّما على رءوسنا الطير.

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٣.


فقالت له زوجته وهى دلهم بنت عمرو : سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ لا تأتيه ، فلو أتيته فسمعت من كلامه ، فمضى إليه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فحوّل الى الحسينعليه‌السلام ، وقال لامرأتة أنت طالق فانّى لا أحبّ أن يصيبك بسببى الاخير وقد عزمت على صحبة الحسينعليه‌السلام لأفديه بنفسى وأقيه بروحى.

ثمّ أعطاها ما لها وسلمها الى بعض بنى عمّها ليوصلها الى أهلها ، فقامت إليه ، وبكت وودّعته ، وقالت كان الله عونا ومعينا خار الله لك ، أسألك أن تذكرنى فى القيامة عند جدّ الحسينعليه‌السلام فقال لاصحابه : من أحبّ أن يصحبنى وإلّا فهو آخر العهد منّى به(١) .

٢٣ ـ قال الفتّال النيسابوريّ : حدّث جماعة من فزارة وبجيلة ، قالوا : كنّا مع زهير بن القين البجلى ، حين أقبلنا من مكّة وكنّا نساير الحسينعليه‌السلام ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله ، فاذا نزل الحسينعليه‌السلام فى جانب ونزلنا فى جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا ، اذا قبل رسول الحسين حتّى سلم ، ثمّ دخل فقال يا زهير بن القين البجلى ، إنّ أبا عبد الله بعثنى إليك لتأتينّه فطرح كلّ انسان منّا ما فى يده ، حتّى كأنّ على رءوسنا الطير.

فقالت له امرأته سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ، ثمّ لم تأته ، لو أتيته فسمعت من كلامه ، ثمّ انصرفت فأتاه زهير بن القين فما لبث أن جاء مستبشرا أشرق وجهه ، فأمر فسطاطه فقوّض ، وحمل الى الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قال لامرأته أنت طالق الحقي بأهلك فانّى لا أحبّ أن يصيبك بسببى الّا خير.

ثمّ قال لاصحابه من أحبّ منكم أن يتّبعنى ، والّا فهو آخر العهد ، انّى

__________________

(١) اللهوف : ٣١.


سأحدّثكم حديثا غزونا البحر(١) .

ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الفارسى رضى الله عنه : أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم ، فقلنا نعم ، فقال : اذا أدركتم شباب آل محمّد فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم ، معهم ، ممّا أصبتم اليوم من الغنائم ، فأمّا أنا فاستودعكم الله قالوا : ثمّ والله ما زال فى القوم مع الحسين حتّى قتل رحمة الله عليه(٢) .

٢٤ ـ قال الدينورى : ثمّ سار حتّى انتهى الى ذرود ، فنظر الى فسطاط مضروب فسأل عنه ، فقيل له : هو لزهير بن القين ، وكان حاجّا أقبل من مكّة يريد الكوفة ، فأرسل إليه الحسين ، أن ألقنى أكلّمك ، فأبى أن يلقاه ، وكانت مع زهير زوجته ، فقالت له : سبحان الله ، يبعث إليك ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا تجيبه ، فقام يمشى الى الحسينعليه‌السلام .

فلم يلبث أن انصرف ، وقد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه فقلع ، وضرب الى لزق فسطاط الحسين. ثمّ قال لامرأته : أنت طالق ، فتقدّمى مع أخيك حتّى تصلى الى منزلك ، فانّى قد وطّنت نفسى على الموت مع الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قال لمن كان معه من أصحابه: من أحب : منكم الشهادة فليقم ، ومن كرهها فليتقدّم ، فلم يقم معه منهم أحد ، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتّى لحقوا بالكوفة(٣) .

٢٥ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : فحدّثنى السدى ، عن رجل من بنى فزارة ، قال : لما كان زمن الحجّاج بن يوسف كنا فى دار الحارث بن أبى ربيعة التي فى التمارين ، التي أقطعت بعد زهير بن القين ، من بنى عمرو بن يشكر من بجيلة ، وكان

__________________

(١) والظاهر انه بلنجر كما يأتى فى حديث أبى مخنف

(٢) روضة الواعظين : ١٥٣.

(٣) الاخبار الطوال : ٢٤٦.


أهل الشام لا يدخلونها ، فكنا مختبئين فيها ، قال : فقلت للفزارى : حدّثنى عنكم حين أقبلتم مع الحسين بن على ، قال : كنّا مع زهير بن القين البجلى حين أقبلنا من مكّة نساير الحسين ، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره فى منزل.

فاذا سار الحسين تخلّف زهير بن القين ، واذا نزل الحسين تقدّم زهير ، حتّى نزلنا يومئذ ، فى منزل لم نجد بدّا من أن ننازله فيه فنزل الحسين فى جانب ، ونزلنا فى جانب ، فبينا نحن جلوس نتغدّى من طعام لنا ، إذ أقبل رسول الحسين حتّى سلم ، ثمّ دخل فقال : يا زهير بن القين ، إنّ أبا عبد الله الحسين بن على بعثنى إليك لتأتيه ، قال : فطرح كلّ إنسان ما فى يده حتّى كأننا على رءوسنا الطير(١) .

٢٦ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثتنى دلهم بنت عمرو ، امرأة زهير بن القين ، قالت: فقلت له : أيبعث إليك ابن رسول الله ، ثمّ ، لا تأتيه! سبحان الله! لو أتيته فسمعت من كلامه! ثمّ انصرفت ؛ قالت : فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشرا قد أسفر وجهه ؛ قالت : فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فقدّم ، وحمل الى الحسين ، ثمّ قال لامرأته : أنت طالق ، الحقى بأهلك ، فانّى لا أحبّ أن يصيبك من سببى الّا خير.

ثمّ قال لاصحابه ، من أحبّ منكم أن يتّبعنى والّا فانّه آخر العهد ، إنّى سأحدّثكم حديثا ، غزونا بلنجر ، ففتح الله علينا ، وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان الباهلى(٢) : أفرحتم بما فتح الله عليكم ، وأصبتم من الغنائم! فقلنا : نعم ، فقال لنا : اذا أدركتم شباب آل محمّد ، فكونوا أشدّ فرحا بقتالكم معهم منكم ، بما أصبتم من الغنائم ، فأمّا أنا فانّى أستودعكم الله ، قال : ثمّ والله ما زال فى أوّل القوم حتّى قتل(٣)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٦.

(٢) هو سلمان الفارسى لا الباهلى وغزوة بلنجر معروف فى الفتوح وكتب السيرة

(٣) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٦.


٥ ـ لقائهعليه‌السلام مع عبد الله بن سليمان

٢٧ ـ قال المفيد : روى عبد الله بن سليمان والمنذر ابن المشمعلّ الاسديان ، قالا لمّا قضينا حجّنا ، لم تكن لنا همّة الّا اللحاق بالحسينعليه‌السلام فى الطريق ، لننظر ما يكون من أمره ، فأقبلنا ترقل بنانا قتانا مسرعين ، حتّى لحقناه بزرود ، فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتّى رأى الحسينعليه‌السلام ، فوقف الحسينعليه‌السلام ، كانّه يريده ، ثمّ تركه ومضى ومضينا نحوه.

فقال أحدنا لصاحبه : اذهب بنا الى هذا لنسأله ، فانّ عنده خبر الكوفة فمضينا حتّى انتهينا ، إليه ، فقلنا السلام عليكم ، فقال وعليكم السلام ، قلنا ممّن الرجل قال أسدىّ قلنا له ونحن أسديان ، فمن أنت ، قال أنا بكر بن فلان وانتسبنا له ، ثمّ قلنا له أخبرنا عن النّاس ورائك ، قال نعم لم أخرج من الكوفة ، حتّى قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة ورأيتهما يجران بارجلهما فى السوق.

فاقبلنا حتّى لحقنا الحسينعليه‌السلام ، فسايرناه ، حتّى نزل الثعلبيّة ممسيا فجئناه حين نزل ، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام ، فقلنا له رحمك الله ان عندنا خبرا ان شئت حدّثناك علانية وإن شئت سرّا فنظر إلينا والى أصحابه ثمّ قال مادون هؤلاء سرّ ، فقلنا له أرأيت الراكب الّذي استقبلته عشىّ أمس قال : نعم وقد أردت مسألته فقلنا قد والله استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته وهو امرؤ منّا ذو رأى وصدق وعقل.

انّه حدّثنا انّه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم وهانى ورآهما يجرّان فى السوق بأرجلهما ، فقال انّا لله وانّا إليه راجعون رحمة الله عليهما يردّد ذلك مرارا ،


فقلنا لهننشدك الله فى نفسك وأهل بيتك الّا انصرفت من مكانك ، هذا فانّه ليس لك بالكوفة ناصر ، ولا شيعة ، بل نتخوّف أن يكونوا عليك ، فنظر الى بنى عقيل ، فقال ما ترون فقد قتل مسلم ، فقالوا والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق.

فأقبل علينا الحسينعليه‌السلام وقال لا خير فى العيش بعد هؤلاء ، فعلمنا انّه قد عزم رأيه على المسير ، فقلنا له خار الله لك ، فقال : رحمكما الله ، فقال له أصحابه إنّك والله ما أنت مسلم بن عقيل ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع ، فسكت ثمّ انتظر حتّى اذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه أكثروا من الماء فاسقوا وأكثروا ثمّ ارتحلوا(١) .

٢٨ ـ قال أبو الفرج : فلمّا صار فى بعض الطريق لقيه أعرابيان من بنى أسد ، فسألهما عن الخبر ، فقالا له : يا ابن رسول الله إن قلوب النّاس معك وسيوفهم عليك فارجع ، واخبراه بقتل ابن عقيل وأصحابه فاسترجع الحسينعليه‌السلام ، فقال له بنو عقيل: لا نرجع والله أبدا أو ندرك ثأرنا أو نقتل بأجمعنا ، فقال لمن كان لحق به من الاعراب : من كان منكم يريد الانصراف عنّا فهو فى حلّ من بيعتنا ، فانصرفوا عنه وبقى فى أهل بيته ونفر من أصحابه(٢)

٢٩ ـ قال الدينورى : قالوا : ولمّا رحل الحسين من زرود ، تلقّاه رجل من بنى أسد ، فسأله عن الخبر ، فقال : لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل ، وهانى ابن عروة ، ورأيت الصبيان يجرّون بأرجلهما ، فقال : انّا لله وانّا إليه راجعون ، عند الله نحتسب أنفسنا ، فقال له : أنشدك الله يا ابن رسول الله فى نفسك ، وأنفس أهل بيتك ، هؤلاء الذين نراهم معك ، انصرف الى موضعك ، ودع المسير الى الكوفة

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٤.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٧٣.


فو الله ما لك بها ناصر.

فقال بنو عقيل ـ وكانوا معه ـ : مالنا فى العيش بعد أخينا مسلم حاجة ، ولسنا مراجعين حتّى نموت. فقال الحسين : «فما خير فى العيش بعد هؤلاء» وسار(١) .

٣٠ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى أبو جناب الكلبى ، عن عدى بن حرملة الاسدى ، عن عبد الله بن سليم ، والمذرى بن المشمعل الاسديين ، قالا : لما قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة الّا اللّحاق بالحسين فى الطريق ، لننظر ما يكون من أمره وشأنه ، فأقبلناه ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتّى لحقناه بزرود ، فلمّا دنونا منه اذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين ، قالا : فوقف الحسين كأنّه يريده ، ثمّ تركه ، ومضى ومضينا نحوه.

فقال أحدنا لصاحبه ، اذهب بنا الى هذا ، فلنسأله ، فان كان عنده خبر الكوفة علّمناه ، فمضينا حتّى انتهينا إليه ، فقلنا : السلام عليك ، قال : وعليكم السلام ورحمة الله ، ثمّ قلنا : فمن الرجل؟ قال : أسدىّ : قلنا : فنحن أسديان ، فمن أنت؟ قال : أنا بكير بن المثعبة ، فانتسبنا له ، ثمّ قلنا : أخبرنا عن الناس وراءك ؛ قال : نعم ، لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة ، فرأيتهما يجرّان بأرجلهما فى السوق.

قالا : فأقبلنا حتّى لحقنا بالحسين ، فسايرناه حتّى نزل الثعلبيّة ممسيا ، فجئناه حين نزل ، فسلّمناه عليه فردّ علينا ، فقلنا له : يرحمك الله ، إنّ عندنا خبرا فان شئت حدّثنا علانية ، وان شئت سرّا ، قال : فنظر الى أصحابه وقال : مادون هؤلاء سرّ ، فقلنا له : أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس؟ قال : نعم ، وقد أردت مسألته ، فقلنا : قد استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ من أسد منّا ، ذو رأى و

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٤٧.


صدق ، وفضل وعقل.

إنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة ، وحتّى رآهما يجرّان فى السوق بأرجلهما ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون رحمة الله عليهما ، فردّد ذلك مرارا ، فقلنا : ننشدك الله فى نفسك ، وأهل بيتك الا انصرفت ، من مكانك هذا ، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوّف أن تكون عليك! قال : فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب(١) .

٣١ ـ عنه : قال أبو مخنف : حدّثنى عمر بن خالد ، عن زيد بن علىّ بن حسين ، وعن داود بن علىّ بن عبد الله بن عباس ، إنّ بنى عقيل ، قالوا : لا والله لا نبرح حتّى تدرك ثارنا ، أو نذوق ما ذاق أخونا(٢) .

٦ ـ لقائه مع يحيى بن شداد

٣٢ ـ الحافظ ابن عساكر : أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد ، أنبأنا محمد بن هبة الله ، قالا : أنبأنا محمّد بن الحسين ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يعقوب ، أنبأنا أبو بكر يعنى الحميرى ، أنبأنا سفيان ، أنبأنا شهاب بن حراش ، عن رجل من قومه ، قال : كنت فى الجيش الذي بعثهم عبيد الله بن زياد الى الحسين بن على ، وكانوا أربعة آلاف ، يريدون الديلم ، فصرفهم عبيد الله بن زياد إلى حسين بن على ، فلقيت حسينا فرأيته أسود الرأس واللحية.

فقلت له : السلام عليك يا أبا عبد الله ، فقال : وعليك السلام ـ وكانت فيه

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٧.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٧.


غنّة ـ فقال : لقد بانت منكم فينا سلة منذ الليلة ـ يعنى سرق. قال شهاب : فحدثت به زيد بن علىّ فأعجبه وكانت فيه غنّة. قال سفيان : وهى فى الحسينيّين.

٣٣ ـ عنه أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى ، أنبأنا الحسن بن علىّ ، أنبأنا محمّد ابن العبّاس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا الحسين بن الفهم ، أنبأنا محمّد بن سعد ، أنبأنا علىّ بن محمّد عن حباب بن موسى ، عن الكلبى ، عن يحيى بن شدّاد الأسدي قال مرّ بنا الحسين بالثعلبيّة ، فخرجت إليه مع أخى فاذا عليه جبّة صفراء لها جيب فى صدرها ، فقال له أخى : إنّى أخاف عليك من قلّة أنصارك فضرب بالسوط على عيبة قد حقبها خلفه ، وقال : هذه كتب وجوه أهل المصر(١) .

٧ ـ الحسينعليه‌السلام يخبر عن شهادته

٣٤ ـ الحافظ ابن عساكر : قال ابن سعد : أنبأنا موسى بن اسماعيل ، أنبأنا جعفر ابن سليمان ، عن يزيد الرشك ، قال : حدّثنى من شافه الحسين ، قال : رأيت ابنية مضروبة بفلاة من الارض فقلت : لمن هذه؟ قالوا : هذه لحسين ، قال : فأتيته فاذا شيخ يقرأ القرآن ، قال : والدموع تسيل على خدّيه ولحيته! قال : فقلت : بأبى أنت وأمى يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما أنزلك هذه البلاد والفلاة الّتي ليس بها أحد؟ فقال : هذه كتب أهل الكوفة ، إلىّ ولا أراهم الّا قاتلى ، فاذا فعلوا ذلك لم يدعو الله حرمة الّا انتهكوها ، فيسلّط الله عليهم من يذلّهم ، حتّى يكونوا أذلّ من فرم الامة يعنى مقنعتها(٢)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢٠٩.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢١١.


٣٥ ـ عنه قال ابن سعد : أنبأنا علىّ بن محمّد ، عن الحسن بن دينار ، عن معاوية ابن قرّة قال : قال الحسين : والله ليعتدنّ علىّ كما اعتدت بنو اسرائيل فى السبت(١) .

٣٦ ـ عنه قال : وأنبأنا علىّ بن محمّد ، عن جعفر بن سليمان الضبعى ، قال : قال الحسينعليه‌السلام : والله لا يدعونى حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى! فاذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الامة(٢) .

٨ ـ اخبارهعليه‌السلام عن شهادة مسلم

٣٧ ـ قال المفيد : فسار حتّى انتهى الى زبالة ، فاتاه خبر عبد الله ابن يقطر ، فاخرج إلى الناس كتابا فقرأه عليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد ، فانّه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل ، وهانى بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف ، فلينصرف فى غير حرج ليس معه زمام.

فتفرّق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتّى بقى فى أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنمّا فعل ذلك ، لأنّهعليه‌السلام علم انّ الاعراب الذين اتّبعوه ، إنمّا اتّبعوه وهم يظنّون أنّه يأتى بلدا قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه الّا وهم يعلمون على ما يقدمون ، فلمّا كان السحر أمر أصحابه فاستقوا ماء واكثروا(٣)

__________________

(١) ترجمة الامام الحسين : ٢١١.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢١١.

(٣) الارشاد : ٢٠٥.


٣٨ ـ قال الطبرسى : لمّا بلغ الثعلبيّة ونزل ، أتاه خبر قتل مسلم بن عقيل ، وهانى بن عروة ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون رحمة الله عليهما ، يردّد ذلك مرارا وقيل له : ننشدك الله يا ابن رسول الله انصرف من مكانك هذا ، فانّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوّف أن يكونوا عليك ، فنظر الى بنى عقيل فقال : ما ترون؟ فقالوا : لا والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق ، فقال الحسين : لا خير فى العيش بعد هؤلاء.

ثمّ أخرج الى الناس كتابا فيه : أمّا بعد فقد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل ، وهانى بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف فى غير حرج ، فليس عليه زمام ، فتفرّق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا ، حتّى بقى فى أصحابه الّذين جاءوا معه ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنّما فعل ذلك لانّه علم أنّ الأعراب الّذين اتّبعوه يظنّون ، أنّه يأتى بلدا قد استقام عليه ، فكره أن يسيروا معه إلّا وهم يعلمون على ما يقدمون(١) .

٣٩ ـ قال الفتال : وقع الخبر عند الحسين ، بقتل مسلم بن عقيل وهانى ، فقال : انّا لله وانّا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما يردّد ذلك مرارا ، فقيل له ننشدك الله فى نفسك وأهل بيتك ؛ إلّا انصرفت من مكانك هذا ، فانّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوّف ، أن يكونوا عليك فنظر الى بنى عقيل ، وقال : ما ترون فقد قتل مسلم بن عقيل ، قالوا والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق فاقبل الحسينعليه‌السلام وقال لا خير فى العيش بعد هؤلاء.

فاذا كان السّحر ، فقال لفتيانه وغلمانه أكثروا من الماء ، فاستقوا وأكثروا ، ثمّ ارتحلوا ، فساروا حتّى انتهى الى زبالة ، فاتاه خبر عبد الله بن يقطر ، فاخرج الى

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٨.


الناس كتابا فقرأه عليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فقد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وخذلتنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج ليس عليكم ، ذمام فتفرّق النّاس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتّى بقى أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنمّا فعل ذلكعليه‌السلام ، لأنّه علم أنّ الاعراب الّذين اتّبعوه وهم يظنّون انّه يأتى بلدا قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه الّا وهم يعلمون على ما يقدمون(١) .

٤٠ ـ قال ابن طاوس : ثمّ سار الحسينعليه‌السلام حتّى بلغ زبالة ، فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل ، فعرف بذلك جماعة ممّن تبعه فتفرّق عنه أهل الأطماع والارتياب ، وبقى معه أهله وخيار الأصحاب.

قال الراوى : وارتجّ الموضع بالبكاء والعويل ، لقتل مسلم بن عقيل ، وسالت الدموع كلّ مسيل ، ثمّ انّ الحسينعليه‌السلام سار قاصدا لما دعاه الله إليه فلقيه الفرزدق الشاعر فسلم عليه وقال :

يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة ، وهم الّذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل ، وشيعته ، قال فاستعبر الحسينعليه‌السلام باكيا ثمّ قال رحم الله مسلما فلقد صار الى روح الله وريحانه وجنّته ورضوانه ، أمّا انّه قد قضى ما عليه وبقى ما علينا ثمّ أنشأ يقول :

فان تكن الدنيا تعدّ نفيسة

فانّ ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن الأبدان للموت أنشئت

فقتل امرئ بالسيف فى الله أفضل

وان تكن الازراق قسما مقدّرا

فقلّة حرص المرء فى السعى أجمل

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٥٣.


وان تكن الاموال للترك جمعها

فما بال متروك به المرء يبخل(١) .

٤١ ـ قال الدينورى : قالوا : لما رحل الحسين من زرود ، تلقاه رجل من بنى أسد ، فسأله عن الخبر ، فقال : لم أخرج من الكوفة حى قتل مسلم بن عقيل ، وهانى ابن عروة ، ورأيت الصبيان يجرّون بأرجلهما ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، عند الله نحتسب أنفسنا ، فقال له : أنشدك الله يا ابن رسول الله فى نفسك ، وأنفس أهل بيتك ، هؤلاء ، الذين نراهم معك ، انصرف الى موضعك ، ودع المسير الى الكوفة ، فو الله مالك بها ناصر ، فقال بنو عقيل ـ وكانوا معه ـ مالنا فى العيش بعد أخينا مسلم حاجة ، ولسنا براجعين حتّى نموت. فقال الحسين : فما خير فى العيش بعد هؤلاء وسار(٢) .

٤٢ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : عن أبى جناب الكلبى ، عن عديّ بن حرملة ، عن عبد الله بن سليم والمذرى بن المشمعل الاسديين ، قالا فنظر إلينا الحسين فقال : لا خير فى العيش بعد هؤلاء ؛ فعلمنا أنّه قد عزم له رأيه على المسير ؛ قالا : فقلنا : خار الله لك! قالا : فقال : رحمكما الله! قالا : فقال له بعض أصحابه : إنّك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع ، قال الاسديان : ثمّ انتظر حتّى اذا كان السحر قال لفتيانه وغلمانه ، أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا ، ارتحلوا وساروا حتّى انتهوا الى زبالة(٣)

__________________

(١) اللهوف : ٣٢.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٤٧.

(٣) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٨.


٩ ـ اخبارهعليه‌السلام عن شهادة عبد الله بن يقطر

٤٣ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى أبو على الانصارى ، عن بكر بن مصعب المزنى ، قال : كان الحسين لا يمرّ بأهل ما ، الا اتّبعوه حتّى اذا انتهى الى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرّضاعة عبد الله بن يقطر ، وكان سرّحه الى مسلم ابن عقيل من الطريق ، وهو لا يدرى أنّه قد أصيب ، فتلقّاه خيل الحصين بن تميم بالقادسيّة ، فسرّح به الى عبيد الله بن زياد ، فقال اصعد فوق القصر ، فالعن الكذّاب ابن الكذّاب ، ثمّ انزل حتّى أرى فيك رأيى!

قال : فصعد ، فلمّا أشرف على الناس ، قال : أيّها النّاس ، انّى رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة ، ابن سميّة الدعى. فأمر به عبيد الله فألقى من فوق القصر الى الأرض ، فكسرت عظامة ، وبقى به رمق ، فأتاه رجل يقال له : عبد الملك بن عمير اللخمى فذبحه ، فلمّا عيب ذلك عليه قال : إنما اردت أن أريحه(١) .

٤٤ ـ عنه قال هشام : حدّثنا أبو بكر بن عياش ، عمّن أخبره قال : والله ما هو عبد الملك بن عمير الذي قام إليه فذبحه ، ولكنّه قام إليه رجل جعد طوال ، يشبه عبد الملك بن عمير ، قال : فأتى ذلك الخبر حسينا وهو بزبالة ، فاخرج للناس كتابا فقرأ عليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم : أمّا بعد فانّه قد أتانا خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٨.


وهانى بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ، ليس عليه من ذمام.

قال : فتفرق الناس عنه تفرّقا ، فاخذوا يمينا وشمالا ، حتّى بقى فى أصحابه الّذين جاءوا معه من المدينة ، وإنمّا فعل ذلك لأنّه ظنّ إنمّا اتبعه الاعراب لأنّهم ظنّوا أنّه يأتى بلدا قد استقامت له طاعه أهله فكره أن يسيروا معه الّا وهم يعلمون على ما يقدمون ، وقد علم انّهم اذا بيّن لهم لم يصحبه إلّا من يريد مواساته والموت معه ، قال : فلمّا كان من السحر أمر فتياه فاسقوا الماء وأكثروا ، ثمّ صار حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل بها(١) .

١٠ ـ لقائهعليه‌السلام مع عمرو بن لوذان

٤٥ ـ قال المفيد : ثمّ سار حتّى مرّ ببطن العقبة ، فنزل عليها ، فلقيه شيخ من بنى عكرمة يقال له عمرو بن لوذان ، فسئله أين تريد ، فقال له الحسينعليه‌السلام الكوفة فقال الشيخ : انشدك لما انصرفت ، فو الله ما تقدم الّا على الأسنة وحدّ السيوف ، وانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال ، ووطئوا لك الاشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا.

فامّا على هذه الحال الّتي تذكر ، فانّى لا أرى لك أن تفعل ، فقال له يا عبد الله ليس يخفى علىّ الرّأى ، وإنّ الله تعالى لا يغلب على أمره ، ثمّ قالعليه‌السلام والله لا يدعونى حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى ، فاذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الامم(٢)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٨.

(٢) الارشاد : ٢٠٥ واعلام الورى : ٢٢٩.


٤٦ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : فحدّثنى لوذان أحد بنى عكرمة ، أنّ أحد عمومته سأل الحسينعليه‌السلام أين تريد؟ فحدّثه ، فقال له : إنّى أنشدك الله لمّا انصرفت فو الله لا تقدّم الا على الاسنّة وحدّ السيوف ، فانّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال ، ووطّئوا لك الأشياء ، فقدمت عليهم ، كان ذلك رأيا ، فأمّا على هذه الحال التي تذكرها فانّى لا أرى لك أن تفعل. قال : فقال له : يا عبد الله ، إنّه ليس يخفى علىّ الرأى ما رأيت ، ولكنّ الله لا يغلب على أمره ؛ ثمّ ارتحل منها(١)

١١ ـ لقائهعليه‌السلام مع رسول ابن الاشعث

٤٧ ـ قال الدينورى : فلمّا وافى زبالة وافاه بها رسول محمّد بن الاشعث ، وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره ، وخذلان أهل الكوفة إيّاه ، بعد أن بايعوه ، وقد كان مسلم سأل محمّد بن الاشعث ذلك ، فلمّا قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر ، وأفظعه قتل مسلم بن عقيل ، وهانى ابن عروة.

ثمّ أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الّذي وجّهه من بطن الرمّة ، وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق ، فلمّا سمعوا خبر مسلم ، وقد كانوا ظنّوا أنّه يقدم على أنصار ، وعضد تفرّقوا عنه ، ولم يبق معه الّا خاصّته(٢)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩٩.

(٢) الاخبار الطوال ٢٤٧.


١٢ ـ لقائهعليه‌السلام مع رجل من

بنى عكرمة

٤٨ ـ قال الدينورى : فسار حتّى انتهى الى بطن العقيق ، فلقيه رجل من بنى عكرمة ، فسلّم عليه ، وأخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية الى العذيب رصدا له ، ثمّ قال له : انصرف بنفسى أنت ، فو الله ما تسير الّا إلى الأسنّة والسيوف ، ولا تتكلنّ على الذين كتبوا لك ، فانّ أولئك أول الناس مبادرة الى حربك ، فقال له الحسين : قد ناصحت وبالغت ، فجزيت خيرا ، ثمّ سلّم عليه ، ومضى حتّى نزل بشراة وبات بها ، ثمّ ارتحل وسار(١) .

١٣ ـ كلامهعليه‌السلام مع بحير الاسدى

٤٩ ـ الحافظ ابن عساكر : أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندى ، أنبأنا أبو بكر بن الطبرى ، أنبأنا أبو الحسين ابن الفضل ، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يعقوب ، أنبأنا أبو بكر الحميدى ، حدّثنى سفيان ، حدّثنى رجل من بنى أسد ، يقال له : بحير ـ بعد الخمسين والمائة ـ وكان من أهل الثعلبيّة ولم يكن فى الطريق رجل أكبر منه ، فقلت له : مثل من كنت حين مرّ بكم حسين بن على؟ قال : غلام أيفعت قال : فقام إليه أخ لى كان أكبر منى يقال له زهير.

__________________

(١) الاخبار الطوال ٢٤٨


قال : أى ابن بنت رسول الله : انّى أراك فى قلّة من الناس ، فأشار الحسينعليه‌السلام بسوط فى يده هكذا فضرب حقيبة ، وراءه فقال ها إن هذه مملوءة كتبا. فكأنّه شد من منة أخى(١) ، قال سفيان : فقلت له : ابن كم أنت؟ قال : ابن ستّ عشرة ومائة ، قال سفيان ، وكنا استودعناه طعاما لنا ومتاعا ، فلمّا رجعنا طلبناه منه ، فقال : ان كان طعاما فلعلّ الحىّ قد أكلوه. فقلنا انّا لله ذهب طعامنا! فاذا هو يمزح معى فاخرج إلينا طعامنا ومتاعنا(٢) .

٥٠ ـ عنه أخبرنا عاليا أبو يعقوب الهمدانيّ ، أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدى بالله وأخبرناه أبو غالب ابن البناء ، أنبأنا أبو الغنائم ابن المأمون ، قالا : أنبأنا أبو القاسم ابن حبابة ، أنبأنا أبو القاسم البغوى ، أنبأنا يحيى بن الربيع ، أنبأنا سفيان قال : حدّثنى أعرابى ، يقال له بحير من أهل الثعلبية قال : قلت له : ابن كم أنت؟ قال : ابن ستّ عشرة ومائة سنة. قلت له : ابن كم كنت حين مرّ.

قال أبو غالب : حين قتل الحسين بن على؟ قال : غلام قد أيفعت ، قال وكان فى قلّة من النّاس ، وكان أخى أسنّ منّى فقال له أخى : يا ابن بنت رسول الله أراك فى قلّة من الناس ، فقال بالسوط وأشار به الى حقيبة الرحل : هذه خلفى مملوءة كتبا(٣)

١٤ ـ صوت الهاتف وعلى بن الحسين الاكبر

٥١ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا نزل الحسينعليه‌السلام بالخزيميّة ، قالت زينب يا

__________________

(١) كذا فى الاصل.

(٢) ترجمة الامام الحسين : ٢٠٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٢٠٩.


أخى سمعت فى ليلتى هاتفا يهتف :

ألا يا عين فاحتفلى بجهدي

ومن يبكى على الشهداء بعدى

إلى قوم تسوقهم المنايا

بمقدار إلى انجاز وعد

فلمّا وصل إلى الثعلبيّة جعل يقول : باتوا نياما والمنايا تسرى فقال علىّ بن الحسين الاكبر : ألسنا على الحقّ قال بلى قال : إذا والله ما نبالى(١) .

٥٢ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى : ثمّ سار حتّى نزل الثعلبية وقت الظهيرة ، فوضع رأسه فرقد ، ثمّ استيقظ فقال : قد رأيت هاتفا يقول : أنتم تسرعون ، والمنايا تسرع بكم ، إلى الجنّة ، فقال له : ابنه علىّ يا أبه فلسنا على الحقّ ، فقال بلى يا بنىّ ، والله الّذي إليه مرجع العباد فقال يا أبه إذن لا نبالى بالموت ، فقال الحسينعليه‌السلام جزاك الله يا بنىّ خير ما جزا ولدا عن والده(٢) .

٥٣ ـ قال أبو الفرج : قال أبو مخنف : فحدّثنى عبد الرحمن بن جندب ، عن عتبة بن سمعان الكلبى ، قال : لمّا ارتحلنا من قصر ابن مقاتل ، وسرنا ساعة خفق رأس الحسين خفقه ، ثمّ انتبه فأقبل يقول : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» و «الحمد لله ربّ العالمين» مرّتين ، فأقبل إليه علىّ بن الحسين وهو على فرس فقال له : يا أبت جعلت فداك ممّ استرجعت؟ وعلام حمدت الله؟

قال الحسين : يا بنىّ إنّه عرض لى فارس على فرس ، فقال : القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال : يا أبتاه لا أراك الله سوء أبدا ألسنا على الحقّ؟ قال : بلى والّذي يرجع إليه العباد ، فقال : يا أبت فاذا لا نبالى قال : جزاك الله خير ما جزى ولد عن والده(٣)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٣.

(٢) اللهوف : ٣٠.

(٣) مقاتل الطالبيين : ٧٤.


٥٤ ـ قال الشيخ المفيد : ثمّ أمر بالرحيل فارتحل ، من قصر بنى مقاتل ، فقال عقبة بن سليمان : فسرنا معه ساعة فخفق وهو على ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه وهو يقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين ، ففعل ذلك مرّتين أو ثلثا فاقبل ابنه علىّ بن الحسينعليهما‌السلام ، فقال : ممّ حمدت واسترجعت ، فقال يا بنىّ إنّى خفقت خفقة فعنّ لى فارس على فرس وهو يقول القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم.

فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال له يا أبت لا أراك الله سوءا ، ألسنا على الحقّ قال بلى والّذي إليه مرجع العباد ، قال : فانّنا اذا لا نبالى ، أن نموت ، محقّين ، فقال له الحسينعليه‌السلام جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده(١) .

٥٥ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى عبد الرحمن بن جندب ، عن عقبة ابن سمعان ، قال : لما كان فى آخر اللّيل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ، ثمّ أمرنا بالرحيل ، ففعلنا ، قال : فلمّا ارتحلنا من قصر بنى مقاتل ، وسرنا ساعة ، خفق الحسين برأسه خفقة ، ثمّ انتبه وهو يقول : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين ، قال : ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا.

قال : فأقبل إليه ابنه علىّ بن الحسين على فرس له ، فقال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين ، يا أبت ، جعلت فداك! ممّ حمدت الله واسترجعت؟ قال : يا بنىّ ، إنّى خفقت برأسى خفقة فعنّ لى فارس على فرس فقال : القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا.

قال له : يا أبت ، لا أراك الله سوءا ، ألسنا على الحقّ! قال : بلى والّذي إليه مرجع العباد ، قال : يا أبت ، إذا لا نبالى ، نموت محقّين : فقال له : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده(٢)

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٩.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٧.


١٥ ـ الحسينعليه‌السلام وأبو هرة الازدى

٥٦ ـ قال ابن طاوس : ثمّ باتعليه‌السلام فى الثعلبيّة فلمّا أصبح اذا برجل من الكوفة يكنى ، أبا هرة الأزدى ، قد أتاه فسلّم عليه ، ثمّ قال يا ابن رسول الله ما الّذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال الحسينعليه‌السلام ويحك يا أبا هرّة إنّ بنى أميّة أخذوا مالى ، فصبرت وشتموا عرضى ، فصبرت ، وطلبوا دمى ، فهربت وأيم الله لتقتلنى الفئة الباغية وليلبسنّهم الله ذلّا شاملا وسيفا قاطعا ، وليسلّطنّ الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت فى أموالهم ودمائهم(١) .

١٦ ـ الحسينعليه‌السلام وبشر بن غالب

٥٧ ـ قال الصدوق : فلمّا نزلوا ثعلبية ، ورد عليه رجل يقال له بشر بن غالب ، فقال يا ابن رسول الله أخبرنى عن قول اللهعزوجل :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه ، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها ، هؤلاء فى الجنّة وهؤلاء فى النار ، وهو قولهعزوجل ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) (٢)

__________________

(١) اللهوف : ٣٠.

(٢) أمالى الصدوق : ٩٣.


١٧ ـ الحسينعليه‌السلام وأبو هرم

٥٨ ـ قال الصدوق : ثمّ سار حتّى نزل الرميمة فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرم فقال يا ابن النبيّ ما الذي أخرجك من المدينة فقال ويحك يا ابا هرم شتموا عرضى فصبرت وطلبوا دمى فهربت ، وأيم الله ليقتلنّني ثمّ ليلبسنّهم الله ذلّا شاملا وسيفا قاطعا وليسلطنّ عليهم من يذلّهم(١) .

١٨ ـ الحسينعليه‌السلام وعبيد الله بن حر الجعفى

٥٩ ـ قال الصدوق : ثمّ سار الحسينعليه‌السلام حتّى نزل القطقطانية فنظر الى فسطاط مضروب ، فقال : لمن هذا الفسطاط؟ فقيل لعبيد الله بن الحرّ الجعفى فأرسل إليه الحسينعليه‌السلام فقال أيّها الرجل إنّك مذنب خاطىء إنّ اللهعزوجل أخذك بما أنت صانع ان لم تتب الى الله تبارك وتعالى فى ساعتك هذه فتنصرنى ويكون جدّى شفيعك بين يدى الله تبارك وتعالى :

فقال : يا ابن رسول الله والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك ، ولكن هذا فرسى خذه إليك فو الله ما ركبته قطّ وأنا أروم شيئا الّا بلغته ، ولا أرادنى أحد الّا نجوت عليه ، فدونك فخذه فاعرض عنه الحسينعليه‌السلام بوجهه ثمّ قال : لا حاجة

__________________

(١) أمالى الصدوق : ٩٣.


لنا فيك ولا فى فرسك ، وما كنت متخذ المضلّين عضدا ، ولكن فرّ فلا لنا ولا علينا ، فانّه من سمع واعيتنا أهل البيت ثمّ لم يجبنا كبّه الله. على وجهه فى نار جهنّم(١) .

٦٠ ـ قال المفيد : ثمّ مضى الحسينعليه‌السلام حتّى انتهى الى قصر بنى مقاتل ، فنزل به فاذا هو بفسطاط مضروب ، فقال : لمن هذا فقيل لعبيد الله بن الحرّ الجعفى ، قال ادعوه الىّ فلمّا أتاه الرسول قال له هذا الحسين بن علىعليهما‌السلام ، يدعوك فقال عبيد الله إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والله ما خرجت من الكوفة إلّا كراهية أن يدخلها الحسينعليه‌السلام وأنا بها ، والله ما أريد أن أراه ولا يرانى فأتاه الرّسول فأخبره.

فقام إليه الحسينعليه‌السلام فجاء حتّى دخل عليه وسلّم ، وجلس ثمّ دعاه إلى الخروج معه ، فادعا عليه عبيد الله بن الحرّ ، تلك المقالة واستقاله ممّا دعاه إليه ، فقال له الحسينعليه‌السلام : فان لم تكن تنصرنا فاتّق أن تكونا ممّن يقاتلنا ، فو الله لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا الّا هلك فقال أمّا هذا فلا يكون أبدا ان شاء الله تعالى(٢) .

٦١ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى المجالد بن سعيد ، عن عامر الشعبى أنّ الحسين بن علىعليهما‌السلام قال : لمن هذا الفسطاط فقيل : لعبيد الله ابن الحرّ الجعفى ، قال : ادعوه لى ، وبعث إليه ، فلمّا أتاه الرسول ، قال : هذا الحسين بن على يدعوك ، فقال عبيد الله بن الحرّ : إنّا لله وإنّا إليه راجعون! والله ما خرجت من الكوفة الّا كراهة أن يدخلها الحسين وأنابها ، والله ما اريد أن أراه ولا يرانى ، فأتاه الرسول فأخبره.

فأخذ الحسين نعليه فانتعل ، ثمّ قام فجاءه حتّى دخل عليه ، فسلّم وجلس ، ثمّ دعاه الى الخروج معه ، فأعاد إليه ابن الحرّ تلك المقالة ، فقال : فإلا تنصرنا فاتّق

__________________

(١) أمالى الصدوق : ٩٤.

(٢) الارشاد : ٢٠٨.


الله أن تكون ممّن يقاتلنا ، فو الله لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا الّا هلك ، قال : أمّا هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله ، ثمّ قام الحسينعليه‌السلام من عنده حتّى دخل رحله(١) .

٦٢ ـ قال الدينورى : ثمّ ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفة حتّى انتهى إلى قصر بنى مقاتل ، فنزلوا جميعا هناك؟ فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب ، فسأل عنه ، فأخبر أنّه لعبيد الله بن الحرّ الجعفى ، وكان من أشراف أهل الكوفة ، وفرسانهم ، فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه ، فأتاه الرسول ، فقال : هذا الحسين بن على يسألك أن تصير إليه ، فقال عبيد الله : والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته وخذلان شيعته ، فعلمت أنّه مقتول ولا أقدر على نصره ، فلست أحب أن يرانى ولا أراه.

فانتعل الحسين ، حتّى مشى ، ودخل عليه قبّته ، ودعاه إلى نصرته ، فقال عبيد الله : والله إنّى لأعلم أنّ من شايعك كان السعيد فى الآخرة ، ولكن ما عسى أن أغنى عنك ، ولم أخلّف لك بالكوفة ناصرا ، فأنشدك الله أن تحملنى على هذه الخطّة ، فانّ نفسى لم تسمح بعد بالموت ، ولكن فرسى هذه الملحقة ، والله ما طلبت عليها شيئا قطّ الا لحقته ، ولا طلبنى وأنا عليها أحد قطّ الّا سبقته ، فخذها ، فهى لك قال الحسين : أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا إلى فرسك(٢)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٧.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٥٠.


١٩ ـ الحسينعليه‌السلام والطرماح

٦٣ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى جميل بن مرثد ، من بنى معن ، عن الطرماح ابن عدىّ ، أنّه دنا من الحسين فقال له : والله انّى لا نظر فما أرى معك أحدا ، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الّذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم ، وقد رأيت قبل خروجى من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناى فى صعيد واحد جمعا أكثر منه ، فسألت عنهم ، فقيل : اجتمعوا ليعرضوا ، ثمّ يسرّحون إلى الحسين.

فأنشدك الله إن قدرت على ألّا تقدّم عليهم شبرا إلّا فعلت! فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك ، ويستبين لك ما أنت صانع ، فسر حتّى أنزلت مناع جبلنا الّذي يدعى أجأ ، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحمير ومن النعمان بن المنذر ، ومن الأسود والأحمر ، والله إن دخل علينا ذلّ قطّ ، فأسير معك حتّى أنزلك القرية.

ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأجأ وسلمى من طيّئ ، فو الله لا يأتى عليك عشرة أيّام حتّى تأتيك طيّئ رجالا وركبانا ، ثمّ أقم فينا ما بدا لك فان هاجك هيج فانا زعيم لك بعشرين ألف طائى يضربون بين يديك بأسيافهم ، والله لا يوصل إليك ومنهم عين تطرف ، فقال له : جزاك الله وقومك خيرا! إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف ، ولا ندرى علام تنصرف بنا وبهم ،


الامور فى عاقبه!(١) .

٦٤ ـ عنه قال أبو مخنف : فحدّثنى جميل بن مرثد ، قال : حدّثنى الطرماح ابن عدىّ ، قال : فودّعته وقلت له : دفع الله عنك شرّ الجنّ والانس ، انّى قد امترت لأهلى من الكوفة ميرة ، ومعى نفقة لهم ، فآتيهم فأضع ذلك فيهم ، ثمّ أقبل إليك إن شاء الله فإن ألحقك فو الله لأكوننّ من أنصارك ، قال : فان كنت فاعلا فعجّل رحمك الله.

قال : فعلمت أنّه مستوحش الى الرجال حتّى يسألنى التعجيل ، قال : فلمّا بلغت أهلى وضعت عندهم ما يصلحهم ، وأوصيت ، فأخذ أهلى يقولون : إنّك لتصنع مرّتك هذه شيئا ما كنت تصنعه قبل اليوم ، فأخبرتهم بما أريد ، وأقبلت فى طريق بنى ثعل حتّى إذا دنوت من عذيب الهجانات ، استقبلنى سماعة بن بدر ، فنعاه إلىّ فرجعت(٢) .

٢٠ ـ الحسينعليه‌السلام وعمرو المشرقى

٦٥ ـ الصدوق : حدّثنى الحسين بن أحمد قال : حدّثنى أبى ، عن محمّد بن أحمد ، عن محمّد بن إسماعيل ، عن علىّ بن الحكم ، عن أبيه ، عن أبى الجارود ، عن عمرو بن قيس المشرقى قال : دخلت على الحسينعليه‌السلام أنا وابن عمّ لى وهو فى قصر بنى مقاتل ، فسلّمنا عليه فقال له ابن عمّى : يا أبا عبد الله هذا الّذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: خضاب والشيب إلينا بنى هاشم يعجّل.

ثمّ أقبل علينا فقال : جئتما لنصرتى؟ فقلت : إنّى رجل كبير السنّ كثير الدين ،

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٦.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٦.


كثير العيال ، وفى يدى بضائع للناس ، ولا أرى ما يكون وأكره أن أضيّع أمانتى ، وقال له ابن عمّى مثل ذلك قال لنا : فانطلقا فلا تسمعا لى واعية ولا تريا لى سوادا ، فانّه من سمع واعيتنا أو أرى سوادنا فلم يجبنا ولم يغثنا كان حقا على اللهعزوجل أن يكبّه على منخريه فى النار(١) .

٣٧ ـ باب ما جرى لهعليه‌السلام مع الحر بن يزيد

١ ـ قال الصدوق : بلغ عبيد الله بن زياد لعنه الله الخبر وأنّ الحسينعليه‌السلام قد نزل الرهيمية فاسرى إليه الحرّ بن يزيد فى ألف فارس ، قال الحرّ فلمّا خرجت من منزلى متوجّها نحو الحسينعليه‌السلام نوديت ثلاثا : يا حرّ ابشر بالجنّة ، فالتفت فلم أر أحدا فقلت : ثكلت الحر أمّه يخرج إلى قتال ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويبشر بالجنّة فرهقه عند صلاة الظهر فأمر الحسينعليه‌السلام ابنه فأذّن وأقام وقام الحسينعليه‌السلام فصلّى بالفريقين جميعا.

فلمّا سلم وثب الحرّ بن يزيد ، فقال السلام عليك يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال الحسينعليه‌السلام : وعليك السلام ، من أنت يا عبد الله ، فقال أنا الحرّ ابن يزيد فقال يا حر أعلينا أم لنا ، فقال الحرّ والله يا ابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن أحشر من قبرى وناصيتى مشدودة إلى رجلى ويدى مغلولة إلى عنقى ، وأكب على وجهى فى النار.

يا ابن رسول الله أين تذهب ارجع إلى حرم جدّك ، فانّك مقتول ، فقال الحسينعليه‌السلام :

__________________

(١) عقاب الاعمال : ٣٠٨.


سأمضى فما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبورا وخالف مجرما

فان مت لم أندم وإن عشت لم ألم

كفى بك ذلا أن تموت وترغما(١)

٢ ـ قال المفيد : ثمّ سارعليه‌السلام من بطن العقبة حتّى نزل شراف ، فلمّا كان فى السّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فاكثروا ، ثمّ سار منها حتّى انتصف النّهار ، فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه فقال له الحسينعليه‌السلام : الله أكبر لم كبّرت ، قال رأيت النخل فقال له جماعة من أصحابه : والله ان هذا لمكان ما رأينا به نخلة قطّ فقال له الحسينعليه‌السلام فما ترونه قالوا نراه والله آذان الخيل ، قال : والله أرى ذلك.

ثمّ قالعليه‌السلام ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله فى ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد ، فقلنا له بلى ذو حسم الى جنبك تميل إليه عن يسارك فان سبقت إليه فهو كما تريد ، فاخذ إليه ذات اليسار وصلنا معه فما كان بأسرع من ان طلعت علينا هوادى الخيل فتبيّناها وعدلنا ، فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا ، كان أسنّتهم اليعاسيب وكأنّ راياتهم أجنحة الطير فاستبقنا إلى ذى حسم فسبقناهم إليه.

أمر الحسينعليه‌السلام بأبنيته فضربت وجاء القوم زهاء الف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمى حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسينعليه‌السلام فى حرّ الظهيرة ، والحسينعليه‌السلام وأصحابه معتمون متقلّدون أسيافهم ، فقال الحسينعليه‌السلام لفتيانهم اسقوا القوم ، وارو وهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفا ، ففعلوا وأقبلوا يملئون القصاع والطساس من الماء ، ثمّ يدنونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه وسقوا آخر حتّى سقوها كلّها.

__________________

(١) أمالى الصدوق : ٩٣.


فقال علىّ بن الطعان المحاربى : كنت مع الحرّ يومئذ فجئت فى آخر من جاء من أصحابه ، فلمّا رأى الحسينعليه‌السلام ما بي وفرسى من العطش ، قال : أنخ الراوية والراوية عندى السقاء ، ثمّ قال يا ابن الأخ انخ الجمل فأنخته فقال : اشرب ، فجعلت كلّما شربت ، سال الماء من السقاء ، فقال الحسينعليه‌السلام أخنث السقاء فلم أدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسى وكان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية.

كان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره ان ينزل القادسية وتقدّم الحرّ بين يديه فى ألف فارس يستقبل بهم حسينا فلم يزل الحرّ موافقا للحسينعليه‌السلام حتّى حضرت صلاة الظهر وأمر الحسينعليه‌السلام الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن ، فلمّا حضرت الاقامة خرج الحسينعليه‌السلام فى إزار ورداء ، ونعلين فحمد الله وأثنى عليه.

ثمّ قال : أيّها الناس : إنّى لم آتكم حتّى اتتنى كتبكم وقدمت علىّ رسلكم أن أقدم علينا فانّه ليس لنا امام لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ، والحقّ ، فان كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطونى ما اطمئنّ إليه من عهودكم ، ومواثيقكم وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومى كارهين ، انصرفت عنكم الى المكان الّذي جئت منه إليكم ، فسكتوا عنه ، ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة ، فقال للمؤذن أقم وأقام الصلاة.

فقال للحرّ أتريد أن تصلّى بأصحابك ، قال لا بل تصلّى أنت ونصلّى بصلاتك فصلّى بهم الحسينعليه‌السلام ، ثمّ دخل فاجتمع إليه أصحابه وانصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان فيه ، فدخل خيمة قد ضربت له واجتمع إليه جماعة من أصحابه ، ودعا الباقون الى صفهم الّذي كانوا فيه فأعادوه ثمّ أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس فى ظلّها ، فلمّا كان وقت العصر أمر الحسينعليه‌السلام أن يتهيّئوا للرحيل ، ففعلوا ، ثمّ أمر مناديه ، فنادى بالعصر وأقام ، فاستقدم الحسينعليه‌السلام وقام فصلّى ، ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال.

أمّا بعد أيّها الناس فانّكم إن تتّقوا الله ، وتعرفوا الحق لأهله ، تكن أرضى لله


عنكم ونحن أهل بيت محمّد وأولى بولاية هذا الامر عليكم من هذه المدّعين ، ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أبيتم الّا كراهية لنا والجهل بحقّنا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتنى به كتبكم وقدمت به علىّ رسلكم ، انصرفت عنكم ، فقال له الحرّ : أنا والله ما أدرى ما هذه الكتب والرسل الّتي تذكر.

فقال الحسينعليه‌السلام لبعض أصحابه يا عقبة بن سمعان اخرج الخرجين الّذين فيهما كتبهم ، إلىّ فاخرج خرجين مملوّين صحفا فنشرت بين يديه ، فقال له الحرّ انّا لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا اذا نحن لقيناك ألّا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله فقال له الحسينعليه‌السلام : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثمّ قال لأصحابه قوموا فاركبوا فركبوا وانتظروا حتّى ركب نسائهم.

فقال لأصحابه انصرفوا ، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف ، فقال الحسينعليه‌السلام للحرّ ثكلتك امّك ما تريد؟ قال له الحرّ أما لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ما تركت ذكر امّه بالثكل كائنا من كان ، ولكن والله ما لي الى ذكر امّك من سبيل الّا بأحسن ما نقدر عليه فقال له الحسينعليه‌السلام فما تريد قال : أريد أن انطلق بك الى الامير عبيد الله.

قال اذا والله لا أتّبعك قال إذا والله لا أدعك فترادّا القول ثلث مرّات فلما كثر الكلام بينهما قال له الحرّ إنّى لم أومر بقتالك إنّما أمرت الّا افارقك حتّى اقدمك الكوفة فاذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا تردّك الى المدينة ، تكون بينى وبينك نصفا حتّى اكتب الى الامير عبيد الله فلعلّ الله أن يأتى بأمر يرزقنى فيه العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك فخذ هاهنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية.

فسار الحسينعليه‌السلام وسار الحرّ فى أصحابه يسايره وهو يقول له يا حسين انّى اذكرك الله فى نفسك ، فإنّى أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ ، فقال الحسينعليه‌السلام أفبالموت تخوّفنى وهل يعدو بكم الخطب ، أن تقتلوننى وسأقول كما قال أخو الأوس لابن


عمّه وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخوّفه ابن عمّه وقال اين تذهب فانّك مقتول فقال :

سأمضى وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصّالحين بنفسه

وفارق مثبورا وخالف مجرما

فان عشت لم اندم وإن مت لم ألم

كفى بك ذلّا أن تعيش وترغما

فلمّا سمع ذلك الحرّ تنحّى عنه وكان يسير بأصحابه ناحية والحسينعليه‌السلام فى ناحية أخرى حتّى انتهوا الى عذيب الهجانات(١) .

٣ ـ قال الطبرسى : ثمّ سار حتّى انتصف النهار فبينا هو يسير كبّر رجل من أصحابهعليه‌السلام ، فقال : لم كبّرت فقال : رأيت النخل ، فقال له جماعة من أصحابه : والله انّ هذا المكان ما رأينا به نخل ، قطّ قال : فما ترونه؟ قالوا : نراه والله آذان الخيل ، قال : أنا والله أرى ذلك ، فما كان بأسرع حتّى طلعت هوادى الخيل ، مع الحرّ بن يزيد التميمى ، فجاء حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسينعليه‌السلام فى حرّ الظهيرة وكان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية.

فقدم الحصين بن نمير فى ألف فارس ، فحضرت صلاة الظهر فصلّى الحسينعليه‌السلام وصلّى الحرّ خلفه ، فلمّا سلّم انصرف الى القوم وحمد الله وأثنى عليه وقال : أيّها الناس إنّكم ان تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله تكن أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين بكم بالجور والعدوان ، فان أبيتم الّا الكرامة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم غير ما أتتنى به كتبكم ، وقدمت علىّ به رسلكم ، أنصرف عنكم.

قالوا انّا والله لا ندرى ما هذه الكتب الّتي تذكر ، فقال الحسينعليه‌السلام : لبعض

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٦.


أصحابه يا عقبة بن سمعان اخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم الىّ ، فاخرج خرجين مملوّين ، كتبا فنشرت بين يديه فقال له الحرّ : لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك وقد أمرنا اذا لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدم بك الكوفة على عبيد الله بن زياد.

فقال له الحسينعليه‌السلام : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثمّ قال لأصحابه قوموا فاركبوا ، فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم ، وبين الانصراف فقال الحسينعليه‌السلام للحرّ : ثكلتك امّك يا ابن يزيد ، قال الحرّ : أمّا لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ما تركت ذكر امّه بالثكل ولكن والله ما لي الى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما نقدر عليه.

فقال الحسينعليه‌السلام : فما تريد؟ قال : أريد أن أنطلق بك الى الأمير عبيد الله ، قال : إذا والله ما اتّبعك قال : إذا والله لا أدعك وترادّا القول ، فلمّا كثر الكلام بينهما قال الحرّ : إنّى لم أومر بقتالك ، إنّما امرت أن لا افارقك حتّى أقدم بك الكوفة فتياسر هاهنا عن طريق العذيب والقادسيّة حتّى أكتب الى الامير ويكتب إلىّ الامير لعلّ الله أن يأتينى بأمر يرزقنى فيه العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك.

فسار الحسينعليه‌السلام وسار الحرّ فى أصحابه يسايره ، وهو يقول له : إنّى اذكرك فى نفسك فانّى أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ فقال الحسينعليه‌السلام : أفبالموت تخوّفنى؟ وسأقول ما قال أخو الاوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فخوّفه ابن عمّه فقال : إنّك مقتول فقال :

سأمضى وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

وآسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبورا وودّع مجرما

فلمّا سمع ذلك الحرّ تنحّى عنه ، قال عقبة بن سمعان ، فسرنا معه ساعة فخفقعليه‌السلام هو على ظهر فرسه خفقة ، ثمّ انتبه وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمد لله ربّ العالمين ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثا فأقبل إليه علىّ بن الحسينعليهما‌السلام


على فرس فقال يا أبه فيم حمدت الله واسترجعت؟ فقال : يا بنىّ انّى خفقت خفقة فعنّ لى فارس على فرس ، وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم ، فعملت أنّها أنفسنا نعيت إلينا.

فقال له : يا أبه لا أراك الله سوءا ألسنا على الحقّ؟ قال : بلى والّذي إليه مرجع العباد ، قال : فانّنا إذن لا نبالى أن نموت محقّين ، فقال له الحسينعليه‌السلام : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة ، ثمّ عجّل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم ، فيأتيه الحرّ بن يزيد فيردّه وأصحابه فجعل اذا ردّهم نحو الكوفة امتنعوا عليه فلم يزالوا يسايرون كذلك حتّى انتهوا الى نينوى بالمكان الّذي نزل به الحسين.

فاذا راكب على نجيب له فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ ولم يسلّم على الحسينعليه‌السلام وأصحابه ودفع الى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد ، فاذا فيه : أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابى ، ولا تنزله الّا بالعراء فى غير خضر ولا ماء وقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتينى بانفاذك أمرى والسلام فأخذهم الحرّ بالنزول فى ذلك المكان على غير ماء ولا قرية.

فقال له الحسين : دعنا ويحك أنزل فى هذه القرية ، يعنى نينوى ، أو هذه ، يعنى الغاضرية ـ قال : لا والله لا أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث عينا علىّ فقال زهير ابن القين : إنّى والله ما أراه يكون بعد هذا الّذي ترون الّا أشدّ ما ترون يا ابن رسول الله انّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمرى ليأتينا بعدهم من لا قبل لنا به ، فقال الحسينعليه‌السلام : ما كنت لابدأهم بالقتال.(١)

٤ ـ قال الفتال : بعث ابن زياد الحرّ بن يزيد فى ألف فارس الى الحسين عليه

__________________

(١) اعلام الورى : ٢٢٩.


السلام ، فجاء حتّى وقفوا مقابل الحسينعليه‌السلام فى جوّ الظهيرة ، فقال : اسقوهم وآووهم ، وصلّى بهم الحسين الظهر والعصر ، ثمّ توجّه إليهم فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله واخبرهم بمقالة الكوفيّين ورسالاتهم ، وقال : أنا أولى بهذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، فقال الحرّ لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك وأمرنا إذا لقينا أن لا نفارقك ، حتّى نقدّمك الكوفة.

فقال له الحسينعليه‌السلام : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثمّ قال لاصحابه : قوموا فاركبوا فركبوا وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم ، فقال لأصحابه : انصرفوا فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف ، فقال الحسينعليه‌السلام فما تريد؟ قال أريد أن أنطلق الى الامير عبيد الله بن زياد ، قال اذا والله لا نتبعك فترادّا القول ثلث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّانى لم أومر بقتالك إنّما أمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة فاذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردّك الى المدينة ، يكون بينى وبينك نصفا حتّى اكتب الى الامير.

فلعلّ الله أن يأتينى بأمر رزقنى فيه العافية من أن ابتلى بشيء من أمرك فخذ هاهنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وسار الحسينعليه‌السلام وسار الحرّ فى أصحابه يسايره ويقول يا حسين أنى أذكرك الله فى نفسك ، فانّى أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ فقال له الحسينعليه‌السلام أفبالموت تخوّفنى وهل يعدوا بكم الخطب أن يقتلونى وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخوفه ابن عمّه ، وقال اين تذهب فانّك مقتول ، فقال :

سأمضى وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبورا وودّع مجرما

فان مت لم أندم وإن عشت لم الم

كفى بك ذلّا ان تعيش وترغما

فلمّا سمع ذلك الحرّ تنحّى عنه ، فكان يسير بأصحابه ناحية والحسينعليه‌السلام فى


ناحية أخرى حتّى انتهوا الى عذيب الهجانات.

فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة ثمّ عجّل الركوب ، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم فيأتيه الحرّ بن يزيد ، فيردّه وأصحابه ، فجعل اذا ردّهم نحو الكوفة امتنعوا عليه فلم يزالوا يسايرون كذلك حتّى انتهوا الى نينوى بالمكان الّذي نزل به الحسين ، فاذا راكب على نجيب له ، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ ولم يسلّم على الحسينعليه‌السلام ، وأصحابه ، ودفع الى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد ، فاذا فيه :

أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابى ولا تنزله الّا بالعراء فى غير خضر ولا ماء وقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتينى بإنفاذك أمرى والسلام ، فأخذهم الحرّ بالنزول فى ذلك المكان على غير ماء ولا قرية ، فقال له الحسين ، دعنا ويحك أنزل فى هذه القرية ـ يعنى نينوى أو هذه ـ يعنى الغاضرية ـ

قال : لا والله لا أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث عينا علىّ فقال زهير بن القين : انّى والله ما أراه يكون بعد هذا الذي ترون الّا أشدّ ما ترون يا ابن رسول الله انّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمرى ليأتينا بعدهم من لا قبل لنا به ، فقال الحسينعليه‌السلام : ما كنت لأبدأهم بالقتال(١) .

٥ ـ قال ابن شهرآشوب : فلمّا نزل على شراف قال ، رأيت النخيل ، فقال رجلان أسديان كانا معه هذا مكان ما رأينا نخلا قطّ ، قال الحسين فما تريانه ، فقالا لا نراه والله الا هوادى الخيل ، فقال أنا والله أرى ذلك وأمر أصحابه أن يستبقوا اذاهم بالحرّ الرياحى ، فى ألف رجل ، فقام الحسين وصلّى بأصحابه وصلّى الحرّ معه فلمّا سلّم قال أيّها الناس معذرة الى الله وإليكم إنّى لم آتكم حتّى اتتنى كتبكم ، وقدمت علىّ رسلكم فى كلام له حتّى قال فان تعطونى ما اطمانّ عليه من عهودكم

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٥٣.


أقدم مصركم ، وان كنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم.

فقال الحرّانا والله ما ندرى ما هذه الكتب والرسل التي تذكر فدعا الحسينعليه‌السلام بخرجين مملوين كتبا فنثرها ، فقال الحرّ لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك إنمّا أمرنا اذا لقيناك لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة ، على عبيد الله بن زياد ، فقال الحسين الموت أدنى إليك من ذلك فلمّا انتهى الى نينوى كتب ابن زياد الى الحرّ أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابى ، ولا تنزله الّا بالعراء غير حصن على غير ماء وقد أمرت رسولى أن لا يفارقك حتّى يأتينى بانفاذك أمرى.

فأمر الحسينعليه‌السلام أن يشدّوا الرحال فجعلوا يلازمونه فطال بينهما المقال ، فقال الحرّ خذ على غير الطريق ، فو الله لئن قاتلت لتقتلنّ ، فقال الحسين بالموت تخوّفنى وتمثل بقول أخى أوس : سأمضى وما بالموت عار على الفتى الابيات» فاستدلّ على غير الجادّة فقال الطرماح بن عدى الطائى أنا المدل وجعل يرتجز :

يا ناقتى لا تجزعى من زجرى

وامض بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر

آل رسول الله أهل الخير

السادة البيض الوجوه الزهر

الطاعنين بالرماح السمر

الضاربين بالسيوف البتر

فلمّا أصبح بعذيب الحجانات رأى الحرّ فى عسكره يتّبعه ، فسأله عن الحالة فقال هدّدنى الأمير فى شأنك ، فقال دعنا فى نينوى والغاضرية ، فقال لا والله وعلى عينه ، فقال زهير بن القين البجلى ائذن لنا بقتالهم ، فقال هؤلاء اليوم أسهل من قتال من يجيء بعدهم ، فقال لا أبتدئ فساقوا الى قرية «عقر» فسأل عنها فقال هى العقر فقال : إنّى أعوذ بك من العقر(١)

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٣.


٦ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى وسار الحسينعليه‌السلام حتّى صاره مرحلتين من الكوفة فاذا بالحرّ بن يزيد فى ألف فارس فقال له الحسينعليه‌السلام ألنا أم علينا فقال : بل عليك يا أبا عبد الله ، فقال لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم ، ثمّ تردّد الكلام بينهما حتّى قال الحسينعليه‌السلام فاذا كنتم على خلاف ما اتتنى به كتبكم ، وقدمت به علىّ رسلكم فانّنى أرجع الى الموضع الذي أتيت منه فمنعه الحرّ وأصحابه من ذلك.

قال بل خذ يا ابن رسول الله طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يوصلك الى المدينة لاعتذر انا الى ابن زياد ، بانك خالفتنى فى الطريق ، فتياسر الحسينعليه‌السلام حتّى وصل الى عذيب الهجانات ، قال فورد كتاب عبيد الله بن زياد لعنه الله الى الحرّ يلومه فى أمر الحسينعليه‌السلام ويأمره بالتضييق عليه ، فعرض له الحرّ وأصحابه ومنعوه من السير ، فقال له الحسين ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق فقال له الحرّ بلى ولكن كتاب الامير عبيد الله قد وصل يأمرنى فيه بالتضييق وقد جعل علىّ عينا يطالبنى بذلك ، قال الراوى ، فقام الحسينعليه‌السلام خطيبا فى أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه فصلّى عليه ، ثمّ قال : انه قد نزل بنا من الامر ما قد ترون ، وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرت حذاء ، ولم تبق منها إلّا صبابة كصبابة الاناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل.

ألا ترون الى الحقّ لا يعمل به ، والى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن فى لقاء ربّه ، محقّا ، فانّى لا أرى الموت الّا سعادة ، والحياة مع الظالمين الّا برما.

فقام زهير بن القين ، وقال : قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله ، مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مخلّدين لأثرنا النهوض معك على الاقامة.

قال الراوى وقام هلال بن نافع البجلى ، فقال والله ما كرهنا لقاء ربّنا وإنّا على نياتنا ، وبصائرنا نوالى من والاك ونعادى من عاداك ، قال وقام برير بن


خضير فقال والله يا ابن رسول الله لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك وتقطع فيك أعضائنا ، ثمّ يكون جدك شفيعنا يوم القيامة(١) .

٧ ـ قال أبو الفرج : ومضى حتّى دنا من الحرّ بن يزيد ، فلمّا عاين أصحابه العسكر من بعيد ، كبروا ، فقال لهم الحسين : ما هذا التكبير قالوا : رأينا النخل ، فقال بعض أصحابه : ما بهذا الموضع والله نخل ولا أحسبكم ترون الّا هوادى الخيل وأطراف الرماح ، فقال الحسين وأنا والله أرى ذلك ، فمضوا لوجوههم ولحقهم الحرّ ابن يزيد فى أصحابه ، فقال للحسين : إنّى أمرت ان انزلك فى أى موضع لقيتك واجعجع بك ولا اتركك أن تزول من مكانك.

قال : اذا اقاتلك فاحذر أن تشقى بقتلى ثكلتك امك ، فقال : أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ، ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله ، كائنا من كان ولكن والله ما لي الى ذكر امّك من سبيل الّا بأحسن ما يقدر عليه ، وأقبل يسير والحرّ سايره ويمنعه من الرجوع من حيث جاء ، ويمنع الحسين من دخول الكوفة حتّى نزل بأقساس مالك وكتب الحرّ إلى عبيد الله يعلمه ذلك(٢) .

٨ ـ قال الدينورى : وأقبلت الخيل ، وكانوا ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمى ، ثمّ اليربوعى ، حتّى اذا دنوا ، أمر الحسينعليه‌السلام فتيانه أن يستقبلوهم بالماء فشربوا وتغمّرت خيلهم ، ثمّ جلسوا جميعا فى ظلّ خيولهم وأعنتها فى أيديهم حتّى اذا حضرت الظهر قال الحسينعليه‌السلام للحرّ : أتصلّي معنا أم تصلّى بأصحابك وأصلّي بأصحابى؟ قال الحرّ : بل نصلّى جميعا بصلاتك ، فتقدّم الحسينعليه‌السلام فصلّى بهم جميعا فلمّا انفعل من صلاته حوّل وجهه إلى القوم ثمّ قال :

أيّها الناس معذرة الى الله ، ثمّ إليكم إنّى لم آتكم حتّى أتتنى كتبكم ، وقدمت

__________________

(١) اللهوف : ٣٣.

(٢) مقاتل الطالبيين : ٧٣.


علىّ رسلكم ، فان أعطيتمونى ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم ، دخلنا معكم مصركم ، وإن تكن الاخرى انصرفت من حيث جئت ، فأسكت القوم فلم يردّوا عليه ، حتّى اذا جاء وقت العصر نادى مؤذّن الحسين ثمّ أقام وتقدّم الحسينعليه‌السلام فصلّى بالفريقين ، ثمّ انفتل إليهم فأعاد مثل القول الاوّل فقال الحرّ بن يزيد : والله ما ندرى ما هذه الكتب التي تذكر.

فقال الحسينعليه‌السلام : ائتنى بالخرجين اللّذين فيها كتبهم فأتى بخرجين مملؤين كتبا فنثرت بين يدى الحرّ وأصحابه ، فقال له الحرّ يا هذا لسنا ممّن كتب إليك شيئا من هذه الكتب ، وقد أمرنا ألّا نفارقك إذا لقيناك أو تقدم بالكوفة ، على الأمير عبيد الله بن زياد.

فقال الحسينعليه‌السلام : الموت دون ذلك ثمّ أمر بأثقاله فحملت ، وأمر أصحابه ، فركبوا ، ثمّ ولّى وجهه منصرفا نحو الحجاز فحال القوم بينه وبين ذلك ، فقال الحسين للحرّ : ما الّذي تريد؟ قال أريد والله أن انطلق بك الى الامير عبيد الله بن زياد ، قال الحسين : اذن والله أنابذك الحرب ، فلمّا كثر الجدال بينهما قال الحرّ : انّى لم أومر بقتالك.

وإنمّا امرت ألّا افارقك وقد رأيت رأيا فيه السلامة من حربك وهو أن تجعل بينى وبينك طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردّك الى الحجاز ، تكون نصفا بينى وبينك حتّى يأتينا رأى الامير ، قال الحسين : فخذها هنا فاخذ متياسرا من طريق العذيب ومن ذلك المكان الى العذيب ثمانية وثلاثون ميلا. فسارا جميعا حتّى انتهوا الى عذيب الهجانات فنزلوا جميعا وكل فريق منهما على غلوة من الآخر(١) .

٩ ـ قال المسعودى : فلمّا بلغ الحسين القادسية لقيه الحرّ بن يزيد التميمى ، فقال

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٤٩.


له : أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال : أريد هذا المصر فعرّفه بقتل مسلم ، وما كان من خبره ، ثمّ قال : ارجع فانّى لم أدع خلفى خيرا أرجوه لك فهمّ بالرجوع ، فقال له اخوة مسلم : والله لا نرجع حتّى نصيب ثارنا أو نقتل كلّنا ، فقال الحسين : لا خير فى الحياة بعدكم(١) .

١٠ ـ قال الطبرى : حدّثت عن هشام ، عن أبى مخنف ، قال : حدّثنى أبو جناب ، عن عدىّ بن حرملة ، عن عبد الله بن سليم ، والمذرى بن المشمعل الأسديين ، قالا : أقبل الحسينعليه‌السلام حتّى نزل شراف فلمّا كان فى السحر أمر فتيانه ، فاستقوا من الماء ، فاكثروا ، ثمّ ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتّى انتصف النهار ، ثمّ انّ رجلا قال : الله أكبر! فقال الحسين : الله أكبر ما كبّرت قال : رأيت النخل ، فقال له الاسديان : إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قطّ قالا : فقال لنا الحسين فما تريانه قلنا : نراه هوادى الخيل فقال : وأنا والله رأى ذلك.

فقال الحسين : أما لنا ملجأ نلجأ إليه ، نجعله فى ظهورنا ، ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا له : بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فان سبقت القوم إليه فهو كما تريد ، قالا فأخذ إليه ذات اليسار ، قالا : وصلنا معه ، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادى الخيل ، فتبيّناها وعدنا ، فلمّا رأونا وقد عدلنا عن الطريق ، عدلوا إلينا كأن أسنّتهم اليعاسيب وكأنّ راياتهم أجنحته الطير قال : فاستبقنا الى ذى حسم ، فسبقناهم إليه.

فنزل الحسين فأمر بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمى اليربوعى ، حتى وقف هو وخيله ، مقابل الحسين فى حرّ الظهيرة والحسين وأصحابه معتمّون متقلّد وأسيافهم ، فقال الحسين لفتيانه : اسقوا القوم ،

__________________

(١) مروج الذهب : ٣ / ٧٠.


وأرووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفا فقام فتيانه فرشفوا الخيل ترشيفا فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتّى أرووهم وأقبلوا يملئون القصاع ، والاتوار ، والطساس من الماء ، ثمّ يدنونها من الفرس فاذا عبّ فيه ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه ، وسقوا آخر حتّى سقوا الخيل كلّها(١) .

١١ ـ عنه قال هشام : حدّثنى لقيط ، عن علىّ بن الطعان المحاربى ، قال كنت مع الحرّ بن يزيد ، فجئت فى آخر من جاء من أصحابه فلمّا رأى الحسين ما بي وبفرسى من العطش ، قال : أنخ الراوية ـ والراوية عندى السقاء ـ ثمّ قال : يا ابن أخ أنخ الجمل فأنخته ، فقال : اشرب فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء ، فقال الحسين : اخنث السقاء ـ اى أعطفه ـ قال : فجعلت لا أدرى كيف افعل؟ قال : فقام الحسين فخنثه فشربت وسقيت فرسى.

قال : وكان مجيء الحرّ بن يزيد ومسيره الى الحسين من القادسيّة وذلك ، أنّ عبيد الله بن زياد لمّا بلغه اقبال الحسين بعث الحصين بن تميم التميمى ـ وكان على شرطه ـ فأمره أن ينزل القادسية وأن يصنع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفّان ، وقدم الحرّ بن يزيد بين يديه فى هذه الالف من القادسيّة فيستقبل حسينا ، قال : فلم يزل موافقا حسينا حتّى حضرت الصلاة صلاة الظهر.

فأمر الحسين الحجّاج بن مسروق الجعفى ، أن يؤذّن ، فأذّن ، فلمّا حضرت الاقامة خرج الحسين فى ازار ورداء ، ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس انها معذرة الى اللهعزوجل وإليكم انّى لم آتكم حتّى أتتنى كتبكم وقدمت علىّ رسلكم ، أن أقدم علينا فانّه ليس لنا امام لعلّ الله يجمعنا بك على الهدى ، فان كنتم على ذلك فقد جئتكم ، وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم الى

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٠.


المكان الذي أقبلت منه إليكم ، قال : فسكتوا عنه وقالوا للمؤذّن : أقم فأقام الصلاة.

فقال الحسينعليه‌السلام للحرّ أتريد أن تصلّى بأصحابك؟ قال : لا بل تصلّى أنت ونصلّى بصلاتك ، قال : فصلّى بهم الحسين ، ثمّ انه دخل واجتمع إليه أصحابه ، وانصرف الحرّ الى مكانه الّذي كانوا فيه ، فأعادوه ، ثمّ أخذ كلّ رجل منهم ، بعنان دابّته وجلس فى ظلّها فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين أن يتهيئوا للرحيل.

ثمّ انّه خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين فصلّى بالقوم ثمّ سلّم ، وانصرف الى القوم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد أيّها النّاس فانّكم ان تتقوا وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الامر عليكم ، من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وان كنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا ، وكان رأيكم غير ما أتتنى كتبكم ، وقدمت به علىّ رسلكم انصرفت عنكم ، فقال له الحرّ بن يزيد ، انّا والله ما ندرى ما هذه الكتب التي تذكر.

فقال الحسين : يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم الىّ فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم ، فقال الحرّ : فانا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألّا نفارقك حتّى نقدمك على عبيد الله بن زياد ، فقال له الحسين : الموت أدنى إليك من ذلك ، ثمّ قال لأصحابه : قوموا فاركبوا وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم فقال لأصحابه : انصرفوا بنا فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف.

فقال الحسين للحرّ : ثكلتك امّك ما تريد؟ قال : أما والله لو غيرك من العرب يقولها لى وهو على مثل الحال الّتي أنت عليها ، ما ترك ذكر أمّه بالثكل ، أن أقوله كائنا من كان ، ولكن والله ما لي فى ذكر امّك من سبيل الّا بأحسن ما يقدر عليه ، فقال له الحسين فما تريد؟ قال الحرّ : أريد والله أن أنطلق بك الى عبيد الله بن زياد


قال له الحسين اذن والله لا أتّبعك ، فقال له الحرّ : اذن والله لا أدعك فترادّا القول ثلاث مرّات.

ولمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ : إنّى لم أو مر بقتالك وإنمّا أمرت ألّا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة فاذا أبيت فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة ، تكون بينى وبينك ، نصفا حتّى أكتب الى ابن زياد ، وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية أردت أن تكتب إليه أو الى عبيد الله بن زياد إن شئت فلعلّ الله إلى ذلك أن يأتى بأمر يرزقنى فيه العافية ، من أن ابتلى بشيء من أمرك ، قال : فخذها هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسيّة ، وبينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلا ، ثمّ انّ الحسين سار فى أصحابه والحرّ يسايره(١) .

١٢ ـ عنه قال أبو مخنف : عن عقبة بن أبى العيزار ، انّ الحسين خطب أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها النّاس انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من رأى سلطانا جائرا مستحلّا لحرم الله ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل فى عباد الله بالاثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقّا على الله أن يدخله مدخله.

ألا وان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفىء وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غيّر قد أتتنى كتبكم وقدمت علىّ رسلكم ببيعتكم ، أنّكم لا تسلمونى ولا تخذلونى ، فان تمّمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم فأنا الحسين بن على وابن فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نفسى مع أنفسكم وأهلى مع أهليكم فلكم فى أسوة وان لم تفعلوا ونقضتم

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠١.


عهدكم ، وخلعتم بيعتى من أعناقكم ، فلعمرى ما هي لكم بنكر لقد فعلتموها بأبى وأخى وابن عمّى مسلم والمغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فانّما ينكث على نفسه ، وسيغنى الله عنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(١) .

١٣ ـ عنه قال عقبة بن أبى العيزار ، قام حسينعليه‌السلام بذى حسم ، فحمد الله واثنى عليه ، ثمّ قال : إنّه قد نزل من الامر ما قد ترون وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت وأدبر معروفها واستمرّت جدّا ، فلم يبق منها الّا صبابة كصبابة الاناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحقّ لا يعمل به ، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن فى لقائه الله محقّا فانّى لا أرى الموت إلّا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برما.

قال : فقام زهير بن القين البجلى فقال لأصحابه : تكلّمون أم أتكلّم قالوا لا بل تلكم ، فحمد الله فأثنى عليه ثمّ قال : قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك والله لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنّا فيها مخلّدين ، إلّا أن فراقها فى نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الاقامة فيها.

قال : فدعا له الحسين ، ثمّ قال له خيرا وأقبل الحرّ يسايره وهو يقول له : يا حسين إنّى أذكرك الله فى نفسك ، فانّى أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ ولئن قوتلت لتهلكنّ فيما أرى فقال له الحسين : أفبالموت تخوّفنى وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلونى؟ ما أدرى ما أقول لك ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه ، ولقيه وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال له : أين تذهب؟ فانّك مقتول فقال :

سأمضى وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٣.


وآسى الرجال الصالحين بنفسه

وفارق مثبورا يغش ويرغما

قال فلمّا سمع ذلك منه الحرّ تنحّى عنه ، وكان يسير بأصحابه فى ناحية وحسين فى ناحية اخرى حتّى انتهوا إلى عذيب الهجانات ، وكان بها هجائن النعمان ، ترعى هناك ، فاذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم ، يجنبون فرسا لنافع بن هلال ، يقال له الكامل ومعهم دليلهم الطرّماح بن عدى على فرسه وهو يقول :

يا ناقتى لا تذعرى من زجرى

وشمرى قبل طلوع الفجر

بخير ركبان وخير سفر

حتّى تحلى بكريم النجر

الماجد الحرّ رحيب الصدر

أتى به الله لخير أمر

ثمّت أبقاه بقاء الدهر

قال : فلمّا انتهوا إلى الحسين أنشدوه هذه الأبيات ، فقال : أما والله انّى لأرجو أن يكون خيرا ما أراد الله بنا قتلنا أم ظفرنا ، قال : وأقبل إليهم الحرّ بن يزيد ، فقال : إن هؤلاء النفر الّذين من أهل الكوفة ليسوا ممّن أقبل معك وأنا حابسهم أو رادّهم ، فقال له الحسين : لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسى ، إنّما هؤلاء أنصارى وأعوانى وقد كنت أعطيتنى ألّا تعارض لى بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد.

فقال : أجل لكن لم يأتوا معك قال : هم أصحابى وهم بمنزلة من جاء معى ، فان تممت على ما كان بينى وبينك وإلا ناجزتك ، قال : فكفّ عنهم الحرّ قال : ثمّ قال لهم الحسين : أخبرونى خبر الناس وراءكم ، فقال له مجمع بن عبد الله العائذى ، وهو أحد النفر الأربعة الذين جاءوه : أمّا أشراف الناس ، فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائزهم يستمال ودّهم ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك ، وأمّا سائر الناس بعد ، فان أفئدتهم تهوى إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة عليك.

قال : أخبرونى فهل لكم برسولى إليكم؟ قالوا : من هو؟ قال : قيس بن مسهر


الصيداوى ، فقالوا : نعم أخذه الحصين بن تميم ، فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك فصلّى عليك وعلى أبيك ولعن ابن زياد ، وأباه ودعا إلى نصرتك ، وأخبرهم بقدومك ، فأمر به ابن زياد فألقى من طمار القصر ، فترقرقت عينا حسينعليه‌السلام ولم يملك دمعه ثمّ قال : منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا ، اللهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نزلا واجمع بيننا وبينهم فى مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك(١) .

٣٨ ـ باب نزولهعليه‌السلام بكربلاء

١ ـ قال الصدوق : ثمّ صار حتّى نزل كربلا ، فقال : أىّ موضع هذا فقيل كربلا يا ابن رسول الله ، فقال : هذا والله يوم كرب وبلاء ، وهذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا ويباح فيه حريمنا(٢) .

٢ ـ قال المفيد : فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة ثمّ عجّل الركوب فاخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم فيأتيه الحرّ بن يزيد ، فيردّه وأصحابه فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّا شديدا امتنعوا عليه فارتفعوا فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتّى انتهوا الى نينوى المكان الّذي نزل به الحسينعليه‌السلام فاذا راكب على نجيب له عليه السلاح متنكب قوسا مقبل من الكوفة فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ وأصحابه ولم يسلّم على الحسين وأصحابه ودفع الى الحرّ كتاب من عبيد الله بن زياد ، فاذا فيه.

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٣.

(٢) أمالى الصدوق : ٩٤.


أمّا بعد فجعجع بالحسينعليه‌السلام حين يبلغك كتابى ، ويقدم عليك رسولى ، ولا تنزله إلّا بالعراء فى غير خضر وعلى غير ماء ، فقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتينى بانفاذك أمرى والسلام فلمّا قرء الكتاب قال لهم الحرّ هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرنى أن أجعجع بكم فى المكان الّذي يأتى كتابه ، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقنى حتّى أنفذ أمره فيكم.

فنظر يزيد بن المهاجر الكندى ، وكان مع الحسينعليه‌السلام ، الى رسول ابن زياد فعرفه فقال له يزيد ثكلتك امّك ما ذا جئت فيه قال : اطعت امامى ووفّيت ببيعتى ، فقال له ابن المهاجر عصيت ربّك واطعت امامك فى هلاك نفسك وكسبت العار والنار ، وبئس الامام إمامك قال الله تعالى( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) فامامك منهم ، وأخذهم الحرّ بالنزول فى ذلك المكان على غير ماء ولا فى قرية.

فقال له الحسينعليه‌السلام : دعنا ويحك ننزل فى هذه القرية ، وهذه يعنى نينوى والغاضريّة أو هذه يعنى شفيّة قال : والله لا استطيع ذلك هذا رجل قد بعث الىّ عينا علىّ ، فقال زهير بن القين إنّى والله ما أراه يكون بعد الّذي ترون إلّا أشدّ ممّا ترون يا ابن رسول الله ، إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمرى ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به.

فقال الحسينعليه‌السلام : ما كنت لأبدأهم بالقتال ، ثمّ نزل وذلك يوم الخميس وهو الثانى من المحرّم ، سنة إحدى وستّين(١) .

٣ ـ قال ابن شهرآشوب : فساقوا إلى كربلا يوم الخميس ، الثانى من المحرّم سنة إحدى وستّين ، ثمّ نزل وقال هذا موضع الكرب والبلاء هذا مناخ ركابنا و

__________________

(١) الارشاد : ٢٠٩ واعلام الورى : ٢٣٠.


محطّ رحالنا ، ومقتل رجالنا ، وسفك دماءنا ، ثمّ أقبل عمر بن سعد فى أربعة آلاف حتّى نزل بالحسينعليه‌السلام ، وبعث من غده قرة بن قيس الحنظلى يسأله ما الّذي جاء به ، فلمّا بلّغ رسالته ، قال الحسين كتب الىّ أهل مصركم أن أقدم ، فأمّا إذا كرهتمونى ، فأنا أنصرف عنكم فلمّا سمع عمر جوابه كتب إلى ابن زياد بذلك فلمّا رأى ابن زياد كتابه قال : الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص(١) .

٤ ـ قال ابن طاوس : ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام ، قام وركب وسار وكلّما أراد المسير ، يمنعونه تارة ويسايرونه أخرى حتّى بلغ كربلاء ، وكان ذلك فى اليوم الثانى من المحرّم فلمّا وصلها قال : ما اسم هذه الارض فقيل كربلا فقالعليه‌السلام : اللهمّ إنّى أعوذ بك من الكرب والبلاء ، ثمّ قال هذا موضع كرب وبلاء انزلوا ، هاهنا محطّ رحالنا ، ومسفك دمائنا ، وهنا محلّ قبورنا ، بهذا حدثني جدّى رسول إلهصلى‌الله‌عليه‌وآله فنزلوا جميعا ونزل الحرّ وأصحابه ناحية وجلس الحسينعليه‌السلام يصلح سيفه ويقول :

يا دهر اف لك من خليل

كم لك بالاشراق والأصيل

من طالب وصاحب قتيل

والدهر لا يقنع بالبديل

وكلّ حىّ سالك سبيل

ما اقرب الوعد من الرحيل

وإنّما الأمر إلى الجليل

قال الراوى : فسمعت زينب بنت فاطمةعليها‌السلام ، ذلك ، فقالت يا أخى هذا كلام من أيقن بالقتل ، فقالعليه‌السلام : نعم يا اختاه فقالت زينب : وا ثكلاه ينعى الحسينعليه‌السلام إلى نفسه ، قال : وبكى النسوة ولطمن الخدود وشققن الجيوب ، وجعلت أمّ كلثوم تنادى وا محمّداه وا عليّاه وا أماه وأخاه وا حسيناه وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله قال : فعزّاها الحسينعليه‌السلام وقال لها يا أختاه تعزى بعزاء الله.

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٤.


فان سكان السموات يفنون وأهل الأرض كلّهم يموتون وجميع البرية يهلكون ، ثمّ قال يا أختاه يا أمّ كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب انظر إذا أنا قتلت فلا تشققنّ عليه جيبا ، ولا تخمشنّ عليه وجها ، ولا تقلن هجوا(١) .

٥ ـ عنه روى من طريق آخر ان زينب لمّا سمعت مضمون الأبيات وكانت فى موضع آخر ، منفردة مع النساء والبنات خرجت حاسرة تجرّ ثوبها ، حتّى وقفت عليه وقالت وا ثكلاه ليت الموت أعدمنى الحيات اليوم ماتت أمّى فاطمة وأبى علىّ وأخى الحسن ، يا خليفة الماضين وثمال الباقين ، فنظر إليها الحسينعليه‌السلام .

فقال يا اختاه لا يذهبنّ بحلمك الشيطان ، فقالت بأبى وأمّى ستقتل ، نفسى لك الفداء فردّت غصته وترقرقت عيناه بالدموع ، ثمّ قال : لو ترك القطا ليلا لنام ، فقالت يا ويلتاه فتغتصب نفسك اغتصابا ، فذلك أقرح لقلبى وأشدّ على نفسى ، ثمّ اهوت الى جيبها فشقته ، وخرّت مغشية عليها ، فقام فصبّ عليها الماء ، حتّى افاقت ثمّ عزاها صلوات الله عليها بجهده وذكرها المصيبة بموت أبيه وجدّه صلوات الله عليهم أجمعين.

وممّا يمكن أن يكون سببا لحمل الحسينعليه‌السلام لحرمه وعياله أنّه لو تركهنّعليه‌السلام بالحجاز أو غيرها من البلاد كان يزيد بن معاوية عليه لعائن الله قد أنفذ ليأخذهنّ إليه وصنع بهنّ من الاستيصال وسيئ الأعمال ما يمنع الحسينعليه‌السلام من الجهاد والشهادة ويمتنععليه‌السلام بأخذ يزيد بن معاويه لهنّ عن مقامات السعادة(٢) .

٦ ـ قال الدينورى : وسار الحسينعليه‌السلام من قصر بنى مقاتل ، ومعه الحرّ بن يزيد ، كلّما أراد أن يميل نحو البادية منعه ، حتّى انتهى الى المكان الذي يسمّى

__________________

(١) اللهوف : ٣٥.

(٢) اللهوف : ٣٦.


«كربلاء» فمال قليلا متيامنا حتّى انتهى الى «نينوى» فاذا هو براكب على نجيب مقبل من القوم ، فوقفوا جميعا ينتظرونه ، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ ولم يسلّم على الحسين ، ثمّ ناول الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد ، فقرأ فاذا فيه : أمّا بعد فجعجع بالحسين بن على ، وأصحابه بالمكان الذي يوافيك كتابى ، ولا تحلّه إلّا بالعراء على غير خمر ولا ماء وقد أمرت حامل كتابى هذا أن يخبرنى بما كان منك فى ذلك والسلام.

فقرأ الحرّ الكتاب ثمّ ناوله الحسين ، وقال : لا بدّ من إنفاذ أمر الأمير ، عبيد الله ابن زياد ، فانزل بهذا المكان ولا تجعل للأمير علىّ علّة ، فقال الحسينعليه‌السلام «تقدّم بنا قليلا الى هذه القرية التي هى منا على غلوة وهى الغاضرية أو هذه الاخرى الّتي تسمّى «السبقة» فنزل فى إحداهما.

قال الحرّ : إنّ الأمير كتب إلىّ أن أحلّك على غير ماء ولا بدّ من الانهاء إلى أمره ، فقال زهير بن القين للحسين : بأبى وأمّى يا ابن رسول الله والله لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية ، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم ، فهلمّ بنا نناجز هؤلاء فانّ قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم ، قال الحسينعليه‌السلام فانّى أكره أن أبدأهم بقتال حتّى يبدءوا.

فقال زهير فههنا قرية بالقرب منا على شطّ الفرات وهى فى عاقول حصينة الفرات يحدق بها إلّا من وجه واحد ، قال الحسين : وما اسم تلك القرية؟ قال : العقر قال الحسين : نعوذ بالله من العقر ، فقال الحسين للحرّ : سربنا قليلا ثمّ ننزل ، فسار معه حتّى كربلاء فوقف الحرّ وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير وقال : انزل بهذا المكان ، فالفرات منك قريب قال الحسين وما اسم هذا المكان؟ قالوا له : كربلاء.

قال : ذات كرب وبلاء ولقد مرّ أبى بهذا المكان عند مسيره الى صفّين ، وأنا


معه فوقف ، فسأل عنه فأخبر باسمه ، فقال : هاهنا محطّ ركابهم وهاهنا مهراق دما ، هم ، فسئل من ذلك فقال : ثقل لآل بيت محمّد ينزلون هاهنا.

ثمّ أمر الحسين بأثقاله ، فحطّت بذلك المكان يوم الأربعاء غرّة المحرّم من سنة إحدى وستّين وقتل بعد ذلك بعشرة أيّام وكان قتله يوم عاشورا(١) .

٧ ـ قال الطبرى : فلمّا أصبح نزل فصلى الغداة ، ثمّ عجّل الركوب ، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم ، فيأتيه الحرّ بن يزيد فيردّهم فيردّه ، فجعل إذا ردّهم الى الكوفة ردّا شديدا امتنعوا عليه ، فارتفعوا ، فلم يزالوا يتسايرون حتّى انتهوا إلى نينوى ؛ المكان الذي نزل به الحسين ، قال : فاذا راكب على نجيب له وعليه السلاح متنكّب قوسا مقبل من الكوفة ، فوقفوا جميعا ينتظرونه.

فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ بن يزيد وأصحابه ، ولم يسلّم على الحسينعليه‌السلام وأصحابه ، فدفع الى الحرّ كتابا من عبيد الله بن زياد ، فإذا فيه : أمّا بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابى ، ويقدم عليك رسولى ، فلا تنزله إلّا بالعراء فى غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولى أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتينى بإنفاذك أمرى ، والسلام.

قال : فلمّا قرأ الكتاب ، قال لهم الحرّ : هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد ، يأمرنى فيه أن أجعجع بكم فى المكان الذي يأتينى فيه كتابه ، وهذا رسوله ، وقد أمره ، ألّا يفارقنى حتّى أنفذ رأيه وأمره ، فنظر إلى رسول عبيد الله يزيد ابن زياد بن المهاصر أبو الشعثاء الكندىّ ، ثمّ الهذلى فعنّ له ، فقال : أمالك بن النّسير البدىّ؟

قال : نعم ـ وكان أحد كندة ـ

فقال له يزيد بن زياد : ثكلتك أمك! ما ذا جئت فيه؟ قال : وما جئت فيه!

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٥١.


أطعت إمامى ، ووفيت ببيعتى ، فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربّك ، وأطعت إمامك فى هلاك نفسك ، كسبت العار ، والنار ، قال اللهعزوجل :( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ) ، فهو امامك. قال : وأخذ الحرّ بن يزيد القوم بالنزول فى ذلك المكان على غير ما ، ولا فى قرية.

فقالوا دعنا ننزل فى هذه القرية ، يعنون نينوى أو هذه القرية ـ يعنون الغاضرية ـ أو هذه الاخرى ـ يعنون شقيّة ـ فقال : لا والله ما أستطيع ذلك ، هذا رجل قد بعث إلىّ عينا ، فقال له زهير بن القين : يا ابن رسول الله ، إنّ قتال هؤلاء أهون من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمرى ، ليأتينا من بعد من ترى مالا قبل لنا به.

فقال له الحسين : ما كنت لأبدأهم بالقتال فقال له زهير بن القين : سربنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها فانّها حصينة ، وهى على شاطئ الفرات ، فان منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون علينا ، من قتال من يجىء من بعدهم ، فقال له الحسين : وأيّة قرية هى؟ قال : هى العقر ، فقال الحسين : اللهمّ إنّى أعوذ بك من العقر ، ثمّ نزل ، وذلك يوم الخميس ، وهو اليوم الثانى من المحرّم سنة إحدى وستّين(١) .

٨ ـ قال ابن عبد ربه : فلقيه الجيش على خيولهم ، وقد نزلوا بكربلاء ، قال حسين: أىّ أرض هذه؟ قالوا : كربلاء ، قال : أرض كرب وبلاء ، وأحاطت بهم الخيل(٢) .

٩ ـ الحافظ ابن عساكر باسناده قال : حدّثنى القاسم بن سلام ، حدّثنى حجّاج ابن محمّد ، عن أبى معشر ، عن بعض مشيخته قال : قال الحسين بن على حين نزل كربلا : ما اسم هذه الأرض؟ قالوا : كربلا. قال : كرب وبلاء(٣)

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٨.

(٢) العقد الفريد : ٤ / ٣٧٩.

(٣) ترجمة الامام الحسين : ٢١٩.


١٠ ـ قال سبط ابن الجوزى : ثمّ سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد ، فلمّا رأى ذلك عدل إلى كربلا ، فأسند ظهره إلى قصب وحلف الا يقاتل الّا من وجه واحد ، فنزل وضرب ابنيته وكان فى خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل(١) .

٣٨ ـ باب اجتماع الجيوش حول الحسينعليه‌السلام

١ ـ قال الصدوق : فأقبل عبيد الله بن زياد بعسكره حتّى عسكر بالنخيلة ، وبعث إلى الحسينعليه‌السلام رجلا يقال له عمر بن سعد فى أربعة آلاف فارس وأقبل عبد الله بن الحصين التميمى فى ألف فارس ، يتبعه شبث بن ربعى فى ألف فارس ، ومحمّد ابن الاشعث بن قيس الكندى ، أيضا فى ألف فارس ، وكتب لعمر بن سعد على الناس وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه(٢) .

٢ ـ قال المفيد : فلمّا كان من الغد ، قدم عليهم عمر ابن سعد بن أبى وقّاص من الكوفة ، فى أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى ، فبعث الى الحسينعليه‌السلام ، عروة بن قيس الأحمسى ، فقال له ائته فسله ما الذي جاء بك ، وما ذا تريد ، وكان عروة ممّن كتب الى الحسينعليه‌السلام ، فاستحيى منه أن يأتيه ، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه ، فكلّهم أبى ذلك ، وكرهه ، فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبى ، وكان فارسا شجاعا لا يردّ وجهه شيء.

فقال له أنا أذهب إليه ، وو الله لئن شئت لأفتكنّ به ، فقال له عمر ما اريد ان تفتك به ، ولكن ائته ، فسله ما الّذي جاء به فأقبل كثير إليه فلمّا رآه أبو ثمامة

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٤٥.

(٢) أمالى الصدوق : ٩٤.


الصّائدى ، قال للحسينعليه‌السلام : أصلحك الله يا أبا عبد الله قد جاءك شرّ أهل الارض وأجرأهم على دم وأفتكهم ، وقام إليه ، فقال له : ضع سيفك قال لا والله ولا كرامة إنّما أنا رسول ، فان سمعتم منّى بلّغتكم ما أرسلت به إليكم وإن أبيتم انصرفت عنكم.

قال فانّى آخذ بقائم سيفك ، ثمّ تكلّم بحاجتك ، قال لا والله لا تمسّه ، فقال له أخبرنى بما جئت به وأنا أبلّغه عنك ، ولا أدعك تدنو منه ، فانّك فاجر فاستبّا ، وانصرف الى عمر بن سعد ، فاخبره الخبر ، فدعى عمر قرّة بن قيس الحنظلى ، فقال له ويحك يا قرّة الق حسينا فسله ما جاء به وما ذا يريد ، فأتاه قرّة ، فلمّا رآه الحسينعليه‌السلام مقبلا.

قال : أتعرفون هذا فقال له حبيب بن مظاهر نعم هذا رجل من حنظلة تميم وهو ابن اختنا. وقد كنت أعرفه بحسن الرأى ، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد ، فجاء حتّى سلّم على الحسينعليه‌السلام ، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه ، فقال له الحسينعليه‌السلام كتب علىّ أهل مصركم ، هذا أن أقدم فامّا إذا كرهتمونى فانا أنصرف عنكم ، ثمّ قال له حبيب بن مظاهر ويحك يا قرّة أين ترجع إلى القوم الظّالمين انصر هذا الرّجل الّذي بآبائه ايّدك الله بالكرامة.

فقال له قرّة أرجع الى صاحبى بجواب رسالته وأرى رأيى ، فانصرف إلى عمر بن سعد ، فأخبره الخبر ، فقال عمر أرجو أن يعافينى الله من حربه وقناله وكتب الى عبيد الله بن زياد.

بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد فانّى حيث نزلت بالحسين بن علىّ بعثت إليه من رسلى ، فسألته عمّا أقدمه ، وما ذا يطلب ، فقال : كتب الىّ أهل هذه البلاد وأتتنى رسلهم ، يسألونني القدوم ، ففعلت ، فأمّا إذا كرهتمونى ، وبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم ، فانا منصرف عنهم ، قال حسّان بن قائد العبسى : وكنت عند عبيد الله


حين أتاه هذا الكتاب ، فلمّا قرأه.

قال : الآن اذ علقت مخالبنا به يرجوا النّجاة ، ولات حين مناص وكتب الى عمر بن سعد أمّا بعد ، فقد بلغنى كتابك وفهمت ما ذكرت فاعرض على الحسين ان يبايع ليزيد ، هو وجميع أصحابه ، فاذا هو فعل ذلك رأينا رأينا ، والسلام ، فلمّا ورد الجواب على عمر بن سعد قال قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية(١) .

٣ ـ قال الطبرسى : فلمّا كان من الغد قدم عمر بن أبى وقاص ، فى أربعة آلاف قارس ، فنزل نينوى فبعث الى الحسينعليه‌السلام عروة بن قيس الاحمسى ، فإنه سأله ما الذي جاء بك؟ وكان عروة ممن كتب الى الحسينعليه‌السلام ، فاستحيى منه أن يأتيه فعرض ذلك على الرؤساء فكلهم أبى ذلك لمكان أنهم كاتبوه ، فدعا عمر بن سعد ، قرة بن قيس الحنظلى ، فبعثه فجاء فسلم على الحسينعليه‌السلام ، فبلغه رسالة ابن سعد ، فقال الحسينعليه‌السلام : كتب الىّ أهل مصركم هذا أن أقدم ، فأما اذا كرهونى فأنا أنصرف عنكم

فلما سمع عمر هذه المقالة قال : أرجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله ، وكتب الى عبيد الله بن زياد : أما بعد فانى حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولى فسألته عما أقدمه وما ذا يطلب ، فقال : كتب الىّ أهل هذه البلاد ، وأتتني رسلهم فسألونى القدوم ، فأما اذا كرهونى فانى منصرف عنهم ، فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال : الآن اذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص

كتب الى عمر بن سعد أما بعد فقد بلغنى كتابك وفهمته فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه ، فاذا هو فعل ذلك رأينا رأينا ، والسلام ، فلما ورد الجواب قال عمر بن سعد : قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية(٢)

__________________

(١) الارشاد : ٢١٠.

(٢) اعلام الورى : ٢٣١.


٤ ـ قال الفتال : ثم نزل يوم الخميس وهو اليوم الثانى من المحرم سنة احدى وستين ، فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقاص من الكوفة فى أربعة آلاف فارس ، فنزلت نينوى فبعث الى الحسينعليه‌السلام عروة بن قيس الاحمسى ، فقال ائته ، فاساله ما الذي جاء بك وما الذي تريد ، وكان عروة ممن كتب الى الحسينعليه‌السلام فاستحيا منه أن يأتيه ، فعرض ذلك على الرؤسا الذين كاتبوه وكلهم أبى ذلك ، وكرهه

فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبى ، وكان فارسا شجاعا لا يردّ وجهه شىء ، فقال أنا اذهب إليه والله لئن شئت لا فتكنّ به فقال عمر ما أريد ان تفتك به ، ولكن ائته فاسأله ما الذي جاء بك ، فأقبل كثير إليه ، فلما رآه أبو ثمامة الصائدى قال : أصلحك الله يا أبا عبد الله قد جاءك شرّ خلق الله وأجراه على دم وأفتكه ، وقام إليه وقال له ضع سيفك ، قال لا ولا كرامة انما أنا رسول فان سمعتم منى أبلغتكم ما أرسلت به ، إليكم ، فان أبيتم انصرفت عنكم.

قال فانى آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك ، قال لا والله لا تمسه فقال له : أخبرنى ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنوا منه فانك فاجر فأبى وانصرف الى عمر بن سعد ، فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلى ، فقال له ويحك يا قرّة ألق حسينا فسئله ما جاء به وما ذا يريد فأتا قرة فلما رآه الحسينعليه‌السلام مقبلا قال أتعرفون هذا ، فقال حبيب بن مظاهر ، نعم هذا رجل من حنظلة تميم ، وهو ابن اختنا وقد كنت أعرفه بحسن الراى وما كنت اراه يشهد هذا المشهد.

فجاء حتى سلم على الحسينعليه‌السلام ، وأبلغه رسالة عمر بن سعد ، فقال له الحسينعليه‌السلام : كتب الىّ اهل مصركم هذا أن اقدم ، وأما اذا كرهتمونى فانى أنصرف عنكم ، ثم قال له حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرة اين ترجع الى القوم الظالمين ، انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة ، فقال له قرة : أرجع الى صاحبنا


بجواب رسالته فأرى رأيى ، قال فانصرف الى عمر بن سعد فاخبره الخبر.

فقال عمر أرجوان يعافينى الله من حربه وقتاله وكتب الى عبيد الله بن زياد ، لعنهم الله بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد فانى حيث نزلت بالحسين ، وبعثت إليه برسولى فسألته عما تقدمه وما ذا يطلب ، فقال : كتب الىّ أهل هذه البلاد ، واتتنى رسلهم ، يسألونى القدوم ففعلت ، فاما اذا كرهونى وبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم فانا منصرف عنهم.

قال حسان بن فائد العبسى ، وكنت عند عبيد الله حين أتاه هذا الكتاب ، فلما قرأه قال : الآن اذ علقت مخالبنا به ، يرجوا النجاة ، ولات حين مناص وكتب الى عمر بن سعد أما بعد بلغنى كتابك ، وفهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد ، هو وجميع أصحابه ، فاذا هو فعل رأينا رأينا والسلام ، فلما ورد الجواب قال عمر بن سعد قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية(١) .

٥ ـ قال ابن شهرآشوب : فساقوا الى كربلا يوم الخميس الثانى من المحرم سنة احدى وستين ، ثم نزل ، وقال هذا موضع الكرب والبلاء هذا مناخ ركابنا ومحطّ رحالنا ، وسفك دماءنا ، ثم أقبل عمر بن سعد فى أربعة آلاف حتى نزل بالحسينعليه‌السلام ، وبعث من غده قرة بن قيس الحنظلى يسأله ما الذي جاء به ، فلما بلغ رسالته قال الحسينعليه‌السلام كتب الىّ أهل مصركم أن أقدم ، فاما اذا كرهتمونى ، فأنا أنصرف عنكم ، فلما سمع عمر جوابه ، كتب الى ابن زياد بذلك فلما راى ابن زياد كتابه قال : الآن اذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص(٢)

٦ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى : وندب عبيد الله بن زياد أصحابه الى قتال الحسينعليه‌السلام ، فاتّبعوه واستخف قومه فأطاعوه واشترى من عمر بن سعد

__________________

(١) روضة الواعظين : ١٥٥.

(٢) المناقب : ٢ / ٢١٤.


آخرته بدنياه ودعاه الى ولاية الحرب فلبّاه وخرج لقتال الحسينعليه‌السلام ، فى أربعة آلاف فارس ، وأتبعه ابن زياد بالعساكر ، لعنهم الله حتّى تكملت عنده إلى ستّ ليال خلون من محرم عشرون ألف فارس فضيّقوا على الحسينعليه‌السلام حتّى نال منه العطش ومن أصحابه.

فقامعليه‌السلام واتكى على قائم سيفه ونادى بأعلى صوته ، فقال : انشدكم الله هل تعرفوننى؟ قالوا نعم ، أنت ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسبطه قال : أنشدكم الله هل تعلمون انّ جدّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قالوا اللهمّ نعم ، قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن أبى علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام قالوا اللهمّ ، نعم ، قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن امّى فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله قالوا اللهمّ نعم.

قال أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّتى خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الامّة إسلاما قالوا : اللهم نعم قال أنشدكم الله هل تعلمون أنّ حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى قالوا : اللهمّ نعم ، قال أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جعفر الطيّار فى الجنّة عمّى قالوا : اللهمّ نعم ، قال أنشدكم الله هل تعلمون انّ هذا سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنا متقلّده ، قالوا : اللهمّ نعم ، قال أنشدكم الله هل تعلمون ان هذه عمامة رسول الله أنا لابسها قالوا : اللهمّ نعم.

قال أنشدكم الله هل تعلمون انّ عليّاعليه‌السلام كان أوّل القوم إسلاما ، وأعلمهم علما ، وأعظمهم حلما ، وانّه ولىّ كلّ مؤمن ومؤمنة قالوا اللهمّ نعم قال فيم تستحلّون دمى وأبى صلوات الله عليه الذائد ، عن الحوض يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد فى يد أبى يوم القيامة.

قالوا قد علمنا ذلك كلّه ونحن غيرتا ركيك حتّى تذوق الموت عطشا ، فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن ، وارتفعت أصواتهنّ فوجه إليهنّ أخاه العبّاس وعليا ابنه وقال لهما اسكتاهنّ فلعمرى


ليكثرنّ بكائهنّ(١) .

٧ ـ قال أبو الفرج : وكان عبيد الله بن زياد ـ لعنه الله ـ قد ولى عمر بن سعد الرى ، فلمّا بلغه الخبر وجّه إليه ان سر الى الحسين أوّلا فاقتله ، فاذا قتلته رجعت ومضيت الى الرى ، فقال له : اعفنى أيّها الأمير ، قال : قد أعفيتك من ذلك ومن الرى قال : اتركنى أنظر فى أمرى ، فتركه فلمّا كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش لقتال الحسين(٢) .

٨ ـ قال الدينورى : فلمّا كان اليوم الثانى من نزوله كربلاء ، وافاه عمر بن سعد فى أربعة آلاف فارس ، وكانت قصة خروج عمر بن سعد ، أنّ عبيد الله بن زياد ، ولّاه الرى وثغر دستبى والديلم ، وكتب له عهدا عليها ، فعسكر للمسير إليها ، فحدث أمر الحسين ، فأمره ابن زياد أن يسير إلى محاربة الحسين ، فاذا فرغ منه سار إلى ولايته ، فتلكأ عمر بن سعد على ابن زياد ، وكره محاربة الحسين.

فقال له ابن زياد : فاردد علينا عهدنا قال : فأسير إذن ، فسار فى أصحابه اولئك الذين ندبوا معه الى الرى ودستبى ، حتّى وافى الحسين ، وانضمّ إليه الحرّ بن يزيد فيمن معه. ثمّ قال عمر بن سعد : لقرّة بن سفيان الحنظلى ، انطلق إلى الحسين ، فسله ما أقدمك فأتاه ، فأبلغه ، فقال الحسين : أبلغه عنّى أن أهل هذا المصر كتبوا الىّ يذكرون أن لا إمام لهم ، ويسألوننى القدوم عليهم ، فوثقت بهم ، فغدروا بى ، بعد أن بايعنى منهم ثمانية عشر ألف رجل.

فلمّا دنوت ، فعلمت غرور ما كتبوا به إلىّ اردت الانصراف الى حيث منه أقبلت ، فمنعنى الحرّ بن يزيد ، وسار حتّى جعجع بى فى هذا المكان ، ولى بك قرابة قريبة ، ورحم ماسّة ، فأطلقنى حتّى انصرف ، فرجع قرّة الى عمر بن سعد بجواب

__________________

(١) اللهوف : ٣٧.

(٢) مقاتل الطالبييّن : ٧٤.


الحسين بن على ، فقال عمر : الحمد لله ، والله إنّى لأرجو أن أعفى من محاربة الحسين.

ثمّ كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك ، فلمّا وصل كتابه الى ابن زياد ، كتب إليه فى جوابه: قد فهمت كتابك ، فأعرض على الحسين البيعة ليزيد ، فاذا بايع فى جميع من معه ، فأعلمنى ذلك ليأتيك رأيى فلمّا انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال : ما أحسب ابن زياد يريد العافية ، فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين ، فقال الحسين للرسول : لا أجيب ابن زياد الى ذلك أبدا ، فهل هو إلّا الموت فمرحبا به.

فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك ، فغضب ، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة ، ثمّ وجّه الحصين بن نمير ، وحجّار بن أبجر ، وشبث بن ربعى ، وشمر بن ذى الجوشن ، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره ، فأمّا شمر فنفذ لما وجّهه له ؛ وأمّا شبث فاعتلّ بمرض ، فقال له ابن زياد : أتتمارض؟ ان كنت فى طاعتنا فاخرج إلى قتال عدوّنا.

فلمّا سمع شبث ذلك خرج ، ووجّه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم ، قالوا : وكان ابن زياد اذا وجّه الرجل الى قتال الحسين فى الجمع الكثير ، يصلون الى كربلاء ، ولم يبق منهم الّا القليل ، كانوا يكرهون قتال الحسين ، فيرتدعون ويتخلّفون.

فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقرىّ فى خيل إلى الكوفة ، وأمره أن يطوف بها ، فمن وجده قد تخلّف أتاه به ، فبينا هو يطوف فى أحياء الكوفة إذ وجد رجلا من أهل الشام قد كان قدم الكوفة فى طلب ميراث له ، فأرسل به إلى ابن زياد ، فأمر به ، فضربت عنقه ، فلمّا رأى الناس ذلك خرجوا(١) .

٩ ـ قال المسعودى : ثمّ سار حتّى لقى خيل عبيد الله بن زياد ، عليها عمر بن سعد ابن أبى وقّاص ، فعدل إلى كربلا ـ وهو فى مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٥٣.


وأصحابه ، ونحو مائه راجل ـ فلمّا كثرت العساكر على الحسين ، أيقن أنّه لا محيص له ، فقال : اللهمّ أحكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا ثمّ هم يقتلوننا(١) .

١٠ ـ قال الطبرى : قدم عليهم عمر بن سعد بن أبى وقّاص من الكوفة فى أربعة آلاف. وكان سبب خروج ابن سعد الى الحسينعليه‌السلام ، انّ عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دستبى ، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها ، فكتب إليه ابن زياد عهده على الرّى ، وأمره بالخروج.

فخرج معسكرا بالناس بحمّام أعين ، فلمّا كان من أمر الحسين ما كان وأقبل الى الكوفة دعا ابن زياد عمر بن سعد ، فقال : سر إلى الحسين ، فاذا فرغنا ممّا بيننا وبينه سرت إلى عملك ، فقال له عمر بن سعد : إن رأيت رحمك الله أن تعفينى فافعل ، فقال له عبيد الله : نعم ، على أن تردّ لنا عهدنا : قال : فلمّا قال له ذلك قال عمر بن سعد : أمهلنى اليوم حتّى أنظر.

قال : فانصرف عمر يستشير نصحاءه ، فلم يكن يستشير أحدا إلّا نهاه ، قال : وجاء حمزة ابن المغيرة بن شعبة ـ وهو ابن أخته ـ فقال : أنشدك الله يا خال أن تسير الى الحسين ، فتاثّم بربّك ، وقطع رحمك! فو الله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها لو كان لك ، خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين! فقال له عمر ابن سعد : فانّى افعل إن شاء الله(٢) .

١١ ـ عنه قال هشام : حدّثنى عوانة بن الحكم ، عن عمّار بن عبد الله بن يسار الجهنى ، عن أبيه ، قال : دخلت على عمر بن سعد ، وقد أمر بالمسير الى الحسين ، فقال لى : إنّ الأمير أمرنى بالمسير الى الحسين ، فأبيت ذلك عليه ، فقلت له : أصاب الله بك أرشدك الله ، أحلّ فلا تفعل ولا تسر إليه ، فقال : فخرجت من عنده ، فأتانى آت و

__________________

(١) مروج الذهب : ٣ / ٧٠.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٧٠٩.


قال : هذا عمر بن سعد يندب الناس الى الحسين.

قال : فأتيته فاذا هو جالس ، فلمّا رآنى أعرض بوجهه فعرفت أنّه قد عزم على المسير إليه ، فخرجت من عنده ، قال : فأقبل عمر ابن سعد إلى ابن زياد ، فقال : أصلحك الله! إنّك ولّيتنى هذا العمل ، وكتبت لى العهد ، وسمع به الناس ، فان رأيت أن تنفذ لى ذلك فافعل وابعث إلى الحسين فى هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغنى ولا أجزأ عنك فى الحرب منه ؛ فسمّى له أناسا.

فقال له ابن زياد : لا تعلمنى بأشراف أهل الكوفة ، ولست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث ، ان سرت بجندنا ، وإلّا فابعث إلينا بعهدنا ، فلمّا رآه قد لجّ قال : فانّى سائر ؛ قال فأقبل فى أربعة آلاف حتّى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى ، قال : فبعث عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام عزرة بن قيس الأحمسى ، فقال : ائته فسله ما الّذي جاء به؟ وما ذا يريد؟ وكان عزرة ممّن كتب الى الحسين.

فاستحيا منه أن يأتيه ، قال : فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه ، فكلّهم أبى وكرهه. قال : وقام إليه كثير بن عبد الله الشعبىّ ـ وكان فارسا شجاعا ليس يردّ وجهه شيء ـ فقال : أنا أذهب إليه ، والله لئن شئت لأفتكنّ به ، فقال له عمر بن سعد : ما أريد أن يفتك به ، ولكن ائته فسله ما الّذي جاء به؟ قال : فأقبل إليه ، فلمّا رآه أبو ثمامة الصائدى قال للحسين : أصلحك الله أبا عبد الله! قد جاءك شرّ أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه.

فقام إليه فقال : ضع سيفك ؛ قال : لا والله ولا كرامة ، إنّما أنا رسول ، فان سمعتم منّى أبلغكم ما أرسلت به إليكم ، وإن أبيتم انصرفت عنكم ، فقال له : فانّى آخذ بقائم سيفك ، ثمّ تكلّم بحاجتك ، قال : لا والله ، لا تمسّه فقال له : أخبرنى ما جئت به وأنا أبلغه عنك ، ولا أدعك تدنو منه ، فانّك فاجر قال : فاستبّا.

ثمّ انصرف إلى عمر بن سعد ، فأخبره الخبر ، قال : فدعا عمر ، قرّة بن قيس


الحنظلى ، فقال له : ويحك يا قرّة! الق حسينا فسله ما جاء به؟ وما ذا يريد؟ قال : فأتاه قرّة بن قيس ، فلمّا رآه الحسين مقبلا قال : أتعرفون هذا؟ فقال حبيب بن مظاهر : نعم ، هذا رجل من حنظلة تميمىّ ، وهو ابن اختنا ، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأى ، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد.

قال : فجاء حتّى سلّم على الحسين ، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه له ، فقال الحسين : كتب الىّ أهل مصركم هذا أن أقدم ، فأمّا إذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم قال : ثمّ قال له حبيب بن مظاهر : ويحك يا قرّة ابن قيس! أنّى ترجع الى القوم الظالمين! انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيّدك الله بالكرامة ، وإيّانا معك فقال له قرّة أرجع إلى صاحبى بجواب رسالته ، وأرى رأيى ، قال فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر ، فقال له عمر بن سعد: إنّى لأرجو أن يعافينى الله من حربه وقتاله(١) .

١٢ ـ عنه قال هشام ، عن أبى مخنف ، قال : حدّثنى النضر بن صالح بن حبيب ابن زهير العبسىّ ، عن حسان بن فائد بن بكير العبسى ، قال : أشهد أنّ كتاب عمر ابن سعد جاء الى عبيد الله بن زياد وأنا عنده ، فاذا فيه : بسم الله الرّحمن الرحيم. أمّا بعد ، فانّى حيث نزلت بالحسين ، بعثت إليه رسولى فسألته عمّا أقدمه ، وما ذا يطلب ويسأل ، فقال : كتب إلىّ أهل هذه البلاد ، وأتتنى رسلهم ، فسألونى القدوم ، ففعلت ، فأمّا إذ كرهونى فبدا لهم غير ما أتتنى به رسلهم ، فأنا منصرف عنهم ، فلمّا قرىء الكتاب على ابن زياد قال :

الآن إذ علقت مخالبنا به

يرجو النجاة ولات حين مناص!

قال : وكتب إلى عمر بن سعد : بسم الله الرحمن الرحيم : أمّا بعد ، فقد بلغنى

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤٠٩.


كتابك ، وفهمت ما ذكرت ، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية ، هو وجميع أصحابه ، فاذا فعل ذلك رأينا رأينا ، والسلام.(١)

١٣ ـ قال سبط ابن الجوزى : كان ابن زياد قد جهز عمر بن سعد ابن أبى وقّاص لقتال الحسين فى أربعة آلاف وجهّز خمسمائة فارس فنزلوا على الشرائع ، وقال ابن زياد لعمر بن سعد ، اكفنى هذا الرجل ـ وكان عمر يكره قتاله ـ فقال أعفنى ، فقال لا أعفيك ، وكان ابن زياد قد ولى عمر بن سعد الرى وخوزستان ، فقال قاتله والّا عزلتك ، فقال : أمهلنى اللّيلة ، فأمهله ففكر فاختار ولاية الرى على قتل الحسين ، فلمّا أصبح غدا عليه فقال أنا أقاتله.(٢)

١٤ ـ عنه قال محمّد بن سيرين : وقد ظهرت كرامات علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام فى هذا فانّه لقى عمر بن سعد يوما ، وهو شاب ، فقال : ويحك يا ابن سعد ، كيف بك إذا أقمت يوما مقاما تخيّر فيه بين الجنّة والنار فتختار النار.(٣)

١٥ ـ قال الواقدى وغيره : لما رحل الحسينعليه‌السلام من القادسية وقف يختار مكانا ينزل فيه واذا سواد الخيل قد أقبل كاللّيل ، وكأن راياتهم أجنحة النسور وأسنتهم اليعاسيب فنزلوا مقابلهم ، ومنعوهم الماء ثلاثة أيام ، فناداه عبد الله بن حصين الازدى يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا.

فقال الحسين : اللهمّ اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا ، فكان بعد ذلك يشرب الماء ولا يروى حتّى سقى بطنه فمات عطشا ، وناداه عمرو بن الحجّاج يا حسين هذا الماء تلغ فيه الكلاب وتشرب منه خنازير أهل السواد ، والحمر والذئاب وما تذوق منه

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١١.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٤٦.

(٣) تذكرة الخواص : ٢٤٧.


والله قطرة حتّى تذوق الحميم فى نار الجحيم ، فكان سماع هذا الكلام على الحسين أشدّ من منعهم ايّاه الماء قال : فلمّا اشتد بالحسين وأصحابه العطش بعث بالعبّاس بن علىعليه‌السلام ، أخيه إلى المشارع فى ثلاثين فارسا ، وعشرين راجلا فاقتتلوا عليه ولم يمكنوهم من الوصول إليه.

كان عمر بن سعد يكره قتال الحسين ، فبعث إليه يطلب الاجتماع به ، فاجتمعا خلوة ، فقال له عمر ما جاء بك ، فقال أهل الكوفة ، فقال : ما عرفت ما فعلوا معكم ، فقال من خادعنا فى الله انخدعنا له ، فقال له عمر : قد وقعت الآن فما ترى فقال دعونى أرجع فأقيم بمكّة أو المدينة أو أذهب إلى بعض الثغور ، فاقيم به كبعض أهله ، فقال اكتب الى ابن زياد بذلك ، فكتب الى ابن زياد بخبره بما قال فهمّ ابن زياد أن يجيبه إلى ذلك.

فقال شمر بن ذى الجوشن الكلابى ، لا تقبل منه حتّى يضع يده فى يدك ، فانّه ان أفلت كان أولى بالقوّة منك وكنت أولى بالضعف منه فلا ترض إلّا بنزوله على حكمك ، فقال ابن زياد نعم ما رأيت وكتب الى ابن سعد ، أمّا بعد : فانّى لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله وتمنّيه السلامة وتكون شافعا له عندى ، فان نزل على حكمى ووضع يده فى يدى ، فابعث به إلىّ ، وان أبى فأزحف عليه واقتله وأصحابه وأوطئ الخيل صدره وظهره ، ومثل به ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وسلمه الى شمر ابن ذى الجوشن فقد أمرناه فيك بأمر وكتب الى أسفل الكتاب.

الآن حين تعلّقته حبالنا

يرجو الخلاص ولات حين مناص

رفع الكتاب الى شمر وقال: اذهب إليه فان فعل ما أمرته به والّا فاضرب عنقه وأنت الأمير على الناس ، وأبعث إلىّ برأسه ، قلت : وقد وقع فى بعض النسخ ان الحسينعليه‌السلام قال لعمر بن سعد دعونى أمضى إلى المدينة أو الى يزيد فاضع يدى فى يده ، ولا يصحّ ذلك عنه ، فان عقبة بن سمعان ، قال : صحبت الحسين من المدينة إلى


العراق ، ولم أزل معه الى أن قتل والله ما سمعته قال ذلك(١) .

٣٩ ـ باب منع الماء

١ ـ قال الصدوق : فبلغ عبيد الله بن زياد أنّ عمر بن سعد يسامر الحسينعليه‌السلام ويحدّثه ويكره قتاله فوجه إليه شمر بن ذى الجوشن فى أربعة آلاف فارس ، وكتب إلى عمر بن سعد : إذا أتاك كتابى هذا فلا تمهلنّ الحسين بن على ، وخذ بكظمه وحل بين الماء وبينه كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار(٢)

٢ ـ قال المفيد : وورد كتاب ابن زياد ، فى الأثر إلى عمر بن سعد : أن حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقى الزكىّ عثمان بن عفان ، فبعث عمر بن سعد فى الوقت عمرو بن الحجّاج ، فى خمس مائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، ان يستقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسينعليه‌السلام بثلاثة أيّام.

نادى عبد الله بن حصين الأزدى وكان عداده فى بجيلة ، بأعلى صوته يا حسين ألا تنظر إلى الماء كانه كبد السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة حتّى تموتوا عطشا ، فقال الحسينعليه‌السلام : اللهمّ اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا ، قال حميد بن مسلم : والله لعدته بعد ذلك فى مرضه ، فو الله الذي لا إله غيره ، لقد رأيته يشرب الماء حتّى يبغر ، ثمّ يقىء ويصيح العطش ، العطش ، ثمّ يعود فيشرب الماء حتّى يبغر ،

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٤٧.

(٢) أمالى الصدوق : ٩٤.


ثمّ يقيئه ويتلظّى عطشا ، فما ذال ذلك دأبه حتّى لفظ نفسه لعنه الله(١) .

٣ ـ قال الفتال : ورد كتاب ابن زياد فى الاثر إلى عمر بن سعد أن حل بين الحسين وأصحابه والماء ، فلا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتقى الزكىّ عثمان بن عفان فبعث عمر بن سعر فى الوقت عمرو بن الحجّاج فى خمسمائة فارس ، فنزلوا الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء أن يستقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيّام ، ونادى عبيد الله بن حصين الأزدى وكان عداده فى بجيلة.

فقال بأعلى صوته الا تنظروا إلى الماء كأنّه كبد السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة حتّى تموتوا ، عطشا ، فقال الحسينعليه‌السلام : اللهمّ اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا قال حميد بن مسلم : والله لعدّته بعد ذلك فى مرضه ، فو الله الّذي لا إله إلّا هو لقد رأيته يشرب الماء حتّى يبغر ، ويقىء ، ويصيح : العطش العطش ، ثمّ يعود فيشرب الماء حتّى يبغر ثمّ يقيئه ويتلظّى عطشا فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ نفسه(٢) .

٤ ـ قال ابن شهرآشوب : كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد ، أمّا بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، فلا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقىّ النقىّ عثمان أمير المؤمنين المظلوم ، قال : بعث عمر بن سعد ، عمرو بن الحجّاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بينه وبين الماء ثلاثة أيّام إلى أن قتل(٣) .

٥ ـ قال الدينورى : قالوا : ورد كتاب ابن زياد الى عمر بن سعد ، أن امنع الحسين وأصحابه الماء ، فلا يذوقوا منه حسوة ، كما فعلوا بالتقىّ عثمان بن عفان ، فلمّا ورد على عمر بن سعد ذلك ، أمر عمرو بن الحجّاج أن يسير فى خمسمائة راكب ، فينيخ على الشريعة ، ويحولوا بين الحسين وأصحابه ، وبين الماء ، وذلك قبل مقتله بثلاثة

__________________

(١) الارشاد : ٢١١.

(٢) روضة الواعظين : ١٥٦.

(٣) المناقب : ٢ / ٢١٤.


أيّام ، فمكث أصحاب الحسين عطاشى.

قالوا فلمّا اشتدّ بالحسين وأصحابه العطش ، أمر أخاه العبّاس بن على ـ وكانت أمه من بنى عامر بن صعصعة ـ أن يمضى فى ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، مع كلّ رجل قربة حتّى يأتوا الماء ، فيحاربوا من حال بينهم وبينه. فمضى العبّاس نحو الماء وأمامهم نافع بن هلال حتّى دنوا من الشريعة.

فمنعهم عمرو بن الحجّاج ، فجالدهما العبّاس على الشريعة بمن معه حتّى أزالوهم عنها ، واقتحم رجّالة الحسين الماء ، فملئوا قربهم ، ووقف العبّاس فى أصحابه يذبّون منهم حتّى أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين(١) .

٦ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : حدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم الأزدى ، قال : جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد : أمّا بعد : فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة ، كما صنع بالتقىّ الزكىّ المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، قال : فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج على خمسمائة فارس ، فنزلوا على الشريعة ، وحالوا بين حسين وأصحابه وبين الماء أن يسقوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.

قال : ونازله عبد الله بن أبى حصين الأزدى وعداده فى بجيلة ، فقال : يا حسين ، ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا ، فقال حسين: اللهمّ اقتله عطشا ، ولا تغفر له أبدا ، قال حميد بن مسلم والله : لعدته بعد ذلك فى مرضه ، فو الله الذي لا إله الّا هو لقد رأيته يشرب حتّى يبغر ، ثمّ يقيئ ، ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر ، فما يروى ، فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ عصبه. بعنى نفسه.

__________________

(١) الاخبار الطوال : ٢٥٥.


قال : ولمّا اشتد على الحسين وأصحابه العطش ، دعا العبّاس بن على بن أبى طالب ، أخاه ، فبعثه فى ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، وبعث معهم بعشرين قربة ، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلا واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال الجملىّ ، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدى : من الرجل؟ فجىء فقال : ما جاء بك؟ قال جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه ، قال : فاشرب هنيئا ، قال : لا والله ، لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن ترى من أصحابه.

فطلعوا عليه ، فقال : لا سبيل إلى سقى هؤلاء ، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ، فلمّا دنا منه أصحابه قال لرجاله : املئوا قربكم ، فشدّ الرّجالة فملئوا قربهم ، وثار إليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه ، فحمل عليهم العبّاس بن علىّ ونافع بن هلال ، فكفّوهم ، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم ، فقالوا : امضوا ووقفوا دونهم.

فعطف عليهم عمرو بن الحجّاج وأصحابه واطّردوا قليلا ، ثمّ إنّ رجلا من صداء طعن من أصحاب عمرو بن الحجّاج ، طعنه نافع بن هلال ، فظنّ أنّها ليست بشيء ، ثمّ إنّها انتقضت بعد ذلك فمات منها ، وجاء أصحاب حسين بالقرب فأدخلوها عليه(١) .

٧ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى أبو جناب عن هانئ بن ثبيت الحضرمى وكان قد شهد قتل الحسين ، قال : بعث الحسينعليه‌السلام إلى عمر بن سعد ، عمرو بن قرظة ابن كعب الأنصاري ، أن ألقنى اللّيل بين عسكرى وعسكرك ، قال : فخرج عمر بن سعد فى نحو من عشرين فارسا ، وأقبل حسين فى مثل ذلك ، فلمّا التقوا أمر حسين أصحابه أن يتنحّوا عنه ، وأمر عمر بن سعد أصحابه بمثل ذلك.

قال : فانكشفنا عنهما بحيث لا نسمع أصواتهما ، ولا كلامهما ، فتكلّما فأطالا

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٢.


حتّى ذهب من اللّيل هزيع ، ثمّ انصرف كلّ واحد منهما الى عسكره ، بأصحابه ، وتحدّث الناس فيما بينهما ، ظنّا يظنّونه أنّ حسينا قال لعمر بن سعد : أخرج معى الى يزيد بن معاوية وندع العسكرين ، قال عمر : إذن تهدم دارى ، قال : أنا أبنيها لك ، قال : اذن تؤخذ ضياعى ، قال : إذن أعطيك خيرا منها من مالى بالحجاز ، قال : فتكره ذلك عمر ، قال : فتحدّث الناس بذلك ، وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئا ولا علموه(١) .

٨ ـ عنه قال أبو مخنف : وأمّا ما حدّثنا به المجاهد بن سعد والصقعب بن زهير الأزدى ، وغيرهما من المحدّثين ، فهو ما عليه جماعة المحدّثين ، قالوا : إنّه قال : اختاروا منّى خصالا ثلاثا : إمّا أن أرجع الى المكان الّذي أقبلت منه ، وإمّا أن أضع يدى فى يد يزيد بن معاويه فيرى فيما بينى وبينه رأيه ، وإمّا أن تسيّرونى إلى أىّ ثغر من ثغور المسلمين شئتم ، أكون رجلا من أهله ، لى ما لهم وعلىّ ما عليهم(٢) .

٩ ـ عنه قال أبو مخنف : فأمّا عبد الرحمن بن جندب فحدّثنى عن عقبة بن سمعان ، قال : صحبت حسينا فخرجت معه من المدينة إلى مكّة ، ومن مكّة إلى العراق ، ولم أفارقه حتّى قتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا فى الطريق ولا بالعراق ولا فى عسكر الى يوم مقتله إلّا وقد سمعتها : ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون ، من أن يضع يده فى يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيّروه الى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنّه قال : دعونى فلأذهب فى هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس(٣)

١٠ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى المجالد بن سعيد الهمدانيّ ، والصقعب بن

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٥١٣.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٣.

(٣) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٣.


زهير ، أنّهما كانا التقيا مرارا ثلاثا أو أربعا ، حسين وعمر بن سعد ، قال : فكتب عمر ابن سعد إلى عبيد الله بن زياد : أمّا بعد ، فانّ الله قد أطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وأصلح أمر الامّة ، هذا حسين قد أعطانى أن يرجع إلى مكان الذي منه أتى ، أو أن نسيّره إلى أىّ ثغر من ثغور المسلمين شئنا ، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، أو أن يأتى يزيد أمير المؤمنين فيضع يده فى يده(١) ، فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفى هذا لكم رضا ، وللامّة صلاح.

قال : فلمّا قرأ عبيد إله الكتاب قال : هذا كتاب رجل ناصح لأميره ، مشفق على قومه ، نعم قد قبلت قال : فقام إليه شمر بن ذى الجوشن ، فقال : أتقبل هذا منه ، وقد نزل بأرضك إلى جنبك! والله لئن رحل من بلدك ، ولم يضع يده فى يدك ، ليكوننّ أولى بالقوّة والعزّة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة ، فانّها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فان عاقبت فأنت ولىّ العقوبة ، وإن غفرت كان ذلك لك ، والله لقد بلغنى أنّ حسينا وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدّثان عامّة اللّيل ، فقال له ابن زياد : نعم ما رأيت! الرأى رأيك(٢) .

١١ ـ أبو جعفر المشهدى باسناده عن الصادق صلوات الله عليه ، قال : ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد لعنه الله رجل يقال له : تميم بن الحصين فنادى : يا حسين ، ويا أصحاب الحسين ، أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيات ، والله لاذقتم منه قطرة ، حتّى تذوق الموت جزعا ، فقال الحسين صلوات الله عليه ، هذا وأبوه من أهل النار ، اللهم اقتل هذا عطشا فى هذا اليوم ، قال : فخنقه العطش حتّى

__________________

(١) هذا من افتراء ابن سعد على الامام الحسينعليه‌السلام .

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٤.


سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها حتّى مات لعنه الله(١)

١٢ ـ عنه باسناده ، عن القاسم بن الاصبغ بن نباتة ، قال : حدّثنى من شهد عسكر الحسينعليه‌السلام ، انّ الحسين لمّا غلب على عسكره العطش ركب المسناة زيد الفرات ، فقال رجل من بنى أبان بن دارم : حولوا بينه وبين الماء ، ورمى بسهم فأثبته فى حنكه ، فقالعليه‌السلام : اللهمّ اظمئه فو الله ما لبث الرجل إلّا يسيرا حتّى صبّ الله عليه الظمأ.

قال القاسم بن الأصبغ : لقد رأيته وبين يديه قلال فيها الماء ، وإنّه ليقول : ويلكم اسقونى قتلنى الظمأ ، فيعطى القلّة أو العسّ الذي كان أحدهما مرويا أهل بيت ، فيشربه ، ثمّ يقول : ويلكم اسقونى قتلنى الظمأ. قال : فو الله ما لبث إلّا يسيرا حتّى انقدّ بطنه انقداد بطن البعير ، وفى رواية أخرى النار توقد من خلفه ، والثلج موضوع من قدامه ، وهو يقول : اسقونى(٢) .

٤٠ ـ باب محاصرة الحسينعليه‌السلام

١ ـ قال الصدوق : فبلغ عبيد الله بن زياد أن عمر بن سعد يسامر الحسينعليه‌السلام ويحدّثه ويكره قتاله فوجه إليه شمر بن ذى الجوشن ، فى أربعة آلاف فارس وكتب الى عمر بن سعد ، إذا أتاك كتابى هذا ، فلا تمهلنّ الحسين بن على وخذ بكظمه وحل بين الماء وبينه ، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار ، فلمّا وصل الكتاب الى عمر ابن سعد لعنه الله أمر مناديه فنادى انّا قد أجّلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم ،

__________________

(١) الثاقب فى المناقب : ٣٤.

(٢) الثاقب فى المناقب : ٣٤١.


فشق ذلك على الحسينعليه‌السلام وعلى أصحابه(١) .

٢ ـ قال المفيد : لمّا رأى الحسينعليه‌السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد لعنه الله بنينوى ، ومددهم لقتالهعليه‌السلام ، أنفذ الى عمر بن سعد ، انّى اريد ان ألقاك وأجتمع معك ، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ، ثمّ رجع عمر بن سعد لعنه الله إلى مكانه ، وكتب إلى عبيد الله بن زياد عليه اللعنة : أمّا بعد فانّ الله قد أطفى النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامّة هذا حسين قد أعطانى عهدا أن يرجع الى مكان الّذي هو منه أتى أو يسير إلى ثغر من الثغور ، فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو يأتى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده فى يده فيرى فيما بينه وبينه وفى هذا لك رضى وللأمة صلاح.

فلمّا قرأ عبيد الله الكتاب قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه ، فقام إليه شمر بن ذى الجوشن لعنه الله فقال : أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك ، وإلى جنبك ، والله لئن رحل من بلادك ، ولم يضع يده فى يدك ليكوننّ أولى بالقوّة ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة ، فانّها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه ، فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وإن عفوت كان ذلك لك.

فقال له ابن زياد : نعم ما رأيت ، الرأى رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد ، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمى ، فان فعلوا فليبعث بهم الىّ سلما ، وان هم أبوا ، فليقاتلهم ، فان فعل فاسمع له وأطع وان أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش واضرب عنقه وابعث الىّ برأسه وكتب إلى عمر بن سعد إنّى لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ولا لتعتذر عنه ولا لتكون له عندى شافعا.

__________________

(١) أمالي الصدوق : ٩٤.


انظر فان نزل الحسين وأصحابه على حكمى ، واستسملوا فابعث بهم الىّ سلما وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم ، وتمثل بهم فانّهم لذلك مستحقّون ، وان قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره ، وظهره فانّه عاقّ ظلوم ولست أرى إنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئا ، ولكن علىّ قول قد قلته ان لو قتلته لفعلت هذا به ، فان أنت مضيت لأمر نافيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وان أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر ، فانّا قد أمّرناه بأمرنا والسلام.

فأقبل شمر بن ذى الجوشن بكتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد ، فلمّا قدم عليه وقرأه ، قال له عمر مالك ويلك لا قرّب الله دارك ، وقبّح الله ما قدمت به علىّ ، والله انّى لأظنّك انّك نهيته أن يقبل عمّا كتبت به إليه وافسدت علينا أمرا كنّا قد رجونا أن يصلح لا يستسلم والله حسين انّ نفس أبيه لبين جنبيه فقال له شمر أخبرنى بما أنت صانع أتمضى لأمر أميرك وتقاتل عدوّه ، وإلّا فخلّ بينى وبين الجند والعسكر.

قال لا ولا كرامة لك ، ولكن أنا أتولّى ذلك فدونك فكن أنت على الرجالة ونهض عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام ، عشيّة يوم الخميس لتسع مضين من المحرّم ، وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسينعليه‌السلام ، فقال أين بنو اختنا فخرج إليه العبّاس وجعفر وعبد الله وعثمان بنو علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام ، فقالوا ما تريد ، فقال أنتم يا بنى أختى آمنون ، فقالت له الفتية لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.

ثمّ نادى عمر بن سعد يا خيل الله اركبى وبالجنّة ابشرى ، فركب الناس حتّى زحف نحوهم بعد العصر ، وحسينعليه‌السلام جالس امام بيته محتبيا بسيفه اذ خفق برأسه على ركبتيه فسمعت اخته الضجّة ، فدنت من أخيها فقالت يا أخى أما تسمع الأصوات قد اقتربت ، فرفع الحسينعليه‌السلام ، رأسه فقال : إنّى رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله


الساعة فى المنام ، فقال لى انك تروح إلينا ، فلطمت اخته وجهها ونادت بالويل.

فقال لها الحسينعليه‌السلام ، ليس لك الويل يا أخيّة اسكتى رحمك الله ، ثمّ قال له العبّاس بن علىعليه‌السلام يا أخى أتاك القوم فنهض ، ثمّ قال يا عبّاس اركب بنفسى أنت يا أخى حتّى تلقاهم وتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عمّا جاء بهم ، فأتاهم العبّاس فى نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر.

فقال لهم العبّاس : ما بدا لكم وما تريدون؟ قالوا قد جاء أمر الامير ، أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه ، أو نناجزكم ، فقال فلا تعجلوا حتّى أرجع الى أبى عبد الله ، فاعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا فقالوا : ألقه فاعلمه ، ثمّ ألقنا بما يقول لك ، فانصرف العبّاس راجعا يركض الى الحسينعليه‌السلام يخبره الخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسينعليه‌السلام .

فجاء العبّاس الى الحسينعليه‌السلام فأخبره بما قال القوم ، فقالعليه‌السلام : ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة ، لعلّنا نصلّى لربّنا اللّيلة ، وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أنّى قد كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه ، وكثرة الدعاء والاستغفار ، فمضى العبّاس الى القوم ، ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر بن سعد لعنه الله ، يقول إنّا قد أجّلناكم الى غد فإن استسلمتم سرّحناكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم وانصرف(١) .

٣ ـ قال ابن شهرآشوب : قال الطبرى فى حديث عقبة بن سمعان : انّه قالعليه‌السلام دعونى ان اذهب فى الأرض العريضة حتّى ننظر إلى ما تصير أمر الناس ، فكتب عمر الى ابن زياد وذكر فى آخره وفى هذا لله رضى وللامّة صلاح ، فانفذ ابن زياد بشمر بن ذى الجوشن بكتاب فيه : إنّى لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا

__________________

(١) الارشاد : ٢١٢.


لتطاوله ولا لتمنّيه السّلامة والبقاء ولا لتعتذر له عندى ، ولا تكون له شافعا ، فان نزل الحسين وأصحابه على حكمى واستسلموا فابعث بهم إلىّ سلما وان أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم فانّهم لذلك مستحقّون.

فان قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ، فانّه عاقّ شاقّ قاطع ، ظلوم فان أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل أمرنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر ، فانّا قد أمّرناه بأمرنا وكان أمر شمرا انّه إن لم يفعل بما فيه ، فاضرب عنقه وأنت الامير ، وكان قد كتب لعمر منشورا بالرى فجعل يقول :

فو الله ما أدرى وانّى لواقف

افكّر فى أمرى على خطرين

أأترك ملك الرّى والرّى منيتى

أم أرجع مذموما بقتل حسين

ففى قتله النار الّتي ليس دونها

حجاب وملك الرّى قرّة عين

كتب ابن زياد الى الحسين أمّا بعد يا حسين فقد بلغنى نزولك بكربلاء وقد كتب الىّ أمير المؤمنين أن لا أتوسّد الوثير ولا أشبع من الخمير حتّى ألحقك باللّطيف الخبير ، أو ترجع الى حكمى وحكم يزيد بن معاوية فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام الكتاب قال : ليس له جواب لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب(١) .

٤ ـ قال ابن طاوس : قال الراوى ورد كتاب عبيد الله بن زياد ، على عمر ابن سعد ، يحثه على تعجيل القتال ويحذّره من التأخير والإهمال ، فركبوا نحو الحسينعليه‌السلام وأقبل شمر بن ذى الجوشن لعنه الله ، فنادى أين بنو أختى عبد الله وجعفر والعبّاس وعثمان ، فقال الحسينعليه‌السلام أجيبوه وان كان فاسقا ، فانّه بعض أخوالكم ، فقالوا له ما شأنك فقال يا بنى اختى أنتم آمنون ، فلا تقتلوا أنفسكم مع

__________________

(١) المناقب : ٢ / ٢١٥.


أخيكم الحسينعليه‌السلام والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد.

قال فناداه العبّاس بن علىعليه‌السلام تبّت يداك ولعن ما جئتنا به من أمانك يا عدوّ الله ، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمةعليه‌السلام وندخل فى طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ، قال فرجع الشمر لعنه الله الى عسكره مبغضا ، قال الراوى ولما رأى الحسينعليه‌السلام حرص القوم على تعجيل القتال ، وقلّة انتفاعهم بمواعظ الفعال والمقال قال لأخيه العباسعليه‌السلام : إن استطعت أن تصرفهم عنّا فى هذا اليوم ، فافعل لعلّنا نصلى لربّنا فى هذه اللّيلة فانّه يعلم إنّى أحبّ الصلاة وتلاوة كتابه.

قال الراوى : فسألهم العبّاس ذلك ، فتوقف عمر بن سعد لعنه الله ، فقال عمرو ابن الحجّاج الزبيدى : والله لو أنّهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لاجبناهم ، فكيف وهم آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأجابوهم إلى ذلك(١) .

٥ ـ قال الدينورى : ثمّ انّ ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد : أمّا بعد ، فانّى لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله الأيّام ، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ، ولا لتكون شفيعه الىّ ، فأعرض عليه ، وعلى أصحابه النزول على حكمى ، فان أجابوك فابعث به وبأصحابه الىّ ، وإن أبوا فازحف إليه ، فانّه عاقّ شاقّ ، فان لم تفعل فاعتزل جندنا ، وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر ، فانا قد أمرناه بأمرنا ، فنادى عمر بن سعد فى أصحابه أن أنهدوا إلى القوم ، فنهض إليهم عشية الخميس ، وليلة الجمعة لتسع ليال خلون من المحرّم ، فسألهم الحسين تأخير الحرب إلى غد ، فأجابوه(٢) .

٦ ـ قال الطبرى : قال أبو مخنف : فحدّثنى سليمان بن أبى راشد ، عن حميد بن مسلم ، قال : ثمّ انّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذى الجوشن فقال له : اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد ، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمى ، فان

__________________

(١) اللهوف : ٣٨.

(٢) الاخبار الطوال : ٢٥٥.


فعلوا فليبعث بهم إلىّ مسلما ، وان هم أبوا فليقاتلهم ، فان فعل فاسمع له وأطع ، وان هو أبى فقاتلهم ، فأنت أمير الناس ، وثب عليه فاضرب عنقه ، وابعث الىّ برأسه(١)

٧ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى أبو جناب الكلبى ، قال : ثمّ كتب عبيد الله ابن زياد إلى عمر بن سعد : أما بعد ، فانّى لم ابعثك الى حسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء ، ولا لتقعد له عندى شافعا. انظر ، فان نزل حسين وأصحابه على الحكم ، واستسلموا ، فابعث بهم الىّ سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ، فإنّهم لذلك مستحقّون.

فان قتل حسين فأوطى الخيل صدره وظهره ، فانّه عاقّ شاقّ ، قاطع ظلوم ، وليس دهرى فى هذا ، أن يضرّ بعد الموت شيئا ، ولكن علىّ قول لو قد قتلته فعلت هذا به ، إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وان أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخلّ بين ذى الجوشن وبين العسكر ، فانا قد أمرناه(٢) .

٧ ـ عنه قال أبو مخنف : عن الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن شريك العامرى ، قال : لمّا قبض شمر بن ذى الجوشن الكتاب قام هو وعبد الله بن أبى المحلّ ـ وكانت عمته أمّ البنين ابنة حزام عند علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام ، فولدت له العبّاس وعبد الله وجعفرا وعثمان ـ فقال عبد إله بن أبى المحلّ بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب : أصلح الله الامير! ان بنى اختنا مع الحسين ، فان رأيت أن تكتب لهم أمانا فعلت ، قال : نعم ونعمة عين ، فأمر كاتبه ، فكتب لهم أمانا.

فبعث به عبد الله بن أبى المحلّ مع مولى له يقال له : كزمان ، فلمّا قدم عليهم

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٤.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٥.


دعاهم ، فقال : هذا أمان بعث به خالكم ، فقال له الفتية : اقرأ خالنا السلام ، وقل له : أن لا حاجة لنا فى أمانكم ، أمان الله خير من أمان ابن سمية ، قال : فأقبل شمر بن ذى الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد الى عمر بن سعد ، فلمّا قدم به عليه فقرأه ، قال له عمر: مالك ويلك! لا قرّب الله دارك ، وقبّح الله ما قدمت به علىّ!

والله إنّى لأظنّك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه ، أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح ، لا يستسلم والله حسين ، إنّ نفسا أبيه لبين جنبيه ، فقال له شمر : أخبرنى ما أنت صانع؟ أتمضى لأمر أميرك وتقتل عدوّه ، والّا فخلّ بينى وبين الجند والعسكر ، قال : لا ولا كرامة لك ، وأنا أتولّى ذلك ، قال : فدونك ، وكن أنت على الرّجال ، قال : فنهض إليه عشيّة الخميس لتسع مضين من المحرّم ، قال : وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين.

فقال : أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العبّاس وجعفر وعثمان بنو علىّ ، فقالوا له : مالك وما تريد؟ قال : أنتم يا بنى أختى آمنون ، قال له الفتية : لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمنّنا وابن رسول الله لا أمان له! قال : ثمّ إنّ عمر بن سعد نادى : يا خيل الله اركبى وأبشرى فركب فى الناس ثمّ زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت : يا أخى أما تسمع الأصوات قد اقتربت.

قال : فرفع الحسين رأسه فقال : انّى رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فى المنام فقال لى : إنّك تروح إلينا قال : فلطمت أخته وجهها وقالت : يا ويلتا فقال : ليس لك الويل يا أخية اسكتى رحمك الرحمن وقال العبّاس بن على يا أخى أتاك القوم قال : فنهض ثمّ قال : يا عبّاس اركب بنفسى أنت يا أخى حتّى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم العبّاس فاستقبلهم فى نحو من عشرين فارسا


فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العبّاس : ما بدا لكم؟ وما تريدون.

قالوا : جاء أمر الامير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال : فلا تجعلوا حتّى ارجع الى أبى عبد الله ، فأعرض عليه ما ذكرتم ، قال : فوقفوا ثمّ قالوا القه فأعلمه ذلك ثمّ ألقنا بما يقول قال : فانصرف العبّاس يركض إلى الحسين يخبره بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلّم القوم ان شئت وان شئت كلمتهم ، فقال له زهير أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلّمهم.

فقال له حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه ، قد قتلوا ذرّية نبيّهعليه‌السلام ، وعترته وأهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيرا فقال له عزرة بن قيس : انّك لتزكّى نفسك ما استطعت فقال له زهير : يا عزرة إنّ الله قد زكّاها وهداها ، فاتّق الله يا عزرة فإنّى لك من الناصحين أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكيّة.

قال : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنمّا كنت عثمانيا قال : أفلست تستدلّ ، بموقفى هذا أنّى منهم أما والله ، ما كتبت إليه كتابا قطّ ولا ارسلت إليه رسولا قطّ ولا وعدته نصرتى قطّ ، ولكن الطريق جمع بينى وبينه ، فلمّا أريته ذكرت به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوّه وحربكم فرأيت أن أنصره وأن أكون فى حزبه ، وأن أجعل نفسى دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حقّ الله وحقّ رسولهعليه‌السلام .

قال : وأقبل العبّاس بن على يركض حتّى انتهى إليهم فقال : يا هؤلاء إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشيّة حتّى ينظر فى هذا الامر فانّ هذا أمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق ، فاذا أصبحنا التقينا إن شاء الله فامّا رضيناه فأتينا بالامر


الذي تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددنا ، وإنمّا أراد بذلك أن يردّهم عنه تلك العشية حتّى يأمر بأمره ويوصى أهله فلمّا أتاهم العبّاس بن على بذلك قال عمر بن سعد : ما ترى يا شمر؟ قال : ما ترى أنت ، أنت الأمير والرأى رأيك قال : قد أردت ألا أكون.

ثمّ أقبل على الناس فقال ما ذا ترون ، فقال عمرو بن الحجّاج بن سلمة الزبيدى : سبحان الله والله لو كانوا من الديلم ثمّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغى لك أن تجيبهم إليها وقال قيس بن الاشعث : أجبهم الى ما سألوك فلعمرى ليصبحنّك بالقتال غدوة فقال : والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتهم العشية ، قال : وكان العبّاس بن على حين أتى حسينا بما عرض عليه عمر بن سعد قال : ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخّرهم الى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلّنا نصلّى لربّنا اللّيلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أنّى قد كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار(١)

٩ ـ عنه قال أبو مخنف : حدّثنى الحارث بن حصيرة ، عن عبد الله بن شريك العامرى ، عن علىّ بن الحسين ، قال : أتانا رسول من قبل عمر بن سعد ، فقام مثل حيث يسمع الصوت فقال : انّا قد أجلناكم الى غد فان استسلم سرحنا بكم الى أميرنا عبيد الله بن زياد وان أبيتم فلسنا تاركيكم(٢) .

١٠ ـ قال سبط ابن الجوزى : وكان عمر بن سعد يكره قتال الحسين فبعث إليه يطلب الاجتماع به ، فاجتمعا خلوة فقال له عمر ما جاء بك فقال أهل الكوفة ، فقال : ما عرفت ما فعلوا معكم ، فقال : من خادعنا فى الله انخدعنا له ، فقال له عمر قد وقعت الآن فما ترى؟ فقال دعونى ارجع فأقيم بمكّة أو المدينة أو أذهب الى بعض

__________________

(١) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٥.

(٢) تاريخ الطبرى : ٥ / ٤١٧.


الثغور فاقيم به كبعض أهله ، فقال أكتب الى ابن زياد بذلك فكتب الى ابن زياد يخبره بما قال ، فهمّ ابن زياد ان يجيبه الى ذلك ، فقال شمر بن ذى الجوشن الكلابى : لا تقبل منه حتّى يضع يده فى يدك فانه ان أفلت كان أولى بالقوّة منك وكنت أولى بالضعف منه فلا ترض إلّا بنزوله على حكمك.

فقال ابن زياد نعم رأيك وكتب الى ابن سعد أمّا بعد فانّى لم أبعثك الى الحسين لتطاوله وتمنّيه السلامة وتكون شافعا له عندى فان نزل على حكمى ، ووضع يده فى يدى ، فابعث به الىّ وان أبى ، فازحف عليه واقتله وأصحابه ، واوطىء الخيل صدره وظهره ومثل به وان أبيت فاعتزل عملنا وسلمه الى شمر بن ذى الجوشن ، فقد أمرناه فيك بأمر وكتب الى أسفل الكتاب :

الآن حين تعلّقته حبالنا

يرجو الخلاص ولات حين مناص

رفع الكتاب الى شمر وقال : اذهب إليه ، فان فعل ما أمرته به ، والّا فاضرب عنقه وأنت الامير على الناس وأبعث الىّ برأسه(١) .

١١ ـ قال الواقدى : لما وصل شمر الى عمر بن سعد ناداه عمر بن سعد لا أهلا والله بك ولا سهلا يا أبرص لا قرب الله دارك ولا ادنى مزارك ، وقبح ما جئت به ، ثمّ قرأ الكتاب وقال : والله لقد ثنيته عمّا كان فى عزمه ولقد اذعن ولكنّك شيطان فعلت ما فعلت ، فقال له شمر : ان فعلت ما قال الأمير والا فخل بينى وبين العسكر فبعث عمر الى الحسين فأخبره بما جرى فقال والله لا وضعت يدى فى يد ابن مرجانة أبدا وانشد :

لا ذعرت السوام فى فلق الصبح

ذكر جدّى أبو الفرج فى كتاب المنتظم أن شمر بن ذى الجوشن

__________________

(١) تذكرة الخواص : ٢٤٨.


وقف على أصحاب الحسين وقال : أين بنو أختنا ، فخرج إليه العبّاس وعثمان وجعفر بنو علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام فقالوا ما الّذي تريد فقال أنتم يا بنى أختى آمنون ، فقالوا لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.

قلت : ومعنى قول شمر أين بنى أختنا يشير الى أمّ البنين بنت حزام الكلابية وشمر كان كلابيا ، وقال ابن جرير : وكان شمر قد أخذ من ابن زياد أمانا لبنيها وكانت تحت علىعليه‌السلام ، وهؤلاء الثلاثة بنوها وذكر ابن جرير أيضا : أن جرير بن عبد الله ابن مخلد الكلابى كانت أمّ البنين عمّته فأخذ لهم أمانا هو وشمر بن ذى الجوشن(١) .

١٢ ـ قال عبد الرزاق المقرم : وافتعل ابن سعد على أبى الضيم ما لم يقله وكتب به الى ابن زياد زعما منه أن فيه صلاح الأمّة وجمال النظام فقال فى كتابه : أمّا بعد فانّ الله أطفأ النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامة ، وهذا حسين أعطانى أن يرجع الى المكان الّذي منه أتى ، أو يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده فى يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه وفى هذا رضا لكم وللامّة صلاح.

هيهات أن يكون ذلك الأبى ومن علّم الناس الصبر على المكاره ، وملاقاة الحتوف طوع ابن مرجانة منقادا لابن آكلة الاكباد أليس هو القائل لأخيه الأطرف : والله لا أعطى الدنية من نفسى ، ويقول لابن الحنفية : لو لم يكن ملجأ لما بايعت يزيد ، وقال لزرارة بن صالح : إنّى أعلم علما يقينا أن هناك مصرعى ومصارع أصحابى ، ولا ينجو منهم الا ولدى علىّ وقال لجعفر بن سليمان الضبعى : أنّهم لا يدعونى حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفى. وآخر قوله يوم الطف :

ألا وان الدعى ابن الدعىّ قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا

__________________

(١) تذكره الخواص ٢٤٩.


الذلة ، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وانوف حمية ونقوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، وإن حديث عقبة بن سمعان يفسر الحال التي كان عليها أبو عبد اللهعليه‌السلام .

قال صحبت الحسين من المدينة الى مكّة ومنها الى العراق ولم افارقه حتّى قتل وقد سمعت جميع كلامه ممّا سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس من أن يضع يده فى يد يزيد ، ولا أن يسيره الى ثغر من الثغور ، لا فى المدينة ولا فى مكّة ولا فى الطريق ولا فى العراق ولا فى عسكره إلى حين قتله ، نعم سمعته يقول دعونى أذهب الى هذه الارض العريضة.

لمّا قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه وأراد أن يجيبه فقام الشمر ، وقال : أتقبل هذا منه بعد أن نزل بأرضك والله لئن رحل من بادرك ولم يضع يده فى يدك ليكوننّ أولى بالقوّة ، وتكون أولى بالضعف والوهن ، فاستوصب رأيه وكتب الى ابن سعد : أمّا بعد إنّى لم أبعثك إلى الحسين ، لتكفّ عنه ولا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة ولا لتكون له عندى شفيعا.

انظر ، فان نزل حسين وأصحابه على حكمى ، فابعث بهم إلىّ سلما وإن أبو فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثل بهم ، فانّهم لذلك مستحقّون ، فان قتلت حسينا فأوطأ الخيل صدره وظهره ، ولست أرى انه يضرّ بعد الموت ولكن على قول قلته لو قتلته لفعلت هذا به ، فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع وان أبيت فأعتزل عملنا وجندنا ، وخلّ بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر ، فأنا قد أمرناه بذلك.

فلمّا جاء الشمر بالكتاب قال له ابن سعد : ويلك لا قرب الله دارك وقبح الله ما جئت به ، وإنّى لأظن أنّك الّذي نهيته وأفسدت علينا أمرا رجونا أن يصلح ، والله لا يستسلم حسين فانّ نفس أبيه بين جنبيه ، فقال الشمر : أخبرنى ما أنت


صانع أتمضى لأمر أميرك؟ وإلّا فخلّ بينى وبين العسكر ، قال له عمر : أنا أتولّى ذلك ولا كرامة لك ، ولكن كن أنت على الرجالة. وصاح الشمر بأعلى صوته : أين بنو اختنا؟ أين العبّاس واخوته؟ فأعرضوا عنه. فقال الحسين : أجيبوه ولو كان فاسقا قالوا : ما شأنك وما تريد؟ قال : يا بنى أختى أنتم آمنون لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد ، فقال العبّاس : لعنك الله ولعن أمانك أتؤمنّنا وابن رسول الله لا أمان له وتأمرنا أن ندخل فى طاعة اللعناء وأولاد اللعناء.

لمّا رجع العبّاس قام إليه زهير بن القين وقال : احدثك بحديث وعيته قال : بلى فقال : لما أراد أبوك أن يتزوّج طلب من أخيه عقيل وكان عارفا بأنساب العرب أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب ليتزوّجها ، فتلد غلاما شجاعا ينصر الحسين بكربلاء ، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصّر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك ، فقال العبّاس : أتشجعني يا زهير فى مثل هذا اليوم والله لأرينك شيئا ما رأيته فجدل أبطالا. ونكس رايات فى حالة لم يكن من همه القتال ولا مجالدة الأبطال بل همه إيصال الماء الى عيال أخيه(١)

قال العطاردى :

تمّ المجلّد الاول من مسند الامام أبى عبد الله الحسين الشهيدعليه‌السلام ويتلوه ان شاء الله المجلد الثانى وأوّله باب ما جرى فى ليلة عاشورا.

__________________

(١) مقتل الحسين : / ٢٢٩


فهرست العناوين


١ ـ فهرست العناوين والابواب

مقدمة المؤلّف ٥

باب ولادتهعليه‌السلام ٧

باب أسمائه وألقابهعليه‌السلام ٢٢

باب فضائله ومكارم أخلاقهعليه‌السلام ٣٢

باب امامتهعليه‌السلام ٥٢

باب على وفصاحتهعليه‌السلام ٦١

باب خوارق عاداتهعليه‌السلام ٦٥

باب منزلته عند النبيّعليهما‌السلام ٨٩

باب فطرس الملك ١٠١

باب جوده وشجاعتهعليه‌السلام ١٠٤

باب انّهعليه‌السلام أحبّ أهل الأرض ١٠٨

باب أنّ الحسين منّى وأنا منه ١١٠

باب أنّ الامامة فى ولدهعليه‌السلام ١١٣

باب ان الحسين على عضد النبيّعليهما‌السلام ١٢٤

باب أنّه ريحانة رسول اللهعليهما‌السلام ١٢٨


باب أنّهعليه‌السلام سيّد شباب أهل الجنّة ١٣٠

باب أنّ الحسين على ظهر النبيّعليهما‌السلام ١٣٢

باب أنّ الرسول يخطب والحسين يمشى بين يديهعليهما‌السلام ١٣٣

باب أنّ الرسول يصلى والحسين يلزم عنقهعليهما‌السلام ١٣٥

باب أنّ الرسول يسقى الحسينعليهما‌السلام ١٣٦

باب أنّ اسمهعليه‌السلام مكتوب على العرش ١٣٨

باب أنّه ابن رسول اللهعليهما‌السلام ١٣٩

باب أنّهعليه‌السلام سيّد الشهداء ١٤٠

باب ما جرى بينهعليه‌السلام وأبو ذر ١٤٣

باب ما جرى بينهعليه‌السلام وابن الحنفية ١٤٤

باب ما جرى بينهعليه‌السلام وأبو بكر ١٤٦

باب ما جرى بينهعليه‌السلام وعمر بن خطاب ١٤٧

باب ما جرى بينهعليه‌السلام ومعاوية ١٥٠

باب ما جرى بينهعليه‌السلام ومروان ١٧٣

باب ما جرى بينهعليه‌السلام والوليد ١٧٧

باب الاخبار عن شهادتهعليه‌السلام ١٧٨

باب امتناعهعليه‌السلام عن البيعة ٢٤٥

باب خروجهعليه‌السلام من المدينة ٢٦٧

باب ما جرى لهعليه‌السلام بمكّة المكرّمة ٢٧٨

باب ارسال مسلم بن عقيل الى الكوفة ٣١٢


باب شهادة مسلم بن عقيلعليه‌السلام ٣١٧

باب خروجهعليه‌السلام الى العراق ٤١٥

باب ما جرى لهعليه‌السلام بين مكة والقادسية ٤٣١

لقائهعليه‌السلام مع الفرزدق الشاعر ٤٣١

لقائهعليه‌السلام مع عبد الله بن مطيع ٤٣٥

ارسال قيس بن مسهر الى الكوفة ٤٣٦

لقائهعليه‌السلام مع زهير بن القين ٤٤١

لقائهعليه‌السلام مع عبد الله بن سليمان ٤٤٦

لقائهعليه‌السلام مع يحيى بن شداد ٤٤٩

الحسينعليه‌السلام يخبر عن شهادته ٤٥٠

اخبارهعليه‌السلام عن شهادة مسلم ٤٥١

اخبارهعليه‌السلام عن شهادة عبد الله بن يقطر ٤٥٥

لقائهعليه‌السلام مع عمرو بن لوذان ٤٥٦

لقائهعليه‌السلام مع رسول ابن الاشعث ٤٥٧

لقائهعليه‌السلام مع رجل من بنى عكرمة ٤٥٨

كلامهعليه‌السلام مع بحير الأسدي ٤٥٨

صوت الهاتف وعلى بن الحسين الأكبر ٤٥٩

الحسينعليه‌السلام وأبو هررة الازدى ٤٦٢

الحسينعليه‌السلام وبشر بن غالب ٤٦٢

الحسينعليه‌السلام وأبو هرم ٤٦٣


الحسينعليه‌السلام وعبيد الله بن الحر ٤٦٣

الحسينعليه‌السلام والطرماح بن عدى ٤٦٦

الحسينعليه‌السلام وعمرو المشرقى ٤٦٧

باب ما جرى له مع الحرّ بن يزيد ٤٦٨

باب نزولهعليه‌السلام بكربلاء ٤٨٧

باب اجتماع الجيوش حول الحسينعليه‌السلام ٤٩٤

باب منع الماء عن خيام الحسينعليه‌السلام ٥٠٧

باب محاصرة الحسينعليه‌السلام ٥١٣


مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام الجزء ١

مسند الإمام الشهيد أبي عبدالله الحسين بن علي عليهما السلام

مؤلف: الشيخ عزيز الله العطاردي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 531